الحركة الإسلامية في السودان

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث



الحركة الإسلامية في السودان
( التطور .. الكسب .. المنهج )



بقلم الدكتور/ حسن الترابي

توطئة

ما من حركةٍ للتجديد الإسلامي إلا لَزِمَ أن يكون مثالُها هو ذلك المنهاج القرآني السنِّي الذي انتقل بالناس من الجاهلية الأولى إلى الإسلام. فذلك المنهاج الانتقالي الشرعي هو أصلٌ والتزام ديني، ثم يكون الاستهداء بالسيرة الفقهية والعلمية لحركات الإِحياء والتجديد في تأريخ المسلمين، والاعتبار بمصائر حركات البعث في تاريخ البشر. لكن ذلك لا يَحِقُّ حُكمه ولا حِكمَتهُ إلا في سِياق الواقع المعيَّن الذي ابتُليت به حركة التجديد- أي ظروف المجتمع والطبيعة والمكان والعصر التي شكَّلت إطار التحدي لها ومثَّلت التخلف المادي والتقادم الديني الذي يُنشَدُ فيه الانتِهاضُ والتجديد. فمن حيث تحاول الحركة تنزيل تكاليِفِ الدين وهدى التاريخ على واقع الابتلاء المعين تكتسب الحركة منهاجها المخصوص في التجديد.

وما كانت الحركة الإسلامية في السودان بِدعَاً من حركات التجديد. فمنهاجها إسلامي، إذ يلتزم بحُكم الشريعة الخالدة ويهتدي بتراث الإسلام والإِنسان. وهو تجددي لأنه يختص بشأن محاولتِها الانتقالَ بالمسلمين من الجمود التأريخي إلي الإِحياء المعاصر. وهو سوداني، من حيث أنه يتكيَّف في وسائله بخصوص تراث السودان وظروفه، وفي أهدافه بخصوص واقع السودان وحاجاته، فيما يُراعِي خبرات العصر وأحوال العالم كافة.

فالكلام عن سيرة الحركة الإسلامية ومنهاجها في السودان إنما يدور بادئ الرأي حول كسبٍ ديني في التجديد والانتقال. أما الخصوص الظرفي المحلي فذلك أن المنهاج لا مغزى له ولا معتبر فيه إلا من حيث أنه تنزيلُ للشرع ووفاءٌ بالهم في الواقع. وتلك الحِكمة الاعتبارية هي التي جعلت شرع الإسلام نموذجًا تاريخيًا سنيًا صالحًا للاستقراء والاقتداء، لا كتابًا نظريًا يستَبهِمُ على القارئ وجهُ تحقيقه في الواقع الجديد الذي يليه,

وكثيراً ما يطَّلع المرءُ على كلام عن الحركة الإسلامية يُساق تجريدًا نظريًا، توهمًا بأن ذلك يحقق العموم وينفع الكافة. ومهما أجدي تحرير النصوص المجردة في بيان أبواب من فقه الدين لا تلابسها النسبية الظرفية، فإن فقه حركة التجديد والانتقال لا يجدي في إلا قصة نموذج معين يتحد فيه الحكم والواقع وصقًا وتحليلاً وتقويمًا، وهكذا قصًّ علينا القرآن قصص الحركات الرسالية وضرب لنا الأمثال ونصب لنا سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وجعل في ذلك المُعتبر الأولى الألباب.

وقد رأيت حاجة لهذا الكتاب عن الحركة الإسلامية في السودان. رأيتها لدى أجيال الإسلاميين الخالفين في السودان، جاءوا على أثر أجيال اجتهدت وجاهدت لتجدد أمر الدين وتطويرًا منهاج حركته وقدَّمت كسبًا يستدعى اجتهادًا مجددًا وجهادًا موصولاً ودفعًا لأمر الدين وتطويرًا لمنهاج حركته. ولن يتم ذلك بأوفق وجه إلا إذا تفهَّم الخلفُ ما بدأ السلف فاستغفروا لهم وشكروا ونقدوا وقدروا ثم بنوا علية ورتبوا وأتُّموا وقوَّموا حتى يسلموا الأمر لمن يأتي من بعدهم، فتتكامل القرون بغير فترة أو فجوة نحو مقاصد التقدم والإِحسان، ويتم توحيد الأمة عبر الزمان.

ثم رأيتُ مثل تلك الحاجة لدى الإسلاميين خارج السودان، ممن تعاملوا مع الحركة في السودان أو تسامعوا بها أو اهتموا. وكثيرٌ ما هم، لأن أهل دار الإسلام قاطبة، وأهل الحركة الإسلامية خاصة، تهفو قلوبهم نحو شأن الأمة حيثما كان. ثم إن الحركة الإسلامية بالسودان حاضرة بعناصرها المنتشرة في أنحاء العالم وبأخبارها المشتهرة في أنبائه، ثم إنها حركة مثيرة بأكثر من وجه. فمن جانب، تكثر منها المبادرات الفكرية والعملية التي يجدها الآخرون طريفة مبدعة أو غريبة مبتدعة، وخلافية شاذة أو توكلية رائدة، ومهما قدروا أو أنكروا فإنهم يَنشدُّون إلى الحركة في السودان. ثم هي- من جانب آخر- حركة ذات وقع مقدر على مجتمعها وما حوله، وقد بلغت من التجارب في العمل الإسلامي والمكاسب في تمكين الدين مبلغًا ملحوظًا إذا قيس بمبلغ المِثل من سائر الحركات. وأيًا ما كان داعي الاهتمام بالحركة الإسلامية بالسودان، فإنه يثير التساؤل عن حقيقة منهجها وحيثياتة النظرية والظرفية وتطوراته الفقهية والتطبيقية. وهذا الكتاب مشروعُ إجابة على تلك التساؤلات المهتمة، محررٌ بنهج يُيسِّر المقارنة والتقويم والاعتبار ويهيئ سببًا في توحيد الأمة عبر الزمان.

