"الإخوان المسلمين".. هل "جيتو" منغلق أم تربية أفراد؟

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
"الإخوان المسلمين".. هل "جيتو" منغلق أم تربية أفراد؟


إعداد : إخوان ويكي


مقدمة

جماعة الإخوان المسلمين الجماعة التي ستظل مثار جدل واهتمام لجميع دوائر صنع القرار في الغرب والشرق، والتي حظيت باهتمام بالغ الأهمية في الأوساط الرسمية والشعبية، بل والمراكز البحثية للخصائص التي تشكل إطار هذه الجماعة، وللضربات التي تعرضت لها على مدار التسعين عامًا الماضية، ومع ذلك ما زالت قائمةً، فما حقيقة هذا الصراع وخروج الإخوان في كل صراع بأضرار عامة دون التأثير في الجسد، فهل التربية هي الحصن الحصين لها؟ أم أنه "جيتو" منغلق لا يسمح للغير بالاقتراب منه؟

مرّت دعوة الإخوان خلال التسعين عامًا بعدة مراحل وفترات متباينة، تغيرت فيها طبيعة العمل الإخواني وطبيعة الانتشار، وفق رؤية النظام وانسجامه مع الإخوان أو صدامه معها؛ ما جعل الجماعة تعمل على الحفاظ على أفرادها وكينونتها وفق الأطر والمنهج التي حددته أهداف الجماعة منذ نشأتها، والتي تتمحور في إطار القرآن الكريم والسنة المطهرة، وهي الأهداف التي حددها الأستاذ حسن البنا – مؤسس جماعة الإخوان المسلمين – في الأصل الثاني من الأصول العشرين والذي جاء فيه: والقرآن الكريم والسنة المطهرة مرجع كل مسلم في تعرف أحكام الإسلام، ويفهم القرآن طبقًا لقواعد اللغة العربية من غير تكلف ولا تعسف، ويرجع في فهم السنة المطهرة إلى رجال الحديث الثقات (1). ووفق هذه الأطر ظلت جماعة الإخوان المسلمين تعمل ويزداد انتشارها وسط الناس.

مرت الجماعة بمرحلة انطلاق وانتشار فترة الأستاذ حسن البنا وعلى مدار عشرين عامًا، حتى كان قرار الحاكم العسكري بحل الجماعة بناءً على طلب سفير أمريكا وبريطانيا وفرنسا عام 1948م، ثم كانت مرحلة انحسار قبل أن تعود الجماعة وتختار مرشدًا جديدًا، وتشارك في نجاح ثورة 23 يوليو 1952م، وذلك قبل أن تصطدم مع العسكر الجدد وتغيب ما يقرب من عشرين عامًا، لتخرج بعدها ضعيفة نوعًا ما، لكنها سرعان ما تنتشر وسط الشباب الجامعي وتنفتح على المجتمع، وتشارك في المجالات السياسية والنقابية والاجتماعية وغيرها، رغم مواجهتها مع النظام الحاكم الذي كان يقيد حركتها أحيانًا ويشلها أحيانًا أخرى، قبل أن تعود لقوتها وتسيطر على المشهد العام بعد ثورة 25 يناير 2011م ثم تعود وتغيب في أكبر ضربة وُجّهت لها ليس في مصر فحسب، بل في العالم كله وليس من النظام المصري فحسب، بل العديد من الأنظمة الحاكمة والتي تقف خلفها وتدعم موقفها العديد من الدول الغربية، وعلى رأسهم أمريكا بعد تولي ترامب دفّة الحكم فيها.

