الإخوان المسلمون والسلطة التشريعية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإخوان المسلمون والسلطة التشريعية


إعداد: إخوان ويكي

مقدمة

نشأت جماعة الإخوان المسلمين فوجدت أن المحتل جاسم على صدر الأمة ومتحكم في كل جوانب الحياة، يستغل ويسيطر على كل مقدرات الحياة ويستعبد السكان الأصليين ولا يضع في اعتباره إلا مصالحه فقط، بل تكالب في كل صوب لضرب الوحدة الإسلامية خاصة فوجه سهامه إلى جسد الأمة فمزقها وفرق شملها وأسقط خليفتها وأصبحت كالأيتام على موائد الليئام، واستعملوا من بنى جلدتنا من أذاق الأمة سواء العذاب خدمة للمحتل وطمعا في كرمه فتخلفت الأمة وتخلف أبنائها ولم يعد لها القدرةوليس في ذلك معنى للتعصب فإن الإسلام بريء من هذا كله على التصدي أو الذود عن عرينها وأصبح هم معظمهم أن يتحصل على قوت يومه.

نشأت الجماعة ووضعت في أهدافها والتي ذكرها حسن البنا بقوله (هدف الإخوان المسلمون منذ نشأتهم أن يجددوا لهذه الأمة شبابها، ويبعثوا إليها مجدها، ويخلقوا روحا جديدا فى الجيل الجديد على أسس الإسلام) (1) ، ويقول: أيها الإخوان : أنتم لستم جمعية خيرية ، ولا حزباً سياسياً ولا هيئة موضعية لأغراض محدودة المقاصد ، ولكنكم روح جديد يسرى في قلب هذه الأمة فيحييه بالقرآن (2).

كما نظروا لما يحدث لأوطانهم فأعلنوها صراحة في وقت انحنت فيه الرؤوس للمستعمر فيقول البنا:

(إن الإخوان المسلمين فى أنحاء الوادى ليعلنون فى قوة ووضوح أنهم لن يرتضوا بعد اليوم ذلا ولا هوانا، ولا يقبلون ترددا فى نيل حقوقهم ومطالبهم ويدعون الشعب كله، أفرادا وجماعات، أحزابا وهيئات أن يقفوا معهم صفا واحدا فى المطالبة بهذه الحقوق والعمل على تحقيقها أو الفناء فى سبيلها) (3) ولذا حرص الإخوان على سلوك النهج القويم في تربية النفوس وبث روح العزة في قلوب المجتمع ليتحمل على عاتقه حمل التصدي لكل من يهينه أو يستعبده.

نشأت الجماعة وانتشرت وسط جموع الشعب الذي تقبلها بروح جديدة روحا سرت في جسد الأمة الإسلامية فتمكنت منه لوسطية المنهج التي جاءت به، وللفهم السليم للإسلام ومعاني القرآن وشموله، حيث قال البنا: (الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعًا؛ فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء) (4).

وبهذا الفهم الشامل انطلق كل فرد في الجماعة يعمل لنهضة المجتمع بل نهضة الـأمة وقد انجذب لها عدد كبير، كما أنها لم تكن في خصومة يوما ما مع أحد يقول حسن البنا:

ونحن لا نعتبر أنفسنا حزبًا سياسيًّا، بل نحن حركة إسلامية شاملة مهمتنا توجيه الشعب توجيهًا سليمًا، وتهيئته تهيئة صالحة. والأحزاب جزء من الشعب، بل هى أبرز أجزائه، فمهمتنا فى الحقيقة معها هى أولاً، ولهذا نحن لا نعتبر أنفسنا خصومًا لها، أو منافسين، ولكن ناصحين موجهين، لو وجد هذا المعنى الكريم سبيله إلى النفوس والقلوب وهى بيد الله. (5)

ويؤكد على هذه المعاني بقوله:

منذ عشر سنوات خلت أو تزيد قام الإخوان المسلمون بدعوتهم، وعماد هذه الدعوة وسداها وأصلها وفرعها أن تركز النهضة الإسلامية الحديثة على قواعد ثابتة من تعاليم الإسلام الحنيف، وأن تهيمن روح الإسلام وكلمة القرآن على كل ناحية من نواحى الحياة ومظهر من مظاهرها فى كل هذه الأمم.
فنظام الحكم يجب أن يكون إسلاميا قرآنيا، وقوانين البلاد المسلمة يجب أن تكون إسلامية قرآنية، وبيوت المسلمين وعاداتهم وتقاليدهم يجب أن تكون مستمدة من روح الإسلام لا تتنافى بحال مع ما شرعه وحدده وأمر به وحض عليه. والعقائد والعبادات والأخلاق وكل شىء مما يتعلق بالفرد أو بالأسرة أو بالأمة يجب أن يكون مأخوذا عن الإسلام تابعا لما جاء به رسول الله عن ربه، وبذلك تعود إلى المسلمين قوتهم الروحية وقوتهم المادية، واستقلالهم المفقود، وعزهم الضائع، ومجدهم المغصوب.
رفع الإخوان المسلمون أصواتهم بهذه التعاليم والمبادئ منذ عشر سنوات أو تزيد، وكتبوا فى ذلك مئات المقالات، ومن يطالع جريدة الإخوان المسلمين منذ ست سنوات يجد ذلك جليا تكاد تلمسه فى كل مقال من مقالاتها، وسيظل الإخوان ينادون بهذه المبادئ ويعملون لها، وسيجاهدون فى سبيل تحقيقها؛ حتى يصلوا.
وسيضحون بكل شىء فى سبيل الوصول إلى هذه الغاية لا يثنيهم عن ذلك شىء حتى؛ يأتى أمر الله. وهما خطتان لا ثالث معهما إما أن تكون هذه الأمم إسلامية تحب الإسلام وتجله وتريد أن تعمل به فلا مناص لها من أن تنزل على حكمه، وتعمل بكل تعاليمه، وتؤمن بكتابه جميعه فلا تأخذ بعضه وتترك بعضا آخر، وإما أن تظل على ما هى عليه من خروج على تعاليمه فى نظمه العملية من حكم، وقانون، وعادات، ومعاملات، وعبادات، وعقائد فهى غير مسلمة، وإن ادعت ذلك حتى ينشق حلقها، وصرخت به حتى تملأ صرختها أجواز الفضاء فليس الإيمان بالتمنى، ولكن ما وقر فى القلب وصدقه العمل. (6)

وحينما دخل الإخوان المجالس النيابية كان هدفهم الإصلاح، إصلاح القانون حتى يتفق مع التشريع الإسلامى فى كل فروعه.

السلطة التشريعية في الإسلام

لا ريب أن السيادة في الدولة الإسلامية لشرع الله، عز وجلَّ. وأن هذه السيادة إنما تتحقق بإقرار منهج الله وتحكيم شريعته، وأنه لا يسع الدولة الإسلامية ولا الأمة المسلمة أن تتخذ لنفسها دستوراً مستمَداً من غير دين الله الذي ارتضاه لعباده. قال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّـمُوا تَسْلِيمًا) "النساء: 65".

وإذا كان الحديث عن تقرير هذه السيادة والاستدلال عليها مهمّاً فإن الحديث عن الجهة التي يناط بها – قبل غيرها - تحقيـق هـذه السيادة وحَمْـل الأمة (حكاماً ومحكومين) على الخضوع لها لا يقل عنه أهمية. لم يُعرَف هذا المصطلح (السلطة التشريعية) في الفقه السياسي الإسلامي، ولم يُستخدَم في تاريخ الدولة الإسلامية، ولكن الكيان الذي يمكن أن يطلَق عليه هـذا المصطلح كان موجوداً، وكان يمارس عمله كما يدل عليه المصطلح؛ لذلك لا غضاضة من استخدامه والتعبير به عن وضع كان موجوداً ويمكن أن يوجد وعن نظام كان قائماً ويمكن أن يقوم.

أن عمل السلطة التشريعية لا يقف عند حد التشريع وإنما يتعداه إلى الإشراف والمباشرة لضمان الالتزام بهذا التشريع من قِبَل السلطتين (التنفيذية والقضائية)، وبخاصة السلطة التنفيذية، كما أنها تشترك مع سائر أهل الشورى وأهل الحل والعقد (7) في القيام بدور الرقابة على باقي السلطات والمحاسبة للحكومة، وإبداء المشورة للحاكم ومعاونيه في كل مُشكِل يعرض للأمة من الأمور العامة.

والكلمة المقابلة للقانون في الإسلام هي كلمة الشرع، ولكن شتان بين اللفظين وما يشتمل عليه كلٌّ منهما؛ فإذا كان القانون هو القواعد والأنظمة والأحكام والمبادئ التي وضعها الإنسان لينظم بها حياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، فإن الشــرع قانون بهـــــذا المعنى ولكنـه يمتاز عـن القـانون بأنه من صـنع اللـه لا من صـنع البشر؛

ومـن ثَمَّ فإن الشـرع لا يعتـريه ما قد يعتري القوانين من الخلل والاضطراب والنقص. والقوانين لا يتسنى لها أن تبلغ من الإحكام والكمال ما قد بلغه الشرع، قال - تعالى -: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) "المائدة: 48"، وقال: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) "الجاثية: 18".

والسلطة التشريعية في المفهوم الإسلامي فهي:

"السلطة المؤلَّفـة من صفـوة علمـاء الشريعة المجتهـدين، وهي المكلفـة باستخلاص الأحكام الشرعية من مصادرها، والتعريف بها ووَضْعها لدى الدولة موضِع التنفيذ، وهي المنوط بها الإشراف على السلطات الأخرى فيما يتعلق بتنفيذ الشريعة وتطبيق أحكامها، والمعهود إليها مع بقية أهل الشورى ومع سائر أهل الحل والعقد، بالرقابة على الحكومة ومحاسبتها".

والسلطة التشريعية عندما تقوم بالتشريع فإنها لا تنشئ الأحكام إنشاءً، ولاتبتدؤها ابتداءً، وإنما تستمدها وتستخلصها وتستخرجها من كتاب الله وسُنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، لا من غيرهما، وبذلك وضع النظام الإسلامي حداً فاصلاً بين أمرين لا يصح أن يلتبسا، وهما: السيادة والسلطان؛ فالسيادة لله والسلطان للأمة، والسيادة لشرع الله، والسلطان للمجتهدين من الأمة الذين يقومون باستنباط الأحكام والإعلام بها والإلزام بتطبيقها، وهذا هو سلطانهم الذي لا يتعدى على سيادة الشريعة (8).

خاصة أن التشريع في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان بيده عليه الصلاة والسلام لنزول القرآن وتطابق أفعاله مع نزول الوحي، ومع ذلك كانت هناك أمور يستشير فيها أصحابه وينزل على رأيهم كما فعل في غزوة بدر والأحزاب، وهناك أمور قال عنها لأصحابه "أنتم أعلم بشئون دنياكم" لكن كان هذا التصريح والأذن في الأمور الحياتية والتي لم يكن فيها نص أو تمس الشأن العام وتنظيم أموره.

وسار الخلفاء الراشدين على منهج الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يحيدوا عن كتابه وسنة نبيه والاجتهاد، حتى توسعت ودخلت أمم لها عادات وتقاليد وشئون حياتيه فظهر القياس والاستنباط، فكان الخلفاء والعلماء يستشيرون بعضهم بعضاً ما يجعل من جماعتهم المحدودة شبه مجلس نيابي صغير يدرسون كل ما يهم الشعوب في إطار ما أنزله الله على رسوله وما سنه الرسول الأمين.

وقد اتفقت الأمة - على الرغم من اختلافها في بعض الفروع المتعلقة بالدلالات - على أن الكتاب والسُّنة هما مصدرا التشريع، واتفق أهل السنة والجماعة على أن الإجماع هو المصدر الثالث بعد الكتاب والسُّنة، ثم ظهرت المدارس الفقهية، وظل باب الاجتهاد مفتوحاً، وظلت هذه المذاهب هي المرجعية التشريعية للأمة الإسلامية حكاماً ومحكومين في جميع المجالات؛

حتى جاء في عصور متأخرة علماء أغلقوا باب الاجتهاد، فنتج عن ذلك أن استجدت مسائل ونوازل في حياة الأمة لم يفِ تراث هذه المذاهب بمعالجتها: "فكان من ذلك الحرج قصور التشريع الإسلامي عن مسايرة الزمن وتحقيق مصالح الناس، والتجاء بعض الحكومات الإسلامية إلى العمل بقوانين أمم غير إسلامية".

وهو ما أدى بعد ذلك إلى وقوع الدول الإسلامية فريسة العَلمانية، ودخلتها نظرية السيادة الغربية، وغزتها قوانين غير شرعية، وصارت السلطة التشريعية فيها أبعد ما تكون عن الشريعة الإسلامية.وهذا هو الذي دفع المصلحين من أمثال الأستاذ محمد عبده وغيره إلى الدعوة إلى الاجتهاد، ولقد تجاوب مع هذه الصيحة الصادقة علماء وأساتذة جامعات وشيوخ كبار، نهضوا لهذا الواجب الكبير؛

فبدأت من جديد حركة الاجتهاد والتجديد، وصارت الأمة بفضل هذه الجهود مؤهَّلة للعودة إلى سيادة الشريعة عن طريق جعل السلطة التشريعية في يد المجتهدين من الأمة خاصة. فالمشكلة ليس في الآلية لكن في وجود ضوابط تحكم القائمين على التشريع وفق ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وضوابط التنفيذ. (9)

والأصل في الشريعة الإسلامية أنها جاءت للناس لتحكمهم في كل حالاتهم، وليحكموها في شؤون دنياهم وآخرتهم، ولكن الشريعة مع هذا لم تأت بنصوص تفصيلية تبين حكم كل الحالات الجزئية والفرعية، وإنما اكتفت الشريعة في أغلب الأحوال بإيراد الأحكام الكلية والمبادئ العامة، فإذا تعرضت لحكم فرعي فنصت عليه فإنما تنص عليه لأنه يعتبر حُكْمًا كُلِّيًّا أو مبدأ عامًا بالنسبة لما يدخل تحته من فروع أخرى.

والأحكام الكلية والمبادئ العامة التي نصت عليها الشريعة تعتبر بحق القواعد العامة للتشريع الإسلامي، والهيكل الذي يمثل معالم التشريع الإسلامي، والضوابط التي تحكم التشريع الإسلامي. وقد تركت الشريعة لأولي الأمر والرأي في الأمة أن يتموا بناء التشريع على هذه القواعد، وأن يستكملوا هذا الهيكل فيبينوا دقائقه وتفاصيله في حدود المبادئ والضوابط التي جاءت بها الشريعة.

وإذا كانت الشريعة قد أعطت أولي الأمر والرأي في الأمة حق التشريع فإنها لم تعطهم هذا الحق مطلقًا من كل قيد، فحق هؤلاء التشريع مقيد بأن يكون ما يصنعونه من التشريعات متفقًا مع نصوص الشريعة ومبادئها العامة وروحها التشريعية.

وتقييد حقهم في التشريع على هذا الوجه يجعل حقهم مقصورًا على نوعين من التشريع:

  1. تشريعات تنفيذية: يقصد بها ضمان تنفيذ نصوص الشريعة الإسلامية.
  2. تشريعات تنظيمية: يقصد بها تنظيم الجماعة وحمايتها وسد حاجتها على أساس مبادئ الشريعة العامة

وهذه التشريعات لا تكون إلا فيما سكتت عنه الشريعة فلم تأت فيه بنصوص خاصة:

ويشترط في هذا النوع من التشريعات أن يكون قبل كل شيء متفقًا مع مبادئ الشريعة العامة وروحها التشريعية، وإلا كان باطلاً بطلانا مطلقًا، فليس لأحد أن ينفذه وليس لأحد أن يطيعه (10)
ومن المعروف أن الشورى تعد دعامة من دعائم الإيمان، وصفة من الصفات المميزة للمسلمين، قال تعالى: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) "الشورى: 38". وإذا كانت الشورى من الإيمان فإنه لا يكمل إيمان قوم يتركون الشورى، ولا يحسن إسلامهم إذا لم يقيموا الشورى إقامة صحيحة، وعلى الحاكم أن يستشير في كل أمور الحكم والإدارة والسياسة والتشريع، وكل ما يتعلق بمصلحة الأفراد أو المصلحة العامة.

السلطة التشريعية في الوقت الراهن

تطورت الحياة النيابية في العالم الإسلامي فبعد أن كانت الأحكام تستمد من الشريعة السمحاء عمد الغرب بعد احتلال البلاد على تغريب الهوية لدى المسلمين وشجعوا على إقامة أنظمة تشريعية تستمد قوانينها من الدساتير الغربية التي وضعوها وغيبوا كل ما يمت لشرع الله سبحانه وتعالى

فأنشأوا ما يسمى بالبرلمانات – وهذا لا حرج فيه طالما هذه الأنظمة ما اتفق عليه الجميع وما دامت تستمد قوانينها من الكتاب الله وسنة نبيه لكن للأسف حادت هذه البرلمانات وأصبح يسيطر عليها أصحاب النفوذ والمقربين من المحتل أو الملك وأحيانا أرباب الفساد والذين سنوا قوانين تحمي فسادهم وثرواتهم. ومن المعروف أن السلطة التشريعية (النيابية) هيئة مستقلة، ينتخب أعضاؤها من الشعب، وتختص بسن القوانين، إلى جانب مجموعة أخرى من الاختصاصات، التي تختلف حسب دساتير الدول.

وتتولى المجالس النيابية في مختلف دول العالم، بصورة أساسية الوظيفة التشريعية التي تُعني بسن القوانين اللازمة للدولة، فالسلطة التشريعية تقترح القوانين وتقرها، وقد تشاركها في عملية اقتراح القوانين السلطة التنفيذية (الحكومة)، ولكن عملية التصويت على مشروع القانون لإقراره، تدخل ضمن اختصاص السلطة التشريعية وحدها، لا تشاطرها فيها سلطة أخرى من حيث المبدأ، ولكن بعد سن القانون تتولى السلطة التنفيذية مهمة التصديق عليه، وإصداره ونشره.

ويزاول المجلس النيابي كذلك وظيفة مالية، حتى يلاحظ أن هذه الوظيفة قد سبقت في نشأتها التاريخية الوظيفة التشريعية، ذلك لأن المجلس النيابي تكونت في البداية للنظر في الضرائب التي يفرضها الحكام. ومن أهم المسائل المالية التي تقوم بها المجالس النيابية هي الموافقة على ميزانية الدولة، بعد بحثها ومناقشتها تفصيلاً. وللمجلس النيابي، إضافة إلى وظيفتيه السابقتين، وظيفة ثالثة على جانب كبير من الأهمية، هي مراقبة الحكومة في جميع تصرفاتها وأعمالها، ويناقشها في سياستها العامة الداخلية والخارجية التي رسمتها لنفسها، وتسمى هذه الوظيفة بالوظيفة السياسية

ولكن يلاحظ في بعض الأحيان أن الوظيفة التشريعية، وهي الوظيفة الجوهرية التي تنهض بها السلطة التشريعية، تسحب من مجال اختصاص هذه الأخيرة، وتمنح إلى سلطات أخرى. فكثير من الدساتير، تعطي لرئيس الجمهورية إمكانية الحلول مكان السلطة التشريعية في حالة الظروف الاستثنائية التي تهدد الدولة في بقائها، ووحدتها، وسلامة أراضيها، وذلك وفقاً لإجراءات معينة، كما أن القوانين يمكن أن تطرح مباشرة على الشعب للتصويت عليها عن طريق آليات الاستفتاء الشعبي ومن دون أن يناقشها المجلس النيابي أو يقرها، وذلك على الرغم من ندرة استخدام مثل هذه الآليات في سن القوانين .

كما تنص دساتير بعض الدول على إمكانية أن تطلب السلطة التنفيذية من السلطة التشريعية تفويضها في ممارسة حق التشريع، فيما يعرف اصطلاحاً بالتفويض التشريعي ، على أن يكون هذا التفويض مقيداً بفترة معينة، وإذا وافقت السلطة التشريعية، فيجب عرض التشريعات التي أصدرتها السلطة التنفيذية على المجلس النيابي بعد انتهاء مدة التفويض، فإن أقرها كان لها قوة التشريع، أما إذا لم يقرها، فيزول كل أثر قانوني لها، كما أنها لا تعدل، إن أقرت، إلا من جانب المجلس النيابي، بوصفها السلطة المختصة أصلاً بالتشريع.

إذا كان سن القوانين من صميم اختصاص السلطة التشريعية، فإن هذه السلطة الأخيرة يجب أن تراعي مطابقة هذه القوانين التي تصدرها للدستور، باعتباره القانون الأسمى للدولة، وتنهج دساتير الدول مناهج مختلفة في سبيل التحقق من مطابقة تصرفات السلطة التشريعية للدستور، ولا سيما من حيث سن القوانين. (11)

البرلمان في مصر

تمثل المؤسسات النيابية المصرية ركنًا هامًا من أركان "مكانة مصر" ، والبرلمان المصري يعد أقدم مؤسسة تشريعية في الوطن العربي، والتي بدأت مع النظم التمثيلية الشورية منذ تولي محمد علي للحكم ووضعه للائحة الأساسية للمجلس العالي، فقد كانت تجربة من ضمن المحاولات الأولية التي ظهرت فيها أولى التجارب النيابية، لتنظيم العلاقة بين الحاكم والشعب

إلى أن جاء الخديوي إسماعيل في ٢٢ أكتوبر ١٨٦٦ ليقوم بإنشاء أول برلمان نيابي تمثيلي بالمعنى الحقيقي وهو "مجلس شورى النواب" وفق النمط الغربي الحديث في إقامة المؤسسات التشريعية المنتخبة والتي تقوم بتمثيل جمهور الناخبين والتعبير عن مصالحهم في مواجهة السلطة التنفيذية، وذلك تنفيذًا للفكر التحديثي للخديوي إسماعيل، من أجل إقامة الحياة النيابية السليمة التي تعبر تعبيرًا حقيقيًّا عن مصالح وتطلعات الشعب المصري بمختلف فئاته وطوائفه.

ثم تحوّل مجلس شورى النواب في عهد الخديوي توفيق إلى مجلس النواب المصري عام ١٨٨١، والذي صدرت في ظلِّه لائحة ٧ فبراير عام ١٨٨٢ والتي كانت تعد تعبيرًا حقيقيًّا عن ما تمناه أعضاء مجلس النواب للنظام السياسي المصري. ولكن جاء قرار الإنجليز بهدم النظام النيابي بدعوى تهدئة الأحوال في مصر، واستبدال نظام آخر به تمثّل في "مجالس قانونيْ أول مايو" سنة ١٨٨٣، والذي نص على إنشاء مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية. ومع مجيء عام 1913، صدر القانون النظامي الجديد والذي نص على إنشاء الجمعية التشريعية لتحل محل الجمعية العمومية ومجلس شورى القوانين.

ثم جاءت مرحلة جديدة بإعلان دستور سنة 1923 في ١٩ أبريل عام 1923، ذلك الدستور الذي مثل نقلة كبيرة على طريق إقامة الحياة النيابية السليمة في مصر؛ حيث إنه صدر بعد الاعتراف الرسمي من قبل بريطانيا بأن مصر دولة مستقلة ذات سيادة، وهو الأمر الذي لم يكن متوفراً من قبل وقد تكوّن البرلمان في ظل هذا الدستور من مجلس النواب ومجلس الشيوخ.

ثم أُلغِيَ دستور 1923 بصدور دستور سنة 1930 في ٢٢ أكتوبر 1930، إلا أن دستور سنة 1930 لم يعمر طويلاً، بسبب تزايد الضغط على الملك لرفض مصر كلها له وللنظام السياسي الذي قام على أساسه، وفي ١٩ ديسمبر سنة 1935 صدر الأمر الملكي رقم ١٤٢ لسنة 1935 والذي قضى بإعادة العمل بدستور سنة 1923.

وبعد قيام ثورة 23 يوليو، شُكّل أول مجلس نيابي في ظل الثورة، وبدأ جلساته في ٢٢ يوليو 1957، وقد أطلق عليه اسم مجلس الأمة، واستمر هذا المجلس حتى العاشر من فبراير 1958، حيث أعقبه مجلس الأمة المشترك في ظل صدور دستور مارس 1958، وذلك عقب الوحدة مع سوريا. وقد استمر مجلس الأمة المشترك، حتى ٢٢ يونيو 1961. وبمجرد سقوط الوحدة بين مصر وسوريا، وفي شهر مارس 1964 صدر دستور مؤقت، وفى ظله قام مجلس الأمة المنتخب.

ومع تولي الرئيس الراحل محمد أنور السادات الحكم دعا مجلس الأمة في ٢٠ مايو 1971 لإعداد دستور جمهورية مصر العربية الدائم وعرضه على الشعب في الاستفتاء. وفي يوم ١١ سبتمبر 1971 صدر دستور جمهورية مصر العربية الدائم بعد الاستفتاء الذي أجري على الدستور، والذي بدأت معه مرحلة جديدة من تاريخ مصر الحديث والمعاصر؛

وفى ظله جرت انتخابات مجلس الشعب الذي عقد أولى جلساته في ١١ نوفمبر 1971 وهو أول مجلس يستكمل مدته الدستورية وهي خمس سنوات كاملة.ثم جاء الاستفتاء الذي جَرى يوم ١٩ أبريل 1979، والذي وافق فيه الشعب المصري على إنشاء "مجلس الشورى"، وعقد مجلس الشورى أولى جلساته في أول نوفمبر 1980، ومعه عادت فكرة وجود مجلسين تشريعيين في الحياة النيابية المصرية. (12)

نظرة الإخوان للسلطة التشريعية

سلك الإخوان كل الطرق القانونية والدستورية وما توافق مع شرع ربهم ومصلحة أمتهم فانتشرت الدعوة في ربوع الجموع المصرية والشعوب الإسلامية والعالمية فأصبحت هذه الدعوة في أغلب بلدان العالم. الإخوان لم يكونوا في يوم من الأيام غرباء عن المجتمع بل هم من نسيج هذا المجتمع يتألمون لقضاياه ويعملون على النهضة به ولذا نراهم يحاربون كل مظاهر الفساد والطبقية

وعملوا على تحقيق العدالة الاجتماعية والتصدي للمحتل حتى خرج من أوطانهم ووضعوا التصورات والخطط المنهجية للارتقاء بالاقتصاد ونجحوا في إنشاء المشروعات القوية والتي عادت بالنفع على الجميع وسلكوا النهج السياسي الصحيح فدخلوا المجالس المحلية والبرلمان وشاركوا في السلطة التنفيذية في وقت من الأوقات سواء في مصر أو خارجها ورغم العراقيل كانت لهم النجاحات التي شهد لها الجميع. دخل الإخوان المجالس المحلية والتشريعية وهم مؤمنون بالتغيير عبر هذه المنافذ وعبر المبادئ التي تربوا عليها والقيم التي نهلوها من كتاب ربهم وسنة نيبهم.

يقول حسن البنا:

الواقع -أيها الإخوان- أن الباحث حين ينظر إلى مبادئ الحكم الدستوري التي تتلخص فى المحافظة على الحرية الشخصية بكل أنواعها، وعلى الشورى واستمداد السلطة من الأمة، وعلى مسئولية الحكام أمام الشعب ومحاسبتهم على ما يعملون من أعمال، وبيان حدود كل سلطة من السلطات، هذه الأصول كلها يتجلى للباحث أنها تنطبق كل الانطباق على تعاليم الإسلام ونظمه وقواعده فى شكل الحكم. ولهذا يعتقد الإخوان المسلمون أن نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة فى العالم كله إلى الإسلام، وهم لا يعدلون به نظامًا آخر.
بقى بعد ذلك أمران:
أولهما: النصوص التي تصاغ فى قالبها هذه المبادئ، وطريقة التطبيق التي تفسر بها عمليًّا هذه النصوص.
إن المبدأ السليم القويم قد يوضع فى نص مبهم غامض، فيدع مجالاً للعبث بسلامة المبدأ فى ذاته، وإن النص الظاهر الواضح للمبدأ السليم القويم قد يطبق وينفذ بطريقة يمليها الهوى وتوحيها الشهوات، فيذهب هذا التطبيق بكل ما يرجى من فائدة. وإذا تقرر هذا فإن من نصوص الدستور المصرى ما يراه الإخوان المسلمون مبهمًا غامضًا يدع مجالاً واسعًا للتأويل والتفسير الذي تمليه الغايات والأهواء، فهى فى حاجة إلى وضوح وإلى تحديد وبيان هذه واحدة

والثانية: هى أن طريقة التنفيذ التي يطبق بها الدستور، ويتوصل بها إلى جنى ثمرات الحكم الدستوري فى مصر، طريقة أثبتت التجارب فشلها، وجنت الأمة منها الأضرار لا المنافع، فهى فى حاجة شديدة إلى تحوير وإلى تعديل يحقق المقصود ويفى بالغاية.

وحسبنا أن نشير هنا إلى قانون الانتخاب، وهو وسيلة اختيار النواب الذين يمثلون إرادة الأمة، ويقومون بتنفيذ دستورها وحمايته، وما جره هذا القانون على الأمة من خصومات وحزازات، وما أنتجه من أضرار يشهد به الواقع الملموس، ولابد أن تكون فينا الشجاعة الكافية لمواجهة الأخطاء والعمل على تعديلها. لهذا يعمل الإخوان المسلمون جهدهم حتى تحدد النصوص المبهمة فى الدستور المصرى، وتعدل الطريقة التي ينفذ بها هذا الدستور فى البلاد (13)

وقال:

إن الذين وضعوا الدستور المصرى قالوا فى المادة التاسعة والأربعين بعد المائة منه: (إن دين هذه الدولة الرسمى هو الإسلام) فالأمر لا يعدو أحد اثنين إما أن يكونوا جادين فى هذا الذي سجلوه على أنفسهم وعلى الدستور المصرى، فيجب أن يكون محل احترام منهم، وأن يعملوا جاهدين؛ حتى تحل النظم الإسلامية محل كل نظام غير إسلامى فى كل شىء فى الحكم والقانون والعادات والمعاملات وكل مظاهر الحياة.
وحينئذ يكون بحق دين الدولة الرسمى هو الإسلام، ويكون الدستور المصرى محترما مصونا قد احترمه واضعوه، ونزلوا على حكمه هو الآخر، وإما أن يكونوا لا يقصدون ما يقولون، ولا يؤمنون بما يكتبون، وهم بذلك يعبثون ويلهون أو يغشون الشعب ويخدعونه بمثل هذا النص الذي لا تحقق له فى الخارج.
وحينئذ يجب علينا -معشر الدعاة- أن نقوم إليهم وإلى هذا الشعب المخدوع بالنصيحة، فإن فعلوها فبها وإلا فنحن دائبون فى جهادنا عاملون على تحقيق هذه الغاية مهما كلفتنا، جادون فى إيقاظ الفكرة الإسلامية النائمة فى نفس الشعب المسلم المسالم الطيب القلب؛ حتى يعرف حقه، ويحرص على دينه، ويملى إرادته على حكامه، فينزلون عليها ولا يجدون مناصا من تحقيقها فيكون الدين الرسمى بذلك للدولة هو الإسلام. فأى الموقفين يريد حماة الدستور وواضعوه أن يضعوا أنفسهم فيه أمام الأمة؟ وهل يرضيهم أو يروقهم أن يظل هذا التناقض قائما بين الدستور المكتوب والدستور المنفذ؟ وما قيمة نصوص لا تتحقق؟ أفتونا -أيها الفقهاء الدستوريون- أثابكم الله!!
ذلك موقف الإخوان المسلمين من القرآن والدستور منذ عشر سنين، وذلك موقفهم منهما الآن وذلك موقفهم الذي سيظل قائما فى المستقبل؛ حتى تتحقق غايتهم فيتفق تعليم الدستور مع تعليم القرآن، وتكون تعاليم القرآن هى لب الدستور ومحوره، والحكم بيننا وبين الفقهاء الدستورين كتاب الله على أوسع حدوده، ومدلولاته فى غير سرف ولا تحكم ولا جمود ولا اشتطاط. فلعمر الله، لقد أنصفناهم، وسنظل ننصفهم، وإنا لندعوهم إلى خطة سواء فهل هم يقبلون؟
نريد تعديلات فى النصوص والأشكال توفق بين تعاليم الإسلام وما نحن عليه، وتخلصنا من هذا البلاء الداهم الذي وقعنا فيه من جراء تقليد الغرب من غير تبصر ولا تقدير لعواقب الأمور. نسأل الفقهاء الدستوريين: هلا يكون المعنى النيابى قائما صحيحا إذا وضع للانتخاب ولمحاسبة الحكام نظام غير هذه الحزبية المفرقة؟ ووضع للبرلمان نظام غير نظام المجلسين، وهل البلاد التي توحدت فيها الأحزاب والمجالس وتغيير نظام الانتخاب ليست أنها بلاد دستورية نيابية؟
وسنسألهم أيضا: هل لو عدلنا المادة الثانية فى الدستور المصرى، مادة حرية الاعتقاد، فأضفنا إلى ذلك ما أضفناه لمادة حرية الرأى من أن ذلك مقيد بالقوانين والنظم الموضوعة؛ حتى يخرج المرتد فلا يكون محميا بالدستور. هل إذا فعلنا ذلك يكون ذلك تغييراً لنظام الحكم النيابى وقلبا له؟ أيها السادة الفقهاء، وأيها السادة الحاكمون والزعماء، صارحوا الناس وقولوا لهم: إن ذلك ليس قلبا لنظام الحكم فى شىء، وإنما هو قلب لهذه الأوضاع الفاسدة، ونحن لا نحسن الانتفاع فى جو غير هذا الجو فنحن لهذا نحارب هذا التعديل الذي لا ينقذ الأمة سواه.
هذا هو موقف الإخوان المسلمين فى الماضى والحاضر والمستقبل، وسيظلون ثابتين عليه ويتنادون به فى خطبهم وكلماتهم ومجالسهم، وسيعلنونه فى جرائدهم وفى مجلاتهم، وسيصلون لتحقيقه بكل الوسائل، وسيصلون إلى غايتهم بتوفيق الله؛ لأنهم لله يعملون، ومنه يستمدون، ولدعوته ينصرون ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز. (14)

وكتب عن القانون فقال:

إن الإسلام لم يجئ خلوًّا من القوانين، بل هو قد أوضح كثيرًا من أصول التشريع وجزئيات الأحكام، سواء أكانت مادية أم جنائية، أم تجارية أم دولية، والقرآن والأحاديث فياضة بهذه المعانى، وكتب الفقهاء غنية كل الغنى بكل هذه النواحى، وقد اعترف الأجانب أنفسهم بهذه الحقيقة، وأقرها مؤتمر لاهاى الدولى أمام ممثلى الأمم من رجال القانون فى العالم كله.
فمن غير المفهوم ولا المعقول أن يكون القانون فى أمة إسلامية متناقضًا مع تعاليم دينها وأحكام قرآنها وسنة نبيها، مصطدمًا كل الاصطدام بما جاء عن الله ورسوله، وقد حذر الله نبيه ذلك من قبل، فقال تبارك وتعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ "المائدة: 49-50"
وذلك بعد قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ- والظَّالِمُونَ- والْفَاسِقُونَ﴾ "المائدة: 44، 45، 47"، فكيف يكون موقف المسلم الذي يؤمن بالله وكلماته إذا سمع هذه الآيات البينات، وغيرها من الأحاديث والأحكام، ثم رأى نفسه محكومًا بقانون يناقضها ويصطدم معها؟ فإذا طالب بالتعديل قيل له: إن الأجانب لا يرضون بهذا ولا يوافقون عليه، ثم يقال بعد هذا الحجر والتضييق: إن المصريين مستقلون، وهم لم يملكوا بعد أن يتمتعوا بحرية الدين، وهى أقدس الحريات.
على أن هذه القوانين الوضعية كما تصطدم بالدين ونصوصه تصطدم بالدستور الوضعى نفسه الذي يقرر أن دين الدولة هو الإسلام، فكيف نوفق بين هذين يا أولى الألباب؟! وإذا كان الله ورسوله قد حرم الزنا، وحظر الربا، ومنع الخمور، وحارب الميسر، وجاء القانون يحمى الزانية والزانى، ويلزم بالربا، ويبيح الخمر، وينظم القمار، فكيف يكون موقف المسلم بينهما؟ أيطيع الله ورسوله، ويعصى الحكومة وقانونها والله خير وأبقى؟ أم يعصى الله ورسوله ويطيع الحكومة فيشقى فى الآخرة والأولى؟ نريد الجواب على هذا من رفعة رئيس الحكومة (15) ، ومعالى وزير العدل (16)، ومن علمائنا الفضلاء الأجلاء.
أما الإخوان المسلمون، فهم لا يوافقون على هذا القانون أبدًا، ولا يرضونه بحال، وسيعملون بكل سبيل على أن يحل مكانه التشريع الإسلامى العادل الفاضل فى نواحى القانون، ولسنا هنا فى مقام الرد على ما يقال فى هذه الناحية من شبهات أو ما يعترض سبيلها من توهم العقبات، ولكنا فى مقام بيان موقفنا الذي عملنا وسنعمل عليه متخطين فى سبيله كل عقبة موضحين كل شبهة ﴿حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ﴾ "الأنفال:39".

ولقد وصف حسن البنا البرلمان بقوله:

إن دار البرلمان هى مظهر كرامة الأمة ورمز آمالها وأمانيها وصورة قوميتها وحياتها (17)

ويقول في موضع أخر:

نحن لا نعترض على الحكم الشورى النيابى من حيث هو، فإن الإسلام قد وضع الأساس للشورى وللتناصح، ولحرية الرأى ولسلطة الأمة، ولتبعة الحكام، وهى أركان الدساتير العصرية، ولكن الذي نعترض عليه ونطالب بالتحرر منه هذه الشكليات الفارغة التقليدية التي جربناها عشرين سنة، فلم نجن منها إلا الفرقة والخلاف والشوك والحسك والصاب والعلقم. (18)

ويرى الإخوان أن النظم النيابية والديمقراطية صور من صور الشورى إن استمدت قوانينها ودساتيرها من القرآن والسنة والشريعة وما تعارف عليه الناس، فالشورى مبدأ أصيل في الإسلام وأمرنا الله سبحانه بالالتزام به والسير على نهجه، وهو ما نادى به الإخوان المسلمين، يقول سيد قطب:

يقرر الإسلام هذا المبدأ في نظام الحكم - حتى ومحمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذي يتولاه. وهو نص قاطع لا يدع للأمة المسلمة شكا في أن الشورى مبدأ أساسي ، لا يقوم نظام الإسلام على أساس سواه.. أما شكل الشورى، والوسيلة التي تتحقق بها، فهذه أمور قابلة للتحوير والتطوير وفق أوضاع الأمة وملابسات حياتها.
وكل شكل وكل وسيلة، تتم بها حقيقة الشورى - لا مظهرها - فهي من الإسلام، لقد جاء هذا النص عقب وقوع نتائج للشورى تبدو في ظاهرها خطيرة مريرة! فقد كان من جرائها ظاهريا وقوع خلل في وحدة الصف المسلم! اختلفت الآراء. فرأت مجموعة أن يبقى المسلمون في المدينة محتمين بها، حتى إذا هاجمهم العدو قاتلوه على أفواه الأزقة. وتحمست مجموعة أخرى فرأت الخروج للقاء المشركين.
وكان من جراء هذا الاختلاف ذلك الخلل في وحدة الصف. إذ عاد عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الجيش، والعدو على الأبواب - وهو حدث ضخم وخلل مخيف - كذلك بدا أن الخطة التي نفذت لم تكن - في ظاهرها - أسلم الخطط من الناحية العسكرية. إذ أنها كانت مخالفة "للسوابق" في الدفاع عن المدينة - كما قال عبد الله بن أبي - وقد اتبع المسلمون عكسها في غزوة الأحزاب التالية، فبقوا فعلا في المدينة ، وأقاموا الخندق ، ولم يخرجوا للقاء العدو. منتفعين بالدرس الذي تلقوه في أحد !.
ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجهل النتائج الخطيرة التي تنتظر الصف المسلم من جراء الخروج. فقد كان لديه الإرهاص من رؤياه الصادقة، التي رآها، والتي يعرف مدى صدقها. وقد تأولها قتيلا من أهل بيته، وقتلى من صحابته، وتأول المدينة درعا حصينة.. وكان من حقه أن يلغي ما استقر عليه الأمر نتيجة للشورى.. ولكنه أمضاها وهو يدرك ما وراءها من الآلام والخسائر والتضحيات. لأن إقرار المبدأ، وتعليم الجماعة، وتربية الأمة، أكبر من الخسائر الوقتية .
ولقد كان من حق القيادة النبوية أن تنبذ مبدأ الشورى كله بعد المعركة. أمام ما أحدثته من انقسام في الصفوف في أحرج الظروف; وأمام النتائج المريرة التي انتهت إليها المعركة! ولكن الإسلام كان ينشئ أمة، ويربيها، ويعدها لقيادة البشرية. وكان الله يعلم أن خير وسيلة لتربية الأمم وإعدادها للقيادة الرشيدة، أن تربى بالشورى; وأن تدرب على حمل التبعة، وأن تخطئ - مهما يكن الخطأ جسيما وذا نتائج مريرة - لتعرف كيف تصحح خطأها، وكيف تحتمل تبعات رأيها وتصرفها. فهي لا تتعلم الصواب إلا إذا زاولت الخطأ. (19)
ومن هنا كذلك كانت كتب الفقه الإسلامى قديمًا وحديثًا فياضة بأحكام الإمارة والقضاء والشهادة والدعاوى والبيوع والمعاملات والحدود والتعزيرات، ذلك إلى أن الإسلام أحكام عملية وروحية، إن قررتها السلطة التشريعية فإنما تقوم على حراستها وإنفاذها السلطة التنفيذية والقضائية، ولا قيمة لقول الخطيب كل جمعة على المنبر: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ "المائدة: 90"
فى الوقت الذي يجيز فيه القانون السكر، وتحمى الشرطة السكيرين، وتقودهم إلى بيوتهم آمنين مطمئنين، ولهذا كانت تعاليم القرآن لا تنفك عن سطوة السلطان، ولهذا كانت السياسة الحكومية جزءًا من الدين، وكان من واجبات المسلم أن يعنى بعلاج الناحية الحكومية كما يعنى بعلاج الناحية الروحية. وذلك موقف الإسلام من السياسة الداخلية.

ويضيف:

كما أن تعاليم الإسلام وسياسته ليس فيها معنى رجعى أبدًا، بل هى على أدق قواعد التشريع الصالح، وقد اعترف التشريع لكثير منها -وسيكشف الزمن للناس على جلالة ما لم يعرفوا- بأنها قد سبقته فى دقة الأحكام، وتصوير الأمور، وسعة النظر، وشهد بذلك كثير من غير المسلمين، كما ورد كثيرًا فى كلام "المسيو لامبير"(قانوني فرنسي) وأضرابه
وأكدت ذلك مؤتمرات التشريع الدولية على أن الإسلام قد وضع من القواعد الكلية ما يترك للمسلم بابًا واسعًا فى الانتفاع بكل تشريع نافع مفيد لا يتعارض مع أصول الإسلام ومقاصده، وأثاب على الاجتهاد بشروطه، وقرر قاعدة المصالح المرسلة، واعتبر العرف، واحترم رأى الإمام، وكل هذه القواعد تجعل التشريع الإسلامى فى الذروة السامية بين الشرائع والقوانين والأحكام.
هذه معان أحب -أيها السادة- أن تذيع بيننا، وأن نذيعها فى الناس، فإن كثيرًا لازالوا يفهمون من معنى النظام الإسلامى ما لا يتفق بحال مع الحقيقة، وهم لهذا ينفرون منه ويحاربون الدعوة إليه، ولو فقهوه على وجهه لرجعوا به، ولكانوا من أوائل أنصاره، وأشدهم تحمسًا له، وأعلاهم صوتًا فى الدعوة إليه. (20)
نظر الإخوان للبرلمان على انه وسيلة يستطيع فيها الإنسان التعبير عن فكره ومنهجه الإصلاحي وبرنامجه من خلاله وأنه وسيلة سلمية بتفويض من قبل الشعب لمن تم انتخابهم لتشريع ما يصلح الحياة المجتمعية بجميع مناحيها سواء سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو حتى رقابية، فإصلاح المجتمع المصرى يتلخص فى كلمتين: "تشريع صالح، ومنقذ غيور"
وربما يقول البعض في كل وقت ما للإخوان والبرلمان وكأنهم فقط جماعة دعوية في المسجد فقط رغم اعلانها أنها ليست حزب سياسي فحسب بل هى جماعة إسلامية شاملة تعرف وتطبق الإسلام في كل مناحي الحياة ولذا يرد حسن البنا على هؤلاء بقوله: وقد يقول بعض الناس: وما للإخوان والبرلمان، والإخوان جماعة دينية وهذه سبيل الهيئات السياسية؟ وليس هذا يؤيد ما يقول الناس من أن الإخوان المسلمين قوم سياسيون لا يقفون عند حد الدعوة إلى الإسلام كما يدعون؟

وأقول لهذا القائل فى صراحة ووضوح:

أيها الأخ، أما إننا سياسيون حزبيون نناصر حزبًا ونناهض آخر، فلسنا كذلك ولن نكونه، ولا يستطيع أحد أن يأتى على هذا بدليل أو شبه دليل. وأما إننا سياسيون بمعنى أننا نهتم بشئون أمتنا، ونعتقد أن القوة التنفيذية جزء من تعاليم الإسلام تدخل فى نطاقه، وتندرج تحت أحكامه، وأن الحرية السياسية والعزة القومية ركن من أركانه، وفريضة من فرائضه، وأننا نعمل جاهدين لاستكمال الحرية ولإصلاح الأداة التنفيذية فنحن كذلك
ونعتقد أننا لم نأت فيه بشىء جديد، فهذا هو المعروف عند كل مسلم درس الإسلام دراسة صحيحة، ونحن لا نعلم دعوتنا، ولا نتصور معنى لوجودنا إلا تحقيق هذه الأهداف. ولم نخرج بذلك قيد شعرة عن الدعوة إلى الإسلام، والإسلام لا يكتفى من المسلم بالوعظ والإرشاد، ولكنه يحدوه دائمًا إلى الكفاح والجهاد ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ "العنكبوت: 69". (21)
بل أن الإخوان أيدوا كل من عمل لمصلحة الأمة الإسلامية من البرلمانين وأيضا نصحوا كل من حاد أو أخطأ في حق هذا الشعب، فتأييدا لموقف علوبة باشا نحو فلسطين كتب الإخوان على صفحات جرائهم يقولون: الإخوان المسلمون يؤيدون قرارات اللجنة البرلمانية لإنقاذ فلسطين، وينتظرون عملا جديا وموقفا حازما قويا، ويضعون دماءهم وأموالهم وأوقاتهم تحت تصرف اللجنة فى سبيل فلسطين العربية المجاهدة. (22)

كما أرسل حسن البنا ببرقية تأييدا لما جاء فى مذكرة القضاة الشرعيين جاء فيها:

صاحب المعالى رئيس مجلس الشيوخ:

يؤيد المركز العام (للإخوان المسلمين) وجهة النظر الواردة بمذكرة القضاة الشرعيين فيما يتعلق بتشكيل هيئة المجالس الحسبية، ويرجو أن يأخذ المجلس الموقر بها صيانة للحقوق ووضعا للأمور فى نصابها. (23)

وحينما توجه النقراشي باشا رئيس الوزراء لمجلس الأمن لعرض القضية المصرية عليه عام 1947م أرسل حزب الوفد برسالة للمجلس يطلعه أن النقراشي لا يمثل الشعب المصري في عرض قضية الجلاء عليه وأن الوفد هو الحزب الوحيد الذي له شرعية على الأرض ويجب ان يكون هو حامل هذا العبء فكانت طعنة في صدر القضية المصرية خاصة بعدما رفض مجلس الأمن حل القضية من خلاله فأرجعها إلى طاولة المفاوضات، وحينما عاد النقراشي كتب النحاس باشا والوفديون أن برلمان النقراشي برلمان غير شرعي لا يؤله بأخذ القرارات التي تخص الشعب.

