حقائق عن الحكم والمحاكمات في مصر

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
حقائق عن الحكم والمحاكمات في مصر


أساليب تهدد العالم العربي والإسلامي

لم يعد خافيا أن شعب مصر يعيش تحت حكم يكتم أنفاسه ، ويبدد تراثه ويقامر بمستقبله وأن هذا الحكم يستعمل جميع الأساليب لحرمان المصريين من حريتهم ومن حقهم في اختيار حكامهم وفي محاسبة هؤلاء الحكام علي أعمالهم

وقد أيقن أنصار هذا الحكم وخصومه علي السواء بأنه لا يمكن أن يبقي معزولا ولا يستطيع أن يعيش محصورا في حدود مصر ، ذلك أن مصر جزء لا ينفصل عن العالم العربي والإسلامي ومصيرهما مرتبط بمصائر الشعوب العربية والإسلامية ، كما أن مصائر تلك الشعوب مرتبطة بمصير شعب مصر ، فهناك احتمالان لا ثالث لهما : فإما أن تعم أساليب الحكم السائدة في مصر ، وتنشر سيطرتها في جميع أنحاء العالم العربي والإسلامي وتقضي علي كل أثر لمبادئ الحرية والأخلاق والأديان السماوية في المنطقة ، وأما أن ينتصر المدافعون عن الحريات والمؤمنون بالأديان ودعاة الإسلام فيقضوا علي أساليب الطغيان والمؤمنون بالأديان ودعاة الإسلام فيقضوا علي أساليب الطغيان العسكري التي يستعملها حكام مصر ويروجون لها في داخل مصر وخارجها .

ولقد تصدت لهذا الطغيان في مصر جميع العناصر الحية من أبنائها ، وفي مقدمتهم "الإخوان المسلمون " ، ورفع جميع أحرار مصر راية المقاومة ضد أساليب الحكم العسكري وكشفوا اتجاهاته الدكتاتورية ، وما زالوا منذ سنة 1954 إلي اليوم يحذرون العرب والمسلمين وينذرونهم بأن الذين اغتصبوا السلطة في مصر بوسائل العنف والغش واستعملوا وسائل الإرهاب والتضليل ضد معارضيهم لن يهدأوا ولن يستقر نظامهم إلا إذا عمت أساليبهم في جميع أنحاء العالم العربي والإسلامي ، ولذلك أعلن أحرار مصر وفي مقدمتهم الإخوان المسلمون أن معركتهم هي معركة الإسلام والعرب أجمعين .

ورغم هذه النذر والتحذيرات فإن كثيراً من أبناء العروبة ومن عامة المسلمين وقادتهم قد خدعهم حكام مصر ، وضللتهم دعايتهم ، ولم تتكشف حقيقة حكام مصر للشعوب العربية والإسلامية إلا بعد تجارب أليمة دفعت فيها الشعوب العربية ثمنا غاليا من دماء أبنائها ، ومن وحدة صفوفها وما تزال تعاني من تلك التجارب في كثير من أقطارها حتى اليوم . كشفت هذه التجارب الأليمة شيئا فشيئا حقيقة الحكام الذين فرضوا طغيانهم علي شعب مصر ثم لم يقتنعوا بذلك فنصبوا أنفسهم حماة لجميع عناصر الهدم والتخريب خارج مصر ، وممولين ومساعدين للعصابات الإرهابية والتخريبية في جميع أنحاء العالم العربي ، ولم يتردد حكام مصر في إعلان ذلك والتباهي به ، بل والمتأخرة فيه والمساومة عليه للحصول علي مساعدات من الدول الكبرى التي يهمها أشغال الدول العربية بمشاكل داخلية ومنازعات محلية مصطنعة .

وإذا كانت الشعوب العربية كلها قد قاست من شر أجهزة التخريب وعناصر الإرهاب التي يوجهها حكام مصر ويمولونها ، فإن ما قاساه الشعب المصري منذ سنة 1954 إلي اليوم أضعاف أضعاف ذلك ، فمصر تعيش منذ ذلك التاريخ لا في ظل طغيانهم فحسب ، بل وفي ظل الإرهاب الذي فرضته العصابات الحاكمة بأمرها ، المتحكمة في مصر وأبنائها وما يتبعها من أجهزة سرية وعلنية للتجسس والتعذيب . فحكام مصر لا يكتفون بما ورثوه عمن سبقهم من أجهزة السلطة والحكم لفرض سيطرتهم وسلطانهم علي شعب مصر بل أضافوا لذلك أجهزة سرية وعلنية لم تعرفها مصر من قبل ، ترتكب أشنع أعمال الغدر والانتقام للقضاء علي المعارضين وتحطيم مقاومة الشعب وتخويفه وإرهابه . هناك إذن إرهاب يقاسيه شعب مصر ، ولكنه إرهاب مؤمم تحتكره الحكومة وتمارسه أجهزتها الرسمية وغير الرسمية ، إرهاب تمارسه تلك الأجهزة السرية والعلنية التي تتمثل فيها كل ما يتصوره العقل البشري من أساليب الغدر والتآمر والبطش والعنف ، الذي ينشر الرعب في ربوع البلاد ، ويبث الفزع في قلوب المواطنين الآمنين ، ولا تتردد تلك الأجهزة في ارتكاب أي عمل مهما تكن شناعته وبشاعته ، ومهما كان بعيدا عن معاني الإنسانية أو مقتضيات الرجولة والشرف ، ولا يردعها عن ارتكاب فضائحها خلق ولا دين .

ويكفي أن نذكر من تلك الأعمال التي يرتكبونها ضد أبناء مصر أمثلة فقط ، لأن الحصر مستحيل لكونها ترتكب غالبا في الخفاء والكتمان ، فمن أمثلة فظائعهم قتل المعارضين لسياستهم سواء كان إعداما أو اغتيالا ، ومنها الخطف الذي يسمونه اعتقالا ، ومنها التجسس والتلصص ومنها الإيذاء الوحشي والتعذيب الجسمي والنفسي بما في ذلك ضروب الإهانات الدنيئة البذيئة التي يترفع الإنسان عن ذكرها .. فضلا عن ارتكابها .

القتل عن طريق المحاكمات

إن حكام مصر الذين قفزوا إلي مقاعد الحكم في جنح الظلام لم يترددوا في استعمال كل وسيلة لإزاحة المعارضين من طريقهم ، وليس من الصعب علي حكام لا ضمير لهم ولا دين يردعهم ولا خلق يلتزمون به أن يصنعوا ( محاكم ) زائفة يسمونها أسماء شتى من محاكم ( ثورة ) إلي محاكم ( الشعب ) إلي محاكم ( عسكرية ) ، هذه المحاكم المصطنعة الزائفة تختلف أسماؤها وتتعدد صورها ولكنها تنفق في شيء واحد هو أنها ليست محاكم قانون ولا عدل ، فهي لا تخضع لنظام ولا عرف ولا تطبق أصولا تشريعية ولا إجراءات قضائية وإنما هي في حقيقتها وجوهرها ليست إلا لجانا أو ( منظمات ) صورية لستر أعمال الاغتيال أو الانتقام أو الإرهاب ، وهي تعمل علنا في بعض الأحيان متى كان ذلك أبلغ في إرهاب الناس ، وفي أحيان أخري تعمل سرا لا يعلم بوجودها أحد ، ولا يطلع علي عملها أحد ، وكثيرون هم الشهداء الأبطال الذين اغتالتهم تلك المحاكم المزعومة ، والذين قتلهم حكام مصر بواسطتها

ويكفي أن نذكر منهم :-

القاضي الشهيد الأستاذ عبدالقادر عودة : مؤلف كتاب ( التشريع الجنائي الإسلامي ) ونائب رئيس الإخوان المسلمين ، ومن ألمع رجال القضاء المصري .

الشهيد الشيخ محمد فرغلي : قائد كتائب الإخوان المسلمين في حرب فلسطين ، وعضو مكتب الإرشاد للإخوان المسلمين ، ورئيس منطقة الإسماعيلية والقنال .

البطل الشهيد الأستاذ يوسف طلعت : قائد الفدائيين في معارك القنال سنوات القنال سنوات 1950 ، 1951 ، 1952 ، 1953 ، ومن أعضاء منطقة قنال السويس .

المحامي الفدائي الأستاذ إبراهيم الطيب : رئيس فرع الإخوان المسلمين بالقاهرة .

المحامي الشاب هنداوى دوير : رئيس فرع الإخوان المسلمين في إمبابة بضواحي القاهرة .

العامل الفدائي محمود عبداللطيف : من شعبة الإخوان المسلمين بإمبابة ( في ضواحي القاهرة ) .

•العاملان النقابيان محمد البقري ومحمد خميس : اللذان أعدمهما حكام مصر رميا بالرصاص علي مرأى من زملائهما عمال النسيج بكفر الدوار قرب الإسكندرية وذلك بحجة أنهما حرضا علي مظاهرة وإضراب ..

الأستاذ الشهيد سيد قطب : أكبر مفكر إسلامي أنجبته مصر في هذا الجيل ، وأعظم كاتب عبقري معاصر أبرز وجه الإسلام الحقيقي من ناحية النظم الاجتماعية والاقتصادية التي تحقق العدالة الاجتماعية وتكافل الأفراد والتزامات الجماعة الإسلامية بتنظيم هذا التكافل ومن ناحية إبراز المعارضة الحتمية بين العقيدة الإسلامية وبين الخضوع للطغيان أو الاستسلام للطاغوت المتحكم دون مقاومة ، وخاصة في كتابه الأخير " معالم في الطريق " .

وقد تجرأ حكام مصر علي إعدام الشهيد سيد قطب ووصموا صفحتهم بدمه البريء الطاهر الزكي رغم احتجاجات الملايين من المسلمين ونداءاتهم ، فسجلوا علي أنفسهم أنهم يخشون كل ذي رأي حر ، وأنهم يحاربون العقيدة الإسلامية والفكر الإسلامي .

محمد يوسف هواش وعبدالفتاح إسماعيل : صاحبا الشهيد سيد قطب ورفيقاه اللذان تجرأت يد الظلم والبغي علي إعدامهما معه سرا وغدرا بعد إصدار " حكم " علي ثلاثتهم بالإعدام شنقا بحجة أنهم أعادوا تنظيم جماعة الإخوان المسلمين .

الاغتيالات في السجون

لم يكتف حكام مصر بالمحاكمات ولا بأحكام الإعدام ، ولا بتنفيذ الإعدام شنقا ضد خصومهم بل استباح حكام مصر لأنفسهم قتل خصومهم السياسيين اغتيالا بدون محاكمة ، وتزهق أرواحهم غيلة وغدرا داخل المعتقلات وبين جدران السجون دون أن يعلم بذلك أحد ودون أن يثبت ذلك في قضايا ولا تحقيقات بل يدفن هؤلاء الشهداء والضحايا وتدفن معهم أعمال التعذيب والغدر التي استعملت في قتلهم .... والاغتيال هو الطريقة العادية لدي حكام مصر للتخلص من خصومهم إذا كانوا من ضباط الجيش ورجاله – حتى لا يعلم أحد مدي سخط رجال الجيش عليهم ومدي مقاومتهم لحكمهم البغيض . وقد زاد عدد ضحايا الاغتيال من ضباط الجيش منذ حرب اليمن إذ جرت عادة الحكام علي تسليم جثث هؤلاء الضباط الذين اغتالوهم مع جثث زملائهم الذين راحوا ضحية تلك الحرب ويقال لأهلهم جميعا أنهم استشهدوا في ميدان الشرف !!؟

وإلي جانب ضباط الجيش هناك عشرات من شباب الإخوان المسلمين ورجالهم راحوا ضحية الاغتيالات والتعذيب والغدر داخل السجون والمعتقلات – وكثيرا منهم لا يمكن معرفة الكيفية التي قتل بها ، ولا وقت القتل ولا مكانه ، لأن الحكام يسترون جرائمهم بالزعم بأن هؤلاء الأشخاص " هاربون " .

ومع ذلك فإننا نكتفي بذكر أسماء عدد ممن نعرفهم من الإخوان المسلمين الذين وقع اغتيالهم داخل السجون والمعتقلات وهم :-

1 – محمد محمد سليمان : مهندس من القاهرة – متزوج وله ولد – عنوانه 40 شارع جنينة القادرية بالعباسية ، قبض عليه في 12/1/1955.... ولم يخرج حيا بل قتل بالسجن .

2 – أحمد حامد علي قرقر : موظف حكومي من مديرية الدقهلية – متزوج وله ولد – عنوانه : دنديط مركز ميت غمر – دقهلية . اعتقل في 10/8/1955 وقتل بالسجن وسلمت جثته لأسرته .

3– أنور مصطفي أحمد : قبض عليه في 30/4/1955 دبا – وعنوانه : حار الأمير ، شارع أبو سيفين – مصر القديمة القاهرة .. وقتل بالسجن وسلمت جثته لأسرته .

4 – السيد علي محمد : قبض عليه في 8/11/1955 خياط – متزوج وله أربعة أولاد – عنوانه : شارع الحداوي قسم المنشية الإسكندرية ... وقتل داخل السجن .

5 – محمود عبدالجواد العطار : قبض عليه في 18/11/1955 خياط – متزوج وله ولدان – عنوانه : 33 شارع وكالة الليمون الجمرك – الإسكندرية .. ولم يخرج من السجن حيا .

6 – إبراهيم محمود أبوالدهب :... الاسكندريه القبارى- قتل بالسجن ، وسلمت جثته لأسرته .

7 – رزق حسن إسماعيل : قبض عليه في 4/8/1955 ، مزارع – متزوج وله سبعة أولاد – عنوانه : كفر المرازقة مركز قلين – كفر الشيخ ... وقتل داخل السجن برصاص أحد الضباط .

8 – عبد الله عبدالعزيز الجندي : قبض عليه في 3/3/1955 ، تامل – متزوج وله ثلاثة أولاد – عنوانه : شارع الويلي الكبير – العباسية – القاهرة ... اغتيل في السجن بالرصاص .

9 – عصمت عزة عثمان : قبض عليه في 16/11/1954 موظف – أعرب – عنوانه : 24شارع المنشية القديمة بالسويس .. وقع اغتياله داخل السجن رميا بالرصاص .

10- عبدالفتاح محمود عطا الله : قبض عليه في 28/2/1955 خياط – متزوج وله ولد ، من كفر وهب – مركز قوسنا – منوفية .. قتل في السجن بالتعذيب .

11- أحمد محمود الشناوي : قبض عليه في 13/5/1955- براد – أعزب – يعول والديه – القاهرة ، العباسية – 30شارع غرب القشلاق .. قتل في السجن .

12- خير الدين إبراهيم عطية : قبض عليه في 3/3/1955 ، طالب بالأزهر – أعزب – القاهرة – باب الوزير قسم الدرب الأحمر رقم 2 ... قتل داخل السجن .

13- مصطفي حامد علي : قبض عليه في 4/3/1955 – طالب ثانوي – أعزب – عنوانه : 9شارع الحاج إسحاق إمبابة – القاهرة .. اغتيل داخل السجن بالرصاص .

14- أحمد عبود متولي : قبض عليه في 15/5/1955 بكالوريوس زراعة – أعزب – عنوانه : أبو الشقوق – كفر صقر – الشرقية ... قتل داخل السجن بالتعذيب .

15- عثمان حسن عبد : قبض عليه في 7/2/1955 – طالب ليسانس دار العلوم – أعزب – يعول والديه – عنوانه : ابن طولون – القاهرة ... قتل في السجن نتيجة التعذيب .

16- محمد أبوالفتح معوض : قبض عليه في 25/2/1955 – مطبعجي – أعزب من عزبة ناصف منوف – المنوفية .. قتل داخل السجن نتيجة التعذيب .

17- علي إبراهيم حمزة : قبض عليه في 16/12/1954 – ترزي – أعزب – من شارع أبو الفضل – المحلة الكبرى .. قتل داخل السجن .

18- فهمي إبراهيم نصر : قبض عليه في 12/9/1955 ، طالب ثانوي – أعزب – من رملة الأنجب هواش منوفية ... قتل في السجن بالرصاص .

19- سيد العرب صوان : قبض عليه في 24/11/1954 موظف – متزوج – له ثلاثة أولاد – المحلة الكبرى – شارع محمد علي ... قتل داخل السجن نتيجة التعذيب .

20- سعد الدين محمود شوقي : قبض عليه في 2/3/1955 – موظف – أعزب – من شارع سماحة – عطفة نصار رقم 10 إمبابة ... قتل بالسجن نتيجة التعذيب .

21- محمد السيد عفيفي : قبض عليه في 17/3/1955 – موظف – 14 شارع محمد علي بين السرايات الجيزة .. قتل داخل السجن .

وأحدث ضحايا التعذيب الذي يقع حاليا في سجون مصر علي المعتقلين من الإخوان المسلمين نذكر :-

1 – إسماعيل الفيومي : أحد أفراد الحرس الخاص لرئيس الجمهورية العربية المتحدة ، والذي أعلن اعتقاله في شهر سبتمبر 1965 ... وبعد شهر واحد من اعتقاله أعلنت السلطات المصرية بطرق ملتوية أنه هرب ثم قدم للمحاكمة باعتباره هاربا . وهكذا يعرف المرء المقصود بكلمة " هارب " في قاموس الحكام الإرهابيين في مصر .