وقد يُلفى في الكتاب آخرون من غير الإسلامي ينبل من غير المسلمين بعضَ حاجتهم لفهم الحركة الإسلامية في السودان عينًا أو مثالًا للحركة الإسلامية الحديثة عامة. فهو بيانٌ لمن أراد منهم أن يتفهَّم من عاطفٍ أو عادلٍ وحجةٌ على من أراد أن يتهجم من ظالم أو عادٍ.

والكتاب يبدو رؤية شخصية للحركة من لدن عامل فيها لازمها منذ عهد النشأة وظل منها في صف القيادة لغالب سيرتها وكانت منه أكبر الهم لغالب سيرته. فهو يكتب عن تجربة وانفعال لا عن مراقبة باردة، لكنه يحاول أن يكون متجردًا موضوعيًا قوَّامًا بالقسط؛ ألَّا يبدو الكتاب سيرةً شخصية من خلال مادة الحركة، ولا تقويمًا تحكُّميًا بمحض الهوى والذوق الذاتي.

وعزائي أن من الناس من يُؤِثر المؤلَّف الفردي بلونه وطعمه ورائحته على المؤلَّف الرسمي الذي قد يفرط في التحيُّد والتجريد. ولا يزرُ عنى وأزرٌ وزرً أي قصورٍ في معالجة الموضوع أو حكمٍ غير سليم أو فقه سقيم أعملتهُ في التقويم أو أوردته عرضًا في ثنايا الكلام، لكن كثيراً من الفضل يعود إلى طلاب من جامعة الخرطوم وإخوة معهم، هم دفعوني لوضع مسودَّات الكتاب وهم نصحوني بالتعليق وحفزوني بالسؤال وأسهموا إسهامًا في تطوير المادة وتحضيرها. وأكبر من ذلك فضل لشيوخٍ من الحركة وشبابٍ تمت تربيتي الفكرية والدينية بصحبتهم وكان قوام شخصيتي وحياتي بجماعتهم، وإذا كان كل مفكر أو فقيه نبات بيئته الثقافية لحد كبير، فما أنا إلاَّ الناطق والمعبِّر عن كسب يرجع جلُّه إلى الحركة الإسلامية. وأياً ما كان فالفضل الأكبر لله المنعم القائم على كل نفس بما كسبت، والدعاء لله أن يجعل هذا عملاً خالصاً فيباركه ويوفقه ويرضاه وينفع به كثيراً ويجزى عنه جزيلاً.

الأصول التاريخية للحركة

البعث في تاريخ الدين

ضَمن الله دوام الدين منذ خلق الإِنسان وشرع له وظيفة العبادة، وأمده بتأييد الملائكة واكتنفه بفتنة الشياطين، ثم سخر له الأرض يبتليه يشكر أم يكفر، وتعهده بالرسالات المتنزلة تعلمه الغيب وتهديه إلى سواء السبيل. وما يكون للدين وهو حكمة الخلق إلا أن يدوم ما دامت عناصر الخلق الكوني.

لكن الله جعل من سنن الخليفة الباقية سنة الحياة والموت. وجعلها في الطبيعة قدرًا لازمًا، لأن أشياء الطبيعة معبدة لله بأقدار جبرية تقوم لخالقها بناموس قطعي لا يتبدل. فالنبات والحيوان يدور عليه حال المنبت والميلاد بماء السماء ومادة الأرض وبماء الجنس ومادة الجسد. ثم حال الازدهار والاستواء، ثم حال الذبول والشيخوخة المفضية إلى الموت، إن لم يسبق عليه قدر أعجل. ولكن الله يحيى الأرض بعد موتها بنبتٍ جديد ويعمر الأرض بولد خالف لتستمر أصول الحياة الطبيعية ومغازيها.

أما شأن الإنسان- في فطرته الروحية لا الطبيعية- فهو قابل لأن يحيا بالدين بعد موات – يجد هداية حياته الدينية في الشرع النازل من السماء، ويجد مادتها في ظروف الأرض ليزدهر دينه ودنياه. ولكنه عُرضة لأن ينسى ويغفل عن ذكر الله فتفتنه بيئته الأرضية؛ تَجتاحُه ابتلاءاتها وتلهيه شهواتها فيذبل دينه ويؤول إلى الموت، حتى تسعفه نفحة إحياء تُذكّره وتنعشه وتنهض بحياته. فشأن تاريخ الدين دورة حياة وموت. سوى أن السنن الإِنسانية ليست جبرية بل طوعية، من شاء حفظ دينه حيًا متجددًا، ومن شاء أسلم دينه للموت، ومن شاء دارت عليه دورة الرقي والانحطاط.

ومن رحمة الله بالإِنسان أن أعانه على استحياء دينه، فتعهده برسالات السماء المتعاقبة. تصدّق كل رسالة ما سلف وتذكّر بما نسى أو ضاع وتجدد الشرع وتحيى السنة الدارسة وتمهد لما خلف ليظل خط الدين موصولاً في التاريخ. ومن بعد الرسالة الخاتمة تعهد الله بحفظ أصل الدين، فبقى القرآن متلوًا مكتوبًا، وبقيت الملامح الأساسية للنموذج السني الذي جسد معاني الكتاب في عهد الرسالة قدوة باقية. ثم ما انفك الدين يقّيض الله له حينًا بعد حين طائفة تقوم بالحق مهما تعسر وتُجدد أمر الدين مهما تقادم.

