ثائر تحت العمامة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الباقوري
ثائر تحت العمامة

بقلم: نعم الباز

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

" لماذا ثائر تحت العمامة"

ليس عنوان لكتاب ولكنه صيغة لشخصية هذا الرجل – الشيخ أحمد حسن الباقوري – الذي عاش خارج عصره .. طفلا وصبيا ثم شابا وشيخا.. ثار منذ طفولته في باقور من أعمال أسيوط على الدجل والشعوذة.. ثم ثار على أساليب التعليم في معهد أسيوط الديني وهو ما زال صبيا ..

واستمرت ثورته يؤججها الاستعمار حتى أصبح مشعلا يضئ الثورات حوله وهو طالب بالأزهر الشريف .. وأيضا حينما التزم بشيخه حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين كان ثائرا وحينما استوزر كان توليه لوزارة الأوقاف عام 1952 ثورة في إدارة الأوقاف وفي الوزارة أيضا . وكان بناء النفس يدور حول قوله دائما " ولنا في رسول الله أسوة حسنة " حيث أصر أيضا أن تكون رسالته لنيل العالمية حول حياة وسنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .

لقد عاش الشيخ خطوات صاروخية في طموحات مسورة بسياج منيع من بنية الإسلام نسيجها تشبع مدروس لمجتمع المدينة الذي انصهر فيه المهاجرون والأنصار ذلك المجتمع القوي الذي انطلقت منه الدعوة فاخترقت حاجز القوة لأكبر قوتين في العالم في ذلك الحين – الروم والفرس – كان هذا المجتمع بشكله ومضمونه هو زهرة حواره الدائم مع تلاميذه ومريديه.

لقد كانت قناعة الشيخ تظهر جلية واضحة في محورين لا خروج عنهما وهما الشوري والعدالة الاجتماعية المعتمدة على دراسة مستفيضة لميزان العدل عند عمر بن الخطاب .

عاش الشيخ إسلاما مستنيرا يحارب من أجله في مجتمع الشيوخ.

والكتاب يجيب على علامات استفهام كثيرة ليست حول حياة الشيخ الباقوري ولكنها تؤرخ لأهم منعطفات ثورة يوليو .. ونسيج الكتاب حوارات مع الثائر تحت العمامة يلقي الضوء من خلالها على الصراعات التي كان استمرارها هو الضوء الأخضر لكثير من الثورات التي غزت نظم الحكم بل والبنية الاجتماعية في الدول التي قامت بتا سواء في المنطقة العربية أم في الكتلة الأفريقية .

ومن خلال مواقف إنسانية بالغة الروعة والقسوة بين ثائرين أحدهما تحت العمامة والآخر تحت السلاح وأعني جمال عبد الناصر لعلنا نستطيع أن نعيش هذه الأحداث

نعم الباز

العجمي

في يوليو 1983


الحوار الأول:البداية

  • طفولة في باقور
  • صبي في أسيوط وبذور الثورة تحت العمامة

حينما رأته لأول مرة في ربيع عام 1965 كان وزيرا للأوقاف وكان استوزاره ثورة في الوزارة فعلا .. فقد بدأت العناية بالمساجد كتراث وليس كوعاء للدين فقط وبدأت كلمة أوقاف تأخذ معني حضاريا ليس مغلقا على المستحقين الذين يعيشون الاستحقاق بوضوح ... بدأت الإعانات تشير نحو مبدأ " ارحموا عزيز قوم ذل " وهؤلاء هم الذين لا يمدون أيديهم أبدا..

وبدأت مرحلة ترميمات للآثار الإسلامية التي تقع في كنف الوزارة باعتبارها تاريخا ..

وأصبح منبر الأزهر يزدان بخطيب كان يخطب فيه ثورته الأولي وأصبح واحدا من الذين عملوا في ربوع ثورة يوليو الحقيقة ..

كان الرجل دائم العمل هنا وهناك يشرف بنفسه على كل كبيرة وصغيرة .. وكنا على عتبات الصحافة والنقد يلمع دوما في سنون الأقلام فكتبت موضوعا عن الوعاظ في مسجد السيدة زينب رضي الله عنها ووجهته إلى شيخنا أنتقد فيه أساليب المشايخ في وعظ ضعاف العقول وكان سمحا في قبول النقد الشاب, واجتمع بأئمة المساجد وطلب تغيير هؤلاء الوعاظ وتحديد مواضيع الوعظ بما يتفق مع حاجات هؤلاء الناس الذين يفهمون ولا يقرؤون .. وابتلعت ثورتي على الشيخ فقد استقطبها وأقر بما قلته .. وأصبحت أواصر الصداقة تربط بيني وبينه وبين آل بيته الكرام .. وأصبحت الصلات دائمة ... وإليكم أقدم مصر الثورة من خلال هذا الثائر تحت العمامة ..

ثورة طفل

في ذات البيت بمصر الجديدة ... ونفس المكان , الشيخ على أركيته الشرقية المريحة والحوائط قد غطتها الكتب وأمامها تلمع " النظارة " وعمامة الشيخ تشاركنا الحوار .. وشباب يلمع في عينيه بين حين وآخر وابتسامة لا تفارق محياه السمح وسؤال من أعماق الأيام أسوقه إليه وأنا أعلم أن الثائر يبدأ ثورته من أول تفتحه على الحياة.

- طريق طفولتك .. وبدايته في صعيد مصر .. في قرية باقور .. حاول أن تحكي لنا بداية الثائر ؟

- لم يتردد لحظة كأنه أمام خيط التف بعناية وأمسك بطرفه فورا في هدوء أمامه .. وقال الشيخ وهو يستعذب الحديث وما أعذبه .

- ألذ شئ في حياة الإنسان الطفولة .. غير أن من القواعد المقررة أنه كلما تقدمت بالإنسان السن إلى الأمام تراجعت به ذاكرته إلى الوراء يكون من العسير أن يتذكر الإنسان كل شئ حدث له فى طفولته إلا أشياء معينة تبقي معه ما عاش .

حياة قري مصر

دائما هي عيش خشن وفيها عدم عناية إطلاقا بالنواحي الصحية أو النواحي الاجتماعية .. فإن أقضي ما يمكن أن يطمع الإنسان فيه أن يلعب يوما – يمكن مرة كل شهر – بالكرة الشراب ويكون في هذه الحالة مستعدا أن يرمي بالتراب في عينيه فتلتهبان وقد يضع قطرة وتكون قديمة ويبكي أسبوعا وإذا أصابه شئ من الرمد الصديدي أقصي ما يناله من علاج أن يوضع في حجرة مظلمة لمدة أسبوع أو أسبوعين .. ويقولون إياكم والماء لأنه يفسد العلاج .

وأردت أن أغلق باب الألم وأفتح باب الأمل فحولت دقة الحديث وكأنني أحول الماء في الترعة ليروي أرضا أخري عطشي أيضا للماء .

الأصل من تونس

- نريد يا مولانا أن نتذكر لنا الأسرة وبدايتها في باقور أو قبل باقور . وكأنما عاد النيل ليبدأ من منبعه في رحلته عبر التاريخ فقه هدأ الشيخ حديثه ثم قال :

- كان والدي يذكرني دائما بأننا وافدون على مصر من المغرب العربي ومن تونس بالذات من بلدة اسمها " سوسه" .. وكان أهل المغرب العربي على استمرار صورة المتصوف الذي يقود حلقة الذكر ويعنيه في المنزلة الأولي أن يكون أولاده من الذين يأخذون العهود عن مشايخ الطرق في ذلك الوقت كان هناك شيخ مقدور اسمه الشيخ محمد حامد وكان من أفضل مشايخ الطرق علما وأدبا وشكلا وكان من تلاميذه ومريديه الدكتور على باشا إبراهيم فهو زميل والدي في الطريقة الخلوتية,وذات يوم قال لى :" نعطيك عهدا " فلم أملك شيئا أقوله وكانوا يضعون الذي سيأخذ العهد في الوسط ويتحلق أهل الذكر من حوله وينشدون بأصوات طيبة ثم يذكرون اسم الله حوالي النصف ساعة وكأنهم يريدون بذلك إغراقه في مشاعر وأحاسيس جديدة وعلى ذلك مع الأسف الشديد كان في كل قرية جهلة أضفي عليهم التصوف معني من القداسة والاستماع لقولهم من الرأي العام ومن هؤلاء رجل يذكرون عنه معني من القداسة والاستماع لقولهم من الرأي العام ومن هؤلاء رجل يذكرون عنه وأصل ولسوء الحظ كان قريبا لى وأنبأني أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كان يحلق شعره تماما .. وقال لى إن أردت أن تقتدي برسول الله صلوات الله عليه فاحلق رأسك ..

- كم كان عمرك ؟

- عشر سنوات

- ودراستك؟

- الكتاب وكنت قد حفظت جزء عمر وكان القرآن قديما يحفظ من آخره حتى أوله بدأ من سورة قل أعوذ برب الفلق .

- وأردت أن نأخذ رأيا تربويا من عالم جليل :

- لنا وقفة ... ما رأيكم في هذه الطريقة في تعليم الدين والقرآن الكريم ؟

- قال بتمن:

- ياليتنا نعود إليها !

- أنهم يختارون أجزاء من السور الكبيرة ولكن لقصار السور موسيقي وجمل تغري الصغار بالحفظ .

- قال بسرعة وهو سعيد برأيه :

- تماما .. إن لها موسيقي وتعود الأولاد على نطق الكلمات العربية نطقا صحيحا ..

- نكمل باقي صورة الأسرة !

- كان والدي كما قلت واحدا من المتصوفين وكان أبوه الشيخ أحمد عبد القادر وجده الشيخ عبد القادر بدوى كان يزعم – وكل مسلم أمين على نسبه – كان يزعم دائما أنه رضي الله عنه ينتسب إلى آل البيت عن طريق الحسن بن على من فاطمة الزهراء .. ولما جاء إلى مصر حاول أن يختار زوجة تكافئه في نسبه .

هل نزل على باقور مباشرة ؟

- لا .. نزل في بلد اسمها دوينة .. وهي في صعيد مصر على الجبل في منطقة أسيوط ثم تحول إلى بلد اسمها " باقور " وهو اسم فرعوني قديم كما أنبأني الأستاذ حسن صبحي .. وكان جدي عالما من الأندلس ثم طرد إلى المغرب ثم نزحوا إلى مصر ..

جده يتزوج

وحينما جاء الشيخ عبد القادر بدوي وأراد الزواج زوجته من بلدة في صعيد مصر أيضا تقع أمام نزلة الشرفاء واسمها " مشط " وهناك وجد حسينية اسمها " أم على " .

وقطع شريط الذكريات وضحك ثم قال :

- هل تتصورين يا نعم أنني وأنا وزير وزارة الأوقاف جاءني رجل وقال لى لقد حضرت لأعطيك ميراثك في أخوالك وجاء " بملجوطة" .. أو ملقوطه أى قفة صغيرة جدا وبها بعض التمر وقال هذا هو ميراثك من طرح نخلة أنت وارثها ..

وكلما قفز الحديث إلى زمان غير الزمان ألححت في العودة حتى نصل إلى جذور الشيخ ونعود لأسباب الثورة التي نمت تحت العمامة ..

- نعود لصباك صغيرا بعد أن تحلقوا من حولك وذكروا اسم الله حتى نأخذ العهد..

- وأمسك بالخيط سريعا .. سعيدا بالعودة للجذور وقال

- أخذت هذا العهد .. عهد الطريقة الخلوتية التي كان أبي من أتباعها

- هل ما زالت موجودة ؟

- نعم ما زالت موجودة .. لأن الأسرة موجودة واسمها عائلة الزيكي. ومن هو شيخهم الآن ..؟

- على ما أظن الشيخ محمد أحمد حامد .. وكان شيخي هو الشيخ محمد حامد ويقولون أنه مات في الحجاز أمام قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم .

- ومن الطرائف التي رماني بها الجهل الذي يسبغ عليه لون من القداسة أن الرجل الذي أقنعني بأن حلق شعر الرأس سنة وشريعة إسلامية قال لي: لو كنت تريد أن تكون موصولا ومن أهل الشورى تحت رياسة السيدة زينب رضي الله عنها لابد أن يكون فيك قوي روحية . وكنت مستعدا في ذلك الوقت أن أفعل أى شئ وزعم لى الرجل أن أقرب طريق للوصول إلى الله أن أتلمس قبرا دفن فيه ميت حديث وأن أبيت معه .. وسرت قشعريرة في بدني وخرج الخوف في جملة :

- هذا صعب جدا.

- قال وكأنه يتمثل ما حدث :

إنه في غاية الصعوبة .. إن هذا الحادث كلما تذكرته في بعض الليالي وتمثلت كيف ووجهت بهذه التجربة فإني أظل مستيقظا حتى الصباح ..

وأكمل الحكاية وكأنه صوت يأتي من أعماق الخوف : كنت في هذه الأيام أصوم رمضان وأصلي وأقرأ ورد السحر وانتهزت فرصة بعد ذلك وكانت بلدتنا تقع شرق النيل والمقابر كعادة أهل الصعيد غرب النيل وان لابد أن أنتهز فرصة يوم الخميس وليلة الجمعة وعبرت إلى غرب النيل أبحث عن قبر حديث الدفن لأنام فيه ووجدته فعلا ودخلت ولكن أطوافا من الخيال جعلتني في تلك الليلة أعيش م إنسان يحدثني وأحدثه .. وبعد فترة قصيرة فتحت عيني ووجدتني في عيادة طبيب في أسيوط اسمه عبد الفتاح لأنني صرخت متوالية أزعجت الناس فهبوا إلى وظنوا أنني جئت إما لأخذ شيئا من البيت أو أني مجنون وعلى ذلك لابد من فحصي جيدا .

وأنا أحكي هذه الحادثة لأنني خرجت منها في غيبة كاملة من الوعي وهي حادثة أسوقها للناس أصحاب الأولاد حتى لا يسلموا قياد أولادهم لغير أمناء على التربية الصحيحة .. والولد في هذه السن كون متفتحا ويبلغ أقص ما يتطلبه منه الدين لو قضي ما تطلبه منه الدنيا فالإنسان في سن الثانية عشرة أو الثالثة عشرة يكون حريصا أشد الحرص على أن يبلغ الغايات التي تكاد خالا أو هي أقرب إلى الخيال من الحقيقة .. إن هذه الحادثة لا أستطيع أن أنساها ويقولون إن كل من خرج من العهد لابد أن يصاب أو يعاقب في حياته أو جسمه بأية مصيبة .

ولابد أن يعي الناس جيدا بحيث لا يسلمون زمام أولادهم لمن لا يفهمون وكان هذا المعني أصعب المعاني التي مرت بي في حياتي .

وأحسست أن صاحبنا كان هنا في مفترق طرق بدأ من هذا المنطلق يفكر في التحرر من هذه الأفكار وأن يثور عليها ..

كيف تخلصت من هذه الأمور .. كيف استطاع عقلك الصغير أن يتحرر منها ؟

ابتعدت عن هذا الشيخ .. وأصبحت أكثر قربا من أبي وكان منقذي أيضا معهد أسيوط الديني الذي أنشئ في ذلك الحين وقالوا إن يحفظ القرآن أو جزاء منه يستطيع أن يدخله المعهد .. وحرص أبي رحمه الله عليه أن يلحقني بالمعهد :

أردت أن يوضع حوارنا في شكل وثائقي فقلت أعترض مجري الحديث :

- أريد أن أعرف كم كان عمرك تماما في ذلك الوقت ؟

- قال :

- ولدت في 26 مايو عام 1909 ولكن هناك واقعة طريفة ترتبط بمولدي وهي تعطي فكرة عن حال الناس في ذلك الحين .. فقد ولد لى أخ قبلي بعامين في مايو عام 1907 وأصيب بالجدري ومات . وبعد عامين رزقت أمي بمولود هو أنا وقالوا ليس هناك داع للتسجيل ولدينا شهادة ميلا د وعلى هذا أعطوني عامين زيادة فوق عمري وكان السجل قد كتب أحمد حسن حمد ونحن ليس في جدودنا حمد فقد نسي الرجل حرف الألف وتركناها كما هي ولكن حينما جئت إلى القاهرة ودخلت الأزهر وأخذت شهادة التخصص أحببت أن أصحح الخطأ فكتبت إلى الدفتر خان في أسيوط وكتبت هكذا :" أحمد حسن الباقوري" ابن الشيخ عبد القادر بدوي وبعثت لهم بخطابي .. كان هذا عام 1934 .. هل تتصورين أنه جاءني الرد بتصحيح الاسم الأصلي وأنا وزير للأوقاف عام 1955..

- ما شاء الله بعد 21 سنة.. بلغ الخطاب سن الرشد !!

- تماما .. وجدت إشعارا وصلني وقالوا لا داعي لعملها نكتة وتنشرها في الجرائد .. ولم أنشرها أنا إلا هذه الأيام أى بعد 28 عاما ..

- هذه القصة المضحكة تعادل ماعانيته في المقرة من خوف .. هذه هي التعادليات أن يعادل الشر الخير والمضحك المحزن .. ذكرت لكم النوم في القبر ثم ذكرت إلى جانبها هذه الصورة..

وبشكل وثائقي أيضا تعمدت هذا السؤال .

- من كان مثلك الأعلى في تلك الفترة المبكرة ؟

قال ما زال يعيش نفس القدوة :

- سيدنا رسول الله صلوات الله عليه كانت قراءتي لورد السحر وسيرة ر سول الله غسلت قلبي عما عداه .. ومسحت تلك الصورة السيئة التى أخذتها من ذلك المتصوف المشعوذ التي ما كان يجب أن أتعرف عليها .

وأردت أن أرسم صورة للمكان الذي عاشه تماما ونفس الحي الذي اشترك في تكوينه فسألته وأنا أعلم أنه خير من يصور الكلمات :

كيف كانت القرية المصرية في ذلك الحين ؟

قال كأبلغ ما يكون الوصف وكأنه رسام بالريشة وجعل يرسم صورة من الفن الواقعي النابض بالحياة :

- كانت قريتي مثل كل قرية ... كانت البقرة جزءا أساسيا مع الذين تتألف منهم الأسرة .. وما إن يجئ فصل الشتاء فينصب بوص في الخلاء ويأخذون الأسرة كلها إلى هذا البوص وخارجه تربط البقرة لترعي وتشرب ويحلب لبنها في الصباح الباكر ويصنعون منه القشدة والزبد والجبن .. كان هذا البوص يسمونه " الحماد " .. وكان السبب لخروجهم أن البقرة حينما تلد في البيت تفسد البيت ولهذا يخرجونها خارجه لاحتياجها إلى مكان فسيح تأكل البرسيم وتشرب الماء ويكون حولها مكان فسيح لفضلاتها .

كانت أمي توقظني قبل طلوع الفجر لألحق بالكتاب في القرية .

وقشعريرة تنتابني وأنا أتخيل حياة الخلاء في الشتاء .

- كيف كانت الحياة في " الحماد" ... قارسة البرد أم دافئة ؟

- قال بسرعة :

- لا .. برد طبعا كيف يكون الخلاء دافئا ؟... كنا نحاول أن نستعين بالنار على البرد فكنا نوقد " الكانون لنطهي عليه الطعام .. وهناك صورة لقسوة الطبيعة فكنا في الصباح حينما نمشي على البرسيم وقد بلله الندي كأننا نمشي على نار ذلك لأن البرودة إذا اشتدت تنقلب إلى نار .. طبعا المفروض أننا كنا نستخدم الحذاء ولكن هذا كان تجاوزا ..

وصورة من صور الحنان لجدتي العجوز .. فقد كنت آخذ البقرة لأفطرها البرسيم وحينما أعود جدتي قد أعدت لى إناء الحليب وقد وضعت معه الخبز المفتوت وكنت آكله لذيذا جدا ثم أتوكل على الله وأهذب إلى الكتاب .

وتعجبت للأم التي لا تعرف سحر الكلمة المكتوبة ... وكيف يطاوعها قلبها أن يصحو صغيرها في الفجر ليتعلم شيئا لا تعرفه ..

- وسألته : كيف كانت الأم في القرية تكبت كل حنانها من أجل تعلم الصغير وت خرجك في هذا البرد القارس ؟..

قال وكأنه يقيم الأم المصرية في تلك الفترة :

- نعم كانت تفعل الأم المستحيل في سبيل تعلم أولادها .. لقد كانوا يلقنونها أن الزمان كلما مشي على الولد . أصبح رجلا قويا بعد ذلك ..

المهم أن يحتمل الشدائد وكان التعليم جديدا والتعليم الديني منتهي أمل الناس في القرية ..

- ومع بداية عامة الحادي عشر .. كانت قدماه الصغيرتان قد عرفتا طريق الشوارع المرصوفة في مدينة أسيوط وكان قد عرف طريقه إلى المطاعم ليأكل الفول والخبز الذي يأكله أهل المدينة ويودع " البتاو"

- كيف كانت حياتك في أسيوط ؟

- قدمتها مع أبي لألتحق بمعهد أسيوط الديني في نهاية سنة 1919

- أحسست أن البندر شئ والريف شئ آخر .. الريف ليس فيه إلا التراب فطمي النيل يتحول إلى تراب إذا ثارت عواصف تجد التراب يملأ كل شئ فيك ..

- في البندر عربات تقودها الخيول و" عربجي " قاعد بمنظر لطيف والأرض مسفلتة وفي الصباح تقعد في دكان ومعك تعريفة تأكل رغيف وفول نابت .. شئ مختلف عن القرية تماما .. كنت أذهب إلى أسيوط يوم الجمعة وأظل بها طوال الأسبوع ثم أعود إلى القرية يوم الخميس وأبات للجمعة .. كنت أركب " الركوبة " الحمار من باقور حتى أسيوط وكانت المسافة في 5 ساعات أو 6 ساعات .. أحيانا كنت أمشي على قدمي .

- ومن الأحداث التي لا أنساها أبدا نتيجة التأخر والتخلف في القرية وعدم وجود الكهرباء والوعي الكافى .... أنه حدثت حادثة أتذكرها وكأنها وقعت بالأمس .. فقد مشيت ذات ليلة في الظلام وكانت أمي وضعت طفلا رضيعا وأنامته أسفل السلم على الأرض فإذا بي أمشي دون أن أشعر على بطن الرضيع .. ومات الصغير ..

وإذا كان هناك إنسانا يحس بجريمة قتل في حياته فأنا لدي هذا الإحساس وعن طريق هذه الحادثة هنا حقيقة علقت في ذهني صور من الإهمال وأن المسلمين مرت بهم من العصور ما تعتبر كلمة ظلام لا تصور الحقيقة بل أقل منها بكثير ..

فهي ظلام وفقر ومرض ..

كل هذا حينما يجتمع على شعب فلابد من تآكله كل هذا كان له أكبر الثر في حياتي بعد ذلك .

فكل خطوة خطوتها كان لهذا الحياة الاجتماعية أثر في تصرفاتي .. هذه الصور هي التي أذكرها جيدا من طفولتي ..

وكان الربط وثيقا بين معطيات الثائر بعد ذلك ومعاناته في الصغر وهي معاناة جيل كامل .. استمر يسرد مبررات ثورتها بل أسباب تحريضه على الثورة..

أذكر مرة أنني خرجت ألعب – وكان أبي وأمي يمنعاننا من اللعب – ذات يوم كنت ألعب نطة الانجليز – وكنت خفيف الحركة فسبقت صغيرا ممتلئ الجسم فاغتاظ أبوه وأخذ حفنة من تراب وألقاها في وجهي وامتلأت عيناى بالتراب وأصبت بالرمد الصديدي وبقيت في حجرة مظلمة مغلقة لا أري نورا لمدة خمسة عشر يوما .. وهنا تضاعفت في نفسي معاني الخلوة الفطرية التي يضيق الناس بها ومن هنا كنت من اقرب الناس دفاعا عن الوحدات الصحية التي فكرت فيها ثورة يوليو في القرية .

- من هذه المحنة تولد عندك الاهتمام بالمستشفيات؟

- كان لهذه القصة فعلا أثر في نفسي .. فقد تمنيت أن تكون هنا مستشفيات في القرية يفيد منها الفقير والغني أو الفقير قبل الغني ...

- يعني ثورة !

- وكن هذا هو أول عمل عملته بعد أن توليت وزارة الأوقاف فقد زرت مستشفي قاتباى الموجودة في بيت القاضي وكنت دائما أساعدهم لتحقيق الخدمات حتى أنني كنت أحيانا أخرج على النظام للمستشفيات وكنت في مجلس الأوقاف الأعلى وأنا رئيسه وأعضاؤه هم وزراء المالية والصحة ووزير التعليم كنت أخرج عن الميزانية وأعطي للذين يعملون فالمستشفيات مكافأة وكانت هذه تحرج بعض الوزراء ومنهم وزير الصحة وهو أخ عزيز لدي هو الدكتور نور الدين طراف فكان يقول لى :

- إذا كنت أنت حتعمل كده .. إحنا حنعمل إيه ؟... إحنا مقيدين بالميزانية يا شيخ أحمد ..

- هذه كانت من أحلام الطفولة التي حققتها وأنا فعلا وددت أن يكون لكل مواطن قدر على أن عيش في حياة هادئة .. مشروع الحفاء أيضا عملت فيه وزارة الأوقاف شأنا كبيرا ..

المعني الذي أخذته من التصوف الرفق بالناس كذلك من معاني الإسلام " أكرموا عزيز قوم ذلك "..

وتركته يسترسل وقد أحسست أن قطع حبل الحديث يقلل من التدفق :

بعد مصادرة أموال الأسرة المالكة , وكانت هناك أميرات يكدن لا يجدن القوت الضروري وأشهد أنني كنت أخرج لهن جزءا مضمونا من الأوقاف .

- بعد ثورة يوليو زاد إيمانك بحكمة الإسلام " أكرموا عزيز قوم ذل".. كيف والثورة عليهم ..؟

- قال يؤكد ما فعل غير هياب إلا من الله سبحانه وتعالي :

- هذه الحقيقة الحرص على المعاني الوطنية والعصبية الأسرية ضد القانون كنت أمقتها كنت أريد أن أستبدل بالعصبية الأسرية عصبية القانون .ز أنا ضد العصبية لأى شئ ..

- بلدنا .. قريتنا كان بها عدد كبير جدا من الأقباط وكان بيتنا في موقع المسيحين ... وكنا ننادي المسيحيين بياعمي وكانت لها صديقة عزيز جدا إسمها دميانة ولأني كنت أنادي جدتي " بستي عزيزة " كنت أنادي صديقتها ( بستي دميانة ) وكانت تضعني في مكانة هامة عندها ..

