العالم الإسلامي وإعدام سيد قطب

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

العالم الإسلامي وإعدام سيد قطب

الشهيد الأديب سيد قطب

"وحدثني فلاَّحون بسطاء بأنه في نفس العام هجمت دودةُ القطن على المحصول في ضراوة لم نرَها من قبل فأتلفته، وكانت الديدان تمشي على الأرض عيانًا جهارًا، ولم تفلح معها مقاومة أو مبيدات، وكان أمرًا عجبًا".. صدر الحكم بإعدام الشهيدسيد قطب وأخويه يوم الأحد 21/8/1966م، وعلى إثر إعلان خبر الحكم اهتز العالم الإسلامي كله لهذا الخبر المشئوم، وتداعى المخلصون من الدعاة والمفكرين والعلماء والسياسيين- ممن يعرفون قدر الشهيد سيد قطب وإخوانه من دعاة الإخوان المسلمين- للقيام بواجبهم تجاه هذه المأساة المروِّعة..


فقامت مظاهرةُ احتجاج صامتةٌ في شوارع كراتشي بباكستان، نظَّمَها أعضاءُ منظمة "جامات إسلامي" الدينية، ووجهت نداءات وبرقيات إلى عبد الناصر تناشده إعادة النظر في حكم الإعدام من زعماء أربعة أحزاب باكستانية، هي: جامات إسلامي، ومجلس نظام الإسلام، والجامعة الإسلامية، وجامعة عوامي، واتحاد الرابطات الإسلامية في بريطانيا، وفتحي يكن الأمين العام للجماعة الإسلامية في لبنان، وأربعون شخصيةً لبنانيةً علميةً ودينيةً، ومجلس الأمة التونسية، ومفتي الجمهورية التونسية، وولي عهد الأردن، والجمعية التأسيسية في السودان، ورئيس حزب الاستقلال المغربي، ورئيس رابطة العلماء في العراق الشيخ أمجد الزهاوي.


الملك فيصل يتدخَّل لإلغاء حكم الإعدام

وفي يوم 28/8/1966م أرسل الملك فيصل بن عبد العزيز برقيةً لعبد الناصر؛ يرجوه فيها عدم إعدامسيد قطب، وأوصل سامي شرف البرقيةَ لعبد الناصر في ذلك المساء، فقال له عبد الناصر: "اعدموه في الفجر، بكرة، واعرض عليّ البرقية بعد الإعدام"، ثم أرسل برقيةً للملك فيصل يعتذرُ بأن البرقيةَ وصلته بعد تنفيذ حكم الإعدام..!!

الدعاة وتنفيذ حكم الإعدام

وفي نفس لحظة الإعدام كان هناك في كل مكان دعاةٌ مجاهدون، تختنق أنفاسهم، ويفيض دمعهم، وتعلوهم كآبة وضيق، ولا يدرون لذلك سببًا، منهم الداعية المجاهد أبو الأعلى المودودي في باكستان؛ حيث يروي الشيخ خليل الحامدي- سكرتير المودودي- قائلاً: "غداةَ تنفيذ حكم الإعدام بالشهيد سيد قطب دخلنا على المودودي في غرفته، وكانت الصحافة الباكستانية قد أبرزَت الخبر على صفحاتها الأولى، وقَصَّ علينا أميرُ الجماعة المودودي هذه القصة، فقال: "فجاةً أحسست باختناق حقيقي، ولم أدرك لذلك سببًا، فلما عرفتُ وقتَ إعدام الشهيد سيد قطب في الصحف أدركتُ أن لحظة اختناقي هي نفس اللحظة التي شُنِق فيها سيد قطب".

وبعد استشهاده وتنفيذ حكم الإعدام فيه رثاه علال الفاسي- زعيم حزب الاستقلال المغربي- في مجلة (العلم) المغربية، فقال:

"لقد مضى القضاء وحق الأمر.. لقد حُكم بالإعدام على الداعية الإسلامي الكبير المجاهد سيد قطب، وعلى ثلةٍ من رفاقه، وعلى الرغم من الاستعطافات التي وجَّهتْها النخبة المسلمة في العالم تطلب العفو والقناعة بما دون الإعدام من الأحكام، فإن الحكم قد نُفِّذ، واغتُصبت روحُ البطل الإسلامي سيد قطب واثنين من إخوانه.. إن ذلك مصير الدعاة إلى الخير.. وذلك يترقبه المجاهدون الذين يقولون الحقَّ ولو كان مرًّا..

لقد اتُّهم سيد قطب وصحبه بالتآمر على الدولة وعلى قتل رئيسها، ونحن لا نعلم عن سيد قطب إلا الدعوة بالحسنى والصدق في القول وعدم التستُّر في شيء من أعماله، فإن كان ثمةَ تآمرٌ من مُعارضي النظام المصري فلا شكَّ أن سيد قطب بريء منه، وإن الفئة التي يتزعَّمها لا تدين بغير النضال السلمي والدعوة بالحكمة والكتاب".