هكذا كان تاريخ الملل الدينية. فتاريخ بنى إسرائيل كان كرة بعد كرة – إفسادٌ واحتباطٌ يتلوه إصلاح وانتهاض، كلما عادوا عاد الله إليهم أو عليهم. أما تاريخ الإسلام بعد الرسالة الخاتمة، فقد تداركت فيه دورات الإِحياء وتلاحق أئمة التجديد، وكان ذلك تصديقًا لعهد الله أن يحفظ الدين. وكانت ظواهر البعث بأسبابها التاريخية تنبعث ردودَ فعل على فرط انحطاط المسلمين عن قيمهم السامية أو استجابةً للتحديات الخارجية التي يستدعيها ضعف المسلمين. وآخِرُ جولة من توبات المسلمين وصحواتهم بعد كبواتهم كانت تلك الظاهرة الإِحيائية التي انتظمت العالم الإسلامي لأول صدمة الغزو الغربي في القرن التاسع عشر الميلادي. وقد أثيرت دواعي البعث من تلقاء التصدي للهجمة الأوربية، أو إصلاح حال المسلمين التي فضحتها تلك الهجمة. فأحيانًا يكون الهم الأول هو الاجتهاد لتجاوز العقائد والأفكار والمؤسسات والأوضاع التقليدية للمسلمين كشفًا لزيفها وزلزلة لجمودها ومحاكمة لها بأصول الشرع الصافية وقدوة السلف الصالح. وأحيانًا يكون الغرض الأوّل هو الجهاد لمقاومة جيوش الباطل الخارجي الغازية. وكثيرًا ما تتحد أوضاع المسلمين الميتة المهترئة مع العدو الخارجي، تداعيًا أو تناصرًا في وجه الإِصلاح والتجديد. وقد استعمَلت دعوات التجديد الاجتهادية والجهادية كل رصيد التجديد في الدين والتراث، فبعثت مفهومات الاجتهاد الأُصولي في عالم جامد مقلد، ولجهادِ القتالي في مجتمع قاعد متبلد، وبسطت التذكير بالقرآن والسنة وإثر السلف الصالح، وشاعت دعوات الإِصلاح والنهضة والمهدية المجددة والخلافة الجامعة والوحدة الإسلامية . وكان لغالب أوطان المسلمين نصيب من روح البعث؛ السودان والشمال والغرب والقرن من إفريقيا، والحجاز ومصر والشام، وبلاد الهند والوسط والشرق من آسيا. سوى أن تلك الصحوة لم تكن على قدر ما ابتُليت به من التحدي الحضاري الأوربي، فخمدت ومضتها تحت وطأته، إلا ما خلفته في تراثها من التجديد الأُصولي والسلفي والعقلي ومن روح الجهاد والإِصلاح. واستسلم المسلمون للهيمنة الأُوربية ردحًا طويلاً.

الصحوة لإِسلامية المعاصرة

كانت صحوة المسلمين الماضية في وجه الغزو الأُوربي ردة فعل عارضة انطفأت كالشهاب فركنوا بعدها للغرب واغتربوا كثيرًا عن الله. لكن نازعات الفطرة المركوزة في أنفسهم ما انفكت تعتمل حتى استوت بعد سقوط الخلافة الإسلامية استجابةً ناضجة للتجدي العصري والتردي التاريخي وتوبةً مسارعة إلى الله من جديد.

فإذا بطائفةٍ من المسلمين يرتدّون على محاولات الاستلاب الغربي تأكيدًا لهويتهم وأصالتهم، تأخذهم العزة في دينهم بعد المسكنة. وإذا بهم يحيون أُصولهم وتراثهم ويذكرون أمجاد الأسلاف. وكانت هذه لأول الأمر مشاعر غائمة غائرة، فتولدت منها أخلاط تصورات عن خصوصية الذات، وعبرت عنا أنماط من الحمية الوطنية والقومية، واستمدت منها روح الكفاح والجهاد في سبيل الاستقلال السياسي لأوطان المسلمين.

ولئن استقلت الأوطان المسلمة فقد عَلَقَت بها بقية من حب الدينونة للغرب. كما جاوز الله ببني إسرائيل البحر فطلبوا بعادة الذل والتبعية المتمكنة أن يكون لهم مثل ما يعكف عليه الآخرون من طاغوت ولم يغزوًا بالله الذي فضلهم على العالمين، لكن النظم السياسية والاقتصادية الغربية التي استدامها المسلمون بعد الاستقلال خيبت رجاءهم كل خيبة، فكانت طقوس الاستقلال الدولي عندهم زيفًا، وأشكال الشورى السياسة زورًا، وكانت وعود السعد والرخاء غرورًا. بل تنكَّب القادة الوطنيون لشعائر الدين وشرائعه، وتورطوا في الفشل والفساد. وأخفقت أكثر النظم في توطيد الطمأنينة والاستقرار للمجتمع أو في تأمين حرمة الوطن والدفاع عن ديار الإسلام. هكذا ازدحم العالم الإسلامي بصور الفساد والفجور في الأخلاق، والاستبداد والاضطراب في السياسة والخيبة والتخلف في الاقتصاد، ووجوه الاستضعاف والانكسار الدولي في وجه الصهيونية والإِمبريالية.