2 – المهندس رفعت بكر الشافعي : متخرج منذ عامين فقط . وسنه لا يتجاوز خمسة وعشرين عاما – وهو ابن شقيقة الشهيد الكبير الأستاذ سيد قطب . اعتقل هذا الشاب يوم اعتقل خاله الأستاذ محمد قطب ، كما اعتقل شقيقه ، وكان الغرض من تعذيبه إلزامه باعترافات ضد أخواله وخالاته شقيقات الشهيد سيد قطب ، وكان تعذيبه في السجن الحربي حتى الموت – ثم سلمت جثته لأهله بعد أن ألزموا بتوقيع تعهد بعدم إذاعة أي شيء عن سبب وفاته ، وذلك في نهاية عام 1965 .

3 – الأستاذ محمد عواد سليمان : مدرس كان يعمل ويقيم ببلدة الزوامل بالغرب من أنشاص عذب كذلك حتى مات في السجن الحربي عام 1965 ولكن لا يعلم أحد أن كانت جثته قد سلمت لأهله أم لا ، حتى الآن .

4 – زكريا المشتولي : وهو محام بالقاهرة كان ممن اعتقلوا عام 1965 وشقيقه كفيف البصر يدعي أحمد المشتولي مدرس بمعهد القراءات بالأزهر اعتقل أيضا ولكنه وضع في سجن أبي زعبل ، وما زال لا يعلم بموت أخيه لأنه عذب ومات في السجن الحربي .

5 – الأستاذ حامد شريت : من أسيوط وهو شقيق الأستاذ أحمد شريت المحكوم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة في السجن من 1954 إلي اليوم وهذا المعتقل عذب ومات في السجن الحربي عام 1966 .

6 – محمد صقر : لم يعرف عنوانه بعد .

7 – سيد جردين : لم يعرف عنوانه بعد .

8 –محمد بدر الدين القصبي : لم يعرف عنوانه بعد .

وجميع هؤلاء ماتوا تحت التعذيب في السجن الحربي عام 1965 و 1966 ، وليس لدينا أية معلومات عمن ماتوا في السجون .

ولإعطاء القارئ صورة عن الطريقة التي تتم بها عمليات الاغتيال داخل المعتقلات والسجون نكتفي بشهادة شاهد عيان ليس من الإخوان المسلمين وليس مصرياً وليس مسلماً – هو الصحفي اللبناني الماروني ( روكس معكرون ) الذي سجل في كتابه ( أقسمت أن أروي ) الذي نشره في لبنان عام 1960 حادثة واحدة شهدها في ليمان طره – عندما كان سجيناً بها وروي كيف قتل رجال عصابات المخابرات والمباحث بأمر وزير الداخلية زكريا محيي الدين عددا من الإخوان المسلمين داخل جدران السجن – بل داخل زنازينهم ثم عرضوا جثثهم في ساحة السجن ... وهذا ما قاله " معكرون " :

  • وجاء الصباح المنتظر وجاوزت الساعة السابعة ولم تفتح الأبواب .. وذلك علي غير عادة ، قفزت من غرفتي إلي الفتحة الصغيرة بباب الزنزانة استطلع الخبر ... لم أر شيئا ... إلا أنني سمعت وقع أقدام كثيرة ... ثم رأيت ضباطا أعرفهم وكلهم من ضباط السجن ، وكلهم مدججون بالسلاح ومعهم عدد وافر من الزبانية يشكلون حلقة ويتشاورون ، ولم تمض دقائق معدودات علي هذا الوضع حتى توجه السجانون إلي الدور الثالث وفتحوا أبواب الزنازين بكاملها وأخرجوا الأصحاء من الإخوان إلي شرفة الدور وتركوا بقية الدور مغلقة .. وبعد دقائق دوت طلقات نارية كثيرة .. ولم أسمع سوي صوت واحد ردده الجميع – جميع الإخوان – الله أكبر .... الله أكبر .... وبقي الرصاص يدوي إلي أن اطمأن الطغاة إلي استشهاد المجموعة البريئة ...

وظننت بأن الأبواب لن تفتح قبل أن ينقلوا الجثث من العنبر .. إلا أن آدمية الطغاة خيبت ظني ، وفتحت الزنازين – كل الزنازين – وأمرنا بالخروج من الغرف لقضاء حاجتنا .. وما بالك أيها القارئ العزيز إذا علمت بأننا كنا نتخطى الجثث وكأننا في ميدان حرب ... جثث في كل مكان أمام غرفتي وفي الفناء وعلي سلم العنبر

هؤلاء الأحرار من أبناء مصر قد قتلوا ... قتلوا اغتيالاً وغدراً علي يد مخابرات العصابة الحاكمة وعصاباتها – قتلوا غدرا واغتيالا وهم رهائن في يد عصابات البغي التي نظمها حكام مصر لإرهاب المصريين ، قتلوا غدراً واغتيالاً ضحية لعمليات الخطف الذي يسمونه ( اعتقالاً ) في مصر .


الخطف والإعتقال

إن ما يسميه حكام مصر اعتقالا ليس من نوع الاعتقال الذي يعرفه العالم المتمدين – بل هو اختطاف ... ذلك أنه لا يوجد تشريع ولا نظام يلزم الأجهزة التابعة لحكام مصر بإصدار أوامر الاعتقال مكتوبة ولا موقعا عليها ولا مؤرخة بل كان عضو في المخابرات أو المباحث يستطيع أن يعتقل أي فرد دون أن يثبت هذا الاعتقال في دفتر رسمي ولا محضر مكتوب ولا أي وثيقة يمكن أن تثبت هذا الاعتقال في دفتر رسمي ولا محضر مكتوب ولا أي وثيقة يمكن أن تثبت وجود المعتقل في يد أجهزة البوليس أو المخابرات أو المباحث .

وأكثر من ذلك فإن عصابات المخابرات والمباحث يتعمدون ألا يعتقلوا الأشخاص من منازلهم حتى لا يراهم أحد من أقاربهم ولا أصدقائهم ولا أي شخص آخر – بل يتربصون لهم في زوايا الطرق متسترين بالظلام أو ينتهزون فرصة وجود الشخص وحده فيقتادونه حيث يريدون حتى لا يعلم أحد باعتقاله ، ولا يعلم أحد أين هو ، ولا تستطيع أسرته ولا أقاربه أن يتصلوا به أو يعرفوا عنه شيئا من أي جهة رسمية ولا غير رسمية ، وغرض عصابات المخابرات والمباحث من ذلك أن يمارسوا ما يشاءون من وسائل التعذيب ضد الشخص الذي خطفوه – حتى إذا مات فإنهم يدفنونه سرا في رمال الصحراء أو في مغاور جبل المقطم ، دون أن يثبتوا اعتقاله ولا أن يسجلوا وفاته ولا أن يعلنوا دفنه ، ولا يستطيع أحد أن يثبت أنهم قتلوه ودفنوه سرا .

بهذه الطريقة الغادرة تهدف العصابات التي يسيرها حكام مصر إلي إبادة العناصر الحية من شباب مصر الأحرار ، وخاصة من ضباط الجيش أو من مناضلي الإخوان المسلمين ، وذلك باختطافهم ثم إلقائهم في معتقلات مجهولة ، أو في سجون نائية في أعماق الواحات أو أقاصي الصعيد – لا يعلم أحد باعتقالهم ، ولا يعلم أحد بتعذيبهم ، ولا يعلم أحد بموتهم إذا ماتوا تحت التعذيب ولا بدفنهم سرا بعد ذلك بيد أعوان المخابرات والمباحث . إن ذلك الاعتقال هو خطف لا يثبت في وثيقة ، ولا يعرف له تاريخ ، ولا مكان ، ولا يخضع لقانون ولا قضاء ، ولا رقيب ولا حسيب ... وإنما يكون فيه المخطوفون كرهائن تحت رحمة الجلادين من أعوان الحكام .

ولا يخلوا سجن من سجون مصر من جناح أو أجنحة مخصصة لعمليات الاعتقال .. والغدر والاغتيال ، بما في ذلك سجون الوجه البحري وسجون الوجه القبلي – ونخص بالذكر منها سجون أسيوط وبني سويف وقنا والقناطر وقرة ميدان ، مضافا إلي ذلك ليمانات طره وأبو زعبل ، ولكن هذه السجون ضاقت علي سعتها برهائن الحكم الإرهابي ، فبنوا سجونا جديدة في جوف الصحراء في واحات الصحراء الغربية ، أو في طور سيناء علي بعد كيلومترات من معسكرات الذل والعار التي يرفرف عليها علم " البوليس الدولي " في شرم الشيخ وخليج العقبة لحماية تجارة إسرائيل وتأمين حدودها تحت سمع حكام مصر وبصرهم بل بناء علي طلبهم .. وكل شخص في مصر يدرك لماذا تختار هذه الجهات النائية ، والأماكن المجهولة لوضع المعتقلين ، أنهم أنشأوا هذه السجون النائية لكي تستطيع عصابات الإرهاب التابعة للمخابرات أن تنفذ خططها الدنيئة لإبادة من تخطفهم من أحرار مصر من الإخوان المسلمين وغير الإخوان المسلمين .. عن طريق التعذيب .


التعذيب الوحشي

إن العصابات المسيطرة علي مصر لا تقنع بإرهاب شعب مصر بالمشانق والقتل ، ولا بالمحاكمات الصورية و " المحاكم " الاستثنائية و " الأحكام " السرية التي لا يعرف أحد متى صدرت ولا من أصدرها ولا يكفيهم خطف الناس بحجة الاعتقال ، بل أنهم يجعلون المخطوفين رهائن ويستبيحون لأنفسهم إخضاعهم لوسائل التعذيب البربري الذي لم يذكر التاريخ له مثيلا إلا في عهد النازية الهتلرية التي انتقل خبراؤها إلي مصر ، هاربين من العدالة في بلادهم فآواهم حكام مصر ، بعد أن طاردتهم جميع الشعوب المتمدينة – ولم يكتف حكام مصر بحمايتهم ، بل استفادوا من خبرتهم في أساليب التعذيب ، ومكنوهم من ممارسة ( مهنتهم ) القديمة التي علمتها لهم النازية " مهنة التعذيب " ضد أبناء مصر الأبرار وفي مقدمتهم أبطال الإخوان المسلمين الأحرار الذين يقعون فريسة للخطف والاعتقال ، والسجن .

وهم يستعملون في تعذيب ضحاياهم ، وسائل التعذيب البدني ، والإيلام النفسي ، الذي يستخدم فيه آخر مبتكرات الدكتاتوريات الشيوعية والفاشية من آلات التعذيب بالكهرباء ، والخنق بالماء ، وحمامات الماء البارد والساخن ، وقلع الأظافر ، والتجويع ، والعطش ، والحقن بالمواد المخدرة التي تفقد الوعي ... فضلا عن أحط آلات الإيلام البدائية البربرية كالضرب بالعصا والسياط والكي بالنار ، ونفخ البطون بالهواء المسموم ... بل والاعتداء علي أعراض النساء والرجال ... مما يخجل الإنسان من ذكره أو وصفه . ويكفي دليلا علي ذلك ما ذكره مؤلف كتاب " أقسمت أن أروي " عما شاهده بنفسه في ليمان طره في عام 1985 م :

" أطلقت صفارة السجان .. ونودي علي جميع سكان العنبر بالنزول إلي الفناء ... وامتثل السجناء للأمر .. أمر سجانهم صاحب الحول والطول يفعل بهم ما يسعده من ألوان العذاب والحرمان .. فهو في قانون الليمان حاكم مطلق الصلاحية . اجتمعنا نحن السجناء في فناء العنبر .. وأجلسونا القرفصاء ... وجلست هذه المرة دون مجرد التفكير بالاعتراض علي هذا الموضع ... وكانت إدارة السجن قد استدعت بقية الإخوان الذين كانوا في غرفة التأديب ومنهم الدكتور حمدي .. ووقف الملازم أول عبد العال سلومة ليقول لنا جميعا :

أيها النزلاء .. يسر إدارة الليمان أن تسعدكم بمشاهدة الإخوان المسلمين يقومون بألعاب بهلوانية للترفيه عنكم ! – وحضرتني في تلك اللحظة صورة نيرون يقهقه وروما تحترق ... – وأعطي الضابط الخليع أوامره للإخوان المسلمين ليدوروا سريعا حول العنبر ، ومن ورائهم شرذمة من الزبانية تلهب ظهورهم بالسياط .. وشرذمة أخري تقذف بالكلس الحارق علي وجوههم ... إن وحشية ( هولاكو ) كانت لتبدو معدومة إذا ما قورنت بوحشية القائمين علي السجن الذين يستمدون أوامرهم من وزارة الداخلية ، فينفذونها بدقة وإخلاص .

ثم نودي علي الإخوان مرة أخري ليوزع عليها الضابط المهام أسماء جديدة ... ولكنها أسماء لنساء صورة من المهانة والتحقير لم تعرفها الإنسانية من قبل ولم يكتف ( سلومة ) بهذا القدر من التحقير بل سولت له نفسه أن يأمر أحدهم – أعرفه جيدا يدعي محيي الدين عطية وهو طالب في كلية الحقوق أمره بأن يضاجع أخا له .. واقشعرت الأبدان – أبدان السجناء – كل السجناء – وبكي محي الدين من فرط الألم واستنكر بشدة أمر الضابط الرقيع . ولم يكن لسياط زكريا محيي الدين لتنال ذرة من آدميته .. فأوقعته أرضا ومغشيا عليه .. وتمتمت بصوت خاشع .. اللهم أرفع عنهم هذا الكأس وأرحم الشهداء منهم شهداء الإيمان وأعداء الطغاة الآثمين .. " .

هذا ما رآه بعينه ذلك السجين المسيحي الماروني اللبناني في ليمان طره .. أما ما سمعه بأذنه عن ( السجن الحربي ) فإليك بعضه ...

" عزيزي القارئ ... طالما أني تعرضت في حديثي عن طرق التعذيب وأساليبه التي ابتدعتها مخابرات عبد الناصر وزكريا محيي الدين وأتبعها القائمون علي السجون في مصر ، فلابد أن أروي لك قصة التعذيب لسجين عرفته الجامعة العربية من أنشط رجالها إنه الأستاذ صالح أبورقيق الذي كان يشغل منصب رئيس قسم شمال أفريقيا في الجامعة ، وعضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين ، وكان قد جيء به إلي الليمان مع مجموعة من زملائه أعضاء مكتب الإرشاد ، بعد أن عوقبوا بالأشغال الشاقة المؤبدة من " محكمة الثورة " ، وجاء معهم أيضا الأستاذ حسن الهضيبي المرشد العام للجماعة .. والذي خفضت عقوبته من الإعدام للأشغال الشاقة المؤبدة .

أدخلوهم الليمان حفاة وشبه عراه .. ووضعوهم في الدور الثاني من عنبر (أ) أي العنبر الذي أسكنه وقد تبينت منهم صديقا قديما هو الأستاذ صالح المذكور وهرعت فورا لمقابلته .. ولكن الضابط المسئول عن مراقبتهم خيب أملي ، إذ منعني من مقابلته .. وأضاف بأن لديه أوامر مشددة بالنسبة للإخوان ويحظر علي جميع المسجونين الاتصال بهم ... ورضخت للأمر وعدت إلي زنزانتي ... وفي اليوم التالي التقيت بصالح بعيدا عن الضابط المراقب فشكرني من الأعماق وقدمني إلي المرشد العام .. وشكرني الأستاذ الهضيبي بدوره أيضا .. ولم أستطع الجلوس معهم .. وكان صالح يتحدث مع سعد كامل المحامي والدكتور شريف حتاتة ، وقلت لصالح : " لقد سمعنا من الزبانية هنا ... أنكم كنتم ضيوفا علي الباستيل .. والباستيل يعرفه جميع المساجين هو السجن الحربي ... وتنهد صالح وقال : أيوه يا أخي كنا بالباستيل ... وأي باستيل .. رحم الله باستيل فرنسا ! .. وقلت بالله عليك يا صالح ، أخبرنا جري معك شخصيا هناك ؟ - وقبل أن أترك له مجال التردد .. قلت مضيفا : لقد تسربت إلينا أخباركم وأنتم في الباستيل ، بواسطة الزبانية هنا ، إلا أنني أرجو سماع القصة منك بالذات – وقال صالح ( ماذا أقول ؟ أشياء لا تقال .. ولا يمكن أن يتصورها عقل ، قلت فليكن .. لقد صممنا علي أن تسمع القصة منك علي حقيقتها .. وقال صالح ... " فتح باب الباستيل الضيق فاستقبلوني بلون جديد من الشتائم والسباب .. والسياط أيضا .. ثم صدرت أوامر حمزة البسيوني قائد السجن الحربي هكذا - .. معك دقيقة من الوقت لتكون بعدها ( عريان زي ما ولدتم أمك ) وقلت للجاويش – لماذا ؟

قال – هنا ... يا ... ؟ لا يسأل لماذا ؟ ولم تتعود أن نسمعها من أحد من قبل .. اخلع ثيابك فورا .. وإلا ...