- هذه هى الوحدة الوطنية الحقيقة!

واسترسل الباقوري :

أنا اذكر من ستي دميانة شدة برها بي في طعامي وفي منامي ..أذكر جيدا أنها كانت قدمي الباردتين في الشتاء بين قدميها لتدفئتي ..أنا أذكر ستي دميانة مثل ما أذكر ستي عزيزة بالخير دائما ..

ولا يمكن أن يكون كل ما قال عن أسيوط هو كل ما نريد فقلت أسترجعه:

- هل يمكن أن نعود إلى حياتك في أسيوط ؟

- وعاد الرسام الفنان يرسم صورة دقيقة لحياة الطالب القروي في المدينة :

- حياتي في أسيوط كانت مثل كل طلاب مصر حين يفدون إلى المدن لطلب العلم .. كنا نسكن حجرة أنا وزملائي الطلاب .. كانت هي الحمام وحجرة الجلوس والمكتب في آن واحد .. كان سريرنا هو " جحش " من الحديد أى قطعة من الحديد هنا وأخري من الحديد هناك وعليهما ألواح من الخشب .. هذا من حيث السكن والعيش .. أنا الأحوال السياسية فقد كانت حركة الوفد قد بدأت وبدأت الاعتقالات في عام 1921 بعد الإفراج عن سعد باشا وكانوا قد أخبرونا عن أحوال ثورة 1919 في أسيوط حيث أنهم كسروا متجرا أجنبيا كبير اسمه بنك شتاين ويقال أن من كثرة العطور التي كسرت فيه رائحة المكان نفاذة جدا ويكاد يغمي على الشخص الذي يمر من شدة العطور .

- وبعد أن ألف سعد باشا الوزارة كان أصغر وزرائها هو وزير الأوقاف محمد نجيب الغرابلي باشا وأنا اذكر جيدا هذا الرجل لأنه جاء إلى أسيوط مع وفد بالنيابة عن سعد ودعينا لنحضر حفل تكريمه وجاء بقصيدة مطبوعة جاء في مطلعها .

قل لقوم في هواها أدعياء .......... أنتمو الأرض وزغلول السماء

وعن الوحدة الوطنية قال :

موسوي عيسوي مسلم

كلهم في النهضة الكبري سواء

سائلوا المدفع بين الشهداء ؟

وإذا كان الثائر قد ثار على ما حوله في القرية فكيف الحال به طالبا متأثرا بما في الكتب .. هل يظل معتمدا على المعهد فقط ... وبحثت عن أرضه الجديدة ..

- ما هي الروافد الثقافية الأخرى التي اشتركت في تكوينك بعد الاستزادة من القرآن الكريم وكتب الشريعة والتفاسير ؟

- قال وهو يبرر الإنسان كمصدر من مصادر الثقافة :

- كان لدينا أساتذة يدرسون لنا الأدب العربي ومنهم الشعراء وأعظم ما فيهم أنهم كانوا يدعوننا لمناقشاتهم .. كان منهم الشيخ عبد الرحيم العدوي رحمه الله عليه .. كان دائما يقول الشعر ..

- من هو شيخ معهد أسيوط الديني في ذلك الحين ؟

- كان الشيخ إبراهيم الجبالي أول شيخ لمعهد أسيوط الديني وجاء من بعده الشيخ الأحمدي الظاهري – الشيخ إبراهيم الجبالي كانت فيه أناقة وهيبة كان وحريصا على العلم وكان في ذلك الوقت يأتي إلينا مفتش اسمه الشيخ صادق عزام وكنا نجلس في ذلك الوقت على الأرض ويأتي الشيخ المفتش ويكتب ملاحظاته ويطلب كراسات الإنشاء ليقرأها ملاحظاته أيضا ..

- أما الذي اثر في تماما فهو أستاذنا الشيخ عبد اللطيف .. وأستاذنا الشيخ عبد الجليل عيسى اللذان نقلا إلى أسيوط معاقبين من الأزهر .. كان كل منهما يحثنا على قراءة جريدة الأخبار التي كان يصدرها أمين الرافعي واذكر من كتابها كاتبا اسمه محمد على حسن كان يكتب كلمة المجلة وكنا أيضا نقرأ الكشكول وبه دائرة المعارف الوفدية ويضع كلمات تأخذ طابع الإضحاك .. وفي هذه الثناء أرضا قرأنا العبرات والنظرات للمنفلوطي وقرأنا أيضا ترجمات احمد حسن الزيات رحمة الله عليه وهي الأم فيرتر وروفاييل وهما من أمتع ما يمكن أن يقرأ .. وكنا نقرأ ونبكي من أجل البطلة التي تقع في مأزق .. وكانت روح الجماعة تسيطر علينا في ذلك الحين فكان يقرأ أحدنا والباقي يستمعون إليه .

وإذا غابت عنا كلمة يسأل بعضنا البعض .. وإن لم نعرف نسأل الشيخ ثم ننتفع بهذا بعد ذلك في مواضيع الإنشاء .

ثم اتجهت بعد ذلك اتجاها أدبيا ثم استغرقنا في الشعراء القدامي . - من الشعراء القدامي كان يستفزك فتقرأ له وتشعر أن يختطف اهتمامك أكثر من باقي الشعراء ؟

قال وهو يعرض حبه الأول للشعر الذي ظل يلامه حتى الآن :

- كنت أحب المعلقات السبع وحفظتها وأنا طالب ثانوي في معهد أسيوط الديني ولم يتجاوز عمري حين ذاك السابعة عشر ... ,من هنا بدأت تتكون في ذاكرتي حفظ الشعر .. ثم غذاني شعر أحمد شوقي وجميل صدقي الزهاوي العراقي وكنا نغرق في السياسة الأسبوعية التي كان يرأس تحريرها محمد حسين هيكل . فبدأنا إذن بعد وفاة سعد .

- كان لا يمكن أن أترك وفاة سعد دون أن أسأل وأعرف .. فإن وفاة سعد زغلول تركت بصمتها واضحة في كل شباب مصر في ذلك الحين وسجلها نجيب محفوظ في ثلاثيته أحدثت تصدعا في بناء الرواية وبناء بعض شخصياته فكان لابد أن أعترض لنهر حتى ولو فاض على الجانبين – أقصد نهر الكلام لصاحبنا أبو الكلام ..

- لنا وقفة عند وفاة سعد زغلول .. كيف كانت أسيوط حينما توفي سعد زغلول ؟

الحوار الثاني: هو وحسن البنا وثورة الأزهر

قلت وكأنني أمسك بالكاميرا " وأهم بالضغط عليها لأنقل صورة مادية تصور حالة وجدانية للشيخ وهو شبا يستقبل خبرا كون نهرا دراميا لا ينساه شباب مصر الذين عاشوا ثورة 19.

أردت أن أستعيد بأثر رجعي تأثر الشاب اليافع الثائر في غلاف من الدين الحنيف .. أردت أن أري على قسمات وجهه مستقبلا من عقله ما حدث يوم وفاة سعد زغلول فكان هذا الوصول .

كيف كانت أسيوط حينما توفي سعد زغلول ؟

أحسسن به يتمهل الحديث ويبدأه وكأنه مصاحب بنشيد بلادي بلادي لك حبي وفؤادي .. قال وكأنه يصف جنازة سعد زغلول في قلوب أهل أسيوط .

- حينما توفي سعد زغلول كانت أسيوط تموج بالوفديين وكان أهل أسيوط قد تحدد موقفهم تماما حينما تقاتل الوفديون مع الأحرار الدستوريين في قرية " الحواتكة " مع آل محفوظ باشا ... والأسايطة كانوا وفديين .. فكانت كفة الوفد دائما راجحة هناك.. وكانت وفاة سعد كأنها مصيبة خاصة لأهل أسيوط . ولأنه كان زعيما بلا منازع يمتد حبه في ربوع القري وبين المدائن فقد بكت أسيوط كلها ريفا ومدنا .

- ولأننا نعتبر القطوف توثيقا لتاريخ الشيخ فقد كان لابد أن أسأله :

- ماذا كان يمثل سعد زغلول بالنسبة لك في ذلك الحين ؟

- قال بلا تردد وبسرعة :

- كنت أحبه وأحب من حوله .. وكانت وطنية سعد مثالا للوطنية .

- وحفظ الناس في أسيوط قول نجيب الغرابلي باشا حينما جاء إلى أسيوط بالنيابة عن سعد وصحبه :

- قل لقوم في هواها أدعياء .......... أنتمو الأرض وزغلول سماء

- وهذه تعني أن حب سعد لمصر يفوق كل حب أى وطني لها .. وكنا نحب سعد رغم محاول بعض الشيوخ الذين كانوا يكرهون الوفد أن يلقنوا الشباب أخبارا تشكك في سعد ولكننا نتتبع ما يفعل الرجل ولا نستمع لأقوال الخصوم ..

- وبدأت الثورة في عقل الشيخ الصغير ثورة بالكلمة فبدأ يكتب الشعر وبرع في الارتجال ثم الإلقاء وكانت طريقته مميزة في إلقاء الشعر ويقول :

- وأذكر وأنا في بعثة الحج عام 1945 قابلت نجيب الغرابلي باشا وألقيت أمامه قصيدته التى قالها في سعد زغلول وفي الوحدة الوطنية .. وقال الرجل وهو يتعجب :

- أنا فعلا قلت هذه القصيدة وأنا صاحبها ولكني لم أكن أعرف كيف أنشدها كما سمعتها منك وظل يستزيدنا حتى جمع علينا الحجاج .

- كيف كان التنافس بينك وبين أستاذك الشيخ العدوي ؟

- قال وهو يبتسم ويستعيد حياة الفرسان في الشعر :

- كانت هناك مناسبة وطنية وكنا نعد قصائد لتحية القادمين وكتب شيخي قصيدة وكتبت أنا قصيدة فجاءني يسأل :

ماذا كتبت يا ولد ؟

قلت : لا ... لن أعطيها لك..

فقال : طب قوليّ آخر القصيدة .. بأى حرف تنهيها ؟

قلت : نون

قال : أما أنا فقد اخترت كاف ..

- ماذا تذكر من القصيدة ..؟

قال : أذكر بيتا واحدا منها :

غرض لهم يسعون في تحقيقه ........... من حب مصر ومن هوي السودان

واجتمع بعدها علماء المعهد وقالوا لو عندنا جائزة لأعطيناها لك وأطلقوا علىّ اسم شاعر الطلبة .

وأصبح على عاتقي منذ ذلك الحين أن أنشد القصائد في المناسبات الوطنية والأدبية وغيرها ..

ومن القصائد التى لا تنساها لنفسك وأنت شاعر الطلبة .. هل تذكر شيئا ؟

قال وكانه يمر على أشجار التاريخ فيقطف منها أغصانا:

- مرض أمين الرافعي وأردنا أن ندعوه بعد الشفاء لنلتقي به في أسيوط ولكنه مات فقررنا إقامة حفل لتأبينه وذهبنا إلى أساتذتنا نجمع منهم نقود لإقامة الحفل وكان منه شيخا شديد التقرب إلى الله ومن شدة ما كان يتقي ربه قال لنا :

- إذا كنتك تقرأون الجظاظيط فهذا حرام ..!

- ما هي الجظاظيط؟

- قال وهو يضحك

- هى الجازيت أى الجريدة وجمعها جزازيت ..

وأضاف الرجل

- إن في هذه الجظاظيط غيبة وفيها تهريج وفيها إيذاء المسلمين بما لا يقترفون فقراءتها حرام..

فسألناه ماذا نفعل لتأبين الرافعي ؟

فقال : اشتروا عجلا واذبحوه ووزعوا لحمه على الفقراء يرحمكم الله ويرحم الشيخ أمين الرافعي.. ولم يستحسن الشباب الفكرة لأننا كنا نحب المناسبات التي يكثر فيها الشعر والنثر والمناظرا وقلت في تأبين الرافعي وكانوا قد وضعوا صورة له فبدأت قصيدتي هكذا :

عزيز على من كان بالأمس مادحا
أمينا معافي أن يري اليوم راثيا
ولكن متي كان العزيز على الوري
عزيزا على الدهر الذي كان قاسيا
أمين ولم أعهدك من قبل صامتا
تنادي دون أن تجيب المناديا
قد كنت دون أن تجيب المناديا
قد كنت للشعب الأسيف أمانيا
فجندل عادي الموت تلك الأمانيا
وكانت بك الأيام غرا نواصعا
فلما تناءت .. إستحالت حياتيا

تشلني دائما قصة محو الأمية ولا أستطيع أن أواجه مسئولا بالثورة أو مسئولا بالفكر عن بلدي دون أن استفزه نحو محو الأمية وكانت اهتماماته الأدبية كلها موجهة ناحية الشعر السياسي تقريبا فسألته :

- هل بدأت نشاطك السياسيى في هذه الفترة ؟

لا .. كان كل نشاطي أدبيا فقط وكنا قد كونا جمعية الكتلة الأدبية ولو أننا نلتحم دائما بالمناسبات .

وقفز سؤالى المتعطش دوما إلى إجابة تنفيذية

- هل فكرتم في محو الأمية ؟

وكانت إجابته شيئا لم أحسه ولم يشعر به جيل الشيخ كله .. كانت إجابته نحو محو الاستعمار :

كنت أفكر دائما في تلك الآونة كيف نقوم الشعب ونوجهه باسم الدين نحو محاربة الاستعمار .

هذا يعني أن قضية التخلص من المستعمر كانت أهم من التخلص من الجهل !

- نعم .. وعلى هذا كنا نحاول أن نعد في كل مشروع نفعله أو شعر ندونه أن نتمرس فيه على إثارة العواطف ضد المستعمر .

وخلقتم الهواية الأدبية لتحريض الناس على كراهية الاستعمار ..

- هل كتبت القصيدة السياسية ؟

أنا لم أكتب شعرا كثيرا في ذلك الوقت لأن السياسة لم تكن تؤمن لنا في الاتساع في القول ..

أين كانت تصل طموحاتك في ذلك الحين ؟

كانت تصل طموحاتي للأزهر وخروج الانجليز وكان والدي رحمة الله عليه ركبه دين كثير لغرق الأرض التي زرعها في فيضان النيل .

- إذن كانت لك عدة طموحات .. أدبية للوصول إلى الأزهر .. سياسة طرد الانجليز وطموحات مادية وهي تسديد ديون أبيك ..

وكان كلما ذكر كلمة أبيه أحس بالحزن يغلف كلماته :

فقال  : كان أعظم دعاء لى " اللهم اقض عن والدي دينه وفك كربه واستر عيبه ".

- كيف كانت خطواتك لتحقيق هذه الطموحات وهي طموحات تحتاج لسن كبيرة ..؟

هدأ القول .. وبدأ يسترجع شجرته ليتأمل قطوفها الأولي منذ أكثر من نصف قرن :

جئنا إلى القاهرة عام 1929 يتلقفنا الذين يريدون الاستعانة بالشباب على الجانب السياسي .. ونحن كنا مدركين تماما لكل ما يعتري مصر من هموم اجتماعية وسياسية ..

بالنسبة لنجوم الأزهر من متهم تعلقت به طموحاتك سواء الأدبية أم السياسية ؟

قال وهو يعيش الكلام :

الذي كنا نجلس ونتحدث معه وننتفع به هو الشيخ دراز الذي عاد للأزهر بعد إبعاده للاشتراك في ثورة 19 لأنه كان متمردا على القصر ومحرضا للوطنيين لذلك نقلوه هو والشيخ عبد الجليل عيسى والشيخ مصطفي الغاياتي وكانوا قد أبعدوا إلى طنطا والإسكندرية وانضمت الموجتا من جديد وبدأت السياسة تأخذ شكلا آخر .. ينشط في الساحة كذلك الأحرار ومصر الفتاة التي كان فيها أحمد حسين وفتحي رضوان .

- وما هي الاتجاهات السياسية الأخرى التي بدأت تستعين بالشباب؟

كانت هناك الأحزاب القائمة وكان حزب الوفد هو حزب الأمة بلا ريب .. الأحرار الدستوريون كانوا في واقع الأمر طبقات أرفع من الوفديين .. الحزب الوطني كان أيضا له اتجاه يتغالي فيه يكاد يلحق في كل من ينتمون إليه ... واخترت أن أكون مع الإخوان المسلمين ..

ووقفت عند قوله هذا لنبدأ معه بداية التحاقه بالجماعة ومرشدها العام الشيخ حسن البنا والذي لاحظت طال سبعة وعشرين عاما عرفت فيها الشيخ الباقوري كان حسن البنا هو درة فكرة وحجة أقواله ومثار إعجاب دائم لا ينطفئ على لسان الشيخ .. وقال الشيخ وهو يحكي بدايته مع الإخوان المسلمين .

كنت ذات يوم أسير في شارع محمد على مع مجموعة من الأصدقاء فقال لنا قائل منهم لعله من الإخوان المسلمين .." هنا تلقي محاضرة في عمارة الشماشرجي وفيها رجل يتحدث حديثا طيبا عن الإسلام فهيا بنا نستمع إليه .. وسرنا معه إلى هناك وإذا بنا أمام رجل بهي الطلعة فصيح اللسان قادر على الاستشهاد بالقرآن قدرة عجيبة لم آلفها في كثير من الشيوخ الذين رأيتهم .. واستمعت إليه وإذا هذا الرجل هو الأستاذ حسن البنا ..

وبعد أن جلست معه وجدت فيه خاصة من خصائصه العجيبة فإنه يكاد يلمح في وجه الذين يريد أن ينتفع بهم خصائصهم النفسية فيبدأهم بالحديث .. واذكر في هذه الليلة أنه قال لي :

ما الذي أفدته من حديث ؟

فأجبته استفدت كلاما كثيرا ..

قال : أتستطيع أن تذكر كلمة عما استفدت ؟

قلت : إن الأرض تقاتل مع أهلها في دخول بني إسرائيل إلى بيت المقدس ..

قال : هذا دليل على أنك حاضر الذهن ..

ثم سألني : لو كنت تريد أن تعمل شيئا لوطنك .. ماذا يكون ذلك الشئ ..

قلت له : أفكر في أن تعلم ..

قال : هذا طريق طويل .. وستيأس وأنت فيه وحدك لأنك لن تجد ظهرا .. وعندما يسير المرء ي طريق سيمله .. فلابد لكي تسير في هذا الطريق إلى نهايته أن يكون لك زملاء .. هناك زملاء في جماعة الإخوان المسلمين وغرضها طرد الأجانب من بلادنا وتربية الشعب تربية صحيحة ..

ووعدته بالعودة في المرة الثانية وكنت في ذلك الوقت أحب الشعر وألقي بالقصائد فأردت أن ألقي قصيدة أحيي فيها الشيخ حسن البنا وبدأت قصيدتي :

يا بنات الهديل دعن العويلا............إن فيها مضي وفاء جميلا

وحينما وصلت إلى اسمه " حسن" رفض الرجل أن أكمل وحينئذ أحسست عظمة الرجل واقتداءه بالرسول في قوله عن الله تعالي " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه "

إلى آخر الآيات .. وكان رحمه الله عليه ورضوانه .. إذا التقي بجماعة قام وأطفأ النور قليلا واستغفر الله وصلي على رسوله الكريم ثم يبايعونه على أنهم يعملون لله لصالح الإسلام والوطن وإنقاذه من براثن الاستعمار ..

قاطعت النهر المتدفق بالحماس :

إذن وجد مولانا طموحاته هنا في مواجهة الاستعمار وتخليص البلاد منه ..

قال الشيخ الباقوري :

- نعم .. كانت جماعة الإخوان المسلمين تستقطب كل راغب في الإصلاح وكل محب للقيم وكل محب للوطن بصدق أيضا .. وقد وضع المرشد العام للإخوان المسلمين الشيخ حسن البنا سندا للإصلاح في أمور ثلاثة أولها تغيير العرف ..

- كيف كان ذلك؟

- يعني مثلا كان يقول حسن البنا رحمه الله رضي عنه إن " الموضة " إذا قدم للإنسان خمور ليشربها فإنه لا يقول هذا حرام بل يقول مثلا صحتي لا تساعدني فنحن هنا نخطئ ويجب أن نقول بوضوح عن هذا حرام وإن ديننا لا يساعدنا ولا يسمح لنا أن نشرب الخمر .. سيداتنا مثلا يلبسن ملابس تكشف عن المفاتن وهذا عرف استقر بحيث لو وجدنا سيدة تستر نفسها تكون متخلفة .. تفسير العرف هنا أن يكون التخلف شرفا وأن يكون تعرية المفاتن عيبا ...

أما الأمر الثاني في سند الإصلاح فهو الطريق الدستوري وهو أن نعين الذين يصلحون لتمثيل الأمة دينا وخلقا وغيره على أن يكونوا أعضاء في مجلس النواب .

أما الأمر الثالث فهو طريق معروف وما كان يريد أن يوضح بكلمة ( ثورة ) لكنه يكني بكلمة الطريق الثالث معروف – والحدق يفهم – إذ كان لهم تشكيلات في الجيش والبوليس يعدها ليوم يجئ ويتولي الثورة ظاهرها تغيير العرف والطريق الدستوري ولذلك فإن كل الإخوان المسلمين الذين تعاونوا مع ثورة يوليو عند قيامها لم يخرجوا عن الإخوان ..

وأردت أن أستزيده عن شخصية المرشد للإخوان المسلمين فطرحت هذا السؤال :

هل أحسست بعبقرية ما في شخصية الرجل .. ولم تكن لغيره ؟

وقال كأنه يقرأ الفاتحة وببساطة شديدة :

- نعم... وكانت هذه العبقرية مردها أولا كان كلما أردنا أن نسهر كنا نلتقي في أى مسجد من المساجد وكان يظل يصلي ويقرأ القرآن ثم يشرح الآيات بشكل بسيط سلس وكان دائما يستشهد بآيات من القرآن الكريم وكان من إقدر الذين حفظوا القرآن واستشهدوا به في كل موطن يمكن أن يكون محتملا للاستشهاد كان لا يكاد يسقط منه حرف .. كان كذلك يؤاخى بين هذا وهذا ويحاول أن يلتزم في هذا بالرسول عندما آخي بين المسلمين والأنصار .. وكان حسن البنا لا يزامله أحد إلا ويراه يقرأ القرآن سواء مستقرا أم مسافرا وأحب ما تستطيعين أن تستمعي إليه قارئا .. لا أعلم إنسانا يؤثر على المؤتمين به في صلاة يتأثرون بمثل قراءة الشيخ حسن البنا .

- كانت عبقرية الرجل أيضا ترتكز على جماهيريته وإصراره على النزول إلى الناس في أقصي الصعيد وفي شمال الدلتا غير هياب بحرا وبرا سواء ركب دوابا أو سار على قدميه ..

- أين كنتم تقضون الصيف ؟

وجاءت الإجابة متوافقة تماما مع ما تصورت حال جهادهم فقد قال الشيخ وهو يزيح العمامة وكأنه يستوحيها الذكريات .

- كنا نرحل إلى أسوان .. وفي بلد اسمه " دراو" وبها أسرة عظيمة من الأشراف وكان في شرقها جبل كنا نرقي إليه ونسهر في الجبل نقرأ القرآن ويفسر لنا الشيخ حسن البنا الآيات ونصلي ثم ننام قليلا ونقوم لصلاة الفجر ..

- وهكذا انعقدت بيننا وبين أهل " دراو" أخوة ومودة كنا نزورهم وكانوا يزورونا ولا يزال لنا أصدقاء في أسوان وهم من أكبر الناس وأقدرهم على البر فيما يعودون بمناصرة الإسلام واحترام المسلمين ..

وأردت أركز على الشباب في سؤالي:

- أعلم لأن لشباب المسلمين أهمية خاصة في تكوين الجماعة .. كيف كان يوجه المرشد العام شباب الإخوان ؟

قال وكانه يعلن دستورا يؤمن به :

كان يوصيهم أولا وقبل كل شئ بالمودة بعضهم وبعض .. وكان في وصاياه لهم أن يعملوا على الاعتزاز بالقرآن وحفظه وتمثل نعمة الله عليهم في الانتقال من طور الجاهلية الذي كانوا فيه إلى طور الدعوة التي يريدون بها إصلاح المجتمع .

وكان في بعضهم نزعات غريبة حقيقية أذكر منهم أخا كريما اسمه أحمد رفعت وكان طالبا في كلية التجارة في ذلك الوقت لقد كان يمشي على قدميه مسافات طويلة ولا يركب الترام سواء ذاهبا أم عائدا ولما سألوه لم يفعل ذلك فقال :

- لأن هذه شركة غير مصرية فنحن لا يجب أن نعين الشركات الأجنبية لأنها تأخذ أموالنا وترد أمالنا في تربص بنا وتآمر علينا . وكانوا إذا أراد أحدهم أن يتقشف أكثر نام على الأرض ويطلبون تمرين أنفسهم على أن يخشوشنوا إيمانا بالحكمة يذكرونها وهي ... إخشوشنوا فإن النعمة لا تدوم.. وكان شباب الإخوان يذهبون إلى فلسطين ليقاوموا التآمر على بيت المقدس أحد القبلتين واستشهد منهم شباب هناك .

وهكذا استطعت بأسئلتي واستطاع هو بإجاباته .. استطاع كلانا أن يرسم صورة ما قبل الثورة للشاب الأزهري أحمد حسن الباقوري .. استطعنا أن نعرف روافده وطموحاته وتطلعاته للمستقبل واستطعنا أن نري رياح الثورة تحوم حوله ..

وهنا نحن معه في ثورته الأولي .... ثورة الأزهر ..

- كيف بدأت ثورة الأزهر ؟

قال وكأنه فلاح عني بالزرع وأرهق فيه وآن أوان الحصاد ..

- بدأت ثورة الأزهر حينما غضب الملك فؤاد على الأستاذ الشيخ المراغي وكلفه بأن يستقيل فاستقال .. والشيخ المراغي كان يأخذ طريقته عن الإمام محمد عبده والإمام محمد عبده كان الفرق بينه وبين جمال الدين الأفغاني كالفرق بين الطبيعة الجبلية في أفغانستان والطبيعة السهلية في وادي النيل .. هناك الغلظة والخشونة وهنا السماحة والبساطة ذلك هو الفرق بينهما ..