كانت كل مرحلة لها طبيعتها ولها أقلامها التي يستعين بها النظام في محاولة لتشوية وأضعاف موقف الإخوان أمام الرأي العام وإظهارهم في أبشع صورهم، وتصوير تاريخهم بالمليء بالدماء والإرهاب، وأنهم مثل الماسونية أو اليهودية في تربيتهم أو انغلاقهم في "جيتو" خاص بهم. مفهوم "الجيتو"

الجيتو أو الغيتو وبالإنجليزية ghetto وهي بمعنى حي (أو الأقليات) أو حي بمدينة. والجيتوGhetto قطاع من مدينة أوروبية تسكنه أَقلية عرقية، أو دينية، أو مجموعة قومية. والمصطلح أصلاً يشير إلى قطاعات في المدن الأُوروبية، استوطن فيها اليهود، أو أُجبروا على العيش فيها. واليوم، يطلق المصطلح على المناطق الفقيرة؛ حيث أُجبرت الأَقليات القومية على العيش فيها بسبب الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، ولكن التسـمية أصبحت مرتبطـة أسـاسًا بأحياء اليهود في أوربا.

اتهامات متكررة

دأب النظام الحاكم منذ حل الجماعة الأول في ديسمبر من عام 1948م على إطلاق التهم ومحاولة إلصاقها بجماعة الإخوان المسلمين، مستعينين في ذلك ببعض الأقلام، سواء الموالية له أو الكارهة لجماعة الإخوان المسلمين، سواء بكونها جماعة ماسونية، أو جماعة صنعها الاستعمار، أو بيهودية حسن البنا، أو جماعة منغلقة في "جيتو" إخواني، أو إلصاق صفة الإرهاب لها منذ اشتراكها في حرب فلسطين عام 1948م.

وفي الأزمة الأخيرة بين الأنظمة العربية والتيار الإسلامي عامة والإخوان المسلمين خاصةً أطلقوا العنان لكتّابهم في محاولة تشوية هذه الحركات الإسلامية، وإظهارها في أبشع صورة حتى يستطيع توجيه الضربات لها دون اعتراض الرأي العام، بل كان يسعى من وراء هذه الحملات لإضعاف هذه التيارات والعمل على محوها إن استطاعوا، ولذا استجاب له كثير من الكتاب والصحفيين الذين أطلقوا العنان لأقلامهم؛ لنهش لحوم الجماعات الإسلامية الوسطية، ومحاولة إلصاق كل نقيصة بهم، ومنها أنهم يعيشون "جيتو" منغلقًا، على الرغم من أن لفظ الجيتو يحتمل معنيين؛ معنى عامًّا، وهو أن بعض الأقليات تتخذ حيًّا أو مكانًا خاصًّ بها بعيدًا عن الجميع في "جيتو" خاص بهم أو خاص بأن يفرض عليهم التقوقع في جيتو خاص بهم، فلا يخرجون إلا بإذن النظام الحاكم، فأي المعنيين قصد كتاب وصحفيي السلطة؟ وهل فعلاً يدركون هذه المعنى أم أنهم يرددون ما يمليه عليهم رجال النظام كالببغاوات دون فهم لما يسطرون أو يكتبون؟

فالواقع يؤكد أن التيار الإسلامي لم ينغلق في يوم ما على نفسه، ولم ينعزل عن الناس، لكن العكس هو الصحيح؛ بأن التيار الإسلامي من أكثر من تغلغل وانتشر وسط المجتمعات، وهو الانتشار الذي ترجمته جميع الاستحقاقات الانتخابية في كل بلد تواجد فيها الإخوان المسلمين، بل هو الانتشار الذي أقلق النظام في مصر وغيرها، حتى إن كثيرًا من الصحف العالمية لاحظت هذا الأمر في مسألة كنجاح الإخوان في نقابات مصر والأردن وغيرها، أو في التعامل مع السيول وزلزال 1992م، يقول الدكتور هشام العوضي: بل إن الإخوان سبقوا المؤسسات الحكومية أثناء زلزال 1992م بتقديم الخدمات الصحية والرعاية الاجتماعية، وإغاثة المضطرين، وإقامة الخيام للمتضررين؛ ما جعل النظام يهدم كل الخيام التي أقامها الإخوان في القلعة والقاهرة القديمة (2).

وقد ذكرت وكالة الأنباء الفرنسية أن الجماعة الإسلامية "الإخوان" قامت بتعبئة أنفسهم لتقديم مساعدة متواضعة لكن سريعة لآلاف الفقراء والبسطاء الذين يشكلون غالبية منكوبي الزلزال العنيف الذي ضرب مصر (3).