فقلت للجاويش – لا داعي لكل هذا التهديد ... سأترك شيئا يستر عورتي فقط ... وخلعت ملابسي ولكن البسيوني لم يرتح لي .. فأمر زبانيته بإهدار كرامتي .. وحاولت الاحتجاج بشدة .. فتناولتني السياط من كل جانب وبكل غلاظة ، حيث مزقت ، حيث مزقت جسدي ، وأنهكت قواي .. وغبت عن وعيي .. وأفقت أخيرا لأجد نفسي في غرفة مظلمة ضيقة يعلو أرضها متر من ماء .. وبابها موصد .. صنعت خصيصا لهذه الغاية .. غاية التعذيب والإرهاب .. وقضيت ليلة ليلاء عرفت فيها أبشع صور التنكيل والإجرام ..

كنت مرهقا للغاية .. التمس هنيهة من راحة .. ولكن كيف الوصول إلي ذلك ... كيف أنام وفراشي من مياه .. ولم استطع الجلوس .. وبقيت واقفا انتفض من البرد وأتلوى من العذاب والألم .. إلي أن جاء الصباح ... أخرجوني من الغرفة منهوك القوى ، لا أستطيع حراكا .. ولكن ليدخلوني هذه المرة في غرفة كبيرة يتدلي من سقفها جنزيران من حديد .. في نهاية كل منهما حلقة حديدية .. وسألت الزبانية .. ألا من راحة ؟؟ فأجابني أحدهم .. كل الراحة إنه وقت الفطور .. سنقدم لك الآن وجبة الإفطار ثم بعد ذلك نتركك لتأخذ قسطاً من الراحة ..

اقترب اثنان منهم لوضع قدمي في حلقات الحديد .. وثرت عليهما وعلي هذا التنكيل ببني البشر ، وعلي الثورة البربرية ... وعلي الدكتاتورية ... وعلي الاستبداد المطلق ؟؟؟ واستجمعت قواي وأشبعتهم ضربا .. وازداد عددهم وتغلبوا علي .. ووضعوا قدمي بالحلقات الحديدية حيث تدلي رأسي إلي أسفل وشدت قدماي إلي فوق : وانتظرت تمزيق جسدي بالسياط ولكن يا لهول ما فعلوا .. كم كنت أتمني الموت .. ولا أري ذلك ..؟؟؟

وقال صلاح باختصار .. لقد أحضروا منفاخا ووضعوا مقدمته في مؤخرتي .. ونفخوني به ، حتى أصبحت تماما كالبالون .. وأما عن الآلام وتقطيع الأوصال .. فحدث ولا حرج .."

هذه هي حال آلاف من أبناء مصر الأحرار في المعتقلات والسجون التي أقامها الحكم الإرهابي في مصر يقاسون العذاب والتعذيب منذ سنة 1954 إلي اليوم : تقطع أجسامهم بالعصي والسياط كأنهم دواب ، ثم توضع القيود في أيديهم وأرجلهم ، والأغلال في أعناقهم ، ويجرونهم أو يصلبونهم علي هذه الصورة البشعة الوحشية في ساحات المعتقلات والسجون العديدة التي لا تقع تحت حصر : وخاصة في السجن ( الحربي ) .. تحت أشعة الشمس المحرقة في حر الصيف ، وفي برد الليل المظلم في زمهرير الشتاء ... ثم تحرق جلودهم بالنار ، وتحطم أعصابهم بالكهرباء .. وتغرق رؤوسهم في حمامات الماء أو يحبسون في زنازين مملوءة بالماء ، عارية أجسامهم يصل الماء إلي بطونهم وظهورهم ، ويبقون محبوسين فيها أياما طويلة بغير طعام ولا شراب ولا ملابس .. فلا يستطيع الأسير منهم أن ينام ولا أن يجلس ومنهم من أغمي عليه ومات غرقا في ذلك الماء بسبب التعب والجوع والعطش والبرد .. ماتوا وحيدين شهداء لم يشهد موتهم إلا الله المطلع علي ظلم الظالمين ، الذي لا تخفي عليه خافية في الأرض ولا في السماء .

التجسس والخيانة

في ظل الحكم الناصري ، وصلت سوء الحال في مصر إلي درجة جعلتها مضرب الأمثال في بؤس المعيشة وقلة التموين – حتى أصبحت تقرأ في وجه كل مواطن مصري آيات الضيق الذي يقاسيه شعب مصر ، وتنطق أساريره بهموم العيش التي لا تفارقه عينك علي مصري ناعم الوجه سمين الكرش ملفوف الذراعين من كثرة الشحم ، نظيف الملابس – فانك واثق أنه من مماليك العهد الجديد ، وعبيد المخابرات والمباحث الذين يحظون بنصيب الأسد من تموين التعاونيات ويتمتعون بما يماثل ذلك من امتيازات مقابل مزاولتهم مهنة التجسس والتلصص لحساب المخابرات الإرهابية ، والمباحث السرية .

في هذا الوقت الذي لا يجد فيه المواطن في مصر الفول إلا ببطاقة ، ولا يحصل علي الأرز إلا بالواسطة ، يحتكر السكر والياميش وقمر الدين فضلا عن اللحم والأرز وغيرهما من مواد التموين وتوزع علي عبيد المباحث ومماليك المخابرات بحجة أنها من " المضبوطات " التي وضعت المباحث يدها عليها بفضل يقظة جهاز التجسس التي تديره وتنفق عليه ملايين الجنيهات ، حتى أيقن بعض المصريين أن الجاسوسية والتلصص قد أصبحا خير مورد للرزق وأوسع باب للنعمة والطريق الوحيد لرضا السلطات وأن التدني إليها والمساهمة فيها هي البطاقة الوحيدة التي تحول المصري من مواطن فقير مضطهد معرض للسجن والاعتقال ، مهدد بالخطف والاغتيال – إلي عضو عامل في الحزب الحاكم يتمتع بالأمن والاطمئنان ونعيم الحياة ، فضلا عن التموين وأبواب الرزق الحرام .

ولا تكتفي منظمات التجسس في مصر بمن يبيعون أنفسهم للشيطان مقابل خدمتهم لعصابات التجسس والإرهاب الحاكمة بل أنها فرضت التجسس فرضا علي الناس كأنه ضريبة جبرية علي كل من له حاجة تلزمه بأن يطرق أبواب السلطات أو مطلب يفرض عليه أن يقف بأبواب الحكام ، وتستعين أجهزة الإرهاب الحاكمة في فرض هذه الضريبة بكل وسائل الإكراه والتهديد الحقير التي يذلون بها نفوس الرجال الشرفاء إذا عجزت عن إذلالهم وسائل الترغيب بمواد التموين والمرتبات الشهرية التي يسترون بها نفوس العبيد وخدماتهم ، إن أجهزة التجسس الرهيبة في مصر تستعمل وسائل الإكراه والتحايل ضد الأفراد لتدفع بهم تحت ضغط الحاجة والبؤس والضيق إلي مهانة الخيانة والغدر وحقارة التجسس والتلصص ، فهم يفرضون علي من يلجأ لمصالح الدولة للحصول علي رخصة يفرضها القانون لمزاولة مهنة أو عمل – يفرضون عليه أن يزاول التجسس لحساب المباحث والمخابرات مقابل حصوله علي تلك الرخصة أو مقابل الاحتفاظ بها إذا حصل عليها – وقد بدأوا ذلك بصغار المحترفين كخدم المنازل : فلزموهم بأن ينقلوا للمباحث يوميا أنباء المنزل الذي يعملون فيه وكذلك البوابون والسواقون والطباخون وسائقو التاكسي فضلا عن السواقين الخصوصيين ، ثم أنهم بعد ذلك استذلوا البقالين والحلاقين وكل ذي مهنة يتردد علي منازل الناس أو يتردد الناس علي محله – يفرضون عليه التجسس مقابل فتح محله أو الاحتفاظ برخصته حتى أصبحت المباحث تتباهي بأنها تعلم ما يجري في المنازل من تقارير الخدم أكثر مما يعلم رب الدار – ويطلع عليه سكان المنزل ، ولم يقف شر المباحث عند حد ، فلم تكتف بالعملاء والأجراء من الطوائف المستضعفة ، بل استطاعت بوسائل الترغيب في الترقيات ، والترهيب بالاعتقالات أن تستذل رؤوسا كبيرة ممن يعملون في وظائف الدولة ، أو ممن يحتاجون إلي تراخيص الاستيراد ، أو تصاريح بالسفر إلي الخارج فضلا عن أعمال المصانع والمصالح الحكومية وتلاميذ المدارس وطلبة الجامعات .

وماذا تطلب المباحث والمخابرات من عملائها والمتعاونين معها ؟ .. أنها تزداد كل يوم شرها بازدياد عدد جيوشها وعملائها من الجواسيس فهم لا يقنعون بالحصول علي المعلومات عن نشاط الأفراد السياسي ، ولا آرائهم السياسية ، ولا يكتفون ببيانات عن مناقشتهم ومحاوراتهم وأحاديثهم ونكاتهم وجدهم وهزلهم ، بل أنهم يصرون علي معرفة زوارهم وأصدقائهم وخصوماتهم ومشاكلهم وحالتهم المالية وسلوكهم الشخصي وعلاقاتهم العائلية ومغامراتهم العاطفية ... وما يقع بين المرء وزوجه ، وما يحدث بين الأب وأبنائه .. حتى إذا قبض علي أحد أفراد الأسرة ، وأرادت المباحث أن نفرض عليه " اعترافات " وأن تلزمه بأقوال ضد نفسه أو ضد غيره ممن يعرف وممن لا يعرف ، كان لديها سلاحها مهيئا مقدما ، إذ تهدده بنشر صورة معينة لابنته أو زوجته أو التشهير به وبأسرته أو فضيحة زوجته أو أخته أو ابنته .

بهذه الوسائل وما هو أحط منها وأشنع ، مما لا يمكن وصفه ولا التعبير عنه بلغة الرجال الشرفاء ، تستطيع أجهزة المخابرات والتجسس والمباحث في مصر أن تفرض علي من يقع في يديها من المصريين قبول ما يفرضونه عليه من الخيانة والغدر حماية لشرفه أو شرف أسرته وحرصا علي كيان عائلته أو سمعة بناته وأولاده أو أصدقائه من تهديدات المباحث وكيد المخابرات ، وما تطلبه تلك الأجهزة الإرهابية ممن يقع فريسة لتهديداتها وضحية لحبائلها وشباكها أن يصبح عيدا مملوكا من مماليكها وجاسوسا خاضعا لها ، وعميلا تابعا وشريكا مساعدا لها في تلفيق المؤامرات ضد الأحرار الذين تلفق ضدهم التهم وتدبر المؤامرات .


فلسفة الغدر

لقد كان المصريون يفجعون حين يرون الملايين تتفق ذات اليمين وذات الشمال من ميزانية الدولة ، وتذهب غنيمة باردة في جيوب العملاء المأجورين من كل ملة وكل جنسية وكل طبقة إلا أنهم الآن قد أيقنوا أن الخسارة الأخلاقية التي حلت ببلادهم بسبب سياسة فرض التجسس والتلصص والخيانة والغدر علي المواطنين هي أخطر وأبعد مدي من تلك الخسائر المادية ... فقد قيل لهم أن الملايين التي نحسرها حكومة الإرهاب أو تضيعها علي منظمات التجسس والتلصص تسارع بعض الدول – الصديقة – إلي التبرع بسد العجز الناتج عنها لوجه الله تعالي ، خدمة للإنسانية ، أو تشجيعا للاشتراكية ، أما تخريب الأخلاق وإفساد الضمائر ، وتحطيم أركان المجتمع الأخلاقية فلا تستطيع دول الأرض كلها إصلاحه ولا تعويض خسائره .

إن عصابات التجسس الإرهابية الحاكمة في مصر ضحت في سبيل تجسسها بكل مبادئ الأخلاق وأسس الآداب ، وخربت كل المجتمع وفرضت عليه الفساد باستعمال الإكراه والتهديد . فلا عجب إذا أصبح كل مصري يشك في جاره ، ولا يثق في صديقه ولا ابنه ولا خادمه ، ولا أي شخص آخر في المجتمع ، بل أنه لا يثق في نفسه هو ، ولا يضمن إذا قبض عليه أو عذب وألقي في معتقل أو سجن ثم سلط عليه العذاب الذي يسمع في كل وقت بأنه مسلط علي – الإخوان المسلمين – لا يضمن أي مصري إذا وجد نفسه تحت هذا العذاب أنه لم يبيع أصدقاءه ، بل وأقاربه ، وأخوته وأبنائه ، بل سيبيع نفسه وهو يكذب عليها ويتهمها – ويعترف – بكل ما تفرضه عليه المباحث تحت التعذيب من أقوال : عن جرائم ، دبرها وأعدها وارتكبها ... كذبا وزورا وبهتانا – لكي يخلص نفسه من العذاب المسلط عليه ، ومن التهديدات التي تحيط به ... ويفقد بذلك ثقته في معاني الشرف والرجولة في نفسه وفي غيره من أفراد المجتمع .

هذا هو الهوان الخلقي الذي فرضه إرهاب حكام مصر علي أبنائها – وهذا هو التخريب الخلقي الذي يقوض دعائم المجتمع المصري يفرضه حكم الإرهاب عليه . وليت الأمر وقف عند حد إفساد الأخلاق بالترغيب أو بالتخويف والإكراه – بل أن حكام مصر قد عثروا علي فلسفة استوردها من الخارج لتأصيل هذا الفساد الخلقي وتربية الناس عليه وتنشئة الشباب علي أساسه – فصاروا ينشئون ( معاهد ) يجلبون لها خبراء وأساتذة من بلاد الدكتاتوريات الفردية أو الدكتاتوريات الطبقية والحزبية ، ليعملوا فيها شباب مصر إنكار المبادئ الخلقية ، والقواعد الدينية الإنسانية بحجة نشر ( الوعي المادي الاشتراكي ) ذلك الوعي الذي يوجب في زعمهم علي ( المناضل ) أن يتمرس بشتى ضروب الخداع والفسق والتضليل من أجل تحقيق الاشتراكية ويوجب عليه أن يغير أخلاقه وسلوكه وفقا للظروف مهما تطلب ذلك من كذب وتضليل وخداع لكي يكون مناضلا ثوريا حقيقيا .

فالحكم الإرهابي لا يكتفي إذن بسلاح السلطات الدكتاتورية ولا سلاح التعذيب والقتل والبطش وإنما يعمل علي تكوين جيش لمنظماته الإرهابية ، يتكون ممن تعروا عن جميع المبادئ المثالية ، وتنكروا لجميع القواعد الخلقية ومن يعتبرون الغدر والخيانة فريضة عليهم لبناء ما يسمونه " الاشتراكية العسكرية " أو " الدكتاتورية الطبقية العمالية " التي يكون السبيل الوحيد فيها للترقي في مناصب الحزب ، والصعود إلي مقاعد السلطة هو الهبوط في موازين الشرف والتخلي عن خلق الرجولة ، والتمرس بأساليب الغدر والخداع والنفاق والكذب والتضليل والتدليس علي الناس .

ولا يكتفي حكام مصر أن يكون لهم هذا الجيش من العبيد والعملاء في داخل مصر ، بل أنهم فرضوا هذه الأساليب أللأخلاقية علي أعوانهم من المصريين وغير المصريين خارج مصر ، وأن كل مصري ساقته الظروف للعيش خارج مصر ليشعر بمقدار ما وصل إليه المصريون في نظر الناس من هوان ومهانة ، فالناس في خارج مصر أصبحوا يعاملون المصريين جميعا علي أنهم جواسيس للمخابرات وعملاء الإرهاب لحكام مصر – بل أنهم يعاملون أصدقاء مصر كذلك أيضا ، حتى أصبح من يحب مصر أو يعطف علي شعبها يخشي أن يظهر حبه لها أو تقديره لأبنائها ، لأنه كلما أظهر شيئا من ذلك رأي وجوه الناس تلتفت إليه عيونهم تنظر إليه كأنهم يسألونه – كم يعطونك مقابل هذا ... أيها العميل المأجور ؟؟؟ لقد وصل حكم الإرهاب في مصر إلي إقناع الناس في داخل مصر وفي خارجها أنهم ليس لهم أصدقاء ولا يتعاملون مع أنداد شرفاء – وإنما لهم في الداخل وفي الخارج عبيد وعملاء وجواسيس .. وإن هذا الصنف الحقير من الناس هو وحده الذي يتمتع بثقتهم ، ويصلح ( للتعاون ) معهم .


