وعرفت الإخوان

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
وعرفت الإخوان

بقلم : محمود جامع


محتويات

هذا الكتاب

بعد أن فرغت من كتابى السابق (عرفت السادات) وقد كان وساما على صدرى لن أنساه ما حييت , حيث غمرنى الجميع بالفضل والرعاية والتقدير الكريم من مختلف الفئات وجموع الشعب ولااصدقاء والأحباب .. فى مصر وجميع انحاء العالم ..

لقد تناولته رموز الإعلام والصحافة والأدب والثقافة ,فى مصر وخارجها, بالتعليق والثناء , ولن أنسى مقال الأستاذ الصحفى القدير (إبراهيم سعدة) فى أخبار اليوم , وكان المقال الرئيسى لسيادته ؛ يثنى على الكتاب وموضوعه ,ويثنى على شخصى, مما شجعنى وشد على أزرى , وكذلك الكتاب الأفاضل (وجيه أبو ذكرى ,ومحمود عبدالمنعم مراد , وأحمد أبو الفتوح ,ومها عبد الفتاح ,وجلال السيد ,وحامد دنيا , وسليمان جودة , ومجدى مهنا ,وفاروق جويدة , والمرحوم محمد الحيوان ,وغيرهم ,ومن مذيعى التليفزيون اللامعين: (محمد بركات , واحمد منصور , وعمرو الليثى وفيصل القاسم . وغيرهم )

وكذلك من محطات التليفزيون المصرى (القناة الأولى والثانية والسادسة قناة النيل للأخبار والقناة الثقافية ) وقناة M.B.C ,وقناة A.R.T , وقناة اقرأ وقناة الجزيرة وقناة أبوظبى وإذاعة لندن B.B.C ,فقد خصص الجميع برامج كاملة ومطولة لمناقشة الكتاب , وكان بعضها بالساعات , وقد حضرت كل هذه المناقشات , كما أن هناك من السادة الذين هاجموا الكتاب .. ولكننى أقول :لا مانع فهو حوار مفيد .

وشجعنى كثيرون على كتابة كتاب اخر أروى فيه ما لم أروه فى كتابى الأول , وكذلك ارائى وذكرياتى , واستخرت الله وبدأت من أكثر من عام فى صياغة الكتاب الثانى ولكن القدر أراد لى أن اصاب فى إحدى ليالى مايو 2000 بجلطة حادة فى شريان القلب , نقلت على إثرها إلى العناية المركزة بالمستشفى الجامعى بطنطا , وتوقف قلبى مرات ومرات.. ولكن إرادة الله عز وجل شاءت لى أن أنجو من هذة الهجمة الضارية , ومرة أخرى أحاطنى كل الأحباب و الأصدقاء والإخوة بالرعاية والحنان والدعوات الصالحات مما كان له أجمل الأثر وأطيبه فى نفسى , وفى قلبى الجريح ,خاصة وقد قام بعض الأخوة الأحباب من الصحفيين بنشر إصابتى بالجلطة فى صفحات الجرائد , فقام الكاتب الصحفى (عاطف دعبس ) بنشر النبأ فى جريدة الوفد , وكذلك الأخ العزيز الصحفى (عبدالعزيز هلال ) فى الأخبار , والأخ العزيز الأستاذ (حسن علام ) فى مجلة آخر ساعة وغيرهم ..وغيرهم.

وزاد تدفق الأحباب إلى طنطا .. مما أذهلنى فى محنتى وأحسست حقا بفضل الله على ونعمته ؛ بمحبة الناس ووفائهم وعطفهم على .

ومرت الأيام .. واستأنف الجميع من الأحباب تشجيعى على إصدار هذا الكتاب .. وتوكلت على الله وضغطت على نفسى وأخذت من جهدى وطاقتى وسهرت اليالى حتى وفقنى الله إلى أصدار هذا الكتاب :[ وعرفت الإخوان المسلمين] ..

وهو ما اهديه إلى القلوب المحبة التى غمرتنى بفضلها وبرها وحنانها ووفائها .

وأهدية إلى : أساتذة الصحافة ولاأدب والإعلام المرئى والمسموع والمقروء ؛ الذين غمرونى بفضلهم فى كتابى السابق (عرفت السادات ) .

وأهديه إلى : إخوان الكفاح والدعوة الإسلامية ؛ رفاق أيام الشباب الحلوة والتى فيها صقلها , وتآخينا , وجهادنا , وابتلينا بالسجون , والمعتقلات , والتعذيب الجسدى , والنفسى.. وصبرنا.

وأهديه : إلى شيوخ مصر ورجالها ونسائها وشبابها الغض الحائر فى دوامة ما يراه حوله من فساد وإحباط وضياع .

وأهديه إلى : كل وطنى ...حكاماً ومحكومين ؛هدفهم بناء مصر بناءً يقوم على أسس سلسة من الأخلاق والحب والتراحم بعيداًعن ظلم الإنسان لأخيه الإنسان , متعاونين للخروج بمصر من كبوتها وأزمتها السياسية والإقتصادية والإجتماعية .

وأخيراً أقول بكل قلبى وحواسى : إننى أدلى بآرائى هذه لوجه الله .. وقد بلغت من العمر والمرض .. ما أحسبه أننى قد أكون على مشارف النهاية المحتومة لكل إنسان , سائلاً ربى المغفرة والرحمة وحسن الختام ... وسائلاً كل إخوانى وأحبابى وقرائى , الدعوات .. وكلنا إلى هذا المصير , وأشهد الله أننى فى كل ما كتبت أو رويت أو أحكيت لا أبغى تشهيراً أو تشفياً أو هدماً أو نبش قبور أحد .. ولكننى أبغى الحقيقة .. والحقيقة وحدها .. حتى ولوكانت مرة , لنأخذ منها العبرة ولتنير لنا طريق الحق والإصلاح حتى نفوز برضى الله عز وجل .

ولست فى حاجة , إلى أن أشير إلى أن علاقاتى التنظيمية بالإخوان قد انتهت منذ عام 1954 ..إلى اليوم .. وهذا تنويه , من الضرورى أن يكون موجوداً هنا , قبل أن يبدأ الكتاب.

من رسائل حسن البنا لإخوانه

*إن طريق الدعوة ليس مفروشاً بالورود
والزهور , ولكنه مفروش بالأشواك , مضرج بدماء
الشهداء والأبرار , تتناثر عن يمينه وشماله أشلاء ضحايا
البطش والقهر والطغيان....
  • كما قال الإمام ابن القيم :"يامخنث العزم !! الطريق تعب فيه آدم , وناح فيه نوح , وتعرض للنار إبراهيم , والذبح إسماعيل , نشر بالمنشار زكريا , وذبح السيد المصون يحيى "
  • إن العقبات ستكون طريقنا , وسيقف جهل الشعب بحقيقة الإسلام عقبة فى طريقك, وستجدون من أهل التدين ومن بعض علماء الأزهر من يستغرب فهمكم للإسلام .. وينكر عليكم جهادكم فى سبيله , وسيحقد عليكم الرؤساء والزعماء , وذوو الجاه والسلطان , وستقف فى وجهكم كل الحكومات على السواء , وستحاول كل حكومة أن تحد من نشاطكم و أن تضع العراقيل فى طريقكم .. وسيتذرع الغاصبون المستعمرون بكل طريقة لمناهضتكم , وإطفاء نور دعوتكم , وسيستعينون فى ذلك بالحكومات الضعيفة .. والأخلاق الضعيفة ,والأيدى الممتدة إليهم بالسؤال .. وإليكم بالإساءه والعدوان , وسيثير الجميع حول دعوتكم غبار الشبهات , وظلم الاتهامات , وسيحاولون أن يلصقوا بها كل نقيصة , وأن يظهروها للناس فى أبشع صورة , معتمدين على قوتهم وسلطانهم , معتدين بأموالهم ونفوذهم .[يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون ]

وستدخلون بذلك لاشك فى دور التجربة والامتحان ,فتسجنون , وتقتلون وتنقلون وتشردون , وتصادر مصالحكم , وتعطل أعمالكم , وتفتش بيوتكم , وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان , لكن الله وعدكم من بعد ذلك كله نصرة المجاهدين , ومثوبة العملين المحسنين . [يا أيها الذين آمنو هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ... ...فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين]

صدق الله العظيم

مقدمة

أتوجه بحديثى فى هذا الكتاب .. إلى كل الناس ؛ كل الناس , من مختلف التوجهات .. خاصة شبابنا الحائر .. أمل المستقبل ..وسأحاول بكل ما أستطيع من خلال تجربتى ومعايشتى للأحداث .. أن ألقى الضوء على ما عايشته .. وأحاول أن أظهر الحقيقة الناصعة .. ولو كانت مرة علقماً ..لنستشرف سوياً آفاق المستقبل .. وليس لنبش الماضى .. أو تصيد الأخطاء , ولكن لمعرفة التجربة والخطأ .. والاستفادة والعبرة من كل ما حدث ..وقد كان كل له رايه واجتهاداته .. واختلاف الآراء إلى قيام الساعة.. وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا.. بل وتقاتلوا.. ولكن منهج الله – عز وجل – ثابت , لا يتبدل ولا يتغير .. وللبيت رب يحميه..

والإخوان المسلمون .. رسالة مهمة فى تاريخ مصر قام بإعلانها الشهيد حسن البنا منذ نهايات العشرينيات.. وجاهد وجاب آفاق الدنيا لنشر هذه الدعوة حتى انتشرت وترعرعت حتى الآن ..وقدمت للناس الأفكار والتوجهات .. ووقرت مبادؤها فى قلوب أعضائها .. وصدقها عملهم فى كل ميادين الجهاد والإصلاح .. وكان لهذه الدعوة أثرها العميق فى المجتمع المصرى والعربى بل فى كل أنحاء العالم .. وكان من أبنائها نجوم بارزون من مصابيح الأمة المصرية والإسلامية ؛ علماء فى الإقتصاد والطب والصحافة والسياسة وعلم الفلك والذرة .. وأساتذة جامعات .. وكوكبة هائلة من الدعاة والمفكرين والمثقفين ..وكفى حسن البنا شرفا ًوفضلاً أن تربت على يديه هذه الكوكبة الهائلة – رغم استشهاده ولم يبلغ عمره [42سنه]– وكان لابد أن يموت شهيداً .. ولا ننس فى غمرة كل ذلك أن منظمة حماس المجاهدة فى فلسطين وقائدها القائد الفاضل المجاهد الشيخ أحمد ياسين هم نبت حسن البنا كما يقول الشيخ ياسين دائماً..

وأقدم كتابى هذا إلى أحبابى وأساتذتى التى جمعتنى بهم الظروف فى هذه الدعوه ..فى أحلى أيام شبابى الذى مضى .. وأنا الآن فى شيخوختى ..فهم الذين علمونى .. وأعطونى الدروس .. وفاضوا على برصيد إيمانهم ومحبتهم وتوجيههم .. ووضعونى مبكراً.. على أول طريق الحق والقوة والحرية .. طريق الدعوة إلى الله وأحاطونى دائماً بالرعاية..

وأولاً وقبل كل شىء أهدى هذا العمل إلى روح أستاذى ومرشدى الشهيد حسن البنا .. صاحب الفضل فى تجديد شباب هذه الأمة .. بتجديد دعوتها الإسلامية وتربية الكوادر الإسلامية التى حمت هذه الأمة من كل ألاعيب الإستعمار .. ومن بعده القاضى الفاضل والمستشار المرشد حسن الهضيبي – رضى الله عنه وأرضاه– الذى قاد السفينة بعد الشهيد حسن البنا .. بقوة وحكمة واقتدار .. فى ظروف بالغة الصعوبة .. وفى ظل عواصف عاتية , وأمواج متلاطمة .. وظل شامخاً مجاهداً مؤمناً مضحياً سجيناً ومضطهداً .. فى سبيل الله .. لا يبتغى غير وجه الله .. ونصرة شريعته..

ورحم الله من بعده من المرشدين , والمجاهدين المحتسبين وراء السجون والمعتقلات وضحايا القهر والتعذيب : عمر التلمسانى وحامد أبوالنصر ومصطفى مشهور.. وسيد قطب.. وعلماء الدعوة ودعاتها وشهداءها .. وأيد الله ..وشد من أزر المرشد الحالى المستشار محمد المأمون الهضيبي سليل الأكرمين .. والرجل العاقل العف المجاهد .. حفظه الله ورعاه....

لقد كنت عضواً بالإخوان المسلمين وتركتها فى أغسطس سنة 1954 لظروف شرحتها فى كتابى .. وضمنى السادات – الذى كان صديقى– للإتحاد الإشتراكى وكنت عضواً باللجنة المركزية والتنظيم الطليعى ..وخطبت أمام عبد الناصر فى اجتماع بصالة الإحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة عام 1969م ..وكنت عضو لجنة المائة بالإتحاد الإشتراكى بعد 14 مايو , وكنت عضواً مؤسساً للحزب الوطنى أيام السادات , وعضواً بمجلس الشورى حتى سنة 1981م , وسافرت للخارج, ومثلت مصر فى مؤتمرات سياسية كثيرة ..وسافرت مع السادات فى رحلات سياسية متعددة , سرية وعلنية..

وحوكمت سياسياً أمام كل أنواع المحاكم , عسكرية وجنايات وأمن دولة , ودخلت جميع أنواع سجون مصر منذ الأربعينيات..

وصادقت وتعرفت على كثير من الشخصيات المصرية والعربية والأجنبية من مختلف المهن والإتجاهات...بكل حب وصداقة ومودة واحترام .وخرجت من كل ذلك كله بنتيجة واحدة : وهى أن الإسلام هو الحل الوحيد لكل مشكلاتنا , ولا حل إلا بتطبيق شريعة الله ..دون لف أو دوران . ومهما كلفتنا من تضحيات ..

وفى هذه المناسبة أذكر بكل أسى بعض العلمانيين أو الكتاب الضالين المضلين الذين يظهرون بين ساعة وأخرى فى وسائل الإعلام المرئى والمسموع والمقروء ..يروجون لإسلام جديد على هواهم وعلى هدى أسيادهم من الأمريكان .. والصهاينة من قتلة الأنبياء .. إسلام جديد يصف مبادىء الإسلام من جهاد وحجاب للمرأة بالرجعية والجاهلية!! مشككين المسلمين فى عقيدتهم ..مع إلصاق تهمة الإرهاب بكل ثوابت الشريعة الإسلامية الغراء .. ومرددين هذه السخافات وراء أعداء الإسلام فى أوروبا وأمريكا وإسرائيل .

إنهم يسخرون من دعاة الإسلام الأفذاذ أمثال ابن تيمية أبى الأعلى المودودي ومحمد عبده وجمال الدين الأفغانى وحسن البنا وسيد قطب والشعراوى والغزالى و سيد سابق وعبدالحليم محمود وعبدالحميد كشك و يوسف القرضاوي وعروخالد .. وغيرهم !! قاتلهم الله أنى يؤفكون..

وأخيراً .. فإنى أقدم فى كتابى هذا الحقيقة المجردة ,دون تحيز أومغالطة.. والله على ما أقول شهيد . فاللهم اجعلنى لسان صدق فى العالمين .. آمين

د.محمود جامع

الفصل الأول البدايات الأولى ..للإخوان

من حكمة الله عز وجل ان يبعث فى هذه الأمة الإسلامية كل ممائة عام – كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم – رجالاً يجددون للمسلمين شريعة الإسلام ..ويستنفرون هممهم النائمة , لتحيا ..وتعود إلى حياتها .. بعد سبات عميق .. ولتدعو الناس إلى دعوة الإسلام الحقة .ز لتكون قوة مؤثرة ..ضد كل التيارات الصليبية والإستعمارية واليهودية ..التى أجتمعت كلها لمحاربة الإسلام بأبخث الوسائل .. وبتخطيط دقيق بعيد المدى لإضعاف المسلمين دين ودولة ...وتفريغ الإسلام من مضمونة الحق ,ومبادئه القويمة ,واستعمار هذه الدول الإسلامية والتحكم فى كل مقوماتها ..حكومة وشعباً..

لقد ألغيت الخلافة الإسلامية سنة 1924 , وتمزقت الدولة الإسلامية إلى دويلات صغيرة.. وقام الاستعمار الغربى ودوله الأوروبية لتغزو العالم الإسلامى وتستعمره فكرياًواجتماعياً وعسكرياً وسياسياً ...منتهزة فرصة الضعف والوهن الذى أصاب هذه الأمة بعد انحلال الدولة العثمانية .. حتى أن هذه الدويلات كان يجافى بعضها البعض ويعادى بعضها بعضاً ..بل ويقاتل بعضها البعض..ويتنازعون على حدود موهومة صنعها لهم المستعمر الغاصب حتى يشغلهم عن أمور دينهم ورسالة إسلامهم ... زكان ذلك هو الكارثة الكبرى التى حلت بالدول الإسلامية حيث لم يعد الإسلام هو الهوية .. أو الانتماء ..أو التشريع .

وجاءت دول الاحتلال الأجنبى ..بالقوانين الوضعية بدلاً من الإسلام ...وانبهرت الأمم الإسلامية بالحضارات الأوربية , ومظاهر التمدن ..والحرية المطلقة .. وجلبوا إلينا النساء الكاسيات العاريات والمسارح والمراقص والملاهى الليلية ...وخمورهم وملذاتهم .. ونشروها فى بلدنا ,حتى وصلت إلى ريف مصر وجميع مدنه .وتدخلوا بكل مقوماتهم فى اقتصادنا ..وأنشأوا البنوك والشركات والمؤسسات .. وأقرضوا رجال العائلات الكبيرة أموالاً طائلة .. وتحكموا فى المحاصيل الرئيسية فى بلدنا مثل القطن ... وأنشأوا المدارس والمعاهد العلمية والمراكز الثقافية حتى صارت وقفاً على الطبقات الثرية من الشعب .. وسهلوا لهم البعثات الدراسية الخرجية إلى اوروبا .. وأصبح منهم طبقة الحكام والوزراء و أصحاب المناصب المرموقة .

ونجح هذا الغزو الجتماعى والثقافى والسياسى .. بما يحويه من مظاهر براقة خادعة محببة إلى النفوس , بعيدة كل البعد عن جوهر الإسلام وشريعته وتقاليده وأحكامه...

وبالغت بعض الأمم الإسلامية فى الإعجاب بهذة الحضارة الأوروبية الوافدة الجديدة ..حتى أعلنت تركيا أنها دولة غير إسلامية..وفجع الناس فى كمال أتاتورك الذى كان أكبر عدو للإسلام والمسلمين وتسبب فى أكبر نكسة تاريخية بمبادئة العلمانية.

ومن هنا انتصرت الحضارة الأوروبية بكل مقوماتها ..انتصرت على الحضارة الإسلامية بكل مقوماتها فى عقر دارها .. وبنفوس أبناءها المسلمين وأرواحهم وعقائدهم وعقولهم .. ناهيك عن الاستعمار العسكرى والوصاية على هذه الشعوب من خلال حكامها.

ومن هنا أراد الله عز وجل ولا راد لمشيئته أن يحقق الأمل فى داعية يجدد لهذه الأمة دينها وعقيدتها وإسلامها .

وكان هذا الداعية الموهوب(حسن البنا) الذى بدأ دعوتة وسنه اثنان وعشرون عاماًوسمى دعوته " دعوه البعث والانقاذ" وأنشأ جماعة الإخوان المسلمين سنة 1928م .

..وبدأت الدعوة بسيطة ..ولكنها عميقة .. وأخذت تنمو وتترعرع وتتكاثر برجال مؤمنين انضموا لها ..بعد أن وقز الإيمان فى قلوبهم .. وصدقه عملهم وجهادهم فى سبيل الله.

وكان رحمه الله يخاطبهم قائلاً لهم :

[أيها الإخوان لسنا حزباً سياسياً.. وإن كانت السيلسة على قواعد الإسلام من صميم فكرتنا .. ولسنا جمعية خيرية إصلاحية وإن كان عمل الخير والإصلاح من أعظم مقاصدنا.. ولسنافرقة رياضية وإن كانت الرياضة البدنية والروحية من أهم وسائلنا .. ولكنناـ أيها الناس ـ فكرة وعقيدة , ونظام ومنهاج لايحده موضع , ولا يقيده جنس ,ولا يقف دونه حاجز جغرافى ,ولا ينتهى بأمر حتى يرث الله الأرض ومن عليها ..ذلك لأنه نظام رب العالمين ومنهاج رسوله الأمين.

نحن أيها الناس ـولا فخرـ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ,وحملة رايته من بعده ,ورافعوا لوائه كما رفعوه ..وناشروا لوائه كما نشروه ,حافظوا قرآنه كما حفظوه , والمبشرون بدعوته كما بشروا.. ورحمة الله للعالمين.

وكان هدف حسن البنا هو جمع الأمة وتحريكها ,وهكذا ظهر مصطلح جديد هو "الحركة الإسلامية" بدلاً من "الحركة القومية " أو "الحركة الوطنية ".

ولكى تنجح أى حركة لابد أن تستكمل مقومات النجاح وهى :

1 أن تكون الحاجة داعية إليها لتسد فراغاً قاتماً.
2 أن تكون متميزة ,واضحة الشخصية والسمات .
3 أن ترزق بقيادة واعية حكيمة تعرف غايتها وطريقها.
4 أن يهيأ لها جنود مؤمنون برسالتهم صادقون واعون مترابطون.
5 أن تكون أهدافها واضحة لا يشوبها ضباب أو اضطراب .
6 أن تكون وسائلها لتحقيق غايتها واضحة معروفة المراحل والحطوات .
7 أن تكون مواقفها من القضايا الكبيرة واضحة بينة غير غامضة ولا غائمة.

وكل هذه المقومات تمثلت بحق فى (جماعة الإخوان المسلمين)عندما أنشأت بقيادة "حسن البنا ".

اما علماء الأزهر فى ذلك الوقت فكان شغلهم الشاغل هو قضايا داخلية محدودة .. وكانت السلطة الحاكمةـبتوجيه من الاستعمار ـ تعمل على عزل الأزهر عن التأثير فى الحياه ,وأن تضيق على علمائه وأبنائه حتى تلهيهم لقمة العيش عن هموم الدعوة إلى الدين وقضايا الأمة.

وكذلك انشغلت الطرق الصوفية باذكارها وأورادها وموادها وموائدها عن التصدى للإصلاح , وحمل راية الدعوة المحمدية .

وكان "حسن البنا " قد نشأ فى كنف أب صالح من المشتغلين بعلم الحديث وكسب عيشه بالعمل فى إصلاح الساعات فى مديتة"المحمودية" بمحافظة البحيرة , ونشأ "حسن البنا" فى بيئة ريفية محافظة ومتدينة بعيدة عن صخب المدن وملاهيها وتقليدها للأوروبيين . وأحاطه أساتذته الصالحون منذ نعومة أظفاره بمزيد من الرعاية عندما لمسوا فيه الذكاء المتوقد , والتفوق الدائم ,علاوة على أدبه الجم وأخلاقه الرقيقة .

وتتلمذ على الطريقة "الحصافية" وهى طريقة صوفية أيقظت فيه حاسته الروحية الفياضة , وعلمته أدب الطريقة , وأخلاق المريدين .

وحفظ القرآن وانتقل من المحمودية إلى دمنهور ودخل مدرسة المعلمين ..ثم انتقل إلى القاهرة .زوقد صلب عوده ,وتفتح فكره ووجدانه .زواتسعت قراءاته وزادت معارفة .. وأصبح يحس بمعاناة وطنه ومعاناة أمته الكبرى .. أمة الإسلام .

وقابل كثيراً من العلماء وكبار القوم .. وتحدث معهم ولكنه لم يجد الاستجابة إلا من قليلين , ووجد التنازع على الحكم بين الأحزاب المختلفة , والجدل السياسى, والختلافات الحزبية بعد ثورة 1919م , ووجد أمامه مظاهر الدعوة إلى الإلحاد والإباحية ,ومهاجمةالمعتقدات الدينية التى ساندتها ثورةكمال أتاتورك .. وذلك فى المجتمعات والجماعات والصحافة والكتب والندوات الأدبية والاجتماعية .

ووصل إلى قناعة تامة أن المسجد لا يكفى وحده لنشر العقيدة بين الناس وإيقاظهم من غفلتهم ومن المخاطر التى تحيط بهم , فقام بتنظيم مجموعة من طلية الأزهر ودار العلوم , تقوم بالاتصال المباشر بالناس فى اماكن اجتماعاتهم العامة كالمقاهى والمجتمعات الشعبية .. لنشر الدعوة .

وانتقل إلى الإسماعيلية ..حيث عمل مدرساً هناك بعد تخرجه من دار العلوم.. ورشح لبعثة خارجية ولكن الله سبحانه وتعالى أراد له أن يرفضها ليتفرغ لدعوته ..وكان يقوم بواجبه بالتدريس فى المدرسة ..وكان يقوم أيضاً بتعليم آباء التلاميذ اثناء الليل .. فقد كانت الامية والجهل منتشرين بين أفراد الشعب المصرى كما أراد المستعمر الغصب . وكانت غالبيتهم من العمال وصغار التجار وموظفى الحكومة ,واستغل المقاهى لإجتذاب الناس بجانب المدرسة والمسجد .. وكان يخطب فى الناس .. وبذكائه وفراسته كان يلحظ المتأثرين به .. حيث يدعوهم للتعارف ويعلمهم ويوثق صلته بهم .

وانتشرت دعوته .. وأسس مبكراً قسم [ الاخوات المسلمات] اعترافاً من بدور المرأة المهم فى المجتمع .. وفى الجهاد فى سبيل الله .

وكان "حسن البنا " يوجه عنايه خاصة إلى الشباب إيماناً منه بأنهم هم عماد هذة الدعوة ,وقوتها ,وحملة رايتها الممتدة على مر الزمان والمكان .. وصدق الله العظيم [ إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى] الكهف :13 , فكان هؤلاء الشباب المثال الصادق الحى فى نشر هذة الدعوة ,وحمل أعبائها ورايتها والجهاد الدائم المضنى والمستمر فى سبيلها .. بالإيمان, ولاإخلاص , والحماسة والعمل .. مؤمنين بقول الرسول عليه الصلاة والسلام "ليس الإيمان بالتمنى ولكن ما وقر فى القلب وصدقه العمل ".

ركز حسن البنا عنايته بشباب الجامعات والمدارس وأنشأ قسماً خاصاً للطلاب بالمركز العام للإخوان المسلمين ,كان مسئولاً عنه رجال ودعاة من خيرة الرجال فى التربية الإسلامية علماً وعملاً وجهاداً , وكانوا القدوة الطيبة دائماً لهؤلاء الشباب ..فى وقت كانت كل الأحزاب السياسية تتسابق لإجتذاب الشباب إلى حظائرها .. حيث أنشأ الوفد فرقة شباب [القمصان الزرقاء] وأنشأت مصر الفتاة [ القمصان الخضر ]. وكان "حسن البنا " حريصاً على وضع برامج مكثفة تربوية لهؤلاء الشباب مثل صيام بعض الأيام ,والاهتمام بحفظ القرآن وتلاوته وتفسيره ,والاهتمام بالتدريبات الرياضية مثل السباحة والرماية والمصارعة اليابانية والتدريبات الشاقة التى كانت تجرى فى صحراء مصر وفى منطقة المقطم والسواحل المصرية وغيرها ,وتدريبهم على قيام الليل والتهجد ..وأنشأ فريق شباب جوالة الإخوان المسلمين ,ونظم كتائب ليلية توثق عرى الصداقة والمحبة والترابط بينهم.. مع توصيتهم بالاهتمام الكامل بدروسهم وتفوقهم وتميزهم أمام أساتذتهم وزملائهم فى المدارس والجامعات ,وتحفيزهم الدائم على ذلك , فكانوا دائماً فى محيطهم موضع الاحترام والتقدير .. وحفزوا كثيراًمن الشباب من زملائهم بل وأساتذتهم للانضمام إلى الإخوان والاستماع إلى دروس دعاتهم ..وحضور ندواتهم بل ومعسكراتهم .. والتزامهم المستمر بالاستماع إلى محاضرات وخطب "حسن البنا " الجذابة والمؤثرة.

ولما كان الأزهر الشريف بطبيعته هو حصن الدعوة الإسلامية ,فقد انضم إلى الإخوان المسلمين كثير من علمائه وطلبته ,وكان حسن البنا دائماً يذكر فى خطبه أن مصر دائماً هى زعيمة العالم الإسلامى بفضل أزهرها الشريف .

وكان يقول لرجل الأزهر الشريف :أنتم الجيش الرسمى للإسلام..ونحن "الإخوان المسلمون" الجيش الاحتياطى ,نعاونكم فى رسالتكم السامية.

وقام الإخوان بإنشاء المدارس والمستشفيات والمؤسسات ومختلف أنواع البر بالفقراء ؛وذلك بجهود ذاتية دون أى معونة حكومية ,ومن اشتراكات وتبرعات أعضائها ,كل حسب طاقته , بنفس راضية تبتغى وجه الله عز وجل ,حتى أن شركة قناه السويس بالإسماعيلية تبرعت للجماعة بخمسمائة جنيه مصرى لعمارة مسجد بنفس راضية.نظراً لأن معظم العاملين بالشركة كانوا من الإخوان المسلمين ؛وكانوا يؤدون أعمالهم بمنتهى الإخلاص والأمانة حسب تعاليم الإسلام..مما جعل الشركة تتبرع بهذا المبلغ ..فأشاع بعض المغرضين من المؤرخين بعد سنين طوال أن الإنجليز الذين أسسوا جماعة الإخوان المسلمين بالإسماعيلية ...[كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا]الكهف :5.

ويذكر أن أحد العمال من الإخوان المسلمين تبرع للمسجد بجنيه ونصف ختى أنه باع دراجته مما اضطره إلى التأخير عن حضور الدروس المسائية بمسجد الإخوان ,ولما شعر إخوانه بذلك ..تسابقوا للتبرع له لشراء دراجة جديدة , وهذا هو التكافل الإسلامى الجميل .

هذا ما قاله حسن البنا فى الثلاثينات لشباب هذه الدعوة ,فإذا نظرنا بعد ذلك عما جرى للإخوان المسلمين ,ويجرى لهم الآن . نعلم أن هذا الرجل كان ملهماً بعيد النظر ,مؤمنا ًشديد الإيمان بدعوته,يرى بنور الله عز وجل ..نور الحق واليقين .. رحمه الله.

مناهج دعوة الإخوان المسلمين

لقد حدد الإمام حسن البنا مناهج الإخوان المسلمين فى أهداف (سبعة) وضعها فى رسالته (إلى الشباب) .. وهى :

1ـنريد أولاً [الرجل المسلم ] فى تفكيره وعقيدته, وفى خلقه وعاطفته , وفى عمله وتصرفه ..وهذا هو تكويننا الفردى.
2ـنريد بعد ذلك [البيت المسلم] فى تفكيره وعقيدته, وفى خلقه وعاطفته , وفى عمله وتصرفه ..ولذلك نعنى بالمرأة عنايتنا بالرجل , ونعنى بالطفولة عنايتنا بالشباب .. وهذا هو تكويننا الاسرى.
3ـ ونريد بعد ذلك [الشعب المسلم ] فى ذلك كله ..ونحن لهذا نعمل على أن تصل دعوة الإخوان المسلمين إلى كل بيت ,وأن يسمع صوتنا فى كل مكان ,وأن تنتشر فكرتنا وتتغلغل فى القرى والمدن والحواضر والأمصار ,لا نألو فى ذلك جهداً, ولا نترك وسيلة.
4ـونريد بعد ذلك [ الحكومة المسلمة ] التى تقود هذا الشعب إلى المسجد ,وتحمل به الناس على هدى الإسلام,ونحن لا نعترف بأى نظام حكومى لا يرتكز على الإسلام,ولا نعترف بهذه الأحزاب السياسية التى أرغمنا أهل الكفر وأعداء الإسلام على الحكم بها ,وسنعمل على إحياء نظام الحكم الإسلامى بكل مظاهره ,وتكوين الحكومة الإسلامية.. على أساس هذا النظام
5ـ ونريد بعد ذلك أن نضم إلينا كل جزء من وطننا الإسلامى الذى فرقته السياسة الغربية ,وأضاعت وحدته المطامع الأوروبية ,ونحن لا نعترف بهذه التقسيمات ولا نسلم بهذة الاتفاقيات الدولية التى تجعل من الوطن الإسلامى دويلات ضعيفة ممزقة يسهل ابتلاعها على الغاصبين ,ولا نسكت على هضم حرية هذه الشعوب واستبداد غيرها بها , فمصر وسوريا والعراق والحجاز واليمن وليبيا وتونس والجزائر والمغرب وكل شبر أرض فيه مسلم يقول (لا إله إلا الله) كل ذلك وطننا الكبير الذى نسعى لتحريره وإنقاذه وخلاصه, وضم أجزاؤه بعضها إلى بعض .
6ـ نريد بعد ذلك أن تعود راية الله خفاقة عالية على تلك البقاع التى سعدت بالإسلام حيناً من الدهر ,ودوى فيها صوت المؤذن بالتهليل والتكبير .
7ـ نريد بعد ذلك ومعه أن نعلن دعوتنا على العالم وأن تبلغ الناس جميعاً ,وأن تعم آفاق الأرض ,وأن يخضع لها كل جبار..حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله , ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم.

وقام الإمام حسن البنا بإرسال خطاب جامع إلى كل من الملك فاروق ملك مصر والسودان , وإلى رئيس حكومة مصر مصطفى النحاس وإلى ملوك وأمراء وحكام الدول الإسلامية ,وإلى عدد من كبار الشخصيات فى هذه البلاد من ذوى الصفات الدينية والدنيوية , موضحاً فى هذا الخطاب أن الأمة على مفترق طريقين :

1ـ إما طريق التبعية والتقليد للحضارة الغربية ونظم حياتها وما تستلزم من اتباع شرائعها وثقافتها وتقاليدها .
2ـ و إما طريق مجد الإسلام واتباع شريعته والالتزام بقيمه وأخلاقه ونهج حضارته.

وأوضح أنه لا مفر من النجاة إلا بطريق الإسلام ,وأوضح لهم الإمام بعض خظوات الإصلاح فى النواحى السياسية والقضائية والإدارية والاجتماعية والعلمية والاقتصادية بطريقة مفصلة.

آراء ومعتقدات

ـ وهو يرفض الثورة الشعبية والعامة ,فهو يرى أنها عديمة الجدوى ,وأنها أعنف مظاهر القوة, وبذلك لا يفكر الإخوان فيها ولا يعتمدون عليها وولا يؤمنون بنفعها ونتائجها ,وكذلك فإن الإخوان المسلمين لا يطلبون الحكم لأنفسهم ولكنهم جنود وأنصار وأعوان لمن يحكم بالإسلام , وأعنى أنهم يريدون أن يُحكموا بالإسلام .. لا أن يَحكموا بالإسلام , فإن لم يوجد من يحكم بالإسلام فلماذا يحرم على الإخوان أن يحكموا بالإسلام ويعطوا الفرصة ,كما أعطيت لغيرهم الذين لم يحكموا بالإسلام وفشلوا فشلاً ذريعاً على مر السنين فى حل مشاكل دولهم بل الأمة الإسلامية جمعاء .ولا مانع ـ من وجهة نظرهم ـ من التدرج العملى فى تطبيق الشريعة الإسلامية تدرجاً عملياً ملموساً دون لف أو دوران , لاغياً من الدستور والقانون ما هو متعارض مع شرع الله ورسوله و مثل القوانين التى تحل الربا والخمور والقمار وتحمى الزانى والزانية .

ومن هنا كانت نظرة الإخوان المسلمين إلى الأحزاب المصرية , أن الخلاف بين هذه الأحزاب لا يتعدى مظاهر شكلية وشئوناً شخصية , ولكنهم لابد وأن يتوحدوا على مبدأ واحد وعقيدة واحدة هى "الشريعة الإسلامية".

ومن هنا كانت مطالبة الإخوان بحل كل هذه الأحزاب وإقامة [حزب واحد ] وجبهة واحدة تقوم بعبء التحرير والإصلاح تحت راية القرآن ,وليس كما فعل عبد الناصر بعد نجاح ثورة يوليو 1952م حين حل جميع الأحزاب ماعدا الإخوان المسلمين ,ولما أضمر لهم شراً ووجدهم عقبة فى سبيل ديكتاتوريته , ومحاولته الإنفراد بالسلطة والحكم دون مشورة , أنشأ (هيئة التحرير ) ثم ( الاتحاد القومى ) ثم (الاتحاد الاشتراكى) كحزب واحد يقوم بالإصلاح من وجهة نظره , وكانت تجربة فاشلة لأنها تخلت عن الإسلام فى منهاجها ,ودعاتها وأفرادها وثقافتها وسلوكياتها ,وقد عرض عبد الناصر على الشهيد سيد قطب أن يكون مسئولاًعن هيئه التحرير ولكنه رفض بشده وكذلك رفض هذذا العرض غيره من بعض قيادات الإخوان المسلمين.

وإن كان توجه الإخوان المسلمين لا يمانع فى الإتراف بالتعددية السياسية , والمداولة السلمية للسلطة عن طريق الانتخابات , ولكن فى حدود تعاليم الشريعة الإسلامية .

وكذلك تتعدد الجماعات والهيئات الإسلامية فى حب ,وإخاء , وتعاون ,وولاء للشريعة الإسلامية لا يباعد بينها رأى فقهىأو خلاف مذهبى , فالغاية واحدة ,وإن اختلفت الوسيلة .

الإخوان المسلمون والهيئات الإسلامية

الآن وقد افصحت عن رأى الإخوان وموقفهم فى الكثير من المسائل العامة التى تشغل أذهان الأمة فى هذة الأوقات ,أحب كذلك أن افصح لحضراتكم عن موقف الإخوان المسلمين الهيئات الإسلامية فى مصر . ذلك أن كثيراً من محبى الخير يتمنون أن تجتمع هذه الهيئات وتتوحد فى جمعية إسلامية ترمى عن قوس واحدة...

والإخوان المسلمون يرون هذه الهيئات على اختلاف ميادينها تعمل لنصره الإسلام , وهم يتمنون لها جميعاً النجاح , ولم يفتهم أن يجعلوا من منهاجهم التقرب منها والعمل على جمعها وتوحيدها حول الفكرة العامة.

1ـ دعوة سلفية : يدعون بالعودة بالإسلام إلى كتاب الله وسنه رسوله .
2ـ طريقة سنية : يعملون بالسنة المطهرة فى كل شىء خاصة العقائد والعبادات .
3ـ حقيقة صوفية : فى أن أساس الخير هو طهارة النفس ونقاء القلب والواظبة على العمل والحب فى الله والارتباط على الخير.
4ـ هيئة سياسية :تطالب بإصلاح الحكم الداخلى وتربية الشعب على العزة والكرامة والحرص على قوميته.
5ـ جماعة رياضية : يعتنون بأجسامهم ,إيماناًمنهم يأن المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف حتى يتحمل أعباء العبادات كالصوم والصلاة والحج والجهاد.
6ـ رابطة علمية وثقافية :كما أمر الإسلام بأن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة ,وكانت أندية الإخوان مدارس للتعليم والتثقيف وتربية الجسم والعقل والروح .
7ـ شركة اقتصادية :لأن الإسلام يعنى بتدبير المال وكسبه من الحلال تأسياً بقول الرسول عليه الصلاه والسلام "من أمسى كالاً من عمل يدهأمسى مغفوراً له ".
8ـ فكرة اجتماعية : لأنهم يعنون بمعرفة أمراض المجتمع ويحاولون علاجها وشفاء الأمة منها .

هذه هى ركائز دعوة الإخوان المسلمين كما صاغها مرشدها الإمام الشهيد حسن البنا بنظرة شمولية بناءة وموضوعية وهادفة .

وقد آمن بفكرته جموع هاردة ,شباباً وشيوخاً ونساءً ورجالاً , بل وكل الشرائح الاجتماعية على اختلاف منازلها وتفوت ثقافاتها ومداركها من أطباء ومهندسين ومحامين وعلميين ومعلمين وأساتذة جامعات وطلبة وعلماء دين وتجار وموظفين وعمال وفلاحين .

وانتشرت فى مصر وفى جميع البلاد العربية والإسلامية بسرعة مزهلة . وجعلت الدعوة شعارها (مصحف وسيف).

وهتافها (الله أكبر ولله الحمد .. الله غايتنا .. والرسول زعيمنا .. والقرآن دستورنا .. والجهاد سبيلنا .. والموت فى سبيل الله أسمى أمانينا ).

ـ أما موقف الإخوان المسلمين من الأقباط ,فقد كان رأى الإمام حسن البنا فيهم :أنهم أهل كتاب يؤمنون بالله ورسوله ويؤمنون بالآخرة ويتعبدون له ويعترفون بالقيم الأخلاقية .

وأن الإسلام أباح مؤاكلتهم ومصاهرتهم ,واعتبر النصارى أقرب مودة للمسلمين من اليهود ,وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاته وقال :" الله الله فى قبط مصر ,فإنكم ستظهرون عليهم ويكونون لكم عدة وأعواناً فى سبيل الله".

وقال العلماء .. إن (هاجر) أم إسماعيل منهم وكذلك (مارية )أم إبراهيم ابن النبى صلى الله عليه وسلم .

وقد كان فى اللجنة السياسية للإخوان بعض الأقباط المعروفين من رجال السياسة .

ولا زلت أذكر أن الشهيد حسن البنا عقد مؤتمرا ًوطنياً كبيراً بمدينة طنطا واصطحب معه أحد الأقباط المتخصصين ليتحدث عن قضية قناة السويس واسمه "نصيف ميخائيل " ليؤكد معنى التضامن بين المسلمين والمسيحيين .

وكان الأستاذ "لويس فانوس" وهو من زعماء الأقباط المرموقين يواظب على حضور حديث الثلاثاء للإمام حسن البنا بالمركز العام للإخوان المسلمين بالحلمية يوم الثلاثاء من كل أسبوع ويجلس بين إخوانه المسلمين بكل حب وإخاء , وكان صديقاًحميم اًللأستاذ البنا .

وفى إحدى المرات رشح الشيخ حسن البنا نفسه فى البرلمان المصري وكان وكيله فى إحدى اللجان قبطياً .

وكانت اللجنة السياسية المركزية من تسعة أعضاء برئاسة وكيل الجماعة وعضوية سكرتير الجماعة وعضو من مكتب الإرشاد, وثلاثة أعضاء أقباط هم : "وهيب بك دوس " و"الأستاذ لويس فانوس "عضو مجلس النواب ,والصحفى الكبير "كريم ثابت ",وأرسل حسن البنا إلى توفيق دوس باشا تهنئة بمناسبة انتخابه عضواً بمجلس الشيوخ ..رد عليها دوس بتهنئة بمناسبة صدور جريدة الإخوان المسلمين ,وأشاد بنزعة الإخوان المسلمين القومية .

وحينما هاجم "سلامه موسى " الإخوان بأنهم يثيرون الفتنة الطائفية ,فى إحدى مقالاته بالصحف ,رد عليه المسيحى "توفيق غالى "بكل قوة قائلاً :إن الإخوان المسلمين أشرف الجماعات مقصداًوأمثلهم خلقاً .

ويوم قتل حسن البنا أيام الملك فاروق منعت الحكومة السعدية برئاسة إبراهيم عبدالهادي جثمانه من أن يشيع فى جنازة ,لم يمش وراء نعشه إلااثنان هم والده ,و"مكرم عبيد باشا "السياسى المسيحى الذى كان يحفظ القرآن عن ظهر قلب ويستشهد دائماًبآياته فى خطبه البليغة.

القاهرة بدلاًعن الإسماعيلية

وكان حسن البنا قد تزوج من أسرة كريمة هى أسرة الصولى بالإسماعيلية ...وانتقلت مركزية الدعوة إلى القهرة بشقة قديمة متواضعة فى شارع الناصرية بحى السيدة زينب بالقاهرة ,ونقل الشيخ حسن البنا مدرساً بمدرسة عباس الابتدائية بالسبتية بالقاهرة .

ثم انتقل المركز العام إلى مكان أكثر اتساعاً بعمارة لوكاندة البلمان بميدان العتبة بالقاهرة.

وأخذ حسن البنا يجوب الآفاق فى مصر كلها وخارجها يدعو لدعوته ليلاً ونهاراً دون كلل أو ملل .

وكانت أول مظاهرة ظهرت فيهاقوة الإخوان هى المظاهرة التى خرجت من الجامعة سنة 1938م تضم أكثر من أربعة آلاف طالب تطالب بالحكم بالشريعة الإسلامية تجوب شوارع الجيزة والقاهرة وتقطع شارع المنيل حتى تصل إلى قصر الأمير "محمد على "ولى العهد ويطل عليهم "الأمير محمد على "من شرفة قصره ويحييهم ويبادلهم العواطف والتحيات ووعدهم بالعمل على إجابة مطالبهم .

وسافر حسن البنا لتأدية فريضة الحج ,وفى قاعة الضيافة الخاصة بالملك عبدالعزيز آل سعود وبحضور رؤساء البعثات من الدول الإسلامية ,قام ـومعه حشد من مائة شخص من الإخوان بزى موحد من الجلاليب البيضاء وطاقية بيضاء ـ بإلقاء خطبة نارية تدعو إلى الحكم بالإسلام وشريعته وتحض على توحيد الدول الإسلامية والعربية..وقد قوبلت بالإستحسان الشديد وعانقه جميع رؤساء الوفود .

والتقى حسن البنا أيضاً فى تلك الحقبة بمجموعة منالمجاهدين القدامى أمثال "عزيز المصرى باشا " و محمود لبيب "وعبدالرحمن عزام باشا " ,"وصالح حرب باشا " ,ومحب الدين الخطيب ", وكل واحد من هؤلاؤ كان يؤمن بالفكرة الإسلامية وبالدولة الإسلامية العالمية ..خاضة محمود لبيب ,فقد كان زميلاً لعزيز المصرى و صالح حرب وله جولات فى تركيا مركز الخلافة واشترك وعرف كل الحركات العسكرية العلنية والسرية ..وكان رجلاً عملياً مؤمناً عميق الإيمان ,هادىء الطباع .. وقطع حياته العسكرية عند رتبة [الصاغ] .وكرس حياته وجهده بعد ذلك للدعوة الإسلامية فى جماعة الإخوان المسلمين..وكان الأب الروحى لجميع ضباط حركة 23 يوليو..إذ إن أول خلية شكلت عام 1946م كانت على يديه من (جمال عبد الناصر )ـ مشاة , (خالد محيى الدين )ـ فرسان ,عبدالمنعم عبدالرءوف)ـ طيران ثم مشاة ,(كمال الدين حسين )ـ مدفعية ,(حسين حمودة)ـمشاة, (سعد توفيق ), (صلاح الدين خليفة)ـ فرسان ,وقد بايعوا مرشد الإخوان المسلمين على كتاب الله وعلى المسدس , بأنهم وهبوا حياتهم للحكم بشريعة الإسلام,وبحضور (عبدالرحمن السندى)الذى عرفهم بنفسه بأنه رئيس الجهاز الخاص السرى المسلح للإخوان المسلمين والذى يضم رجالاًباعوا انفسهم لله ,وهم مستعدون للموت فى سبيل ذلك ضد اليهود والإنجليز.

وكانت هذه البيعة فى غرفة مظلمة فى الطابف الأول بمنزل بحى الصليبية بجوار سبيل أم عباس بالسيدة زينب بالقاهرة ,وقد حلفوا اليمين فى منزل صالح عشماوي الذى شهد القاء نيابة عن المرشد العام .

وقد قام هؤلاء الضباط السبعة بمهمة تدريب أعضاء جماعة الإخوان المسلمين على السلاح وفنون القتال ليلاً و نهاراً لرجال من مختلف الأعمار.

كما قاموا بضم أكبر عدد من ضباط القوات المسلحة إلى تنظيمهم تحت إشراف النظام الخاص السرى للإخوان المسلمين .

وقاموا بتدريب جموعة كبيرة ـ حوالى ثلاثمائة مجاهد ـ من متطوعى الإخوان المسلمين فى حرب فلسطين سنة 1948م وذلك فى معسكر هايكستيب ,وشمل التدريب الأسلحة الصغيرة وطرق النسف والتدمير وضرب النار واختراق الضاحية والمصارعة اليابانية واللاسلكى .

وكان هذا هو أول تنظيم عسكرى وشعبى سرى مهد لقيام ثورة 23 يوليو سنة 1952م.

واعترف بفضل الإخوان المسلمين كل أعضاء مجلس قيادة الثورة فى جميع المناسبات ..وكذلك الكثير من الضباط الأحرار ..وسجله بعضهم فى مذكراته التى نشرت ..وكذلك ملحمة جهاد الإخوان المسلمين فى معارك فلسطين والقنال .

الفصل الثانى الإخوان المسلمون .. وحرب فلسطين

ظلت قضية فلسطين شبة مجهولة فى صفوف الشعب "وقررالشهيد حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين "انطلاق دعاة الإخوانبكل قواهم لإشعار الناس جميعاً بها , لتكون قضية عالمية تقض مضاجع الإنجليز واليهود .

واستمر الدعاة يخطبون فى المساجد ويجمعون التبرعات وكتب كتابهم المقالات النارية فى الصحف , وطبعوا المنشورات التى تهاجم الإنجليز واليهود وكان شباب الإخوان يوزعونها فى الجامعات والمصالح الحكومية والحلات التجارية والمقاهى فى القاهرة والاقاليم , وحضوا فيها شعب مصر على مقاطعة المحلات اليهودية.

وللأسف الشديد قامت الحكومة المصرية بتحريض من الإنجليز ..بالبحث عن مصدر هذه المنشورات , ومحاولة مصادرتها ومنعها من الانتشار دون جدوى .. وكان الوزراء وكار المسئولين فى الدولة يذهبون إلى مكاتبهم فى الصباح فيجدون هذه المنشورات عليها ..

وطبع الإخوان كتاب "النار والدمار فى فلسطين " عن طريق اللجنة العربية العليا ..وفيه شرح لألوان الفظائع والتعذيب التى ارتكبها الإنجليز ضد المجاهدين الفلسطينين ..وصور الإنجليز وهم يمزقون المصحف الشريف ويدوسونه بأحذيتهم ..وصورهم وهم يضربون المجاهدبن بالسياط ..وربطهم من أعضاء حساسة من اجسادهم ...

ومن العجيب أن البوليس داهم المركز العام للإخوان المسلمين واستولى على سبعمائة وخمسون نسخة من هذا الكتاب ..وسأل الضابط , الشهيد حسن البنا عن صاحب هذه الكتب فقال له المرشد العام :أنا صاحبها ..فقبض عليه وتوجه به إلى النيابة العامة التى أمرت بحبسه لأنه هاجم السلطات وأثار الشعب ضد دولة صديقة وحليفة بحكم المعاهدة (وهى إنجلترا)...وأصر حسن البنا على أقواله واقتناعه بما جاء فى هذا الكتاب ,وطلب تحويله إلى القضاء لمحاكمته ..وتقرر حبسة تمهيداً لتحويله إلى المحاكمة .

ورفع التحقيق للنائب العام ولوزير الداخلية الذى قدم صورة التحقيق إلى السفير البريطانى ..الذى قرأ التحقيق ..واستشعر خطورة تقديم حسن البنا للمحاكمة ؛لأنه بذلك سينشر أفكاره داحل ساحة القضاء و يُشهر بالإنجليز .. ووجد أن الكتاب قد انتشر فى صفوف الشعب ..فأمر السلطات المصرية بالإفراج عن حسن البنا ,وفوجىء المرشد بقرار الإفراج ..وهذا مثل من الأمثله التى تلقى الضوء على كيفية نظام الحكم فى مصر ونفوذ الإنجليز على السلطة العمليه ..وكانت السفارة الإنجليزية تحتفظ بدوسيه لحسن البنا ..يحتوى على كل المعلومات عنه وعن نشاطاته هو وجماعته .

وف 17 نوفمبر من تلك السنة كانت ذكرى وعد بلفور المشئوم ..وقامت جميع شُعب الإخوان على مستوى مصر كلهابمظاهرات حاشدة بهتافات موحدة ..أظهرت قوة الدعوة وانتشارها ..واهتزت الحكومة و,وقامت بالقبض على مدبرى هذة المظاهرات..وشعر الإنجليز بخطورة الإخوان المسلمين وأنهم هم العدو الحقيقى المتغلغل فى صفوف الشعب المصرى ؛ وليس من السهل قهره ؛لأنه يعتصم بشعار الدين الإسلامى فى كل تصرفاته .

وحاول الإنجليز فصل مصر عن كل البلاد العربية بحجة أنهم فراعنة ..وليسوا عرباً ..كما أقنعوا العرب بأنهم عرب وأن مصر فراعنة ..وكادت هذة الفتنة الخبيثة أن تنجح ..خاصة وأن بعض الزعامات السياسية فى مصر سايرت هذه الخديعة..حتى أن أحد الصحفيين سأل رئيس وزراء مصر :ماذا أعددتم لقضية فلسطين ؟فرد على الفور : قائلاً أنا رئيس وزراء مصر ولست رئيس وزراء فلسطين !! .

ولقد جاهد الإخوان المسلمون وحدهم وبكل قواهمإفساد هذه الخطة الإنجليزية الخبيثة ..حتى أوصلوا قلوب شعب مصر بقلوب إخوانهم من عرب فلسطين وأمدوا الجسور بين مصر وباقى الدول العربية.

وأقنعوا الجميع أن مصر هى بمثابة الرأس فى جسد الأمة العربية كلها ..وقام الإخوان بالدعوة إلى مؤتمر حاشد لدراسة مشكله فلسطين فى مصر ..ومثَل سوريا الأستاذ فارس الخورى..وهو مسيحى بعيد عن التعصب وكان زعيماً سوريا لامعاً ..ورئيساً لوزرائها أكثر من مرة ..وكان خطيباً مفهوماً ..يلهب المشاعر.. ويذكر له جولاته التاريخية فى مجلس الأمن دفاعاًعن قضية فلسطين .. وقد عقد هذا المؤتمر الحاشد فى مقر الإخوان المسلمين بالعتبة ..وتكلم فيه المرشد حسن البنا ..وصدرت قرارات المؤتمر مطالبة الحكومات العربية للتدخل من أجل إنقاذ فلسطين من مؤامرات الإنجليز واليهود ..وأحست الحكومات العربية لأاول مرة بمسؤليتها .

وكان لهذا المؤتمر آثاره العميقة فى العالم العربى ..وتطايرت أنباؤه وتوافد بعد ذلك على المركز العام للإخوان زعماء الدول العربية والإسلامية , ومنهم الامير فيصل بن عبدالعزيز (الملك فيصل فيما بعد ) ..والأمير أحمد بن يحيى وأخوته من اليمن ..موفودين من ملك السعودية وإمام اليمن ..للتفاهم مع الحكومة المصرية الإخوان المسلمين فيما يجب عمله لإنقاذ فلسطين .

ولما كانت الحكومات العربية تقع تحت ضغوط الاستعمار ..فقد أستقر الرأى بالاتفاق مع الإخوان المسلمين على عقد مؤتمر برلمانى عالمى بالقاهرة لبحث قضية فلسطين .. ووجهت الدعوة إلى جميع برلمانات العالم ..وعقد المؤتمر بسرايا آل لطف الله بالقاهرة .

وسمع العالم لأول مرة عن قضية فلسطين بفضل جهود الإخوان المسلمين ..وعقد مؤتمر (المائدة المستديرة)فى لندن وحضره ممثلون عن الدول العربية وأصدرت الحكومة البريطانية فى أعقاب هذا المؤتمر (الكتاب الأبيض ) الذى وضع حداًلهجرة اليهود فى وصاياه .

وانزعج اليهود من هذا الكتاب الذى وقف ضد خطتهم لاحتلال فلسطين ..واشتكوا للأمريكان الذين سرعان ما استجابوا لهم وكونوا (لجنة التحقيق البريطانية الأمريكية ) ..وطافت هذه اللجنة بالبلاد العربية بحجة البحث عن العدالة بعد الاستماع لأطراف النزاع ..

وحضرت إلى القاهرة وعقدت جلستين فى 5\3\1946 واستمعت إلى السيد مراد البكرى ـنقيب الأشراف ـ , وعبدالمجيد صالح باشا وصالح حرب باشا والدكتور منصور فهمى باشا , والشيخ حسن البنا ـ المرشد العام للإخوان المسلمين .

وتقول جريدة المصرى : "وقد تكلم الجيع فى حماس ثم ساد الجلسة السكون عندما جاء دور الشيخ حسن البنا الذى أرتجل كلمة هادئة رزينةجمعت بين قوة الحجة وسرعة البديهة ..وذكر فيها أن خصومتنا لليهود ليست دينيةلأن القرآن الكريم حض على مصافاتهم ومصادقتهم ..والإسلام شريعة إسلامية قبل أن يكون شريعة قومية ..ونحن حين نعارض بكل قوة الهجرة اليهودية ,نعارضها لأنها تنطوى على خطر سياسى اقتصادى ,وحقنا أن تكون فلسطين عربية ..

ولى كلمة أخيرة من الوجهة الدينية ,فإن اليهود يقولون على فلسطين أرض الميعاد ..ونحن لا مانع لدينا من أن يكونوا فى يوم القيامة معنا ..

وفى نهاية كلمته طالب بالإفراج الفورى عن الحاج أمين الحسينى ـمفتى فلسطين ـالمعتقل وكذلك زملائه من المجاهدين .

وفى النهاية بعد عودة اللجنة إلى أمريكا كتبت تقريرها الذى توصى فيه بكل أسف آسى ..بالسماح بهجرة مائة ألف يهودى إلى فلسطين ..واستمر الانتداب البريطانى ..واحتج العرب فى كل مكان على هذه القرارات الظالمة الجائرة .وتحولت فلسطين إلى شعلة من النيران .. وأصبح العرب الفلسطينيون يجاهدون وحدهم فى اليدان لا سند لهم إلا جهودهم الذاتية ..فى الوقت الذى كانت فيه الدول العربية ممزقة الأوصال ..مغلوبة على أمرها لحكام يدينون بالولاء للمستعمر أكثر من ولائهم لعروبتهم ..أما اليهود فتسندهم ثوراتهم فى كل بقاع العالم ,وورائهم أمريكا بكل أموالها ونفوذها وسلاحها ..ومعهم حكومة فلسطين البريطانية .. التى تساعدهم وتضع العقبات كل العقبات أمام العرب ..وقام اليهود بقتل المجاهدين فى الليل والنهار تحت حماية الجنود الإنجليز .

وقامت هيئة الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين إلى دولتين أحدها عربية والأخرى يهودية فى 29 نوفمبر 1947 .

ووقع قرار التقسيم على العرب جميعاً موقع الصاعقة وأعلنت الدول العربية كللها رفضها للقرار ..وعدم اعترافها به .. وأعد الإخوان المسلمون مظاهرة كبرى لتأييد فلسطين فى 15 ديسمبر 1947 ,واشترك فيها الأزهر والجامعة وتجمعت فى ميدان الأوبرا.. وخطب حسن البنا ورياض الصلح ,والأمير فيصل بن عبدالعزيز والشيخ محمود أبو العيون وجميل مردم بك وصالح حرب باشا والقمص متياس الأنطونى والسيد إسماعيل الأزهرى .

وقال حسن البنا فى خطبتة الهاردة :"لبيك فلسطين ,دماؤنا فداء فلسطين وأرواحنا للعروبة .."وقال :"إننى أعلن أن الإخوان المسلمين قد تبرعوا بدماء عشرة آلاف متطوع للاستشهاد فى سبيل فلسطين ..وهم على أتم الاستعداد لتلبية ندائكم ..وفى مايو 1948 كان زعماء الدول العربية مجتمعين فى مدينة "عالية " بلبنان ..فأرسل إليهم الشيخ حسن البنا برقية يقول فيها أنه عند وعده بإدخال عشرة آلاف مجاهد من شباب الإخوان المسلمين كدفعة أولى إلى فلسطين ..وانهال المتطوعون من الإخوان على المركز العام يتسابقون للجهاد ..وأرسل ضباط الجيش من الإخوان وغيرهم استقالاتهم وتطوعوا فى صفوف المجاهدين .. وتسابقت جموع الإخوان نساءً ورجالاًبالتبرع بالأموال وجمعها لقضيه فلسطين .. مما ألهب المشاعر وأحيا الهمم ..وقوى من شوكة وإرادة الحكومات العربية ..ولفتت أنظار العالم إلى الإخوان المسلمين ورجالهم ..

وبدأ الإخوان المسلمون يعدون العدة بجدية لتنظيم صفوفهم وصفوف تنظيماتهم العسكرية المدربة تدريباً جيداً منذ زمن بعيد فى تنظيمهم السرى الخاص على أيدى متخصصين فى كل فنون حرب العصابات وتفجير الألغام والمصارعة اليابانية وكل التكتيكات الحربية ..واصطياد الدبابات والمدرعات ..لمواهجة منظمات اليهود العسكربة ,وهى منظمة (الهاجاناه)أى حراس المستعمرات .. ومنظمة (أرجون زفاى ليومى )ومنظمة (اشتيرن ) وفرقة ( البالماخ )الفدائية التى أنشأت على النمط الروسى .. وكان للعرب الفلسطينين منظمتان همت ( النجادة )و (الفتوة )..ولكن الخلاف دب بينهما ..وقام الإخوان المسلمين بتكليف الصاغ محمود لبيب ـ قائد الجناح العسكرى للإخوان ـ بالإصلاح بينهما ..ونجح فى ذلك بعد مجهود كبير ..وطلبوا منه أن يكون مدربا ًلهما ..ولكن حكومة الانتداب الإنجليزية تنبهت إلى خطورة تواجده ..فأمرته بمغادرة فلسطين ..كما طاردت جميع أفراد الإخوان الذين دخلوا فلسطين ..ولكنهم لم يمكنوا الإنجليز واليهود من ذلك .

وانسحب الإنجليز من فلسطين فى مايو 1948 , وأعلنت دولة إسرائيل , ودخلت الجيوش العربية من جميع الاتجاهات لتعيد الأمن إلى نصابه .

وكان معهم متطوعى الإخوان المسلمين والمتطوعين من ضباط الجيش المصرى الذين استقالوا وانضموا لقوات الإخوان المسلمين ,واتخذهم الإخوان قادة لهم مثل البطل القائمقام أحمد عبدالعزيز المؤمن الشجاع .

وتكلم الكثير بآرائهم عن صواب دخوا الجيوش العربية النظامية ..وهل أخطأت الحكومات العربية فى سياساتهاوتخطيطها وتوقيت تدخلها . ولكن متطوعى الإخوان المسلمين أبلوا بلاءً حسناً طيباً بالتعاون مع إخوانهم من ضباط الجيش المصرى النظاميين ..وكان منهم الأبطال والشهداء ..مما يكتب عنهم المجلدات .. ويذكرهم التاريخ بالخير ..ومنهم الشيخ محمد فرغلى والشهيد يوسف طلعت الذين أعدمهما عبد الناصر طلماً بعد ذلك .. ومنهم حسن دوح الذى سجنه عبد الناصر فى السجن الحربى ..وحسن عبدالغنى وعلى صديق ومحمود نفيس حمدى وومعروف الخضري وعبدالمنعم عبدالرءوف وأبوالمكارم عبدالحى وكامل الشريف وحسين حجازى وعيسى إسماعيل عيسى وعبدالرحمن عبدالخالق ومحمود عبده وسيد شراقى وعلى صبرى وصلاح حسن وسيد منصور فيما بعد ..وعلى الفيومي وغيرهم وغيرهم من الشهداء الأبرار .

وهكذا آمن الإخوان المسلمون بفكرتهم ,وصدقه عملهم بعد أن وقر الإيمان فى قلوبهم ..فكانت البطولات والانتصارات ,أما جيش مصر فللأسف الشديد استشعر خيانة الحكومة ورجالها واستشعر فساد الأسلحة ..وسيطرة الاستعمار على الحكام فخارت قواهم ,وتخاذلت عزائمهم ..فكانت الهزيمة الساحقة لأنهم حاربوا دون الإيمان بالمبادىء ..وهذه مأساة أخرى .

أتذكر الآن أننى سألت المرشد العام السابق , المرحوم مصطفى مشهور ,يوماً ,عن الظروف التى سبقت وصاحبت نشأة الإخوان المسلمين ,فقال لى : طالب اليهود خليفة المسلمين السلطان عبدالحميد أن يعطيهم فلسطين ويعطوه نقوداً فرفض ورد عليهم إنها ليست ملكى كى أعطيها لكم ولكنها ملك المسلمين جميعا ,فتآمر اليهود مع مصطفى كمال أتاتورك وأسقطوا الخلافة الإسلامية , وكان ذلك عام 1924م , وكان الأستاذ البنا فى السنة الأولى فى كلية دار العلوم وقد أيقن وقتها أنه لايمكن أن يبقى المسلمون بدون دولة أو خلافة .واستشعر أن هذا واجب ديني على كل مسلم ومسلمة , بمعنى أن أى تقصير فى تحقيق هذا الواجب يستلزم عقوبه على هذا المقصر . ولم يكن باستطاعة الأفراد وحدهم أن يقوموا بهذا الواجب فكان لابد لهم من جماعة تنظم العمل وتخطط له ,لهذا كان بدء فكرة إنشاء جماعة الإخوان المسلمين ..فوضع لها أهدافها وخطة عملها ومراحلها ؛ على أن تعمل الجماعة على تحرير الوطن الإسلامى من كل سلطان أجنبى ,ثم تسعى لإقامة دولة الإسلام على هذا الوطن المحرر.

ومن جانبى أقول : إن حركة الإخوان المسلمين هى أهم حركة إسلامية فى العصر الحديث أثرت فى كثير من بلدان العالم الإسلامى ,كما أثرت فى الجاليات العربية والمسلمة فى بلاد الغرب واستمر هذا التأثير طوال الخمس والسبعين سنة الماضية . حيث أسس الإمام حسن البنا هذه الدعوة سنة 1928م ...وقد مرت بعدة مراحل تاريخية :

الفترة الأولى: فترة التأسيس والانتشار ـمن عام 1928م حتى إغتيال حسن البنا فى 12 فبراير سنة 1949م .

الفترة الثانية : الجماعة بغير مرشد حتى سنة 1952م ـ حيث تم اختيار المستشار حسن الهضيبي مرشداً ,وقد استمرت هذه المرحلة حتى سنة 1954م حيث حدث الصدام بين النظام الناصرى والإخوان بعد فترة تفاهم لم تستمر طويلاً .