إلا أن البعض يحلو له أن يقدم خدماته للأنظمة في تشوية تاريخ وسمعة خصومهم، فنجد مثلاً حامد المسلمي يعمل دراسة بعنوان [جيتو الإخوان]؛ حيث اتهم في صدر المقال جماعة الإخوان المسلمين بالعنصرية [ولا أدري كيف بني وجهة نظرة لإطلاق هذه التهم]، إلا أنه إذا عرف السبب بطل العجب، فالكاتب يعيب على الإخوان نظام الأسر التربوي [الأسرة هى النواة الأولى لتنظيم الإخوان تتكون من عدد 5 إلى 7 من الأعضاء ، يرأس كل أسرة مسؤول يسمى "نقيب"، تتلقى الأسرة برنامجا تربويا عبارة عن برنامج ثقافي وجزء اجتماعي يشمل التعارف التفاهم وتكافل والتكافل، وبرنامج تربوي يشمل قيام اليل الجماعي]، كما يعيب عليهم التصاهر فيما بينهم[رغم أنهم من مختلف العائلات والبلاد والمراكز الاجتماعية وغيرها، كما تجاهل عن عمد أن الإخوان تربَّوا على الكتاب والسنة، ولذا يسعون لاختيار الفتيات المتمسكة بشرعها، سواء من الإخوان أو من خارجهم، والتي أيضًا تتحمل ما يتعرض له الدعاة من ابتلاءات أمام الأنظمة الحاكمة]، فيقول المسلمي: ولكن زواج الإخواني من إخوانية ليس إلا تطبيقًا عمليًّا للركن العقائدي العنصري عند الجماعة (4).

الغريب جدًّا أن الكاتب حاول أن يطعن في عقيدة الإخوان، وهو ما لم يتكلم به أحد تعامل أو عاشر الإخوان، إلا أن الجميع يُثنون على من يعرفونهم في أخلاقهم وحسن عبادتهم وحفاظهم على صلواتهم، فيقول: تعلق بنظرة الإخواني إلى نفسه؛ حيث يشعر أنه الأفضل، وهو المسلم الصحيح، وما دونه به نقص؛ لذا ينظر إلى الآخرين من أعلى، وعليه فمن الطبيعي أن يتزوج "الأخ الكامل" من "الأخت الكاملة"؛ حيث يقول حسن البنا مؤسس الجماعة في رسائله: "إن دعوتكم هذه أسمى دعوة عرفتها الإنسانية.. وإذ كنتم كذلك فدعوتكم أحق أن يأتيها الناس، ولا تأتي هي أحدًا، وتستغني عن غيرها؛ إذ هي جماع كل خير، وما عداها لا يسلم من النقص" (5).

وأنا لا أتعجب من ليّ الحقائق التي حاول الكاتب أن يسوقها، خاصةً أن جميع من شرح رسائل حسن البنا يؤكد أنه يقصد بالدعوة هي الدعوة الإسلامية وليس تنظيم الإخوان.

ثم يضيف: أدى شعور الاستعلاء والعنصرية والوصاية على المجتمع والبشرية المتجذر عند الإخوان إلى دخولهم في صدامات عنيفة مع المجتمع، ارتكبوا فيها العديد من الجرائم والاغتيالات ضد السياسيين ورجال الحكم والسلطة والقضاء والدين.

ونطلب من الكاتب أن يذكر عدد حالات العنف التي حدثت من الإخوان تجاه مجتمعهم خلال التسعين عامًا، ويقارنها بما تقوم به الأنظمة الحاكمة التي تبيد شعوبها من اجل الكرسي، وليدعني أتوجه له بسؤال: لماذا خرجت الجموع لينتخبوا الإخوان وضحَّوا بأنفسهم أمام جبروت النظام وعصا الأمن حتى في أشد قوة النظام مثل عام 1987م و2000 و2005 هذا غير النقابات وغيرها، ولذا لا أجد الحيادية من الكاتب، إلا أنه من أجل تسويق بحثه بما يتوافق مع سياسة موقع المرجع كتب ما كتب دون أن يقدم من تاريخ الإخوان مثالاً إلا فترة ما بعد الانقلاب عليهم وعنف الأنظمة العربية كلها معهم، وكون الشرطة والقضاء مسيّسين، ولذا يستند إلى هذه الأحكام دون حتى النظر إلى تقارير منظمات حقوق الإنسان أو الأمم المتحدة والتي تكشف عن زيف هذه الأحكام.