الإرهاب الاجتماعي

إن عصابات الإرهاب منذ أن سيطرت علي مصر تسير علي خطة تزييف الشعارات بقصد استعمالها لتثبيت سيطرتها واستبقاء سلطتها – واستأجروا لكل شعار فرقة من الدجالين لفلسفة ذلك الشعار وتزييفه وتحويره لكي يصبح دعامة لدكتاتوريتهم وطغيانهم ومبررا لإرهابهم واستبدادهم . ففي الفترة الأولي عثروا علي شعار ( الاتحاد الوطني ) فأنشأوا له حزبا وفلسفوا هذا الشعار وزيفوه حتى أصبح معناه حل جميع الأحزاب ، ومحاربة جميع الهيئات السياسية واضطهاد جميع أصحاب الرأي أو الفكر لأن وجودهم خطر علي احتكارهم للسلطة وبقائهم وحدهم في مقاعد الحكم وأسسوا لشعارهم حربا سموه " الاتحاد القومي " وصنعوا له إنجيلا سموه " فلسفة الثورة " جعل الانقلاب العسكري ثورة ، وجعل تلك الثورة العسكرية " فلسفة " للسيطرة علي الحكم .

ولما نجحوا في السيطرة علي مصر وفرض دكتاتوريتهم عليها وبدأوا يفكرون في تصدير أساليبهم الانقلابية ونشر فلسفتها الإرهابية تحالفوا مع البعثيين الذين علموهم شعارا جديدا هو ( القومية العربية ) فجعلوها حصان طرواده يدخلونه في كل دولة مملوءا بالعملاء والجواسيس لنسف استقرارها وتحطيم كيانها ولم يكونوا في حاجة إلي جهود كبيرة لإنشاء فلسفة لذلك الشعار المسمي بالقومية العربية لأن أساتذتهم البعثيين أعاروهم فرقة من فلاسفتهم لخدمة الشعار الزائف وزودوهم بما يشاءون من فلسفات لاستغلال الشعار الجديد المستعار ، لمصلحتهم ولمصلحة النفوذ الأجنبي الذي يعاون حكمهم ويدعمه ويمده بالمساعدات العسكرية والتموينية .

ونجح الشعار الجديد في بسط سيطرتهم علي سوريا وتحطيم جميع العناصر السياسية والفكرية التي وقفت في طريقهم كما نجح في تحقيق أهداف الشيوعية والإستعمار من ناحيتين :-

الأولي – حفر هوة عميقة بين الشعوب العربية والشعوب الإسلامية غير العربية ( التي لم يكن لها شرف الانتماء إلي القومية الناصرية التي زعمها قومية عربية ) وبذلك شطر العالم الإسلامي شطرين متخاصمين متنافرين لتحطيم وحدته ولا ضعافه إلي الأبد خدمة للشيوعية الروسية المتحفزة علي حدود الشمالية ، وللاستعمار الاستغلالي الذي ألقي الروسية ودعم قواعده علي شواطئه الجنوبية .

الثانية – التي نجح في تحقيقها السرطان الناصري البعثي عن طريق القومية الناصرية المزعومة فهي تحطيم وحدة الدول العربية التي كان للاستعمار والشيوعية مصلحة في تحطيم وحدتها بإثارة النزعات العنصرية وتهييج الأقليات غير العربية وخلق حروب وفتن طائفية كثورة الأكراد في العراق وفتنة جنوب السودان بل وفي سوريا نفسها لم يتركها المد الدكتاتوري الناصري إلا فريسة لحكومات طائفية عنصرية وتهييج الأقليات غير العربية وخلق حروب وفتن طائفية كثورة الأكراد في العراق وفتنة جنوب السودان وفي سوريا نفسها لم يتركها المد الدكتاتوري الناصري إلا فريسة لحكومات طائفية عنصرية شعوبية تسومها إلي اليوم سوء العذاب .

ولما عادت فلول الحكم الناصري إلي قواعدها في مصر وهي تجر أذيال الخيبة والفشل بعد انفصال سوريا أصبح همهم أن يحتفظوا بسيطرتهم في مصر لتكون قاعدة لنشاطهم الإرهابي ، ولكنهم وجدوا أن الفلسفات القديمة " للثورة العسكرية " أو " القومية العربية الناصرية " لا تزودهم بسلاح كاف لإذلال شعب مصر وخنق أنفاس المعارضين لطغيانهم ، فتحالفوا مع الشيوعيين الذين استوردوا لهم شعارا جديدا سموه ( الإشتراكية العسكرية ) وكل ما يهمهم من تلك الاشتراكية المزعومة أن تجمع حولهم فرقة جديدة من ( الدجالين ) يفلسفون لهم إرهابهم ويزودونهم بسلاح جديد لاستعباد الأفراد وإذلالهم – هو سلاح الإرهاب الاجتماعي .

نعم ، وجد الحاكمون في مصر أن شعار الإشتراكية العسكرية يعطيهم الحق في نهب أموال الناس بحجة التأميم ، وإفقار معارضيهم وتجويعهم بواسطة الحراسة والمصادرة ، فيسلطوا هذه الأسلحة الاجتماعية علي المعارضين وأطفالهم وزوجاتهم وأسرهم إذا لم ترهبهم السجون ولا المشانق ولا التعذيب ولا القتل ولا المحاكمات ولا التشهير والشتم ، ولا كل ما وصلوا إليه من أسلحة الغدر والانتقام ..

نعم – لقد شاهدنا في الأيام الأخيرة أن حكام مصر قد أطار صوابهم أن الإخوان المسلمين تحملوا مالا يطيق البشر من عذاب وسجن مؤبد وتشريد وأحكام وإعدام ومع ذلك مازالوا رافعي الرؤوس صامدين .. – ومازالت فكرتهم تغزو الشباب وتكتسح طبقات الشعب الكادح من عمال وفلاحين وصيادين وموظفين فلابد من سلاح جديد لإذلال كل هؤلاء وتخويفهم وإرهابهم – لم يعد يكفي أن يوضعوا في السجون ويذيقوهم الجوع والعطش والعذاب بل لابد من أن يجوع أطفالهم ونساؤهم وعائلاتهم ، ثم أن السجون لم تعد تتسع للملايين من أبناء شعب مصر ، فعلمهم أساتذتهم الشيوعيون أساليبهم المجرية في العمل ، وتحول الناس جميعا إلي عمال يخدمون العصابة الحاكمة ، ويخضعون لها بحكم حاجتهم إلي العمل وإلي الطعام – وهذا الحكم الطبقي الدكتاتوري يجعل لقمة الخبز لا تصل إلي فم أي فرد في الدولة لا برضاء الحاكم وإذنه . فمن غضب عليه الحكام الإرهابيون يحرم من عمله ويجرد من أجره اليومي ويحرم من طعامه هو وأطفاله وأسرته أي أنه يحرم هو وأبناؤه وأسرته من حقه في الحياة .. بهذه الوسيلة دون محاكمة ولا سجن ولا اعتقال .

لقد بلغ من جرأة حكام مصر علي الإجرام أنهم أصدروا قوانين تجيز لهم جميع أنواع ( الإرهاب الاجتماعي ) مثل قانون رقم 119/1964 الذي نصت المادة الثالثة منه علي أنه " يجوز بقرار من رئيس الجمهورية فرض الحراسة علي أموال وممتلكات الأشخاص الذين يأتون أعمالا تتعارض مع المصالح القومية للدولة " والمصالح القومية المزعومة هي مصالح الحكام أنفسهم ، ثم نصت المادة الرابعة علي أنه = لا يجوز الطعن بأي وجه من الوجوه أمام أية جهة كانت في قرارات رئيس الجمهورية الصادرة وفقا لأحكام هذا القانون .. أي أن مصادرة أملاك الناس لا تخضع لرقابة القضاة ولا القوانين ، ومثل ذلك القانون رقم 50/1965 الذي نصت مادته الأولي علي ما يأتي :-

لرئيس الجمهورية أن يستخدم الحق المخول له بمقتضي المادة الأولي من القانون رقم 119 لسنة 1964 المشار إليه بالنسبة إلي أي شخص من الأشخاص الذين سبق لسلطات الضبط والتحقيق ضبطهم أو التحفظ عليهم ، وذلك في جرائم التآمر ضد أمن الدولة والجرائم المرتبطة بها والتي تم اكتشافها في الفترة ما بين مايو سنة 1965 وآخر سبتمبر سنة 1965 ..

نعم – وجد الإرهابيون الحاكمون في مصر وحلفاؤهم الشيوعيون في شعار الإشتراكية كل ما يحتاجون له من فلسفات الدكتاتورية الجماعية والعسكرية والطبقية فأقاموا لهذا الشعار هيكلا سموه حزب الاتحاد الاشتراكي جمعوا فيه فرق الدجالين الذين يفلسفون للعصابات الحاكمة كل ما تريد الأقدام عليه من وسائل القمع الفردية والجماعية من إفقار وتجويع وقتل واضطهاد وتعذيب ، بل كل ما يريدون أن يريدون أن يدبروه من مؤامرات واغتيالات في خارج مصر بحجة تصدير الثورات لمصلحة كل من يزودهم بالمعونات والأسلحة والقروض سواء في ذلك الشيوعية الدولية أو الصهيونية أو الاستعمار الذين يهمهم خلق الاضطرابات في المنطقة ، ليستطيع كل عدو من الأعداء الثلاثة المتربصين بالعالم العربي أن يصطاد صيده ويحقق مصالحه تحت ستار الفتن التي يدبرها حكام مصر .


تصدير الخيانة وتجارة المؤامرات

عندما اشتكي المصريون من الضيق الاقتصادي الذي فرضه عليهم حكم الإرهاب ، وتململوا من ثقل الأعباء المالية والمادية التي نتحملها ميزانية الدولة وثروة الأمة من أجل المغامرات السياسية والعسكرية التي يمارسها حكامهم في البلاد العربية وغير العربية – قال لهم فيلسوف الثورة و " صوت سيده " الناطق بلسانه – قال لهم بأن تلك المغامرات السياسية في الخارج إنما تربح من ورائها من مال أكثر مما نخسر فيها من أموال – وقدم للناس في صفحات الأهرام مقارنة حسابية عن حرب اليمن استنتج فيها أن كل ما أنفقه حكام مصر عليها أقل مما حصل عليه الرئيس في رحلة واحدة إلي روسيا ؟؟؟

وفيلسوف الثورة وزعيمه ومن وراءهما يعرفون أن المصريين فيهم ذكاء وفطنة ، ولم يظنوا أنه قد يوجد في مصر مغفل واحد يمكن أن يتبادر إلي خاطره أن حكام مصر كان يمكنهم أن يجمعوا بين المساعدات الروسية وتوفير ما ينفق في اليمن لأن الواضح للعيان أن الروس ما أعطوا الرئيس هذه المساعدات إلا مقابل مغامرته في اليمن لأنها مغامرة يستفيد منها الروس ولا يستفيد منها العرب ولا المصريون وهذه هي العبقرية التي أشاد بها فيلسوف الثورة ، الناطق بلسان سيده وصوته : حكام يقومون بمغامرات سياسية في الخارج لمصلحة دولة أجنبية كبرى مقابل مساعدات وإعانات لهم لتمكين سيطرتهم في الداخل .

فإذا عجز حكام الإرهاب في مصر عن زيادة محصول القطن أو القمح ، أو خربوا اقتصاديات مصر بسياستهم الارتجالية الاحتكارية فإن وسيلتهم الوحيدة لسد العجز في ميزانية الدولة أو في ميزانها الحسابي أو ميزانها التجاري هي تصدير المغامرات والمؤامرات إلي الخارج بدلا من تصدير المحصولات – والحصول مقابل تلك المغامرات علي مساعدات وقروض ممن يستفيدون منها . والمغامرات التي يحترفها حكام مصر في الخارج هي صورة صادقة لسياستهم في الداخل ولنظام حكمهم – فلهم في الخارج كما لهم في الداخل جيش من العملاء من كل جنسية وكل مذهب وكل ملة – عملاء من محترفي الخيانات والمؤامرات يعيشون علي مرتبات يقبضونها ومزايا يتمتعون بها علي حساب ميزانية مصر المسكينة التي يتضور شعبها من قلة الفول وقلة اللحم وقلة الصابون وقلة الدقيق والخبز – ومع ذلك فإن جيوشا من العملاء من أصحاب السيارات والعمارات والحسابات الجارية والخزائن الحديدية في البنوك ، تعيش عيش النعيم والرخاء علي حساب ميزانية ذلك الشعب الفقير .

فلا تعجب إذن إذا كان هؤلاء العملاء الذين يذهبون إلي مصر ضيوفا علي عصابات المخابرات والمباحث فينزلون في أرقي الفنادق وتنظم لهم رحلات صيد الحمام في الفيوم أو صيد البط في – فضلا عن استراحات الدولة وقصورها في الإسكندرية أو في الأقصر وأسوان – يرجعون إلي بلادهم ليسبحوا بحمد حكام مصر الذين يطعمونهم ويملئون بطونهم وأفواههم وجيوبهم بالسحت والمال الحرام ، ويضعون أنفسهم عملاء لمخابرات حكام مصر وسفرائها يتلقون منهم الأوامر ويتآمرون معهم ضد كل الهيئات وكل الجهات حتى ضد مصلحة وطنهم وشعبهم ، هؤلاء هم سماسرة الفتنة ، وتجار المغامرات والمؤامرات الذين يمولهم حكام مصر ليقوموا بحملات التخريب في البلاد العربية ويستعملهم حكام مصر لتصدير المؤامرات والغش بحجة تصدير الثورات – وهؤلاء العملاء هم أدوات الإرهاب التي يستعملها حكام مصر لتحطيم كل نظام مستقر في أي بلد عربي لأن حكم الإرهاب في مصر لا يمكن أن يستقر إلا إذا امتدت أساليبه ومذاهبه خارج مصر .

فسياسة الإرهاب التي يستعملها حكام مصر لا يمكن أن تبقي محصورة داخل مصر ، بل هم منذ سيطروا علي شعب مصر يمارسون سياسة الغدر والتآمر والاغتيال خارج مصر كما يمارسونها داخلها ، فلا توجد بلد من البلاد الشقيقة أو الصديقة لم تتعرض لمؤامراتهم ومؤامرات مخابراتهم وعملائهم وجواسيسهم والعالم كله يعرف قصص الأسلحة التي يوزعونها في جميع البلاد ويلقون بها علي كل الشواطئ سواء في ذلك لبنان أو المغرب ، أو اليمن – وأخطر أسلحتهم في جميع تلك المغامرات هو سلاح "العملاء" . هؤلاء العملاء المأجورون والجواسيس المحترفون هم أبواق دعاية حكام مصر الذين يروجون الأكاذيب وينشرون افتراءاتهم واتهاماتهم ضد الإخوان المسلمين وغير الإخوان المسلمين من أحرار مصر وأحرار العرب ودعاة الإسلام .

هؤلاء العملاء المأجورون والمرتزقة الناصريون هم الذين يضللون الشعوب العربية عن حقيقة الأوضاع في مصر ، ولا يكتفون بذلك فإن حكام مصر يتخذونهم أدوات لتضليل شعب مصر عن حقيقة الرأي العام خارج مصر – فكثيرا ما تحرر لهم مخابرات حكام مصر تصريحات ومقالات ينشرونها ويذيعونها خارج مصر لكي تنقلها بعد ذلك إذاعة حكام مصر وصحافتها لتوهم الشعب المصري بأن الرأي العام العربي يؤيد حكامه في سياستهم ، وبذلك يثيرون حقد الشعب المصري ضد الشعوب العربية كما أثاروا العرب ضد المصريين . هؤلاء العملاء الذين يروجون ما توحيه لهم مخابرات حكام مصر عما يسمونه " مؤامرة " الإخوان المسلمين وينسون أنهم هم المتآمرون ضد أوطانهم وبلادهم وعملاء لمخابرات حكام مصر وعصاباتها .

هؤلاء لا يمكن أن يضللوا الشعوب العربية بعد أن انكشف أمرهم وأمر سادتهم ، وعرف الناس جميعهم أساليبهم في الافتراء والكذب ، فلم يتركوا رجلا شريفا إلا شتموه وسبوه ، ولم يتركوا هيئة نظيفة محترمة ولا دولة ترفض الخضوع لمؤامراتهم إلا وانهالوا عليها سبا وافتراء وكذبا – فلم يبق من يصدقهم من كثرة أكاذيبهم وتكرارها . هؤلاء العملاء المأجورون لا يمكن أن يضللوا شعب مصر الذي يعرف من هم الإرهابيون ومن هم القتلة وسفاكو الدماء ومن هم الذين يخطفون المصريين وغير المصريين ويعذبونهم وينهبون أموالهم ويصادرون أرزاقهم وأرزاق أطفالهم وأولادهم ، وشعب مصر يعرف من هم المضللون الكذابون وعملاءهم المحترفون المأجورون . إن شعب مصر يعرف أن هؤلاء الحكام هم الإرهابيون لا ضحاياهم الأبرياء من شباب الإخوان المسلمين وغيرهم من المعارضين الذين يعذبون في السجون والمعتقلات ويشردون ويضطهدون لتخويف الشعب وإرهابه وإذلاله وصد عن مقاومة حكام الإرهاب أو الثورة عليهم .

