الحكمة أسلوب الدعوة الأمثل

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الحكمة أسلوب الدعوة الأمثل
فيصل مولودي.jpg

قال الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ إِن رَبكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَل عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل: 125).

الحكمة منحة ربانية، يتفضل الله بها على من يشاء من عباده: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (البقرة: 269)، وأصلها سجية توجد مع الإنسان؛ لكنها تكتمل بمنظومة أخلاقية شاملة، وربما وجدت عند بعض الناس؛ ولكنها إذا لم تُزيَّن بمكارم الأخلاق توشك أن تضيع.

والداعية الناجح يمكنه أن يكتسب الكثير من الحكمة بالتعلم والتدرب؛ ولذلك فإننا سنستعرض بعض مظاهرها، وهي كلها تدخل في باب الأخلاق، وقد علمنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أننا لا يمكن أن نستوعب الناس إلا بالأخلاق فقال: "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فسعوهم بأخلاقكم".

واستيعاب الناس أحد مظاهر الحكمة عند الدعاة، وأساس الحكمة هو الكلمة الطيبة: قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيبَةً كَشَجَرَةٍ طَيبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السمَاءِ* تُؤْتِي أُكُلَهَا كُل حِينٍ بِإِذْنِ رَبهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ لِلناسِ لَعَلهُمْ يَتَذَكرُونَ﴾ (إبراهيم:25،24).

فالكلمة الطيبة ليست صوتًا يخرج في الهواء ثم يضيع.. إنها الشجرة ذات الأصل الثابت والفروع المرتفعة في السماء، وهي تنتج الثمار الطيبة بشكل دائم وفي كل حين، بهذا التشبيه يدعو الله تعالى المسلم إلى التمسك بالكلمة الطيبة؛ حتى تكون له خلُقًا أصيلاً، والكلمة الطيبة تكون بالمبادرة تجاه الآخرين، قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلناسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: 83) ﴿وَقُل لعِبَادِي يَقُولُوا التِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (الإسراء: 53) ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (البقرة: 148)، وتكون بالحـوار مع الآخرين.. ﴿وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (العنكبوت: 26)، وإذا بدأ الآخرون بالكلمة الطيبة فلا يجوز للمسلم أن يردَّ عليهم إلا بمثلها أو أحسن منها، قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُييتُم بِتَحِيةٍ فَحَيوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدوهَا﴾ (النساء: 86).

أما إذا بدأ الآخرون بالكلمة السيئة، فالمسلم مخيَّر بين أمور ثلاثة:

الأول: أن يرد على السيئة بمثلها لقوله تعالى: ﴿ وَجَزَاءُ سَيئَةٍ سَيئَةٌ مثْلُهَا﴾ (الشورى:40)، ولقوله- صلى الله عليه وسلم- للمسلمين إذا قال لهم اليهود "السام عليكم" أن يردوا بقولهم: "وعليكم"، وليس للمسلم أن يزيد على السيئة بأكثر منها، فهذا من خلُق الجاهلية التي يقول شاعرها:

ألا لا يجهلن أحدٌ علينا

فنجهلَ فوق جهل الجاهلينا

وهو أحد مداخل الشيطان لإيقاع العداوة والبغضاء بين الناس، وقد نهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- السيدة عائشة عن الزيادة عن المِثل في حالة الرد على السيئة- كما ورد في الصحاح- عندما قال اليهود: "السام عليكم"، وأجابت عائشة: "وعليكم السام والغضب واللعنة".. قال عليه الصلاة والسلام:"لا يا عائشة، كان يكفيكِ أن تقولي: وعليكم.. إن الله يحب الرفق في الأمر كله".

الثاني: أن يعفو، فلا يرد على السيئة أصلاً، لا بمثلها ولا بأكثر منها، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ (الشورى: 40) ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (الشورى: 43) ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ* وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ﴾ (النحل: 127،126)، وهذه الآية صريحة في الصبر على غير المسلمين، والعفو عنهم، حتى في حالة الحرب وبعد توقف القتال.

الثالث: أن يرد السيئة بالحسنة، فذلك خلق المسلم الأفضل، وهو أعلى درجات الحكمة في التعامل مع الآخرين، وهو الخلق اللائق بالدعاة إلى الله.

قال تعالى في ذكر صفات أولي الألباب: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (الرعد: 22)، وقال في ذكر صفات المسلمين: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (القصص: 54)، وقال في ذكر صفات المتقين: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: 134)، فجعل المتقين على ثلاث درجات:

أولاها: كظم الغيظ؛ وهو عدم الرد على السيئة؛ لكن مع بقاء الغيظ منها.

ثانيها: العفو عن مرتكب السيئة، ليس فقط بعدم الرد؛ ولكن أيضًا بمسح الغيظ من الصدر.

وثالثها: الرد على السيئة بالإحسان، وهذه أعلى درجات المتقين، وهي التي تليق بالدعاة إلى الله تعالى.

المصدر

للمزيد عن الشيخ فيصل مولوي

وصلات داخلية

حوارات مع الشيخ فيصل مولوي

مقالات بقلم الشيخ فيصل مولوي

مقالات كتبت عنه

أخبار متعلقة

وصلات فيديو