الفترة الثالثة : استمرت فترة الصدا منذ سنة 1954م , حيث اتهم النظام الناصرى الغخوان بتدبير محاولة اغتيال عبد الناصر فى المنشية ـ حتى وفاة عبد الناصر عام 1970م. الفترة الرابعة : بدأ الإخوان عهداً جديداً مع السادات , حيث بدأ بالإفراج عن الإخوان سنة 1971 ـحتى أفرج عن الجميع سنة 1975م .

القترة الحالية : بدأت المرحلة الأخيرة فى عمر الجماعة منذ ذلك الحين ـ حتى الآن ,وهى فترة إعادة بناء الجماعة وانتشارها مرة أخرى . وبالرغم من أن حسن الهضيبي المرشد العام الثانى للإخوان استمر مرشداّ حتى وفاته عام 1973م , وكانت هناك بعض الأنشطة المحدودة فى هذه الفترة ,إلا أننى أعتبر أن البداية الحقيقية لعودة جماعة الإخوان مرة أخرى فى مصر كانت مع اختيار عمر التلسمانى مرشداً سنة 1976م وحتى الآن ـأى أكثر من 25 عاماً .

كانت الدعوة أيام حسن البنا هى دعوة التمسك بالإسلام منهجا ً كاملا للحياة ينظم حياة الفرد والأسرة والمجتمع والحكومة والأمة الإسلامية كلها , فكانت هذه الدعوة بمثابة مدرسة أثرت وأنتشرت فى المجتمع المصرى والعربى وبعض البلدان الإسلامية , وتخرجت فى هذه المدرسة أعداد هائلة من البشر أثر كل منهم فى من حوله , كما تخرجت فى هذه المدرسة مجموعات وكيانات ومؤسسات كلها أثرت فى المجتمع والأمة تاثيراً مهماً ,وهى بذلك مدرسة من انجح المدارس فى العصر الحديث .

مشكلة الوضع القانونى فى مصر

حينما أسس حسن البنا جماعة الإخوان فى مصر عام 1928م كانت مسجلة فى الشئون الاجتماعية كهيئة إسلامية شاملة وفق الدستور الذى كان يحكم فى ذلك الوقت وهو دستور 1923م ..فكانت الجماعة هيئة دعوية وتربوية واجتماعية تنشىء شركات وتدخل فى المضمار السياسى , وبناءً على ذلك رشح البنا نفسه فى البرلمان مرتين .

وفى أيام عبد الناصر تم تغيير الدستور (1956م) وكذلك أيام السادات سنة (1971م)وأصبح القانون لايسمح بالنشاط العام إلا من خلال شكلين : إما حزب سياسى وفق قانون الأحزاب رقم 40 لسنة 1977م , أو جمعية خيرية تابعة لوزارة الشئون الاجتماعية وفقا للقانون رقم 22 والذى تغير أخيراً سنة 1999م بالقانون رقم 153 , وتغير مرة أخرى عام 2002م بالقانون رقم 84 .

وبذلك تكون عودة الجماعة بشكلها القديم أمر مستحيل .

وعلى ذلك يجب حسم قضية أى الأشكال أنسب لعودة الجماعة .. هل تعود على شكل حزب سياسى تنافسى وفق قانون الأحزاب , أو على شكل جمعية خيرية دعوة إصلاحية وفق قانون الجمعيات ..هذه هى المشكلة العويصة التى مازالت قائمة حتى الآن .

المستقبل التنظيمى للإخوان

على المستوى القطرى فى مصر :

1ـ إما عن طريق حل الإشكال القانونى بالتصريح بالوجود القانونى للجماعة ..وذلك بإجراء مصالحة تاريخية مع السلطة و الأطراف السياسية الأخرى .
2ـ أو الستمرار الحال على ما هو عليه , تحت تهديد دائم بإستمرار حالة الصدام مع السلطة بين وقت وآخر ,وإن كانت قيادات الجماعة الحالية تتجنب ـ بقدر الإمكان ـ هذا الاصطدام ,رغم كل ما تتعرض له من مطاردات ومحاكمات عسكرية وتضييق لمساحة النشاط وبعض التجاوزات الأمنية ,وهذا يعنى البقاء فى وضع يقود إلى مجهول لا يعلم مداه إلا الله , يضيق من حركة النشاط فى الجماعة فى الداخل والخارج , ويعوق من انتشارها إلى حد ما .

على المستوى الدولى :

1ـ الأوضاع الآن فى حالة كمون , نتيجة للأوضاع الإقليمية والدولية غير مواتية لفكرة التنظيم الدولى الإسلامى , على أمل العودة إلى تنشيط هذه الفكرة فى حالة حودث تحسن وانفراج .
2ـأن أقصى ما يمكن أن يوصف به التنظيم الدولى الآن ,أنه مجرد شكل للتنسيق والتعاون وتبادل الأفكار , مثل المؤتمر الدولى العربى الذى ينظمه مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت .

وفى النهاية أنظر إلى مئات الأولوف من خيرة شباب مصر من الإخوان المسلمين مترابطين ومتآخين يفيضون بالبشر والأخلاق الفاضلة وهم مصابيح هذه الأمة وأملها فى البناء والمجتمع الكريم .. كيف نرعاهم ونأخذ بأيديهم ؟!وهم حملة القرآن وحافظوه وقارئوه آناء الليل وأطراف النهار والعنلون بأحكامه وبسنة رسوله الكريم صلى الله علية وسلم .. وهم الأوائل فى جامعاتهم ومدارسهم ..رأيتهم بعينى ـ حوالى مائتى ألف شاب فى جنازة المرحوم الأستاذ مصطفى مشهور ـ يسيرون فى نظام وسكينة رافعين المصاحف دون صخب أو فوضى , يحنو كبيرهم على صغيرهم ويساعد شبابهم شيوخهم , مما أثار احترام وأعجاب جميع رجالات الشرطة والأمن الذين حافظوا على الأمن أثناء الجنازة .ولم يكن ذلك استعراضاً للقوة من جانب الإخوان كما أشاعوا وروجوا ولكنها الحقيقة الموجودة .فهل تنظر السلطة بعين مجردة للتصريح لهذه الجموع الكريمة بمزاولة نشاطها تحت أعين وسمع الحكومة وبرعايتها الأب لأبنائه؟!.

. أما الهيكل التنظيمى للإخوان فهو كالتالى :

ـ مكتب الإرشاد :ستة عشر عضواً يمثلون المحافظات المختلفة .

ـ مجلس الشورى : خمسة وسبعون عضواً .

والقرارات تتخذ بالأغلبية . وحرية الرأى مكفولة , والأمر شورى .

المكاتب الإدارية : فى المحافظات .

التنظيم العالمى للإخوان المسلمين أو التنظيمات الإسلامية :

الجزائر : [حزب مجتمع السلم ] [حمس] ورئيسه محفوظ نحناح . وقد توفى إلى رحمه الله وخلفه الأستاذ أبوحرة سلطانى وقد انتخبه مجلس شورى الحزب (200 عضو) .

المغرب : [جماعة العدل والإحسان ]ـ فتح أرسلان ـ الشيخ عبدالسلام ياسين . وتتبنى فكراً قريباً من فكر الإخوان المسلمين .

اليمن : [حزب التجمع اليمنى للإصلاح ] ـ رئيسه الشيخ عبدالله الأحمر , وهو فى نفس الوقت رئيس مجلس الشورى فى اليمن .وهو تجمع يضم عدة جماعات وتيارات إسلامية من بينها الإخوان المسلمون .

السودان : [ الإخوان المسلمين ]ـ الحبر يوسف نور الدايم , الصادق عبد الماجد .

فلسطين: [حركة حماس ] ـالشيخ أحمد ياسين . وهى حركة فلسطينية مستقلة تعتنق الإخوان المسلمون وهدفها الأساسى تحرير فلسطين من الاحتلال الإسرائيل لأراضى دولة فلسطين .

سوريا : [ الإخوان المسلمون ] ـممنوعة ـ المراقب العام للإخوان .

الأردن : [ الإخوان المسلمون ] ـعبدالمجيد زنيبات ـنائب المرشد العام للإخوان المسلمين لشئون خارج مصر هو الأستاذ حسن هويدى [من سوريا] .

لبنان : [ الجماعة الإسلامية بطرابلس ] ـ فيصل مولوى ـ فتحى يكن .وتنتمى لفكر الإخوان المسلمين .

أوروبا : ينتمى لفكر الإخوان المسلمين .

الكويت : [جمعية الإصلاح الجتماعى ] ـ عبدالله العلى المطوع , وينتمى لفكر الإخوان المسلمين .

تونس : [حزب النهضة ] ـراشد الغنوشى موجود خارج تونس ـ بفرنسا ,وينتمى لفكر الإخوان المسلمين .

السعودية : يوجد تيار فكرى سعودى يعتنق فكر الإخوان المسلمين , ولا يعرف إ ن كان له تنظيم حركى أم لا ,ولكن لا تربطه صله بجماعة الإخوان المسلمين .

الإمارات : أعلنت الحملة على الإخوان .

البحرين : لم يظهروا العداء للإخوان .

عمان : أظهروا العداء للإخوان وقبض على بعضهم وحكم على بعهم بالإعدام وخفف للسجن.

قطر : تركوا الحرية للإخوان شأنهم شأن الكويت .

كان بها ثلاثمائة ألف شخص رافعين المصاحف فى هدوء وسكينة ..خلاف جحافل الاوتوبيسات التى منعت من دخول القاهرة وقت الجنازة وهى مليئة بالإخوان ,وهذا يدل على الكم العددى الهائل للإخوان .. ويعطى فكرة عن انتشار هذه الدعوة رغم مرورها بتاريخ طويل من القهر والسجون والمشانق والمعتقلات والتعذيب منذ عهد الملك فاروق ..

علاوة على عدد هائل مماثل من أعضاء الإخوان القدامى وقد كبر سنهم وضعفت صحتهم ولازالوا على ولائهم للدعوة ,وإيمانهم بها وارتباطهم ودياً بعضهم ببعض .. رغم أنهم الآن ليسوا أعضاءً فى التنظيم ..ومنهم من أرتبط بأعمال حرة أو نشاطات أخرى شغلته .

وهناك عدد آخر ضخم من المحبين لهذه الدعوة ورجالها .. ويتعاطفون معهم ..ومنهم الأدباء والمفكرون والكتاب والسياسيون والشبا ـ داخل مصر وخارجها ـ .

ظاهرة عجيبة

وهناك ظاهرة عجيبة ملفتة للنظر .. وهى أن شباب هذه الدعوة وشيوخها ـرجالاً ونساءًـ مترابطون ومتوادون ومتراحمون ومتزاوجون ..يحنو كبيرهم على صغيرهم ,وغنيهم على فقيرهم , وقويهم على ضعيفهم .. مجاملاتهم لبعضهم البعض فى الأفراح والمآتم والمناسبات المختلفة ملفتة للنظر ..وترى طلابهم فى الجامعات مترابطين ومتعاونين فى تحصيل العلم وتبادل الكتب والمذكرات .

والذهاب إلى رحلات الترفيه البريئة مع عائلاتهم وكذلك فى المصايف والرحلات العلمية ورحلات الحج والعمرة ..والصيام الجماعى وتلاوه القرآن وتجويده .. ويرعاهم كذلك أساتذة لهم على شاكلتهم .. مما يثلج الصدر ,ويفرح النفس .. فهذا يحمى الجنسين من الانحراف .. فى هذا المجتمع الملىء بما يغضب الله من محرمات وتجاوزات .

كانت أول كتيبة من الجيش المصرى تطوعت فى حرب فلسطين تضم :

1ـ المقدم أ.ح\ أحمد عبد العزيز ـمن سلاح الخيالة "إخوان مسلمون ".
2ـ المقدم مهندس \محمد زكريا الوردانى ـالأشغال الهندسية .
3ـ نقيب \عبدالمنعم عبدالرءوف ـمشاة "إخوان مسلمون " (حكم عليه عبد الناصر بالإعدام) .
4ـ م.أول \كمال الدين حسين ـمدفعية "إخوان مسلمون " .
5ـ م.أول \حسن فهمى عبدالمجيد ـمدفعية .
6ـم .أول \ مصطفى كمال صدقى ـالمخابرات .
7ـ م. أول \ معروف الحضرى ـالإمداد والتموين "إخوان مسلمون" (سجن وعذب أيام عبد الناصر).
8ـ م .أول \خالد فوزى ـالمدفعية .
9ـ م .أول \حمدى واصف ـ الإمداد والتموين .
10ـ طبيب وجراح \ د.محمد حسين غراب "إخوان مسلمون " اُعتقل وعذب فى السجن الحربى 1954م أيام عبد الناصر.

وقد تجمعوا بالعريش وتقابلوا مع الشيخ محمد فرغلي ـ عضو مكتب الإرشاد للإخوان المسلمين " أعدمه عبد الناصر ", والصاغ محمود لبيب ـقائد عام جوالة الإخوان المسلمين وعضو مكتب الإرشاد ووالأستاذ محمود عبده ـقائد متطوعى الإخوان المسلمين فى بئر سبع ـ تقابلوا ونسقوا فيما بينهم خطة التحرك والهجوم سوياً , وقامت كتائب الإخوان المسلمين ومتطوعوها بخوض المعارك الضارية ضد اليهود بشجاعة وبسالة وكانت مضرب الأمثال .. واستشهد منهم عدد من الشهداء الأبرار .. لقد كانوا يمثلون جبهة الرعب ضد الصهاينة , وشهد القادة المصريون ببسالتهم وشجاعتهم وتضحياتهم .

وكان أول شهيد من الإخوان هو الشهيد (فتحى الخولى )من إخوان شعبة القلعة بالقاهرة ,استشهد فى خان يونس ودفن بها ,وشهد أحد زملائه أنه سمعه عند احتضاره يقول (هبى هبى رياح الجنة) .

ـوكانت هناك معركة شهيرة وهى معركة (التبة86) وكيف استمات اليهود فى الإستيلاء عليها ومنعوا قوات الجيش المصرى من استردادها , واستشهد كثير من الضباط والجنود المصريين ,فما كان من (اللواء أحمد المواوى ) قائد القوات المصرية إلا أن استنجد بقوات متطوعى الإخوان المسلمين الذين أبلوا بلاءً حسناً , وكانوا دروعاً بشرية , حتى استردوا التبة من اليهود الذين لاذوا بالفرار مذهولين خائفين من رجال الإخوان المسلمين الذين سقط منهم شهداء بالعباسية ومكتوباً على قبورهم : (شهداء الإخوان المسلمين فى معركة التبة 86).

ويأمر النقراشي ـرئيس وزراء مصر ـوبتحريض من إنجلترا وبعض الدول الاستعمارية ـبإصدار قرار بحل جماعة الإخوان المسلمين ـ أمر النقراشي باعتقال جميع المتطوعين فى فلسطين ,وسحب الأسلحة منهم وأودعهم معتقل أنشىء فى رفح ,وكان من اعجيب أن قائد هذا السجن هو (الصاغ حسين حمودة) أحد الضباط الأحرار من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين دون أن يدرى النقراشي .

وكان قائد القوات المصرية (اللواء فؤاد صادق باشا ) فى منتهى الآسى والأسف ,معلناًعن تقديرة الكامل لبسالة متطوعى الإخوان وأعلن أنه طلب من الحكومة المصرية الإنعام عليهم بالأوسمة والنياشين التى رفضها الإخوان رغم أن الحكومة لم تنفذ هذا الطلب .

كما طلب معاشات لأسر الشهداء من الإخوان , ولكن الحكومة لم تفعل ذلك ورحلتهم بعد ذلك من معتقل رفح إلى معتقلات الطور ,وهاكستيب وسجون مصر المختلفة .

والعجيب أنه أثناء معركة التبة 86 ـ أفرج القائد عن بعض المتطوعين من سجن رفح وقاموا بالاستيلاء على التبة واستردها اليهود .. ثم عادوا إلى معتقلاتهم .

وقد شهد كل من ( اللواء أحمد المواوى باشا ) ,( اللواء فءاد صادق باشا ) أمام محكمة الجنايات فى (محاكمة قضية سيارة الجيب ) شهادة مسجلة , أشادوا فيها ببطولة الإخوان المسلمين وتضحياتهم وبسالتهم وشهدائهم فى حرب فلسطين , وهى شهادة ناصعة رائعة .. والعجيب أن رئيس المحكمة التى حاكمتهم (المستشار أحمد كامل ) انضم للغخوان المسلمين بعد إصدار حكمه .. وقال كلمته الشهيرة : [ حاكمتهم .... وأصبحت منهم ] .

وقام النقراشي باشا بالاستيلاء على أموال الجماعة ومصادرة ممتلكاتها وحل شركاتها وإغلاق دورها,والاستيلاء على مدارسها ومستشفياتها وجميع مؤسساتها الاقتصادية والإعلامية بأمر عسكرى وبصفته حاكماً عسكرياً .

وأودع جميع أفرادها السجون والمعتقلات بجبل الطور وصحراء هاكستيب وسجون مصر , تنفيذاً لتوصيات الإنجليز , والعجيب أنهم تركوا مرشد الإخوان حسن البنا دون اعتقال ,تركوه يتحرك فى القاهرة مراقباً , وكان هذا نتيجة لأمر دبروه مبكراً لقتله والتخلص منه , وكانت هذه التصرفات سبباً فى اقتناع بعض أفراد الجهاز السرى للإخوان بقتل النقراشي .

وكان حسن البنا قد استقال من وظيفته فى مايو 1946م ليتفرغ لشئون الدعوة ,ولمناسبة صدور جريدة الإخوان المسلمين يومياً ,وقد خصصوا له مرتباً شهرياً ليستعين بها على المعيشة , ولكنه رفض ـ وبعد ذلك أنشأ مجلة الشهاب الشهرية , وخصص له أربعون جنيهاً شهرياً فقط من أرباحها ـ وهو مثل ما كان يتقاضاه فى وظيفته الحكومية , وكان يقوم كل ثلاثاء بإلقاء درس أسبوعى فى دار المركز العام للإخوان وكانت تحضر مجموعة كبيرة من طوائف الشعب والمثقفين وأساتذة اللجامعات والأطباء والمهندسين والصحفيين وشباب ورجال الأزهر ,كما كان يحضر السفراء من الدول العربية والإسلامية وضباط الجيش والشرطة مرتدين الزى الرسمى .

النظام الخاص : الجهاز السرى للإخوان المسلمين

أدرك حسن البنا كقائد للإخوان المسلمين أن أعداء الدعوة وعلى رأسهم الإنجليز واليهود وأذنابهم من الحكام المصريين ـ الذين هم اليد التى يبطش بها المستعمر , ـ أنه لابد أن تكون الجماعة قوية ذات شوكة لايسهل إلتهامها ,وعلم أن الإنجليز يساندون اليهود ويسلحونهم ويتعاونون كل التعاون مع عصاباتهم , فوقر فى قلبه أن قضية فلسطين هى قضية الإخوان المسلمين ولا مفر من ذلك , وأنها حقيقة واقعة ومؤكدة , وأنه لابد من معركة فاصلة بين الإخوان واليهود لتحرير فلسطين وإنقاذ المسجد الأقصى , وقال فضيلتة إن اليهود هم مجموعة من العصابات , وأدرك فضيلته أن الحكومة المصرية والحكومات العربية حكومات هزيلة وضعيفة ومتواطئة مع الإنجليز واليهود ,وأن الدول العربية ليس لها جيوش إلا الجيش المصرى وهو من الهزال والجهل والضعف وعدم الخبرة فى ذلك الوقت ما يجعله لا يستطيع أن يقوى على مواجهة عصابات اليهود المدربة أحدث وأقوى تدريب على حرب العصابات وفنون القتال المختلفة , كما أنهم يحاربون من أجل عقيدتهم ( من النيل إلى الفرات .. دولة إسرائيل ) ,فكانت عندهم شحنة روحية هائلة .. فكان ذلك حافزا ًلحسن البنا على تكوين (الجهاز الخاص ) للإخوان المسلمين على أن يحاط بالسرية المطلقة . ويختار أعضاؤه اختياراً دقيقاً , وتكون له برامج ثقافية وتربوية مركزة , وكذلك تدريبهم على أحدث وسائل حرب العصابات والتكتيك الحربى والمصارعة اليابانية وإلقاء القنابل والمتفجرات وخلاف ذلك .

  • وكان برنامج النظام الخاص كما يلى :

1ـ تكوين أسر من خمسة أفراد مع تسلسل القيادة إلى أعلى مع ا شتراكهم الظاهرى فى كل نشاطات الجماعة .

2ـ دراسة عميقة الجهاد فى الإسلام كما جاء فى القرآن والسنة ودراسة التارخ الإسلامى.

3ـ عمل برنامج مكثف من العبادات والصيام وقيام الليل وحفظ القرآن وتلاوة وتفسيراً .

4 ـ التدريب على الأعمال الشاقة بمختلف صورها .

5ـ التدريب على توزيع المنشورات والتخاطب والتراسل بالشفرة .

6ـ التدريب على استعمال الأسلحة والمتفجرات بأنواعها .

7ـ المبالغة فى السمع والطاعة فى المنشط والمكره وكتمان السر .

واختير الأخ الأستاذ (محمود عبدالحليم ) لقيادة النظام الخاص , ولكن نظرأً لظروف بعدة عن القاهرة ومعيشته فى محافظة البحيرة , فقد أعتذر عن هذه المسئولية ,واختير المرحوم الأستاذ (عبدالرحمن السندى ) رئيساً للنظام , وكان ذلك سنة 1940م , وكان تمويل هذا النظام من جيوب أعضائه .

وكان أفراد النظام يشترون الأسلحة من تجار السلاح الذين كانوا يحصلون عليها من الصحراء الغربية ,وكانت هناك الحرب بين قوات المحور " ألمانيا وإيطاليا " من ناحية والإنجليز ومجنديهم من الهنود والاستراليين والآفارقة من ناحية أخرى ,وهؤلاء كانوا يبيعون السلاح لهؤلاء التجار الذين يبيعونها للإخوان .

واتسعت أسر النظام الخاص وانتشرت تنظيماته من القاهرة إلى كل أقاليم مصر .

وكانت أول عملية للنظام الخاص فى القاهرة , فى ليلة عيد الميلاد وكان ( النادى البريطانى )يكتظ بالجنود الإنجليز وهم يسكرون ويعربدون ,وكانوا يسيرون دائماً فى شوارع القاهرة وهم فى حالة سكر يهتكون أعراض المصريات ويحطمون المحال ويقتلون الأبرياء ويعتدون على الحرمات , وجأر المواطنون المصريون بالشكوى للسلطات المصرية من عبث هؤلاء الجنود واستهتارهم بكل القيم ..ولم يكن يجرؤ أى مسئول أن يحاكم هؤلاء الإنجليز على أى تجاوز من جنودهم ..وكأننا غرباء فى بلدنا , فقام الجهاز الخاص السرى للإخوان بتفجير قنبلة داخل النادى البريطانى ,وكانت رسالة موجهة..فأصيبوا بالهلع والزعر وعلموا أن هناك رجالاً وطنيين فى مصر يثأرون لكرامة شعبهم , وأن حياتهم أصبحت مهددة وأن الطريق أمامهم لن يكون سهلاً , وقبض على بعض الإخوان مثل الأخ (محمود نفيس حمدى ) والاخ (حسن عبدالسميع) وهم من أعضاء النظام الخاص .

وكان الصاغ (محمود لبيب ) الأب الروحى للضباط الأحرار والمشرف على الجناح العسكرى للإخوان المسلمين .. وهو المسئول عن تنظيم هذة التدريبات العسكرية للنظان الخاص , وكان ممثل الإخوان فى لجان الإتصال بين الإخوان والجامعة العربية فى إعداد متطوعى الإخوان لحرب فلسطين ,وقد لعب فى حرب فلسطين 1948م دوراً خالداً وتاريخياً .

وقامت السلطات المصرية بالتعاون مع السلطات البريطانية بتلفيق قضية لبعض أفراد النظام الخاص أمثال المهندس (عبدالسلام فهمى ) الذى كان يعمل مهندساً فى الطرق والكبارى وعين فى آخر أيامه نائباً لرئيس جامعة الأزهر بعد حصوله على الدكتوراه من إنجلترا , وكذلك الأخ (جمال الدين فكيه ) و حيث قام المجلس البريطانى بطنطا الذى كان يعمل كمركز ثقافى إنجليزى فى الظاهر ولكنه فى الحقيقة كان مركز تجسس بادعاء أن الإخوان يعدون جيشاً للترحيب بمقدم (روميل ) القائد الألمانى الشهير وأنهم يحدثون بلبلة فى الأفكار ويعدون عناصر معادية للحلفاء , ولما كانت البلاد فى حالة حرب مع الأعداء فقد طالبت النيابة بإعدامهم ولكن القضاء المصرى الشامخ النزيه حكم ببرائتهم دون اعتبار لأى ضغوط من الإنجليز , وترافع عنه متطوعاً مجموعة من خيرة المحامين فى مصر ليدافعوا حقيقة عن هيئة الإخوان ورسالتها مثل السادة ( محمد على عليوه باشا , وعبدالرحمن البيلى بك ,ومحمد فريد أبو شادى بك , وعمر التلمسانى , وعلى منصور ) .

ومن الغريب أن القانونى القدير الأستاذ (على بدوى بك ) عميد كلية الحقوق استقال من منصبه لا ليترافع عن المتهمين وإنما ليعطى مشورته القانونية لهيئة الدفاع ,ولكنه فى آخر الأمر ترافع مرافعة تاريخية عن المتهمين .

• وأستميح القارىء عذراً فى سرد قصة قصيرة ولكنه ذات دلالات كبيرة , وهى خاصة بأحد أعضاء النظام الخاص وكيف تمسك بمبادىء دينه الحنيف دون هيبة أو وجل ,هو الأخ "طاهر عبدالمحسن "فقد حصل على بكالوريوس التجارة وأعلنت وزارة المالية عن مسابقة للتعيين فيها وحددت ميعاد الاختبار الشخصى وقت صلاة الجمعة فذهب إلى الوزارةمحتجاً ومعترضاً , وطلب مقابلة المسؤل عن الامتحان للتعبير عن إعتراضه , وفوجىء بأن المسؤل عن الامتحان هو وزير المالية ـ شخصياً ـ واستقبله الوزير وحدث بينهما مشادة , وأصر كل منهما على رأيه ..ورد الوزير رداً وقحاً مستهزئاًبالدين وبصلاة الجمعة , فثار عليه طاهر ولعنه علناً وخرج تاركاً المسابقة ,وكان هذا الوزير هو (أحمد ماهر باشا ) وكان ماسونياً برتبة "القطب الأعظم )وكان لا يصلى .

وترك طاهر عبدالمحسن الوظيفة رغم الأزمة الشديدة فى الوظائف فى تلك الفترة .

وقام المحامى الشاب [محمود العيسوى ] بقتل أحمد ماهر وهو رئيس الوزراء , فى البهو الفرعونى فى البرلمان ,لإعلانه الحرب على المحور ,وترافع عنه [على بدوى بك ] مرافعة تاريخية أمام محكمة عسكرية دفع ببطلانها , وقال فى آخر مرافعته موجهاً كلامه للمحكمة العسكرية ؛ فإن حكمتم برفضه فإنى سأبكى على المبادىء القانونية أحر البكاء ,وإن نبذتم دفاعى وقضيتم بإعدام المتهم فإنى سأبكى من بعده أخلاقه النبيلة .. وحال هذه الأمة .

قضية السيارة الجيب

لعبت المصادفة دوراً عجيباً فى ضبط السيارة الجيب وقضيتها المعروفة .. وانكشفت بسببها بعض قيادات التنظيم السرى وخططه ومعداته وأفراده ـوهذه إرادة الله عز وجل ـ وكانت من أخطر الوقائع وأبعدها أثراً على دعوة الإخوان والكشف عن أسرارها لجهات الأمن .

كان لى زميل فاضل هو (عادل النهرى) وكان طالباً بإعدادى طب قصر العينى وكانت له شقة بحى الدمرداش بالعباسية يستأجرها .. وكان النظام قد أودع فيها بعض معداته وأدواته وسجلاته ,وقام النظام الخاص باستئجار شقة يحتفظ فيها بهذه الأسلحة من مسدسات وقنابل يدوية ومتفجرات وتوصيلات كهربائية لشحنات ناسفة وبعض الدراسات وأوراق الإجابة لامتحانات مراحل النظام , وكانت هذه الشقة يتدرب فيها أفراد النظام الخاص بالقاهرة استعدادا ًلمحاربة اليهود فى فلسطين والإنجليز فى القنال .

ورأى قادة النظام أن يتخلصوا من هذه الشقة , وكان عادل النهرى يريد نقل هذه المحتويات من منزله لظروف خاصة به .وصادف أحد أفراد النظام وهو الأخ [أحمد عادل كمال ] الذى كان أخيراً عضو مجلس إدارة بنك فيصل والعضو المنتدب للمصرف الإسلامى صادف [الأخ مصطفى كمال ] وهو من أفراد النظام الخاص ومعه عربة جيب مستعمله اشتراها حديثاً من الجيش الإنجليزى وهى لازالت بدون أرقام وقد وافق الأخ مصطفى كمال على هذه المهمات من منزل عادل النهرى إلى مكان آخر .. وحملت المهمات إلى السيارة وكانت حمولة فوق طاقتها وكانت بطارية السيارة ضعيفة حيث كانت تتوقف أثناء دورانها .

وأثناء إفراغ الحمولة فى المكان الجديد ..تصادف أن كان أحد المخبرين فى البوليس السياسى متزوجاً من سيدة تسكن فى هذا المنزل ,فارتاب فى الحمولة التى بالسيارة عند تفريغها ,واختفى المخبر , ولكنه فى الحقيقة ذهب للإبلاغ عن حمولة السيارة .وشك الأخوة فى ذلك ,وكان شكهم فى محله ,فأعادوا الحمولة بمنتهى السرعة للسيارة الجيب ,ووجدواصعوبة فى إدارة محركها فتركوها وانطلقوا هاربين , ووراءهم المخبر يصرخ ويستحث المارة قائلاً :[يهود !! يهود !!] وقبض المارة على اثنين من الأخوةوأوسعوهم ضرباًظانين أنهم يهود .

وقُبض على الباقين بعد مداهمة بعض الشقق ,وقبض أيضاً على الأستاذ (مصطفى مشهور ) المرشد السابق للإخوان المسلمين عندما كان يسير ومعه حقيبة جلدية بها مجموعة خطيرة من أوراق النظام الخاص ,وذهب البوليس ليفتش بيت مشهور ,ليجد مصادفة بعض قادة النظام فى انتظاره فقبض عليهم وهم : الأخوة "أحمد حسانين " , " محمود الصباغ " , "أحمد زكى حسن " , وتأخر"عبدالرحمن السندي "عن الحضور ,والذى انصرف عندما وجد البوليس يحاصر المنزل , وبذلك سقطت هذه المجموعة الثميينة من قيادات النظام الخاص فى يوم واحد . وأودعوا قسم الوايلى ,وحضر النقراشي باشا رئيس الوزراء بنفسه لينظر إليهم فى حضورمسئولى الأمن السياسى والنيابة .

وتولت النيابة التحقيق ..وأحضر البوليس السياسى شهودا ًزوراً من المخبرين.. وانتهت المحاكمة بأحكام سجن لمدد متفاوتة على المتهمين .

وخلاصة القول إن ضبط هذه السيارة بمحتوياتها كانت نقطة تحول تاريخية مهمة فى كشف أسرار جماعة الإخوان المسلمين وأساليب التربية فيها , وكيفية تنظيماتها وتشكيلاتها السرية والعسكرية , فقد استعان رجال الأمن السياسى مختلف ظروف حل الجماعة واعتقال أعضائها بالأسرار الموجودة فى هذه المستندات .

وبعد ضبط السيارة الجيب وانكشاف بعض أسرار النظام تم تقسيم قيادات النظام الخاص إلى ثلاث تنظيمات مستقلة [البوليس ] مسئول عنه الصاغ صلاح شادي , [القسم المدنى ]مسئول عنه عبدالرحمن السندي وتنظيم [الجيش ] مسئول عنه عبدالمنعم عبدالرءوف .وقد أشرك الشهيد حسن البنا معه الضابط أبوالمكارم عبدالحي زوج بنت الحاج أمين الحسينى لإحداث درجة من التوازن نظراً لأن عبدالمنعم عبدالرءوف كان جسوراً مندفعاً ,أما أبو المكارم عبد الحي فقد كان أكثر التزاماًوتعقلاً واتزاناً .

والغريب أن رئيس المحكمة واجه اتهام النيابة للمتهمين بتهمة الاتفاق الجنائى على قلب نظام الحكم وتغيير دستور الدولة وشكل الحكومة بالقوة وإتلاف سيارات وأسلحة الجيش وتخريب المنشآت وقتل عدد من المصريين والأجانب وتعريض حياة الناس وأموالهم للخطر وتعطيل وسائل النقل وإتلاف الخطوط التلغرافية والتليفونية الحكومية وإقامة محطات سرية للإذاعة اللاسلكية وغير ذلك من التهم الغريبة .

وحضر شهود النفى ومنهم [الحاج أمين الحسينى] المجاهد الإسلامى ومفتى فلسطين, ولم ينادى عليه حاجب المحكمة ولكن ضباط البوليس اصطحبوه عندما حان دوره للشهادة واجلسوه على كرسى أمام المنصة , وشهد ببطولة الإخوان فى حرب فلسطين 1936 , وأنهم جمعوا السلاح والذخيرة وقاتلوا هناك بأنفسهم حتى النهاية .

وقال إن حسن البنا أخبره أنه قلق من تخاذل بعض الجيوش العربية وما لمسه من دسائس ترمى إلى تسليم فلسطين لليهود . ولذلك فهو يفكر فى إرسال عشرة آلاف متطوع إخوانى إلى فلسطين وأنه سيعرض الأمر على الحكومة المصرية لتموينهم بالسلاح اللازم , فإذا رفضت الحكومة فسيكلف شُعب الإخوان بجمع السلاح كل بطريقته . وأنه كان جاداً فى قوله وكان ذلك بعد الهدنة الأولى فى 11\6\1948م , واتهم الحاج أمين الحسينى حكومة النقراشي باشا بأنها استولت على أسلحة الهيئة العربية العليا ورفضت إعادتها إليهم .

وشهد اللواء أحمد فؤاد صادق باشا قائد عام حملة فلسطين أن الإخوان كانوا جنوداً أبطالاً أدوا واجبهم على أحسن ما يكون , وأن اليهود كانوا يبحثون عن مواقع الإخوان ليتجنبوها فى هجومهم , خوفاً منهم ورهبة . وأنهم قاموا بأعمال بطولية حتى بعد صدور قرار الحكومة بحل الإخوان واعتقالهم , وأنه اضطر بعد ذلك ـ حسب تعليمات النقراشي ـ أن يضعهم تحت حراسته الخاصة , وعاملهم معاملة كريمة واعتبرهم زملاء ميدان , ولكن الحكومة قامت بإعادتهم من ميدان القتال بفلسطين إلى المعتقلات بمصر .

ـ وشهد اللواء أحمد على المواوى باشا , أول قائد عام لحملة فلسطين أن الإخوان المسلمين سبقوا الجيوش النظامية فى الدخول إلى معركة فلسطين , وذكر أن القوات المسلحة كانت تعتمد عليهم اعتماداً كلياً فى العمليات الخاصة والأعمال البطولية المهمة التى يقوم بها أعضاء النظام السرى الخاص للإخوان.

وقدم الدفاع أثناء المحاكمة وثيقة تطلب فيها الحكومة الإنجليزية من حكومة النقراشي باشا حل جماعة الإخوان المسلمين يوم 20 نوفمبر1948م .

وقالت المحكمة فى حيثياتها "وحيث أنه من هذا يتبين للمحكمة أن أفراد هذه الفئة الاإرهابية لم يحترفوا الجريمة وإنما انحرفوا عن الطريق السوى , فحق على المحكمة أن تلقنهم درساً حتى تستقيم أمورهم ويعتدل ميزانهم .. على أن المحكمة تراعى فى هذا الدرس جانب الرفق فتأخذهم بالرأفة تطبيقاً للمادة 17 عقوبات نظراألأنهم كانوا من ذوى الأغراض السامية التى ترمى أول ما ترمى إلى تحقيق الأهداف الوطنية لهذا الشعب المغلوب على أمره!".

واجتمع سفراء دول الاستعمار فى فايد وتقدموا بمذكرة إلى النقراشي باشا طالبين حل الإخوان , وذلك لأن الحكومة والسراى والإنجليز والأحزاب بدأوا يشعرون بالقلق من عودة الإخوان كجيش مقاتل من فلسطين أظهر بسالة , وقد يفكر الإخوان فى عمل انقلاب فى مصر . وقام النقراشي بإصدار أمر عسكرى بحل الإخوان ومصادرة كل ممتلكاتها بصفته حاكماً عسكرياً .

اغتيال المستشار أحمد الخازندار

كان للمستشار أحمد الخازندار رأى فى قنابل عيد الميلاد التى ألقيت على الجنود الإنجليز الخمورين , وهو شرعية الوجود الإنجليزى فى مصر بموجب معاهدة 1936م .

ولك أن تتخيل شعور الشباب الوطنى المسلم المجاهد نحو هذا المستشار ونحو رأيه ونحو المخاطر التى تنتظر هذا الشباب عند القيام ببعض العمليات الوطنية من إلقاء قنابل أو خلافه , ومن أحكام هذا المستشار والذى حكم بالفعل أحكاماً غاية فى القسوة على شباب وطنى قام بعمليات ضد الإنجليز .

وكانت فكرة فردية من قائد الجهاز الخاص وهو عبدالرحمن السندى , الذى قام بتكليف شابين من أفراد الجهاز وهما (حسن عبدالحافظ) ,(ومحمود سعيد زينهم ) للقيام بعملية إغتياله يوم 22\3\1948 , وأعدوا الخطة وتعرفوا على عنوانه , وقام حسن عبد الحافظ بإطلاق ثلاث رصاصات عليه بحلوان أثناء خروجه من منزله فى الصباح متجهاً إلى المحكمة , ولكنه أخطأه , فقام زميله مجمود زينهم ـ الذى كان سيغطى هروبه ـبطرحه أرضاً, فقد كان بطلاً فى المصارعة اليابانية , وأفرغ فيه مسدسه ـ فى صدره ـ فقتله , وهرب الاثنان إلى جبل المقطم وقبض عليهما وأنكرا معرفتهما بالحادث أو الاشتراك فيه .

وقد باتا ليلتهما السابقة فى منزل عبدالرحمن السندى رئيس الجهاز الخاص .

وقال لى المهندس حلمى عبدالمجيد ـ أمد الله فى عمره ـ:

ويشهد الله أن حسن البنا لم يعلم بهذا القرار , وبالتالى لاأوصى به , ولا وافق عليه .بل تبرأ إلى الله منه , وعنف عبدالرحمن السندى تعنيفاً شديداً .

وعلى أثر الحادث استدعى فضيلته الأخوة دكتور عبدالعزيز كامل والدكتور حسين كمال الدين والمهندس حلمى عبد المجيد ـ أعضاء مكتب الإرشاد ـ وقال لهم احكموا بينى وبين عبدالرحمن السندى فى هذة القضية .

ثم وجه السؤال لعبدالرحمن قائلاً : من الذى أمر بقتل المستشار أحمد الخازندار؟ فرد السندى قائلاً : فضيلتك ..فاندهش المرشد وقال : أنا ؟!كيف؟؟.. فقال السندى : عندما حكم المستشار على شباب الحزب الوطنى بأحكام غاية فى القسوة بسبب اعتداءاتهم على الجنود الإنجليز بالمتفجرات .. ولأنه قال فى حيثيات حكمه :أن الإنجليز أصدقاء مصر .. وفى نفس الجلسة حكم بالبراءة على سيدة عذبت خادمتها عذاباً وحشياً .

فقلت لفضيلتكم : ألا يستحق هذا المستشار القتل ؟ فلم ترد على فضيلتكم ..فاعتبرت أن سكوتكم موافقة على التنفيذ .. وأمرت بتنفيذ العملية .

فصرخ حسن البنا قائلاً : من علمك هذا يا عبدالرحمن ؟ .. فرد قائلاً : هذه أصول النظام السرى , ويكفى أن يكون الأمر بالإشارة ..

فقال المرشد: وأى شيطان علمكم ما تدعون أنها أصول ؟ فلا هى فى الشرع أو الدين أو مذهب ولا سمعنا بهذا فى أى نظام .

ثم وجه المرشد الكلام لنا قائلاً : اشهدوا على ما أقول .. هذه الجريمة فى عنق السندى وهو الذى سيسأل عنها بين يدى الله .. أما إذا أنا أردت تنفيذ شىء كهذا .. فلابد أن آخذ موافقة قادة النظام الخاص مجتمعين .. ثم أكتب أمر بخطى وتوقيعى للمسئول لكى أحاسب فى الدنيا على ما أمرت به .. وآخذ جزائى ..ولا يسألنى الله سبحانه وتعالى فى الآخرة عن عمل كهذا.

ثم قال : حرام عليك ياعبدالرحمن .. لقد أسأت الدعوة إساءة بالغة ..أودى وشى فين من رجال القانون الذين يؤيدون الدعوة ويقفون بجانبها ..أودى وشى فين من المستشار حسن الهضيبي ..

وقام الجهاز السرى بعمل خطة لتهريب المتهمين من سجن مصر العمومى , ووضعت الخطة وعمل مفتاح للسجن والزنازين وسلالم متحركة وأعدت الأسلحة الأوتو ماتيكية التى أعدت ضد الأسلحة البدائية لعساكر السجن , وأعد المخدر الذى يوضع فى أكل العساكر ليلة التنفيذ , ولكن فجأة حدثت عملية ضبط السيارة الجيب وقبض على قيادة النظام .

والعجيب أنه كان من ضمن المضبوطات فى السيارة الجيب مفتاح السجن المميز وكذلك مفتاح الزنازين , ولم يفطن البوليس والنيابة لذلك .

وبعد قيام الثورة مباشرة عام 1952م أصدر عبد الناصر قراراً بالعفو عنهم وأفرج عنهم مع من أفرج من المتهمين فى قضايا سيارة الجيب واغتيال النقراشي ونسف المحكمة وقضايا الأوكار وغيرها من القضايا .

والعجيب أن أفراد الجهاز عندما شعروا بالخطأ كانوا يريدون دفع الدية لورثة الخازندار ولكن لم يتم .

اغتيال اللواء سليم زكى باشا حكمدار القاهرة

أذكر عندما كنا طلبة بطب قصر العينى ,أننا قمنا بمظاهرات ضد الحكومة وضد الاستعمار , وكان اللواء سليم زكى حكمداراً للقاهرة ..وكان شخصية قوية مرعبة ذات سلطان ونفوذ واتصالات على أعلى المستويات مثل الملك فاروق والإنجليز .

وكان يقود بنفسه حملة قمع المظاهرات بالشوارع , وأذكر أنه كانت له دبابة مكتوب عليها (سليم) كانت تقود قوات مكافحة المظاهرات , وجاءت الدبابة وفيها جنود مسلحون بالمدافع الرشاشة بقيادة سليم زكى باشا واقتحمت الباب الحديدى لمبنى كلية الطب بشارع قصر العينى وكان الطلبة قد أغلقوه بالجنازير , وأخذ سليم زكى باشا يطلق الرصاص على الطلبة داخل مبنى الكلية دون رحمة أو هوادة حتى أصيب بعض الأساتذة والطلبة إصابات بالغة .

ورأيت مجموعة من طلاب الكلية تكاد تعد على أصابع اليد فوق سطح مبنى قسم الفسيولوجى المكون من أربعة أدوار على يمين المدخل .. وإذا بأحدهم ـ أعنى أحد طلبة كلية الطب من زملائنا يفتح حقيبة جلدية . ويلقى قنبلة"صوت" وليست قنبلة شديدة الانفجار, وهى قنبلة من النوع الإيطالى , وألقاها على القوات المرابطة أمام مبنى الكلية , وسمعنا صوت انفجار هائل ونظرنا من أعلى المبنى وإذا بشظية من قنبلة الصوت تصيب سليم زكى فى رقبته حتى كأنها ذبحته , وكان يرتدى معطفاً أسود لأننا كنا فى فصل الشتاء (ديسمبر ).. وقد سقطت القنبلة بين قدميه .. وتركمت الشظايا داخل المعطف الأسود مما ساعد على إصابته وسقوطه ميتاً فى الشارع أمام المبنى , وهنا هاجت القوات البوليسية , ودخلت مبنى كلية الطب وأخذت تتعدى بضراوة على جميع من بداخل الكلية من أساتذة وموظفين وعمال وطلبة .

وأصيب أحد الأساتذة وهو الدكتور [مكاوى ] أستاذ البكتريولوجى إصابة جسيمة أفقدته إحدى عينيه , وأصيب مسيو[ديرى] أستاذ التشريح الإنجليزى إصابة جسيمة فى رأسه وأجريت له عملية (تربنة) وأصيب كثير من الأساتذة , مما أدى إلى تعطيل الدراسة إلى أجل غير مسمى ..وتقدم رئيس الجامعة وعميد كلية الطب والأساتذة جميعاً فى ذلك الوقت باستقالتهم احتجاجاً على تجاوزات رجال الأمن , وقُبض على جميع الطلبة المتواجدين بالكلية وأودعوا التخشيبة فى قسم السيدة زينب وقسم الخليفة وسائر أقسام الشرطة أعداد هائلة .

أما الذين ألقوا القنبلة التى تسببت فى قتل سليم زكى , فقد هربوا من الناحية الأخرى التى كانت تطل على النيل من خلف الكلية , وسبحوا فى النيل حتى وصلوا إلى الشاطىء الآخر ومعظمهم على قيد الحياة حتى الآن وفى مناصب مرموقة . ولم يكن المقصود بأى حال من الأحوال قتل سليم زكى باشا ولكنها الصدفة البحتة التى أوجدته فى مجال قنبلة الصوت التى قصد الذى ألقاها إرباك القوات وإبعادها عن اقتحام الكلية وضرب الطلبة بالرصاص , وكان بجواره عبدالرحمن عمار بك زكيل وزارة الداخلية والذى كتب المذكرة الشهيرة للنقراشى لحل الإخوان , وهذه شهادة لوجه الله وإحقاقاً للحق والتاريخ .

وبعد ذلك سويت الأمور وأُفرج عن الأساتذة والطلبة المعتقلين واستؤنفت الدراسة بالكلية وسحب العميد والأساتذة استقالاتهم بعد أن تقدمت الحكومة بالاعتذارات الكافية .. وكان الأستاذ الدكتور مكاوى الذى فقد عينه كان يلبس دائماً غطاءً أسود على عينه المفقودة حتى آخر يوم فى حياته , وغادر أستاذ التشريح الإنجليزى بعد شفائه مصر إلى غير عودة .

قضية الأوكار

سقطت السيارة الجيب فى أيدى البوليس فى 15\11\1948م , ثم قتل سليم زكى فى أول ديسمبر 1948م واصطدم البوليس بطلاب المدرسة الخديوية فى 6\2\1948م , وأخذت الحكومة تعتقل الإخوان , مما اضطر الإخوان إلى استئجار منازل لإيواء الهاربين من الشرطة والاعتقال , وسقطت بعض تلك البيوت وأُطلق عليها أعداء الإخوان ( قضية الأوكار ) وكان بهذه المنازل عدة أسلحة مخبأة .. وقد أستشهد فى هذه المنازل الأخ ( أحمد شرف الدين ) عندما هاجمت الشرطة أحد هذه المنازل فى حى روض الفرج وقتلته .

وفر الأخ المهندس الزراعى (يوسف على يوسف ) من البوليس الذى كان يطلبه , وكانت تسمى (قضية يوسف على يوسف )وهو الآن من كبار رجال الأعمال ومتزوج من شقيقة الوزير منصور حسن أحد رجال السادات , وقد اتهم فيها بعض الأخوة أذكر منهم المرحوم المستشار الفاضل ( محمد نبيل دكرورى ) نائب رئيس مجلس الدولة ومدير مكتب السيد عبدالمحسن أبو النور نائب رئيس مجلس الوزراء فيما بعد .. وقد كان والده المرحوم (محمد راغب دكرورى ) وكيل وزارة الداخلية , وأذكر أن نبيل دكرورى كان زميلاً لى فى مدرسة طنطا الثانوية وكان المرحوم والده مديراً لأمن الغربية , وقبض عليه الضابط (سعد الدين السنباطى )رئيس قسم الخصوص بمديرية أمن الغربية , قبض عليه يوم العيد بسراى والده مدير الأمن بطنطا ماشياً غلى قدميه فى شوارع طنطا لابساً بيجامة وحافى القدمين حتى أدخله سجن طنطا ولم يراع مركز والده أو صغر سنه .

كان النقراشي وإبراهيم عبد الهادي وهم رؤساء وزارات يتحدثون مباشرة تليفونياً مع الضابط السنباطى متخطين راغب دكرورى مدير الأمن .

وفى أحد هذه الأوكار بشارع النيل أمام كوبرى الملك الصالح فى مصر القديمة بفم الخليج , مر موكب مسئول كبير قادماً من المعادى متجهاً إلى القاهرة وحوله حراسة مشددة بالسيارات .

وقد كان المفروض أن يكون موكب (إبراهيم عبد الهادي باشا ) رئيس مجلس الوزراء , فأطلقت عليه الرصاصات بغزارة من هذا الوكر . ولكن تبين أنه (حامد جودة ) رئيس مجلس النواب الذى لم يصب بسوء .

ولكن هذا الحادث أحدث رعباً عند اللك فاروق , مما اضطره بعد ذلك إلى إسقاط وزارة إبراهيم عبد الهادي باشا , وتولى (حسين سرى باشا ) رئاسة الوزراة الذى أجرى انتخابات نجح فيها الوفد نجاحاً ساحقاً تحت شعار إساءة السعديين للأمة وإرهاب أبنائها و اعتقالهم .

وفى 8\12\1948م أصدر النقراشي أمراً عسكرياً بحل جماعة الإخوان المسلمين , بناءً على توجيهات من الحكومة الإنجليزية , واتجهت حكومة النقراشي إلى بيع قضية فلسطين والتراخى فى قضية السودان , وقامت مظاهرات واضطرابات كان الإخوان هم مثيروها فى محاولة لحمل الحكومة على عدم التفريط فى حقوق الأمة .

وقام النقراشي بالتنكيل بالإخوان المسلمين واعتقالهم ومصادرة أموالهم ومقارهم وشركاتهم ومؤسساتهم بحقد دفين .. كتب فيه نهايته فى 28\12\1948م حين اغتيل النقراشي باشا رئيس الوزراء فى عقر داره فى مبنى وزارة الداخلية على يد الأخ عبد المجيد أحمد حسن الطالب بكلية الطب البيطرى الذى تخفى فى زى ضابط شرطة .. وذلك بخطة محكمة التنفيذ قام بها الجهاز السرى للإخوان المسلمين إيماناً منه بخيانة النقراشي للقضية الوطنية ولحقوق الشعب .

وكان مهندس العملية هو المرحوم ضابط الشرطة (أحمد فؤاد) الذى لم يكتشف إلا فى آخر مراحل التحقيق نتيجة التعذيب النفسى والبدنى للمتهم الأول عبدالمجيد أحمد حسن الذى أعترف عليه .. وكان ضابط بوليس منقول حديثاً من القاهرة إلى بنها , وقد فر من سيارة الشرطة بعد القبض عليه , وهرب إلى الحقول الزراعية مما أدى إلى قتله برصاص زملائه رجال الشرطة .

ونفذ حكم الإعدام فى عبدالمجيد أحمد حسن سنة 1950م أيام حكومة الوفد بعد رفض الالتماس بتخفيف الحكم , وحُكم على آخرين بالأشغال الشاقة المؤبدة , وأودعوا ليمان طرة وهم مقيدون بالسلاسل .. حيث كانوا يقطعون احجار جبل المقطم طول النهار ويحملونها على أكتافهم لنقلها إلى مكان آخر .. ومنهم الزميل الدكتور عاطف عطيه حلمى طبيب الأشعة ـ أطال الله فى عمره .

وف 13\1\1949م قام الأخ (شفيق أنس) عضو الجهاز السرى بالذهاب إلى دار محكمة استئناف القاهرة بميدان باب الخلق وهو يحمل حقيبة جلدية بها متفجرات , وانتحل صفة وكيل نيابة , ودخل المحكمة فى غرفة المحفوظات . وترك طربوشه والحقيبة وخرج لتناول الإفطار ثم العودة كما أخبر السعادة .. واشتبه السعادة فى الحقيبة وأخرجوها إلى الشارع وانفجرت فى الشارع , وبعد ذلك قبض على الأخ جمال عطية الذى كان يعمل ككاتب تحقيقات فى قضايا الإخوان بنيابة الاستئناف , فى قضية الأوكار.

وكان المقصود بهذه العملية هو طمس المعلومات وإحراق المستندات الخاصة بقضية السيارة الجيب التى كان ضبطها وبالاً على الإخوان المسلمين ,ولكن هذه العملية فشلت وقُبض على شفيق أنس بعد أن تعرف عليه الكلب البوليسى بعد أن شم طربوشه الذى تركه فى المحكمة , وكان شفيق أنس متهماً أيضاً بقضية النقراشي .

ولا أنسى عندما كنت طالباً بكلية الطب أننى كنت أرى ـأنا وزملائى الطلاب ـ جميع طلبة الطب المتهمين فى قضايا النقراشي والأوكار والسيارة الجيب والمعتقلين يحضرون إلى كلية الطب لحضور الامتحانات معنا .. وكان لكل طالب ضابط يحرسه وجنديان يحمل كل واحد منهما بندقية ,وأذكر الدكتور (عاطف عطية حلمى) طالب الطب الذى حصل على باكالوريوس الطب وهو محكوم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة فى ليمان طرة يقطع الأحجار نهاراً ويذاكر دروسه ليلاً حتى حصل على بكالوريوس الطب.

وأذكر منهم الزملاء الدكاترة ( أحمد الملط ) , ( عوض الدحة ) , (مصطفى أمين البطاوى ) , ( يحيى البطاوى ) الذى كان بعد ذلك وكيلاً لكلية طب قصر العينى , (عصام الشربينى ) , ( سالم نجم ) , ( صلاح عويضة ) , ( حسان حتحوت ) , ( عمر شاهين ) , ( عبدالفتاح شوقى ) , أحمد المنيسى ) الذى أستشهد فيما بعد فى حرب القناة .

أما بقية الإخوان الذين لم يكونوا طلاباً بكلية الطب فكانوا يحضرون إلى مستشفى قصر العينى فى القسم الخارجى أو الداخلى بنفس طاقم الحراسة .

وأذكر أيضاً الضابط الوطنى ( مصطفى كمال صدقى ) الذى حكم عليه بالسجن أيام الملك فاروق فى مؤامرة لقلب نظام الحكم وأُدخل بمستشفى قصر العينى للعلاج تحت الحراسة وكان متزوجاً من الفنانة "تحية كاريوكا " التى كانت فى منتهى الإخلاص له وكانت تزوره يومياً حتى فى السجن وتحضر له الماكولات .

أما المعتقلون أو المسجونون السياسيون الآن .. فقد تبدل الحال غير الحال .. وأصبح ممنوعاً على معظمهم زيارة الأهل داخل السجون والمعتقلات أمثال سجن (وادى النطرون ) أو (سجن العقرب ) أو(سجن شديد الحراسة ) وغير ذلك من المسميات الكريهة .

وأصبح الحال داخل السجون .. مهما كان ـ هو تدنى مستوى العلاج ـ حتى وإن سمح به ـ إمعاناً فى إذلال الإنسان لأخيه الإنسان .. وكم سقط شهداء بسبب ذلك داخل هذه السجون ـ ولله الامر من قبل ومن بعد ـ ورفع هؤلاء المعتقلون قضايا ضد الدولة فى القضاء الذى حكم بالإفراج عنهم وعدم قانونية اعتقالهم .. ولكن للأسف الشديد هذه الاحكام لم تنفذ .وأحيطت كل هذه الإجراءات بالكتمان , وكذلك أحيطت أعدادهم ـ وهى بالآلاف ـ بالكتمان أيضاً , كما منعت عنهم زيارة الأهل لهم .. وهم على هذا الحال منذ أكثر من عشر سنوات ..

اغتيال حسن البنا

عندما حل النقراشي جماعة الإخوان المسلمين فى 8 ديسمبر 1948م قامت الشرطة باعتقال جميع أعضاء الجماعة ما عدا مرشدهم حسن البنا , وقد حدث فى إحدى المرات أنه رحمه الله ركب سيارة الشرطة مع المعتقلين إخوانه طالباً اعتقاله معهم , لكن رجال الشرطة منعوة بالقوة ..وسمعه الإخوان يقول لرجال الشرطة " إذا ًتريدون قتلى !!", وصدق حسه .. وطلب أن يقيم ببنها عند أحد الإخوان وهو الحاج (عبدالله النبراوى ) رئيس الإخوان فى بنها .. ولكن الحكومة رفضت وسحبت منه مسدسه المرخص وصادرته , وسحب التليفون من منزله , وأخذ رجال البوليس يتابعونه ويمشون وراءه فى كل مكان , وكان شقيقه (عبدالباسط البنا ) ضابط شرطة , فاستقال من الخدمة حتى يتفرغ لحراسة شقيقه ولكن الحكومة اعتقلته .

وحاول المرشد حسن البنا الاتصال بالحكومة لتهدئة الأمور ,وكان أول وسيط هو المحامى [ الوزير مصطفى مرعى ] فى لجنة ضمت [ صالح حرب باشا ] رئيس جمعية الشبان المسلمين وزكى على باشا الوزير السابق , والصحفى المرحوم الأستاذ [ مصطفى أمين ] ولكن مصطفى مرعى اعتذر بعد أن قام الإخوان بمحاولة نسف المحكمة وهى المحاولة التى حدثت من وراء ظهر حسن البنا , وثبت ان حسن البنا كان قد استؤذن فى تنفيذها ولكنه رفض بكل شدة , ولكن عند تنفيذها وضع الرجل فى أشد حالات الحرج .

وحاول البنا بعد ذلك الاتصال بالحكومة عن طريق الأستاذ ( محمد الناغى ) قريب إبراهيم عبدالهادي باشا رئيس الحكومة , وكان لقاؤهما يتم فى جمعية الشبان المسلمين بشارع الملكة نازلى , وكان عيد ميلاد الملك فاروق هو 11 فبراير 1949م , فقام الإنجليز والملك فاروق وأجهزة الحكومة ممثلة فى وزارة الداخلية بعمل خطة اغتيال حسن البنا ليكون الهدية المقدمة للملك فاروق فى عيد ميلاده , وتم ذلك بعملية فى غاية الغرابة .

ففى مساء 12 فبراير 1949م عندما كان الشهيد حسن البنا خارجاً بعد مقابلة الناغى فى دار الشبان المسلمين , وكان بصحبته صهره الأستاذ [عبد الكريم منصور] المحامى ,كان المرور مقطوعاً بأهم شارع وهو شارع الملكة نازلى , وكانت الإضاءة مقطوعة أيضاً والظلام دامساً , واستدعيت سيارة أجرة ليركبها البنا وصهره , وتقدم شخصان مسلحان وأطلق أحدهما النار من مسدسه على البنا داخل السيارة , وخرج البنا من السيارة وأمسك بتلابيب المجرم المعتدى الاثيم , وتقدم الثانى وأطلق النار على حسن البنا .. وعبرا الشارع وهربا فى سيارة كانت تنتظرهما .

واستطاع الأستاذ [محمد الليثى ] الموظف بجمعية الشبان المسلمين أن يلتقط رقم السيارة التى هرب فيها الجناة , واستطاع مراسل جريدة المصرى أن يحصل على الرقم من فم الليثى , وسارع به إلى الجريدة التى نشرته فى صباح اليوم التالى , وصودرت أعداد الجريدة وأحرقت جميع نسخها , فقد كان هذا الرقم هو رقم سيارة الأميرلاى [محمود عبدالمجيد] مدير المباحث الجنائية بوزارة الداخلية والذى كان مديراً لأمن سوهاج وكان معروفاً عنه أنه سفاح متعطش للدماء .

وسارع الصاغ [محمد الجزار ] الضابط بالقلم السياسى بالاتصال بمحمد الليثى ويطلب منه مشدداً عدم ذكر رقم السيارة , ويلح فى الطلب بضغوط شديدة وتهديد , وقام الليثى بإخبار اللواء صالح حرب باشا وزوجته بذلك . وقد أصيب أيضاً الأستاذ عبد الكريم منصور صهر البنا إصابة غير قاتلة .

وسار البنا وهو مصاب ومعه صهره سيراً على الأقدام وهو فى هذه الحالة الخطيرة إلى مبنى الإسعاف الذى يبعد خطوات عن مكان الحادث , ثم نقلته الإسعاف إلى مستشفى قصر العينى , وقام الصاغ محمد الجزار ضابط القلم السياسى بالذهاب فوراً إلى مستشفى قصر العينى وضرب حصاراً شديدأ حول حسن البنا , وتركه ينزف دون إسعاف .. حتى مات .

والعجيب أن حسن البنا طلب من الحاضرين إحضار الدكتور (محمد سليمان ) الأستاذ بكلية الطب وعضو مكتب الإرشاد .. ولكن أحداً لم يخبره .

وقام البوليس السياسى بإخبار والد الشهيد وهو الرجل المسن الشيخ [ أحمد عبدالرحمن البنا ] وخيروه بين أن تقوم الحكومة بدفنه أو أن يقوم والده بتغسيله ودفنه دون أى مشاركة من أى شخص .

ورفضت أجهزة الأمن استدعاء الحانوتى لتجهيز الجثة , فاختار والده أن يغسله بنفسه ويكفنه ووُضع بالنعش , وتقدم رجال الشرطة لحمل النعش والسير به , ولكن والده رفض , وقامت النساء الفضليات من الأسرة بحمل النعش حتى مسجد قيسون للصلاة عليه , ثم حملوه إلى مقابر الأسرة بالإمامين (الإمام الشافعى والإمام الليثى ) ,ورابط رجال الشرطة حول النعش , وأغلقوا نوافذ المنازل والمحلات حتى لايروا منظر هذه الجنازة والنعش الذى تحمله النساء ولايسير خلفه إلا رجل واحد مسن وبصحبته [ مكرم عبيد باشا ] الوزير القبطى والصديق الصدوق للشيخ حسن البنا الذى أبى إلا أن يشارك فى العزاء بنفسه .

واعتقل كل من رفع أصابعه للنطق بالشهادتين أمثال الأخوة [محمد يونس ] , [إبراهيم صلاح ] , [ محمد الغزالى الجبيلى ] وغيرهم , وأودعوا معتقل الطور مع مجموعة كبيرة من الإخوان الذين حاولوا العزاء فى فقيدهم أو الذهاب إلى منزله .

وأذاعت حكومة إبراهيم عبدالهادي باشا ـ بكل صفاقة وبجاحة ـ أن الإخوان المسلمين قتلوا مرشدهم , وحفظ التحقيق وقيدت الجريمة ضد مجهول .

وبعد انقلاب 23 يوليو 1952م قام جمال عبد الناصر بفتح ملف القضية وإعادة التحقيق فيها , وثبتت الجريمة على الأميرلاى ( محمود عبد المجيد ) مدير المباحث الجنائية , والضابط (محمد الجزار ) بالقلم السياسى , والمخبرين اللذين أطلقا الرصاص وهم ( أحمد حسين جاد ) و ( أحمد عبدالحميد ) وسائق السيارة (محمد محفوظ ) وحُكم عليهم بالسجن مع الأشغال الشاقة وانتحر (الضابط محمد وصفى ) أركان حرب رئاسة مجلس الوزراء وهو أحد المدبرين للحادث خوفاً من المحاكمة عندما انكشف أمره .

وبعد الخلاف بين عبد الناصر والإخوان سنة 1954م أفرج عنهم عبد الناصر وعفا عنهم نكاية فى الإخوان المسلمين .

وذلك رغم أن عبد الناصر بعد نجاح حركة يوليو قام بنفسه ومعه بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة بزيارة ضريح المرحوم الشيخ حسن البنا وقرأ الفاتحة عليه , وخطب خطبة كبيرة وصورت هذه الزيارة ونشرت فى جميع الصحف فى حينها . كما زاره اللواء محمد نجيب رئيس الجمهورية ومعه أيضاً بعض اعضاء القيادة .. ونشرت بالصحف أيضاً .. ومما يذكر أن حرم النقراشي بعد قتل البنا استقبلت المخبرين اللذين قتلاه ومنحت كلا منهما خمسين جنيهاً وبدلة من بدل زوجها النقراشي .

حوادث قام بها الجهاز السرى

1ـ محلولة نسف فندق الملك جورج بالإسماعيلية فى 24 ديسمبر 1946م .

2ـ نسف بعض المنازل فى حارة اليهود رداً على مذبحة دير ياسين .

3ـ حلقت [طائرة إسرائيلية ] فى سماء القاهرة أثناء ساعة الإفطار فى أحد أيام شهر رمضان وألقت قنابلها فى حى البرامونى بعابدين وهو حى فقير مكتظ بالسكان فهدمت كثيراًمن المنازل وقتلت عددأ كبيراًمن السكان المصريين , ورد عليهم الإخوان المسلمون بتفجير عبوة ناسفة الساعة الخامسة صباحاً 20\6\1948م وأعقبه بعد قليل انفجار عبوة أخرى تسببت فى وفاة أربعين يهودياً وإصابة 34 آخرين منهم .

كما حدث انفجار آخر بحارة اليهود الساعة الثانية والنصف مساء يوم 22\9\1948م بوضع (ترسكل ) به مواد متفجرة بشارع قاعة النهضة , وتهدمت منازل اليهود وقتل 14 شخصاً وأصيب 54 آخرين .

4ـ انفجار بمخزن شيكوريل بحلمية الزيتون الساعة التاسعة مساء يوم 28\9\1948م ولم يصب مصرى واحد ـ وشيكوريل شركة يهودية ـ .

5ـ نسف شركة الإعلانات الشرقية وهى شركة يهودية ,وذلك الساعة السادسة والربع صباح يوم 22\11\1948م , ولم يصب أحد .

6ـ انفجار فى محل داود عدس اليهودى بشارع عماد الدين يوم 28\7\1948م ولم يصب مصرى واحد .