هؤلاء الحكام الإرهابيون المتآمرون في مصر ضد شعب مصر وأبنائه الأبرار وشبابه الطاهر هم هم المتآمرون في خارج مصر مع عملائهم من الجواسيس المأجورين والخونة المحترفين ضد البلاد الشقيقة والصديقة – هم أصحاب منظمات التجسس والإرهاب السرية والعلنية التي تعمل بتوجيه المخابرات والسفارات لتدبير الاغتيال والانقلابات ... لحساب الدول الأجنبية مقابل ما يتلقونه من مساعدات . هؤلاء الإرهابيون الحاكمون هم الذين يتهمون الإخوان المسلمين بأنهم " إرهابيين " فما هو المقصود من هذا الاتهام ؟ وما هي قيمته ؟ .


الدعاية التضليلية

إن الاتهامات التي توجهها أجهزة الإعلام التي يسيرها حكام مصر للإخوان المسلمين تدخل ضمن أساليب الدعاية التضليلية وهي من أهم دعائم الحكم القائم في مصر ، ومن أخطر أسلحته . ففي كل معركة بين الحق والباطل يتسلح دعاة الحق بالإيمان والتضحية – أما بالباطل فله أسلحة كثيرة ، منها القوة الوحشية والعنف الغادر ، والطغيان الغاشم – ولكن أخطر أسلحة الباطل هو سلاح التضليل . والتضليل هو صرف انتباه الناس إلي جهة معينة بقصد تنفيذ خطة إجرامية في هدوء واطمئنان دون أن يلتفت إليها الناس .

والتضليل هو شغل الناس بالأكاذيب حتى لا يروا الحقائق الواقعة الثابتة ولا يفكروا فيها . فالاتهامات التي يوجهها حكام مصر للإخوان المسلمين إنما يقصد بها شغل الناس بما يقال عن الإخوان – ولو كان من الأكاذيب والمفتريات – حتى ينسوا ما يعمله حكام مصر وما يرتكبون ضد شعب مصر وضد الإخوان المسلمين أنفسهم – وهي حقائق ثابتة مسلمة كما أسلفنا . لقد روت الصحف وتناقل الناس حديث القاتل الذي اغتال صحفياً لبنانياً ، وعندما هرع الناس إلي مكان الحادث وجدوا القاتل أمامهم ... ولكنه كان أذكي منهم وأوسع حيلة ، فبادرهم قبل أن يبادره وخاطبهم قبل أن يخاطبوه أو يسألوه ، وسارع إلي .. تضليلهم . استعمل المجرم القاتل سلاح التضليل ليمكن شريكه المدير للجريمة من الهرب ، وليتمكن هو أيضا من الفرار .. كانت وسيلة المجرم للتضليل هي " تحويل الأنظار " إلي جهة أخري .

ذلك أنه أخبرهم – متطوعا – أن ، المشاجرة في " طابق آخر" ؟ وكانت خطيئتهم أنهم صدقوه .. وسارعوا جميعا إلي ذلك " الطابق الآخر" يبحثون عن " المشاجرة " الموهومة والقاتل المضلل في مقدمتهم يقوم بدور الدليل .. وبذلك تمكن زميله مدير الجريمة والمحرض عليها من الإفلات والهرب .. وكاد القاتل الصغير المضلل أن يفلت هو أيضا لولا محض المصادفة التي ساقت شخصا لم يقع في شراك تضليله فتتبعه وقبض عليه .. هذا مثل واقعي لأسلوب " التضليل " عن طريق " تحويل الأنظار " الذي استعمله مجرم قاتل صغير ونجح فيه . وليس هذا الأسلوب التضليلي جديدا علي المجرمين ، ومع ذلك فإنه – رغم قدمه – مازال يجد أناسا ينخدعون به ، ويصدقون أكاذيب المجرمين المضللين ، ويتبعونهم ، ويتخذونهم دليلا ومرشدا .

ولكن هناك فارقا بين تضليل صغار المجرمين وتضليل كبارهم ، فالمجرم القاتل الصغير لا يفكر عادة في " تحويل الأنظار " إلا عندما يفاجئه الناس متلبسا بجريمته ، أو يباغتونه في مكان الجريمة كهذا القاتل اللبناني . أما المتمرسون في الإجرام الذين يخططون لجرائمهم في هدوء واطمئنان ، ويستعملون في تنفيذها عصابات ضخمة الإمكانيات عديدة الأفراد – فإنهم يرسمون خطة التضليل وينفذونها قبل الجريمة لتهيئة الجو المناسب لارتكاب الجريمة ، فقد قيل أن وراء القاتل اللبناني الصغير عصابات ضخمة استطاعت تهيئة " المناخ " الصالح لقتل صاحب جريدة الحياة بعملية " تحويل أنظار " علي نطاق أوسع من عملية " الطابق الآخر " التي قام بها القاتل الصغير .. فاستطاعت تحويل أنظار شعب لبنان وحكومته إلي " قيادات " وهمية للإخوان المسلمين في لبنان و " نشاطات " أسطورية لهذه القيادات المزعومة .. ووقعت صحافة لبنان في فخ التضليل ، ووقع في الشرك أيضا بعض سلطات الحكومة اللبنانية .. حتى خلا الجو تماما لقيادات الإرهاب الحقيقي في لبنان لتنفيذ جريمة قتل الصحافي اللبناني في منتهي الهدوء والاطمئنان وفي غيبة السلطات اللبنانية التي كانت في ذلك الوقت تجري وراء الإدلاء الزائفين والمرشدين المضللين .

هذه هي خطط التضليل عن طريق تحويل الأنظار كما ترسمها وتنفذها العصابات الإرهابية ، ومن يتبع أساليبها من طغاة الحكام . فإذا عرف الناس طاغية متجبرا ، تعودوا منه عبارات التهديد والوعيد والتكبر والتظاهر بالقوة والتباهي بالاستقرار ، ثم وجدوه فجأة يصرخ صراخ المستغيث من " عدوان " يدعي أنه دبر ضده .. أو يبكي بكاء الشاكي من " مؤامرة " يزعم أنها أعدت له .. فإنهم يجب أن يذكروا أن هذا التعبير المفاجئ هو من أساليب " تحويل الأنظار " ويقصد منه التضليل ، وعليهم أن لا يخدعوا بتلك المسرحيات والتمثيليات التي يقوم فيها الظالم المعتدي بدور المعتدي عليه ، ويلبس فيها الطاغية المتجبر ملابس الخائف ، المجني عليه .. كما أن عليهم أن يدركوا أن وراء صراخه واستغاثته مكيدة يدبرها لغيره .

ثم أن سلاح التضليل في يد الطاغية أخطر منه في يد غيره ، ذلك لأن أي مجرم مهما بلغت خطورته لا يملك عادة من وسائل التضليل أكثر من كذبة يطلقها أو إشاعة يرسلها أو كلمة يقولها أو إشارات وحركات يقوم بها ، وقد يساعده في ذلك مساعد أو بضعة مساعدين وشركاء ، أما الطاغية فإن وسائله في التضليل أضخم من ذلك بكثير لأنها تصل إلي الملايين وتفرض نفسها علي آذان الناس وعقولهم وتفكيرهم عن طريق أجهزة الدعاية التي يسيطر عليها ، ويسخرها في عمليات تحويل الأنظار .. بقصد التضليل . والناس يعلمون أن أقوي أجهزة الإعلام والنشر في العالم العربي هي ما يسيطر عليه حكام مصر ، لأنهم ينفقون عليها الملايين من أموال المساعدات التي يحصلون عليها من الدول الكبرى ، ويستخدمون فيها أضخم وسائل الدعاية ، من صحف مملوكة لهم في الداخل ومأجورة لهم في الخارج ومن كتاب لا خلق لهم ولا ذمة ولا ضمير – ورثوهم فيما ورثوه عن العهود السابقة التي عملوا لها وخدموها ، ومازالوا مستعدين للعمل لكل سيد والتعاون مع كل حاكم – ثم لهم إذاعات قوية تقتحم البيوت وتتجاوز الحدود ليلا ونهارا يسندها التلفزيون الذي لا يتردد في استغلال الراقصات والممثلات والمغنيات في الدعاية السياسية .

وأخطر من هذا كله أنهم يستعينون في ذلك بفرقة من الخبراء النازيين والشيوعيين الذين أبلوا في خدمة الدكتاتوريات الطبقية والفردية في أوروبا وتخصصوا في حرب الأعصاب والعمل السيكولوجي وحملات الدعايات التضليلية . هؤلاء الخبراء النازيون والشيوعيون يبدأون باستبعاد جميع مبادئ الأخلاق في " العمل السيكولوجي " ويطبقون نظريات " جويلز " ومبادئ " فيشنسكي " وأخطر تلك المبادئ تكرار الأكاذيب وإعادتها دون تردد ولا خجل ، حتى تستقر في أسماع الناس وأذهانهم وتجري علي ألسنتهم دون تفكير وتمحيص ، لأنهم لا يتركون لهم فرصة للتفكير أو التمحيص أو البحث عن الحقائق أو الإنصات لمن يحدثهم عنها .

ومن أصول تلك الدعايات التضليلية أن نجاح الحملات الدعائية لا يتوقف علي صدقها ولا علي صحتها ، وإنما يتوقف فقط علي ضخامة أجهزتها – لأنهم يقولون أن الناس ينتهون دائما إلي تصديق من يكون صوته أعلي من صوت خصمه ، ومن يستطيع أن يسكت صوت خصمه أو يصرف الناس عن سماعه – وتبعا لذلك المفتري المضلل يستطيع أن يتهم من يشاء متى يشاء ضمن أن صوته أعلي من صوت من اتهمه ، وأن أجهزة دعايته وإعلامه أقوي من أجهزة الآخرين . علي هذه المبادئ يسير حكام مصر في حملاتهم الدعائية ضد جميع الهيئات وجميع الدول وجميع القادة والزعماء حتى أصبح من المؤكد أنه لا يوجد أحد في داخل مصر أو خارجها لم تصب عليه أجهزة إعلامهم ودعايتهم سيل أكاذيبهم وشتائمها ومفترياتها . ومع ذلك فمازال بعض من أصابهم شر هذه الدعايات وكانوا ضحية لأكاذيبها ومفترياتها ، ومازال هذا البعض رغم ذلك يصدق ما تردده ... ضد غيره !!

وعلة ذلك هي أن كثيرا من الناس يظنون أنه لا يمكن أن يوجد شخص أو دولة أو هيئة تتخصص في الكذب ولا تقول سواه ، لذلك فإنهم يفترضون أن للكذب في دعايات حكام مصر نسبة محدودة ( قد تتغير من خمسين في المائة في نظر البعض إلي تسعين أو تسعة وتسعين في نظر آخرين ) ومادام كل شخص يعتقد يقينا أن ما يقال ضده " هو " كذب ، فإن الصدق لابد أن يكون فيما تقوله أجهزة الإعلام القاهرية ضد غيره ، ومن هو هذا " الغير " الذي تكذب دعاية القاهرة ضد الناس جميعا ولكنها تصدق بالنسبة له ؟ من هو هذا " الغير " المسكين .

هم الذين لا يملكون إذاعة ولا تلفزيوناً ، ولا وكالات أنباء دولية محلية مؤتلفة أو متحدة ولا مكاتب دعاية ولا سفارات في جميع أنحاء العالم ، وليس لديهم صحفية ولا مجلة ، وليس لهم دولة ولا حكومة وليس وراءهم جهاز إعلام تابع لإحدى الدول الكبرى ذات النفوذ والجاه في الشرق أو في الغرب .. تسند دعايتهم وتؤيدها وتكررها نعم هم الذين لهم صوت مسموع .. سوي صوت الضربات التي تنزل علي رؤوسهم ، وصوت القيود في أيديهم أو في أرجلهم . هم " الإخوان المسلمون " نعم ، منذ سنة 1954 إلي اليوم صدق كثير من العرب ومن المسلمين دعايات حكام مصر ضد الإخوان المسلمين ، بل تطوع بعضهم عن غير قصد لترويج تلك الدعايات ونشرها .. للسبب البسيط الذي ذكرناه ، وهو أن الإخوان المسلمين لا يسمع صوتهم ، ولا تذاع حجتهم ، ولا بنشر دفاعهم ، ولا تسمع وجهة نظرهم .. إلا وهم مقيدون في السلاسل أمام ضباط يسمونهم قضاة – كل همهم المحافظة علي المقاعد التي وضعهم فيها حكام مصر ، ولو ضحوا في سبيل ذلك بمبادئ العدالة والإنسانية ، وداسوا كرامة شعبهم وأذلوا أبناء وطنهم الذين شهد العالم كله ببطولتهم في مواقف التضحية والنضال ضد أعداء مصر وأعداء العروبة والإسلام .

ومع ذلك فإن تلك " المحاكمات " الصورية المسرحية قد كشفت حقائق ثابتة تشرف الإخوان المسلمين ، وتدين أولئك الذين اتهموهم واضطهدوهم وشهروا بهم ظلما وعدوانا .. ونحن نكتفي ببعض هذه الحقائق .


محاكمات تدين المدّعين

المدعون أيديهم ملوثة بالدماء :

إن حكام مصر الذين أعدوا هذه " المحاكمات " المسرحية ونصبوا أنفسهم للإدعاء علي الإخوان المسلمين وتوجيه التهم إليهم ، نسوا أن أيديهم ملوثة بالدماء ، سواء دماء الشهداء من الإخوان المسلمين وغيرهم من ضحايا الإرهاب في مصر وفي خارج مصر . هؤلاء الحكام الذين ثبت تنكرهم لجميع القيم الإنسانية باعتراف الجميع ، هم الذين جاءوا ليوجهوا التهم للإخوان المسلمين – وكأنهم جاءوا ليرموا الإخوان بدائهم ، وينسبوا إليهم ما يرتكبوه هم وأعوانهم في داخل مصر وخارجها .

وإن مجرد صدور الإدعاءات ضد الإخوان منهم كما صدرت من أمثالهم من الطغاة في الماضي في عهد فاروق ، هو أكبر شهادة للإخوان المسلمين بأنهم كانوا ومازالوا ضد كل طغيان ، وكل استبداد – وأنهم دائما في صف الشعب المضطهد المظلوم وليسوا في صف مستذلي الشعوب ومستعبديهم ولا في صف الحاكمين بأمرهم الذين يستغلون سلطانهم للفتك بمن يعارضهم أو يخالفهم في الرأي أو في المذهب . إن مجرد صدور الإدعاءات ضد الإخوان من ظالمين مستبدين ، يزيد في حب شعب مصر للإخوان المسلمين وثقته في مبادئهم وفي إخلاصهم وفي صدقهم . لذلك لا يشعر الإخوان المسلمون بأنهم في حاجة ، مطلقا إلي أن يناقشوا هذه " الإدعاءات " الملفقة المشبوهة في مصدرها وفي صانعيها ومروجيها لأنه يكفي لدحضها أن يعرف الناس من هم الذين صنعوها ، ومن نطقوا بها ، ومن رددوها ومن لهم مصلحة في ترويجها .. لكي يعتبروها صحائف شرف وفخار للإخوان المسلمين ، ودلائل عار وصغار لمن يدعون عليهم .


اتهامات موروثة لها تاريخ

إن اتهام الإخوان المسلمين واضطهادهم ليس من مبتكرات حكام مصر الحاليين ، بل هو أقدم منهم ، وسابق علي وجودهم ، فهم في ذلك مقلدون لمن سبقهم ، سائرون علي نهج الحكومات السابقة ( التي تآمروا هم ضدها ودبروا الانقلاب عليها ) والتي وصفوها بالخيانة ووصفوا رجالها بأنهم كانوا عملاء الاستعمار منفذين لأغراضه خاضعين لتعليماته منفذين لسياسته بمحاربة الإخوان المسلمين ومحاولة القضاء عليهم والتشهير بهم . لسنا نحن الذين نقول ذلك اليوم – وإنما قاله الضباط الأحرار الذين قاموا بحركة الجيش ، قبل أن تستغل تلك الحركة لإقامة دكتاتورية عسكرية لصالح فئة منهم انحرفت عن أهدافها ...

نعم ، لقد أعلن الجيش بعد 23 يوليو سنة 1952 أن محاربة الإخوان المسلمين واتهامهم بالإرهاب جريمة وطنية وخيانة عظمي لشعب مصر ، وخضوع للاستعمار – وحكم الضباط الأحرار علي إبراهيم بحكم صادر عن محكمة الثورة عام 1952 ، كما حكموا علي أعوانه الذين استخدمهم في محاربة الإخوان المسلمين . وفجأة في عام 1954 بعث هذا الاتهام من جديد علي يد جماعة غاضبة أبعدت جميع المخلصين من ضباط الجيش واحدا بعد الآخر – ثم صممت أيضا علي إبعاد الإخوان المسلمين والقضاء عليهم لكي تحتفظ لنفسها بالسلطات التي اغتصبتها من الشعب صاحب السيادة عندما رأت أن العقبة الكبرى في سبيل فرض دكتاتورياتها علي مصر هو الحركة الشعبية التي ساندت الجيش في ثورته وأيدته ودعمته أي " الإخوان المسمين " . لم تجد الجماعة الحاكمة عام 1954 وسيلة للتخلص من " وصاية " الإخوان علي الثورة ، ولا من وقوفهم في وجه الدكتاتورية العسكرية ، ومطالبتهم بالحكم الدستوري الذي يرد السيادة للشعب لم تجد وسيلة لذلك كله إلا بتلفيق التهم للإخوان ، وبعث التهمة التي وجهها لهم الإنجليز وأعوانهم من قبل ، وهي تهمة الإرهاب .