ولا غرو أن فزع جانب من شباب المسلمين إلى الله يلتمسون الطمأنينة من حيرة النظم المتقلبة في يقين الدين الثابت ويطلبون فيه مغزى الهُوية وعزة الذات ويرجون الإِنقاذ والإِصلاح ويستبشرون بوعده العظيم. وهنا قيض الله رجالًا وافوا هذا الاتجاه التائب الآيب إلى الدين، فأعربوا عن لسان حاله خطابًا وكتابًا، ورتبوا له المناهج تنظيمًا وتعليمًا، وابتنوا به الأطر والصفوف تعبئة وتربية. فابثت جماعات في كل بلاد الإسلام تنشد إِحياء الإِيمان بالتزكية والتذكير أو إشاعة الفقه بالعلم أو الاجتهاد أو تنشيط العمل الإسلامي في بعض جوانب الحياة. وكان ذلك أكمل ما كان في دعوة الإِمام الشهيد حسن البنا وحركة الإِخوان المسلمين في مصر وفي دعوة الإِمام أبى الأعلى المودودى وحركة الجماعة الإسلامية في شبه القارة الهندية. كانتا حركتان استهدفتا شامل أهداف الدين، وأتمتا وظيفة الإِرشاد بالبناء الحركي وأتمتا التعبئة بالتربية. وتداعي مع هاتين الدعوتين أئمة وجماعات في بلاد شتى وكان دون ذلك كُتاب نشروا أدب الصحوة الإسلامية الجديدة – بعضهم يُعنى ببعث التراث، وبعضهم بالاستنهاض الحضاري، وبعضهم يدعو للتحرر من الغرب في هيمته وعلمانيته وماديته وعصبيته، أو لاستكمال الدين بالدعوة والتزكية أو بالجهاد ، أو لبيان الدين تمحيصًا للعقيدة أو تحريرًا لفقه الحياة.

وقد تعزز الاتجاه الآيب إلى الإسلام منذ انتصاف القرن بأثر تطورات شتى غشيت العالم الإسلامي. فكلما سقط أو زلزل نظام أسس على النمط الغربي باسم الملك أو باسم الشعب،وكلما أزم اقتصاد بنى على النهج الرأسمالي أو الاشتراكي، وكلما خاب مشروع وحدة قومية أو إنتقض أنكاثًا أو انقلب نفاقًا وشقاقًا، وكلما انتكس أمل شيدته أوهام الدعاية، أو انتكب العرب بهزيمة حول فلسطين- كما كان شيء من ذلك اشتدت روح القنوط من النظم والمناهج السائدة وارتدت طوائف ممن آمنوا بالقومية والوطنية اللادينية وامتدت أفواج الهجرة إلى الإسلام.

ثم غدا كل حدث جديد يغذى روح الثقة والاعتزاز بالإسلام: الثورة الإسلامية في إيران، الجهاد الإسلامي في أفغانستان، الانتفاضة الإسلامية في فلسطين...إلخ. وأخذ القلق بالغرب كل مأخذ من مظاهر الأصولية الإسلامية ، يَمدُ أهلَه رعبٌ دفين وضغائن قديمة وخوف من اختلال موازين النظام العالمي بما يهدد مصالحهم المكتسبة. وأخذوا يحسبون كل تطور لحساب الإسلام القادم، وكل صيحة من المسلمين عليهم، ويرهبون قوة موهومة للنفط العربي والمصارف الإسلامية وقنبلة ذرية إِسلامية مزعومة، ويفزعون من كلمة الجهاد وشعار الشريعة.

إذا أراد الله أمرًا هيأ له الأسباب وسخرها من حيث لا يحتسب الناس. فقد حمل الإِعلام الغربي الطاغي أخبار التطورات الإسلامية وفصل مغازيها، فعدّى أثرها بذلك إلى كل مسلم في الأرض، وتداعت الصحوة في كل مكان، وأصبحت الحملة الدعائية الغربية لا يزيد المسلمين إلا تذكيرًا وتثبيتًا، بل أصبح أكثُر المسلمين عرضة للدعاية الغربية أقربَهم تذكرًا، ومتابًا إلى الإسلام.

هكذا أصبحت الصحوة الإسلامية قدرًا تاريخيًا غالبًا- يحاول الغرب والشرق وأولياؤهم وأدها بالتعليم اللاديني والتحديث الحضري المادي، فإذا بها تزدهر في المنابت الغربية والمعاهد الغربية كما نبت موسى صلى الله عليه وسلم في بيت فرعون. ويحاولون أن يتفهموا قوانين اندفاعها ليحتووها، فيعجزهم فهم ظاهرتها الدينية الشفافة وتخذلهم معاييرهم المادية غير المناسبة. ويعمدون إلى كبتها بالقوة بتغليظ الاضطهاد ووأد الديمقراطية إن أباحت لها سبيلاً، فما تزداد إلا صلابةً وثورةً وجهادًا، ويحرّضون على ضرب الحركات والأحزاب والمؤسسات والاُّطر التنظيمية التي تربّيها، فإذا هي منبثة في ثنايا المجتمع عفواً بأوسع من كل إطار بادية وراء كل ستار.

وأصبحت الصحوة الإسلامية عالمية المدى تتداعى وتتناصر وتمتد- شأن كل أثر من أمر الله الواسع المحيط ودينه المطلق في الزمان والمكان. وكما امتدت الصحوة الإسلامية في الدورات السابقة عبر العالم الإسلامي، تمكنت لأول هذه الدورة في الشرق الأوسط وشبه القارة الهندية. ثم امتدت إلى الشمال الأفريقي والشرق الآسيوي، ثم سرت إلى وسط آسيا، وتغلغلت للعهد الأخير في إفريقيا وأوربا.