ولا أدري هل الكاتب يدرك ما يكتب أو أنه مجبر على فعل ذلك؛ حيث يتعجب من زواج عاكف من أخت عزت أو الشاطر وغزلان، ولا أدري ما المشكلة هنا، وهو الزواج الذي وصفه الله سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}(الروم21).

ثم يزداد قبحًا في اختيار الكلمات، حينما طعن أن الإخوان أصحاب قدرات ومهارات متواضعة وتغافل عن عمد تهمًا أخرى توجه للإخوان، بأنهم مجتمع مثقف ومعظمه دكاترة ومهندسون وإعلاميون وأساتذة جامعات، وأنهم قليلو العناية بالعمال والفلاحين، ولا أدرى كيف يرضي الإخوان الجميع!.

ما لا يعرفه الكاتب أن الإخوان فيهم – بشهادة الجميع – من أفضل الخبرات، والدليل كما ذكرت مواقفهم في التعامل مع المجتمع في الأزمات التي فاقت الحكومة، والدليل وزير التموين الدكتور باسم عودة الذي لم يتولَّ الوزارة مثله أحد حتى الآن – بشهادة النظام العسكري رغم قصر فترة توليه- ونصيحتي للكاتب أن تتعرف على سير الإخوان وجهودهم ودورهم، وأنت تعرف الحقيقة التي تريد أن تخفيها عمدا (6).

الغريب أن المواقع التابعة للنظام المصري العسكري هي التي تحدثت عن هذه القضية محاولةً تشويه صورة الإخوان وتصويرهم بأنهم مجتمع منغلق على نفسه، عديم الكفاءات وهو ما يقع فيه ألسنة النظام – مثلها مثل القنوات الإعلامية – في تصادم مع الواقع الذي لا يمتُّ لما ذكره، مثل هؤلاء الباحثين من ذوي أرباب السلطان.

تربية وليست "جيتو"

يشهد الجميع أن الإخوان وعلاقتهم بهم لم تكن في يوم من الأيام منغلقة، بل يعتبرون الإخوان من أفضل الكيانات الإسلامية انفتاحًا على الآخرين، وأن لهم أطرهم وتربيتهم، مثل الأحزاب السياسية، وجميع الكيانات التي تحرص على أن ترفع كفاءة المنتمين إليها بما يتوافق مع سياسة ومبادئ المؤسسة التي ينتمي إليها.

يقول ابن قيم الجوزية: أدب المرء عنوان سعادته وفلاحه، وقلة أدبه عنوان شقاوته وبواره. فما استُجْلِب خيرُ الدنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا استجلب حرمانهما بمثل قلة الأدب.

هَدف الأستاذ حسن البنا لنشأة جماعة تعمل على الفهم الصحيح للإسلام والعمل على دحر المستعمر وإجلائه عن البلاد الإسلامية، ومن ثم عمد إلى إيجاد وسائل تحيي قلوب الناس وتصرفهم عن التفكير في سفاسف الأمور، ولذا كانت التربية والمتابعة من أنجح الوسائل التي اتبعها في تكوين جماعة الإخوان؛ حيث عبر عن ذلك بقوله: "إن تكوين الأمم، وتربية الشعوب، وتحقيق الآمال، ومناصرة المبادئ، تحتاج من الأمة - التي تحاول هذا أو من الفئة التي تدعو إليه على الأقل - قوة نفسية عظيمة تتمثل فى عدة أمور: إرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف، ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر، وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل، ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له، يعصم من الخطأ فيه والانحراف عنه والمساومة عليه والخديعة بغيره.