7ـ انفجار شديد بمحل بنزايون اليهودى بشارع قصر النيل فى العام نفسه ولم يصب مصرى واحد .

8ـ انفجار شديد خلف محلات جاتينيو اليهودى بشارع محمد فريد فى العام بفسه ولم يصب أحد .

وهذه العمليات الانتقامية حدثت عن قناعة الجهاز السرى للإخوان المسلمين بأن هذه هى اللغة الوحيدة التى يفهمها اليهود .. وترهبهم .. كما أعتبروها رداً على مذابح دير ياسين وضرب حى البرامونى بعابدين , ونسى المزيفون للتاريخ والحاقدون على دعوة الإخوان المسلمين من المصريين وغيرهم من الأجانب ذلك ..ووصفوا الإخوان المسلمون بأنهم إرهابيون ( كبرت كلمةً تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا) [الكهف :5] .

هذا هو المنطق العملى والرد الفعلى على إرهاب اليهود وسفكهم للدماء وانتهاكهم للأعراض والحرمات , وهذة هى اللغة الوحيدة التى يفهمها اليهود الصهاينة ؛ دفاعأ عن إخوانهم المصريين الذين لاتحميهم حكوماتهم , بل وتتآمر عليهم بالاتفاق مع الإنجليز واليهود .

برامج النظام الخاص السرى للإخوان المسلمين

(1) القرآن الكريم : تلاوة جزء يومياً, حفظ سورة آل عمران تجويداً وتفسيراً , علوم القرآن .

(2) الحديث والسنة :حفظ أربعين حديثاً صحيحاً (رواية ومُخرخة ومعرفة معانيها ) , رسالة فى علم الحديث .

(3) السيرة : نور اليقين للعمال , وابن هشام للطلبة .

(4) الفقه :فقه السنه "سيد سابق "الأجزاء الثلاثة .

(5) الدعوة : الرسائل الثلاث , التعاليم , الأسرة .

(6) الرياضات الروحية : المأثورات يومياً , ورد الرابطة , ورد الاستغفار , ورد المحاسبة , كتيبة شهرية على الأقل , جدول المحاسبة ويشمل : صلاة الفجر, الرياضة البدنية , القرآن الكريم , المأثورات , ورد الرابطة , الاستغفار , الكتيبة , عدد صلوات القضاء .

(7) طبوغرافيا .

(8) إسعاف .

(9) قانون .

(10) مصارعة يابانية : " رسالة وعملى " .

(11) سويدى : " عشرون دقيقة يومياً " .

(12) أسلحة صغيرة : "" شرح عملى " .

(13) حرب عصابات , ومفرقعات , وتكتيك ميدان .

(14) معلومات عامة : زيارة المتاحف والاماكن العامة مثل دار الآثار , المتحف الحربى , المتحف الصحى , المتحف الزراعى ,متحف السكة الحديد , دار الآثار العربية , دار الكتب المصرية , حضور جلسة فى محكمة الجنايات .

(15) دراسات عملية : السباحة , التجديف , الدراجة , الموتوسيكل , الجرى , القفز , شد الحبل , رحلة كل ستة شهور .

هذا هو البرنامج الكامل للمرحلة الأولى مقسمة على اثنى عشر شهراً , أما برنامج [ المرحلة الثانية ] فلم يتم نظراً لظروف الإخوان السيئة , وكان من المفروض أن يتم اعتباراً من مايو 1935م حتى أبريل 1945م .

وهذه عينة من برامج الغخوان المسلمين فى تربية الشباب المؤمن , فى نظام خاص , فريد فى أشخاصه , فريد فى أهدافه , رهبان بالليل فرسان بالنهار, وهم العدة للجهاد ضد العدو من يهود أو مستعمرين , وهم عدة بناء أوطاننا , ومشروعاتنا العملاقة , وهم الحماية لبقة الشباب من الانحراف والانحلال والشرذمة والجريمة , وهم البناء المتين الحقيقى لمجتمعنا المتداعى المتهالك عديم القيم .. فأين هم الآن ؟!! واحسرتاه !!

وجاءت حكومة (حسين سرى باشا ) بعد سقوط وزارة إبراهيم عبد الهادى باشا بعد سوء الحال على يد الملك فاروق , وقام حسين سرى باشا بإجراء انتخابات فاز فيها حزب الوفد فوزاً كاسحاً , وكان شعاره محاربة الاعتقالات ومنح الحرية .. كل الحرية للشعب , وألف الوفد الوزارة برئاسة زعيمه الجليل [ مصطفى النحاس باشا ] .

وفى جلسة مجلس النواب , بعد تولى حسين سرى باشا رئاسة الوزراء, طالب ( مكرم عبيد باشا ) الحكومة بالإفراج عن المعتقلين من الإخوان المسلمين وإلغاء الأحكام العرفية , وقام حسين سرى باشا بإلغاء المصروفات السرية التى كان يصرفها [ عبدالرحمن عمار ]وكيل وزترة الداخلية لنفسه ولأعوانه , ونقله وكيلاً لوزارة المواصلات , وفرح الشعب بهذا القرار فرحاً شديداً .

وفى 17\9\1951م أصدر مجلس الدولة حكماً تاريخياً بوقف بيع المركزالعام للإخوان المسلمين بواسطة الحكومة , واعتبار جماعة الإخوان المسلمين موجودة قانوناً , ونشرت جريدة المصرى على صفحاتها :

قام الإخوان فى 17\9\1951م بفتح الركز العام للإخوان المسلمين , وقاموا بأداء صلاة المغرب جماعة , ثم توجهوا إلى قبر الإمام الشهيد حسن البنا وقرأوا الفاتحة عليه .

وحكم مجلس الدولة بجلسة 30\6\1952م برئاسة المستشار (السيد على السيد بك ) وكيل المجلس بإلغاء الأمر العسكرى الخاص بحل جماعة الإخوان المسلمين , وإلغاء كل الآثار المترتبة على هذا الحل وتسليمهم أموالهم وشركاتهم ومقراتهم وجميع ممتلكاتهم .

الفصل الثالث حكاية المرشد الثانى

ظلت الدعوة لمدة عامين , بعد اغتيال الإمام الشهيد حسن البنا , بدون مرشد عام يسوس أمور الجماعة ويقودها , وبعد سقوط إبراهيم عبدالهادي باشا أخذت الدعوة تلم شملها من جديد كأن شيئاً لم يحدث , وبدأت تزاول نشاطها بكل همة , وكانت هناك هيئة قيادة مؤقتة تدير شئون الجماعة بصفة عامة , وذلك من خلال منزل [ المستشار منير دلة ] عضو مكتب الإرشاد , خاصة بعد الإفراج عن المعتقلين ,وكان من ضمن من أُفرج عنهم العالم الجليل [ الشيخ أحمد الشرباصى ] وكان يخطب الجمعة فى مسجد المنيرة , وكانت جموع الإخوان تزحف إلى هذا المسجد ويمتلىء عن آخره وتمتلىء معه جميع الشوارع المحيطة به بالجموع الحاشدة من الإخوان وغيرهم , وكان الشيخ الشرباصى رجلاً مؤمناً وعالماً جليلاً وخطيباً بليغاً ذات صوت رخيم لا أنساه ما حييت .

وبعد الصلاة يتعانق الإخوان ويتوادون ويترابطون , حتى أن إخوان الأقاليم كانوا يحضرون وفوداً ويتعرف الجميع من كل محافظات مصر على بعضهم البعض .

وكان هذا هو المسجد الوحيد فى القاهرة الذى يجتمع فيه الإخوان المسلمون , وكان البوليس السياسى يندس مع المصلين فى هيئة مخبرين الذين كانوا دائماً ينكشف أمرهم لأن الإخوان يعرفون بعضهم بعضاً .

والحق يقال أن حزب الوفد فى تلك الأيام كف عن الهجوم عن الإخوان المسلمين , وكانوا معهم فى ود دائم حتى أن الإخوان أيدوا الوفد تأييداً جارفاً فى انتخابات 1950م , وقام الوفد بحملة صحفية كشف فيها عن مخازى السعديين أيام حكمهم وما فعلوه فى الإخوان من تعذيب وانتهاك للحرمات والأعراض وفضائحهم التى ظلت مستورة لمدة عام حتى كشف الوفد حقيقتها بعد توليه الحكم .

واتجهت الأنظار إلى قيادات الدعوة لاختيار مرشد عام جديد , ورشح البعض عبدالرحمن البنا شقيق الإمام , ورشح البعض عبد الحكيم عابدين زوج شقيقته , ورشح البعض الآخر صالح عشماوي , ورشح البعض الشيخ حسن الباقوري.. وكل له أنصاره , وتعددت الآراء وأخذ أعضاء مكتب الإرشاد فى البحث والتفكير المتواصل للعثور على الضالة المنشودة ,حتى هداهم الله إلى اختيار المستشار حسن الهضيبي .. القاضى الفاضل العادل , وكان آن ذاك مستشاراً بمحكمة النقض والإبرام , ولم يبق له فى الخدمة إلا سنتين .. وكانت النظرة إليه أنه رجل مثقف ,واسع المعرفة ذو شخصية قوية مقنعة , صقلته التجارب والأيام , مشهود له من كل الجهات التى تعاملت معه طوال حياته بالاستقامة والعقل الراجح .. وهو أولاً وأخيراً من رجال القضاء المصرى الشامخ الذى أنصف الإخوان المسلمين فى محنتهم .

وفاتحه الإخوان فاعتذر لظروفه الصحية , نظراً لأنه كان قد أصيب قبل ذلك بانفجار فى شرايين المخ وعولج وشفى , وأعفاه زملاؤه فى المحكمة من العمل الشاق حفاظاً على صحته .

وقام مكتب الإرشاد بعمل لقاءات مختلفة من قيادات الإخوان فى الأقاليم للاجتماع به ,وازدادت جموع الإخوان اقتناعاً به .. رغم تكرار اعتذاره وإصراره على رأيه , وذهب إليه وفد من الإخوان فى منزله بالإسكندرية , من الأخوة [عبدالعزيز كامل ] , [عبدالعزيز عطية ] ,[عبدالقادر عودة ], [ محمود عبد الحليم ] وحاولوا بكل قوة إقناعه بالقبول ؛ ولكنه اعتذر قائلاً إنه يشعر أن أقرب معاونيه وهم أعضاء مكتب الإرشاد مختلفون فى آرائهم .... وصحته لا تستطيع أن تتحمل ذلك .

وهنا انبرى أحد الإخوان الحاضرين وهو الشهيد يوسف طلعت قائلاً له ..وهو يبكى بالدموع [ إننا نعلم ما تعانيه , ولكن الدعوة أعز علينا وعليك من أن نتركها بلا قيادة , وقد اتفقنا جميعاً من أن تكون قائدها , وإن كنا قد بايعنا على افتدائها , فلتفديها أنت كذلك , والله قادر على شفائك إذا استجبت لدعوته ..ولن نخرج من هذا المكان إلا بنزولك على رأى الإخوان الممثل فينا ] وانهمرت دموع الحاضرين , وابتسم الهضيبي والدموع تترقرق فى عينيه ويقول "لقد نزلت على رأيكم , وأسأل الله تعالى أن يعيننى " وتعانق الجميع , وأخطرت الهيئة التأسيسية للإخوان , وكان طلب الهضيبي : إصراره على أن يقوم الأعضاء جميعاً بالتوقيع على وثيقة بالموافقة على ترشيحه .. ووافق الجميع ولم يتخلف أحد عن التوقيع .

وتسلم حسن الهضيبي الأمانة الغالية والثقيلة , وأخذ يدير شئون الجماعة بعقل صاف , وحكمة بالغة .. وكان قليل الكلام .. فعندما يتكلم فإن لكل كلمة ميزان خاص .. ولم يكن خطيباً مفهوماً , أو داعية إسلامية مثل حسن البنا ؛ كان شخصية مختلفة تماماً , ولكن ...كان لديه إخلاص وعمق وإيجابية بلا حدود .

أذكر أن أحد زملائى من كلية الطب سأله أثناء حديث الثلاثاء فى المركز العام للإخوان المسلمين بالحلمية سؤالاً , ولم يكن هذا الزميل من أعضاء الإخوان المسلمين , سأله ( يا فضيلة المرشد هل الحب حلال أم حرام ) فأجابه رحمه الله قائلاً ( الحب الحلال حلال والحب الحرام حرام ) , ودُهش الطلاب لهذا الرد البليغ .. وانضم للإخوان المسلمين على الفور .

حسن الهضيبي المرشد العام الجديد

ويذكر الهضيبي عن نفسه أنه أثناء شبابه كان عضواً بجمعية سرية وطنية تسمى نفسها ( جمعية اليد السوداء ) وكانت برئاسه الزعيم " محمد فريد " رئيس الحزب الوطنى , وكان زملاؤه فى الخلية (حسن مختار رسمى باشا ) وكيل وزارة الماليه فيما بعد , و( مغازى البرقوقى ) الذى أصبح وكيل مجلس النواب الوفدى فيما بعد , و(أمين صدقى ) الذى أصبح محامياً لامعاً فيما بعد وحصل على الدكتوراه فى الحقوق , و(عبدالخالق عطية ) وكيل مجلس النواب فيما بعد , وكانت الجمعية السرية عبارة عن خلايا من خمسة أشخاص يعرفون بعضهم فقط , ولا يعرفون بقية الخلايا .

وقد قام أحد أعضاء الجمعية السرية وهو [ إبراهيم الوردانى ] باغتيال "بطرس غالى باشا " رئيس الوزراء لأنه اتفق مع الإنجليز على الحكم الثنائى بالسودان , وأراد تجديد اتفاقية قناة السويس .

وكان للهضيبى نشاط سياسى مستمر , وحدث نتيجة لذلك أنه فُصل سنة من كلية الحقوق , وفصل بعض زملائه نهائياً وآخرون لمدة سنتين , وذهب الهضيبي إلى "سعد باشا زغلول " واشتكى له , ووعده سعد باشا أنه سيبذل كل جهده لإلغاء القرار.

وتنبأ الهضيبي لسعد زغلول بقيادته لمصر ولثورة مصر 1919م وصدقت نبوءته .

وكان صديقاً صدوقاً للإمام حسن البنا , يجتمع له بين حين وآخر سراً وعلى انفراد للتشاور .. حتى بعد حل الإخوان , وكان يجلس معه فى دار الشبان المسلمين , وقد لاحظ الإخوان أن حسن الهضيبي بعد اختياره مرشداً كان يعرف كل تفاصيل الدعوة وأسرارها وتقييم قادتها , وذلك دليل على أن حسن البنا كان يفضى له بكل أسراره وهمومه ومشكلات الجماعة .

وفى عهده ذهبت كتائب متطوعى الإخوان المسلمين إلى الإسماعيلية والتل الكبير لمقاتلة الإنجليز فى معسكراتهم وأبلوا بلاءً حسناً واستشهد كل من الطالب "عمر شاهين " بكلية الآداب (19 سنة) . والطالب " أحمد المنيسى " بكلية الطب (19 سنة ) فى معركة ضارية بالتل الكبير قُتل فيها حوالى ثلاثين جندياً إنجليزياً .

وكان مشهداً مؤثراً لا أنساه عندما رأيت هذا الرجل العظيم المسن حسن الهضيبي يحمل نعش الشهيد عمر شاهين على كتفه وفى الطرف الآخر "الدكتور عبدالوهاب باشا مورو" الجراح العالمى ورئيس جامعة القاهرة, و "الدكتور عبدالله الكاتب " الجراح العالمى وعميد كلية الطب , يمشون على أقدامهم ويحملون نعش الشهيد فى مظاهرة هادرة من مبنى إدارة الجامعة بالجيزة حتى جامع الكخيا بميدان إبراهيم باشا حيث صُلى عليه ,واستمعنا جميعاً إلى خطبة تاريخية نارية بليغة مؤثرة غاية التأثير من الطالب المجاهد (حسن دوح ) زعيم طلاب الإخوان المسلمين بجامعة القاهرة وزعيم الفدائيين والطالب بكلية الحقوق , ولا أنسى قوله ( لقد استشهد الإخوان عمر شاهين وأحمد المنيسى وليستشهد فؤاد سراج الدين وزير الداخلية , وليستشهد مصطفى النحاس رئيس الحكومة , وليستشهد أكبر رأس فى الدولة ) .. يقصد الملك فاروق .

وكان المرحوم عمر شاهين يدرس لنا المصارعة اليابانية التى كان أحد أبطالها, وكان الشهيد أحمد المنيسى زميل دراسة وأخ فاضل يفيض بالرقة والإيمان والسماحة , وكان مصرا إصراراً عجيباً على التطوع والسفر إلى القناة .

وقام الإخوان ببطولات عظيمة فى الإسماعيلية ضد القوات الإنجليزية فى منطقة القناة , وكان يشرف على تنظيم وتمويل وتسليح كل هذه التشكيلات الفدائية من الإخوان [ المرحوم الشيخ محمح فرغلى ] عضو مكتب الإرشاد , والذى اعدمه عبد الناصر بعد ذلك سنة 1954م , واتهم أنه كان يخزن السلاح لقلب نظام الحكم !!

وكان الإنجليز يخصصون جواسيس لتقصى أنباء الإخوان المسلمين فى القاهرة و الأقاليم ومنطقة القناة , ليعرفوا تحركاتهم وأخبارهم , ونشر هذا الخبر فى حينه نقلاً عن وكالة " الأسوشيتدبرس " حتى أنهم كانوا يقولون أن بعض الفدائيين من الإخوان كانوا يجيدون الإنجليزية , والغريب أنه أثناء تشييع جنازة الشهداء عادل الغنام وأحمد المنيسى وعمر شاهين فى الزقازيق , تقدم أحد العمال المأجورين والمدفوعين إلى سرادق المشيعيين ووزع إعلاناً لأحد دور السنيما تعرض أحد الأفلام إلا أن اعتدوا بالضرب على العامل ودمروا دار السنيما ؟!

أليس المشيعون معذورين فى تصرفهم , وهل يعقل أن يوصفوا بالإرهابيين .

وفى هذه الأثناء توجه ( كريم ثابت باشا ) المستشار الصحفى للملك فاروق إلى منزل المستشار حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان وأخبره بأن الملك فاروق يطلب منه الحضور فى 21\11\1951م إلى قصر القبة لمقابلته والتحدث معه , فأخبره الهضيبي أنه لايستطيع أن يوافق على ذلك إلا بعد عرض الأمر على مكتب الإرشاد , ووافق مكتب الإرشاد , وهنا طلب كريم ثابت من الهضيبي ضرورة ارتداء بدلة الردنجوت عند مقابلة الملك , فأخبره الهضيبي أنه لا يملك بدلة ردنجوت ؛ فأرسل كريم ثابت باشا إلى الهضيبي فى منزله بدلتين لارتداء أحدهما , ولكن حسن الهضيبي أصر أن يقابل الملك بملابسه العادية حتى ولو أدى الأمر إلى إلغاء المقابلة , فأذعن كريم ثابت لأمر الهضيبي مكرهاً , وتمت المقابلة بقصر القبة واستغرقت خمساً وأربعين دقيقة ونشرت الصحف هذا الخبر , ولم يصرح فضيلته للصحف باى شىء عن هذه المقابلة علماً بأن هذه أول مرة يقابل فيها الملك شخصاً لا يرتدى الردنجوت .

وحضر الملك إلى مكتب السكرتارية وسلم عليه الهضيبي معتدل القامة شامخاً .. واخذه الملك من يده مصطحباً إياه إلى غرفة مكتبه , وجلس الهضيبي إلى جواره على كرسى وأحذ الملك يرحب بالهضيبي .. ووجه إليه الحديث قائلاً : لا أدرى لماذا يسىء الإخوان المسلمون الظن بى ؟ فلم يرد عليه الهضيبي ؛ وعد يقول : إننى مسلم وأحب الإسلام وأتمنى له الخير , وقد أمرت بإنشاء مساجد كذا وكذا فلماذا يكرهنى الإخوان ؟؟ ولم يرد الهضيبي أيضاً .

وعاد الملك يقول : إن الإخوان قد فهموا خطأ أننى أنا الذى أمرت بحلهم واعتقالهم , وباغتيال الشيخ حسن البنا , وهذا والله العظيم خطأ ولم أفعل من هذا شيئاً , والذى فعل ذلك هم السعديون , النقراشي وإبراهيم عبدالهادي , وفى اللحظة التى تمكنت فيها أقلت إبراهيم عبدالهادي , وامرت الوزارة التى عينتها بالإفراج عن الإخوان واستمر الملك فى استعراض تاريخه وما عمله من خير , ونسب كل عمل سىء لغيره .. وبين لحظه وأخرى يقول لماذا يكرهنى الإخوان ؟! .. إذن .. والهضيبي لا يرد ؟؟وقال الهضيبي إننى سهوت عن نفسى وتنبهت فوجت نفسى فى وضع عجيب !! وجتنى جالساً على الفوتيل واضعاً إحدى رجلى على الأخرى !! ففكرت فى الرجوع إلى الجلسة المناسبة ولكننى قررت ألا أغير هذا الوضع .. وظللت هكذا حتى إنتهاء المقابلة .. حين سأله الملك : ما رأيك ياحسن بك فى كل مل قلته , وفى أننى على استعداد أن أعمل للإسلام ؟! فرد عليه الهضيبي قائلاً : إننى سأعرض ذلك على الإخوان ونسأل الله التوفيق , ثم قام الملك وصافحه وأوصله حتى باب مكتبه حيث تلقاة كبار رجال القصر حتى رجع إلى المركز العام للإخوان المسلمين بالحلمية .

وقال الأستاذ الهضيبي وهو يقص أحداث هذه المقابلة بعد سنوات طويلة ..أنه كان يشعر وهو يجلس مع الملك أنه أمام طفل صغير ولم يشعر نحوه برهبة أو حتى احترام .

وبعد المقابلة بيوم واحد حضر إلى مركز الإخوان المسلمين كريم ثابت باشا ومعه صورة فاخرة للملك فاروق فى إطار فاخر ( مهداة إلى صاحب العزة حسن إسماعيل الهضيبي بك المرشد العام للإخوان المسلمين ) وموقعة بتوقيع الملك فاروق , وقدمها كريم ثابت إلى المرشد طالباً تعليقها فى مكتبه, وبعد خروجه رفض الهضيبي تعليقها فى أى غرفة فى المركز العام , ولا فى منزله , وكانت ملقاه فى غرفة الحمام فى منزله , وقال الهضيبي [ هذا هو مكانها ] .

حريق القاهرة 26 يناير سنة 1952م

فى أغسطس 1951م توقفت مباحث حكومة الوفد مع الإنجليز التى كان مقصوداً بها إلغاء معاهدة 1936 التى ثارت عليها الامة بأكملها وجميع طوائفها كما ثارعليها أيضاً الإخوان المسلمون .

وفى 8 أكتوبر 1951م وقف النحاس باشا على منبر مجلس النواب وأعلن إلغاء المعاهدة من جانب واحد ـ وهو جانب مصر ـ وقال مقولته التاريخية الشهيرة ( من أجل مصر وقعت معاهدة 1936م ومن أجل مصر أقوم اليوم بإلغائها )وكامن خطوة وطنية تاريخية موفقة أسعدت جموع المواطنين ونالت رضا واستحسان الجميع .

وظن الإنجليز أن هذا الإلغاء لن يترتب عليه أى لون من ألوان الكفاح المسلح أو القرارات التى تعوق الوجود البريطانى فى القناة .. إلا أن النحاس باشا أصدر تشريعاً بسجن كل عامل يستمر بالقاعدة البريطانية وكان عددهم خمسين ألف عامل . وقامت وزارة الشئون الاجتماعية بدفع رواتب هؤلاء العمال كاملة .. بعد نزوحهم إلى القاهرة , كما أصدر قراراً وزارياً بمنع السكك الحديدية من نقل أى مهمات إلى القاعدة البريطانية .

واحتج السفير البريطانى على الحكومة المصرية متهماً ضباط البوليس بأنهم يرتدون ملابس مدنية ويقومون بأعمال فدائية , فضلاً عن مصرع أكبر خبير إنجليزى فى شئون حرب العصابات .

وفى ديسمبر 1951م نشرت [ جريدة التايمز ] أن الجنود الإنجليز فى حيرة من جدوى الاحتفاظ بقاعدة عسكرية فقدت قيمتها بسبب النشاط المعادى الوطنى , وأن الجهاد الدينى تبدو ابعاده فى المنطقة بشرعية سفك دماء الجنود البريطانيين وهذا يجعل الأمور خطيرة للغاية .

وفى يوم 12 يناير 1951م نسف الإخوان المسلمون قطاراً بريطانياً محملاً بالجنود والأسلحة والذخائر , وقام بهذه العملية ( الأخ عبدالرحمن البنان ) فى قصة بطولية نادرة .

وقامت القوات البريطانية بافتعال معركة مع البوليس المصرى فى الإسماعيلية حفظاً لماء الوجه , وقتل سبعون جندياً مصرياً كما قتل أربعون جندياً إنجليزياً , وصدرت الأوامر لقوات بلوكات الأقاليم بالجيزة بالتوجه إلى الإسماعيلية كتعزيز للقوات هناك بقيادة الضابط ( عبدالهادى نجم الدين ) وفى ميدان الأوبرا تظاهر هؤلاء الجنود وحملوا قائدهم عبدالهادى نجم الدين على الأعناق وأخذوا يهتفون بسقوط الإنجليز وتجاوب معهم أفراد الشعب بما فيهم طلبة الجامعة , وسارت المظاهرة فى الشوارع .

ويوم 26 يناير 1952 على وجه التحديد وفى ميدان الأوبرا , انفلت الزمام من يد القائد الضابط عبدالهادى نجم الدين, وبدأ الجنود فى إشعال الحرائق فى المحلات التجارية الإنجليزية , واستمرت القوات فى إشعال الحرائق بفندق شبرد وغيره من الفنادق والمحلات الإنجليزية , وتضامن معهم طلاب الجامعة حتى أنه عندما صدرت الأوامر لقوات البوليس النظامى فى الشوارع والميادين للتصدى لهم رفضوا ذلك .

واندفع الطلبة الثائرون إلى السفارة الإنجليزية يريدون اقتحامها , ولكن رجال البوليس منعوهم وضربهم الطلبة بالطوب والحجارة , وتمكن الطلاب من إحراق ( المكتبة البريطانية ) فى السفارة , وتوجهوا إلى ميدان التحرير وأحرقوا ( مكتب طيران الخطوط البريطانية ) ثم توجهوا إلى ( بنك باركليز ) وسرقت منه أموال كثيرة , وتدخل الغوغاء ومحترفوا السرقة والإجرام وأخذوا فى سلب ونهب المحلات والبنوك , وهكذا بدأ حريق القاهرة ؛ إلا أن انتشار الحرائق فى اماكن مختلفة وسلبية رجال البوليس .. تركت الفرصة لعناصر متعددة لتفكر فى الاستفادة من هذه الكارثة ,ومن هذه العناصر بعض العناصر الوطنية , وبعض العناصر التخريبية المدفوعة ,وبعض العناصر من محترفى السرقة والنهب .

ونتساءل : هل كان هناك تدبير منظم ومحكم ومسبق لهذه الكارثة ؟

الجميع يوجهون الاتهام للإنجليز , أو الملك فاروق , أو حكومة الوفد ممثلة فى فؤاد سراج الدين ,أو أحمد حسين ممثلاً لبعض القوى الوطنية الثائرة ضد خيانة النظام , أو الجيش ممثلاً لبعض التنظيمات السرية الوطنية بقيادة جمال عبد الناصر , أو كل هؤلاء , وحتى الآن لم يجمع الناس على مسئولية جهة واحدة عن حدوث هذا الحريق .

يقول المرحوم الصاغ (صلاح شادى ) ضابط الشرطة وعضو مكتب الإرشاد للإخوان المسلمين وعضو التنظيم السرى لضباط الإخوان بل المسئول عنهم والصديق الصدوق لجمال عبد الناصر والضباط الأحرار .. يقول رحمه الله :

فى ظهر يوم 26 يناير 1952م وهو يوم الحريق اتصل به "عبد الناصر" تليفونياً وطلب منه سرعة الحضور إلى منزله لمقابلتة فى أمر هام , فذهب إليه صلاح شادى فوجده فى حالة من الاضطراب الشديد لم يعهدها عليه من قبل وطلب منه الإسراع فى نقل أسلحة وذخائر موجودة لدى الضابط ( مجدى حسانين ) عضو الضباط الأحرار .. وكانت موجودة فى مدرسة الأسلحة الصغيرة , لخوفه من تفتيش المكان كما ادعى , وكرر عبد الناصر سؤاله لصلاح شادى [هو صحيح الإخوان ما اشتركوش فى الحريق ده ] فأجابه بالقطع ـ بصفته مسئولاً ـ أن الإخوان لم يشتركوا فى ذلك .. لانه لايتسق مع مبادئنا وديننا . وكرر عبد الناصر سؤاله عدة مرات .

وتوجه صلاح شادى ومعه الاخوة ( المستشار منير دلة ) , ( والمستشار عبد القادر حلمي ) عضوا مكتب الإرشاد إلى مدرسة الأسلحة الصغيرة , والتقوا بالضابط ( مجدى حسانين ) وأخذوا منه الأسلحة ونقلوها إلى منزل المحامى (حسن العشماوى) عضو مكتب الإرشاد والصديق الحميم لعبد الناصر ونجل محمد العشماوى باشا وزير المعارف وزوج شقيقة المستشار عبد القادر حلمي , ونقلوها بعد ذلك إلى عزبة حسن العشماوى بالشرقية وقام جمال عبد الناصر بنفسه بالتخطيط للمخزن ودفن الأسلحة بنفسه حتى يتم حفظها وتخزينها بطريقة سليمة .

والعجيب أن عبد الناصر بعد ما تولى الحكم , قدم حسن العشماوى فى يناير 1954م للمحاكمة , بتهمة تخزين أسلحة لقلب نظام الحكم و وأدخله السجن الحربى .. وهى الأسلحة التى خبأها عبد الناصر عنده ووضعها كأمانة , رغم أنه سرقها من القوات المسلحة .

وأتساءل بهذه المناسبة : كيف نفسر الاضطراب الذى أصيب به عبد الناصر بعد حدوث حريق القاهرة , ولماذا أخفى هذه الأسلحة ؟! فإذا كان الأمر بعيداً عنه فلماذا يريبه ويدعوه إلى هذا الضطراب ؛ علماً بأنه مكث ثلاث ليال فى عزبة حسن العشماوى يخطط بنفسه المخزن الذى دفنت فيه الأسلحة تحت الأرض بثلاث أمتار , وكان يخشى تسرب الامطار فتتلف الأسلحة , وتم ذلك فى سرية تامة .

وذكر المرحوم ( حسن العشماوي ) فى كتابه الإخوان والثورة ( من صفحة 19 حتى صفحة 24 ) قرائن تدل على دور عبد الناصر فى هذا الحريق , إذ أنه وجد ضمن المواد التى نقلها عبد الناصر إلى عزبة حسن العشماوى مادة ( T.N.T ) وهى التى ثبت فى التحقيقات بعد الحريق وتم تحليلها معملياً بواسطة النيابة أنها المادة التى استُخدمت فى الحرق , ولا توجد هذه المادة إلا فى القوات المسلحة .

.. فما هو تفسيرك ذلك ؟ وقد قال عبد الناصر لحسن العشماوى بعد الحريق بمدة طويلة وقبل قيام الثورة : [ لقد كاد الأمر يفلت من أيدينا !!] .

وقد ذكر ( حسين توفيق ) أثناء وجوده فى سجن مزرعة طرة سنة 1976م وقبل الإفراج عنه بقليل .. أنه شاهد بنفسه جمال عبد الناصر يوم الحريق ينقل إلى سيارته أسلحة أخذها من محل سلاح بميدان الأوبرا .

وقد لا يكون عبد الناصر مدبراً للحريق , ولكن ممالاشك فيه وأكاد أجزم به أنه استغل أحداث الحريق .. والذى حقق فيه عبداللطيف البغدادى فى محكمة الثورة , ولم يتهم أحداً .. وقررأن الحريق حدث بسبب انفعال الجماهير وغضبها , وأن عدوى التخريب والتدمير سرت بعد ذلك بين الجماهير على اختلاف مشاربها , ولايغيب عن بالنا ما قاله عبد الناصر بالحرف الواحد فى خطاب 1960م فى حفل افتتاح مجلس الأمة بالنص :

" لقد كان حريق القاهرة أول بادرة للثورة الاجتماعية على الأوضاع الفاسدة , وحريق القاهرة هو تعبير شعبى عن سُخط الشعب المصرى على ما كانت ترزح فيه مصر من إقطاع واحتكار واستبداد رأس المال " .

وكان تعبير عبد الناصر عن رأيه فى حريق القاهرة مثار ذهول كل الناس , إذ أن الجميع يعتبرون هذا الحدث أبشع الجرائم ضد مصر .. فكيف يجعله عبد الناصر أول بوادر ثورته , ولقد أتاح الحريق للإنجليز وقف كفاح الشعب ضدهم فى القناة .. وأتاح للملك فاروق أن يعين الإنجليز على شعبه فى إسقاط حكومة الوفد الوطنية التى ساندت الشعب كل المساندة فى كفاحه الفدائى ضد الإنجليز .

وأثناء الوليمة المشهورة للملك فاروق فى قصر عابدين احتفالاً بولى عهده وأثناء الحريق تحدث [ فؤاد باشا سراج الدين ] وزير الداخلية تليفونياً إلى [ الفريق محمد حيدر باشا ] وزير الحربية طالباً نزول الجيش لحفظ الأمن ومنع انتشار الحرائق , ولكنه رد عليه قائلاً : إنه لابد أن يستأذن الملك .. وصدر الأمر من الملك الساعة الخامسة مساءً.. بعد استفحال الأمور وانتشار الحرائق , وطلب الملك من النحاس باشا إعلان الأحكام العرفية لتوريطه أمام الشعب , وفى نفس الوقت أقاله من منصبه كمرشد لمجلس الوزراء وعين رئيس وزارة جديدة ومنع نشاط الفدائيين , بل وطولبوا بتسليم أسلحتهم .

الفصل الرابع الإخوان .. والثورة

دور الإخوان فى ثورة يوليو 1952م

فى مطلع عام1944م تعددت لقاءات سبعة من الضباط بمنزل الضابط الإخوانى ( عبدالمنعم عبدالرءوف ) , وذلك بالسيدة زينب , وهم : اليوزباشى [[[عبدالمنعم عبدالرءوف]] ] , واليوزباشى [[[جمال عبد الناصر]] ] , واليوزباشى [كمال الدين حسين] ,والملازم أول [ سعد حسن توفيق ] , والملازم أول [ خالد محى الدين ] , والملازم أول [ حسين أحمد حمودة ] , والملازم أول [ صلاح خليفة ] , وحضر الاجتماعات معهم الصاغ [ محمود لبيب ] مسئول الجناح العسكرى للإخوان المسلمين , وتكررت الاجتماعات مرة كل أسبوع ,وكذلك فى منزل جمال عبد الناصر فى منطقة تقاطع شارع أحمد سعيد بشارع الملكة نازلى , وفى منزل كمال الدين حسين بالسيدة زينب , وفى منزل خالد محى الدين بشارع الخليج المصرى بالحلمية , ثم بمنيل الروضة ,ومنزل حسين حمودة بحمامات القبة , وذلك طيلة السنوات 1944م حتى 1948م , وانقطعت الاجتماعات من مايو 1948 بسبب حرب فلسطين .

وكان هؤلاء الضباط السبعة يمثلون الخلية الرئيسية فى تنظيم الإخوان المسلمين داخل القوات المسلحة , وكان الصاغ محمود لبيب هو الشخص الوحيد فى هذا التنظيم السرى الذى يعرف جميع المشتركين فيه بعد انتشاره , لأنه من المفترض ألا يعرف أعضاء التنظيم بعضهم بعضاً , اللهم إلا كل خلية من سبعة ضباط يعرفون بعضهم فقط .

وكان (محمود لبيب ) هو ضابط اتصال التنظيم فى الجيش والطيران , وكان بالنسبة لهم الوالد , يحاول بجهده ربط أكبر عدد من الضباط للعمل بشريعة الإسلام . وقد قال لى محسن عبدالخالق ـ وهو من قيادات الضباط الأحرار , وهو يشيد بدور الإخوان فى الثورة ـ : إن محمود لبيب علمهم جميعاً الأخلاق والقيم , بما فيهم جمال عبد الناصر .

وفى عام 1946م ذهبت أول خلية , وهم الضباط السبعة المذكورون , بالملابس المدنية إلى المركز العام للإخوان المسلمين بالحلمية الجديدة , وبعد تكامل عددهم قادهم العضو الضابط صلاح خليفة إلى منزل بحى الصليبية بجوار سبيل أم عباس بالسيدة زينب , وفى الدور الأول من المنزل نقر صلاح خليفة على الباب نقرة معينة , وقال" الحاج موجود ؟ " وكانت هذه هى كلمة السر , وفُتح الباب ودخلوا جميعاً حجرة بها ضوء خافت جداً مفروشة بالحصير وفيها مكتب على الأرض بدون أرجل , وكان هذا هو منزل الأستاذ صالح العشماوى وكيل جماعة الإخوان المسلمين .

وقاد صلاح خليفة الضباط السبعة واحداً بعد الآخر لأخذ العهد وحلف اليمين فى حجرة مظلمة يجلس بها رجل مغطى بملاءة لم تعرف شخصيته , كان يسأل كل واحد منهم : [ هل أنت مستعد للتضحية بنفسك فى سبيل الدعوة الإسلامية وإعلاء كلمة الله ] , فيرد الضابط "نعم " , فيقول [ امدد يدك لتبايعنى على كتاب الله وعلى المسدس ] فيضع العضو يده على المصحف وعلى مسدس ويبايع ويعد بعدم إفشاء أسرارها , ويرد الرجل المتخفى قائلاً : [ إن من يفشى سرنا فليس له منا إلا جزاء واحد هو جزاء الخيانة وأظنك تعرف جيدأ ذلك الجزاء] , وكان هذا الرجل الخفى هو الأستاذ صالح عشماوي , نيابة عن الشهيد حسن البنا .

وبعد ذلك عاودا إلى الحجرة ذات الضوء الخافت فوجدوا (عبدالرحمن السندى ) رئيس التنظيم الخاص بجماعة الإخوان المسلمين .

وذكر كل واحد منهم اسمه ليتعرف عليهم عبدالرحمن السندى .

وفى هذه الليلة اتفق السبعة مع السندى , على قيامهم بتدريب شباب الإخوان فى التنظيم السرى على إستعمال الأسلحة , وفعلاّ تم ذلك فى صحراء حلوان وجبل المقطم ومحافظة الشرقية والإسماعيلية , وكان التدريب الذى اشترك فيه جمال عبد الناصر وحسين حمودة يتم على الأسلحة الصغيرة مثل الطبنجات والبنادق والرشاشات القصيرة والقنابل اليدوية وأساليب النسف والتدمير بأصابع الجلجانايت , وأسلوب استخدام زجاجات المولوتوف ضد دبابات العدو , وكان التدريب يتم لرؤساء الخلايا فقط الذين يدربون بالتالى أعضاءها , وذلك إمعاناً فى السرية .

وقام عبد المنعم عبد الرءوف بتكليف ( حسين حمودة ) باغتيال ( أمين عثمان باشا ) الذى قال : إن مصر وبريطانيا تزوجا زواجاً كاثولوكياً لا طلاق فيه .

وكان المحرض الأول على ذلك هو الفريق عزيز المصرى . وتدخل محمود لبيب فى آخر لحظة ومنع حسين حمودة من تنفيذ العملية , خشية أن يؤدى ذلك إلى كشف التنظيم السرى للضباط , وقال محمود لبيب : إن تشكيلاً سرياً آخر سينفذ القتل فى هذا الخائن , وفعلاً تم ذلك بواسطة أنور السادات وحسين توفيق .

وانزعجت الحكومة البريطانية إزاء ازدياد حركات الفدائيين , مما أدى إلى الجلاء عن القاهرة والإسكندرية والتمركز فى منطقة القناة .

وبعد توقف نشاط تنظيم الضباط سنة 1948م بسبب حرب فلسطين .. ومات حسن البنا ومات محمود لبيب , وقام عبد الناصر بقطع صلته بعبدالرحمن السندى رئيس التنظيم السرى للإخوان المسلمين ,بعد أن استدعى إبراهيم عبدالهادي باشا رئيس الحكومة عبد الناصر بحضور عثمان المهدى باشا رئيس أركان حرب القوات المسلحة , وهدده بالابتعاد عن الإخوان المسلمين وإلا سيكون له معه شأن آخر , وأخبره أنه يعلم أن عبد الناصر يدرب شباب الإخوان على استعمال السلاح .. ولكن عبد الناصر أنكر ذلك .

وفى سنة 1950م قام عبد الناصر بإعادة تكوين التنظيم السرى للضباط , ( تنظيم الضباط الأحرار ) بدلاً من (تنظيم الإخوان المسلمين ) , واختلف مع عبدالمنعم عبدالرءوف فى نوعية الضباط الذين ينضمون إلى التنظيم , وأصر عبدالمنعم عبدالرءوف أن يكونوا متدينين يؤدون صلواتهم ولا يشربون الخمر ولايلعبون الميسر ويكونوا ملتزمين , ولكن عبد الناصر رفض هذا الرأى بكل شدة وقال : إن ذلك يعنى أننا سنقضى سنوات طوالا لتشكيل التنظيم من هذه النوعية .

وكان رأيه ضم أكبر عدد دون الالتزام بالناحية الأخلاقية , واحتكم عبدالمنعم عبدالرءوف وجمال عبد الناصر إلى أستاذهم الروحى الفريق [عزيز المصرى ] الذى أخبرهم برأيه فى هذا الخلاف .. أنه مادام الهدف واحد وهو الثورة وخلع الملك فليقم كل منكما بعمل التنظيمات بالنوعيات التى يراها , وتقوما سوياً بعد ذلك بالتعاون عند حدوث الثورة .

وكان هذا هو السبب الذى من أجله قام عبد الناصر بعد نجاح الثورة وعند حدوث بعض الخلافات والانقسامات بين الضباط الأحرار , أنه قال بالحرف الواحد : ( أنا لميتهم من الخمارات والكباريهات ) وأثبتت الأحداث بعد ذلك أنه لو كان عبد الناصر قد التزم بالناحية الأخلاقية والإسلامية فى اختيار نوعية الضباط الأحرار ما كان حدث ما حدث من انحرافات وتجاوزات وخيانات وسرقات , وما كان حدث من سلب ونهب واعتقالات وسجون , وتعذيب وهزائم ونكسات , لان هذا كله نتج عن البعد عن الله وتعاليم الشريعة الإسلامية والشورى , ونتج عن الأنانية وحب الذات والاستئثار بالسلطة والدكتاتورية من جانب عبد الناصر .

لقد قال عبد الناصر : انا أتفق مع محمود لبيب قبل وفاته على تسمية التنظيم بالضباط الأحرار حتى نبعد الشبهة عن الإخوان المسلمين , كما اتفق معه على أن يتم التنظيم الجديد ليس على أساس المعرفة والصداقة ؛ وإنما حسب الأسلحة والكتائب فى وحدات الجيش حتى يتم السيطرة على الجيش تماماً عند قيام الثورة .

وأخذ عبد الناصر من محمود لبيب ـ وهو على فراش الموت ـ كشفاً بأسماء كل الضباط الموجودين فى التنظيم السرى للإخوان المسلمين , وكذلك جميع اموال التنظيم ,وذكر محمود لبيب عبد الناصر بتبعيته للإخوان المسلمين وشدد على ذلك .

وقامت الثورة فى 23 يوليو 1952م بعد أن كان هناك سباق محموم بين الملك من ناحية وبين تنظيم الضباط الأحرار من ناحية أخرى بعد أن تسببت خيانة بعض أعضائه للملك فاروق عن طريق الحرس الحديدى وإغراءات المال والسلطة , حتى أن الملك قرر قبيل قيام الثورة القضاء عليهم قضاءاً مبرماً وفكر فى اغتيالهم بواسطة احرس الحديدى حتى أن أحد أعضاء الحرس الحديدى وهو الضابط ( سيد جاد ) وكان صديقاً عزيزاً للضايط ( جمال منصور ) ـ السفير فيما بعد ـ وهو من مؤسسى الضباط الأحرار ، ذهب سيد جاد سراً فى إحدى الليالى إلى صديقه جمال منصور واخبره أنه عائد لتوه من اجتماع الملك فاروق بأعضاء الحرس الحديدى وقد طلب منهم القيام بمراقبة الضباط الأحرار من الإخوان المسلمين فى الجيش تمهيداً لاغتيالهم واحداً بعد الآخر وبمنتهى السرعة كما حدث مع عبدالقادر طه وغيره ومثل الاعتداء على النحاس باشا عدة مرات , وقام جمال منصور بإخطار جمال عبد الناصر ليأخذ حذره هو وأعضاء التنظيم , وللأسف الشديد فى اليوم التالى مباشرة عاد سيد جاد لزيارة جمال منصور وأخبره أن الملك فاروق جمعهم مرة أخرى هذه الليلة ووبخهم لأن الخبر تسرب إلى جمال عبد الناصر وأنه علم ذلك من احد ضباط الحرس الحديدى , وكان فى نفس الوقت ضابطاً من كبار الضباط الأحرار . وقد قبض الثمن مبلغاً من المال من فاروق .

وبعد قيام الثورة أحال عبد الناصر الضابط سيد جاد على المعاش , رغم رجاء جمال منصور المتكرر بعدم فعل ذلك , وكان ذلك من ضمن أسباب اختلاف جمال منصور مع عبد الناصر مبكراً , وقال جمال منصور إن كمال الدين حسين أبلغ المخابرات الحربية عن المنشورات التى كان يوزعها الضباط الأحرار ضد الملك , وكذلك حسين الشافعى .

وانكشفت الحقيقة كاملة بعد قيام الثورة على يد السفير محسن عبد الخالق عضو الضباط الأحرار والذى كلفه عبد الناصر بعد قيام الثورة بالتحقيق مع يوسف رشاد قائد الحرس الحديدى عند اعتقاله بالكلية الحربية وكشف كل هذه الوقائع بالمستندات والتوقيعات .

وعدل الملك عن هذه الخطة , وهى خطة الاغتيالات , وطلب من حسين سرى باشا رئيس الوزراء تعيين اللواء حسين سرى عامر قائد سلاح الحدود والعدو اللدود للضباط الأحرار ـ طلب الملك تعيينعه وزيراً للحربية لكى يطيح بالضباط الأحرار الذين يعرفهم واحداً واحداً , وعلى العكس طلب حسين سرى باشا من الملك تعيين اللواء محمد نجيب وزيراً للحربية , فرفض الملك رفضاً باتاً , وأصدر الملك قراراً بحل مجلس إدارة نادى الضباط الذى يرأسه محمد نجيب واستقال حسين سرى فى 19 يوليو 1952م , وكلف الملك نجيب الهلالى بتشكيل الوزارة وعين صهره وزوج شقيقته [ إسماعيل شرين ] وزيراً للحربية بدلاً من حسين سرى عامر حتى لاتحدث مواجهة سافرة مع الضباط الأحرار .

وكان جمال عبد الناصر قبل ذلك قد اصطحب معه (حسين التهامى ) , و(كمال رفعت ) وذهبوا إلى منزل اللواء (حسين سرى عامر ) عدو الضباط الأحرار , واطلقوا عليه دفعات من طلقات مدفع رشاش فى حديقة منزله حتى اقتنعوا بوفاته , وذهبوا إلى منزل ( ثروت عكاشة ) لإخباره بالواقعة ولكنه ثار عليهم رغم أنه من الضباط الأحرار , وكان ضد فكرة الاغتيالات , وهذا ما أخبرتنى به المرحومة الحاجة سنية والدة ثروت عكاشة وحماة أحمد أبوالفتح ونحن فى منى أثناء الحج سنة 1966م .

وفى صباح اليوم التالى فوجىء عبد الناصر وصحبه بالصحف تنشر أن حسين سرى عامر نجا بأعجوبة من محاولة اغتيال , ولك أن تتصور ماذا كان سيفعل حسين سرى عامر بعد ذلك إذا تولى وزارة الحربية وماذا سيكون شأنه مع هؤلاء الضباط الأحرار .

وفى نفس الوقت فكر عبد الناصر بسرعة هو وصحبه فى القيام بعمليات اغتيالات سياسية لبعض الساسة فى مصر وهم الذين أفسدوا الحياة السياسية , وكان عددهم حسب اختيارهم يزيد على الثلاثين شخصاً من الشخصيات العامة والسياسية , واتفق جميع الضباط الأحرار على ذلك , ولم يشذ منهم احد على الإطلاق , وكان العائق الوحيد لهم هو عدم وجود العدد الكافى من السيارات للقيام بهذه العملية على وجه السرعة قبيل قيام الثورة مباشرة ـ وقد ذكر ذلك عبداللطيف البغدادى فى مذكراته ( ص 47 ـ الجزء الاأول ) مما اضطرهم إلى العدول عن هذه الفكرة .

وبعد اخذ ورد انتهى الرأى على سرعة قيام الانقلاب العسكرى .

كيف قامت ثورة يوليو ؟!

فى يوم 19 يوليو 1952م قسموا مراحل التنفيذ إلى ثلاث مراحل :

الأولى : السيطرة على القوات المسلحة .
الثانية : السيطرة على الجهاز المدنى للحكومة .
الثالثة : التخلص من الملك .

ويوم 18 يوليو 1952م طلب عبد الناصر من المستشار [ عبدالقادر حلمى ] عضو مكتب الإرشاد لقاءً عاجلاً , وتم هذا اللقاء فى منزل عبدالقادر حلمى بأول شارع الهرم بالجيزة حوالى الساعة الحادية عشرة مساءً وحضره مع عبد الناصر [ كمال الدين حسين ] , [ عبدالحكيم عامر ] وكانوا فى غاية الإنهاك والتعب والجوع وقالوا : إنهم لم يناموا منذ ثمان واربعين ساعة ولم يأكلوا شيئاً منذ الصباح وحضر من الإخوان (حسن العشماوى ) , (صالح أبو رقيق ) وأخبرهم عبد الناصر أن أسماء مجلس قيادة الضباط الأحرار قد عرفها البوليس السياسى , ولذلك فإنهم يرون وجوب الإسراع بالقيام بالانقلاب وأن يكون خلال عشرة أيام .

وسأل عبد الناصر إذا كان الإخوان موافقين ومستعدين للقيام بدورهم الذى سبق الاتفاق عليه , وتحمل المسئوليات بعد إتمام الإنقلاب وطلب رداً سريعاً , ولكن الإخوان أفهموه أن صاحب الكلمة فى هذه الأمور الخطيرة هو المرشد العام المستشار حسن الهضيبي وأنه موجود بالإسكندرية وأن الرد يحتاج على الأقل ثمانى وأربعين ساعة للسفر إليه لاستطلاع رأيه ـ وتحديد لقاء بعد ذلك ـ وسافر ( عبدالقادر حلمى ), ( صالح أبو رقيق ) , ( فريد عبدالخالق ) , ( حسن العشماوى ) واتفق على لقاء ( صلاح شادى ) بالقاهرة لانتظار عبد الناصر فى الميعاد المتفق عليه فى حالة احتمال تاخير عودة الإخوان من الإسكندرية , وهذا ما حدث فعلاً , وعندما حضر عبد الناصر فى الميعاد المحدد ( 20 يوليو ) تاجل اللقاء حتى يعود الإخوة من الإسكندرية .

وتحدد آخر ميعاد (21 يوليو ) للقاء عبد الناصر بالإخوان , واخبروه بموافقة المرشد حسن الهضيبي بشرط تطبيق شرع الإسلام فى الحكم , والاتفاق على المشاركة الكاملة بين الإخوان والضباط فى الانقلاب والمسئولية إزاءه , والتعاون فى تنفيذه وبعد نجاحه , واعطاهم المرشد الحق فى الاتصال بالإخوان لتنفيذ العمليات الخاصة بالانقلاب فى الوقت المناسب , والمشاركة فيه بما فيها من ضباط الجيش من الإخوان , ووافق عبد الناصر على جميع تحفظات المرشد العام , واكد قبولها وأنه سبق أن اتفق معهم عليها .

واخبرهم أنه تاكد تماماً ان البوليس السياسى عرف اسمه , ولذلك فقد اتفق معهم على قيام الانقلاب خلال يومين على الاكثر , وأنه سيخبرهم بساعة الصفر .

وانفرد صلاح شادى بعبد الناصر وتذكرا عهدهما السابق على المبادىء والأهداف والحكم بالشريعة الإسلامية واشهدا الله على هذا العهد بقراءة الفاتحة سوياً .

وقابل البكباشى عبدالمنعم عبد الرءوف المهندس حلمى عبدالمجيد ـ رئيس الجهاز السرى ـ مساء يوم 19 يوليو 1952م وطلب منه الذهاب فوراً إلى الإسكندرية لمقابلة فضيلة المرشد حسن الهضيبي وإخباره أنه بدأ التحرك لقيام ثورة بالجيش قريباً جداً , وأنه يمكن لضباط الإخوان إنجاح الثورة إذا وقفوا بجانبها أو إفشالها لو وقفوا ضدها . أو الوقوف على الحياد وتركها .. وقد تفشل وقد تنجح . وسأنتظرك باكر لمعرفة رد المرشد . وكان عبدالمنعم عبدالرءوف ـ قائد تنظيم الإخوان فى الجيش ـ هو وأبو المكارم عبدالحى معاً . وسافر حلمى عبد المجيد فوراً بقطار الصحافة وذهب لمنزل المرشد فى العصافرة بالإسكندرية فى الصباح الباكر وتناول معه الإفطار .. واصطحبه إلى كابينته بشاطىء العصافرة .. وفبل أن يبدأ الحديث أخبره أن أحمد عبدالغفار باشا الوزير السابق الدستورى على موعد معه بعد قليل , وعند حضوره سلم عليه وانصرف وعد إلى بعد انصرافه حتى لا يشعر بشىء .. وأبلغ حلمى عبدالمجيد رسالة عبدالمنعم عبدالرءوف للمرشد .. فقال المرشد : إننا شركاء فى هذه الثورة ..وقد اتفقنا مع عبد الناصر على تطبيق الشريعة الإسلامية وطلب من حلمى عبدالمجيد أن يبلغ عبدالمنعم عبدالرءوف وأبوالمكارم اعتذار المرشد أولاً .. لان الاتصال برجال الثورة لم يتم عن طريقهما حسب الأصول , وذلك لإصرارهم على أن يكون الاتصال بهم عن طريق مجموعة منير دلة وحسن عشماوى .. وأنه وافق مضطراً على ذلك حتى لا تضيع الفرصة . وطلب إبلاغهما أن يذهبا فوراً إلى جمال عبد الناصر ويضعا نفسهما هم وضباط الإخوان جميعاً تحت قيادة الثورة .

وطلب المرشد من المهندس حلمى وقيادة النظام الخاص إعداد الأسلحة اللازمة للتحرك بها بمجرد قيام الثورة لشن حرب عصابات على قوات الجيش البريطانى إذا تحركت من الإسماعيلية بطول الطريق الصحراوى للقاهرة . وأن يقوم جميع إخوان النظام بمحاصرة السفارات والمؤسسات الأجنبية الهامة لحمايتها من أى تخريب .. ثم قال فضيلته للمهندس حلمى : هل وعيت جيداً هذه الامور الثلاثة ؟؟ إنها مهمتنا المتفق عليها فى ليلة الثورة التى تحدد لها ليلة 21 , 22 يوليو .. وأن تفاصيل الخطة ستصل لفضيلته اليوم .. وإذا كان هناك جديد ستصلكم به تعليمات .

وعاد حلمى عبدالمجيد فوراً وقابل عبدالمنعم عبدالرءوف وأبلغه اعتذار المرشد وتعليماته بالضبط لتنفيذها , وسأل حلمى بعد نجاح الثورة عبدالمنعم عما حدث .. فقال : إن عبد الناصر فرح فرحة العمر عندما قابله هو وأبو المكارم وأبلغته أمر المرشد لهما .. وقام عبد الناصر بإسناد مهمة حصار مقر قصر التين وطرد الملك واستسلامه لعبدالمنعم عبدالرءوف وحصار قصر عابدين لأبوالمكارم عبدالحى .

وقد تأخر قيام الثورة 24 ساعة لأنهم تاخروا فى إرسال الخطة للمرشد الذى أصر أن يأخذ وقتاً كافياً للدراسة قبل أن يوافق وقد أثار هذا التأخير معظم أعضاء مجلس الثورة ولكن جمال عبد الناصر قال لهم : لايمكن أن نبدأ على الإطلاق قبل موافقة المرشد .. وإلا سنفقد السند الأساسى لنجاح الثورة .

واجتمع الإخوان الخمسة يوم 22 يوليو 1952م فى منزل صلاح شادى للدراسه والاتفاق على التصرفات الواجب عملها .. وبقى الاجتماع حتى الفجر .

وبعد صلاة الفجر اتصل حسن عشماوى بصلاح شادى تليفونياً . وطلب منه ارتداء ملابسه وانتظاره أمام المنزل للخروج سوياً , ولما حضر حسن العشماوى أخبر صلاح شادى أن عبد الناصر اتصل به تليفونياً من قيادة الجيش منذ قليل واخبره بنجاح الانقلاب , وأنهم استولوا على الامور , وأن هناك بعض المتاعب والعقبات وأنه لايخشى منها , وأنه طلب منه أن يتولى الإخوان دورهم , وأن يحضروا إلى عبد الناصر فى قيادة الجيش فى موعد معين , وأن يكلف أحد الإخوان المسلمين بالمرور على منزل عبد الناصر ليطمئن زوجته وأخاه على نجاح الانقلاب , لأنهما ينتظران هذه الرسالة بقلق بالغ , وقد تم تبليغ الرسالة المطلوبة لمنزل عبد الناصر بواسطة أحد الإخوان وهو الأخ ( إبراهيم بركات ) وكان يعمل بسلاح الصيانة وقتئذ ومن أعضاء الجهاز السرى للإخوان .

وقام شباب الإخوان بحراسة المنشآت الحيوية بالقاهرة ومنازل السفراء والسفارات الكبرى , كما قام شباب الجهاز السرى المسلح بحراسة مداخل القاهرة خاصة طريق القاهرة السويس الصحراوى خوفاً من تقدم القوات الإنجليزية نحو القاهرة لاحتلالها وإجهاض الثورة .

وقبض البوليس السياسى خطأ على بعض الإخوة , وأذكر منهم الأخ ( كمال حلمى ) الطالب بكلية الطب الذى كان يحرس منزل السفير الأمريكى بالمعادى وأفرج عنه عبد الناصر بعد ثلاثة أيام هو وزملاؤه .

وكان السادات ليلة قيام الثورة فى سينما الروضة مع زوجته جيهان ومعهم المهندس فتحى الفضالى وزوجته وكانوا أصدقاءً وافتعل مشاجرة وعمل مذكرة بقسم الشرطة واستشهد بفتحى الفضالى .

وقام الأخ ( عبدالمنعم عبد الرءوف ) ـ إخوان مسلمون ـ بمحاصرة قصر رأس التين بالإسكندرية وذلك بواسطة كتيبة تولى قيادتها بالقاهرة وتحرك بها عبر الطريق الصحراوى .. وضرب الحرس الملكى هناك بالمدافع واستسلم الحرس وقبض على الضابط ( عبدالله النجومى ) و ( عبدالمحسن مرتجى ) و ( محمد أحمد صادق ) ضباط الحرس وكبلهم بالحديد وسلمهم للضباط الأحرار .

وقام الأخ الضابط ( أبو المكارم عبد الحي ) ـ إخوان مسلمون ـ زوج كريمة الحاج أمين الحسيني مفتى فلسطين بمحاصرة قصر عابدين , وقامت جميع وحدات الجيش بتأييد الثورة فيما عدا القوات البحرية التى تأخرت نظراً لعدم وجود تنظيم للضباط الأحرار بداخلها .

ويذكر انه قبل قيام الثورة حدث حوار بين عبد الناصر و أعضاء الإخوان فى إحدى الجلسات , وكان محور الحديث هو الخوف من تدخل أمريكا وإنجلترا لإجهاض الثورة , فأكد الإخوان أن الإنجليز يرحبون بطرد الملك فاروق وبالثورة إذا حدثت وأكدوا ذلك من عدة مصادر , فلما سألهم عبد الناصر عن مصدرهم قالوا أنه (الدكتور محمد سالم ) رجل الأعمال وهو صديق دائم للإخوان إن لم يكن منهم وأنه على صله وثيقة بالسلطات البريطانية وبالوزير المفوض بالذات على أساس أنه أحد أصدقائه [ إيفانز] .

وأكد عبد الناصر من جانبه للإخوان تأييد الامريكان له إذا حدثت ثورة , ورفض أن يفصح عن مصدره , ومن هنا يتبين الصله المبكرة بين عبد الناصر والأمريكان قبل قيام الثورة والتنسيق بينهما .

وبعد نجاح الحركة أرسل المرشد حسن الهضيبي إلى الضابط جمال عبد الناصر يطلب إليه ضرورة إخراج الملك من البلاد , وفى الحال استدعى الأخ اللواء عبد المنعم عبد الرءوف من العريش وكلفه ـ بناءً على رغبة المرشد ـ بإخراج الملك فتوجه على رأس قوة وحاصر قصر رأس التين لإجبار الملك على الخروج من البلاد , وقد سجلت جريدة الأهرام ما جاء على لسان الملك فاروق قوله إلى الضباط أثناء توديعه . [ إن مهمتكم شاقة وإننى أعلم أن الذين قاموا بالحركة شرذمة من الإخوان المسلمين ] .

وقد ذكر [ مايلز كوبلاند ] فى كتابه الشهير ( لعبة الأمم ) أنه قبل قيام الثورة بأربعة أشهر فى مارس 1952م كانت منشورات الضباط الأحرارتطبع بمعرفة خالد محى الدين الذى كلفه عبد الناصر بعدم استخدام عبارة 0 الاستعمار الأنجلوأمريكى ) والاكتفاء بذكر ( الاستعمار البريطانى ) وذلك للتأييد الذى لمسه عبد الناصر من المسئولين الأمريكيين فى المنطقة حيث وعدوه بمعاونته بشرط إبعاد الإخوان المسلمين والشيوعيين عن المشاركة فى الثورة .. وفى هذا التاريخ نفسه فصل عبد الناصر الضابط الإخوانى عبدالمنعم عبدالرءوف من قيادة الحركة .

وبعد قيام الثورة أبلغ عبد الناصر السفارة الأمريكية أن تتصل بالسفارة البريطانية لتحذيرها من التدخل , وأن الجيش المصرى تحرك لأسباب داخلية وهو حريص كل الحرص على مصلحة الأجانب وأرواحهم , وأن هناك منظمات شعبية مثل الإخوان المسلمين تقوم بالتصدى للقوات الإنجليزيه بكل قوة فى الوقت المناسب .

ولم يشترك جمال سالم وصلاح سالم فى القيام بالثورة حيث كان جمال سالم بالعريش وصلاح سالم فى رفح فى منازلهم .. ولم يحضروا إلى القاهرة إلا بعد قيام الثورة بأيام , حيث ظهرا على المسرح ..

وقام عبد الناصر بتعينهما عضوين بمجلس قيادة الثورة الذى قام عبد الناصر باختيار أفراده ورفض فكرة اختيارهم بالانتخاب من الضباط الأحرار.

والعجيب أن معظم الضباط الأحرار الذين اشتركوا فى القيام بالثورة لم يتولوا أى مناصب بعد ذلك .. بل تولاها ضباط آخرون لم يكونوا أصلاً من الضباط الأحرار أمثال على صبرى وغيره . وصدق من قال : إن الثورات يقوم بها الشجعان وينتفع بها الجبناء , ومما يذكر أن عبد الناصر استدعى أحمد حمروش بصفته ضابطاً شيوعياً وطلب منه إخبار الضباط الشيوعيين بميعاد الثورة , وإخبار قيادات الإسكندرية .. ولكنه أختفى فى قريته بالبحيرة , ولم يظهر إطلاقاً إلا بعد نجاح الثورة وطرد الملك .. وقال إنه كان فى انتظار تعليمات موسكو .. ورفض عبد الناصر وضعه فى أى منصب حتى أنه طلب أن يعين رئيس تحرير إحدى ملاحق الصحف .

بداية خلاف عبد الناصر والإخوان

عاد المرشد يوم 26 يوليو 1952 من الإسكندرية ليكون بجوار الأحداث وليتم اللقاء المباشر بينه وبين عبد الناصر لأول مرة .

وفى يوم 39 يوليو 1952م تم اللقاء بين عبد الناصر مع المرشد العام [ حسن الهضيبي ] لأول مرة الساعة السابعة صباحاً بمنزل الأخ صالح أبو رقيق لقربه من مقر القيادة العامة للجيش . وبحضور الأخ الأستاذ حسن العشماوي المحامى عضو مكتب الإرشاد .

وبعد تبادل التهنئة بنجاح الحركة قال الهضيبي لعبد الناصر : يحسن أن تقوموا ببعض الإصلاحات السريعة التى تدعوا إليها مبادىء الإسلام خصوصاً والحركة الآن فى أولى خطواتها وأوج نجاحها , وفى مثل هذه الحالة يزداد التفاف الشعب حولكم ولا يستطيع أحد يعترض طريق الإصلاح , وفى الوقت نفسه تكونون قد أديتم للبلاد والعباد أجل الخدمات . فرد جمال عبد الناصر قائلاً : طبعاً سنقوم بعمل إصلاحات كثيرة , لكن ندع ما يتصل بالإسلام الآن. فقال الهضيبي : أليس فى نيتكم خدمة البلاد بمنهج الإسلام كما اتفقتم مع إخوانكم من قيل ؟! فرد عبد الناصر أنا لم اتفق مع أحد على هذا . وهنا سأل الهضيبي حسن العشماوي .. ألم تتفقوا على ذلك يا حسن ؟! .. فأجابه نعم لقد اتفقنا جميعاً على ذلك .. وسرد من الوقائع ما يثبت ذلك .. لكن جمال عبد الناصر نفى ذلك بتاتاً .. قائلاً نحن لا نقبل وصاية علينا من أحد , فتعجب فضيلة المرشد فى حزن وقال : حيث أنكم لم تتفقوا على شىء فيحسن عدم الكلام ..وخيم على هذا اللقاء الأول صمت عميق .. وانتهى اللقاء بفتور بالغ ..