- وكان الشيخ المراغي يأخذ عن الشيخ محمد عبده تلك السماحة والبساطة .. الشيخ محمد عبده قتله القصر والشيخ المراغي يريد القصر أن يحرجه وتابعه بالمتاعب الكثيرة وأولها رفض القصر للإصلاح الذي جاء به الشيخ المراغي وعندما كنا في أسيوط ألفنا جمعية اسمها " جمعية إصلاح الأزهر ".

قاطعته لأؤكد التاريخ :

- إذن بدأت ثورة الأزهر في أسيوط .. بذورها كانت هناك ؟

- نعم وكان ذلك عام 1927 وكان معنا هناك أستاذنا الشيخ عبد اللطيف دراز وكانت له توجيهات أيضا في ذلك الحين ..

وحينما قبلت استقالة الشيخ المراغي التف كل الذين كانوا يريدون إصلاح الأزهر حول الشيخ المراغي وكان منهم الشيخ عبد الجليل عيسى , والشيخ محمود شلتوت , الشيخ حامد محيسن, والشيخ العدوي والشيخ عبد اللطيف دراز والشيخ الزنكلوني على رأس هؤلاء جميعا , وبدأت تكتلات ضد الأبراشي باشا وشيخ الأزهر الجديد أحمد الظواهري رضي الله عنه وكان رجلا تقيا صالحا .. هنا بدأت ثورة الأزهر وبدأ كذلك الشيخ الظواهرى عهده بملاحظة البعد النسبي بين العلماء والأزهر عن السياسة هنا أصدرت الجمعية الحرة التي كان على رأسها الشيخ الزنكلوني ومن أعضائها الشيخ دراز والشيخ حامد محيسن " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ".

كان صدقي باشا في ذلك الوقت هو أولي الأمر فقال الآخرون الذين في المعسكر الآخر إنكم لا تنتفعون بالقرآن عن الله تعالى يقول " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا " فالاقتصار بالأمر بطاعة الله وطاعة الرسول وأولي الأمر تشويه للآية مثال لا تقربوا الصلاة ولا يكمل الآية , وأنتم سكاري " بدأوا من هنا ثورتهم .. الشيخ الظواهري رحمه الله أحب أن يبتعد بالأزهر عن هذه التيارات .. أما نحن الطلبة فقد قمنا ندعو للإضراب وبدأ النحاس باشا رحمه الله عليه يحرض على الإضراب لأن هذا كان من مصلحته ليستعين بنا على صدقي باشا وجمعنا جميعا عنده .

في ذلك الوقت أحيا محمد محمود باشا قانونا قديما كان قد اتخذ من قبل وفيه أن من حرض على الإضراب يحاكم فحوكمنا أولا ثم فصلنا الإدارة مع العلماء الذين فصلوا وقد فصلهم الشيخ الظواهري بإشارة من الملك .

وقمنا بهذه الحركة ضد القصر في الحقيقة لتدخله في شئون الأزهر وهنا أخطا الشيخ الظواهري خطأ ما كان يجب أن يقع فيه ولكن الله أراد .. ذلك أن الشيخ الظواهري حدد الدخول في الكليات الأزهرية أى بدأ يعمل بنظام – الشيخ المراغي خارج الحلبة ونحن نريد عودته وكان هذا شعارنا ولما كنت زعيم الطلاب وخطيبهم وشاعرهم في ذلك الوقت فبدأنا ننظم خطبا تلقي في الأزهر وبدأ الناس يتوافدون على الأزهر الشريف ويجيئون إلينا ويستمعون لنا وبدأنا نحدد أيام الخطب ونحدد أيام الإضراب وجاء الوقت الذي عم فيه الإضراب وأصبح لا يوجد معهد واحد مفتوح لطلابه لا في القاهرة ولا في الأقاليم ووجدتني أردد وكأنني أسير مع الثوار :

- كله إضراب ... النار اشتعلت ..!

وأكمل الشيخ والحماس يضئ الكلمات :

- النار اشتعلت .. ودعانا النحاس باشا لمقابلته وكان رحمه الله رجلا طيبا وفيه بساطة .. وخطب فينا لنعود للدراسة لأن الأمور استفحلت ولابد أن ننتظم ثانيا في دراستنا .. وقال عليكم بالعودة إلى الدراسة يا طلاب الأزهر .. ثم أومأ إلى وقال :

- إنت .. إنت اسمك إيه .. إنت الولد اللى اسمه الباقوري ؟

- ثم أضاف رحمه الله ..

- أنت عامل زعيم ؟

قلت : لا أنا مش زعيم ولا حاجة.... أنا أخطب فيهم فقط !

قال تحتكموا لمن إذن ؟

قلت : نحن غير متعنتين !

قال : أنا أرجوا ألا تحرجوا الحكومة الصديقة يقصد حكومة نسيم باشا – أنا أقول لكم نصيحة وأنتم تقرروا العودة للدراسة أم لا .. قلنا يا رفعة الزعيم ابق النصيحة حتى نمهد عند الطلاب حتى إذا أمرت بالنصيحة حفظناها وإذا وجدت الجو المناسب تقبلها الطلاب وعادوا لدروسهم وبهذا تكون فيها كرامة للزعامة .

قال : إنتم حتلعبوا بي ؟

قلنا : لا

قال : هاتوا الولد زعلوك زعيم شباب الوفد .. وقولوا له قلدوا شباب الأزهر هذا هو الشباب فعلا ..

وأثناء المناقشة دخل الدكتور طه حسين فقال النحاس باشا :

هل ترضون الدكتور طه حسين حكما بيننا ؟

قلنا : طبعا نرتضي ..

فقال له : ما رأيك يا دكتور أنا أقول له نصيحة لكيلا يحرجوا الحكومة الصديقة ويعودوا بعدها للدراسة .

فقال نأخذ هدنة حتى نمهد للطلبة , حتى إذا ما قلت النصيحة التزموا بها .

فقال طه حسين رحمه الله وكان رجلا له أدب :

- والله يا باشا هؤلاء أدهشونا بحركتهم هذه المترابطة ...كل السائل التي تفرق عملت فيهم ولم يهن له عزم معها وأنا شخصيا معجب بهم وما كنت أظن أن يأتي يوم يفعل الأزهر هذه الثورة .

قال النحاس باشا :

- ما رأيك في اقتراحهم من اقتراحي ؟

- قال طه حسين :

- أنا لا أوافق يا باشا على قول هؤلاء الأولاد لنصيحة الزعيم كوني في الأدراج لتكون في الأدراج إذا قال الزعيم وجب عليهم أن يسمعوا وإلا لم يكن زعيما يكونوا هم متمردين على الزعامة , وعلى ذلك قال النحاس باشا :

- أين مأمون بيه الريدى ؟.. أنا سأقول خطبة وتنشر في الكوكب يقصد جريدة كوكب الشرق – على ثلاثة أعمدة أنتم يا طلاب الأزهر لا تحرجوا الحكومة الصديقة وأن تعودوا إلى الدراسة وأن تنقلوا هذا إلى إخوانكم في الإقليم حتى نكون راضين عنكم وعن سلوككم وتصرفاتكم وإلا كنتم للحركة الوطنية ولمصلحة مصر وعودة الدستور أعداء ولا يجب أن تكونوا هكذا.

وعدنا وعاد الشيخ المراغي.

ولم أحاول أن أقاطعه لأنه يروى تاريخا لأول ثورة قام بها مع زملائه وعليه تكون مهمة روايتها للأجيال ..

فاسترسل يقول :

والغريب أن الشيخ المراغي كان يعتبر متسامحا في الدين بالقياس إلى الشيخ الظواهري الذي كان يعتبر من المتشددين في الدين ومن ألطف الطرائف التي حدثت في ذلك الحين أن الشيخ الجبيلي رحمه الله أخبرني أنه حدثت قصة طريفة أثناء وجوده وكيلا لشئون مجلس الوزراء فقد جاء تليفون من أحد المسئولين في القصر يقول له :

- يا شيخ جبيلي مولانا يريد أن يكون شيخ الأزهر أرثوذوكسي .

- فقال الشيخ الجبيلي

- كيف؟!!

- فأكمل المتحدث :

- لكن بروتستانت لا .. " ويقصد بأرثوذوكسي أى متساهل ".. ويقصد هنا الأرثوذوكسي الشيخ الظواهري والبروتستانت الشيخ المراغي .

- وبمجرد أن حكي الشيخ الجبيلي هذه القصة انتشرت إشاعة في البلد أن الملك سيهدم الأزهر وسيجعل شيخه مسيحيا ولم يفهم الناس النكتة !

- وخطأ الشيخ الظواهري يرجع لإنشائه كلية للشريعة وأصول الدين ولكنه لم يبح الدخول لهذه الكلية إلا لفريق معين هم الذين يحصلون على نسبة معينة من المجموع والباقي لا يدخلون .

- هنا أصبح خريج الأزهر الذي ينال الثانوية بدرجة أقل لا يدخل هذه الكلية فأين يذهب هؤلاء ؟

- هنا انتهز الفرصة الذين يلعبون بالسياسة وقالوا إن الجامعة الأمريكية تريد أن تفتح فصلا تأخذ فيه الذين لا يدخلون الكليات الأزهرية .

- لم أستطع أن أمنع هذه العبارة :

- هذه لعبة استعمارية واضحة !

- طبعا .. وهنا ثارت الدنيا وخرج الناس جميعا يهتفون بسقوط الحكم وأنا ذهبت إلى مكتب زهير صبري مع المرحوم عبد الحميد الكريم بوصفه رئيس حركة طلاب الأزهر وسألته .

- ما رأيكم القانون في مظاهرة تخرج وهي تهتف :

" تسقط حاشية الملك ويحيا جلالة الملك "

هل يعاقبنا القانون ؟

وكان معه ثلاثة من المحامين فضحكم وقال لى :

- تعال يا ولد .. أنت اتعلمت فين .. في مدرسة إيه ؟

- قلت وأنا أضحك :

- في الكتاب بتشديد التاء ..

- قال :

- لا .. إنت جاى تستفتي في مسألة قانونية لا يعرفها إلا عبد العزيز فهمي باشا ..

- بتقول تهتف بسقوط الملك وفي نفس الوقت تهتف يحيا الملك ! .. أن تسقط حاشية الملك .. معناها يسقط الملك .. فاهم يا ولد ؟

- قلت :

- أيوه فاهم .

وكان الإضراب قد انتهي وجاء المراغي كما قلت ..

وجاءوا إلينا في سجن الاستئناف وأخرجونا الساعة التاسعة صباحا واجتمع مجلس الأزهر الأعلى وأعاد المفصولين إلى وظائفهم التي كانوا عليها .. عاد شلال الثوار يهدد من جديد ... عاد الشيخ عبد اللطيف دراز الشيخ شلتوت والشيخ الزنكلني وغيرهم .

الحوار الثالث: الثائر في بوتقة السياسة

فتح الشيخ أحمد حسن الباقوري صفحات ذكرياته .. ورحلة عمره .. من قريته في أسيوط إلى رحاب الأزهر .. رحلة ثائر تحت العمامة .. مزيج بين الفكر والسياسة والدين .. والرجل في ذكرياته يروي قطوف حياته من الجذور.. وبكل ما تحول من المواقف الإنسانية والثورية .. والروحية .

ونواصل ذكريات الباقوري التي يروي فيها جذور علاقته مع الإخوان المسلمين والمناخ السياسي والفكري الذي كان سائرا في تلك الفترة من تاريخ مصر والباقوري حين يتكلم فإنه يؤرخ لحقبة عاشها ثائرا ومفكرا وعالما دينيا القدمان الصغيرتان تحملان الشيخ الصغير المعمم من القرية في بطن أسيوط حيث باقور تعيش بداوتها .. ويمشي الشيخ أحمد إلى أسيوط حيث البندر ويحمل في قلبه أملا في التغيير .. ثورة حتى يعيش مجتمعا نظيفا فيه الرعاية الدائمة .. كان أبوه قد عني ببنائه في القرية فأسلمه لكتاب الشيخ عامر وفي أسيوط كان أول ما بدأ به معهد أسيوط الديني ... وتستمر طموحات الصغير يحملها بنفسه .. يهودي الأدب فيقرأ العربي ثم المترجم .. يقرض الشعر . يتباري مع أساتذته .. يحج إلى القاهرة ومعه ثورته ويلتحم بثورة الأزهر من أجل الإصلاح .

ويلتقي بالشيخ حسن البنا فيختار الإخوان المسلمين جماعة ينضم إليها ليحقق أحلامه وأحلام مصر .. يعيش في البوتقة التى تغلي دائما .. ويجرب الحج إلى السجون ثم يخرج يوم انتصار ثوار الأزهر ... وفي رمضان .. وكان سؤال الكل الصائمين والقائمين الركع السجود .. وعن الدين عند الباقوري.

وعيون الكتب تطل علينا والشيخ جلس في مكانه المعتاد بين خاصة أحبائه الكتب وألقيت إليه سؤالا بسيطا ولكن جعل الله لنا فيه من الفائدة ما نرجوه ومن الفهم ما نتمناه .

سؤالى بسيط يا سيدي ولكنه سؤال أزلي لكل من تمتع بالغوص في أعماق دينه مثلك .. ما هو الناتج يا سيدي لديك لحكمة الصوم بالممارسة منذ الطفولة حتى الآن ؟

قال بأسلوبه السهل الممتنع :

اكتسبت من صومي ما قرره المالكية في كتبهم .. أنه لا يسوغ لولي أمر طفل أن يصوم رمضان وهو لما يبلغ التكليف .

يقول لنا أهل المذاهب أن الطفل إذ صام أحب أن يظهر بوجهين... يظهر أمام أبويه أنه صائم ولكنه ينتهز الفرصة بينه وبين نفسه فيشرب إذا اشتدت به الحاجة إلى الماء ومن هنا قالوا يكره لولي أمر طفل أن يدعه يصوم لأنه كأنه يعينه على أن ينشأ منافقا ذا وجهين فيكره الطفل أن يصوم وبما أن الطفل غير مكلف فإن هذه الكراهية تتجه لأولياء أمره فعليهم أن يراقبوه وأن يقنعوه بكل وسيلة حتى لا يصوم وفرق بين الصلاة وبين الصيام إن الصلاة يؤمر بها لسبع ويضرب عليها لعشر أما الصيام فإنه يكره له قبل أن يكلفه أن يصوم .. الفرق بينهما أن الصيام شهوة أما الصلاة فإنها رياضة فمن حق الطفل على أبويه أن يروضاه على تربية أعضائه وتقوية جسمه لكن ف ينفس الوقت من حق الطفل على أبويه أن يجنباه كل موطن يظنان به أن ينشأ ذا وجهين وعلى ذلك هناك فرق بين الصلاة والصيام فإذا كان مكروها للطفل أن يصوم وهو صغير فإنه ليس مكروها – أن يصلي وهو صغير وذلك هو قضاء الله .

الصوم والصوفية

وأردت أن أتزيد بالتخصيص أكثر للصوم فسألته :

- ما هو موقع الصيام من المتصوف .. أو كيف يوصل الصيام إلى الصفاء ؟

- فقال مستمتعا ممتعا بما يقول :

- الإنسان روح .. غذاء الجسم الطعام والشراب وما إليه وغذاء الروح ضبط النفس , وتقوية الإرادة تكون كل الفضائل الإنسانية وعن طريق ضعف الإرادة تتشاكل الرذائل فأدني الناس إلى الفضيلة أقدرهم على أن يكون سيد نفسه . وأقربه إلى الرذيلة أن يكون الإنسان عبدا لنفسه .

ويسترسل الشيخ في شرح فلسفته ويملأ الحجرة جو الاستماع العميق:

والتصوف ليس دينا ولكنه منطقة شعور يكون الإنسان فيها أرق حسا منه إذا كان رجلا بطينا يملأ بطنه بالطعهام والشراب . إن الألم هو الذي يحدث دقة الحس . والشبع هو الذي يحدث البلادة في الجسم ومن هنا كان أسلافنا المتصوفة دائما حراصا على الجوع لأن الجوع هو سيد وسائل الترقية الحسية للإنسان وما كان أسلافنا ليدعوا الطعام والشراب يصرفهم عن عبادة الله تبارك وتعالي وكانوا يقولون إن ألإنسان إذا كثر طعامه كثر نومه ويكثر كسله عن أداء حقوق الله من الصلاة وما إليه . فهذا هو الذي أستطيع أن أقرره في هذا الموقف بما علمت من أسلافنا وبما رأيت في نفسي من تجربة أن الجوع هو سيد المعاني التي تدني الإنسان من حياة حسية رقيقة يصبح معها الإنسان حساسا يستطيع أن يدرك حاجات الناس وأن يتألم للفقير والمسكين والمحتاج . ومن هنا تجئ الحكمة من الصيام لا تعدو هذا المعني ولذلك حين قال الله تبارك وتعالي في آيات الصيام أن الله كتبه كما كتبه على أصحاب الديانات السابقة ختم هذه الآيات بحكمة الصيام " لعلكم تتقون " ومعلوم على اليقين أن التقوي كما عرفها أسلافنا ألا يراك الله حيث نهاك وألا يفتقدك الله حيث أمرك فالله تعالي إذا لم يرك حيث نهاك وإذا راك حيث أمرك فهذه هى التقوي وإذا كان لك قوة الإرادة أمام شهواتك فالقدرة على حكم النفس تدعو إلى الفضائل ومن هنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .." حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ".

- لا يجد الإنسان من قو يعبر به عن الإعجاب بأسلوبك في وصف الطريق إلى التقوي .. زدنا بأجمل ما قيل في الصوم .

قال وهو يضع يده على كتاب الله أمامه وبعض كتب الحديث الشريف :

- أنا لن أجد إطلاقا إلا كتاب الله تبارك وتعالي في هذه الآية " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون "... صدق الله العظيم .. ليس يعرف الناس وراء هاتين الكلمتين حكمة أوضح من هذا الإيجاز الدقيق المستوعب . فحكمة الصيام كلها تنظمها هاتان الكلمتان لعلكم تتقون – بعض الناس يقول إن لصيام يشعر الغني بقسوة الجوع فذلك يدفعه إلى العطف على الفقير فيبذل للفقير من ماله ما يمنعه مرارة الجوع وهذا قول مبلغ العلم أنه غير خليق بالاعتناق ذلك أنه إذا كانت حكمة الصوم أن يجد الغني قسوة الجوع فيعطف على الفقير فما هي الحكمة بالنسبة لصوم الفقير إذن ؟ مع أ،ه مكلف بالصيام ؟

وهذا التفكير إلى جانب ذلك فيه ارستقراطية الطبقات وهذا لا يليق وإنما الحكمة الجامعة والتى تنظم الغني والفقير على سواء هو أن الصيام يلد التقوي .

التقوي عند الغني تبعث على إسعاد المجتمع الذي يعيش فيه التقوي عند الفقير تبعث الفقير على السلوك الذي يسعد به المجتمع وكلما كانت العلة أشمل وكلما انتظمت الغني والفقير والمأمور والأمير كانت أحق بالاقتناع به عما يقول الآخرون من العطف على الفقراء وما إلى ذلك فهذا هو ما قاله الله وليس وراء ما قاله الله مقالة لقائل

وأردت ألا ينقطع ري النفوس بكلام الشيخ عن الدين وهو خير من يقول لك في يسر ما أمرك الله به وإذا كانت هناك عقول جيدة التوصيل للمعرفة الدينية فلا أحق بهذا القول من شيخنا ..

كيف تستطيع يا سيدي أن توصل جوهر الإسلام بيسر إلى الناس من خلالك ؟

قال الشيخ الباقوري:

- كل قول ليس له سند من كتاب الله أو من قول رسول الله أو من سلفه الصالح يجب أن يضرب به عرض الحائط لأن قول لا سند له ولهذا كان الحق الذي لا حق وراءه ولا حق خير منه أن نتلمس دائما ما يمكن أن يكون له سند في الإسلام سواء في كتاب الله أم في سنة رسول الله أو في سلوك أصحاب رسول الله وهم صورة مكررة منه جاء رسول الله رحمة للعالمين فبدأ دعوته أول ما بدأها إلى الحرية التي تعني أنه لا يليق بالإنسان الذي كرمه ربه أن يكون عبدا إلا لله وحده لا شريك له .. ولهذا جعل الإسلام أول أبواب الدخول إلى الإسلام الكلمة المغرقة في الدلالة على الحرية وهي لا إله إلا الله ومعني لا إله إلا الله أنه ليس هناك موجود في هذا الوجود يخضع المرء له ويذل بين يديه ويلجأ إليه في شدائده إلا الله رب العالمين وهذا القدر من الحرية هو قدر بلا ريب أقصي ما تبلغه حرية الأحرار . ولعل من خير صيغ الدعاء الذي كان يدعو به أسلافنا رحمة الله عليهم أجمعين " اللهم إنى أعوذ بك من الذل إلا لك أعوذ بك من الافتقار إلا إليك "... ولا ريب أن الذي يتدبر هاتين الجملتين لابد أن يري أن الذل لله عزة ولا عزة راءها وأن الافتقار إلى الله غني لا غني بعده .. وهذه هى الحقيقة الأولي ..

- والحقيقة الثانية أن الله خلق ورزق هو أغني الأغنياء عن الذل له والافتقار إليه والخضوع بين يديه وكل ما يكلفنا الله إذن أن يعطف بعضنا على بعض والتكافل في المجتمع الإسلامي لا يعرف الناس له صورة أخري في دنيا الناي ومن شاء أن ينظر فلينظر كيف كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يقول :

- " والله لو عثرت بغلة في العراق لرأيتني مسئولا عنها بين يدى الله لم لم أسوّ لها الطريق" .

في هذا يكون التكافل ليس تكافلا للإنسان بل التكافل الذي يشمل الرحمة فيه الحيوان نفسه .. سيدنا الشيخ أحمد إبراهيم رئيس قسم الشريعة في جامعة فؤاد الأول قبل أن تصبح جامعة القاهرة – يقول في كتابه النفقات :

" لو لجأت قطة عمياء إلى دار مسلم فليس له أن يطردها وعليه أن يقيتها حتى تسترد قدرتها على التماس الرزق ".

هذه صورة لا يعرف الناس لها مثيلا في أى تشريع آخر غير الشريعة الإسلامية وقائلها رجل ثقة في علمه وثقة في دينه وثقة في تفكيره . إذا رأى الإنسان مجتمعا متكاملا على هذه الصورة التي يرحم الإنسان فها الحيوان فماذا يريد وراء ذلك .. تري هذا هو كل ما أمر الله به عباده من ضبط أنفسهم وساسة هذه الأنفس على نحو يرضي المجتمع ويشيع السكينة فيه فإن ذلك خير من حق المجتمع علينا أن ننميه إلى جانب هذا أمر الله تعالي عباده ألا ييأسوا من فضله وذكرهم دائما أن الخطيئة في طبيعة الإنسان حتى أنه ليذكر في هذا الباب رسول الله فيقول " والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بآخرين يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم " إلى جانب هذا الحديث حديث آخر في نفس المعني يقول فيه رسول الله " والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لخشيت علكم ما هو أشد من الذنب " قالوا ما أشد من الذنب يا رسول الله ؟

قال " العجب بالنفس " .

قد تكون هفوة الإنسان التى هفاها طريقا إلى الخير .. فالذين يريدون لأى إنسان في المجتمع أن يكون إنسانا مجردا من الخطايا فإنما يريدون لهذا الإنسان أن يكون ملكا والله تعال خلق ثلاث أصناف :

صنفا هو الملائكة وصنفا آخر هو الحيوان وخلق صنفا ثالثا هو الإنسان وجعل الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون فهم مسخرون بالقوة الإلهية الروحانية للعكوف على عبادة الله , وجعل الحيوان خاضع لشهواته لأن شهوته هي التي تحميه وتقويه وتعينه على التصرف وجعل الإنسان سيد هذا الكون بكل ما فيه ومن فيه فإذا ما قهرت روحه غرائزه وإيمانه شهواته التحق بعالم الملائكة وإذا انقهرت روحياته أمام شهواته التحق بعالم الحيوان على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا " صدق الله العظيم. ذلك قل الله فجاء رسول الله وهو المبين عن الله يحدد هذه الحقيقة فيقول " إياكم والتغالي في الدين إن أحدكم إذا تغالي انقطع عن المجتمع الذي يعيش فيه " ثم ضرب مثلا فقال :

إذا اجتمع ناس في موقع وركبوا رواحلهم نوقا أو خيلا أو جمالا وحرص أحدهم على أن يسبق وجهد شديدا وأجهد دابته كذلك فما الذي يحدث ؟ الذي يحدث أن الدابة سوف يهلكها العطش سنتفق من التعب والجهد في الوقت نفسه لا يبلغ غايته أو لا يصل .. وإما أن يصل متأخرا وهذا هو الحديث النبوي الشريف الذي وصف فيه من أوتي جوامع الكلم قال صلوات الله عليه " إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق فإن المنبت الذي ينقطع عن الركب – أى الناس – بدابته لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقي " وهذا جل ما يمكن أن يصل به مصور بالفول .. هذه الحقيقة التي بينها رسول الله في هذا الحديث الشريف .. حديث لرسول الله ويرويه صاحب جامع الفضول من حديث السرول " إذا سمعت النداء والإناء على يدك فلا تضعه قبل أن تبلغ منه حاجتك " وهو حديث صحيح معناه أن الإنسان إذا وضع كوب ماء ليشربه ثم سمع أذان الفجر فليحذر بتحذير رسول الله أن يضع هذا الكوب قبل أن يشربه ولكنه والحكمة هنا ظاهرة رغم أن الرسول صلوات الله عليه وسلامه لم يذكرها ولكن نحن نستطيع أن نتدرج أنفسنا لنبلغ شيئا من الحكمة . ولنحسن الظن بعقولنا لندرك الحكمة الظاهرة فالذي يضع الإناء ونفسه في الماء سينام عطشانا ويحلم بالماء فيقوم في الصباح ويشتهي الماء ويتمثل كوب الماء وقد كان على يده ويأسف ويقول " ليتني شربت قبل أن أسمع النداء .. هذه الخواطر لا ريب في إنها إن لم تفسد الصوم فإنها سوف تنال شيئا من قوة الروحانية التي يبعثها الصوم في نفس المسلم .