أغضبت هذه المقالات الإخوان المسلمين فكتب حسن البنا مدافعا عن البرلمان ومذكرا النحاس باشا بأنه قبل من قبل ما يعيب عليه الآن فقال: أن قيام مجلس النواب الحالى ليس مهددا للدستور ولا مهدرا لأحكامه بالدرجة التي يتوهمها الوفد ويبالغ فى تصويرها للرأى العام، وإلا كان قيام مجلس نواب سنة 1942 الوفدى الذي قاطعته الأحزاب وأقصى عنه بأمر الإنجليز كثير من النواب، وفصل منه بعض أعضائه بعد أن حكم لهم بصحة الانتخاب مهدرا كذلك لأحكام الدستور

ومع ذلك رضى به الوفد وحكم فى ظله ولم ترتفع منه صيحة واحدة بأنه كان برلمانا لا يمثل الأمة ولا يتفق مع روح الدستور ونصه، فليسع الوفد اليوم ما وسعه حينذاك، وإذا قيل: إنها كانت أحكام عرفية قيل كذلك: إن ظروف اليوم استثنائية فلم يحدث اليوم أن واجهت الأمة من الظروف والأحداث ما تواجه فى هذه الأيام والظروف الاستثنائية التي تقتضى المرونة السياسية وبغير ذلك لا يستقر أمر ولا يستقيم حال.

وثانيهما: أن الأمة اليوم وفى ظرفها الدقيق أحوج ما تكون إلى اجتماع جهود بنيها جميعا وكفاياتها حول منهج للجهاد، وميثاق للعمل وخطة للكفاح وذلك لا يتطلب أكثر من صفاء القلوب ونسيان الأشخاص وتوجيه الدعوة للاجتماع وتأليف اللجان للمدارسة، وهو لاشك أولى وأحسن من شغل الأمة بتقسيم الدوائر بعد التعداد الأخير

واستنفاد الجهد فى ترتيب إجراءات الانتخابات وما تستلزمه من خصومات وحزازات، ولعلنا حين نسلم بمثل هذه الخطوة نتبعها فى التعاون وتحقيق الرغبات خطوات، وعلى هذا فوقوف الوفد هذا الموقف وإصراره على هذا الشرط ليس له معنى أكثر من أنه يتجاهل كل الظروف والملابسات، ويحول دون اجتماع القوى على منهاج الجهاد فى أدق المواقف وأحرج الساعات.

وتتردد فى صحف الوفد وبيانه وخطاباته نغمة وخلاصتها أنه إذا كان الذين فى الحكم يدعون أن الأمة معهم فلم يخافوا من الاستفتاء، وهذا قول قد يبدو للناظر فيه لأول وهلة أن له نصيبا من المنطق والحق مع أنها قضية فيها نظر؛ لأن خصوم الوفد لا يسلمون معه بأن مجلس النواب القائم لا يمثل الأمة بل شأنه فى هذا شأن كل المجالس السابقة وما قيل ويقال عنه قيل مثله ويقال عنها جميعا.

ومن الخير أن يقضى على هذه السنة السيئة، وأن يترك مجلس واحد ليتم مدته القانونية، وبغير ذلك لا يسود حكم الدستور ولا يستقر على حال مجلس نواب، بل يذهبون إلى ابعد من هذا فيقولون: إن التسليم بحل هذا المجلس من وجهة نظرهم اعتداء على الدستور لا يسلمون به ولا يوافقون عليه. نكتب هذا الكلام مع احتفاظنا - نحن الإخوان المسلمين - برأينا فى مجلس النواب الحالى وسابقه، لأن هذا ليس وقت الحساب الذي لا خير فيه ولا فائدة.

لا شىء يفيد قضية الوطن فى هذا الظرف الدقيق إلا شىء واحد هو الالتقاء على منهج وميثاق، وهذه الدعوة يجب أن توجه حالا من رئيس الحكومة إلى الزعماء ورؤساء الهيئات على السواء، وأن يكون هدفها شيئا واحدا هو تحديد المنهج وإعلان الميثاق عليه وتوزيع التبعات بغير نظر إلى شىء آخر فى هذه الآونة. (24)

كما كتبوا لبعض النواب تحت عنوان إلى حضرات النواب المحترمين وبخاصة الأستاذين عباس العقاد وزكريا مهنا:

منذ أسبوعين أثار النائب المحترم عبد العزيز بك الصوفانى مناقشة فى مجلس النواب حول موضوع الدكتور طه حسين اشترك فيها كثير من حضراتهم، وقد تناولت أمرين هامين: أولهما الإبطاء فى إعدام كتاب "فى الشعر الجاهلى"، وثانيهما وجوب إخراج الدكتور من الجامعة وإبعاده عن التدريس. فإلى حضرات النواب المحترمين أتقدم بهذه الملاحظات التي هى شعور كل مسلم، وعاطفة كل مؤمن، وواجب كل مصرى غيور على الدين والخلق، راجيًا أن يكون لها أثرها.

يا حضرات النواب: قرر مجلسكم الموقر إعدام هذا الكتاب ومصادرته بناء على التقارير الرسمية التي أوضحت مغامزه وخلطه وجنايته على الفكر والعلم الصحيح، وبناء على قرار النيابة العمومية المؤيد لذلك، والمصرح بأن هذا الكتاب خطأ محض فى مادته، وفى أسلوبه، وفى معانيه، وفى غاية مؤلفه، فهل يسوغ لنا بعد كل هذا أن نتأخر فى إنفاذ حكم الإعدام على هذا الكتاب، وأن نلجأ إلى المناقشة والحوار، وأن يقول البعض: إن من مصلحة العلم بقاءه.

فهل سمع أحد أن من مصلحة العلم أن يكون الجهل مصدرًا من مصادره، ومادة من مواده ينبع منها ويؤخذ عنها، وأن يعتذر آخر بحرية الفكر، ولم يقل أحد: إن معنى حرية الفكر إبطال الحق، وإحقاق الباطل، وخرق النواميس، وانتهاك حرمات الشرائع والقوانين، والإساءة إلى أربعمائة مليون من المسلمين كما فعل صاحب هذا الكتاب. إن الإبطاء فى إعدام هذا الكتاب يمس كرامة مجلسنا، وينال من حرمة قراراته، ويعطل حكم القضاء وأنتم حماته والقائمون عليه.

وإن الواجب أن تبادر وزارة المعارف إلى إعدام نسخ الكتاب، وتقرير مصادرة الكتاب الثانى "فى الأدب الجاهلى" الذي لا يخالف سابقه إلا بالتسمية، فتكون بذلك قد احترمت قرار المجلس واعتبرت قول لجان انتدبتها من خيرة رجالها، فحكمت على الكتاب بما يستحقه، وأحسنت إلى العلم، وأنقذت طلبته من مهاوى الحيرة والضلال. أما إقصاء الدكتور عن التدريس والجامعة فأمر حتم يقتضيه واجب الوزارة من المحافظة على عقائد الطلبة وأخلاقهم، فإن المدرس ينظر إليه من جهات ثلاث: من مواهبه الخاصة فى المادة التي يدرسها، ومن مادته التي يقدمها لتلاميذه، ومن طريقته فى التفكير وما يبثه فى نفوس طلبته من أخلاق وطبائع.

والدكتور طه متهم فى ذلك جميعًا، فهو لا يحسن الشعر، وإن حاول ذلك أتى بالغث المتكلف الذي يمجه الطبع ويستثقله السمع على نمط لاميته التي يقول فيها:

مالى للبدر أطلب ردّه

بل ما لأفلاك السماء ومالى

لا درّ درّ المال لو لم يدخر

لبناء مكرمة وحسن فعال

لا درّ درّ المال لو لم يدخر

إلا لذات الطوق والخلخال

لا درّ درّ المال لو لم يدخر

إلا لنيل مراتب الإجلال

إلى آخر ما قال من هذا النظم المهلهل النسيج، المتنافر اللفظ، الضئيل الغاية. وهو لا يجيد أسلوب الكتابة إذا حاكمته إلى الذوق العربى والبلاغة اللغوية وقسته بما وضعه الأئمة من أوزان البيان ومقاييسه، أما فى حشو القول والاتساع فيه وإطالته بالتشدق والتفيهق فالرجل فى ذلك لا يشق له غبار، واعتبر ذلك بما كان منه فى قصة المعلمين وقضيتهم التي كتب عنها فى السياسة فأعيدت القصة وذكرت القضية بضع مرات فيما لا يزيد عن عشرة أسطر.

الشواهد على ذلك كثيرة وإنما نشير هنا إلى القصد فى إيجاز واختصار. وما هو بالناقد الذي يحسن النقد الصحيح فى الشعر والنثر، وإن أحسن التهجين والتجريح والزراية على غيره من الأدباء والكتاب، وإن الذي يقرأ بيت شوقى فى ميميته التي يقرظ بها ترجمة كتاب الأخلاق:

يا لُطف أنت هو الصدى

من ذلك الصوتِ الرخِيم

فيفهم أن الشاعر يقول: إن أرسطو كان ذا صوت رخيم. ويرد على ذلك أنه لا هو ولا شوقى سمع هذا الصوت، ثم لا يدرك ما فى هذه الاستعارة البليغة من عذوبة وجمال وتناسب، لحرى به أن يدع النقد لأهله وأن يعلم أن دعواه فيه كدعوى آل حرب فى زياد.

وبعد:

فليس الدكتور متخصصًا بدراسة تاريخ العرب، فلم يتلقه عن أستاذ، ولم يلم به فى مدرسة، وإنما علم من ذلك ما يعلق بذهن من يطالع كتب الأدب -لا ليدرسها- ولكن ليراها، وما نال الدكتور إجازته فى تاريخ اليونان أو تاريخ العرب قبل الإسلام وبعده أقوى الدعائم التي يستند عليها الكاتب إذا أراد أن يكتب فى الأدب العربى، فمن فاتته روايته ودرايته فقد فاته أس البحث ونبراسه وسار على غير هدى.

ذلك من ناحية مواهب أستاذ الجامعة فى الأدب العربى وتاريخه، وأما من ناحية ما يقدمه لتلامذته من المادة، فقد كانت باكورة ذلك كتابه "فى الشعر الجاهلى"، وقد حكم عليه عقلاء الأمة وأدباؤها بالخطأ والخطل والغثاثة، وكشف المحققون من الأدباء الغطاء عن مغامز ومعايب فيه، يبرأ منها العلم، وأيد ذلك حكم القضاء.

أما طريقته فى التفكير وما يبثه فى نفوس طلبته من طبائعه وأخلاقه، فما علم الناس من ذلك إلا الشك والحيرة والانسلاخ عن العقيدة والدين، وتسمية ذلك منهجًا علميًا، وقد برهن العالم الضليع مؤلف "النقد التحليلى" أن هذا الأسلوب ليس من المنهج العلمى فى شىء، فأى شىء بعد ذلك كله يسوّغ بقاء أمثال هذا المدرس فى منصب كبير كمنصبه الحالى، وإن تعجب فعجب دفاع الأستاذ عباس العقاد عنه وزعمه أن الدكتور نابغة ونادرة العصر، وأنه لا يمكن لأحد أن يسد فراغه أو يملأ مكانه أو يدرس الأدب كما يدرسه، وأنه قرأ كتابه فلم يجد فيه ما يمس الدين والأخلاق!.

حنانيك يا أستاذ عباس فإن الأمر هام لا يفتى فيه بالرأى ولا يؤخذ بالظن، المسألة مسألة دليل وبرهان وحق يتبعه الجميع. إنك بقولك هذا تتحدى الأمة جمعاء وتسىء إلى رجال وزارة المعارف الذين تخصصوا بدراسة هذه المادة وفيهم أساتذة الدكتور طه وأولياء نعمته، وتطعن فى تقارير تلك اللجان التي انتدبتها الوزارة لفحص الكتاب، فحكمت عليه بالخطأ والتجهيل وأظهرت معايبه فى عشرات المواضع، وتحكم على الأمة بالجدب الأدبى حين تزعم أنه لا يستطيع أن يدرس الأدب فيها إلا واحد.

ولعل حكمك هذا على رجال الأدب فى مصر من نوع حكمك السابق على شوقى وحافظ وهما مفخرة أدب العرب وحاملا لواء الشعر العصرى. ولو كان لك وجه من الحق، أو جانب من الشبهة فيما تفتيه عن رجال الأدب من كفاءة لهان الأمر، ولكن الذي تدعيه غير مسلّم، وليس من الحقيقة فى شىء، فإن كنت لا تعتدّ إلا بنفسك وبالدكتور وتدعيان الحق والدليل والبحث فهى ما أسلفناه بالدليل من أن الرجل متهم فى مواهبه ومادته وطريقة تفكيره وغايته جميعًا، فاستغفر الله والأمة ورجال الأدب من دفاعك عن هذا الدكتور ﴿وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾ "النساء: 107".

وأما قولك إن الكتاب ليس فيه ما يمس الدين والأخلاق، فاسمح لى أن أصارحك بأنك لست من أهل الدين المتخصصين به، وقد أقر هؤلاء خلاف رأيك. فأيكما نتبع؟ أليس الإنصاف والواجب عليك وعلينا أن نتبع هؤلاء فى شىء هم أخبر الناس به؟ وإذا لم يعجبك هذا وأبيت إلا الدليل، فاذكر قصة إبراهيم وإسماعيل وتكذيب المؤلف للقرآن والتوراة والإنجيل

وتهوين شأن النبى ونسبته إلى التحايل بالأساطير، والتهكم بالأجلاء من الصحابة ورميهم بالمخاتلة وعدم التأثر بتعاليم الإسلام إلا ظاهرًا -كذا يزعم صاحبك- وتكذيب صريح الأحاديث الصحيحة وتعطيل أحكامها، والخلط فى الأغراض والأنساب والنتائج والأسباب، اذكر كل ذلك وغيره مما يمس الدين والأخلاق، ثم قل لنا هل اقتنعت بما نذهب إليه؟!

وأعجب من موقف الأستاذ العقاد موقف الأستاذ "زكريا مهنا" يدافع عن الدكتور ويعارض القائلين بوجوب إخراجه من الجامعة معترفًا بأنه لم يقرأ الكتاب -وربما لم يره- وإنما يعتمد فى ذلك على شهادة الأستاذ العقاد. ما شاء الله، إن كانت المسألة يا أستاذ زكريا مسألة تقليد، فما الذي يرجح تقليدك للأستاذ العقاد على تقليدك لغيره من النواب والأدباء الذين ردوا على الكتاب وعدوه أكبر إساءة توجه للإسلام والمسلمين؟ ومن المناسب أن نذكر هنا بعض تلك الأحكام التي أصدرها كل أولئك عن هذا الكتاب ومؤلفه، لعل حضرة النائب المحترم يعدل عن تقليده للأستاذ العقاد ويدع الأمر لأهله.

كانت مسألة الجامعة وكتاب "فى الشعر الجاهلى" عرضت على المجلس فى سبتمبر سنة 1928م وفى جلسة الاثنين 13 سبتمبر تكلم الأستاذ عبد الخالق عطية فى هذا الشأن فكانت شهادته على الكتاب: "أنه ذلك الذي تضمن طعنًا ذريعًا على الموسوية الكريمة، والعيسوية الرحيمة، وعلى الإسلام دين الدولة المصرية بنص القانون"

وكانت شهادته على المؤلف:

"أن تصرفه كان مخالفًا للذوق؛ إذ لم يكن من المعقول، ولا من المفهوم، ولا من حسن الذوق أن يقوم هذا الشخص فيبصق فى وجه الحكومة التي يتقاضى مرتبه من أموالها بالطعن على دين رعيتها من أقلية وأكثرية، وأنه على الذين يريدون حرق بخور الإلحاد أن يحرقوه فى قلوبهم، أما أن يطلقوه فى أجواء دور العلم ومنابر الجامعة فهذا مالا يمكن أن يفهم بحال من الأحوال".

وتكلم فى هذه الجلسة نفسها المرحوم الشيخ القاياتى فكان من قوله بالنص:

"لقد جاء فى هذا الكتاب تكذيب صريح للقرآن، ونسبته جريمة للنبى عليه الصلاة والسلام بأنه متحايل، وكذب صريح على التاريخ لا يجوز أبدًا أن يُهمل، ولا أن نترك صاحبه دون تدقيق معه فى البحث ويكون حسابنا معه عسير. إن الدولة أعلنت فى دستورها أنها دولة إسلامية، وإن دولة إسلامية لا تحافظ على دينها من أن يمس، ولا على كرامتها أن تجرح، لهى دولة أعوذ بالله أن تكون مصر من أمثالها".

يا سيدى الأستاذ، فى وزارة المعارف الآن تقارير كثيرة كتبها أدباء كبار وأعلام من أئمة الأدب، ندبتهم الوزارة للحكم على الكتاب ومؤلفه، وكونت منهم اللجنة تلو اللجنة، واتفقت كلمتهم بعد التحرى العظيم والبحث الدقيق على جهالة الرجل فى كتابه وخلطه فى التاريخ والأدب معًا، ثم حفظت هذه التقارير فيما حفظ، وانبرى للرد عليه كل كاتب، وحسبك برد الرافعى والخضر وشكيب والغمراوى وغيرهم كثير،

حتى قال الأستاذ الرافعى فى هذا المؤلف:

"كانت دروسه الأولى "فى الشعر الجاهلى" كفرًا بالله وسخرية بالناس، فكذب الأديان وسفه، وكثر غلطه وجهله، فلم تكن فى الطبيعة قوة تعنيه على حمل ذلك والقيام به إلا المكابرة واللجاجة، فمر يهذى فى دروسه، لا هو يثبت الحقيقة الخيالية ولا يترك الحقيقة الثابتة، وأراد أن يسلب أهل العلم ما يعلمونه، كما يسلب اللص ما تملك بالجرأة لا بالحق، وبالحيلة لا بالإقناع، وعن غفلة لا عن بينة".فهل بعد كل هذا يريد حضرة النائب أن يصر على متابعة الأستاذ العقاد- وما نظن الأستاذ العقاد إلا رجع عن رأيه- أم يشايع الجماعة ويتابع السواد الأعظم؟

يا حضرات النواب.

يا معالى وزير المعارف.

إن الأمر واضح لا يحتاج إلى بحث أو نقاش، فالكتاب مبتذل ممقوت، والمؤلف متهم فى عقيدته ومادته والأدباء غيره كثير، فأعدموا الكتاب، وأقصوا المؤلف عن بث تعصبه على الإسلام فى أبنائنا وشبابنا، وأيدوا الحق، وأريحوا الطلبة والأمة من هذا العبء الثقيل. إن الأمة جميعًا لتؤيد الأستاذ عبد العزيز الصوفانى بك فى موقفه المشرف لإعلاء كلمة الله والانتصار لدينه، وتتمنى له ولكل غيور النجاح والتأييد. (25)

وكتب أيضا في مثل الموضوع السابق يناشد البرلمان ان ينتصر للأمة فقال تحت عنوان هذه الثلاثة من أركان الإسلام (الدولة، والقومية، والعلم) مهداة إلى مجلس النواب المصرى الموقر.. شهدت جلسة مجلس النواب المصرى الموقر التي ناقش فيها النواب المصريون المحترمون الاستجواب الخاص بمراقب الثقافة العامة.

وتردد فى القاعة ما ذهب إليه الدكتور طه حسين بك فى كتابه "مستقبل الثقافة" - تصريحا أو تلميحا - من أن الدين شىء والسياسة شىء آخر، والدين شىء والقومية شىء غيره، والدين شىء والعلم شىء سواه، وأن وحدة الدين واللغة لا تصلحان أساسا لتكوين الدول، وأن هذا التفريق بين الدين وبين السياسة والوطن والعلم أصل من أصول الحياة الحديثة التي نقلناها عن أوروبا. ولقد كانت علامات الاستحسان لهذه الآراء تبدو فى كلمات وإشارات وحركات بعض حضرات النواب المحترمين، وكنا -نحن المشاهدين- مقيدين بلائحة المجلس، فلا نظهر استحسانا ولا غير استحسان، وذلك ما دعانى إلى أن أتناول هذا الموضوع فى هذه الكلمات، وإلى أن أتقدم بها إلى مجلس النواب المصرى الموقر.

فأما أن هذا التفريق والفصل بين الدين والسياسة، وبين الدين والقومية، وبين الدين والعلم، أصل من أصول الحياة الحديثة فى أوروبا أمر لا نخالف الدكتور طه ولا غير الدكتور طه فيه ولا ندعى غيره، بل نستطيع أن نقول أيضا: إن أوروبا استفادت من هذا التفريق والفصل أجزل الفوائد ولعلها ما كانت تستطيع النهوض بغير هذا.

وأما أننا نقلنا بعض هذه الأفكار من أوروبا، وتأثرنا بها إلى حد كبير أو صغير، وجرت عليها سياستنا العملية فى كثير من مظاهر حياتنا فأمر لا نخالف فيه كذلك وسببه واضح بيِّن هو أننا أسلمنا قيادنا أو أسلمتنا الحوادث -بعبارة أدق- إلى ساسة أوروبين، ومعلمين أوروبين، ومشرعين أوروبيين، فصاغونا كما يريدون وكما يعلمون، واصطبغت سياستنا العملية فى معظم شئوننا بهذه الصبغة الأوروبية، وأذكر أن أحد إخواننا أراد بناء مسجد

فدعا مقاولا أوروبيا وترك له الحرية فى بناء المسجد، ووضع رسمه التصميمى فجاء كنيسة طبق الأصل فى مختلف أوضاعه حتى إنه جعل موضع القبلة إلى جهة المشرق أيضا لولا أن تداركنا الأمر، ونبهنا الرجل إلى خطئه قبل أن يمضى فيه إلى النهاية فأصلح ما أمكن إصلاحه، وظلت فى المسجد إلى الآن آثار المعابد المسيحية، وكان عذر المقاول أمامنا واضحا إذ قال: إننى لا أستطيع أن أفهم فى المعبد إلا هذا الوضع.

وما أذكر هذه القصة على أنها مثال بل هى حقيقة وقعت فعلا وهى تنطبق على ما نحن فيه تمام الانطباق، فنحن لا نخالف الدكتور طه ولا غيره فى أن حياتنا العملية فى كثير من مظاهرها العامة والخاصة قد انحرفت إلى معنى أوروبى بفعل الحوادث المتعاقبة طول هذه السنين الطويلة وهذا الانحراف نفسه الذي يتخذه الدكتور -ومن نحا نحوه- حجة على وجوب رضانا بأوروبا والاندفاع فى تقليدها فيما بقى لنا من مظاهر الحياة هو نفسه الذي يدفعنا نحن إلى تحذير الأمة من التقليد، وإلى وجوب رجوعها إلى تعاليم الإسلام، وعرض هذه الحضارة الأوروبية عليها فما وافقها قبلناه وما خالفها رفضناه، ونحن لم نجن بعد من هذا التقليد الخاطئ إلا الصعاب والعلقم واضطراب الحياة فى كل ناحية من نواحيها.

ولكن الذي نخالف فيه الدكتور طه وغير الدكتور طه ممن يؤمن بفكرته هذه: ادعاء أن هذا التفريق بين الدين والسياسة، وبين الدين والقومية، وبين الدين والعلم نافع لنا متفق مع تعاليم ديننا. هذه دعوى ينقصها الدليل النظرى والدليل التاريخى، وتتنافى تمام التنافى مع مصلحتنا ومع مقومات نهضتنا

والذي يريد أن يجرد الإسلام عن معناه السياسى وعن معناه القومى وعن معناه الثقافى يريد بمعنى آخر ألا يكون هناك شىء اسمه الإسلام تؤمن به هذه الأمة وتدين بها، وهو عند نفسه وعند الناس يخدع هذه الأمة ويخاتلها، ويعدل بها عن الإسلام الحق إلى إسلام من عند نفسه لا يتصل إلى الإسلام الصحيح بسبب، وإنما هو فى الحقيقة مسيحية سماها هو الإسلام.

إن أوروبا يا حضرات السادة المحترمين حينما فصلت بين السياسة والدين، وبين السياسة والقومية، وبين السياسة والعلم كانت مدفوعة إلى ذلك بعوامل قهرية ضرورية: فالدين الذي كان يسودها وتؤمن به شعوبها خال تماما من التشريعات العملية والمعانى السياسية، وهو وصايا روحية محدودة فى الكتب المقدسة، وطقوس كهنوتية بين جدران الهياكل والمعابد. والرجال الذين كانوا يمثلون هذا الدين كانوا شجا فى حلق الدولة والعلماء بما لهم من سلطان مطلق أكسبتهم إياه هذه التعاليم. وتاريخ أوروبا القديم والمتوسط سلسلة نزاع بين الأمراء والبابوات من جهة، وبين العلماء والكنيسة من جهة أخرى، بل تعد الأمر فى هذا النضال إلى الشعوب نفسها فكان النضال كثيرا ما يكون بين الشعب بأسره وبين الكنيسة.

هذه الأمور الثلاثة: طبيعة الدين الأوروبى. هيمنة رجاله على الدولة والعلم: والنضال الطويل بين نواحى الجهات الأوروبية المختلفة. كل ذلك دعا أوروبا إلى أن تفصل بين الدين والسياسة، وبين الدين والقومية، وبين الدين والعلم. فهل هذه المعانى تنطبق على الإسلام الحنيف؟ أحب أن يفكر السادة الباحثون فى الجواب على هذا السؤال بإنصاف وهم سيقولون بعد ذلك بملء الفم: لا ثم لا.

إن طبيعة الإسلام ليست طبيعة روحية بحتة، فهو دين روحى وعملى معا، وهو لم يحصر نفسه فى حدود المساجد والمعابد ولم يحفل بالطقوس والمظاهر، وإن الدين الذي يقول نبيه: (ابنوا مساجدكم جما). أى: غير مزينة ولا مزخرفة ولا مبالغة فى بنائها ورفعها. (وابنوا مدائنكم مشرفة). أى: محصنة مسورة مجهزة بأدوات الدفاع وما إليها. رواه ابن أبى شيبة وهو حديث حسن.

إن الدين الذي يجعل هذا من شعاره لعظيم العناية بشئون الدنيا ومصالح الناس فيها، كما يعنى تماما بصلاح الروح والآخرة وشعار الإسلام دائما: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الآَخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِى الأَرْضِ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ "القصص: 77".

وسأبين موقف الإسلام من هذه الأمور الثلاثة: الدولة، والقومية، والعلم، بالتفصيل -إن شاء الله تعالى- فى كلمات تاليات، وحسبى أن أقول الآن: إنها من أعظم أركانه، وأثبت قواعده وأظهر تعاليمه وشعائره، فأين هذا من بعد الدين الأوروبى عن مظاهر الحياة العامة؛ وأن رجال الإسلام فى كل عصر من عصوره إلى الآن لم يدعوا لأنفسهم سلطة أكثر مما يؤهلهم له علمهم بهذا الدين وصلتهم به، ولم ينازعوا الأمر أهله بعضا من الأيام، ولم يعرف عنهم إلا إنكار المنكر حين يشيع، وتشجيع المعروف حين يظهر، والوقوف عند حدود الله،

وإذا كان شعار الرسول الأعظم: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ "الكهف: 110" إلى جانب قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُّؤْمِنُونَ﴾ "الأعراف: 188"

إلى جانب قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنِّى لَن يُجِيرَنِى مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا*إِلاَّ بَلاَغًا مِّنَ اللهِ وَرِسَالاَتِهِ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ "الجن: 22-23" فأين هذا من سلطان "الإكليروس" فى أوروبا وما ادعوه لأنفسهم من سلطان على قلوب الناس وإيمان الناس وحياة الناس الدنيوية والأخروية؟

وتبعا لهذا كان تاريخ الإسلام مع الدولة ومع القومية ومع العلم صفحات مجيدة من التعاون والتآزر والسلام. فكيف يقال بعد ذلك أن هذا الأصل الذي سارت عليه أوروبا من فصل سياستها وعلومها وقوميتها عن الدين يجب أن يطبق عندنا ويجب أن نتلقاه على أنه أصل صالح لنا؟!

يا حضرات السادة المحترمين:

علم الله أننا لا نريد لهذا البلد ومن ورائه الشعوب الإسلامية عامة إلا الخير كل الخير، ولو كان فى ذلك ذهاب أرواحنا، وتقطير دمائنا، وفناء أموالنا وأبنائنا، بل إن ذلك هو أسعد أوقات حياتنا يوم تعتز هذه الأوطان الحبيبة ونكون نحن فداء لهذه العزة لو صلحنا لها فداء، ولكنا نريد أن نتفق على أصل صالح للنهوض، ونريد أن نحدد الهدف معا حتى لا نختلف ولا نضل، ونريد أن نتبع الهدى الواضح والنور اللائح حتى لا نفشل ونقاسى مر الآلام ولا ينفعنا فى ذلك إلا العودة إلى هدى الإسلام.

ألستم مسلمين أيها الناس؟ ألا ترضون الإسلام حكما؟ نحب أن تكونوا صرحاء، فإن كنتم آمنتم بهذه الأصول فى حياة أوروبا على أنها حقائق لا تقبل النقض فاعلموا أنها لا تتفق مع الإسلام، وأنكم بذلك تصطدمون بإسلامكم، فكونوا شجعانا وكونوا صرحاء فى إعلان الخروج على تعاليم الإسلام حتى لا تخدعوا أنفسكم وتخدعوا الناس. وإن كنتم آمنتم بالإسلام على أنه حق ثابت، فنحن نرضى أن نتحاكم جميعا إليه ونتوجه إلى ما يوجهنا نحوه، وحينئذ فسنلتقى وسنتفق، وستعلمون أن الدولة وأن القومية وأن العلم من أركان الإسلام. (26)

ورأى مكتب الإرشاد العام للإخوان المسلمين أن يتوجه إلى رئيس مجلس الشيوخ ورئيس مجلس النواب برسالة باسم الإسلام الحنيف وباسم مصر الناهضة أن يتدخلوا فى الإصلاح بين الزعماء وجمع كلمتهم فى هيئة قومية واحدة باسم جديد تضمهم جميعا ومعهم كل ذوى الكفايات والمواهب تضع برنامج النهضة وافيا شاملا لكل نواحى الحياة على أساس من تعاليم الإسلام القويمة وتشريعه الحكيم وإرشاداته السامية مع تنازل كل حزب عن اسمه فى سبيل الله والإصلاح

لقد بغض الإخوان والفرقة التي ألمت بالشعب المصري وأحدثت بينهم القطيعة والبغضاء بسبب الحزبية التي كان يغذيها وينفخ فيها المحتل فتجد الوفدي يناحر السعدي ويشكل الوفدي جهازا عسكريا ليناحر مصر الفتاة وبقية الأحزاب ويتعصب هذا لذاك حتى أضحى الشعب في فرقة دائمة

ووصل الحال أن طعن النحاس باشا في شرعية النقراشي باشا رئيس الوزراء أثناء عرض القضية المصرية على مجلس الأمن عام 1947م مما اضعف كلمته أمام الجمعية العامة فعاد بخفى حنين دون أن تنال البلاد استقلالها، ولذا كتب وناشد حسن البنا والإخوان كل المؤسسات المعنية بمحاولة القضاء على هذه الحزبية البغيضة وتوحيد الصفوف والجهود.

وكما رأينا ما سطره ونادى به الإخوان في هذا الشأن للملك والأمراء ورؤساء الأحزاب وغيرهم نجدهم يبعثون لرؤساء مجلسي النواب والشيوخ بهذا المعنى تقدير لوضع هذه المؤسسات وعلو شأنها فكتب حسن البنا تحت عنوان (إلى صاحبي السعادة رئيسي مجلسي الشيوخ والنواب):

حضرة صاحب السعادة

أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو وأصلى وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وأرفع إلى سعادتكم تحية الإخوان المسلمين مشفوعة بالإجلال والإكبار فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يا صاحب السعادة: مواقفكم المجيدة، ورغبتكم الأكيدة فى صلاح الشعب ورخائه، كل ذلك دفعنا إلى التقدم إلى سعادتكم بهذا الخطاب.

يا صاحب السعادة: إن الحزبية السياسية قد مزقت أوصال الأمة، وتركت فى حياتها العامة والخاصة أسوء الآثار ومحال أن يتم إصلاح أو ينتج عمل مع هذا التناحر البالغ والخصومة الشديدة اللديدة، ومحال أن تصل الأمة إلى غايتها وكل هم زعمائها ورؤساء الأحزاب فيها أن يكيد بعضهم لبعض وينال بعضهم من بعض وإن أخطار هذه الخصومة لم تقف عند حد الزعماء ومن يليهم ولا عند المدن والأندية والصحف، بل إنها تغلغلت فى حياة الأفراد والأسر، وأفسدت كل شىء فشغلتهم عن كل الواجبات الوطنية والشخصية والإنسانية والخلقية،

وإن الأمم الناهضة الآن قد أخذت تتخلص من آثار الخصومة الحزبية المعقولة فضلا عن الخصومة الحزبية الهوجاء، التي لا تقف عند حد ولا تعرف مدى تنتهى إليه، وإن الإسلام -يا صاحب السعادة- يحرم هذه الفرقة، وينهى عنها أشد النهى، ويأمر بإصلاح ذات البين، ويجمع الكلمة ويوحد قوى الأمة. وإن الأحزاب فى مصر لا تخالف بينها فى المناهج، ولا تباعد فى الغايات، وقد أنتجتها حوادث مضى عهدها، وانتهى أمدها ولا معنى لتعددها وبقائها على هذه الصورة العقيمة، التي لم تنتج إلا الشحناء والبغضاء والتناحر حول الأسماء والألقاب والمطامع الشخصية التافهة الصغيرة.

ولما لسعادتكم من المنزلة الرفيعة فى كل نفس، والمقام الأسمى فى كل قلب رأى مكتب الإرشاد العام للإخوان المسلمين أن يتوجه إلى سعادتكم وسعادة رئيس مجلس.. وإلى صاحب السمو الملكى الأمير محمد توفيق وسمو الأمير الجليل عمر طوسون باسم الإسلام الحنيف وباسم مصر الناهضة أن تتدخلوا فى الإصلاح بين الزعماء

وجمع كلمتهم فى هيئة قومية واحدة باسم جديد تضمهم جميعا، ومعهم كل ذوى الكفايات والمواهب. تضع برنامج النهضة وافيا شاملا لكل نواحى الحياة على أساس من تعاليم الإسلام القيمة وتشريعه الحكيم وإرشاداته السامية مع تنازل كل حزب عن اسمه فى سبيل الله والإصلاح... أنقذ الله بكم الأمة وحقق بكم آمال الشعب المصرى الكريم. (27)

وكتب أيضا يقول:

كل يوم يقوم دليل جديد على فساد الحزبية فى مصر، وعلى سوء أثرها البالغ فى كل مرافق الحياة المصرية. إننا أمة ناشئة كل شىء فيها يحتاج إلى تجديد بعد هذا التحطيم الذي تناول كل شىء فى عصر السيطرة الأجنبية، والاحتلال الإنجليزى البغيض. نحن فى حاجة إلى تجديد أخلاقنا وأرواحنا وإلى وضع سياسة ثابتة لتعليمنا ناشئة أبنائنا وإلى تقوية دفاعنا الوطنى، وتكوين الجيش بكافة أسلحته، وما يتبع ذلك من معامل ومصانع ومرافق، وإلى استكمال نواحى النقص فى حياتنا الاقتصادية؛ فإن الشعب فقير والموارد محدودة والمطالب كثيرة وما خفى منها أعظم مما عرف.

كل شىء فى مصر الناهضة المتوثبة يحتاج إلى عمل واثب وإلى مجهود كبير وإلى تعاون من كل القوى والمواهب، لقد برهن هذا الشعب المصرى فى كل تاريخه على أنه أوفر الشعوب حيوية، وأشدها قابلية للتجديد والإصلاح لو وجد القيادة التي تدفعه إلى الغاية من غير تعويق. ولا يحول بيننا وبين القوة فى كل شىء حائل من حداثة عهد النهضة ولا من قلة الكفايات، ونضوب موارد المال، فقد تقوى هذا الشعب فى القديم، ووصل إلى حدود القوة بأقل من الوسائل التي بين يديه الآن.

إن العناصر السليمة فى مصر أوفر منها فى أى شعب آخر يريد النهوض، لكن الحائل دون النهضة والمانع من تقدم الأمة، والمعول الذي يهدم كل خير فيها، ويحطم كل عنصر سليم، شىء واحد فقط هو الحزبية البغيضة هو التفرق الشنيع، هو هذه الخصومة الحادة التي لا تبقى على شىء، هو الأنانية وحب المصلحة الخاصة الذي استولى على قادة مصر فأنساهم الأمة وأنساهم الظروف التي تحيط بها وبهم وأنساهم التفاهم فى سبيل استغلال عناصر الخير فيها، وتوجيهها إلى العمل الصحيح، إن الفرصة مواتية لمصر فى كل ناحية فى الداخل وفى الخارج

فى الداخل شعور ملتهب وشباب متوثب واستعداد بديع للعمل واتجاه طيب للغاية وبخاصة بين المثقفين من الشباب المضحى، وفى الخارج ارتباك قام بين الخصوم ورعب مقذوف فى قلوبهم يوسع الخناق على الفريسة؛ لتفلت من يد الصياد ولتحتمى منه بما تشاء من أنواع الحماية، ولكن هذا الموقف البديع للغاية الذي أتاحه لنا القدر الموالى قد غفل عنه قادتنا كل الغفلة، وأهملوه كل الإهمال، وكيف تتخلص الفريسة وقد زاحت عنها يد الصياد؟ وهى قد حاكت لنفسها قبورا من الذلة المستكنة فى نفسها والوهم الضارب على فؤادها والشهوات المخيمة على تفكيرها والغفلة المستحكمة على بصائرها وأبصارها.

يا زعماء مصر وقادتها وحكامها وأولى الرأى فيها، ما أعظم تبعتكم بين يدى الله وبين يدى الأجيال القادمة إن ظلت الحالة على ما هى عليه الآن فأضعتم بتفرقكم واشتغالكم بخصوماتكم هذه الفرص المواتية على هذا الشعب الذي ائتمنكم على مقدراته فلم تحفظوا فيه حق أمانته. يا زعماء مصر وقادتها وحكامها وأولى الرأى فيها، لا تزال هناك بقية من أمل وموضع من رجاء إن أردتم الإصلاح فطهروا أنفسكم من هذه الأدران، واطرحوا هذا الكبرياء الكاذب الذي يزينه لكم شيطان النفوس الجامحة، وفكروا فى مصر، واعملوا لمصر، وتعاونوا فى سبيل مصر، فإن تعلمتم ذلك فهو حظكم فى الدنيا وناجتكم فى الآخرة وإن لم تفعلوا – ولا أقول الثانية- فسيحيق بكم سوء تفريطكم

وسنحاسبكم أشد الحساب على إهمالكم، وسيدمغ تاريخكم بأشنع تهمة لوث بها تاريخ إنسان، وسنسير فى طريقنا وسنحاول أن نعمل لهذا الشعب ونسلك به مسالك الجهاد الصحيح فى سبيل استكمال حريته، واستعادة مجده والانتفاع التام بنهضته رضيتم بذلك أو وقفتم فى سبيله، ولن يدفع أمر الله دافع ولكنا نريد أن تكونوا معنا فنختصر الطريق فهل أنتم فاعلون؟

نادى الإخوان المسلمون فى وضوح وفى صراحة وفى جلاء بوجوب إلغاء الأحزاب السياسية الحالية جميعا فقد تكونت فى ظل حوادث قد انتهى أمرها، وصارت الآن هيئات أثرية لا هى جددت نفسها كما يقتضيه العصر ويتطلبه الوضع الجديد للبلاد، ولا هى سلمت الأمر لغيرها؛ ليقوم بحق هذا البلد وقيادته إلى الرقى والكمال، فكانت هذه الأحزاب علة هذا الشعب، وأكبر عائق له على النهوض.

دعونا الزعماء إلى هذا وكتبنا لرئيس الحكومة؛ لعله ينهج ذلك النهج ويبدأ بحل حزبه فيكون سنة حسنة له أجرها وأجر من عمل بها، وطرق الإخوان كل باب إلى هذه السبيل، ولكن النفوس التي عاشت فى ظل الخصومة وتاجرت بها ولم تحسن بضاعة سواها عجزت عن الخير حين قدرت على الشر، وقعدت عن العمل حين أجادت المهاترة والكلام، وانحل أحد هذه الأحزاب، وانضم إلى شبيه له، ولكن ماذا عسى أن يفيد هذا فى الموقف؟ نحن نريد أن تسير الأمة كتلة واحدة إلى الأمام، إلى العمل الذي لا يحتمل التأخير ولا الإبطاء.

هل هناك فارق يفصل حدود الأحزاب القائمة بعضها عن بعض؟! رأيت تقسيم النواب فى المجلس إلى (وفدى وسعدى ودستورى ووطنى) فسألت نفسى: ما الفرق بين هؤلاء جميعا؟ إن كلا منهم يقول إن حزبه يعمل لخير مصر ونهوض مصر وتقدمها، ولو سألت أحد حضرات النواب عن الفارق الذي يفرق بين حزبه وحزب غيره، لما أوضح لك فرقا جوهريا فى مبادئ ولا عقائد ولا أعمال, إذ إن ذلك غير موجود فعلا، وكل الذي يستطيع أن يقوله أى رجل حزبى فى هذا البلد: إن رئيس الحزب فلان ورئيس ذلك الحزب فلان وإن هذا يؤيد الحكومة وهذا معارض الحكومة ولابد من تأييد ولابد من معارضة؛

حتى يقوم النظام البرلمانى. فسنقول لحضرته: هل إذا أخطأت الحكومة خطأ صارخا يؤيدها فيه نوابها وهل إذا أصابت الحكومة صوابا واضحا ينقدها معارضوها؟ فإن قال: نعم قلنا: لعنة الله على الحزبية التي تبطل الحق، وتحق الباطل، وتحكم على الأعمال بأهواء الرجال وإن قال: لا، قلنا: فما قيمة الحزبية إذا ما دام التأييد والمعارضة على الإحسان والإساءة؟ يا قوم، تحرروا من هذه الأوهام الشكلية، وتخلصوا من عبث الأطفال وسلطانها الوهمى، وواجهوا الحقائق فى جرأة وفى شجاعة، وحطموا كل مظهر فارغ يقف فى سبيل النهوض الصحيح.

إن كان هذا النظام الحزبى عائقا عن النهوض والعمل ومؤخرا للإنتاج الذي نحن فى أشد الحاجة إليه، ومفرقا لكلمة أمة مجتمعة لا قوة لها أمام عدوها الجاثم على صدرها إلا وحدتها واجتماعها، وهو فى الوقت نفسه لا لزوم له أبدا فإن أصول العمل والنهضة متفق عليها من الجميع. إن كان ذلك كذلك فلماذا لا تحطمون الحزبية؟ وإذا كان النظام البرلمانى لا يقوم إلا على أساس الحزبية وشأنها ما عرفنا من بلاء ومصائب، فلماذا لا نستبدل بهذا النظام البرلمانى نظاما نيابيا آخر نجتمع عليه كلمة أولى الرأى؟ يا قوم: إن الزمن لا ينتظركم والواجب لا يعذركم أو اتركوا المجال للعاملين.

قامت فى الأيام الأخيرة دعوة إلى الفكرة القومية، وهى دعوة كريمة ما فى ذلك شك، وخطوة إلى الإصلاح وإلى الوحدة المنشودة ما فى ذلك شك أيضا، ولكن هل تنجح هذه الدعوة؟ وعلى فرض نجاحها فهل تبقى طويلا؟ أما إن بقيت هذا الأحزاب وحدات قائمة فلن تنجح هذه الدعوة، ولن يضمن بقاؤها إن نجحت نجاحا وقتيا، فإن اعتزاز كل حزب بأنصاره، ورغبته فى سوق غيره فى تياره، ستحول دون التعاون المنشود أو دون استمراره على الأقل.

فخير لهؤلاء الدعاة الفضلاء ومنهم من غير شك المخلصون الذين لا يريدون من وراء هذه الدعوة إلا الخير للبلد، خير لهم أن يضموا صوتهم إلى صوت الإخوان فى المناداة بحل هذه الأحزاب القائمة جميعا، والتفكير فى نظام نيابى يقوم على أساس الوحدة لا الفرقة والاجتماع لا التحزب ومتى توحدت الجهود فى هذه السبيل فسنصل إن شاء الله.

اجتمع مجلس الشيوخ والنواب وبدأت الجلسات بكلمات طيبة للغاية، وهى فى حلاوتها وعذوبتها كأنغام الدعوة إلى القومية والجبهة الوطنية، ولكن سرعان ما تكشفت الرغوة عن اللبن الصريح وغلب الطبع التطبع فثارت الزوبعة الحزبية بأقصى حدتها، وانتهى ذلك بانسحاب المعارضين فى كلا المجلسين ولا ندرى كيف يكون التعاون بين حضرات أعضاء المجلسين إذا كان هذا هو مظهر من مظاهره فى أول اجتماع؟

وهذا المظهر سيتجدد قطعا فى كل مناسبة ما بقيت هذه الأحزاب وحدات مستقلة، فلابد إذن من علاج واحد محتوم هو حلها، وتوحيد الأمة من بعدها، ونعتقد أن ذلك ما سيكون -إن شاء الله- إن لم يكن برضا الزعماء وتفكيرهم فسيكون بمعرفة الأمة لواجبها، وانقضاضها عمن لم يحسنوا قيادتها، ولم يعملوا لخيرها. (28)

وكتب جمعية الإخوان بالقاهرة تستحث رئيس مجلس الوزراء على إتمام مسجد البرلمان حتى لا تكون الصلاة عقبة أمام النواب في إيجاد مكان لإقامة صلواتهم فكتبوا يقولون:

حضرة صاحب الدولة رئيس مجلس الوزراء (29) ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وبعد؛ فقد كان سرور الأمة جميعًا بتوليكم أمرها شاملاً، وفرحها إذ أخذ القوس باريها، وعاد الأمر إلى نصابه فى أشخاصكم الكريمة عظيمًا، ولا شك أن عهدكم الزاهر هو عهد الإصلاح الكامل والخير الشامل -إن شاء الله تعالى. وقد ظهرت بوادر هذا الإصلاح جلية واضحة فى أروع صورة وأبهج مظهر فيما قامت به الوزارة منذ تولت الحكم إلى الآن من جلائل الأعمال، وما تحقق على يدها من صادق الآمال على قصر المدة وكثرة المشغلة.

ويؤلمنا يا صاحب الدولة أن نرى إلى جانب ذلك الجهاد الموفق قرار وزارة الأشغال الذي نشرته جريدة "السياسة" وهو "انصراف النية عن بناء مسجد البرلمان" الذي كان قد تقرر إنشاؤه. إن دار البرلمان هى مظهر كرامة الأمة ورمز آمالها وأمانيها وصورة قوميتها وحياتها، وإن المسجد فى البرلمان أمر لابد منه، فحضرات النواب إلا عددًا قليلاً مسلمون

ودين الدولة الرسمى الإسلام، والاجتماعات تعقد فى المجلس فى أوقات تتخللها أو تتقدمها أو تليها أوقات صلاة، فالمسجد فى البرلمان مظهر من مظاهر عناية الحكومة بتحقيق دستورها، وعناية الأمة بشعائر دينها، ومعين لحضرات النواب على أداء واجبهم الإلهى، إلى جانب واجبهم الوطنى، وما أوثق ارتباط كل منهما بالآخر.