والفرق الوحيد بين اتهام الأمس واليوم ، أن اتهام الأمس كان يستند إلي وقائع مادية ملموسة قام بها الإخوان فعلا في فلسطين عام 1948 ثم في القنال بعد ذلك عام 1950 و 1951 و 1952 – ولا ينكر الإخوان تلك الأعمال ولا يتبرأون منها ، لأنها أعمال فدائية وبطولية تشرفهم ويسجلها لهم الشعب ويحفظها لهم التاريخ . نعم ، سيحفظ التاريخ للإخوان في سجل الشرف تلك الأعمال البطولية الفدائية التي قاموا بها من أجل فلسطين ومن أجل تحطيم القواعد العسكرية الانجليزية في القنال . ولن يضير الإخوان قط أن هذه الأعمال كانت توصف بأنها أعمال إرهابية – ولا أن تهمة الإرهاب التي وجهها لهم الصهيونيون والاستعماريون كان يرددها أذنابهم من حكام مصر في ذلك الوقت – ومن باب أولي لن يضيرهم أن تبعث هذه التهمة وترددها أبواق عملاء الطغيان والاستبداد اليوم . ذلك أن الطغاة المستبدين دأبوا من قديم الأزمان علي وصف أبطال الحرية وضحايا الفداء بأنهم إرهابيون ، فالاستعمار الفرنسي وصف ثوار الجزائر بأنهم إرهابيون ، ووصف ثوار تونس وثوار المغرب بأنهم إرهابيون .

والإستعمار الانجليزي وجه هذه التهمة للعرب المناضلين في فلسطين وغير فلسطين وسار علي هذه القاعدة بالنسبة لفدائي الإخوان المسلمين في فلسطين وفي القنال . ذلك شرف تاريخي للإخوان المسلمين وذلك عار أبدي لجميع الحكام الذين وضعوا أنفسهم أداة في يد الاستعمار والصهيونية لمحاربة الإخوان المسلمين والتشهير بهم واتهامهم ، كما أن ذلك العار لاصق أيضا بالعملاء الجدد الذين أحيوا هذا الاتهام من جديد وسخروا له أبواق دعاتهم وأجهزة إعلامهم – كما كان لاصقا بالعملاء السابقين لهم في عام 1948 و 1951 . ويزيد أثم هؤلاء العملاء الجدد أن هذا التشهير بالإخوان المسلمين الذين يمارسه حكام مصر وعملاءهم منذ 1954 إلي اليوم هو مجرد استغلال واستمرار للاتهام الاستعماري الذي حكم عليه الضباط الأحرار أنفسهم وشهروا به ، وأنه لا يستند إلي أي واقعة جديدة صدرت من جانب الإخوان من سنة 1954 إلي اليوم ... مما يمكن أن يسميه الناس عنفا بل هو مجرد اختلاق وتلفيق وتزوير .

الأدلة التي يقدمونها

ماذا يقدم حكام مصر من دليل علي زعمهم بأن منظمات الإخوان " إرهابية " أنهم منذ أن ضللوا الناس بالفرية الكبرى والحادث المصطنع ( والاعتداء ) الملفق في سنة 1954 – منذ ذلك التاريخ إلي اليوم لا يحتجون علي الإخوان إلا بأقوال وأكاذيب يعيدونها ويكررونها وأساطير يروونها ويكتبونها وينشرونها ثم يعيدون طبعها ويعيدون إخراجها مثل المسرحيات القديمة البالية ..

إذا كان هناك من يتهم حكام مصر بأنهم إرهابيون أو أنهم متآمرون وأنهم يمارسون التعذيب الوحشي والبربري ، ويسفكون الدماء وأنهم يفسدون لأخلاق ويغتصبون الأموال والأرزاق ، فإنه يستطيع أن يقدم الدليل تلو الدليل علي صدق ذلك ، فهناك قائمة ، بل قوائم بأسماء عشرات المصريين الأحرار من الإخوان المسلمين وغيرهم من ضباط الجيش ومن رجال السياسة والصحافة قتلتهم المنظمات الحاكمة في مصر ، شنقا – أو غيلة بالرصاص ، أو غدرا بآلات التعذيب وأدواته .. وهناك وثائق تثبت أن آلافا مؤلفة من شباب مصر ورجالها ونسائها وبناتها اختطفوا خلسة أو علنا ، ثم عذبوا وغلوا وقيدوا وضربوا وأهينوا وكسرت أضلاعهم وعظامهم ، ومزقت جلودهم وأجسامهم ، وحرقت أطرافهم وقطعت ، ومنهم من مات ولا يعلم إلا الله أين دفنوه خلسة في ظلام الليل – ومنهم من لا يزال حيا يستطيع أن ينطق بالحق ويؤيد الاتهام ويقدم الدليل الملموس علي صحته – لأن كل ذلك الإرهاب وقع فعلا وارتكبته أجهزة الإرهاب العلنية والسرية التي ينظمها ويديرها ويسيرها الحاكمون في مصر .

أما الإخوان المسلمون فلم يرتكبوا شيئا من ذلك قط ، وهم يتحدون من يدعون عليهم أن يذكروا اسم شخص واحد منهم أو من غيرهم ، من أبناء مصر ، قتله الإخوان أو دفنوه في الرمال منذ سنة 1954 إلي اليوم كما فعلوا هم حين قتلوا ودفنوا غدرا واغتيالا . هم يتحدونهم أن يقدموا شخصا واحدا من طائفتهم أو من سواهم به جرح أو مرض أو خدش نتيجة ضرب الإخوان له أو تعذيبهم له أو اعتدائهم عليه كما اعتدوا هم بالتعذيب والضرب والجرح علي آلاف الأبرياء .. إنهم يتحدون حكام مصر أن يذكروا التاريخ الذي يزعمون أنه انفجرت فيه قنبلة أو رصاصة أو شب حريق أو خربت دار أو أزهقت روح إنسان أو حيوان نتيجة فعل ارتكبته منظمات إخوانية منذ 1954 إلي اليوم ..

إنهم يتحدون حكام مصر أن يذكروا لنا اليوم الذي تقدم فيه مواطن مصري شريف واشتكي لهم – منذ 1954 إلي اليوم – اشتكي لهم أن الإخوان المسلمين قد اعتدوا عليه أو أهانوه أو هجموا علي داره أو كسروا باب مسكنه أو خطفوه كما تفعل أجهزة مخابراتهم ومباحثهم كل يوم في مصر خفية أو علي ملأ من الناس ليلا أو نهارا . إنهم يتحدون حكام مصر أن يذكروا أي مصري تقدم في يوم من الأيام إلي مكاتب حكمهم ( الذين يكتم أنفاس المصريين منذ 1954 إلي اليوم ) ليشهد بأنه رأي الإخوان المسلمين يقتلون أو يضربون أو يعذبون أو يحرقون أو يخربون .. كما يفعلون هم وأعوانهم في مصر وخارج مصر .

إن الناس قد شهدوا علي شاشة التلفزيون وجوه المخطوفين والأسري المعتقلين من شباب الإخوان الناضر وأبناء مصر الأبرار .. رأوا وجوههم وعليها آثار التعذيب والإرهاب الذي ارتكبوه هم – وإن الإخوان المسلمين يتحدونهم أن يقدموا علي تلك الشاشة نفسها دارا واحدة قد حرقت أو مكانا قد نسف ، أو قتيلا قد قتل أو جريحا قد جرح ، أو أي أثر مادي ملموس يدل علي ( عمل ينسبونه للإخوان المسلمين ) . إنهم عاجزون عن تقديم شيء من ذلك – رغم التحدي ، ومع ذلك فهم يثيرون ضجة كبرى ، منذ 1954 إلي اليوم – فماذا قدموا وماذا يقدمون ؟ .. ماذا يقدمون بين دقات طبول الدعاية وزمورها وعلي أعمدة صحافة الأكاذيب وإذاعتها وتلفزيونها ؟ كل ما قدموه أقوال .. فقط .

فما هي تلك الأقوال التي يقدمونها ؟ إنهم يقدمون " اعترافات " ! ولا شيء غير اعترافات !! منذ 1954 إلي اليوم لا شيء سوي اعترافات . ويريدون من الناس أن يصدقوا تلك " الاعترافات " لمجرد أنهم يكررونها ويعيدونها ويكتبونها وينشرونها ويذيعونها ويعيدون ذلك كل يوم وكل عام ... حتى الذين خدعوا " باعترافات " سنة 1954 – لم يعد أحد منهم يصدق أسطورة الاعترافات اليوم لأنهم يعملون كيف تؤلف ( المخابرات ) و ( المباحث ) هذه الأقوال وينسجون خيوطها ثم يكتبونها ، ويستعملون كل صنوف العذاب والإرهاب لإجبار الأسري المعتقلين للتوقيع عليها ثم يجبرونهم بعد ذلك علي قراءتها أمام مسجلات الإذاعة والتلفزيون ، وهم لا يصلون لإجبار الأسير المعتقل علي الاستسلام لمطالبهم والخضوع لتهديدهم وإرهابهم إلا بعد أن يمزقوا جسده ويحطموا رأسه ويعطلوا إرادته وبعد أن يري بعينيه مصارع إخوانه الذين رفضوا أو امتنعوا عن التوقيع ويشهد بعينه موتهم واحدا بعد الآخر ، نتيجة التعذيب الذي ترتكبه أجهزة الإرهاب الحكومية . كيف يريدون من الناس أن يصدقوا تلك الاعترافات المكرره المعادة الممجوجة الملفقة المنتزعة بالتعذيب والتخويف والتنكيل والإرهاب ؟ وإذا صدقها الناس فماذا فيها ؟ ما هو مضمونها؟


اتهام النيات والأقوال

إذا فرضنا جدلا أن هذه الاعترافات شيء له قيمة ما وصدقنا ما تقوله وتردده دعايات الحكم عن مضمونها فماذا فيها ؟ ليس فيها إلا نيات أو أقوال . كل ما فيها لا يتجاوز " نيات " زعموا أنهم استخرجوها بالتعذيب من أعماق قلوب الإخوان حيث كانوا يخفونها ويكتمونها – أو مقاصد وأهداف زعموا أنها كانت مستترة في نفوسهم لم يخرجها إلا التعذيب وإلي جانب النيات والمقاصد ، يدعون وجود أحاديث " وأقوال " تداولتها شفاه الإخوان ومناقشات ومداولات دارت بينهم سرا في الخفاء .. فلما عذبوا وقطعت أجسامهم باحوا بتلك الأقوال والكلمات ، كما باحوا من قبلها بالنيات .. ثم ماذا في تلك الأقوال ؟ يقولون فيها النقد والمعارضة والسخط علي الآلهة الذين يحكمون مصر ، فكيف يجوز لمصري ولو كان من الإخوان المسلمين أن يقول لأخيه أو لإخوانه في اجتماعاتهم ومداولاتهم أن حكام مصر الحالين مستبدون ؟ وكيف يقول له أنهم ظالمون ؟ وكيف يقول له أنهم مخطئون والعياذ بالله ؟؟؟ كيف يشتكي مظلوم لأخيه المظلوم ؟ كيف يتحاورون ويتجاذبون أطراف الحديث خفية وخلسة ؟

الإرهاب الذي يرتكبه الإخوان المسلمون ويرتكبه المصريون جميعا – هو أنهم يقولون سرا ما يمنعهم الحكام أن يقولوه علنا – يقول بعضهم لبعض لابد من نهاية للظلم ولابد من تحرر البلاد من الطغيان المستبد والفساد المسيطر عليها ، ينتقدون الآلهة الحاكمة بأمرها في مصر منذ 1954 إلي اليوم – وهم يقولون هذا النقد سرا فيما بينهم ويخفونه في نطاق أصدقائهم وإخوانهم فلما عذبوا وجلدوا وقطعت جلودهم وسلط عليهم العذاب .. اعترفوا ..


هذه هي الاعترافات ؟؟؟

كل ما فيها نيات لا ترضي الحكام ، ومقاصد تعارض مقاصد السادة المسيطرين ، وفيها أقوال وانتقادات لنظام الحكم وسياسة الحكام الذين اختارهم الله للسيطرة علي مصر والذين يحرمون علي المصريين أن ينتقدوهم علنا فإذا انتقدوهم سرا .. اتهموهم بأنهم إرهابيون .. يقولون أيضا أن اعترافات الإخوان المسلمين فيها أنهم يتزاورون خفية رغم جيوش المخابرات والمباحث التي تحصي عليهم أنفاسهم وتعد عليهم خطواتهم – وهم أوجدوا تلك التنظيمات السرية ليجتمعوا – لسبب بسيط هو أن الحكام يحرمون علي المصريين جميعا الاجتماع علنا . ثم هم يجتمعون لينتقدوا الحكام ، لأنهم لا يعتقدون أنهم معصومون من الخطأ ، وليقرأوا القرآن ، ويعارضون به الميثاق ، ويحفظون كتب سيد قطب التي تقول أن الحرية أصل الإيمان والتوحيد وأن الرضا بالظلم والخضوع إلي الظالم وثنية وشرك لأن الحاكمية لله ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .

لماذا يفعل الإخوان المسلمون كل هذا ؟؟ لأن الله خلقهم أحرارا ويريدون أن يعيشوا أحرار مهما كلفهم ذلك من تضحيات . وجريمة الإخوان المسلمين في نظر حكام مصر أنهم يستطيعون أن يفعلوا ذلك ويتجرأوا عليه ، رغم كل الاحتياطات والأموال التي ينفقها الحكام لمراقبتهم والتضييق عليهم ، وهم يفعلون ذلك ولا يستطيع غيرهم من المصريين الساخطين أن يفعلوه ، ولا تستطيع المباحث والمخابرات وجيوشها وجواسيسها المنتشرة في كل مكان أن تعلم به أو تكتشفه .. ولا وسيلة لكشفه إلا شيء واحد .. هو التعذيب ؟؟؟ فعندما تقطع أجسامهم بالسياط والعصي وعندما تحطم إرادتهم ويفقدون رشدهم في غيبوبة الآلام والعذاب عند ذلك فقط .. يقولون أنهم اجتمعوا أو التقوا أو انتظموا أو تناقشوا .. أما ما دار في تلك المناقشات وتلك الاجتماعات من أحاديث فلا يطلب منهم أن يذكروه وإذا ذكروه لا يقبل منهم ، ولا يسجل ، بل الذي يكتب ويسجل في الاعترافات هو ما تريد المخابرات ذكره وتسجيله لا ما يريده المعذبون ، وإلا فما فائدة التعذيب إذن أن كان المعتقل المعذب يقول كما يريد هو ...؟

إن التعذيب ثابت مؤكد وغايته واضحة ونتيجته ملموسة هي أن تؤلف المخابرات ما تريد أن تتضمنه الاعترافات وتكتبه وتلفقه وتصنعه صنعا وتخترعه اختراعا ثم تفرض علي المعذبين أن يوقعوه وأن يقرأوه أو ينطقوا به وإلا بقوا تحت العذاب حتى الموت .


لماذا إذن تنظيمات الإخوان وتجمعاتهم ؟

قد يقول قائل إذا كان صحيحا أن الإخوان يجتمعون وينتظمون ويدرسون ويستعدون فلماذا إذن التجمعات والاستعدادات التي تجر عليهم كل هذا البلاء ؟

طبعا لا يصدق عاقل أن يمضي الإخوان المسلمون عشر سنوات أو أحد عشر عاما منذ عام 1954 إلي اليوم يعدون ويستعدون وينظمون صفوفهم ويربون شبابهم منذ طفولتهم حتى يصبحوا عباقرة العلماء والمهندسين والكتاب والمؤلفين .. كل ذلك من أجل اغتيال شخص أو أشخاص .. ولا من أجل تخريب منشئات أو تحطيم منازل ، هذا أمر لا يصدقه حتى حكام مصر الذين يذيعونه ويرددونه بواسطة أعوانهم وعملائهم ، فحكام مصر لا يدعون أن جماعة الإخوان المسلمين هي من الضعف والهزال لدرجة أن تمضي أحد عشر عاما في التنظيمات والاستعدادات والاجتماعات من أجل الاغتيال أو التخريب .. ثم لا ينتج عن ذلك كله أثر واحد مادي ملموس .. ولا يطلقون رصاصه واحدة حتى علي الجلادين الذين جلدوهم في السجون والذين يتسكعون كل يوم علي المقاهي من جروبي إلي الأوبرج وسان سوسي وعلي بلاجات الإسكندرية – ناهيك بكازينوهات وعلي الليل في بيروت وسويسرا ومدريد ، فلم يتعرض لهم واحد فقط من آلاف شباب الإخوان الذين عذبوهم في المعتقلات والسجون ، هؤلاء الشباب يا للعجب لا يلقون قنبلة واحدة علي الأقل ليتحدث الناس أو ليذكروا وجودهم ويحسبوا حسابهم .. فلماذا لم يفعلوا ذلك وهم ليسوا عاجزين عنه ؟ ، لو كان الإخوان المسلمون من الهزال والعجز إلي هذا الحد لهان أمرهم ولما احتاج حكام مصر إلي إقامة الدنيا وإقعادهم للدعاية صدهم والتشهير بهم ولما احتاج رئيس الدولة أن يذهب إلي موسكو ليشكو لها معارضة الإخوان ويستلهم الوحي ويطلب العون لكي يدخل في معركة ضدهم ، بعد مضي خمسة عشر عاما من حكمه الدكتاتوري العسكري ؟؟

كلا ... أن حكام مصر يعرفون أن الإخوان لم يفعلوا ذلك – وأنهم لم يفعلوه مطلقا ذلك الزمن لأنهم لم يريدوه ، لا لعجزهم عنه . فإذا اتهموهم اليوم بأنهم كانوا يريدون شيئا من ذلك أو يفكرون فيه فهم أول من يعرف كذب هذا الافتراء وبطلان هذا الاتهام . إنهم يعرفون قطعا أن سبيل الانتقام الفردي أو الإرهاب والاغتيال ليس هو سبيل الإخوان المسلمين ، بل يعرفون أكثر من ذلك ، يعرفون أنهم هم فعلوا كل ما في وسعهم لجر الإخوان لهذا الطريق ودفعهم في تلك السبيل لغايات في نفوسهم ، ولكن كل جهودهم ذهبت هباء وكل محاولاتهم باءت بالفشل ومازال الإخوان ثابتين معرضين عن هذا الطريق ..