على هذه الأركان الأولية التي من خصائص النفوس وحدها، وعلى هذه القوة الروحية الهائلة تُبنى المبادئ وتتربى الأمم الناهضة، وتتكون الشعوب الفتية، وتتجدد الحياة فيمن حرموا الحياة زمنًا طويلاً" (7).

كما كتب ليزيد الأمر إيضاحًا حول أهمية التربية فيقول: يا قومنا إن الأمم كلها تستعد وتتكون وتتلمس لذلك الوسائل، وقد وهب لكم الله من دينكم من التربية والتكوين ما لم يهبه لغيركم، فاعملوا على تربية أنفسكم وتكوين أرواحكم وتوحيد صفوفكم، فإن لم يكن ذلك لتكونوا مجاهدين في سبيل الله يوم تحين الساعة لذلك الجهاد فليكن لأن هذه الروح خير ما ينفعكم في حياتكم اليومية، كذا يريد الإسلام أن تكونوا (8).

لقد أراد الإخوان تخريج أناس للمجتمع، يعرفون حدود دينهم وقدسية أوطانهم، دون أن تفتنهم المغيرات أو تعصف بهم الشهوات، وهو الأمر الذي لا يقتصر على المعرفة الدينية وحفظ المتون، لكن التربية التي قصدها الإخوان التربية العملية لمعاني الإسلام، والتي وصفت به السيدة عائشة – رضى الله عنها – النبي - صلى الله عليه وسلم - بقولها: [كان قرآنًا يمشي على الأرض] حديث حسن كما ذكر الألباني في صحيح أبي داود برقم [4015]، والتي ذكرها محمد بن محمد المختار الشنقيطي بقوله: فكان القرآن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم والكل يراه، والكل يعلمه ويشاهده، فحققوا القرآن بالعمل، وما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وكل واحدٍ من أصحابه قرآنٌ يمشي على وجه الأرض".

لقد أراد الإخوان بتربيته إخراج أجيال تعرف حقيقة إسلامهم ليكونوا سفراء خير للبشرية، هذه الصفات التي فتح بها التجار المسلمين شرق آسيا، والتي وصفها عائض القرني، بقوله: كان التاجر يذهب إلى جاكرتا في إندونيسيا، وهو تاجر لا يحفظ إلا الفاتحة، وقل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق.. فيرون وجهه فإذا عليه النور، ويرون معاملته فإذا هي الصدق والوفاء، ويرون معاملته فإذا هو قرآن يمشي فوق الأرض، فيدخلون في دين الله أفواجًا (9).

هذه هي التربية التي يعمل من أجلها الإخوان وليس تربية منغلقة وإلا ما التحق أحد بهذه الدعوة والسير في ركابها في مشارق الأرض ومغاربها. لم تكن جماعة الإخوان مجتمعًا منغلقًا على نفسها، ولم يقتصر تأثيرها في محيط أعضائها، لكنهم انتشروا في كل القرى والنجوع والأحياء يرسخون في النفوس المعاني التي تربوا عليها وساروا على منهجها، ومنها:

  1. التربية على النجاح المقترن بالإيمان، فقد كان يحفّز أبناءه على النجاح والتفوق.
  2. تعديل السلوك بطريقة عملية قائمة على الإقناع.
  3. التشجيع على الاختلاط بالناس والانفتاح المنضبط، فالانفتاح والتعامل مع الناس، عامل أساس في التنشئة السليمة.
  4. الاهتمام بالبناء العلمي والثقافي.
  5. الاهتمام بالتربية الترويحية، فالترويح عن النفس، من العناصر المهمة والأساسية في بناء الشخصية السوية (10).

وهي التربية التي وصفها الدكتور القرضاوي بقوله: إن التربية الإخوانية لا تضع كل اهتمامها في الناحية الروحية أو الخلقية التي يعنى بها المتصوفة والأخلاقيون، ولا تقصر كل جهودها على الناحية الفكرية التي يهتم بها الفلاسفة والعقليون، ولا تجعل أكبر همها في التدريب والجندية كما يصبغ المصلحون الاجتماعيون، إنها في الواقع تهتم بكل هذه الجوانب، وتحرص على كل هذه الألوان من التربية، ذلك أنها تربية للإنسان كل الإنسان، عقله وقلبه وروحه وبدنه، خلقه وسلوكه، كما أنها تعد هذا الإنسان للحياة بسرَّائها وضرّائها، سلمها وحربها وتعده لمواجهة المجتمع بخيره وشره، حلوه ومرّه (11).