وإن حرصنا على أن يكون عهدكم الزاهر ناصع البياض مشرق الصفحات لا يبدو على وجهه كلف، ولا يحجب جماله حجاب، دعانا إلى أن نتقدم إليكم ملحين فى الرجاء أن تؤيد وزارة الأشغال قرارها السابق بإنشاء مسجد البرلمان. وتتعجل إنفاذه، حتى نرى هذا المسجد فى القريب مستقر الرحمة فى مهبط الحكمة -إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (30)

وكتب الأستاذ صالح عشماوي (وكيل الجماعة) تحت عنوان في مجلس النواب:

أثار موضوع اتفاقية السكر اهتمام الرأي العام منذ وقف النائب المحترم "إسماعيل باشا رمزي" رئيس اللجنة المالية يطلب بإلحاح عرض هذه الاتفاقية على مجلس النواب، ووقف معالي وزير المالية يطلب التأجيل للاستعداد ووقف معالي وزير الداخلية يعلن أن الحكومة تعد بعدم فض الدورة البرلمانية قبل نظر هذا الاتفاق. ثم مضى أسبوع واجتمع مجلس النواب فتغيرت الأوضاع واختلف الموقف فإذا رئيس اللجنة المالية يطالب التأجيل لوضع تقريره وإذا بالحكومة في هذه المرة تطلب وتلح في نظر الاتفاقية في هذه الجلسة

وأخيرًا وبعد جدل طويل يؤجل النظر في هذا الموضوع على أن تجتمع اللجنة المالية – ولو إلى منتصف الليل – لتنتهي من تقريرها على أن يطبع بعد ذلك ويوزع على الأعضاء في الصباح، وينعقد المجلس في اليوم التالي فيعلن رئيس اللجنة المالية أن التقرير لم يتم بعد، وتظهر الحكومة تبرمها من هذا التأخير ويطلب نواب المعارضة تأجيل النظر إلى أمد طويل يتسع للبحث والدرس وأخيرًا يحال الأمر إلى لجنتي المالية والشئون الدستورية على أن تنظر الاتفاقية حتما في اليوم التالي.

لا عجب إذن إذا كانت هذه الحوادث المتلاحقة قد زادت من اهتمام الرأي العام وأرهفت من إحساسه وقد تجلى هذا الاهتمام في جلسة النواب مساء الأربعاء فحضر أصحاب المعالي الوزراء جميعا وعلى رأسهم صاحب المقام الرفيع رئيس الحكومة. وامتلأت مقاعد النواب من مؤيدين ومعارضين وازدحمت شرفات الزائرين حتى كان الواقفون أكثر من الجالسين.

وفي هذه الجلسة يدلي معالي وزير المالية ببيان طويل استغرق إلقاؤه ساعتين كاملتين وفي هذه الجلسة تصول المعارضة وتجول فيتكلم أحد النواب المحترمين عن الموضوع ويتكلم الأستاذ فكري أباظة عن الاتفاقية من ناحية الفقه وناحية الدستور ويرد معالي وزير العدل مرتجلا – وعلى غير استعداد كما قال معاليه – على كلمات المعارضة وأسئلة السائلين.

وتمتد الجلسة وتطول، وتتحرك عقارب الساعة وتدور، وينتهي الأمر بالموافقة على الاتفاقية بأكثرية 142 صوتًا ضد 19صوتًا.هذه لمحة سريعة عن أدوار عرض الاتفاق مع شركة السكر على مجلس النواب ولست أقصد التعرض لبيان وزير المالية وتحليله ولا التحدث عن المعارضين وإن كنت أسجل أن هذه الضجة قد انتهت على أنها زوبعة في فنجال!

إنما قصدت شيئًا أخطر من كل هذه المناقشات البيزنطية والمناورات البرلمانية ذلك أن الجلسة الأخيرة – وقد كنت أحد شهودها من شرفة الصحافة – بدأت بعد الساعة السادسة بقليل واستغرقت إلى ما بعد منتصف الليل بقليل من غير انقطاع! سيقال وأي شيء خطير في هذا؟ همة مشكورة وغير محمودة من الوزراء ومن النواب على أموال الدولة ومصالح الأمة!

ولئن صح هذا في دولة مسيحية أو لا دينية فهو في دولة إسلامية يجتمع وزرائها ونوابها في ظل دستور ينص على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام منكر وتفريط واستهتار، لقد حانت الساعة الثامنة وحل وقت صلاة المغرب وما زال وزير المالية يلقي بيانه الطويل ثم انتهى منه بعد ذلك بقليل وتوقعت رفع الجلسة لصلاة المغرب بالنسبة للمسلمين وللراحة والاستجمام لغير المسلمين.

ولكن شيئًا من ذلك لم يحدث وأخذت أراقب المقاعد من حزب اليمين وحزب اليسار فرأيت بعض الوزراء وبعض النواب – وقليل ما هم – يتسللون لواذًا ويغيبون دقائق ثم يعودون إلى قواعدهم سالمين! أغلب الظن أنهم قاموا لأداء الصلاة مشكورين ولما طال الوقت وقرب موعد صلاة العشاء قمت بدوري وأديت الفريضة وعدت إلى الوقوف لأن مكاني قد احتل قبل أن أغادر الشرفة

لم يطل غيابي أكثر من دقائق معدودات وعدت فوجدت الجلسة مستمرة وما زال صاحب السعادة "عبد السلام فهمي جمعة باشا" رئيس المجلس متربعًا على كرسي الرياسة وما زال كثير من الوزراء ومن النواب وأغلبيتهم الساحقة من المسلمين في أماكنهم لم يغادروها لحظة واحدة، الوزراء يتهامسون ويقلبون بعض الأوراق ويدونون بعض الملاحظات، والنواب يتكلمون ويقاطعون ويستمعون، وظل الحال كذلك حتى حل وقت العشاء وانتهى وقت المغرب بل ظل الحال كذلك حتى انتهت الجلسة بعد منتصف الليل.

في أي شرع وفي أي دين يجوز لمصر المسلمة أن تجتمع في صعيد واحد حكومة وشعبا، أما الحكومة فممثلة في الوزراء، وأما الشعب فممثل في النواب، ثم يتفق هذا الجمع على إهدار فريضة المغرب، والصلاة أبرز شعائر الإسلام وعماد الدين؟ والأدهى من ذلك أن تنشر الصحف ويطلع الناس عليها في مصر وغير مصر من البلاد العربية والإسلامية أن مجلس النواب ظل من الساعة السادسة مساء إلى ما بعد منتصف الليل.

بل أنكى من هذا وأمر أن تثبت الدولة رسميًا هذه المخالفة الصريحة للإسلام في وثيقة رسمية هي مضبطة جلسة مجلس النواب فيسجل التاريخ وتقرأ الأجيال المقبلة أن وزراء الأمة ونواب الشعب قد اتفقوا على إهدار صلاة المغرب لأنهم كانوا يتناقشون في مشروع الاتفاق مع شركة السكر فيتسع وقت الوزراء والنواب لسماع وزير المالية ساعتين كاملتين ولسماع بعض النواب ساعات طوال ثم يضيق وقتهم بدقائق قليلة للوقوف بين يدي الله العلي الكبير

وهل يرضى هذا صاحب المقام الرفيع "مصطفى النحاس باشا" الرجل التقي الذي تصف الجرائد صلاته في كل جمعة وخشوعه وهو جالس إلى المحراب؟ لقد كنت أنتظر من رفعة النحاس باشا – وقد كان حاضرًا وجالسًا في الجلسة – أن يطلب رفع الجلسة لصلاة المغرب. ألم يصدر الباشا منشورًا يطلب فيه إلى الموظفين أن يراعوا حرمة شهر رمضان الكريم فلا يرى أحدهم متجاهرًا بإفطاره؟

والصلاة يا رفعة الباشا أليست ركنًا من أركان الدين كالصيام؟ فهل يرضيك أن يتجاهر الوزراء ورئيس النواب والنواب وجلهم من المسلمين بإهدار فريضة المغرب؟ وهل يوافق معالي "محمد فؤاد سراج الدين باشا" وقد كان حاضرًا طول الجلسة – بصفته وزير الشئون الاجتماعية على الاستهتار بأحكام الدين جهارًا؟ وكيف يسمح معالي "عبد السلام فهمي جمعة باشا" لنفسه ولنواب مجلسه بالبقاء في مقاعدهم من قبل المغرب إلى ما بعد العشاء كأنه وكأنهم غير مكلفين بأداء فريضة المغرب. (31)

وكتب أيضا فقال:

النظام البرلماني هو آخر ما وصلت إليه الدول في العصر الحديث لحكم الشعب بواسطة الشعب وفي ظله يتحقق الاستقرار وتطلق الحريات العامة في حدود القانون ومن مفاخر الإسلام أنه قرر هذا المبدأ الذي تتباهى به أوروبا وأمريكا اليوم منذ أربعة عشر قرنا، فقرر الشورى وسجلها في القرآن الكريم "وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ" آل عمران الآية 159.

"وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ" الشورى الآية 38. كما نادت تعاليم الإسلام باختيار الحاكم "الإمام" ومسئوليته أمام الشعب أو ممثليه من أهل الحل والعقد. ولم يعترف الإسلام بالقداسة ولا بأنه فوق القانون كما أنه لا يعرف نظام الوراثة الذي قد يضع على رأس الدولة طفلا لا يعقل ولا يعي. (32)

وكتب أيضا مفارقات عجيبة تحت قبة البرلمان

قدم معالي وزير المالية الميزانية الجديدة إلى البرلمان ببيان مستفيض استعرض فيه العلل الاجتماعية والاقتصادية في جرأة محمودة وصراحة مشكورة، فتحدث عن الثروة العقارية وسوء توزيعها وتكلم عن انخفاض مستوى المعيشة للسواد الأعظم من المصريين ناعتًا إياه بأنه "مستوى الحرمان؟" وتعرض لهذا التفاوت البعيد عن الطبقات، ففئة قليلة تخوض بالثروة وتزداد في كل عام غني وأغلبية عظمى منهوكة من العوز تزداد في كل يوم فقرًا ووصفت النتيجة بأنها "استعباد المصري لأخيه المصري".

وكل هذا جميل وعظيم وكان المنتظر أن يشفع معالي الوزير الداء بالدواء وأن نجد صدى هذا الكلام مجسدًا في الميزانية بالأرقام ولكن إذا ما طوينا البيان ونشر بالميزانية التي بلغت 90مليونًا من الجنيهات لم نجدد فيها لمحاربة الفقر والجهل والمرض وتحقيق العدالة الاجتماعية إلا مبلغ 11مليونًا من الجنيهات فقط! فإذا قدرنا عدد السكان بثمانية عشر مليونًا كان نصيب الفرد من الإصلاح 60 قرشًا وهكذا نجد معالي وزير المالية اكتفى من الإصلاح بالكلام دون الأرقام!.

ولم تكن هذه هي الظاهرة العجيبة الوحيدة ففي أثناء مناقشة السياسة العامة للميزانية رأينا مفارقات أعجب! رأينا الحكومة لا تملك إلا أن تساير الرغبة في الإصلاح فتقر المجانية في التعليم الابتدائي التي قررتها وزارة الوفد الأخيرة ولكننا سمعنا نوابًا يمثلون هذا الشعب الجاهل الأمي يعترضون على المجانية ويعتبرونها إفسادًا للتعليم!

ويطالبون بفتح مدارس بمصروفات لأولاد الأغنياء، ولماذا؟ لأن أولاد الفقراء مرضى متخمون بالأمراض وهم باختلاطهم بأولاد الأغنياء ينقلون إليهم العدوى فيجب "عزل" أولاد الفقراء في مدارس خاصة يكون التعليم فيها مجانًا!! كنا ننتظر من نواب الشعب المريض الجاهل أن يطالبوا بمعالجة أولاد الفقراء في المدارس لا أن "يعزلوهم" في المدارس بدل المستشفيات.

وسمعنا نغمة رأسمالية منكرة ومتنكرة من نواب وصلوا إلى مقاعدهم على أكتاف الفقراء، سمعنا نوابًا يعترضون على معالي وزير المالية لأنه تحدث عن سوء توزيع الثروة العقارية ففتح بذلك العيون والأذهان وسمعنا نوابًا يطالبون بعدم فرض ضرائب جديدة أو زيادة الموجودة حتى إذا طمأنهم وزير المالية اهتز المجلس من التصفيق الحاد.

وأعجب من هذا أن يقف حضرة النائب المحترم نجيب ميخائيل بشارة بك فيطالب بفرض الزكاة على الأموال العاطلة المودعة في البنوك وقد مضى عليها الحول تطبيقًا للشريعة، أين النواب المسلمون؟ وأين النائب المحترم فضيلة الشيخ دراز سكرتير عام الأزهر الشريف ومفتش عام الوعظ وعضو مجلس إدارة الشبان المسلمين، لم نسمعه يتكلم إلا حين قام يشكر رئيس الحكومة على بيانه بإطلاق الحريات!!

وإذا انتقلنا من مجلس النواب إلى مجلس الشيوخ رأينا شيخًا محترمًا من مواطنينا الأقباط يطلب مساعدة جمعية لتحفيظ القرآن كما يطلب ترميم مسجد. ورأينا أيضا كيف ظل مشروع الشيخ المحترم محمد بك خطاب الذي يقضي بتحديد الملكية الزراعية بخمسين فدانًا "معتقلا" أكثر من عام إذا ما أفرج عنه وطرح للبحث، سرعان ما انتهى أمره إلى التأجيل أسبوعًا ثم أسدل الستار على سحبه من المجلس بواسطة لجنة الشئون الاجتماعية.

"وبعد" وزير المالية يريد الإصلاح فيسعفه البيان والكلام ولا تسعفه في الميزانية الأرقام، وحكومة ديموقراطية تريد نشر التعليم والتقريب بين الطبقات وشيوخ ونواب أرستقراط يريدون فصل أولادهم عن أولاد الفقراء ويعارضون كل ضريبة ويقتلون كل مشروع لنشر الملكيات الصغيرة، ومواطنون أقباط يطالبون إنشاء جمعيات لتحفيظ القرآن وإقامة المساجد وفرض الزكاة وشيوخ ونواب مسلمون من بينهم علماء لا يطلبون شيئًا من ذلك ولا يتكلمون، أليست هذه مفارقات عجيبة تحت قبة البرلمان. (33)

لم يكن الإخوان بعيدين عما يجرى داخل البرلمان بل كانوا على علم تام بكل ما فيه وكانوا يتفاعلون مع الأحداث التي تقع داخل أروقة البرلمان، والقضايا التي يناقشها النواب، ففي برلمان عام 1945م (حيث حصل السعديين على الأغلبية) احتدمت المعركة على رئيس البرلمان من يكون،

فكتب صالح عشماوي مقالا حول ما يجري فقال:

كانت معركة حامية تلك التي دارت رحاها في أول جلسة عقدها مجلس النواب لانتخاب رئيسه، فقد أعلن دولة صدقي باشا في جريدة الأهرام أنه نزولا على رغبة زملائه النواب ولاعتبارات المصلحة العامة وحدها قبل ترشيح نفسه لرئاسة مجلس النواب فألقى بذلك القفاز، والتقطه دولة النقراشي باشا وجمع الهيئة السعدية وهدد بالاستقالة إذا انتخب صدقي باشا، وزكى ترشيح الأستاذ حامد جودة..

واعتبر انتخاب صدقي باشا من النواب خيانة للعهد الحاضر، كما طرح المسألة في مجلس الوزراء وأخذ الموثق على زعماء الأحزاب المؤتلفة من الوزارة أما النتيجة فكما علمها القراء انتخاب الأستاذ حامد جودة وانهزام أبي السباع، ولسنا نريد أن نردد ما قاله مكرم باشا "رب فوز أشرف منه الفشل" ولكن استوقف نظرنا أن دولة صدقي باشا فاز بـ 74 صوتًا أي بأصوات 73نائبًا إذا استبعدنا صوت الباشا نفسه،

وإذا حصرنا عدد نواب الحزب الوطني والمستقلين نجدهم لا يبلغون أبدًا ذلك العدد، وبذلك نعلم أن نوابًا من السعديين والدستوريين والمكرمين قد خرجوا على قرارات أحزابهم وضربوا بها عرض الحائط وانتخبوا أبا السباع، ولو أن صدقي باشا انتخب رئيسًا لكان معنى ذلك أنه يمكن تغييرا لوزارة ويبقى البرلمان يؤيد أية وزارة مستقلة تتقدم إليه، أما الآن فتغيير الوزارة أصبح معناه تغيير العهد الحاضر كله حكومة وبرلمانًا، على كل حال هل نطمع بعد هذا الموقف أن نرى في الدورة الحالية للمجلس معارضة قوية تتكون من 30 أو 40 نائبًا بزعامة صدقي باشا؟ هذا ما ستكشفه لنا الأيام. (34)

وأيضا ما كتبه الأخ محمد نايل في جريدة الإخوان المسلمين في يونيو 1937م في مقال بعنوان: "من جهل شيئًا عاداه" استنكر فيه فهم بعض نواب البرلمان للدين وتفريقهم بين الدين والسياسة، واتهمهم بالجهل في فهمهم للدين والسياسة التي فهموها على أنها المناورات الحزبية وأن الدين لا علاقة له به

وختم مقاله بقوله:

"وأن رجال الدين في غنى عن سياستهم التي هم حريصون على أن يدفعوا الناس عنها، وأن يجعلوها شيئًا غير الدين، لأنها ليست هي السياسة التي يتشرف رجال الدين بالاشتغال بها، ويعتز الإسلام بالقرب منها. فإن للدين سياسة غير سياستهم لابد أن تأخذ مكانها يومًا من الأيام قريبًا كان أو بعيدًا والعاقبة للمتقين". (35)

وفي عام 1939م وافقت لجنة الاقتراحات بمجلس النواب على قانون يقضي بإلغاء البغاء الرسمي، وإعداد ملاجئ لكافة المرخص لهن، وتشديد الرقابة على بيوت الدعارة، وفرض عقوبة شديدة على أصحاب هذه البيوت كالتي فرضت على المتاجرين بالمخدرات، وعلقت "النذير" على ذلك تحت عنوان: "فهل تأخذ الحكومة بقرار لجنة الاقتراحات بمجلس النواب فتنفذه في حزم وإسراع أم تلحقه بسابقه من القرارات، ولا تزال تتباطأ وتدرس وسائل التنفيذ حتى تذهب البقية الباقية من أخلاق هذا البلد المسكين؟". (36)

ثم اجتمعت هذه اللجنة برئاسة صاحب المعالي الدكتور حامد محمود بك وزير الصحة لبحث مشروع قانون إلغاء البغاء الرسمي، واستقر رأي اللجنة على ما يأتي:

  1. إن البغاء الرسمي غير مرغوب فيه ويجب إلغاؤه في أقرب فرصة.
  2. إن البغاء السري منتشر في الوقت الحاضر رغمًا عن وجود البغاء الرسمي.
  3. إنه من المرغوب فيه تعرية البغاء السري والاستناد في ذلك على قوانين جديدة رادعة.

وقد استعرضت اللجنة العقوبات القائمة آنذاك في جرائم إفساد الأخلاق والتحريض على الغش، أو التكسب من وراء النساء من الدعارة، فاتضح للجنة أن هذه العقوبات لا تتعدى عقوبات المخالفات، وأي غرامة أقصاها مائة قرش وحبس لمدة أسبوع، فرأت اللجنة أن هذه العقوبات بسيطة جدًّا إزاء الجرم الشنيع الذي يرتكبه مفسدو الأخلاق بينما مشروع القانون الذي وضعته اللجنة يجعل عقوبة إفساد الأخلاق والتحريض على الفسق بالسجن حتى 15 سنة. وحبذت اللجنة أن تشمل عقوبات هذه الجرائم العقوبات البدنية كالجلد مثلاً، حيث أخذت به بعض الأمم المتمدينة، كما أن عقوبة الجلد معروفة في مصر فالقوانين العسكرية تجيزها.

وقد استبشر الإخوان بذلك أيما استبشار، وأيدوا اللجنة في كل ما جاءت به، واعتبروا أن ذلك نصر للإخوان وللشريعة الإسلامية وللأمة كلها؛ حيث إن اللجنة صادفت كل ما ينادي به الإخوان والوطنيون من أبناء هذا البلد، وقد شكر الإخوان للجنة هذه الخطوة المباركة، وأعلنوا أنهم لن يهدأ لهم بال ولن يكفوا عن المطالبة حتى يطبق شرع الله غير منقوص وهذا بداية جيدة. (37)

لكن كما ذكرنا فإن أيًّا من قوانين اللجان السابقة لم تر النور، فقد وضعت لجنة الاقتراحات التابعة لمجلس النواب تقريرها الثاني عن العرائض التي تلقتها عام 1939م وبلغت 225عريضة منها 138أحيلت على الوزارات و87عريضة حفظت، ومن بين العرائض التي حفظت عريضة إلغاء البغاء، وعلقت صحيفة "التعارف" على ذلك قائلة: ومعنى قرار الحفظ أن اللجنة البرلمانية رأت ما تضمنته هذه العرائض لا يستحق النظر، وليس له من الوزن والتقدير ما يوجب إحالته إلى وزارة العدل، أو الداخلية، أو تقديمه للبحث في مجلس النواب!

فما دفع اللجنة أن تحفظ هذه العريضة التي تطلب أمرًا مشروعًا معقولاً أمر به الإسلام، بل اتفقت عليه الأديان، ويستقيم مع الفضيلة والأخلاق، ويتفق والإصلاح الاجتماعي الذي من أجله أنشأت الحكومة وزارة مستقلة جعلت على رأسها وزيرًا شهمًا عرف بقوة الإيمان، فليذكر حضرات النواب أعضاء لجنة الاقتراحات هذه العرائض، وأنهم اجتمعوا في ظل دستور ينص على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام (38). ويبدو أن أمرًا جاء إلى اللجنة التي أعدت مشروع القانون وطالبها بحفظ هذا المشروع.

ولأن الإخوان كانوا يعلمون أن إلغاء البغاء يقف الكثيرون دون تنفيذه، فقد حذروا من أن توكل مشروعات قوانينه إلى اللجان، حيث إن نظام هذه اللجان ودراسة اللجان يؤكد أن هذه القوانين ستموت حتمًا، ولذا طالبوا رئيس الحكومة والوزراء المختصين بتنفيذ هذه القوانين؛ لأنها درست وبحثت وفحصت وعرف وجه الخير والشر والعلاج والدواء والداء فيها فلا معنى للانتظار، فأوضحوا أن الأمر سيسير في طريق مجهول، وهو تقارير للجان، ثم دراسة التقارير، ثم إعادة هذه الدراسة، ثم الرد عليها، ثم تنقلاتها بين أهل الاختصاص من ديوان إلى ديوان، ثم تدفن بعد ذلك في الأدراج فلا بعث ولا نشور

ولذلك فقد طالب الإخوان بالعمل السريع فلم يعد غيره (39). وظلت في النهاية النتيجة واحدة بقاء البغاء رسميًّا رغمًا عن كل مسلم ووطني غيور، ولذلك رأى الإخوان ضرورة مساءلة الحكومة في كافة القضايا التي تنجم عن البغاء، خاصة ما يشمل منها عمليات القتل من الأهل للنساء الداعرات. (40)

وعندما طالب النحاس باشا الإمام البنا بالتنازل عن الترشيح في انتخابات عام 1942م ووافق الإمام البنا على ذلك، واشترط على النحاس باشا بعض الشروط، والتي كان منها إلغاء البغاء، ووافق النحاس، وتحمس لذلك وزير الشئون الاجتماعية عبد الحميد عبد الحق، إلا أن قائد الجيوش البريطانية في مصر اعترض على إلغاء البغاء

فما كان من الحكومة إلا أن ألغت البغاء الرسمي في القرى، واكتفت بعدم إعطاء تراخيص جديدة لممارسة البغاء في المدن توفيقًا بين مطالب الإخوان ورفض الإنجليز، وكان ذلك أول انتصار للإخوان في معركة البغاء، واعتبر الإخوان هذه الخطوة أولى مراحل الإصلاح، واستمروا في حربهم للبغاء إلى أن يقضى عليه تمامًا

مطالبة الإخوان بالشريعة

الشريعة الإسلامية هي ما شرعه الله لعباده المسلمين من أحكام وقواعد ونظم لإقامة الحياة العادلة وتصريف مصالح الناس وأمنهم في العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات ونظم الحياة، في شعبها المختلفة لتنظيم علاقة الناس بربهم وعلاقاتهم بعضهم ببعض وتحقيق سعادتهم في الدنيا والآخرة. فمن يحقق هذه الكليات أو يقترب منها فهو على شرعة الله بصرف النظر عن هويته ونوع انتمائه فالله يحاسب الناس على الأعمال والنيات، والشريعة الإسلامية ذات دلالة موسوعية تتسع لكل جهد إيجابي يبذل لعمارة الأرض ويستثمر مكنوناتها لصالح حياة الإنسان وكرامته، وتتسع لكل ما يحقق للإنسان صحته وغذاءه وأمنه واستقراره، وتتسع لكل ما يعزز تنمية آمنة وتقدم علمي نافع وارتقاء حضاري راشد.

والشريعة الإسلامية مع كل جهد بشري يبذل لبناء المجتمعات وتنظيم شؤون الناس وتصريف مصالحهم وتشجيع طموحاتهم ويحقق آمال أجيالهم، الشريعة الإسلامية لا تبخس جهود الآخرين ومهاراتهم وارتقائهم في بناء مجتمعاتهم. وتستمد الشريعة الإسلامية أحكامها من القرآن، ومن السنة النبوية، ومن إجماع العلماء على حكم من الأحكام في عصر من العصور بعد وفاة النبى (صلى الله عليه وسلم).

وتنقسم الأحكامُ التي جاءت بها الشريعة الإسلامية إلى:

  1. الأحكام الاعتقادية: هي الأحكام المُتعلّقة بذات الله عزّ وجلّ وأسمائه وصفاته، والأحكام المُتعلّقة بالإيمان بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، والأحكام المُتعلّقة بالإيمان بالملائكة، وبالكتب السماويّة، وباليوم الآخر، والحساب والبعث، والجنّة والنار، إلى غير ذلك من الأمور الغيبيّة.
  2. الأحكام الخُلقية: هي الأحكام التي تتعلّق بتهذيب النفس وتزكيتها، والتي يتوجّب على الإنسان التحلّي بها مثل: الصدق، والأمانة، والوفاء بالعهد، والعفو، والصبر، والتواضع.
  3. الأحكام العمليّة أو ما يُسمّى بعلم الفقه: هي الأحكامُ العَمليّةُ التي تُنظّم علاقة الإنسان بِربّه مثل: العبادات، والأحكام التي تُنظّم علاقة الإنسان بغيره من الأفراد والجماعات، والأحكام التي تُنظّم عَلاقة الدولة بِغيرها من الدول. (41)

لقد عمل الإخوان من أجل العمل والعودة لشريعة الله بمفهومها الواسع الرحب وليس الحدود فحسب، فيقول حسن البنا:

فلا خوف إذن من منادة الإخوان المسلمين بالرجوع إلى الشريعة الإسلامية، وهم يريدون بهذا النداء، أن تدرس الشريعة الإسلامية دراسة عملية واسعة تكشف عما فيها من كنوز ودرر، وأن تعتبر مصدرًا عالميًّا من مصادر التشريع الإنسانى، وأن تكون المصدر الأول للتقنين فى البلدان الإسلامية
فماذا فى هذا من الضرر بالأجانب، أو الإجحاف بمصالحهم، أو العدوان عليهم؟ وكثير من الأجانب أنفسهم كالمسيو لاهير منك سبق الإخوان إلى هذه الدعوة، وكثير من المجامع والمؤتمرات الدولية قد أقرها وزكاها، فلا موجب بعد هذا لأن تكون الدعوة إلى التشريع الإسلامى مثارًا للشبهات، أو مدعاة لخوف أو قلق، وهى شريعة العدل والرحمة. (42)

ولم يكتف الإخوان بالمنادة فقط بل أرسلوا مذكرة لوزير الحقانية فى وجوب العمل بالشريعة الإسلامية جاء فيها: حضرة صاحب المعالى أحمد خشبة باشا وزير الحقانية (43) أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو وأصلى وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تمسك بشريعته إلى يوم الدين وأرفع إليك تحية الإخوان المسلمين فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يا سيدى الباشا: لست فى حاجة إلى أن أتحدث عن إسلامكم وحسن استعدادكم لمناصرة الفكرة الإسلامية المنقذة، بل التي لا منقذ للعالم كله سواها الآن، ولست فى حاجة إلى أن أتقدم إليكم بالبراهين الكثيرة، والحجج المتضافرة على أن دواء هذه الأمة فى رجوعها إلى هدى الإسلام فى كل الشئون، وأول هذه الشئون القانون فأنت بحمد الله- فيما أعتقد- مقتنع بهذه الفكرة، سمعتك تتحدث بها، وتدلل عليها وتعمل لها وأنت خارج الحكم وأنت عضو مجلس إدارة الشبان المسلمين، وأنت أمين صندوق للجنة العامة للدفاع عن فلسطين، وأنت رئيس جماعة إحياء مجد الإسلام.

والآن يا معالى الباشا وقد جاء دور العمل، وواجهنا الحقائق ودخلنا بوتقة التجارب، وأصبحت وأنت شيخ القضاة ورأس المشرعين فى مركز تستطيع منه أن تحقق ما يرجوه المسلمين جميعا، ويتمنونه ويريدون الحصول عليه مهما كلفهم ذلك من أثمان، وما كنت أنت نفسك تتمناه وترجوه وتؤمن بصلاحيته وتعتقده من وجوب تعديل القوانين، وتوحيد المحكمة المصرية حول شريعة الإسلام. الآن وقد صرت راعيا مسئولا عن الرعية فى ناحيتك ماذا أنت فاعل؟

يا سيدى الباشا: إن صدور الأمة محرجة أشد الحرج؛ لشعورها بأنها تحكم بغير كتاب الله وقانونه وشرعته، وإن الشعوب إن تعودت الصبر حينا، فإن الانفجار نتيجة طبيعية لهذا الصبر فى كثير من الأحيان، وليس يحرج النفس شىء أكثر من الاصطدام بالعقيدة الراسخة الثابتة، وإن قوانيننا الحالية تنافى الإسلام، وتصدمه وتحطمه فى نفوس المؤمنين به، وهم كل هذا الشعب، وقد تفتحت أذهان الأمة وأدركت بعد ما بينها وبين دينها فى هذه الناحية، فشعرت بالحرج الشديد إن بقيت الحال على ما هى عليه، فلا تلجئوا الناس إلى عصيان القوانين، واحتقار الشرائع والتبرم بالقضاة وبالأحكام.

يا باشا: لنقف معا بين يدى الله ولنسمع معا، ألم يقل الله تبارك وتعالى:

  1. ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِى أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ "النساء: 65"
  2. ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ*أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ "المائدة: 49-50"... فى بيان طويل مستفتح بالآيات الكريمة. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون.
  3. ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ "النساء: 105"

هذا فى الناحية الكلية، وفى الناحية الجزئية قد بين القرآن كثيرا من الأحكام فى كثير من الشئون المدنية والجنائية والدولية والتجارية وما إليها، وأكدت الأحاديث الصحيحة كل ذلك وأيدته، وما أنزلها الله وقررها إلا ليعمل بها المسلمون، وينتهوا إلى حكمه فيها ويستمدوا منها ويطبقوا عليها، فإذا كانت قوانينا وشرائعنا والدستور نفسه مستمدة من معين غير هذا المعين مستقاة من مصادر أوروبية بحتة بلجيكية وفرنسية ورومانية

وهى فى كثير من كلياتها وجزئياتها تتناقض تناقضا صارخا مع التعاليم الإسلامية الصريحة، فكيف يكون موقف المسلم الذي يؤمن بالله وكتابه فيما إذا عرضت له قضية حكم فيها بغير ما أنزل الله وكان الحكم مناقضا لدين الله؟ وكيف يستحل القاضى هذه المخالفة؟ وكيف يستسيغها المتقاضى؟ وكيف يتحمل تبعتها شيخ القضاة ووزير العدالة والتشريع بين يدى أحكم الحاكمين؟!

أنقذونا -يا باشا- من هذا الحرج، وأخرجونا من هذه الورطة، ولا تجعلوا أعمالنا تصطدم بعقائدنا، وأنا أعرف كثيرا من الناس يفضل ضياع حقوقه: مدنية أو جنائية أو تجارية على أن يقف بين يدى قاض يحكم بغير ما أنزل الله. إن التبعية يا باشا كبيرة، ولئن كان هذا الحساب شديد فإن حساب الله أشد ومهمتنا التذكير ولا يغنى أن تتعلل بالمعاذير، فإن الله لا ينظر إلا إلى القلوب والأعمال هذا من الوجهة الروحية البحتة.

ولنأت من الوجه القانونية

ألم يعترف كبار رجال القانون من مصريين وأجانب بأن الشريعة الإسلامية من أخصب منابع التشريع وأزكاها وأدقها وأشملها؟ ولم ننس بعد تصريح المسيو بيولا كازللى بوجوب تصحيح القواعد الفاسدة فى القانون الفرنسى المعمول به فى مصر طبقا لأحكام الشريعة الإسلامية، ولم ننس كذلك محاضرات المسيو لامبير، وتصريحاته الخطيرة الواضحة فى هذا الشأن، ولم ننس بعد تقارير مؤتمر لاهاى فى الإشادة بالشريعة الإسلامية وامتداح نظرياتها القانونية وغناها بالبحوث القيمة وكفايتها فى التشريع التام

وفى مصر كثير من أعلام رجال القانون يؤمنون بذلك، ويصرحون به ويودون أن يكلفو الاضطلاع بهذا العبء، وعجيب أن يكون بينهم المستشارون فى المحاكم المختلطة بله المحاكم الأهلية ومن هؤلاء محمد بك صادق فهمى رئيس محكمة المنصورة المختلطة، والأستاذ عبد الرازق بك السنهورى عميد كلية الحقوق السابق، كما أشار إلى ذلك حضرة كامل بك مرسى وعبد الفتاح بك السيد والأستاذ على بدوى من أساتذة القانون فى المحاكم وفى كلية الحقوق.

والبحث العلمى أعدل شاهد على صحة هذه النظريات، وما قال هؤلاء ما قالوا إلا بعد دراسات طويلة وبحوث عميقة خلدوا بعضها بكتاباتهم وبقى بعضها مستقرا فى نفوسهم إلى الوقت المناسب، وليس المقصود من هذا الخطاب هذه الموازنات فذلك له موضع آخر.

ولنأت إلى الأمر من وجهته العملية

لقد عاشرتنا هذه القوانين خمسين عاما ونيفا فماذا أفادت منها الأمة إلا كثرة الجرائم، وتزايدها عاما بعد عام ويوما عن يوم، وانتشار الموبقات، وارتكاب الجنايات ذلك أنها لا تتفق مع طبيعتنا، ولا تصلح فى بيئتنا ولا تجدى فى علاج أدوائنا، ولا دليل أصدق من الواقع المشاهد، وذلك فى الوقت الذي نرى فيه البلاد الإسلامية التي أخذت بتشريع الإسلام قد استتب فيها الأمن، وتوطدت السلطة عمت السكينة، وساد احترام القانون واطمأن الناس على الدماء والأموال والأعراض، فهلا تريد مصر أن تصل إلى هذه النتيجة المرضية برجوعها إلى تعاليم الإسلام وشرائع الإسلام.

يا سيدى الباشا: الأمر واضح لا يحتاج إلى بيان، وبقيت بعض شبهات يتعلق بها الذين يقفون فى طريق الإصلاح بحسن قصد أو سوء قصد، نحب أن نناقشها فى إيجاز، وأنا معتقد أن معاليكم أعرف الناس بأن هذه الشبهات أوهى من أن تقف فى سبيل الإصلاح.

يقول هؤلاء المرتابون:

(1) إن فى مصر عناصر غير إسلامية إن حكمت بأحكام الإسلام كان ذلك متنافيا مع حرية الدين التي كفلها الدستور للمواطنين، وإن حكمت بغير أحكام الإسلام كان ذلك نوعا من الامتياز البغيض الذي حمدنا الله على التخلص منه، وإزاحة كابوسه عن الصدور. هذه الشبهة مردودة بجزئيها فإنهم إن عوملوا بتعاليم الإسلام لم يكن فى ذلك اصطدام بحرية الدين، فإن الحرية المكفولة هى حرية العقيدة وحرية العبادة والشعائر وحرية الأحوال الشخصية، أما الشئون الاجتماعية فهى حق الأمة ومظهر سيادتها فهم فيها تبع للأكثرية فإذا ارتضت أكثرية الأمة قانونا فى هذه الشئون الاجتماعية بصرف النظر عن مصدره فهو قانون للجميع

إذ أن محاربة الجريمة من حق الدولة بدليل أن الأمم الأوربية، وهى التي تفخر باحترامها للحرية، والحقوق الشخصية، وتزهو بأنها أقرت الديموقراطية، ونادت بحقوق الإنسان مع هذا هى تعامل كل نزلائها وأقليتها بحكم القوانين الموضوعة المرضية عندها بصرف النظر عن أديانهم وعقائدهم، فالإنسان فى فرنسا أو انجلترا أو فى ألمانيا أو نحوها سواء أكان نزيلا يتمتع بجنسيته الخاصة أو مواطنا يخالف الأكثرية فى الدين يحاكم بمقتضى قانون البلاد الموضوع دون نظر إلى قانون بلده أو تشريع دينه وبغير ذلك لا تتحقق سيادة الأمة، ولا يتحقق استقلالها الداخلى، هذا إن عوملوا بأحكام الإسلام وشريعته.

وإن عوملوا بحسب شرائعهم مع الاحتفاظ بحقوق الدولة كاملة معهم، فليس فى ذلك امتياز يخيف، فإن المساواة فى الأحوال الشخصية بين المسلم وغير المسلم مفقودة إلا إذا رضى غيره بذلك، ولا يقال إن إقرارنا لهؤلاء المخالفين على أحكام دينهم فى أحوالهم الشخصية امتياز ممنوح لهم يفضلون به غيرهم، بل هو خلاف خاص بهم، وأما الامتياز المؤلم فهو أن تضيع حقوق أبناء الوطن فى سبيل الأجانب وغير المسلمين بحكم الضعف والاستكانة والذلة والمهانة.

والإسلام الفسيح المرن لا يحتم علينا أى الطريقين فنحن نختار والأولى إلينا أحب وبحالنا أوجب ولأمر ما قال الله تبارك وتعالى فى صدر آيات الحكم بتنزيله ﴿فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِى ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ "المائدة: 44". على أننا نعرف كثيرا من أفاضل رجال القانون من مواطنينا المسيحيين جهروا كثيرا بأنهم يودون لو عوملوا بأحكام الشريعة الإسلامية فى كل شىء.

(2) ويقولون كذلك إن نصوص المعاهدة تحتم علينا أن نسير فى تشريعنا على أحدث النظريات، وذلك يمنعنا من العودة إلى تشريع الإسلام، وإلا كنا خارجين على أحكام هذه النصوص، وتلك شبهة مردودة كذلك بجزئيها أيضا، فإن تعديل المعاهدة لا يعد تملصا وخروجا فى كل حال، فإذا اتفق الطرفان على التعديل فهو تتميم لهذه المعاهدة واستكمال لنقصها لا نقض لها، وليست هذه المعاهدة تنزيلا من حكيم حميد فهى عرضة للتعديل والتحوير فى كل وقت حسب ما يطرأ للطرفين من عوامل وظروف، وإلا فلماذا يحق للطرف الآخر أن يحور ويعدل فى كل وقت كما هو مشاهد ملموس.

هذا من جهة ومن جهة أخرى فعلماء القانون من المسلمين أزهريين وغير أزهريين على استعداد لأن يثبتوا لكل مخالف أن تشريع الإسلام الحنيف أفضل من كل تشريع حديث يعرفونه بالدليل القاطع، والبرهان الناصع، فلا حجة لمخالف، ولا يصح أن نقف عن إصلاح شئوننا إرضاء للمكابرين الذين لا يرضون منا إلا بأن نسير وراءهم وأن نقيد خطانا بشهواتهم ورغباتهم.

(3) ويقولون كذلك إن كثيرا من هذه التشريعات لا يمكن تطبيقه عمليا، ولنأخذ مثلا (الربا) فهل نستطيع إبطاله من محاكمنا وقانوننا ونحن مرتبطون بالنظام الاقتصادى الدولى العام؟ والشبهة مردودة كذلك بما نشاهد من أحوال الدول القوية العزائم التي وضعت لنفسها نظما اقتصادية خاصة، وفرضتها على أممها وأجبرت العالم على احترامها، وكان العامل الأكبر فى ذلك صدق عزيمة حكومتها، وحسن استعداد شعوبها، فلا عقبة أمامنا فى مثل هذا إلا الوهن، وتجسيم الأمور والخوف الذي لا مبرر له

ونحن والحمد لله أمة غنية بصادراتها وكل المواد الحيوية والضرورية موفورة لدينا، ونستطيع الاستغناء إلى حد كبير عن غيرنا مع حفظ كياننا الاقتصادى لو صحت عزائمنا، ماذا فعلت إيطاليا حين وقفت أمامها بالمرصاد اثنتان وخمسون دولة فيها الدول العظمى وفرضت عليها العقوبات وحصرتها داخل ديارها؟

ألم ترغم هذه الدول على احترام مشيئتها وتقدير عزيمتها وأنفذت قرارها بدون سيف أو نار ولكن بغيرة الشعب وعزيمة الحاكمين؟ وماذا فعلت الدول لهتلر حينما أصدر أمره بعدم خروج النقد من ألمانيا بتاتا؟ هل وقف دولاب التجارة فى ألمانيا أم احترمت الشعوب الأخرى هذه الإرادة وعاملت ألمانيا على أساس المبادلة التجارية؟

لا يقال إن هاتين الدولتين قويتين ونحن ضعفاء، فليس الكلام فى حشد الجيوش وتجهيز المعدات، ولكن نتكلم فى البيع والشراء والأخذ والعطاء، وكل شعب مهما ضعف حر فى ذلك كله إن حددت وجهته، واستبانت غايته وقويت عزيمته. إن الشعوب الأخرى يهمها أن نكون معها شرفاء فى المعاملة ونحن نلاحظ أن كثيرا من المصارف والدائنين يرضون بالتسويات، وفيها نزول عن شىء من الحق الأساسى فى سبيل الحصول على هذا الحق، فإذا منع القانون التعامل بالربا وتشدد فى استيفاء الحقوق، كان فى ذلك الضمان الكافى للممولين الآخرين، ورضوا به واطمأنوا إليه وعاملونا على غير أساس الفوائد والربا المحرم شرعا فى كل كتاب.

ولماذا لا تكون مصر السابقة بإنقاذ العالم (من نظام الفائدة البغيض), ولماذا لا تبشر حكومة مصر بهذا المبدأ السامى الإنسانى الرحيم, ولماذا لا ترفع راية الدعوة إلى تحرير الإنسانية من رق الربا وإقناع الشعوب بوجاهة هذه الفكرة؟ كما رفعت بعض الدول الأوروبية الدعوة إلى تحرير الإنسان من رق العبودية

وأقنعت الشعوب بوجاهة نظرتها وكسبت فخر هذا الدفاع. ولم الخوف وفيم اليأس؟ هل نعجز عن أن نقدم للإنسانية خدمة جلى ونحن الذين أنقذناها فى كثير من المواقف، وأشعلنا بين كثير من أممها شعلة العرفان والنور؟ ليس هذا من الشعر ولا من الخيال يا باشا، ولكنها حقائق سيتنبه لها العالم، ونريد أن يكون لنا شرف السبق بهذا التنبيه.

ولماذا لا تكون هذه الخطوة -يا باشا- سبيلا إلى الحرية الاقتصادية، وطريقنا إلى تعويد هذا الشعب الذي طال به عهد الاعتماد على الغير أن يعتمد على نفسه وعلى موارده وأن يستغنى فى كثير من شئونه عن الناس؟ وهل هناك فرصة أثمن من هذه؟ وهل هناك عامل يساق به هذا الشعب المتمسك بدينه أقوى من الدين؟ وهل هناك إنقاذ لهذا الشعب الفقير أعظم من إنقاذه من اللصوص السرقة القساة من المرابين؟ هذا مثل أحببت أن أتقدم به لدحض هذه الشبه شبهة صعوبة تطبيق الشريعة الإسلامية، وأخرت لذلك أعقد المسائل وألصقها وأمسها بحياة الناس حتى لا يكون هناك قول للقائل ولا حجة لمعتذر.

(4) يقولون: إننا حين نطبق هذه الشرائع الإسلامية فى قطع يد السارق، ورجم الزانى وما إلى ذلك، نرجع بالأمة إلى عهد الهمجية، ونفوت عليها فرصة الانتفاع بما بلغت من رقى ومدنية، ونسلكها فى نظام الأمم المتأخرة المتبربرة. وهذا كلام لا يساوى سماعه ولا يستحق أن يرد عليه، وإنما أملاه على هؤلاء الناس تحللهم من عقدة النظم الاجتماعية، وعكوفهم على الإباحية فى كل شىء، واعتداؤهم على ما ليس لهم من أعراض وأموال، وتخوفهم من أن يكونوا الضحايا الأول لتطبيق هذه النظم الحازمة، وما كانت الجريمة فى يوم من الأيام مظهر المدنية ولا الرقى، ولا كان القانون الذي يستأصل الجريمة ويقضى عليها مهما كان من شدته قاسيا ولا رجعيا،

ولكنه عين التقدم ومظهر الارتقاء الصحيح، وهى إحن قديمة وأفكار بالية عتيقة آن لها أن تنقرض وآن للمصلحين ألا يعيروها شيئا من الاهتمام بعد أن رأينا أن الفكرة العامة فى التشريع أصبحت متجهة إلى أخذ المجرمين بالحزم، واستبدال السبل الرادعة والأحكام الزاجرة بمظاهر الرخاوة القانونية التي ساعدت على انتشار الجرائم فى الأمم، وجعلت القوانين تكاد تكون عديمة الفائدة فى تهذيب الناس، وأضاعت على الشعوب كثيراً من الأموال، والجهود فى المحاكم والسجون والشرط والموظفين القضائيين بغير طائل. نحن نريد النتائج العملية ولا عبرة بزخرف القول وتزويق العبارات.

ويقولون: إن ذلك غير ممكن عملا فإن رجال الشريعة الإسلامية لا يحسنون التنسيق القانونى الواجب، ورجال القانون لا يلمون بالشريعة الإسلامية الإلمام الكامل، ومتى كان الأمر كذلك فمن يتولى إخراج القانون الإسلامى الجديد للناس فى صورة منسقة وصياغة قانونية تامة؟ وتلك شبهة واهية كذلك، والتعليق على هذه الصعوبة من أهون المسائل، والدعوى غير صحيحة على إطلاقها فإن من رجال الشريعة الإسلامية من يحسن التنسيق القانونى إلى حد كبير

ومن هؤلاء الأستاذ الشيخ أحمد إبراهيم بك وكيل كلية الحقوق، وإن من رجال القانون من درس كثيرا من مسائل الشريعة دراسة تامة عميقة ومن هؤلاء الأستاذ السنهورى، ونسوق ذلك على سبيل المثال، وإلا ففى رجالنا والحمد لله خير كثير، وقد اضطلع الأستاذ السنهورى وحده بكثير من هذا العبء يوم دعى لتنسيق القانون فى العراق فأحسن وأجاد.

(6) وأخيرا يرجف هؤلاء القائلون بفكرة مادية بحتة تدور حول المصالح الشخصية فيقولون: إنكم بهذا تعطلون هذا الجيش من رجال المحاكم الأهلية من قضاة ومحامين ومستشارين محترمين، وتتعصبون لرجال المحكمة الشرعية على اختلاف أعمالهم، فتعطون قوما أكثر مما يستطيعون أن يقوموا به وتحرمون الآخرين من كل شىء ذلك إلى أنكم ترون أن المحاكم الأهلية أدق نظاما، وأعظم فى الإجراءات إحكاما من سابقتها، فكيف تريدون أن تحملوا المنظم الدقيق على ما هو أقل منه فى ذلك؟

وهذه مغالطة مكشوفة فليس العلم وفقا على قوم دون آخرين، وفى وسع القاضى الأهلى والمحامى الأهلى أن يدرس أحكام الشرع الإسلامى فى بضعة شهور، والنظام فى المحاكم لا يتقيد بنصوص مواد القانون، وإنما يرجع إلى أسباب أخرى كلها تزول إذا صحت العزائم. على أننا لا نريد بهذا الإصلاح تعصبا لناحية بل نريد أن يزول هذا التفريق كله، ونقضى على هذا الانقسام فى حياة أمة تسير إلى الوحدة، ولا قوة لها إلا بالوحدة فلا محاكم أهلية ولا محاكم شرعية ولكن محكمة واحدة إسلامية مصرية على أدق النظم وأحكم الإجراءات عماد قانونها شريعة الله وحكم الإسلام.