وكان هذا الكلام أمام الإخوة الذين حضروا اللقاءوهم عبد القادر حلمي وصالح أبو رقيق وفريد عبدالخالق وصلاح شاد وحسن العشماوي , وبدأ عبد الناصر يتنصل شيئاً فشيئاً من الالتزامات التى اتفق عليها مسبقاً مع الإخوان مثل التشاور فى الأمور السياسية والاقتصادية والاجتماعية .

وقال لهم المرشد : إنه لن يثق فى عبد الناصر بعد كذبه وتنصله من اتفاق وذلك من أول خطوة , وأنه يرى أنها حركة غير إسلامية , بل إصلاحية . وقرر القائمون عليها الانفراد بالعمل , وينبغى أن نتعامل معهم على هذا الأساس .

ومضت الأمور بشىء من الحساسية بين الهضيبي من ناحية وبين عبد الناصر من ناحية أخرى , وحاول بعض أعضاء مكتب الإرشاد اجتياز الأزمة وإزابة الثلوج بين الهضيبي وعبد الناصر خاصة المستشار عبد القادر عودة الصديق الصدوق والمحب بلا حدود لعبد الناصر ( أعدمه عبد الناصر بعد ذلك سنة 1954 وكان مذهولاً وغير مصدق وغير متصور إطلاقاً أن عبد الناصر سينفذ فيه حكم الإعدام وهو في طريقه لحبل المشنقة ) .

وكان حقد عبد الناصر عليه وخيانته لصداقته بسبب تأييد عبدالقادر عودة لمحمد نجيب فى أزمة مارس بالانحياز إلى الديمقراطية وعودة ضباط الجيش إلى ثكناتهم وعدم توليهم السلطة وترك الحريات للشعب أثناء المظاهرة الهائلة التى وقف فيها عبدالقادر عودة بجوار اللواء محمد نجيب فى شرفة قصر عابدين .

واستمرت لقاءات عبد الناصر لبعض قادة الإخوان دورياً بعد قيام الثورة مباشرة , فى منزله تارة أو فى مجلس الشورى أو فى بيوت أحد الإخوان تارة , وكان التشاور مستمراً بكل صراحة ووضوح .

وفى سبتمبر 1952 استدعى عبد الناصر حسن العشماوي واخبره أنه سيقيل على ماهر وسيشكل حكومة جديدة يشترك فيها الضباط الأحرار كوزراء مع بعض الشخصيات المدنية , وأخبره بأن محمد نجيب سيرأس الوزارة وسيكون سليمان حافظ نائباً له , وأنه يريد الانتهاء من تشكيل الوزارة فى نفس اليوم , وحاول حسن العشماوى أن يثنيه عن اشتراك العسكريين فى الحكم كسابق اتفاقه مع الإخوان ولكن عبد الناصر رفض بشدة , واتصل بالهضيبي تليفونياً وطلب منه ترشيح مجموعة من الإخوان ليكونوا وزراء فى الوزارة الجديدة , وطلب منه الهضيبي مهلة لكى يعرض الأمر على مكتب الإرشاد , وأخبره الهضيبي بعد ذلك بأن الإخوان رفضوا الاشتراك فى الوزارة ورشح له بعض المدنيين المعروفين بالسمعة الطيبة والاستقامة أمثال ( أحمد حسنى ) و ( عبدالعزيز على ) , بعد أن رشح عبد الناصر للمستشار الهضيبي المستشار منير دلة والأستاذ حسن العشماوى للوزارة ورفض الإخوان مبدأ الاشتراك فى الوزارة وكان عبد الناصر مصرا على تعين حسن عشماوى وزيراً رغم اعتراض بعض أعضاء مجلس الثورة لصغر سنه كما قال له عبد الناصر .

وقبل الشيخ (الباقورى ) دخول الوزارة دون مشورة الإخوان , وقال عن عبد الناصر : " إن الشعور الأكبر هو التلفت إلى مانح الخير ومجريه الرئيس عبد الناصر " !!.

وطلب منه الهضيبي الاستقالة فوراً من جميع تشكيلات الإخوان , وتم ذلك , وذهب الهضيبي إلى الباقورى بالوزارة مهنئاً فقام الباقورى بتقبيل يد الهضيبي ومعتذراً قائلاً له ( أرجو أن تعذرنى يا مرشدى , فإنها شهوة نفس جعلتنى أفرح بالوزارة وأقبلها ) فرد عليه قائلاً ( فلتهنأ بها .. إلى حين ) .

وكان عبد الناصر ومحمد نجيب يعقدان المؤتمرات الشعبية , وكان يطلب من قيادات الإخوان حضور شباب الإخوان هذه المؤتمرات وإظهار تأييدهم للثورة , وكانت هتافات الإخوان فى كل مؤتمر ( الله أكبر ولله الحمد ) بصوت هادر .. مما كان يغيظ عبد الناصر .

وأذكر اننى حضرت مؤتمراً وأنا طالب , وكان فى جامعة عين شمس , وكانت الثورة قد أفرجت عن جميع المسجونين السياسيين من قتلة النقراشي والخازندار والسيارة الجيب والأو كار وخلافه , ونسيت الثورة أن تفرج عن ( شفيق أنس ) الذى كان يريد نسف محكمة باب الخلق ... وعندما بدأ عبد الناصر يخطب قاطعته الجموع الحاشدة لشباب الإخوان بهتاف واحد متفق عليه وهو " أفرجوا عن شفيق أنس " وتعددت الهتافات عدة مرات حتى أن عبد الناصر لم يكن يستطيع الخطابة بالمرة , حتى أصدر أمره بالميكروفون للسلطات بالإفراج عن شفيق أنس , وأُفرج عنه فوراً بالفعل .

وفى إحدى المرات كان عبد الناصر يخطب فى مؤتمر بالحوامدية , وكان قد طلب من الإخوان المشاركة فى المؤتمر لتاييده شعبياً , وخرجت الجموع الهادرة من الإخوان تهتف بالمؤتمر (الله أكبر ولله الحمد ) فاغتاظ عبد الناصر ورد عليهم فى الميكروفون قائلاً لهم :" أنتم بغبغانات بتهتفوا ومش فاهمين حاجة " .

وبعد ذلك طلب من أجهزة الشرطة فى أى مؤتمر شعبى أن يزيلوا شعارات ويفط الإخوان المسلمين .

وفى ديسمبر 1952م أرسل عبد الناصر فى طلب صلاح شادي وقابله بمجلس القيادة وطلب منه الجلوس مع إبراهيم الطحاوى للتشاور فى أمر هام , وكان الأمرالهام بعد جلوس صلاح مع الطحاوى هو أن الثورة فكرت فى إنشاء تنظيم سياسى شعبى واحد بعد حل جميع الأحزاب تذوب فيه كل القوى الوطنية والتى تتمسك بالقيم الإسلامية دون الإعلان عن شعاراتها وتذوب فيه أيضاً جماعة الإخوان المسلمين .

واختاروا له اسم [ هيئة التحرير ] ويكون رئيسه من الإخوان وليكن صلاح شادى , وطلب الطحاوى من صلاح شادى التفاق على ذلك وسيوافقه فى ذلك جمال عبد الناصر بعد عرض الأمر عليه بعد الاتفاق .

وفى نهاية ديسمبر 1952م ذهب عبد الناصر إلى منزل المستشار عبدالقادر حلمي للاجتماع بقادة الإخوان للتشاور , وحضر معه ( عبدالحكيم عامر ) , (أنور السادات ) , ( كمال حسين ) , ( صلاح سالم ) , ( عبداللطيف البغدادي ) , ( أحمد أنور ) , وحضر من الإخوان ( عبد القادر حلمى ) , و (منير دلة ) و ( فريد عبد الخالق ) , ( صالح أبو رقيق ) , ( حسن العشماوي ) , ودار النقاش حول إنشاء هيئة التحرير , وحاول عبد الناصر أن يقنع الإخوان بالانضمام لهيئة التحرير , ولكن الإخوان رفضوا حيث أن الأستاذ فريد عبد الخالق واجه عبد الناصر بكل صراحة قائلاً له أنت تريد تفريغ جماعة الإخوان من مضمومنها , فرد عليه عبد الناصر قائلاً بالحرف الواحد : " اعملكم إيه .. ما أنتم عصاة " , ورد عليه عبدالخالق مستنكراً وقائلاً " عصاة دى كلمة كبيرة لها معناها " , فتراجع عبد الناصر قائلاً " ما أنتم بتحرجونى وطالبين انتخابات يعنى عايزين النحاس باشا يرجع تانى وتعود الأوضاع نفسها , وأنا أقول لكم أنا بأسلمكم هيئة التحرير وتصبح مسرح نشاطكم , وأنتم بترفضوا .. أعمل لكم إيه " .

ودارت مناقشات بين عبد الناصر وفريد عبد الخالق وقال له فريد أنه لابديل عن الديمقراطية , مذكراً إياه بمقولة الهضيبي له " يا جمال عندما تشعر بضيق من الإخوان أبلغنى وأنا أسلم لك مفتاح المركز العام لإخوان وتقفله حتى لا تحدث فتنة " .

وبعد أن حوصر جمال فكرياً .. وجه حديثه إلى فريد عبدالخالق قائلاً : يا فريد .. أقول لك إللى فى نفسى وأخلص : ( انا عندى فكرة مستولية على ولا أعرف إن كانت غلط أو صح .. أنا عايز خلال السنتين ثلاثة أوصل إلى أنى اضغط على زر .. البلد تتحرك زى ما أنا عايز .. وأضغط على زر البلد تقف ) .

ورد عليه فريد قائلاً : إن حسن البنا فى دعوته لم يستطع أن يقول ذلك ولا أن يفعل ذلك , وقال له فريد : أنت تتخيل أنك ضابط قائد معسكر تعطى الأوامر لتنفذ لا كزعيم شعبى .

وبعد سنة وثلاثة شهور من إنشاء هيئة التحرير قال عبد الناصر لإبراهيم الطحاوى سكرتير عام الهيئة : إنه لا يثق إطلاقاً فى هيئة التحرير .

وسارت الأمور بعد ذلك , وتجلى حقد عبد الناصر للإخوان حتى حلهم فى يناير 1954م , ثم فى أكتوبر 1954م , وقام بإحراق المركز العام للإخوان المسلمين , واشترك فى ذلك ( علوى حافظ ) وكذلك ( أحمد طعيمة ) , ( إبراهيم الطحاوى ) اللذين اعترفا انهما كانا من الجهاز السرى للإخوان المسلمين حتى 1949م .

ومما يذكر أنه عندما تولى حسن الهضيبي منصب المرشد العام للإخوان المسلمين ذهب إليه عبدالرحمن السندي قائد الجهاز السرى وصديق عبد الناصر ومعه الشيخ سيد سابق كشاهد وقال : إنه سأل الهضيبي عن مصير الجهازالسرى فقال الهضيبي : أنه سيحل الجهاز السرى ولا سرية فى الدعوة, وخرج السندى وجمع اللجنة العليا للجهاز وأخبرهم بذلك وطلب منهم العمل الفورى على الإطاحة بالهضيبي وتولية صالح عشماوي مرشداً .

قال المهندس حلمي عبد المجيد لعبدالرحمن السندي : لقد سمعنا منك لكننا لم نسمع من المرشد الذى يجب أن نستمع منه قبل أن تطلب رأينا فى الموضوع , فوافق المجتمعون على رأى حلمى ثم انتدبوه لينقل لهم رأى المرشد فيما رواه عبدالرحمن . وذهب حلمى إلى المرشد ليسأله عن الموضوع .. فقال المرشد :كيف تختاروا عبدالرحمن لقيادة النظام السرى .. إنه لا يعرف النظام ولا يعرف السرية .. وكيف يأتى ليسألنى عن النظام السرى ومعه شاهد ..أما رأيى فى النظام الخاص فهو من ضرورات الدعوة ووصفه مثل حرف (الإ )فى كلمة الإخوان .. ولكن لابد من تغيير القائد , وإعادة تنظيم الجهاز .

وعاد حلمى عبدالمجيد لمسئولى النظام برأى المرشد الذى أفسد على عبد الرحمن السندي حملته على المرشد ومحاوله خلعه ..

ثم اتجه عبد الناصر بخبث ودهاء إلى تكتيك آخر لمحاربة الإخوان , فقد كان لايخفى عليه وعلى كثير من الناس والإخوان بالذات أن هناك خلافات بدأت تدب فى صفوف الإخوان خاصة بعد أن نحى حسن الهضيبي عبدالرحمن السندى من قيادة الجهاز السرى واستبدل به يوسف طلعت , بل فصله من الإخوان هو وثلاثة من قيادة الجهاز السرى وهم " أحمد عادل كمال " , " أحمد زكى حسن" , " محمود الصباغ " .

وحدث بعد ذلك موضوع قتل " سيد فايز " أحد قادة النظام المؤيدين للهضيبى , بعلبة حلوى مفخخة يوم المولد النبوى , وحدثت فتنة فى صفوف الإخوان .

وكان وراء ذلك كله عبد الناصر الذى استقطب عبدالرحمن السندى رئيسه السابق فى التنظيم السرى قبل الثورة , وتكررت لقاءاته معه فى منزله , وكذلك مع غيره من قيادات الإخوان المختلفة مع الهضيبي , ومنهم الشيخ محمد الغزالى والشيخ سيد سابق , وغيرهم , رغم أنهم بعد ذلك اعترفوا بخطئهم , واعتذروا للأستاذ الهضيبي , واكتشفوا أنه على حق وأنه بعيد النظر , حتى أن عبد الناصر بالاشتراك مع السندى دبر خطة هجوم بعض أعضاء التنظيم على منزل الهضيبي بالروضة فى ساعة متأخرة من الليل لإرغامه على الاستقالة والاستيلاء على المركز العام وتعيين صالح عشماوي مرشداً , وكانت المعركة تدار من منزل عبد الناصر بحضور عبدالرحمن السندى وغيره , ولكن الخطة فشلت فشلاً ذريعاً .

وقام المعتدون من الإخوان فوراً بالاعتذار للمرشد العام الهضيبي وتقبيل رأسه وإبداء الندم وسامحهم .. وفشلت خطة عبد الناصر .

وكان عبد الناصر يتابع أنباء استقالة الهضيبي التى كات يتمناها وكذلك استيلاء معارضى الهضيبي وأتباع السندى على المركز العام للإخوان المسلمين بالحلمية . وكان فى منتهى السعادة عندما وصلت له أخبار كاذبة عن استقالة الهضيبي وتنصيب صالح عشماوي مرشداً عاماً بدلاً منه . وكان حسن العشماوى قد اتصل بصلاح سالم وزير الإرشاد وطلب منه عدم نشر هذه الأنباء بالصحف ووافقه على ذلك ولكن عبد الناصر رفض ذلك أمام أحمد أبوالفتوح عند وجوده فى منزل عبد الناصر وبحضور السادات.. وطلب عبد الناصر من الصحف إبراز إقالة الهضيبي واستيلاء صالح عشماوي الذى نصب نفسه مرشداً عاماً هو وأعوانه على المركز العام , وخاب ظن عبد الناصر وحزن حزناً شديداً عندما علم بفشل هذه المحاولة .. وأن جميع أعضاء الجماعة أعادوا مبايعة الهضيبي مرشداً وأيدوه ونصروه .

وكان عبد الناصر يريد أن يقف موقف المتفرج بعد أن دبر للإيقاع بين قيادات الإخوان وبعضهم حتى يصفى الهضيبي وجماعته . ولما فشلت خطة عبد الناصر ومؤامرته , أخذ زمام المبادرة وأيقن أنه لابد من مواجهة حاسمة بينه وبين الإخوان المسلمين وتنظيمهم السرى المسلح .. فابتدأ على الفور بفصل جميع ضباط البوليس من الإخوان من الخدمة .. وتشتيت كل ضباط الجيش من الإخوان إلى اماكن نائية وإحالة بعضهم إلى المعاش ثم طلب من نظار المدارس إفادة جهات الأمن بأسماء طلاب الإخوان المسلمين .. وبدأ فى التخطيط بسرعة وإمعان لضرب الإخوان المسلمين بلا رحمة ولا هوادة . وخطط لقتل الهضيبي مرشد الإخوان والتخلص منه , وشعر الإخوان بذلك فأخفوه فى شقة بالإسكندرية دبرها له المرحوم حسن العشماوي , واختفى مدة طويلة كان يدبر فيها امور الجماعة وهو مختف ..إلى أن تم تدبير حادث المنشية وحدث ما حدث رغم أن اعتقالات قيادات اللإخوان بدأت قبل حادث المنشية .. وقال المعتقلون إن السجون كانت تعد على قدم وساق قبل حادث المنشية بأسابيع استعداداً لاستقبال أعداد كبيرة من نزلاء جدد من المعتقلين من الإخوان .

تمثيلية المنشية

اتجه عبد الناصر اتجاهاً آخر خطيراً , بتدبير حادث المنشية الشهير ليكون تكئة أمام الشعب لضرب الإخوان بلا هوادة , وإعدام من يرى إعدامه , ومحاولة كسب شعبية تثبت أركان نظامه .

وتعددت الأقاويل عن حادث المنشية الشهير , ولكن أحاول أن أبرز بعض الحقائق والأحداث لعلها تلقى الضوء على هذا الحادث وحقيقته :

(1) كتب حسن التهامى مستشار عبد الناصر والسادات فى الصحف نصيحة الأمريكان على يد رجل المخابرات الأمريكى طالباً من عبد الناصر افتعال حادث اغتيال وهمى لتزيد من شعبيته .

(2) اعتقال بعض قيادات الإخوان المسلمين مسبقاً قبل الحادث وإيداعهم السجن الحربى وهم رؤساء المناطق بالمحافظات ومنهم الأخ محمد مهدى عاكف والأخ عباس السيسى .

(3) وقد اعترف هؤلاء المعتقلون أن السجون كانت تعد على قدم وساق لاستقبال أعداد كبيرة من المسجونين حتى أن ذلك كان مثار دهشتهم واستغرابهم .

(4) قال لى المهندس حلمي عبد المجيد أنه قابل الشهيد إبراهيم الطيب فى دورة المياه قبيل إعدامه بالسجن الحربى , فأقسم أنه لا علم له إطلاقا ًبموضوع المنشية , ولا يعرف المتهم محمود عبداللطيف على الإطلاق وأن الجهاز السرى برىء من هذه التهمة , وبالتالى فإن يوسف طلعت ـ رئيس الجهاز السرى ـ برىء مثلى لأنه لا يعرف أيضاً شيئاً عن الحادث ولا يعرف محمود عبد اللطيف .. ومن الطبيعى ألا يخفى إبراهيم الطيب شيئاً فى هذه الظروف عن حلمي عبد المجيد وأيضاً نظراً للعلاقة الوثيقة بينهما عندما كان حلمى رئيساً للجهاز ورئيساً بالتالى لإبراهيم الطيب .

وقال لى المهندس حلمي عبد المجيد أيضاً أنه قابل الرئيس محمد نجيب بعد خروجه من السجن . وذلك بالفيلا التى كانت فى سرايا القبة بعد نقله من فيلا المرج .. وأنه سأله عن معلوماته عن حادث المنشبة فقال له نجيب .. أنه قبل الحادث وبحوالى عشرة أيام جاءه جمال عبد الناصر وزاره وطلب منه إلقاء خطبة بالحفل الذى سيقام بميدان المنشية , فوافقت وبعد ثلاثة أيام أصبت بأنفلونزا حادة ورقدت فى السرير وكان جمال يزورنى يومياً باهتمام غير عادى ويسأل عنى تليفونياً قبل نومه وكلما مر يوم زاد اهتمامه للإطمئنان على صحتى اهتماماً غير عادى جعلنى اشعر بشعور خفى أن الأفضل أن استمر فى ملازمة الفراش .. وقبل موعد الحفل بيوم واحد حضر ليتأكد من سفرى معه , لكننى اعنذرت لأننى غير قادر على السفر لاستمرار المرض . فقال لى بالحرف الواحد بعصبية شديدة : " أن شاالله ماقدرت .. وانصرف غاضباً " وتابعت باهتمام إذاعة الحفل .. وبمجرد إطلاق الرصاص وقبل أن تتبين الأمور ..

وقف عبد الناصر خطيباً يرجل الكلمات المنظومة بشجاعة غير معهودة فيه . أو فى مثل هذا الموقف .. فشعرت أن هناك تمثيلية مرتبة.. فجاريت الموقف .. وطلبت مندوبى الصحف برياسة الجمهورية لأبلغهم تهنئتى لنجاة عبد الناصر واستنكارى للحادث , وارسلت لجمال عبد الناصر برقية بهذا المعنى .

وفى الصباح لم تنشر أى صحيفة حديثى أو البرقيةـ ولم يسبق إهمال أى كلمة لى قبل ذلك .

فطلبت جمال تليفونياً .. وهنأته بالنجاة .. وقلت له : إن الصحف لم تنشر تصريحى أو البرقية ..فهل هناك شىء .. فقال : لا شىء ..

فأعدت عليه السؤال ـ فقال : مافيش حاجة .. وحاتشوف حالاٌ .. ولم تمض فترة صغيرة بعدها حضر من ساقونى معتقلاً إلى فيلا حمام النحاس باشا بالمرج .. وحملوا كل ما فيها من أثاث ولم يتركوا لى سوى سرير متواضع أنام عليه .. وصناديق خشب يجلس عليها ضيوفى . وجلس أستعرض ما حدث .. فأدركت أن تمثيلية المنشية كانت مرتبة لقتلى وإلصاق التهمة بالإخوان المسلمين ليخلص منا عبد الناصر بضربة واحدة . ولكن أفسدها إصابتى بالإنفلونزا وتمسكى بالتزام الفراش مما ضايقه وجعله يقول : " إن شاالله ماقدرت .. وانصرف غاضباً " .

(5) ملابسات الحادث فى ظهور اكثر من مسدس.. أما مسدس " محمود عبداللطيف " والذى تعرف عليه أثناء التحقيق ( إبراهيم الطيب ) لأنه هو الذى أعطاه لمحمود عبداللطيف , فثبت أنه لم تطلق منه طلقة واحدة , ووجد ملقى على أرض المؤتمر , وهو الذى سلمه (خديوى آدم ) العامل النوبى الذى ذهب للقاهرة من الإسكندرية سيراً على الأقدام وسلمه لعبد الناصر , وثبت من التحقيق أن المسدس الذى ضُبط وأطلق منه الرصاص لم يكن مسدس محمود عبد اللطيف إطلاقاً .

(6) نلاحظ أنه لم ينته عبد الناصر من خطابه حتى قامت جحافل قوات المباحث على مستوى الجمهورية باعتقال جميع الأفراد من الإخوان المسلمين بسرعة مذهلة ورحلتهم إلى السجن الحربى وسجن القلعة وغيرها من السجون التى كانت معدة مسبقاً لاستقبال هذه الأعداد المهولة , وكانت جميع كشوف أسماء المعتقلين معدة كذلك مسبقاً وبعناية شديدة .

(7) بدأ تعذيب المعتقلين بكل قسوة ومن أول وهلة , واعدت العترافات ( المفبركة ) والتحقيقات الصورية والمحاكمات العسكرية الصورية الهزلية , ومات من مات من التعذيب الوحشى , ودفن منهم من دفن فى صحراء مدينة نصر , فى مكان مبنى استاد القاهرة الحالى , وكانت مدة احكام السجن فى هذه المحاكمات تدعو إلى السخرية لانها كانت محددة مسبقاً بواسطة الأمن السياسى , والغريب أن التعليمات صدرت بأن يكون التعذيب شديداً على متطوعى حملة فلسطين وفدائيى القناة !!

واستمرت حملات التعذيب بصورة بربرية بالسجن الحربى وسجن القلعة وأبى زعبل وطرة وسجن القناطر الخيرية والواحات وجميع بلاد الجمهورية , ولن أعيد الكلام عن المهانة والبربرية واللاإنسانية فى المعاملة , وعن الكلاب التى نهشت لحوم الإخوان وهى جائعة , وعن الذين ماتوا من التعذيب ودفنوا داخل كردون السجن فى مدينة نصر , وكتبت عنهم إدارة السجن أنهم هاربون . ومما يذكر أن المرحوم إبراهيم الطيب كان يحاكم امام المحكمة وذراعه مكسورة , وكذلك يوسف طلعت كان عموده الفقرى مكسوراً .

وعن طوابير المسجون ينوهم يؤمرون بأن يغنوا أغنية أم كلثوم الشهيرة :

[ أحلى اعيادنا القومية بنجاتك يوم المنشية ]

وكيف أوقفوا الهضيبي فى هذا الطابور وأمروه بالجرى مع الطابور وهو فى هذه السن الكبيرة ويأمرونه بأن يغنى هذه الأغنية ... بدون رحمة أو إنسانية أو احترام , وتحمل هذا الرجل الكبير كل هذه المعاناة بصبر المؤمنين المحتسبين , وكان نعم القدوة لإخوانه المعذبين .

وبعد سنوات خرج الرجل من السجن (عام 1962م) بإفراج صحى , بعد ان تدهورت صحته وقد التقيت به أثناء الحج ( سنة 1972م ) بمنى ومكة , وكان ملاكاً منيراً فى صورة إنسان .. يرحمه الله .

السجن الحربى

بناه الإنجليز عند احتلالهم لمصر (سنة 1882) على طراز السجن الأمريكى [سنج سنج ] وهو سجن للعسكريين .

وهو عبارة عن سجن كبيرمكون من ثلاثة أدوار, به 245 زنزانة .. كان يحشر فيها المسجونون السياسيون من الإخوان المسلمين حشراً دون إنسانية أو رحمة ..

ويحاط به 4 سجون : مبنى (1) , (2) مخصصان لكبار الضباط المحكوم عليهم ومبنى (3) , (4) من دورين .

وقد هُدم السجن الحربى بعد أن تولى د. عبد الأحد جمال الدين رئاسة المجلس الأعلى للشباب والرياضة أيام السادات , وبنى مكانه الصالة المغطاة فى مدينة نصر , وهو يطل على استاد القاهرة الذى دفنت تحت أرضه مئات الجثث من قتلى التعذيب من رجال الإخوان المسلمين أيام حكم عبد الناصر .. وكان يكتب أمام اسم القتيل [هارب].. ولو نقب الناس تحت أرض الاستاد لوجدوا الجماجم البشرية والعظام البشرية من ضحايا تعذيب زباينة عبد الناصر وحمزة البسيونى .. ولا حول ولا قوة إلا بالله ..

(8) الحملة الإعلامية فى الإعلام المقروء والمسموع , والذى خططلها مسبقاً وبشكل جيد للتشهير بالإخوان واتهامهم اتهامات كاذبة ومفتراة .

(9) أحكام الإعدام التى نفذت فى سبعة من أعضاء الجماعة فى جريمة حتى ولو ثبت أنها صحيحة ورغم عدم إصابة المجنى عليه لاتستوجب ـ قانوناً أو شرعاً ـ إعدام سبعة أعضاء , وقد سألت السيد (حسين الشافعى ) وقد كان عضو المحكمة عند زيارتى له مؤخراً فى منزله عن حقيقة حادث المنشية وهل هو تمثيلية .. وعن رأيه فى الأحكام .. خاصة أنه كان عضواً لهيئة المحكمة .. وهل أحكام الإعدام كانت من المحكمة تحديداً او من عبد الناصر , ومن الذى وضعها , وأجد نفسى فى حيرة بالغة فى حرج شديد لأنه أعترف لى ببعض الأسرار واستحلفنى بالله ألاأذكرها ووعدته بذلك .. وأنا عند وعدى .. ومنها موضوع وفاة عبدالحكبم عامر وانحرافات أعولن عبد الناصر .

ولكن أستطيع القول : إن السيد حسين الشافعى له رأيه الخاص فى تقييم شخصية جمال سالم رئيس المحكمة , وعن شعوره بالندم الشديد على ما فعله فى المحكمة , وذلك فى آخر أيام حياته وبعدما اصيب بالسرطان , حيث يسب ويلعن عبد الناصر بأنه الشيطان الذى كان يحرضه على الإخوان وعلى محمد نجيب وإهانته .. وقال عنه الشافعى : إنه كان مجنوناً .. وأتعجب من اختيار عبد الناصر له ليرأس محكمة الشعب وهو يعلم انه مجنون ؟!!

كما أن السيد حسين الشافعى أخبرنى أن الأحكام عندما تداول أعضاء مجلس الثورة فيها برئاسة عبد الناصر , اعترض البعض عن أحكام الإعدام , إلا أن رأى عبد الناصر المجند للإعدام هو الذى ساد , فاستطاع بطريقته المعهودة فى إدارة الحوار أن يصل بالمعارضين إلى تغليب وجهة النظر القائلة بالإعدام .

أما أسرار حادث المنشية وغيره فقد شبهها لى السيد حسين الشافعى بأنها أسرار بيت لايصح أفشاءها , وعفا الله عما سلف , لكنه أكد أن عبدالقادر عودة اعتبرمحكوماً عليه بالإعدام من يوم ان وقف بجوار محمد نجيب بشرفة قصر عابدين لتأييد الديمقراطية أيام أزمة مارس . وقال لى السيد حسين الشافعى ايضاً : أنه لم تشفع له صداقته الوطيدة وحبه الشديد لعبد الناصر فى إنقاذة من الإعدام , حيث أصر عبد الناصر على إعدامه فى القضية التى هو برىء منها مائة فى المائة " .

كما اخبرنى السبد حسين الشافعى أن عبد الناصر كان مصرا على إعدام الشيخ محمد فرغلى قائدالفدائيين فى القناة وفلسطين وصاحب التارخ الجهادى الناصع , والداعية الإسلامى ؛ وذلك لأنه كان يعتقد أنه هو الذى خطط لبعض الأعضاء من الإخوان لاغتيال عبد الناصر بحزام ناسف فى مجلس الوزراء فى أغسطس 1954قبل حادث المنشية بشهور ,وأصر عبد الناصر على إعدامه فى قضية المنشية رغم براءته .

واخبرنى حسين الشافعى أنه بعد نجاح الثورة وفى أحد الأيام طلب منه عبد الناصر أن يذهب إلى الهضيبي فى منزله لمقابلته بدلاً منه , لانه لا يحب هذا الرجل , ولا يحب أن يسمع آراءه وكلامه و وقال له عبد الناصر : اعتذر له عن عدم حضورى لانشغالى وأننى سأذهب إليه فى وقت آخر .. وطلب منه أن يتحمل كلامه ولا يرد عليه إطلاقاً , وطلب منه أن يستمع فقط , ويبلغه بأقواله .

وقال لى حسين الشافعى : إنه ذهب إلى منزل الهضيبي بالروضة وكان الميعاد الساعة التاسعة صباحاً ولكنهم تركوه ساعتين وحيداً فى غرفة مغلقة بالمنزل حتى حضر الهضيبي لابساً معطفه وياقته القطيفة , وسلم على حسين الشافعى واضعاً ساق على ساق .. وأخذ ينتقد تصرفات رجال الثورة وعبد الناصر . وانفرادهم بالسلطة والقرارات دون مشاورة . وأن هذا نذير سوء بالديكتاتورية , ولابد أن يكون الأمر شورى , وأن يعرض على الإخوان أى قرار أو قانون جديد قبل إصداره كسابق الاتفاق , وقال له : بلغ جمال ذلك , وقال له أيضاً [ أنتم مش نافعين ] .

وأخبرنى حسين الشافعى أنه لم يستطع أن يراجعه أو يرد عليه , وأن كرامته قد جُرحت لكنه قال : لقد عملت بتوصية عبد الناصر ولم أرد , وقال الشافعى : إنه عندما ذهب إلى عبد الناصر تلقاه ضاحكاً ساخراً , وقال له : ماذا فعل بك الهضيبي , قال : وقصصت عليه ما حدث وقلت لعبد الناصر :إننى قلت له جملة واحدة : يا أستاذ الهضيبي لو كان المرحوم الشهيد حسن البنا على قيد الحياة ما عاملنى هذه المعاملة . رغم أن المرحومين أحمد وحسن الشافعى شقيقى حسين كانا من الإخوان المسلمين بشعبة قسم ثان طنطا , ولكن جمال عبد الناصر كان يكره الهضيبي من قليه ويتمنى أن يتخلص منه بأى وسيلة .

ومما يذكر أن حسين الشافعى قال لى : إنه كان يسمى أنور السادات (الأستاذ صح) وكان السادات ينادى دائماً عبد الناصر ب(يامعلمة) , وكان عبد الناصر يسمى زكريا محى الدين (بريا) سفاح المخابرات الروسى , وأن الأمريكان ضغطوا على عبد الناصر لتعيين السادات نائباً له لكرههم لحسين الشافعى لتدينه , أما السادات فكان على علاقة وثيقة بهم وبأجهزتهم الاستخباراتية .

ومما يذكر انه اثناء محاكمة شمس الدين بدران وصلاح نصر أثير موضوع المصارف السرية التى كان يتقاضاها بعض القيادات ومنهم أنور السادات وحسين الشافعى وأن توقيعاتهم على الكشوف موجودة فى مكتب العقيد محمود طنطاوى مدير مكتب المشير عامر وهو شقيق محمد طنطاوى حارس عبد الناصر , وأُحرج حسين الشافعى ورفض التعليق على اتهام شمس بدران له فى الجلسة وتهرب من الرد .

وقد ذكر لى الضابط الحر جمال منصور , السفير السابق والذى حكم عليه عبد الناصر بالإعدام فى إنقلاب المدفعية ... أن حسين الشافعى وكمال حسين أبلغا المخابرات الحربية ورئيسها اللواء سعد الدين صبور بمنشورات الضباط الأحرار.. وأنها توزع على الضباط .. وأرانى صورة لهذا البلاغ .

الفصل الخامس عبد الناصر .. واليهود .. والإخوان

عبد الناصر .. واليهود

نشرت مجلة "المجلة " اللندنية فى عددها الصادر فى28\2\1989م تلخيص كتاب " ملف اليهود فى مصر " للكاتب اليهودى " موريس مزراحى " وقد جاء فيه : أن سيدة يهودية كانت تدعى مدام " يعقوب فرج شمويل " كان عبد الناصر يدين لها بالفضل لأنها رعته فى طفولته بعد وفاة والدته , وكانت تعامله كأحد أبنائها , وكان يعيش فى حارة اليهود أيام طفولته , وكان صديقه الصدوق فى صغره "أبحال آلون" الذى تولى بعد ذلك أكبر المناصب فى إسرائيل مثل منصب نائب رئيس وزراء إسرائيل ووزير خارجيتها , وهو الإرهابى المعروف .

وقد ذكر ذلك ايضاً الكاتب الصحفى محمد حسانين هيكل , وذلك فى كتاباته بالأهرام بعد وفاة عبد الناصر , وكذلك الصحفى رشاد كمال فى كتابه " عبد الناصر فى تل أبيب " وفيه ما نشرته روزاليوسف عام 1984م عن اللقاءات العديدة فى الفالوجا بين عبد الناصر وصديق طفولته أبحال آلون والضابط (يوهان كوهين) , وفى سنة 1950م طلبت إسرائيل من السلطات المصرية إيفاد عبد الناصر بالذات للإرشاد عن أماكن دفن القتلى الإسرائليين.

كما أن المرحوم الصاغ معروف الحضري " من الإخوان المسلمين " قال: إنه أثناء حصار الفالوجا فى حرب فلسطين كانت هناك رسائل متبادلة بين عبد الناصر وضباط اليهود وكانت رسالات ود , وكانوا يحضرون لعبد الناصر كميات كبيرة من الفاكهة كهدايا شخصية له .

وذكر المرحوم سليمان حافظ أنه بعد قيام الثورة ذهب مع عبد الناصر إلى الإسماعيلية فى يخت , وتركه عبد الناصر وسافر إلى إسرائيل ثم عاد إليه , وذكر هذا " كامل الشريف : فى كتابه .

وقبل وفاته قال عبد الناصر لصديقه " صلاح دسوقى " : لابد من عمل مصالحة مع إسرائيل , وأنه تكلم مع الرئيس تيتو فى ذلك , وكان ذلك أثناء تناولهما العشاء سوياً , وقال له بالنص [ إيه رأيك يا صلاح إن إحنا نتفاهم مع إسرائيل ونبدأ نتجه للبلد ونبطل الهوسة اللى احنا فيها دى ] , " كتاب مؤلفات ثورة يوليو .. طارق حبيب " .

ويقول صلاح دسوقى : إنه اخبر عم السيدة حرمه وهو الدكتور " نور الدين طراف "بذلك , فقال له انا عارف .

وقد قال صلاح دسوقى هذا الكلام بالصوت والصورة فى كتاب " ملفات ثورة يوليو " الصادر عن جريدة الأهرام بإعداد الإعلامى طارق حبيب .

وكان عبد الناصر مريضاً بمرض السكر البرونزى وهو معروف طبياً بأنه يصيب 80 بالمائة من اليهود , وهو وراثى, وهى قرينة تثبت أن المريض به من أصل يهودى .

افعلوا بحماس كما فعل عبد الناصر بالإخوان

ظهر أحد أعضاء الكنيست الإسرائيلى على شاشة التليفزيون الإسرائيلى فى آخر يناير سنة 2004 وهو مسئول أمنى سابق رفيع المستوى فى إسرائيل يطالب شارون والحكومة الإسرائيلية بأن يفعلوا بحماس كما فعل عبد الناصر تماماً بالإخوان المسلمين ؛ فهل نفهم من ذلك أن هناك علاقة بين ما فعله عبد الناصر فى الإخوان المسلمين وبين سياسة إسرائيل .. خاصة وانه ثبت مؤكداً بإعتراف عبد الناصر للإخوان المسلمين قبل قايم الثورة بأنه أتفق مع الأمريكان مسبقاً على مساندته واشترطوا عليه عدم اشتراكه مع الإخوان المسلمين أو الشيوعيين بأى صورة من الصور , ومن هنا حرص عبد الناصر على إبعاد عبدالمنعم عبدالرءوف وأبوالمكارم عبدالحى من مجلس قيادة الثورة , بصفتهما مسئولى الجناح العسكرى للإخوان بالجيش .

عبد الناصر والشيوعية

وقال عباس رضوان وزير الداخلية السابق : إن عبد الناصر عرض على [ بودجورنى] أن تنضم مصر إلى الكتلة الشيوعية , وينقلب نظام الحكم فيها إلى الشيوعية بالكامل , ولكن بودجورنى رفض , خوفاً من التبعات التى ستلقى على الاتحاد السوفيتى نتيجة لذلك [كتاب طارق حبيب] . وذكر الأستاذ محمد حامد أبو النصر المرشد العام للإخوان المسلمبن أنه بعد قيام الثورة كانت تتكرر الاجتماعات بين الإخوان وعبد الناصر وزملائه فى منزل عبد الناصر أو منازل الإخوان , وفى إحدى الأيام كان " محمد حامد أبو النصر " والشهيد " عبد القادر عودة " فى منزل عبد الناصر , وحان وقت صلاة المغرب , وقاما إلى لصلاة , وطلبا من عبد الناصر وعامر أن يقوما للصلاة , فاعتذرا لانهم غير متوضئين , ورفضا الصلاة , وجلسا على الكراسى يدخنان , واضعين ساقاً على ساق ينظران غلى المصلين بسخرية , وأضاعوا منهم صلاة المغرب عمداً [ كتاب الأستاذ محمد حامد أبو النصر المرشد العام السابق ] .

وقد استعز عبد الناصر بالاتحاد السوفيتى ونسى ربه , وحارب رجال دعوة القرآن وأدخلهم السجون والمعتقلات واعدمهم , فأذله الله وهزمه وضيعه , وتكاثرت عليه الهموم والأمراض , وفقد تماماً صلاحيته لحكم مصر , وأخذ يحكمها صورياً بواسطة اعوانه .. وفى هذا كلام كثير .

إننى أذكر هذه الوقائع بكل صدق وأمانة عن عبد الناصر , وأترك للقارىء تقييمه المستقل لكل هذه الوقائع , وتقييمه لشخصية عبد الناصر بموضوعية .

انحرافات نظام عبد الناصر

كانت هناك "إدارة السيطرة " فى جهاز المخابرات العامة , وكانوا يطلقون عليها "إدارة الكونترول " وكان يرأسها اللواء أحمد طاهر , ويتبعها قسم " المندوبين والمندوبات " وكان يرأس هذا القسم ضابط , وكانت إدارة الكنترول تكلف بمهام من بينها تصوير أفلام لبعض المسئولين فى أوضاع مخلة لتهديدهم بعد ذلك بتلك الأفلام , وإخضاعهم للحاكم وضمان طاعتهم المطلقة له , لقد كانوا يأمرون إحدى العميلات بإغرائه بجمالها وشبابها واستدراجه بأساليبها إلى إحدى الفيلات أو الشقق المعدة من جهاز المخابرات والمجهزة بكاميرات تصوير خفية وأجهزة تسجيل , ويتم تصويره أثناء ممارسته الفاحشة مع المندوبة , وقد ذُكر ذلك فى محاضر التحقيقات مع صلاح نصر بعد القبض عليه بعد هزيمة 1967.

ومن بين ما رواه اللواء أحمد طاهر والضابط فى اقوالهما بالتحقيقات المشار إليها أنهما كُلفا بتصوير فيلم جنسى لزميلهم ضابط المخابرات العامة وكلفوا مندوبة فاتنة بملاحقته وإغرائه أثناء تواجده بالإسكندرية , وقد استدرجته إلى فيلا بميامى جهزتها المخابرات بمعدات التسجيل بالصوت والصورة , وتم تصوير فيلم له وهو يمارس الجنس مع المندوبة ضماناً للسيطرة عليه وإخضاعه عن طريق تهديده بالفضح لدى زوجته واولاده وعائلته , وقرر اللواء أحمد طاهر رئيس إدارة السيطرة والضابط رئيس قسم المندوبين والمندوبات أنهما تعجبا من تكليفهما بهذا العمل لعلمهما المؤكد أن جميع ضباط المخابرات مسيطر عليهم بالفعل ولا يعصون أمراً .

أما الحقيقة التى لم يفصحا عنها , فهى أن عبد الناصر كان قد عزم على تكليف الرائد ضابط المخبرات الشاب بمهمة ثقيلة , وأراد أن يضمن طاعته المطلقة , وبعدها واجهوه بالفيلم ووعدوه بالكتمان إذا نفذ المهمة المطلوبة , وهى أن يتوجه إلى إيطاليا ويدس سم الأكونتين للملك فاروق فيقتله ,وأطاع الضابط رؤساءه ونفذ المامورية وقتل الملك فاروق فى شهر مارس 1965 وعين بعد ذلك محافظاً .

ولن أخوض بعد ذلك فى احداث مطاردة الفنانات وغيرهم لتجنيدهم بالمخابرات فى هذه العمليات القذرة التى أباحوا استخدامها ناسين شرع الله وأحكام الدين .

ولن أخوض فيما كانوا يفعلون مع ضيوف مصر من رؤساء الدول أمثال سوكارنو وشارل حلو رئيس لبنان وغيرهما , بإحضار بعض الراقصات والفنانات للسهر معهم ثم تصويرهم بنفس الطريقة , للسيطرة .. وقد ثبت ذلك فى التحقيقات .

وقد قامت المخابرات يوماً ما بسرقة خزينة سفارة الكويت بالقاهرة , وكانت مكتظة بالمجوهرات والماس الخاص ببعض الأثرياء الكويتيين الذين كانوا يحضرون إلى القاهرة فى أشهر الصيف ويتركون مجوهراتهم وديعة فى السفارة لحين سفرهم لأوروبا خوفاً من سرقتها , وكان شهر أغسطس والخزينة مكتظة , واعدت المخابرات مفتاحاً مصطنعاً وجندوا طباخ السفارة ثم سرقوا محتوياتها بالكامل وأعطوها لعبد الناصر .

وكذلك مجوهرات وثروة "باتريس لومومبا " عند إحضارها من الكونغو .

وكذلك أموال سفارة الغرب بالقاهرة والتى كانت مسئولة عن توزيعها على سفارات المغرب فى جميع الدول العربية .

وشركات السيارات الليموزين والشركات الاقتصادية باسم المخابرات مثل شركة النصر للاستيراد والتصدير , وغيرها والتى كانت باسم حرم عبد الناصر .

والفيلات المؤجرة والاماكن التبادلية للمخابرات , وما كان يجرى فيها من انتهاك للحرمات والأعراض , وقصص السيدة اعتماد خورشيد وسنية قراعة ودرية شفيق والسيدة برلنتى عبد الحميد وما جرى فيها بمعرفة المخابرات .

وكل هذه المعلومات مسجلة فى وثائق محاكمات صلاح نصر وشمس بدران وسامى شرف وهى موجودة ضمن ملفات القضاء .

أما المبالغ الباهظة والذهب الذى وزع على القبائل فى حرب اليمن ؛ فكانت دون رقيب أو حسيب , وكذلك المبالغ التى أنفقها صلاح سالم بأمر من عبد الناصر فى السودان قبل إجراء الاستفتاء على الوحدة تنفيذاً لإتفاقية فبراير , فقد كانت تنفق دون وعى ..ودفعت جهات أخرى مبالغ أكثر للمعارضين .. وضاعت السودان من مصر , وفشل مشروع الوحدة , وكان من اسبابها القوية أزمة مارس الشهيرة والمعاملة السيئة التى عومل بها محمد نجيب من جمال عبد الناصر عند تنحيته , وكلنا يعلم الرابطة الوثيقة التى تربط محمد نجيب بالسودان الشقيق , حتى أن الحزب الوطنى الاتحادى بقيادة إسماعيل الأزهري رفض الوحدة مع مصر بسبب تنحية محمد نجيب واعتقاله .. واهانت .. والديكتاتورية ـ حسب رأى الحزب .

وأستطيع أن أقول بكل ثقة وصدق ووضوح إن ما نعانيه فى بلدنا حتى هذه اللحظة من ازمات سياسية مع إسرائيل, وخراب مالى وخسائر مالية بلغت مائة مليار جنيه يوم كان الجنيه المصرى يساوى دولارين ونصف ,وخسرنا عشرات الأولوف من خيرة شباب مصر فى الجيش , ومازلنا نعانى مشكلات سياسية داخلية ومشكلات اقتصادية واجتماعية ودينية .. هى المخاض الطبيعى لتصرفات عبد الناصر ونظام حكمه الفاشل , حتى أن عبدالحكيم عامر تطاول عليه فى آخر مقابلة بينهما وقال له بالحرف الواحد : ( قطع لسانك ) أمام حسين الشافعى وأنور السادات وعبداللطيف البغدادى , كما كان يقول دائماً للفريق محمد فوزى متهكماً ( يا وش القرد ) .. وانتقم فوزى من المشير بعد ذلك عند القبض عليه وقال للجنود :( جروه من قفاه ) واعتدى عليه بالضرب , وعند لقاء عبد الحكيم عامر وجمال عبد الناصر فى آخر لقاء قال له عبد الناصر: إننى سأحدد إقامتك .. وقال للسادات يا بربرى يا رقاص يا .... واعتدى على حسين الشافعى .. وكان فى ثورة عارمة .

ومات عبد الناصر

وجاءت هزيمة 1967 المرة والذهلة , وفقدنا جيشنا وشبابنا ومعداتنا وطائراتنا , وفقد عبد الناصر كل مقومات زعامته وقوته . وكما قال أنيس منصور : إن عبد الناصر "مرض "عام 1962م بعد الانفصال عن سوريا , "ومات" بعد نكسة 1967م , "ودفن " 1970م وذلك فى مقال له بجريدة الاهرام .

وليس لى تعليق على هذه الحرب وهى حرب الايام الستة كما تقول إسرائيل , ولا على تسبب عبد الناصر المباشر فى ضياع القدس وغزة وسيناء , ولا على بيع القادة السوريين الخونة للجولان بحفنة من الدولارات أودعت فى بنوك سويسرا "دون" طلقة واحدة كما اخبرنى السادات ونحن نرى الجولان سوياً عند مصاحبتى له فى زيارة سياسية لسوريا عام 1969 , ولا عن سوء التخطيط والجهل والتسيب . وسياسة اللامبالاة المسئول عنها عبد الناصر دون سواه وهى التى ادت إلى الهزيمة النكراء .

ولكن مايوجع قلبى ويهز كيانى وروحى , الفيلم التسجيلى الذى رأيته مؤخراً على قناة الجزيرة , وبه صور الضباط والجنود من الأسرى المصريين وهم يُطرحون أرضاً معصوبى العينين , مربوطى اليدين بأعداد كبيرة وتقوم الدبابات الإسرائيلية بالمرور فوقهم ذهاباً وإياباً لتحصدهم قتلى وأشلاء ً متناثرة .. فى منظر يشيب له الولدان .

وكذلك منظر هؤلاء الأسرى وهم يساقون كالحيوانات إلى معسكرات الاعتقال فى موكب شائن مهين يقطع نياط القلوب .

وأقول بكل ثقة أن الجيش المصرى لم يحارب فى هذه الحرب, ولم يمكن من القتال , نتيجة سوء التخطيط وجهل القادة وتسيبهم , ولكنه خُدع بأساليب الغدر والخيانة , والجهل والحماقة , من قادته المهزوزين المهزومين برئاسة جمال عبد الناصر .. الذين أمروهم بالإنسحاب فوراً ودون مقاومة وترك كل اسلحتهم , وقد فعلوا ذلك خوفاً من عبد الناصر على مراكزهم ومناصبهم نتيجة صراعات السلطة بين عبد الناصر وعبدالحكيم عامر .

وتمت محاكمات صلاح نصر وشمس بدران , وقتل عبدالحكيم عامر , وتكشفت الفضائح فى المحاكمات يندى لها جبين الكرامة والتاريخ , فضائح نُشر بعضها وحُجب الجزء الآخر عن النشر .. وكل ذلك مسجل فى محاضر محفوظة بوزارة العدل .

وهذه الوثائق لابد من نشرها ليعرف الناس حقيقة حكامهم وحقيقة عبد الناصر وعصابته , وليعلم الشعب كيف كان يحكم بهؤلاء الناس الخونة معدومى الضمير والوطنية والأخلاق .

وأخذ عبد الناصر يُعالج بواسطة خبراء سوفيت , وكان حريصاً على ألا يعرف الأمريكان حقيقة مرضه أو يعالجوه .. حتى لايشمتوا فيه .

ومات عبد الناصر فى 28 سبتمبر 1970 فجأة , وليس لى تعليق على ظروف وفاته , والإشاعات التى تناثرت عنها , إلا قول "الدكتور رفاعى كامل " وهو مدير بالخدمات الطبية بالقوات المسلحة وأحد الذين وقعوا على شهادة وفاة عبد الناصر .

قال الفريق طبيب رفاعى كامل لصديقه " السفير محسن عبد الخالق " أحد قيادات الضباط الأحرار عند لقائهما فى لندن : إن عبد الناصر مات نتيجة علاج خاطىء , فقد كان مريضاً بالسكر وأخذ جرعة الأنسولين ولكنه تأخر فى الغذاء نظراً لقيامه بتوديع الملوك والرؤساء العرب فى المطار , فانخفضت نسبة السكر فى الدم انخفاضاً شديداَ , ودخل فى غيبوبة , ولم يفطن الأطباء فى ذلك , وعالجوه على أنه أزمة قلبية , وكان من الواجب أن يتعاطى كمية من السكر فوراً .

والبعض أشاع أنه مات مسموماً , وقال حسين الشافعى , إنه كان هناك اتجاه لتشريح الجثة , ولكن أنور السادات رفض احتراماً لعبد الناصر , ولكن شاءت إرادة الله أن يموت عبد الناصر عن 52 عاماً .

أما عن مرضه بالسكر فقد حدث له بعد الانفصال عن سوريا عام 1962م .

ومما يذكر أن عبد الناصر قبيل وفاته قال لأنور السادات فى حضور زوجته السيدة تحية كاظم وكريمته هدى إن الخزينة الشخصية بها مبلغ حوالى مليون جنيه عملة صعبة , من مختلف العملات , كذلك يوجد مليون جنيه ونصف المليون عند سامى شرف , من المصاريف السرية , وقال لهم إنها أمانة ملك الدولة , فقال له أنور السادات أنا ساموت قبلك ياريس وأنت الذى ستدفننى بإذن الله ولا داعى لهذا الكلام .

وكانت هذه المصاريف السرية تأتى من المخابرات ولاتخضع لأى رقابة , كما قال عبد الناصر للسادات .

القضاء المصرى .. بين عهدين

منذ بداية قيام حركة 23 يوليو 1952 م حدثت بعض التصرفات الاستثنائية , وشكلت محاكم عسكرية لمحاكمة بعض الأفراد , منهم من اتهم بمعاداة الثورة , ومنهم من حوكم لأنه استغل نفوذه سياسياً أو مالياً قبل قيام الثورة , ومنهم من اتهم اتهامات واهية يعوزها الدليل , مثل التآمر ومحاولة قلب نظام الحكم أو تدبير محاولات اغتيالات ,وقد صدرت على هؤلاء المتهمين زوراً أحكام غاية فى القسوة والغرابة ولازلنا حتى الآن نسير فى هذا الطريق وهذه الإجراءات , متجاهلين القضاء المصرى العادى بجميع درجاته , رغم نزاهته وطهارته ودقته , ويعلم الله من هو الذى يصدر الأحكام فى هذه المحاكم العسكرية , وقد كثرت الأقاويل فى كل العهود وتعددت الإشاعات ومنها ما هو حقيقى , كما أثبتت الأيام فيما بعد .

فى عهد الملك فاروق كان القضاء الذى يحكم فى القضايا الخاصة بقلب نظام الحكم أو الاغتيالات أو خلافه .. هو القضاء المصرى العادى العظيم , وكانت تعطى الفرصة كاملة للمتهم ليدافع عن نفسه , وتجهد هيئة المحكة نفسها فى البحث والتحرى وإثبات القرائن والأدلة , ثم تصدر حكماً عادلاً صحيحاً , وهناك فرصة استئناف الحكم ونقضه , حتى يكون نهائياً سليماً لا تشوبه شائبة .

وهناك واقعة تاريخية مهمة حدثت فى عهد الملك فاروق , عندما قام المستشار الفاضل أحمد كامل رئيس محكمة الجنايات بمحاكمة بعض شباب الإخوان المسلمين بتهمة محاولة قلب نظام الحكم , واستمرت المحاكمة شهوراً , واستمعت المحكمة إلى كثير من الشهود ودرست القضية دراسة جيدة , وبعد صدور الاحكام قام المستشار أحمد كامل بالانضمام لجماعة الإخوان المسلمين , وقال مقولته الشهيرة ( حاكمتهم ... ثم أصبحت منهم ) .

وأيام حكم السادات قام وكيل نيابة أمن الإسكندرية المرحوم يحيى هاشم ....بالتحقيق مع بعض أفراد التنظيمات الإسلامية وأخذ يناقشهم فى التحقيقات وفى أثناء ذلك قام رحمه الله بالاقتناع بأفكارهم بعد طول مناقشة وقناعة وهرب معهم إلى مغارة فى صحراء سوهاج , وانضم إلى تنظيماتهم , وأخذ يروج لهذه الأفكار التى آمن بها , وقُتل بعد ذلك دون محاكمة هو وبعض أعوانه فى صحراء سوهاج بواسطة رجال الأمن .

وبعد قيام حركة يوليو قامت مظاهرة فى شركة كفر الدوار للغزل والنسيج , وطالب العمال ببعض حقوقهم و وقام ضباط حركة يوليو بتشكيل محكمة عسكرية حاكمتهم داخل الشركة فى يوم واحد وحكمت عليهم بالإعدام الفورى , ونُفذ الحكم الذى أقره مجلس قيادة الثورة , رغم اعتراض بعض الأعضاء , ولم يكن معهم محامون للدفاع عنهم , ولكن أحد الصحفيين والذى حضر الجلسة مندوباً عن جريدة الأخبار تطوع للدفاع عنهم وهو الأستاذ موسى صبرى الصحفى الشهير فيما بعد .

وبعد ذلك شًكلت محكمة الثورة ومحكة الغدر ومحكمة الشعب و ومختلف المسميات , وهى محاكم عسكرية مشكلة من ضباط لايعرفون القانون ولم يمارسوه ولم يدرسوه , وهى محاكمات صورية استعراضية لاتملك حق صدور الأحكام فى الحقيقة , ولكن الأحكام كانت تملى من رئيس مجلس الثورة وبعض أعوانه وكانت أحكاماً مغرضة تجاهلت القضاء المصرى الشامخ الرفيع .

ووصل الامر فى أزمة مارس 1954م أن ضُرب الدكتور عبدالقادر السنهوري رئيس محكمة مجلس الدولة , بالأحذية والعصى والسكاكين فى مكتبه بمجلس الدولة , وبحضور زملائه المستشارين , بتدبير محكم من عبد الناصر رئيس مجلس الثورة وبعض أعوانه على يد بعض القيادات العمالية التى قبضت آلاف الجنيهات مقدماً من عبد الناصر , وكذلك بمعاونة رجال البوليس الحربى : البكباشى أحمد أنور والصاغ كمال القاضى والصاغ محمد أبو نار ... وغيرهم ... وشوهد عبد الناصر مختبئاً فى دواسة سيارة قرب ميدان عابدين عندما كان محمد نجيب يخطب وبجواره عبد القادر عودة فى آلاف التظاهرين .

وقد اعترف بهذا تفصيلاً , عبد اللطيف البغدادي , وخالد محى الدين أعضاء مجلس الثورة , فى مذكراتهم فيما بعد .

وكان سبب الإعتداء على الدكتور السنهورى هو أنه عندما زار جلالة الملك سعود مصر , اجتمع جلالته باللواء محمد نجيب وجمال عبد الناصر ليصلح بينهما واضطر جلالته أن يؤخر سفره يوماً لتسوية الخلاف , وكان يحضر هذا الاجتماع الدكتور السنهورى الذى طلب منه جلاله الملك أن يدلى برأيه فى حل المشكلة , فاقترح تشكيل وزارة من بعض رجال الثورة كمدنيين ومعهم الإخوان المسلمون , ويعود الجيش إلى ثكناته وتكون مهمة هذه الوزارة إعادة الحياة النيابية والعودة بالبلاد إلى حالتها الطبيعية , فسُر جلاله الملك بهذا الاقتراح . وقابل جلالة الملك الأستاذ حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين وأخبره بهذه المقابلة .

وقيل : إن هذا الاقتراح كان السبب المباشر فى الاعتداء بالضرب على السنهورى فى مجلس الدولة , حيث اقتحم ضباط البوليس الحربى مكتبه وأوسعوه ضرباً .

وكان لهذا الحادث وقع سىء فى صفوف جموع الشعب , فقد هرع كبار رجال القانون إلى مستشفى الدكتور مظهر عاشور لزيارة المجنى عليه الدكتور السنهورى , والعجيب أن جمال عبد الناصر ذهب لزيارته والاطمئنان عليه ولكن السنهورى رفض رؤيته او مقابلته , وانصرف عبد الناصر مكتفياً بالسؤال عن صحته وحقق القول [يقتل القتيل ويسير فى جنازته] .

وذهب المستشار الهضيبي مرشد الإخوان يرافقه سماحة السيد أمين الحسيني مفتى فلسطين والأستاذ محمد حامد أبو النصر عضو مكتب الإرشاد لزيارته , ولما علم الدكتور السنهورى بقدومهم طلب رؤيتهم , ودخلوا إليه فى حجرته وقبله فضيلة المرشد وقد غطت الأربطة الطبية جميع أجزاء جسده .. وشكرهم وانصرفوا .

وفى خضم هذه الأحداث اتصل أحد سكرتيرى الرئيس محمد نجيب بالأستاذ محمد حامد أبو النصر لإبلاغ المستشار الهضيبي بأن الرئيس نجيب يرغب فى لقائه سراً فى مكان وزمان لا يعرفهما أحد خاصة جمال عبد الناصر ـ فقال الهضيبي كيف هذا ؟! .. إذا كان هو رئيس الجمهورية ويخاف يقابلنى .. فماذا أقول له ؟! وكتب الهضيبي مذكرة أرسلها لعبد الناصر فى 4 مايو 1954 طلب فيها إلغاء الأحكام العرفية والإجراءات الاستثنائية وإعادة الحياة النيابية وإلغاء الرقابة على الصحف والإفراج عن المعتقلين وتوحيد الصفوف , وعلق عبد الناصر على المذكرة بقوله : إنها [ إنذار على يد محضر ].

وصودرت املاك بعض الناس والعائلات ظلماً وسجن بعض الناس ظلماً , بل وأُعدم بعض الناس ظلماً وعدواناً , ناهيك عن التعذيب والإهانات , وقتل بعض المسجونين دون محاكمة , وتعذيب بعضهم حتى الموت ودفنهم فى صحراء مدينة نصر , طريق صلاح سالم الآن , وفى مبنى الاستاد بمدينة نصر قبل إنشائه .

والعجيب أن المتهمين كانوا يحضرون أمام المحاكمات العسكرية أمام الصحفيين وغيرهم وآثارالتعذيب الشديد ظاهرة على وجوههم واجسامهم , ومنهم من كسر ظهره أو ذراعه أو قدمه , حتى ان جمال سالم رئيس المحكمة طلب من الشهيد يوسف طلعت أن يقرأ الفاتحة بالمقلوب ورفض يوسف طلعت وقرأها صحيحة فقذفه جمال سالم بالمطرقة فى وجهه , وكان يسأل أى متهم : هل تحفظ سورة الأنفال أو سورة آل عمران , ولكل سورة عنده تسعيرة فى سنوات الحكم على المتهم , وهذا هو قضاء عبد الناصر وقضاء ثورة يوليو !! .

كما حدث فى محكمة جمال سالم العسكرية التى سُميت بمحكمة الشعب التى حاكمت الإخوان المسلمين واتهمتهم بمحاولة قتل عبد الناصر بالمنشية , وهى المحاولة التى قال عنها حسن التهامى ـ مستشارعبد الناصر ومستشار السادات وأحد قادة الضباط الأحرار ـ : إنها تمثيلية محكمة دبرها عبد الناصر بنصيحة من المخابرات الأمريكية لتزداد شعبيته وينتهز الفرصة ليقضى على الإخوان .

وحكمت محكمة جمال سالم الذى وصفه زميله فى المحكمة حسين الشافعى لى شخصياً بالجنون , حكمت هذه المحكمة على سبعة بالإعدام شنقاً فى ادعاء محاولة اغتيال لم يقتل فيها المجنى عليه المزعوم .. فأى قضاء هذا !! وفى شرع من هذا الحكم !! خاصة وتاريخ كل من الذين أُعدموا حافل بالجهاد فى سبيل الله , فى فلسطين ضد اليهود وفى القناة ضد الإنجليز , ومنهم العالم الداعية الجليل , والمستشار الفاضل , وكانوا على علاقة صداقة متينة بعبد الناصر الذى أخبرنى حسين الشافعى أنه وضع أحكام الإعدام بنفسه , وأصر على تنفيذها رغم اعتراض بعض الأعضاء ؛ خاصة أنه أصر على إعدام المستشار عبدالقادر عودة صديقه الصدوق , وكذلك الشيخ محمد فرغلى العالم المجاهد الجليل وصديق عبد الناصر , كما أنه أصر على إعدام سيد قطب العالم الجليل وأستاذه الروحى رغم توسط رؤساء الدول الإسلامية والعربية , ولم يرحم إصابته بالسل والسكر والقلب وغير ذلك وهو فى هذه السن المتقدمة .

ومما يذكر أن جمال سالم فى آخر أيامه كان مريضاً بالسرطان , وكان يجلس فى الكعبة وفى مسجد الأمام الشافعى والسيدة زينب ويبكى وينتحب ويطلب الصفح والمغفرة من الله لأنه اخطأ فى حق الإخوان المسلمين , وأن عبد الناصر ضحك عليه وخدعه , وكان كل ذلك على مسمع كثير من الناس , وعندما زاره الرئيس محمد نجيب عند احتضاره ؛ قال له جمال سالم وهو يبكى : سامحنى يا ريس .. منه لله الشيطان اللى كان بيسلطنى عليك . يقصد "عبد الناصر" .

فهل هذ محاكم ؟1! وهل هذا قضاء؟!!

هذا إفك وتدليس وعدوان على حقوق الإنسان وإهدار للقضاء المصرى النزيه .

وحتى الآن تشكل محاكم عسكرية استثنائية لمحاكمة بعض الأفراد المنتمين للإخوان المسلمين وغيرهم من أعضاء التنظيمات الإسلامية .

فلماذا لا يحاكم هؤلاء امام القضاء المصرى العادى ؟ ولماذا لاتستكمل التحقيقات فى قتل بعض أفراد هذه الجماعات مثل المحامى عبدالحارث مدنى الذى مات من التعذيب فى السجن . وكذلك الدكتور علاء محى الدين المتحدث الرسمى بأسم الجماعات الإسلامية الذى قتل جهاراً نهاراً فى شارع الهرم ؟ وهذه القضايا لازالت حبيسة أدراج النائب العام .

نريد أن نعطى القضاء المصرى حقه , ولانعتدى على اختصاصاته أو حقوقه وأن نعطيه الفرصة ليدقق ويبحث ويحكم بالعدل وبما يرضى الله .

وقبل ذلك كله , لا نعتدى على حقوق هذا الشعب ونهدرها ونغتالها وبعد ذلك نتشدق بأننا فى أزهى عصور الديمقراطية .. وكلنا يعرف هذا الخداع .

الفصل السادس السادات .. والإخوان !

تولى السادات الرئاسة بصفته نائبأ للرئيس عبد الناصر , وكان يقوم بالدعاية له مجموعة عبد الناصر المكونة من على صبري , وشعراوى جمعة , وسامى شرف , ومحمد فوزى , وعبدالمحسن أبو النور, كما هو معروف ليكون رئيساً مرحلياً ثم يطيحوا به بسهولة ـ حسب رأيهم ـ لكن تخلص منهم السادات فى 14 مايو , وكما قال لى السادات إنهم [ كتر خيرهم ربطوا نفسهم جميعاً بحبل وأنا شديته ] .

وأفرج السادات عن الإخوان , وفتح مصر امام الهاربين من نظام عبد الناصر , والمحرومين من الجنسية , وأعاد رجال القضاء المفصولين , وألغى الحراسات , والإجراءات الاستثنائية والمظالم , وأعد الأحزاب , وأعاد لمصر كرامتها ونجح فى عبور القناة واسترداد سيناء .

