الإسراء والمعراج والطريق الوحيد إلى تحرير فلسطين

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإسراء والمعراج والطريق الوحيد إلى تحرير فلسطين

الرحلة المباركة

الأستاذ مصطفي مشهور

اتفق علماء السيرة على أن معجزة الإسراء والمعراج كانت بعد ذهاب النبي- صلى الله عليه وسلم- إلى الطائف، وردهم له الرد المنكر، حتى إن النبي- صلى الله عليه وسلم- ليَعتبر هذا اليوم أشدَّ من أهوال يوم أحد وما كان فيه، فقد ثبت في صحيح البخاري أن السيدة "عائشة"- رضي الله عنها- قالت: يا رسول الله: هل أتى عليك يوم أشدّ من يوم أحد؟ قال:

"لقد لقيتُ من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على "ابن عبد ياليل بن عبد كلال" فلم يُجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بـ"قرن الثعالب"، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها "جبريل" فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا به عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم, فناداني ملك الجبال، فسلم عليّ ثم قال:

يا "محمد"، فما شئتَ؟ إن شئتَ أن أطبق عليهم الأخشبين... فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبده وحده لا يشرك به شيئًا".

ولقد تضرع الرسول- صلى الله عليه وسلم- إلى الله عقب خروجه من الطائف، وشكا إليه ضعف قوته وفقد النصير والمعين والوزير، فأمدَّه الله بحسن التدبير لدخول مكة آمنًا، ثم كان التكريم والترويح عن النفس والأُنس بلقاء الله في الإسراء والمعراج .

إن الأحداث التي وقعت في مكة ومحاولة حصار الدعوة في مهدها، ووقوف قريش حجَر عثرة في الطريق، وموقفه- صلى الله عليه وسلم- الصَّلب، عرَّضه لعواصف عاتية وشديدة من البغضاء والافتراء، وأنزل بالمؤمنين أشد ألوان الابتلاء، فما ذاقوا طعم الراحة منذ آمنوا به، وما استراحوا لحظة من ليل أو نهار .

إن رؤية النبي- صلى الله عليه وسلم- لجانب من آيات الله في ملكوت السماوات والأرض له دلالاته القوية في تهوين شأن الكفر والكافرين، وتصغير جموعهم، واليقين في أن مآلهم وعقباهم إلى زوال.... (فقه السيرة).

ولقد صرحت الآيات إلى الحكمة من الإسراء، وهي أن المولى- سبحانه- يريد أن يُرِي عبده بعض آياته، فقال:

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء:1).

ثم صرحت آيات المعراج في سورة النجم أن الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- رأى بالفعل هذه الآيات الكبرى، قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى* مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى* وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى* عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى* ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى* وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلَى* ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى* فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى* فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى* مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى* أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى* وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى* عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى* عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى* إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى* مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى* لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (النجم:1-18)

يقول بعض المفسرين في التعليق على هذا المطلع من السورة: نعيش لحظات في ذلك الأفق الوضيء الطليق المرفوف الذي عاشه موكب "محمد"- صلى الله عليه وسلم- ونرفرف بأجنحة النور المنطلقة إلى ذلك الملأ الأعلى، نعيش لحظات مع قلب "محمد"- صلى الله عليه وسلم- مكشوفةٌ عنه الحجب، مُزاحَةٌ عنه الأستار، يتلقَّى من الملأ الأعلى يسمع ويرى، ويحفظ ما وعى، وهي لحظات خُصَّ بها ذلك القلب المصفَّى، ولكن الله يمنُّ على عباده، فيصف لهم هذه اللحظات وصفًا موحيًا مؤثرًا، يصفها لهم خطوة خطوة، ومشهدًا مشهدًا، وحالةً حالةً حتى لكأنهم مشاهدوها".

من دروس الإسراء

ولقد كان الإسراء والمعراج امتحانًا للمسلمين وتنقيةً للصف, فحين أُعلن خبر الإسراء بين قريش فُتِن بعض الذي أسلموا وارتدّ مَن ارتد!!، يقول الإمام "ابن كثير" فيما رواه عن "قتادة":

"انصرف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى مكة فأصبح يخبر قريشًا بذلك، فذكر أنه كذبَه أكثرُ الناس، وارتدَّت طائفة بعد إسلامها، وبادر الصدِّيق إلى التصديق، وذكر أن الصدّيق سأله عن صفة بيت المقدس، وقال إنّي لأصدقه في خبر السماء بُكرةً وعشيًا، أفلا أصدقه في بيت المقدس، فيومئذ سُمي "أبو بكر الصديق".

فالإسراء والمعراج حدث، وحدث غاية في روعته، وفي إعجازه، ولكنها قدرة الله الذي لا يعجزه شيء في السماء ولا في الأرض، ومن دروس الإسراء والمعراج أنه اختبار لصدق المؤمنين، وتمحيص لصفِّهم وامتحان ليقينهم، ولثبوت العقيدة في وجدانهم، فالحدَث فوق مستوى العقول البشرية، يحتاج إلى مؤمن صادق الإيمان، لا يُزعزع من يقينه أشد الأحداث ولا أخطرها .

ولقد جاء الإسراء والمعراج قُبَيلَ الهجرة إلى المدينة، وترك الديار والأهل والوطن؛ ليكون اختبارًا للمؤمنين وتدريبًا لهم على حسن الاستجابة لله عز وجل، فهي مرحلة جديدة، كلها جهاد وكفاح في سبيل الله، يقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحجرات:15).