هذه هى بعض الشبهات التي تقال، وقد رأيتم –معاليكم- أنها مردودة بالحجة مدفوعة بالبرهان، وذلك شأن كل شبهة يمليها الهوى ويراد بها الصد عن الحقائق. لم يبق بعد ذلك عذر يا باشا، ولهذا يتوجه الإخوان المسلمون إليكم بالرجاء معتقدين أنهم فى ذلك إنما يمثلون الأمة الإسلامية جميعا بهذين الطلبين.

(أولا) أن تسلموا معهم بمبدأ (وجوب العودة إلى التشريع الإسلامى وتوحيد المحكمة المصرية على أساسه الآن).

(ثانيا) أن تأمروا بإعادة تشكيل لجنة تعديل القوانين الحالية التي يرأسها الأستاذ كامل بك صدقى تشكيلا جديدا يحقق هذه الغاية بأن تسند رياستها إلى معاليكم رأسا أو إلى فضيلة شيخ الأزهر أو المفتى الأكبر، وأن تضم بين أعضائها أكبر عدد ممكن من رجالنا البارزين فى الشريعة الإسلامية من رجال القضاء الشرعى والأزهر الشريف، وفى القانون الوضعى بفروعه المختلفة ولا بأس بأن يكون من بينهم الأستاذ كامل صدقى بك.

يا معالى الباشا: إننا أمة مسلمة وقد وطدنا بالعزم على ألا نحكم بغير قانون الله، وشريعة القرآن الكريم، وتعاليم محمد مهما كلفنا ذلك من ثمن، ومهما بذلنا من تضحيات، وذلك أبسط حقوقنا كأمة لا تعدل باستقلالها فى كل مظاهره السياسية والاجتماعية شيئا، فأعينونا على الوصول إلى هذا الحق وارفعوا عنا هذا الحرج ولا تلجئوا الأمة إلى سلوك سبيل المضطرين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (44)

وكتب البنا يقول: هل تحل الشريعة الإسلامية محل القوانين الوضعية فى البلاد الإسلامية:

يمتاز الإسلام عن غيره بأنه دين كامل تام استوعب كل شئون الناس فى معاشهم ومعادهم استيعابًا كاملاً، فهو للدنيا كما هو للآخرة، وهو قانون يتحاكم به الناس فى شئون هذه الحياة العملية، كما هو إرشاد ينظم لهم شئون حياتهم الروحية. لا يقف الإسلام محايدًا أبدًا أمام أى شأن من شئون الناس؛ لأنه كما أراد الله أن يكون إنما نزل لعلاج مشاكلهم وإسعادهم فى كل ظروفهم
فهو يفتى فى البيع وفى الشراء وفى الرهن وفى الإجارة وفى القرض وفى السلم إلى غير ذلك مما يدخل فى حدود المسائل التي اصطلح المحدَثون على تسميتها بالحقوق المدنية، وهو يفتى كذلك فى الدماء والجروح والقصاص والحدود وغيرها مما عرف الآن بالحقوق الجنائية، وهو يفتى فى العقوبات صغيرها وكبيرها ودقيقها وجليلها، وهو يفتى فى الصلة بين الأمم وتنظيم علائق الشعوب وبيان الروابط والحقوق والواجبات بين الدول مما يسمى بالحقوق الدولية
وهو يفتى فى الاستئذان والزيارة والجلوس على قوارع الطرق وحق الجار على الجار والصديق على الصديق وأدب المجلس وأدب السلام والتحية فى اللقاء والانصراف وغير ذلك مما يسميه الناس بالآداب العامة. يفتى الإسلام فى كل هذا كما يفتى فى الوضوء والصلاة والصيام والحج والتسبيح والذكر والتوبة والاستغفار مما يقول عنه أهل هذا العصر: المسائل الروحية.
والإسلام حين يفتى فى كل هذه المسائل يضع فتواه على أقوم الأصول وأصح الأسس فى دقة متناهية وإحكام غريب، بلى إنه ليس غريبًا، أليس واضعه الحق تبارك وتعالى الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور؟ وليس هذا محل الإفاضة فى تحليل ذلك فله مقام آخر. والإسلام حين يفتى فى كل هذه المسائل ينظر إليها جميعًا على أنها كلها مسائل دينية يشملها حكم الله، الذي يجب على الناس أن ينفذوه ويعملوا به، ويعدها أجزاء منه لا تنفصل ولا تنفك عنه، وها أنت تقرأ السورة من القرآن فإذا بك تقرأ آية التوبة والاستغفار إلى جانب آية البيع والرهن إلى جانب آية الطلاق والظهار.
كنا نصلى قيام رمضان ليلة من الليالى وأخذ الإمام يقرأ بسورة البقرة، وكان مجيدًا حقًا، وكان حافظًا حقًا، وكان خاشعًا فى قراءته يورد الآيات إيراد الفاهم لها المتأثر بها، فأثر ذلك فى نفوس المأمومين جميعًا، وكانوا خلاصة من الذين يصلون لله، وبعد أن قضيت الصلاة همس فى أذنى أحدهم بخطرة من أزكى الخطرات وأنبلها وأدقها.
قال لى: ألم يلفت نظرك شىء فى هذه السورة الكريمة؟ ألست ترى أن الحق تبارك وتعالى جمع فيها قانونًا كاملاً يستوعب معظم شئون الناس الدنيوية، كما تكلم فيها عن نشأة الأمم وتربيتها وموتها وضعفها وسنة الله تبارك وتعالى فيها؟ أولست تراها كلها إلا قليلاً من الآيات الكريمة سورة عملية، وإن شئت قلت: دنيوية، أو حيوية بتعبير آخر؟ وأعجبنى من أحد الحاضرين أن أجاب على هذا الهمس الذي تسرب إليه حين تحمس الأخ الأول لجلال هذا الخاطر أعجبنى من الثانى أن أخذ يشرح سر ذلك فى لباقة واقتناع.
قال الأخ: ذلك -يا إخوانى- أرقى نظام فى تربية الأمم وترقية الشعوب أن يكون القانون الأساسى للأمة محفوظًا لكل أفرادها، فلا يستبد بها حاكم ولا يخرج عن حده، أو يقصر فى واجبه محكوم؛ إذ إن كل فرد من الأفراد بحفظه هذا القانون الأساسى يصح أن يكون قاضيًا، فهذا وضع عجيب أن يجعل الله من عبادة الناس إياه أن يستظهروا قانون التعامل بينهم ويحفظوه عن ظهر قلب، وهذا من أروع أمثل التزاوج الذي أوجده الإسلام بين الدنيا والآخرة.
بربك ألست ترى فى هذا الكلام عمقًا ودقة وكشفًا عن أسرار من أسرار التشريع الإسلامى تخبطت الأمة حين جهلتها وحلت عليها بهذا الجهل المصائب والنكبات؟ معذرة يا أخى القارئ إذا شط القلم فهو جوى لاصق بالقلب كامن فى الفؤاد تنكأه الذكرى، وتذكيه الحادثات، وأعود فأقول: لقد رأيت أن الإسلام هكذا وضع، هو نظام شامل لكل مظاهر الحياة: دنياها وآخرتها، عمليها وروحيها، وكذلك فهمه المسلمون، وكذلك طبقوه من قبل يوم كان الدين غضًا، والخلافة وارفة الظلال، والمسلمون سادة أعزة أحرارًا فى بلادهم مالكون لأمرهم.
ثم عصفت بهم العواصف فإذا بهم يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويستعيرون أحكام البشر يتحاكمون إليها ويهملون أحكام العلى الكبير، وهم مع هذا معجبون بما هم عليه، مستنيمون إليه، يحسبونه من مظاهر المدنية وهو هادم لكيانهم صادم لدينهم. ألست ترى أن الحكومة المصرية احتفلت احتفالاً عظيمًا بمرور ذكرى خمسين عامًا على المحاكم الأهلية،
وأن صاحب العزة مصطفى بك حنفى فى تقريره عن هذا الحفل الذي رفعه إلى لجنة الكتاب الذهبى له ونشرته جريدة "السياسة" أفاض إفاضة تامة فى الإشادة بهذه المحاكم، وبيان أثرها فى الناس، وفضلها على الأمة؟ أنا لا أحاول بهذا أن أنال من القضاة الفضلاء فى مصر، ولا من القضاء فيها، فقد برهنت الحوادث على أن فى مصر قانونًا عرف قضاة مصر كيف يجلونه ويحترمونه وينفذونه على وجهه، ولكن الذي أقوله: حبذا لو عمل قضاة مصر الأفاضل أنفسهم على أن يكون هذا القانون هو قانون الله.
رأيت فى إحدى المجلات اليومية مقالاً ضافيًا للآنسة الأستاذة نعيمة هانم الأيوبى الحقوقية المصرية تشيد فيه بأثر القضاء الأهلى فى مصر، وإسعاده لأهلها، وكفه من مظالم الإدارة المطلقة قديمًا، وإراحته الناس من شرورها إلى آخر ما كتبت وأفاضت فيه واستشهدت عليه. يا أستاذة نعيمة، قد تكونين معذورة؛ لأنك فى بيئة بعيدة كل البعد عن استكناه حقائق التشريع الإسلامى، ولكن أقسم لك أن هذا الخير الذي تتمدحين به لا يكون شيئًا مذكورًا أمام النتائج المجيدة الصحيحة التي تصل إليها الأمة لو طبق فيها قانون الإسلام. وما لى أذهب بعيدًا، أما الذي وطد الأمن فى بلاد العرب هذا التوطيد العجيب بعد ذلك الفساد المتناهى؟ أليست أحكام الإسلام؟ وألست تعتقدين معى ويعتقد الناس أن الواقع أصدق دليل؟
ويظهر أن الناس بدءوا يتنبهون وكم تفاءلت تفاؤلاً عظيمًا، وتنفست الصعداء، ومددت بصرى إلى ذلك اليوم الذي تعود فيه أحكام الله وقل عسى أن يكون قريبًا، حين رأيت شيخ الوعاظ فى هذا البلد فضيلة الأستاذ الجليل الشيخ عبد ربه مفتاح يفتتح العدد الثانى من مجلة "الإيمان" بمقال هذا صدره:
"منذ عامين تقريبًا كانت وزارة الحقانية تحتفل بمرور خمسين سنة على تأسيس المحاكم الأهلية، وقد رأت أن تدعو الأزهر لمشاركتها فى هذا الاحتفال، وليس بدعًا أن يدعى الأزهر إلى شهود تلك الحفلات الكبرى، وإن لم يكن بينه وبين الداعين إليها ما بينه وبين الحقانية من وشائج قوية ورحم موصولة؛ إذ هو فضلاً عن اتحاد المهنة يساهم فى قضائها برجال المحكمة الشرعية، ولكن هذه الدعوى على الرغم من ذلك بدت للأزهر دعوة مريبة
فاستشف من خلالها الغرض الذي حمله ورجال المحكمة الشرعية أنفسهم على رفضها وعدم الاستماع إليها، وهو غرض لا يحتاج فى ظهوره إلى تأمل كبير أو فطنة نادرة، فهى تحكم لنفسها تدبير الأمر، وتبذل عنايتها فى سبيل اعتراف الأزهر بشرعية القضاء الأهلى، كما كان موقف الأزهر هو الآخر لا يحتاج إلى تأويل أو توضيح؛
إذ هو لا يزيد أيضًا عن أن الأزهر -مع خضوعه للأمر الواقع- لا يعترف فى قضاء هذه الأمة بسوى الشريعة الإسلامية والقضاء الإسلامى، وهو حقًا موقف مشرف، بل هو فى نظرنا من أنبل مواقف الأزهر وأعظمها فى الدفاع عن الإسلام؛ فإن الشريعة الإسلامية هى كل ما جاء به النبى أو تكاد، فإذا بُوعِد بين الشريعة وبين العمل بها تضعضعت دعائمها وانحلت عراها، وكانت دعوى التدين بها دعوى لا يقام لها وزن ولا تحمى ما وراءها" انتهى صدر مقال الأستاذ المفضال، وهو كلام مجيد حقًا.
ولقد كتبت جريدة الإخوان حين الاحتفال ما رأت من واجبها أن تنادى به إذ ذاك من وجوب الرجوع إلى شريعة الله، وفى اليوم الذي نسمع عالمًا رسميًا جليلاً كالأستاذ الشيخ عبد ربه يدعو بهذه الدعوة فى جلاء ووضوح نتفاءل خيرًا كثيرًا، وفى الوقت الذي ينادى فيه الأزهر الرسمى حقًا بأنه لا تعترف فى قضاء هذه الأمة بسوى الشريعة الإسلامية والقضاء الإسلامى
نعتقد أن هذا النداء الكريم لابد أن يترك أثره وأن يعود بهذه الأمة إلى الخير، فالأزهر لباب الأمة ومطمح أنظارها فى مثل هذه الشئون، فهل ستكون هذه إحدى حسنات شيخ الأزهر يا ترى؟ ذلك ما نكله للمستقبل يكشف عنه ولغيرة فضيلة الأستاذ الأكبر ودينه وحكمته ليقضى الله أمرًا كان مفعولاً.وعلى كل حال فكلمة الأستاذ الشيخ عبد ربه أحيت فى النفس أملاً، وأعادت إليها ذكرى، وجعلتنا نتساءل: هل سيأتى اليوم الذي تحل فيه الشريعة الإسلامية محل هذه القوانين الوضعية؟ وهل يكون هذا اليوم قريبًا؟ نسأل الله. (45)

وكتب أيضا:الشريعة الإسلامية وتوحيد القضاء فى مجلس النواب قال فيه:

فى مناقشة ميزانية وزارة العدل تكلم النائب المحترم الشيخ عبد الوهاب سليم طالبا إلى الحكومة ضم عنصر أزهرى إلى لجنة تعديل القانون، ومراعاة الاقتباس من الشريعة الإسلامية، كلما جرى تعديل فى القوانين بما أن شريعتنا -والحمد لله- بشهادة من ليسو من أهلها قبل أهلها غنية الموارد، فياضة بالمبادئ القانونية الصالحة المنتجة الخصيبة.
وتكلم النائب المحترم أحمد مرسى بك طالبا توحيد القضاء، وأن تكون الخطوة الأولى فى ذلك جعل محكمة النقض والإبرام مرجعا لكل مناحى القضاء الشرعى والأهلى والمختلط ثم توحيد القوانين. ورد وزير العدل على المطلب الأول بأن لجنة تعديل القوانين الحالية تؤلف من المسيو لامبير والأستاذ السنهورى، وكلاهما ضليع فى بحوثه الإسلامية، وفى القانون المقارن ومن الذين قالوا فى أوروبا بأن الشريعة الإسلامية تصلح مصدر للتشريع الحديث، على أن اللجنة قد ضم إليها أحد علماء الأزهر من رجال الفقه الشرعى؛ ليكون مرجعا وعونا لها فى تبيان ما قد يغلق عليهما من نصوص الشريعة.
وذلك ملخص ما دار فى مجلس النواب عن هذه القضية الهامة التي هى أمنية كل مسلم لا فى مصر وحدها؛ بل فى العالم الإسلامى كله، فليس أعز علينا معشر المسلمين فى مصر وغيرها ولا أحب إلى نفوسنا من أن نرى التشريع الإسلامى يكون مصدرا للقانون فى بلاد الإسلام. والفقه الإسلامى والحمد لله خصيب كل الخصوبة: أصوله وفروعه، ومبادئه، وتطبيقاته، وجميل جدا أن يدور الكلام حول هذا البحث فى مجلس نوابنا، وأن نجد من معالى وزير العدل هذا الرد الذي يدل على الاقتناع بالفكرة والاتجاه الطيب نحو الأخذ بها.

ونحب أن نلفت نظر الحكومة، ومجلس النواب إلى الحقائق التالية:

أن النائب المحترم الذي يطالب بأن يكون التشريع الإسلامى مصدر القوانين فى مصر إنما يتكلم بلسان كل مصرى، ويعرب عن رجاء كل مصرى، وأن غير المسلم ليشارك المسلم فى هذه الأمنية ثقة بعدالة الإسلام، واطمئنانا إلى إنصاف أحكامه. فليس هذا الصوت الذي دوى بالأمس، وليست الأصوات التي تدوى بهذا المطلب اليوم وغدا أصوات أفراد تتلاشى مع موجات الهواء التي حملتها، ولكنها آمال أمة بأسرها وقد وطنت العزم على أن تصل إليها طال الزمن أم قصر، وإن الهدف القريب إن شاء الله، ولا يضيع حق وراءه من يطالب به.
فعلى الذين يستغربون هذه المطالب أو يهزءون بها فى خفايا جوانحهم أن يستتروا وألا يتعرضوا لسخط شعب لا يعدل بتشريع الإسلام أى تشريع آخر، وعلى الذي يحملون لواء هذه الفكرة أن يثبتوا فإن الشعب معهم والله ناصره ومؤيدهم وسيفوزون فى القريب إن شاء الله. وإن الذي يطالبون بتوحيد القضاء فى مصر سيجدون منا معشر الإخوان المسلمين- ونعتقد أننا فى ذلك إنما نعبر عن مشاعر الأمة كلها- كل ترحيب بفكرتهم، فنحن نعمل لتوحيد هذا البلد فى كل شىء فى ثقافته وفى قضائه وفى مشاعره وأهدافه فليس عجيبا أن نفرح بتوحيد القضاء، وأن نرحب (بالمحكمة المصرية) التي ينشدها الأستاذ السنهورى، ويتحدث عنها كثيرا، ولكن ما القانون الذي تحكم به المحكمة المصرية فى درجاتها المختلفة؟
لا نرضى أن يكون غير القانون المستمد من تشريع السماء، من كتاب الله تبارك وتعالى من القرآن الكريم، من المبادئ الإسلامية الكفيلة بالعدالة والإنصاف. إن الإسلام لا يمنع من اقتباس الصالح من كل شىء، ولكن يشترط ألا يتناقض معه فلتتوحد المحكمة المصرية على أساس القانون الإسلامى مدعما بما يعضده ويؤيده ويتفق مع مبادئه وتعاليمه من كل تشريع حديث أو قديم.
لقد كان كثير من المصريين والمسلمين منهم أيضا ومن رجال القانون يخطئون خطأ كبيرا فى تصور التشريع الإسلامى، ويخاصمونه، ويعادونه، ويصفونه بالضيق والجمود، ويعترضون الدعوة إلى تطبيقه أشد الاعتراض، ومن حسن الحظ أن هذا الصنف من الناس قد أخذ يتناقص؛ بل أخذت الأصوات ترتفع من كثير من رجال القانون بوجوب اتخاذ التشريع الإسلامى مصدراً للتقنين فى مصر، وهذه فى الواقع خطوة كبيرة إلى الأمام، وانتصار عظيم للدعوة إلى هذا التشريع الكريم.
ولم يبق أمام المزدرين إلا حجة واحدة يظنونها عقبة العقبات تلك هى الأجانب، فكلما تحدث إليهم متحدث عن تشريع الإسلام قالوا فى ذعر ووجل؛ وماذا نصنع بالأجانب، وهل نسيتم أن الأجانب لا زالوا فى هذا البلد ولازالت لهم الكلمة وبأيديهم الثروة ومعهم السلطان وتؤيدهم دولهم القوية ومعاهدة مونترو؟ ماذا تفعلون بها وقد اشترطنا على أنفسنا فيها التشريع الحديث والتزام مبادئه؟ إننا معكم فى أحقية مطلبكم، ولكن أليست هذه عقبات قوية لا نستطيع لها دفعا؟ هذه هى عقبة العقبات فى نظر القوم. ونرى -نحن معشر الإخوان المسلمين- أن الأمر أهون من كل هذا.
لقد كان منا -نحن المصريين- من هو أسوأ عقيدة فى التشريع الإسلامى من الأجانب فلما نوقش وأفهم عدل عن رأيه، وصار من أشد أنصار التشريع الإسلامى حماسة، ولقد حدثنى كبير من علمائنا أن كبيرا من زعماء الأجانب جاء إليه فى ذعر يسأله، هل حقيقة يا أستاذ فى مصر حركة قوية ترمى إلى استعادة التشريع الإسلامى وتطبيقه والعمل به؟ فابتسم الشيخ الكبير وقال لهذا الأجنبى الكبير: نعم، فى مصر حركة قوية ترمى إلى هذا.
فقال الرجل وهل ترضى أنت بها وتناصرها وأنت الرجل العصرى المفكر المثقف المهذب؟ وهل ترضى أن تعود مصر القهقرى، وتفقد هذه الثمرات البالغة من مظاهر تقدمها القانونى بالعودة إلى رجعية بائدة؟ فأجاب الشيخ: أما أنى أرضى عن هذه الحركة، وأنصارها فنعم، وأما أنى أرضى أن تعود مصر القهقرى وتفقد ثمرات تقدمها القانونى فلا، ولكن -يا حضرة الخواجة- من الذي قال لك إننا بعودتنا إلى التشريع الإسلامى نعود القهقرى؟
اسمع يا فلان: إنكم لا تعرفون شيئا -معشر الأجانب- عن جمال التشريع الإسلامى، ودقته وروعته وانطباقه على أحدث التشريعات، بل إنه ليفضلها فى كثير من الأمور فضلا ظاهرا واضحا ولو عرفتموه لتبينتم ذلك، وعرفتم أن هذا التشريع أفضل لكم من كل ما سواه، وأزيدك أننا لا نريد التشريع الإسلامى فى مصر فقط؛ بل إننا سنبشركم به فى أوروبا، وسنقنعكم بجماله ودقته بالعلم والمنطق، ونحن واثقون من أنكم ستأخذون عنا فى ذلك، ثم أخذ الشيخ يفصل للرجل أمثلة تفصيلية فى هذا المعنى؛ حتى أقنعه.
فكان أن قال يا حضرة الشيخ: نحن ما كنا نعلم هذا عن التشريع الإسلامى، والحق أننى أتحدث إليك والأجانب فى مصر الذين عرفوا أمر هذه الحركة مذعورون منها، ولكنى أعتقد أنهم لو عرفوا هذا الذي تقول، وأدركوا هذه الدقة والفائدة فى تشريع الإسلام؛ لسبقوا المصريين إلى المطالبة به. ليس الأجانب فى مصر أحجارا لا تعقل، ولكنهم ناس لهم عقول وإدراك. فنحن إذا صحت عزيمتنا على الأخذ بتشريعنا الإسلامى، واقتناعهم بفوائده وروعته كما فعل هذا الشيخ مع الخواجة، لاستطعنا أن نضمن منهم موافقة على ما نريد.
وهبهم لم يوافقوا فهل نعيش -معشر المصريين- فى مصر للأجانب؟ لم لا نريح ضمائرنا وننفى الحرج عن أنفسنا، ونريح الحكومة هذا الشعب المعذب الذي يجد نفسه أمام تشريع مقدس سماوى يحبه وفيه علاجه وطبه، ثم هو محروم منه وبين تشريع وضعى فشل كل الفشل فى محاربة الجريمة، ثم هو يجبر على قبول أحكامه. أم تريد الحكومة المصرية أن نقول لها: اعتبرى المسلمين فى هذا البلد أجانب، وراعى شعورهم، ودينهم، وعقائدهم واشرعى لهم من دينهم، وكتابهم قانونا يتحاكمون به.
إننا نأمل كما قال ذلك الشيخ ألا يقتصر الأخذ بتعاليم الإسلام على مصر وحدها؛ بل سيعم بقية بلدان العالم الإسلامى تبعا لها؛ بل سنبشر به أوروبا ننقل تعاليمه إليها فنسعدها بما فيه من روحانية وجمال. إن هذا الموقف الذي نقفه من تشريعنا لم يعد له مبرر بحال، وأولى بالحكومة أن تخطو خطوات أوسع فى تحقيق هذه الآمال وإن ضم عضو أزهرى إلى لجنة تعديل القوانين جميل حقا ولكن أجمل منه ألا يقتصر الأمر على عضو واحد وأن نوصى اللجنة كلها وصية مشددة بالتوسع فى الاقتباس، وأن يكون ذلك كله وسيلة إلى ما بعده من التطبيق الكامل. (46)

وكتب يقول:

توضع القوانين وتنشأ المحاكم وينصب القضاة لصون الحقوق فى الدماء والأموال والأعراض، وهى ما يحرص عليه الناس فى هذه الحياة ولتفصل بينهم فى كل خلاف يقع حول هذه الأمور الثلاثة التي تواضع المجتمع عليها من لدن وجد إلى الآن. على أن الاعتداء عليها تنكر وجريمة يجب أن تقاوم، وجاء الإسلام يؤكد هذا المعنى فيقول رسول الله "كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وعرضه، وماله".
فهل خَلا القرآن من أصول القواعد التشريعية التي تصون على الناس دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وتكشف لهم على طريقة الفصل فيما يقع بينهم حولها من خلاف؟ وهل خلت أيدى المسلمين وعقولهم وجماعتهم من الثروة الفقهية والتشريعية التي تفصل لهم فى وجوه الخلاف، وحرموا أئمة التشريع وأساتذة الحقوق والقوانين؟ وهل أقفرت حياتهم الاجتماعية فى أعصارهم التاريخية ودولهم الماضية من القضاء العادل والحكم المنظم والمحكمة التي كانت مصدر عدالة ومشرق نور وإنصاف وهداية؟ والجواب على ذلك من كتاب الله ومن ميراث هذه الأمة الضخم ومن تاريخها المجيد لا لبس فيه ولا غموض.
فقد وضع القرآن الكريم أصول قواعد المحافظة على الدماء والفصل فيها بآيات القصاص فى القتل والجراحات، ووضع أصول قواعد المحافظة على الأموال والفصل فيها بتحريم الربا، وفرض الزكاة وعقوبة السرقة وآداب التعامل ووضع أصول قواعد المحافظة على الأعراض؛ لسد أبواب الفتنة وذرائعها، وعقوبة القذف وحد الزنا وتقديس الزواج، وحاط ذلك بسياج من عقوبة المعتدين فى الأرض، وأشرك فى الزجر عامل الضمير وعقيدة الجزاء فى اليوم الآخر، فلم يدع زيادة لمستزيد وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه.
وبين أيدى الدارسين والباحثين ثروة فقهية تشريعية ضخمة فخمة هى بقية مما ترك أولئك الأئمة الأعلام من رجالات الفقه الإسلامى الذين كانوا غرة فى جبين الدنيا، ونجوما زاهرة فى سماء العلم والمعرفة أمثال: أبى حنيفة النعمان، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس الشافعى، وأحمد بن حنبل الشيبانى، والليث بن سعد المصرى، وداود الظاهرى وغيرهم من المئات بل الآلاف، كانوا آية الله فى الفطنة والذكاء وجودة البحث وصحة النظر ودقة الحكم وصدق الفراسة حتى ضربت بهم فى ذلك كل الأمثال.
وتاريخ الدول الإسلامية العظيمة حافل بالعدول من القضاة المحدثين ما كانوا يخشون فى الحق لومة لائم، وكان أحدهم يقضى على نفسه وعلى أقرب الناس إليه وعلى الأمير فى إمارته والملك فى عز سطوته لا تمنعه عظمة العظيم من أن يأخذ الحق منه لأصغر صغير. وهذه الحقائق ثابتة واضحة لا يجادل فيهن إلا الكفور، فلماذا نعدل عنها ونرضى أن نكون عالة على غيرنا فى التقنين والتشريع وأصول التحاكم والقضاء؟ فاصلنا الله على هذا، ولن نكون مؤمنين إلا إذا رجعنا فى ذلك كله إلى حكم الله، وهل بعد هذه المصارحة من بيان ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِى أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ "النساء: 65".

سيحاول بعض المتحذلقين أن يقول:

إننا لسنا مختارين فى هذا فقد غزتنا الحضارة الأوروبية بأوضاعها الاجتماعية فنقلنا عنها هذه القوانين، ولا نملك الآن أن نعدل عنها، وقد أصبحنا مقيدين باتفاقات دولية ومعاهدات سياسية وقانونية. وماذا نصنع بغير المسلمين الذين يخالفوننا فى الدين وبالأجانب الذي ينزلون ديارنا ولا يشتركون معنا فى الجنسية؟ وكيف نطبق اليوم شريعة ألف عام أو يزيد بعد أن تطورت قواعد التشريع وأساليبه هذا التطور العجيب مع ما فى هذه الأحكام من قسوة وجحود؟
سيحاول بعض المتحذلقين أن يقول هذا وسنرد عليه فى الكلمة الآتية بما يكفيه ويشفيه إن شاء الله ولكن قبل هذه الردود نريد أن نقف نحن وإياه أمام حقيقة الإيمان وجها لوجه فنقول له ولأمثاله نحن يا هذا نخاطب المؤمنين بهذا القرآن الكريم أولا فإن كنت منهم فهذا هو صريح القرآن الكريم لا تملك أنت ولا غيرك حولا عنه ولا بديلا منه، فاختر لنفسك، وخذ أو دع ولا ثالثة لها ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ "الأحزاب: 36" صدق الله العظيم. (47)

لقد شكك البعض في الشريعة الإسلامية وأنها صالحة لهذا الزمان فكتب حسن البنا يوضح لهم أهميتها وحيويتها في كل زمان ومكان فقال:

إن العرف العصرى والاتفاقات الدولية تحول بيننا وبين الرجوع إلى ما جاء فى القرآن من أحكام، وهذا القول منقوض بقرارات المجامع الدولية نفسها، ففى لاهاى وفى واشنطن ارتفع صوت المجتمعين بتزكية الشريعة الإسلامية، واعتبارها مصدرا مستقلا من مصادر التشريع صالحا للتطور والبقاء. وما مثلت مصر فى محكمة العدل الدولية بعضو قانونى، هو سعادة عبد الحميد بك بدوى، إلا بهذا الاعتبار.
وهو أنها تستمد من شريعة مستقلة هى الشريعة الإسلامية، ولو قيل أنها تستمد تقنينها من إحدى الشرائع الأوروبية لأغنى عن تمثيلها العضو الذي يمثل الدولة ذات التشريع الأهلى، على أن العرف الدولى الآن قد تغير تغييرا كبيرا، وصار من المسلم به أن من حق كل شعب أن يفكر فى تنظيمه الداخلى كما يشاء، وتعديل الاتفاقيات والمعاهدات جائز فى كل الظروف والأوقات، فلو أردنا نحن إرادة صادقة لما وقف فى وجهنا أحد، ولكنا نحن الذين لا نريد، ونقيم فى وجه أنفسنا العقبات الثقال ونتوهمها توهما لا حقيقة له.
ويقولون أيضا: وماذا تفعلون مع غير المسلمين من المواطنين؟ والجواب حاضر سهل ميسور مقنع وهو أننا لا نقدم لهم هذه الأحكام على أنها دين يؤمنون به أو عقيدة جديدة تخالف ما يعتقدون، ولكنا نقدمه على أنه قانون اجتماعى تحارب به الجريمة التي حرمتها كل الأديان، ويحقق ما جاءت به التوراة والإنجيل والكتب السماوية جميعا، ولا يصطدم مع نص من نصوصها، ولا يتعرض للمؤمنين بها فى عقيدة ولا عبادة ولا عمل من الأعمال، فهل يكره أحد الإصلاح الاجتماعى الذي يحقق فعلا ما يريده دينه، وما نص عليه كتابه لمجرد أنه ورد فى القرآن أو أوحى به الإسلام، ومن يكون المتعصب إذن فى هذه الحال؟.
أما الأجانب فنريد أن نسأل من يرون فى تطبيق هذه الأحكام صعوبة بالنسبة لهم، ماذا يطبق علينا الأجانب فى بلادهم من قوانين؟!.. فإن قالوا: يطبقون قوانينهم، قلنا: فلماذا لا نطبق عليهم نحن قوانيننا؟.. ولماذا لا نضع أنفسنا معهم على قدم المساواة، وما الذي يدعونا إلى أن نستشعر أننا أقل منهم وأضعف؟.. وإن قالوا: يطبقون قوانيننا، قلنا: فلنطبق عليهم قوانينهم، ويكون ذلك امتياز بامتياز، على أن الأمر الواقع أنهم يطبقون علينا قوانينهم ولا يعترضون إن طبقنا نحن عليهم قوانين البلاد، ولا يحتاج الأمر منا إلا أن نؤمن بتشريعنا أو أنفسنا.
ويقال: كيف نطبق شريعة مضى عليها ألف عام أو تزيد؟.. والجواب على هذا أن هذه الشريعة نفسها قد احتاطت لهذه الأغراض فلم تورط نفسها فى جزئيات الأمور، ولم تتحكم فيما يتجدد بتجدد الحوادث والأعصار، وجاءت على نسق جعلها أعظم الشرائع مرونة، وقبولا للتطور مع الأزمان، والصلاحية للحكم فى كل عصر ومكان
حتى أثر عن أئمتها الأجلاء قول بعضهم: "تحدث للناس أقضيتهم بقدر ما أحدثوا من الفجور، وما نص عليه فيها من عقوبات لا تتجاوز عدد أصابع اليد لجرائم أساسية وجدت مع الغريزة الإنسانية، ولا يمكن كبحها إلا بهذا الأسلوب من التشريع الحازم الجرىء، ومن قرأ كتب الفقه الإسلامية علم وصدق ما نقول وأدرك جلال ما فيه من مرونة ودقة وانفساح واتساع، وقابلية لكل الظروف والأحوال.
أما تهمة القسوة والشدة فى الحدود التي جعلت بعض الذين لا يعلمون يتطاول إلى وصفها بالوحشية والرجعية والهمجية إلى غير هذه الأوصاف فأمر مقصود لحكمة سابقة، ونظرة عالية يكشف اليوم عن جلالها وجمالها ودقتها وروعتها ما ذهب إليه المشرعون العصريون من أن العقاب علاج لا مجرد جزاء، وأنه يجب أن يساير طابع النفوس وغرائزها، ويصدر عن علم بخفاياها ودقائقها، والحدود الإسلامية مبنية على ذلك فى صورتها
فهى تبدو فى شكل من القسوة يرهب ويخيف حقا، ولكن لعدد محدود من الجرائم يتصل بالغرائز الإنسانية التي لابد لردعها وعلاجها من هذه الصورة من الدواء، حتى إذا وصل الأمر إلى يد القاضى، فهناك طرق الإثبات، وهناك ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم، ولن تجد بعد ذلك تشريعا أرفق وأرحم، ولا أدق وأكرم من تشريع الإسلام وخذ مثلا لذلك: حد الزنا، وهو أقسى الحدود فى نظر الناس فهو جلد على ملأ من الناس أو رجم بالحجارة إلى الموت كيف يثبت؟
لا يمكن إلا بالشهادة بصورتها المعروفة، ولن تتوفر، أو بالإقرار ولا عذر لمن أقر، حتى إذا عرضت للقاضى أضيق ثغرة أو وقعت فى نفسه أدنى شبهة عدل عن الحد إلى ما دونه، وهو التعزير والتأديب بما يناسب من العقوبات، وبذلك تجمع هذه الحدود بين الصورة الرادعة والرحمة الوادعة ولن يستقيم ذلك بعد تشريع العليم الخبير، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون.
فيأيها الذين يريدون الاستناد إلى الأوهام حسبكم، وعودوا إلى أحكام الله، ففيها الدواء والشفاء والحد من حدود الله يقام فى أرض خير لأهلها من أن يمطروا أربعين صباحا، والتبعة الأولى على الحكام. وهى من بعدهم على العلماء والكتاب. وهى أخيرا على الأئمة والهيئات والأحزاب.وليس بعد النصيحة أو البيان إلا المفاصلة والجهاد، ﴿فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ "التوبة: 105".
تعليق: كتب إلينا كثير من الإخوان بتأييدهم لما جاء فى هذه الكلمات استعدادا لمعركة المصحف، وقد لاحظوا فى كتبهم أن هذا الموضوع الحيوى الجليل سيذهب صداه ويضيع أثره إذا تابعناه فى الوقت الداوى بصيحات الجهاد الصاخب بأصوات المدافع وأزيز الطائرات، واقترحوا أن نرجئ أمر هذه المعركة حتى ننتهى من معركة الجهاد القائم فى فلسطين، وتركيزًا للجهود فى ناحية واحدة يهمنا جميعا أن ننتصر فيها أعظم انتصار، وترقبا لأنسب الأوقات
وهو كلام جميل وشعور طيب مشكور، وبما أن هذا التوجيه الذي نسير عليه الآن إنفاذ لقرار من قرارات الهيئة التأسيسية للإخوان، فإنى أعد هؤلاء الإخوان الكاتبين بأننى سأعرض مقترحاتهم هذه التي أقدرها حق قدرها على الهيئة فى اجتماعها غدا إن شاء الله، وأرجو أن يكون رأيها عند رأيهم، فننصرف جميعا إلى معركة الحرية، حتى ننتصر فيها عن قريب بإذن الله، فنعلن معركة المصحف من جديد والله المستعان. (48)

وكتب الشيخ هاشم أحمد حمادة المدرس بمعهد أسيوط قصيدة وجاء فيها

سنوا القوانين أحكامًا ملفقة

هل كان ذلك تشريعًا وتقنينا

فليترك القوم قانونًا بوضعهم

فلا نقر سوى القرآن قانونا. (49)

ويحيي الشاعر إبراهيم مأمون بعض نواب البرلمان الذين دافعوا عن العقيدة الإسلامية فيقول في قصيدة بعنوان: "عصا الإسلام تلقف إفكهم" (50)

هتفوا فأصغى الدين في محرابه

وبدا النبي يدل في أصحابه

وسرى الصدى في الغرب فارتقب الردى

وكأن جيش المسلمين ببابه

ويذكر أحد هؤلاء النواب باسمه محييًا إياه فيقول:

عبد الحميد وقفت وقفة ماجد

ولأنت يوم الروع خير مجابه

لما دعاك القول كنت كفاءة

وقرعت منبره بآي كتابه

وبرزت كالأسد الغضنفر واثبًا

وبظفره –الموت الردي– وبنابه

فلقد حضر الإمام البنا جلسة البرلمان الخاصة بمناقشة الاستجواب الخاص بالدكتور طه حسين مراقب الثقافة في وزارة المعارف. (51)

شبهات على طريق البرلمان

لقد حاول المغرضون إلصاق التهم بالإخوان حينما سلكوا طريق الاشتراك في الانتخابات النيابية فحاولوا تعطيل منهجهم وتشويه مشيرتهم فعمدوا إلى اتهامهم بالعمل على قلب نظام الحكم وللأسف أصبحت تهمة توجه لكل من يعمل لأجل الوطن بصدق فما تجد الحكومات العميلة من سبيل إلا لصق هذه التهم لهم.

ولقد رد حسن البنا على هذه الاتهامات قبل استشهاده ليوضح للجميع حقيقة هذه الدعوة ومنهجها السلمي وسلوك الطرق المشروعة في النهوض بالوطن، فيقول: وهذه فى الواقع أعجب الاتهامات، ولا ندرى أى نظام حكم يعنى هؤلاء المتهمين، إن نظام الحكم فى مصر إما ديني وهو الإسلام الذي ينص الدستور على أنه دين الدولة الرسمي وإما مدني وهو النظام الديمقراطي الذي يقوم على إرادة الشعب واحترام حريته

والذي فصله الدستور تفصيلا فهل الإخوان المسلمون يعملون على قلب أحد هذين النظامين؟ اللهم لا! وألف مرة: لا! فإن أساس دعوة الإخوان هو الإسلام، ولا وسيلة لهذه الدعوة ولا حماية لها إلا بالدستور الذي يكفل الحريات، فكيف يوجه إلى الإخوان مثل هذا الاتهام؟ والحق أن الذي قلب نظام الحكم فعلا هو هذه الحكومات التي أهملت أحكام الإسلام وعطلت روح الدستور.

هذه المنكرات الفاشية، وهذه الدور المشيدة للهو واللعب والخمر والميسر والرقص والعبث والفساد، وهذه الفرائض المهدرة التي لا يؤديها الكبار ليكونوا قدوة لغيرهم من الناس، وهذه الأحكام المويقول الذين يرون أن نحجم عن التقدم إلى الانتخابات بتاتًا أو هذه الدورة على الأقلستمدة من غير كتاب أحكم الحاكمين كل ذلك هدم للإسلام، وقلب لنظام المجتمع الذي يؤمن بالإسلام، وهذه المظالم الواقعة على الأفراد والجماعات وإهدار الحقوق وكبت الحريات ومنع المجالس والبرلمانات

وتزييف إرادة الشعب فى الانتخابات قلب لنظام الحكم المدنى الذي يقوم على الدستور، وليس المسئول عن ذلك الإخوان المسلمين ولكن الحاكمين المسيطرين، وإنما يريد الإخوان صلاح الحال واستقامة الأوضاع الدينية والدنيوية فى هذا البلد الأمين بوسيلة معروفة مشروعة هى الدعوة والاجتماع والتربية وحسن التوجيه، وذلك حق لكل مواطن لا يحول بينه إلا كل ظالم معتد جبار، والله من ورائهم محيط. (52)

كما اتهموهم أيضا بأنهم رجعيون وأن منهجهم وما ينادون به لا يواكب العصر والزمن المعاصر ولا يصلح لقيادة الأمم وأنه عفى عليه الزمن، واذا دخلوا البرلمان سيعمدون إلى إصدار القوانين المتخلفة التي تعود بالأمة لآلاف السنين، وتظل هذه التهم تلاحق كل من يعمل على رفعة الوطن من خلال المنهج الإسلامي، ولهذا رد حسن البنا بقوله:

ويقول الذين لا يعلمون أيضًا:

إن أخوف ما يخافه الأجانب وغير الأجانب من هذه الفكرة مناداتها بالتشريع الإسلامى والعودة إليه، وأن هذه الدعوة رجعية تعود بنا إلى الوراء ألف عام، وتقودنا إلى همجية القطيع، ووحشية الرجم، وقسوة الحدود.

والذين يقولون هذا القول -أيها السادة- يظلمون التشريع الإسلامى أعنف الظلم، وكأنهم لا يفقهون منه إلا قطع يد السارق ورجم الزانى ولا شىء بعد ذلك، مع أن هؤلاء القائلين المتسرعين فى الحكم لو أنصفوا أنفسهم، وأنصفوا الحقيقة معهم، وتريثوا قليلاً، وبذلوا بعض المجهود فى سبيل المعرفة والوصول إلى الحقائق، لعلموا أمرًا عجيبًا:أن هذا التشريع هو أعظم الشرائع مرونة، وأشدها قبولاً للتطور والتجدد.وأنه سبق جميع القوانين الحديثة بثروة ضخمة من المبادئ القانونية والوقائع، وقرر من ذلك ما يدهش له العارفون والفنيون من أهل التشريع والقضاء.

وأن فيه كثيرًا من الأحكام والصور التي تصون مصالح الأجانب وأموالهم وأعراضهم ودماءهم بأوفى -ألف مرة- مما تصونها لهم التشريعات الوضعية. وأن قضية الحدود فى هذا التشريع أبسط من كل هذه الضجة التي يثيرها دائمًا ذوو الأغراض حولها؛ فإن الشارع الذي قررها وشدد فى إقامتها هو الذي قال للقاضى من جهة أخرى: "ادرءوا الحدود بالشبهات" (رواة البيهقى)، فرجع الأمر إلى أكبر حد -إلى تقدير القاضى لا إلى قوة النص، فضلاً عن الحكم العليا والأسرار البارعة فى هذا التشريع الكريم.

فلا خوف إذن من منادة الإخوان المسلمين بالرجوع إلى الشريعة الإسلامية، وهم يريدون بهذا النداء:

أن تدرس الشريعة الإسلامية دراسة عملية واسعة تكشف عما فيها من كنوز ودرر، وأن تعتبر مصدرًا عالميًّا من مصادر التشريع الإنسانى، وأن تكون المصدر الأول للتقنين فى البلدان الإسلامية، فماذا فى هذا من الضرر بالأجانب، أو الإجحاف بمصالحهم، أو العدوان عليهم؟ وكثير من الأجانب أنفسهم كالمسيو لاهير منك سبق الإخوان إلى هذه الدعوة، وكثير من المجامع والمؤتمرات الدولية قد أقرها وزكاها، فلا موجب بعد هذا لأن تكون الدعوة إلى التشريع الإسلامى مثارًا للشبهات، أو مدعاة لخوف أو قلق، وهى شريعة العدل والرحمة. (53)

كما ذكر الإمام البنا أن النظام الدستورى هو أقرب النظم إلى الإسلام، كما أوضح موقف الإخوان من القانون؛ فهم لا يرفضون أى قانون لا يتصادم مع قواعد وحدود الشريعة، ثم أوضح أن الإخوان يؤمنون بثلاث دوائر هى: الوطنية والقومية العربية والإسلامية، دون تعصب لجنس أو عرق، وأن الإسلام هو الإطار الذي يجمع الكل، كما أن الخلافة هى رمز الوحدة الإسلامية، والإخوان يعملون لعودتها لحماية العالم الإسلامى. (54) وردا على ما قيل حول دخول الإخوان الانتخابات سواء من المشككين أو من بعض الإخوان الذين التبس عليهم الأمر مما دفع البنا أن يكتب ليجلي الحقيقة وتتضح الأمور.