ولا ينكر أى منصف إيجابيات السادات التاريخية العظيمة , وكيف أمن الناس فى عهده على كرامتهم وأموالهم وحريتهم .. جزاه الله عنا خير الجزاء , ولا يستطيع أى كاتب أو معلق , مهما أوتى من بلاغة , أن يوفى هذا الرجل حقه رغم بعض سلبياته , وله العذر فهو بشر يخطىء ويصيب , وإن كانت بعض هذه السلبيات المسئول عنها بعض مستشاريه أو أقاربه كزوجته أو بطانته وهم سكرتاريته وبعض معاونيه والأمثلة كثيرة وكثيرة .. منها ما ظهر .. وما خفى كان أعظم .

وهذه سُنة الحياة وكواليس الحكم ودواليبه تحوى الكثير , ولكن هناك الخطوط الحمراء , فليس كل ما يعرف يقال , وليس كل ما يقال ينشر أويكتب , وهناك من الوقائع التى تمس عدبالناصر أوالسادات لن يصدقها بعض الناس , لأن شهودها ماتوا , أو لأنها غير موثقة ولكننا نصطدم بأحقية التاريخ فى سرد هذه الوقائع , وقد ارتكب السادات فى شبابه بعض الأخطاء مثل قتل أمين عثمان والاعتداء بالقنابل على مصطفى النحاس باشا .

التصرفات المعيبة لمراكز القوى

وبعد تولى السادات كان الفريق محمد فوزى وزيراً للحربية وقائداً عاماً للجيش , وأثناء مروره على القوات فى القناة حدثت مناقشات عن الموقف العسكرى , انتهت بمشادة واعتراض من العميد "عبدالقوى عزت محجوب " أحد ضباط الصاعقة والمظلات المرموقين .. فأمر الفريق فوزى بمجازاته وأحاله إلى الاستيداع , وحضر إلى بطنطا وكنت مديراً بمستشفى المبرة , وقد حضر بصحبه الصديق الدكتور عزيز عبدالعليم أستاذ الجراحة بكلية طب طنطا , واشتكى لى العميد عبدالقوى عزت من إحالته إلى الاستيداع , وطلب منى ـ أمد الله فى عمره ـ أن أخبر السادات بذلك , وقال لى : إن السادات يعرفه شخصياً منذ أن كان فى حرب اليمن , وكان عبدالقوى يشبه عبد الناصر شكلاً إلى حد كبير , وأخبرت السادات بهذه الواقعة وأخبرته أيضاً أنه قال لى بالحرف الواحد : إنه إذا لم يعده السادات إلى الخدمة فإنه لن يتورع عن "أن يسقط على السادات فى غرفته بمنزل الجيزة بالبراشوت ...".

وضحك السادات من قلبة , وأيقنت أنه يحبه ويقدره فعلاً .. واستغرب السادات أن هذه القرارات لابد وان تعرض عليه كرئيس للجمهورية , وطمأننى انه سيعيده فوراً إلى الخدمة .

وبر السادات بوعده .. ورقى عبدالقوى إلى رتبة اللواء بعد 14 مايو , ثم رقى إلى وظيفة قائد المظلات .. وهو الآن بالمعاش ويقيم بالإسكندرية .

وأحدثت عودة اللواء عبدالقوى دوياً فى القوات المسلحة , وعرف الجميع أننى وراء هذا الأمر , ففوجئت باتصال تليفونى من ضابط مظلات أو صاعقة (ن.ط) أخبرنى أنه نقل من الجيش إلى المجلس الأعلى للشباب والرياضة بدون ذنب , وأنه يريد العودة إلى الجيش , ورجانى أن أكلم السادات , مثلما تكلمت معه بشأن العميد عبدالقوى , وتكلمت مع السادات وبالتحرى عنه تبين أنه عند تفريغ التسجيلات الخاصة بمنزل المشير عبد الحكيم عامر سجلت له مكالمات غرامية مع هذا الضابط بصفته حارساً خاصاً للمشير , وسُجلت له مكالمات غرامية مع إحدى السيدات التى كانت على علاقة بالمشير ... وكشفت هذه المكالمات كثيراً من الأمور غير الأخلاقية , وصمم السادات على استمرار إبعاده عن القوات المسلحة وحضر إلى هذا الضابط بطنطا , وفاجأته بأمر هذه التسجيلات , واعترف لى وانصرف مذهولاً .. ولم يعد بالتالى إلى القوات المسلحة .

وبعد نجاح ثورة التصحيح فى 14 مايو 1971م كنت مسئولاً فى لجنة الضمانات القانونية والسياسية , وكان الجميع يعلمون صلتى بالسادات , وحضر إلى مكتبى بمبنى الاتحاد الاشتراكى بكورنيش النيل الوزير " عبدالرحمن أبوالعنين " وكان يعمل برئاسة الجمهورية , احضر لى كشفاً بمصاريف مذهلة من الاتحاد الاشتراكى ثمن حفلات صاخبة وخمور ومآدب ومصاريف ضيافة وسيارات للوفود الأجنبية , ناهيك عن مصاريف الهدايا , وقال : إن مستندات الصرف بها مخالفات صارخة وبها تزوير , وأن ضميره يؤنبه بسبب السكوت على مثل هذه التصرفات , وكان رجلاً متديناً وصوفياً .. وحققت فى الموضوع فوجدت العجب العجاب .. وجدت أن المسؤولين كانوا يؤجرون القاعة الرئيسية للجنة المركزية , كانوا يؤجرونها كقاعة مؤتمرات ثم يستولون على عائد هذه الإيجارات لأنفسهم , ووجدت كماً هائلاً من السيارات المرسيدس فى جراج الاتحاد الاشتراكى وهى خاصة بالضيافة , كانت تؤجر لشركات السياحة ويتم الاستيلاء أيضاً على إيراداتها ؛ علاوة على تزوير مستندات صرف وبدلات , ووجدت أنهم جعلوا شهر فبراير واحداً وثلاثين يوماً ليزيدوا من مكافآتهم وبدلاتهم .

وكانت هذه التصرفات تتم بمعرفة قيادات التنظيم الطليعى , وحضر إلى تاجر فاكهة شهير بشارع عبدالخالق ثروت كانت له مستحقات , واعترف لى بأن هؤلاء المسئولين كانوا يطالبونه بفواتير وهمية باهظة أكثر من الحقيقة وإلا يوقفون التعامل معه .

كان المتبع أن الوفود الرسمية التى تسافر إلى دولة أخرى تأخذ معها بعض الهدايا من منتجات البلد لتقديمها كهدايا لكبار المسئولين , فكانوا يأخذون من مصر هدايا من خان الخليلى وبعض السجاد والتماثيل الأثرية, وثمار المانجو وغيرها , كل هذا على نفقة الدولة , ثم تعود الوفود محملة بالهدايا الشخصية من تلك الدول رداً على هذه الهدايا ....

ورحم الله دكتور حلمى مراد الذى كان وزيراً للتعليم , وأهدى له أحد أمراء الخليج ساعة ماسية ثمينة , وبعد عودته وضعها فى علبة وأرسلها بخطاب إلى رئاسة الجمهورية قائلاً : إنها قدمت له بصفته وزيراً , وبعد 14 مايو وجدت هذه الساعة فى منزل أحد الوزراء المرموقين فى عهد عبد الناصر أثناء تفتيشه , وكان يعمل وقتها برئاسة الجمهورية .

والعجيب أن جميع المسئولين الذين حوكموا فى عهد عبد الناصر أمثال "صلاح نصر" , " وشمس بدران" وغيرهم من القيادات , لم يحاكموا على فسادهم أو سرقاتهم أو جرائم التعذيب والقتل وهتك الاعراض , ولا على خيانتهم للوطن , وإهمالهم واستهتارهم الذى أدى إلى هزيمة 1967م , وإنما ـ وياللعار ـ حوكموا لأنهم حاولوا القيام بالانقلاب والاستيلاء على السلطة , وكانوا فى سجونهم معززين مكرمين , وأفرج عنهم بعد ذلك . حتى أن شمس بدران الذى ارتكب العديد من جرائم التعذيب والسرقات واستغلال النفوذ والتصرفات غير الأخلاقية وتسبب فى هزيمة 1967م مع غيره ـ التى ضاع فيها شباب الجيش ومعداته ـ هذا الشخص الذى حكم عليه بالأشغال الشاقة لأنه حاول الاستيلاء على مقاليد الحكم ليكون رئيس الجمهورية بموافقة عبد الناصر وعبدالحكيم عامر ـ بعد تولى السادات الحكم أفرج عنه وأعطاه جواز سفر دبلوماسياً وأوصله ممدوح سالم معززاً مكرماً حتى مطار القاهرة, واتجه إلى لندن حيث أقام , وضاعت منه كل ثروته المهربة والمنهوبة , وتركته زوجته وأولاده وعادوا إلى القاهرة وهى تعمل أستاذة بالجامعة الأمريكية , ووصل به ضيق الحال إلى أن تزوج سيدة إنجليزية تكبره سناً , وافتتح محل لبيع الجبن هناك , وهى التى تنفق عليه .

وإن الله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل , والحساب فى الآخرة أشد وأنكى .

ولاننس أن عبد الناصر , بعد أن اختلف مع الإخوان المسلمين , قام بالإفراج عن قتلة حسن البنا الذين حُكم عليهم بالأشغال الشاقة فى عهده , وذلك نكاية فى الإخوان المسلمين .. ونسى الله عز وجل فأنساه نفسه , وأى منطق هذا فى فكر عبد الناصر إلا التفاهة والحقد الأسود وعمى البصيرة .

فقد كانت الأهواء والأغراض تتحكم فى كل شىء , والاحتفاظ بالسلطة والكراسى هى الهدف الأسمى ولو على حساب أشلاءهذا الشعب المسكين .

وعندما ذهب شمس بدران إلى عبد الناصر صباح يوم الهزيمة مخبراً إياه بتحطيم كل سلاح الطيران , وقال لعبد الناصر : أنا أقترح انسحاب قوات الجيش فوراً من سيناء وترك الأسلحة والمعدات , وذلك لتامين سيادتكم وتأمين النظام .. ولم يكن فى تقديرهم إنقاذ شباب الضباط ولا معدات الجيش ولا كرامة مصر , وجيش مصر !!.

ومازالت مصر تعانى كل المعاناة نتيجة هذه التصرفات , وعند محاكمة صلاح نصر كان عبد الناصر يجلس فى منزل محمد حسنين هيكل قرب شيراتون الجزيرة , وجهز بالمنزل سماعات للإستماع إلى أقوال صلاح نصر ، وقد كان عبد الناصر يخشى من أقواله ، وأسراره ؛ مع العلم أن صلاح نصر كان حريصاً كل الحرص على عدم مهاجمة عبد الناصر أو هتك أسراره أو التعريض به حتى لا يعدمه ويقتله أو يتخلص منه .

والغريب أن معظم الذين تولوا المناصب الرئيسية في السلطة في مصر لم يكونوا فى يوم من الأيام من الضباط الأحرا ر مثل "على صبري " مثلاً , وقدعمل جمال عبد الناصر على إبعاد كل الشخصيات القوية عن الحكم , وتخلص منها فرادى منذ قيام الثورة حتى يخلو له الجو .. دون اعتبار للأخوة أو تاريخ الجهاد أو المشاركة فى الثورة حتى أنه لم يرحم الدكتور [ رشوان فهمى ] نقيب الأطباء والأستاذ بجامعة الإسكندرية الذى أرسل له أول برقية تأييد للثورة قبل خلع الملك فاروق , وقبل أن تتضح الأمور , والكل يعرف ذلك , وعندما انتقد عبد الناصر فى إحدى الجلسات مطالباً بإعطاء قصر العينى إمكانات قناة السويس للإصلاح , اعتقله عبد الناصر وهو فى سن كبيرة , ووضعه تحت الحراسة , وعندما ذهبت السلطات لإحصاء أملاكه وجدوا أنه لايملك شيئاً على الإطلاق , ووجدوه يقيم فى شقة متواضعة من غرفتين .. وهكذا يكون الوفاء .

وقد كنا ونحن طلبة فى الطب وبعد تخرجنا ننظر إلى الدكتور رشوان فهمى باعتباره الرجل المثالى ومثلنا الأعلى , لقد كان يمشى على رجليه , ويقول الحق ولا يخشى لومة لائم . ولن ينسى التاريخ ما فعله عبد الناصر بالصحفى " مصطفى أمين " الذى قام بأدوار وطنية فى سبيل مصر , وخانه عبد الناصر وسجنه , ونسى أنه أرسله أيام العدوان الثلاثى فى طائرة خاصة إلى أوروبا وأمريكا لخدمة القضية الوطنية والاتصال بكل الجهات المعنية التى يعرفها , وكذلك نسى عبد الناصر أن مصطفى أمين هو الذى أرسل إليه محمد حسنين هيكل بعد قيام الثورة ليجرى معه حواراً صحفياً , حيث تعرف عليه عبد الناصر وأعجب به وصادقه .. وأصبح أمين أسراره .. وصديق عمره .

مفارقات عجيبة

ومن المفارقات العجيبة أيام حكم السادات , أننى كنت عنده فى ميت أبو الكوم فى أحد الأيام ودخلت عليه الحجرة فوجدت طبيباً ضابطاً بالجيش برتبة لواء ويعمل فى مستشفى المعادى للقوات المسلحة ـ يقيس له الضغط ويطمئن عليه صحياً ـ منتدباً من رئاسة الجمهورية , وفوجئت أنه زميل وأخ لى وكان محكوماً عليه غيابياً بخمسة عشر عاماً من الأشغال الشاقة فى محاكمات محكمة الشعب , وفى أحد الأيام ـ أيام كان أنور السادات نائباً لرئيس الجمهورية ويقطن فى فيلا بشارع الهرم , وكنت أجلس معه ـ وإذا بعبد الناصر يدخل فجأة وبصحبته الأخ ( نجيب جويفل ) الإخوانى المعروف والذى عرفه عبدالحكيم عامر بعبد الناصر واحتضنه عبد الناصر وجعله ضابط اتصال مع منظمة فتح وياسر عرفات , وجمعتنا غرفة واحدة نحن الأربعة حتى خرجت أنا وهو من الغرفة وتركنا عبد الناصر والسادات على انفراد وجلسنا نحن سوياً ,

وبعد ذلك اكتشف عبد الناصر مؤامرة لنسف المنصة التى كان يشاهد منها استعراض القوات المسلحة يوم عيد الثورة أمام فندق هيلتون , أن مدبر المؤامرة هو ( نجيب جويفل ) واتهم معه الضابط ( عبدالقادر عيد ) مدير مكتب عبد الحكيم عامر وآخرين وقُبض عليهم وحوكموا , وحُكم عليهم بالأشغال الشاقة , ولكن نجيب جويفل هرب واختفى بسرعة البرق وظهر فى لبنان , وتعقبته أجهزة عبد الناصر وحاولوا خطفه فى بيروت ووضعه فى صندوق وشحنه إلى مصر , ولكنه اكتشف هذه الخديعة وفشلت الخطة وعادوا إلى مصر دون تنفيذ مهمتهم .

وفى إحدى المرات كنت أؤدى فريضة الحج وتقابلت مع أخ يعمل بالسعودية هو المرحوم ( فتحى عرس )وقد نال من التعذيب ما ناله حتى أجريت له عملية ( تربنة ) فى رأسه , وكان من الصابرين المجاهدين , وفجأة ونحن فوق جبل الرحمة فى يوم عرفات إذا به تنتابه حالة عصبية ويمسل بتلابيب أحد الحجاج , ويقول له يا قاتل يا مجرم قتلت الحاج سيد جروين وغيره وعذبتنى حتى أصبتنى إصابات بالغة , وأمسكه من رقبته وكاد يقتله لولا أنى أنقذته , فقد كان هذا الضابط صديقاً لى وكان يعمل مفتش مباحث أمن الدولة فى عدة محافظات , وانتهى به الأمر أن عين محافظاً فى عدة محافظات , ورأيت الضابط يبكى وهو يقبل رأس الأخ فتحى عرس معتذراً , ويقبل يديه ويبكى بكاءً مراً ويقول له : الفاتحة بالسماح علشان خاطرى , أنا آسف , أنا غلطان .. أنا أجرمت فى حقك . واصطحبتهما إلى الخيمة ومعنا بعض الأصدقاء , وكان الضابط يبكى بكاءً مراً هذه كانت الأوامر .. منهم لله !!

. . . . ولا زال هذا الضابط على قيد الحياة . . . . .

وكنا ونحن طلبة بكلية الطب لنا نشاط إخوانى كبير , وكان أساتذتنا يقدروننا ويحبوننا حتى أنهم كانوا يتدربون معنا على السلاح بأنواعه أيام حركة الفدائيين فى القناة , واستشهد زميلنا الطالب "أحمد المنيسى " بالسنة الثالثة فى معركة التل الكبير الشهيرة , والتى قتل فيها خمسون ضابطاً إنجليزياً عند نسف القطار .

وكان لنا زميل دراسة وهو الدكتور ( حسين كامل بهاء الدين ) وزير التعليم الحالى وكان طالباً مثالياً فى أخلاقه وعلمه وودوداً ومجاملاً , وكان يقول لى يا محمود يا بطل السياسة والجرى مع الإخوان , روح ذاكر كلمتين ينفعوك . وبعد تخرجنا اشتغل هو بالسياسة وعمل أميناً للشباب فى الاتحاد الاشتراكى وذكرته بذلك , وقلت له رأيى .. أنه لابد أن يزاول مهنته كطبيب أطفال ناجح , ويعمل بالسياسة أيضاً , ولكنه لم يستمع إلى رأيى ولم يوافقنى .

وكان معنا فى نفس الدفعة ( الدكتورة نوال السعداوى ) التى نجحنا فى ضمها للإخوان وتحجبت فى ملابسها وغطت رأسها . وكانت ملابسها على الطريقة الشرعية ونحجت فى أن تنشىء قسماً للإخوات المسلمات من طالبات الكلية كما أنشأت مسجداً لهن فى الكلية وكانت تؤمهن فى الصلاة , وكنت أنا ضابط الاتصال بينها وبين الإخوان .. وأقنعت هى كثيراً من زميلاتها بالانضمام للأخوات المسلمات , وكانت تحضهن على الصلاة والتمسك بالزى الإسلامى فى وقت كان الحجاب بين النساء نادراً , وكانت تخطب فى المناسبات الإسلامية وفى حفلات الكلية باستمرار , وكان والدها يرحم الله من علماء كلية العلوم , هو الشيخ سيد السعداوى , ولكن للأسف انقلب حالعا وتغيرت أمورها إلى ما وصلت إليه الآن . واتهمت بالإلحاد والإباحية .

أما الدكتور فؤاد محى الدين فقد كان يسبقنا بسنوات وكان شيوعياً فى تنظيم " حدتو" وفى خلية شيوعية بالسيدة زينب مع المرحوم الدكتور " سعد الدين فؤاد " وكيل وزارة الصحة فيما بعد .. وكان له نشاط سياسى ملموس بالكلية وكان متطلعاً للمناصب منذ صغره .

خلاصة القول أن حكم الفرد والتمسك بالسلطة وإهدار المبادىء والاستهتار بالقوانين ... أيام حكم عبد الناصر ؛ كان السبب المباشر هى كل ما حدث فى مصر من خراب وهزائم منكرة , فقد كانت شخصية عبد الناصر المتسلطة منذ تشكيل الضباط الأحرار هى السمة الظاهرة على حبة وتطلعه للزعامة والانفراد بالقرار , لقد عمل منذ نجاح الثورة وبذكاء على الإطاحة بكل الشخصيات القوية التى شاركته فى إنجاح الثورة , وكان منهم السجين والمعتقل والمبعد إلى خارج البلاد والمفصول من وظيفته .. كل ذلك فى عهده , حدث ذلك تدريجياً حتى صفى كل القائمين معه بالثورة من الضباط الأحرار , وتولى عن طريق كثير من الشخصيات التى لم تكن فى يوم من الأيام من الضباط الأحرار مثل ( على صبرى ) الذى وصل إلى منصب نائب رئيس الجمهورية وأمين عام التنظيم السياسى ومركز القوة الشهير رغم أنه لم يكن فى يوم من الأيام من الضباط الأحرار أو اشترك فى القيام بالثورة أو الإعداد لها , وكذلك الفريق أول (محمد فوزى ) الذى ذهب إليه عبد الناصر بنفسه وأرسل له محسن عبدالخالق وعباس رضوان قبل الثورة بأيام وكان كبير معلمى الكلية الحربية وعرضوا عليه الانضمام لتنظيم الضباط الأحرار , ولكنه رفض بكل شدة , وبعد ذلك عينه عبد الناصر قائداً عاماً للقوات المسلحة , وقد عاتب محسن عبدالخالق عبد الناصر على ذلك , فقال له ضاحكاً : يكفيه أنه علم عنا ولم يبلغ الملك .

واطاح عبد الناصر بمحمد نجيب ورشاد مهنا , وكانا من أعمدة الثورة , بل نكل بهما وسجنهما وعاملهما أسوأ معاملة , رغم مكانتهم وتاريخهما , وشتان بين معاملته لهما ومعاملته للملك فاروق عند تنازله عن العرش .

وكذلك ما فعله عبد الناصر مع زملائه من الضباط الأحرار فى سلاح المدفعية والفرسان حينما طالبوا بالديمقراطية !!.

ولم تكن مقاييس المعاونين لنظام الحكم هى الناحية الأخلاقية أو الإخلاص للمبادىء , ولكن كانت المقاييس هى الولاء لشخص الحاكم دون النظر إلى أخلاقياته أو نزاهته أو وظيفته .

وضمن عبد الناصر لقوته بتولية صديق عمره وصهره عبدالحكيم عامر للقوات المسلحة , وأصبح عبد الناصر الحاكم الفرد القوى صاحب القرار , لأن القلم فى يده وهو رئيس , دون مراجع أو محاسب , والقوة وهى الجيش تتبعه .

فلما اختلف مع عبد الحكيم عامر قائد الجيش .. اختل التوازن واهتزت الأوضاع , وكل حاكم فرد مستبد ومنفرد بالسلطة لابد وان يضمن ولاء الجيش له , بكل الأساليب , وكذلك قائد الجيش , ويرتعد الحاكم عند شعوره بأى تذمر أو اهتزاز فى الجيش , وكان السادات رحمه الله يقول دائماً لى إنه حريص كل الحرص على أن يكون القائد العام للجيش ورئيس الأركان على غير محبة أو وفاق حتى لا يتفقوا على وقد يطيحوا بى إذالاحت لهم الفرصة , وهذه قاعدة ذهبية لكل حاكم .

ونكل عبد الناصر بكل القوى السياسية بمصر مثل الإخوان المسلمين والوفد وجميع القوى الشعبية أو الشخصيات المصرية المخلصة والقوية أو أى صاحب رأى حر يجاهر أو يلمح به مثل الصحفيين كمصطفى أمين وأنيس منصور وأحمد أبوالفتح , ومحمود عبدالمنعم مراد , وإحسان عبدالقدوس , وغيرهم , كل ذلك ليخلو له الجو للانفراد بالقرار والسلطة , ولكن شاءت إرادة الله أن ينهزم فى [[[سوريا]]] وتسقط الوحدة , وأن ينهزم فى [[[اليمن]] ] ويدمر جيشه .. وأن ينهزم هزيمة مرة فى [حرب 1967م ] .. وهذه الهزائم كانت نتيجة حكم الفرد والتسلط والديكتاتورية , وكذلك نتيجة طبقة الحكام الفاسدة التى كان يعينها وكانت حوله , وأصبح عبد الناصر رمزاً لأسود تاريخ فى حياة مصر , مهما روج المطبلون والمزمرون الذين يحاولون أن يزوروا وقائع التاريخ , أو يخدعو الشباب الذى لم يعش أيام حكمه , ولم يشاهد الجو الكئيب الحزين , والرعب والفزع القاتل الذى خيم على جو مصر , لقد كنا كل يوم فى مصر ننتظر خبراً حزيناً ولم تكن الأنباء أو الأحداث أو الأخبار كلها إلا الحزن , والغم , والهزيمة , رغم تغليف بعضها , ولى حقائقها بالشعارات الزائفة والتبريرات الكاذبة , إنهم حولوا النكسة إلى انتصار , والهزيمة إلى نجاح , وغباء الحاكم وأخطاءه القاتلة وجهله إلى حكمة ودهاء ووطنية.

أما أيام السادات فيعلم الله ويعلم الجميع أنها كانت فى معظمها أفراحاً للشعب , فمن إفراج عن المسجونين والمعتقلين , وفتح بوابة مصر لأبناءها المطرودين والمطاردين بالخارج , وإعادة رجال القضاء المفصولين فى مذبحة عبد الناصر , وإعادة الأموال والأملاك المصادرة إلى أصحابها , وإلغاء الملاحقات الأمنية والإرهاب الحكومى وأجهزة المخابرات والرقابة الإدارية والتسجيلات فى التليفونات وغيرها , وإصلاح كل العلاقات المقطوعة مع دول العالم وفتح القنوات معها , والتصريح بإنشاء الأحزاب وحرية الصحافة والتعبير .

ثم ملحمة العبور العظيمة والنصر المؤزر وعودة كرامة جيش مصر وشعب مصر بل الشعب العربى والإسلامى بحرب 6 أكتوبر المجيدة .

ولن ينهار الاقتصاد , أو تتراكم المشكلات أو يفسد المناخ السياسى إلا فى ظل جو الديكتاتورية الخانق , وحكم الفرد أو وجود المؤسسات الصورية أو الانتخابات الصورية أو القوانين الاستثنائية مثل قانون الطوارىء , ومعظم هذه المشكلات تأتى لتمسك الحكام ومعاونيهم بكراسيهم وأصبحت الخلافات والمعارك هى معارك حول المناصب والاحتفاظ بها .. دون النظرإلى أى مبادىء أو أخلاقيات أو مصلحة وطنية .

وأصبح كل رجل مخلص وطنى فى مصر .. متآمر وخائن وعميل ولابد من سجنه واعتقاله وإبعاده عن المناصب وملاحقته , وذلك من وجهة نظر الحاكم , وتقوم كل الأبواق العميلة للسلطة على مختلف المستويات , بالتشهير به ومهاجمته دون النظر إلى أى رأى أو حوار مفيد .

وقد كان المستشار حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين ثاقب الفكر , بعيد النظر عندما تقابل مع عبد الناصر , وكشف حقيقة أغراضه للانفراد بالسلطة والقرار والديكتاتورية , ولم يوافقه البعض على تقييمه لعبد الناصر , ولكن الأيام بعد ذلك أثبتت صدق تقييمه , وصائب رؤيته , ولو كان عبد الناصر نزل على رأى الهضيبي وتفاهم معه ومع الإخوان لكان الحال غير الحال , ولتجنبت مصر هذه النكسات والهزائم والنكبات .

كلمة أخيرة

متى يُسجل التاريخ الحقيقى لمصر , ولحركة أو انقلاب أو ثورة 23 يوليو , والدور الحقيقى لكل ضابط حر .. أو هيئة .. أو جمعية ساهمت فى القيام بها .. أو تدعيمها .

متى يُسجل التاريخ الحقيقى لحروب 1956م , 1967م , 1973م وحروب اليمن , والانفصال عن سوريا , وتعيين المسئول عن الهزائم والنكسات والمصائب .

متى يُسجل ما حدث من أحكام إعدام وتعذيب وسجن وقهر , والأعداد الحقيقية لقتلى السجون والمعتقلات ومن المتسبب فى كل ذلك , ومن القائمون بكل هذه العمليات .

متى تذاع أسرار محاكمات رجال عبد الناصر وأعوانه الذين أدخلهم عبد الناصر السجون وحكم عليهم بالأشغال الشاقة لأنهم فقط تآمروا عليه , وليس لانهم انحرفوا وسرقوا وعذبوا وقتلوا وقهروا هذا الشعب أمثال صلاح نصر وشمس بدران وحمزة البسيونى .. وأعوانهم .

متى تذاع أسرار محاكمات على صبرى وسامى شرف وشعراوى جمعة وغيرهم من زملائهم .. وفيها أسرار حكم عبد الناصر وحقيقته .

تاريخ مصر فى هذه الحقبة إما مزيف , وإما مدفون ؛ حتى كتب التاريخ التى تدرس للأطفال فى مدارس وزارة التربية والتعليم .. أغفلت هذه الكتب دور اللواء محمد نجيب أول رئيس لجمهورية مصر , ومكتوب فيها نصاً : إن عبد الناصر أول رئيس للجمهورية .

لقد ناديت وأنادى بكل قوة , وأطالب " بمحكمة التاريخ " التى يجب تشكيلها من رموز العمل الوطنى والتاريخ النظيف , ليحاكموا الذين أجرموا فى حق شعبهم المصرى وتجاوزوا حدودهم , وكتموا أنفاسه وعبثوا بمقدراته , بحيث يكون جزائهم رادعاً وليكونوا عبرة لمن يحكموا بعدهم .

وإن كان السادات فى حركته التصحيحية فى (14 مايو) قد حاكم المجموعة الفاسدة التى كانت تحكم مصر أيام عبد الناصر , وهم على صبرى وسامى شرف , وشعراوى جمعة , والفريق محمد فوزى .. وغيرهم .. وغيرهم , وحقق معهم وحكم عليهم بالسجن مع الأشغال الشاقة , وكانت حكمة الله عز وجل بإذلال هؤلاء الذين أذلوا شعب مصر .. أن تراهم بالقفص وبالسجن .. حتى أنهم بنوا سجناً جديداً كانوا هم أول وافديه !!

ورغم أن جميع السلطات كانت فى حوزتهم كالجيش والشرطة والأمن المركزى والتنظيم الطليعى ووحدات الاتحاد الاشتراكى وتنظيماته , ولكن جموع الشعب الحاشدة كانت تخرج تلقائياً فى مظاهرات هادرة وتهتف قائلة (افرم.. افرم..يا سادات ) وذلك تعبيراً عن شعورهم تجاه هذه القيادات التى تبين أنها قيادات هشة تنادى بشاعارات جوفاء .

والعجيب أنهم وأبواقهم بعد وفاة السادات ادعوا أن السادات إدعى عليهم زوراً أنهم يدبرون لانقلاب على السلطة وعليه .. وأن هذا افتراء وغير صحيح .. وأن محاكمتهم باطلة .

ولكنى أقول لهم وبكل ثقة .. حتى ولوكانت مقولتهم صحيحة : إن السادات خلص الشعب من شرورهم , وحكمهم البغيض , ومما ساعد السادات أنهم كانوا مكروهين منبوذين من شعب مصر ولم يحزن عليهم أو يبكى عليهم أحد .

وكانت فرحة غامرة لكل طوائف الشعب , وضربة تاريخية موفقة من السادات , غيرت وجه تاريخ مصر إلى الأحسن , وخلص الشعب من شرورهم وتخطيطهم الكريه . وارتمائهم فى أحضان الشيوعية الكافرة الملحدة .

وأذكر أننى عند اصطحابى للسادات سنة 1969م لزيارة رسمية لسوريا أن طلبت من السادات ان تيسر لى السفارة المصرية فى دمشق لقاءً مع اللواء محمود الغراب عضو الضباط الأحرار واللاجىء السياسى فى سوريا والذى حكم عليه عبد الناصر بالإعدام , وقد كان زميلاً وصديقاً عزيزاً للسادات وتربطهم أيضاً صلة الجوار فى بلدتهم الريفية , فقد كان من طوخ دلكة وهى ملاصقة لميت أبوكارم , كما أن محمود الغراب كان يذهب كل شهر إلى السيدة إقبال ماضى زوجة السادات ويعطيها مبلغاً شهرياً من التنظيم أثناء سجن السادات , غير أن السيدة إقبال ماضى كانت تمتنع عن تقاضى هذه المبالغ .

وفرح السادات بطلبى , وطلب منى أن أحاول إقناعه بأى طريقة بالعودة إلى مصر بعد هذه الغيبة الطويلة , وأنه سيعمل على إعطائه درجة وزير وتدبير مسكن مناسب له بالقاهرة وتعويضه , ودبرت لى السفارة لقاءً معه فى سوق الحميدية , وصحبنى أحد رجال السفارة والتقيت هناك برجل شديد بياض الوجه يلبس جلباباً حريرياً وغطاء رأس , وتكلمت معه على أنه محمود الغراب . ولكنه رفض العودة إلى القاهرة , ورفض مقابلة السادات .

وبعد ثلاثين سنة زارنى العام الماضى اللواء محمود غراب , وفوجئت بأنه أسمر البشرة ولاتنطبق أوصافه بالمرة على الرجل الذى التقيت به فى دمشق , كما أنه أنكر أنه التقى بى فى سوق الحميدية , واكتشفت مؤخراً أننى وقعت فى كمين لتعرف السلطات المصرية عن طريق أجهزتها ما هو سر اتصالى باللواء محمود الغراب .

وقد كان ـ أمد الله فى عمره ـ من القيادات الممتازة التى اشتركت فى ثورة يوليو ولكنه كان من دعاة الحكم بالإسلام والحريات , وكان ضد كل الإجراءات الديكتاتورية والاستثنائية , وقد رفض كل الإغراءات وأصر على مبادئه يعيش من أجلها .

الفصل السابع الإخوان .. والجماعات !

استمر الإخوان فى نشر دعوتهم منذ إنشائها على يد مرشدها (الشهيد حسن البنا ) منذ أيام الملك فاروق , واضطر البنا لإنشاء الجهاز الخاص السرى للإخوان المسلمين لمحاربة اليهود والإنجليز , وليكون عماد القوة للدعوة فى أى طارىء , وأسماه ( النظام الخاص ) وكان رئيسه المرحوم [ عبدالرحمن السندى ] واستمر السندى فى الإشراف على النظام وتوسيع قاعدته و الارتقاء فيه ببرامج التربية الدينية والرياضية والعسكرية والثقافية حتى أصبح قوة يحسب لها ألف حساب .

ولكن من وجهة نظرى أن الخطأ كل الخطأ كان فى القيام بحملات الاغتيالات للنقراشى والخازندار وعملية نسف المحكمة , وإن كان الجو السياسى فى تلك الأيام مشحوناً بالغضب الشعبى , وفورة الشباب الوطنى فى ذلك الوقت تسببت فى ظهور الكثير من التنظيمات السرية من الأحزاب المختلفة أو من غير الأحزاب , وقام بعض هذه التنظيمات السرية باغتيالات مختلفة مثل اغتيال (بطرس باشا غالى ) على يد جمعية اليد السوداء , واغتيال ( أحمد ماهر باشا ) رئيس الحكومة على يد المحامى محمود العيسوى عضو الحزب الوطنى , واغتيال ( أمين عثمان باشا ) وزير المالية على يد حسين توفيق وأنور السادات وزملائهما , ومحاولة اغتيال ( الزعيم مصطفى النحاس باشا ) أكثر من مرة على يد أنور السادات عضو الحرس الحديدى , واغتيال ( الضابط عبد القادر طه ) عن طريق الحرس الحديدى , واغتيال (الشهيد حسن البنا ) على يد الحرس الحديدى للملك فاروق وحكومة السعديين وأجهزة وزارة الداخلية ... وهذه الحوادث الإرهابية على سبيل المثال لا الحصر , وكل هذه الأحداث هى مبررات المناخ العام الذى كانت تعيش فيه مصر , ويجب ألا نلقى بالملامة على الإخوان المسلمين وحدهم , علماً بأن كل حوادث التفجير التى قام بها النظام الخاص , فى حارة اليهود وغيرها من المؤسسات كانت انتقاماً من غارات اليهود على المواطنين العزل فى مصر فى حى البرامون بعابدين أو مذابح دير ياسين أو غيرها من الحوادث الإرهابية العنيفة التى كانت تقوم بها منظمات اليهود الإرهابية مثل ( شتيرن ) أو (أرجون زوفاى ليومى ) أو ( الهاجاناه ) ... وغيرهما .

فلما عين المستشار ( حسن الهضيبي ) مرشداً عاماً .. برأي ثاقب فكره أن عبد الرحمن السندي أصابه الغرور وأصبح تطويعه ليس بالأمر السهل ، وأنه يستمد قوته وصلابة رأيه من رئاسته للنظام الخاص ، فعزله عن رئاسة النظام وعين بدلاً منه المهندس حلمي عبدالمجيد ، وكان ذلك قبل قيام الثورة بحوالي ستة أشهر وعين بعده يوسف طلعت رئيساً للجهاز , وكان عبدالرحمن السندى قد ثار ثورة عارمة ضد الهضيبي وطالب بسحب الثقة منه ومبايعة صالح عشماوي بدلاً منه , وأخذ يكتل الجبهات فى صفوف الإخوان ضد الهضبيى بكل ما أوتى من قوة من رجال الصف الأول وغيرهم , واستعان بعبد الناصر وأيده وآزره وكان يستقبله دائماً فى منزله ويتشاور معه , لكره عبد الناصر الشديد للهضيبى واختلافهما فى الرأى , وباءت كل هذه المحاولات بالفشل حتى أن معظم الذين وقفوا ضد الهضيبي للإطاحة به أو مطالبته بالاستقالة قد رجعوا إلى صوابهم واعتذروا للهضيبى , ومنهم من قبل رأسه ويديه , حتى الشيخ محمد الغزالى نفسه بعد ذلك اعتذر للهضيبى وندم على خطئه فى حقه .

ومن هنا انتهت أسطورة عبدالرحمن السندى , خاصة بعد فصل ثلاثة من قيادات النظام الخاص ومن أعوانه , وهم الإخوة محمود الصباغ وأحمد عادل كمال وأحمد زكى حسن , وقد قتل ـ كما أسلفنا ـ سيد فايز وهو من قيادات النظام الموالية للهضيبى بشحنة ناسفة وضعت داخل علبة حلوى يوم المولد النبوى , واتهم عبدالرحمن السندى بقتله , واتهم أحمد عادل كمال , واتهم أنور السادات أيضاً بتكليف من عبد الناصر ... وكانت أوصاف الشخص الذى أعطى شقيقة سيد فايز علبة الحلوى تنطبق على السادات .

وجرى تحقيق دقيق فى صفوف الإخوان بشأن هذا الحادث المفجع الذى أدى إلى فتنة صاخبة فى صفوف النظام الخاص وصفوف الإخوان المسلمين عامة , حتى أنه جرى تحقيق بين الإخوة داخل السجن الحربى .. ولكنهم لم يصلوا إلى شىء , وأصبح الموضوع لغزاً غامضاً , اللهم إلا أن تكون قلة لاتتجاوز أصابع اليد الواحدة علموا بحقيقة الحادث ولم يتكلموا إيثاراً للسلامة , واتهم السندى ظلماً وأعوانه بتدبير الحادث .

ولكننى ـ ويشهد الله ـ أجزم بأن ( المرحوم عبد الرحمن السندي ) لم يكن خائناً أو متآمراً أو قاتلاً , أو يريد بكل تصرفاته ضد الهضيبي أن يعمل على هدم صفوف الدعوة أو شق صفوف الإخوان أو الاعتداء على أى أخ أو إيذائه .. أو الفتك به , وإنما كانت المسألة عنده مجرد اختلاف فى الرأى , واجتهادات فى أساليب الإصلاح و لقد كان أخاً مخلصاً صادق الإيمان , مثالياً فى أخلاقياته , وتاريخه الجهادى الناصع , وتضحياته فى سبيل دعوته وإخوانه , وليرحمه الله ويجزل عطاءه .

وحدث التعذيب الرهيب وقُتل بعض الإخوان فى السجن الحربى ومذبحه طرة وغيرها من السجون فى عهد عبد الناصر ... مما ولد فى نفوس بعض الإخوة شيئاً من اليأس من هؤلاء الحكام أو إصلاحهم بالحكمة والموعظة الحسنة , وتولد عندهم بالتالى فكر تكفير الحاكم .. وظهر مبدأ الحاكمية لله .. وغيرها من الأفكار التى تحض على العنف وعلى تغيير الحكم والحاكم بالقوة ... وألف الشهيد سيد قطب كتابه الشهير " معالم فى الطريق " وتداولته أيدى شباب الإخوان وشيوخهم .

وظهر تيار [جماعة الشباب المسلم ] بين صفوف النظام الخاص , وكانت فلسفتهم باختصار : أن الشباب يجب أن ينشغل أولاً وأخيراً بالتربية الإسلامية , وتوسيع مفاهيمهم , بدراسة الشريعة والسنة , وأن فريضة الجهاد ومقاومة الحاكم يجب ألا تكون الهدف .. وظهر هذا التيار بعد وفاة حسن البنا وأخذ (الدكتور عبد العزيز كامل ) مجموعة من شباب النظام الخاص وعرفهم بالمرحوم الشيخ الداعية العلامة ( محمد شاكر ) , وأخذ يلقنهم الدروس فى هذا الإطار.. وتزايد عددهم بسرعة , وكان معظمهم من حى الروضة بالقاهرة , وكان منهم د. كمال حلمى , والمذيع أحمد فراج , والدكتور محمد الشاوى , والأستاذ محمود نفيس حمدى , والأستاذ على رياض والأستاذ على عطية , ود.إبراهيم فوزى حسنى وآخرين , وتسبب ذلك فى خلافات فقهية وفكرية واسعة بين أفراد النظام الخاص , وأفراد ( الشباب المسلم ) مما زاد من شق الصفوف وبذر بذور الخلاف بين الشباب , ولقد زاد الأمر سخونة بعدما افتتحوا مكتبة الشباب المسلم أمام المركز العام للإخوان المسلمين تبيع كتب التراث القديمة التى كان يهتم بها وينشغل بالتعمق فيها أفراد الشباب المسلم .

وقد انهارمعظمهم عندما دخلوا سجون عبد الناصر , وكانوا فى شجار مستمر مع باقى الإخوان وتسببوا فى مشاكل كثيرة وكانوا يكتبون رسائل تأييد لعبد الناصر من داخل السجن .

وكان يرعاهم الأستاذ فريد عبد الخالق والأستاذ أحمد عبدالعزيز جلال , والعجيب أنه رغم كل ذلك .. فإن مجموعة كبيرة من الشباب المسلم قد اشتركوا فى حرب القناة ضد الإنجليز .

وحدثت هزيمة حرب 1967م , وانكسر عبد الناصر , وضاعت هيبه , وفضحت أجهزته كلها التى تآمرت عليه وأهمها الجيش والمخابرات .. وقتل حبيب عمره وصهره عبد الحكيم عامر , وسجن معظم أعوانه بتهمة التآمر , وليس بتهم السرقات والإنحرافات بانواعها التى ارتكبوها , واشتدت الأمراض على عبد الناصر , وأصبح لا يقوى على الحكم أو اتخاذ القرارات , وسلم نظام حكمه لمجموعة من بطانته الذين كانوا يجتمعون يومياَ فى مكتب سامي شرف لبحث أمور الدولة وختمها بختم عبد الناصر الذى اعطاه لهم , وكانت المجموعة تضم على صبرى وشعراوي جمعة , ومحمد فوزى ومحمد حسنين هيكل , وطبعاً سامي شرف وأمين هويدى بصفته مدير المخابرات , وبعد ذلك اختلف معهم وابعدوه , وكان يرأس هذه المجموعة أنور السادات الذى تركهم يتصرفون فى كل شىء دون تدخل منه أو إبداء أى رأى , كما قال لى .

وبدأ فى هذا المناخ الحزين فى مصر ظهور بعض الصور الإسلامية فى المجتمع , وانتشر الحجاب بين السيدات , واتجه الناس إلى المساجد بصورة مكثفة , وازدادت مظاهر الاحتفال بالمناسبات الإسلامية مثل المولد النبوى الشريف وذكرى الهجرة والإسراء والمعراج , وغيرها من المناسبات , بعد أن عرف الناس خيانة الاتحاد السوفيتى لمصر وتسببه فى هزيمه 1967م , وبعد أن كان عبد الناصر وأجهزته كلها يحتفلون بعيد ميلاد لينين بدلاً من الاحتفال بالمولد النبوى , وذلك فى مقرات الاتحاد الاشتراكى .

وكانت الجامعة مرتعاً خصباً لتنامى نشاط الجماعات الدينية فى اتحادات الطلاب , وبدأت النشاطات فى كلية الهندسة بقيادة الطالب ( عصام الشيخ ) وانتشرت بعد ذلك فى كليات الجامعة المختلفة , وأصبحت الجماعة الدينية على مستوى الجامعة كلها , وكان من أعضاءها الطلبة : ( عبد المنعم أبو الفتوح ) , ( عصام العريان ) , ( حلمي الجزار ) , ( أبو العلا ماضي ) وغيرهم من الشباب الطاهر المسلم .. وهم من شباب الإخوان المسلمين , وكانوا يحتفلون بالمناسبات الإسلامية ويدعون إلى هذه الحفلات بعض كبار الدعاة المسلمين لإلقاء المحاضرات أمثال الشيخ ( محمد متولى الشعراوى ) , والشيخ ( محمد الغزالي ) , والشيخ ( حسن أيوب ) , والدكتور ( عبد العزيز كامل ) والدكتور ( أحمد كمال أبو المجد ) والدكتور (عيسى عبده ) والشيخ ( محمود فايد ) ...وغيرهم وكانوا يقيمون معسكرات داخل المدينة الجامعية يبيتون فيها ويصومون جماعة ويتهجدون ويشاركهم فيها هؤلاء الدعاة , بل ويشاركهم فيها الدكتور ( إبراهيم بدران ) رئيس الجامعة وهو الرجل المؤمن الصالح ـ أمد الله فى عمره ـ .

ثم دعى الشيخ محمد متولى الشعراوى فى يوم من الأيام لإلقاء محاضرة فى قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة , وكان الجمع حاشداً ومؤثراً حتى أنه بعد المحاضرة ـ كما قال الشيخ الشعراوى ـ حاول الطلبة أن يحملوا سيارة الشيخ على أعناقهم , وفى ذلك اليوم أعلنت ( الجماعة الدينية ) بجامعة القاهرة أنها غيرت أسمها إلى ( الجماعة الإسلامية ) , وأخذت نشاطاتها فى الازدياد وامتدت إلى الجامعات الأخرى برعاية وتعاطف [ الإخوان المسلمون ] ومساندتهم بالتوجيه والمساعدة وإمدادهم بالدعاة وغير ذلك ... والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة , وامتد نشاطهم إلى خارج الجامعات فى الأقاليم , فأنشأوا المدارس الخاصة والمستوصفات والمستشفيات ومحلات البقالة والمطابع ودور النشر وشركات المقاولات ... حتى أصبح نشاطهم ممتداً وناجحاً وتغلغلوا فى جميع أحياء المجتمع المصرى , وجميع المدن والقرى .

واستمرت الأمور على هذا النحو بعد موت عبد الناصر وتولى السادات السلطة ... الذى أفرج عن جميع الإخوان تدريجياً , وفتح مصر على مصراعيها للهاربين من حكم عبد الناصر أو المحرومين من الجنسية , وأرسلنى إلى مكة حيث تقابلت مع مجموعة من الإخوان فى الخارج وهم الدكتور ( يوسف القرضاوي ) , والدكتور ( أحمد العسال ) , والدكتور ( سالم نجم ) , والمهندس ( عبدالرءوف مشهور ) , والمهندس ( عبدالمنعم مشهور ) واتفقت معهم على أن يتعاونوا مع السادات بناءً على طلبه على أن يفرج عن جميع المسجونين والمعتقلين ويلغى كل الأحكام ويعيد إليهم جميع حقوقهم من وظائف وأموال وممتلكات وغير ذلك .. وبر السادات بوعده , وعاد الجميع إلى مصر .

وبهذه المناسبة .. أقول : إن عبد الناصر أراد أن يضرب الإخوان المسلمين ويكسر شوكتهم ويقضى على فكرهم , فكان من نعم الله عز وجل على هذه الدعوة أن هرب بعض أفرادها من جحيم عبد الناصر إلى خارج مصر فى جميع الدول العربية والأوروبية والأمريكية , وقاموا هناك بنشاطات علمية وثقافية وإسلامية وانتشرت دعوة الإخوان المسلمين انتشاراً مذهلاً فى جميع هذه الدول , ونشأ ( التنظيم العالمى للإخوان المسلمين ) وحصل كثير منهم على شهادات الدكتوراه وتقلدوا أرفع المناصب فى تلك الدول وجامعاتها ومؤسساتها وأثرى بعضهم ثراءً عريضاً نتيجة مشروعات أو تجارة أو مشاركات ... والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

وقام الناصريون والشيوعيون من طلبة الجامعة بمحاربة السادات وافتعال المظاهرات ونشر مجلات الحائط التى تهاجم السادات هجوماً عنيفاً , وكان السادات لا يريد أن يحيد عن الديمقراطية وحرية الرأى ... خاصة فى بداية حكمه , فعهد إلى " محمد عثمان إسماعيل " بإنشاء [ جماعة شباب الإسلام ] من بعض الشباب المسلم عن طريق أمانة التنظيم بالاتحاد الاشتراكى , وتولاها محمد عثمان بالرعاية , وللأسف الشديد كان معظم هؤلاء الطلبة غير ملتزمين التزاماً كاملاً بتعاليم الإسلام , فمنهم من يدخن أو يتكلم مع الطالبات وغير ذلك , وتمادى بعضهم فى استعراض قوته فى حرم الجامعة , فقاموا بالاعتداء على معارضيهم من الناصريين والشيوعيين بالضرب , حتى أنهم اختلفوا أيضاً مع أعضاء الجماعة الإسلامية وحاربوهم , وكما نشأت جماعة شباب الإسلام على يد محمد عثمان سريعاً , فقد استمرت حوالى سنتين ثم أنطفأت سريعاً أيضاً , واختفت اختفاءً كاملاً من الوجود وفشلت فشلاً ذريعاً رغم تدعيمها المادى والأدبى من أمانة التنظيم بالاتحاد الاشتراكى التى كان يرأسها محمد عثمان .

وانشغلت الجماعة الإسلامية بالتثقيف والنشاطات المختلفة حتى نمت وترعرعت ونجح الطالب " عبدالمنعم أبو الفتوح " الطالب بكلية الطب فى انتخابات اتحاد جامعة القاهرة وأصبح رئيس اتحاد طلاب الجامعة , وانتشرت الجماعة الإسلامية فى جميع جامعات مصر وأنحائها وأصبح لها رأى تعبر عنه بالمظاهرات والمؤتمرات ومجلات الحائط والنشرات المطبوعة .

وبدأت بعض التنظيمات فى الظهور والتنامى بأفكار ومناهج ومبادىء مختلفة ... تدعو إلى تكفير المجتمع أو تكفير الحاكم أو كليهما , وظهرت بعض الشخصيات التى ترعى هذه التنظيمات وتجمع حولها الأعوان , وإن كانت هذه الاعداد قليلة جداً , ولكنها كانت تشكل خطورة على النظام , لأنها كانت تؤمن بتكفير الحاكم والمجتمع , وبعضها كان يخطط لاغتيال رئيس الجمهورية وبعض الشخصيات المؤثرة التى استحلوا دمائها بفتاوى شرعية , وكان معظمها يستمد مبادئه من كتب الإمام " أحمد بن تيمية" و" أبو الأعلى المودودي " ," سيد قطب " وكتاب " الفريضة الغائبة " لصاحبه محمد عبد السلام فرج .

وألف محمد سالم رحال وهو أردنى الجنسية وكان طالب علم بجامعة الأزهر .. تنظيماً للقيام بفكرة تكفير الحاكم , وخطط لانقلاب عسكرى , ووضع للتنظيم لائحة وانضم له بعض الشباب وأخذ يجمع المعلومات عن بعض الشخصيات العامة بالدولة , وانتهى به الامر بعد رحلة طويلة بالسفر إلى الأردن , وقيل : إنه مصاب الآن بالجنون ؛ وقد شكك البعض فى أنه عميل للموساد .

تنظيم الجهاد

أنشأه المهندس " محمد عبدالسلام فرج " المهندس بإدارة جامعة القاهرة سنة 1979م باعتباره تنظيماً ذا طابع عسكرى , الغرض منه مقاومة السلطة الحاكمة فى مصر نظراً لانتشار الفساد والإفساد فى المجتمع المصرى والابتعاد عن تطبيق شرع الله , ووضع دستور أفكاره فى كتاب " الفريضة الغائبة " ويتلخص هذا الفكر فى أن طواغيت هذه الأرض لن تزول إلا بقوة السيف وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بشر بإقامة الدولة الإسلامية وإعادة الخلافة , وأن هذه أوامر المولى عز وجل , وواجب على كل مسلم بذل قصارى جهده لتنفيذها , وهذ فرض عين على كل مسلم ؛ حتى لو أدى الأمر إلى القتال , وقد ركز جهوده على إستقطاب الشباب من سن 20 ـ 30 سنة وكان تمويل هذا التنظيم يعتمد على تبرعات تجمع من المساجد وأرباح مشروعات الأسواق الخيرية التى أنشأوها .

وكان من ضمن أعضاء هذا التنظيم " كرم زهدى " و "ناجح إبراهيم " و " فؤاد حنفى " و " على الشريف " و" عصام دربالة " و " عاصم عبدالماجد " و " أسامة إبراهيم " و " محمد عبدالرحمن " . . . . وآخرين , وقد تم اعتقالهم وصدرت التعليمات من قيادة التنظيم إلى باقى الوحدات بالوجه القبلى وغيرها بالتفرق وحلق اللحية والهروب من مساكنهم , خاصة بعد القبض على " نبيل المغربى " وتفتيش منزل الضابط " عبود الزمر" بالمخابرات الحربية والعثور فيه على كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر .

وقد اعترف المتهمون بأن الحاكم كافر لأنه سخر من حجاب المرأة ووصفه بالخيمة , ونادى بفصل الدين عن السياسة , وأنه نظام جاهلى مخالف للشريعة , وأن الدستور الحالى يحمل عبارات جوفاء ليس لها أى مدى من التطبيق , وأن الدستور لابد وأن يكون إسلامياً كاملاً نظاماً ومظهراً , وأنه لابد من الجهاد فى سبيل الله وقيام الدولة الإسلامية لتحرير البلاد من قبضة هؤلاء الحكام الكفرة الذين لا يعرفون عن الإسلام سوى اسمه .

وكان تنظيم الجهاد هذا هو امتداد لتنظيم " صالح سرية " الذى دبر حادث الكلية الفنية العسكرية وحُكم عليه بالإعدام هو وآخرون , وحكم على آخرين بالسجن ولازالوا فيه , وهم من طلبة الكلية الفنية العسكرية .

لقد قال حسين الشافعى إن صالح سرية كان شريكاً لهم فى المؤامرة , ولكنه رفض بإلحاح وقال بالحرف الواحد : ( أنا عارف مصيرى ولا أريد أن ألقى الله بشهادة كاذبة ) , وقال حسين الشافعى : إن عنده تسجيلاً صوتياً لهذه الوقائع التى أثيرت فى المحاكمة , وكانت هذه المؤامرة التى خططها صالح سرية فى منتهى السذاجة والسطحية وضيعت كثيراً من الشباب .

التكفير والهجرة

ثم كان هناك تنظيم " التكفير والهجرة " وهى جماعة تدعو إلى تكفير المجتمع وتعتبر أموال الدولة حراماً من مرتبات وغيرها , وأن من يعمل فى الحكومة فهو كافر , وأنه يجب أن يعتزل الناس هذا المجتمع الكافر ويعيشوا فى الجبال وأن يتكسبوا بالتجارة حتى أن أحد طلاب الجامعة كان يبيع الأمشاط والزراير ويطوف بها الأسواق .

ولما هاجمهم الشيخ الذهبى وزير الأوقاف .. اختطفوه وقتلوه , ليكون عبرة فى نظرهم لمن يعارض أفكارهم , ولاقتناعهم بأنه كافر , وقد قتله ضابط شرطة بالتنظيم يسمى ( طارق عبدالعليم ) , وقد أُعدم مع شكرى مصطفى.

ويعلم الله أن " شكرى مصطفى " لم يكن فى يوم من الأيام من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين على الإطلاق , وأن بعض الإخوان ألفوا كتاباً بإشراف المستشار حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان وزميلهم فى السجن , وكان هذا الكتاب يسمى [ دعاة . . لا قضاة ] وكان الهضيبي يحذر الإخوان بالسجون من أفكار شكرى مصطفى المتطرفة .

كما أن هذه التنظيمات المتطرفة بعيدة كل البعد عن مبادىء الإخوان وتنظيمات الإخوان وأشخاص الإخوان ودعاتهم , وأنهم كانوا يتهمون الإخوان بأنهم حادوا عن جادة الطريق , ونكثوا عن الجهاد لأنهم يقومون بدعوتهم على أساس الحكمة والموعظة الحسنة .

وحدثت حوادث عنف واحتكاك بين بعض أفراد هذه التنظيمات خاصة تنظيم الجهاد ورجال الشرطة أيام السادات فى الإسكندرية والصعيد وقتل من قتل وأصيب من أصيب .

وانضم إليهم " يحيى هاشم " وكيل نيابة أمن الدولة بالإسكندرية لأنه آمن بمبادئهم بعد أن حقق معهم لمدة طويلة , وهرب معهم , وكان قيادة تنظيمية معهم حتى قتلته قوات الشرطة هو وبعض أعوانه فى حضن الجبل بسوهاج , ونشر أيامها فى الجرائد أنه تم القضاء على عصابة من الهاربين المجرمين فى الجبل .

وعند محاولة اغتيال الدكتور عاطف صدقى رئيس الوزراء بمصر الجديدة ـ اتصلت منظمة بوكالات الأنباء تليفونياً وقالت إنها [ كتيبة الشهيد يحيى هاشم ] هى التى قامت بمحاولة الاغتيال وإنها مسئولة عنه , وتساءل الجميع من هو يحيى هاشم هذا , ولم يفطنوا أنه وكيل نيابة أمن الدولة الذى آمن بفكر تنظيم الجهاد وانضم إليهم .

وانتهت الأمور بقتل السادات على يد مجموعة صغيرة من تنظيم الجهاد , وقيل إنه عبود الزمر لم يكن يوافق على التوقيت ولكن الزمام أفلتت من يده وسبقه زملاؤه , وقيل إنه كانت هناك خطة للإستيلاء على السلطة ولكن هذه الخطة كانت فى منتهى السذاجة ؛ فكيف يتسنى لمجموعة أن تستولى على الحكم بواسطة بيان فى التليفزيون يلقيه أحد أعضاء التنظيم وهو مهندس التليفزيون والاستيلاء على مديرية أمن أسيوط وما إلى ذلك ... ولا أصدق أن خطة مثل هذه كانت حقيقة موضوعة فهى أكذوبة كبرى , لقد كان المقصود فقط هو قتل السادات وحده لأنه كافر , ولم يكن خالد الاسلامبولى عضواً بالإخوان المسلمين أو بأى تنظيم آخر ؛ حتى أنه لم يكن من تنظيم الجهاد رغم أن هذا التنظيم هو الذى خطط للعملية وحده , وتعرف بخالد الاسلامبولى بطريق الصدفة وقبل الحادث بمدة وجيزة , ولم يكن للإخوان المسلمين أى علاقة بهذا الاغتيال من قريب أو من بعيد , كما أثبتت التحقيقات ذلك .

وظهرت تنظيمات أخرى مثل ( الشوقيين ) نسبة إلى مسئولها وهو شوقى الشيخ بالفيوم , وكذلك ( الناجون من النار ) و (التوقف والتبين ) وجماعة ( عبدالله السماوى ) , و ( جمعية التبليغ ) برئاسة الأستاذ إبراهيم عزت الذى كانت مهمته تبليغ الدعوة ونشرها بالمسجد الذى يخطب فيه الجمعة وسط جمع حاشد فى حى المهندسين بالجيزة , وكان هذا المسجد هو مركز نشاطه , وقد توفى فى شبابه وهو فى طريقه لأداء العمرة .. وليرحمه الله عز وجل .

وقد كان أفراد هذه الجماعات قلة نادرة تعد على الأصابع , وقد انقرضت كلها ولم يعد لها وجود , ونشأ معظمها فى السجون على أيدى أفراد تعرضوا للتعذيب والإهانات مما جعلهم يكفرون بكل حاكم أو سلطة , وييئسون من الإصلاح , وكانت أفكارهم متباينة واجتهادية وغير واقعية .

المجاهدون الأفغان

وبعد ذلك احتلت جحافل الاتحاد السوفيتى بسرعة مذهلة دولة أفغانستان المسلمة وفرضت عليها الحكم الشيوعى الملحد وحاربت كل مظاهر الدولة المسلمة فى ذلك البلد الإسلامى ؛ مما استثار الحكومات الإسلامية والتنظيمات الإسلامية الشعبية فى جميع أرجاء الدول الإسلامية , وهبت الشعوب والحكومات الإسلامية لنصرة أفغانستان ومحاولة تحريرها من القوات السوفيتية الغاشمة حتى أن الحكومة الأمريكية نفسها شجبت هذا التصرف من جانب السوفييت .

وتحركت هذه التنظيمات المتطرفة فى مصر وغيرها , وأخذت تدفع بشبابها للتطوع فى صفوف المجاهدين الأفغان لتحريرها , وكان هناك تمويل من بعض الحكومات مثل الحكومة السعودية وبعض رجال المال فى السعودية مثل أسامة بن لادن وغيره , وبعض رجال المال والأعمال فى الخليج العربى , وكانت معسكرات التدريب فى باكستان وهى الدولة المسلمة الملاصقة لحدود أفغانستان , , وتم بسرعة وكفاءة تدريب أعداد هائلة من الشباب على حرب العصابات الحديثة وطرق التخريب ووسائل الاغتيال والعنف وخلافه , وذلك بواسطة ضباط وإخصائيين على أعلى وأحدث مستوى من الكفاءة , وقيل إن المخابرات الأمريكية قد أمدت هؤلاء المتطوعين بالمال والسلاح ورجال التدريب .

ولقد أبلوا بلاءً حسناً , واندحرت القوات السوفيتية , واضطرت مكرهة إلى الانسحاب سريعاً خوفاً من بطش هؤلاء الفدائيين الذين قتلوا كثيراً من القوات السوفييتية , واستشهد من هؤلاء الفدائيين الكثير من الشباب , وكان من ضمن هؤلاء بعض قيادات تنظيم الجهاد والهاربين من أحكام بالإعدام أو السجن , وكان يقيم معهم باستمرار أسامة بن لادن الذى وضع كل ثروته تحت تصرفهم , وكان يمدهم بالمال والسلاح , واشترك معهم بنفسه فى هذه الحرب .

وبعد ذلك اتجه بعضهم للحرب بجانب المسلمين فى ( كوسوفا) , ( البوسنة والهرسك) , ( الشيشان ) , وانتشر بعضهم فى الدول الأوروبية مثل إنجلترا وألمانيا وسويسرا والدول الإسكندنافية لنشر دعوتهم والإقامة بها والحصول على حق اللجوء السياسى , وحصل بعضهم على جنسية هذه الدول .

وقام بعضهم بالتسلل إلى الأراضى المصرية , وقاموا بتدبير اغتيالات لبعض كبار المسئولين , مثل محاوله اغتيال الدكتور عاطف صدقى وصفوت الشريف وحسن الألفى وزكى بدر , ثم اغتيال د. رفعت المحجوب " وكان المقصود هو محمد عبدالحليم موسى " ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ وفرج فودة وحسن أبوباشا وقتل اللواء رءوف خيرت وبعض السياح الأجانب وبعض ضباط الشرطة فى صعيد مصر , وتبادل هؤلاء المتطرفون عمليات القتل وسقط من المتطرفين قتلى كثيرون مما أدمى قلوبنا , وظهرت الصورة بأن المصريين يتقاتلون , لقد كانوا يختبئون فى زراعات القصب الشاسعة فى الصعيد , وكانت المعارك دائمة حتى أن السلطات اضطرت لتبوير مساحات شاسعة من مزارع القصب لمطاردتهم .

واعتدوا على بعض الأقباط وكانوا يهددونهم سراًبدفع مبالغ مالية , وكان بعضهم يدفع خوفاً على حياته , حتى أنهم دبروا خطة اغتيال الرئيس حسنى مبارك فى أديس أبابا , وشاءت إرداة الله عز وجل أن ينجو بأعجوبة , فقد كانت خطة غاية فى الإحكام ولكنه تصرف بذكاء وأمر قائد السيارة بالاستدارة والعودة سريعاً إلى المطار ولو استمر فى السير مباشرة لتعرض لكمين آخر كان ينتظره .

وعاشت مصر فى حالة من الفوضى الأمنية والإرهاب النفسى والبدنى , خاصة فى صعيد مصر والقاهرة , وداخت قوات الأمن فى مطاردتهم , وكانت السياسة المتبعة من الطرفين هى القتل بلا رحمة أو هوادة .

وهربت منهم شخصيات قيادية كثيرة , داخل مصر وخارجها وسقطت منهم بعض القيادات فى كمائن للشرطة .

وكان المفجر الحقيقى لهذه الأحداث والمعارك , هو سياسة زكى بدر التى اتبعها فى ملاحقة هذه الجماعات , فبدلاً من الحوار معهم قام بقتل مجموعة منهم , وتبعه السيد محمد عبدالحليم موسى , وتلقى المرحوم " دكتور علاء محى الدين " المتحدث الرسمى بأسم الجماعة الإسلامية تهديداً مباشراً بالقتل من جهة أمنية , ولما أحس بدنو نهايته ذهب إلى الصعيد واصطحب معه زوجته وأولاده الصغار , وتركهم واستودعهم الله وعاد للقاهرة , حيث قتل بعد ذلك مباشرة فى شارع الهرم بالجيزة بواسطة رجال يركبون سيارة بيجو 504 قبطت عليهم دورية شرطة ذهبوا بعدها إلى قسم شرطة الهرم , ثم أفرج عنهم فوراً بعد مكالمة تليفونية , وحفظت القضية ضد مجهول !! .

وقد سئل السيد محمد عبدالحليم موسى وزير الداخلية وهو يدلى بشهادته فى المحكمة التى كانت تحاكم المتهمين فى قضية اغتيال الدكتور رفعت المحجوب عن الجهة التى قتلت دكتور علاء محيى الدين وكان سؤالاً مباغتاً من رئيس المحكمة بناء على طلب المتهم " صفوت عبدالغنى " , فقال موسى : " أنا ماليش دعوة بالحاجات دى " وبالمناسبة فقد افرجت المحكمة عن جميع المتهمين فى القضية وحكمت لهم جميعاً بالبراءة .