إن أهم ما يميز عمل جماعة الإخوان المسلمين - على اختلاف البيئات التي تعمل فيها واتساع المناطق الجغرافية التي يتواجد أبناؤها بها - أنها تتبنى منهجا تربويا شاملا وواحدا؛ يضم الجانب العقائدي والفكري والفقهي والسياسي والروحي والقراءة الواحدة للتاريخ والحاضر والمستقبل، ويستقي كل ذلك من القرآن والسنة، ثم من المنهج الفقهي للجماعة، وأدبياتها.

وتهدف الجماعة من وراء ذلك بناء أبناء الجماعة والمجتمع – ذكورا وإناثا – وصياغة الفهم الإسلامي الواحد، والسمت الإسلامي الواحد، والرؤية الإسلامية الواحدة، والالتزام الإسلامي الواحد، والسلوك الإسلامي الواحد لدى كل أبناء الجماعة ذكورا وإناثا.

لقد انتفعت جماعة الإخوان المسلمين بالتراث الإسلامي كله، فأخذت من علماء الشريعة العناية بالنصوص والأحكام، ومن علماء الكلام الاهتمام بالأدلة العقلية وردّ الشُبهات، ومن علماء التصوف العناية بتربية القلوب وتزكية النفوس، مع الحرص البالغ على التحرر مما علق بهذا التراث من شوائب ومحدثات، والرجوع إلى النبع الصافي من كتاب الله وسنّة رسوله.

وفي هذا يضع الإمام البنا رؤية الإخوان من التعامل مع مدلولات التربية التراثية فيقول:

"يعتقد الإخوان المسلمون أنّ أساس التعاليم الإسلامية معينها هو كتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، اللذان إن تمسكت بهما الأمة فلن تضل أبدًا، وأن كثيرًا من الآراء والعلوم التي اتصلت بالإسلام، وتلونت بلونه تحمل لون العصور التي أوجدتها، والشعوب التي عاصرتها، ولهذا يجب أن تستقي النُظم الإسلامية التي تُحمل عليها الأمة من هذا المعين الصافي: معين السهولة الأولى، وأن نفهم الإسلام كما كان يفهمه الصحابة والتابعون من السلف الصالح رضوان الله عليهم، وأن نقف عند هذه الحدود الربانية، حتى لا نُقيِّد أنفسنا بغير ما قيَّدنا الله به، ولا نلزم عصرنا لون عصر لا يتفق معه، والإسلام دين البشرية جميعًا (12).

وفي الختام أسوق لأرباب وأقلام الأنظمة العسكرية والديكتاتورية ما كتبه إحسان عبدالقدوس الذي سطر بقلمه حقيقة وطبيعة التربية الإخوانية فقال: تحت عنوان [الرجل الذي يتبعه نصف مليون] وستمر في طريقك داخل الدار بمخازن الذخيرة التي يمتلكها الإخوان: وهي الشباب، شباب امتلأت بهم حجرات الدار على سعتها، ترى على وجوههم نور التقوى والإيمان، وفي عيونهم حماسة الجهاد، وبين شفاههم ابتسامة تدعو إلى المحبة والإخاء، وفي يد كل منهم مسبحة انحنى عليها بروحه يذكر اسم الله، وهم مع كل ذلك شبان (مودرن)، لا تحس فيهم الجمود الذي امتاز به رجال الدين وأتباعهم، ولا تسمع في أحاديثهم التعاويذ الجوفاء التي اعتدنا أن نسخر منها، بل إنهم واقعيون يحدثونك حديث الحياة لا حديث الموت، قلوبهم في السماء ولكن أقدامهم على الأرض، يسعون بها بين مرافقها، ويناقشون مشاكلها، ويحسون بأفراحها وأحزانها، وقد تسمع فيهم من "ينكِّت" ومن يحدثك في الاقتصاد والقانون، والهندسة، والطب (13).