فتحت عنوان لماذا يشترك الإخوان في انتخابات مجلس النواب كتب الأستاذ البنا يجيب على كل التساؤلات، فكتب يقول:

قرر المؤتمر السادس للإخوان المسلمين المنعقد بالقاهرة فى ذى الحجة 1361 أن يشترك الإخوان المسلمون فى الانتخابات النيابية، وأخذ مكتب الإرشاد العام بهذا القرار وقدم بعض الإخوان فى الانتخابات الماضية، وقرر الأخذ بهذا القرار كذلك فى الانتخابات المزمع إجراؤها بعد حل مجلس النواب القائم.
وتساءل بعض الناس: لماذا يشترك الإخوان المسلمون فى الانتخابات؟ والإخوان المسلمون كما عرف الناس -وكما أعلنوا عن أنفسهم مرارًا- جمعية للخدمة العامة، ودعوة إصلاحية تجديدية تقوم على قواعد الإسلام وتعاليمه. فأما أنهم جمعية للخدمة العامة فذلك هو الواضح من ممارستهم فى شعبهم لأنواع هذه الخدمة من: ثقافة وبر وإحسان ورياضة وإصلاح بين الناس، وإقامة للمنشآت ما بين مساجد ومعاهد ومشافٍ وملاجئ فى حدود طاقتهم ومقدرتهم.
وأما أنهم دعوة إصلاحية فذلك أن لب فكرتهم وصميمها أن يعود المجتمع المصرى والمجتمعات الإسلامية كلها إلى تعاليم الإسلام وقواعده التي وضعها فى كل شئون الحياة العملية للناس. ومن البدهى الذي لا يحتاج إلى بيان أن الإسلام ليس دين عقيدة وعبادة فقط، ولكن دين عقيدة وعبادة وعمل تصطبغ به الحياة فى كل مناحيها الرسمية والشعبية.
أولئك هم الإخوان المسلمون، جمعية، ودعوة، والدعوة لب فكرتهم، وثمرة جهادهم، والهدف السامى لكفاحهم الطويل من قبل ومن بعد. وعماد الدعوة لتنجح وتظهر، تبليغ واضح دائم يقرع بها أسماع الناس، ويصل بها إلى قلوبهم وألبابهم، وتلك مرحلة يظن الإخوان المسلمون أنهم وصلوا بها فى المحيط الشعبى إلى حد من النجاح ملموس مشهود.
وبقى عليهم بعد ذلك أن يصلوا بهذه الدعوة الكريمة إلى المحيط الرسمى، وأقرب طريق إليه "منبر البرلمان" ؛ فكان لزامًا على الإخوان أن يزجوا بخطبائهم ودعاتهم إلى هذا المنبر؛ لتعلو من فوقه كلمة دعوتهم، وتصل إلى آذان ممثلى الأمة فى هذا النطاق الرسمى المحدود بعد أن انتشرت فوصلت إلى الأمة نفسها فى نطاقها الشعبى العام؛ ولهذا قرر مكتب الإرشاد العام أن يشترك الإخوان فى انتخابات مجلس النواب.
وإذن فهو موقف طبيعيى لا غبار عليه، فليس منبر البرلمان وقفًا على أصوات دعاة السياسة الحزبية على اختلاف ألوانها، ولكنه منبر الأمة تسمع من فوقه كل فكرة صالحة، ويصدر عنه كل توجيه سليم يعبر عن رغبات الشعب، أو يؤدى إلى توجيهه توجيهًا صالحًا نافعًا.وسيفيد الإخوان من هذه الخطوة فوائد جليلة.سيفيدون على أسوأ الفروض انتهاز هذه الفرصة لنشر الدعوة فى هذا المحيط الذي تعترك فيه الفكر، وتشتجر فيه الآراء، وما كان لدعوة الحق الكريم أن يخفت صوتها فى وقت تعلو فيه كل الأصوات، ويختلط فيه الحابل بالنابل, ولا قيام للباطل إلا فى غفلة الحق.
وسيفيدون -بعد ذلك- أن يفهم الناس أن دعوتهم لا تقف عند حدود الوعظ والخطابة، ولكنها تحاول أن تشق طريقها إلى المنابر والمجتمعات الرسمية، وأن على المؤمنين بهذه الدعوة أن يهيئوا أنفسهم لهذا الميدان، وأن يستعدوا لخوض غماره. وسيفيدون إرشاد الناس إلى هذا المظهر الكريم من مظاهر التنافس الفاضل الشريف فى هذا الميدان.
ستقوم دعاية الإخوان على المبادئ والأهداف، وسيرى الناس أمامهم لونًا فريدًا جديدًا من ألوان الدعاية الانتخابية البريئة المطهرة تستمد من قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ "الحجرات: 11".
هذه فوائد مقطوع بها مهما كانت النتيجة الانتخابية، وسيفيد الإخوان بعد ذلك -إذا قدر لهم النجاح- وهو المأمول إن شاء الله هذه الصفة الرسمية لدعوتهم، وهذا التسجيل الرسمى لنجاحهم فى وصولها إلى آذان الشعب ومداركه. وسيرى كثير من الناس فى هذا النجاح بوادر الأمل القوى فى نهضة جديدة وحياة جديدة، ويأبى الله إلا أن يتم نوره. سيخوض الإخوان هذه المعركة وعمادهم تأييد الله إياهم، ودعايتهم فكرتهم التي اختلطت بصميم نفوسهم وأرواحهم، وعدتهم إيمان أنصارهم بأحقية الفكرة بأن تقود الأمة وتهدى الناس سواء السبيل.
ويتساءل فريق من الناس فيقولون: أليس معنى هذا الاشتراك أن الإخوان سيخرجون من حيزهم الدينى إلى حيز سياسى فيصبحون هيئة سياسية بعد أن كانوا هيئة دينية؟! ونقول لهؤلاء: إن الإسلام لا يعترف بهذا التفريق بين الأوضاع فى حياة الأمة الواحدة؛ فالهيئة الدينية الإسلامية مطالبة بأن تعلن رأى الإسلام فى كل مناحى الحياة، والطريق البرلمانى هو أقرب الطرق، وأفضلها لهذا الإعلان، ولا يخرجها هذا عن صفتها، ولا يلونها بغير لونها. وتقول طائفة ثالثة: أليس هذا التنافس مما يكسب الإخوان أعداء ومنافسين، والدعوة أحوج ما تكون إلى مصادقة الجميع وتأييد الجميع؟
وذلك كلام طيب جميل، ونحن أحرص ما نكون على أن تظفر الدعوة بهذا الموضع من القلوب، وستكون المعركة الانتخابية الإخوانية معركة مثالية فى البعد عن المثالب الشخصية، أو إثارة الأحقاد والحزازات، فإذا فهم الناس هذا المعنى وبادلونا إياه فسندخل أصدقاء ونخرج أصدقاء، وإذا لم يفهموه ولم يقدروه فهم الملومون، وليست الدعوة ولا أصحاب الدعوة بمكلفين بأن يتجنبوا طرائق نجاحها خشية الناس
والله أحق أن نخشاه، وأية دعوة فى الدنيا نريد ألا يكون لها منافسون وخصوم؟ وحسب الدعوة وأصحاب الدعوة شرفًا ألا يخاصموا الناس فى الباطل، بل فى الحق، وأن يحاربوا بأنظف الأسلحة وأنبل الوسائل. ويوجه بعض المتسائلين سؤالاً جميلاً فيقولون: وماذا تصنعون فى اليمين الدستورية إذا نجحتم، وفيها النص على احترام الدستور، وأنتم -معشر الإخوان- تهتفون من كل قلوبكم: القرآن دستورنا؟
والجواب على ذلك واضح مستبين: فالدستور المصرى بروحه وأهدافه العامة من حيث الشورى، وتقرير سلطة الأمة، وكفالة الحريات لا يتناقض مع القرآن، ولا يصطدم بقواعده وتعاليمه، وبخاصة وقد نص فيه على أن دين الدولة الرسمى هو الإسلام، وإذا كان فيه من المواد ما يحتاج إلى تعديل أو نضوج، فقد نص الدستور نفسه على أن ذلك التعديل والنضوج من حق النواب بطريقة قانونية مرسومة، وتكون النيابة البرلمانية حينئذٍ هى الوسيلة المثلى لتحقيق هتاف الإخوان.
وبعد،فقد اختار مكتب الإرشاد العام هذا القرار، واتخذه بعد أن درس الموضوع من كل وجوهه، وهو مع ذلك يرقب سير الأمور عن كثب، وسيرسم الإخوان طريق اشتراكهم فى هذه الانتخابات على ضوء ما يسرى من ظروف وملابسات، وسيكون رائده فى ذلك الحكمة التامة، ومراعاة الظروف العامة والخاصة، وأن يكتسب للدعوة أعظم الفوائد بأقل التضحيات.والأمور بيد الله....وهو حسبنا ونعم الوكيل. (55)
وحينما زاد اللغط وقبل أن تدخل الجماعة في طور المحنة نظر البنا إلى واقع الجماعة بعدما اتسع نطاقها وتشعبها وأصبح لها شأن وأدرك أنها ستدخل في طور المحن حيث كتب يقول: وسيتذرع الغاصبون بكل طرق لمناهضتكم وإطفاء نور دعوتكم، وسيستعينون فى ذلك بالحكومات الضعيفة والأيدى الممتدة إليهم بالسؤال وإليكم بالإساءة والعدوان. وسيثير الجميع حول دعوتكم غبار الشبهات وظلم الاتهامات، وسيحاولون أن يلصقوا بها كل نقيصة، وأن يظهروها للناس فى أبشع صورة، معتمدين على قوتهم وسلطانهم، ومعتدين بأموالهم ونفوذهم: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ "التوبة: 32".
وستدخلون بذلك -ولا شك- فى دور التجربة والامتحان، فتسجنون وتعتقلون، وتنقلون وتشردون، وتصادر مصالحكم، وتعطل أعمالكم، وتفتش بيوتكم، وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ "العنكبوت: 2". ولكن الله وعدكم من بعد ذلك كله نصرة المجاهدين ومثوبة العاملين المحسنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ.......... فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ "الصف: 10-14" فهل أنتم مصرون على أن تكونوا أنصار الله؟. (56)

لكن تطبيقا لمبدأ الشورى التي انتهجته جماعة الإخوان المسلمين في كل شئونها تكلم المجتمعون في الهيئة التأسيسية التي عقدت فى 2 شوال 1367ه الموافق 7 أغسطس 1948م حول خوض الإخوان غمار الانتخابات البرلمانية فكتب البنا رسالة تم عرضها عليهم أجاب فيها حول مشروعية الاشتراك في الانتخابات جاء فيها:

أيها الإخوان الفضلاء أعضاء الهيئة التأسيسية للإخوان المسلمين:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد: فأنتم تعلمون أن الدعوة المقدسة التي عاهدنا الله تبارك وتعالى على أن نحيا لها، ونجاهد فى سبيلها، ونموت عليها تهدف أول ما تهدف إلى أمر واحد هو "تحقيق النظام الاجتماعى الإسلامى فى أرض الإسلام، وإبلاغ رسالته الجامعة للعالمين".

وإن وسيلتكم لذلك هى تصحيح الفكرة، ونشر الدعوة والتربية للفرد والتكوين للجماعة... حتى تقوم "الدولة الإسلامية" التي تتميز بهذا الوصف، وتعرف به، وتحرص عليه وتعمل جاهدة على حراسة أحكام الإسلام وقواعده فى الداخل، وتبليغ رسالته فى الخارج ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِى الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ "الحج: 40-41".

وتعلمون أنكم فى خلال هذا المجهود الشاق الذي تبذلونه ليلاً ونهارا فى إقامة هذا البناء الإسلامى الكريم أخذتم أنفسكم بأن تبذلوا مجهودًا آخر فى تشجيع فعل الخير، وتنظيم سبل البر ومحاولة الإصلاح الاجتماعى وأن الله أجرى على يديكم من ذلك الشىء الكثير من المدارس والمعاهد والمستوصفات والمساجد والإصلاح بين الناس بالمعروف، والحث على معاونة الفقراء، ومساعدة الضعفاء وإشاعة معانى الرحمة فى كثير من النفوس والقلوب. ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ "النساء: 114".

وتعلمون تمام العلم أننا جميعًا حرصنا من أول يوم على قدسية الدعوة وطهر الجماعة وسمو الغاية واستقامة الطريق فلم نسمح لجماعتنا فى يوم من الأيام أن تكون أداة لحزب أو هيئة أو مطية لحكومة أو دولة أو وسيلة إلى مغنم مادى أو كسب سياسى ولهذا كان من القواعد الأساسية التي قام عليها بناء الجماعة ألا يخترق صفوفها أو يسجل فى أعضائها عظيم أو وجيه من الذين عرفوا بميولهم السياسية الخاصة أو نزعتهم الحزبية الحادة، مما جنبنا كثيرًا من المزالق والعثرات فى أول الطريق الشائك الذي أخذ أبناء هذه الدعوة على كاهلهم أن يتخطوا بمعونة الله عقباته، وأن يصلوا بفضله وتوفيقه إلى أبعد غاياته ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ "آل عمران: 126"

وما كان يدور بخلد واحد من أبناء الدعوة صغيرهم وكبيرهم أو يخطر ببال مؤمن بها فى أية شعبة من الشعب -ولن يكون هذا أبدًا بإذن الله- أن تسخر الدعوة المقدسة للوصول إلى حكم أو الحصول على غنم، أو مناورة حزب لحساب حزب، أو مناصرة فرد للنيل من فرد، أو لترجيح كفة هيئة على هيئة، أو لتدعيم مركز حكومة أو إلقاء الوقود فى تنور الفرقة والخصومة، فإن ذلك أبعد ما يكون عن تفكير أبناء هذه الدعوة الذين عاهدوا على الإيمان والجهاد ابتغاء وجهه وطلبًا لمرضاته وإيثارًا لما عنده ﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ "الأحزاب: 23".

ولولا ما علم الله تبارك وتعالى فى أنفسهم من صدق، واطلع عليه سبحانه فى نياتهم من خير وحق لما ظهرت لهم كلمة، ولما صادفوا كل هذا النجاح فى وقت غلبت فيه المادية على كل شىء، وظهر فيه الفساد فى البر والبحر بما كسبت أيدى الناس، ولكن هذه المعجزة الباقية الخالدة لرسول الله ولأصحابه والمؤمنين برسالته حتى يرث الله الأرض ومن عليها ﴿فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ "الفتح: 18".

ولقد ظلت هذه القاعدة الأساسية للدعوة والدعاة مطبقة مرعية حتى أعلنت الحرب العالمية الثانية فى سبتمبر 1939، وأعلنت فى مصر الأحكام العرفية، وتعاقبت الوزارات وجاءت وزارة حسين سرى باشا واشتد ضغط الإنجليز على الحكومة المصرية، لتقضى على نشاط الإخوان المسلمين، وتحل جماعتهم وتحارب دعوتهم وذلك بعد أن يئسوا من أن يكسبوا هذه الجماعة إلى صفهم بالوعد والوعيد، والإغراء والتهديد، مما تعلمون الكثير منه وليس هذا موضع الإفاضة فيه وسأوفيه حقه من الشرح والبيان فى مذكرات الدعوة والداعية -إن شاء الله

والمهم أن ضغط الإنجليز على الحكومة المصرية فى وزارة سرى باشا كان من نتائجه أن تعطلت اجتماعات الإخوان، وتوقفت نشاطهم، وروقبت دورهم، وغلقت صحفهم ومجلاتهم، ومنعت الجرائد جميعًا من أن تذكر اسمهم فى أية مناسبة، أو تشير إليهم بكلمة، وأغلقت مطبعتهم، وأذكر أن رقيب المطبوعات المستر فيرنس منع طبع رسالة المأثورات منعًا باتًا فلجأنا إلى أحد المسئولين إليه الأمر، وقلنا: هذه آيات وأحاديث يقرأها الناس فى القرآن الكريم صباحًا ومساء، ويطالعونها فى كتب السنة متى شاءوا وكيفما أرادوا، فكيف تجيزون لأنفسكم هذا المنع وبم تبررونه؟

وانتهى الموقف بعد أخذ ورد، بأن سمح بالطبع، ولكن بشرط أن تمحى جملة "من رسائل الإخوان المسلمين" من العنوان الجانبى للرسالة، وإلا فهى ممنوعة فاضطررنا أمام هذا التحكم إلى سترها بأن طبعنا فوقها حلية جميلة تشف عما وراءها من هذا التصرف العجيب، وضاعف الإنجليز ضغطهم، وضاعفت الحكومة شدتها، فكان أول نزيل لمعتقل الزيتون الأستاذ عابدين السكرتير العام حتى قضى فيه ستة أشهر أو تزيد، وذلك المرشد والوكيل بعد نقل وتشريد ووعيد وتهديد، ومن الإنصاف أن نقول: إن فضل هذا الضغط كان على الدعوة عظيمًا ورب ضارة نافعة، والذهب الإبريز يصفو على السبك

وكم من منحة فى طى محنة، وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم، وكانت الملاحظة الواضحة الجلية أن المنفذ الوحيد للرأى، وأن المنبر الذي كانت تعلن فيه شكاية أهل الحق فى ذلك الوقت منبر مجلس النواب الذي كانت الصحف لا تجرؤ حينذاك على التوقف عن نشر مضابطه، فكان ما ينشر من مناقشات المجلس هو البصيص الوحيد من النور الذي ينير الظلام أمام المكبوتين المضطهدين.

وهذا هو الذي حذا بالمؤتمر السادس للإخوان -المنعقد فى يناير 1941- أن يصدر قرارًا خلاصته

"الأذن لمكتب الإرشاد العام للإخوان المسلمين بالتقدم بالأكفاء من الإخوان إلى الهيئات النيابية المختلفة، ليرفعوا صوت الدعوة، وليعلنوا كلمة الجماعة فيما بهم الدين والوطن" وكان هذا أول توجه من الإخوان المسلمين إلى اقتحام ميدان الانتخابات. وانتهى عهد وزارة سرى باشا وحل مجلس النواب، وجاءت وزارة النحاس باشا فى فبراير 1942 وباشرت إجراء الانتخابات لمجلس النواب الجديد.
ورأى الإخوان أن الفرصة سمحة لتطبيق قرارهم الماضى، ولكنهم مع ذلك كانوا حريصين أشد الحرص على ما أخذوا به أنفسهم من سنة التدرج فلم يتقدم منهم إلا المرشد العام، وفى دائرة الإسماعيلية بالذات التي كانت بصفة أعظم تهيئة لتلقى هذا الترشيح ومناصرته بكل سبيل، وحدد مكتب الإرشاد العام فى نشرته بتاريخ المحرم سنة 61 مارس سنة 1942 موقف الإخوان فى هذه الانتخابات تحديدًا واضحًا دقيقًا، هذا نصه "ويتساءل البعض عن موقف الإخوان فى هذه الانتخابات والجواب على هذا أن الإخوان لابد أن يكون لهم موقف إيجابى إنقاذًا لقرار المؤتمر السادس

وقد قرر المكتب ذلك وقسم المرشحين إلى ثلاثة أنواع:

  1. من سيتقدمون على مبادئ الإخوان سافرة، وهؤلاء سيساعدهم المكتب بكل قواه ويجب على كل أخ أن يساعدهم كذلك ما استطاع، والمعروف من هؤلاء الآن المرشد العام عن دائرة الإسماعيلية، والأستاذ محمد عبد الرحمن نصير عن دائرة بنها.
  2. من قدموا للإخوان خدمة سابقة، واتصلوا بالإخوان من قبل ثقة وثيقة وبدا منهم حسن الاستعداد للفكرة الإسلامية، وهؤلاء سيناصرهم المكتب والإخوان أيًا كانت ألوانهم السياسية على أن تكون المناصرة بحكمة ولباقة، وهؤلاء لا يعرفون إلا بعد ظهور الترشيحات، وحينئذ سيرسم المكتب لكل دائرة طريق مناصرتها لمرشحها هذا.
  3. بقية النواب الذين لم تسبق للإخوان صلة بهم، وهؤلاء يناصر الإخوان منهم القوى المتدين الذي لا يجاهر بالعصيان، ويأخذون عليه العهد والموثق فى وضوح وصراحة أن يكون إلى جانب الفكرة الإسلامية، وأن يخدمها فى البرلمان، وسيكتب المكتب كذلك لكل دائرة عند ظهور الترشيحات بتوجيهاته المفصلة فى هذه الناحية.

وقد انتهى هذا الدور الانتخابى بما تعلمون من تنازلى عن الترشيح بناء على محاولات رئيس الحكومة رفعة النحاس باشا الذي صرح بأنه أمام تبليغ من الإنجليز فإما التنازل وإما إعلان الحرب على الإخوان المسلمين بكل وسيلة فى الوقت الذي كنا نحن أحرص ما نكون على ألا نصطدم بقوة مصرية لتستفيد من هذا الاصطدام الدسائس الإنجليزية

وكنا نعمل جاهدين على ادخار هذه القوى جميعًا، وعدم تعريضها للضياع والتفريق إبان الحرب؛ لتعمل متكاتفة حين تنتهى، ويجىء الوقت المناسب فى سبيل الوطن والأمة والإسلام وبهذا التنازل تفادينا هذا الاصطدام فعلاً، وتمكنا من السير بالدعوة فى طريقها المرسوم رغم ما تجدد بعد ذلك من عقبات وتفصيل ذلك معلوم لديكم، وسنزيده إيضاحًا فى المذكرات إن شاء الله.

وأقيلت وزارة النحاس باشا فى أكتوبر 1944، وجاءت وزارة أحمد باشا ماهر رحمه الله، وحل مجلس النواب باشرت الحكومة إجراءات الانتخابات من جديد، ودارت الساقية المعروفة دورتها المألوفة وامتنع الوفد عن دخول الانتخابات كما امتنعت الأحزاب من قبل، وكان الإخوان أمام قرار المؤتمر السادس من جهة وأمام التزامهم لأهل دائرة الإسماعيلية من جهة أخرى، وأمام ما يأملون ويعلمون بالتجربة من أن البرلمان هو الرئة الوحيدة للتنفس، واستنشاق بعض نسمات الحرية فى ظل الأحكام العرفية الخانقة يرون أنه لا بد لهم من التقدم إلى الترشيح من جديد

ومع هذا فلم يقدموا على هذه الخطوة إلا بكل حكمة ورزانة وتعقل، وإلا بعد أن كاشفوا رجال الحكومة القائمة بأنهم لا يقصدون بذلك إحراجها ولا مناوأتها، وإنما يريدون أن يزاولوا حقًا مكفولاً لكل مواطن بطريقه المشروع ومع هذا الاحتياط فقد اجتمع مكتب الإرشاد العام وأصدر قرارًا واضحًا وأعلنه على رءوس الأشهاد

وفى الصحف والجرائد السيارة

"بأن هيئة الإخوان لا ترشح أحدًا من أعضائها بصفته الإخوانية وأن من يرون أن يتقدموا إلى الترشيح فإنهم يتقدمون بصفته الشخصية كمستقلين، ولهذا فإنه محظور أن تستخدم دور الإخوان لدعاية انتخابية، أو أن يظهر خطباؤهم ورؤساءهم والبارزون منهم فى الحفلات التي تقام لهذا الغرض إلا بصفتهم الشخصية كذلك".

وقد رجا المكتب بعد ذلك عددًا كثيرًا من الإخوان أن يعدلوا عن الترشيح والتقدم حتى أصبح عدد المتقدمين من الإخوان لا يزيد على بضعة أفراد: المرشد العام فى الإسماعيلية والأستاذ محمد نصير فى بنها والأستاذ أحمد السكري فى الفاروقية والأستاذ عبد الفتاح البساطى فى الفيوم والأستاذ عبد الحكيم عابدين فى مطر طارس والأستاذ محمد حامد أبو النصر فى منفلوط أما محمد أفندى حمودة الذي رشح فى دائرة السويس فقد نهى عن ذلك نهيًا صريحًا فلم يصغ إليه وأبى إلا أن يتقدم لثقته بأصدقائه وإخوانه ومحبيه فى هذه الدائرة التي كان له فيها جهاد مشكور، ولأسباب خاصة حالت الظروف دون التقدم للانتخابات.

وفى هذه الأثناء انتهت فترة من فترات التجديد النصفى لمجلس الشيوخ فلم يشأ الإخوان أن يتقدموا لأنهم يمتازون بحمد الله بميزتين تحول بينهم وبين دخول هذا الباب "الفقر والشباب" ولعل ذلك هو الخير كل الخير للدعوة والداعين ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ "الأحزاب: 36"، ﴿لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ "الحديد: 23".

لقد أقدمنا على هذا الميدان مخلصين كل الإخلاص برآء كل البراءة مدفوعين إليه بحب الخير، والحرص على المصلحة، والغيرة على الدعوة المقدسة، والرغبة فى اختصار الوقت، وإعلان رسالة الإصلاح الإسلامى من فوق هذا المنبر الرسمى، وما كان يدور بخلدنا، أو يخطر ببالنا أن يتصور فرد واحد ما تقوله الناس بعد ذلك من أن هذا انحراف عن الخطة الوطنية المجردة إلى الحزبية السياسية البغيضة

وأنه استغلال للدعوة البريئة أريد به الوصول إلى الجاه الدنيوى والكرسى الحكومى، وأن الإخوان بعد أن كانوا دعاة دين قد أصبحوا محترفى سياسة وأنهم بذلك ينافسون الأحزاب القائمة ويناوئونها ويخاصمونها، ويعلنون عليها حربًا لا هوادة فيها، فعليها أن تعلن عليهم الحرب من كل مكان، وأن تتغدى بهم قبل أن يتعشوا بها، هذه التي ما كانت تخطر لنا ببال والتي ينقضها من أساسها مسلك الإخوان فى دورتين من دورات الانتخابات

فإن الذي يتابع ما ذكرنا من خطوات سابقة يخرج ولا شك بالنتائج الآتية:

  1. أننا لم نكن نطلب من وراء هذا الترشيح حكمًا ولا مغنمًا بدليل أننا لم نقدم فى المرة الأولى إلا اثنين وفى المرة الثانية إلا ستة.
  2. وأننا لم نقصد بذلك مناوأة أحد أو خصومته بدليل أننا تنازلنا فى المرة الأولى، وتفاهمنا فى المرة الثانية، وأعلنا فى كلا المرتين أننا نشجع أهل الخير والصلاح مهما كانت ألوانهم الحزبية.
  3. أننا لم ننحرف بذلك عن نهج الدعوة القويم، وصراطها المستقيم فقد أعلنا فى وضوح، وخصوصًا فى المرة الثانية أن المرشحين إنما يتقدمون بصفتهم الشخصية لا بصفتهم الإخوانية، وأن من واجب الإخوان أن يناصروا من المرشحين من يأملون فيهم العمل لصالح الفكرة الإسلامية هذا فضلاً عن أن نجاح الإخوان فى البرلمان من خير ما يساعد على ظهور الدعوة وقوتها ونجاحها، وهو حق مكفول لكل مواطن ومن الظلم أن يحرم منه شخص بسبب انتسابه إلى الدعوة أو جهاده فى سبيل الفكرة.

ولكن هكذا كان وانطلقت الألسنة بقالة السوء تكيل الاتهام وتلغ فى الظلام، ووقفنا نحن أمام هذه الحملات الظالمة مستغربين مندهشين آسفين، نقول كما قال سيدنا وهادينا وإمامنا من قبل: "اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون" ، ونتمثل قول الله الحق المبين: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ * إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ "القصص: 55-56".

ويقول بعض الخلصاء الذين لا يتهمون فى رأى ولا نصيحة: إنكم تعجلتم الأمر قبل الأوان، وكان عليكم أن تنتظروا فترة طويلة حتى يتم النضج الشعبى، ويكتمل الوعى القومى، وحينئذ تكونون المطلوبين لا الطالبين والمدعوين لا الداعين، وسواء أكان هذا القول صحيحًا كل الصحة أم مبالغًا فيه بعض المبالغة، فحسبنا أننا ما قصدنا إلا الخير، وما أردنا إلا النفع وما تحرينا إلا ما اعتقدنا أنه الحق، وعلم ما بعد ذلك عند الله العليم الخبير، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ولكل مجتهد نصيب إن أصاب فأجران، وإن أخطأ فأجر واحد، وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم.

والآن وقد قاربت دورة مجلس النواب الحالى الانتهاء ولم يبق إلا عام واحد على الانتخابات الجديدة، ما لم يطرأ ما ليس فى الحسبان، يتساءل الناس عن موقف الإخوان من الانتخابات القادمة هل يقدمون أم يحجمون؟ ولكل من الرأيين مرجحاته ومبرراته وحسناته وسيئاته، وإليكم بعض ما يقال من ذلك، والخير يقدمه الله ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ "القصص: 68".

يقول الذين يرون التقدم والإقدام:

  1. إن الإخوان قد جاهدوا عشرين سنة أو تزيد حتى وضحت للناس فكرتهم، واستبانت مقاصدهم، واجتمع لهم من القلوب والأنصار ما لم يجتمع لغيرهم، وإن لهم من تأثير دعوتهم ودقة نظامهم وشعلة حماستهم ما يضمن لهم النجاح مائة فى المائة، هذا مع ملاحظة تفكك الأحزاب من غيرهم، واختلاط مناهجها بل فقدان هذه المناهج وضعف تشكيلاتها، بل انعدام هذه التشكيلات وعجز رجالها وقادتها... فكيف يسمح الإخوان لأنفسهم أن تفلت هذه الفرصة من أيديهم، وهى إن أفلتت فلا يدرون ما سيكون عليه الحال بعد ذلك.
  2. هذا مع تطور الحوادث العالمية، وجسامة التقلبات الدولية، وتعرض الشعوب العربية والإسلامية إلى كثير من التطورات التي تفرض على الغيورين عليها، والحريصين على مصلحتها أن يكونوا فى مراكز تسمح لهم بالتوجيه والتواجد الحقيقى، ومن أولى بذلك وأقدر عليه من الإخوان، وهم قد درسوا هذه القضايا، ومارسوا الجهاد فى سبيلها بألسنتهم وأقلامهم ودمائهم وأرواحهم، ونفذوا بذلك إلى دقائقها وخفاياها، وأصبحوا أعرف الناس بمواردها ومصادرها فكيف يرضون لأنفسهم أن يتخلفوا عن الركب ويقعدوا فى ساعة العسرة، وما الفرق بين هذا الموقف وموقف التولى يوم الزحف، والفرار عند لقاء الخصم وعهدنا بالإخوان أنهم الكرارون لا الفرارون أسرع الناس إلى تلبية النداء وإجابة الدعاء.
  3. ولنكن مع هذا صرحاء فى الحق لا تأخذنا فيه لومة لائم، فنقول: هل أمام أصحاب الدعوات، وحملة الرسالات فى هذا العصر من سبيل مشروعة إلى تحقيق مقاصدهم، والوصول إلى أهدافهم إلا هذه السبيل الدستورية السلطة التشريعية أولا، فالسلطة التنفيذية بعد ذلك، وإنما يكون طلب الحكم والسعى إليه عيبًا وعارا وسبة إذا أريد به الجاه الزائف والعرض الزائل، أما أن يقصد من وراء ذلك تحقيق مناهج الإصلاح، وإظهار دعوة الخير، وإعلاء كلمة الإسلام والحق فلا عيب فيه ولا غبار عليه بل لعله يكون من أقدس الواجبات وأعظم القربات، ويجب أن نطلب ونسعى إليها لأنفسنا بل لدعوتنا ورسالتنا ليحكم الناس بعد ذلك لنا أو علينا أما هذا الموقف السلبى فليس وراءه إلا ضياع الوقت بغير طائل، وإلا فما هى الوسيلة التي يراها الإخوان لتحقيق رسالتهم غير التقدم إلى البرلمان؟ الوعظ والإرشاد والدعوة والإقناع ومخاطبة النفوس والأرواح وهى سبيل الفلاسفة والخيالين لا سبيل المصلحين العمليين.
  4. ثم ما لكم تنفرون من الانتخابات فى مصر، وقد تقدم الإخوان سافرين إلى الانتخابات فى سورية فنجح منهم سبعة فى البرلمان السورى، كانوا بحمد الله مفخرة الشباب، وزينة النواب، وأصبح للدعوة فى القطر الشقيق كلمتها المسموعة، ورايتها المرفوعة.
  5. وإذا قلتم: إن ذلك سيصبغنا بالصبغة الحزبية، وسيجر علينا الخصومات السياسية، وسيلون الدعوة بغير لونها الحقيقى، ويقذفها بسيل من الاتهامات المغرضة نحن فى غنى عنه، ويباعد بيننا وبين كثير ممن يرجى منهم الخير ويجعلنا حزبًا فى مصاف الأحزاب، مع أننا نؤمن ونعتقد ونقول: إن دعوتنا بشمولها وعلوها وسموها تفوق الأحزاب، والجواب على هذا، أن العبرة بالمقاصد والغايات لا بالظاهر والشكليات وبالحقائق والمسميات لا بالأسماء والصفات وما دمنا بمقصدنا ودعوتنا وأسلوبنا فوق الخصومة الحزبية والغايات الشخصية والمطامح المادية فلا يضيرنا أبدًا ما يقول الناس وسيجذب الله إلينا قلوب أهل الخير -أينما كانوا- وسيكون انصراف المنصرفين عنا دليلاً على تخير الله لنا ولو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم، وأية دعوة هذه التي تريد إلا يكون لها خصوم وأعداء، وسنة الله الماضية فى الدعوات أن تظل هدفًا لسهام الخصومات والاتهامات ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ*وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ "العنكبوت: 2-3"، وما دمنا فكرة سامية ودعوة عالية، وجماعة نقية، وأمة تقية، فليقل الناس: حزب أو غير حزب، وليظنوا بنا ما شاءوا، فإن الظن لا يغنى من الحق شيئًا، ومهمتنا أن نحاول بالدعاية الصادقة والجهود الدائبة أن تصحح الأفهام، وتحارب الأوهام، فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، وما أنا عليكم بوكيل.

ويقول الذين يرون أن نحجم عن التقدم إلى الانتخابات بتاتًا أو هذه الدورة على الأقل:

  1. إنه مع التسليم بما هو معروف عن الإخوان فى كل مكان من أكثرية ساحقة، وأنهم بنصاعة فكرتهم وتأثير دعوتهم ودقة نظامهم، وتعلق القلوب بهم، وأن الأمة المصرية تستجيب لدعوة الدين، وصوت الإيمان واليقين، وبما يقابل ذلك من تفكيك بقية الأحزاب والهيئات وإقلالها من المناهج والأعمال سيضمنون النجاح مائة فى المائة.
  2. ولقد أثار تقدم الإخوان للانتخابات فى الدورتين الماضيتين غبارًا كثيفًا أخفى لمعان إخلاصهم عن العيون، وحجب إشراق دعوتهم عن كثير من القلوب، وصرف عنهم كثيرًا ممن كان يرجى منهم الخير فعلاً، ولكن لهم من ظروفهم أو أسلوب تفكيرهم ما يجعلهم يؤثرون العافية، ولا يريدون أن يقتحموا هذه المزالق مع المقتحمين ومن الخير والحق كذلك أن نكون صرحاء فنقول: إن الإخوان أمام تألب خصومهم على اختلاف أحزابهم عليهم، وأمام موجات الاتهامات الباطلة الغامرة التي وجهت إليهم، وأمام أساليب التهريج المضللة التي حوربوا بها أمدًا طويلاً، وأمام المفاجأة بهذا كله مفاجأة لم يكونوا ينتظرونها لطهر نفوسهم، وسلامة طويتهم، وتعففهم عن مثل هذه الأساليب لم يستطيعوا أن يحولوا بين جانب كبير من الرأى العام الشعبى، وبين التأثر بهذه الدعايات المضللة، فمن هذا الجانب من انصرف لشأنه، ومنهم من وقف يترقب نتيجة المعركة هواه مع الإخوان، وحجاب التضليل قائم بينه وبين ما يهوى، ومن الخير للإخوان ومن الرحمة بالناس. والرحمة أخص خصائص أهل الدعوة أن تعمل على غشيان هذا الميدان وأن من أدب الإسلام الذي أدبنا به رسول الله "ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه" (أخرجه البخاري) "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (أخرجه الترمذي).
  3. وأيضًا فإن الإخوان ينظرون إلى هذا النظام الحزبى بصورته الحاضرة على أنه نظام لا يرتاحون إليه، وليس معنى هذا أنهم ينكرون المبادئ الشورية أو القواعد الأساسية التي قام عليها النظام الدستورى المصرى وكلها من حيث المبادئ العامة تتفق تمامًا مع الإسلام، وإذا كان هذا هو رأى الإخوان، فلماذا يورطون أنفسهم؟!
  4. وإذا قيل فى الوسيلة أذن إلى تحقيق الفكرة، كان الجواب على ذلك لا دخول انتخابات وعلى الجميع أن يستقيموا على أمر الله العزيز الحميد بعيدين عن مواطن الشبهات، ومزالق الاتهامات، دعاة مؤمنين مجاهدين نعبد الله مخلصين له الدين حنفاء لله رب العالمين، نقيم الصلاة، ونؤتى الزكاة، ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر حتى يفتح بيننا وبين الناس بالحق، وهو خير الفاتحين وذلك دين القيمة.

وبعد: فهذه حجج الطائفتين، ومنطلق الفريقين، أضعه أمام أنظاركم، ثم أقترح عليكم بهذه المناسبة اقتراحًا، أرجو أن يظفر بموافقتكم، فإن أسوأ الرأى الفطير، ونعوذ بالله من الرأى الدبرى. أقترح أن ننتهز هذه الفرصة من الآن إلى الانعقاد العادى للهيئة فى المحرم -إن شاء الله، فنوجه الإخوان وإلى من شاء أن يدلى بدلوه فى الدلاء. فهل يحق للإخوان المسلمين الابتعاد عن الانتخابات الحزبية، أم أن الخير للدعوة وأبنائها فى اقتحام ميدان الانتخابات النيابية والتمثيل فى هذه الهيئات الرسمية؟ وإذا كنت ترى ألا يتقدم الإخوان إلى الانتخابات، فهل لهذه الدورة فقط أم فى كل الحالات والدورات؟!

وإذا كان من رأيك عدم التقدم، فهل تجيز أن يتقدم من شاء من الترشيح مستقلاً بصفته الشخصية لا بسمعته الإخوانية؟ (على أن يكون مفهومًا أن ذوى الصفات البارزة فى الإخوان، كالمرشد والوكيل، والسكرتير العام والأمين خارجون عن هذا الجواز لصعوبة الفصل بين صفاتهم الخاصة والعامة).

كما أقترح أن ترسل الإجابات من الآن إلى ما قبل الموعد المضروب بأسبوعين باسم اللجنة السياسية للإخوان المسلمين، ثم تقوم بفحص الردود وكتابة تقرير وافٍ بنتيجة الاستفتاء، وبرأيها فى الأمر يتلى على الهيئة، وتقول فيها كلمتها التي يصدر عنها الإخوان، ويحددون على ضوئها موقفهم من الانتخابات القادمة، على أن يكون مفهومًا تمام الفهم أن من واجب الإخوان أن يبادروا بقيد أسمائهم وتسجيلها فى جداول الانتخابات فى ديسمبر القادم إن شاء الله

وأن ينظموا شئونهم فى هذه الناحية أدق التنظيم فإنهم إن لم يكونوا مرشحين فسيكونون على أية حال ناخبين، ولن يضيرهم الاستعداد شيئًا، وقد قيل "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا" والله أسأل أن يلهمنا جميعًا السداد والرشد، وأن يوقفنا لكلمة الحق وعمل الخير وألا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (57)

ويقول صالح عشماوي إن الإخوان يطالبون باحترام الدستور:

ولأن الله يريد بعباده اليسر، ألهم طائفة من أبناء هذا البلد المسلم، أن يطالبوا بإقامة شرع الله فيما بين الناس، وإلا لأثم الجميع، سواء على فرض العين أو فرض الكفاية، إن الإخوان المسلمين، الذين طالبوا بتطبيق شرع الله منذ قيامهم بدعوتهم هم الذين يطالبون اليوم، باحترام النص الذي يؤازرهم اليوم في منهاجهم، ولئن جاء هذا النص الدستوري ليعلن اعترافًا صحيحًا، بأن الإخوان المسلمين كانوا ولا يزالون على حق في المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية، إلا أن هذا النص وحده لا يكفي في جدية الأمر
بل المطلوب فعلا أن يخرج هذا النص الذي كتب بكلمات صامتة، على أوراق ميتة إلى عالم التطبيق والتنفيذ، ليؤمن الشعب أن الذين وضعوا هذا النص في الدستور، إنما يعنون ما يقولون، ويحترمون ما يكتبون، أو أنهم يقولون ما لا يفعلون، أو يفعلون ما لا يقولون، يجب تطبيق هذا النص وفورًا، وآية احترام الدستور اليوم، أن تنحى عن الحكم وزارة تجافي الدستور في تصرفاتها
ويجب أن يحل مجلس الشعب فورًا، لأنه تخلى عن أول واجبات وجوده، واجب تنفيذ الدستور قولا وعملا، وكيف يا ترى يجد النواب أنفسهم عندما يحاسبهم ربهم على ما أدوا من وفاء نحو دستور يقرر الشريعة الإسلامية مصدرًا للتقنين عن طريقهم، ثم هم لا ينفذون هذا النص، بل ويعطلونه بإقرارهم لقوانين لا تستند إلى هذا النص الواضح الصريح. (58)
ولحساسية هذا الموضوع الذي كان جديدا على فهم الناس قامت مجلة الإخوان المسلمين بعمل حوار مع الدكتور محمد أبو زهرة (أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول(القاهرة حاليا) طرحوا عليه بعض الأسئلة التي كانت تلوكها الألسنة وتجد صدى كبير عند الناس فأجلى بإجابته الأمر، وكانت على النحو التالي:
ج: إن ترشيح بعض الإخوان المسلمين الذين يستمسكون بالعروة الوثقى، والدين الاعتبار الأول فى نفوسهم أمر واجب جد واجب؛ لأنه يحمى جماعة الإخوان وينشر دعوتهم، ويفيد الحياة النيابية فى مصر.

أما حمايته لجماعة الإخوان؛ فلأن وجود نواب يمثلونهم يمكن الجماعة من أن ترفع صوتها فى دار الشورى بالشكاة العادلة مما عساه يقع على أعضائها من: المظالم، أو اضطهادات، أو نحو ذلك مما تتعرض له الجماعات فى مصر. وأما أنه سبيل لنشر فكرتها؛ فلأنها تمكن ممثليها من أن يدلوا بآراء الجماعة الصحيحة فى كل ما يعرض من قوانين تدرس فى دار الشورى من مسائل إدارية ونظامية، وإن صوتهم سيكون صوت الإسلام يتردد تحت قبة البرلمان، وهو رقابة قوية تستمد قوتها من الدين كضمان وثيق لكى تسير أمور الدولة فى جل أمرها غير متجانفة عن الإسلام، ولا مجافية لأحكامه.

وأما فائدتها للنيابة فى مصر؛ فلأن نواب الجماعة سيكونون ممثلين للفكرة فوق تمثيلهم لناخبيهم، وسيعملون تحت سلطان هذه الفكرة على أن يكونوا رقباء على الحكومة فاحصين لأعمالها -ناقدين أو مؤيدين- على أساس من القسطاس المستقيم، وبذلك يعلم سائر النواب، وتعلم الأمة أن عمل النائب ليس التردد فى الدواوين حاملاً للشفاعات، متوسلاً بالرجاء لقضاء الحاجات، فلا يكون عنده قوة للاعتراض على من توسل إليهم، ولا للرقابة عليهم.

إن عمل النائب الذي خلق له أن يراقب الوزراء لا أن يرجوهم، وأن يصلح الإدارة المصرية لا أن يفسدها، وأن يقطع السبيل على من يجعلون الأمور تسير بالشفاعة والضراعة، لا أن يروج الشفاعة فى صفوف القائمين بالأمر فى الكافة. على هذه الجادة يسير ممثلو الإخوان، فيكونون مثلاً صحيحًا لممثلي الأمة، وما يجب أن يكون عليه النائب الذي يعرف غايته وغرضه وهدفه.

  • س: إن بعض الإخوان يقول: إن دخول نائب من الإخوان يقتضى ضمنًا الرضا بكل القوانين الحاضرة التي تسير عليها مصر، ومن هذه القوانين ما ترى الجماعة وجوب تغييره؛ ولذلك يتحرج هؤلاء من فكرة ترشيح بعض الإخوان لأنفسهم، فما رأيكم فى ذلك؟
ج: إن المقرر فقهًا ومنطقًا أن الدلالات الضمنية لا تتعارض مع الدلالات الصريحة، وقد أعلنت الجماعة فى كل دعواتها وجوب تغيير ما ترى تغييره من قوانين الدولة، فلا يمكن أن يكون دخول نواب منها دالاًّ على رضاهم بهذه القوانين، إلا إذا أعلنوا الرضا صراحة حتى يلغوا كلامهم الأول، وإن الطريق المعبد لتغيير ما يراد تغييره من قوانين هو دخول دار الشورى؛ لأن القوانين تغير بها.

ولو قلنا: إننا لا ندخل حتى تتغير القوانين التي نرى تغييرها فعلاً لكان معنى ذلك أن الإخوان لا يدخل أحد منهم دار الشورى إلا بعد الوصول إلى الغاية الكبرى للإخوان، وكأنهم بذلك يصدون أنفسهم عن باب من أبواب الجهاد، والجهاد باب من أبواب الجنة.

وإذا كان بعض الإخوان يتحرج من قسم النائب باحترام الدستور فليس لتحرجه معنى؛ لأن الدستور فى لب معناه تنظيم للشورى، ووضع حدود ورسوم لها، وليس فى ذلك أى مجافاة للقرآن العظيم؛ لأن الشورى جاء بها القرآن فقال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾"الشورى: 38"، ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِى الأمْرِ﴾ "آل عمران: 159"، وليس ذلك بمانع من أقسم باحترام الدستور من أن يسعى فى تغيير بعض القوانين التي تخالف الإسلام وتجافى أحكامه، وإلا لكان معنى ذلك أنه ليس للنواب أن يغيروا أى قانون، وذلك قول بعيد عن المنطق بعده عن الواقع وعن الدستور وعن نصوصه وأحكامه ومعانيه. (59)

نحو التغيير

توضع القوانين وتنشأ المحاكم وينصب القضاة لصون الحقوق فى الدماء والأموال والأعراض، وهى ما يحرص عليه الناس فى هذه الحياة ولتفصل بينهم فى كل خلاف يقع حول هذه الأمور الثلاثة التي تواضع المجتمع عليها من لدن وجد إلى الآن. على أن الاعتداء عليها تنكر وجريمة يجب أن تقاوم، وجاء الإسلام يؤكد هذا المعنى فيقول رسول الله "كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وعرضه، وماله" رواه مسلم

ومنذ نشأت الإخوان وهم ينشدون التغيير للأفضل ورفعة وطنهم وطرد المحتل ولذا طالب الإخوان بتعديل بعض القوانين التي رأوها لا تخدم الصالح العام ومنها قانون الانتخاب، حيث تحدث فيه وناقشه مع المجتمعين في المؤتمر الخامس والذي جاء فيه:

وحسبنا أن نشير هنا إلى قانون الانتخاب، وهو وسيلة اختيار النواب الذين يمثلون إرادة الأمة، ويقومون بتنفيذ دستورها وحمايته، وما جره هذا القانون على الأمة من خصومات وحزازات، وما أنتجه من أضرار يشهد به الواقع الملموس، ولابد أن تكون فينا الشجاعة الكافية لمواجهة الأخطاء والعمل على تعديلها. لهذا يعمل الإخوان المسلمون جهدهم حتى تحدد النصوص المبهمة فى الدستور المصرى، وتعدل الطريقة التي ينفذ بها هذا الدستور فى البلاد. (60)

ونجد حسن البنا يكتب للشعب تحت عنوان (هل أنت راض عن قانون الانتخاب الحالى؟ ما الذي تراه لإصلاح هذا القانون أو لاستكماله) قوله:

ليست العبرة بالقانون، ولكن العبرة باليد والنفس والضمير والذمة التي تقوم على تنفيذه. فإذا وضعت شروط للمرشحين للنيابة، وحدود للدعاية الانتخابية، وعقوبات صارمة للمزورين والمساعدين على التزوير، وروعيت الذمة فى تنفيذها، وعممت البطاقات الشخصية للناخبين، فكل قانون صالح بعد ذلك. (61)

وقال أيضا أن هذا النظام البرلمانى بأوضاعه الحالية، وبحدوده هذه الواسعة المترامية، وبدستوره هذا الفسيح الجوانب والأكناف قد وسع الهوة بين القلوب، وأضر الضرر البين بالأخلاق، وبعد بنا عن تعاليم الإسلام ونظام الإسلام، فأعلنوا -يا باشا- وجوب تعديله طبقًا للتعاليم الإسلامية والقواعد القرآنية المحمدية، وهذه نقطة ثانية، فالأولى تصلح شأننا الخارجى، والثانية تصلح شأننا الداخلى، ومن مجموعهما يتركب الإصلاح العام. (62)

وليس ذلك فحسب بل كتب في رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي تحت عنوان (تعديل وإصلاح) قوله:

لابد من تعديل وإصلاح لقانون الانتخاب، ومن وجوه هذا الإصلاح الضرورية:

  1. وضع صفات خاصة للمرشحين أنفسهم، فإذا كانوا ممثلين لهيئات فلا بد أن يكون لهذه الهيئات برامج واضحة وأغراض مفصلة يتقدم على أساسها هذا المرشح، وإذا لم يكونوا ممثلين لهيئات فلا بد أن يكون لهم من الصفات والمناهج الإصلاحية ما يؤهلهم للتقدم للنيابة عن الأمة، وهذا المعنى مرتبط إلى حد كبير بإصلاح الأحزاب فى مصر، وما يجب أن يكون عليه أمر الهيئات السياسية فيها.
  2. وضع حدود للدعاية الانتخابية وفرض عقوبات على من يخالف هذه الحدود، بحيث لا تتناول الأسر ولا البيوت ولا المعانى الشخصية البحتة التي لا دخل لها فى أهلية المرشح وإنما تدور حول المناهج والخطط الإصلاحية.
  3. إصلاح جداول الانتخابات وتعميم نظام تحقيق الشخصية، فقد أصبح أمر جداول الانتخابات أمرًا عجبًا بعد أن لعبت بها الأهواء الحزبية والأغراض الحكومية طول هذه الفترات المتعاقبة، وفرض التصويت إجباريًّا.
  4. وضع عقوبة قاسية للتزوير من أى نوع كان، وللرشوة الانتخابية كذلك.
  5. وإذا عدل إلى الانتخابات بالقائمة لا الانتخاب الفردى كان ذلك أولى وأفضل، حتى يتحرر النواب من ضغط ناخبيهم، وتحل المصالح العامة محل المصالح الشخصية فى تقدير النواب والاتصال بهم.

وعلى كل حال فأبواب الإصلاح والتعديل كثيرة، هذه نماذج منها، وإذا صدق العزم وضح السبيل، والخطأ كل الخطأ فى البقاء على هذا الحال والرضا به، والانصراف عن محاولة الإصلاح.