وبعد ذلك مات المحامى " عبدالحارث مدنى " عضو الجماعة الإسلامية , بعد القبض عليه وتعذيبه , وثارت نقابة المحامين , واعتصم بعض المحامين فى دار النقابة , وكتبت الصحف .. ولكن التحقيق لايزال فى أدراج النائب العام منذ سنوات .

وقامت مصر بعمل معاهدات تبادل للمحكوم عليهم من القضاء مع بعض الدول العربية والأفريقية والأوروبية , وتمكنت من تسلم بعض المتهمين , ورفضت بعض الدول تسليم البعض بحجة عدم اعترافهم بالمحاكم العسكرية وبالأحكام التى صدرت , أو لأن بعضهم حصل على اللجوء السياسى أو الجنسية .

ولكن هناك شخصية قيادية إسلامية هامة وهو المرحوم (طلعت فؤاد قاسم ) " أبوطلال " وقد كان لاجئاً فى الدنمارك وتزوج من دنماركية , وكان يحمل الجنسية الدنماركية , وأثناء محاربته مع صفوف المسلمين فى البوسنة تم اختطافه بواسطة القوات الأمريكية ثم اختفى , ومن قائل إن قوات الصرب قد قتلته , ومن قائل إن القوات الأمريكية قد قتلته , ومن قائل إنه سُلم للسلطات المصرية التى أعدمته سراً , وتضاربت الأقوال ؛ ولكن الحقيقة الواقعة أنه اختفى نهائياً ولم يذكر أى شىء عنه .

وهدأت الامور فى مصر بعد أن تلقت هذه الجماعات ضربات مؤثرة وموجعة , ولكن لايزال هناك بعض الهاربين لم تصل إليهم أيدى سلطات الأمن بعد , وقام بعضهم فى خارج مصر بحملات إعلامية مركزة ومؤثرة .

واختفى السعودى " أسامة بن لادن "فى أفغانستان مع قوات طالبان, وتزوج كريمة الملا عمر رئيس دولة أفغانستان وطالبان الذى رفض تسليمه للولايات المتحدة لأعماله الانتقامية ضد مصالح أمريكا فى الشرق الأوسط وأفريقيا , وذلك رغم كل التهديدات والعقوبات الأمريكية والحصار الدولى لأفغانستان وكذلك عدم الاعتراف بها وتجويع شعبها وحصاره اقتصادياً .

ورصدت أمريكا ملايين الدولارات لمن يسهل عليها عملية القبض على أسامة بن لادن , دون جدوى , وأصبحت كل عملية إرهابية ضد المصالح الامريكية فى أى مكان فى العالم , حتى داخل امريكا نفسها , تلصق بأسامة بن لادن بحق أو بغير حق , حتى أن بعض التحقيقات فى بعض التفجيرات الكبرى أثبتت براءته .

وأصبحت أبواق الإعلام الأمريكية والأوروبية والصهيونية تقوم بمهاجمته والتشنيع عليه واتهامه بكل التهم .

ولكنى ألاحظ أنه لم يتهم بأى عمل إرهابى ضد أى دولة إسلامية , لم يتهم بذلك أبداً , بل سخر المليارات من أمواله للدفاع عن قضايا الدول الإسلامية فى جميع أنحاء العالم , خاصة حرب البوسنة والهرسك وكوسوفا والشيشان , وقام بمشروعات رزاعية واقتصادية بالسودان الشقيق لمساعدته وتنمية اقتصاده.

حول حقيقة دور المصريين فى تنظيم القاعدة

منذ تفجير السفارتين الأمريكيتين فى كينيا وتنزانيا فى 7 أغسطس 1998م وحتى تفجير فندق إسرائيلى فى مدينة مومباسا فى كينيا وإطلاق صاروخين على طائرة إسرائيلية مقلعة من نفس المدينة فى نوفمبر 2002م , ومرورأ بتفجير واشنطن ونيويورك فى 11 سبتمبر 2001م راجت فى الأجهزة الأمنية ووسائل الإعلام فى العالم مقولة مفادها إن عدداً كبيراً من المصريين منخرطون فى تنظيم القاعدة والجماعات المرتبطة به .

وقد تم ترويج وتداول هذه المقولة فى ظل الأوضاع الدولية التى سادت العالم بعد احداث 11 سبتمبر , دون محاولات جادة للتعرف على التفاصيل الدقيقة التى تثبت صحة هذه المقولة . وكل ذلك تم بتحريض واضح ومستمر من جماعات الضغط والمصالح اليهودية والصهيونية المساندة لإسرائيل فى الولايات المتحدة , لإفساد العلاقات المصرية الأمريكية ودفع الإدارة الأمريكية لاتخاذ مواقف عدائية تجاه الحكومة المصرية , وهو نفس التوجه الذى تبنته هذه الجماعات تجاه المملكة العربية السعودية .

والحقيقة أن الجماعتين الرئيستين اللتين عرفتهما مصر منذ نهاية السبعينات وتبنتا العنف هما جماعتا [ الجهاد ] و [[[الجماعة الإسلامية]] ] . وأهداف عنفهما كان فى كتاب [ الفريضة الغائبة ] لمحمد عبدالسلام فرج .

وهو عنف موجه ضد العدو القريب وهو الحكومة المصرية , وعنف آخر موجه إلى العدو البعيد فى الخارج , أى لإسرائيل أو أمريكا أو لغيرهما .

وكانت المهمة الاولى من وجهة نظرهم هى التصدى للعدو القريب أولاً للإطاحة بنظام الحكم فى مصر وإقامة الدولة الإسلامية وللإعادة أسلمة المجتمع المصرى كله . والتفرغ لهذه المهمة . ثم بعد ذلك التصدى للعدو البعيد وهو إسرائيل وأمريكا .

وقاموا بالتالى بأحداث العنف المتتالية فى مصر , وفشلت خطتهم وتلقوا ضربات أمنية موجعة وقتل منهم من قتل وسجن من سجن .

وفى منتصف التسعينات تخلت الجماعة الإسلامية ـ وهى الفصيل الأكبر فى جماعات العنف المصرية ـ عن هذه الروية , وتخلت عن القاعدة الفكرية للعنف سواء فى الداخل أو فى الخارج . وفى 24 مارس 1999م قرر مجلس شورى الجماعة بكل أعضائه داخل مصر وخارجها وقف جميع صور العنف , وذلك عن قناعة تامة .

وأيد هذا القرارمعظم أعضاء وقياديى تنظيم الجهاد أيضاً , خاصة الموجودين فى مصر فى السجون أو الموجودين فى أوروبا . أما جماعات الجهاد الموجودة فى أفغانستان وباكستان ووسط آسيا عموماً فقد قرروا أن العدو البعيد أولى بالقتال من العدو القريب , وهى تلك التى يقوم عليها حالياً نشاط تنظيم القاعدة وفى مواجهتهم لأمريكا وإسرائيل والدول الغربية . معتبرين أن جهاد القاعدة ضدهم ليس سوى جهاد دفاعى , لأنهم يعتدون على أراضى وأبناء ومصالح الأمة الإسلامية من خارجها , وأنهم أخطر عليهم من حكامها الذين لايحكمون بتعاليم الإسلام ويتحالفون مع هؤلاء الأعداء . ومعظم أعضاء القاعدة متأثرون برأى أسامة بن لادن فى أن المواجهة لابد أن تكون مع الخارج لا مع الداخل , وعدد أعضاء القاعدة يتراوح بين 200ـ 500 شخص ومعظمهم سبق سجنهم فى مصر ومعروفون للجهات الأمنية .

وتوضح جميع المؤشرات والمعلومات التى عرفت أنه لم يتم تجنيد أى أعضاء مصريين جدد فى صفوف القاعدة خلال السنوات العشر الماضية سواء داخل مصر أو خارجها , ويتعرض عددهم للنقصان إما بالقتل أو الاعتقال , والاسم المصرى الوحيد الذى تم تداوله فى الأحداث هو محمد عطا , والثابت يقينا أنه لم يسبق اعتقاله فى مصر ولم يثبت انضمامه لأى تنظيم , بل ذهب إلى الخارج للدراسة فقط , أما الروايات الأمريكية عنه فمشكوك فى صحتها , علماَ بأنه ثبت أيضاً أنه لا توجد أى علاقة بين أسامة بن لادن وجماعته وبين الجماعة الإسلامية فى مصر والتى ساهمت فى أحداث العنف فى مصر , ولم تثبت أى صلة له بحوادث الأقصر الشهيرة وغيرها والتى نفذتها مجموعة منشقة عن الجماعة . وقد انقطعت الصلات بين الجهاد والجماعة الإسلامية تماماً منذ عام 1984م ولم تتعاونا على الإطلاق فى أى أحداث عنف . وأنضمت أغلبية أعضاء الجهاد للجماعة الإسلامية , أما الأقلية فقد انضمت إلى أسامة بن لادن بعد فشلها فى القيام بأى عمليات فى مصر .

وقد صدر مؤخراً بيان من كرم زهدى وبعض زملائه فى سجن طرة , يندمون على قتل السادات ويعتبرون اغتياله كان خطأً شرعيا ً .. وأكدوا أنهم تراجعوا عن آرائهم فى تكفير الحاكم المسلم .. وقد دخلوا فى مناقشات فقهية ..وتناول الأستاذ مكرم محمد أحمد هذه الآراء بالنشر والتوضيح , ودخل فى جدل فكرى معهم .. ولا زالت المناقشات مستمرة ..

الفصل الثامن عرفت هؤلاء الدعاة

عرفت نوعيات مختلفة من المشايخ ورجال العلم , ولكل منهم منهج يختلف عن الآخر.. فى طريقته فى نشر الدعوة , ولكن كلهم من القرآن والسنة ملتمسون .. وبه مستمسكون .. وإياه مفسرون .. وله داعون .

وسوف أستعرض فى السطور التالية لعدد من هؤلاء الكرام :

الشهيد سيد قطب

ولد عام 1906 بقرية موشا بمحافظة أسيوط , وتخرج فى دار العلوم سنة 1933وهى نفس كلية الشهيد حسن البنا ـ ثم عين مدرساً بوزارة المعارف إلى أن نقل إلى الإدارة العامة للثقافة سنة 1945م وألف أول كتاب وهو [ التصوير الفنى للقرآن ] وابتعد عن مدرسة العقاد الأدبية . وفى سنة 1948م أوفدته الوزارة إلى أمريكا للاطلاع على مناهج التعليم ونظمه , ومكث هناك سنتين , وعاد إلى مصر وقدم استقالته من وزارة المعارف فى 18\10\1952م . وكان الدكتور طه حسين مستشار الوزارة فى وزارة نجيب الهلالى هو الذى أرسله لأمريكا . عمل الشهيد بالصحافة منذ شبابه ونشر مئات المقالات فى الأهرام والرسالة والثقافة وأصدر [ مجلة العالم العربى ] و [ الفكر الجديد ] , ثم رأس تحرير جريدة الإخوان المسلمين سنة 1953م وهى السنة التى أنضم فيها للجماعة رسمياً بعد أن آمن بفكرهم .. وبعد أن تأثر أثناء وجوده بأمريكا بفرحة الشعب الأمريكى لقتل حسن البنا .. ورأى بنفسه كيف رقص الشعب الأمركى بالشارع فرحاً وابتهاجاً لاغتياله .. وكيف فرحت كل قوى الاستعمار الغربى لقتله والتخلص منه لأنه كان مصدر خطر عليهم بأفكاره الجديدة , وتنظيماته القوية بجماعة الإخوان المسلمين , ومن هنا بدأ سيد قطب فى التعاون مع الإخوان المسلمين , وحارب فى مقالاته مظاهر الفساد فى حياة مصر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية , والمسئولين عن الفساد , ودعا إلى الإصلاح على أساس الإسلام .. فكان رجلاً اجتماعياً ذا حضور دائم فى حياة مصر الثقافية والاجتماعية والسياسية والإصلاحية .. وكان يعد الإنجليز وعملاءهم واعوانهم من رجال القصر والحكومات المتعاقبة ورجال الأحزاب والإقطاع وكبار التجار , السبب فى تخلف مصر .

ولم يصدر سيد قطب أحكاماً شرعية على الناس ولم يقل بتكفير الناس , ويؤكد على ذلك بقوله : [ إن مهمتنا ليست إصدار الأحكام على الناس ولكن مهمتنا تعريفهم بحقيقة " لا إله إلا الله " لأن الناس لا يعرفون مقتضاها الحقيقى وهو التحاكم إلى شريعة الله ] .

عقيدة سيد قطب عقيدة السلف الصالح , وفكره فكر سلفى خال من الشوائب , وتركز حول موضوع التوحيد الخالص وبيان المعنى الحقيقى ل " لا إله إلا الله" وبيان المواصفات الحقيقية للإيمان , كما وردت فى الكتاب والسنة , كما ركز فى كتاباته حول مسألة الحاكمية والولاء لتكون خالصة لوجه الله تعالى وحده .

وواجه سيد قطب الجاهلية المعاصرة فيما كتب , وأظهر حقيقتها , وطالب المجتمع المسلم أن يواجهها . وعرف المجتمع الجاهلى بأنه [ كل مجتمع لا يخلص عبوديته لله وحده متمثلة هذه العبودية فى التصور الاعتقادى وفى الشعائر التقليدية , وفى الشرائع القانونية ] .

وألف الشهيد سيد قطب فى بداية حياته العلمية مؤلفات غلبت عليها الناحية الأدبية , من نقد وأدب وشعر وقصص , ثم تحول بشكل جذرى إلى العطاء الفكرى الإسلامى , وهذا التطور يمثل التحول العميق فى حياته المستمرة وسيرته العطرة .

وكان لمحاضراته الإسلامية فى بلاد الشام أكبر الأثر فى نفوس الجماهير , خاصة شباب الجامعات , واستطاع أن ينقل الناس إلى جو القرآن من جديد بحيث يتذوقونه غضاَ طرياً كما أُنزل , واستطاع بأسلوبه العذب إدراكه العميق لما وراء الكلمات والحروف أن يكشف للناس أسرار ومعانى لم تكن معروفة , وأن يضع المسلم فى مناخ قرآنى يشم عبيره ويستروح نسماته ويعيش فى القرن العشرين [ في ظلال القرآن ] حيث كان يكتب مشكلات الساعة وقضاياها الملحة التى يعيشها الناس ويعانون من شرورها , ووضع الحلول الصالحة المجدية .

ومن مؤلفاته [ العدالة الاجتماعية فى الإسلام ـ السلام العالمى والإسلام ـ معركة الإسلام والرأسمالية ـ الإسلام ومشكلات الحضارة ـ خصائص التصور الإسلامى ومقوماته ـ هذا الدين ـ المستقبل لهذا الدين ـ معالم فى الطريق ـ في ظلال القرآن ـ مشاهد القيامة فى القرآن ـ كتب وشخصيات ـ أشواك ـ النقد الأدبي .. أصوله ومناهجه ـ طفل من القرية ـ الأطيان الأربعة ـ مهمة الشاعر فى الحياة ـ تفسيرات آيات الربا ـ تفسير سورة الشورى ـ معركتنا مع اليهود ـ لماذا أعدموني ] .

ويقول سيد قطب : [ الإسلام الذى يريده الامريكان وحلفاؤهم فى الشرق الأوسط ليس هو الإسلام الذى يقاوم الاستعمار وليس هو الإسلام الذى يقاوم الظغيان , ولكنه الإسلام الذى يقاوم الشيوعية , إنهم لا يريدون للإسلام أن يحكم ] إنهم يريدون إسلاماً أمريكانياً , إنهم يريدون الإسلام الذى يُستفتى فى نواقض الوضوء , ولكنه لا يُستفتى فى أوضاع المسلمين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمالية . إنها لمهزلة , بل إنها المأساة .

إن هذا المجتمع لا يقوم حتى تنشأ جماعة من الناس تقرر أن عبوديتها الكاملة لله وحده , وأنها لاتدين بالعبودية لغير الله , ثم تأخذ بالفعل فى تنظيم حياتها كلها على أساس العبودية الخالصة .

واختلف سيد قطب مع رجال الثورة المصرية , بعد أن انقلب عبد الناصر على الرئيس محمد نجيب وتفرد بالسلطة وأقام الحكم الديكتاتورى وتعدى على رجال القانون وعلى رأسهم الدكتورعبد الرازق السنهوري رئيس مجلس الدولة أيام أزمة مارس الشهيرة سنة 1954م .. رغم أن معظم ضباط الثورة ومنهم جمال عبد الناصر كانوا يترددون قبل الثورة وفى أيامها الأولى على منزل سيد قطب فى حلوان لتلقى الدروس وأخذ المشورة.. وعرض عبد الناصر على سيد قطب رئاسة هيئة التحرير عند إنشائها ولكنه رفض بشدة .. كما كان يتردد على منزل سيد قطب كثير من الشباب من جميع أقطار العالم العربى ليستفيدوا من علمه ونصائحه , وكذلك أثناء سجنه وبقائه فى مستشفى السجن كان يتردد عليه كثير من نزلاء السجن من المسجونين السياسيين من الشباب ليستفيدوا من علمه الغزير .. وأشيع بعد ذلك أنه ألف تنظيماً سرياً من هؤلاء الشباب , وهو قول غير صحيح بالمرة , وقد حُكم على الشهيد بالإعدام سنة 1966م أيام حكم عبد الناصر . ووصلت برقيات عديدة من أنحاء العالم العربى والإسلامى تطالب عبد الناصر بإلحاح بعدم تنفيذ حكم الإعدام فى سيد قطب .. ومنهم الملك الشهير فيصل بن عبدالعزيز ملك السعودية .. واوصل سامى شرف البرقية إلى عبد الناصر الذى قال له : [ اعدموه فى الفجر .. بكره واعرض على البرقية بعد الإعدام ] ثم أرسل عبد الناصر برقية اعتذار للملك فيصل ادعى فيها أن البرقية وصلت بعد تنفيذ الإعدام . وعلق عبد الناصر وسكرتيره بكلمه نابية أعف عن ذكرها فى حق الملك فيصل والشهيد سيد قطب .

وعلق الإمام أبو الأعلي المودودي يوم تنفيذ الحكم بأنه شعر باختناق حقيقى وقت تنفيذ الحكم بالإمام .

وكتب الزعيم المغربي علال الفاسى معلقاً على إعدام سيد قطب يقول : [ ما كان الله لينصر حرباً يقودها قاتل سيد قطب .. ] وذلك تعليقاً على هزيمة عبد الناصر النكراء فى حرب 1967م ضداليهود .

وعندما طلبوا من سيد قطب قبل إعدامه أن يكتب استرحاماً لعبد الناصر قال : [ إن إصبع السبابة التى تشهد لله بالوحدانية فى الصلاة تأبى أن تكتب كلمة واحدة تقربها لحاكم طاغية , فإن كنت مسجوناً بحق فأنا أرتضى حكم الحق , وإن كنت مسجوناً بباطل فأنا أكبر من أسترحم الباطل ] .

وأقيمت صلاة الغائب على الشهيد سيد قطب بعد إعدامه فى جميع أقطار العالم العربى والإسلامى وأصدرت كثير من الصحف أعداداً خاصة عن الشهيد سيد قطب واعوانه .

وأحرقت الحكومة المصرية الناصرية جميع كتبه,ويشاء الله بعد ذلك أن تنتشر مؤلفات سيد قطب فى جميع أنحاء العالم , وأن طبع منها أكثر من خمس وعشرين طبعة , كما تُرجمت إلى لغات كثيرة .

ووقف منه الإنصاف المشايخ : عبدالعزيز بن باز , وعبدالله الجبرين , وبكر أبو يزيد , وعبدالرحمن الدوسرى وغيرهم .

يقول سيد قطب :

  • ـ [ إن دعوة الإخوان المسلمين , دعوة مجردة من التعقب , وإن الذين يقاومونها هم المتعقبون , أو هم الجهلاء الذين لا يعرفون ما يقولون ] .
  • ـ [ الحقيقة الكبرى لحسن البنا هى البناء وإحسان البناء , بل عبقرية البناء ] .
  • ـ [ لقد عرفت العقيدة الإسلامية كثيراً من الدعاة , ولكن الدعوة غير البناء , وما كل داعية يملك أن يكون بناءً , وما كل بناء يوهب هذه العبقرية الضخمة فى البناء : هذا البناء الضخم [ الإخوان المسلمون ] إنه مظهر هذه العبقرية الضخمة فى بناء الجماعات ويمضى حسن البنا إلى جوار ربه وقد استكمل البناء الذى أسسه , يمضى فيكون استشهاده على النحو الذى أُريد له , عملية جديدة من عمليات البناء , عملية تعميق للأساس , وتقوية للجدران , وما كانت ألف خطبة وخطبة , ولا ألفى رسالة للفقيد الشهيد لتلهب الدعوة فى نفوس الإخوان , كما ألهبتها قطرات الدم الزكى المهراق ] .
  • ـ [ إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع , حتى إذا متنا فى سبيلها دبت فيها الروح , وكتبت لها الحياة ] .
  • ـ [ إن الكلمات التى ولدت فى الأفواه , وقذفت بها الألسنة , ولم تتصل بالنبع الإلهى الحى قد ولدت ميتة ] .
  • ـ [ إن هذا القرآن لايعطى سره إلا للذين يخوضون به المعركة ويجاهدون به جهاداً كبيراً ] .

.. وهكذا كانت الأساليب الشيطانية فى نظام حكم عبد الناصر , ظاناً أنها تحميه وتحمى نظامه ـ ناسياً شريعة الله ـ والحكم بالإسلام , ومنكلاً بدعاة الإسلام وأهل القرآن .

فكان هذا وبالاً عليه وعلى نظام حكمه , وفضح الله عز وجل نظامه وهتك أسراره على الملأ , وهًزم شر هزيمة فى حرب يونيو 1967م بعد أن أعدم الشهيد سيد قطب ( صاحب كتاب فى ظلال القرآن الكريم ) قتله هو ورفاقه وعذب كثيراً من الإخوان فى منحة 1965م ـ بالسجن الحربى ـ ونسب إلبهم زوراً وبهتاناً محاولة نسف الكبارى والمنشآت .

عبدالناصر المفترى عليه والمفترى علينا والشهيد سيد قطب

وكان عبد الناصر فى موسكو يزور أسياده من قادة الاتحاد السوفيتى , وبكل بجاحة وقف يخطب خطبته الشهيرة المذاعة بموسكو قائلاً : الآن فى مصر تقوم أجهزة الأمن والمباحث باعتقال آلاف من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين , فكانت ساعة الصفر فى موسكو , وصدق على أوامر لجهات الأمن من موسكو , إجلالاً واحتراماً وتزلفاً لسادته قادة الاتحاد السوفيتى , وقام بإجراءات الاعتقال للمباحث الجنائية العسكرية على مستوى الجمهورية , وابتعدت أجهزة المخابرات ومباحث أمن الدولة عن هذه الحملة ولم يشتركوا فيها ولم يشتركوا فى إجراء التحقيقات والمحاكمات لأنه لم توجد فى الأصل أى مؤامرة , وحدث خلاف شديد بين الأجهزة وتولى شمس بدران شخصياً هذه الحملة بكل أبعادها .

وأُعدم سيد قطب , العالم الجليل , والداعية الإسلامى الفذ , رغم مرضه بالدرن , ومرضه بالقلب , والسكر , وكان رجلاً مسناً . لقد توسط كثير من رؤساء الدول العربية والإسلامية لمنع إعدامه عند عبد الناصر ولكن دون جدوى .

وكان لابد أن يموت سيد قطب شهيداً مظلوماً بعد كفاحه فى سبيل الدعوة الإسلامية ... على يد تلميذه السابق فى الدعوة شمس بدران !! وكذلك على يد تلميذه جمال عبد الناصر .

ومما يذكر أن الرئيس العراقى عبدالسلام عارف كان قد توسط له عند عبد الناصر فى اعتقاله الأول منذ1954م حتى سنة 1964 م حين أفرج عنه عبد الناصر نتيجة هذه الوساطة .. خاصة بعد أن تدهورت صحته .

ومما لاشك فيه أنه من هول ما رآه سيد قطب وشاهده فى السجون والمعتقلات من وسائل التعذيب والقتل وانتهاك الحرمات وما جرى لإخوانه على يد الضباط عبدالعال سلومة وعبدالله ماهر وغيرهم من ضباط السجن وذلك فى مذبحة طرة الشهيرة التى ضُربوا فيها بالرصاص وهم فى زنازينهم وهم عزل من السلاح لامتناعهم عن تكسير الأحجار وحملها على ظهورهم فى الجبل مما أدى إلى مقتل ثلاثين من الإخوان خلاف الجرحى , وكانت الدماء تجرى أنهارً داخل الزنازين حتى أنهم أجهزوا على الجرحى بتعليمات مباشرة من زكريا محى الدين وزير الداخلية وصلاح دسوقى أركان حرب الوزارة , فى الوقت الذى كان الضباط يحملون الأكل والحلوى للمسجونين اليهود المتهمين بالتدمير والموجودين داخل نفس سجن طرة , كانوا يحضرون إليهم أطعمتهم من منازلهم , ويقدمونها لهم بكل أدب تحت سمع وبصر المسئولين .

رأى سيد قطب ذلك كله , فأثر على أفكاره وآمن بأننا فى مجتمع ابتعد حكامه كلية عن الأسلام , وابتدأ فكر التكفير ينمو عنده حتى أثمر كتاب ( معالم فى الطريق ) الذى يدعو إلى تكفير الحاكم , وجاهلية الحكم .. ألفه فى السجن ونزل الكتاب فى الأسواق , وصرح به جمال عبد الناصر لأنه كان يثق كل الثقة فى أنه لن تقوم للإخوان قائمة .

ولم يهدأ سيد قطب بعد الإفراج عنه صحياً 1964م بعد توسط الرئيس عبدالسلام عارف , وزاره فى منزله السفير العراقى موفداً من الرئيس عارف , وطالباً منه أن يعمل كخبير مناهج فى العراق , ولكنه رفض مؤثراً البقاء فى مصر لممارسة نشاطه فى الدعوة وتجميع الإخوان للجهاد فى سبيل الإسلام .

ومما يذكر أنه عند اعتقال سيد قطب , أرسل ( كمال الدين حسين ) رسالة إلى ( عبدالحكيم عامر ) يدافع فيها عن سيد قطب ويقول له : " اتق الله يا عامر "ولكن عبدالحكيم عامر أصر على رأيه فى أن سيد قطب متآمر ولابد من محاكمته وتأديبه .

عبد الناصر المفترى عليه , والمفترى علينا , والشهيد سيد قطب

بقلم الأستاذ \ أنيس منصور

اللهم اجعل دمى لعنة عليه يوم القيامة .. اللهم إنى على دينك , وفى سبيلك وأموت عليه .. اللهم هذا الطاغوت تكبر وتجبر .. اللهم رحمتك وجنتك .. يا أرحم الراحمين .. وإنا لله وإنا إليه راجعون ..

لقد كان رحمه الله , طويلاً شاحباً ـ يتساند على جلاديه .. لم يكن خائناً .. وإنما كان مريضاً .. لم يكن خائراً وإنما كان شيخاً , لم يكن ثقيل الخطى , وإنما كان علماً وقرآناً .. لم يكن بشراً .. كان جبلاً من الإيمان والصبر واليقين ..

بحثت عن يدى ألطم بها خدى ـ لم اجدها .. ما الذى انتابنى .. ما الذى أصابنى فأرى ( سيد قطب ) العالم الجليل , والشهيد الكريم .. صديقى فى حب الأستاء العقاد والإعجاب به .. أحد الأنوار الكاشفة للإيمان والغضب النبيل من أجل الله وفى سبيله .. هل هو الذى وقفنا به ؟ فكل شىء لونه أحمر .. الجدران .. الأرض .. الوجوه الجامدة .. هل انفتحت جهنم جديدة حمراء باردة .. هل حمراء ملتهبة ولكن الأعصاب هربت .. نزعوها .. جعلوها حبالاً يتدلى منها ( سيد قطب ) ؟! .. هل هو عندما دخل .. منزل .. مشى .. سحب أرواحنا .. فأصبحنا أشباحاً موتى .. وهو الحى الحقيقى .. هل هذا الجسم الهزيل الشاحب قد جمع كل قواه .. وقوانا وحشدها فى حنجرته تزلزل بها المكان : لا إله إلا الله و الله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله .. لبيك اللهم لبيك .. اللهم إن الموت حق .. وإنك أنت الحق .. لبيك اللهم لبيك ..

هل كان هذا صوته .. أو صوت الجدران والأبواب والنوافذ .. هل استولى على حناجرنا .. هل قفزت إلى قلبه قلوبنا .. وانضمت إلى صدره صدورنا .. وبحثت عن رأسى فلم أجده ..ذراعى أمدها أسحبه بعيدأ عن الحبل .. هل رأيت دموعأ فى عينيه , أم أنها دموعى .. هل سمعت عويلاً حولى .. كل حكا ما حدث , لا حول ولا قوة إلا بالله .. لم يشفع له علمه العظيم .. لم تشفع له شيخوخته الحكيمة .. لم يشفع له مرضه .. ومن بعد ألوف غيره من الأبرياء فى السجون وغرف التعذيب وهتك الأعراض للأمهات والبنات أمام الأزواج والآباء .

إنه المسرح الرسمى للرعب الأكبر .. كلاب كرابيج ومسامير وجرادل البول والبراز تيجاناً على رؤوس المؤمنين بالله .. الكافرين بالطاغية . ولا إله إلا الله .. والله أكبر ورسوله الأكرم .. ودينه الحق ولا حول ولا قوة إلا بالله .

[ جريدة أخبار اليوم العدد ( 2209 ) و ص ( 7 ), فى 28 فبراير 1987 ]

الأمام الاكبر الشيخ عبدالحليم محمود

كان عالماً متمكناً من الشريعة بكل جوانبها , ولكن غلبت عليه الناحية الصوفية فى جميع خطبه ورسالاته وجلساته وسفرياته وكان داعية إلى الله يجوب الآفاق فى كل مكان ـ ولكن صوفيته دائماً كانت تتغلب عيه فى كل تصرفاته ـ .

ولاننس أنه فى حرب أكتوبر 1973م رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشره بالنصر على اليهود تحت راية لا إله إلا الله .

ويوم تولى مشيخة الأزهر لم يهدأ له بال ولم تلن له قناة , وأخذ يطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية فى قوانين مصر تطبيقاً شاملاً واضحاً لا لبس فيه ولا غموض , ولا لف ولا دوران ولا تجزئة , حتى اضطر أن يقدم استقالته إلى الرئيس السادات بسبب ذلك, ورفض تقاضى راتبه وامتنع عن الذهاب إلى مكتبه , وصرف سيارته الرسميه حتى تجاب طلباته , وجعل منصب شيخ الأزهر بدرجة رئيس الوزراء , وأعطاه كل السلطات المطلوبة , وكلف الدكتور صوفى أبو طالب رئيس مجلس الشعب فى تلك الفترة بأن يشكل لجاناً قانونية سريعة لصياغة قوانين الشريعة الإسلامية لتطبيقها تطبيقاً كاملاً , وأتمت اللجنة مهمتها سريعاً , ولكن للأسف الشديد لازالت هذه القوانين حبيسة الأدراج فى مجلس الشعب حتى الآن , وقد توفى السادات والشيخ عبدالحليم محمود رحمهما الله .. وانتهى الموضوع .

الشيخ محمد الغزالي

كان رحمه الله فقيهاً وعالماً ومجتهداً وكنزاً لا ينفد من العلم والإيمان, وكان داعية إلى الله فى خطبه وكتبه القيمة الوفيرة وفى جميع وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية فى جميع أنحاء العالم , وكان لا يخشى فى الحق لومة لائم حتى لو كان رئيس الدولة , ويذكر أنه خطب خطبة الجمعة فى مسجد عمرو بن العاص هاجم فيه قانون الأحوال الشخصية المسمى ( بقانون جيهان السادات ) لعدم مطابقته للشريعة الإسلامية , وكان هجوماً عنيفاً حتى استبعد من الخطابه فى المساجد , ورحل بعد ذلك إلى الجزائر .. داعية إلى الله .. ثم إلى مكة فى جامعة الملك عبدالعزيز .. داعية إلى الله .. لا يغمض له جفن , ولا تلين له قناة فى سبيل دعوة الحق .

وأيام عبد الناصر هاجمه رسام الكاريكاتير صلاح جاهين برسومات متعددة فى صفحة كاملة من جريدة الأهرام , وكان يوم جمعة , وقام الشيخ الغزالى فى خطبة بالمسجد الأزهر الشريف , وهاجم صلاح جاهين هجوماً ضارياً , وقام المصلون من بعد الصلاة بمظاهرة حاشدة اتجهت إلى جريدة الأهرام وقذفوها بالحجارة , والعجيب أن مظاهرات أخرى صاخبة اتجهت من مساجد أخرى بالقاهرة إلى جريدة الأهرام فى نفس الوقت , وهرب صلاح جاهين من شباك الجريدة خوفاً على حياته , واضطرت جريدة الأهرام فى اليوم التالى إلى نشر بيان اعتذار كامل وشامل فى مكان بارز بالصفحة الأولى للشيخ الغزالى أعلنت فيه عن احترامها العميق لفضيلته وأسفها الشديد لما كتب عن فضيلته فى اليوم السابق .

وكان الشيخ محمد الغزالى داعية متوقد الذهن , جياش العاطفة , عميق الإيمان , مرهف الإحساس , قوى العزم , شديد المراسى بليغ العبارة , يتأثر ويؤثر , حلو المعشر , رقيق القلب , كريم الطبع ـ يلمس هذا فيه كل من عاش معه , أو رافقه أو التقاه ـ فهو لا يحب التكلف , ويكره التعالم والتحذلق , يعيش الواقع بكل مشكلاته , ويتصدى للمعضلات , ويكشف الحقائق ويدق ناقوس الخطر ليحذر الأمة من الوقوع فى المهالك والسقوط فى الهاوية التى يقود إليها شياطين الإنس والجن فى الشرق والغرب على حد السواء .

اعتقل فى معتقل الطور عام 1949م فى عهد الملك فاروق , واعتقل فى سجن طرة أيام عبد الناصر عام 1965م وعمل بالسعودية وقطر ورأس المجلس العلمى لجامعة الأمير عبدالقادر الجزائرى الإسلامية بالجزائر لمدة خمس سنوات , وكان آخر مناصبه فى مصر وكيلاً لوزارة الأوقاف .

قال عن [ الإمام حسن البنا ] إنه مجدد القرن الرابع عشر للهجرة , ووضع جملة من المبادىء تجمع الشمل المتفرق , وتوقظ الهدف النائم , وتعود بالمسلمين إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم وتتناول ما عراهم من خلال الماضى من أسباب العوج والاسترخاء .

وقال عن [ المرشد الهضيبي ] من حق الرجل أن يقول عنه إنه لم يسع إلى قيادة الإخوان المسلمين , ولكن الإخوان هم الذين سعوا إليه, ومن حقه أن يعرف الناس عنه أنه تحمل بصلابه وبأس كل ما نزل به , فلم يجذع ولم يتراجع , وبقى فى شيخوخته المثقلة عميق الإيمان واسع الأمل حتى خرج من السجن, والحق يقال إن صبره الذى أعز الإيمان , رفعه فى نفسى , وإن المآسى التى نزلت به وبأسرته , لم تفقده صدق الحكم على الأمور , ولم تبعدة عن منهج الجماعة الإسلامية منذ بدأ تاريخها , وقد ذهبت إليه بعد ذهاب محنته وأصلحت ما بينى وبينه , ويغفر الله لنا أجمعين .

وقال عن الأستاذ [ عمر التلمساني ] فى سنة 1949م ونحن فى معتقل الطور مع الألوف من الإخوان بعد استشهاد الإمام حسن البنا :رأيت الأستاذ عمر التلمسانى فى خلواته الوئيدة , ونظراته الهادئة , يمشى فى رمال المعتقل باسماً متفائلاً , يصبر الإخوان على لأواء الغربة وقسوة النفى ويؤمل خير فى المستقبل , ورأيتنى أمام رجل من طراز فذ , تحركه فى الدنيا مشاعر الحب والسلام , وكان يكره النفاق وسوء الأخلاق ويؤثر العزلة , ويرى أنه فى الانقطاع إلى الله , ولم تكن رذائل الرياء والتطلع تعرف طريقاً إلى فؤاده . ذهبت إليه لأتعاون معه فى خدمة الإسلام فقال لى : تعلم أن هذا عبء ثقيل تحملته برغمى وقبلته وأنا كاره ؟ ! .. قلت نعم ـ أعلم ذلك ـ فأنت ما سعيت إلى صدارة , ولا تطلعت إلى إمارة ومثلك جدير برعاية الله وتسديده ..

وقال عنه الإمام الشيخ عبد الحليم محمود [ ليس لدينا إلاغزالى الأحياء والإحياء ] يعنى الغزالى المعاصر وهو الشيخ الغزالى , والغزالى أبا حامد صاحب إحياء علوم الدين .

ولقد استفاد شباب الصحوة الإسلامية المباركة من علم الشيخ الغزالى وجرأته وصداقته وصدقه ووضوحه وكان له تلامذة فى الأزهر فى مصر وفى أم القرى فى مكة المكرمة وفى كلية الشريعة فى قطر وفى جامعة الأمير عبدالقادر للعلوم الإسلامية فى الجزائر . وهؤلاء التلاميذ يعدون بالألوف فى أنحاء العالم الإسلامى من خلال الدروس والخطب والمحاضرات والندوات والكتب والمقالات والاجتماعات والمؤتمرات .

وهم أوفياء لدعوة الإسلام , حملوا الراية مع أستاذهم وشيخهم , وانطلقوا يبلغون دعوة الله وينشرون رسالة الإسلام ويقودون الأمة إلى مواطن الخير والفلاح والنصر والنجاح .

وقد برز منهم أساتذة كبار وعلماء فحول تقر بهم العيون , وتعلق عليهم الآمال ومن هؤلاء الدكتور يوسف القرضاوي والدكتور أحمد العسال .. وغيرهما .

للشيخ الغزالى أكثر من ستين كتاباً , وكانت خطبه فى الجامع اللأزهر وجامع عمرو بن العاص , وجامع محمود , وميدان عابدين ذات شأن عظيم وأثر بالغ كبير حيث كان يحضرها آلاف من الناس .

وتًرجمت بعض كتبه إلى الإنجليزية والتركية والفارسية والأوردية والأندونيسية .

توفى رحمه الله فى الرياض وهو يخطب فى ندوة فى 9\3\1996م ونقل إلى المدينة المنورة حيث دفن فى البقيع .

الشيخ سيد سابق

كان رحمه الله فقيه السنة , والعالم الجليل المدقق فى مؤلفه الشهير [ فقه السنة ] الذى استوعب جميع الأحكام الشرعية فى سهولة ويسر , وأثرى المكتبة الإسلامية كما أثرى عقول الشباب والشيوخ والنساء والرجال بأحكام السنة ببساطة غير مسبوقة .

وقد نال جائزة الملك فيصل عن هذا الكتاب , وقبل وفاته بأيام رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المنام يقول لصحابته هذا هو الشيخ سيد سابق صاحب فقه السنة .

وقد دخل السجن فى عهد الملك فاروق متهماً بالإفتاء بقتل النقراشي باشا رئيس الوزراء لكن المحكمة برأته .

وهكذا .. كان منهج الشيخ سيد سابق كمؤلفه العظيم " فقه السنة "كان يعطى الدروس الدينية فى الفقه والتفسير لشباب النظام الخاص السرى للإخوان المسلمين فى جلسات ليلية ممتدة ليغرس فى قلوبهم وعقولهم تعاليم الإسلام السمحة الرشيدة , وقضى معظم سنوات عمره ونهايتها فى مكة المكرمة حيث كان بيته الكريم كعبة للزوار من جميع أنحاء الدنيا يقابلهم بالترحاب , ويفيض عليهم بكرمه وعلمه فى الليل والنهار حيث كان بيته مفتوحاً دائماً للجميع .

الشيخ محمد متولى الشعراوى

كان اللإمام محمد متولى الشعراوى عالماً جليلاً متمكناً غاية التمكن من قواعد اللغة العربية الأصيلة التى كان يطوعها فى دروس تفسير القرآن الكريم والسنة فى بلاغة وتمكن واقتدار , وكان يتمتع بحلاوة البيان وسلاسة التفسير وبساطته , واختراقه للعقول والقلوب والأفئدة , كانت تنتج شحنة إيمانية عالية قوية التأثير على كل الجموع الحاشدة التى كانت تستمع إليه فى تلهف ملموس وحضور دافق , وقد أخذت هذه الجموع تتكاثر وتتزايد فى كل الأقطار والآفاق حتى ملأت تفسيراته الإعلام المقروء والمسموع والمرئى فى كل أرجاء الدنيا , فى حياته .. ولا زالت حتى وفاته تقرأ وتسمع وتشاهد بنجاح وانتشار غير مسبوق .

ولم يكن ذلك كله آتياً من فراغ , فقد ظهرت موهبته رضوان الله عليه منذ نعومه أظافره وكان أديباً وشاعراً وسياسياً وفدياً اشترك فى كل الأنشطة خاصة السياسية والأدبية , وفصل من دراسته واعتقل سياسياً وكان ذلك بسبب اهتماماته الوطنية .

وقد كان ـ رحمه الله ـ اجتماعياً مختلطاً بكل فئات الناس , كبيرهم وصغيرهم , منذ شبابه , وكان صديقاً دائماً للزعيم الجليل الراحل مصطفى النحاس , وكان يزوره دائماً ويقبل يده حتى آخر لحظة من حياته .

وكان حلو المعشر .. حلو الحديث .. حاضر النكتة .. كيساً لبقاً .. لماحاً .. محباً لأصدقائه .. فى غاية الوفاء لهم .. يأسر القلوب من أول لقاء .

وكان نسيج وحده فى ملبسه ومأكله ومشربه ومسكنه ؛ فقد كان يصمم ملبسه بنفسه ويعطى هذا التصميم لترزيه الخاص , وهو أول من طور اللبس الأزهرى المعقد إلى بساطة الجلباب الأنيق والعباءة والطاقية الجميلة , وكان أكره شىء عنده هو لبس القفطان المشقوق من الأمام إلى نصفين .

وكانت دواليبه ممتلئة بالعباءات المختلفة الألوان والمقاييس , وكان يهديها لأحبائه وكان ينظر للشخص نظرة فاحصة ويعرف مقاس عبائته , ونادراً ما كان يخطىء فى المقاس وكان له ترزى خاص يحضر لمنزله ويقيم فيه لتفصيل هذه العباءات .

وفى إحدى المرات زار البابا شنوده فى قصره البابوى بالعباسية وأهداه عباءة , وكانت زيارة مجاملة وشكر للبابا لأنه أرسل مجموعة من القساوسة فى لندن لزيارة الشيخ الشعراوى فى المستشفى أثناء إجراء عملية استئصال المرارة . كما قام بكل الإجراءات الإدارية طبيب مسيحى وهو الدكتور فايز بطرس .

ومما يذكر أن الطبيب المتخصص فى استئصال المرارة بالمنظار كان طبيباً يهودياً وفشلت عملية المنظار والشيخ على ترابيزة العمليات , وانتهى الأمرباستئصالها جراحياً على يد الدكتور محمد سويدان وهو مصرى مسلم ومن بلدة دقادوس مركز ميت غمر وهى نفس بلدة الشيخ الشعراوى وكان يساعد الطبيب اليهودى فى العملية .

وكان الشيخ الشعراوى طاهياً ممتازاً وكان له مزاج خاص فى تجهيز طبق فتة الكوارع الذى كان يطهيها بنفسه , وقد دخلت عليه فى منزله بالحسين فوجدته يجهز هذه الوجبة وقد ساعدته فى طهيها .. وكان وحيداً .. وكانت وجبة شهية لا أنساها طوال حياتى , وفى مرة أخرى فى شقته بكورنيش الإسكندرية وجدته يطهى صينية سمك وسبيط ويجهزها أيضاً بنفسه وتناولت الطعام معه أنا وأولادى , وكان كثيراً ما يتناول وجبة غذائه من الجبن القريش والخبز الناشف الفلاحى وقطع الخيار وحمد الله عز وجل .

وكما كان قلبه مفتوحاً لكل مريديه فقد كان بيته مفتوحاً أيضاً للجميع فى أى وقت , كما كان جيبه مفتوحاً أيضاً لكل المحتاجين دون حدود , فى السر والعلن , وكم أعطانى من المبالغ المالية الكبيرة لتوصيلها لبعض الأسر أو الأشخاص الذين يحس الشيخ بحاجتهم وظروفهم دون أن يطلبوا منه ذلك , وإن كان يقصده بعض النصابين ولكنه كان بفراسته يكشفهم ويصرفهم بلباقة وأدب .

فقد كان رضوان الله عليه كريماً معطاءً بغير حدود وقد بنى فى قريته منشآت بالملايين من أهمها : مسجد كبير ومعهد دينى ومدرسة ثانوية ومجمع طبى وثقافى وقرآنى ضخم .. وكثير من المنشآت الخيرية .

وكان يتبرع بكل الجوائز المهداه له ومعظم إيراداته من تسجيلاته لأعمال الخير , وأنشأ مبنى سكنياً ضخماً فى جامعة الأزهر ليكون مدينة جامعية لطلاب وطالبات جامعة الأزهر الشريف بالقاهرة , كما أنشأ مؤسسة ضخمة فى رحاب السيدة نفيسة يطعم فيها أعداداً كبيرة من الفقراء على نفقته , وكان يقوم رحمه الله بخدمتهم بنفسه أيام الجمع وكان يجد سعادة غامرة فى ذلك , وكان يرسل الطعام على نفقته دورياً لمرضى مستشفى الأمراض العقلية.

وهكذا كانت أعمال الشعراوى الخيرية لاتنسى ولا تحصى ولا تعد , سراً وعلانية .

وكان رحمه الله لا يخشى فى الحق لومة لائم حتى لو كان رئيس الدولة هو الذى حاد عن الحق .

فقد وقف فى وجه السادات وخطأه على تفويته صلاة المغرب فى اجتماع سياسى جمع أعضاء مجلس الشعب والوزراء وغيرهم من كبار المسئولين , وابتدأ الاجتماع قبل المغرب واستمر حتى بعد العشاء , وعندما حانت صلاة المغرب وقف المرحوم د.السعيد أبو على عضو مجلس الشعب عن المحلة الكبرى وأذن للصلاة بصوت مرتفع مقاطعاً بذلك الرئيس السادات وهو يخطب خطبته المذاعة على الهواء بالإذاعة والتليفزيون وكان الدكتور السعيد من الجمعية الشرعية , فقال له السادات اجلس فنحن فى عبادة , وطلب منه الدكتور السعيد رفع الجلسة ليصلى الإعضاء المغرب ورفض السادات , فترك الدكتور السعيد مكانه ومعه بعض الأعضاء يعدون على الأصابع ومنهم الشيخ الشعراوى الذى كان وزيراً للأوقاف وأدوا الصلاة بالخارج وعادوا إلى مكانهم لمعاودة الاستماع لكلمة الرئيس السادات , وبعد انتهاء الجلسة دار حوار علنى بين الرئيس السادات والشيخ الشعراوى حيث قال السادات للشيخ الشعراوى نحن كنا فى عبادة أيضاً , فقال له الشيخ الشعراوى : ياريس العبادة نوعان عبادة موقوتة وعبادة غير موقوتة , والصلاة عبادة موقوتة وكان يتحتم عليك رفع الجلسة لأداء الصلاة , فقال له السادات : أنت شايف كدة ياشيخ شعراوى . فرد عليه الشعراوى بحزم قائلاً لست أنا إللى شايف كدة ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذى أمرنا بذلك وهو إللى شايف كدة . وأسقط فى يد السادات .

كما وقف فى وجه جيهان السادات علنا عندما دعته لإلقاء محاضرة على سيدات مصر الجديدة وكان وزيراً للأوقاف , واشترط على جيهان السادات قبل المحاضرة أن تكون السيدات محجبات , ووعدته جيهان بذلك , وعند جلوسه على المنصة وبجواره جيهان وجد السيدات سافرات فنظر إلى جيهان حرم رئيس الجمهورية وقال لها : لم نتفق على ذلك السفور .. وقال لها بالحرف الواحد اعطيهم أنت بقى المحاضرة .. وتركها وانصرف ولم يعبأ بها .

كما وقف ضدها وهو وزير أوقاف ورفض قانون الأحوال الشخصية التى أعدته وشاركت فى صياغته لأنه مخالف للشريعة الإسلامية ..

وقد كان الشيخ الشعراوى فى بداية توظفه معاراً إلى السعودية وكان يعمل بمكة وطلب من مشيخة الأزهر الانتقال إلى المدينة المنورة قائلاً : إنه لايترك الركعة بمائة ألف إلى الركعة بألف فى المدينة المنورة ولكنه يريد أن يسلم على رسول الله عيه الصلاة والسلام .

وممايذكر أننى اصطحبت الشيخ الشعراوى عندما كان مفتشاً للوعظ بطنطا إلى الدكتور عبدالعزيز كامل وزير الأوقاف وكان صديقاً عزيزاً لى منذ أن كان عضواً بمكتب الإرشاد للإخوان المسلمين , وطلبت منه ترقية الشيخ الشعراوى إلى الدرجة الثانية , ورفض الدكتور عبدالعزيز كامل وقال لى إن القواعد الخاصة بالأقدمية لا تنطبق عليه , ورفض ترقيته بالاختيار وسأله : هل لك مؤلفات يا سيدنا الشيخ ؟ فقال له الشعراوى ليس عندى مؤلفات . وانتهى الأمر بقرار من عبدالعزيز كامل بإعارته للجزائر بناء على طلبه بعد أن لاحظ عبدالعزيز كامل غضبى الشديد منه وعتابى عليه , ومرت الأيام وعين الشعراوى وزيراً للأوقاف واصطحبنى عبدالعزيز كامل لقضاء حاجة مهمة له عند الشيخ , وأثلج صدر الدكتور عبدالعزيز كامل .

وانطلق الشيخ الشعراوى أنطلاقة صاروخية فى الجزائر بجلسات مطولة حتى الفجر مع الجزائريين يدعو إلى الله وإلى شريعته حتى ذاع صيته , وهدى الله عز وجل كثيراً من الجزائريين على يد الشيخ الشعراوى , وتعرف هناك على أستاذه الروحى العالم الجليل الشيخ بن قايد , ونهل الشيخ الشعراوى من علمه الغزير الوفير .

وتعرف هناك بحسن الزبير , الوزير المفوض السعودى , وكان شقيقه الدكتور محمد الزبير أمين عام جامعة الملك عبدالعزيز وصهره محمد عبده اليمانى رئيس الجامعة ووزير الإعلام السعودى فيما بعد , وطالباً من الحكومة المصرية الموافقة على إعارة الشيخ الشعراوى إلى جامعة الملك عبدالعزيز بجدة أو مكة , وكانت انطلاقة صاروخية أخرى للشيخ الشعراوى فى سبيل الدعوة الإسلامية , وذاع صيته وزاد محبوه وظهر إعلامياً حتى أستُدعى من هناك بعد تعيينه وزيراً للأوقاف .

وقد انضم الشيخ الشعراوى فى فجر شبابه إلى الإخوان المسلمين بقيادة الشيخ حسن البنا وصاغ معه أول بيان للأمة بإنشاء جماعة الإخوان المسلمين , ولكنه ترك الجماعة بعد ذلك .

وكان الشيخ الشعراوى على علاقة وثيقة بالمرحوم عمر التلمسانى المرشد العام للإخوان المسلمين وكان كثيراً ما يزوره ويناقشه ويستشيره فى بعض الأمور السياسية .

كما اجتمع الشيخ الشعراوى بمنزلى بطنطا برجال القضاء المفصولين بمذبحة القضاء أيام عبد الناصر وهم المستشار يحيى الرفاعى , وكمال عبدالعزيز , ومحمد عبده الجندى , وعلى عبدالرحيم , وعبدالرءوف جعيصة , وسليم عبدالله , وتداول معهم الحديث وتكلم بعد ذلك مع السادات فى لقاء بمنزلى عن هذه المذبحة .

وأذكر أننى كنت عضو مجلس إدارة المصرف الإسلامى الدولى للاستثمار والتنمية وحدثت خلافات شديدة بين أعضاء مجلس الإدارة حول بعض الأمور الإدارية فى المصرف , وكان رئيسه أحمد أمين فؤاد , ومن أعضائه عبدالعظيم لقمة , و د. حسين حامد حسان , و د. عبدالحميد الغزالى , ودكتور مهندس فائق هويدى , وسعد شمس الدين , وسعيد عمارة , وحسين مرسى , والمستشار سمير جعفر , وإبراهيم والى , ومصطفى مؤمن , وعمر مرعى ؛ وصدر قرار سيادى بحل مجلس الإدارة وعين الشيخ الشعراوى رئيساً لمجلس إدارة المصرف يعاونه الأستاذ الفاضل إسماعيل حسن محافظ البنك المركزى سابقاً , وقاد الشعراوى سفينة إنقاذ المصرف من كبوته , ثم ترك الموقع باختياره بعد أن أدى مهمته خير أداء ,وقد كنت من مؤسسى المصرف وعضواً بمجلس إدارته حوالى ثمانى سنوات .

وكان للشيخ لمحات تنم عن معدنه الأصيل , وإسلامه العميق ؛ فقد قرأت فى الصحف فى وقت من الأوقات أن الفنان ( عماد حمدى ) أصيب باكتئاب شديد فى آخر أيام حياته وأنه أعتكف فى منزله الذى أغلقه عليه ورفض مقابلة أى شخص .. فما كان من الشيخ الشعراوى إلا أن ذهب إليه بنفسه وجلس معه جلسة طويلة طيب فيها خاطره وأخرجه من عزلته واكتئابه وتكررت زيارات الشيخ له مما كان لها أجمل الأثر .

كما أنه عندما علم بمرض الأديب توفيق الحكيم فى آخر أيامه زاره فى مستشفى المقاولون العرب رغم الخلاف الشديد الذى بينهما ؛ عندما كتب توفق الحكيم مقالاً بالأهرام عنوانه ( حديث مع الله ) , فثار الشيخ الشعراوى وخطاه وطلب منه تصحيح العنوان إلى ( حديث إلى الله ) .. وخلافات أخرى , واعتذر توفيق الحكيم للشعراوى وذهب إليه بنفسه فى محل أبو شقرة الكبابجى بشارع قصر العينى ؛ ولكن الشيخ الشعراوى ارتفع فوق ذلك كله بشعوره الطيب وزاره فى المستشفى وطيب خاطره مماأسعد توفيق الحكيم سعادة غامرة وفرح بزيارته فرحاً كبيراً حتى أن الشيخ أحضر له حجراً وعلمه كبف تكون صلاة المريض على فراشه وكيف يكون التيمم .. ونشر ذلك فى الصحف فى حينه .

وكلنا يعلم جيداً زيارة الفنانات التائبات له وهن محجبات ليستزيدن من علمه ويستمعن لنصائحه وإرشاداته وكان لهن نعم العون ونعم الناصح الأمين .. مثل شادية وسهير البابلى وسحر حمدى .. وغيرهن .

ونذكر جيداً أنه قرأ عن جريمة قتل سيدة وأبنائها وبناتها فى مدينة نصر فسأل عن عنوانهم وذهب إلى أسرتهم معزياً ومواسياً فى زيارة طويلة كان لها أجمل الأثر .

رحم الله الشعراوى الذى كان فلته من الزمان لاتتكرر .. وأثابه على كل ما فعل ...

الشيخ عبدالحميد كشك

كان منهج دعوته خطبة الجمعة التى كان يلقيها فى مسجد بالعباسية , كانت تتجمع الحشود الهائلة بداخله وفى الشوارع والميادين المحيطة به , وتمتلىء شرفات المنازل حول ساحة المسجد بالزائرين من السيدات والرجال والشباب ومعظمهم يحمل أجهزة التسجيل ليسجل الخطبة التى كانت دائماً تدور حول أحداث الساعة بأسلوب ساخر نفاذ يتهكم على كل فساد سياسى أو أخلاقى أو إعلامى بأسلوب غير مسبوق فلا يشعر المصلى بالملل مهما طال الوقت رغم أنه كان فاقد البصر , ولم يكن فاقد البصيرة, وذاع صيته فى جميع أنحاء الدنيا , ولا أنسى صديقاً لى وهو الدكتور على السمان كلمنى من باريس فى صيف أحد الأيام يسألنى عن الشيخ كشك وأنه سيحضر من باريس ومعه مجموعة من الأصدقاء من مختلف الدول ليصلوا الجمعة مع الشيخ كشك واستمعوا إليه دون ملل وسلما عليه وهم فى انبهار وإعجاب شديد من أسلوبه فى طرح المواضيع ومعالجتها والتعليق عليها والنصح بأحسنها .

ولا زالت الأشرطة المسجلة لخطبه تتداول حتى الآن فى جميع أنحاء العالم حتى بعد وفاته رحمه الله , وقد سجنه عبد الناصر ومنعه السادات من الخطابة وله أيضاً مؤلفات كثيرة .

الشيخ محمد الأودن

هو العالم الجليل المجاهد والاب الروحى لجيل كامل من المجاهدين المخلصين فى الاربعينيات والخمسينيات مدنيين وعسكريين , وكان بيته مقصداً لأبطال أمثال أحمد عبدالعزيز قائد المتطوعين فى حرب فلسطين , ومعروف الحضرى الذى أنقذ الفالوجا من حصار اليهود , ورشاد مهنا ومصطفى راغب .. وغيرهم , كما كان يتردد عليه قبل الثورة وبعدها جمال عبد الناصر وعبدالحكيم عامر وكمال الدين حسين وغيرهم , وكان الشيخ الأودن يحثهم على حب شريعة الإسلام والعمل على الحكم بها , وكانوا يستشيرونه فى كثير من الامور بعد قيام الثورة , ولكنهم لم يكونوا يستمعون إلى نصائحه .

وكان الشيخ الأودن يتكلم فى مجالسه وخاصة مع ضباط الجيش فى وجوب قيام حركة إسلامية تخرج البلاد من سيطرة الأوضاع التى فرضت عليها داخلياً وخارجياً , وكان بين الشيخ والضباط عهود ومواثيق لتحقيق هذا الأمل , وبعد قيام ثورة 23 يوليو كان الضباط يترددون عليه لاستشارته ومنهم جمال عبد الناصر ..إلى أن حوكم رشاد مهنا فسعى عندهم كى لا يحكموا عليهم بالإعدام .. وقد نجح فى ذلك . ثم بدأت علاقة الضباط بالشيخ تفتر شيئاً فشيئاً .. وأصبحت هناك فجوة حتى زارة يوماً المشير عبدالحكيم عامر وعرض عليه مشيخة الأزهر فاعتذر, وتعلل بأن الأزهر بوضعه وقتئذ لا يستطيع الاضطلاع بمسئوليته الدينية إزاء الأحداث .

ومن هنا أدرك رجال الثورة أن الشيخ الأودن لم يعد فى صفهم وأنه مكمن خطر عليهم لعلمهم أنه مركز إشعاع إسلامى لا يمكن إخماده أو شراؤه بمال أو منصب , فدسوا بأجهزتهم عليه . وكان الشيخ يهاجم رجال الثورة وأساليبهم وتصرفاتهم مما جعلهم يحددون إقامته , ثم قبضوا عليه سنة 1965 أثناء مذبحة الإخوان المسلمين وسيد قطب وقبضوا أيضاً على أولاده الأربعة..وأودعوهم السجن الحربى وكان الحقد يملأ قلب شمس بدران تجاه الشيخ حتى صمم على قتله بتعذيب لايترك فى جسده أى أثر خاصة وأن الشيخ كان قد ناهز الثمانين من عمره .

فحبس مع الشيخ فى زنزانته عددا من الكلاب المتوحشة لمدة شهرين تأكل وتتبول وتتبرز مع الشيخ فى زنزانته المغلقة عليه حتى أصبحت الرائحة الكريهة فى الزنزانه لا تطاق .. وأصيبت الكلاب بالشلل من شدة البرد ورطوبة الأسفلت وكانت لا تكف عن النباح والعواء ليلاً ونهاراً بصوت مزعج بالسجن فما بالك بالشيخ الكهل .. وكانت زنزانته فى الدور الأرضى فى سجن (3) وكانوا يضعون له الأكل من تحت عقب الباب , ولم يكن معه غير بطانية واحدة وكان ينام أرضاً .. وكان العساكر يخرجونه فى ليالى الشتاء القاسية ويغرقونه بالماء البارد .. وكان العسكرى المشهور سامبو يشد الشيخ من لحيته البيضاء فى استهزاء ويتمتم الشيخ بكلمات [ حسبنا الله ونعم الوكيل ] .

وكان حمزة البسيوني قائد السجن الحربى يتسلى بإرهاب الشيخ الأودن وقد ربط حبلاً فى شجرة داخل سجن (3) واخرج الشيخ من زنزانته وقال له لقد حكمنا عليك بالإعدام وسوف ننفذ فيك الحكم الآن ..

ولما ساءت حالته الصحية رأى طبيب السجن أنه أشرف على الموت وطلب من شمس بدران الإفراج عنه حتى يموت فى بيته , وكانت هذه أمنية شمس بدران , فسمح بالإفراج عنه , لكنه لم يمت , فترك للمحاكمة , وانتهت المهزلة بأن حكم عليه الدجوى بالسجن لمدة عام مع الشغل . ثم طلبته الحكومه السعودية أستاذاً بجامعة الملك عبدالعزيز وبقى بها حتى توفى ودفن فى البقيع بالمدينة المنورة .

وعند التحقيق مع الشهيد سيد قطب حاولوا أن يربطوا بينه وبين الشيخ الأودن لأنه زاره فى منزله عدة مرات .. وكانوا يبحثون أمور المسلمين وأسباب انحرافهم عن دينهم ..

الداعية المجاهد الشهيد محمد فرغلي

كان داعية من دعاة الإخوان المسلمين , فى دروس الكتائب والمعسكرات والأسر والرحلات , مع دعاة آخرين أمثال الدكتور عبد العزيز كامل نائب رئيس الوزراء ووزير الأوقاف أيام عبد الناصر , كما كان عضواً بمكتب اللإرشاد والمشايخ محمد عبدالحميد , ومحمد الغزالى , وسيد سابق وغيرهم وذلك منذ الأربعينيات . وكان يُرى فى الشيخ فرغلى المهابة والوقار وعزة المؤمن , وفقه المجاهد .. يتكلم بهدوء , وإيجاز بعبارات عظيمة الدلالة , عميقة المعنى والمغزى .. فيها الحب والحنان والتعاطف بين الإخوان .. والثقة بالله والنصرة للمؤمنين الصادقين المخلصين .. وكان يهون من شأن اليهود والإنجليز ومن قدرتهم وجبروتهم أمام شباب المسلمين المؤمنين المجاهدين .. وكان يرى أن الميدان اليوم يتطلب حشد الآلاف من الشباب المؤمن ليتصدوا للمفسدين فى الأرض فى جميع أنحاء العالم الإسلامى .. الذين وجدوا الميدان خالياً . فصالوا وجالوا , وعاثوا فى الأرض فسادا , وانتفش باطلهم وعلا صوتهم .. وساموا الأمة الخسة والهوان لأن الشعوب عزلاء مجردة من سلاح الحق والقوة , يتحكم فى رقابها أذناب الاستعمار وعملاؤه من الحكام المرتزقة الذين يدورون فى فلك الاعداء , وينتصبون لحرب الدعاة على الله , والوقوف امام دعوة الحق والقوة , والحرية , دعوة الإسلام التى جدد أمرها فى أرض الكنانة مجدد القرن الرابع عشر الهجرى الإمام الشهيد حسن البنا .

وكان يتصدى للظالمين والطغاة .. وكان مجرد ذكر اسمه يرعب الإنجليز واليهود والدخلاء .. وقد رصدوا الجوائز لمن يعثر عليه ويسلمه لهم حياً أو ميتاً .. فقد اذاقهم الأمرين فى كتائب الفدائيين فى حرب القناة ضد المعسكرات الإنجليزية , وكذلك فى حرب فلسطين سنة 1948م وأبلى بلاءً حسناً بشهادة الضباط المصريين فى الجيش المصرى وقادتهم .. وكل ذلك موثق ومسجل .

وكان الشيخ محمد فرغلي جزء مهم فى تاريخ حركة الإخوان المسلمين العالمية منذ نشاتها والتحاقه المبكر بها .. إلى أن أعدمه عبد الناصر سنة 1954م دون ذنب جناه إلا خشيته من قوته وآرائه ضد حكمه وطغيان عبد الناصر وظلمه وديكتاتوريته وتسلطه . وكان الشهيد من المبادرين إلى الجهاد فى فلسطين سنة 1948م حيث دخلها على رأس قوة من مجاهدى الإخوان المسلمين .. فقد أعلن الإمام حسن البنا أن تحرير فلسطين لن يتم إلا عن طريق المجاهدين المؤمنين , وهو طريق أقرب من طريق الجيوش النظامية , التى يحكم الاستعمار قبضته حول أعناقها .. ورغم أن حكومة النقراشي أحكمت قبضتها على الحدود لمنع المجاهدين من التسلل إلى فلسطين , , ورغم أن الاحتلال البريطانى لفلسطين أغلق الحدود الفلسطينية فى وجه المجاهدين إلا أن مجاهدى الإخوان المسلمين تمكنوا من التسلل واختراق كل الحواجز والدخول إلى فلسطين ليقفوا إلى جوار إخوانهم المجاهدين الفلسطينيين .

ومن بطولاته فى فلسطين , انه خرج وثمانية من إخوانه المجاهدين وراء خطوط اليهود وتسللوا إلى مستعمرة قرب الفجر , وصعد الشيخ فرغلى إلى أعلى مكان فيها وأذن للفجر .. وظن اليهود أن الإخوان المسلمين داهموهم بليل .. فولوا الأدبار هاربين وفى مقدمتهم حراسة المستعمرة.. وفى الصباح سلم الشيخ فرغلى وإخوانه المستعمرة إلى الجيش المصرى .