ووجَّه 48 شخصيةً إسلاميةً وعلميةً وسياسيةً مغربيةً نداءً إلى ملوك ورؤساء العالمَين العربي والإسلامي، جاء فيه: "لقد كانت فجيعةُ الأمة الإسلامية بإعدام الداعية الإسلامي الشهيد الأستاذ سيد قطب ذات أثر بالغ سيبقى على مر السنين، وأحدثت في نفس كل مسلم جرحًا داميًا لن يندمل مهما تطاولت الأيام.


وإنه لمن الوفاء للحق والتاريخ أن نسجِّل شعور الحزن والأسى العميق الذي شعرنا به كما شعر به كل عربي وكل مسلم في أنحاء العالم الإسلامي؛ بسبب عدم استجابة السلطات الحاكمة في الجمهورية العربية المتحدة للنداءات العديدة الصادرة عن قلوب مؤمنة مخلصة مجرَّدة من أي هوًى شخصي أو غرض جزئي، تلك النداءات التي كان الغرض منها إنقاذ حياة مفكِّر إسلامي فذٍّ وكاتبٍ عبقريٍّ مجددٍ ومجاهدٍ صادقٍ مخلصٍ.


وإننا اليوم وقد وقعت الواقعة ولقي السيد قطب ربه شهيدًا محتسبًا، لنتوجَّه بندائنا هذا إلى سائر المسلمين في جميع أقطارهم وأوطانهم، وفي طليعتهم ملوكهم ورؤساؤهم وحكامهم وعلماؤهم وزعماؤهم وهيئاتهم وأحزابهم وذوو الرأي فيهم، مهيبين بهم- بإلحاح المؤمن الواثق- أن يبادروا لبذل كل ما يمكنهم من جهد لتخفيف ألم هذه الصدمة الفاجعة، بسعيهم بكل الوسائل المستطاعة لاتخاذ التدابير التي تُطمئِن المسلمين قاطبةً على مصير النخبة المعتقَلة من دعاة الفكرة الإسلامية وأنصارها في الجمهورية العربية المتحدة.

وأول هذه التدابير أن يطلَق سراح الكاتب الإسلامي المبدع والمؤلف العالِم المشهور الأستاذ محمد قطب- شقيق الشهيد سيد قطب- وإخوانه المعتقَلين، وعلى رأسهم الشيخ الجليل الأستاذ حسن الهضيبي، والعالِم الفاضل الوقور الشيخ محمد الأودن الذي جاوز عمره السبعين، والكاتب الكبير الأستاذ محمود محمد شاكر والمجاهد المؤمن الأستاذ صالح أبو رقيق، وكذلك المعتقَلات من السيدات الفضليات والآنسات الكريمات وعلى رأسهن شقيقتا الشهيد قطب: حميدة وأمينة، والسيدة زينب الغزالي.


وإنه لممَّا يملأ النفوس بالتفجُّع والألم مصير أُسَر المعتقلين المحرومة من عائليها ومن موارد رزقها، والتي تضم عشرات الألوف من نساء وأطفال وعجَزَة وشيوخ، وإنَّ أقل ما يفرضه علينا ديننا- إذا لم نستطع أن نمد لهم أيدينا بالعون والمساعدة عملاً بواجب التضامن الإسلامي- أن نهيب بالحاكمين في مصر ونناشد قلوبهم وضمائرهم ومشاعرهم الإنسانية، طالبين منهم أن يسارعوا لإسعاف هذه الأُسَر وإنقاذها من براثن الجوع والتشرد والبؤس، وأن يؤمِّنوا الحياة الكريمة لأفرادها.


ولنا كبير الأمل في أن يتقبل الجميع نداءَنا ويستجيبوا له، مشكورين واثقين بأن الباعث الوحيد لنا على تقديمه إنما هو تعلقنا بشعب مصر المسلم العربي، وتقديرنا لهذه الجماعة المؤمنة التي أبلت البلاء الحسن في ميادين النضال والاستشهاد في حرب فلسطين وفي معارك الفدائيين في القنال، والتي كانت دائمًا في مقدمة المبادرين لمناصرة الكفاح الشعبي في جميع الأقطار العربية والإسلامية.. الأمر الذي لمسناه بأنفسنا في تأييدها الأخوي للحركات الوطنية في أقطار إفريقيا الشمالية.


وإننا بهذا نؤدي واجبًا إسلاميًّا مقدسًا تفرضه ظروف العالم العربي والإسلامي الذي يمر اليوم بفترات عصيبة تجعله في أمس الحاجة إلى جمع الكلمة وتوحيد الصف وتأليف القلوب.. ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز".

ويبدو أن هذا البيان المتدفق عاطفةً وحزنًا على من مضى من الشهداء، وأملاً ورجاءً في رفع المعاناة عن المؤمنين المكروبين لم يجد آذانًا صاغيةً تسمع وتعقل أو قلوبًا رحيمةً تتأثر وتستجيب.. وبعدها بعدة أشهر حدثت النكسة، فقال الزعيم المغربي علال الفاسي: "ما كان الله لينصر حربًا يقودها قاتل سيد قطب"..!!