حتمية الجهاد

المسجد الأقصى .. مسرى النبي صلى الله عليه وسلم

لقد كان الإسراء والمعراج إعلانًا عالَميًا، بأن خاتَم الأنبياء والمرسلين- صلى الله عليه وسلم- هو نبي القبلتين وإمام المشرقَين والمغربَين، ووارِث الأنبياء قبله، وقدوة الأجيال بعده ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (الفرقان:1).

ألا إنه أمر كبير وعجيب وخطير أن نتحدث عن الإسراء والمعراج ونكتبَ عنه، بينما أرض الإسراء والمعراج ومسرَى سيد الخلق- صلى الله عليه وسلم- ومصلاَّه بالأنبياء أسير، تحت سلطان اليهود، يفعلون بأهله الأعاجيب، يهدرون دماءهم، ويدمِّرون حياتَهم، ومشهد الآباء وهم يودعون الشهداء الأبرار من فلذات أكبادهم، وتبكي المنازل والشرفات وهي تشاهد موكب الشباب المؤمن محمولاً على أعناق الرجال إلى مثواه الأخير.

ألا إنَّ الأعجب من ذلك كله هو صمت العالم العربي والإسلامي وسكوته على هذه المجازر، وسكون الجميع سكون المقابر، وكأن الأمر لا يعني أحدًا، إلا أنَّه لأمر كبير أن يموت الحِسُّ الإسلامي، وأن ينام، وأن يغطَّ في النوم إلى هذا الحدِّ، ألاَ إنَّه لأَمر خطير أن تتجمَّد المشاعر، وأن تعيشَ الأمة العربية والإسلامية على الكثير من التفاهات، بل وتدمن عليها، من خلافات في الرأي، واختلال في التوجه، صرفها عن الطريق الصحيح والهدف العظيم.

إن رسالة الإسلام الحنيف، وإنَّ جهاد- النبي صلى الله عليه وسلم- وصحابته، هي التي وهبت الحياة معناها الصحيح، وطعمها الأصيل، وما كان لأبناء هذا الدين العظيم أن يرضوا بالذل والهوان، ودستورهم الخالد يقرر ﴿وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون:8)، ورسولُهم- صلى الله عليه وسلم- يقول:"مَنْ أَعْطَى الذِّلَةَ مِنْ نَفْسِهِ طَائعًا غَيْرَ مُكْرَهٍ فَلَيْسَ مِنِّي" (ضعيف جدًّا وِفْق تخريج الألباني).

إن الطريق الوحيد إلى المسجد الأقصى معروف، وأوضح من ضوء الشمس، وهو (الجهاد في سبيل الله)، و(الاستشهاد من أجل إنقاذ الأمة)، والله عز وجل يقول: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (الحج:39)، وإن الذين يجاهدون في سبيل الله وفي سبيل نصرة المظلوم، وفي سبيل ردّ البغي والعدوان، والاحتلال والإجرام هم وحدهم الذين تُوهب لهم الحياة (احرص على الموت توهب لك الحياة)، أما الذين يخذلون من يستغيث بهم في الشدائد والنوازل، ولا يستجيبون لنداء المظلوم فهم الذين يخرجون من هذه الدنيا غير مأسوف عليهم من أحد ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ (الدخان:29).

نحتفي اليوم بذكرى الإسراء والمعراج ونحن على يقين من جلالها، فليتبع هذا اليقين الاعتقاد الجازم والإخلاص في تنفيذ تعاليم هذا الحق، عبادات ومعاملات وسلوكًا، فإنه لو تحقق العمل والإخلاص فينا، لاستطعنا- بفضل الله- أن ننجح في كل جوانب الحياة، وأن نغلق منافذ اليأس وأبواب الفشل والضياع .

إن مسئولية الأمة- حكامًا ومحكومين- في هذه الفترة غايةً في الخطورة، وإنَّ بيت المقدس- قلب العالم الإسلامي- وما حوله يَئِنُّ اليومَ أنين المظلومين والضارعين من تدنيس أشدّ الناس عداوةً للذين آمنوا .

يجب أن يشغل بال المسلمين اليوم أحوال المسجد الأقصي، وكيف نستعيده مرة أخرى، نستعيد ما ضاع منا من أرض فلسطين بكل الوسائل، وعلى أية صورة، هذا هو الأمر الحتم والهمُّ الكبير، فهذا هو بدء الطريق، وكل من سار على الدرب وصل، هذه ذكرى من الذكريات كريمة، وآية من آيات الله عظيمة ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق:37)،

وإذا كانت قضية فلسطين هي قضية المسلمين الأولى وجرحهم النازف من القلب ومنذ أكثر من نصف قرن من الزمان، والدليل القاطع على موقف العالم الغربي الظالم والمنحاز ضد قضايا المسلمين، والضارب عرض الحائط بكل المبادئ والقيم والشعارات التي يرفعها من حرية وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها، وعدم جواز الاستيلاء على أرض الغير بالقوة، ورفض العنصرية، وحق الشعوب في الكفاح المسلح؛ من أجل إزالة الاحتلال عن أراضيها.... كل هذه المبادئ يتنكر لها الغرب، ويقف داعمًا الاحتلال الصهيوني الإرهابي، العنصري الاستيطاني الدموي لأرض فلسطين وبيت المقدس والمسجد الأقصى ، واليوم يكشف الغرب مرةً أخرى عن حقيقة مشاعره نحو الإسلام والمسلمين.


المصدر : رسالة الإخوان: الجمعة 32 رجب 1422هـ = 12/10/2001م .

للمزيد عن معجزة الإسراء والمعراج

تاريخ احتفالات الإخوان بالإسراء والمعراج

كتابات الإمام حسن البنا عن الإسراء والمعراج

كتابات الأستاذ محمد مهدي عاكف عن الإسراء والمعراج

كتابات الأستاذ محمد مهدي عاكف عن الإسراء والمعراج

مقالات أخرى عن الإسراء والمعراج

.