وبعد إلغاء الحكومة المصرية برئاسة الزعيم مصطفى النحاس معاهدة سنة 1936مـ ذلك فى سنة 1951م ـ نزل الشيخ محمد فرغلى وإخوانه إلى المعركة على ضفاف قناة السويس بعزم وصدق وشجاعة .. مما جعل الزعيم البريطانى [ تشرشل ] يصرح بتصريحه المشهور فى لندن [ إن عنصراًجديداً قد نزل إلى ساحة المعركة ] .. ودارت معارك طاحنة بين الفدائيين المصريين وقوات الإحتلال البريطانى على أرض القناه , وفى معسكرات التل الكبير . ووسط ثكنات الجيش البريطانى فى بورسعيد والسويس والإسماعيلية .. فاضت أرواح الشهداء حسن الحبشى الطالب بكلية الطب جامعة القاهرة , وعمر شاهين الطالب بكلية الآداب جامعة القاهرة , وغيرهما من شباب الإخوان المسلمين , وتأكد للإنجليز أن بقائهم لن يطول أمام هذا العنصر الجديد الذى تكلم عنه [ ونستون تشرشل ] . وكانت المواقف البطولية للشيخ المجاهد محمد فرغلى تزرع الرعب فى قلوب الإنجليز .. مما جعلهم يخصصون جائزة كبرى ثمناً لرأسه حياً أو ميتاً .. ولكنهم فشلوا .

وكان الشيخ محمد فرغلى هو رئيس الإخوان المسلمين فى منطقة الإسماعيلية , وكان مساعده الأمين المجاهد الشهيد يوسف طلعت الذى أعدمه عبد الناصر شنة 1954م ظلماً فى قضية المنشية .

وفى إحدى مقابلات الشيخ فرغلى مع صديقه جمال عبد الناصر ـ عندما كان وزيراً للداخلية فى وزارة محمد نجيب ـ حاول عبد الناصر أن ينال من شخص حسن الهضيبي ويثنى على الشيخ فرغلى وجهاده فى القناة وفلسطين .. فقطع الشيخ فرغلى على عبد الناصر حديثه , وقال له يجب أن تعرف أن الهضيبي هو زعيمنا وقائد جماعتنا .. وإننى أعتبر حديثكم إهانة للجماعة كلها ولشخصه بصفة خاصة , وإذا كان هذا هو أسلوبكم فلن تصلوا إلى شىء .. وتغير بعد ذلك وجه الحديث .

وقد نشرت جريدة [ بارى ماتش ] الفرنسية فى عددها الصادر فى 8\12\1954م الخبر التالى : [ فى الساعة السادسة من صباح يوم أمس 7\12\1954م رفع العلم الأسود على سجن القاهرة وسيق المحكوم عليهم بالإعدام من قبل عبد الناصر ؛ يسيرون بأقدام عارية , وملابس الإعادم الحمراء ..

وبدأ تنفيذ الأحكام فى ستة من من الإخوان المسلمين وهم [ محمود عبد اللطيف , يوسف طلعت , هنداوى دوير , إبراهيم الطيب , محمد فرغلي , عبد القادر عودة ] الساعة الثامنة , وقد ذهب المحكوم عليهم إلى المشنقة بشجاعة منقطعة النظير, وهم يحمدون الله على شرف الشهادة .. وقال الشيخ محمد فرغلي [ أنا على استعداد للموت .. مرحباً بلقاء الله .. ] .

وقد عم العالم العربى والإسلامى حالة من السخط الشديد , والاستنكار الغاضب .. واعلن الحداد التام فى بلاد الشام وغيرها على هؤلاء الشهداء .. وأذاع الأستاذ الشيخ على طنطاوى كلمة فى محطة إذاعة دمشق ونشرتها الصحف العربية والإسلامية قائلاً : [ لو كان الأمر لى لما جعلته بعام حداد , بل هو عام بشر وابتهاج , وعما صيرته مأتما بل عرساً . عرس الشهداء الأبرار على الحور العين .. ولما وقفت مع الإخوان أتقبل التعزيات بل التهنئات .. وهل يرجو المسلم إلا أن يموت شهيداًُ؟.. وهل يسأل الله خيراًمن حسن الخاتمة ؟؟.. وإنى لأتمنى ـ والله شاهد على ما أقول ـ أن يجعل منيتى على يد فاجر ظالم فأمضى شهيداً إلى الجنة , ويمضى قاتلى إلى النار .. فتكون مكافأتى سعادتى به , ويكون عقابه شقاؤه لى ..

هذا هو العقاب لا عقابك يا جمال ... عقالب الناصر لأوليائه , القاهر فوق أعدائه . الذى ستقف أمامه وحدك ليس معك جيشك ولا دباباتك ولا سلاحك . ولا عتادك .. تساق إليه وحيداً شريداً .. ليسألك الله عن هذه الدماء الزكية فيم أرقتها ؟ وعن هذه الأرواح الطاهرة فيم أزهقتها , وعن هاتيك النساء القانتات الصابرات فيم رملتهن , وعن أولئك الأطفال البرآء فيم يتمتهم , وعن هذه الجماعة الداعية إلى الله المجاهدة فى سبيله .. فيم شمت بها أعداء الله ورسوله .. ؟

لقد حكم مصر من قبلك فاروق والمماليك وفرعون وهارون .. فأين هم ؟

أين من طغى وبغى .. وقال أنا ربكم الأعلى !

رحم الله شيخنا الشيخ محمد فرغلي .. ورحم الله كوكبه شهداء الدين الذين أُعدموا معه أو الذين ماتوا من التعذيب فى السجون .. ورحمنا الله معهم وجمعنا بهم فى مقعد صدق عند مليك مقتدر .

وعندما أُبلغ خبرإعدامة لأمه فى محافظة أسيوط فى صعيد مصر ـ قامت وتوضأت وصلت ركعتين لله ـ وقالت للسيدات المصاحبات لها لمواساتها : لا أريد أن أسمع كلمة واحدة تغضب ربى ..فقد احتسبته عند الله شهيداً ولن أبكى عليه .. ولن أغضب أو أرفع قضية تعويض لأننى انتظر المحاكمة أمام الله عز وجل يعلم الموقف العظيم فى الآخرة لمن قتلوه .. ولن أرضى بذلك بديلاً . وفوضت امرى إلى الله , وكان سنه ـ رحمه الله ـ خمسة وأربعين عاماً عند إعدامه .

وترك وصية مكتوبة لاولاده قال فيها : [ لم يعد لكم مورد تعيشون فيه استعينوا بالله , واعلموا أنه هو الذى خلقكم وهو الذى يرزقكم وهو أولى بكم منى , وقد استخلفته عليكم . وهو نعم المولى ونعم النصير .. ] .

وقال عنه الشيخ محمد الغزالي: [ لو أراد الشيخ فرغلى أن يكون صغيراً .. ما استطاع .. ]

وايام العدوان البريطانى على بورسعيد ذهب الجنرال ( أرسكن ) إلى محمد رياض محافظ بورسعيد ليقدم له إنذاراً بريطانيا من الحكومة الإنجليزية فى مكتبه بمبنى المحافظة " ودخل الشيخ فرغلى ومعه شباب من الإخوان يترجم له الكلام " دخل على المحافظ الذى قبل يد الشيخ فرغلى " وعرفه بأرسكن " وقال الشيخ فرغلى لأرسكن : اسحب إنذارك فوراً .. وإلا فشباب الإخوان المسلمين المسلحين سيدمرون قواتك المحاصرة .. فارتعد أرسكن , وكان يعرف اسم الشيخ فرغلى .. ورفع قبعته تحيه للشيخ فرغلى وسحب إنذاره .. وخرج كسيراً حزيناً ..

وعند محاكمته امام محكمة جمال سالم قال المدعى العسكرى لهيئة المحكمة إن الشيخ فرغلى عالم من الأزهر ولم أجد له تهمة إلا أنه كان يقوم بتحفيظ القرآن الكريم وخاصة سورة آل عمران لشباب الإخوان ـ وكان محاميه المرحوم الدكتور محمد هاشم باشا ـ فرد جمال سالم رئيس المحكمة العسكرية قائلاً : أعتقد أنه كان يحفظ الطلبة هذه السورة بطري الخطأ ..

وعندما كان سجيناً بالسجن الحربى .. قام حمزة البسيونى قائد السجن بجمع الآلاف من الإخوان المسلمين المسجونين وجمع المصاحف التى بحوزتهم وألقاها أمامهم تحت الأقدام وأشعل فيها النار أمامهم وقال لهم إن قراءة القرآن فى السجن ممنوعة.. وقا م بالإعتداء عليهم هو وعساكره وهم سجود يصلون .. ومنع عنهم الماء وهم فى شدة العطش أثناء شهر أغسطس , ومنهم المسن والمريض .. وكان يؤم هؤلاء المصلين الشيخ الدكتور محمد الراوي الداعية الإسلامى المعروف وعضو مجمع البحوث الإسلامية وهو ابن شقيقة الشيخ فرغلى وزوج كريمته .. وقد ضربه العسكرى بالسجن على رأسه وهو يؤم المصلين فى الزنزانة رقم 173 أمام حمزة البسيوني.

الفصل التاسع الإسلام .. هو الحل

عندما نتأمل كل المشكلات المحيطة بمصر سياسياً واقتصادياً ةاجتماعياً ودينياً , وكذلك مشكلات أمتنا العربية والإسلامية , نجد أن الحل أمامنا ولكننا نتغافل عنه .. فإنها لاتعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور.

وصدقونى .. لن يستطيع أى جيش نظامى عربى .. أو جيوش عربية , منفردين أو مجتمعين أن يقاتلوا الإسرائليين أو يستعيدوا الأرض الفلسطينية المسلوبة أو المسجد الأقصى , لأن إسرائيل هى بحق ولاية أمريكية فى الشرق الأوسط , مسلحة بأحدث الأسلحة الأمريكية والذرية , ولن تتركها أمريكا وحيدة ويمر الوقت بكل مشاكله وبكل ثقل دون أن تحل .. وكرامة مصر والعرب بين يوم وآخر تمرغ فى التراب ونحن نغمض عيناً ونفتح أخرى , واستنفدنا كل التصريحات السياسية من ضبط النفس , والأرض مقابل السلام , والشفافية , وحسن الجوار , والحل على مائدة المفاوضات والمبادرات السياسية , وغير ذلك , وكأننا نضحك على الناس .. والحقيقة أننا نضحك على أنفسنا .

ولن تتأدب إسرائيل أو ترتعد إلا بشباب مؤمن فدائى مجاهد مدرب على أحدث وسائل حرب العصابات يجوس خلال ديارها ويقوم بكل قوة وإصرار بمحاصرتها والدخول فى أحشائها والقيام بعمليات حربية فدائية مستمرة , تقلق مضجعها , وتهدد كيانها , وترهب شعبها .. حتى تضطر راكعة على ركبتيها مستسلمة لمطالب العرب والمسلمين .

وصدقونى .. فنحن نهزل ونحن نرتعد ونحن نخشى سطوة إسرائيل ويدها الطولى .. ووصلنا إلى درجة الاستجداء عند قادتها وحكامها بطريقة مهينة .

الحل الوحيد .. شباب مسلم مؤمن فدائى ومدرب على أحدث فنون حرب العصابات وتحت شعار " الموت فى سبيل الله أسمى أمانينا " وهذا لن يتم إلا إذا أطلقنا يد الشباب المسلم المؤمن تحت إشراف الحكومة وجميع سلطاتها وأجهزتها وتدعيمها تدعيماً مباشراً , وفتح باب التطوع لذلك فى مصر والدول العربية والإسلامية ليقوموا قومة رجل واحد , وذلك فى ظل حكم إسلامى قوى يستمد قانونه من الشريعة الإسلامية , فى ظل حكم إسلامى قوى نظيف يطهر مجتمعنا من جميع شوائبنا ومظاهرنا الأخلاقية الفاسدة , حكم إسلامى يطهر المجتمع من المجون والخلاعة وشرب المخدرات والمسكرات والتسكع ومعاكسة الفتيات والسهر فى الملاهى الليلية والبارات وأماكن اللهو وعبادة الشيطان ... شباب مؤمن بقضيته ودينه .. مستعد للفداء فى سبيل الله ويتوق للشهادة فى سبيله .. رهبان بالليل فرسان بالنهار .

ولن يكتفى هذا الشباب بالجهاد خارج حدود وطنه مصر , بل سيتفرغ أيضاً لبناء بلده الحبيب مصر فى جميع مشروعاتها العملاقة بجد وجدارة واجتهاد حتى تنقشع كارثة البطالة التى تزداد وتتكاثر وقد انفلت زمامها من كل المسئولين , والتى حلها المسئولين بالتصريحات الوردية فقط .. وحتى تكون لقمتنا من أيدينا وليست معونة أمريكية تتحكم بسببها أمريكا والكونجرس الأمريكى بنا كل عام , أو قروش أوروبية بشروط قاسية وفوائد باهظة أو منح ومعونات عربية مهينة .

وأقول بكل ثقة وأسأل كل مسئول أو مخلص لهذا البلد فى بلدنا مصر الغالية : لمصلحة من هذه الملاحقات الأمنية لرجال مصر وشبابها المسلم ؛ لماذا يحارب الشباب المسلم فى الجامعات وتصادر وتمنع كل نشاطاته الدينية والثقافية والاجتماعية بحجة أنهم شباب ملتح أو متدين .. وقهر هذا الشباب ويحبط ويطارد فى المساجد والاجتماعات والمنتديات الثقافية والإسلامية , وتلصق به تهمة الإرهاب وهو منها برىء , وتطارده وسائل الإعلام المصرية والأجنبية بهذه التهمة الشائنة دون هوادة .

لماذا تتدخل سلطات الأمن وتمنع تعيين أى شاب متدين فى أى وظيفة بالجيش أو الشرطة أو النيابة أو الجامعات أو الإذاعة والتليفزيون أو التدريس فى المدارس والمعاهد والجامعات بحجة عدم الموافقة نهائياً فى ورقة مستحدثة تسمى ( استمارة موافقة الأمن ) ويدوخ المرشح ويذهب ويروح بين مكاتب الأمن والجهات الحكومية .. ولا من سميع أو مجيب وهذا يهمس فى أذنه متأسفاً وذاك يقول أوامر .. أوامر . والآخر يقول تعليمات الحكومة .

وقد يرفع هذا المظلوم قضية فى المحاكم ويحكم له قضاء مصر الشامخ والعادل وتأتى العراقيل فى سبيل تنفيذ الحكم .

ولا أنسى أننى قلت لأحد أحفادى : إنه توجد مدرسة إسلامية ممتازة فى دراستها وأساتذتها وطلابها وسوف ألحقك بها , فقال لى يا جدى معنى هذا أنك ستمنعنى من دخول الكليات العسكرية والقضاء وبعض الوظائف , لأن كلية الشرطة والحربية لا يقبلان حاملى الثانوية العامة من هذه المدارس رغم امتيازها وجدارتها , وتسابق الجميع على إلحاق أبنائهم وبناتهم بها , لأن بها برامج إسلامية كثيرة وحفظ قرآن وأحاديث نبوية والالتزام بالصلاة جماعة فى مواقيتها .. وما إلى ذلك .

وأذكر أن صديقاً عزيزاً من ( ضباط أمن الدولة ) أراد أن يلحق أحد أبنائه بمدرسة إسلامية متميزة , ورفض المسئولون قبول الطفل , ووسطنى للحديث مع مسئولى هذه المدرسة ـ وهم أصدقائى ـ فى قبول هذا الطفل ولكنهم أخبرونى أن والدته سافرة فى ملبسها وأنهم يقومون بعمل اختبار شخصى لأولياء الأمور من الآباء والأمهات دون أن يشعروا وأكدوا لى أن وظيفة والد الطفل لم تكن السبب إطلاقاً فى عدم قبوله .. فأخبرت الضابط بذلك فما كان منه إلا أن أمر زوجته بالحجاب , وتحجبت وأعدنا الاختبار الشخصى ودخل الطفل المدرسة وكان والده سعيداً كل السعادة , وكان الطفل غاية فى التفوق والامتياز وكان جو المدرسة يوحى بالوسط الأخلاقى والمستوى الرفيع وتمسك الأطفال بالقيم .

وهذا هو المستوى الأخلاقى الذى نريده , وهذه هى التربية الحقيقية لشبابنا وأطفالنا منذ الصغر وهذا هو البناء الحقيقى لهذه الأمة المنكوبة , ورغم ذلك بين حين وآخر تهدد أجهزة الأمن بضم المدرسة للحكومة .. وقد حدث ذلك بالفعل مؤخراً .

ويسافر الرجل الرجل المتدين المسلم إلى الخارج ويعود من الخارج ويحجز فى المطار بالساعات ويفتش تفتيشاً ذاتياً وبكل دقة وتعطل إجراءاته بالساعات الطوال , وقد يمنع من السفر أو يقتاد من المطار إلى المباحث دون ذنب أو جريرة .. ودون احترام .

وقد علمت أنه فى الصيف الماضى حُجز الداعية الإسلامى الكبير ( الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي ) بمطار القاهرة عند وصوله من قطر وعطل بالساعات بواسطة رجال أمن المطار رغم مكانته العلمية والإسلامية , ورغم أنه أيضاً يحمل الجنسية القطرية علاوة على الجنسية المصرية , وحدث ذلك أيضاً مع ( الدكتور أحمد العسال ) نائب رئيس جامعة إسلام أباد .

ومنع أيضاً الأخ ( إبراهيم شرف ) من السفر للعلاج بلندن لمدة شهور , رغم خطورة حالته , وأخيراً صرحوا له بالسفر .. وتوفى رحمه الله فى لندن أثناء هذه الرحلة لتأخر علاجه .

لماذا كل هذا ؟ ألسنا أخوة , حكاماً ومحكومين , ورجال أمن ومواطنين وأبناء وطن واحد ؟ ومشاكل بلدنا تعم علينا جميعاً ؛ إن هذا شىء محير وغير مفهوم .

ولماذا يؤخذ كل مواطن بجريرة آخر, ويوضع الجميع فى سلة واحدة هى سلة الإرهاب والعصيان والإجرام دون نظر أو اعتبار لمسئولية كل شخص عن تصرفاته , إن هذه العشوائية لن تفيد ولكنها تضر .. وبعد ذلك نشكو من إسرائيل ومن البطالة ومن تفاقم المشاكل الاقتصادية وانحراف الشباب وانتشار حوادث القتل والسرقات والاغتصاب .

وهناك القوانين المقيدة للحريات التى تكبلنا جميعاً بالأغلال مثل قانون الطوارىء والمحاكم العسكرية والأحزاب والصحافة وغير ذلك , والتدخل فى انتخابات النقابات المهنية والانتخابات البرلمانية .

صدقونى يا قوم .. الإسلام .. والإسلام فقط , هو الحل وليس شعاراً أجوف ولكنه الحقيقة المؤكدة .. فيها الشفاء وفيها الحل لكل مشاكلنا .

ألا هل بلغت .. اللهم فاشهد ..

ومن دواعى الأمل أننى أجد شباباً طاهراً متميزاً فى مجتمعنا المصرى وفى جامعاتها من التيار الإسلامى الذى يتخلق بالخلق الإسلامى الرفيع ويتمثل بهدى رسول الله عليه الصلاة والسلام وهم شباب متفتح بعيد كل البعد عن أساليب العنف والتطرف والغلو فى الشريعة .. يدعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وهؤلاء الشباب متوادون مترابطون متحابون متكافلون فى الله عز وجل , يؤدون فرائض صلواتهم , ويتلون القرآن ويحفظونه .. وتتولد فيهم الاجيال , وينضم إلى صفوفهم كثير من الشباب الذى يهديه الله عز وجل بفضله .. فدعوة الله قائمة وجذورها ممتدة حتى يرث الله الأرض ومن عليها .. وللبيت رب يحميه .

ومن الغريب أن هذا الشباب يحنو على بعضه البعض وقويهم يساعد ضعيفهم وغنيهم يساعد فقيرهم ويتبادلون المذكرات العلمية ويساعدون بعضهم الآخر ويجتمعون فى المناسبات السعيدة كالأفراح ومآدب العقيقة فى المواليد كما يجتمعون للمواساة فى المآتم والأحزان , وزيارة المرضى بالمستشفيات ورعاية اليتامى وخلاف ذلك من التكافل الإسلامى المحبوب .

ولا أنسى ما حييت عندما توفى المرحوم الداعية الإسلامى الحاج ( أحمد البس ) بالقاهرة فى مستشفى الأمل لصاحبها الأخ الدكتورعبدالقادر حجازى ونقل جثمانه ليدفن فى قريته القضابة مركز بسيون بمحافظة الغربية قبيل مغرب نفس اليوم , وإذ بجحافل من الإخوان وشباب الدعوة الإسلامية يجتمعون بالآلاف وافدين من جميع محافظات الجمهورية وكان منظراً مؤثراً يدل على الحب فى الله دون زيف أو بهتان ؛ فيهم الشيخ وفيهم الشاب وفيهم الصبى .. وما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل .

وفى انتخابات مجلس الشعب الأخيرة ذهبت هذه الجموع إلى صناديق الانتخاب وفيهم الشاب وفيهم الشيخ المسن وفيهم المريض وفيهم الشابة وفيهم السيدة الحامل وفيهم السيدة المسنة .. كل يقف بالطابور لينتخب ويؤدى صوته الانتخابى لمرشح التيار الإسلامى .. آملين فى الإصلاح , كما يحدث هذا أيضاً فى انتخابات النقابات , والعجيب أن أحد مرشحى التيار الإسلامى فى مجلس الشعب فى دائرة كفر الزيات وهو الأخ ( حسانين الشورة ) قد حصل على 45 ألف صوت فى دائرته ونجح كما نجح زميله الحزبى من الفئات وحصالفقط على عشرة آلاف صوت , حدث ذلك كله رغم التضييق على مرشحى التيار الإسلامى بكل الأساليب المباشرة وغير المباشرة , كما حصل ( سيف الإسلام حسن البنا ) فى انتخابات نقابة المحامين على أضعاف أضعاف ما حصل عليه النقيب الناجح من أصوات .

وهذا كله بسبب الشعور الحقيقى بالانتماء وهذا كله بسبب الترابط والالتزام , فى هذه الجماعات مما يجعلنى آمل أن يساعد هذا كله فى حل مشاكل مجتمعنا بكافة أنواعها .

وتطيش سهام بعض الإعلاميين والصحفيين والكتاب فى محاولات للهجوم عليهم باستمرار فى الصحف والمؤلفات والإعلام المرئى والمسموع وذلك بضراوة وتزييف للحقائق , ووصفهم بالتخلف والإرهاب والسعى للوصول إلى الحكم .. وغير ذلك من الاتهامات ؛ وأنا فى رأيى أن هذه السهام طائشة لا تؤثر فى مسيرتهم أو نموهم وهم لا تزيدهم إلا صلابة .. وهم لا يلتفتون إلى كل ذلك مقتدين بقول الله عز وجل فى كتابه الكريم ( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ) .

وأنا أقول لهم .. ولماذا لا يحكمون .. ويصلون إلى السلطة .. فهل الحكم حلال على كل الناس وكل الأنظمة وكل الأحزاب .. وحرام على التنظيمات والجماعات الإسلامية .

وأعود وأقول بكل قوة .. وثقة .. وثبات إن ( الإسلام هو الحل ) ولا مفر من ذلك ... ( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز ) [ الحج: 40 ] .

وفى الآونة الأخيرة قمت ومعى بعض الأصدقاء بمبادرة لمجموعة من الوطنيين المصريين والشخصيات العامة والمؤثرة فى المجتمع من جميع الجهات , بمحاولة لفتح قنوات الاتصال المستمرة بين الإخوان المسلمين والسلطات الحكومية.. ليعرف الإخوان ما هو مطلوب منهم تحديداً حتى تنقشع غمة الخلاف مع السلطات التى طال أمدها ولابد لها من نهاية .. أما طلبات الإخوان المسلمين فهى محددة ..بأنهم يريدون أن ينشروادعوتهم الإسلامية فى صفوف هذا الشعب بالحكمة والموعظة الحسنة وتحت سمع وبصر الحكومة , وفى ظل قوانينها ودستورها دون الإخلال بهيبة السلطة , ويريدون أن يمكنوا من ذلك حتى ينشطوا فى النور ويكونوا عوناً للحكومة لاعبئاً عليها , ويشتركوا فى بناء بلدهم وحل مشاكلها مهما بلغت التضحيات .. وكانت هناك بعض البوادر الطيبة .

ولكن للأسف الشديد .. حتى الآن .. لا نجد الأذن الصاغية أو اليد الممتدة أو العقل المفتوح بجد وإخلاص ... وعسى أن يكون قريباً .. فكلنا أخوة مصريون متحابون أهل وأقارب وأصهار نبغى المصلحة والأمن والأمان لبلدنا .. فى جو من الحب والحرية والعدالة والديمقراطية الحقة ... وإذا كنا نتفاوض ونتحاور مع اليهود والصهاينة ونجلس معهم كمسئولين للوصول إلى السلام المزعوم وهم أعداؤنا ... فهل يعقل ألا نتحاور ونتناقش سوياً كإخوة مصريين مسلمين فى سبيل الخير والإصلاح .. ولا نسمح بذلك الحوار من قريب أو من بعيد ...

حرام والله حرام ... فهذا لا يرضى الله ورسوله وسيحاسبنا الله على ذلك وكل الأمور لها نهاية .

ولابد أن نتأسى ونتعظ بقوله تعالى ( وما خلقت الأنس والجن إلا ليعبدون ) فحكم الحاكم لشعبه عبادة ..وطاعة المحكوم لحاكمه العادل عبادة .. والسعى وراء الرزق عبادة .. واتقان الموظف والعامل والصانع لعمله عبادة .. والكاتب أو الصحفى أو الإعلامى أو المذيع الذى يقول الكلمة الطيبة ويدعو إلى المثل الكريمة عمله عبادة .

فهل بعد ذلك كله عندما نستشعر عبادتنا الحقة لله عز وجل وفى سبيل الله وفى سبيل مرضاته .. هل بعد ذلك يكون الحاكم ظالماً لشعبه أو المحكوم غير مخلص فى عمله ؟

لا بد أن نعلم علم اليقين أن الله عز وجل مطلع على سياسة الحاكم والمحكوم , وأن الحساب فى الآخرة آت لا محالة , كل حسب عمله ونيته .

فاللهم ذكرنا بك على الدوام ولا تجعلنا ظالمين أو جبارين واجعلنا رحماء متراحمين وأنت أرحم الراحمين .

ولا بد من مصالحة حقيقية عميقة بين الحكام وشعوبهم وعند ذلك لن تهرب رؤوس الأموال المصرية والعربية إلى دول أوروبا وأمريكا فى الخارج , وتشعر كل هذه الشعوب بالاستقرار والأمان وزوال فساد أجهزة الحكم وانعدام الإجراءات الاستثنائية أو الشعور بعدم الاستقرار .

وهناك مثل لذلك .. فبعد أحداث سبتمبر الشهيرة وانفجارات المركز التجارى بنيويورك والبنتاجون , صرح الرئيس رفيق الحريرى رئيس وزراء لبنان فى التليفزيون اللبنانى أن بنوك بيروت دخلها أكثر من 3,5مليار دولار فى شهر واحد من أموال الدول العربية , فلماذا لاتتدفق هذه الأموال إلى مصر رائدة الأمة العربية والإسلامية , هذه الأموال المخزنة فى أوروبا وأمريكا وفى بنوك يهودية , وتتحكم فى مقدرات الأمة العربية والإسلامية واقتصادها ومشروعاتها . وقد بلغ حجم الأموال العربية فى بنوك أمريكا ألف وخمسمائة مليار دولار وحجم الأموال المصرية فى الخارج مائة مليار دولار.

وبعد أحداث 11 سبتمبر حولت 5 مليارات دولار إلى بيروت والبحرين ولم تحول إلى مصر .

وفى هذه الأيام يأتى الأمريكان وحلفاؤهم فى حرب أفغانستان ويشنون حملة ضارية على كل ما هو إسلامى سواء شركات أو بنوك أو جمعيات خيرية أو جمعيات ذات نشاط اقتصادى أو علمى أو تربوى أو اجتماعى وقاموا بتجميد كل أموالهم ونشاطاتهم فى كل أنحاء العالم بطريقة عشوائية همجية موجهين إليهم تهمة الإرهاب , وفسروا الإرهاب على مزاجهم , وأصبحت كل هذه النشاطات الإسلامية والبناءة والنامية .. أصبحت إرهاباً وأصبحت منظمات فتح وحماس والجهاد وغيرها ـ وهى التى تدافع عن أوطانها وأراضيها المغتصبة من اليهود والصهاينة حلفاء الأمريكان وعملائهم ـ أصبحت كل هذه المنظمات الوطنية توصف بالإرهاب من جانب الأمريكان وأصبح كل مواطن يقف فى وجه حاكمه الظالم إرهابياً .. فهل هذا معقول .

الأصوليون

انتشرت هذه التسمية هذه الأيام بين أجهزة السياسة والأمن والإعلام المختلفة فى جميع أنحاء العالم وفسرتها كل جهة على هواها وفسرها الغرب على أنهم هم الإرهابيون وتبعهم فى هذا التفسير بعض ذوى النفوس المريضة أو الجهلاء أو رجال من ذوى السلطة والجاه الخائفين على مناصبهم ونفوذهم , أو اليهود الصهيونيون أو الصليبيون أو الأمريكان الذين يريدون للأمة الإسلامية جمعاء ( إسلاماً أمريكياً ) كما سماه الشهيد سيد قطب بعد عودته من أمريكا .. إسلام يجعل الفرد يصلى ويصوم فقط ويندمج فى حلقات الذكر والموالد والأضرحة , وهو إسلام من غير روح , كما أنهم يريدون تطبيق سياسة تجفيف المنابع من التربية والتعليم والثقافة والإعلام للطلاب والدارسين فى المدارس والجامعات وعدم دراسة تاريخ الإسلام ورسالته والحث على الجهاد وتحرير بلاد المسلمين من المستعمرين والغاصبين , ودراسة تواريخ أئمة الإسلام ومجاهديهم مثل الخلفاء الراشدين والصحابة وتابعيهم وصلاح الدين الأيوبى ومعارك المسلمين الشهيرة التى انتصروا فيها مثل فتح الأندلس وتحرير القدس وخلافه .

ونحن كمسلمين نؤمن بالإسلام كعقيدة راسخة فى قلوبنا .. ويصدقه عملنا بإخلاص وإصرار فى جميع مجالاتنا .. نؤمن ( بالأصولية ) ونقصد بها العودة إلى جذور الإسلام وأصوله وندعو إليها مهتدين بقول الله تعالى فى كتابه الكريم ( كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء [24] تؤتى أُكلها ) [ إبراهيم : 24, 25 ].

والأصولى الحق هو الذى يهتم بالأصول وهى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ويفهمها ويطبقها كلها فهماً واعتقاداً وعملاً ودعوة , أعنى ( ما وقر فى القلب .. وصدقه العمل ) .

فصائل الأصوليين

(1) جماعات التكفير.

(2) جماعات العنف .

(3) جماعات التشدد.

(4) جماعات الوسطية .

جماعات التكفير

فكر التكفير :

بدأ فى سجون عبد الناصر نتيجة التعذيب الشديد والمعاملة غير الإنسانية وقتل الأبرياء فى السجون نتيجة هذا التعذيب والحكم بالإعدام على الأبرياء , واستمرت هذه المعاملة سنوات وسنوات دون رحمة أو هوادة , فقال هؤلاء المعذبون : إنه لا يمكن أن يكون هؤلاء الذين يعذبوننا ـ بسب دعوتنا إلى الله ـ مؤمنين , بل هم كفار , وأكفر منهم من أمرهم بتعذيبنا من الحكام وكل من رضى بهؤلاء الحكام أو صفق لهم فهو كافر مثلهم , وكان منهم المرحوم شكرى مصطفى , وغيره وأخذوا يدعون لهذا الفكر داخل سجون عبد الناصر , وكان المرحوم المستشار حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين سجيناً معهم فى السجن الحربى ومحكوماً عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة من عبد الناصر , ورغم ما ناله وهو فى سن متقدمة وقد تعدى السبعين عاماً وناله من الإهانات والتعذيب الشىء الكثير , ورغم ذلك كله رد عليهم بمقولات صدرت فى كتابه الشهير ( دعاة لا قضاة ) وحذر شباب الإخوان داخل السجن من أفكار التكفير .

كما ظهرت بعض كتابات الشهيد سيد قطب فى السجن أيضاً مثل ( فى ظلال القرآن ) , ( معالم فى الطريق ) متأثراً أيضاً بما حدث من تعذيب شديد للإخوان , وآفة هؤلاء ليس فى إخلاصهم ولا ضمائرهم .. إنما هى فى أفهامهم ووسائلهم .. وقام بعضهم بقتل الشيخ الذهبى وزير الأوقاف الأسبق لأنه شهر بهم وبمبادئهم وأفكارهم .

جماعات العنف

وهى ترى استخدام القوة والسلاح فى مقاومة ما يعتقدون أنه باطل , وتغيير ما يرون أنه منكر , وذلك كله موجه إلى الحكام فقط .. الذين عطلوا أحكام الشريعة الإسلامية وأحلوا بدلاً منها القوانين الوضعية ويستند هؤلاء فى عنفهم إلى :

أولاً : فريضة الجهاد وهى التى اعتمد عليها كتاب ( الفريضة الغائبة ) وهو الأساس النظرى لتنظيم الجهاد .

ثانياً : وجوب تغيير المنكر بالقوة أو باليد لمن يقدر عليه تطبيقاً للحديث الشريف " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ومن لم يستطع فبلسانه ومن لم يستطع فبقلبه وهذا أضعف الإيمان ".

والمفروض [ شرعاً ] أن تغيير المنكر للفرد فى حدود أسرته فقط ومن يعول , أما تغيير المنكر فى المجتمع فهى وظيفة الحاكم والسلطة , ولكنهم لم يفرقوا فى ذلك فطاشت سهامهم وأفكارهم وقتلوا الأطفال والنساء والأبرياء وهدموا المبانى , وكان رأيهم وعذرهم أن المجتمعات عندنا استشرى فيها الفساد وأصبح المنكر معروفاً والمعروف منكراً , والضغط يولد الانفجار حسب رأيهم , وأن السلطة تحارب الشباب المسلم وتسجنه وتقتله وتراقب المساجد وأغلقتها فى الجامعات والمصالح الحكومية وأحلت الخمر والزنا وفى نفس الوقت تركت دور اللهو والمجون والفساد دون رقيب وكان كل ذلك مبرراً لهم لاستخدام وسائل العنف باختلاف أساليبها .

جماعات التشدد والجمود

وهؤلاء معروفون بجمود الفكر وحرفية الفقه وتعسير الفتوى والتنفير فى الدعوة والخشونة فى التعامل وإنكار التجديد وشغلوا الناس فى معارك ترجح النقاب على الخمار( الحجاب) عند السيدات , وإعفاء اللحية وطريقة وضع اليدين فى الصلاة وتحريم الإقامة فى أوروبا وأمريكا وتحريم الجنسية الأجنبية وتحريم عمل المرأة أو ترشيحها أو تصويتها فى الانتخابات وتحريم مجاملة المسلم لجاره المسيحى .. وغير ذلك من الأمور الفرعية التى شغلت المسلمين عن قضاياهم الكبرى والأساسية .

جماعات الوسطية

وهو فكر التيسير والتجديد ( الوسطية الإسلامية ) وهو الغالبية العظمى وهو الذى يعتمد على التيسير فى الفتوى والتبشير فى الدعوة عملاً بقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : " يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا ".

وهو التجديد فى كل المجالات بالنسبة للمرأة فى قبول ترشيحها وعملها والاعتراف بالأحزاب السياسية واجتهادات فكرية فى الاقتصاد والطب والفنون وكل مشاكل العصر والمدنية .

( هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) .. وهذه الأية الكريمة هى إحدى المبشرات بانتصار الإسلام وعدم اليأس من روح الله , رغم كل الأحزان والمحن والهزائم التى تمر بنا .. ورغم كل الفتن والمؤامرات التى تحاك للإسلام من أعتى القوى الصليبية من الدول العظمى فى العالم وأولها أمريكا والتى تحالفت على الحرب ضد كل ما هو إسلامى .

وأعداء الأصولية الوسطية .. بل أقول هذه [ الصحوة الإسلامية الحقة ] .. هم الجاهلون بحقيقتها وأهدافها النبيلة , أو رجال السلطة و النفوذ الخائفون منها على زوال سلطانهم ومصالحهم ونفوذهم , ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين .. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .

وقد بشر الله تعالى المسلمين بالنصر المبين فى كتابه الكريم فى آيات متعددة , فيجب أن نؤمن بهذا ونعيه .. وأن ننفعل بهذا الإيمان .. وندعو بكل ما أوتينا من قوة وجهد لهذه الصحوة الإسلامية الحقة التى تستمد جذورها من الأصولية الوسطية التى تدعو إلى سبيل ربها بالحكمة والموعظة الحسنة ..

فلابد أن نؤمن بهذه المبادىء السامية الحقة , وأن ندعوا إليها فى أوطاننا, بل فى كل دول العالم وشعوبها بكل ما أوتينا من قوة ليعرف كل هؤلاء أن الإسلام هو دين العزة والكرامة .. دين السماحة والرحمة .. دين السلام والحرية .. دين التطور والعلم بكل فروعه .. دين الدعوة والحكمة والموعظة الحسنة .. وأن الدين عند الله الإسلام .. وليس هو إسلام الشيخ بن لادن أو إسلام طالبان أو ( الإسلام الأمريكى ) الذى يريده بوش أو الحكومة الأمريكية .. ولكنها شريعة الله ورسوله .. وهذا فرض عين على كل مسلم ومسلمة , ولنبدأ بأنفسنا ولا نبالى بأى معوقات فى طريقنا , فطريق الدعوة إلى الله ليس مفروشاً بالورود , وقد ينال الداعية من ابتلاء ومحن , ولكنه يجب أن يتمسك بمقولة الإمام ابن تيمية رحمه الله : ( أن سجنى خلوة , ونفيى سياحة , وقتلى شهادة , وإن بستانى صدرى .. فماذا يصنع الأعداء بى ) , وإن كان أسامة بن لادن ومعه طالبان قد هزموا ولكنها ليست هزيمة للإسلام , وإن كان بوش وأمريكا وحلفاؤهم قد انتصروا .. ولكن هذا ليس معناه انتصاراً للباطل .

وأقول بكل ثقة .. نعيب زماننا والعيب فينا ؛ فالمسلمون يتقاتلون فى كل البلاد , والحكام يتقاتلون مع شعوبهم المسلمة ويعتقلون شبابهم وشيوخهم ويعدمونهم ويقهرونهم فى المساجد والجامعات ويحاربون المعتكفين فى المساجد والنقاب والحجاب , ويقوم بعض الإعلامين بالسخرية من بعض رموز الدعوة الإسلامية وبعض المحطات الفضائية التى تدعوا للإسلام ... والعجيب أن معظم هؤلاء الكتاب لا يصلون ولا يصومون ويدعون بكل قوة لإسلام خاص على مزاجهم .. إسلام أمريكى يحرم الحلال ويحلل الحرام .. ( كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ) .

وهللوا لإنتصار الأمريكان على طالبان .. وكانت مظاهر النصر التى فرحوا بها هى أن الشعب الأفغانى تخلص من حكم طالبان البغيض وشريكهم بن لادن .. وقاموا بحلق اللحى , وخلعت النساء النقاب والحجاب وتزينت بكشف وجهها ورسم حواجبها ووضع المساحيق والبرفانات والعطور , وانكشف المستور وظهرت الأفلام والأغانى فى التليفزيون ورقصت السيدات مع الرجال فى الأفراح , وهكذا عادت فى نظرهم المدنية وهزمت الرجعية , ومن الخزى والمحزن أن من مظاهر انتصارهم على طالبان أن يقوم مسلم أفغانى بركل جثة أخ مسلم أفغانى من رأسه عدة مرات بقدميه وهو مسجى على الأرض ميتاً , وقامت كل محطات العالم التليفزيونية ببثها مما أثار امتعاض كل شعوب العالم على اختلاف دياناتهم , وقتلوا الأسرى وأجهزوا على الجرحى وقتلوا المساجين العزل والأطفال والمصلين والمعتكفين فى المساجد فى رمضان بالتعاون مع قوى الكفر والشر من الامريكان وحلفائهم وهدموا المساجد والمستشفيات والمؤسسات الخيرية والاجتماعية والمدارس بمئات الأطنان من قنابل الأمريكان الذكية , ومذبحة سجن قلعة جانجى بمزار شريف عرفتها كل شوب العالم وقتل منهم مئات من أسرى طالبان .

هذا هو إسلامهم الذى يريدونه , وهذه هى مبادئهم التى يروجون لها , إنهم يسخرون علناً من كل داعية إسلامى يدعو إلى الشريعة الحقة , أو كل محطة فضائية تدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية السمحاء أو تحارب العلمانية أو العولمة التى يروجون لها .

وقد أسفت على الهجوم العنيف من إعلامى مصرى شهير كتب مقالاً يهاجم الداعية الإسلامى الكريم [ الأستاذ عمو خالد ] .. ويصفه بألفاظ بذيئة ويشبهه ب " راسبوتين " وينعته بالجهل والتخلف لدعوته للحجاب والتمسك بتعاليم الشريعة الإسلامية , ويؤيد بكل قواه منعه من إلقاء دروسه أو خطبته فى المساجد بأمر وزير الأوقاف ولم يخف فرحته من سفره إلى لندن والبقاء بها بعيداً عن مصر .

ورحب بعودة ممثلتين إلى التمثيل بعد خلع الحجاب واصفاً إياهما بأنهما تخلصتا من الجاهلية وعادا إلى النور وقد رد عليه الأستاذ مصطفى بكرى فى جريدته [ الأسبوع ] بمقال رائع كريم .. فشكر الله له كريم رده .

وكذلك الأستاذ سعيد عبدالخالق رئيس تحرير جريدة [ الميدان ] وآخرون .

ولله الأمر من قبل .. ومن بعد .

ومما يستدعى انتباهنا هذه الأيام أن ظاهرة الحجاب قد انتشرت انتشاراً مهولاً .. وهناك أيضاً ظاهرة أخرى وهى تسابق الشباب والشابات والرجال والسيدات على حفظ القرآن وتجويده فى النوادى والمساجد والمنازل , واقبل الجميع إقبالاً منقطع الظهير على ذلك .. وهذه ظاهرة طيبة تبشر بالخير .. ذكرتنى بأيام مابعد هزيمة 1967م أيام عبد الناصر ـ عندما انتشر المد الدينى الإسلامى فى المجتمع وظهرت الجماعات الإسلامية فى الجامعات تحتفل بالمناسبات الدينية كعيد الهجرة والإسراء والمعراج والمولد النبوى ـ بعد أن كان الاتحاد الاشتراكى يحتفل بميلاد لينين وستالين , وتذكرت اندحار الكتلة السوفيتية وتصفيتها وقتل قادتها وهى فى أوج مجدها .. وأتوقع نفس المصير لبوش وإدارته وعصابته .. ولن يصح إلا الصحيح .

الفصل العاشر متفرقات .. عن الإخوان

من هم المجرمون .. يا ثروت أباظة ؟!

ـ لاحظت من خلال مقالاتكم المتكررة ( بالأهرام ) !! أنكم تكررون إطلاق كلمة ( الإخوان المجرمين ) على ( الإخوان المسلمين ) !! وتتركها شمولية دون تحديد !! ودللت على ذلك بجرائم محددة نسبتها إلى الجماعة ككل من أكثر من خمسين عاماً !!

أما عن حادثة ( النقراشي ) .. فقد بررها المتهمون بأنه قام بحل الجماعة بأمر عسكرى وهو رئيس حكومة أثناء تواجد قوات الإخوان المسلمين بفلسطين لمحاربة اليهود فى حرب 1948م !! وقام باعتقال الإخوان فى فلسطين !! ورحلهم إلى رفح !! ثم إلى معتقلات الطور وهايكستب وخلافه !! ورغم ذلك استنكر الشهيد حسن البنا مرشد الإخوان هذه الجريمة !! وكتب مقالاً فى الصحف وصف فيه القتلة بأنهم ( ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين ) !! ورغم ذلك قام الملك وإبراهيم عبدالهادي رئيس الحكومة ـ السعدى ـ بترتيب عملية اغتيال الشهيد حسن البنا بشارع الملكة نازلى بالقاهرة !! وتركوه ينزف عدة ساعات حتى مات داخل مستشفى قصر العينى !! والُتقطت أرقام السيارة التى استقلها القتلة وهم من رجال مباحث وزارة الداخلية !! وحوكموا بعد قيام ثورة 23 يوليو !! وانتحر الضابط محمود وصفى !! وحكم بالأشغال الشاقة على الضباط وحكم على إبراهيم عبد الهادى بالإعدام وتوسط له المستشار حسن الهضيبي مرشد الإخوان عند جمال عبد الناصر وخفف الحكم إلى السجن المؤبد .. وبعد ذلك أفرج عنه !!

أما إلقاء القنابل على محلات شيكوريل وداود عدس ومشلا واوربكو وشركة الإعلانات الشرقية وحارة اليهود !! ففعلا قام بذلك شباب الجهاز السرى للإخوان !!وهى كلها محلات يهودية !! وفى أوقات لم يصب فيها مصرى واحد !! وكانت رداً على قيام الطائرات الإسرائيلية بإلقاء قنابل على حى البرامونى بعابدين أثناء ساعة الإفطار فى شهر رمضان !! وقتل وإصابة مجموعة كبيرة من المصريين !! .

أما قنابل سينما ريو بالإسكندرية ومترو بالقاهرة فقد تم ضبط اليهودى ( فيكتور كوهين ) أثناء انفجار عبوة ناسفة فى ملابسه داخل سينما ريو وقبض عليه واعترف على شركائه من اليهود وحوكموا وسجنوا , وثيتت براءة الإخوان المسلمين من هذه التهمة الشائنة لقتل الأبرياء .

أما حادثة اغتيال المستشار أحمد الخازندار فقد بررها المتهمان بأنه قام بإصدار أحكام قاسية بالسجن على الشباب الذين يقومون بالعمل الوطنى , واعترفوا بمسئوليتهم الشخصية , واستنكر الشهيد حسن البنا هذه الجريمة , وتبرأ من مرتكبيها .

وتماديت فى الحديث ونسبت إلى الإخوان المسلمين مسئولية قتل الشيخ الذهبى , وحادث الكلية الفنية العسكرية بقيادة صالح سرية , ومحاولات اغتيال رئيس الوزراء والوزراء فى عهد الرئيس مبارك , وحادثة اغتيال الرئيس السادات , وحادث السياح بالأقصر و وغير ذلك من الإدعاءات الكاذبة , والافتراءات الواهية , التى أثبتت التحقيقات والمحاكمات بأنه لا صلة للإخوان المسلمين بكل هذه الأحداث من قريب أو من بعيد , بل إن بعض أفراد هذه الجماعات ومنهم المرحوم شكرى مصطفى رئيس جماعة التكفير والهجرة الذى قتل الشيخ الذهبى وصف الإخوان المسلمين بأنهم كفرة , واثبتت أجهزة الدولة بأن شكرى مصطفى لم يكن فى يوم من الأيام من الإخوان المسلمين , وأن المستشار حسن الهضيبي أصدر كتاباً ضد أفكاره بعنوان ( دعاة لا قضاة ) , وحذر شباب الإخوان من أفكاره !..

وتناسيت ـ يا أستاذ ثروت ـ شهداء الإخوان المسلمين فى حرب فلسطين وجهادهم الذى أشاد به الجميع ومنهم الضباط المسيحيون فى الجيش مثل اللواء فؤاد عزيز غالى , وتناسيت شهداءهم فى حرب القناة ضد الإنجليز أمثال الشهيد أحمد المنيسى , والشهيد عمر شاهين .

وتناسيت أدوارهم البطولية فى التمهيد والإعداد لثورة 23 يوليو والاشتراك فيها , وحمايتها عند قيامها .

وتناسيت أننا كنا كشباب فى الماضى نشتغل بالعمل الوطنى السرى أيام الاحتلال , إخواناً وغيرإخواناً وأن بعض هؤلاء الشباب الوطنى قاموا بمحاولات اغتيال ناجحة ومنهم النقراشي وأحمد ماهر عندما كانا عضوين فى جمعية اليد السوداء واغتالوا السردار , وإبراهيم الوردانى فى اغتيال بطرس غالى رئيس الحكومة , والسادات فى اغتيال أمين عثمان , ومحاولة اغتيال الزعيم مصطفى النحاس عدة مرات وجمال عبد الناصر فى محاولة اغتيال حسين سرى عامر , والقنابل التى فجرها فى شوارع القاهرة أيام أزمة مارس , وحريق القاهرة وغيرها ..

وتناسيت أن ياسر عرفات هو تربية الإخوان المسلمين ونبت حسن البنا ..

وتناسيت أن منظمة حماس هى نبت الإخوان المسلمين ونبت حسن البنا , بأعتراف رئيسها الشيخ أحمد ياسين فى المحطات الفضائية والصحف العربية مرارا وتكرارا . . .

وتناسيت أن جماعة الإخوان المسلمين التى اغتيل مرشدها حسن البنا وعمره اثنان وأربعون عاماً , انبتت رموزاً شامخة مشرفة فى جميع أنحاء العالم , فى الدعوة الإسلامية .. أمثال الشيخ محمد الغزالى والشيخ سيد سابق والشيخ الباقورى والشيخ يوسف القرضاوي والشيخ أحمد العسال والشيخ سيد قطب , وغيرهم وغيرهم . كما أنبتت الجماعة رموزاً شامخة فى الاقتصاد والطب , وفروع العلم المختلفة , يشار إليهم بالبنان فى جميع دول العالم وقد وهبوا أنفسهم للدعوة فى سبيل الله فى كل مكان .. داعين إلى الله , وإلى الإصلاح , بالعلم والحكمة والموعظة الحسنة , والشورى , والتسامح , والبعد عن التعصب والإرهاب والتطرف .

والدعوة باقية , وللبيت رب يحميه , وهى ممتدة على الدوام برعاية الله , وهى نبت طيب , مثمر , يتكاثر , ويترعرع على مر العهود والأزمان , إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها . وهى ليست دعوة حسن البنا أو سيد قطب , أو الهضيبي , أو مصطفى مشهور , ولكنها دعوة الله عز وجل , وهؤلاء هم خدام هذه الدعوة , بالجهاد فى سبيل نشرها ,رغم كل أساليب القمع والاضطهاد فى جميع أنحاء العالم .

وشباب هذه الدعوة .. ونبتها هم من أشرف وأطهر شباب هذه الأمة , وهم القدوة الطيبة دائماً فى جامعاتهم ومجتمعاتهم , فى الوقت الذى استشرى فيه دعاة الإرهاب والتطرف والتخريب والتعصب وعبدة الشيطان والفسق والمجون والمخدرات .

وهم أمل المستقبل فى بناء مصر , فى مشروعاتها الطموحة والعملاقة حتى تكون لقمتنا من صنع أيدينا بشرف وكرامة , وليست معونة أمريكية نتسولها , أو منحة عربية , أو قرضاً أوروبياًَ .

وهم حماة مجتمعنا .. من مزورى الانتخابات البرلمانية أو النقابية ونتائج هذه الانتخابات هذه الأيام تدل على قوتهم , وتواجدهم , وترابطهم , ونكرانهم لذاتهم , وليس منهم كتبة التقارير الكاذبة , والمغرضة فى حق الشرفاء , ومن مضللى السلطة بالآراء الهدامة فى وسائل الإعلام المختلفة مقروءة ومرئية ومسموعة , وليس منهم المنافقون وحملة المباخر واللاهثون وراء السلطة والمناصب والكسب الحرام , وليس منهم سارقوا أموال الشعب من البنوك والهروب بها إلى الخارج .

نحن لا نعيش الماضى لندافع عن الاشخاص , ولكننا نجتر الماضى , لنستشرف آفاق مستقبل مشرق , بالمبادىء السامية البناءة متلافين أخطاء الماضى , ويجب أن نعلم جيداً أن طبيعة البشر لا تمنع أن يكون هناك بعض المنحرفين عن الغاية أو الوسيلة , فقد اختلف صحابة رسول الله , بل وتقاتلوا لاختلافهم فى الرأى , وهذه سنة الحياة , وليس معنى هذا أن المنهج خاطىء أو الدعوة فاسدة .

يا سيد ثروت .. نحن لا نريد أن نشغل أنفسنا بمعارك جانبية مغرضة بألفاظ بذيئة , فالقلم أمانة أمام الله عز وجل , والتشهير والبذائة ليست من خلق المسلم المؤمن , خاصة إن تكرر ذلك , ونريد أن نوجه أقلامنا وسهامنا لمحاربة أعداء الأمة الإسلامية هذه الأيام , ونريد أن نوحد الجهود ونستحث الهمم , بدلاً من إطلاق معاول الهدم والتشكيك , وآن الأوان أن نوحد صفوف هذه الأمة , ونحدد أهدافها , وندك معاقل الفساد المستشرى فى هذا البلد سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وإدارياً , وألا نضع جميع الداعين والمشتغلين بالدعوة الإسلامية فى سلة واحدة وهى سلة الإرهاب والتطرف والتخلف والإجرام , فلن تبنى مصر , ولن تحرر القدس , بشباب حورس , أو شباب ماجن , ولكن بشباب مسلم عميق الإسلام , قوى الإيمان , رهبان بالليل فرسان بالنهار .

واخيراً .. يا أيها الكاتب الكبير .. نريد أن نلقى الله جميعاً ـ ولم يبق من العمر إلا القليل ـ نريد أن نلقاه عز وجل وهو راض عنا , وقد أدينا الأمانة , ومنها أمانة الكلمة وأمانة القلم , والبعد عن الهوى والغرض , وأن نعطى كل ذى حق حقه !! وإنها لا تعمى الأبصار , ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور , والكلمة الطيبة كشجرة طيبة , أصلها ثابت وفرعها فى السماء , تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها , والكلمة الخبيثة ..كشجرة خبيثة .. اجتثت من فوق الأرض .. ما لها من قرار .. والله غالب على أمره , ولكن أكثر الناس لايعلمون .

( الوفد 7 مارس 2001 )

سامى شرف .. وشهادته على العصر

شاهد البعض الاستاذ سامى شرف سكرتير عبد الناصر على شاشة قناة النيل للأخبار يروى ذكرياته .. ونحن نقدر مشاعره الحزينة الدامعة حزناً وكمداً وفاءً لرئيسه .. بعد مرور أكثرمن اثنان وثلاثين عاماً على وفاته .. فى مشهد درامى حزين ظهر على الشاشة .. ولكنه فى حديثه جانب من الصواب فى سرد بعض الوقائع .. لانها تاريخ .. والتاريخ ليس ملكاً لفرد .. ودفاعه عن عبد الناصر .. لا يستوجب كل هذه المغالطات الصارخة فى أقواله ..خاصة وهى متناقضة تماماً مع شهادات قيادات رئيسية أكبر منه وزاملت عبد الناصر فى كل مراحله .. أمثال عبداللطيف البغدادى , وكمال الدين حسين وعبدالمنعم عبدالرءوف وحسين حمودة وخالد محى الدين وغيرهم .. وقت أن كان سامى شرف طالباً صغيراً , أو ضابطاً صغيراً . أو يعمل كسكرتيراً لعبد الناصر طوال حياته ويقوم بتنفيذ أوامره .. وليس مخططاً لسياسة , أو مشاركاً فى رأى , أو ذا تأثير يذكر فى كل الأمور الرئيسية .

ولا أدرى كيف ينكر سامى شرف أن عبد الناصر انضم للإخوان المسلمين ولجهازها السرى وبايع على المصحف والمسدس وأقسم اليمين الذى حنث فيه بعد ذلك .. وقد شاركه فى ذلك خالد محى الدين الذى ذكر ذلك أكثر من مرة وهو حى يرزق .. وكذلك ذكرها غيره كثيرون . وبالصوت والصورة فى ملفات ثورة يوليو التى أعدها الإعلامى طارق حبيب .. وأنكر أيضاً اشتراك الإخوان المسلمين فى الثورة وذكر خطأ أن أبا المكارم عبد الحى استولى على قصر رأس التين .. وأنا أصحح له معلوماته وأقول : إن " أبا المكارم " استولى على قصر عابدين وأن الذى استولى على قصر رأس التين هو عبدالمنعم عبدالرءوف وهو الذى قبض على قيادات الحرس الملكى .. ونسى سامى شرف ضابطاً ثالثاً .. ولم تسعفه ذاكرته وأنا أقول له : إن الضابط الثالث هو البطل معروف الحضيرى بطل فلسطين وزميل عبد الناصر فى الفالوجا ..وكل هؤلاء سجنهم عبد الناصر وحكم على بعضهم بالإعدام .. ونالهم ما نالهم من تعذيب وإهانة فى السجن الحربى مع البطل يوسف صديق والبطل رشاد مهنا وغيرهم .

وانكر سامى شرف حدوث تعذيب فى سجون عبد الناصر بل أنكر وجود أى مسجون أو معتقل سياسى واحد بعد حادثة المنشية بعام واحد .. بل وأنكر بكل شدة أن عبد الناصر .. كان يعلم بأى تعذيب على الإطلاق .. وهذا قول يدعو إلى السخرية والعجب من رجل كان يدعى فى وقت من الأوقات أنه يعرف دبيب النملة فى مصر ويبلغه لعبد الناصر " أولا بأول" .

وتجاهل سامى شرف آلاف المعتقلين المعذبين والمحشورين فى السجن الحربى وسجن القناطر وطرة وأبو زعبل والقلعة والواحات وسجون مصر كلها وتجاهل قتلى مذبحة ليمان طرة التى قتل فيها بضعة وعشرون سجيناً داخل الزنازين وهم عزل من السلاح وذلك لرفضهم تكسير الأحجار فى الجبل وهم مقيدون بالسلاسل والأغلال .. ونشر كل ذلك فى بيانات بالصحف القومية فى حينها .

وتجاهل أيضاً القتلى من ضحايا التعذيب بالسجون والمدفونين تحت أرض الاستاد فى مدينة نصر .

وتجاهل ما حدث للمعتقلين والمناضلين من كل الاتجاهات فى سجن الواحات من شيوعيين وإخوان مسلمين ومفكرين وكتاب وصحفيين وضباط أحرار وما نالهم من تعذيب وقهر وإذلال . وبعضهم حكم له القضاء بتعويض مادى .

وتجاهل القبض على مجموعة كبيرة من رجالات وشباب الوفد بسبب اشتراكهم فى جنازة الزعيم الوطنى مصطفى النحاس .. وترحيلهم إلى سجون مصر وإهانتهم وضربهم لسنوات طويلة .

ويعود فيدعى أن أحلى قرارات عبد الناصر كانت بعد هزيمة 1967م ولا أدرى ماذا يقصد سامى شرف بذلك .. هل يقصد التخلص من زميله وصديق عمره وتوأمه عبدالحكيم عامر .. أم يقصد التخلص من دولة المخابرات وصلاح نصر وشمس بدران وغيرهم من أعوانه .. وشركائه فى النكسة والهزيمة والفساد .. أم يقصد إظهار فضائح حكم عبد الناصر المسجلة فى محاضر جلسات محاكماتهم والموجودة فى القضاء .. وفيها وقائع يندى لها جبين الكرامة والتاريخ .

وذكر سامى شرف أن السادات سجنه عشر سنوات وعدة شهور وعدة أيام .. ولم يذكر لنا أسباب ذلك .. ولكنه قال لأنه قال للسادات (لا) .. ولم يذكر لنا ماذكر فى محاكمته من فضائح الحكم الناصرى ومن مصاريف سرية من مئات الملايين أنفقت وأهدرت وعن المبالغ التى دفعت لأعضاء التنظيم الطليعى .. وفضائح التنظيمات السرية لرجال القضاء بإشرافه والتى تسببت فى مذبحة القضاء الشهيرة .. وكل ذلك مسجل فى محاضر المحاكمات المحفوظة بمحاكم وزارة العدل .

وكنت أود من سامى شرف ألا يدخل فى تفاصيل كثيرة .. وكنت أود منه أن يبكى وينتحب أيضاً على الشاشة .. حزناً وكمداً على الشباب الذى عذب وقتل وأعدم .. وعلى البيوت التى خربت .. والعائلات التى دمرت .. وعلى الجيوش التى هزمت .. والأسرى الذين داست عليهم دبابات إسرائيل وهم أحياء تحصدهم ذهاباً وإياباً فى هزيمة 1967م .. وعلى الفساد والفضائح والانتهاكات التى ظهرت أثناء المحاكمات التى شكلها عبد الناصر .. لقيادته ومعاونيه فى الحكم .

وكنت أود منه أن يعرف المصحف الذى وضعه على صدر جثة رئيسه عبد الناصر أثناء دفنه .. لن ينفعه .. ولن يدخله الجنة .. وإنما ينفعه أن يكون قد قرأه وتلاه ووقر فى قلبه وعمل به .. وبهذا يلاقى به ربه فى اطمئنان وسعادة وهناء .

ورحم الله شقيقه طارق شرف الذى توفى فى أمريكا منذ سنتين وهو الذى أعترف فى حديثه أنه أبلغ عنه عبد الناصر بالتآمر مكرها .. وناله ما ناله .. وأمد الله فى عمر شقيقه الرجل الطيب الصافى المسلم المتصوف السفير بالمعاش عز الدين شرف تلميذ الشهيد حسن البنا وتلميذ الراحل صلاح شادى القائد العسكرى لتنظيم الإخوان المسلمين والذى توسط له عزالدين شرف برجاء إلى أحد أصدقاء شقيقه سامى للإفراج عنه بعد سنوات من سجنه .. وكفاه ما ناله من تعذيب ورفض سامى شرف بكل صلف .. ونهر محدثه الذى لم يذكر له على الإطلاق أن الذى وسطه هو شقيقه عز الدين شرف .

وأخيراً .. أقول لك يا أخ سامى .. لقد بلغنا من العمر مايجعل بيننا وبين الموت خطوات .. فهل نتوب إلى الله .. ونقول كلمة الحق .. ونطهر قلوبنا وألسنتنا ونفوسنا .. وندعو الله عزوجل أن يغفر لنا .. ويرحمنا جميعاً .. أرجو ذلك مخلصاً .

( الوفد ـ 18 أكتوبر 2002م )

حفيدى علمنى الدرس !!

حفيدى طارق جامع عمره اثنا عشر عاماً فى السنة الثانية الإعدادية .. مولود فى انجلترا . ويتردد عليها كل صيف . فى معظم المؤتمرات العلمية خارج مصر .. وفى الأسبوع الماضى كان عنده امتحان فى مادة [ التعبير ] .. وكان موضوع السؤال هو [ عبر عن حبك لوطنك , وجمال وطنك ] .. فكتب يقول ليس عندى ما أقوله عن جمال وطنى .. وهو فى هذا الحال السيىء .. وكلما حاولت أن استشعر جماله .. فلا تطاوعنى نفسى .. فهواؤه ملوث , وماؤه ملوث , وشوارعه ملوثة , وشعبه مريض .. والبلد فوضى .. وشبابه يحاول دائماً أن يهاجر ليعمل فى الدول الأجنبية فى أعمال غير لائقة , ورأيتهم بنفسى يتزاحمون على أبواب السفارات ويعاملون أسوأ معاملة ..

وذهل أستاذه عند تصحيح إجابته . وناقشه فى كتاباته بحضور أحد الأساتذة .. وأصر حفيدى على رأيه عن قناعة تامة , وبكل إصرار .. وقال لأستاذه : أنا لم أكتب إلا الحق .,. ولا أريد أن أكذب .. ومزق الأستاذ ورقة الإجابة .. وصرفه ... وعلمت بالواقعة فى نفس اليوم .. وانزعجت .. وأخذت الأمر ببساطة عادية .. وناقشت حفيدى .. فقال لى : يا جدو .. هل تستطيع أن تنكر هذه الحقائق الظاهرة المتواجدة عندنا فى المجتمع المصرى .. وهل تحس بما أعانيه فى جوف الليل بسبب السحابة السوداء والهواء الملوث الذى أستنشقه فى صدرى كالسم الذى يكتم أنفاسى .. ويمزق جهازى التنفسى ويزرق وجهى .. وأكاد أختنق حتى تسعفونى بالبخاخة بل وحقن الكورتيزون فى وريدى بين يوم وآخر لإنقاذ حياتى . ,. وكيف تكررت هذه الأزمات على مدار السنوات الماضية ومازالت حتى الآن الحكومة عاجزة عن حل المشكلة .. والحال هو الحال ..

وهل رأيت سماء القاهرة من الطائرة وهى تتهادى عند الهبوط فى مطار القاهرة ؟ وكيف تغطيها وتغطى مناظرها الجميلة هالة من السحابة السوداء الكثيفة عند استقبالنا ؟ والفرق بين سماء قاهرتنا الجميلة .. وسماء أوروبا الصافية المنعشة !!

وهل نسيت [ يا جدو ] الناموس المتوحش الذى يلدغنا ليلاً ويوقظنا من نومنا فى العجمى أو مارينا أو فى مدينتنا طنطا .. وعن فشل كل المبيدات التى جربناها رغم أضرار هذه الكيماويات على صحتنا وصدورنا ؟ .

وهل نسيت نصائحك المشددة لى بألا أشرب إطلاقاً من الصنبور لأنه ملوث بالميكروبات ومختلط بالمجارى والحشرات وبالأملاح الضارة التى تسبب الفشل الكلوى والكبدى ؟ .

وهل نسيت منظر البعض وهم يرمون القازورات ويتبولون ويستحمون هم وحيواناتهم فى نهر النيل .. ويلوثونه ؟ .

وهل قرأت ما كتبته إحدى الصحف منذ أيام .. أن مواطناً وجد صرصوراً ميتاً فى الماء الذى ينزل من الصنبور .. وأن بعض الكيميائيين عندما فحص الماء بالميكروسكوب وجده عامراً بالميكروبات والأملاح الضارة والأجسام الغريبة .

وما بالك ـ يا جدو ـ بالشوارع الغارقة فى المجارى الطافحة صيفاً وشتاءً .. ومياه الامطار التى تغرقها أياماً طوالاً دون تصريف .. ولا حل لكل ذلك . حتى أصبح واقعاً ملموساً دائماً فى شوارعنا .

وكذلك فوضى المرور فى الشوارع .. والفئران المتوحشة التى تجرى فى الشوارع وتتسلق الجدران وتصل إلى الأدوار العليا بالمنازل وتغزو البيوت من شبابيكها وشرفاتها ..