وتدفق الشيخ وما كنت لأوقف التدفق حتى نرتوي من شرح السهل الممتنع فاسترسل قائلا :

- وبهذا المعني ينبغي أن نتناول دائما كل كلمة قالها رسول الله ففي كل كلمة قالها حكمة من حقه علينا أن ننظر فيها وأن نلتمس ما وراءها لنزداد ثقة بها والرسول موثوق به ولكن فرق بين الثقة نتيجة التجربة والثقة نتيجة الحب فنحن نريد أن نجمع إلى الثقة برسول الله عن الحب ثقة أخري تنشأ عن التجربة في البحث عن حكمة التشريع في كل أمر يأمر به وينهي عنه وخير يرشد إليه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ..

كانت عبقرية القرآن دائما في لغته بالإضافة إلى مما في مضمونه من شريعة وفقه وما إلى ذلك وحينما نزل القرآن على محمد كان شعراء العرب قد بلغوا مبلغا عظيما في اختيار اللفظ ونظم الكلمات ولكن القرآن كان مثار إدهاش للكفار قبل الذين أسلموا..وظلت معجزات القرآن تعيش حروفا من نور داخل القرآن الكريم وبين ثنايا آياته ولعل أكثرها إدهاشا للعقل سورة الإسراء . ولكن للشيخ الباقوري منذ فجر شبابه أسلوبا في التوصيل اشتهر به بين إخوانه وبين ناسه .. كان يقول القصيد شارحا معجزات القرآن ومن أجمل ما قال الشيخ الباقوري قصيدته التي يشرح فيها سهولة معجزة الإسراء والمعراج .

- أعلم أن لك قصيدة تشرح فيها معجزة الإسراء والمعراج ...متى قلتها وأين ؟

- وقال الشيخ الباقوري:

كان هناك احتفالا بليلة الإسراء والمعراج في مكان اجتماع الإخوان المسلمين في حارة عبد الله بك في المغربلين وفي حارة الوالي حسين في سوق السلاح ومكان آخر في درب الشماشرجي وكلها أماكن حول القلعة وهناك كان الشعراء والخطباء يتبارون في إلقاء الخطب وقصائد الشعر بهذه المناسبة الجليلة وكنت حينما أحضر أستمع جيدا وأتكلم جيدا أيضا وأحاول أن أقرب بين الدنيا والدين وأشرح الدين بالدنيا فقلت هذه القصيدة وأنا أشير إلى الفونوغراف الموجود بالمكان :

هذا الحديد يغني صادحا غردا
لا يخطي اللحن ما حاكي المغنينا
كأنه بين آهات يرددها
صب يبثك ما يشجيه تلحينا
سل عصبة إن النبي سري
وأم بالمسجد الأقصي النبيينا
أينطقون حديدا لا حياة به
فيملأ الأفق إفصاحا وتبينا
ويستلقون فوق السحب طائرة
تسابق الريح جريا في موانينا
ويصبحون ومصر عش طائرهم
ويظهرون بروما أو بأثينا
ويعجز الله أن يسري محمده
في لمحة الطرف ما اغبي الممارينا

وكنت في هذا الوقت طالبا في قسم التخصص في جامعة الأزهر.

وأمسكت خيطا هاما وقلت للشيخ

ماذا كان رجع الصدي في الموجودين لهذه القصيدة وكلهم من الذين يجاهدون في سبيل الله ويدعون للإصلاح ؟

قال الشيخ الباقوري :

لديك كل الحق في هذا السؤال فإنني بعد أن قلت هذه القصيدة قام رجل من الموجودين ونثرها نثرا وكان هذا الرجل هو الشيخ عبد الآخر أبو زيد وكان رجلا طيبا ذكيا متأملا فيما حوله فسألني بعد ذلك عن نفسي فقلت له إنني طالب أزهري فقال : وهل يرضيك ما نري من منكرات في هذا البلد ؟ سواء في الحياة الاجتماعية والحياة السياسية الحزبية ..

قال : ماذا تريد أن تفعل ؟

قلت : والله يا سيدي أنا متحير لست أعرف شيئا ..

فقال لى : أفتري أن نتعاون وأن يلتقي أحدنا بالآخر كلما كان عندك وقت تعال إلى إما أن نتكلم وإما نستمع ونحن لا نريد أن نزج بأنفسنا في السياسة فإن أعداءنا كثيرون في الشرق والغرب في ذلك الوقت كانت تتبادل عقول الشباب المصري دعوتان دعوة هتلرية نازية ودعوة أخري مركسية من جانب آخر وكلاهما سينحت نحتا في شبابنا في هذه الثناء كنا نلتقي كثيرا مع الأستاذ المرشد العام الشيخ حسن البنا وكنا ندعو الناس إما سرا إلى الالتحاق بالدعوة والبيع وإما جهرا بالدعوة إلى الانضمام إلى جمعيات الإخوان المسلمين عن طريق الخطاب في المقاهي والأندية العام كنا نقف في المقاهي نخطب والناس يلعبون الدومينو والطاولة ويستمعون إلى الأغاني .

- كنتم تعمدون أن تخطبوا في اللاهين عن الأحوال ؟

- قال الشيخ الباقوري:

- نعم وكانوا يتركون ما في أيديهم ويستمعون إلينا وينضمون لنا وكانت البيعة أن نعاهد الله على أن نفدي شعبنا في مصر وشعوب أمتنا الإسلامية بكل ما نملك من نفس وجهد ومال وأن نكون على خط أسلافنا الصالحين والانتصار لدعوة الإخوان المسلمين التي هي وحدها صورة صادقة للدعوة الإسلامية المثالية والله على ما نقول شهيد .. ثم يتلو المرشد العام الآية ." إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفي بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ".

وبذلك يكون قد انضم للإخوان المسلمين ناس من عدة طبقات فيهم الحزبي الذي يريد أن يعمل فيبلغ الحكم وزيرا وفيهم الإنسان الذي يريد أن يخطب وأن يتعلم الخطابة وأن ينتفع بمزاملة إخوان له بين الناس يتشجع بهم وكان هناك نظام الكتائب . كتيبة خالد بن الوليد وكتيبة عمر بن الخطاب وكل من يعجب بخالد ينضم إلى كتيبته والمعجبون ينضمون إلى كتبيته .

- وأنت .. أين كان موقعك؟

- اخترت كتيبة لم تكن موجودة .. كتيبة أبي بكر الصديق وذلك لأمرين الأمر الأول أنه كان إنسانا فسيح الآفاق وأنه كان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا كنت في هذا شديد الولاء لشيخ الدعوة حسن البنا واخترنا تلك الصورة لأنها تشابه صورة المجتمع الإسلامي بزعامة سيدنا رسول الله وظللنا نقوم بالدعوة مع شيخنا ونرحل إلى مصر كلها وفي منطقة بور سعيد والقنال رأينا ونحن نياما .. رأينا في حفرة تحت الأعمدة جماجم وعظاما لناس ماتوا في السخرة أثناء حفر قناة السويس ولذلك كنت من اسعد الناس حينما أعلن جمال عبد الناصر تأميم القناة لأنني رأيت بنفسي ماذا بذلت مصر من أبنائها في سبيل حفر هذه القناة وكيف سيطر عليها الغرب بعد ذلك .

- وسؤال طرح نفسه بشدة

- كيف كان الإقبال على الإخوان وحزب الوفد ينظم البلد .. ومن الشباب بالذات ؟

قال الشيخ الباقوري :

- الدعوات السياسية لا ترضي ظمأ الشباب فالشباب دائما يطلبون مثلا عليا حادة شديدة الثر في النفس وكلما قسا الشاب على نفسه في معني من المعاني كان ذلك أدعي إلى تشبثه بالمبدأ وكانت غلطة الأحزاب بوجه عام أنهم يأخذون الشباب أخذ الذي يكاد يحس في نفسه أنه مأجور إما لأنه يريد أن يعمل في الصحف وإما أنه يريد أن يصطنع لكي يكون ذات يوم وزيرا من الوزراء .. هنا الإخوان عكس ذلك .. كانت دعوة الإسلام للحديث عن رسول الله وكتابه والدعوة إلى الإخوان في ظل الله رب العالمين .

- وكان إقبال الشباب على جماعة الإخوان المسلمين إقبالا لا نظير له .. ولو أن الإخوان المسلمين مضوا بهدوء على الطريق الذي كان المرشد حسن البنا رحمه الله قد رسمه لبلغوا ما أرادوا من أيسر طريق ولكن دائما الشباب يستعجل الأمور ويؤثر الوقوف موقف التضحية أكثر مما يؤثر الوقوف في موقف الحجة والأناة والصبر ومن هنا تعب الإخوان المسلمين من أنفسهم وأتبعوا الذين اتصلوا بهم من لا يفكرون مثل تفكيرهم ..

وتركته يسترسل حتى يصل ما انقطع من أمر هذه الجماعة ..

- وكنا نفتعل حلقات الذكر تحت ظل الشاذلية حتى يستعصي الأمر على الذين يراقبوننا وكان الشيخ حسن البنا شاذليا أخذ الطريقة عن سيدنا عبد الوهاب الحصافي الشاذلي وقال لنا وأشار لنا أن هذه المؤتمرات مراقبة مراقبة شديدة من الداخل والخارج فكنا نتكلف التصوف والذكر ونتجنب كلمات السياسة وما يتصل بالسياسة .

- ولكنكم فعلا كنتم مشاركين في السياسة ومهتمين بها !

- وكنا حريصين على هذا في ذلك العصر وكنا متفقين مع القيادة العليا على أننا لابد أن نظهر للناس بوجه وأن يكون في صدورنا وجه آخر لا يعرفه أحد سوانا .

ودائما يأخذنا حديث الشيخ إلى القنوات العامة ويبتعد بنا عن القنوات الخاصة ولكن حياة الشيخ الخاصة كانت أيضا لها مكان هنا .

الحوار الرابع: حاصروني في شبين الكوم واعتقلوني في المنيا !

بدأ الصغير ثورته في باقور على الذين ويسيطرون باسم الصوفية .. كان يحلم بطفولة سعيدة في القرية خالية من الأمراض . كان يحلم ويدعو للإصلاح .. ويحتما وصل إلى مدينة أسيوط كانت التربية الأساسية التي أرسي قواعدها أبوه الشيخ الصالح عبد القادر أحمد هي المصباح الذي ينير له الطريق في غربته في أسيوط , وفي القاهرة أطل على الأحزاب السياسية والجماعات المختلفة واختار الإخوان المسلمين لينضم إليهم ويكون من شبابهم وينصهر في بوتقتهم مع شخيهم المرشد العام الشيخ حسن البنا , وبدأ الحج إلى السجون وهو مشارك بالقيادة في ثورة الزهر ..

وكان يجب أن نقف لنسأل الشيخ عن رأيه في المرأة .. تلك التي أعزها الله في كتابه بآيات بينات سواء أما أم زوجة , وأردت أن نبدأ معه تلك الإطلالة منذ البداية في قرية باقور من أعمال أسيوط . رؤيتك للمرأة.. كيف تكونت .. كيف نضجت حتى وصلت إلى الزواج بالسيدة الفاضلة كوكب كريمة الشيخ عبد اللطيف دراز ؟

وكان رد الشيخ الثائر كأنه صورة للمرأة في المدينة والمرأة في القرية :

إن أحق ما يعني به المرء في مثل هذه الأشياء هو أن نتذكر دائما أن التاريخ أمانة وأن الغش في التاريخ هو لون من ألوان الغش التي لا يرضي الله عنها جميعا .

قضية المرأة في تاريخ أى إنسان تعلم في الأزهر الشريف ونشأ في القرية لا يمكن إلا أن يكون تاريخا مصونا بعيدا عن كل ما تعارف عليه الناس في العصر والعصر الذي سبقه وكل عصر يجئ بعد ذلك , غير أن القرية كان بها ولا يزال تأثير عميق في نفس كل إنسان عاش فيها رأى أمه وأباه وأقاربه .

والقرية تستمد وجودها الدينى العاطفي دائما من الدين . فإذا جاء الإنسان بعد ذلك إلى مدينة كالقاهرة أو كأسيوط فإنه يظل مقيدا بمشاعره التى مشي عليها في القرية .

وأذكر ويذكر الذين يعلمون أن الرجل أو الشاب في القرة كان ير ولي أمره ليس أباه فقط ولا عمه ولكن كل من في القرية كان يعتبر نفسه مسئولا عن كل شاب في القرية وأذكر لله ثم للتاريخ أن بعض الذين كانوا يجاوروننا ف بيتنا الذي كنا نعيش فيه وبعضهم كانوا من المسيحيين كانوا يلفتوننا إلى سوء السلوك في طريقه مشينا وطريقة حديثنا وذلك يعن أن التكافل في القرية المصرية كان أمرا معروفا ولعل ذلك يكون ناشئا عن أصول بعيدة الأعماق في التاريخ .

لهذا لا أبالغ حين أقول أنني لم أكن أعرف شيئا عن المرأة من ناحية الصلة بها إلا ما كنت أقرأه في كتب الأدب عن شاعر أو أديب أو عن قصة من القصص التي كنا نقرأها في تلك الأيام .. هذا فيما يتصل بالمرأة بوجه عام في القرية .

لكن لما جئنا إلى القاهرة واختلطنا بأهل الفضل والعلم من مشايخنا في الأزهر الشريف رأينا حياة غير الحياة . تبدلت الصورة في أذهاننا ووازنا بين الحياة في القرية وبين الحياة في المدينة وشيوخنا كانوا يرقبوننا من بعد وكانوا يؤثروننا بعواطف ود واضحة وكان منهم قطعا من يحرص علينا حرصنا نحن عليهم وكان في مقدمة الذين عرفناهم منقولين مضطهدين في معهد أسيوط الدينى الذي تلقيت فيه أول درس من فضيلة الشيخ محمد عبد اللطيف دراز الذي كان معروفا بعدائه للاستعمار ومجاهرته بآرائه السياسية فنقل تأديبا له على ذلك مدرسا بمعهد أسيوط .

وتركته يسترسل في أول لقاء له بالثورة ..

وهناك عرفت الرجل وكان يدرس لنا علم الجغرافيا مع أنه ليس متخصصا فيه ولكنه اختار الجغرافيا السياسية لكى ينفذ منها إلى الحديث في السياسة وعن حكم المسلمين بأيدي المستعمرين ..

مثل هذا كان يجعلني حريصا أشد الحرص على أن أتصل اتصالا وثيقا بأستاذي.. والرجل كان مجلسه مجلس أدب وسياسة وكرامة وكنا نعشي بيته ونراه فعلا خليقا بأن نعرفه ونتأدب بأدبه ونتلقي حياتنا عنه وطبعا كنا نراه ونري أهل داره عن طريق حب الاستطلاع .. وكانت كوكب طفلة صغيرة في السادسة من عمرها تختلف كثيرا عن فتيات القرية بملابسها القصيرة وشعرها الذي لا يغطيه شئ ..

فكانت دائما . تحمل الحلوي في جيوبها .. ولم أكن أعرف في ذلك الوقت أنني رأيت السيدة الفاضلة التى رزقني الله الزواج منها .. وبعد أن رأيتها ثانيا في القاهرة كنت أحاول أن أراها بعد أن أصبحت فتاة ناضجة وأذكر هنا أنني كنت اسكن في منطقة درب الجماميز وكان والدها يسكن في منطقة بركة الفيل وكانت هى قد التحقت بمدرسة ( فان سان دى بول) بالحلمية الجديدة فكنت أخرج مبكرا من درب الجماميز لأصل إلى بركة الفيل لأراها وهى تخرج على المدرسة وأحيانا كنت آخذ أحد أصدقائي ونذهب لأحاول أن أراها وهى تخرج من المدرسة بعد العصر أثناء العودة إلى المنزل . أى أنني كنت صباحا أخرج من حي الشرقاوي وأمضي سعيا على قدمي حتى أصل بركة الفيل وأقف هناك أستعرض الوجوه لعل أري التي حرصت على أن تكون زوجة لى .

وهنا أردت أن أربط بين السلوك في الحياة وما وضعه لنا الشرع في مثل هذه الأحوال فسألته :

- هل من حق الخطيب أن يري خطيبته ؟

كان أسلافنا رضي الله عنهم يتأدبون بأدب الإسلام فيحرصون على أن يري الخطيب خطيبته بدرجة لو حكيت الآن في العصر الحاضر لكانت شيئا شاذا حتى ليقول بعض الذين عاشوا مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أني خطبت امرأة فكنت أختبئ لها في النخيل حتى رأيت منها ما يدعوني إلى الزواج بها فتزوجتها وكان ذلك أدبا رفيعا لأن رسول الله أمرهم بهذا :" إذا ألقي في وجدان أحدكم خطبة امرأة فلينظر منها بعض ما يدعوه إلى الزواج بها ".

ولهذا لم يكن خطا منى ولا تطفلا أن أحاول أن أري تلك التي اخترتها لتكون زوجة لى ..

- كيف استطعت أن تقنع أسرتك بالزواج من قاهرة ؟

أمى رحمها الله كانت تحرص على أن تزوجني من باقورية أعني فتاة من باقور تملك بعض الأفدنة.. ولكن عاطفتي كانت أغلب واقوي من أن أنزل على حكم أمي فنزلت على حكم قلبي وتزوجت أم أولادي .. وكانت أمي غير راضية في أول الأمر ولكنها سعدت بي بعد ذلك .

- هل لاحظت فرقا كبيرا بين المرأة في القرية والمرأة في المدينة بعد أن انتقلت زوجتك إلى بيت الزوجية ؟

- قال وكأنه يقدم دراسة لأحدج مراكز البحوث :

الحقيقة أن الإنسان لا يمكن أن ينتقل مرة واحدة من العرف الذي نشأ عليه في بلده إلى عرف جديد عله من غير أن كون هناك مفارقات .. أذكر أن والدتي رحمها الله كانت حماتا لرجل من بلدتنا فكانت إذا لقيته احتجبت منه وهو زوج ابنتها وذلك بحجة أن أمها كانت تفعل ذلك مع والدي حينما يزورهم .. فهي تقتدي بأمها هذه صورة لا يمكن أن تري في القاهرة وإذا ما حاولت الأسرة أن تعيشها فإن الخاطب لا يعنيه أن يبحث أو يسعي لكى يراها .

ولأكمل لك قصة زواجي ... بعد أن تبنت أنني على حريص على رؤية ابنة أستاذي بكل الطرق قلت الأفضل أن أذهب لزيارته لأراها وهى تدخل أو تخرج وفعلا أخذت أحد زملائي وذهبت لزيارتهم وهناك طلب لنا الشيخ قهوة ولحسن حظي لم تأت القهوة على يد خادم ولكن التي أحضرتها كانت كوكب .. بعد ذلك كنت أراقب نفسي فأراني ضيق الصدر كلما جاء لزيارتهم أحد الأقارب من قريتهم .. هذه هى المسألة الوحيدة التي أحسست أنها صنعت بنفس ما لم أكن أحب أن تصنع ..

وحينما قررت التقدم لخطبة العروس آثرت البركة في أن يخطب لى بنت شيخنا محمد عبد اللطيف دراز شخنا أيضا وأستاذنا حسن البنا وكنت قد التحقت بجماعة الإخوان المسلمين وشكر الله للرجل فقد صحبني إلى هناك وهو الذي طلب ابنته كوكب لابنه أحمد حسن الباقوري معتبرا نفسه والدا لى :

- بعد الزواج هل أحسست باختلاف كبير بين زوجتك وأملك في القرية؟ لم يكن هناك طريق يأذن لنا بأن نفكر في دائرة واسعة أكثر من الدائرة التي رأينها كما نقول إن الإنسان ابن بيئته أكثر مما نقول أنه ابن ثقافته أو ابن التقاليد التي نشأ فيها .. هذه أمور تمر .. وخاصة أنني كنت قد تركت القرية صبيا إلى أسيوط فبدأت أري أمورا كثيرة تعودت عليها كتغير ملابس النساء والحياة في المنازل التي زرتها لأساتذتي أو أصدقائي وكانت زوجتى من منزل طيب له تقاليد فلم تختلف التقاليد كثيرا .

- الولد الأول ذكرا كان أم أنثي له استقبال خاص وحب خاص وعلاقة خاصة وحنين وفرحة تظل تلازم الإنسان إلى الأبد : ظهور الأسنان .. الكلمات المكسورة .. أولى الخطوات تحدثنا عن فترة الخطبة والزواج .. فهل لك أن تحدثنا عن ميلاد ليلي ابنتك الأولى ؟

ليلي تعرف بأم أبيها في بيتى .. فهي أول من تفتح لها قلبي وعن .. ليلي جاءتنا مع خير كثير كانت قد ارتفعت مرتباتنا من ثلاثة جنيها إلى ثمانية جنيهات .. وبدأنا نجد الحياة راضية لأن الإنسان كان يستطيع في تلك الأيام الي لن تعود مرة أخري إلى العالم .. كان الإنسان يستطيع بعشرة قروش أن ينفق على بيته !! يشتري لحما وبطاطس وحلوي ... جاءت ليلي في تلك الأوقات .. ولعلك تعرفين القرية وما يتصل بالقرية .. إنهم يؤثرون الذكور على الإناث وأنا خالفت رغبة والدتي وتزوجت من مصر ووالدتي تشيع للناس أنني لو كنت قد اتبعت نصيحتها لكنت أنجبت ولدا .. وأنني لست بار بها لدرجة أنني ظللت ألتمس لهذا سببا من الأسباب وأبث شكواى إلى بعض الإخوة الذين كنت أعتبرهم كالأساتذة لى منهم الشيخ محمود أبو العيون .. قال لى صديقي : يا أخي اكتب لأمك أو لوالدك وهو رجل طيب ورجل إمام مسجد ومثقف ثقافة دينية وقل له إنما يعرفه المسلمون أن يمن المرأة أن تبكر ببنت , وجاء بآية ن كتاب الله تبارك وتعالي " يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما " وقال لى زميلي رحمه الله أن هذه القسمة هنا قسمة عقلية ليس هناك زيادة ولا نقص وأن السيدة إما أن تلد أنثي أو ذكورا أو خليطا من الإناث والذكور أو تكون عقيما .. كنت لوالدي بهذا المعني وذكرت له أن شيخا من شيوخنا هو الذي يرسل إليه بهذه النصيحة ويرجو أن ترضي عني أمي وألا تري أى تلك العقوبة من الله لى على أني خالفت رغبتها .

وكتب لى والدي خطابا بهذا المعني قال فيه .

"أقسم لك أنى ما وقع في نفسي من هذا الأمر .. وأن المسألة قدر وأنك واحد من خمسة عشر من أختك وأخواتك ولا تتضايق من هذا لأن والدتك راضية عنك .

وهكذا استقرت نفسي .

ولم يكن من الأوفق أن أترك الشيخ دون أن أسأله سببا لاختاره لاسم ابنته ؟

- لماذا سميتها ليلي ؟

- الحقيقة إن كل دراستنا الأدبية كانت كلها تدور حول القصص الإسلامي والقصص الإسلامي فه عبرة وفيه جمال وكانت ليلي كلمة خفيفة على الأذن حسنة الوقع في الأذن لها تاريخ متصل بالعاطفة وفي الوقت نفسه قائم على العفة وهذه هى قصة ليلي في تاريخ العرب " ليلي الأخيلية وليلي المجنون وكل كلمة ليل تعطي هذا المعني الشاعر وأنا كنت أقول الشعر في بعض الأحيان وأتغنى كما يتغني أمثالي وكان في ذلك الوقت بدأ يطبع كتاب الأغاني وكنا نقرأ فيه قصصا طويلا وشعرا غنائيا وكانت ليلي هى الهدف الذي يدور حوله الأدب في كتاب الأغاني هذا هو المعن الذي جعلني أحرص على هذا الاسم ليلي.

وأحسست أن وتر الثورة لم يعد عطي النغمات العالية فعاودت العزف عليه

- كيف سارت الحياة في البيت ؟ هل خمدت الثورة في نفسك ؟ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم له حديث معناه أن الأبناء يصلون بالآباء إلى الجبن ؟

- كلمة ولد على حال في لغة العرب لا تطلق على الذكر بل على الذكر والأنثي كلاهما ولد... وقد أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه حمل ذات يوم الحسن والحسين وانه كان يطلق عليهما كلمة ابناي وهو يقول صلوات الله عليه لهما :

- " أنكم تجبنون وتبخلون وتجهلون وأنكم لمن ريحان الله في الأرض ".

- معني تجبنون أن الأب إذا كان له ولد فإنه يكون حرصا على الحياة حتى لا ينشأ ولده تيما هذا هو معني تجبنون كذلك تبخلون فالولد حمل أباه على أن يمسك يده في الإنفاق حتى إذا احتاج ولده إلى المال وجده : وتجهلون معناه ليس من الجهل الذي هو ضد العلم لأن الجهل عند العرب يطلق بمعنين بمعني الجهل ضد العلم والمعني الآخر هو التسرع إلى الشر أى الحماقة هذا المعني قد يدعو إليه الولد لسبب من الأسباب التي تجعل الوالد يدافع عن ولده فتسارع إلى الشر هذا هو معني الحديث الجليل وهو صادق بلا ريب .

- ماذا حققت ليلي من هذا الحديث ؟

- ليلي كانت طفولتها .. طفولة فى لغتها بطريقة فيها ذكاء وكان فيها جمال وملاحة عقلها طيب ومداعبتها لأهلنا وضيوفنا تدعو إلى السعادة بها , كانت في الوقت نفسه لها لغة طيبة وكانت تقلب ( الطاء " إلى كاف فبدلا من أن تقول طريقته من التطريب الجميل فحسبت ليلي أن الأستاذ عبد الوهاب ينادها وجرت إلى المذياع كأنها تلبي النداء .

- الثورة داخل الشيخ الباقوري والتى بدأت من القرة : تر هل أخمد الأبوة هذه الثورة ..؟ هل أجلت بعض التصرفات الثائرة داخل مولانا ..؟

- قال وهو يراعى الدقة :

- أطفت من حدتها وإن لم تقص عليها!.. ولم تقض عليها لأن الثورة كانت أصلا للوصول إلى شئ وهذا مما ينفع الأولاد .. وأنها موصولة بالجانب ( أنكم لتجبنون وتبخلون وتجهلون) فالتقي فيها الجانبان جانب تهدئة لمصلحة الولد وجانب الطموح لمصلحة الولد أيضا وذلك هو قضاءا رسول الله الذي لا فرار من قضائه صلى الله عليه وسلم .

- والحقيقة أن الثورة لم تزل في نفسي ولكنها أعقلت حدتها وهدأت حرارتها إل جانب جعلني أبدو في بعض الأحيان كأنني انصرفت عن الشئون السياسية .