وهذا الإعراض والامتناع وحده أكبر دليل علي قوة نظام الجماعة ومتانة تنظيمها .. وهذا هو الذي يخفيهم ... وهذا هو الذي يخيف حلفاؤهم الشيوعيين ويرعبهم .. إنهم يعرفون أن ما يخشونه من الإخوان المسلمين ليست هي المؤامرات الموهومة التي اخترعوها هم واصطنعتها لهم أجهزة مخابراتهم ولفقتها لهم المباحث وإنما هم يخشون " تجمع الإخوان " وتنظيمات " الإخوان ووجود الإخوان لدعوة إسلامية وبقاءها كحركة سياسية يضع فيها الشعب آماله للقضاء علي حكم الطغيان ، ويؤمن الشعب بقيادتها له في نضاله الشعبي وحركته الجماهيرية به لتحطيم نظام الحكم الفردي بانتفاضة عامة شاملة كما فعل شعب السودان وكما فعل شعب اندونيسيا .

أو كما شعر حكام مصر بأن الإخوان أعادوا تنظيم صفوفهم دفعوا أجهزة المخابرات والمباحث لتدبر خطة لضرب هذه الصفوف وتشتيت تلك التجمعات وتحطيمها .. وتسارع تلك الأجهزة إلي استعمال وسائل الافتراء والتلفيق والكذب والتضليل لاتهام الإخوان والتشهير بهم تمهيدا لتحطيم كيانهم وتبريرا لأساليب التعذيب الهمجية والوحشية التي يستعملونها ضد الإخوان يعلنونها للناس لكي يرهبوا غير الإخوان ويخيفوا جماهير الشعب لأنهم يقولون أن شعب مصر " يخاف ولا يستحي " فلابد من تخويفه من حين لآخر بعمليات قمع وتعذيب وإرهاب ضد الإخوان المسلمين وغيرهم من المعارضين . أن ما يأخذون علي الإخوان المسلمين وغيرهم من الأحرار أنهم يعارضون سيطرتهم ، ويكشفون أخطاءهم ويوقظون في الشعب روح المقاومة والمعارضة .

وهم يحرمون علي الإخوان ، وعلي جميع المصريين ، أن يكون لهم رأي يخالف مذهبهم ، ويمنعونهم من كل نشاط سياسي علني أو قانوني ، وهم يعلمون أن حركة سياسية عقائدية كحركة الإخوان المسلمين لابد أن يسري تيارها كالكهرباء خلال اتصالات شخصية ولقاءات حركية تغذي دعوة الإسلام وتتفادى بسريتها بطش أجهزة المخابرات وإرهاب الحكام ، وتتحصن بها من غدر عصابات التجسس والمباحث التي ينفقون عليها الملايين .. إن هدف حكام مصر ، هو أن يضربوا تجمعات الإخوان ويوقفوا اتصالاتهم ، ليمنعوهم من الانتظام في كيان قوي متماسك ويمنعوا الناس من الاستجابة لدعوتهم أو الاستماع لدعايتهم .

ولكي يضربوا الإخوان من حين لآخر ، فإنهم لابد أن يبرروا ذلك أمام الناس ، ويقدموا له أسباب مختلفة أو زائفة ، فيبدأون باتهامهم بأن لهم " تنظيمات " سرية ، ويعتبرون كل اتصال تنظيما سريا وكل لقاء اجتماعا إرهابيا ، كان كل منظمة سرية لابد أن تكون منظمة إرهابية ، وهذه مغالطة لا أساس لها ، لان السرية شيء والإرهاب شيء أخر ، وكثير من الناس يقع في شراك هذه الدعاية وينسون أن السرية هي الوسيلة الوحيدة للدعاية والدعوة لمن يخشون إرهاب الحكم المستبد الطاغي ، فالحاكم الذي يستعمل أساليب الإرهاب ويمنع الناس من الإعلان عن رأيهم ومن الدعوة العلنية لفكرتهم ومن نشر دعوتهم إنما يدفعهم إلي الاتصالات السرية ، والدعوة السرية – وهذا النوع من السرية لا علاقة له بما يسمونه الإرهاب .

إن الحاكم الذي يدفع خصومه دفعا إلي العمل السري ويفرض عليهم فرضا أن يسلكوا سبيل السرية في دعوتهم وفي نشر مذهبهم وآرائهم بتحريم النشاط السياسي علي المواطنين المعارضين هذا الحاكم عندما يسمي هذه السرية إرهابا – إنما يقصد بذلك تضليل الناس وإثارة دخان من الأكاذيب يستر بها إرهابه هو ويبرر بها سياسته الإرهابية . إن الناس يفرقون بين سرية الدعوة اتقاء لإرهاب الحكام – وبين السرية المقصود بها ارتكاب العنف أو التآمر – فلا سبيل للدعوة الإسلامية غير الدعوة السرية في بلد يسيطر عليه الإرهاب الحكومي الشيوعي وبالتالي فلا يجوز للمؤمنين بالحرية والديمقراطية أن ينخدعوا لدعاية الحاكم الذي يريد أن يصور هذه السرية بأنها إرهاب ، لأنه بذلك إنما يختلق تهمة زائفة ، لينفلت هو من تهمه الإرهاب ، ويستمر في سياسة الإرهاب التي يقوم عليها حكمه وطغيانه ودكتاتوريته . حكام مصر إذن يخشون قدرة الإخوان علي الانتظام وعبقريتهم في التنظيم ، ويخشون تصميم الإخوان علي أن يتجمعوا ، وأن يحفظوا كيانهم ويدعموا الروابط التي تجمعهم علي دعوة الحق رغم الحكم الإرهابي الذي يحرم علي المصريين جميعا أن يكونوا لهم رأي سياسي غير رأي الطغاة ، أو أن يكون لهم تنظيم سياسي غير حزب الحكومة الذي يسيطر عليه الشيوعيين والعملاء المأجورون الذين يتناولون مرتباتهم من عرق الشعب ومن أموال المساعدات التي تحصل عليها الدولة من الخارج مقابل عمالتها للدول الكبرى .


أعمال الانتقام والثأر تخدم مصالح الحكام

كل ما تقوله دعايات حكام مصر عن نيات الإخوان هو إذن محضر احتلاق وتلفيق .. والذي لفق ذلك وابتكره وصنعه هو المستفيد من هذا التضليل .. وهي أجهزة الإرهاب الحكومي المسيطرة علي مصر .. ذلك أن الحكام المستبدين يعملون علي أن يتصرف الساخطون من المصريين عن طريق التجمع الحركي والمعارضة السياسية المنظمة وأن يسلكوا سبل الانتقام الفردي وأعمال العنف والإرهاب التي تحقق للطغاة الحاكمين غرضين :-

أولهما : أن التحمس الوقتي للساخطين وتوجه أفكار الناس بلا انتقام أو الثأر بالعنف هو خير شبكة تصطاد بها أجهزة لحكم الإرهابية خصومها وأكبر الفخاخ التي يوقعون فيها الأحرار المعارضين لسياستهم ونظامهم وأقرب الوسائل لإلقائهم في مجاهل السجون .. متى استدرجهم عملاء المخابرات ومرشدو المباحث المأجورون في هذا الطريق .

وثانيهما : انه كلما ألح الشعب في المطالبة بتحطيم القيود التي يفرضها الحكام علي حريات الأفراد في الحركة والكلام والكتاب والانتقال .. فإنهم يبحثون عن حجة للتهرب من تلك المطالبات وخير حجة لديهم هي ادعائهم باكتشاف جماعة يتهمونها بأنها تفكر في الإرهاب والانتقام وذلك لتحويل أنظار الشعب عن مطالبته بالحرية وتبرير سياستهم الإرهابية وتدبير القمع والضغط والطغيان بحجة محاربة معارضيهم الذين هم الأغلبية الساحقة وأبنائه المخلصين .

فلا عجب إذن أن كان للحكام شبكة من المرشدين البوليسيين والمحرضين المأجورين تنفق عليهم أجهزة المخابرات والمباحث لكي يندمجوا في أوساط الساخطين من أبناء الشعب يجذبونهم إلي العنف ويستدرجونهم في الحديث ويوجهونهم إلي التفكير في أعمال الانتقام الفردي والثأر من الطغاة المستبدين .. ومتى تجمع حول المرشد للثأر " اكتشفتهم المباحث " بمعاونة المرشد المأجور أو الجاسوس المحرض الذي يختفي بعد ذلك ولا يظهر له أثر .

عند ذلك تدور أسطوانات المحاكمات والاعترافات ويضاف إليها ما يلزم من أكاذيب وتلفيقات وما يسندها من أسلحة تعد خصيصا لذلك من مخازن الجيش أو مستودعات البوليس ، وتكون النتيجة دواما إلقاء الخصوم في السجون أو المعتقلات أو يقتلون سرا إذا اقتضي الحال ويبقي الحاكمون الإرهابيون متربعين في مقاعد الحكم كما كانوا ويحققون نصرا رخيصا دون أن يصاب أحد منهم بخدش أو يتعرض لاعتداء أو جرح .. وهكذا تتكرر التمثيلية ويتعدد الضحايا وينتشر الذعر بين طبقات الشعب وتدور أجهزة الدعاية ضد أسطورة الإرهاب التي حاكها الحكام واصطنعوها وحرضوا عليها ولفقوها واستغلوها واستفادوا منها للتنكيل بخصومهم الأبرياء وإرهاب الشعب وتخويفه بهذا التنكيل . فخطة الحكام الإرهابيين هي استغلال طاقة السخط في بعض النفوس لإجهاض الحركة السياسية المعارضة لحكمهم ولسياستهم .. وهي حركة الإخوان المسلمين .. ووسيلتهم في ذلك هي استعمال عناصر المحرضين المأجورين يصطادون بها كل الفئات الواعية ثم يلقونها في السجون والمعتقلات للتخلص منهم وإرهاب عامة الناس وتخويفهم . والإخوان المسلمون يعلمون أنهم أول أهداف هذه الخطط البوليسية التي يسلكها عملاء المخابرات والمباحث ، ولذلك فهم أكثر يقظة من غيرهم لهذه الأحابيل والمؤامرات والفخاخ .


مبادئ الإخوان وأعمال خصومهم

إن الإخوان المسلمين حركة سياسية تستعمل الأسلحة السياسية وسلاحها الأول هو سمو مبادئها الإسلامية وتحررها من الأغراض الأنانية وبعدها عن الأهداف الشخصية وهي أسلحة تضمن النصر في معركتها ضد أسلحة الغدر والخيانة التي يستعملها خصومها . إن جماعة الإخوان المسلمين تخوض معركة مبادئ لا معركة أشخاص وهي في هذا تختلف عن خصومها الذين يدافعون عن أشخاصهم ويعملون لأغراضهم الشخصية ومطامعهم الأنانية وفي سبيل أنانيتهم ومطامعهم يبيحون لأنفسهم انتهاك جميع المبادئ وإهدار جميع القوانين ويستبيحون في سبيل أشخاصهم وتمسكهم بالسلطة كل وسائل الإرهاب والخيانة والغدر دون أن يتقيدوا بمبادئ الإنسانية أو الأخلاق أو الأديان .

أما جماعة الإخوان فإن هدفها الأول هو نزع ستار الأكاذيب والدعايات التي يخفي الطغاة بها حقيقتهم ، ومتى ظهرت تلك الحقيقة أمام الناس عارية في بشاعتها وشناعتها وكشف الطغاة للناس حقيقة أغراضهم الأنانية وأهدافهم الشخصية وظهرت في مواجهتها سمو مبادئ الإخوان وطهارة أخلاقهم ونظافة أساليبهم ووسائلهم رأي الناس الفرق بين أساليب أصحاب المبادئ وأساليب أصحاب الأغراض والمطامع – وعرف الشعب من يعمل لوجه الله والحق ومن يعمل لشخصه ومطامعه ومصالحه علي حساب مصالح الشعوب ومبادئها ومثلها العليا .

إن الإخوان المسلمين عندما يعلنون أنهم لا يلجأون لأعمال العنف أو الغدر ، فهم لا يقررون هذه الحقيقة ولا يكررونها أرضاء لخصومهم ، ولا تطمينا لهم ولا ردا علي اتهاماتهم لهم ، فأولئك الخصوم أول من يعلم ببطلان الاتهامات التي وجهوها لجماعة الإخوان لأنهم هم الذين اختلقوها وزيفوها واصطنعوها كما اصطنعوا ولفقوا مرارا من قبل . والإخوان المسلمون لا يتبرأون من تهمة الإرهاب الملفقة ولا يعلنون ذلك حرصا علي سلامة أنفسهم أو سلامة جماعتهم من الاضطهاد والتشريد والمطاردة لأنهم يعلمون أنهم لا يحاربون بسبب هذه الاتهامات الكاذبة بل أنهم يعلمون أن حكام مصر يحاربون حركة الإخوان ( كما حاربها فاروق وأعوانه من قبل ) لأسباب أخري وغايات أخري : أولها أنهم يعتقدون أن الإخوان هم القوة الشعبية الوحيدة في مصر التي يلتف حولها الشعب وينتظر الخلاص علي يديها فيسعون لتحطيمها حتى ييأس الشعب من الخلاص ويستسلم لاستبدادهم وينصرف عن التفكير في المقاومة .

ومنها أيضا أن محاربتهم للإخوان المسلمين تكسبهم عطف الجهات الأجنبية التي كانت تسندهم وتؤيدهم ولا زالت تسندهم وتدعمهم كلما لاح لها شبح الإخوان المسلمين لأنها تعتبر الإخوان المسلمين خطرا علي نفوذها وعلي سياستها . فجماعة الإخوان المسلمين علي يقين بأن إعلان رفضها لأساليب العنف والانتقام الفردي لن يغير شيئا من موقف خصومها ولا من محاربتهم لها .. ولن يضمن لها سلامة أفرادها ولا سلامة تنظيماتها وبنائها ، ولكنه يضمن لها سلامة مبادئها وصفائها وطهارتها . وحركة الإخوان تضع سلامة المبادئ فوق سلامة الأشخاص والتنظيمات .

ومن ناحية أخري فإن واجب جماعة الإخوان يقضي عليها أن ترد علي نداءات أصدقاء الإخوان بل وبعض الإخوان أنفسهم الذين أصبحوا يعتقدون أن صبرها قد نفذ ، ويظنون أن الوقت قد حان لكي تعلن للعالم بأنها سترد العدوان بالعدوان وستحطم الإرهاب بالإرهاب وتحارب العنف بالعنف . نعم قد يظن البعض بأنها في دفاع شرعي ، ومن حقها أن تحطم الطاغوت بكل ما تملك من وسائل دون أن تتقيد بالمبادئ التي لا يتقيد بها خصومها أنفسهم .. ولا أن تلتزم بالأخلاق التي يدرسونها هم بأقدامهم .. ومن حقها إذن أن تستعمل كل سلاح يستعمله أعداؤها في محاربتها وتلجأ لكل حيلة وكل خديعة مادام خصومها لا يتورعون عن الغدر بها والكذب عليها واغتيال شبابها ورجالها وانتهاك حرمات نسائها وبناتها وتجويع أسرها وأطفالها ..