ومن تعرف واقع الصحوة الإسلامية المعاصرة وقوتها ومداها، واستقرا سنن تطور النهضات الإسلامية الدينية السالفة وكيف تتجه دائمًا للتمكن والامتداد، ومن قرأ وعد الله بأن يُظهر دينه ويجعل عاقبة الأمر ووراثة الأرض الصالحين – أيقن أن الصحوة الإسلامية الحاضرة ليست- بإذن الله- عرضًا موقوتًا بظرف قريب ولا حدثًا مخصوصًا بمكان محدود، وأن سيكون لها شأن ممتد في المكان والزمان.

الحركة الإسلامية الحديثة في السودان

دخل الإسلام من تلقاء هجرة القبائل العربية. ثم استوُعب سائر أهله بطيئًا في قالب العروبة والإسلام بالتزاوج والتعاشر والتمازج الثقافي. ثم انبسط الدين وتغزز بفضل الفقهاء والقراء والمتصوفة الذين ساحوا في الأرض معلمين أو أقاموا فتمحورت حولهم مراكز التدين والحضر. ثم أطبقت الطرق الصوفية على أهل السودان- القادرية والسمانية والتجانية والشاذلة والإدريسية والختمية...الخ.

وظل إِسلام شعب السودان مشوبًا ببعض التصورات والأعراف الجاهلية. وظل ولاؤهم موزعًا بين القبلية والطريقة الأجمع. وضل غالب تدينهم اجتماعيًا مهما ساد فيهم الملوك المسلمون.وفي عام 1820م اقتحم محمد على السودان من مصر فاتحًا، واستعمل عليه فيمن استعمل أوربيين خبراء في الإدارة الاستعمارية، وفرض على أهل البلاد نظماً غربية مرهقة أنكروها عرفًا ودينًا واستثقلوا تكاليفها. فخرج محمد احمد المهدي عام 1880م صوفيًا مصلحًا ومجتهدًا ومجاهدًا بحجة المهدية المنتظرَة. وانحشد أهل السودان تحت راية جهاده حتى طهروا أرضهم من الكفر وأتموا دينهم بإقامة دولة إسلامية بسطت شرائع الإسلام وشعائره وإمارته وقضاءه. سوى أنها وقد أسست ثورة جهادية سعت للسير بالجهاد فيما حولها من الأقاليم لتطهر الأرض وتملأها خيرًا. وما كان للإِمبريالية الغربية- وهي في أوج عاديتها- أن تترك هذا المشروع التحريري الإسلامي يمتد في الأرض. فأحدقوا به مهاجمين – الإنجليز من تلقاء مصر، والفرنسيون من الغرب، والطليان من الشرق، والبلجيك من الجنوب. وحرض الإنجليز الأحباش من الشرق، وقادوا المصريين ومن أعانهم من السودانيين من الشمال ليعيدوا فتح السودان ويئدوا الدولة الإسلامية لبضعة عشر عامًا.

ولبث الإنجليز عقودًا من القرن العشرين يستأصلون روح المقاومة الدينية ويبسطون قانونهم وإدارتهم ومناهج تعليمهم على البلاد. فهم قد اطّروا الحياة الدينية والشعائر والموالد والخلاوى والمعاهد بوجه يُسلّمهم من الخطر، وضمنوا ولاء غالب القيادة الدينية علماءً وصوفية. وكانوا قد مكنوا للختمية حليفًا في وجه المهدية ثم استأنسوا أنصار المهدي من بعد في سبيل التوازن الماكر.

لكن العقد الخامس لنهاية الحرب العالمية – كان عهد المد الوطني في العالم الثالث والشيوعي في أُوربا الغربية. ونشط خريجو المدارس النظامية في السودان- بعضهم تنفس نفس الوطنية من الحركة الوطنية المصرية وأمدتهم أذرع السياسة الرسمية، وبعضهم تنسمها من اللبرالية الغربية أو من الكفاح الوطني للعالم الثالث، وبعضهم شجعه الإِنجليز تأهيلاً لخلافة غير دينية مأمونة على حفظ تراثهم. ونشط اليهود في نشر الشيوعية في الشرق الأوسط كما نشط النصارى في نشر القومية. وكان نصيب السودان بالطبع من كسب اليهود المصريين الذين استمالوا طائفة من الشباب السوداني للشيوعية، ولقي هؤلاء رعاية من عناصر غريبة وسوفيتية، وصادفوا فراغًا عقديًا في الحركة الوطنية في البيئة الطلابية، فتمكنوا بيسر في قيادة الطلاب، وتسللوا لمواقع نقابية في العمال والزراع والعاملين، وسبقوا في مجال الصحافة والتحرك السياسي، فكان لهم صوت مقدر في الحياة العامة.