تجارب عملية على أرض الواقع

اهتم الإخوان بالانطلاق داخل المجتمع من خلال مؤسساته لتوصيل فكرتهم وصوتهم، خاصة أنهم طالبوا بإصلاح المؤسسة التشريعية من خلال النداءات والمقالات والرسائل، وقد وجدوا أن الوقت قد حان أن يشتركوا في صناعة التشريع عن طريق دخول المجلس التشريعي خاصة أنهم لا يملكون حق الاعتراض على القوانين السيئة التي تخرج.

ومع بعد الإخوان عن السياسة الحزبية إلا أنهم لم تخلوا عن الفكر السياسي منذ نشأة دعوتهم وعلى عكس من يروجون أن الإخوان ظلوا 10 سنوات لا شأن لهم بالسياسة حتى كان المؤتمر الخامس الذي شهد تحولا شديد في فكر وقوانين الإخوان، وهذا كلام عار تمام من الصحة لأن الإخوان منذ اليوم الأول وهم يعلنون أنهم دعوة شاملة لا فرق بين المحراب والتصدي للمحتل والفكر الاقتصادي والاشتراك في الحياة السياسية.

يقول البنا في رسالة نظام الحكم:

فمن ظن أن الدين -أو بعبارة أدق: الإسلام- لا يعرض للسياسة، أو أن السياسة ليست من مباحثه، فقد ظلم نفسه، وظلم علمه بهذا الإسلام. (63)

ويقول في رسالة مؤتمر طلبة الإخوان عام 1938م:

إن المسلم لن يتم إسلامه إلا إذا كان سياسيا، بعيد النظر في شؤون أمته ، مهتما بها غيوراً عليها... . إن الإخوان ما كانوا يوماً من الأيام غير سياسيين ، ولن يكونوا يوماً من الأيام غير مسلمين ، وما فرقت دعوتهم أبداً بين السياسة والدين ولن يراهم الناس في ساعة من نهار حزبيين .. ومحال أن يسيروا لغاية غير غايتهم أو يعملوا لفكرة سوي فكرتهم أو يتلونوا بلون غير الإسلام الحنيف :(صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) (البقرة:138).

ويتكلم عن الحزبية ، فيقول :

إن الفارق بعيد عن الحزبية والسياسة ، وقد يجتمعان وقد يفترقان ، فقد يكون الرجل سياسياً بكل ما في الكلمة من معانٍ ، وهو لا يتصل بحزب ولا يمت إليه ، وقد يكون حزبياً ولا يدري من أمر السياسة شيئاً، وقد يجمع بينهما فيكون سياسياً حزبياً أو حزبياً سياسياً على حد سواء ، وأنا حين أتكلم عن السياسة في هذه الكلمة فإنما أريد السياسة المطلقة ، وهى النظر في شؤون الأمة الداخلية والخارجية غير مقيدة بالحزبية بحال. (64)

ويقول في رسالة إلي الشباب ، عام 1940م:

.. فليكن ذلك من صميم السياسة الداخلية والخارجية ، فإنما نستمد ذلك من الإسلام ، ونجد بأن هذا التفريق بين الدين والسياسة ليس من تعاليم الإسلام الحنيف ، ولا يعرفه المسلمون الصادقون في دينهم ، الفاهمون لروحه وتعاليمه ، فليهجرنا من يريد تحويلنا عن هذا المنهاج ، فإنه خصم للإسلام أو جاهل به ، وليس له سبيل إلا أحد هذين الوضعين. (65)

ولذا كان طبيعي أن نجدهم يشاركون في التصويت في انتخابات المجالس النيابية بل ويشاركون فيها، ففي عام 1936م أصدر مكتب الإرشاد منشور حثوا فيه الإخوان على المشاركة في الانتخابات النيابية التي ستجرى حيث جاء فيه تحت عنوان (إلى الإخوان المسلمين في مختلف دوائرهم بمناسبة الانتخابات...مكتب الإرشاد العام منشور رقم 2 سنة 1355ه/ 1936مـ) حيث جاء فيه:

أيها الإخوان الكرام.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته "وبعد".. فأكتب إليكم هذا الخطاب بمناسبة انتخابات مجلس النواب بعد ما لاحظته في بعض الدوائر من اشتداد المنافسة بين المرشحين اشتدادًا خرج بها عن طور الإنصاف وحدود الخلق الفاضل. أيها الإخوان.. الصوت الانتخابي من حق الوطن فلا يصح أن يتأخر قادر عن إبداء صوته في قضية هي من أمس القضايا بل الواجبات الوطنية، فاحرصوا على أداء الواجب ولا تعطلوا أصواتكم ولا تهملوها.

ويجب أن تعلموا أن إعطاء الصوت شهادة يسأل الإنسان عنها، فحكموا ضمائرهم وعقولكم وكونوا أحرارًا في مناصرة الحق شجعانًا في اختيار الأصلح، واشترطوا على نوابكم أن يكون منهاجهم وطنيًا إسلاميًا يؤيد قضية الإسلام ويعمل على صبغ الأمة بتعاليمه وشرائعه، ولا تغلبنكم المجاملات والعواطف فإن مصلحة الوطن فوق كل اعتبار وتأملوا قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) "النساء: 135".

أيها الإخوان.. إن أشرف معركة هي معركة الانتخابات لمجلس التشريع الأعلى في البلد، فمن أهم الواجبات أن تكون على أطهر حال وأشرف مثال، بعيدة عن السباب والشتائم لا تنال فيها الأعراض ولا تنتهك الحرمات ولا تدنسها الغيبة الفاحشة والنميمة الكاذبة، والرياء القاتل والنفاق الوبيل. لا مانع من أن يعرض الإنسان منهاجه أو منهاج من يناصره ويتكلم عن مزاياه وفضائله ويدلي بالحجج والبراهين على صلاحيته ولكن لا يصح مطلقًا أن يغتاب المنافس ويسبه ويشتمه ويلصق به المعايب والتهم بحق أو بغير حق

فإن ذلك ليس من الدين ولا من المروءة ولا من الإنسانية في شيء، ولئن قالوا إن ذلك جائز في عرف السياسة فإن الإسلام لم يتسامح فيه أبدًا ولم يجزه أبدًا، والله تبارك وتعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) "الحجرات: 11".

أيها الإخوان.. ستنتهي الانتخابات وتبقى الحزازات أو المجاملات فلأن يبق المعروف بينكم خير ولا تنسوا الفضل بينكم في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى الوحدة والتساند ذلك ما أردت أن ألفتكم إليه رجاء أن تعملوا به وتشيعوه بين إخوانكم وتحملوا عليه من استطعتم من مواطنيكم ومعارفكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (66)

بل شجع الإخوان على المشاركة في الترشح حينما أعلنها في رسالة المنهاج عام 1937م بقوله: خدمة القضايا الإسلامية العامة كقضية فلسطين وقضية المغرب ، وفى القضايا الداخلية الهامة كدخول مجلس النواب وتشجيع المرشحين للانتخابات إن كانوا من الإخوان ، ومقاومة الحزبية وإبداء الرأى في كل شأن يهم الأمة ، بحيث يكون لهم في كل ناحية من النواحي الحيوية عمل وجهاد ومساهمة ورأى معروف إيجابي. (67)

ويؤكد الإمام البنا أن دخول الإخوان للبرلمان من وسائل الدعوة الأساسية ، فيقول:

أما وسائلنا العامة، فالإقناع ونشر الدعوة بكل وسائل النشر ، حتى يفقهها الرأي العام ويناصرها عن عقيدة وإيمان، ثم استخلاص العناصر الطيبة لتكون هي الدعائم الثابتة لفكرة الإصلاح .. ثم النضال الدستوري حتى يرتفع صوت هذه الدعوة في الأندية الرسمية وتناصرها وتنحاز إليها القوة التنفيذية. وعلى هذا الأساس سيتقدم مرشحوا الإخوان المسلمين حين يجيء الوقت المناسب إلى الأمة ليمثلوها في الهيئات النيابية. (68)

ويقول الإمام البنا في استعراض مجالات النشاط لنشر دعوة الإخوان :

وبقى عليهم – أى الإخوان – بعد ذلك أن يصلوا بهذه الدعوة الكريمة إلى المحيط الرسمى ، وأقرب طريق إليه "منبر البرلمان" ،فكان لزاماً على الإخوان أن يزجوا بخطبائهم ودعاتهم إلى هذا المنبر لتعلوا من فوقه كلمة دعوتهم. (69)

ولم يقف الإخوان عند عرض تصوراتهم لمعالجة المشكلات الاقتصادية وفقط لكنهم قدموا الحلول التي تخرج بالاقتصاد من المشاكل التي يعانيها، فكان برنامجهم الانتخابي عام 1944م يقدم حلولاً لتلك المشكلات، حيث كان برنامجهم يعالج كيفية استغلال الثروات والموارد الطبيعية والعناية بالصناعة وتنشيط التجارة، وتكوين الشركات الوطنية وتشجيع الملكيات الصغيرة. (70) كما نادى الإخوان كثيرًا بتمصير الشركات الأجنبية، وإحلال الموظفين المصريين محل الموظفين الأجانب المنبثين داخل المصالح الحكومية، وأن تستغل الحكومة فرصة الحرب العالمية الثانية لهذا التغيير. (71)

من المحنة للبرلمان

كانت جماعة الإخوان على مفترق طرق بعد انعقاد المؤتمر الخامس للإخوان بسراى آل لطف الله عام 1939م وأعلن البنا موقف الإخوان من السياسة والبرلمان والمحتل ووضع مصر، وقد تصادف ذلك الإعلان العالمي للحرب العالمية الثانية حيث اندفعت ألمانيا بجحافلها وقوتها تدك حصول وقلاع البريطانيين والفرنسيين وحلفائهم ظانة منها أنها قادرة على دحر هؤلاء الحلفاء والذين توحدوا ضدها ومن سار في فلكها فابيد الأخضر واليابس من جراء هذه الحرب التي لم تخلف إلا الدمار.

اندفع الألمان في بداية الحرب معتمدين على قوتهم العسكرية وتفوقهم العددي والأسلحة حتى وصلوا إلى العلمين بغرب مصر حيث دارت على رحاها معركة من اكبر المعارك والتي كانت تعتبر بداية النهاية للألمان. بحث الانجليز عن كل ما يضعف شأنهم ففرضوا جبرا على الملك فاروق وزارة هى من حلفاء المحتل وهي وزارة النحاس باشا أملا منهم في أن تلتزم بمعاهدة 1936م وتقوم على تنفيذ بنودها التي كان في مجملها بنود في خدمة المحتل وجيشه. وضع الانجليز مخطط لنسف القناطر والسدود في حال تقدم الألمان للقاهرة غير عابئين بغرق البلاد والناس معا.

لم يتوقف الأمر على ذلك لكنهم حاربوا كل من يظنون أنه عدوهم، فحاربوا الملك الذي كان يميل للألمان، وطاردوا حركات المقاومة ضدهم وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين حيث حاولوا شرائهم ففشلوا حيث أوفدوا المستشرق البريطانى هيورث دان لإجراء اتصالات مع الإخوان، واستمرت هذه الاتصالات؛ حيث أخذ هيورث دان يتردد على المركز العام، وأظهر إعجابه بمبادئ الإخوان المسلمين وذلك عام 1939م وطلب من الجماعة دعم الانجليز مقابل دعمًا ماليًا للإخوان قدره عشرون ألف جنيه.. وعندها رد أحمد السكري وكيل الجماعة -وكان الرد حاسمًا- قائلا: "ألا فلتعلم يا مستر دان أنك لن تستطيع أن تشترينا بالمال، الآن تطبع إنجلترا جنيهات وتعطيها لنا، وغدًا تطبع ألمانيا ماركات وتعطيها لنا، وبعد غد لا ندرى. إن الشعوب التي تعاونكم بالنقود تبيعكم بالنقود".

وأضاف السكرى قائلا: "إذا كنت تريد أن تشترى الإخوان ومن ورائهم الشرق العربى فهناك شروط:

  1. عليكم أن تتفقوا معنا على الجلاء التام الناجز عن وادى النيل.
  2. عليكم أن تتفقوا مع فرنسا على إخلاء سوريا ولبنان من جنودها.
  3. عليكم أن تخلوا فلسطين للعرب.
  4. عليكم أن تمدونا بالأسلحة والمعدات، ونحن مستعدون لطرد الطليان وحكومة فيشى من شمال أفريقيا، ونحمى بلادنا من أى غزو أجنبى".

وهنا وقف دان وقال:

"هذه سياسة عليا، وإنما مهمتى عمل الدعاية فقط، وعلى كلٍّ فسأحضر مستر كلايتون بعد ذلك.

طلب دان من الأستاذ حسن البنا مقابلة كلايتون فرد البنا: وما حاجة الجنرال كلايتون إلىَّ وهو رجل عظيم يقابل رؤساء الوزراء، وأنا معلم ابتدائي، وكل الناس المحيطين بى ما بين موظف درجة ثامنة ونجار وحداد؟!! قال له دان: لا، فالصورة التي نعرفها عنك والتي فى ذهن الإمبراطورية صورة رجل عظيم له أعظم مؤهلات الزعامة.

وحينما التقى البنا وكلايتون حيث أظهر كلايتون أنه مسيحي متعصب وأن بريطانيا وفرنسا يحبان الديمقراطية ويريدون للشعوب أن تعيش فيها فما كان من البنا إلا أن رد عليه بقوله:

إنكم لستم ديمقراطيين؛ حيث إن من يؤمن بالديمقراطية لا يمكن أن يطبقها فى جهة ويهملها فى جهة أخرى؛ فأنتم قد تكونون ديمقراطيين داخل بلادكم، ولكن إذا ما عبرتم البحار لا ترون الناس إلا عبيدًا. قال له كلايتون: لا، إنما جئت لأقول لك: إننا لا نريد أن نعمل شيئًا إلا برضا الشعوب واختيارها. فرد عليه الإمام البنا قائلا: تعلمون أن ما من بلد عربى فيه جندى أجنبى إلا وله كاره، فإن كنتم جادين فى الديمقراطية فأول شىء أن تعلنوا الجلاء التام بلا قيد ولا شرط عن جميع البلاد التي تحتلونها. فقال كلايتون: سنفعل هذا بعد الحرب.

قال له الإمام البنا:

وما المانع أن تعلن أثناء الحرب؟ فراغ كلايتون من هذا السؤال ثم علق الإمام البنا قائلا: لقد قطعتم مثل هذه العهود أثناء الحرب العالمية الأولي، وبعد انتهائها لم تزيدوا الشعوب إلا اضطهادًا واستعبادًا، هذه واحدة، أما الثانية يا مستر كلايتون فهى قضية فلسطين البلد العربى بمسلميها ومسيحييها التي تعلنون الانتداب عليها، وترتكبون مع اليهود أفعالا أشد مما فعلته محاكم التفتيش فى القرون الوسطى بأهلها من قتل وتشريد وإزالة القرى ونسفها؛ فأين تكون الديمقراطية فى هذا؟ ولما لا تنسحبون منها وتتركون لأهلها إدارة شئونها؟ الأمر الثالث: إنكم تحتكرون المواد الخام فى بلادنا وخاصة القطن المصرى، تأخذون القنطار بجنيه وتردونه علينا بأكثر من مائة جنيه لمنعنا من إقامة مصانع غزل ونسيج، كما تحرمون على الحكومات أن تبيع القطن لغيركم.. فهل هذه ديمقراطية؟

أما عن محاربة الإنجليز للدعوة الإسلامية وتحريض الحكومات ضدها فى كل مكان فأمر لا يخفى على أحد وحدث فيه ولا حرج، بالإضافة إلى محاربة الهيئات الوطنية والنزعات التحررية فى البلاد العربية؛ فأى ديمقراطية فى ذلك؟ ثم قال الإمام البنا: ماذا تقولون عن هتلر الذي دفع بالعالم إلى هذه الحرب؟

قال كلايتون: مجنون، قال: وماذا يقول الروس عنكم وعنه؟ قال: يقولون مجانين، قال الأستاذ البنا: كل فريق فى الحرب يقول عن الآخر: إنه مجنون، أما بقية العالم فيقولون عن الجميع: إنهم مجانين، والحقيقة أن الجميع مجانين؛ لأنهم لو أنفقوا ما ينفقون على الحرب فيما بينهم لحلوا المشاكل التي بينهم، ولكن لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها، ولكن أخلاق الرجال تضيق.

وحينما عرض كلايتون عليه المال يطور جماعته رد عليه بقوله:

إذا فتحت خزائن الإخوان فقد لا تجد فيها خمسين جنيهًا أو أقل، إن الرجل من الإخوان يدفع اشتراكًا فى الدعوة خمسة قروش فى الشهر، وأيسر الإخوان حالا قد يدفع جنيهًا، هذا فى الظروف العادية، أما عند الحاجة فالرجل من الإخوان لا يملك إلا أن يقدم نفسه وماله وبيته للدعوة؛ لذا فنحن لسنا فى حاجة إلى أن نملأ هذه الخزائن الحديدية؛ لأن خزائننا هى قلوب الإخوان؛
ولهذا فلو شئت سأجمع من هؤلاء الرجال مئات الآلاف فى أقل من أسبوع، فنحن لسنا كأى هيئة لقيتها من قبل. وأمسك الإمام البنا بعباءته وجلبابه وقال له: هذه العباءة بمبلغ ثمانين قرشًا مصريا، وهذا الجلباب بمبلغ عشرين قرشًا مصريا؛ فثمنهما جنيه واحد؛ فالذي يلبس بجنيه ويوفر ما بقى من راتبه للدعوة ومعه الآلاف من الإخوان على شاكلته لا يحتاجون لمساعدة أحد والحمد لله. وأنصحك أن توفر كل قرش لخزينة بلادك؛ لأننا لن نقبل شيئًا من مثلكم، كما أن الزعماء الذين تشترونهم بأموالكم لا يملكون إلا أنفسهم، أما الشعوب فلن تقبل بغير استقلالها التام مهما كلفها من ثمن. (72)
لم يتوقف الأمر عند ذلك بل عمد الانجليز إلى اتهام كلا من محمد عبد السلام فهمى (مهندسًا في مصلحة الطرق والكباري بطنطا ثم وكيلاً لجامعة الأزهر)، وجمال الدين فكيه(موظف ببلدية طنطا) بأنهما يعدان جيشًا للترحيب بمقدم الألمان، وأنها يحدثان بلبلة في الأفكار، ويعدان عناصر معادية للحلفاء
وأن هذين الأخوين هما الوسيطان بين الإمام البنا ومجموعة أفراد عرضت على الأستاذ البنا شخصيًّا أنواعًا من السلاح والعتاد الألماني، وقدما للمحاكمة التي استمعت لهما وللشهود والدفاع واستقر في وجدنها تزييف الشهود للحقائق واختلاق الواقعة فحكمت ببراءتهما،وإن كان الانجليز كانوا يهدفون من هذه الواقعة أن تكون ذريعة لحل الإخوان المسلمين. (73)
زادت ضغوط الانجليز على الإخوان فأوعزوا لرئيس الوزراء –يومئذ- حسن صبري باشا بغلق صحفهم فأصدر قرار بغلق مجلة التعارف عام 1940م التي كانت تمثل الصوت الوحيد للإخوان في هذا الوقت كما قاموا بغلق مجلة المنار التي كان يشرف عليها البنا بعد وفاة رشيد رضا. واشتدت الهجمة بمنع الإخوان من إقامة مؤتمرهم السادس وواجهوا العراقيل من المحتل وأعوانهم القائمين على الحكم في مصر غير أنه عقده في دار الإخوان بعد سحب الموافقة منه حيث كان مقرر عقده في سراى آل لطف الله وذلك عام 1941م. لم يكد المؤتمر ينتهي حتى كانت المفاجأة حينما تقرر نقل حسن البنا من مدرسته بالقاهرة إلى مدرسة بمحافظة قنا مما دفع مكتب الإرشاد والإخوان لعقد اجتماعات لدراسة الموقف.
لم تجد بريطانيا صعوبة فى تنفيذ مخططها لنفى الإمام البنا؛ حيث إن الأحكام العرفية مفروضة على البلاد، وعلى رأس الوزارة أحد رجالها والتقى مايلز لامبسون "لورد كليرن" سفير إنجلترا فى مصر بحسين سرى رئيس الوزراء فى السادسة مساء يوم 16 مايو 1941م وتم بحث الوضع الداخلى
وكانت حادثة هروب عزيز المصرى محل بحث، وقد صرح حسين سرى بأن المقابلة تضمنت بحث مسائل داخلية التي كان منها طلب نقل الإمام البنا إلى قنا فى تلك المقابلة. وفى اليوم التالى استقبل رئيس الوزراء حسين سرى فى مكتبه محمد حسين هيكل وزير المعارف، وقد استدعاه حسين سرى ليبلغه بما أراد الإنجليز، وتم الاتفاق على نقل الإمام البنا لقنا. (74)

ويؤكد محمد حسين هيكل ذلك فى مذكراته، فيقول:

"كان الإنجليز يومئذ شديدي الحساسية، وبخاصة إزاء ما يبديه بعض ذوى الرأى من المصريين من ميولهم المحورية، وإزاء بعض العناصر ذات النشاط بين سواد الشعب، وكانت جماعة الإخوان المسلمين تدعو للتخلق بالأخلاق الإسلامية وللأخذ بقواعد التشريع الإسلامى فى النظام المصرى، وكان الشيخ حسن البنا مرشدها العام، وكان معلمًا للغة العربية فى مدرسة المحمدية الابتدائية الأميرية.
وقد أبلغت السلطات البريطانية رئيس الوزراء حسين سرى أن هذا الرجل يعمل فى أوساط جماعته لحساب إيطاليا، ورغبت إليه العمل على الحد من نشاطه، ورأى حسين سرى أن نقل الرجل من القاهرة إلى بلد ناءٍ بالصعيد يكفل هذا الغرض، فحدثنى فى الأمر وطلب إلىَّ نقله لقنا، ولم أجد بأسًا بإجابة طلبه، فنقل مدرس فى مدرسة ابتدائية ليس أمرًا ذا بال؛ إذ يقع مثله خلال العام الدراسى فى كل سنة ولا يترتب عليه أى أثر. (75)
سافر البنا لقنا وكان يهدف لنشر الدعوة بصورة جيدة في صعيد مصر غير أن الإخوان انتفضوا رفضا لهذا النقل ووجدت هذه الانتفاضة اذانا صاغية من قبل البرلمان الذي ناقش موضوع النقل. أثار قرار النقل عددًا من الشخصيات العامة والنواب الذين راعهم هذا الأمر، فأقبلوا يتوافدون على المركز العام لمحاولة حل هذه الأزمة، وكان منهم محمد عبد الرحمن نصير عضو مجلس النواب عن حزب الأحرار الدستوريين، والشيخ محمد عبد اللطيف دراز وكان مديرًا عاما للأزهر، وإبراهيم دسوقى أباظة سكرتير حزب الأحرار الدستوريين ووزير الاتصالات.

وقد قال هيكل بعد ذلك فى مذكراته:

"أدى قرار نقل الشيخ حسن البنا إلى قنا ما لم يؤدِّ إليه نقل مدرس غيره؛ إذ جاء غير واحد من النواب الدستوريين يطالب بإعادته إلى القاهرة، وخاطبنى فى ذلك عبد العزيز فهمى باشا رئيس الحزب، فذكرت له أن حسين سرى هو الذي طلب إلىَّ نقل الشيخ حسن البنا بحجة أن نشاطه سياسى، وأن النشاط السياسى محرم على رجال التعليم، كما أننى لا أمانع فى عودته إلى القاهرة إذا أبدى سرى عدم اعتراضه". (76)

تقدم النائب محمد عبد الرحمن نصير فى جلسة مجلس النواب المسائية بسؤال عن هذا القرار، وقد جاء ذلك فى مضبطة الجلسة الحادية والأربعين لمجلس النواب والمنعقدة فى أيام الإثنين والثلاثاء والأربعاء 22، 23، 24 من ربيع الآخر 1360هـ الموافق 19، 20، 21 مايو 1941م؛ حيث جاء فى جدول أعمالها وتحت عنوان: "رابعًا الأسئلة" :

(2) حضرة النائب المحترم موجِّه السؤال محمد عبد الرحمن نصير.

الوزير الموجَّه إليه السؤال: رئيس مجلس الوزراء.

موضوع السؤال: إعادة النظر فى الأمر الصادر من الحاكم العسكرى بنقل مدرس بوزارة المعارف، يرأس جماعة الإخوان المسلمين إلى أقصى الصعيد. (77)

وقد طلب رئيس المجلس من النائب المحترم تلاوة نص السؤال، فقال:

"هل أمر دولة رئيس الحكومة -بوصفه الحاكم العسكري- بنقل مدرس بوزارة المعارف من القاهرة إلى أقصى الصعيد، وفى غير أوقات التنقلات العامة، وهو رئيس جماعة الإخوان المسلمين التي تقوم بجهد كريم فى نشر الفكرة الإسلامية، ولها فى أنحاء البلاد شُعَب ترمى إلى تنشئة البيئات على العزة الدينية، وجعل النظام الإسلامى أساسًا للحياة المصرية؟
فإذا كانت هذه الجماعة تؤدى خير واجب للأمن والطمأنينة والنظام؛ بما تبث من الفضائل ومكارم الأخلاق والخدمة لمصلحة الوطن والمسلمين، أفلا يرى دولة الرئيس إعادة النظر فى هذا التصرف على هذا الأساس الواجب من تكريم للجماعات الإسلامية، وتشجيع القائمين بها؟" فقام حضرة صاحب المعالى وزير المعارف العمومية "محمد حسين هيكل" وقال: هذا السؤال خاص بوزارة المعارف العمومية

ولذلك أجيب عنه:

"علمت بأن الأستاذ حسن البنا المدرس بمدارس الوزارة منصرف عن عمله فى التدريس إلى القيام باجتماعات ودعايات من أنواع مختلفة، من شأنها أن تصرفه عن أداء واجبه كموظف على النحو الذي تقتضيه مصلحة التعليم، ولذلك أمرت بنقله؛ لأن واجب على الموظف أن يؤدى عمله للدولة كاملا بذمة وصدق، وألا ينصرف عنه إلى عمل آخر". فرد النائب المحترم محمد عبد الرحمن نصير قائلا: حضرة صاحب المعالى وزير المعارف العمومية هو الذي أخبرنى بأن حضرة صاحب الدولة رئيس مجلس الوزراء –بوصف كونه حاكمًا عسكريًّا– قد أمر بنقل هذا الأستاذ إلى أقصى الصعيد.
ثم قال حضرة صاحب المعالى وزير المعارف العمومية: وصلتنى الأخبار الخاصة بالأستاذ حسن البنا من إدارة الأمن العام وقد وثقت بها واطمأننت إليها، ولذلك أمرت بنقله. فرد عليه حضرة النائب المحترم محمد عبد الرحمن نصير: أشعر أن الإجابة عن سؤالى غير كافية، ولذلك سأقدم استجوابًا فى الموضوع. (78) ضغط النواب على الوزارة حتى تراجعت وأصدرت قرارها بعودة حسن البنا إلى مدرسة عباس الابتدائية بالقاهرة.

وأوضح هيكل فى مذكراته مدى التخبط الذي كان فيه سرى؛ حيث قال:

"ترى أأحسن سرى باشا فى تراجعه هذا أم أساء؟ لعله خشى أن يزداد ضغط النواب جسامة حين رأى سؤالا يقدم للبرلمان فى هذا الشأن، فأراد اتقاء ما قد يجر إليه ذلك من نتائج الأمر الذي أشعر الشيخ حسن البنا بأن له من القوة ما يسمح له بمضاعفة نشاطه، وأن هذا الشعور كان له أثره فى تطور الجماعة" (79)

لم تكد هذه المحنة التي كان للبرلمان دور حلها حتى وقعت محنة أخرى وهي اعتقال حسن البنا المرشد العام وأحمد السكري وكيل الجماعة وعبدالحكيم عابدين السكرتير العام للجماعة في أكتوبر سنة 1941م. وخلال فترة اعتقال الإمام البنا وصاحبيه قامت ضجة كبرى وسط الإخوان للضغط على الحكومة للإفراج عن المرشد وزميليه فكان طلاب الإخوان يقومون بالاعتصام ويهتفون ضد الظلم والطغيان وذلك بعد صلاة الجمعة بمسجد السلطان حسن، وسرعان ما تحتشد قوات الأمن لمحاولة فض المعتصمين دون جدوى، فكانوا يعدون الإخوان بالسعى للإفراج عن الإمام الشهيد حتى ينصرف الشباب إلى منازلهم. (80)

وقد حدثت مصادمات بين البوليس وطلاب الإخوان بالقاهرة فى 12نوفمبر بسبب إصرار الطلاب على عقد مؤتمر للمطالبة بالإفراج عن الإمام البنا، إلا أن البوليس منع ذلك بالقوة (81) واشتدت حركة التذمر فى الجامعة وعلا لهيبها، وكانت الحكومة حريصة على إخماد هذا الاشتعال بأى وسيلة؛ خاصة أن الإنجليز كانوا يرتكبون أبشع الجرائم فى حق الشعب فى تلك الآونة، وخافت أن يؤدى الأمر إلى ثورة وكان أقوى عمداء الجامعة فى ذاك الوقت وأكبرهم منزلة عند الطلبة الدكتور على بدوى عميد كلية الحقوق، فكان طلاب الجامعة يحبونه وينزلون على إرادته وكان البوليس السياسى يعرف ذلك

فتقدم البوليس السياسى إلى حسين سرى ليتدخل بنفسه ويطلب من الدكتور على بدوى أن يعمل على تهدئة الوضع، واتصل سرى بالعميد ورجاه أن يهدئ الطلبة، وقد عبر له الدكتور بدوى عن رفضه لسياسة التخبط والاعتقالات، وقبل أن يقوم بمسئوليته بتهدئة الطلاب كان فى مقابل ذلك شرط واحد وهو الإفراج الفورى عن المرشد العام وصحبه. (82)

وتحت الضغوط والخوف من انتقال الأمر للبرلمان تم الإفراج عن البنا والسكري ومن بعدهما عابدين وكان ذلك فى 13 نوفمبر 1941م؛ أى بعد ما يقرب من شهر على اعتقال الإمام البنا وبعد خروجه ظل يطالب بالإفراج عن الأستاذ عابدين حتى أفرج عنه فى 30 ديسمبر 1941م (83). وقد قدم النائب عبد المجيد نافع استجوابًا للحكومة حول الاعتقالات السياسية واعتقال الإمام البنا وأحمد السكري وعبد الحكيم عابدين ولكن الحكومة لم تناقش الاستجواب إلا فى ديسمبر وبعد الإفراج عنهم. (84)

ويقول محمد حامد أبو النصر (مرشد الإخوان الرابع):

في منتصف الأربعينيات تقريبًا قرر مكتب الإرشاد بعد اعتقال فضيلة الإمام الشهيد أن يتصل الإخوان بأعضاء مجلس النواب لاستجواب الحكومة وكان يرأسها حسين سري باشا في شأن اعتقال فضيلة الإمام الشهيد في معتقل الزيتون فاتصلت فورًا بتوفيق باشا دوس نائب دائرة منفلوط والذي كان وزيرًا للمواصلات سابقًا وطلبت إليه عمل استجواب بخصوص اعتقال فضيلة الإمام الشهيد
وشرحت له في خطاب مطول من هم الإخوان المسلمون وما هي مبادئهم ومن هو فضيلة مرشدهم وأوضحت له أن مهمة الإخوان المسلمين هي تربية الشباب على مبادئ الإسلام ثم العمل على تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد فرحب بهذا، وبعد أسبوع قرأت في "الأهرام" أن نائب منفلوط تقدم باستجواب للحكومة بخصوص اعتقال المرشد العام للإخوان المسلمين ولم يلبث الأمر إلا قليلا حتى أفرج عن فضيلة الإمام الشهيد قبل موعد النظر في الاستجواب
ولما تم الإفراج توجهت إلى القاهرة لتهنئة فضيلة الإمام الشهيد ولشكر توفيق باشا دوس على اهتمامه بالموضوع والذي دعاني لزيارته حيث دار بيننا حديث طويل حول تطبيق الشريعة الإسلامية وكان ملخصه كما قال توفيق باشا أن الشريعة الإسلامية تحافظ على أمن وأرواح الأقباط في مصر (85) تطورت المحنة حينما تسرب للإخوان خبر مفاداة أن الانجليز يخططون لاغتيال البنا غير أنهم استطاعوا أن يشعوا الخبر وسط الناس مما جعل الانجليز في ظل الظروف أن يمتنعوا عن تنفيذها. (86)

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل عمل الانجليز جاهد لمنع الإخوان من الوصول لقاعة البرلمان والتمثيل فيه.

خطوة نحو البرلمان

أدركت الجماعة ما يحاك لها من محن وأن الزمن قد تغير وتكشفت للجميع قوة الإخوان وتأثيرهم سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي مما دفع الإنجليز على العمل للحيلولة بين الإخوان ووصليهم للبرلمان.

المشاركة الأولى ..انتخابات 1942م

تدرج الإخوان في دعوتهم من التعريف للتكوين للانتشار في كل مكان، ومع هذا الانتشار وتغير الأوضاع على أرض الواقع كان لابد للجماعة من التطور والتغيير، والاندماج في العمل العام مع مؤسسات الدولة فكان القرار بالاشتراك في الانتخابات البرلمانية.

كما علمنا كانت البلاد تموج بالاضطرابات خاصة بعدما حقق الألمان نجاحات كبيرة واستطاعوا أن يجتاحوا فرنسا ودول شمال إفريقيا حتى اصطدموا بالانجليز في معركة العلمين والتي أوقفت تقدمهم لكن الأمور في مصر كانت تسير وفق إرادة الإنجليز فبعد أن أجبروا الملك على إقالة عزيز المصري من قيادة الجيش أجبروه على إقالة وزارة على ماهر باشا لأنها ضد رغبة الإنجليز وجاء حسن صبري والذي توفي بعد توليه بأشهر

ثم كانت حكومة حسين سري والتي كانت مطية في يدي الإنجليز ومع ذلك لم يرض الإنجليز عليها وخافوا مغبة الأمور فأجبروا الملك على تكليف وزارة تتعاون مع الانجليز وأمهلوه فترة لكنهم سرعان ما حركوا مدرعاتهم وجيشهم وحاصروا قصر عابدين في 4 فبراير 1942م وأجبروه على تكليف النحاس باشا بتشكيل حكومة وفدية خالصة ليضمنوا بها ولاء هذه الوزارة ولتستكمل ما بدأته عام 1936م حينما عقدت مع الإنجليز معاهدة الشرف والاستقلال، ولقد صرح أحمد ماهر باشا بقول: إن وزارة النحاس باشا جاءت على أسنة الدبابات.

وكعهد أية وزارة تتشكل من جديد يقوم رئيس الوزراء بحل البرلمان والدعوة لإجراء انتخابات جديدة يكون سمتها دائما التزوير لتتوافق مع الحزب الذي يشكل الوزارة، وبالفعل قام النحاس بالإعلان عن انتخابات برلمانية جديدة..ولذا أعلن الإخوان اشتراكهم في هذه المعركة حيث كان من قرارات المؤتمر السادس للإخوان المسلمين فى عام 1941م السماح لمكتب الإرشاد العام بالتقدم بالأكفاء من الإخوان إلى الهيئات النيابية المختلفة ليرفعوا صوت الدعوة وليعلنوا كلمة الجماعة فيما يهم الدين والوطن. (87)

انعقد مكتب الإرشاد وناقش موضوع الترشح في الانتخابات واستقر على قرار ترشح حسن البنا المرشد العام واختار مدينة الإسماعيلية من حيث أنها مهد الدعوة وللبنا شعبية كبيرة هناك، وتم دفع التأمين وبدأت الدعاية الانتخابية والتي قام بها الأهالى تقدير وحبا لحسن البنا. وقد نشرت مجلة "الإثنين" التي كان يرأس تحريرها مصطفى أمين تحت عنوان "مَنْ زعيم المعارضة فى البرلمان الجديد؟" ، وتجيب المجلة: "إنه حسن البنا؛ لأنه سينجح بلا منازع". (88)

لم يترشح حسن البنا فقط في هذه الانتخابات بل ترشح أيضا النائب في البرلمان محمد نصير عن دائرة بنها والذي كان انضم للإخوان وأصبح عضو فيها. كانت الدعاية تجري على قدم وساق حتى فوجئ النحاس باشا بتكليف من الإنجليز بمنع حسن البنا من الترشح بل وصل الحال في عدم تنازله أن يعاود الانجليز احتلال المناطق التي انسحبوا منها وكان هذا مثار تعجب لدى النحاس، فأرسل صهره في استدعاء حسن البنا. (89)

وحينما تقابل في فندق مينا هاوس أطلع البنا على الموقف وتشدد الانجليز في طلب حل الجامعة ومنع البنا من الترشح، غير أن البنا رفض هذا الأمر وطلب إرجاء القرار لاطلاع مكتب الإرشاد على الأمر لأنه صاحب القرار. لكن النحاس أكد للإمام البنا أن هذا الأمر خارج عن إرادته، وأن الإنجليز جادون فى تهديداتهم؛ فهم يستطيعون أن يدمروا البلد فى ساعتين، كما سيقومون بحل الجماعة ونفى زعمائها خارج القطر إذا لم يتم التنازل. عرض حسن البنا الأمر على مكتب الإرشاد والذي رفض أغلبيته فكرة الانسحاب لكن البنا كان يخشى على الجماعة من أن تدخل في محنة شديدة.

توجه للقاء النحاس بناء على الموعد المنعقد سابقا واخذ قرارا منفردا بالانسحاب من الانتخابات مقابل أن يسمح النحاس للإخوان بالانتشار ويصدر قرار بمنع البغاء وتحريم الخمر، ووعده النحاس ببذل المجهود في تحقيق المطالب، وقد نشرت جريدة الوفد المصرى إشادة الإمام البنا بنشاط وزير الصحة وقراره ببدء إلغاء البغاء فى القرى والبنادر من أول مايو. (90)

أحدث قرار انسحاب البنا استياء كبير وسط الإخوان لشعورهم بالاضطهاد المستمر حتى في أبسط حقوقهم لكن البنا وقيادات الإخوان نشطوا في الشعب لتعريف الناس بالأسباب التي دفعته للانسحاب، حتى أن البوليس السياسي رصد هذه التحركات وكتب التقارير عنها ومنها ما جاء في الأهرام:

محافظة بوليس الإسكندرية - 104 سرى سياسى

حضرة صاحب العزة مدير إدارة الأمن العام، نتشرف بأن نبلغ عزتكم ما يلى:

علمنا أن أعضاء جمعية الإخوان المسلمون بالإسكندرية تلقوا خبرًا باعتزام الأستاذ البنا رئيس المركز العام للإخوان المسلمون بمصر الحضور إلى الإسكندرية بقطار الساعة الحادية عشرة صباح يوم 6 الجارى، فتوجه نحو أربعين شخصًا منهم إلى محطة السكة الحديد لاستقباله، ولكنه لم يحضر بالقطار فظنوا أنه سيحضر بالسيارة

وقصدوا دار الجمعية بشارع التتويج رقم 59 وانتظروا بها وشاع الخبر بين الأعضاء الآخرين، فتوافدوا على دار الجماعة حتى وصل عدد ا لحاضرين إلى 80 تقريبًا، وأثناء فترة الانتظار هذه ألقى جاد أفندى لاشين مدرس اللغة العربية بمدرسة رأس التين الثانوية كلمة أشاد فيها بفكرة الإخوان المسلمون، وأيدهم فى العمل على تحقيق مبادئهم.

وفى الساعة الواحدة والثلث بعد الظهر وصل الأستاذ حسن البنا إلى دار الجمعية فاستقبله الحاضرون بالتكبير والتهليل، وترديد مبادئ الإخوان المسلمون. وبعد فترة قصيرة وقف على منصة الخطابة وقال: إنه قام بهذه الزيارة العاجلة لكى يفضى إليهم بالأسباب التي حملته على التنازل عن ترشيح نفسه لعضوية مجلس النواب، وأن ما سيقوله إنما هو من الأسرار الخاصة بالإخوان المسلمون دون سواهم، ولا يجوز إطلاع الجمهور عليه.

ثم انتقل إلى الحديث عن موضوع الترشيح، فقال: إن الغرض الذي رمى إليه من ترشيح نفسه لعضوية النواب عن دائرة الإسماعيلية هو العمل على تحقيق مبادئ الإخوان المسلمون بالطرق الدستورية المشروعة ورفع صوتهم فى البرلمان، ولكنه لم يكد يذاع خبر الترشيح ودفع التأمين إلا واتصل به حضرة عبد الواحد الوكيل بك صهر حضرة صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا وتكلم معه فى موقف الإخوان المسلمون، وطلب منه الرجوع إلى رفعة النحاس باشا لكى يكون رفعته على بينة من أمرهم؛

لأن رفعته لديه فكرة غامضة عنهم، وبعد بضعة أيام تلقى دعوة بمقابلة النحاس باشا وتمت المقابلة فعلاً بفندق مينا هاوس، وقد طلب منه النحاس باشا أن يتنازل عن ترشيح نفسه وصارحه رفعته بأنه يطلب ذلك إيثارًا للمصلحة العامة ولمصلحته –أى مصلحة الأستاذ البنا– إنْ كان يريد الإبقاء على جماعة الإخوان المسلمون فى مختلف البلدان، فرفض ذلك وقال: إنه يستعمل حقًّا من حقوقه الدستورية ولا يرى ما يمنعه من الترشيح، وإن كانت هناك موانع فإنه يطلب بيانها كى يتبين مبلغها من الصحة.

وفضلا عن ذلك فإن قرار الترشيح صدر من هيئة المكتب العام لجماعة الإخوان المسلمون، وأنه شخصيًّا لا يملك حق الرجوع فى ذلك، فرجاه رفعة الباشا أن يعمل على إقناع الأعضاء بالعدول عن ذلك، وأن رفعته رأى أن يدعوه لينصح له بالتنازل وإلا اضطر إلى اتخاذ إجراءات أخرى يراها رفعته قاسية ولا يرتاح إليها ضميره، ولكنه حرصًا على مصلحة البلد مضطر لتنفيذها

ولما استوضح عن تلك الإجراءات قال رفعته: إنها حل جماعة الإخوان المسلمون، ونفى زعمائها إلى خارج القطر، وتلك هى رغبة هؤلاء الناس "يقصد الإنجليز" الذين بيدهم الأمر يصرفونه كما يرون، ونحن مضطرون إلى مجاملتهم خصوصًا فى هذه المسائل الفرعية وفى هذه الظروف العصيبة؛ لأنهم يقدرون على كل شىء، وفى استطاعتهم أن يدمروا البلد فى ساعتين إن شاءوا. وقد ترك رفعته فرصة للتفكير فى الأمر، وأن تتم مقابلة أخرى فى هذا الشأن، وقد عرض الأمر على هيئة مكتب الإرشاد فلم توافق الأغلبية على التنازل، ولكنه هو شخصيًّا وافق عليه، لا خوفًا من النفى ولكن حرصًا على قيام الجماعة واستمرارها فى تنفيذ أغراضها.

وأخيرًا استقر الرأى على التنازل وتوجه مرة أخرى لمقابلة رفعة النحاس باشا بواسطة سليم بك زكى الذي بسط لرفعته دعوة الإخوان ومدى انتشارها فى المدن والأقاليم، فانتهز هذه الفرصة وطلب من رفعته ضمانات بقيام الجماعة وفروعها وعدم الوقوف فى سبيلها وعدم مراقبتها والتضييق على أعضائها للحد من نشاطهم، فوعده رفعته بما طلب، وقد ظهرت نتيجة ذلك فيما نشر بالجرائد عن الجماعة وعن اجتماعاتها، واستشهد بما نشر بأهرام أمس عن اجتماع طنطا وغيره من الاجتماعات.

ثم عاد إلى تلخيص أسباب التنازل فقال:

  1. الحرص على قيام جمعيات الإخوان المسلمون فى مختلف البلاد.
  2. كسب ثقة النحاس باشا بوصفه رئيس الحكومة وزعيم الأغلبية.
  3. عدم الاطمئنان إلى نتيجة الانتخابات خوفًا من التلاعب، فيستعمل خصومهم ذلك لتشويه سمعتهم، وأشار إلى الخطاب الذي وجهه إلى رفعة النحاس باشا ونشرته الصحف على أثر التنازل، وقال بأن سعادة عبد الواحد الوكيل بك تفاهم معه بشأن الخطاب.

وكان يريد أن يشار فيه بأن التنازل هو احترام لقرار الوفد بترشيح آخر، وأن يعلن تأييد الوفد في سياسة التعاون مع بريطانيا لتنفيذ معاهدة التحالف ولكنه –الأستاذ البنا– رفض هذا، واكتفى بذكر فقرات من خطاب رفعة النحاس باشا بأن الإخوان عون له في سياسة الإصلاح الديني والاجتماعي. وختم حديثه بِحَثِّ الإخوان على مواصلة النشاط في نشر الدعوة، ثم تناول الحاضرون طعام الغذاء وغادر الأستاذ الدار إلى محطة سيدي جابر للسفر إلى طنطا بقطار الساعة الرابعة مساء.