أما منظر المواطنين أمام أكشاك الخبز والزحام الرهيب والألفاظ الجارحة المتبادلة بينهم والمشاجرات .. فهو مسلسل يومى أراه وأسمعه منذ الصباح الباكر .

وقال لى : ـ يا جدى ـ لى زميلان فى الفصل يقولان لنا إن سياراتنا لا تأخذ مخالفات من عساكر المرور أبدا ونخالف المرور كيف نشاء والسيارة عليها بادج القضاء أو الشرطة على مقدمتها ومؤخرتها لأن والديهما أحدهما وكيل نيابة والثانى ضابط شرطة ..

وأخيراً .. قال لى ساخراً .. كلما ذهبت ـ يا جدو ـ إلى المسجد لأخذ درس حفظ قرآن .. وأؤدى صلاة الجمعة .. أسمع الإمام ينادى على المصلين قبل كل صلاة بصوت عال [ كل واحد يضع حذاءه أمامه حتى لا يسرقه أحد ] .. ووجدت لافتات مكتوبة على جدران المسجد وأبوابه وأعمدته تحذر من لصوص الأحذية .. ورغم كل ذلك ـ يا جدو ـ تسرق بعض الأحذية من المساجد .

وانتهى حوارى الممتع مع حفيدى الصريح الواعى .. الصادق مع نفسه فى شجاعة .. وأخبراً رأيته يربت على كتفى فى هدوء وحنان بكلتى يديه .. واحتضننى .. وقبلنى .. وقال لى .. يا جدو لا تتعب مخك .. ولا تشغل بالك .. ألا ترى معى إن مافيش فايدة .. وأن [ الإسلام هو الحل ... ] .. ؟ .. !! .

​(الوفد ـ 31 أكتوبر 2002م )

لا يا سمو الأمير

أجرى الأمير نايف بن عبدالعزيز آل سعود وزير الداخلية السعودى حديثاً مطولاً مع الأستاذ أحمد الجار الله رئيس تحرير جريدة السياسة الكويتية فى نوفمبر سنة 2002م وتناول الحديث المنشور فى الجريدة كثيراً من الموضوعات السياسية فى مختلف الأمور منها ما يتعلق ببعض الأحداث الهامة التى مرت فى الحقبة الماضية من الزمن خلال الخمسين عاماً الماضية .

وقد هالنى ما جاء بالحديث من معلومات خاطئة , وتحليلات ساذجة , واستنتاجات مغلوطة لكثير من الأحداث والتوجهات التى قام بها رجال أفاضل من العلماء والدعاة والمجاهدين .. الذين بذلوا كل طاقاتهم فى سبيل الدفاع عن الدعوة الإسلامية .. ولم يكونوا فى يوم من الأيام عملاء لأى دولة مهما بلغت قوتها أو إغراءاتها .. ولم تكن لهم كراس فى السلطة يهابون ضياعها أو اهتزازها , ولم ترهبهم أى تهديدات أجنبية أو داخلية .. وسجن منهم من سجن , وعذب منهم من عذب , وقتل منهم من قتل ظلماً وغيلة وغدراً ..

والتاريخ لا يكذب ولا يتجمل .. والحقائق واضحة وضوح الشمس لكل فاهم أو محلل أو مدقق .. يرى بنور اليقين.. وبصيرة المجرد عن الهوى .. وإنها لا تعمى الأبصار .. ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور , ولن يستطيع التاريخ .. وأهل الحق واليقين .. أن ينكروا فضل المملكة العربية السعودية خاصة فى عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز ـ رضى الله عنه وأرضاه ـ الرجل المسلم التقى النقى المخلص لدعوة الله المجردة وصاحب المواقف الصلبة المعلنة على الملأ فى الأيام الصعبة التى مرت بها الأمة العربية والإسلامية لتكون كلمة الله هى العليا .. وضحى بحياته فى سبيل ذلك فأصبح شهيداً .. بعد أن دبرت قوى الصليبية والصهيونية مؤامرة اغتياله بدقة وإحكام ودهاء .. واستغلوا سذاجة وانحراف أحد أفراد عائلته .. وأغروه بعرش المملكة .. ودفعوه لارتكاب جريمته الشنعاء فقتل عمه شقيق أبيه فى منزله جهاراً نهاراً , وكان هذا القاتل المعتوه الضال المضلل من أفراد العائلة .

أما علماء المملكة الأفاضل , ومصابيحها وأنوارها الحقيقية أمثال الشيخ عبدالعزيز بن باز وغيره .. فكانوا رجال الحق دائمى الهدى دون زيف أو بهتان , لا يخافون فى الله لومة لائم .. ولا يجاملون ملكاً أو أميراً أو وزيراً فى فتوى أو رأى .. وكانوا نعم العون لرجال الدعوة الإسلامية المقهورين والمطاردين من دول إسلامية أخرى ..والذين هربوا إلى المملكة العربية السعودية لاجئين إليها , محتمين بترابها وأرضها ..وكانت لهم نعم الملجأ والملاذ .. وأفاض عليهم ملكهم وأمرائهم وعلماؤهم وشعبهم من خيرهم وبرهم وعونهم .. ولا ينسى لهم هذا الفضل بأى حال .. ولا ينكر لهم هذا الجميل على الدوام .

ورغم كل ذلك يقول الأمير نايف وهو من وجهة نظرى رجل أمن وليس عالماً أو داعية رغم أنه من الأسرة السعودية " وقد تأثر من وجهة نظرى .. بأجهزة الأمن لدول أجنبية غير إسلامية " ويقول قوله غريبة : [ إن الإخوان المسلمين هم سبب تدمير العالم العربى ] وذلك بأفكارهم وتنظيماتهم فى مختلف بلاد العالم ] .

وادعى الأمير فى حديثه أن الإخوان المسلمين أخذوا يجندون الناس وينشئون التيارات وأصبحوا ضد المملكة . وضرب الرجل مثلاً بأحد رموز الإخوان المصريين الذين تجنسوا بالجنسية السعودية وأنة مكث فى المملكة حوالى أربعين عاماً والذى قال إن مثله الأعلى هو الشهيد حسن البنا ولم يقل رسول الله أو أحد من خلفائه, وذلك أن الرجل يعتبر أنه ما زال متمسكاً بمبادىء الإخوان المسلمين .

وأنا أقول له : ماذا يعيب الرجل فى ذلك , أن يكون مثله الأعلى الشهيد حسن البنا رجل الدعوة إلى الله والذى أستشهد فى سبيل الله والذى أنبت هذه البذرة الطيبة والكوكبة الهائلة من الدعاة والذى جدد الدعوة إلى الله فى هذه الأجواء المظلمة من الكفر والضلال . . وقد كان يقصد بهذا الرجل فضيلة الداعية الشيخ مناع القطان .. العالم المسلم والمربى الفاضل وعميد كلية القضاء الشرعى فى الرياض والذى تتلمذ عليه كثير من أمراء المملكة وعلمائها .. وخطيب مساجدهم و والداعية إلى الله طوال هذه الأربعين سنة فى وسائل إعلامهم المقروءة والمرئية والمسموعة , بل كانوا يوفدونه نيابة عنهم إلى بعض الدول الإسلامية للدعوة إلى الله .. وكان دائماً جليس الملك والأمراء ومحل تقديرهم واحترامهم , وتناسى الأمير أن شعار الإخوان هو الله غايتنا , والرسول زعيمنا , والقرآن دستورنا , والجهاد سبيلنا .

ويتحدث الأمير عن موضوع الاعتداء على الحرم بواسطة الراحل جهيمان وصحبه .. وقال : إننا أنهينا هذه المؤامرة فى أسبوعين بحزم وعزم .. ونسى أن يذكر لنا أن الذى أنهى هذا الاعتداء ليست قوات أمنه أوعساكره , ولكنها قوات دول أجنبية حلقت بطائراتها الهليكوبتر ومدافعها وعساكرها فوق الكعبة المشرفة وفى مكة المكرمة .. وكانت الفضيحة العالمية التاريخية هو عجز القوات السعودية وعساكرها عن إنهاء هذه الفتنة عجزاً كاملاً مشيناً أمام مجموعة من الشباب السعودى الثائر على أوضاع المملكة وبعض أمرائها .. وسلوكهم .. وتجاوزاتهم البعيدة عن شريعة الإسلام .

ويقول الأمير : إن هؤلاء الشباب هم من إفراز الإخوان المسلمين أو جماعة التبليغ وغيرها .. وكذلك أسامة بن لادن .. وغيره من الشباب الثائر على الأوضاع فى المملكة أو الأوضاع العالمية من دول أخرى مثل أمريكا أو إسرائيل .. ونسى أن يذكر الفكر الوهابى السلفى المتشدد بالمملكة .. وعن إفرازاته .. وعن مقارنته بفكر الإخوان المسلمين الوسطى المعتدل بلا تطرف أو إرهاب أو تشدد .. وأنه لا داعى لخلط الأوراق .

وهل من الشهامة والمروءة العربية والإسلامية والسعودية أن تهاجم الدكتور حسن الترابى وهو فى محبسه مسجوناً .. بدلاً من أن تدعو له .. أو تسعى إلى إطلاق سراحه .

وماذا فعلت مع بوش وأمريكا عندما هاجم البرامج الإسلامية والمناهج التعليمية فى كليات ومدارس وجامعات المملكة , وطلب علنا وعلى رءوس الأشهاد تغييرها وحذف آيات وأحاديث الجهاد منها .. والاكتفاء ببعض تعاليم الصلاة والصيام والوضوء وغير ذلك لتسطيح تعاليم الإسلام , وماذا فعلت مع بوش وأمريكا والإدارة الأمريكية وأجهزتها عندما تدخلوا فى أموركم وطالبوا بحل كل الجمعيات الخيرية والإسلامية التى تساعد الفلسطينيين وشهداءهم وأسرهم المنكوبة ومصادرة كل الأموال .. ومنعكم من جمع التبرعات من الشعب السعودى الشهم الكريم ..

وماذا فعلت مع بوش وأمريكا والذين سيطروا على قواعدكم وطاراتكم العسكرية ووضعوا فيها معداتهم وطائراتهم وجنودهم ومن الذى يدفع مرتبات ومصاريف هؤلاء الجنود .. وهل هى من أموالكم وأموال المسلمين .. وماذا فعلت كمسئول الأمن الأول فى المملكة مع المجندات الأمريكيات وفيهم يهود يصولون ويجولون فى الرياض عاصمتكم وشوارعها كاسيات عاريات مائلات مميلات يقودون سياراتهم بأنفسهم ويتسكعون فى المحلات والشوارع تحت حراسة قواتك الأمنية ليلا ونهارا " وهل يرضى الإسلام وتعاليمه بذلك " .

وعندما يتعرض الشباب السعودى المسلم النقى الطاهر على كل ذلك من التجاوزات الصارخة التى لا ترضى الله ورسوله تقول : إن هذا من لإفراز دعوة الإخوان المسلمين .. وإن هؤلاء الشباب من المنشقين أو المتآمرين على المملكة .

لا يا سمو الأمير .. أقولها لك مخلصاً لوجه الله . . الكلمة أمانة ويقول الله عزوجل فى كتابه :

( ألم تر كيف ضرب الله مثلاَ كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء [24] تؤتى أُكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون [25] ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما له من قرار [26] يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فى الحياة الدنيا وفى الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ) [ إبراهيم : 24ـ 27 ] صدق الله العظيم .

فيا سمو الأمير . لابد أن نخشى الله فى أقوالنا واعمالنا وتوجهاتنا , ولا نخشى أمريكا أو أئمة الكفر . ولا نجامل على حساب الله .. وإن كان الإخوان المسلمون أو غيرهم من رجال الرأى أو الجماعات يعارضون بعض التجاوزات الخاطئة فى المنطقة فهم لا يريدون خراب المملكة وإنما يريدون عمارها وخيرها .. والخلاف فى الرأى لا يفسد للود قضية .. ولا بد أن يؤمن الجميع حكاماً ومحكومين أن كلمة الله هى العليا .. وأن الملك والمال والجاه والسلطان إلى الفناء .. وللبيت رب يحميه .. وحسبنا الله ونعم الوكيل , ورعى الله شباب السعودية المسلم المتنور القابض على دينه يعض عليه بالنواجذ ويضحى بكل غال فى سبيل الله , ورعى الله شباب الإسلام فى كل مكان فى مواجهة قوى البغى والضلال ( والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعملون ) [ يوسف : 24] .

وكلمة أخيرة أقولها للأمير نايف .. لا تضع كل الأفكار والتوجهات فى سلة واحدة ولا تخلط بين الأفكار المتطرفة والأفكار المعتدلة وفكر التكفير .. و لابد أن نفرز كل هذه الأفكار ونتدبرها ونعقلها , ثم نصدر أحكامنا على الناس بكل أمانة ودقة وحذر حتى لا تطيش السهام والأقوال .. وتنتشر الفتن .. ويحاسبنا الله على كل كلمة ..

وأذكر كم بما تردده الإدارة الأمريكية هذه الأيام عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة فى جميع بلاد العالم .. أن الرئيس جورج بوش اعتمد ملايين الدولارات للعمل على تخليص الشعوب العربية من قوانين الطوارىء والأحكام العرفية والقوانين الاستثنائية وإهدار حقوق الإنسان بواسطة الحكومات العربية .. وأنه يريد أن يخلص الشعوب من كل هذه القيود وأنه أصدر توجيهاته للحكام العرب ليرحموا شعوبهم من هذه التجاوزات والانتهاكات لحقوق الإنسان .. فهل هذا صحيح يا سمو الأمير .

وهل سمعت أحد يهود الصهاينة وهو يهدد علناً عبر وسائل الإعلام كلها .. بضرب الكعبة المشرفة والحرم النبوى الشريف بالقنابل المدمرة والصواريخ .. وأذيع هذا التهديد علناً .. مرات ومرات ..

فلماذا لم ترد على هذا التهديد الصارخ يا سمو الأمير , ومن الذى يقوم بالدفاع عن هذه المقدسات , هل هى القوات الأمريكية التى تربض فى مطاراتكم وقواعدكم .. أم جيوشكم الضعيفة المتهالكة .. أم هو الشباب المؤمن الفدائى المجاهد .

ويا سمو الأمير ..هل يستطيع أى فرد فى المملكة أن ينكر فضل علماء أفاضل من الإخوان المسلمين تتلمذ عليهم مجموعة من علماء المملكة السعودية الآن ومكثوا فى المملكة سنوات وسنوات أمثال الشيخ عبدالرازق عفيفى والشيخ مناع القطان والشيخ محمد الغزالى والشيخ سيدسابق , والشيخ عبدالستار فتح الله سعيد والدكتور أحمد العسال والأستاذ محمد قطب والشيخ عشماوى سليمان والشيخ لاشين أبوشنب والشيخ محمد الأودن والشيخ محمد الراوى .. وغيرهم من جهابذة الطب والهندسة والعلوم والتاريخ . يا سمو الأمير أرجو أن تراجع نفسك جيداً .. وادعو الله عزوجل أن يقينا شر الفتن ـ هدانا الله إلى سواء السبيل .

الإخوان .. والنقابات المهنية

لا شك أن الدور العظيم الذى تقوم به النقابات المهنية على اختلاف أنواعها .. بالنسبة لأعضائها من المهن المختلفة .. وما تقدم لهم من خدمات فى جميع المجالات والنشاطات .. هذا الدور هو دور بناء وملح ومهم لأعضاء هذه النقابات وأسرهم ..

وقد كان المرحوم الأستاذ عمرالتلمسانى ـ المرشد العام للإخوان المسلمين منذ 1973م إلى 1986م ـ من المشجعين باستمرار لشباب الإخوان المسلمين للاهتمام بالعمل النقابى .. وترشيح أنفسهم كأعضاء لمجالس هذه النقابات .. وأن يحترم الأعضاء أصواتهم ويحرصوا على حضور الانتخابات رجالاً ونساءً للإدلاء بأصواتهم .. وكانت استراتيجيتهم هى الحصول على أكبر عدد من كراسى العضوية .. وتأييد أى نقيب من خارج صفوف الإخوان .. وتكون الغلبة لهم فى كل أمور تيسيير النقابة .. ونجحت الخطة .. واستولى الإخوان على معظم كراسى مجالس النقابات بأغلبية ساحقة حتى الآن ..

وقاموا بتنشيط العمل والخدمات النقابية للأعضاء.. من رحلات حج وعمرة ومصايف ودروس تقوية ومعارض للسلع المعمرة ومشروعات علاج وإسكان ودراسات عصرية للكمبيوتر والإنترنت بأسعار مخفضة .. وكذلك صناديق التكافل وإعانات , وغيرها .

كل ذلك حدث فى غيبة تامة عن حزب الإغلبية وهو الحزب الوطنى الذى ليس له أى دور إطلاقاً فى هذه النقابات , وقد فشل فشلاً ذريعاً فى كل انتخاباته فى هذه النقابات ..

وقد رأينا أخيراً فى انتخابات نقابة الصحفيين .. عندما ذهب جميع المرشحين ومنهم النقيبان المرشحان وهما الأستاذ الفاضل صلاح منتصر والأستاذ الفاضل جلال عارف وزارا المستشار مأمون الهضيبي ، المرشد العام للإخوان المسلمين ـ فى مكتبه وبحضور أعضاء مكتب إرشاد الجماعة . طالبين مساندة الإخوان المسلمين لهما .. ونجح الأستاذ جلال عارف على منافسه الأستاذ صلاح منتصر الذى كان ضحية الحكومة وضحية الحزب الوطنى ..

وحدث نفس السيناريو قبل ذلك عندما نجح الأستاذ سامح عاشور على الأستاذ رجائى عطية الذى كان أيضاً ضحية الحكومة والحزب الوطنى .. وإزاء هذا الاستيلاء العلنى لأفراد الإخوان المسلمين على كل النقابات بكل الوسائل وبكل الذرائع .. للوقوف فى وجه الإخوان المسلمين .. بدلاً من فشلها الذريع وفشل حزب الأغلبية الكاسحة , يصر الحزب الوطنى فى إثبات وجوده والدخول فى انتخابات النقابات ..

حتى أن الوضع القانونى لبعض النقابات غير موجود إطلاقاً .. مثل نقابة الأطباء التى تعطلت انتخاباتها بأمر الحكومة سنوات وسنوات منذ أكثر من عشرة أعوام حتى أن أعضاء المجالس الذين هم أقل من 15 سنة تخرج قد تخطوا المرحلة وأصبح وضعهم غير قانونى .. وتتذرع أجهزة الدولة بحجج واهية ومردودة .. وشكلوا بعض اللجان المؤقتة لإدارة هذه النقابات .. والمشاكل القانونية مستمرة ليلاً ونهاراً دون جدوى ودون فائدة .. ناهيك عن استيلاء الحكومة على بعض النوادى النقابية .. أو الاستيلاء على أموال بعض النشاطات فى النقابات مثل أموال لجان الإغاثة الفلسطينية أو البوسنة والهرسك أو غيرهما بحجة تمويل الإرهاب ..

وحاولت بعض أجهزة الدولة وبعض أجهزة الإعلام التشكيك فى ذمة وتصرفات أعضاء مجالس النقابات من الإخوان .. وشنت عليهم الحملات الشعواء الضارية المستمرة .. وحققت فى كل هذه الاتهامات بواسطة كل الأجهزة المعنية .. ولم يثبت على الإطلاق صحة أى من هذه الاتهامات الكيدية الظالمة .. وثبت على اليقين سلامة كل التصرفات الصادرة من هؤلاء الأعضاء .. وبراءة ذمتهم ..

فإلى متى يستمر هذا العبث , وهذه الوسائل الهدامة ؟ .. التى تهدم وتحارب فى الوقت الذى يتشدق فيه بعض المسئولين بالحربة والديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان .. وغير ذلك .. نريد جميعاً أن نتكاتف لنبنى مجتمعنا لا لنهدمه .. نريد أن ننمى مثلنا الطيبة .. وقيمنا العليا .. فهل من سميع أو مجيب ؟ ..

ونفس الشىء يحدث فى انتخابات مجلس الشعب .. وما حدث من تدخل الدولة وأجهزتها علناً فى انتخابات دائرة الرمل بالإسكندرية وإلغائها وتعطيلها سنوات حتى صدر حكم قضائى نهائى بإجرائها .. ووقفت كل الأجهزة ضد السيدة الفاضلة جيهان الحلفاوى المرشحة الناجحة فعلاً .. وأسقطوها .. وكانت كل التدخلات الأمنية خارج اللجنة علنياً ومستفزاً .. ومن هنا نطالب بأن يكون الإشراف القضائى داخل اللجان وخارجها .. بل فى جميع المراحل الانتخابية بدءاً من القيد فى الجداول حتى إعلان النتيجة ..

وحدث نفس التدخل فى دائرة الدكتور جمال حشمت المرشح الإخوانى الذى أسقطوا عضويته فى مجلس الشعب ظلماً .. وتدخلت كل الأجهزة الأمنية بكل وسائلها علناً وأسقطوه عند إعادة الانتخابات .. ويحضرنى فى هذا المجال أن أذكر واقعة لا أنساها .. عندما رشح عميد إحدى كليات جامعة طنطا نفسه فى انتخابات مجلس الشعب الماضى عن الحزب الوطنى .. وطلب منه المحافظ وأمين الحزب الوطنى دفع مبلغ خمسة وسبعين ألف جنيه كتبرع للحزب , ودفع الرجل المبلغ فى منزل المحافظ .. بعد أن أخذ رأيى ولم أوافقه .. وجاء مرشح آخر ودفع مائة وخمسين ألف جنيه .. ففضلوه عن عميد الكلية .. وابعدوا العميد عن الترشيح وأنجحوا المرشح الآخر , ولا أدرى أين ذهبت هذه الأموال التى تدفع فى الغرف المغلقة دون مستندات ؟ .. وما هو مصيرها ؟ .. وإلى أين تذهب هذه الأموال ؟.. ومن الذى يتولى أمرها ؟.. وبعد ذلك نتكلم عن الشفافية والنزاهة والحرية !!

يوسف ندا . . المجاهد المطارد !

فى هذه الأيام النكدة الحزينة .. نصبح ونمسى لنسمع ونقرأ ونرى .. شعاراً ضخماً يتردد من أمريكا وإدارتها .. ويصل إلى منطقة الشرق الأوسط .. بل وإلى العالم .. كل العالم .. ومنها مصر .. وهو شعار [ حقوق الإنسان ] .. ويقول حكامهم حكامنا : لابد أن نحافظ على حقوق الانسان .. وندعمها .. ونرعاها .. وهذه هى الرسالة الجديدة .. التى يحملها هؤلاء القادة فى هذا الزمن الأغبر .. وكأنهم ورثة الأنبياء .. ودعاة السلام ..

وأخذت أفكر بينى وبين نفسى .. عن مدى مصداقية هؤلاء الناس خاصة وقد فاضت نفسى بشعور عارم من الكراهية والاحتكار لكل تصرفاتهم .. ناهيك عن فقدان الثقة والأمل فى كل تصريحاتهم أو سياساتهم .. فهم ـ والله ـ كذابون .. منافقون .. ضالون .. مضللون .. وخرجت بهذه الانطباعات ـ بكل أسى وأسف ـ بمتابعة كل ما يجرى على الساحة فى السنوات القلائل الماضية .

وسرح بى الفكر لمثل صارخ من انتهاك حقوق الإنسان .. بواسطة دعاة حقوق الإنسان هؤلاء .. بكل الوسائل المتدنية والهمجية .. لمجاهد مصرى مسلم .. شريد يجوب آفاق الدنيا .. مطارد من السلطات الأمريكية كلها .. وهو رجل الأعمال العالمى المهندس [ يوسف ندا ] .. الطاهر المؤمن .. الصابر المحتسب .. وذنبه كل ذنبه .. أنه يقول ربى الله .. ووقر الإيمان فى قلبه .. وصدقه عمله ..

تخرج يوسف ندا فى أوائل الخمسينيات فى كلية الزراعة جامعة الإسكندرية وانضم لجماعة الإخوان المسلمين .. وكان ضمن الكتائب التى حاربت الإنجليز فى القناه , ودخل السجن الحربى أيام عبد الناصر .. وبعد الإفراج عنه اتجه إلى ليبيا .. وبدأ نشاطاً تجارياً .. ونجح نجاحاً منقطع النظير .. وتوثقت علاقته باللملك السنوسى وعائلته .. ولما قامت ثورة القذافى .. سافر إلى اليونان .. وابتدأ نشاطاً اقتصادياً فى ربوع أوروبا .. واستقر فى سويسرا , وأصبح من رجال الأعمال المرموقين فى العالم .. وأخذ يصدر الأسمنت والحديد وغيرهما .. إلى الدول العربية والإسلامية .. وتوثقت علاقته الطيبة بالشخصيات الحاكمة والمؤثرة فى الدول العربية والإسلامية .. وتضخمت ثروته , وأنشأ [ بنك التقوى ] بجزر الباهاما .. على أساس الشريعة الإسلامية .. وساهم فى البنك عديد من رجالات المال والدعوة الإسلامية .. وفتح الله عليه أنهاراً من الخير والعطاء .. وطبق أحكام الشريعة فى كل معاملات البنك .. وكان يخرج ذكاة المال وينفقها على الدول الإسلامية الفقيرة .. ومشروعاتها المتعثرة .. مؤمناً كل الإيمان بدعوته ورسالته التى عاش ومازال يعيش من أجلها .. ومضحياً بكل ما يملك فى سبيلها ..

وأثمرت كل نشاطاته فى دول العالم .. وعلاقاته المتعددة .. عن تدخله فى كثير من المشاكل السياسية بين دول المشرق العربى .. ونجح فى حل كثير منها .. وفى توثيق العلاقات بين الدول والشخصيات .. وفى خضم كل ذلك لم ينس أبداً بلده الحبيب مصر .. فقد تدخل لحل مشكلة الصيادين المصريين الذين أعتقلتهم السلطات الإيرانية .. وتوسط عند أصدقائة الإيرانيين هو والمرحوم الشيخ محمد الغزالى .. ونجح فى الإفراج عنهم .. واستأجر لهم طائرة خاصة لتعيدهم إلى مصر على نفقته .. ولكن ـ والحق يقال ـ آثرت الحكومة الإيرانية أن تعيدهم على طائرة إيرانية تكريماً لهم . وتقديراً ليوسف ندا والشيخ الغزالى ..

كما أن السيد نبوى إسماعيل وزير داخلية مصر ـ أمد الله فى عمره ـ دعاه إلى زيارة مصر وتناول معه العشاء بحضور المهندس حلمى عبدالمجيد قطب الإخوان المسلمين .. وطلب منه أن يستثمر بعض أمواله فى مشروعات داخل مصر .. ووافق يوسف ندا .. خاصة وقد كانت الحكومة المصرية قد طلبت منه ذلك ..

وقام بكثير من الأدوار والوساطات .. حاملاً هموم الأمة على كتفيه .. فى صبر وثبات واحتساب .. ويصبح ويمسى مصلحاً بين المتحاربين والتخاصمين من حكام هذه الأمة .. مدعماً ومتعاوناً فى تنمية مشروعاتها واقتصادها .. فى هدوء .. ودون دعاية أو ضجيج منكراً ذاته .. داعياً إلى الله فى السر والعلن .. ومؤمناً برسالته .. وقد كان من الممكن أن يعيش فى رغد ورفاهية .. لو كان يعيش لنفسه ..

وكان عضواً مهماً مؤثراً فى إحدى الجمعيات العالمية التى تهتم بالمشاكل الاجتماعية الإنسانية .. وفى إحدى المؤتمرات خطب جورج بوش الأب وكان رئيساً للولايات المتحدة .. واعترض عليه يوسف ندا .. وقال له : نحن دعاة سلام .. لا دعاة حروب .. وأسقط فى يد بوش ورد على يوسف ندا بالاسم وضرب بيده على المنضدة بشدة وغضب .. ولم ينس له هذا الموقف جورج بوش الابن من بعده ..

وأخذ يحارب يوسف ندا .. الذى شعر بالخطر , فقام من فوره بتصفية بنك التقوى .. وأعطى كل المساهمين حقوقهم غير منقوصة .. حتى لا يضار أحد منهم فى إيداعاته أو أسهمه ..

وحدثت [ أحداث 11 سبتمبر ] .. وتوابعها .. وتداعياتها .. فأخذ بوش وإدارته الأمريكية يخططون .. حتى نجحوا فى ضغوطهم لاستصدار قرار من مجلس الأمن بوضع يوسف ندا وأمواله وشركاته تحت الحراسة وتحويله للتحقيق وتجميد كل نشاطاته فى جميع أنحاء العالم .. لاتهامه ظلماً بتمويل الإرهاب .. وأخذت أجهزة C.I.A فى ملاحقته فى كل مكان .. حتى أنه ذهب إلى لندن .. فمنع من دخولها .. واستولى رجال الأمن فى مطار لندن على كل الأموال التى فى جيبه !! .. بدعوى مكافحة الإرهاب !!.

وحول إلى التحقيق .. وكان سعيداً كل السعادة أن يحقق معه .. بل هو الذى طالب بذلك .. ولم تستطع سلطات التحقيق أن تثبت عليه أى مخالفة مالية أو إنفاق أمواله على أى نشاط إرهابى أو متطرف كما اتهمته أمريكا .. واغتالوا أمواله وشركاته بحجة هذا الاتهام الكاذب الظالم .. وأصبح يوسف ندا شريداً يجوب الآفاق .. وضيقوا عليه حتى أصبح يركب الأتوبيس والترام بدلاً من الرولزرويس!! .. وهو صابر محتسب مبتسم .. ويقول بإيمان عجيب ويردد .. إن ربى الله ..

ويوسف ندا فى النهاية مواطن مصرى حدث عليه اعتداء من دولة أجنبية وهى أمريكا .. فماذا فعلت الحكومة المصرية للدفاع عن حقوقه كإنسان مصرى كما تفعل باقى دول العالم للدفاع عن مواطنيها .. ولننظر إلى إسرائيل وماذا تفعل مع [عزام عزام ] الجاسوس الإسرائيلى وهو سجين ليمان طره الذى يزوره السفير الإسرائيلى بانتظام فى سجنه .. ويطالب بالإفراج عنه كل مسئول إسرائيلى يزور مصر .. وماذا فعلت أمريكا [ للدكتور سعد الدين إبراهيم ] الذى زاره السفير الأمريكى فى سجنه وحضرت الوفود الأمريكية الرسمية والشعبية محاكمته فى مصر ونوهت جميع الصحف الأمريكية وعلى رأسها [ واشنطن بوست ] وأى سائح أجنبى فى مصر يحدث له شىء مرضى عارض يحضرالسفير بنفسه ويتابعه وقد يحضرون له طائرة خاصة لإرساله لبلده ..

ولكن المواطن المصرى منبوذ مهمل .. من كل السفارات والسلطات المصرية فى جميع أنحاء العالم .. ولا يسأل عنه أحد .. وليس له أهل ..

وأعود بالذاكرة وأتساءل : ماذا فعلت الحكومة المصرية فى قضية الأسرى المصريين الذين داستهم وهرستهم وطحنتهم الدبابات الإسرائيلية فى حرب 1967م؟ وهل طالبت بحقوقهم ؟ ! .. وماذا فعلت مصر فى المعتقلين المصريين فى جوانتانامو .. وهل فعلت مثل الحكومة الإنجليزية التى أرسلت وفداًمن جماعة حقوق الإنسان ووفداً صحياً ووفداً من الصليب الأحمر .. وبعض الجمعيات لزيارة المعتقلين الإنجليز .. وتداوم الحكومة للسعى للإفراج عنهم ..

وماذا فعلت الحكومة المصرية عندما رأت صورهم على الشاشات وهم معصوبو الأعين مكبلون بالأغلال بطريقة إجرامية تفوق كل متصورمن المتشدقين الأمريكان بحقوق الإنسان , عليهم لعنة الله .. وماذا فعلت صحافتنا أو هلالنا الأحمر أو جماعات حقوق الإنسان أو الجبهة الوطنية وأحزابها للدفاع عن مواطنيها .. وكلهم يعرفون يوسف ندا ؟..ماذا فعلوا لدفاع عنه ؟ .. أليس هو مواطناً مصرياً .. وأين الشهامة والنخوة وصحوة الضمير ؟ .. وماذا تقولون فى المواطن المصرى المهان والمحتقر والمضروب أحياناً فى السفارات العربية والأجنبية ومطاراتها وعند الحصول على تأشيرة .. والمرشوش بخراطيم المياه ..!! داخل بلده .. دون حساب ؟ ..

إن العين لتدمع والقلب يتوجع عندما أرى شاباً مصرياً هيأت له الظروف أن يحصل على الجنسية أمريكية أو أوروبية .. ويتشرف ويتشدق بها فى صفوف إخوانه المصريين ويتبرأ من جنسيته المصرية التى يعتبرها عاراً ومهانة وقلة حيلة .. وعديمة الاحترام , وفاقداً الانتماء لكل ما هو مصرى ..

أخى يوسف ندا .. أيها الحبيب الغالى .. قلوبنا معك .. وقبل كل ذلك وبعده .. الله معك يرعاك وينصرك .. وأنا مطمئن كل الاطمئنان على احتسابك وصبرك .. أما المتشدقون بحقوق الإنسان فى مصر وأمريكا .. فغداً سينكشف الصادق والكاذب .. وإن غداً لناظره قريب .

الحكام . . هم الإرهابيون . . ! !

نعم .. وألف نعم .. هم الإرهابيون الحقيقيون .. هم الذين يمارسون الإرهاب الحقيقى ضد شعوبهم ومواطنيهم .. وضد الدول الأخرى الصديقة وغير الصديقة .. ودول الجوار .. والدول البعيدة ..

وأنا لا أقول ذلك من فراغ .. فلو نظرنا إلى خريطة العالم العربى والأفريقى والإسلامى ..وتابعنا ما حدث فى التاريخ القريب .. وما زال يحدث هذه الأيام من ثورات وانقلابات ومؤامرات .. وتمرد من الشعوب على حكامها .. وتمرد من الحكام على الدول المجاورة والصديقة .. نرى دماءً مهدرة .. وبنية تهدم .. وثروات تنهب .. وتخريب وقتل ودمار .. وقد يقتل الحاكم أو يسجن أو يهرب أو يتنحى .. راضياً أو مكرهاً .. أو ينحنى للعاصفة حتى تهدأ مؤقتاً .. ويعود كما كان .. ورأينا ولا زلنا نرى العجب العجاب ..

والسبب الحقيقى فى كل هذه الأحداث هو الحاكم الديكتاتورى الإرهابى والحاكم الأوحد المنفرد .. الذى ينفرد بالقرار دون مشورة ودون دراية .. ودون رقيب أو حسيب .. فقد أعماه غروره .. وتسلطه .. وأسكرته السلطة .. وأصبح غائباً عن الوعى .. يتخبط ذات اليمين وذات الشمال .. يرهب شعبه ويستعبده .. ويطلق عنان أفكاره لشعارات كاذبة .. وأوهام خادعة .. يخدع بها شعبه .. حتى صدق نفسه .. وأصبح يعيش فى أكذوبة كبرى .

ولكن الحقيقة المرة الدامية هى أن الشعب المسكين .. هو الذى يدفع ثمن إرهاب وأخطاء وتجاوزات حاكمه الديكتاتور .. من كرامته ومقدراته وحريته .. التى اغتصبت وأهينت ودمرت .. ونراه يملأ السجون والمعتقلات بمعارضيه .. بل يغتالهم ويقتلهم .. وكل مجاهر برأى أمامه .. هو متآمر لقلب نظام الحكم وتعطيل الدستور حتى ولو لم يكن موجوداً .. ويسجن ويحاكم .. دون رحمة .

فدمر هؤلاء الحكام معنويات شعوبهم .. التى أصيب تماماً باللا مبالاة .. والذل والهوان .. والسلبية القاتلة فى كل أمورها .. مؤثرة السلامة .. وعدم الصدام مع السلطة الحاكمة .. ويائسة من سماع رأيها .. أو المجرد المشاركة فى هموم وطنها ..

وأصبحت الشعوب متبلدة .. فاقدة للإحساس والانتماء .. فقداناً كاملاً .. وأصبح الحاكم فى واد .. يصول ويجول .. ويرتع كما يشاء .. ويقررما يشاء .. ويقرب من يشاء .. ويبعد من يشاء .. ويزور الانتخابات والاستفتائات كما يشاء .. وشعبه المتهور المغيب فى واد آخر .. والناس كل الناس فى حيرة يتساءلون .. أين الشعوب ؟ .. ولماذا تسكت على هذا الظلم وهذا القهر؟ ..

وترى منهم القائد الأوحد .. والزعيم الملهم .. فلتة الزمان .. والفيلسوف المبدع .. الهائم على وجهه .. والنائم على روحه .. والذى يتبرأ من العروبة .. ويتشرف بالانتماء الأفريقى .. ويبعثر أموال شعبه بالمليارات رشاوى لرؤساء .. ليكون زعيمهم .. أو مصاريف مؤامرات أو اغتيالات .. أو تعويضات عن تصرفات طائشة غير محسوبة .. حتى أصبح أضحوكة العالم كله .. ومثار السخرية من الجميع .. وهو محسوب ظلماً على العروبة والإسلام .

ومنهم القائد الذى يخطف معارضيه .. ويذيبهم فى أحواض مليئة بماء النار وحمض الكبريت .. حتى تذوب وتتحلل أجسادهم , والأمثلة كثيرة وكثيرة .. وبعضهم يتلذذ بقتل معارضيه بنفسه وبمواجهتهم ..

ويظهر هذا البطل والقائد فى جميع وسائل الإعلام أنه منقذ البشرية راعى السلام , منجز الخيرات .. عدو الإرهاب الأول .. وعدو أسامة بن لادن .. ورجال تنظيمه من القاعدة وأعضائها ..

ولا ادرى من يحاسب أمثال هؤلاء الحكام .. ومن يراجعهم .. ما دام شعبهم مقهوراً وسجيناً وذليلاً .. ومُغيباًعن الواقع .. ويظهرون بين دول العالم أجمع بأنهم متخلفون .. وأغبياءوجبناء .. ولكنهم فى الحقيقة .. ليسوا كذلك .. فقد أضعفهم حكامهم .. وأضعفوا قضاياهم المحلية والإقليمية ..

أما ( برويز مشرف ) حاكم باكستان العسكرى الديكتاتورى .. فهو ليس بمشرف .. وليس له من اسمه نصيب .. وبينه وبين الشرف علاقة مقطوعة .. فهو نموذج من نماذج الحكام الإرهابيين .. استولى على حكم باكستان بالقوة العسكرية , فقد كان قائداً للجيش .. وفى ظروف غامضة وغريبة .. ووعد شعبه أنه سيترك الحكم بعد شهور وخدع الجميع .. وكذب على الجميع .. واتجه إلى أسياده الامريكان لحمايته .. وقبل الأعتاب .. وسكرته السلطة . وأعمته العمالة .. وجثم على أنفاس باكستان .. وحكم بالحديد والنار.. واتجه إلى قمع وسجن كل المنظمات والزعماء الإسلاميين فى ظروف سياسية دقيقة مرت بها المنظمة إرضاءً لأسيادة .. وملأ السجون .. وقتل الأبرياء وباع نفسه وبلده وجيشه ومقدرات شعبه للأمريكان ويدعى بين آن وآخر أنه مشغول جداً .. بملاحقة أعضاء تنظيم القاعدة فى باكستان بل وفى جارته أفغانستان .

وذهب اخيراً فى زفة إعلامية إلى أمريكا .. يقبل أعتاب سيده وولى نعمته وحامى حماه جورج بوش الذى صرح بعد خروجة من اجتماعهما بأن الرئيس مشرف ولد مطيع ومتعاون .. وانه لذلك قرر منحه مليارين من الدولارات .. وعد مشرف إلى باكستان مسرعاً لبيشر شعبه .. ويعلن الاعتراف الفورى بإسرائيل الدولة الشقيقة الصديقة .. مع تبادل التمثيل الدبلوماسى بينهما .. ووضع برامج فورية للتعاون العسكرى والسياسى والاقتصادى معها .. مع التعاون سوياً لملاحقة الإرهاب فى المنطقة , وملاحقة تنظيم القاعدة .. وكل المنظمات التى تؤثر على السلام فى إسرائيل وأفغانستان والمنطقة كلها .. وتبادل المعلومات فى هذا الشأن .

أليس هذا الحاكم هو إرهابى بعينه .. أليس هذا الديكتاتور الذى نصب نفسه حاكماً مدى الحياة ... هو الإرهابى العتويل .

أما الإرهابى ( صدام حسين ) وأهله وبطانته .. فتاريخه وصمة عار فى جبين الأمة العربية .. وقد انكشف المستور .. رويداً رويداً .. ورأينا كيف يكون الفرق بين الولاء للأشخاص فى شخص صدام وحزب البعث .. والولاء الحق لله والمبادىء القومية .. ورأينا الخيانة من ( سلطان هاشم أحمد الطائى ) وزير دفاع العراق حبن باع جيشه للأمريكان فى صفقه قبض فيها ملايين الدولارات باتفاق مع المخابرات الأمريكية .. وأصدر أوامرة للجيش بتسليم سلاحه وخلع ملابسه العسكرية ..

وكذلك فعل ابن خالة صدام قائد الحرس الثورى وقائد فدائيى صدام .. وكذلك فعل صاحب المنزل الذى يختبىء فيه قصى وعدى ابنا صدام .. حين أرشد الأمريكان عنهم .. وقبض الجميع ملايين الدولارات ويعيشون الآن فى أمريكا .. رغم الجنازة الوهمية التى أقامها أهل وزير الدفاع فى بغداد .

وستكشف الأيام عن بقية مسلسل الخيانة والغدر والعمالة لأفراد بعث العراق الذين عاثوا فى الأرض فساداً بقيادة صدام حسين الديكتاتور الذى انفرد بالحكم الإرهابى .. وقتل الآلاف بل الملايين بالغازات السامة وغاز الخردل .. وأقام المقابر الجماعية .. وملأ السجون .. أليس هذا هو الإرهاب بعينه ..

وأمثلة الحكام الإرهابيون كثيرة وكثيرة .. وتاريخ حافظ الأسد لا ينسى ومجزرة حلب وحماة والآلاف الذين قتلوا فى ليلة واحدة معروفة .. وزين العابدين بن على ـ رئيس تونس ـ وممارساته الإرهابية مع شعبه معروفة .. ومن لطف الله علينا أنه لم ينجب أبناءً ذكوراً حتى يورثهم السلطة .. ولكنه أنجب إناثاً .. وكذلك على عبدالله صالح .. وعيدى أمين وبوكاسا وأكلة لحوم البشر من حكام أفريقيا .. وناهبى أموالها وجواهرها .. وكذلك حكام الفلبين .. وإندونسيا .. وغيرهم وغيرهم .. كل هؤلاء الإرهابيين يتشدقون أمام أسيادهم الأمريكان .. أنهم يتتبعون أعضاء تنظيم القاعدة .. وخلايا الإرهاب لقمعها فى كل مكان .. ويدعون أنهم بريئون تماماً من الإرهاب والإرهابيين .

أما الرئيس الممسوخ .. والخائن العميل .. الحقير الذليل ( قرضاى ) الذى نصبه الأمريكان رئيساً لدولة أفغانستان .. فهو يدعو إلى السخرية والرثاء .. وهو نموذج مهين فى صفحات التاريخ للحاكم المسلم .. وهو يثير القرف والغثيان والاحتكار .. فقد فتح المواخير والحانات ودور اللهو والمجون فى دولته .. وحارب كل ما هو شريعة إسلامية ـ كما أمره أسياده الأمريكان ـ .

وبعد .. فهذه بعض الأمثلة الحية فى تاريخ بعض الحكام الإرهابيين الذين ابتليت بهم شعوبهم .. التى أصابوها بالتبلد فى شعورها .. والضعف فى قواها .. والدمار الفكرى والسياسى .. وأصبحت شعوبهم هى الضحية دائماً ..

وابتليت بهم الأمة العربية والغسلامية .. فضاعت حقوقها .. وضاعت هويتها .. وانفصمت عراهاا ..

ألا لعنة الله على الظالمين .. الذين إن أفلتوا من حساب الدنيا .. فلن يفلتوا إطلاقاً من حساب الله وعذابه على ما اقترفوا من خطايا .

أما عن إرهاب بوش وعصابته وشارون وعصابته .. فلكل شىء نهاية .. وقد رأينا ورأى العالم كله ممارساتهم اللا إنسانية مع شعب فلسطين وأفغانستان والعراق ومعتقلات جوانتانامو التى يُعامل فيها الأسرى أحط وأقسى أنواع المعاملة اللا إنسانية , ولن يفلت هؤلاء الظالمون أبداً من عقاب الله .. وسيرى العالم كله نهايتهم القريبة إن شاء الله مهما طال الزمن .. كما رأى كل تجاوزاتهم وجرائمهم فى كل وسائل الإعلام .


قالوا عن الكتاب

هذه بعض ردود أفعال صدور كتاب " وعرفت الإخوان "
فى بعض الصحف المصرية والعربية
مواقف

يمكنك أن تقرأ هذا الكتاب المهم على أنه مسلسل بوليسى : ففى كل صفحاته الدامية : ما الذى فعلته أجهزة الأمن بالإخوان المسلمين ؟ الكتاب يجعلك تلهث وتلعن , ففى كل صفحة مأساة فاجعة وفجيعة ووجيعة . الكتاب من تأليف د. محمود جامع الإخوانى القديم وعنوانه " ... وعرفت الإخوان " فى 230 صفحة عن ( دار التوزيع والنشر الإسلامية ) .

و د. محمود جامع طبيب وكاتب ومؤرخ مجرب , ومنصف , وما كتبه عن الرئيس السادات يجعلك تثق فى قلمه وتستريح إلى ضميره . فقد عايش وعاش وكتب وصدق . وفى كتابه هذا يحدثك عن البدايات الأولى لجماعة الإخوان المسلمين وحرب فلسطين وثورة يوليو وعبد الناصر والسادات , وكذلك عن الجماعات الإسلامية والنقابات المهنية فى مصر .

ولأن د. جامع قد عرف الكثير والكثيرين , فقد ملأ كتابه بحكايات لا يصدقها العقل . ولكن يجب أن نصدقها فمن الطبيعى أن تحدث فى حينها فقد كان الإخوان مصدر رعب .. وكانت أفكارها ودعواها ودعاواها عنيفة التنبيه والتنوير على المستوى المحلى والعربى والعالمى . فقد أقامت موائد الرحمن الفكرية فى كل مكان : أفكاراً وتوجهات . وكان أعضاؤها شديدى الإيمان بما يقولون ويدعون إليه فى كل مكان من الجهاد والإصلاح .. وكان من أبنائها علماء بارزون فى الاقتصاد والطب والصحافة والسياسة والفلك والذرة ؛ فالدين يدعو إلى الإيمان . والعلم ـ أيضاً ـ يدعو إلى الإيمان .

و د. جامع قد وقع فى غرام اثنين من رجال مصر : السادات وحسن البنا . وعلى اختلاف وخلاف بينهما فإن بين الرجلين صفات كثيرة مشتركة والهدف هو مصر وصلاح حال المسلمين .

يقول د. جامع فى مقدمة الكتاب : أتوجه إلى كل الناس خاصة شبابنا الحائر وسأحاول أن أظهر الحقيقة الناصعة ولو كانت علقماً . وليس لنبش الماضى وتصيد الأخطاء .. ولكن لمعرفة المحاولة والخطأ . ولابد من الخلاف والاختلاف , وصحابة رسول الله اختلفوا وتقاتلوا ولكن منهج الله ثابت لا يتبدل ولا يتغير .

وقد كان د. جامع عضواً فى الإخوان المسلمين وأرغم على تركها وصحبه السادات صديقه إلى الاتحاد الاشتراكى , وحوكم سياسياً فى كل أنواع المحاكم : عسكرية وجنايات وأمن دولة , ودخل جميع أنواع سجون مصر منذ خمسين عاماً .

ويأسف د.محمود جامع ويأسف لهؤلاء الذين يسخرون من دعاة الإسلام الكبار : ابن تيمية , وأبو الأعلى المودودي , ومحمد عبده , وجمال الدين الأفغانى , وحسن البنا , وسيد قطب , والشعراوى , والغزالى , وسيد سابق , وعبدالحليم محمود , وعبدالحميد كشك , ويوسف القرضاوي , وعمرو خالد وغيرهم . اللهم اجعله لسان صدق فى العالمين ـ آمين .

أنيس منصور
[email protected] .org.eg
[ نقلاً عن جريدة " الأهرام " 4\2\2004م ]
"وعرفت الإخوان " شهادة جديدة للتاريخ

" وعرفت الإخوان " كتاب جديد من تأليف د. محمود جامع الذى يرصد فيه دور جماعة الإخوان منذ نشأتها على يد حسن البنا فى نهاية العشرينيات من القرن الماضى حيث يتطرق المؤلف إلى جولات مرشد الجماعة الذى طاف آفاق الدنيا لنشر أفكار وآراء وتوجهات الدعوة التى قدمتها للناس حتى استقرت كل مبادئها فى قلوب أعضائها وأثر هذه الدعوة فى المجتمع المصرى والعربى بل فى جميع أنحاء العالم وكيف أصبح أبناء هذه الدعوة نجوماً بارزين فى الاقتصاد والطب والصحافة والسياسة والفلك والذرة وفى مجال الثقافة والفكر . ويتحدث الؤلف من خلال كتابه عن البدايات الأولى لجماعة الإخوان المسلمين ودور الحركة فى حرب فلسطين وثورة يوليو وعلاقة الإخوان بعبد الناصر والسادات وكذلك علاقتهم بالجماعات الإسلامية الأخرى والنقابات المهنية .

ويستعرض الكتاب تاريخ علاقته بجماعة الإخوان المسلمين والتى كان عضواً بها حتى تركها فى أغسطس عام 1954 وأسباب انفصاله عنها بعد أن ضمه الرئيس الراحل أنور السادات إلى الاتحاد الاشتراكى ليصبح عضواً باللجنة المركزية والتنظيم الطليعى حيث قام بإلقاء خطاب أمام الرئيس عبد الناصر فى اجتماع بصالة الاحتفالات الكبرى بجامعة القاهرة عندما كان عضو بلجنة المائة بالاتحاد الاشتراكى .. ويشير المؤلف فى كتابه إلى أنه كان عضواً مؤسساً للحزب الوطنى الديمقراطى وعضواً بمجلس الشورى وقام بتمثيل مصر فى العديد من المؤتمرات السياسية .

[ نقلاً عن جريدة " الأخبار " 14\2\2004م ]
" وعرفت الإخوان "

صدر مؤخراًعن دارالتوزيع والنشر الإسلامية كتاب " وعرفت الإخوان " للدكتور محمود جامع . يتناول فيه المؤلف البدايات الأولى للإخوان المسلمين وعلاقتهم بحرب فلسطين والثورة وعبد الناصر والسادات .. كما يتناول علاقتهم بالجماعات الإسلامية والنقابات .

يوضح المؤلف دور الإخوان على المستوى المحلى والعربى والعالمى ويستعرض بعض أبنائها من النجوم البارزين فى الاقتصاد والطب والصحافة والسياسة وعلم الفلك والذرة وأساتذة الجامعات .

[ نقلاً عن جريدة " الوفد " 31\1\2004م ]
الدكتور محمود جامع فى كتابه " وعرفت الإخوان]] " يكشف أدق الأسرار (1)
دهاليز علاقة الإخوان بين عبد الناصر والسادات

فى كتابه الجديد يقدم الدكتور محمود جامع شهادة على مرحلة مهمة من تاريخ مصر وإلقاء الضوء على جماعة مهمة فى تاريخ مصر المعاصر ألا وهى جماعة الإخوان المسلمين . يتناول المؤلف فى كتابه " وعرفت الإخوان " عن البدايات الأولى لهذه الجماعة ودورها فى حرب فلسطين والثورة وكذلك علاقاتها بجمال عبد الناصر والسادات , كما تناول المؤلف الإخوان وعلاقتها بالجماعات الإسلامية الأخرى والنقابات وأوضح د. محمود جامع أن دعوة الإخوان كان لها دور مهم على المستوى المحلى والعربى والعالمى حيث قدمت للناس الأفكار والآراء والتوجهات وقرت مبادئها فى قلوب اعضائها وصدقها عملهم فى كل ميادين الجهاد والإصلاح , وقد كان من اعضائها نجوم بارزون فى مجالات الاقتصاد والطب والصحافة والسياسة وعلم الفلك والذرة وأساتذة جامعات وكوكبة هائلة من الدعاة والمفكرين والمثقفين .

فى مقدمة هذا الكتاب , قدم الدكتور محمود جامع الإهداء لروح أستاذه الشهيد حسن البنا صاحب الفضل فى تجديد شباب هذه الأمة كما أهداه إلى كل وطنى حكاماً ومحكومين من الذين هدفهم بناء مصر بناءً يقوم على أسس سليمة من الأخلاق والحب والتراحم بعيداً عن ظلم الإنسان لأخيه الإنسان .

الكتاب يقع فى 239 صفحة من القطع الكبير .. يضم عشرة فصول : الأول عن البدايات الأولى للإخوان والثانى حول الإخوان وحرب فلسطين والثالث حكاية المرشد الثانى , والرابع الإخوان والثورة والخامس مع عبد الناصر واليهود والسادس مع السادات والسابع الإخوان والجماعات الإسلامية والثامن عرفت هؤلاء الدعاة والتاسع الإسلام هو الحل والعاشر متفرقات عن الإخوان .

تجديد همة المسلمين

فى الفصل الأول أوضح المؤلف أن من حكمة الله عزوجل أن يبعث فى الأمة الإسلامية كل مائة عام كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالاً يجددون للمسلمين شريعة الإسلام ويستنفرون همتهم القائمة لتحيا وتعود إلى حياتها بعد سبات عميق .. فبعد إنهاء الخلافة العثمانية تمزقت الدول الإسلامية إلى دويلات صغيرة يقاتل بعضها البعض ويتنازعون على حدود موهومة صنعها المستعمر الغاصب حتى يشغلهم عن أمور دينهم ورسالة إسلامهم ونجح الغزو الاجتماعى والثقافى والسياسى بما يحتويه من مظاهر براقة خادعة محببة إلى النفوس بعيدة كل البعد عن جوهر الإسلام وشريعته وتقاليده وأحكامه ومن هنا انتصرت الحضارة الغربية بكل مقوماتها ولكن إرادة الله ولا راد لمشيئته أن يحقق الأمل فى داعية يجدد لها دينها وعقيدتها وكان هذا الداعية هو حسن البنا الذى بدأ دعوته سنة اثنان وعشرون وسمى دعوته دعوة البعث والإنقاذ وأنشأ جماعة الإخوان المسلمين عام 1928 وقد بدأت الدعوة بسيطة لكنها عميقة وأخذت تنمو وتترعرع وتتكاثر برجال مؤمنين انضموا إليها وكان هدف حسن البنا هو جمع الأمة وتحريكها ليظهر بعد ذلك مصطلح جديد هو الحركة الإسلامية بدلاً من الحركة القومية أو الحركة الوطنية حيث كان الأزهر مشغول فى ذلك الوقت بقضايا داخلية محدودة وكانت القوة الحاكمة بتوجيه من الاستعمار تعمل على عزل الأزهر من التأثير فى الحياة , كما انشغلت الطرق الصوفية بأذكارها وأورادها وموائدها عن التصدى للإصلاح وحمل راية الدعوة وركز حسن البنا عنايته بشباب الجامعة والمدارس وأنشأ قسماً خاصاً للطلاب بالمركز العام للإخوان وكان مسئولاً عنه رجال ودعاة من خيرة الرجال فى التربية الإسلامية وكان حريصاً على وضع برامج مكثفة تربوية لهؤلاء الشباب مثل الصيام والاهتمام بحفظ القرآن وتلاوته وتفسيره .

وقد حدد الشيخ حسن البنا منهج الجماعة فى أهداف سبعة وضعها فى رسالته إلى الشباب وهى : نريد الرجل المسلم فى تفكيره وعقيدته وفى خلقه وعاطفته وفى عمله وتصرفه , ثم نريد البيت المسلم , ثم بعد ذلك الحكومة المسلمة التى تقود الشعب إلى المسجد ويحمل به الناس على هدى الإسلام , ثم بعد ذلك تضم إلينا كل جزء من وطننا الإسلامى الذى فرقته السياسة الغربية وأضاعت وحدته ,والأمر السادس هو أننا نريد بعد ذلك أن تعود راية الله خفاقة على تلك البقاع التى سعدت بالإسلام وأخيراً وبذلك أن نعلن دعوتنا على العالم وتبلغ الناس جميعاً وقد أرسل الإمام الشهيد رسالة إلى الملك فاروق ومعظم رؤساء العالم الإسلامى فحواها أن الأمة فى مفترق طريق , وعليها إما أن تتبع طريق التبعية والتقليد للحضارة الغربية أو طريق مجد الإسلام واتباع شريعته وهذا هو الطريق الذى لا مفر به. وأوضح الدكتور محمود جامع أن من آراء حسن البنا رفضه للثورة الشعبية لأنها عديمة الجدوى لذلك لا يفكر فيها الإخوان ولا يعتمدون عليها .

لذلك كان يطالب بحل الأحزاب وإقامة حزب واحد وجبهة واحدة تقوم بالتحرير والإصلاح تحت راية الشباب .

الإخوان وفلسطين

وفى الفصل الثانى أوضح المؤلف دور الإخوان فى حرب فلسطين حيث قال إن هذه الحركة تعد أهم حركة إسلامية فى العصر الحديث أثرت فى كثير من بلدان العالم العربى وبعض بلدان العالم الإسلامى .

وأشار المؤلف إلى البطولات التى حققها الإخوان المسلمون فى حرب فلسطين وشهد لهذه البطولات القادة العسكريون حيث نجح متطوعو الإخوان فى استرداد منطقة التبة التى استولى عليها اليهود بعد أن قتلوا الكثير من الضباط وفر اليهود من أمام رجال الإخوان , ولكن بأمر من النقراشي رئيس وزراء مصر آنذاك وبتحريض من الإنجليز وبعض الدول الاستعمارية قرروا حل جماعة الإخوان المسلمين واعتقال جميع المتطوعين وسحب الأسلحة منهم وأودع أفرادها السجون والمعتقلات .

[ نقلاً عن جريدة " الخميس " 29\1\2004م ]

الدكتور محمود جامع فى كتابه " وعرفت الإخوان " يكشف أدق الأسرار (2)

جمال عبد الناصر قام بتدريب الجناح العسكرى للإخوان

فى كتابه الجديد يقدم الدكتور محمود جامع شهادة على مرحلة مهمة من تاريخ مصر وإلقاء الضوء على جماعة مهمة فى تاريخ مصر المعاصر ألا وهى جماعة الإخوان المسلمين . يتناول المؤلف فى كتابه " وعرفت الإخوان " عن البدايات الأولى لهذه الجماعة ودورها فى حرب فلسطين والثورة وكذلك علاقاتها بجمال عبد الناصر والسادات , كما تناول المؤلف الإخوان وعلاقتها بالجماعات الإسلامية الأخرى والنقابات وأوضح د. محمود جامع أن دعوة الإخوان كان لها دور مهم على المستوى المحلى والعربى والعالمى حيث قدمت للناس الأفكار والآراء والتوجهات وقرت مبادئها فى قلوب اعضائها وصدقها عملهم فى كل ميادين الجهاد والإصلاح , وقد كان من اعضائها نجوم بارزون فى مجالات الاقتصاد والطب والصحافة والسياسة وعلم الفلك والذرة وأساتذة جامعات وكوكبة هائلة من الدعاة والمفكرين والمثقفين . جمال عبد الناصر مدرب التنظيم السرى

وفى الباب الرابع تناول المؤلف دور الإخوان فى ثورة يوليو وكيف كان يقوم عدد من الضباط الأحرار والذين كان بعضهم أعضاء فى جماعة الإخوان يقومون بتدريب أعضاء الجماعة فى التنظيم السرى على استخدام السلاح والبنادق والرشاشات القصيرة والقنابل اليدوية وكان منهم جمال عبد الناصر , والذى أعد تكوين التنظيم السرى للضباط وأسماه تنظيم الضباط الأحرار بدلا ًمن تنظيم الإخوان المسلمين .

وقد كان يرى عبدالمنعم عبدالرؤوف أن ينضم لهذا التنظيم الضباط المتدينين ولكن عبد الناصر رفض هذا الرأى بكل شدة , ورأى أن يتم ضم أكبر عدد دون الالتزام بالناحية الأخلاقية .

وأوضح المؤلف أنه قبل قيام الثورة حدث حوار بين عبد الناصر وأعضاء الإخوان فى إحدى الجلسات وأكد عبد الناصر تأييد الأمريكان إذا حدثت الثورة ورفض أن يفصح عن مصدره , ومن هنا يتبين الصلة المبكرة بين عبد الناصر والأمريكان قبل قيام الثورة .

وأوضح المؤلف حقيقة الخلافات بين عبد الناصر والإخوان فى بداية لقاء جمع عبد الناصر مع المرشد العام حسن الهضيبي عندما طالبه الشيخ بعمل إصلاحات سريعة فى البلد على مبادىء الإسلام ولكن عبد الناصر رد بأنه سوف يقوم بعمل إصلاحات لكن ليس على مبادىء الإسلام وبعد ذلك قال المرشد العام للإخوان أنه لا يثق فى عبد الناصر بعد كذبه وتنصله من اتفاقه وأنه يرى الثورة بأنها حركة غير إسلامية بل إصلاحية وقد قرر القائمون عليها الانفراد بالحكم ومضت الأمور بشىء من الحساسية .

وحاول الكثير من مكتب الإرشاد من اجتياز الأزمة لكن بدون جدوى وقام عبد الناصر باستقطاب عدد من الإخوان ومنهم عبدالرحمن السندى وبعض القيادات المختلفة مع الهضيبي وكيف نجح عبد الناصر فى تدبير حادث المنشية الشهير ليكون عذراً له أمام الشعب لضرب الإخوان وإعدام مدبرى اغتياله ومحاولة كسب شعبية تثبت أركان نظامه .

وتلاحظ أنه لم ينته عبد الناصر من خطابه حتى قامت جحافل قوات المباحث على مستوى الجمهورية باعتقال جميع أفراد الإخوان بسرعة مزهلة ورجالتهم إلى السجون التى كانت معدة لذلك وبدأ تعذيبهم .

وفى الفصل السادس تناول المؤلف علاقة السادات بالإخوان , حيث أوضح أنه بعد أن قام عبد الناصر بالتنكيل بالإخوان المسلمين وجميع القوى الشعبية جاء عهد السادات ليقوم بالإفراج عن المسجونين والمعتقلين السياسيين وفتح بوابة مصر لأبنائها المطاردين بالخارج والمسارعة بإنشاء الأحزاب وحرية الصحافة والتعبير .

وتساءل المؤلف فى هذا الباب حول متى يسجل ما حدث من أحكام بإعدام وتعذيب وسجن وقهروالأعداد الحقيقية لقتلى السجون والمعتقلات , ومن المتسبب فى كل ذلك وأشاد المؤلف بمحاكمة السادات للمجموعة الفاسدة التى كانت تحكم مصر أيام عبد الناصر وهم على صبرى وسامى شرف وشعراوى جمعة والفرق محمد فوزى وغيرهم وكانت حكمة الله عز وجل بإذلال هؤلاء الذين أذلو شعب مصر .. أن تراهم بالقفص وبالسجن حتى أنهم بنوا سجناً جديداً كانوا هم أول وافد به .

وكشف المؤلف فى الباب السابع علاقة الإخوان والجماعات , حيث قام الناصريون والشيوعيون من طلبة الجامعة بمحاربة السادات وافتعال المظاهرات , فعهد إلى محمد عثمان إسماعيل بإنشاء جماعة شباب الإسلام من بعض الشباب المسلم عن طريق أمانة تنظيم الاتحاد الاشتراكى وقد فشلت هذه الجماعة رغم الدعم المالى والمادى لها , لكن بدأت بعد ذلك تنظيمات فى الظهور والتنامى بأفكار تدعو إلى تكفير المجتمع وظهرت مجموعة التكفير والهجرة والمجاهدون الأفغان وكشف المؤلف عن علاقة المصريين بتنظيم القاعدة .

وفى الباب الثامن , تناول المؤلف عدداً من الشخصيات بالتحليل منهم الشيخ سيد قطب والإمام عبدالحليم محمود , والشيخ محمد متولى الشعراوى والشيخ عبدالحميد كشك .

وجاء الباب التاسع ليتناول شعار " الإسلام هو الحل " حيث أوضح المؤلف أنه حاول مع بعض الأصدقاء بمبادرة لمجموعة من الوطنيين المصريين لفتح قنوات اتصال بين الحكومة والإخوان وكانت طلباتهم بإنهم يريدون نشر دعوتهم الإسلامية فى صفوف الشعب بالحكمة والموعظة الحسنة وتحت سمع وبصر الحكومة دون الإخلال بهيبة السلطة , ولكن للأسف لم تكن هناك الأذن الصاغية , وطالب الكاتب لمصالحة حقيقية مع الإسلام خاصة بعد أن حاولت أجهزة الإعلام الأجنبية تشويه صورة المسلمين على أنهم الإرهابيين وتطرق الكتاب إلى جماعات التكفير والعنف والتشدد والجمود ودورها فى تشويه الصورة الحقيقية للمسلمين , وأكد الكاتب على أن الإسلام قادم .

وفى الباب الأخير بعنوان متفرقات عن الإخوان حيث تناول راداً على بعض المقالات التى حاولت النيل من الإخوان بالحق والباطل .

[ نقلاً عن جريدة " الخميس " 5\2\2004م ]
"وعرفت الإخوان "

عن دار التوزيع والنشر الإسلامية صدر للدكتور محمود جامع كتاب " وعرفت الإخوان " . يقدم المؤلف تحليلاً لبدايات تأسيس الإخوان المسلمين , وعلاقتهم بالثورة وعبد الناصر والسادات , كما يتحدث عن علاقة الإخوان بالجماعات الإسلامية والنقابات . ويفرد المؤلف فصلاً كاملاً عن بعض أقطاب الإخوان الذين عرفهم من قرب مثل : سيد قطب , والشيخ عبدالحليم محمود والشيخ محمد الغزالى والشيخ سيد سابق والشيخ كشك .

[ نقلاً عن جريدة " القاهرة " 27\1\2004م ]