هناك نشأت الحركة الإسلامية الحديثة استجابة تلقائية من الفطرة الدينية العرفية المتمكنة في وجه الاستفزاز الذي مثلته أنماط منكرة من مسالك ومقولات روجتها التوجهات اللبرالية والشيوعية في أوساط الطلاب. وكان العهد عهد مخاض لتيارات فكرية وتوجهات وطنية وتحيزات حزبية في السودان. فلا غرو أن تداعت إلى الدين عناصر كانت في غمرةٍ وغفلة جانحةً لليسارية أو الوطنية اللبرالية، وشكلت نواة الحركة الإسلامية الأُولى «حركة التحرير الإسلامي»، وفي اسمها إشارة لخلفيتها. ولم تكن تلك الظاهرة بمنعزلة عن الاستجابة الإسلامية العالمية للتحدي الحضاري الغربي. بل كانت – إلى جانب كونها استمدادًا من التدين العرفي وارتدادًا على التيارات اللا دينية بالسودان- صدى للصحوة الإسلامية العالمية وللتطورات التاريخية التي ولدتها والتوجهات الفكرية التي غذتها. ولذلك نشأت الحركة مقبلة على الأدب الحركي الإسلامي الوارد من مصر وباكستان وغيرها، ومعتبرة نفسها جزءًا من الحركة الإسلامية العالمية. بل اتخذت اسم الإِخوان المسلمين من بعد. وما انفكت تتطور في صيغتها مؤصلة على دين الإسلام وتراث المسلمين موصلة بحاضر الصحوة الإسلامية وبيئة الواقع الذي يليها في السودان.

معالم سيرة الحركة

  • عهد التكوين.
  • عهد الظهور الأول
  • عهد الكمون الأول.
  • عهد الخروج العام.
  • عهد المجاهدة والنمو.
  • عهد المصالحة والتطور.
  • عهد النضج.

مقدمة

كان انبعاثُ الحركة الإسلامية في السودان لمنتصف القرن الميلادي العشرين قدرًا من الله مقدورًا لتجديد أَمر الدين، وظاهرةً استفزتها غازيةُ العقائد الأجنبية فكانت استجابة لتحدياتها وأمدَّتها روافد الصحوة الإسلامية العالمية فكانت تجاوبًا مع دواعيها. ولئن كان ذلك كذلك فإن سيرة الحركة من بعدُ واجتهاداتها ومجاهداتها إنما تطوَّرت انفعالًا بالواقع السودانيوفعلًا فيه. فمهما كانت تُعَبِّرُ عن معاني الدين الأزلية وتُمَثل وجوه تجلياته العالمية، جاءت خصائصها تحمل شيئًا من مادة التراب السوداني، وتطوراتها توازي أطوار التاريخ الاجتماعي والثقافي والسياسي لبيئة الحياة العامة بالسودان منذ انتصاف القرن الميلادي المعاصر.

ولقد كانت الحركة الإسلامية في السودان- شأن كل مشروع للتدين الحي الصادق وبما أَنْعَم الله عليها من دوام العافية- دفعًا موصولًا لا تجمُد، وتجددًا للدين الثابت عبر أطوار الابتلاء المتقلبة في الواقع السوداني، ومحاولةً دائبةً نحو توحيد الظرف الزمني إلى الحق الأزلي.

إن منهاج الحركة لا يُفَهم إلا من خلال تبدياته الزمنية في شتى اُطر الحركة. ولًّما كانت الحركة عمومًا لا تفهم إِلا في سياقاتها المكانية من ظروف السودان. فقد لزم في هذا الفصل التمهيدي من الكتاب أن تُرسَم المفاصل الهامة في تاريخ الحركة وأن تُوصَل بالمعالم الهامة في تاريخ السودان الحديث، لتُدرج الحركة في إطار من تحولات السودان، فيرى كيف كان وقع الحياة عليها ووقعها على الحياة عامة برؤية أتم، ويُسلك منهاجها في إطار من تطوراته فتقوّم حكمته ونسبته لأحكام الدين مُنزَّلة على أحكام الواقع المعين في السودان.

عهد التكوين (الأعوام 49 إلى 55 م)

هذا هو عهد نشأة الحركة، ويوازى ما قبل الاستقلال السياسي في السودان. وإذ اتجه السودان نحو تقرير مصيره، فقد تنافست عليه تيارات شتى، ونشطت كل نشاط لتوجيه مآله.

فكانت قضية العهد هي تقرير المصير أو تحديد الهوية، وكانت الدَعَاوى تتنازع بين الأصالة السياسية الوطنية متحدةً مع مصر أو مستقلة عنها والاصطباغ بصبغة الغرب أو الشرق، وكان الشباب والطلاب بوعيهم ووزنهم هم أطراف النزاع وموضوعه.

وفي ثنايا هذا الظرف وفي وسط الطلاب نشأت الحركة من عناصر طلابية تائبة إلى الدين – من بعد ما غَشِيت بعضهم غَاشِية الشيوعية، واستفزت بعضهم أُطروحاتها السافرة في تحدى الدين عقيدةً وخلقًا، وأثارت آخرين غَلَبَةُ التصورات والأنماط الحياتية التي فرضها التعليم النظامي الذي يسُوسُه الإِنجليز.

فنبتت النواة الأولى للحركة في صميم البيئة الطلابية بجامعة الخرطوم وفروعها في المدارس الثانوية، ولم تتخرج تلك الثُلَة المسلمة من الطلاب إلا نحو عام 1955 م.

وكان هذا المشروع الطلابي الإسلامي موازيًا نشأةً لرافد شعبي محدود قام فرعًا لحركة الإِخوان المسلمين المصرية، عبأته زيارات من دُعاتهم الذين وَفَدوا في سياق تحرك مصر عامة نحو السودان ووجدوا قبولًا خاصًا في الدوائر التي كانت أميل للاتحاد مع مصر. وقد تعزَّز المدد المصري بالطلاب السودانيين الذين هاجروا إلى مصر للتعليم واتصلوا بحركة الإِخوان المسلمين، ولكنهم لعودتهم كانوا أقَرَب إلى الحركة الطلابية منهم إلى الحركة الشعبية الإسلامية في السودان.