وتفضلوا سيادتكم بقبول فائق الاحترام 7/4/1942م. حكمدار بوليس الإسكندرية. (91)

كما أن أ. محمد حامد أبو النصر يحكى ما حدث وسط الإخوان بسبب انسحاب الأستاذ البنا من نفسه فيقول:

ولما طرح هذا الأمر علي الهيئة التأسيسية للإخوان المسلمين مجتمعة تبلور الحوار عن وجهتي نظر إحداها عدم التنازل ويمثل الأغلبية والأخر ترك الأمر لفضيلة الإمام الشهيد علي اعتبار إنها مساءلة شخصية وعلي ذلك فقد تصرف الإمام الشهيد علي هذا الوضع الأخير فاحدث ذلك اضطرابا في صفوف الإخوان فمنهم الموافق ومنهم المعارض وعمت هذه الموجة الغاضبة جميع الإخوان داخل القطر مما اضطر مكتب الإرشاد إرسال بعض أعضائه إلي الأقاليم لعرض المساءلة وشرحها بما يطمئن النفوس .
فكان إن زارنا في الصعيد الأستاذ المرحوم عبد الحكيم عابدين سكرتير عام الجماعة وعقد لذلك اجتماع لنواب الإخوان في دارهم بأسيوط وأعطيت الكلمة للأستاذ/ عبد الحكيم عابدين فتناول الموضوع بالشرح والإسهاب وانتهي به الأمر إلي إن التنازل مساءلة خاصة بفضيلة الإمام الشهيد
ولا يصح أن تكون موضع قلق أو اضطراب الإخوان وبعد ذلك عقبت في كلمتي قائلا : إن التنازل مساءلة انتهت ولا يصح تضييع الوقت في الكلام فيها لكني أرجو من أ. عبد الحكيم عابدين أن يرفع إلي فضيلة الإمام الشهيد إننا قد سلمنا بما انتهي به الأمر ولكن علي فضيلته أن ينزل مستقبلا علي رغبة الأغلبية مهما كانت النتيجة
وما إن سمع أ. عبد الحكيم عابدين كلامي حتى وقف معقبا وأعلن إن هذا معناه عدم الطاعة لفضيلة مرشد الجماعة والتمرد بل هو الخروج علي مبادئ الجماعة وصور ذلك في قوة شديدة وثورة عارمة وعلي اثر ذلك انصرفت من الاجتماع محتجا ومن ثم عدت إلي منزلي بمنفلوط وقضيت بقية الليل اكتب رسالة مطولة لفضيلة الإمام الشهيد اشرح فيها ما حدث في الاجتماع موضحا رأي بصراحة ووضوح وموقف الأخ الأستاذ عبد الحكيم عابدين نحوي وكررت طلبي النزول علي رأي الأغلبية مستقبلا
وما أن وصل خطابي إلي فضيلة الإمام الشهيد حتى اتصل بي هاتفيا من القاهرة معتذرا عن ما حدث من أ. عبد الحكيم عابدين ووعدني بأنه سوف يأخذ بما أشرت في خطابي من احترام قرارات الهيئة مهما كانت الظروف واكبر في هذا المعني الصريح فسعدت بهذا أيما سعادة وفهمت إن الدعوة الإسلامية بين يدي رجل يعشق الحرية ويحترم الرأي الأخر مهما تعارض مع ما اصدر من قرارات وشكرت لفضيلته روح التفاهم العالية وسماحة قلبه الكبير لتصحيح الأوضاع وإرساء قاعدة الشورى واحترامها والعمل حفظا علي وحدة الكلمة وجمع الصف وفي هذا قوة الجماعات. (92)
ولما طرح هذا الأمر علي الهيئة التأسيسية للإخوان المسلمين مجتمعة تبلور الحوار عن وجهتي نظر إحداها عدم التنازل ويمثل الأغلبية والأخر ترك الأمر لفضيلة الإمام الشهيد علي اعتبار إنها مساءلة شخصية وعلي ذلك فقد تصرف الإمام الشهيد علي هذا الوضع الأخير فاحدث ذلك اضطرابا في صفوف الإخوان فمنهم الموافق ومنهم المعارض وعمت هذه الموجة الغاضبة جميع الإخوان داخل القطر مما اضطر مكتب الإرشاد إرسال بعض أعضائه إلي الأقاليم لعرض المساءلة وشرحها بما يطمئن النفوس .
فكان إن زارنا في الصعيد الأستاذ المرحوم عبد الحكيم عابدين سكرتير عام الجماعة وعقد لذلك اجتماع لنواب الإخوان في دارهم بأسيوط وأعطيت الكلمة للأستاذ عبد الحكيم عابدين فتناول الموضوع بالشرح والإسهاب وانتهي به الأمر إلي إن التنازل مساءلة خاصة بفضيلة الإمام الشهيد ولا يصح أن تكون موضع قلق أو اضطراب الإخوان
وبعد ذلك عقبت في كلمتي قائلا : إن التنازل مساءلة انتهت ولا يصح تضييع الوقت في الكلام فيها لكني أرجو من أ. عبد الحكيم عابدين أن يرفع إلي فضيلة الإمام الشهيد إننا قد سلمنا بما انتهي به الأمر ولكن علي فضيلته أن ينزل مستقبلا علي رغبة الأغلبية مهما كانت النتيجة
وما إن سمع أ. عبد الحكيم عابدين كلامي حتى وقف معقبا وأعلن إن هذا معناه عدم الطاعة لفضيلة مرشد الجماعة والتمرد بل هو الخروج علي مبادئ الجماعة وصور ذلك في قوة شديدة وثورة عارمة وعلي اثر ذلك انصرفت من الاجتماع محتجا ومن ثم عدت إلي منزلي بمنفلوط وقضيت بقية الليل اكتب رسالة مطولة لفضيلة الإمام الشهيد اشرح فيها ما حدث في الاجتماع موضحا رأي بصراحة ووضوح وموقف الأخ الأستاذ عبد الحكيم عابدين نحوي وكررت طلبي النزول علي رأي الأغلبية مستقبلا
وما أن وصل خطابي إلي فضيلة الإمام الشهيد حتى اتصل بي هاتفيا من القاهرة معتذرا عن ما حدث من أ. عبد الحكيم عابدين ووعدني بأنه سوف يأخذ بما أشرت في خطابي من احترام قرارات الهيئة مهما كانت الظروف واكبر في هذا المعني الصريح فسعدت بهذا أيما سعادة وفهمت إن الدعوة الإسلامية بين يدي رجل يعشق الحرية ويحترم الرأي الأخر مهما تعارض مع ما اصدر من قرارات وشكرت لفضيلته روح التفاهم العالية وسماحة قلبه الكبير لتصحيح الأوضاع وإرساء قاعدة الشورى واحترامها والعمل حفظا علي وحدة الكلمة وجمع الصف وفي هذا قوة الجماعات.

ولقد كتب الأستاذ مصطفى أمين (الصحفي المشهور) حينما زار الإسماعيلية عام 1942م ووجد الناس متحمسين لترشح الأستاذ حسن البنا لمجلس النواب، ورأى الجميع هناك يتحدثون عن خصائصه المميزة ومواهبه

فسطر بقلمه كلمات أوجزت المشهد القائم فقال:

أنا أول من رشح حسن البنا زعيمًا للمعارضة، كان ذلك فى مارس سنة 1942م، كان الوفد قد جاء إلى الحكم قبل ذلك بشهر، وبدأت الاستعدادات لإجراء انتخابات جديدة، كتبت فى "مجلة الاثنين" - وكنت رئيس تحريرها، وكانت أوسع المجلات انتشارًا فى ذلك الوقت - مقالا يوم 2 مارس سنة 1942م بالصفحة الخامسة تحت عنوان "من يكون زعيم المعارضة"؟
قلت فيه بالحرف الواحد: متأكدون أن زعيم المعارضة فى مجلس النواب سيكون واحدًا من اثنين، عبد الرحمن عزام باشا، أو الأستاذ حسن البنا رئيس جمعية الإخوان المسلمين، وهو شخصية سياسية جديدة، ويقدر المراقبون أنه سيكتسح مدينة الإسماعيلية فله فيها أنصار كثيرون، وأهالى المدينة يعتقدون أن ترشيحه مسألة كرامة لهم، وهم الذين دفعوا له مبلغ التأمين، واستضافوه، وقدموا سياراتهم وبيوتهم لتكون مركز الدعاية له، وهو خطيب مُفوّه يتزعم دعوة دينية إصلاحية، ونتنبأ له بأنه سيشق طريقه بسرعة إلى الصفوف الأولى.
وبعد ذلك بأسابيع ثلاثة عاد مصطفى أمين يكتب فى نفس الموضوع فنشر يوم 23 مارس سنة 1942م مقالا تحت عنوان "الإسماعيلية" قال فيه أبرز مرشحى هذه الدائرة الأستاذ حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين، وهذه الجمعية تتألف من فئات الشعب فى مختلف أنحاء القطر وأغلبية المنتمين إليها من المثقفين من المحامين والأطباء والموظفين والطلاب ومَن إليهم
ويمتاز حسن البنا بأنه خطيب مفوه ساحر، يستطيع أن يخطب عدة ساعات دون أن يتعب مع أنه نحيف وضعيف البنية، وقد يحسب البعض أنه شيخ أزهرى، ولكنه شاب تخرج من دار العلوم وعمل فى المدارس الحكومية ثم ألف جمعيته مع بعض إخوانه، وأصبحت بسرعة من أكبر الجمعيات فى مصر والشرق.
ويضيف: وقد أحدثت هذه المقالات ضجة، وتعجب الناس لهذه التنبؤات، ودهش لها حسن البنا نفسه، فلم أكن قد التقيت به قبل ذلك، ومع ذلك توقعت له أن يكون زعيم المعارضة دون أن أعرفه. وطلب حسن البنا مقابلتى، وفعلا تم ذلك فى مركز الجماعة بالحلمية كتبت بعدها مقالا فى مجلة الاثنين نشر فى 27 أبريل سنة 1942م
قلت فيه: نشأت جماعة الإخوان المسلمين دون ضجة، ونمت رويدًا رويدًا حتى ملأت جوانب المدن وتغلغلت فى القرى، وهى دعوة للدين السمح الكريم. وأمل الجماعة الأعظم ينطوى فى كفاحها الدائم، وتكاد تلمسه فى أحاديث رئيسها الذى يقول: "منذ اليوم الأول الذى أنشأنا فيه جماعتنا نؤمن بأن الغد سوف يخصنا بتبعاته".

ورئيس الإخوان المسلمين لا يسمى رئيسًا بل مرشدًا، وقد قصد بذلك ألا يكون هناك رئيس ومرؤوس بل إخوة متحابون، وأشد ما تحرص عليه الجماعة هو الصلة الروحية بين أعضائها وتقويتها بشتى السبل والمرشد العام هو شعلة متقدة من النشاط والهمة، وهو يوصى دائمًا بأن تكون الأخوة الإسلامية ممثلة فى كل حركة للجماعة

وجماعة الإخوان تخلص الإخلاص كله لفضيلة المرشد العام، وأعتقد أن مستقبل هذه الجماعة يفوق حساب كل متفائل.وقد تنبه الاستعمار البريطاني إلى خطورة حسن البنا على مصالحه، فأرسل إنذارًا إلى الحكومة المصرية بألا يرشح مرشد الإخوان نفسه فى البرلمان.

ويضيف:

أعجبني في البنا إيمانه بفكرته، كان يؤمن بها بطريقة عجيبة، ويرى أن المستقبل لها، وقد انعكس ذلك على سلوكه، فكان له قدرة فائقة على إقناع الغير بذلك، كان خطيبًا مفوهًا قادرًا على التأثير فى آلاف الناس، كما كان شديد التأثير على كل من يجلس معه أيًّا كان تفكيره، كان يقنع العامل ويحدثه بأسلوبه، وكذلك يفعل مع الطالب، والكبير والصغير، والغنى والفقير، وساكن الريف والمدينة وكل طبقات الشعب.

أعجبني كذلك فى حسن البنا أن إيمانه بفكرته لم يكن عاطفيًا فقط، بل كان محسوب الخطوات مدروسا (93). كانت هذه التجربة الأولى للإخوان في خوض غمار جديد وهو غمار السلطة التشريعية، وظل الإخوان يعملون من أجل دعوتهم حتى أقيلت وزارة النحاس باشا أواخر عام 1944م لتغيير أوضاع الحرب ولاستغناء الانجليز عن النحاس مما دفع الملك لإقالته وتكليف أحمد ماهر باش لتشكيل الوزارة.

المشاركة الثانية 1945م

ظلت حكومة الوفد تعمل على تهدئة الأوضاع بمصر وتوفير كافة احتياجات الانجليز أثناء الحرب مما جعلهم يتفرغون لمحاربة الألمان حتى إذا مالت الكفة نحو الحلفاء لم يعد الانجليز يتمسكون بحكومة الوفد مما دفع بالملك فاروق أن يسارع بإقالتها وتعين أحمد ماهر باش خلفا للنحاس، وكعادة كل رئيس وزراء جديد يأتي قام أحمد ماهر بحل البرلمان وأعلن عن إجراء انتخابات جديدة حتى يستطيع إحكام السيطرة على البرلمان بأغلبية الحزب الذي ينتمي إليه

بناء على ذلك عقد مكتب إرشاد الإخوان المسلمين اجتماعه والذي قرر خوض الانتخابات لكن ليس بحسن البنا فحسب بل دفع بعدد كبير، حيث تقدم للترشيح من الإخوان المسلمين كل من المرشد العام عن دائرة الإسماعيلية، والأستاذ أحمد السكري عن دائرة الفاروقية بحيرة، والأستاذ صالح عشماوي عن دائرة مصر القديمة، والأستاذ عبد الحكيم عابدين عن دائرة فيدمين الفيوم، والأستاذ عبد الفتاح البساطي عن دائرة بندر الفيوم، والأستاذ محمد حامد أبو النصر عن دائرة منفلوط (94)

واستعد الإخوان لهذه الانتخابات وانطلق أنصارهم في ربوع الدوائر يعلنون عن مرشحيهم، حتى إن الإخوان يوم الانتخاب أصدروا بيانًا لكل الشعب بأن يتحروا حسن اختيار النواب، ولم يتوقف ندائهم على الشعب بل شمل النداء النواب المحتملين حيث طالبوهم بالعمل على تحقيق الأهداف الوطنية وسن القوانين التي تحمي المجتمع وترفع الظلم عن كواهل الشعب وتنشد الاستقلال التام وجاء فيها: اليوم وقد دعيت الأمة المصرية الكريمة لتقول كلمتها، وتقدم إلى مجلس نوابها من يمثل حقيقة شعورها، ويعبر عن مكنون رغباتها.

اليوم يتقدم إليها جماعة من الإخوان المسلمين بأشخاصهم التي أوقفت على الجهاد في سبيل مطالبك الوطنية والاجتماعية، وبمنهاجهم الذي يستمد من كتاب الله ويعتمد على وحي السماء، حين فشلت توجيهات الأرض. اليوم -أيها الشعب الأبي الكريم- تواجه أنت بنفسك التبعة كاملة، فالكلمة كلمتك، والسلطة لك وفي يدك، وتستطيع اليوم أن ترفع إلى هذه المقاعد التشريعية من يتحمل عنك التبعة بين يدي الله والناس.

كان يتردد على ألسنة الناس كلما استعرضوا فساد الحال، وفشو المنكرات، وانتشار الآثام: أين العلماء؟ وأين البرلمان؟ كنا نقول: لا تذهبوا إلى الملاهي الخليعة، والمسارح الرخيصة، والمراقص والمشارب. فيقال لنا: وما ذنبنا نحن وقد وجدنا السبيل ممهدًا، والطريق معبدًا، والمغريات من بين أيدينا ومن خلفنا؟!

كنا نقول: هذبوا ناشئتكم، وربوا على الأخلاق أبناءكم، وبثوا تعاليم الدين في نفوس صغاركم. فيقولون: وهل نحن الذين نضع مناهج التعليم، ونشرف على سير المدارس والمعاهد؟ أقنعوا وزارة المعارف وأفهموا البرلمان. وكنا نقول: إن الفرد في حاجة إلى إصلاح، والأسرة في حاجة إلى إصلاح، والفقر والجهل والمرض في حاجة إلى علاج، ومطالب الأمة العليا وأهدافها القومية في حاجة إلى جهاد وكفاح، فساعدونا -أيها الناس- على ذلك كله. فيكون الجواب: وماذا بأيدينا وهذه واجبات الحكومة وتبعات نوابنا في البرلمان؟

واليوم -أيها الشعب الكريم- في هذه الأيام القلائل، تصنع أنت الحكومة، وتكون أنت البرلمان، والكلمة لك، والسلطة كلها في يدك، فاقذف بنا إلى مجلس النواب، ودعنا نحاسب الحكومة. أوقفونا أيها الناس وجهًا لوجه أمام الوزراء، وفي وسط النواب لنحاسبهم

ولنقول لهم: إن الشعب المصري شعب متدين أبي، لا يرضى أن يستذل لغيره، ولا أن يستكين لسواه، فاستقلاله وحريته أعز عليه من نفسه ودمه، ولا يجب أن تطغى عليه إباحية الشهوات الغربية، ولا تحلل العقول المادية؛ لأن دينه وتقاليده أكرم عنده من كل ما في هذه الحياة الدنيا. وإن الوطن المصري وطن غني بتاريخه المجيد، ونيله السعيد، وخيراته التي ما عليها من مزيد، وعقله الذكي، وخلقه القوي، فلا يرضى أن يستأثر الناس بخيراته، وهو جائع عار.

وكل ذلك يلزمكم أيها النواب أن تلزموا الحكومة تحقيق هذه الأهداف:

  1. المحافظة التامة على حرية وادي النيل ووحدته واستقلاله، ودفع كل سلطان أجنبي عنه.
  2. توثيق الروابط الكاملة بالأمم العربية والإسلامية، ومساعدة هذه الأقطار على استكمال حريتها واستقلالها، فهم جيراننا في الوطن، وإخواننا في الدين وبنو عمنا في النسب، وشركاؤنا في اللغة والمصالح والآلام والآمال.
  3. صبغ الحياة الاجتماعية بهذه الصبغة الإسلامية المجيدة ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾ "البقرة: 138"، فالتشريع والتعليم والتقاليد يجب أن يكون أساسها تعاليم الإسلام الحنيف، والمنكرات والموبقات التي يحاربها هديه السامي من: الخمر، والزنا، والقمار، واللهو، والمجون، والاختلاط الشائن، والعبث الفاسد، والغناء المبتذل، والتمثيل الخليع، والمؤلفات والمكتبات المفسدة، كلها يجب أن تعتبر جرائم يعاقب عليها القانون وتطاردها الحكومة. وليس في ذلك معنى للتعصب فإن الإسلام بريء من هذا كله، ولكن معناه انتصار للفضيلة التي جاءت بها الأديان جميعًا، ومطاردة الجريمة التي طاردتها الأديان جميعًا، وإيقاظ للضمائر التي لا تستيقظ بغير دين، وإنصاف للناس حتى يأخذ كل ذي حق حقه.
  4. العناية الكاملة بموارد الثروة ومطاردة البؤس والفقر، وهو أساس الجهل والمرض، باستغلال الموارد الطبيعية، والعناية بالصناعة، وتنشيط التجارة، وتكوين الشركات الوطنية، وتشجيع الملكيات الصغيرة، وتحديد الصلة بين المالكين والمستأجرين، وإعادة النظر في الضرائب، وإقرار نظام الزكاة لإمداد الخدمات الاجتماعية النافعة حتى يكون في أموال الأغنياء حق معلوم للسائل والمحروم.

ادفع بنا -أيها الشعب- دفعًا إلى كراسي مجلس النواب لنقول للوزراء في وجوههم هذا الكلام، ولنلفت نظر النواب إلى تفاصيل هذه النواحي المجملة، ولنرفع الصوت قويًا جهوريًا في دار النيابة وفي حماية من القانون، بكلمة الإسلام العالية المدوية، ونعاهدك على أن نكون كذلك، وألا نجعل هذه الثقة وسيلة إلى منفعة شخصية، فإن فعلت فقد قلت كلمتك، وأبرأت ذمتك، وأديت أمانتك، وإن لم تفعل فأنت الملوم، وعليك أولاً تقع تبعة هذا الفساد والإفساد في الدنيا والآخرة، وبين يدي الله وأمام الناس.

أيها الشعب المصري الأبي الوفي.. لقد فتحت صدرك لدعاة الإسلام الأول، فتلقيتهم تلقيًا كريمًا، وجعلت من حنايا ضلوعك، ومن ثنايا بلادك مستقرًا مكينًا أمينًا لهذه التعاليم القدسية التي جاء بها القرآن الكريم. ولقد دافعت عن هذه المبادئ مجاهدًا بالسيف والسنان، وباذلاً في سبيلها الأموال والأرواح حتى رددت المغيرين من كل مصر في كل عصر.

والآن وقد أصبح السلاح إلى الإصلاح قول الحق، وإبداء الرأي، وحسن الاختيار، فإننا نتقدم إليك والله غايتنا والرسول زعيمنا والقرآن دستورنا والجهاد سبيلنا والموت في سبيل اله أسمى أمانينا، فإن رأيت خيرًا منا في ذلك فأولهم ثقتك وأعطهم صوتك؛ لأنك بذلك تقول الحق والحق أحق أن يتبع، أما إذا لم تجد ولا نظن أنك تجد فها نحن ندعوك أن تمنحنا هذا التأييد، وأن تقف إلى صفنا في هذا الجهاد، وأن ترفعنا بيدك إلى مقاعد النواب لنقول باسمك كلمة الحق، ونكون لك لسان الصدق، الله أكبر ولله الحمد. (95)

كانت هذه شعارات ودعاية الإخوان التي توضح طريقهم ومنهجهم في العمل داخل البرلمان، غير أن بعض رسام الكاريكاتير صوروا الصورة التقليدية لمرشحي الأحزاب الذين لا هم لهم إلا التسلق على أكتاف الفقراء للوصول إلى البرلمان بالوعود الزائفة، جاء فيها:

كما كتب صالح عشماوي قبل الانتخابات يقول:

لا يصل هذا العدد إلى أيدي القراء حتى تكون المعركة الانتخابية قد حمي وطيسها، وعلا غبارها، واشتد أوارها.. وقد بدأ المرشحون يطوفون بالناخبين في أدب جم، وتواضع كريم، يعرضون أنفسهم أو برامجهم – إن كانت لهم برامج – ويطلبون ثقة الناخبين، ويستجدون أصواتهم، ويعدونهم بالفناء في خدمتهم وقضاء مصالحهم المشروع منها وغير المشروع، والمعقول منها وغير المعقول!.
ومن هؤلاء المرشحين من يعتمد على عصبيته وحزبه ومنهم من يتكل على ماله وثرائه، والقليل منهم من يعتمد على شخصيته أو مناهجه، وأقل من هؤلاء من يعتمد على الله أو يتوكل عليه! فلا عجب إذا رأينا المرشحين يتزاحمون بالمناكب في الدائرة الواحدة حتى يبلغ عددهم سبعة أو ثمانية فقد جدت أحزاب ونشطت أخرى وقامت ثالثة تنفض عنها غبار السنين وتزيح أكفان الماضي، حتى بلغ عدد الأحزاب والهيئات الداخلة في الانتخابات عشرًا
كما رأينا تجارًا وأشباه تجار ممن أثروا ثراء فاحشًا من احتكار أقوات المصريين وضروراتهم في السوق السوداء ينزلون إلى ميدان الانتخابات مستقلين وهم لا يصلحون أن يكونوا ناخبين فضلا عن أن يكونوا مرشحين لعضوية مجلس النواب. وإذا سألت أي مرشح من هؤلاء المرشحين عن غايته من دخول مجلس النواب لأقسم بكل محرج من الأيمان أنها المصلحة العامة وإنصاف المظلوم ومحاربة الظالمين!.
فخدمة مصر عن طريق البرلمان هي الهدف الأوحد، وإذا أخذنا هذا الادعاء على علاته، وتجاهلنا الوقائع الملموسة وأغمضنا العين عن الحقائق المحسوسة وصدقنا أن خدمة الأمة عن طريق منبر البرلمان هي الهدف والغاية لكل مرشح، أقول إذا صح هذا لكان لنا نحن معشر الصحفيين أصحاب المبادئ أن نغتبط كل الاغتباط
لأنا نحاول أن نخدم الأمة المضللة والوطن الحائر، من فوق منبر الصحافة وهو منبر دائم وصيحاتها أعلى صوتًا من أي صوت سواه، وبرلمانها قائم أبدًا لا يحل مجلسه، ولا تنفض دورته، ولسنا في حاجة إلى تملق ناخبينا من القراء أو استجداء أصواتهم، ولسنا نخادعهم ونعهدهم ونمنيهم غرورًا، وإنما نوجههم ونهديهم طريقًا مثيرًا، وإذا كان من حق النواب محاسبة الوزراء فإن من سلطة صاحبة الجلالة الصحافة أن تحاسب النواب والوزراء جميعًا.
لقد قال أحد الزملاء إن الرأي العام يتنفس برئتين البرلمان والصحافة، وكنا إلى اليوم لا نزال نتنفس برئة الصحافة وحدها، ونحاول أن نأخذ بها إلى الشعب المسلم أسباب الحياة والانتعاش غير أن الدعوة الإسلامية قد صبغت أكثر الأمة بصبغتها وتركتهم يريدون عملا أكثر وتوجيهًا أعم فأصبح من الخير أن ندخل البرلمان لنعلن عن دعوتنا في هذا المعرض العظيم الذي توزن فيه الآراء وتقدر فيه الدعوات ويقرر فيه مصير الأمة.
سندخل بحول الله وقوته غير مدفوعين بشيء إلا نصر الله والدفاع عن تشريعه والتمهيد لدعوته في نفوس نواب الأمة والقائمين بشأنها، وسنحاول إن شاء الله أن نثبت للذين يعوزهم الدليل أن في الإسلام ثروة إصلاحية تكفي كل باحث وتغني كل قائل وتسلك بالأمة أقرب الطرق إلى غايتها الكريمة وأملها المرموق. (96)

وكتب يصف الانتخابات في دائرته تحت عنوان (المعركة الانتخابية في دائرة مصر القديمة) قال فيه:

صراع:

في جميع المعارك الانتخابية السابقة لم يكن الصراع إلا بين حزب وحزب – ليس لأحدهما برنامج أو مبدأ يخالف الآخر – أو بين شخص وشخص لا يعتز الواحد منهما بغير عصبية أو مال أو لقب أو جاه. وللمرة الأولى ينزل الإخوان المسلمون إلى ميدان الانتخابات فتتحول المعركة إلى صراع بين مبدأ ومنهاج وبين حزبية ومال وألقاب، وفي دائرة مصر القديمة يتمثل هذا الصراع بأجلى معانيه، فقد نزل الميدان رجل يحمل رتبة البكوية وينتسب إلى الحزب الذي يتولى اليوم الحكم وآخر يمثل الأرستقراطية ويفتخر بجده الباشا وينثر ذهب المعز

وثالث يعتمد على ماله وثرائه وأمام هؤلاء جميعًا نزل كاتب هذه السطور ومرشح الإخوان المسلمين إلى المعركة الانتخابية على مبادئ الإسلام وتعاليم القرآن، وهو فقير إلا من الإيمان، ضعيف بنفسه قوي بتأييد الله والإخوان، مجرد من كل لقب وجاه إلا جاه الله الذي يملك السموات والأرض، مفتقر إلى كل حسب ونسب إلا نسب الإسلام.

أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم

ترى لمن سيكون النصر؟

بشرى:

في أول يوم زرت فيه مصر القديمة ذهبت إلى عزاء أخ كريم وما كدت أجلس حتى استأنف المقرئ التلاوة فإذا به يقرأ قول الحق تبارك وتعالى: "ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض" فكانت بشرًا نزلت على قلوبنا بردًا وسلامًا.

بين سيارة .. ونصف نعل: كنت أطوف في دائرة مصر القديمة مشيًا على الأقدام وبجانبي أخ كريم من البارزين في الحي وطال بنا المسير فإذا بالأخ الكريم يلتفت إلي ويقول: ما هذا؟ عهدنا بالمرشحين يركبون السيارات وأنت كدت تجعلنا نركب للحذاء نصف نعل؟!.

مرشح غني:

كانت مواكب الإخوان تطوف بالدائرة وهي مؤلفة من طلبة الجامعة والشباب المثقف ومن كرام الموظفين وغيرهم فاسترعى هذا المنظر التفات أهالي الدائرة ولم يعهدوا من قبل إلا مواكب تتألف من الصبية الصغار وفريق من المرتزقة في ملابسهم الرثة الممزقة

وقد سمع أحد الإخوان رجلا من أهالي الدائرة يقول لآخر وقف بجانبه: يظهر أن مرشح الإخوان غني جدًا حتى استطاع أن يجمع هذا الموكب الفخم! ولم يدرك هذا الرجل بعد أن هؤلاء هم جند الرحمن ودعاة الإسلام ولو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما استطعت شراءهم ولا استئجارهم فالإيمان لا يباع والقلوب لا تشترى.

هتاف .. وهتاف:

جرت العادة أن يكون الهتاف في مواكب المرشحين بحياة فلان وسقوط فلان إلى غير ذلك وللمرة الأولى تسمع دائرة مصر القديمة هتافًا سماويًا ونداء علويًا ونشيدًا ملائكيًا، فالإخوان في مواكبهم يكبرون لله لا لعبد من عباده ويهتفون للإسلام والقرآن لا لشخص من الأشخاص فهتافهم "الله أكبر ولله الحمد، لا عزة إلا بالإسلام، لا حكم إلا بالقرآن، مرشح الإخوان نصير الزكاة..".

تبرع كريم:

منذ بدأت المعركة وأنا أجد من إخواني الناخبين العطف السامي والبذل الكريم فما ركبت معم إلا كنت ضيفًا عليهم وما نزلت دارًا أو مكانًا إلا أفاضوا. من كرمهم علي وعلى الحاضرين حتى خيل إلي أنهم هم المرشحون وأني أنا ناخبهم الوحيد وهكذا يقلب الإخوان الأوضاع ويضربون للناس أروع الأمثال، وهكذا ينافس إخوان القاهرة إخوان الإسماعيلية وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

ولا يفوتني أن أسجل بمداد الفخر وآيات الشكر ذلك التبرع الكريم من الشاب النبيل "عمر أفندي مرعي" الطالب بكلية الزراعة فقد تبرع بمبلغ 45جنيه مصري مساهمة منه في نفقات الانتخابات بدائرة مصر القديمة جزاه الله عنا أحسن الجزاء وأخلف عليه وتقبل منه وأجزل له العطاء.

ناخب شهم:

في ذات ليلة حضر ناخب مع بعض زملائه من أهالي مصر القديمة إلى مقر شعبة الإخوان وما كاد يستقر حتى خطب رئيس الشعبة قائلا نحن نعلم أنكم فقراء ومع ذلك جئنا نعدكم بأن أصواتنا ستكون لمرشحكم فشكره نائب الإخوان وقال له إن الإخوان لا يشترون أصوات الناس بالمال. ولكن الناخب الشهم استطرد قائلا (ونريد أيضًا أن ننضم إلى الإخوان فما قيمة الاشتراك)

فأجاب نائب الإخوان (حسبنا أن تكون معنا بقلبك ولسانك فلسنا طلاب مال أما الاشتراك فيقدمه الأخ مدفوعًا بشعوره على قدر طاقته وعند انصراف هذا الناخب الكريم اقترب من نائب الإخوان ووضع في جيبه ورقة من فئة العشرة قروش! وهكذا يشتري بعض المرشحين ناخبهم بالمال ويدفع ناخب الإخوان لمرشحهم الاشتراكات.

شكر وعهد:

في كل مكان أطوف فيه أرى قلوب الناس متفتحة لدعوة الله مقبلة على مرشح الإخوان داعين له ولتأييده من قبل أن تراه،وليس لي إزاء هذا الشعور النبيل والعطف الكريم، إلا أن أشكر من أعماق قلبي هؤلاء الناخبين وأعاهدهم بل أعاهد الله وضميري، أن أكون داعيًا إلى الإسلام والقرآن تحت قبة البرلمان مناضلا عن حقوقهم ومصالحهم متفانيًا في خدمتهم، فعلى هذا الأساس تقدمنا وعلى الله توكلنا، هو مولانا وهو ناصرنا.

كسبنا المعركة:

وأستطيع أن أقول من الآن إن الإخوان المسلمين قد كسبوا المعركة فهم دعاة فكرة وحملة رسالة، قبل أن يكونوا طلاب مقاعد في مجلس النواب، وما دامت دعوتهم قد وصلت، وما دامت فكرتهم قد سمعت، وما دامت قلوب الناس معهم فقد كسبوا المعركة مهما كانت نتيجة الانتخاب. (97)

وانطلقت الانتخابات ولأسف انطلق معها التزوير حيث كانت عيون الانجليز تراقب الأمر عن كثب وفزعت من دخول البنا وأنصاره الانتخابات مرة ثانية فأوعزوا لماهر باشا أن يحول بين الإخوان والبرلمان، فاستجاب وحمل على عاتقه ذلك الأمر حتى أنه صدر عنه تصريح غريب حينما سئل عن دائرة الإسماعيلية وما يحدث فيها أعلن أن الحكومة المصرية لا شأن لها بهذه الدائرة، وأن الإنجليز هم الذي يتولونها ممثلين في حاكم سيناء الإنجليزي آنذاك. (98)

ويذكر محمود عساف أن أهل الإسماعيلية أقاموا على نفقاتهم 60 سرادقًا للدعاية الانتخابية للإمام البنا، وتوافد على الإسماعيلية الآلاف من إخوان البلاد الأخرى تأييدًا للإمام البنا (99). ولما جاء يوم الانتخاب فوجئ أهل الإسماعيلية بتدخل الجيش البريطاني في الانتخابات حيث أحضروا أعدادًا كبيرة من العمال الذين يعملون في معسكرات الجيش البريطاني في سيارات

وشاركوا في الانتخاب بتذاكر مزورة بأسماء ناخبين من أهل الإسماعيلية، فاحتج أهل الإسماعيلية ولم يسمع لهم من قبل السلطات، وانتهى يوم الانتخابات وظهرت النتيجة وكانت إعادة بين حسن البنا وسليمان عيد (والذي كان يعمل متعهد أغذية في معسكرات الإنجليز) (100).

كانت الإعادة في الإسماعيلية شكل أخر عن كل الدوائر حيث حشد الانجليز والحكومة قوتهم لإسقاط حسن البنا أمام سليمان عيد وينقل لنا الدكتور محمود عساف المشهد كشاهد عيان – حيث كان بالإسماعيلية في ذلك الوقت) فيقول:

"كنا نرى مئات من السيارات اللوري المليئة بعمال المعسكرات البريطانية، ومعظمهم من صعيد مصر تجوب طرقات الإسماعيلية هتافًا لسليمان عيد، ثم تتوقف أمام لجان الانتخابات ليدخل هؤلاء وينتخبون، واحتج الشهيد عبد القادر عودة على التزوير-وكان يعمل قاضيًا ورئيسًا لإحدى اللجان- فصدر أمر وزير العدل بنقله فورًا من الإسماعيلية
فأبى الشهيد عبد القادر عودة هذه الإهانة واستقال من القضاء، وكانت تلك باكورة صلته بالإمام الشهيد وبالإخوان المسلمين التي أصبح وكيلها فيما بعد قبل أن تغتاله يد الغدر بالإعدام شنقًا عام 1954م، وكانت الأصوات التي حصل عليها الإمام محدودة في كل اللجان، فقد بدلت الصناديق بغيرها إلا لجنة واحدة كانت منسية حصل فيها الإمام البنا على 100٪ من الأصوات، وكانت هذه اللجنة لجنة الطور، وكان وكيل الإمام فيها الخواجة خريستو صاحب محل البقالة الوحيد هناك. (101)
وما حدث مع الإمام حدث تقريبًا مع باقي مرشحي الإخوان، ولكن بدرجة أقل فلم ينجح منهم أحد في هذه الانتخابات، وعند إعلان النتيجة وقف الإمام البنا وسط الإخوان متحدثًا إليهم ليهدئهم ويوضح لهم ما حدث، وكان مما قاله لهم: "إن عجز أمة عن أن تدفع أحد أبنائها إلى البرلمان ليقول كلمة الحق والإسلام لدليل على أن الحرية رياء وهباء
وأن الاستعمار هو سر البلاء، إنني أحسب أن مراجلكم تغلي بالثورة وعلى شفا الانفجار، ولكن في هذا الموقف لابد من صمام الأمان، فاكظموا غيظكم، وادخروا دماءكم ليوم الفصل، وهو آت لا ريب فيه ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ووصيتي لكم أيها الإخوان أن تنصرفوا إلى منازلكم وبلادكم مشكورين مأجورين، وأن تفوتوا على أعدائكم فرصة الاصطدام بكم". (102)

وبعد انتهاء الانتخابات وحدث فيها ما حدث كتب الأستاذ صالح عشماوي تحت عنوان (بعد المعركة الانتخابية: انتصار) قال فيه:

أعلنت نتيجة الانتخابات لعضوية مجلس النواب عن دائرة مصر القديمة ولم يفز كاتب هذه السطور ومرشح الإخوان المسلمين ومع ذلك فقد كانت هذه الهزيمة هي عين الانتصار‍! أجل لقد فزنا أو على الأصح انتزعنا 764 صوتًا ليس بينها صوت دخيل على الدائرة، ولم نكسب هذه الأصوات بل لم نجتذب هذه القلوب بإغراء المادة أو رهبة القوة، وفي الحق ليس بين هؤلاء الناخبين فرد لم يتعرض – على ما به من فقر – لإغراء المال، وليس من بينهم لم يهدد – على ما به من ضعف – ببطش السلطان، ومع ذلك لم يغرهم الأصفر الرنان ولم يرهبهم البطش والسلطان!
فأي انتصار بعد هذا الانتصار؟ وليس هذا العدد وحده هو الذي فزنا به بل لقد كنت أشهد أمام اللجان الانتخابية المئات من الناخبين وقد وقفوا الساعات الطوال يريدون أن يقتحموا الأبواب ليمنحوني ثقتهم ويعطوني أصواتهم، ولكن حال دون ذلك عدم صرف التذاكر الانتخابية لهم فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا سبيلا لتأييد من يناصرون.
ولقد طفت بالدائرة غداة ظهور النتيجة فشعرت بالحب يغمرني في كل مكان، والولاء والثقة بشخصي الضعيف تجري على كل لسان، ومبادئ الإخوان المسلمين يهتف بها الصغار من الصبيان كما يرددها الكبار من شيوخ وشبان، ولقد قرأت في بعض الوجوه الدهشة كما رأيت على وجوه أخرى أمارات الأسف والندم، فقد تعود الناس بعد الانتخابات أن يعتكف الذي لم يفز بالنيابة وهو ثائر حانق يرمي الناخبين بأشنع الاتهامات! وأما الفائز فقد جعل بينه وبين ناخبيه جدارًا بل جدران، فلما مررت على أهالي الدائرة أشكرهم جميعًا أكبر الذين انتخبوني هذا الوفاء، وندم الذين انتخبوا غيري ولاموا أنفسهم على عدم الولاء، وخرجت من هذا الطواف وقد رضيت عن أهالي الدائرة جميعًا ورضي عني الخصوم والأنصار على السواء.
إن دائرة مصر القديمة هي دائرتي العزيزة إلى نفسي، الحبيبة إلى قلبي، ولن أتركها للنيابة عنها فما ذلك إلا لأكون أقدر على خدمتها والدفاع عن مصالحها، فإذا حيل بيني وبين ذلك الدفاع باللسان وتحت قبة البرلمان فما زال في الميدان متسع لخدمتها والدفاع عنها بالقلم والبيان ومن فوق المنبر الدائم منبر صاحبة الجلالة الصحافة، هذا عهدي لها أشهد الله والناس عليه وكفى بالله شهيدًا، ولقد دعوت أهالي مصر القديمة بالأمس ليعطوني أصواتهم فمنحوني قلوبهم وغمروني بحبهم وثقتهم وأنا بهذا الحب وبهذه الثقة معتز فخور

وما من قوة في الأرض تستطيع أن تفصل بيننا أو تفرق بين قلوبنا، وسنعمل معًا جنبًا إلى جنب في سبيل الهدف الأسمى والغاية الكبرى من إعلاء كلمة الله ونشر دينه والمناداة بكتابه والحكم بشريعته، بقيت لي كلمة إلى إخواني من مختلف الشعب فقد شدوا أزري وستروا ضعفي فأصبحت بهم قويًا، وغمروني بفضلهم وكرمهم فكنت بمساعداتهم غنيًا، ولقد حملوا لهذا الشعب الحائر نور الهدى وشعلة الإرشاد ولقنوا أهالي دائرة مصر القديمة أسمى المبادئ وأشرف الغايات، وليس لي أن أشكرهم فما عملوا يومًا لشخصي، ولكنني أسأل الله أن يضاعف لهم الجزاء (103)

ولقد كتب الأستاذ يحيى نامق (وهو دبلوماسي مصري عمل بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية) تحت عنوان "من مذكرات دبلوماسي مجهول" يقول:

وهذا الإلهام الصادق بل هذه الوطنية العميقة كانت تُقضُّ مضاجع دهاه الاستعمار، وقد سمعت ذلك بأذني من أكبر الأفاعي فى إحدى ليالي فبراير من عام 1948، فقد جمعتني حفلة عشاء بمنزل شخصية أجنبية كانت تسكن بشارع بولس حنا بالعجوزة وهناك قابلت الجنرال "كلايتون" ، وكان يومها يعتبر أخطر شخصية بريطانية فى الشرق، وانتحى بى الرجل في شرفة المنزل وأخذ يحدثنى عن رأيه فى زعماء مصر والعرب، وفجأة وجه إلى سؤالا أدهشني قال إذا أجريت انتخابات في مصر فمن ينجح؟ النحاس والوفد، أم النقراشى والحكومة، أم حسن البنا وأنصاره؟. (104)

على العموم انتهت الجولة الأولى للإخوان بالانسحاب من الانتخابات تحت ضغوط وزارة النحاس باشا، وبتزوير الانتخابات ضدهم في وزارة ماهر باشا، ومع ذلك كان الناس يتمنون أن يحقق البرلمان المنشود منه وقد صورها رسام الكاريكاتير بهذه الصورة

الإخوان وانتخابات 1948م

كانت الانتخابات السابقة مؤشر دال على تعنت الحكومة والانجليز للإخوان المسلمين فلن يقبل الانجليز بولوج الإخوان داخل البرلمان أو التواجد في أماكن صناعة القرار...وحينما أدرك الإخوان ذلك حجموا بشكل ظاهر عن الدخول في هذا المعترك لكنهم وقفوا خلف من يرونه قريبا من أفكارهم ومنهجهم

فعمدوا لانتخاب كل من يعمل لصالح الوطن، ولديه القدرة على التصدي للفساد المستشري ولغطرسة المستعمر، ففي انتخابات 1948م قام الإخوان بترشيح الأستاذ صادق سلامة (القبطي) صاحب جريدة الإنذار ووكيل نقابة الصحفيين عن دائرة المنيا ,ولقد قامت شعبة الإخوان بالمنيا بتزكيته لدى مكتب الإرشاد والذي اعتمد هذه التزكية ووافق على ترشيح الأستاذ صادق سلامة. (105)

كما إن شعب الإخوان المسلمين وقفت خلف اللواء محمد صالح حرب باشا رئيس جمعية الشبان المسلمين فى الانتخابات بدائرته بأسوان وقد نددت جريدة الإخوان بالتصرفات الشاذة التي تمارسها الحكومة ضد صالح حرب وأتباعه لحساب منافسه السعدى وطالبوا الحكومة بالحياد كما ناشدوا الأسوانيين بالوقوف مع الحق. (106)

وعندما أثير موقف اشتراك الإخوان فى الوفد الوطني قال مكرم عبيد:

" لا أدرى لماذا أثير جدل عنيف حول اشتراك الإخوان فى السياسة وهم فى ذلك على دينهم والدين هو المثل الأعلى بمبادئه السامية وقال أنا كمسيحي أطالب بالتمسك الشديد بمبادئ الإسلام."

الأخوات المسلمات والتشريع عام 1948

اهتم الأستاذ البنا بالمرأة ووضعها على رأس أهدافه فأنشأ قسم الأخوات المسلمات لدورها في استقامة المجتمع أو اعوجاجه. ولذا لم تتوقف معاني الشورى والديمقراطية عند الإخوان فحسب بل واصلت نهجها وسط الأخوات المسلمات في وقت كان ينظر للمرأة على أنها خادمة للرجل فقط، لكن أعاد الإخوان فهمهم لطبيعة المرأة ودورها الذي أعطاها لها الإسلام.

وفى تلك الفترة تكون قسم للأخوات المسلمات، وكان رئيس القسم هو الشيخ عبد اللطيف الشعشاعى، وأما المشرف على القسم من قبل مكتب الإرشاد فكان الأستاذ صالح عشماوى. ومع ازدياد نشاط الأخوات تكونت أول لجنة تنفيذية من الأخوات بتاريخ 12 من ربيع الأول 1363هـ الموافق 14 من أبريل 1944م، واتخذت لها مقرًا بالمنزل رقم 17شارع سنجر الخازن بالحلمية الجديدة بالقاهرة.

والجدير بالذكر أنه قد تشكلت لجنة إرشاد عامة للأخوات منبثقة عن اللجنة التنفيذية، ضمت كلا من:

  1. السيدة أمال العشماوي "رئيسة" زوجة منير الدلة وابنة محمد العشماوي باشا
  2. السيدة فاطمة عبد الهادي "وكيلة" زوجة الشهيد محمد يوسف هواش.
  3. السيدة أمينة على "أمينة الصندوق" زوجة محمود الجوهري.
  4. فاطمة توفيق "سكرتيرة أولى".
  5. منيرة محمد نصر "سكرتيرة ثانية".
  6. زينب عبد المجيد .
  7. هانم صالح.
  8. سنية الوشاحى زوجة عبدالحليم الوشاحي .
  9. فاطمة عبيد أم احمد من شبرا.
  10. زهرة السنانيرى أخت الشهيد كمال السنانيري .
  11. محاسن بدر.
  12. فاطمة البدرى

في قسم الأخوات اجتمعت الهيئة التأسيسية للأخوات المسلمات لانتخابات لجنة الإرشاد العامة للأخوات في رمضان 1367هـ الموافق يوليو 1948م، في المركز الرئيسي للقسم بالمنيرة وقد حضره أغلبية عضوات الهيئة وقد حضر الانتخاب الشيخ سيد سابق وقد أجريت بطريقة الاقتراع السري وانتخبت اثنتي عشرة أختا واختير من بينهن رئيسة ووكيلة وأمينة صندوق وسكرتيرة. (107)

لقد كان من أثر المحتل أن خرجت المرأة وزاحمت الرجال فى ميادين الحياة العامة وقلدت المرأة الغربية فى كل شئونها دون تمييز حتى الحياة السياسية طالبت بأن تكون عضوة في البرلمان وتمارس الحياة السياسية كالرجال. وكان للإخوان موقفا من هذه المسألة خاصة أنها تضخمت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وبعد أن أخذت الصحف تردد صوت المرأة مطالبة بحقوقها السياسية ورغبتها فى مساواتها بالرجل فى الانتخاب فقد كان موقفهم وفقا لشرائع الإسلام من أن المرأة شقيقة الرجل

وأن الله وهبها من المواهب مثل التى وهبها للرجل وأن لها الحق فى التعلم والعمل بما يتناسب مع طبيعتها كامرأة وما يطلبه طبيعة المجتمع منها فى العمل كمدرسة أطفال أو طبيبة نساء أو ما شابه ذلك لكنهم رفضوا مزاحمتها للرجال فى الأعمال التى لا تعود عليها وعلى مجتمعها بالفائدة وكما رفضوا خروجها للعمل رفضوا أن تشارك فى العملية السياسية فقد ذكر الإمام حسن البنا فى رسالة (المرأة المسلمة) بأن المجتمع الإسلامى مجتمع فردى وليس زوجى وأن للرجال مجتماعتهم وللنساء مجتمعاتهن وإن كان الإسلام أباح للمرأة شهود العيد وحضور الجماعة إلا أنه اشترط فى ذلك شروط. (108)

وقامت مجلة الإخوان المسلمين الأسبوعية باستطلاع رأى بعض علماء الأمة فى موضوع منح المرأة حق الإنتخاب فاستطلعت رأى فضيلة الشيخ محمود شلتوت ومحمد زكى على باشا ومحمد خطاب بك فكان رد الشيخ شلتوت أنه من العجب أن يزج بالمرأة فى المعارك الانتخابية لأن ذلك يقضى على الأخلاق فالسياسة لا تعرف إلا الاحتيال والخديعة والإختلاط المنهى عنه وشدد على تهذيب المرأة لأن الانتخابات تقوم فى جو من المصالح الشخصية والثقافة والحوادث

ورأى محمد زكى باشا أنه يجب إعطاء المرأة المتعلمة حق الانتخابات وأنه ليس من العدل أن يكون للرجل غير المتعلم حق الانتخاب فى حين لا يكون للمرأة المتعلمة الحق فى ذلك غير أنه أضاف بأن الوقت لم يحن بعد لتمثيل المرأة المصرية فى البرلمان والاشتراك فى عضوية المجالس النيابية وكان رأى محمد خطاب بك أن إعطاء المرأة حق الانتخاب أمر ضروري لأنها نصف المجتمع وأن العالم كله يسير على هذا النهج ونساء مصر ليسوا أقل من نساء العالم, ولقد كانت هذه الأراء الشخصية لهم. (109)

ولقد قامت إحدى الصحف بعمل استفتاء على ما يقرب من 500 طالبة ووجهت لهن عدة أسئلة حول موضوع المرأة والبرلمان وكان من هذه الأسئلة:

  1. هل ترين أن الوقت قد حان لدخول المرأة البرلمان؟
  2. هل تميلين إلى الدخول فى دراسة مشتركة مع الشبان؟
  3. هل تفضلين الزواج أم الوظيفة؟

وقد عارضت الأغلبية دخول المرأة للبرلمان وأيدت الدراسة المنفردة وفضلت الزواج على الوظيفة وقد نقلت مجلة الإخوان هذا الإستفتاء عن هذه الصحيفة (110). وكتبت إحدى السيدات مقالا تحت عنوان (المرأة والبرلمان) ذكرت فيه أن لكل ميدان أسلحته المناسبة فهل استعدت المرأة بالأسلحة التى ستخوض بها معركة الحياة السياسية؟ وهل هى تصلح لهذا العمل أم أنها تنساق وراء الأجنبيات دون وعى؟.

وأكدت أن المرأة المصرية لا تستطيع أن تنجح فى الحياة النيابية خصوصا فى الوقت الراهن بسبب:

  1. أن عدد المتعلمات مازال قليلا جدا.
  2. أن هذا العدد القليل لا يعرفن من مبادئ التربية إلا القشور ولا يدرين شيئا عن أصول الحياة النيابية.
  3. أن الحياة النيابية فى مصر لم تصل بعد إلى الرقى المطلوب. (111)

الإخوان وانتخابات 1951م

في 8 ديسمبر 1948م صدر قرار النقراشي باشا رئيس الوزراء بحل جماعة الإخوان المسلمين وفوجيء الجميع بحملة اعتقالات شديدة في صفوف الجماعة، واستمر الصدام حتى سقط الإمام حسن البنا شهيدا في 12 فبراير 1949م، وسعى بعدها بعض الإخوان على إلغاء قرار الحل.