لم يكن الإخوان المسلمين في يوم ما منغلقين ولا منعزلين في "جيتو" خاص بهم ويكفي ما كتبه العلماء والزعماء في مصر عن الإخوان وحسن البنا – وهو ما لم يعجب النظام العسكري ولا زبانيته وأقلامه – فكتب الشيخ حسنين مخلوف - مفتي مصر عام 1946م - بقلمه قوله: أخذ الشيخ البنا على نفسه عهدًا أن يرشد العامة إلى الحق، وينشر بين الناس هذه الدعوة، وينظم طرائقها ويعبّد سبلها ويربّي الناشئة تربية إسلامية تنزع من نفوسهم خواطر السوء وأخطار الهواجس، وتعرفهم بربهم وتدنيهم من دينهم الذي ارتضاه الله لهم، فكان له ما أراد، وتحمل في ذلك المشاق والمتاعب، بما لا قبل باحتماله إلا للرجل الصبور والمؤمن الغيور الذي يبغي ربه بما يعمل، ويشعر بدافع نفسي قوي إلى إنقاذ أمته من شر وبيل وذل مقيم (14).

ويؤكد هذه النتائج ما كتبه الدكتور العلامة أحمد شلبي بقوله: إن هذه الجماعة لعبت دورًا إسلاميًّا رائعًا في حياة الصبيان والشباب والرجال، وغرست أخلاق الإسلام في الملايين، وجعلت الانتساب للإسلام مفخرةً يعتز بها الكثيرون، ودفعت إلى المكاتب والمصانع والوظائف جماعاتٍ تعرف اللهَ وتخافه، وبالتالي تنتج بجد، وتعمل دون رقيب من الناس ولا تمتد لها الشبهات ولا يمسها الانحراف، وكانت كلمة "من الإخوان المسلمين" طابعًا للتنزُّه عن الصغائر، والبُعد عن الرشوة وعن الإهمال، والحرص على أداء الواجب، وحيثما رأيت الآن رجلاً يبرز به هذا الطابع فاعرف أنه غالبًا كان منتسبًا إلى جماعة الإخوان المسلمين (15).

وقال الشيخ محمد مصطفى المراغي – شيخ الأزهر الشريف - إن الأستاذ البنا رجل مسلم غيور على دينه، يفهم الوسط الذي يعيش فيه، ويعرف مواضع الداء في جسم الأمة الإسلامية، ويفقه أسرار الإسلام، وقد اتصل بالناس اتصالاً وثيقًا على اختلاف طبقاتهم، وشغل نفسه بالإصلاح الديني والاجتماعي، على الطريقة التي كان يرضاها سلف هذه الأمة (16).

كما شهد بعض علماء الأزهر الشريف وقادته لجماعة الإخوان بحسن تربيتها لأفرادها، أمثال الشيخ محمود أبو العيون - السكرتير العام للأزهر عام 1946م- بقوله: جعل الإخوان المسلمون دارهم مدرسة يعلمون الناس حقيقة الإسلام بعد أن غفل الناس عن حقيقة أنفسهم وإن شباب الإخوان يمثلون أبطال الإسلام المغاوير فهم يحملون شارة الإخلاص والتضحية والجهاد والإيمان الحق".

ولذا فتربية الإخوان لا تتوقف لأنها تعمل على إيجاد فكر شمولي للإسلام لا ينحصر في الزوايا والمساجد فقط، لكنه يشمل جميع مناحي الحياة؛ حيث عبر الأستاذ محمد قطب عن ذلك بقوله: "التربية لا تنقطع ولا تتوقف عند فترة معنية، ولا ينصرف الناس عنها إلى أمر آخر؛ لأن الأمر الذي استوجبها دائم لا ينقطع ولا يتوقف" (17).