- نعلم أنه كان لديك القدرة على التحريض على الثورة وأنك كنت دائم الحج إلى المعتقلات بسبب هذه الثورة سواء بالمنشورات أو شخصيا هل تذكر بعضا من هذه المواقف ؟

- قال يصف مصر بكلمات رقيقة :

- كان الاستعمار قد بدأ يشتد وكنت قد تزوجت في عام 1940 والحرب العالمية في بدايتها وبدأت القوي المختلفة تطوف بشباب مصر .. وبدأ الشباب يكون موطن استقلال وبدأ الاستعمار البريطاني يتبخر وكانت هناك مواقف كثيرة جدا كنا نتلمسها لتحملنا على أن نهاجم الاستعمار . وتفتحت عواطف إخواننا وزملائنا والشعب كله بوجه عام على أن نهاجم الاستعمار أن يقاوموه بكل صور المقاومة وكان الطلاب يثورون ويقومون بالإضرابات فيفرقهم الانجليز بالقنابل وفي احدي المرات كنا نشيع جنازة أحد هؤلاء الشباب وفي المدافن وقفت خطيبا في المشعين وكنا ننتهز أية فرصة لنتحدث عما ينتظم البلاد من أحوال لا نرضي عنها .. وقفت خطيبا أرثي الذين قتلوا والذين جرحوا وأقول .. إن الأحداث يجر بعضها بعضا وقسوت على الذين ظاهروا الاستعمار بحكم أنني رجل وطنى أكره لبلدي أن يكون مستعمرا أو مستبعدا لأية قوة في العالم وبعد أن انتهيت من خطبتي التي أثارت الناس إذا بالبوليس السياسي كتب ما شاء له الهوي وقبل أن يلقي القبض " على" على أثر هذه الخطبة نقلت بقرار من مجلس الأزهر من معهد القاهرة الذي كنت مدرسا فيه إلى معهد شبين الكوم الديني والذي كان يرأسه الشيخ عبد الحق عيسي.. وهناك لم أنزل عن طريقتي في الربط بين العلم والدين وبين السياسة والدرس حتى إذا كانت الدراسة عن القرآن أو السيرة فقد كنت ألتمس لها وسيلة من الوسائل وأتحدث عن السياسة .

- وبينما أنا في شبين الكوم وكنت أنزل في الفندق هناك إذا بالفندق الذي أنزل فيه محاط من كل جانب برجال البوليس حتى ظن الناس أنه موقع حربي إذا برجل لطيف من الضباط يحضر لكي يوقظني من النوم ويقول لى :

- تسمح تيجي معانا شوية

- على فين ؟

- مشوار صغير !

ونزلنا وسط صمت رهيب أشد على النفس ممن الكلام الصاخب وأركبوني سيارة جميلة أنيقة .. وظلت السيارة سائرة .

- على فين ؟

- إلى القاهرة : ثم ركب القطار وتذهب إلى بيتك في الزيتون ورجال البوليس السياسي متعهم الله دائما بحس دقيق وذوق رفيع في التعامل مع ضحاياهم فظل الرجل أمينا مهذبا وفي غاية رقة العاطفة والأدب الجم حتى وصلنا إلى القاهرة .

- هذه هى القاهرة يا سيدي :

- نعم لكننا سندخل لنري القطار لأن هناك من ينتظروننا ..

وفى المحطة وجدت أنه محجوز لنا مكان في القطار الذاهب إلى المنيا .. وتقابلت في محطة الجيزة مع أستاذي ووالد زوجتى الشيخ محمد عبد اللطيف دراز وبعض الآخرين .. فقد كنا ذاهبين إلى معتقل ما قوسه بالمنيا .

- وطافت بذهني زوجته فسألته :

- ماذا كان موقف زوجتك حينما ذهبت إليها وأخبرتها بنقلك إلى شبين الكوم ؟

وتبسم ثم ضحك وأزاح العمامة فبدت منابت شعره التي زينها الشيب وقال :

- سألتني زوجتى عن السبب فقلت لها :" أنها السياسة يا كوكب .. فاكتأبت وقالت " أنا حظى مثل حظ أمي .. عندما كانت مخطوبة لأبي أخذوه منها إلى قصر النيل " لكنها شجعتني وقالت : أبى أعدنا لهذا اليوم .

- كان حماسها للأزهر شديدا فوالدها من رجاله وبالرغم من أنها تعلمت اللغة الفرنسة في المدرسة إلا أنها عايشت القرآن الكرم وسير السلف الصالح في البيت وتشعبت بهم وكأنهم أفراد أسرتها .. تعلمت من أبيها كيف تستشهد بأبيات الشعر .. وسألتها أن تعود بذاكرتها إلى تلك الأيام الخوالي لتتذكر أول لقائها مع شيخ مصيرها وثائرها العظيم ... وتعترف الصغيرة ذات الخمسة عشر ربيعا في ذلك الحين أنه لفت نظرها والتفت ذاكرتها مع ذاكرته عندما كان يزورهم فى أسيوط مع تلاميذ والدها ..

- وأردت أن أسال ذات السجينين – سجن أبيها وسجن زوجها – أردت أن أسألها:

- السجن في حياتك له مكان هام جدا .. أبوك دخل السجن وزوجك أمضي في السجن فترة زواجكما الأولي .؟. إحكى لى عن السجن عند ذات السجينين ؟

- قالت تلك التى أعطت الطموح لزوجها :

نبدأ بمشهد بمحكمة مصر الوطنية .. كنت متعلقة بأبي وكان عمري 14 عاما وذهبت لأشهد معه محاكمة تلاميذه الذين قبض عليهم وأودعوا سجن الاستئناف في حركة الأزهر .

- فشاهدتهم يأتون والقيد في أيديهم ويزج بهم في قسوة إلى قفص الاتهام لفت نظرنا منظر شيخ هادئ هدوءا شديدا لا يهتم بكل ما يدور حوله وبدأ النداء على المتهمين فيرد محامي كل منهم بالنيابة عنه .. ونودي على أحدهم ..

- أحمد حسن الباقوري..

- ....

- أحمد حسن الباقوري

- ...

والتفتت الأعناق إلى الشاب الهادئ الجالس في قفص الاتهام ونطق بكلمات هادئة لم تفقد حماسها ..

ليس لى محام ... أنا سأتكلم عن نفسي ..

وأحسست بانطباع خاص جدا لهذا الشاب .. ولكنه كان من مصدر حبي لمصر ..

ثم أضافت ..

ثم سألوه ..

هناك اتهام بأنك صاحب ثورة الأزهر... فما رأيك ؟

- أنا لست صاحبها فقط .. أنا المفكر لها والتكلم لها وصاحبها أيضا.

- وكرر رئيس المحكمة سؤاله حتى يتراجع الشاب الذي كانت ترقد تحت عمامته ثورة جيل كامل ولكنه أصر على أقواله مرددا :

- أنا مفجر ثورة الأزهر .

- وتقول السيدة كوكب وهى تعود لأيام عمرها الأولي :

- وتذكرت كيف حملها مرة بعد أن أوقعت " المربي " على ثوبها وغسل لها يديها ومسح ثوبها .

- واستمعت إليها وتذكرت كلماته وهو يؤكد قسوة البوليس السياسي الناتج عن ضعف النفوس وأن الثوار لم يكن يعوزهم المكان فكانوا يلتقون في عربات الترام ويغيرون الخطط باستمرار حتى لا يستطيع البوليس مهما أوتي من فطنة أن يفتت قوتهم .. وتقول السيدة كوكب دراز حرم الشيخ الباقوري :

- كنت متحمسة لقضية البلد وكل ما نرجوه الاستقلال وخروج الانجليز والتقيت مع أحمد عند هذه النقطة ..

- وأقيم اللقاء .. فهو بلا موعد .. نقطة لقاء معنوية حيث التقاليد هنا تأخذ شكل التنفيذ المحترم دون الشعور بالظلم من الأسرة ... وكانت فتاتنا في ذلك الحين من ذلك النوع من الفتيات اللاتي يعترفن أنه شرف كبير أن تكون للأسرة تقاليد وشرف أكبر أن تراعي الفتاة تلك التقاليد ... كانت لا تكلمه وإنما تراقبه عن بعد .. لم تكن تفكر في نوع فتاها بعد فقد كان خيالها دائما يصاحب طموحها لتكون شيئا ما في بلدها قبل أن تتمثل نفسها زوجة وأما ... كانت تتمني أن تفعل شيئا على طريق المرأة , كانت تتمني أن تثبت دائما أو المرأة جديرة بالعمل فالمرأة التى تستطيع أن تكون أما ويتكون في رحمها طفل يستطيع عقلها أيضا أن يحقق الكثير تري ما الذي حدث وغير تفكيرها , ما الذى حدث تماما وبالضبط جعلها تكتفي بلقب حرم الشيخ الباقوري

.. هل سد الطريق أمام طموحاتها ؟

- لا .. أبدا.. لم يسد الطريق أمام طموحي أبدا لقد استمر طموحي كما هو ولكني حولته بيدي وبرضاي وبلا أى ضغوط .. كان الله دائما يضع خطوطا عميقة واضحة في لوحة حياتي .. وما أجمل اللوحات التى يرسمها الله .. إن ظله ليس ظل أى رجل عادي لقد شعرت أن مكاني هنا بصبري وتحمل ومحاولاتي الدائمة للوصول إلى هدفه وهو نفس هدفي .. سيتحقق طموحي كله .

- كيف؟

- لأن الطموح السياسي للفتاة في الثلاثينات والأربعينات كان ضربا من المستحيل ولكن الفتيات منذ ثورة 19 كان لهن دور هام خلف الرجال ..

- وأحسست أن أبي أهتز بهذا الشاب مثلي تماما ومثل كل من شهد لحاكمه ..

وأصبحنا نحج إلى المحاكم , أبي مصر على أن يتابع تلاميذه ويسعي إليهم في كل مكان مشجعا لهم .

ومن محكمة إلى محكمة وصل بنا المطاف يوما إلى محكمة نور الظلام .. وفي طريقنا وقفنا أمام أحد البيوت الكبيرة في حي الحلمية الجديدة وكان حيا من أجمل أحياء مصر بيوته قصور لها حدائق غناء ووقفنا أما أحد هذه القصور انتظارا لقدوم المتهمين لنراهم قبل دخولهم إلى المحكمة ... ولم أكن أكبت رغباتي وأفكاري كمراهقة في ذلك لاحين فعقدت مقارنة بين البيت الذي نقف أمامه وحديقته الغناء وطيور البغاء الملونة الجميلة التى بها وبين بيتنا الصغير الذي نسكنه بعد أن فصل ابي من الأزهر .. وكانت المقارنة بصوت عال سمعها أبي . قال لى وقوله يطوي فلسفة خاصة :

- أليس قصر عابدين جميل أيضا ؟؟... ليست الحياة بالقصور يا ابنتي لكن ما بداخلها هو الذي يحدد طعم الحياة وفائدتها .. ومر المتهمون أمامنا ورأيت أحمد بينهم .. ولكن التفت للبيت الجميل ثانيا ألقي عليه نظرات أخيرة قبل أن ندخل المحكمة ..

والعجيب أنه لم تمض 5 سنوات حتى اشترت أمي هذا البيت بذاته وعقد فيه قرأني على نفس المتهم الذي جئنا نراه وهو في طريقه إلى محكمة نور الظلام ..

- وأوقفت تيار الذكريات الجارف فأنا لا أقصد إلا الشيخ نفسه وكيف وصلت إليه ووصل إليها وأصبحت هذه المعزوفة الجميلة – ما شاء الله – ذات النوتة الموسيقية الثلاث – ليلي ... عزة .. يمني والأحفاد .

- كيف اندمجت فتاة تنطق الراء غينا وبدأت حياتها بتعلم اللغة الفرنسية .. وكيف أصبحت العمامة هواها ومنتهي أملها ؟

- قالت بصراحة تزيد ومنتهي قوة ؟

- كان والدي يرفض كل من يتقدم لى . كان لا يناقش حتى أخلاقهم أو أصولهم وعائلاتهم . كانت أمي تفرح بقدوم العرسان ذوى الحسب والنسب والمال .. وتحكى وتقول وتعد نفسها لاستقبال الحسب والنسب .. وبكل بساطة يرفض أبي في جملة دائمة التكرار ..

- البنت مازالت صغيرة !!

- وأنا كنت مستمعة فقط والحقيقة كنت أعجب بكلمات أبي لأنني كنت لم أضع فكرة نهائية عن الزواج أو ترك البيت الذي أحبه وأحب أبي بالذات ..

وفي أحد الأيام جاء أبي .. وكانت ليلة العيد الكبير وأمي مشغولة مع الجزار في بدروم البيت ... وأخذني أبي إلى الصالون وقال لى :

- أغلقي الباب ..

- وأغلقت الباب .. وأخفي ابتسامة حنان بين قسمات حادة تناسب الموقف وسألني :

لما تحبي تتجوزي تختاري زوجك من أى نوع ؟

- واضطربت .. كان السؤال مفاجئا..ولكن قلت بسرعة :

- أنا غنية بأبوتك والتي لديها أب مثلك لا تختار . وضحك أبى ضحكة اعتزاز وسعادة وقال : مبروك لقد انتهيت منك اليوم .

- ولم أحاول أن أنطق سوي جملة واحدة ربنا يخليك.. عقبال وفاء .

- وكانت وفاء هى رقم 2 بعدي .. وكانت أمنيتي الكبرى أن أعرف اسم العريس ولكن كيف أسأل .. وقد تورطت في إلقاء ثقتي الكاملة إليه .. وكأنما أحس بي فقال :

- أنا اخترت لك إنسانا يحفظك ويخاف عليك سواء في حياتي أم من بعدي يحترمك سواء أنا في منصبي أم في الشارع . لكن الأفندية المايعين بتوع اليومين دول فاضيين وغير جادين ولا يعتمد عليهم ..

- وهممت بالانصراف قبل أن تفضحني كمية الفضول التي تملؤني .. ولكنه أبقاني وقال رحمه الله .

- هل عرفت اسم خطيبك ؟

- قلت وكأنني ألقي بحمل ثقيل

- من يا بابا ؟

- قال : أنا أعطيت كلمة للأستاذ أحمد حسن الباقوري .

- ومر الشريط في خيالي بسرعة .. المحاكمات .. هدوئه .. ردوده ... لجان الطلبة ولكن العمامة وقفت قليلا أمامي فقلت بلا تفكير :

- للشيخ الباقوري يا بابا؟

- قال باعتزاز وخيلاء

- نعم .. إبني وتلميذي .. الرجل الكامل الذي أأتمنه عليك وأنت أول أولادي وأغلي ما عندي .

- ورغم الإعجاب السابق والامتنان والعرفان لأنه هو وزملاؤه كانوا السبب في عودة أبي إلى عمله بالأزهر ورغم إحساسي بالتقدير الكبير له إلا أنني كنت أفكر في مواجهة صديقاتي . والشكل دائما عند الفتيات خصوصا في عمرنا كان أهم من المضمون .. وأسجل للحقيقة أنني كنت أعطي اهتماما للنواحي المظهرية في ذلك الحين .. ولكنني أحسست أن هذا لا يمكن أن يكون سببا للرفض .. يمكن أن يكون شئ من التردد ولكن رفض مثل هذا الشاب سيكون شيئا مخجلا بيني وبين نفسي .

- وحدد موعد الشبكة .. وجاء الشيخ حسن البنا رحمه الله ليقرأ الفاتحة مع والدي وهنا حدث ما لم يكن فى الحسبان .. حدث ما جعل الشاب الشيخ يخطف أبصار الأسرة كلها ويحوز على إعجابهم جميعا فبعد قراءة الفاتحة مع والدي .. دخل أحمد ليتعرف على نساء الأسرة ويسلم عليهم ويأخذ مباركة والدتي كعادة العرسان في ذلك الحين وجلس معنا بعض الوقت ولفت حديثه نظر كل من كان مع أمي من صديقات وسيدات الأسرة .. تكلم عن السماح في الدين وكيف أن المرأة كرمها الإسلام بل كرمتها كل الأديان .. تكلم عن الإسلام دين كل عصر ..

- وبدأت حلتي مع الشيخ ..

- واستطاع بشخصيته الجذابة وإيمانه القوي وحديثه الحلو أن يجعلني أتخلص بسرعة من أفكاري الصبيانية الصغيرة بدرجة أننى أصبحت أتباهي بأنني مثل أمي زوجة الشيخ .

- ووجدتنى أعيش معها كل ما قالته عنه وفقط أردت أن أستزيدها فقلت :

- ورحلتك معه كيف كانت ؟

- كانت رحلة عجيبة .. عمامة عقل راجح وقفطان وجبة وبينهما قلب شاب محب للحياة بكل ما فيها يعيش من أجل كلمات ثلاث " الإسلام – الوطن – الأزهر ".

في فترة الخطبة دخل السجن وعلمت منذ ذلك اليوم أن دوره في الحياة ليس دورا عاديا يقتصر على الكفاح من أجل الأسرة ومطالبها .. كنت قد عاصرت اعتقال أبي فلم أكترث عند اعتقال زوجي ..

وانتقلنا بعد عام إلى بيت الزوجية في حلمية الزيتون كان بيتا صغيرا له حديقة جميلة أمضينا فيه فترة جميلة من فترات حياتنا ورزقنا فيها بابنتنا الأولي ليلى .

مع السادات في المعتقل

وفي عامها الأول اعتقل والد الصغيرة مع الذين اعتقلوا في حركة 4 فبراير واعتقل معه الرئيس الراحل أنور السادات .

كنت أرسل الطعام لزوجي يوميا في السجن ولا أعلم إن كان يصله أم يصل لزملائه ولكني كنت سعيدة جدا لشعوري بأنني أساهم في عمل وطني لأنني كنت أعلم أن هؤلاء المعتقلين إنما اعتقلوهم وهم في موقف دفاع عن شرف الوطن ... وكنت في ذلك الحين قد عدت إلى منزل أبي الذي كان معتقلا هو الآخر .. ولا أنسي أبدأ الأمسيات التى كانت أمى تذرع بهو البيت ذهابا وإيابا وتقول : النحاس أخذ الرجلين !

وكان أكبر رجل في بيتنا في ذلك الحين هو شقيقي فريد الطالب بالمدرسة الثانوية ولكن الحياة في مصر في ذلك الحين كانت تضيف للمرأة صلابة شديدة لتواجه المواقف حيث الرجال دائما في المعتقلات .

ويتكيف الإنسان دائما بما يحيطه من ظروف ويوظف الذكاء لخدمة هذا الظرف وتلك المشكلة .. وكانت المعتقلات مليئة بالثوار وكلما زاد عدد الثوار تكثفت الحراسة واشتد التضييق عليهم ولكن الناس خارج السجون كانوا يبتدعون الحيل لكي يصلوا إلى الثوار ويوصلوهم للناس .

كيف كنت تراسلين زوجك ؟

ابتسمت وأكملت سيناريو حياتها :

كنا نبتكر الطرق إلى ذلك .. كنت أكتب رسائلى بالقلم الرصاص واضعها داخل " أبرمة " الحمام والفريك أو أدخل صواني البطاطس فكنت أفرغ الثمرة ثم أشع الرسالة وأغلقها ثانيا ونرصها في الصينية مع الصلصة واللحم ونادرا ما كانت تضبط رسائلنا في ذلك الحين وكانت تعييهم الحيل فينقلونه إلى معتقل آخر دون أن يخبرونا فنظل نبحث عنهم حتى نعرف مكانهم أو يرسل هو لنا من يخبرنا بمكان اعتقاله وكم من مرة دب اليأس في نفوس رجال البوليس السياسي لملاحظتهم المستمرة لوصول الرسائل للمعتقلين .

وكنا قد سمعنا أن منشورات الشيخ الباقوري كانت توزع على الناس بعد صلاة الجمعة بينما هو في المعتقل فما هي قصة هذه المنشورات ؟

كيف كانت تصل منشوراته إلى الناس وهو في السجن ؟

قالت وبريق الانتصار يلمع في عينيها :

آه .. المنشورات .. أقول لك ... كان يرسل لى في قاع عمود الطعام أو في أغلفة .. العلب الفارغة .. رؤوس الموضوعات التي يريد أن يطرحها على الناس ! كنت أحاول جاهدة المحافظة على أسلوبه في صياغتها وتدبيجها ثم تطبعها على البالوظة في بدروم منزلنا .. كنا نكون فرقة حرس من إخواتي .. وفاء " على الشباك " وفريد على باب البيت ويوسف وأمال يلعبان في الحديقة وكأن الحياة تمر عادية جدا في ذلك البيت ..

وتنطبع المنشورات ثم يأتي الزملاء ويأخذونها ويفاجأ البوليس السياسي بمنشورات الباقوري في أيديى الناس وهو ما زال داخل السجن في ماقوسة أو في سجن الأجانب .

صدقوني أنها تحكي معاناتها بشوق شديد إلى العودة إلى تلك الأيام .. أنها تتمني أن تعود حياتها من جديد لتعيد ما حدث تماما .

هل تذكينه بعض هذه الرسائل ؟ هل توصلت إلى أسلوب من أساليب الشفرة بينكما ؟

نعم .. كان مثلا حينما يريد أن يري أحد هذه المنشورات ويريد الاطمئنان على طبعه يرسل لى قائلا :" أطعمينا مما أطعمت به الزملاء ".

فأرسل له نسخة ليري بنفسه كيف خرج المنشور إلى النور .. لقد كنت أشعر بإرهاق شديد عند إعادة صياغة المنشورات وذلك لحرصي على أسلوبه وعباراته حتى أن رجال البوليس السياسي كانوا يتساءلون " الباقوري فى السجن ومن الذي يكتب إذن هذه المنشورات ؟"

واشتقت أن أعرف حياتها الخاصة .. بيتها لأنني طوال الحوار السابق أعيش خارج البيت في المعتقلات وفي الشوارع وعلى أرصفة الأيام .

قول لي .. بيتك حياتك الخاصة .. في الأيام القليلة التى تعتبرينها ملكا خاصا لك .. كيف كانت الحياة ؟

وكانت أجابتها أيضا خارج سؤالي :

- ألم تعلمي أن بيوت مصر كانت في ذلك الحين لا تعيش حياة خاصة .. كان بيتي يغلي ... كان قطعة من مصر .. الاجتماعات بين زوجي وتلاميذه لا تنتهي .. والمناقشات تعود حول موضوع واحد حتى ضوء الفجر .. مصر ومصر فقط والتدهور الذي كانته في ذلك الحين .

- أحكي لك قصة حدثت لى .. دخل زوجي مرة ذات مساء إلى منزلنا وكان الصغار قد ناموا وأنا أنتظره وحدي وفوجئت به يأخذني من يدي قرب غرفة مكتبه ويقول :

- عاوز عشرين ألف جنيه ؟

- بلاش هزار يا أحمد.....إنت جري لك حاجة ؟

- أبدا والله باتكلم جد..!

- انظري .. انظري هنا واقتربت من باب الغرفة فرأيت منظرا عجيبا لقد وضع المصباح في أرض الغرفة ورأيت شبح رجلين يجلسان على الأرض يغمرهما الظلام

- ثم قال :

- هذان الرجلان ثمنهما عشرون ألف جنيه .. إنهما متهما بالاغتيالات السياسية ومطلوب القبض عليهما مقابل هذا المبلغ الكبير !! وثرت واعتقدت أن زوجي بعد هذا العمر لا يفهمني وغضبت وقلت له :

- هل تظنني أقوم بهذا العمل مقابل مال الدنيا ؟ عيب يا أحمد لقد أمنا بيتي ولجأ إلى وعلى أن أوفر لهما هذا الأمن وأكون عن حسن ظنهما .. وابتسم وقال لي :

- الحمد لله يا كوكب .. أنت كما أنت كوكب التى أعرفها .

وموقف ظريف لا تنسينه أبدا ؟

- بعد زواجي بيوم واحد استأذن منى ليخرج ويعود بعد ساعة وكنت أجلس أمام مرآتي وفوجئت برجل أفندي أنيق يرتدي بدلة جميلة يدخل غرفتي فالتفت مذعورة وكان هو

- وفرحت بانتصارك على العمامة ؟

قالت وذكريات أكثر من أربعين عاما تملأ عينيها سعادة .

أبدأ .. أبدا لقد فضلت العمامة وصاحبها على كل أفندية العالم ..

- ورأى له أعجبك؟

مقارنة بين شخصيتي عمر بن الخطاب وعلى بن أبي طالب ... رضي الله عنهما .. يقول عن عمر إنه يصلح للقيادة لا للجندية بخلاف على الذي يصلح للجندية لا للقيادة وإن الله لو أراد بالمسلمين خيرا لمد في حياة عمر عاما واحدا .

- وقول أفادك في حياتك كامرأة؟

إنه يردد دائما قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم " خير ما يكنز الرجل المرأة الطيبة . إن نظر إليها سرته وإن أمرها أطاعته وإن غاب عنها حفظته في نفسه وفي ماله " فالمرأة الصالحة في نظره هى التي يتمثل فيه هذا الحديث ..

- وأنت ؟

أحاول أن أكونها والحمد لله

- ومتي يغضب شيخنا الجليل ؟

- حينما أحاسبه حسابا عسيرا على سلوكه الذي يسميه جهلا لقدره فهو لا يحب أن يحاسبه أحدا أبدا ومن أقواله التي يتملثها دائما " إن التواضع للصغار شرف وإن الكبر على أهل الكبر صدقة "

- وهداياه لك ؟

- قال أن يحضر هدايا .. بعض الأحيان قرط أو قطعة قماش وأجمل هدية كانت تمثالا جميلا من هونج كونج

- وأجمل فترات حياتك أمتعها معه ؟

- حينما كان شيخ معهد بالمنيا الديني عام 1951 .. وأيام المعتقلات !

الحوار الخامس: أسرار التاريخ

عندما بدأ الشيخ الباقوري يروي قطوفا من حياته اشترط أن تكون القطوف من كل مراحل العمر . ومن كل معطيات الفكر دينيا وسياسيا واجتماعيا .. وقد كنا عند حسن ظن الشيخ الثائر .. وبدأنا نمشي معه الهوينا من القرية في باقور من أعمال أسيوط .. ثم انتقلنا معه إلى معهد أسيوط الديني الذي كان الشيخ من طلبته الرواد .. وعشنا مع ثورته على التقاليد ثم رحلنا بذات القطار إلى القاهرة .. وعشنا ثورة الأزهر .. ثم تفتح الشاب على الحياة وأشركنا في ذكرياته لاختيار شريكة حياته .. وكانت معه في السراء والضراء .. فدخلنا المعتقل مع الشيخ الباقوري .. وهنا نقف لنأخذ رأيه في الزعيم الراحل أنور السادات الذي زامله في معتقل ما قوسة بالمنيا ورأيه في شباب مصر الذين عاشوا مشاكلها وثاروا من أجل القضاء على تلك المشاكل .