تعرض الإخوان للتعذيب الشديد على يد إبراهيم باشا عبد الهادي الذي خلف النقراشي باشا حتى سمى عهد بالعسكري الأسود لبشاعة التعذيب، واستمر حتى أصدر الملك قرارا بإقالة إبراهيم عبد الهادي وسماها هدية العيد في 25 يوليو 1949م وكلف حسين سري باشا بتشكيل الوزارة، وبالفعل شكلها في 25 يوليو 1949م حتى 12 يناير 1950م وفي أثناء ذلك عمد لإجراء انتخابات برلمانية.

كان الإخوان ما زالوا يعانون المحنة وأثرها ومن ثم لم يتمكنوا من ترشيح أحد لكنهم وجد وقوفهم خلف الوفد هو أفضل السبل في ظل وعود الوفد لهم بإلغاء المعاناة الواقعة على الإخوان. وقف الإخوان فيها خلف حزب الوفد حتى تحقق له النصر وعادت حكومة النحاس باشا مرة أخرى، من 12 يناير 1950 وقد حدث في عهدها ألغيت معاهدة 1936م، وكذلك في عهدها حدثت موقعة الإسماعيلية 1952 بين الشرطة المصرية والقوات البريطانية. وأقيلت الوزارة بعد حريق القاهرة الذي وقع في 26 يناير 1952.

برلمانات ثورة يوليو 1952م

انغمس الملك في الفساد وزاد ذلك في أيامه الأخيرة حتى ضجر الشعب من تصرفاته وزاد من سخط رجال الجيش بسبب فساده وحاشيته خاصة نتيجة صفقة الأسلحة الفاسدة في حرب فلسطين ودفعه بحسين سري عامر في انتخابات نادي الضباط ضد إرادة الضباط الذين رشحوا اللواء محمد نجيب، ومع طلوع فجر اليوم الأول من يناير 1952 أعلنت النتيجة وحصل محمد نجيب على أغلبية ساحقة شبة جماعية، ولم يحصل منافسه سوى على 58 صوتا فقط، فكانت النتيجة صدمة شديدة للملك فقرر حل مجلس إدارة النادي.

وحين قامت حركة الجيش وطوحت برأس الفساد "فاروق" الملك المخلوع الطاغية أعلن الرئيس اللواء محمد نجيب أن من أهم أهداف الثورة إقامة حياة برلمانية سليمة في البلاد، وكان من الطبيعي أن تلغي الثورة دستور 1923 ذلك الدستور القائم على أساس الملكية الوراثية الذي كشفت التجربة عن ثغرات خطيرة فيه جعلت الحياة النيابية في مصر مهزلة ومكنت الملك المطرود من الاستبداد وإفساد الحياة النيابية وفي الوقت الذي ألغت فيه الثورة دستور 1923 ألفت لجنة لوضع مشروع الدستور ووعدت بإعادة الحياة النيابية السليمة في نهاية فترة الانتقال التي حددتها بثلاث سنوات تبدأ من تاريخ إعلانها.

ولقد خطب الرئيس اللواء محمد نجيب في جماهير الشعب بعد عودته لرئاسة الجمهورية فقال:

إننا قد قررنا أن تكون الجمهورية جمهورية برلمانية على أساس أن تبدأ فورا بتأليف جمعية تأسيسية تمثل كافة هيئات الشعب المختلفة لتؤدي وظيفة البرلمان مؤقتا وتراجع نصوص الدستور بعد أن يتم وضعها وبعد ذلك تجرى الانتخابات وتعود الحياة النيابية إلى البلاد في مدى أقصاه نهاية فترة الانتقال وهذا أمر اتفقنا عليه. ونحن عند وعدنا الذي قطعناه على أنفسنا من أننا لم نقم إلا لإعادة الدستور على أسس سليمة في نهاية فترة الانتقال.
ولا شك أن هذا التصريح من رجل مسئول سيقضي على كل شك في نفوس المترددين والمرجفين الذين كانوا يذيعون أن الحياة النيابية لن تعود بعد فترة الانتقال ستطول إلى سنوات وسنوات بل إن هذا التصريح ليزف إلى الشعب بشرى سعيدة هي خطوة طيبة نحو الحياة البرلمانية إذ أعلن الرئيس أن الاتفاق قد تم على الشروع فورا في تأليف جمعية تأسيسية تمثل كافة هيئات الشعب المختلفة وتؤدي وظيفة البرلمان مؤقتا
وهذا أقصى ما يمكن عمله الآن فإن مشروع الدستور الجديد لم يتم بعد كما أن قانون الانتخابات الجديد لم يضع حتى الآن ولا يمكن إعادة حياة نيابية كاملة بغير دستور وكذلك لا يمكن إجراء انتخابات لتكوين جمعية تأسيسية لأن قانون الانتخابات لم يوضع بعد كما قلت ولأن الجداول الانتخابية الحالية لا تصلح لإجراء انتخابات حرة نزيهة فقد كانت هذه الجداول هدفا لتلاعب الوزارات الحزبية المتعاقبة.
وفيها وضعت أسماء الموتى وكررت أو حذفت أسماء الأحياء وكذلك الدوائر الانتخابية التي سيجرى على أساسها الانتخابات لم تحدد بعد وبالاختصار لو أجريت انتخابات اليوم على الجداول الحالية وقانون الانتخاب القديم لحدثت كل المهازل والمآسي التي كابدها الشعب في جميع الانتخابات الماضية.. وأمام هذه الظروف والعقبات التي تحول دون قيام جمعية تأسيسية منتخبة وإعادة الحياة البرلمانية الكاملة رأي قادة الثورة أن يبادروا بتكوين جمعية تأسيسية تمثل كافة هيئات الشعب المختلفة لتؤدي وظيفة البرلمان مؤقتا
وتراجع نصوص الدستور بعد أن يتم وضعها وبعد ذلك تجرى الانتخابات وتعود الحياة النيابية إلى البلاد وأراد الرئيس اللواء أركان حرب محمد نجيب أن يضع النقط فوق الحروف ولا يترك تنفيذ ذلك معلقا على الظروف بل حدد التاريخ فقال: وتعود الحياة النيابية في مدى أقصاه نهاية فترة الانتقال. ونحن نهنئ مصر بهذه الخطوة التي أعلنها الرئيس محمد نجيب نحو الحياة النيابية والله ولي التوفيق (112).

مشاركتهم في الدستور

عبد العزيز ولجنة الدستور

بعدما نجحت ثورة يوليو عمل الإخوان على تشكيل لجنة لوضع دستور يقدم كدستور للبلاد، وبالفعل اجتمعت الشعبة القانونية بجماعة الإخوان المسلمين في محاولة لعمل دستور يقدم لرئيس الجمهورية لعرضها على الشعب.

يقول إبراهيم زهمول في رسالته العلمية الإخوان المسلمين:

ففي الوقت الذي اضطرب فيه مفهوم الحكم ونظامه لدى القادة الجدد تقدم الإخوان بمشروع دستور إسلامي مقترح للدولة المصرية صاغ مواده المرحوم الدكتور محمد طه بدوي (توفى عام 1981 وكان أستاذا للقانون العام والعلوم السياسية بكلية التجارة جامعة الإسكندرية) عضو الشعبة القانونية وقد ناقشته لجنة برئاسة المرحوم الأستاذ عبد العزيز عطية (1894-1976) عضو مكتب الإرشاد ورئيس المكتب الإداري للإخوان بالإسكندرية باشتراك كل من الأستاذ على فهمي طمان (محام) والدكتور غربي الجمال (حالياً أستاذ الاقتصاد الإسلامي بمعهد الدراسات الإسلامية بالقاهرة) عضوي الشعبة القانونية ،وقد أقرته الهيئة التأسيسية بتاريخ 16 سبتمبر 1952 م. كمال خليفة
وتم إسناد ثلاث وزارات في وزارة محمد نجيب في 7 سبتمبر 1952 للإخوان وقامت الجماعة بترشيح أحمد حسني ومحمد كمال الديب ومنير الدلة وحسن العشماوي لاختيار ثلاثة منهم لكن جمال عبد الناصر اختار واحدا فقط وهو الشيخ أحمد حسن الباقوري وزيرا للأوقاف

الإخوان وانتخابات 1976م

بعدما زالت المحنة عن الإخوان وأنهى الكثير منهم فترات سجنهم فتح لهم السادات مجال العمل الدعوي بعض الشئ ليتصدوا للطوفان الشيوعي واليساري الذي تغلغل في كل مكان في المؤسسات والجامعات. ومن ثم نشد الإخوان العمل البرلماني فتم ترشيخ الشيخ صلاح أبو إسماعيل والذي فاز في دائرته بدعم من الإخوان في هذه الفترة.

الإخوان في برلمان 1979م

لم يكن البعض يعرف الشخصيات الإخوانية كثيرا إلا المشهورين منهم بسبب التغيب الكبير داخل السجون لكن كان لبعضهم نشاط طيب وسط الدائرة التي يقع فيها ومن ثم تم الدفع بهم فكان في هذا الانتخابات الشيخ صلاح أبو إسماعيل عن دائرة الدقي والتي فاز بها وأيضا الأستاذ حسن الجمل عن دائرة المنيل ومصر القديمة وقد فاز بها، وأيضا الأستاذ محمد المراغي.

الإخوان في برلمان عام 1984م

يقول الدكتور إبراهيم الزعفراني:

كان لتوجه أ. عمر التلمساني المرشد العام للإخوان المسلمون فى ذلك الوقت الأثر الكبير فى التحول بالإخوان المسلمين للعمل العام والمشاركة فى مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الحكومية والاندماج فى المجتمع وإعادة صورة الإخوان الناصعة إلى الأذهان بعد ان شوهت خلال حكم الرئيس عبد الناصر .
وكان واضحا ان أ. عمر التلمساني يتجه بالجماعة لخوض انتخابات مجلس الشعب من خلال تأييده واتصاله الدائم بكل من أ. حسن الجمل والأستاذ عادل عيد (رحمة الله عليهما) عضوا مجلس الشعب فى انتخابات عام 1979 والاهتمام الذي أولاه لهذه التجربة.

وبعد تحول الحياة السياسية فى مصر من سيطرة الحزب الواحد (الاتحاد الاشتراكي) الى منابر ثلاثة داخل الحزب الواحد . ثم الى أحزاب ثلاثة:

  1. حزب مصر برئاسة ممدوح سالم رئيس الوزراء فى ذلك الوقت والذي تحول أعضائه الى الحزب الوطني الديمقراطي تحت رئاسة السادات .
  2. حزب العمل الاشتراكي (امتداد لحزب مصر القناة قبل الثورة) برئاسة أ.إبراهيم شكري
  3. حزب الأحرار الديمقراطي برئاسة أ. مصطفى كامل مراد .

ثم يظهر حزب الوفد الجديد برئاسة فؤاد سراج الدين الذي حل ثم عاد بحكم قضائي قبل انتخابات عام 1984 بثلاثة أشهر فقط .

صدر قانون يجعل الانتخابات عام 1984 بالقوائم الحزبية النسبية المشروطة قوائم حزبية (فالأحزاب وحدها تقدم قوائم بحيث لا يقل عدد العمال والفلاحين بها عن النصف:

النسبية: ان كل حزب يؤخذ من قوائمه مقاعد بنسبة ما حصل فى الدائرة ابتداء من راس القائمة مع مراعاة نسبة العمال والفلاحين وكل كسر المقعد تحصل عليه القائمة الأولى فى الدائرة حتى ولو لم يكن لها الا 1 % من هذا الكسر .
المشروطة: تعتبر القوائم الخاصة بالحزب الذي لم يحصل على 8% من مجموع أصوات الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم ساقطة ليس لها اى نصيب وكان المقصود من هذا ان يسيطر الحزب الوطني على معظم المقاعد ان لم يكن كلها بعد استبعاد الإخوان لأنهم من المستقلين الذين ليس لهم حق الترشح وكذلك استبعاد الوفد لا سيما وحصوله على نسبة ال 8 % يعد من المستحيلات فلم يمضى على ولادته الجديدة سوى ثلاثة أشهر.

فسعى الإخوان للتحالف مع القوى السياسية فكان الوفد الجديد والذي عاد للحياة بعد إلغاء قانون الأحزاب وبالفعل تحالف مع الإخوان في قائمة واحدة حيث فاز من القائمة من نواب الإخوان سبعة وهم:

  1. حسني عبد الباقي
  2. عبد الغفار عزيز
  3. حسن الجمل
  4. محمد المراغي
  5. محمد الششتاني
  6. محفوظ حلمي
  7. حسن جودة

و من نواب حزب الوفد الجديد:

  1. المستشار ممتاز نصار
  2. ياسين سراج الدين
  3. عادل عيد

الإخوان في البرلمان عام 1987م

بعد صدور حكم المحكمة الدستورية ببطلان مجلس الشعب الذي انتخب عام 1984 لأنه كان بالقائمة الحزبية النسبية المشروطة ولم يسمح لغير الحزبين من المواطنين بالترشح مما يتناقض مع مبدأ المساواة بين المواطنين الذي ينص عليه الدستور المصري….وبناءا علي هذا الحكم تم حل مجلس الشعب قبل انتهاء مدته القانونية وتم دعوة المواطنين لانتخاب مجلس شعب جديد عام 1987.

أراد الإخوان الدخول في حلف مع الوفد مرة أخرى خاصة وان هذه المرحلة كان يقود الإخوان الأستاذ محمد حامد أبو النصر بعد وفاة الأستاذ التلمساني، غير أن الوفد – كما يذكر الدكتور الزعفراني- أحس في هذه المرة انه اقوي منه عام 1984 وانه ليس في حاجة للتحالف مع الإخوان، فعمر الحزب الجديد تعدي الثلاث سنوات علي إنشائه، وان الانتصار الذي حققه في عام 1984 رفع من أسهمه عند النخبة الذين سارعوا للانضمام إليه كما أن الوفد لم يريد أن يظل معتمد علي شعبية الإخوان فتذوب شخصيته أو شعبيته

وأيضا من اجل أن يتخلص الوفد من الضغوط الداخلية والخارجية التي تتهمه بأنه السبب في السماح للإخوانبدخول العمل السياسي واثبات وجودهم وشعبيتهم حيث أن نظام الانتخابات بالقوائم الحزبية المطلقة عام 1984 قصد منها أساسا غلق الباب في وجه الإخوان المسلمون حتى لا يتمكنوا من الترشح حيث أن القانون وقتها وضع ليسمح للأحزاب وحدها بالترشح ولم يكن للمستقلين أي حق في ذلك. لهذه الأسباب وغيرها قرر حزب الوفد أن ينفرد في انتخابات عام 1987 بقوائم حزبه واعتذر للإخوان المسلمين عن مشاركتهم له.

ويضيف: فاجتمع مكتب الإرشاد وبحث عرضا من حزب العمل الاشتراكي وحزب الأحرار الديمقراطي بإقامة تحالف ثلاثي مع الإخوان المسلمين، وخوض انتخابات عام 1987 بقوائم موحدة، وتمت الموافقة وسمي هذا التحالف (التحالف الإسلامي)– وتم عمل برنامج انتخابي مشترك يحوي المحاور الرئيسية المتفق عليها بين المتحالفين. ورشح كل جانب من التحالف من يمثله في لجنة الاتفاق علي أسماء المرشحين في كل دائرة فمثل الإخوان المستشار مأمون الهضيبي ود. عبد المنعم أبو الفتوح، ومثل حزب العمل أ. إبراهيم بركات، ومثل حزب الأحرار رئيسه أ.مصطفي كامل مراد.

وأجريت الانتخابات بعد التوافق على أسماء المرشحين وقد فاز التحالف ب60 مقعدا في مجلس الشعب، كان نصيب الإخوان منها 36 مقعدا ولمعت أسماء الإخوان في مجلس الشعب وقاد كتلة الإخوان المستشار مأمون الهضيبي وكان أصغر الأعضاء سنا د. عصام العريان حيث شارك فى رئاسة أول جلسات المجلس وأ.محمد مهدي عاكف والأستاذ مختار نوح وغيرهم من الإخوان الكرام، وكان لظهور شعار الإسلام هو الحل أثر السحر فى نفوس المصريين المتعطشين لدينهم بعد طول غياب.

فكان من نواب الإخوان المسلمين الذين حجبتهم وسائل الإعلام عن شعبهم:

  1. الاسم : محمد المأمون الهضيبي "رئيس الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين" ..الدائرة: الأولى. المحافظة: الجيزة. الوظيفة: رئيس محكمة استئناف القاهرة الأسبق.
  2. الاسم : محمد مهدى عثمان عاكف. الدائرة: الثالثة شرق القاهرة. المحافظة: القاهرة. الوظيفة : مدير عام الشباب سابقا " مدير المركز الإسلامي بميونخ".
  3. الاسم : عبد الحى حسين الفرماوى . الدائرة : الثالثة شرق القاهرة . المحافظة : القاهرة . الوظيفة : أستاذ بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر.
  4. الاسم : حسن احمد إبراهيم الجمل . الدائرة : الثانية جنوب القاهرة . المحافظة : القاهرة . الوظيفة :صاحب فراشة الجمل.
  5. الاسم محمد توفيق قاسم قاسم . الدائرة : الثانية جنوب القاهرة . المحافظة : القاهرة . الوظيفة : رئيس قسم شئون الأفراد بشركة مصر حلوان.
  6. الاسم: حنفي فهيم حسين عثمان. الدائرة: الرابعة السيدة زينب. المحافظة : القاهرة . الوظيفة : محاسب مراقب عام المتابعة التعاونية بهيئة الإصلاح الزراعي.
  7. الاسم : عصام الدين محمد حسين العريان . الدائرة : الثانية . المحافظة : الجيزة . الوظيفة : طبيب تحاليل طبية الهيئة العامة للتأمين الصحي عضو مجلس نقابة الأطباء.
  8. الاسم : مصطفى محمد السيد يوسف الشهير بمصطفى الوردانى . الدائرة : الثانية . المحافظة : الجيزة . الوظيفة : المراقب المالي لإيرادات السكة الحديد بالإدارة المالية بمبنى محطة مصر.
  9. الاسم : عبد العزيز عشري حسن غبارى. الدائرة: الفيوم. المحافظة: الفيوم. الوظيفة: مدير التفتيش المالي والإداري بالأزهر بالفيوم عضو مجلس نقابة التجاريين.
  10. الاسم : بسيونى إبراهيم بسيونى . الدائرة : الثالثة . المحافظة : الإسكندرية . الوظيفة : خبير أقطان بالشركة المساهمة لتجارة وتصدير الأقطان .
  11. الاسم : محمد حسين محمد عيسى . الدائرة : الأولى . المحافظة : الإسكندرية . الوظيفة : مدير شئون العاملين بالشركة التجارية للأخشاب .
  12. الاسم : بشير إبراهيم عبد الفتاح عثمان . الدائرة : الأولى . المحافظة : البحيرة . الوظيفة : فني زراعي بمديرية التموين والتجارة الداخلية بالبحيرة .
  13. الاسم : محمد على محمد الديب . الدائرة : الثالثة . المحافظة : البحيرة . الوظيفة : بالمعاش .
  14. الاسم : محمد فؤاد عبد المجيد يوسف. الدائرة: كفر الشيخ . المحافظة : كفر الشيخ . الوظيفة : رئيس قسم أمراض النساء والولادة بمستشفى كفر الشيخ .
  15. الاسم : محمد عبد السميع محمد صقر . الدائرة : غربية . المحافظة : الغربية . الوظيفة : شيخ معهد نشيل الديني .
  16. الاسم : محمد محفوظ السيد حلمي . الدائرة : الثالثة . المحافظة : الغربية . الوظيفة : رئيس قطاع مصانع القطن الطبي بغزل المحلة .
  17. الاسم : لاشين على شنب : الدائرة : الأولى . المحافظة : الغربية . الوظيفة : مدير مرحلة بالتربية والتعليم.
  18. الاسم : أحمد محمد البس . الدائرة : الثانية . المحافظة : الغربية . الوظيفة : موجه بالمعاش .
  19. الاسم : محمد محمد الشيتانى . الدائرة : الأولى . المحافظة : الغربية . الوظيفة : ملاحظ .
  20. الاسم : إبراهيم ابو طالب إبراهيم . الدائرة : الأولى . المحافظة : الشرقية . الوظيفة : موجه بالتربية والتعليم بالمعاش .
  21. الاسم : محمود أحمد نافع . الدائرة : الثانية . المحافظة : الدقهلية . الوظيفة : مدير عام التعليم بالدقهلية
  22. الاسم : إبراهيم حسن إبراهيم أبو سمرة . الدائرة : الثالثة . المحافظة : الدقهلية . الوظيفة : رئيس مجلس إدارة جمعية النور لاستصلاح الأراضي بالدقهلية .
  23. الاسم : أبو الفتوح عفيفي إبراهيم شوشة. الدائرة : الأولى . المحافظة : المنوفية . الوظيفة : رئيس أقسام المخازن بشركة مصر المنوفية للغزل والنسيج .
  24. الاسم يس أحمد عبد العليم شعبان . الدائرة : بني سويف . المحافظة : بني سويف . الوظيفة : مأذون شرعي.
  25. الاسم : محيى الدين أحمد عيسى . الدائرة : الأولى . المحافظة : المنيا . الوظيفة : مهندس مدينة المنيا .
  26. الاسم : عبد الجابر عثمان محمد حسن . الدائرة الأولى . المحافظة : المنيا . الوظيفة : دبلوم معهد المساحة.
  27. الاسم : محمود على عبد الحكيم . الدائرة : الثانية . المحافظة : المنيا . الوظيفة : وكيل مدرسة .
  28. الاسم : محمد السيد حبيب . الدائرة : الأولى. المحافظة: أسيوط . الوظيفة : أستاذ جامعي بكلية علوم أسيوط , ورئيس نادي هيئة التدريس بجامعة أسيوط .
  29. الاسم : مصطفى رمضان محجوب . الدائرة : الأولى . المحافظة : قنا . الوظيفة : موجه بالتربية والتعليم بالمعاش .
  30. الاسم : عبد العظيم عبد المجيد المغربي . المحافظة : قنا . الوظيفة : مدير إدارة العلاقات العامة بشركة النصر للبترول .
  31. الاسم : مختار محب الدين نوح . الدائرة : الثالثة . المحافظة : القاهرة . الوظيفة : محامى وعضو مجلس نقابة المحامين العامة .
  32. الاسم : عبد الرحمن الرصد . الدائرة : الشرقية . المحافظة :الشرقية . الوظيفة : بالمعاش .
  33. الاسم : عبد الرازق حسن . الدائرة : دمياط . المحافظة : دمياط .
  34. الاسم : عز العرب فؤاد . الدائرة : الأولى شمال . المحافظة : القليوبية . الوظيفة : بالمعاش .
  35. الاسم : حسن الحسيني . الدائرة : المحافظة : الشرقية . الوظيفة : طبيب.

الإخوان في برلمان 2000م

قاطع الإخوان انتخابات عام 1990م، وحينما أردوا دخول الانتخابات عام 1995م تحركت جحافل الأمن من كل مكان للقبض على من شعر النظام انه من الممكن أن يرشح نفسه من الإخوان، وزج بالكثير في آتون المحاكمات العسكرية التي حكمت على البعض بخمس سنوات والبعض الآخر بثلاثة والقلة أفرج عنهم.

حتى إذا كانت انتخابات عام 2000م دخل الإخوان في غمار الانتخابات واستطاعوا أن يحققوا المفاجأة بفوز كبير حينما دخل منهم 17 عضو للبرلمان وهم:

  1. الدكتور محمد مرسي .. والذي اختير رئيسا ومتحدث رسمي باسم الكتلة
  2. الدكتور محمد جمال حشمت عن دائرة دمنهور البحيرة
  3. الأستاذ حمدي حسن عن دائرة مينا البصل الإسكندرية
  4. ا. علي فتح الباب عن دائرة التبين ومايو
  5. أ. عزب مصطفي عن دائرة الجيزة
  6. أ. مصطفى عوض الله عن الفيوم
  7. د. أكرم الشاعر عن دائرة بورسعيد
  8. أ. حسين محمد إبراهيم عن دائرة مينا البصل الإسكندرية
  9. أ. حسنين الشورة عن دائرة كفر الزيات غربية
  10. أ. محفوظ حلمي عن دائرة المحلة الكبرى غربية
  11. د. السيد عبد الحميد دائرة ههيا شرقية
  12. محمد العدلي
  13. السيد حزين عن دائرة أبو حماد شرقية
  14. صابر عبد الصادق عن دائرة دمياط
  15. علي لبن عن دائرة بسيون غربية
  16. محمد العزباوي عن دائرة طنطا غربية
  17. مصطفى محمد مصطفى عن دائرة الرمل الإسكندرية

الإخوان في برلمان 2005م

حاول النظام السابق بقيادة مبارك تحت الضغط الخارجي وتحت التأثر بمحاولة أن يجمل نفسه من الناحية الديمقراطية، وأيضا في محاولة منه أمام الرأي العام أن الإخوان ليس لهم قوة ولا شعبية ولذا سنترك الانتخابات حرة لينظر الشعب مدى قوتهم، لكن لم تأتي الرياح بما اشتهاه النظام فقد سقط من الجولة الأولى في غمار الديمقراطية وفاز الإخوان بعدد كبير من المقاعد مما دفعه للعودة لنظامه السالف من الاعتقالات والضرب والخطف والتزوير وكانت المرحلة الثالثة هي أعنف المراحل التي مارس النظام قمة الإجرام فيها

غير أنه فاز للإخوان ما يقرب من 88 عضوا في البرلمان، وهم:

محافظة القاهرة:

  1. دائرة عابدين: جمال حنفي، مقعد الفئات.
  2. دائرة مصر القديمة: يسري بيومي، مقعد العمال.
  3. دائرة النزهة والمرج بشرق القاهرة: مجدي عاشور، مقعد العمال.
  4. دائرة التبين و15 مايو: علي فتح الباب ، مقعد العمال.
  5. دائرة الساحل: حازم فاروق على، مقعد الفئات.
  6. دائرة المطرية وعين شمس: محمود مجاهد، مقعد العمال.
  7. دائرة مدينة نصر: عصام مختار، مقعد العمال.
  8. دائرة حلوان: المحمدي عبد المقصود، مقعد العمال.
  9. دائرة السيدة زينب: عادل حامد، مقعد العمال.

محافظة الإسكندرية:

  1. حمدي حسن (فئات) مينا البصل
  2. حسين محمد إبراهيم (العمال) مينا البصل. (نائب رئيس الكتلة)
  3. محمود عطية (فئات) دائرة كرموز.
  4. صبحي صالح (فئات) دائرة الرمل.
  5. المحمدي سيد أحمد (عمال) دائرة الرمل.
  6. صابر أبو الفتوح (عمال) دائرة باب شرق.
  7. مصطفى محمد مصطفى (عمال) دائرة المنتزه.
  8. أسامة جادو، دائرة غربال.

محافظة الغربية:

  1. علي لبن، دائرة قطور (عمال).
  2. يحيى المسيري، دائرة صفط تراب (فئات).
  3. محمد مصطفى العدلي، دائرة بشبيش (عمال).
  4. علم الدين السخاوي، دائرة بسيون (فئات).
  5. الشيخ السيد عسكر، دائرة طنطا (عمال).
  6. عادل البرماوي، دائرة محلة روح (فئات).
  7. إبراهيم زكريا يونس، دائرة السنطة (فئات).
  8. حسنين الشورة، دائرة كفر الزيات (عمال).
  9. عبد الحليم هلال (فئات) بدائرة سمنود.
  10. سعد الحسيني (فئات) بندر المحلة.

محافظة المنوفية:

  1. دائرة البتانون : سعد حسين، مقعد العمال.
  2. دائرة منوف والسادات: عبد الفتاح عيد، مقعد الفئات.
  3. دائرة بندر شبين الكوم: رجب أبو زيد، مقعد الفئات
  4. دائرة أشمون : أشرف بدر الدين، مقعد الفئات.
  5. دائرة إسطنها : ياسر حمود، مقعد الفئات.
  6. دائرة قويسنا: عيسى عبد الغفار، مقعد العمال.
  7. دائرة الشهداء: يسري تعيلب، مقعد العمال وعلي إسماعيل، مقعد الفئات.
  8. دائرة بركة السبع: صبري عامر، مقعد الفئات.

محافظة القليوبية:

  1. عبد الفتاح حسن محمود، دائرة شبين القناطر (فئات).
  2. عبد الله عليوة، دائرة الخانكة (عمال).
  3. تيمور عبد الغني، دائرة كفر شكر (فئات).
  4. جمال شحاتة، دائرة شبرا الخيمة 2 (عمال).
  5. أحمد محمود دياب دائرة قليوب (فئات). (الأمين العام للكتلة)
  6. محسن راضي، دائرة بنها (فئات).
  7. محمد البلتاجي (فئات) عن دائرة قسم أول شبرا الخيمة. (الأمين العام المساعد الكتلة)

محافظة البحيرة:

  1. رجب عميش، دائرة أبو حمص (فئات).
  2. محمد الجزار، دائرة إيتاي البارود (فئات).
  3. أحمد أبو بركة ، دائرة كوم حمادة (فئات).
  4. زكريا الجنايني، دائرة كفر الدوار (فئات).
  5. عبد الحميد زغلول، دائرة إدكو ورشيد (عمال).
  6. عبد الوهاب الديب (عمال) عن دائرة أبو المطامير.

محافظة المنيا:

  1. دائرة ملوي : بهاء الدين عطية، مقعد العمال.
  2. دائرة العدوة : محمد عبد العظيم، مقعد العمال.
  3. بندر المنيا: محمد سعد الكتاتني، مقعد الفئات. (رئيس الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين)
  4. مغاغة : إبراهيم زانون، مقعد الفئات.
  5. دائرة مطاي: ثروت عبد الفتاح، مقعد الفئات.
  6. بني مزار: موسى غنوم، مقعد الفئات.

محافظة الجيزة:

  1. دائرة بندر الجيزة: عزب مصطفى، مقعد العمال.
  2. دائرة مزغونة بالجيزة: أحمد عبده شابون، مقعد العمال.
  3. دائرة الحوامدية: جمال قرني، مقعد الفئات.
  4. دائرة أوسيم: محمود عامر، مقعد الفئات.

محافظة بني سويف:

  1. مركز (ناصر- بوش) : عبد العظيم الشرقاوي، مقعد الفئات.
  2. في دائرة ببا : عبد اللطيف قطب.
  3. مركز بني سويف: حمدي زهران، مقعد الفئات.
  4. دائرة الواسطى: محمد شاكر الديب، مقعد الفئات.

محافظة الإسماعيلية:

  1. صبري خلف الله (فئات) قسم أول الإسماعيلية.
  2. حمدي محمد إسماعيل (فئات) بدائرة التل الكبير.
  3. إبراهيم الجعفري، دائرة القنطرة غرب (فئات).

محافظة الدقهلية:

  1. محمد عبد الباقي إسماعيل (فئات) بدائرة طلخا.
  2. م. إبراهيم أبو عوف (فئات) بدائرة منية النصر.
  3. طارق قطب (عمال) دائرة مركز المنصورة.

محافظة الشرقية:

  1. الشيخ ماهر عقل (فئات) دائرة كفر صقر.
  2. مؤمن زعرور (عمال) دائرة التلين.
  3. فريد إسماعيل (فئات) دائرة فاقوس.

محافظة سوهاج:

  1. محمد يوسف محمود شحاتة (عمال) بدائرة طهطا.
  2. محمد عبد الرحمن السيد (فئات) بدائرة مراغة.
  3. مختار البيه بدائرة بندر سوهاج.

محافظة الفيوم:

  1. كمال الدين نور الدين، دائرة بندر الفيوم (عمال).
  2. مصطفى علي عوض الله، دائرة بندر الفيوم (فئات).
  3. حسن يوسف، دائرة يوسف الصديق (فئات).

محافظة أسيوط:

  1. دائرة القوصية: محمود حلمي، مقعد العمال.
  2. دائرة الفتح: عبد العزيز خلف، مقعد الفئات.

محافظة كفر الشيخ:

  1. محمد فضل (فئات) بدائرة فوَّه.
  2. محمد شاكر إبراهيم سنار (فئات) بدائرة الرياض.

محافظة بور سعيد:

  1. أحمد الخولاني، دائرة الشرق وبورفؤاد (فئات).
  2. أكرم الشاعر، دائرة العرب والضواحي (فئات).

محافظة السويس:

  1. عباس عبد العزيز، دائرة الأربعين (فئات).
  2. سعد خليفة، دائرة السويس أول (فئات).

محافظة قنا:

  1. هشام القاضي، دائرة قوص (عمال).

محافظة دمياط:

  1. محمد عبد الحميد كسبة (عمال) بدائرة فارسكور.

ولقد مورس ضدهم الكثير من العنت من قبل قادة الحزب الوطني والذي صمموا على ألا يدخل أحد من الإخوان البرلمان بعد ذلك

الإخوان وانتخابات 2010م

عمد الإخوان إلى الترشح في انتخابات 2010 غير انه ما كادت تبدأ العملية التصويتة حتى وجد الإخوان حالة من التأهب من قبل الحزب الوطني والنظام الحاكم حيث منعوا الشعب من الاقتراب من اللجان وقاموا بتزوير وتسويد البطاقات الانتخابية لصالح مرشحيهم وكانت المفاجأة لم ينجح احد من المعارضة بما فيهم الإخوانمما دفع الإخوان وغيرهم من القوى السياسية إلى الانسحاب من جولة الإعادة

مما كانت ضربة في وجه الحزب الوطني الذي وجد نفسه وحيد داخل البرلمان، فكانت هذه الانتخابات من الأسباب القوية لتحرك الشباب لنفض غبار الحزب الوطني وإسقاطه هو والنظام الذي يسانده في ثورة شعبية أذهلت العالم في 25 يناير 2011م ولتعيد للشعب حقه المسلوب في انتخاب من يريده المواطن دون إجبار.

المراجع

  1. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (89)، السنة الرابعة، 7 ربيع أول 1365/ 9 فبراير 1946، ص(3- 5).
  2. رسالة بين الأمس واليوم ، عام 1943م
  3. المرجع السابق
  4. رسائل حسن البنا، رسالة التعاليم
  5. الإخوان المسلمون اليومية، العدد (719)، السنة الثالثة، 2 ذو القعدة 1367ه- 5سبتمبر 1948م، ص (1، 4).
  6. جريدة النذير، العدد (31)، السنة الأولى، 11ذو القعدة 1357 /3 يناير 1939، ص (3-5).
  7. أهل الحل والعقد في الأمة ليسوا منحصرين في علماء الشريعة المجتهدين، وإنما تتسع دائرتهم لتشمل غيرهم من العلماء والقضاة، والأمراء والخبراء، والصلحاء، والوجهاء العدول الذين يحملون همَّ هذا الدين ويتحملون مسؤولية هذه الأمة ويُعَدُّون هم كبار الأمة وقادتها وأولو الأمر فيها.
  8. "السلطة التشريعية في الدولة الإسلامية" د/ عطية عدلان، مجلة البيان، العدد : 280، 11/27/2010.
  9. "السلطة التشريعية في الدولة الإسلامية" المرجع السابق
  10. "الإسلام وأوضاعنا السياسية" عبد القادر عودة، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان، : 1401 هـ - 1981 م ص 153.
  11. مهند نوح، الموسوعة العربية نقلا عن صوفي أبو طالب، تاريخ النظم القانونية والاجتماعية (دار النهضة العربية، القاهرة 1984).
  12. موقع ذاكرة مصر المعاصر وأيضا احتفال البرلمان المصري بمرور 150 عاما على النشأة.
  13. "رسالة المؤتمر الخامس" مجموعة رسائل الإمام البنا
  14. جريدة النذير، العدد (31)، السنة الأولى، 11ذو القعدة 1357 /3 يناير 1939، ص (3-5).
  15. هو محمد محمود باشا.
  16. هو أحمد محمد خشبة باشا.
  17. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (33)، السنة الثانية، 13رمضان 1353ه/ 20ديسمبر 1934م، ص(26).
  18. جريدة النذير، العدد (31)، السنة الأولى، 11ذو القعدة 1357 /3 يناير 1939، ص(3-5).
  19. في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الشروق، 1423 هـ - 2003 م، طـ:32، جـ1، صـ 502
  20. مجموعة رسائل الإمام حسن البنا، رسالة مؤتمر طلبة الإخوان المسلمين 20فبراير 1938م.
  21. مجموعة رسائل الإمام حسن البنا، رسالة المؤتمر السادس
  22. مجلة النذير، العدد (2)، السنة الأولى، 7 ربيع الثانى 1357ه- 6 مايو 1938م، ص(19).
  23. جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (333)، السنة الثانية، 14 رجب 1366 هـ/3 يونيو 1947م، ص(4).
  24. جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (426)، السنة الثانية، 7 ذو القعدة 1366 ه/22 سبتمبر 1947م، ص(1).
  25. مجلة الفتح، العدد (202)، السنة الخامسة، 8محرم 1349ه- 5يونيو 1930م.
  26. مجلة التعارف، العدد (4)، السنة الخامسة، السبت 30 محرم 1359ه- 9 مارس 1940م، ص(1-2).
  27. جريدة النذير، العدد (2)، السنة الأولى، 7 ربيع ثان 1357 / 6 يونيو 1938، ص(9). ورئيس مجلس الشيوخ فى ذلك الوقت هو محمود بسيوني, أما رئيس مجلس النواب فكان بهى الدين بركات. "عبد الرحمن الرافعى: فى أعقاب الثورة المصرية, (3/67) ".
  28. جريدة النذير، العدد (27)، السنة الأولى، 13 شوال 1357 / 6 ديسمبر 1938، ص(3-5).
  29. رئيس مجلس الوزراء هو محمد توفيق نسيم باشا، ووزير الأشغال هو عبد المجيد عمر بك.
  30. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (33)، السنة الثانية، 13رمضان 1353ه/ 20ديسمبر 1934م، ص(26)، رئيس مجلس الوزراء هو محمد توفيق نسيم باشا، ووزير الأشغال هو عبد المجيد عمر بك.
  31. الإخوان المسلمون – العدد (17) – 13شعبان 1363هـ / 2أغسطس 1944م.
  32. الدعوة – العدد (159) – 26جمادى الآخرة 1373هـ / 2مارس 1954م.
  33. الإخوان المسلمون – العدد (63) – 3شعبان 1364هـ / 12/7/1945م.
  34. الإخوان المسلمون – العدد (78) – 18ذو الحجة 1364هـ / 24/11/1945م.
  35. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية – السنة الخامسة – العدد 3 – 25ربيع الأول 1356هـ / 4يونيو 1937م.
  36. مجلة النذير، العدد (7)، السنة الثانية، 13صفر 1358ه/ 4أبريل 1939م، ص(21).
  37. السابق، العدد (19)، السنة الثانية، 8جمادى الأولى 1358ه/ 27يونيو 1939م، ص(23-24).
  38. مجلة التعارف، العدد (7)، السنة الخامسة، 21صفر 1359ه/ 30مارس 1940م، ص(8).
  39. مجلة النذير، العدد (14)، السنة الثانية، 3ربيع الآخر 1358ه/ 23مايو 1939م، ص(9-10).
  40. السابق، العدد (28)، السنة الأولى، 20شوال 1357ه/ 13ديسمبر 1938م، ص(6).
  41. المدخل إلى دراسة الفقه الإسلامي، عبد الله محمد الصالح (2007)، ، صفحة 18-20
  42. رسالة قضيتنا لحسن البنا
  43. كان وزير الحقانية آنذاك هو "أحمد محمد خشبة باشا".
  44. جريدة النذير، العدد (7)، السنة الأولى، 13جماد أول 1357 /11 يوليو 1938، ص(3-8).
  45. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (8)، السنة الثالثة، 4ربيع الأول 1354ه/ 4يونيو 1935م، ص(31-34).
  46. جريدة النذير، العدد (16)، السنة الثانية، 17ربيع الثانى 1358 /6 يونيو 1939، ص(3-6).
  47. جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (631)، السنة الثالثة، 11 رجب 1367 هـ/20 مايو 1948م، ص(3).
  48. جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (631)، السنة الثالثة، 11 رجب 1367 هـ/20 مايو 1948م، ص(3).
  49. مجلة النذير الأسبوعية – السنة الثانية – العدد 5 – صـ18 – 29محرم 1358هـ / 21مارس 1939م.
  50. مجلة النذير الأسبوعية، العدد (23)، السنة الثانية، 7جمادى الآخرة 1358ه/ 25يوليو 1939م، ص(17-18).
  51. أحمد حسن شوربجي: حسن البنا مجدد القرن الرابع عشر، دار الدعوة، 1998م، ص(214).
  52. مجموعة رسائل الإمام حسن البنا، رسالة قضيتنا
  53. المرجع السابق
  54. رسالة المؤتمر الخامس
  55. مجلة الإخوان المسلمين النصف شهرية، العدد (46)، السنة الثانية، 18 ذو القعدة 1363- 4 نوفمبر 1944، ص(3-4).
  56. رسالة بين الأمس واليوم.
  57. الإخوان المسلمون اليومية، العدد (719)، السنة الثالثة، 2ذو القعدة 1367ه- 5سبتمبر 1948م، ص(7، 10)
  58. الدعوة – العدد (55) – محرم 1401هـ / نوفمبر 1980م.
  59. مجلة الإخوان المسلمين النصف شهرية، العدد (47)، السنة الثانية، 2ذو الحجة 1363ه- 18 نوفمبر 1944م، ص(7).
  60. مجلة النذير، العدد (1)، السنة الثانية، 1 محرم 1358ه- 21 فبراير 1939م، ص(25-26).
  61. الإنذار، العدد 876، سنة 17، 23ربيع الآخر 1366، 16/ 3/ 1947، صـ 2.
  62. مجلة النذير، العدد (4)، السنة الأولى، 21ربيع الآخر 1357ه/ 20يونيو 1938م، ص(3-4).
  63. رسائل البنا، رسالة نظام الحكم
  64. رسالة مؤتمر الطلبة
  65. رسالة إلي الشباب
  66. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية – السنة الرابعة – العدد 3 – 7صفر 1355هـ / 28أبريل 1936م.
  67. رسالة المنهاج
  68. رسالة المؤتمر السادس
  69. رسالة الإخوان والإنتخابات
  70. مجلة الإخوان المسلمين النصف شهرية، العدد (49)، السنة الثالثة، 4محرم 1364ه/ 19ديسمبر 1944م، ص(5).
  71. مجلة التعارف، العدد (21)، السنة الخامسة، 7جمادى الآخرة 1359ه/ 13يوليو 1940م، ص(1-2).
  72. جمعة أمين عبد العزيز، أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، دار النشر والتوزيع، جـ 4، صـ 228- 235
  73. محمود عبد الحليم: (الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ) – جـ1 – صـ216.
  74. جريدة المقطم – السنة 53 – العدد 18162 – صـ2 – 21ربيع الآخر 1360هـ / 18مايو 1941م.
  75. محمد حسين هيكل: (مذكرات فى السياسة المصرية) – جـ2 – صـ177.
  76. محمد حسين هيكل: (مذكرات فى السياسة المصرية) – جـ 2 – صـ177.
  77. مجـلس النواب: (مضبطة الجـلسة الحادية والأربعين) – صـ1129 – والمنعقد فى 22، 23، 24ربيع الآخر 1360هـ، الموافق 19، 20، 21 مايو 1940م.
  78. المصدر السابق، صـ1132، عبد الحكيم عابدين: (مذكرات غير منشورة).
  79. محمد حسين هيكل: (مذكرات فى السياسة المصرية) – جـ2 – صـ178.
  80. عباس السيسى: (فى قافلة الإخوان المسلمين) – جـ1 – صـ66.
  81. زكريا سليمان بيومى: (الإخوان المسلمون والجـماعات الإسلامية) – صـ99 نقلاً عن وثيقة الأمن العام رقم 49/ 2357 – سرى سياسى.
  82. مجلة الدعوة – السنة الثانية - العدد 66 – صـ10 – 26شعبان 1371هـ / 20مايو 1952م.
  83. جمعة أمين عبد العزيز، مرجع سابق جـ 4، صـ 312.
  84. مضبطة مجلس النواب – الجلسة الرابعة – صـ67، 68 – 19ذو القعدة 1360هـ / 8ديسمبر 1941م.
  85. الدعوة – العدد (22) – ربيع الثاني 1358هـ / مارس 1978م.
  86. جمعة أمين عبد العزيز، مرجع سابق جـ 4، صـ 314.
  87. رسالة المؤتمر الصادرة عن المركز العام فى ذى الحجة 1359هـ / يناير 1941م.
  88. جريدة الإخوان المسلمين اليومية – السنة الثالثة – العدد 719 – صـ7 – 2 ذو القعدة 1367هـ/ 5 سبتمبر 1948م.
  89. روز اليوسف – السنة الثالثة والعشرين – العدد 1035 – صـ14 – 4 جمادى الآخرة 1367هـ / 13 أبريل 1948م.
  90. جريدة الوفد المصرى – 6 ربيع الأول 1361هـ / 23 مارس 1942م.
  91. جريدة الأهرام اليومية – السنة 101 – العدد 32207 – صـ7 – 30 محرم 1394هـ / 14 فبراير 1975م.
  92. محمد حامد أبو النصر: حقيقة الخلاف بين "الإخوان المسلمين" وعبد الناصر، دار التوزيع والنشر الإسلامية.
  93. لواء الإسلام – السنة الثانية والأربعين – العدد 5 – محرم 1408هـ / أغسطس 1987م، وهذا المقال عبارة عن تحقيق أجراه معه الأستاذ محمد عبد القدوس.
  94. الإخوان المسلمون، العدد (53)، السنة الأولى، 5شعبان 1365ه/ 4يوليو 1946م، ص(4).
  95. السابق، العدد (49)، السنة الثالثة، 4محرم 1364ه/ 19ديسمبر 1944م، ص(5، 10).
  96. الإخوان المسلمون – العدد (49) – 4محرم 1364هـ / 19/12/1944م.
  97. الإخوان المسلمون – العدد (50) – 17محرم 1364هـ / 2/1/1945م.
  98. مجلة المباحث القضائية، العدد (54)، السنة السابعة، 2ربيع الأول 1370ه/ 12ديسمبر 1950م، ص(4).
  99. محمود عساف: مع الإمام الشهيد حسن البنا، مكتبة عين شمس، 1413ه/ 1993م، ص(114).
  100. الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ، (1/265).
  101. مع الإمام الشهيد، محمود عساف، صـ 115.
  102. عباس السيسي: حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2001م، ص(202).
  103. الإخوان المسلمون – العدد (51) – 1صفر 1364هـ / 16/1/1945م.
  104. الدعوة – السنة الرابعة – العدد (156) – 5جمادى الآخرة 1373هـ / 9فبراير 1954م.
  105. جريدة النادى العدد 4 السنة 11/21 شعبان 1367هـ, 29/6/1948.
  106. جريدة الإخوان المسلمون اليومية، العدد 89 سنة 1/7 ربيع أول 1365, 9/2/1946ص9.
  107. تاريخ قسم الأخوات المسلمات في جماعة الإخوان المسلمين و تطوره، عبده مصطفى دسوقي، موقع ويكيبيديا الإخوان المسلمون، دار إقرأ للتوزيع والنشر والترجمة، 2011م، صـ 13
  108. رسالة المرأة المسلمة- مجموعة الرسائل للإمام حسن البنا, البصائر للبحوث والدراسات, الطبعة الأولى 1428هـ,2007م.
  109. المصدر السابق العدد 148 السنة 5 / 27 جماد أول 1366هـ, 19/4/1947 ص 7.
  110. جريدة الإخوان اليومية العدد 325 السنة2/5 رجب 1366هـ, 25/5/1947ص2.
  111. المصدر السابق العدد 503 السنة 2/ 9 صفر 1367هـ, 22/12/1947 ص6.
  112. الدعوة – العدد (159) – 26جمادى الآخرة 1373هـ / 2 مارس 1954م.