وكانت هاتان الحركتان المتوازيتان تتصلان ولا تتحدان. لكن انقطاع المدد الإِخواني من مصر بما اعترى الحركة من ابتلاء هناك، وقوة الخريجين الصاعدة في قيادة المجتمع السياسي في سودان الاستقلال، والصلابة النسبية لحركة الطلاب مقِيسة بالتيار العفوي الذي بنته دعوة الإِخوان المصريين في السودان- أمور تَنَاصرت لتجعل للمنظومة التي نشأت في الجامعة وراثة الحركة الإسلامية في السودان، وحول محورها انبنى تاريخ الحركة اللاحق، فامتدت فروعها وتأسست أركانها بمؤتمر جامع عام 1954 م.

ومهما كان فقد كانت الحركة في هذه المرحلة أقرب إلى أن تكون عالَةً في زادها الفكري والتنظيمي على الخارج، وكانت تتناول غالب أدبها من كتب الأخوان المسلمين في مصر أو كتابات المودودى، وكذلك كانت أشكال التنظيم البسيطة السائدة فيها هي تقريبًا من التجارب التنظيمية في مصر.

ولا ريب أن الحركة وقد نشأت في كنف معهد جامعي نظامي غربي الطابع- قد أخذت من الفكر الغربي بعض وجوهٍ لطرح دعوتها الإسلامية ومن تقاليد التنظيم الغربية شيئًا كثيرًا في ترتيب أوضاعها الأساسية.

ولكن أخذت الحركة أيضًا شيئًا من منهج التنظيم والحركة من مصدر قد يكون غريبًا، وهو الحركة الشيوعية التي كانت غَالِبةً في الأوساط الطلابية وصَاعِدة في الوسط الحديث عامة- لاسيما أن بعض العناصر التي أسست الحركة الإسلامية مرت قبلها بالحركة الشيوعية فاستفادت شيئًا من تجاربها التنظيمية في بناء الخلايا السرية وتربية العناصر الحركية. ثم إن المنافسة التي كابدتها الحركة الإسلامية الناشئة في البيئة الطلابية إنما كانت أساسًا مع الحركة الشيوعية، بل يمكن القول بأن الحركة نشأت تحت وطأة الاستفزاز والضغط الشيوعي الأكبر، ولذلك أضْطُرت بعامل المقابلة ورد الفعل أن تأخذ عنها بعض التجارب التنظيمية والوسائل الحركية.

هكذا كان المدد الفكري والنموذج التنظيمي والمنهاج الحركي بغالبها واردةً على الحركة الإسلامية الناشئة من خارج السودان أو من خارج تجربتها. وكانت تلك سمة ضرورية لحركة ناشئة. وقد كانت الوظائف الأساسية للحركة تتمثل أولًا في انتقاء العناصر وتجنيدها، وكان التجنيد يسمى نشر الدعوة تقليدًا لمصطلح وافد، إلا أنها في واقع المرحلة لم تكن دعوةً عامةً منشورةً، وإنما كانت اتصالًا خاصًا وخطابًا معيّنًا وتجنيدًا فرديًا. ثم كان من وظائف الحركة أن تتعهد أبناءها بتربية خاصة. وكانت خصوصية التربية في كونها تَشتَمِل على برامج محدودة يُتَعَهَّدُ بها الأعضاء ويمارسونها في أُطرٍ تنظيمية سرية خاصة. وكان ذلك الإسرار عائدًا إلى غربة الحركة في دعوتها وولائها مما يضطرها إلى اجتناب الملأ والاختصاص بنفسها بعض الشيء. كما كان ذلك عائدًا إلى غَلَبِة هواجس الأمن، بما أخذته الحركة من التجربة الشيوعية أو من عِبرة ما جري في مصر.

وفي هذا العهد التكويني الأول كانت الأشكال التنظيمية أشكالًا محدودة جدًا بقدر حاجة الوظائف المحدودة والتجربة الأولية. فكان الهيكل في إجماله تدرجًا من الأسرة – وحدةً أساسية لإحاطة الأعضاء- حتى الشعبة- نظامًا لمجموعة الأسر في منطقة معّينة. ولقد انبثت خلايا تنظيمية في المدارس، وخرجت التنظيمات من الإِطار الطلابي إلى بعض مدن السودان بمبادرات غالبها من الطلاب. أما القيادة فكانت بسيطة التركيب بدرجة لم تَستوعِب حتى مهام المرحلة ومشكلاتها المحدودة.

وفي هذه المرحلة شرُع التأسيس الدستوري الأول. ذلك أن هذه المرحلة بكونها مرحلَة تأسيسٍ أولى شهدت نزاعات تنظيمية حول اسم الحركة، ونتجت في الجماعة توتراتٌ كثيرة متعلقة بوحدتها ووجهتها، دعتها لعقد مؤتمرها التأسيسي ووضع دستورها الأول الذي جاء ليفصل في هذه القضايا الخلافية حول تسمية الحركة الإِخوان المسلمون وطبيعتها حركة تربوية ذات دعوة إسلامية إصلاحية شاملة.

وقد اتخذت الجماعة نذرًا يسيرًا من المواقف الإسلامية في الحياة العامة، دون أن تخرج كثيرًا عمَّا يَعينها بوجه مباشر. وذلك مثل حملة النُّصرَةِ للإِخوان المسلمين في مصر ضد الاضطهاد الواقع عليهم، وموقف التأييد لاتفاقية السودان لعام 1953 م التي مهدت الطريق للاستقلال، في وجه المعارضة الشيوعية لها.