حينما كان الباقوري يعيش شبابه .. كانت مصر كما الأرملة . ترتدي السواد وتربي الصغار ولا يجف لها دمع أبدأ .. الانجليز يعسكرون هنا والظلم ضارب في الأعماق وأصوات السواقي وهي تروع الزرع كأنها تئن وتتوجع من أجل هؤلاء ومهما اختلفت الاتجاهات لا فرق بين شباب الوفد أو شباب وطنيين بلا أحزاب ..

وكانت ثورة شيخنا توصله دائما إلى المعتقل حيث كان الثائر دوما والمحرض باستمرار على الثورة ..

- كيف خدعوك بالانتقال من شبين الكوم إلى معتقل ماقوسة بالمنيا ؟

ابتسم وكأنه محب يتذكر حكايا حبه الأول:

-جاءوا إلى في اللوكاندة التي كنت أسكنها ولكنهم غاية في الذوق والهدوء .. وقالوا لى سنذهب إلى القاهرة.. وأركبونا القطار إلى القاهرة وكان هذا القطار ذاته يحمل مولانا الشيخ دراز الذي كان شيخنا لمعهد الزقازيق الديني والذي أيقظوه أيضا من نومه وأخذوه على القطار رأس وفي محطة الجيزة بعد أن ركبنا القطار الذاهب إلى الصعيد إذا بنا في المحطة شيخ الأزهر الشيخ مصطفي عبد الرازق رحمه الله ورضي عنه وجدناه جاء ووقف لتحيتنا ونحن في الطريق إلى المعتقل .

وطغي حب الاستطلاع على كل شئ وسألته حتى أقتل حب الاستطلاع وأتمتع بحوار الرجل الذكي :

- كيف كان الحال في معتقل المنيا ؟

وبشكل كان الحال في معتقل المنيا ؟

وبشكل وثائقي عودنا عليه الشيخ الباقوري .

حقيقة البلد ذاته كان طوال عمره من بلاد الجهاد .. وكانوا قد استأجروا لنا بيتا يملكه رجل اسمه عبد الرحمن باشا الماقوس كان الرجل قد بناه ليكون مقرا للزوجية .

وفي هذا القصر كان اللقاء بين مواطنين من سائر الأجناس والطبقات ..

- من تذكر من هذه الأسماء؟

- أذكر أخى وصديقي وزميلي الأستاذ موسى صبري ... والأستاذ نجيب ناشد المحامي وزميل لا أذكر اسمه الثاني كان اسمه خليل .. وآخر كان اسمه ماهر .. كانوا شبابا صغيرا .. وكان من العسكريين عبد الوهاب حسني .. وكان من بين هؤلاء الرئيس محمد أنور السادات .

- ووجدت الخيط أمامي فالتقطته بسرعة .

- هل كان هذا اللقاء هو أول لقاء بينك وبينه وماذا كانت تهمته؟

- قال يتذكر

- نعم لم أكن أعرفه إلا في حدود بسيطة جدا حينما كان يأتي للإخوان المسلمين مع كل الضباط الأحرار الذين كانوا يمرون علينا .

- وهل كان عبد الناصر معهم ؟

- عبد الناصر لم يكن وجوده واضحا في الإخوان إنما الذين كانوا يترددون باستمرار ووجودهم واضحا هم أنور السادات وكمال الدين حسين وحسين الشافعي وقد كانت فيهم نزعة للتدين ..

واللقاء الأول في سن الشباب وفي معتقل ربما يلقي الضوء على شخصية الرئيس السادات فسألته :

- هل يمكن أن تقول لنا ملاحظاتك على شخصية أنور السادات ؟

- كانت ملاحظاتي الأولي على أنور السادات أنه كان رجلا كتوما لا يكاد يتحدث إلا في حرص شديد أما أوضح ما فيه فهو أن ملاحظاته كانت في غاية القوة وعاطفته قوية كان فياض العاطفة وحينما وجدت العاطفة وجد الاندفاع .. أنور السادات كان ممتلئا بجزء عاطفي ضخم جدا يملأ نفسه في تعامله مع الناس حتى الذين يعاملهم سطحيا كان رجلا عاطفيا وتحسين هذا منه وأنت تتحدثين إليه وأنت تصافحينه أو وهو يتحدث إليك أو يسلم عليك ... كان فيه معني عاطفي دقيق جدا هذا المعني العاطفي كان يطغى عليه أحيانا .. وعلى وجه الخصوص في تصرفاته السياسية فيدعوه إلى التطرف .

- هل التطرف كان واضحا في شخصيته في هذه الفترة ؟ وكيف هرب من المعتقل ؟

- أى نعم أحسست منه في تلك الفترة أنه شديد التطرف وكنت أرد هذا التطرف فيه إلى طغيان العاطفة على عقله .

في تلك الفترة كان يعيش معنا في معتقل ما قوسة مع غيره من المعتقلين السياسيين وكان القصر قد أصبح معتقلا مكونا من دورين وكنا ننزل لننام في الحديقة وحينما أراد أن يهرب على طريقته لأنه هرب قبل ذلك من معتقل الزيتون وعلى طريقته هرب في إطار القانون وهو يحترم القانون طوال عمره ومن طبيعته أنه يضع القانون فى إطار لتحركاته فلما هرب من معتقل الزيتون ذهب وقيد اسمه في سجل التشريفات بالقصر الملكي بعابدين هو هذه المرة يريد الهرب فيريد أن يضفي على هروبه صبغة قانونية ناداني ذات ليلة وقال لى :

أنا نويت الهرب أنا وحسن عزت .

قلت:

كيف ؟

قال :

مالكش دعوة يا شيخ أحمد .. إنت تنزل تنام واحنا سنحاول الهرب وإذا هربنا ونجحنا خلاص انتهينا وإذا لم ننجح فسوف نحتمي بك ويقولون كيف هربوا ؟. لقد كانوا هنا نائمين بجانب الشيخ أحمد والناس هنا يحبونك ويحترمونك فما عليك إلا أن تقول أننا كنا نائمين معك , وفعلا جاء أنور ونام بجانبي وحينما جاءت ساعة الصفر كما يقولون استعدوا ليذهبوا إلى سور القصر ليقفزوا من فوقه وإذ سأل أحد عنهم فسوف أقول كانوا هنا من دقيقة واحدة .. يمكن راحوا دورة المياه أو ما شاكل ذلك .

ولكنهم لم ينجحوا في تلك الليلة في الهرب .

وبدأنا نتمرد على الحكم القائم في المعتقل وكنا نلقي بدواليب القصر في الطريق العام حتى لا تمر السيارات .

هذه خطة .. إذن !

- نعم خطة .. وفي تلك الأثناء تنبهوا لنا وكان هناك قومندان للمعتقل اسمه محمد على يرحمه الله إذا كان قد مات ويعفوا عنه لو كان على قيد الحياة فقد أمر الرجل بإطلاق الرصاص في المليان علينا وكدت في تلك اليوم أصاب برصاصة لولا فنجان قهوة كان في يدى فخفضت من رأسي لأشربه فلم تصيبني الرصاصة وكان الأولاد الذين معنا يقذفون الجنود بالطوب وكلما استشعر العساكر خطرا على أنفسهم أصروا على أن يقتلوا فعلا ولكن الحمد لله لم تحدث حالة قتل واحدة وبعد هذه المعركة بثلاثة أيام استطاع أنور السادات وحسن عزت أن يهربا ..

- نجحت الخطة إذن ؟

آه نجحت الخطة .. والحمد لله ..

- من أيضا من الشخصيات التي قابلتها في المعتقل ما زلت على علاقة بها ؟

كان معي في المعتقل أخي وصديقي موسى صبري وكانت تهمته الكتاب الأسود الذي أصدره مكرم عبيد . كان موسى صبري مع الشباب الصغير جدا لم يكن يعمل في المحاماة بعد .. ولكنه كان إنسانا منتهيا دقيقا كنت ألاحظه حينما أروي قصة فيها أدب وكان تقريبا يحفظ هذه الكلمات .. مرة كنت أتحدث لبعض الناس الذين أجالسهم فقلت من أبخل الناس ؟

فقال الذي أحدثه : أنا أبخل الناس .. لأنني بخيل على نفسي ... ورد آخر لا أنا ابخل الناس .. لأنن ابخل بمال الناس على الناس .. فكان موسي صبري يحفظ هذه الكلمات وأمثالها عنى وعن الآخرين .. كان إنسانا له صلة بالثقافة أو الأدب أو الصحافة .. موسي فيه عبقرية طوال عمره وفيه وفاء ولا أنسي من الكلمات التي أذكره للمرحوم على أمين أن موسي صبري لا جبان ولا متعصب .

- الشخصيات التي كانت تجتمع في المعتقلات شخصيات متباينة فماذا كان يجمعكم غير حب مصر ؟

- كان الحوار على شئ من الطرافة مليئا بالطرائف والحكم والقضايا السياسية .. وكانت تأتينا رسائل من أسرنا وأصدقائنا مهربة فكانت هذه الرسائل هي صلتنا بما يحدث خارج حدود المعتقلات .

- كيف كانت تأتيكم الرسائل ؟

- كانت ترسل لنا عن طريق الواعظ الذي كان يأتي إلينا من المنيا .. وكانت زوجتي ترسل الرسائل بلغة لا يفهمها سوانا .. أنا وهي .. كانت ترسل زوجتي رسائلها في ورقة تضعها في قلب البطاطس ومكتوبة بخط واضح وكنت أتناولها وأقرؤها وأرد عليها على طريقة رجل البوليس وكان هناك منهم ذو فضل كثير وناس طيبون جدا وكان هناك بعضهم يحفظ القرآن وكنت أقرأ القرآن ويأتي العسكري ويجلس أمام غرفتي وأحيانا أخطئ فيرد على ..

- في سجن ماقوسة كيف كانت تأتيك الخطابات ؟

- أحيانا كانت تأتي عن طريق الشيخ فوده رحمه الله .. وكان هناك أيضا بعض الأصدقاء بين حين وآخر يأتون إلينا بالأخبار وما يحدث في البلد .

- كيف كانت الحالة الاقتصادية في بيتك وأنت معتقل ووالد زوجتك معتقل ؟

- كانت أسرتها في القرية لا تنساهم وترسل لهم وتساعدهم .. كانت زوجتى حمولة وبقدر ما تطيق وكانت أحيانا تكرم أولادها بأكثر ما يكونون وأنا طليق .

- ولكن نخرج من المعتقل لابد أن يعود للحياة .. ولا أجمل من الحديث عن أكبادنا وخصوصا حينما يكون الرجل في حالة دائمة من الضيق..

- كيف استقبلت مولودتك الثانية عزة ؟

أم عزة فهذه كانت نعمة وبركة . وفي الحقيقة جاءت عزة وكان أحب إنسان لدي هو أم أبي وكانت تسمي عزة . كانت شديدة البر بي وهذه كانت رحمها الله أحب خلق الله إلي وحينما أحببت أن أرضي أبي فأسميت ابنتي على اسم أمه عزة كانت ولادتها عسرة وكسرت ذراعها فقاموا بتجبيسها فكانت موقع تدليل كثير منا ... كانت عزة محظوظة لأن اللبن كان ميسورا وكان بجانبنا في الجيزة مزرعة ويأتي الرجل باللبن .. وإذا تأخر اللين نصف ساعة عن موعده يكون البيت عبارة عن حركة الجميع كلهم في خدمة عزة ...

- هل تشبه عزة جدتك فعلا ؟

- أى نعم كان فيها من جدتي الكثير .. كانت جدتي فيها عاطفة وجاءت عزة صورة منها طبق الأصل في شكلها وعاطفتها .. وكانت تحب الأكل برغبة تجعلك مهما كنت شبعانا أن تقبل على الطعام .

- وعدنا إلى السياسة فقد جنحت على مركب عزة حتى يلتقط الشيخ أنفاسه بعد الخروج من المعتقل.

- بعد عزة كف سارت الحياة بالأب الثائر ؟

والله في الحقيقة بعد الثورة .. نزلنا من حلوان إلى مصر الجديدة في شارع اسمه غرب القشلاق . كان بيتا صغيرا به شجيرات جميلة وذات يوم إذا بموتوسيكل يجئ ومعه رسالة .. وكنت أقلم الحديقة فقال لى :

أين سيدك ؟

- ماذا تريد ؟

إبراهيم باشا عبد الهادي يريده .

وكانت مع الرجل رسالة لى ولكنه اعتقد أنني البستاني فأعطاني رسالة لكي أقابل إبراهيم عبد الهادي باشا غدا صباحا في العاشرة ..

... وذهبت إلى إبراهيم عبد الهادي وهو رجل لا ينكر فضله في الثورة الوطنية .. فقد كان خطيبها وكنت في ذلك الوقت قد رشحت نفسي في حى الخليفة لعضوية مجلس النواب وكانت المعركة شديدة لأن أفكاري كانت متطرفة ..

وأوقفت هدير الكلام .. فكان لابد أن أعلم ويعلم القارئ مدى فكر الرجل الذي يجنح إلى الاشتراكية .. ولكنه أكمل .

كانت أفكاري متطرفة .. كنت أدعو للاشتراكية لأني ناشئ من القرية من مستوي ليس أرستقراطيا فلابد أن أطالب بالإشتراكية وهى عدالة اجتماعية لا أكثر من هذا ..

واستوقفته ..

هل اشتراكية الإسلام مع قراءاتك الخارجية أو رأى خاص كونته نابع من احتياجات البيئة مع خط الإشتراكية العالمي ؟

كانت قرآتى الخارجية لا تعدو أن تكون عن التقريب بين الطبقات لم تكن اشتراكية إلحاد أو منحلة عن الدين .. ولكن كانت في إطار الإسلام الذي يحرص أشد الحرص على التقريب بين الطبقات .. لكن هذا لم يكن يرضي الطبقة الرأسمالية التي كانت موجودة في ذلك الحين ومسيطرة على العصر .. وعلى ذلك كنت قد رشحت نفسي ولم أنجح وكان الفرق بيني وبين الذي نجح عشرة أصوات أو اثني عشر صوتا فقط !

- من كان أمامك مرشحا في الدائرة ؟

كان هناك 7 أو 8 مرشحين لا أذكر منهم سوى حافظ محمود وصاحب سينما وهبي وزهير صبري المحامي وحمادة الطرابلسي ..

- كلهم فطاحل ؟

نعم كلهم فطاحل .. ولكن أنا لم يهمني وأنا أعتمد على أسلوبي في الخطابة مع الإخوان وتقدمت وكنت أخطب وأشرح للناس ما أريد ..!

- من الذي نجح؟

نجح حماده الطرابلسي ..

... وأنا رشحت نفسي مرتين ولم أنجح .. ولهذا فقد أرسل لى إبراهيم عبد الهادي لأنه كان أميرا للحج ... فأرسل ليصالحنى لأن الانتخابات لم تكن واضحة .. وقد قال لى يومها أنا جايبك علشان أصالحك .. ووجدت أن أحسن حاجة أننا نتصالح أمام الكعبة وأنا رايح أميرا للحج فتذهب معي .. روح الحق خد الحقنة بكرة علشان نسافر مع بعض .

اغتيال حسن البنا

وسافر الشيخ إلى الحج وكانت له هناك ندوات وجلسات والتف حوله الأمراء والناس ليستمعوا إلى إلقائه في الشعر وتفسيره للقرآن وأدب النبوة ..

ولكن القاهرة كان هديرها قد علا وجوها قد غلي .. وامتلأت المعتقلات بالإخوان المسلمين والذين خارج المعتقل منهم يروحون ويجئيون بين أسر المعتقلين يرعون أبناءهم وآباءهم من الشيوخ والطاعنين في السن .. وبات في كل بيت من بيوت مصر شاب أو رجل عير مطلق السراح .. وانكسر كثير من النفوس ولكن الذين كانوا بالخارج وضعوا أرواحهم فوق أكفهم ..

وكان صاحبنا مشغولا مع إخوانه خارج السجون بتدبير أحوال أصدقائهم داخل السجون .. أما المرشد العام الشيخ الإمام حسن البنا فقد كان مطلق السراح .. ولكن كان لخبيئة أعدت له وليوم مصبوغ بالدم أحيك من أجله ..

وأردت أن أعرف كيف كان الرجل حينما قتل صاحبه وأنا أعلم مدى حبه وتعلقه به وإيمانه بقوة ما يحمل الشيخ المرشد من عبقرية وهضم لعلوم الدين .. وذلك الحب العجيب الذي جعل الشيخ الباقورية يبيع أغلي ما يملك وهى ساعة والده التي أعطاها له وهو قادم للدراسة بالأزهر .. فقد باعها لأن شيخه زاره ذات ليلة وطلب أن يأكل سمكا فباع الشيخ ساعة أبيه ليأتي لشيخه بالسمك الذي تمني ..

أردت أن أستمع منه كيف سمع الخبر وكيف استوعبه وهو الذي سمع من شيخه المنام الذي رأى فيه نفسه يترك الدعوة .. قال وسحابة من الألم العظيم تظلل وجهه الكريم النبيل :

لقد توالت الأحداث وضاقت الأماكن بالإخوان المسلمين مرشدهم الشيخ حسن البنا .. وامتلأت بهم المعتقلات ولكنهم تركوا الشيخ الإمام مطلق السراح ليسهل اصطياده .. كنت معه في دار الشبان المسلمين نتحدث حديثه المعتاد الذي يحمل القلق على الإخوان والبلد , وكان دائما في تلك الأثناء يشعر باقتراب شئ لا يفسره ولا يهابه أيضا وكأن الرجل أعد لهذا الاستشهاد .. وكنت معه على الباب ووقفنا في انتظار سيارة تاكسي ولكن تذكرت أنني لا أملك إلا سبعة قروش في جيبي وكنا في ذلك الوقت مضطربين لأغاثة الكثيرين من عائلات الإخوان .. واستأذنت لأمشي حتى هو من أجر التاكسي وتوجهت لأركب القطار من محطة باب اللوق ..

وحينما وصلت إلى بيتى كان أستاذنا الشيخ دراز قد أنبأ زوجتى بخبر استشهاد السيد الإمام.. فوجدت زوجتي تجلس على سلم البيت وقد هزها الخبر وهدها هدا وآثار البكاء تصبغ وجهها فسألتها :

ما بك ؟

ألم تعلم بالخبر ؟

أى خبر ؟

- الأستاذ المرشد في القصر العيني .. لقد أطلقوا عليه الرصاص .. وأنهرت بجانبها على السلم وأنا أردد : لقد نجحوا في اغتياله .

- وقمت إلى التليفون وجعلت أسأل عنه وحينما مات حسن البنا بكيت كما لم أبك أحد من قبل .. وسأظل ما حييت أبكي فيه العظمة والعبقرية والتضحية والعلم الذي كان يعطيه للناس .. لقد كان حسن البنا أول دفعته في دار العلوم وكان مرشحا لبعثة في انجلترا . مثل كل الأوائل ولكنه لم يذهب حتى يبقي في مصر بين أبنائها .

وخرجت به من أعنف منعطفات حياته حيث فقد الأستاذ المعلم الاخ .

- قل لى يا مولانا ما هى علاقة الإخوان المسلمين بالضباط الأحرار ؟

أعرف أن ألأخ كمال الدين حسين والأخ حسين الشافعي والمرحوم أنور السادات .. كانوا على جهة اليقين متأثرين بالإخوان ويصرون على حضور دروس الثلاثاء ولكن القصة التي لا أنساها أبدا أنني حين ليت الوزارة في عام 1952 زرت دار المرحوم جمال عبد الناصر وكانت زيارتي إياه في حجرة صغيرة على يسار الداخل إلى بيته ودعاني إلى الجلوس على كنبة صغيرة لا تحتمل أكثر من شخصين أو ثلاثة ثم قال لى :

هنا كان يجلس الإمام الشهيد حسن البنا وأذكر أننى يومها قلت أرجوا أن يكون مجلسي هذا مذكرا لك بما عسي أن تكون قد ضقت به يوما من الإخوان المسلمين قال الرجل لا وستري يوما أنني لم أكن عدوا للإخوان المسلمين .

- من الضباط الأحرار كان على صلة بك قوية ؟

- في الواقع أن الأخ الفاضل رشاد مهنا كان صديقا لى وقد دعاني قبل الثورة لقضاء شهر رمضان في العريش .. ولكن لم أذهب .. وبعد قيام الثورة وعندما ذهبت لأحلف اليمين نظر كلانا إلى الآخر وكأننا نقول .. كل كان في طريقه وتلاقينا عند الثورة ...

الحوار السادس:الثائر في سلة الثوار

شاهد على ثورة 23 يوليو

في ثورة 23 يوليو يقف الباقوري شاهدا عليها وعلى أحداثها التي عايشها وشارك فيها .. ويروي الباقوري بداية صلته بالثورة والثوار .. ويكشف أسرارا جديدة لنا ز. ما هي صلة الإخوان بالثورة ؟ ولماذا وافق على الاشتراك فى حكومة الثورة ؟ ولماذا اختلف جمال عبد الناصر ومحمد نجيب ؟ وما هو موقف أنور السادات في مجلس الثورة ؟ وكيف كانت علاقة عبد الناصر مع زملائه ؟

إن الشيخ الباقوري يفتح صفحات الذكريات عن ثورة يوليو – ويروي أن الهضيبي – المرشد العام – طلب منه أن يدعو للملك فاروق ليلة 23 يوليو حتى لا تنكشف الثورة .. وأن الإخوان كادوا يضربونه لأنه قبل الوزارة .. وأن نجيب طلب من عبد الناصر أن يسميها " نهضة " بدلا من " ثورة " .. وكان رد عبد الناصر  : لا يمكن أن أكون عضو مجلس قيادة النهضة .. هذه ثورة ونحن ثوار ..

ليلة الثورة

في حياة الإنسان ليال كثيرة تكاد تكون توائم .. ولكن في حياة كل منا أيضا ليال يقف عندها الدهر وتترك بصمتها في الذاكرة .. وكلما استدعيت أحسست أنك تعيشها تماما ... ومهما مر العمر فإنها تلح عليك وتجئ إليك وتمحو غيرها .. وليلة 23 يوليو بالنسبة لليالي مصر كانت الليلة الساخنة الحاضرة .. تلك الليلة التي لوت عنق التاريخ في المنطقة كلها .

- ... والثائر دوما .. تري ماذا كان حاله ليلة الثورة ..؟

وكان هذا سؤالي الأول لمولانا الشيخ الباقوري .. واعتدل الرجل في مجلسه وأزاح العمامة إلى الخلف .. تماما كما كان يفعل في صدر شبابه .. كأنها حركة تزامل الأحداث الهامة .. ثم قال :

كنا في درس الثلاثاء .. وكان مولانا المرشد حسن البنا قد لحق بالرفيق الأعلي وخلفه الإمام حسن الهضيبي .. وكنت مسئولا عن " السنة" فقد كانت لنا أقسام ولك قسم منها رئيس والقسم الذي كنت أشرف عليه هو أدب رسول الله في الأحاديث النبوية..

واضطررت لمقاطعته حتى نطل على جماعة الإخوان ..

وما هي الأقسام الأخرى ؟

القرآن .. التاريخ .. التصوف... وكان لكل من هذه الأقسام رئيس أو مشرف يجد فيه صلة عاطفية وعلمية وثقافية بما يضم القسم ..

واخترت أنا قسم السنة .. أى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ...

وتصادف في تلك الليلة أن قام قائم يخطب في مناسبة زيارة زائر من باكستان .. وقد تحدث الثائر باللغة الانجليزية وقام أخ مسلم يترجم من اللغة الانجليزية إلى اللغة العربية .. وكان هو الأخ الأستاذ محمد المعلم... كان يترجم من قلبه ولسانه ..

وما زلت أذكر الجملة التي افتتح بها ترجمة حديث الإمام الباكستاني فقد بدأها بقوله :

... إنني أستطيع أن أترجم الكلمات التي سمعتموها من الانجليزية إلى العربية .. ولكنى عاجز عن أن أترجم العاطفة التي اشتملت عليها في أثناء الحديث ..

وبعد أن انتهي كان المفروض أن أقوم وأعلق بحكم عملي .. وقبل أن أتهيأ للكلمة ألقي في سمعي الإمام حسن الهضيبي أن أدعو للملك ولولي العهد ..

فعجبت .. لم يطلب منى هذا وهو المرشد وهو الأحق بهذه الكلمة ... لأنني لا أريد .. فأنا رجل من الذين لم يبلغوا مرحلة قوية في هذا الباب .. فقد كنت وقتها شيخا لمعهد المنيا الديني .. وبعد أن جلست قام هو فتكلم ثم جلس بجانبي وقال :

- العجيب أننى رفضت أن أقول ما دعوتك أن تقوله .. " يقصد الدعاء للملك "..

- واستنتجت ليلتها أنهم كانوا يعرفون في تلك اللحظات أن الثورة قد بدأت تتحرك طلائعها الأولي ..

.. كانوا يريدون إذن عمل تغطية على الثوار بالدعاء للملك في اجتماعهم هذا ..!

- نعم .. وما أكثر التغطيات التي كنا نلجأ إليها لكى نستتر في ظلالها بعيدا عن أعين البوليس السياسي ..

- وقبل أن نناقش مع ثائرنا الشيخ علاقته بثورة يوليو تحسسنا طريقنا إلى موقعها في نفه ..

- الحقيقة التي لا ينبغي إغفالها في هذا المقام .. إن المرحوم الرئيس علي ماهر كان سياسيا داهية من الطراز الأول .. وكان صاحب الدولة محمد باشا محمود يخشاه ولا يطمئن إليه ... كما كان أيضا الإمام الأكبر الشيخ مصطفى المراغي غير قوي الثقة فيه .. وحينما قامت الثورة واختاروا علي ماهر رئيسا لأول وزارة توجسنا خيفة.

- هل استدعاك الضباط الأحرار ؟

- لا.. فقد فتحوا الباب لمن يريد .. فذهب إليهم وفود من الإخوان المسلمين ولكني لم أكن معهم ..