نعم لقد سمعنا من يقول أن خصوم جماعة الإخوان لا يراعون في محاربتها دينا ولا خلقا ولا مبدأ ولا شرعا ولا قانونا ولا عرفا .. فلماذا تتقيد جماعة الإخوان بالدين والخلق ؟؟ إن خصومها يحصدون زهرة شبابها ورجالها المرة بعد المرة يقتلونهم ويسجنونهم ويعذبونهم وكثير من الناس يتساءلون : لماذا لا يدافع الإخوان عن أنفسهم بكل الوسائل ؟ ولماذا لا يدافعون عن إخوانهم المعذبين المعتقلين ، ولماذا يدافعون عن حرمة أمهاتهم وزوجاتهم وبناتهم الذين تجرأ الطغيان علي اعتقالهن واختطافهن وتعذيبهن ، ولماذا لا يدافعون عن أطفالهم وأسرهم الذين يضطهدهم الطغاة عليهم الجوع والبؤس والذلة والفقر ويحرمون عليهم كل موارد الرزق حتى المساعدات والصدقات ، ويعتقلون المتصدقين ويعاقبونهم ويتهمونهم بأنهم ممولون – كان تمويل الأسر ومساعدتها وجمع الأموال لها من الداخل أو من الخارج جريمة -؟؟

يجيب الإخوان هؤلاء الأصدقاء العاتبين : " إننا ندافع أولا عن عقيدتنا ، وعن مبادئنا – وأنتم تعرفون أننا لم نقصر لحظة واحدة في الدفاع عنها وهذه التضحيات المتوالية الدورية المتكررة دليل قاطع علي ثبات الإخوان علي مبادئهم وعلي بذلهم كل تضحية في سبيلها . أما الدفاع عن أنفسنا ، فنحن ملتزمون به ولكننا نختار له الوسائل التي لا تتعارض مع مبادئنا وأهدافنا لأن أول هذه المبادئ التضحية بالنفس والأهل والمال وبكل شيء من أجل العقيدة والمبدأ ، وقد ثبت الإخوان المسلمون علي هذا المبدأ وسوف يثبتون عليه دائما ، وضحوا من أجله كثيرا وسوف يضحون حتى النصر . ولقد قال البعض للإخوان أنكم مع استمراركم في خطة اجتناب العنف والترفع عن الانتقام والثأر يجب ألا تعلنوا ذلك وألا تصرحوا به لأن هذا الإعلان والتصريح يقدم لخصومكم خدمة كبرى إذ يستريحون من ناحيتكم ويطمئنون إلي أنهم يحتكرون وحدهم سلاح الاغتيال والتآمر والغدر والإرهاب ومتى اطمأنوا إلي أنكم لن تلجأوا لتلك الأسلحة التي يهاجمونكم بها زاد إصرارهم عليها وإسرافهم فيها وتماديهم في استعمالها ضدكم وضد غيركم من الأحرار ، فالأولي أن تتركوهم فريسة للشك في نياتكم والخوف من انتقامكم ن والأفضل أن تعطوهم الفرصة ليصدقوا الأكاذيب التي اخترعوها هم وزيفوها ضدكم وابتكرتها لهم أجهزة المخابرات والإرهاب والتجسس .. حتى يعيشوا في قلق دائم وفزع مستمر ورعب أسود ولا يمكنهم من أن يروا طعم الراحة ولا أن يذوقوا لذة الأمن والاطمئنان .

ولقد قال الإخوان لهؤلاء الناصحين بالسكوت والصمت : إننا واثقون بأننا مهما قلنا ومهما أعلنا فإن خصومنا لن ينالوا طعم الراحة ولن يناموا قريري العين يوما واحدا ، لأنهم يعلمون علم اليقين ما ارتكبوه نحن صبرنا علي أذاهم وألزمنا جماعتنا سبيل الحكمة ومنعناهم عن طريق الانتقام ... فمن يلزم الملايين الأخرى من أبناء مصر الذين لا يرتبطون بتنظيم سياسي كتنظيمنا يرسم لهم ويخطط لسياستهم ويحكم تصرفاتهم ؟ إنه إذا كان الإخوان المسلمون لا حاجة لهم في تنظيماتهم إلي المندفعين المتهورين المتمردين علي كل نظام حركي وانضباط حزبي – فإن حكام مصر يعلمون أيضا أن هؤلاء عندما تتملكهم نزوة من نزوات الانتقام والثأر الفردي ليسوا في حاجة إلي تنظيمات أي هيئة أو حزب سياسي لكي يشتروا رصاصة أو يطلقوها – أو لكي يدبروا اغتيالا أو ما يماثل ذلك ، فإذا خلت صفوف الإخوان من الانتقاميين المتهورين فليس معني ذلك أن الشعب كله سيخلو منهم – بل هم موجودون وباقون طالما أن أعمال الظلم والاضطهاد التي تدفع الناس للانتقام باقية مستمرة .


لن يستريح الحكام ولن يفلتوا

إن حكام مصر يعلمون أن عدد المظلومين والساخطين والموتورين من أبناء مصر يتضاعف كل يوم بسبب أعمالهم الاستبدادية وسياستهم الإرهابية وأن ضحاياهم من أبناء مصر يتجاوز عددهم عشرات أضعاف الإخوان المسلمين ويعرفون أن هؤلاء الناقمين المتحفزين للثأر موجودون في كل ركن من أركان مصر وفي كل قرية ومدينة وكل دار وأسرة وكل طبقة وطائفة سواء في الجيش أو الأحزاب أو حتى رجال البوليس والمخابرات السابقين واللاحقين والباقين منهم والمعزولين .

وهم يعلمون يقينا أن عدد هؤلاء الساخطين المتحفزين للثأر الباحثين عن فرصة للانتقام عدد كبير كاف وحده بدون الإخوان المسلمين لتحطيم جميع الرؤوس التي تسير الحكم الإرهابي والطغيان الاستبدادي في مصر . نعم أن هناك آلافا من المصريين يفكرون في الانتقام والثأر ، متمردين علي كل تنظيم سياسي خارجون علي كل توجيه حزبي أو حركي .. ممن قتل آباءهم أو أبناءهم في اليمن ولم يعرفوا للان لماذا قتلوا هناك وممن أهينت نساؤهم أو أخواتهم منذ أن ابتكر حكم الإرهاب في مصر اعتقال النساء والفتيات وتعريضهن للفضيحة والإهانة والعار ، وممن عذبوا وضربوا وأهينوا وسجنوا وهم لا يعرفون لذلك سببا ولا مبررا ..

هؤلاء هم يتربصون برؤوس الإرهاب الحاكم وأذنابه ، ولن يترددوا في تحطيم تلك الرؤوس وقطع تلك الأذناب متى تهيأت الفرصة لهم – وفرص الاغتيال والانتقام كثيرة لا يمكن أن تحول دونها جيوش المباحث والمخابرات والحراس والسجانين الذين يعتمد عليهم الحكام الإرهابيون .. وحكام مصر يعرفون جيدا عدد المؤامرات التي دبرت ضدهم من أصدقائهم وأعوانهم المرة بعد المرة ومن غير أصدقائهم من رجال الجيش أو ضباطه الذين خاب أملهم بعد أن رأوا حكام مصر يسوقونهم في مغامرات ويسخرونهم لاستعباد المصريين وقتل العرب والمسلمين .. بدلا من محاربة إسرائيل التي كانوا يظنون أن ثورة الجيش قامت من أجل الثأر منها لشرفهم الذي لوثه حكام مصر 1948 ولوثته الهدنة التي قبلتها حكومات الخيانة ودعمتها حكومة الطغيان " الثوري " منذ ثلاثة عشر عاما بواسطة البوليس الدولي ؟ أي ضابط من ضباط جيش مصر لا يري أن بقاء هذا الحكم وبقاء البوليس الدولي عار يجب محوه بنفس الأسلوب الذي محيت به نظم الحكم التي قامت حركة الجيش لتحطيمها في عام 1952 ؟؟؟ هذا كله كاف لإزعاج حكام الخيانة والإرهاب وكاف أيضا للقضاء عليهم .. ثم أنهم لن يستريحوا لأنهم موقنون أن عواطف جميع الأحرار في مصر هي في جانب المضطهدين طالبي الثأر والانتقام ، وأن عواطف المصريين مع كل من اضطهد أو أهين أو قتل أبوه أو أخوه ظلما ، هذا العطف سيجعل المصريين يلتمسون العذر لهذا الناقم الغاضب إذا لم يجد الوسيلة للانتقام والثأر إلا الاغتيال أو الغدر أو التآمر . وستكون قلوب ملايين المصريين في جانبه سواء نجح في تآمره أو لم ينجح – بل أن المصريين جميعا يتوقعون شيئا من ذلك كل صباح وكل مساء بل أنهم ينتظرونه ويتمنونه في قرارة أنفسهم وإن لم يصرحوا به إلا همسا .. حتى قيل أن عامة الناس تجعله دعاءها المفضل في المساجد وكل مكان يستجاب فيه الدعاء .

وهم موقنون أيضا أنه لا يوجد دين ولا خلق ولا قانون يفرض علي المصريين المضطهدين أن يحموا جلاديهم وظالميهم ، ولا أن يكرهوا خصوم هؤلاء الحكام الطاغين الظالمين حتى ولو استعملوا للآخذ بثأرهم سلاح الاغتيال الذي استعمله الحكام أنفسهم ، ومازالوا يستعملونه خفية وعلانية . وهم يعلمون أن الاغتيال والقتل وغير ذلك من أعمال الانتقام والثأر هي أعمال فردية يستطيع أن يقوم بها فرد أو بضعة أفراد من ضحايا سياسة الحكم الإرهابي وهم كثيرون في مصر بل وفي غير مصر من بلاد العرب والمسلمين – أما الإخوان المسلمون فهم أكبر من ذلك وأخطر..


الإخوان طلائع النضال الشعبي

إن حكام مصر يعلمون أن الإخوان المسلمين يسلكون في مقاومتهم طريق المعارضة الصريحة الواضحة ، الذي يصعب علي غيرهم أن يسلكه ، والذي لا يستطيع أن يتحمل تضحياته ومسئولياته سواهم من الساخطين علي الحكم الدكتاتوري في مصر ، وهم يعلمون أن الإخوان قد اختاروا هذا الطريق لأنهم يريدون أن يخلقوا الوعي الشعبي المعارض الثائر الذي يدفع الشعب لانتزاع حريته من ظالميه واسترداد سيادته ممن اغتصبوها بالقوة والانقلاب والإرهاب . ولذلك فإن الإخوان المسلمين لم يتوانوا في يوم من الأيام عن إعلان معارضتهم للحكم الحاضر في مصر ، ولم يتهاونوا في نقدهم لأهدافه وفضح أساليبه ، وإذاعة ذلك كله علي الناس ونشره ، ودعوتهم إلي المقاومة والمعارضة والنضال من أجل تغيير الأوضاع التي فرضها الطغيان علي مصر ، وكتاب سيد قطب " معالم في الطريق " خير دليل علي ذلك ، فهو صرخة لإيقاظ روح المقاومة في الجماهير ، وإقناعها بأن الإسلام لا يرضي لها بالذلة والخنوع والاستسلام لحكم الطغيان والدكتاتورية .

والإخوان يعلمون أن طريق المعارضة الشعبية الصريحة الذي اختاروه طريق شاق طويل ، وهو محفوف بالمخاطر والتضحيات لأنه يجعل خصوم الإخوان دائبين علي الحذر منهم ، متنبهين لتحركاتهم وهمساتهم ، يقظين غير غافلين عن تجمعاتهم – وإن الطغاة يحاولون بكل الوسائل إجهاض معارضتهم قبل أن تحقق أهدافها – كما فعلوا في الأيام الأخيرة – وذلك بأن يصطنعوا لهم التهم ويلفقوا لهم المؤامرات الزائفة لتبرير اضطهادهم للإخوان واعتقالهم وتشتيتهم وتفريق صفوفهم خوفا منهم – ولكن ذلك كله لن يزيد الشعب إلا سخطا علي الحكام وكرها لهم ، ولن يزيد إلا حبا للإخوان وقربا منهم واستماعا لحجتهم واقتناعا بفكرتهم وإيمانا بضرورة العمل الشعبي الشامل للقضاء علي الطغيان . ولو كان الإخوان قد اختاروا طريق الاغتيال ، أو طريق التآمر الذي تحاول أجهزة الدعاية الحكومية أن تلصقه بهم لما فكروا في الإعلان الدائم عن معارضتهم ومقاومتهم للنظام الحاضر ، ولفعلوا ما يفعله الشيوعيون من التسرب إلي صفوف حزب الحكومة للاستيلاء علي المراكز والمقاعد التي يمكنهم أن يثبوا منها علي مراكز القيادة وإعداد المؤامرات وتنفيذها من داخل النظام سواء عن طريق الحزب أو طريق الجيش أو الحكومة ، وها نحن نري الشيوعيين يمهدون لمؤامراتهم بتوجيه الحكام الحاليين إلي محاربة الإخوان ومطاردتهم وذلك ليحلو لهم الجو وينفسح مجال العمل وتتاح لهم فرصة التآمر للاستيلاء علي الحكم .

لذلك فإن شعب مصر ، وكل إنسان عاقل يعلم علم اليقين بأن اتهام الإخوان المسلمين وعلي رأسهم سيد قطب بأنهم " تآمروا علي الظلام " أو " دبروا مؤامرات في الخفاء " هو اتهام مضحك مختلق من أساسه إذا كان الدليل علي هذا التآمر تأليف كتاب " معالم في الطريق " ونشره وتكوين الأسر والتنظيمات لتدريسه وشرحه ودراسته لأن هذا معناه أن كل معارضة هي في نظر حكام مصر " مؤامرة " وإن كل جماعة معارضة يمكن أن تتهم بأنها تآمرت " في السر والظلام " ولو كانت معارضتها منشورة في كتاب مطبوع ومقروء في كل مكان ، ومؤلفه كاتب مشهور معروف يعلن رأيه علي الملأ في غير خفاء ولا تستر ولا سرية .

الحقيقة أن حكام مصر يخشون معارضة الإخوان المعلنة المطبوعة المنشورة في كتب سيد قطب ومحمد قطب وغيرهما من مفكري الإخوان وكتابهم أكثر مما يخشونه من ، مؤامرات مزعومة سرية وحكام مصر يحاربون الإخوان بسبب أفكارهم الثورية وكتبهم الثورية التي تدعو الشعب لمقاومة الطغيان والاستبداد – لا بسبب ما يزعمونه من مؤامرات مختلفة زائفة – ولكن الإخوان مصممون علي السير في طريقهم الشاق الطويل ، طريق الاعتماد علي قوة الجماهير واستنفارها لمقاومة الطغيان والانتقاض علي حكم الدكتاتورية والاستبداد .

هذا الطريق الذي يسير فيه الإخوان إذن ليس طريق العنف ، ولكنه ليس طريق السلبية ولا الاستسلام للواقع الأليم – وهو ليس طريق الضعف أو الخضوع للطغيان ، وليس طريق التآمر في الظلام وإعداد الانقلابات والاغتيالات ولكنه طريق الثقة في الشعب والاعتماد عليه ، واستنفاره للانتفاض والمقاومة والثورة علي الظلم – إنه طريق التحالف مع قوى الشعب الساخطة المناضلة ، كما في كرداسة ودمياط حيث تضامنت قوي الإخوان مع الفلاحين والصيادين ، في الوقت الذي يتسابق فيه الشيوعيون علي مناصب الحزب أو وظائف الحكومة ليتسربوا إلي المراكز التي تمكنهم من إحداث الانقلابات والمؤامرات ، ويسيطرون علي أجهزة الحزب والحكومة كما فعلوا في إندونيسيا – ويبذل الإخوان دماء النخبة الصالحة من قادتهم وشبابهم لكي يعلنوا علي الناس معارضتهم في كتب مطبوعة ومنشورة لكي تعلم جماهير الشعب بأن هناك في مصر معارضة قوية منظمة عاملة نشيطة تضم رجالا وشبابا وأبطالا يستهينون بالموت من أجل الجهر بمعارضتهم لحكام مصر ومن أجل تسجيل تلك المعارضة ونشرها في كتاب مطبوع منشور في جميع أنحاء العالم " وقد اعترف عبد الناصر بذلك علنا وأمام مجلس نوابه المزيفين بأن هناك معارضة قوية منظمة تفوق حزبه الهزيل الذي حشد له كل إمكانيات الدولة "

هذه هي طريق الإخوان الصريحة الواضحة ، طريق الاعتماد علي القوة الشعبية الجماهيرية ، وليست طريق الانقلاب العسكري الذي قام عليه النظام القائم ، ولا طريق التآمر الحزبي الذي تخطط له وتموله وتحركه دول أجنبية كما يفعل الشيوعيون اليوم في مصر وفي غير مصر . إن الإخوان المسلمين حركة شعبية جماهيرية من صميم الشعب وليست عصابة من الضباط كالجماعة الحاكمة في مصر ، وليست حزبا شيوعيا يعتمد علي التمويل والتوجيه من الخارج ، وليست هيئة مصطنعة تمولها دول أجنبية كبرى من دول الشرق أو الغرب – لذلك فإن الإخوان المسلمين يعلمون أن طريقهم طريق التضحيات ، ولكنه أيضا طريق القوة الحقيقية الكاسحة التي تقتلع الطغيان من جذوره وتهدم بنياته من قواعده .

ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء ..


للمزيد

روابط داخلية

كتب متعلقة

ملفات وأبحاث متعلقة

مقالات متعلقة

تابع مقالات متعلقة

متعلقات أخري