عهد الظهور الأول (الأعوام 1956م إلى 1959م)

وهو عهد ما بعد الاستقلال في السودان، حيث تَمَكَنت نُخبَةُ المتعلمين في مواقع القيادة أو الحكم الوطني، وطرحت مسائل تحرير الوطن وتقرير علاقاته، واحتدم الصراع السياسي وشاعت الحربات الديمقراطية. ومع مقدم الاستقلال بدأ التخرُّجُ- تخُّرجُ رواد الحركة من الجامعة ليقودوا نصيبًا من حركة الوطن بالإسلام، وحينما باشر الرافد الطلابي الحياة الشعبية كان لابد من أن يَستَوعِب الرافد الشعبي، وكان ما قدمناه من توحيد الحركة الإسلامية تحت لواء التيار الطلابي. وأخذ التشكيل الفرعي يمتد في خريطة السودان وانبثّت الشُّعَب حتى غدت الحركة منظومة من محور مركزي وشبكة فرعية ذات أبعاد. وظهرت الدعوة لأول مرة بالصحف وبالخطاب العام ببروز الدعاة القادة في الساحة السياسة الحرة وخوضهم مع الخائضين في القضايا الوطنية. أما القضية الأساسية التي حملتها الدعوة في هذه المرحلة فهي قضية الدستور الإسلامي، وبالطبع لم تكن تلك حملةً دستورية قانونية، بل حملةَ اتصالٍ بالشعب وتذكيرٍ بالنظام الإسلامي وبث للفكر الإسلامي الذي كان متاحًا. واقتضت دواعي هذه الحملة أن تتصل الحركة بعناصر كثيرة من النواب والشعب والساسة، وأن تجوب البلاد تُعَبِّئ الشعب بأحزابه وطوائفه للدستور الإسلامي، وأن ترفع شعارًا عامًا وتُحدث أثرًا، وأن تصبح هيئة ذات فعالية للضغط السياسي. وأضافت الحركة في هذه المرحلة إلى وظائفها التجنيدية والتربوية الطلابية سماتِ هيئة الضغط والتعبئة، إذ اتخذت واجهةً تحالفيةً هي الجبهة الإسلامية للدستور التي وسعت أثرها وروَّجت دعوتها، وإذ صاغت جماع دعوتها في شعار سياسي يكون كلمة التداعي المشهورة للجماهير، وإذ بسطت حملة شعبية واسعة للتذكير والتبشير بالحكم الإسلامي بمنهج لا يتجاوز الأحزاب لكنه يحاصرها في الإسلام ويحرجها بقبول دعوته.

عهد الكمون الأول (الأعوام 1959م إلى 1964م)

هذه فترة سلطة الفريق عبود وزمرته العسكرية التي وليت على البلاد فساستها سياسة محافظة معتدلة، فلم يُفرِطوا في القهر السياسي ولم يُعنوا بالقضية السياسة، بل ركزوا على الإدارة والتعمير بغير ادعاءٍ مذهب أو ثوري. وهي فترة كُمُون، لأن الحركة واجهت لأول مرة ما توهَّمته خَطَرَ محِنَةٍ وابتلاء. والحقيقة أن الحركة فزعت إلى حذرٍ بالغ دون أن تُلاقي ابتلاءً، وذلك من فرط اعتبارها بما حدث في مصر. فانفعلت انفعالًا شديدًا بالخوف كمونًا حادًا لأول عهد حتى كادت تجمّد نفسها. ولكن ظلت الحركة الطلابية – شذوً من هذا الانزواء- تجاهر وتعمل وتجاهد النظام، وكانت هذه مرحلة بركة ونمو الحركة الطلابية حتى أصبحت من كبريات الاتجاهات الطلابية

وأثناء هذه السنوات توالى تخرج أعداد كبيرة من القيادات الطلابية الإسلامية لتغذى الحركة خارج الطلاب وكان لذلك مردود فيما بعد.

وفي هذا العهد كانت الدعوة العامة محدودة – تعمل من واجهة ثقافية بحجة اتقاء السياسة، ولكن العمل الثقافي المباح رَبّى للحركة بعض قيادات وعلاقات في المجتمع.

بيد أن الانغلاق فَرَّغَ الجماعة لنفسها، فثار فيها حوارٌ منهجي منظم لأول مرة طرح عددًا من القضايا. فمنها ما كان يتعلق بالقيادة، من جراء مواقف انفردت بها القيادة التي كانت قائمة دعت الجماعة إلى أن تتجه نحو القيادة الجماعية. وطرحت مسألة التربية. نوعها ومغزاها وجدوى الأسرة أداةً لها. وطُرحت مَاهِيَّة الحركة، هيئةً للضغط السياسي أم حزبًا يطلب السلطان. وطُرِحت قضية العلاقة بالسياسة وبالقوى السياسة. وانتهت هذه القضايا المختلفة إلى مراجعات دستورية فُصِّلَت فيها القضايا المختلفة. وفي آخر هذا العهد بدأ التخطيط لتوجه جَبهَوى إِسلامي في سياق التصدي الأجرأَ والمعارضة للنظام. ولعل تكاثر القيادات المتخرجة كان عامل ثقة كبير ودفعًا للحركة التي كان يقودها الطلاب. كذلك نشطت الحركة العمالية والنقابية. ولئن ظلت الجماعة على صلة بالجبهة المعارضة للنظام، فقد كان إسهامًا ضعيفًا لأول الأمر، حتى إذا قَوِيت شوكتهُا وا