- كيف بدأت إذن العلاقة بينك وبين ثوار يوليو ثورتهم ؟

العلاقة بدأت حينما كنت أهاجم علي ماهر باشا في مقالات نشرتها في جريدة الأخبار .. وكان كامل الشناوي يقرأ بلغته الحلوة ونغمته الجميلة كلماتي فيطرب لها ويطرب الناس لها ..

- وماذا كان عنوان أول مقالة ؟

الأزهر ومنطق الثورة .. وكنت أتجول في تاريخ الأزهر في تلك المقالة ثم أتبعتها بمقالة ثانية ثم ثالثة.. حتى أننى كتبت مقالا لم ينشر إلا بعد أن عينت وزيرا .. وكان الأدب الجم لأخي وصديقى الأستاذ مصطفى أمين جعله يسألني هل ننشر المقال الذي عندنا أولا ننشره فوافقت على النشر .

- هل أرسلوا يستدعونك بعد هذه المقالات ؟

- لا..!

- كيف التحمت إذن بثورة يوليو واستوزرت ؟

- بعد نشر مقالاتي ضد علي ماهر .. وكان هذا بعد قيام الثورة بحوالي شهر .. أى في خلال أغسطس وفي أوائل سبتمبر .. كنت ذاهبا إلى الإذاعة لأسجل حديثا هناك كنت أعددته لأهاجم فيه استغلال الفلاحين .. وفوجئت بأن دار الإذاعة ما زالت محاصرة .. فقلت للحر س الذين حول الباب : إن عندى حديثا أريد تسجيله ولكن أحدهم قال لى : أنت حتنصب علينا وتدخل هنا تعمل اللى أنت عاوزه روح يا عم شو فلك حتة ثانية بلاش لعب عيال .

وكان صديقي بالإذاعة هو الشاعر محمود حسن إسماعيل .. ولم أجد أحد يعرفني في الإذاعة فانصرفت عن التسجيل وكنت متعبا .. فجلست على قهوة " وبار الحرية" في باب اللوق انتظار للقطار لأذهب إلى حلوان .. وبينما أنا جالس إذا بأحد أبناء الإمام الأكبر الشيخ مصطفى المراغي يتحدث إلى قائلا : إن الإمام يريد أن يتحدث إليك.. فطلبته من تليفون قريب وقال لى .. نحن سعداء بك ..

- وأحسست من الحديث أن هناك أمرا لم أعرفه تماما ولكنه كان إحساس داخلي فقط وألغيت فكرة الذهاب إلى حلوان وذهبت إلى صديقي المرحوم يوسف حسن عمر وهو صديق عزيز زاملني في قسم التخصص وتخرجنا معا ثم تقدمنا لمدرسة الصيارف معا ورفضنا في يوم واحد أيضا .. قلت أذهب إليه ونتحدث أقعد معاه شوية.. وهناك تغذينا . فقد كنت جوعان جدا وإذا بعربة " جيب" ومع من فيها الشيخ دراز يبحثون عني في كل مكان .. حتى أنهم ظنوا أنن سافرت إلى المنيا .. خاصة أنني كنت قد نهرت زوجتى لأنها طلبت منزل رشاد مهنا وطلبت منها أن تعرف خبر عن ابن مصطفى المراغي لأن والدها طلب منها ذلك .. وكنت قد غضبت غضبا شديدا لهذا الأمر .. المهم ان العربة الجيب حينما ذهبت إلى البيت وسأل من فيها عنى وقالوا إن غير موجود .ز لم يصدقوا وعرفوا مكاني بطريقتهم الخاصة التي لا يعجزها شئ .. عرفوا أنني في القلعة عند يوسف حسن عمر قد علم وقتها الشيخ دراز أنني مرشح للوزارة من " أخبار اليوم " وكان هذا اليوم هو الأربعاء 7 سبتمبر بعد قيام الثورة بشهر ونصف تقريبا ..

واضطررت أن أقاطعه :

- هل شعرت أن ثورة يوليو هي جزء مكمل لثورتك الدائمة ؟

- كنت أعلم في نفسي أن هذه هي الغاية الثالثة التي كان يقصدها المرحوم الإمام المرشد حسن البنا لأنك تعرفين أن ثورة الإخوان وصلب عقيدتهم هي ثلاثة أشياء تغيير العرف والطريق الدستوري ثم طريق آخر أى الثورة .. فإذن حينما تأتي الثورة إذن هذا هو الطريق الآخر ..وأنا عالم يومئذ أن هناك تشكيلات من الإخوان المسلمين في الجيش .. وهناك تشكيل أخر منهم في البوليس .. وإن مصر من أقصاها إلى أقصاها مجندة لفكرة الإخوان المسلمين ..ومادام الأمر هكذا فلابد أن يشترك الإخوان المسلمون في الحكم ..

- أكمل لنا الطريق إلى الوزارة !

- وذهبت مع الشيخ دراز ومعي أخي الحبيب الذي لا أنساه موسى صبري وقال لى موسي : مصطفى أمين وعلى أمين عاوزينك في الأخبار .. فذهبنا إلى الأخبار ..وهناك قال لى أخي مصطفي أمين : الرئيس محمد نجيب كلف بتأليف الوزارة وهو يطلبك لمقابلته في قصر عابدين الساعة 6 .

- وسألت مصطفى أمين : ما رأيك يا أخ مصطفي هل أقبل ؟

قال : طبعا .. بالتأكيد بلدك تناديك !

- كيف رأيت محمد نجيب لأول مرة .. الانطباع الأول عنه ؟

رأيته رجلا طيبا .. وكنت أسمع عنه من قبل منذ معركة انتخابات نادي الضباط التي وقف فيها أمام القصر متحديا .. وهو رجل ذو سمعة طيبة بين الناس .

- ومن تذكر أيضا من وزراء تلك الوزارة؟

أذكر حسين أبو زيد .... وكان أحد رجال الحزب الوطني القديم وقد ولي وزارة المواصلات وسليمان حافظ وزيرا للداخلية ونائبا لرئيس الوزراء . وفتحي رضوان وزيرا للدولة ونور الدين طراف وزيرا للصحة وقد قال لى قبلها أنه ذكر اسمي بين الضباط الأحرار.

- ماذا حدث بعد أن حلفتم اليمين ؟

- ذهبت إلى الأخ رشاد مهنا الذي هنأتي .. ولذلك لم أنزل معهم لأخذ الصورة التذكارية .. وقد حجزني معه لنزور صديق متصوف يدعو لى ويوصيني وفعلا نزلنا ولكنى قلت له : أري من الأمانة أن نمر على المرشد العام حسن الهضيبي وأخبره بالذي حدث ..

- ماذا كنت علاقتك بالإخوان بدقة في ذلك الوقت ؟

كنت عضوا بمكتب الإرشاد .. وأنا أصلا كنت نائبا لحسن البنا .. وكنت أمارس النيابة والإخوان في ذلك الحين وقبل مقتل حسن البنا أرسل يستدعيني عن طريق أحد الأصدقاء .. وذهبت إليه في داره في حارة سنجر بالحلمية الجديدة.. فإذا بالرجل رحمه الله يجلس أمام طبلية عليها بعض الأرغفة وعليها طبق من الفول المدمس وملاحة وبصل .. والفول ليس فيه زبد ولا سمن ولا زيت فلم أقبل لأننا تعودنا أن نأكل الفول المدمس إما بالسمن أو بالزبد أو الزيت.. فلما رآني غير مقبل على الطعام ... اتجه إلى الرجل منفعلا متأثرا وقال ... الإخوان المسلمين في معتقلاتهم جياع ولا أحب أن آكل طعاما سخيا لذيذا وهم جياع .

وشكرت له حقيقة لأني تذكرت أن أمير المؤمنين عمر حرم على نفسه في عام الرمادة أى دهون حتى أن لون جلده قد تغير من شدة التخشن .

ثم قال لى :

أحب أن أخبرك خبرا وأنت عليه أمين مأمون وهذه الكلمة تخصني دائما فقد كان يطلق على الأمين المأمون .

قلت للإمام :

أنا تحت أمرك

قال سأختفي ..

قلت : ماذا تعنى ؟

قال : أنا حاسس أنني سوف أختفي وأنني سوف أجد نفسي بعيدا عن مقامي هذا . قلت له : لا أكاد أفهم شيئا ..

قال : أنا رجل أري المنام ومنّ الله على بأن يحدث كما أراه .. لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يركب ناقة ومعه أبو بكر على الناقة ... وأنا أقود من زمامها .. وإذا هذا الزمام ينقطع من يدى فجأة ويأخذه من لا أعلم.. فأولت ذلك أننى لن أتابع الوصول إلى الغاية التى أريدها بالدعوة .. ولكنني أخذت على نفسي عهدا بأن نظل في هذه الدعوة نتوارثها واحدا عن واحد حتى نلقي الله بحيث لا تنحل الدعوة ..

فإذا احتفيت فأنت مكاني.. إرع الإخوان واصنع ما يرغبون مما يقيم حياتهم .. ولكن على أن يبقي لك هذا الوضع إلى أن يخرج الإخوان من معتقل الطور .. فإذا خرجوا فهم أحرار عند ذلك أن يختاروا لهم مرشدا عاما , وهذا هو القدر الذي أريد أن أصرح لك به آمرك أن تنفذه .. فمن هنا بدأت منصب المرشد العام للإخوان وهذا ما أردت أن أفت إليه قبل الوصول إلى مكتب الإمام الهضيبي لأعلن له أنني قبلت الوزارة .. وقد أكون أحق الإخوان بعضوية المكتب بل وبالمرشد العام للإخوان المسلمين ... من ذلك أن حسن البنا أوصاني أن أعتني بأسر الإخوان المعتقلين .. وهذه وصية كان لابد أن أنفذها واى واحد بغالبني عليها لابد أن أغالبه ..

واستطرد يقول : نعود لرشاد مهنا ونحن خروج من قصر عابدين بعد حلف اليمين قال لى : تعالي معي ... عندي سيارة أوصلك بها .. ولكن بشرط أن أتركك على الباب لكن لا أصعد معك عند حسن الهضيبي ..

قلت : وهو كذلك !

وصعدت إلى حسن الهضيبي ودققت الباب وفتحوا لى .. وإذا بعض الإخوان قد عرفوا وكانوا قد أرسلوا وفدا للاشتراك في الوزارة ولم أكن من هذا الوفد .. وإذا بالضباط الأحرار يختارون الشخص الذي ظنوا أنهم سينتفعون به .

- طبعا مقالاتك التي هاجمت فيها علي ماهر باشا مهدت لك .. وثورتك في الأزهر قبل ذلك أيضا !

- قال مفسرا :

لقد كان أهم ما طالبت به في مقالاتي للثوار عدم استغلال الأغنياء للفلاحين :

- هذا يعني قانون الإصلاح الزراعي ..

تماما ولكن من غير النص .. المهم أنني دخلت إلى الأستاذ الهضيبي وقلت له : سيدي لقد جئت الليلة لأبلغك أنني قبلت الوزارة قال : لماذا؟

قلت : قبلت الوزارة لأنني قرأت عن الإمام حسن البنا كلمة لا أنساها .. كان يقول ويضرب بالمثل ..

قال وما هى الحكمة؟

قلت : إن الله يصلح بالسلطان مالا يصلح بالقرآن .. فماذا اجتمعت القوة التنفيذية للآية الكريمة من كتاب الله أو الحديث من أحاديث رسول الله كان ذلك أمضي بما نريد أن نصلح به ... هذا واحد ..

الأمر الثاني ... أنه كان يضرب الواحد دايما في رمضان يولع السيجارة ويفطر ... فما جاء وزير يأمر بالصيام صام .. فالقوة لابد منها ليس بالضرب على الأيدي ولكن للإرهاب والتخويف .. هذا والإمام حسن البنا وضع فيما وضع " وطريقة أخرى معروفة " وإنما فهمت من الطريقة الأخرى أنها ثورة وبما أن الذين قاموا بها ضباط أحرار مقدروون أنا رأيتهم ولعلك أن تكون قد رأيتهم فيكون في هذه الحال من الخيانة للوطن أن أتخلي عنهم ولا أستجيب لدعوتهم .. وقد سألت صديقا عزيزا على فنصحني أن اقبل الوزارة فقبلتها ..

وأردت أن أستوضح بعد هذا الشرح الوافي نقطة هامة للتاريخ ..

- هل كان هناك صراع بينكم وبين الهضيبي ؟

قال ينفي بشدة :

- لا.. الرجل كان راضيا غاية الرضا لأنني بعد أن أسمعته هذا الحديث قال لى : اسمع يا شيخ باقوري .. أنت تعرف أني أقدرك وأحبك وهذا واقع لا ريب فيه ...

- وأردت زيادة في الإيضاح أن أسأل : وباقي أعضاء مكتب الإرشاد .. ماذا كان موقفهم ؟

- قال الذي يرسم حياته باللوحات :

- كانت صورتهم هكذا ... بعضهم نائم وواضع رجل على رجل وبعضهم مبوز وبعضهم كاد يشتمني وبعضهم يكاد ينهال علي ضربا ..

- من تذكر منهم ؟

- حسن العشماوي رحمه الله ومنير الدلة وغيرهما .. ثم قال حسن الهضيبي :

- يا أخ أحمد .. أكتب لنا ورقة تستقيل فيها من الإخوان المسلمين

- حتى لا تحمل أوزارنا ولا نحمل أوزارك .

- ولكن هذا تعسف منهم ..

- قال صاحب السماح الدائم :

- لا .. هو له وجهة نظر مع الإخوان وأنا لا أتهمه بالتعسف أبدا ..

- أنت تقدس الحرية !

- قال موافقا :

- نعم .. أنا أعطي له حريته .. سألته بعد ذلك : ماذا أكتب ؟ قال الإمام الهضيبي : أكتب الذي تكتبه !

- قلت : لا .. أكتب ما تمليه على وأرجو ألا نكون مثل تلميذ الجاحظ .

- فظن أنها سخرية .. وقال : ماذا تريد بتلميذ الجاحظ ؟

- قلت : الجاحظ أديب العربية الأكبر كان يقول : لى تلميذ أملي عليه فيسمع غير ما أملي ويكتب غير ما يسمع ويقرأ غير ما يكتب ..

فضحك رحمه الله وقال أكتب أنت وأرحنا حتى لا يكون هناك جاحظ ولا تلميذ جاحظ ..

- فكتبت هكذا :

السيد / المستشار حسن الهضيبي

المرشد العام للإخوان المسلمين

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته فإنني أرجو أن تقبل استقالتي من مكتب الإرشاد العام للإخوان المسلمين "

قاطعني الهضيبي وقال قبل أن أوقع : لا مش بس كده ؟

قلت : وماذا تريد إذن ؟

قال : أضف إلى الاستقالة هذه الجملة :

" ومن جميع تشكيلات الإخوان المسلمين في الشعب والأقاليم "

قلت : حاضر وأضفت هذه الجملة :

" ومن جميع مؤسسات الإخوان المسلمين في مختلف الشعب وسائر المؤسسات التي فيها مراكز للإخوان والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المخلص

أحمد حسن الباقوري

عضو مكتب الإرشاد سابقا

وأغلقت معه صفحة الإخوان .. الصفحة فقط ولكن روح الدعوة تعيش مع الرجل الثائر منذ لقائه الأول مع الشيخ حسن البنا .. أغلقت فقط الصفحة حتى نصل حديثا انقطع عن اللقاء مع الثورة والثوار .

- هل يمكن أن تقيم لنا شخصية محمد نجيب بعد أن رأيته ؟

قال وهو يعبر عن شخصية الرجل رغم اختلاف نوع الثورة تماما :

الحقيقة أن الرئيس محمد نجيب كما قلت رجل طيب القلب .. والرجل الطيب القلب لا يستطيع أن يقود ضباط أحرارا لهم أهداف بعيدة قد لا يوافقهم عليها .. إنه يستند إلى عسكرية قديمة تقوم على السمع والطاعة جنديا وقائدا .. أما إخوانه فهم ليسوا كذلك ... فهم قوم من الناس يريدون أن يأمروا فيطاعوا والعيب في هذه المرة أنها جاءت من فوق ولم تجئ نتيجة تربية وإعداد كما يقول المرحوم عبد الناصر نفسه .. ولكنهم فرضوا ثورتهم على الشعب وفرق بين أن تنبع الثورة من الشعب وبين ان تفرض الثورة على الشعب .

وكان كلام الرجل تحليلا لمفهوم ثورة يوليو ... هذا التحليل جعل سؤالي يفرض نفسه :

هل أحسست أن هناك فجوة بين محمد نجيب وبينهم ؟

قال الذي عايش الثوار وهم يبحثون عن أرض صلبة يقفون عليها :

نعم كانت هناك فجوة بينه وبينهم وهذه الفجوة كانت وليدة الفارق الكبير في معني الثورة .. على سبيل المثال .. قال اللواء محمد نجيب .. لنترك كلمة ثورة وتستبدل بها كلمة نهضة .. وهنا ثار جمال عبد الناصر بحدة شديدة وقال :

" أنا لا يمكن أكون عضو مجلس قيادة النهضة .. إحنا أعضاء مجلس قيادة الثورة .. يا سيادة الرئيس .. هذه ثورة ليست نهضة إذا كنت تريد نهضة شو فلك ناس تانيين غيرنا "..

وهذه كانت كلمة جمال عبد الناصر التي لاشك في أنها كانت نابعة من قلبه .. وكانت تعبر عن طبيعته وتصرفاته أقوي تعبير ..

وبرز سؤال آخر حتى نكون منصفين في حوارنا لكل الثوار :

هل كان معظم أعضاء مجلس قيادة الثورة مختلفين مع الرئيس نجيب أم عبد الناصر فقط ؟

قال وهو يصر على الدقة في القول :

عبد الناصر كان أبرزهم عنادا له وحرصا على تقويمه لأنه كان فاهما أن محمد نجيب ينتمي ولو باطلا لمؤسسة قد ينتفع بها وقد تنتفع به على حساب الثورة ..

- متى أحسست بانكسار العلاقة بين نجيب والثوار ؟

انتظر قليلا قبل أن يسترسل قائلا :

ليس من السهل أن تظل المودة والوئام بين مختلفين على هذه الصورة الأساسية .. صورة تعبر عن الإصلاح بنهضة .. وهى أخف صور العمل على الإصلاح .. وقل أن يجتمع أقوي الصور مع أضعف الصور .. ولذلك لم يكن بد من أن يجئ يوم يختلف فيه الرئيس محمد نجيب مع زملائه الضباط بقيادة جمال عبد الناصر .. وقد حدث هذا حينما أخرج الرئيس محمد نجيب كتيبا شهيرا بعنوان " مصير مصر " !

وهذا الكتاب يكاد يكون هجوما على الضباط الأحرار وكان مكتوبا بلغة اعتقد أنها ليست لغة اللواء محمد نجيب ..

- من تظن إذن كاتب الكتاب ؟

قال وهو لا يريد أن يدخل في متاهات ربما أضاعت منه الخيط :

والله الظن هنا سوف يؤذي بعض الناس ولذلك سوف أتركها للتاريخ .

وهذا الكتاب عندي وأنا حريص على أن يظل في مأمن عن أيدى الآخرين والمتربصين والسارقين ..

هل كانت الوزارة هى آخر طموحات الشيخ الثائر ؟

هل كانت الوزارة هي الطريق السريع لتحقيق أحلامه في التغيير ؟... لقد استطاع أن يربط بين ثورة يوليو والطريق الثالث لدعوة الإخوان المسلمين ولكن كان لابد من هذا السؤال :

- هل الوزارة في رأيك هي جزء تنفيذي لثورتك ؟

- قال وقوله يؤثقه فلسفته :

لابد من الإيمان الوثيق بأن القوة التنفيذية قوة السلطان في اليد إلى قوة القرآن في الوجدان هى أقوي ما يمكن أن يعتمد عليه المصلح لإصلاح المجتمع الذي يريد إصلاحه وقد ظل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عاما في مكة يدعو إلى الإصلاح دعوة بينة المعالم خفاقة الأعلام . يتبدى الخير العميم فيها للذين يأخذون بها والذين يعرضون عنها من قريش ومع ذلك لم يصل إلا إلى القليل مما أراد صلى الله عليه وسلم.. فلما هاجر من مكة إلى المدينة وأقام دولة المتقين في المدينة المنورة تغيرت الحال وبدأت الدعوة الإصلاحية تمشي بخطي وئيدة ثابتة حتى أوشكت أن تعم العالم .. فلا ريب في أنه إذا ظاهرت الثورة المادية أو قوة السلطان قوة القرآن في الدعوة فتلك هي غاية الغايات في الإصلاح ..

وكانت هذه هي الغاية العليا التي كان يتحراها قائد دعوة الإخوان المسلمين وإمامها ومرشدها الشيخ حسن البنا .. ومن أجل ذلك كنت حريصا على أن أتقلد منصب الوزارة لا لأمل فيها – لأن لها بريقا يقينا

– لكنني لم أقصد إطلاقا إلا أن أكون وفيا للدعوة التي نشأت في أحضانها ..

منصب شيخ الأزهر

ولا أعتقد أن طموحات الشيخ الثائر لم تطف يوما – قبل أن يصول ويجول في الحقل السياسي – حول مشيخة الأزهر وكان هذا قلب سؤالى :

-هل كانت الوزارة منصبا لتحقيق خططك في الإصلاح أكثر من منصب شيخ الأزهر مثلا ؟

- لا ريب أن النظر إلى الوزارة بما فيها من سلطان وإن كان سلطانا أدبيا و إرشاديا عن طريق المساجد أو سلطانا عن طريق رفع الضيم عن الفلاحين ورفع الضيم عن مستحقي الوقف الأهلي .. كانت وزارة الأوقاف بهذه الاعتبارات شيئا عظيما بلا ريب وأمكن للإنسان أن يفعل ما يريد ولكن مشيخة الأزهر من الصعوبة بمكان ... لماذا ؟

... لمنطق التجربة .. فإن شيخا من شيوخ الأزهر لم يهدأ له بال ولم يستقر له قرار لشدة ما حيك حوله من متاعب ودسائس ومؤامرت .. وقد تمثل لى حينما اقترح المرحوم [[إسماعيل القباني على من أخي عباس عمار الأخ فؤاد جلال رحمه الله أن أخذ منصب مشيخة الأزهر تمثلت شيوخ الأزهر الذين ضاق بهم الأزهريون وضاقوا هم بالأزهريين فلم ينفعوا أنفسهم ولم ينفعوا المسلمين ..

ولذلك زهدت في مشيخة الأزهر رغم أنها عرضت على أكثر من مرة وآثرت عليها وزارة الأوقاف ..

كانت العمامة وصاحبها أمرا عجيبا بين " كابات " الضباط .. كانت كما المطوقة بين الألوان الكاكي .. كان ثائرا ولكنه تحت العمامة .. وكانوا هم ثوارا من تحت السلاح .. وصاحبنا دائما يقظ يتأمل ويعطي رأيا فيما يري ... وبعد مرور واحد وثلاثين عاما أسأله عن رأيه في هؤلاء الأحرار الذين ثاروا ..

- كيف سارت العلاقة بينك وبين أعضاء مجلس قيادة الثورة ؟ ...

أنور السادات مثلا قابلته معتقلا ثم قابلته حاصدا نتيجة كفاحه . كيف رأيته ثائرا وعضوا في مجلس قيادة الثورة ؟

- وتأملوا معي كلماته جيدا فهو يرسم صورة عمرها 31 عاما :

- أنور لم يتغير كثيرا بالنسبة لى لأنه يعلم أننى كنت أحبه لدماثة أخلاقه ولحبه الشديد للقراءة ولحرصه الشديد على المعرفة .. ولأنه رجل يحترم الواقعة .. إلى جانب ذلك كله كان العيب الوحيد فيه أنه كان يجب أن يري نفسه فوق الذين يصادقهم دائما .. وهذه مسألة قد تضيق بها صدور بعض عارفيه فإن التواضع خير ما يتحلي به الرجل الكبير .. أنور كانت فيه فضائل كثيرة ولكن المعني المتعب فيه أنه كان دائما يحب أن تكون كلمته هى الكلمة المسموعة .

- وخالد محيي الدين .. ماذا عنه ؟

- الحقيقة أن كثيرا من الناس لا يعرفون أن خالد محيي الدين له جد صوفي ولعل فيه نزعة صوفية .. لست على وجه اليقين ولكن أنا مؤمن بنظرية الوراثة ..

- إن جدة لأمه كان إسمه محمد العاشق وكان له ضريح فى التكية التي كانت موجودة في شارع الخليج .. وحينما أردنا أن نهدم التكايا جاء لى في وزارة الأوقاف وقال لى : جدي مدفون هنا وأرجوك بلاش تهدم التكية وتبني عمارة !

- فقلت له : أهدمها وابني عمارة وأقيم لجدك ضريحا ومسجدا صغيرا في أسفل العمارة .. والشيخ محمد العاشق جد خالد محيي الدين لأمه هو رجل من المتصوفين الأتقياء .. خالد مهما قال الناس فيه أن له صداقات في الاتحاد السوفيتي أو في الصين فإن فيه جانبا إنسانيا رائعا وعظيما ..

وما رأيك في عبد اللطيف بغدادي ؟

- عبد اللطيف بغدادي رجل مهذب شديد الأدب ... لولا أني أذكر ذات يوم في مناقشة في مجلس الوزراء حول إلغاء الترام وإلغاء قطار الدلتا .. فقلت له : إن إستبدال الترام بالأتوبيس سيحرم الفلاحين الغلابة الذين يركبون ومعهم جبن وزبد وفراخ .. إن هذا الإلغاء لا يتفق مع غايات الثورة التي من شأنها أن ترفق بالشعب ..

- فقال لى : أنا أستطيع أن أعمل قانونا أمنع به دخول الحاجات دى إلى القاهرة سواء كان بالترام أو بالأتوبيس كان يقول كلماته عن رأى ولكن في ذات الوقت مؤدب مهذب .. أخذ عليه أيضا أنه هدم بليل كثيرا من الزوايا لكي يفسح مجالا للشوارع ينتفع بها في القاهرة .. وقد كان لهذه الزوايا خيرات وكانت عليها أوقاف فزالت وكان من الممكن أن ينتفع بها الناس ..

- وما رأيك في زكريا محيي الدين ؟

زكريا رجل دقيق لين الملمس ولكنه بعيد النظر يحب أن يصل إلى أغوار الأمور .. ومثل هذا قد يضيق كثيرا من الذين يزاملونه في عمل من الأعمال ..