إن التربية هدفها إصلاح المجتمع بأن تشيع فيه روح الإسلام ومعانيه، وأن يغلب عليه أنوار الإيمان ومظاهر العفة والتراحم، والتعاون على البر والتقوى، ونكران الذات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد، واستشعار المسئولية تجاه الأمة والبشرية، وفي المقابل تختفي منه مظاهر السلبية والأنانية والإعجاب بالنفس، والتفسخ الأخلاقي والإباحية..، وهذا لن يتم إلا بجهد تربوي يبذله الدعاة والعاملون للإسلام مع الناس.. كلٌ يعمل في محيطه، وليس انغلاقًا في "جيتو"، كما يحاول البعض أن يحصر تاريخ الإخوان وتربيتهم فيه.


المراجع

  1. رسالة التعاليم، مجموعة رسائل الأستاذ حسن البنا، دار الدعوة ، الإسكندرية، 1999م.
  2. هشام العوضي: صراع على الشرعية الإخوان المسلمون ومبارك (19822007) مركز دراسات الوحدة العربية (سلسلة أطروحات الدكتوراه ( 74)، 2009م، صـ 332.
  3. صحيفة الحياة: الجمعة 16/ 10/ 1992م الموافق 18 ربيع ثاني 1413هـ.
  4. أحمد المسلمي: «جيتو الإخوان».. دراسة في أركانه ونتائجه، https://bit.ly/2MNn1Wd
  5. المرجع السابق
  6. أحمد المسلمي: المرجع السابق
  7. رسائل الإمام البنا ، رسالة إلى أي شيء ندعوا الناس ، بمجلة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد 2 السنة 2، 26 محرم 1353 - 11مايو 1934، صـ(1-3).
  8. جريدة الإخوان المسلمين: العدد (25)، السنة الثانية، 16رجب 1353ه/ 25أكتوبر 1934م، صـ7.
  9. إسلام ويب: https://bit.ly/36iTP14
  10. معالم الفكر التربوي لدى الإمام الشهيد حسن البنا، أ.د. محمود خليل أبو دف (أستاذ أصول التربية بالجامعة الإسلامية بغزة2010م.
  11. يوسف القرضاوي: التربية الإسلامية ومدرسة حسن البنا، مكتبة وهبة - مصر. الطبعة الخامسة 1425هـ - 2004م، صـ 23
  12. المرجع السابق
  13. إحسان عبد القدوس: روزاليوسف، 13 سبتمبر 1945م.
  14. الدعوة: السنة الأولى – العدد (3) – 7جمادى الأولى 1370هـ / 13فبراير 1951م.
  15. أحمد شلبي: موسوعة التاريخ الإسلامي، الجزء التاسع، مكتبة النهضة المصرية , 1999م.
  16. مجلة المنار: الجزء الخامس – المجلد 35 ، غرة جمادى الآخرة 1358هـ / 18يوليو 1939م، صـ2.
  17. محمد قطب: مكانه التربية في العمل الإسلامي، دار الشروق، 2006،صـ 28.


للمزيد عن الإخوان والعالم

الإخوان حول العالم

الإخوان في السودان | الإخوان في ليبيا | الإخوان في الجزائر | الإخوان في تونس | الإخوان في المغرب | الإخوان في موريتانيا | الإخوان في قطر| الإخوان في فلسطين | الإخوان في الأردن | الإخوان في سوريا | الإخوان في لبنان | الإخوان في اليمن | الإخوان في العراق | الإخوان في البحرين| الإخوان في السعودية | الإخوان في الكويت | الإخوان في الإمارات | الإخوان في إيران | الإخوان في تركيا | الإخوان في إندونيسيا | الجماعة الإسلامية في باكستان | الإخوان في البوسنة والهرسك | جماعة الإخوان المسلمين وعلاقتها بأفغانستان| الإخوان في الصومال | الإخوان في جيبوتي | الإخوان في نيجيريا | الإخوان في السنغال الإخوان في بريطانيا | الإخوان في فرنسا | الإخوان في ألمانيا | الإخوان في أسبانيا | الإخوان في الولايات المتحدة الأمريكية | الإخوان في باقي دول العالم

كتب متعلقة

ملفات متعلقة

أبحاث متعلقة

تابع أبحاث متعلقة

مقالات متعلقة

أحداث في صور

.