- وكمال الدين حسين ماذا تقول فيه ؟

كمال الدين حسين .. الجانب العسكري فيه أقوي من الجانب المدني ولكنه رجل مؤمن يخشي الله وفيه تقوي وحرص على الإسلام ..

- وحسن إبراهيم ..؟

حسن إبراهيم رجل لطيف المعشر دقيق الحاشية مهذب الكلمات !

وأنا أؤكد للتاريخ أن كل أعضاء مجلس قيادة الثورة كانوا مجموعة قل أن يوجد ما يفضلها من خيرة الرجال عبر تاريخ مصر ... وهنا يحضرني ما قالته امرأة عربية حينما سئلت : من كان أكثر أبنائك فضلا ؟ فقلت المرأة : كان أبنائي كلهم فضلاء .. يتسابقون إلى الفضائل الاجتماعية فلا يسبق أحد أحدا منهم ..

مشكلتهم إن قلت أيهم أفضل . ثم قالت : هم كالحلقة المفرغة من الحديد أطرافها اتصلت ببعضها وليس لها أول من آخر ..

- وصلاح سالم ؟

صلاح سالم صحبته في رحلة السودان ولكنه لم يعجبني في التعامل مع الناس !

هل كان عصبي المزاج ؟

- ... نعم .. كان عصبيا .. وكان يحرص أن يري نفسه فوق المدنيين شديد الاعتزاز بالعسكريين .. ويري أنهم أصحاب الفضل الأول في الثورة مع أن جمال عبد الناصر رحمه الله لم يكن يري هذا .. وكان يقول إن المدنيين مكملون للعسكريين لأن المدنيين يتكلمون باسم الشعب والعسكريين يتكلمون باسم الجيش .. وقوة الجيش وحدها بغير مساندة قوة الشعب لا تعني قليلا ولا كثيرا .

- صلاح سالم كان يحرص على أن يكون دائما معتزا بالقوة العسكرية ..

وجمال سالم ؟

- كان جمال رحمه الله شديد التعصب لرأيه لا يبالي أن كان حقا أو باطلا مثلا كان هناك رجل يعمل في التلفونات اسمه متولي .. وكانت له آراء شاذة الفقه فكان جمال سالم يأخذ بهذه الآراء الشاذة فإذا لفت نظره إلى ذلك لم يلتفت ولكن كانت فيه فضيلة .. كان إحساسه بالشعب عميقا جدا ...

- والمشير عبد الحكيم عامر كيف كانت شخصيته ؟

- عبد الحكيم عامر .. إنسان نشأ في أسرة غنية جدا .. وأولاد الأغنياء عادة يحرصون أن ينتفعوا بأمثالهم .. ولذلك كان يحرص عبد الحكيم عامر دائما على أن يوثق صلاته بمن يري أنه قادر على الانتفاع به ..

- كيف؟

كل إنسان له جاه وله أسرة يحاول عبد الحكيم عامر أن ينتفع به ولا يفرق بين اتصاله بالثورة وعدم اتصاله بها وإيمانه بها أو عدم إيمانه بها .. لا ينظر إلا إلى نفسه فقط .. كذلك كانت له نظرية خاطئة ... فإنه يري أنه بالجيش أقوي من جمال عبد الناصر بالشعب .. وهذا كان أقوي خطأ وهو الذي جعل الموقف ينفجر انفجارا هز الثورة ..

وحسين الشافعي كيف تراه ؟

حسين الشافعي كان رجلا طيبا .. الروح المدني فيه أبرز من الروح العسكري ..

ماذا أخذت يا سيدي من الثوار وماذا أخذوا منك ؟

وقال وكأنه يحتفل بعيد من أعياد الحصاد :

- أعتقد أنني أخذت منهم أشياء لا أستطيع إحصاءها ... ولابد أن أكون قد أخذت لأن تبادل المنافع صورة من أعز الحياة وأصدقها .. لكنني أعطيتهم نتيجة تجاربي حين كنت زعيما لثورة الأزهر وحينما كنت داعي للإخوان المسلمين .. وكنت أتقدم دائما أما المتحدثين من رجال الثورة وشعبنا شعب عاطفي يؤمن بالدين ويعشقه ويحبه ويأنس للمتحدثين به .. فكانت مهمتي أن أخطب قبل أن يخطب جمال عبد الناصر .. فتلين القلوب وتستعد النفوس لقبول الكلام .. فإذا جاء بعد ذلك عبد الناصر يخطب وجد الأرض ممهدة الطريق مسلوكا .. فأستطيع بغير أن أظلم في الحق والتاريخ أن أقول إنني أعطيت الثورة أعز وكل ما أملك من تجاربي وقدراتي وإن أخذت فقد أخذت تجاربهم واتعظت بمواقفهم الماضية فتجنبت الأخطاء التي وقعوا فيها .. وتجنبوا هم الأخطاء التي وقعت فيها .

الحوار السابع: أزمة الوزراء المدنيين مع ضباط الثورة

.... ولماذا قدموا الاستقالة الجماعية ؟

وتمضي ذكريات الباقوري .. عن الثورة والثوار

وتروي تفاصيل أحداث مثيرة .. تروي قصة ثورة الوزراء المدنيين في أول وزارة برئاسة محمد نجيب .. وكيف قدموا استقالة جماعية .. وكيف غضب عبد الناصر لإشتراكي معهم ؟ وتمضي الذكريات إلى رحلاته العديدة مع قادة الثورة في الداخل .. وكيف فوجئ عبد الناصر بهتافات الإخوان المسلمين وهم يحملون المصاحف .. ثم تنتقل الذكريات لتروي تفاصيل لقاءاته مع الملك عبد العزيز والأمير فيصل وماوتسي تونج .. وتمضي الأيام بصحبة قائد الثورة .. وتتعدد الأحداث بلقاء حزين .. كان من أصعب اللقاءات في تاريخ الرجلين معا ..

قبل أن ندخل في دائرة الفراق بينك وبين عبد الناصر لنراقب ما انقطع من صلتكما .. وقبل أن ندخل في دائرة الانفصال عن الثوار لابد أن نأخذ منك ملامح الثوار الأخيرة التى اختزنتها وعن زعامة محمد نجيب .. ماذا عن هذا الرجل الذي حكم مصر مع بدء الثورة ؟... وعن علاقة الناس به ؟

وقال الشيخ الباقوري :

لا أجد أصدق مما قاله أحد الصحفيين الأمريكيين في وصف علاقة الناس بمحمد نجيب .. قال :

إن جماهير الشعب المصري كانت قلوبهم متعلقة بقبعة محمد نجيب وأصبح بينهما اتصال كهربائي .. كلما حركها لهم ازدادوا هتافا له ..

وكان تعبيرا عجيبا إلى حد كبير ولكنه صادق ..

وخطر لى سؤال طغي على عقلي عن خلاف عبد الناصر ونجيب وأزمة مارس المشهورة في عام 54.

- هل كان يباشر محمد نجيب مهام منصبه كرئيس مثلا .. وكيف كان ينتزع السلطة من بين مخالب الثوار ؟

- كان يباشر مهام منصبه مع زملائه من رجال الثورة وذاك أمر طبيعي لأن هؤلاء الثوار اشتركوا في الثورة ولا يستطيع الرئيس نجيب أن يتصرف وحده ...

- كانوا يحاسبونه في أحيان كثيرة على بعض تصريحاته وكان كما أبلغنا في أكثر من مناسبة يجلس على كرسي أسماء ( كرسي الاعتراف ) ويقول عن نفسه أنه أخطأ في كذا وكذا وأنهم يجب أن يحاسبوه في هذا بغاية الصراحة والصرامة والصدق .. هذا ما سمعته بنفسي من الرئيس محمد نجيب ..

هناك وقفات هامة في حياتك وزيرا .. منها أنك حملت استقالة الوزراء المدنيين إلى محمد نجيب .. كيف ولماذا؟

- قال الباقوري :

قصة الاستقالة أن الوزراء المدنيين كانت تحكمهم غلطة في رءوس بعض إخواننا العسكريين الذين كانوا يفرقون بين المدنيين والعسكريين وكأنهم هم أصحاب السيادة بحكم أنهم ثوار وكان المدنيون لا يرون أنفسهم أقل نصيبا في مناصرة الثورة سواء قبل قيامها أن بعد قيامها من الضباط الأحرار ... فهذه الحساسية الشديدة جعلت في كثير من الأحيان الأعصاب مشدودة .. وفي ذات يوم التقينا في دار الدكتور نور الدين طراف وتداولنا الحديث فيا بيننا فأجمعنا على أن نقدم استقالة جماعية من الوزارة.

واقترح بعض الأخوة في هذا الاجتماع أن يكون حامل هذه الاستقالة إلى الرئيس محمد نجيب هو وزير الأوقاف ...

وأخذنا الاستقالة وذهبنا إلى الرئيس نجيب وكان ينزل في ذلك الوقت في مينا هاوس لأنه كان هناك بعض الضيوف الأجانب وكان ينزل معهم في هذا الفندق ورحنا نسابقه ونلاحقه ولكن قبل أن أسلم الاستقالة للرئيس نجيب رأيت أن أتصل بالمرحوم الرئيس جمال عبد الناصر بالتليفون واتصلت به فعلا وكان مستنكرا هذا استنكارا شديدا وقال لى بلهجة العاتب ..

نحن نعتبرك واحدا منا فلماذا تشارك الآخرين في مثل هذا العمل ؟ فالحقيقة أنني تأثرت لهذا تأثرا شديدا ومع ذلك فإنني ذهبت إلى الرئيس نجيب وسلمته الاستقالة ولكنا أمرنا من قبل الرئيس عبد الناصر بأن نعود وأن ننبه على كل الذين وقعوا على الاستقالة أن يعودوا غدا إلى مناصبهم كما كانوا لأنه لا معني لهذه الاستقالة .. وهكذا إنتهت الأزمة وعدنا كما كنا إخوة متعاونين لما فيه خير مصر ..

ولم تكن جولات الشيخ الباقوري مع الضباط الثوار تمر عادية على الأحداث بل كان لها وضع في إطار النظرة العالمية للثورة وكان المراقبون الدوليون يدرسون إستقبال الناس في الأقاليم لثوار يوليو ويقول الشيخ الباقوري :

- قطعا كانت زيارات عبد الناصر وضباط الثورة للشعب في الأقاليم تعطي إنطباعا للذين يراقبون الأحداث من قريب أو بعيد وهذا الانطباع كان يتكون قلة وضعفا وكثرة وإقبالا وإدبارا بمقدار صورة الاستقبال الشعبي للزعيم أو لوقت الثورة سواء كانوا عسكريين أم مدنيين.

- وكنا كلما وصلنا لمكان تستقلبنا الوفود مهللة مرحبة ونتوقف لنخطب ونتحدث ونناقش ونبشر بأفكار الثورة .. إلا مرة واحدة كانت غير مقبولة حيث استقبل الإخوان المسلمون ركب التحرير في احدي المحطات وهم يرفعون المصحف وكأنهم يقولون نحن أحق بهذه الثورة منكم .. وكانت هذه الصورة قد أثارت الثوار وخصوصا الذين لا يحبون مثل هذه الأساليب وأنا منهم لأنه لا ضرورة إطلاقا في وخصوصا الذن لا يحبون مثل هذه الأساليب وأنا منهم لأنه لا ضرورة إطلاقا في مبلغ علمي لمقاومة الحكم والوقوف في وجهة خاصة إذا جاء بالحق ثائرا على وضع خاطئ وخصوصا أن ثورة يوليو قامت في ظل وافر من تأييد شعبي ومن اعتزاز صادق بقوة الجيش حتى أن الرئيس جمال عبد الناصر رحمه الله ثار ولم يستقبل وفود الإخوان المسلمين بالصورة التي كان ينبغي أن يستقبلوا بها ولكنه كان ثائرا فصنعنا كل ما نستطيع في هذا السبيل لكي نهدئ من الغضبة سواء تهدئتها فينفس إخواننا الذين يعتزون بالثورة أو في نفس الإخوان المسلمين الذين كانوا يحبون أن يستولوا عليها .

- وكما سار الشيخ مصر كلها من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب فإنه قد وسع الخطي أيضا إلى خارج مصر .. لقد كانت رحلات الشيخ رحلات عجيبة جمع فيها بعينين وأذنين أكثر مما قرأ ألف قارئ .. لقد كانت رحلات الشيخ خلال الناس أيضا ولنبدأ سؤالنا بالناس ..

- رحلت خلال شخصيات كثيرة الملوك ورؤساء وعلماء نريد أن تلقي لنا بعض الضوء على بعض الشخصيات التى لقيتها وتركت أثرا في نفسك ؟ ...عاهل السعودية الراحل الملك فيصل ماذا رأيت عنه وفيه ؟

- لقيت الملك فيصل قبل أن يلي الملك .. لقيته أميرا للحج عام 1952 وأذكر أول مقابلة جيدا فقد ذهبت مع أعضاء بعثة الشرف وأنا أحمل الخطاب التقليدي لأعطيه للملك عبد العزيز وكان من رئيس الجمهورية الرئيس محمد نجيب وكان الملك يقطن بيتا متواضعا في الرياض وكان قد مرض مرضا لا يتمكن معه من القيام على قدميه وقبل أن ندخل رأيت شابا يقف بالقرب من الباب . كان شابا خجولا سمحا وأعجبت ببساطته وحينما اقتربنا منه تقدم إلينا وقال :

- تسمح دقيقة ؟

- تفضل ..

- فقال بصوت خفيف يوجه الكلام إلي:

- والدي مريض ولا يقوم لأحد لأنه لا يستطيع القيام فإذا دخلت عليه وصافحته وأعطيته الخطاب ولم يقم فلا يكن في صدرك حرج .

- أمام هذه الكلمة النبيلة من أمير جليل يروعك منظره ويعجبك أدبه يؤثر فيك صوته المنفعل لإشفاقه على والده حتى لا نتأثر بأى موقف آخر .

- ودخلت الدار وإذا بالرجل جلس على كرسي ومن حوله يجلس العلماء ورجل في يده كتاب ويقرأ بالطريقة السعودية ما في هذا الكتاب ." قال رسول الله عليه وصلم وهكذا حتى قضي الوقت المضروب له فقال وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. وذلك يكون إعلانا بانتهاء الزيارة وحينما دخلت بهذه العاطفة التى لقيني بها الأمير فيصل انحنيت وسلمت على الرجل وقبلت يده ثم أعطيته الخطاب فسلمه للرجل الواقف خلفه .

وعند الباب إذا عينا الأمير فيصل قد امتلأتا بالدموع ثم تقدم إلى يقول : شكرا لك يا أخ باقوري على التصرف الكريم وقد أثر فيه الموقف أعظم تأثير وكان الرجل لا ريب رجلا شريف النفس كريم الأخلاق ..

- والملك عبد العزيز كيف رحلت إلى شخصيته ؟

- الملك عبد العزيز كان رجلا بدويا لم يتأثر بالحضارة ويحسن لقاء الناس ويحسن الانصات إلى ما قال الله وقال الرسول ويجمع حوله أهل العلم .. وهذه كلها معان تدل بلا ريب على عظمة هذا الرجل الذي أسس المملكة العربية السعودية صانها الله وحفظها .

- هل هناك مواقف حضرتها تدل على عقلية سياسية للملك فيصل وهذا ما عرف عنه بالفعل ؟

- طبعا هناك مواقف كثيرة للفيصل سواء في السعودية أم خارجها ولكن الموقف الذي لا أنساه هو ثاني مرة أقابله فيها وكنا في الطريق إلى باندونج عام 1955 وكان هو رئيسا لوفد بلاده إلى المؤتمر وكان قد جاءني وزير الشئون الدينية في باندونج وقال لى أقدم لك دعوة من الوزارة لتخطب الجمعة في المسجد الكبير بمدينة باندونج وأرجوك ألا تعتذر فإنك أزهري وعنوان على الأزهر والناس هنا يستمعون إلى خطبتك كل أسبوع عن طريق الإذاعة .

ولم يكن بد لمثلي من أن يستجيب لهذه الدعوة الكريمة فقبلت .. والذي دعاني إلى القبول أيضا أن صاحب هذه الفكرة قال لى إن رجلا عسكريا جاء إلى هنا وخطب الجمعة بملابسه العسكرية وهو الضابط محمد أنور السادات فإذا خطب ضابط بالبدلة العسكرية وأنت تعتذر عن الخطبة فهذا يكون عيبا علينا جميعا نحن المسلمين في هذا البلد وأنت إذا خطبت فسوف تري أن مدينة باندونج وما حولها سوف يضيق بها المسجد وما حول المسجد ..

- وكان أعضاء البعثات يدعون كل يوم في حفل سفارة من السفارات المختلفة في باندونج وقد دعاني سفير المملكة العربية السعودية إلى حفل استقبال رئيس الوفد السعودي في باندونج وكان هو الأمير فيصل .

- وهناك قابلني على طريقتي البسيطة المرحبة ووجدته قد انتحي بي جانبا وقال :

يا أخ باقوري.. تسمح أقول لك كلمة ؟

نعم .. قال : بلغني أنك ستخطب الجمعة في المسجد الكبير في باندونج وبي إليك حاجة في هذا الموقف بالذات .

قلت : ما هي ؟

قال :

أنت تعرف أن بين الوفود الحاج أمين الحيسني رئيس وفد فلسطين وأهل هذه البلاد يقدسون فلسطين ويقدسون كل من يقوم مقاما دينيا في فلسطين فإذا كنت تقبل نصيحتي بعد أن تستأذن رئيسك فالأمر إليك .. تخطب في الناس .. وأنا سمعت خطبك وكلها طيب وسمعتك تقول أن الإسلام دين الحرية والعدالة والسلام .. فإذا قلت هذه الكلمات في مدي ربع ساعة ونزلت عن المنبر لتؤم المسلمين في الصلاة وأنت في المحراب أدع بصوت مرتفع الحاج أمين الحسيني يؤم المصلين تكريما لفلسطين فى شخص الحاج أمين الحسيني وبهذا تؤدي حقا لابد من أدائه وترضي هذا الشعب المسلم الذي لا يرضيه شئ أحسن من هذا .

ونحن في الطريق داخل المسجد إذا بي ألمح مدفعين على المنبر !... لقد خشيت هذه الصورة فعلا .. مدفعان منصوبان وبينهما أنا خطيبا ؟ ماذا يعني ذلك هل في قدرة المدفعين المنصوبين أن يحمياني من فدائي يتسلل إلى جوار المنبر وعن طريق المدفع أيضا .. الحقيقة أننى خشيت على نفسي لكن قلت الذي يعزيني في هذا الموقف أنني إن قتلت فسوف أقتل وأنا في الطريق إلى الله وإلى أداء خطبة الجمعة والصلاة ورغم اهتزازي داخليا من وجود المدفعين إلا أن هذا لم يمنعني من تنفيذ الخطة كاملة استعنت بالله فأعانني وقمت فقلت أن الإسلام الذي جاء به محمد رسول الله يقوم على أصول ثلاثة لا كون مسلما من يجحدها ويتنكر لها أو يخرج على نطاقها وهي الحرية والعدالة والسلام فإذا أحببتم أن تكونوا مسلمين بحق فهذه هى الطريقة ولا يوجد مجتمع في الدنيا يمكن أن يقوم مع الإسلام في هذا المجال .. حرية تقوم على لا إله إلا الله وعدالة يتكافل فيها المسلمون بحيث إذا مات مسلم في القرية من الجوع فكل من في هذه القرية آثم عاص الله ورسوله .. وسلام الإسلام مأخوذ من الإسلام وبعد أن أتمتت حديثي قلت في الميكرفون : تكريما لشعب مجاهد ذاق من ويلات الحياة ما ذاق ولي فيه أخوة أعزاء هو شعب فلسطين .. تكريما لهذا الشعب في شخص رئيس وفده الحاج أمين الحسيني أستأذنكم في أن أدعوه إلى أن يؤمنا في الصلاة الحاج أمين الحسيني .

فقام الناس وهللوا : الله أكبر ... الله أكبر ... الله أكبر ... وتقدم الحاج أمين الحسيني وصلي .. وبعد أن فرغنا من الصلاة جاء الأمير فيصل – فلم يكن قد تولي العرش بعد – جاء إلى وقال لى : إننى دائما أري بدا من شكرك لأنك تستجيب دائما لكل نصيحة توجه إليك فقلت ... أنا أستجيب دائما لكل تصرف يضيف قيمة لمعني الحياة .

ولكن .. هنالك رحلة هى ما أعلم درة رحلاته والزهرة التي يعلقها في ذاكرته دائما .. تلك كانت رحلته إلى الصين .. وكانت الصين كما الحلم لنا .. حلم سياسي وحلم تاريخي ... كانت رحلة الشيخ هى أول إطلالة لنا على الصين وأول مرحلة في العلاقات الرسمية أيضا . ما قصة الرحلة .. كيف ذهب ولماذا دعي هو بالذات ؟

الصين يا مولانا هى روح أسيا وعقلها .. الصين هي الأنامل التي تطرز وبنفس النمنمات يفكر العقل .. الصين هي أعظم تجربة لإثبات أن تحديد النسل ليس سبيلا إلى التقدم بل هي الكثرة لأو أحسن استغلالها لأصبحت خيرا كثيرا .. ماوتسي تونج ... التراث ... الفكر والفلسفة الصينية .. صن يات صن ... ماوتسي تونج ... شواين لاي ... الصين التي جعلت من السور الذي أغلق عليها طولا لمسيرتها العظيمة .. كيف رأيت يا سيدي تلك العيون الصغيرة المبتسمة دوما ؟

لكي نتحدث عن رحلتي إلى الصين يجب أن نبدأ من برنامج باندونج أول مؤتمر لعدم الانحياز لدول آسيا وأفريقيا والذين كانوا يطلقون عليه المؤتمر " الأفروأسيوي" .. ففي آخر جلسة من جلساته في مدينة باندونج خطب الرئيس شواين لاي رئيس حكومة الصين وقال في نهاية خطبته أنه يدعو الوفود المشتركة في المؤتمر إلى زيارة الصين على حساب الحكومة ليروا أن الصين مع أنها حكومة علمانية لا صلة لها بالدين فإنها مع ذلك تحترم عقائد الدنيين وتعطيهم حرية الإعتقاد , كنا في ذلك الوقت بعضنا ينزل في فنادق في مدينة باندونج أما عبد الناصر فكانوا ينزلونه في قصر صغير في ضواحي باندونج فكنا ننتهز الفرصة دائما مساء لكي نذهب لزيارته في داره التي كان ينزل فيها وكانت الوفود من آسيا وأفريقيا تأتي لزيارة جمال عبد الناصر وكثيرا ما كان يدعو إلى العشاء كثيرا من هذه الوفود على مائدته التي كان أشهر ما عليها الجبن المصري الدمياطي الذي كان يعجب به زعماء آسيا وأفريقيا برغم إمتلاء السوق هناك بكل منتجات الألبان من هولندا التي كان لها سلطان على جمهورية أندونيسيا ..

وفي نهاية الرحلة كنا في جلسة عند عبد الناصر وننتظر بعض الوفود التي كانت تزوره .. وجاءت بعض الوفود وأخبرونا بما قاله شواين لاي في خطبته عن دعوة من يشاء من الوفود المشتركة في المؤتمر.... وقال عبد الناصر ..

رأيي أن تذهب لزيارة المسلمين في الصين , وكان بجانبي المرحوم صلاح سالم فقال :

فعلا .. وأنا أذهب معه ..

فقال عبد الناصر  :

أنا أقول للشيخ أحمد أنه يذهب لزيارة المسلمين في الصين وهو حين يذهب لزيارة المسلمين في الصين يذهب لزيارتهم بوصفه رجلا من رجال الإسلام ورجلا من رجال الأزهر الشريف وأنا قررت ذلك في كل خطبة وفي كل رحلة رحلتها وأنت يا أخ صلاح ما تسافرش !

وسافرت إلى الصين ..

وقبل أن يستغرق الرجل في وصف الرحلة العظيمة الأثر العميقة التأثير سألته ما يريد أن يسأله القارئ أيضا :

- كيف رأيت الزعيم ماوتسي تونج ؟

- إن شخصية هذا الرجل وفلسفته وذكائه ظهرت في حفل إستقبال للقائه ولست أنسي أبدا الحكمة التي بدت من تصرف الزعيم ما وتسي تونج في تلك الليلة .. لقد وقفنا صفا واحدا نحن رؤساء بعثات الدول ننتظر قدوم الزعيم " ماو" وكنت في مكاني بعيدا عن الباب وتقريبا في نهاية الصف ودخل الزعيم ومن ورائه وزراؤه ومعاونوه ولم يشأ أن يقف لكي يصافح الناس الذين يتقدمون إليه ولكنه ترك كل هؤلاء الناس وجاء إلى أنا وصافحني يدا بيد وقال لى زملاؤه ..

- لقد صنع هذا لأنه علم أنك رجل من الأزهر الشريف فلما رأى العمامة واضحة بين الرؤوس العارية قصد إليك يحييك تحية خاصة . والرجل والحق يقال رجل زعيم يستحق كلمة زعيم وقد أهداني كتابه الذي أسماه " أكبر مسيرة في التاريخ " ذلك لأنه مشي مع زملائه الثوار على قدميه كارا وفارا مسافة إثني عشر ألف ميل وهذا شئ عجيب يضاف لعجائب الصين .

- وأعجب ما رأيت الصين بشكل خاص ؟

كان مما يثير الإعجاب في أنفسنا ونحن نصاحب الذين يرافقوننا في زيارة الآثار ... كنا نري ما يخص الإمبراطور والإمبراطورة موضوعا في مكانه وكأنه لم تحدث ثورة مع أن ثورتهم على الأباطرة عمرها طويل .. ومع ذلك ظلت آثار الإمبراطورة موجودة كما هي حتى أنه يقال إن الحذاء الذي كانت تلبسه موضوعا في مكانه لم يمس وهذا أعجب من العجب ..

- وشئ عجيب آخر لا تنساه ؟

- من الأعاجيب التي رأيناها شجرة فروعها وغصونها والطير الذي على غصونها كله مصنوع من حجر الجاد الأخضر الجميل ... هذه الشجرة سألت عنها فقالوا إنهم استقدموا أمهر الأخصائيين في العالم ليقوموها فأخبروا جميعا على وجه اليقين أن هذه شجرة لا يمكن أن تصل لتقويم لأنها فوق كل مال : هذا أيضا شئ عجيب .

- الإنسان أعظم مخلوقات الله .. الإنسان يزرع .. الإنسان يحصد الإنسان لسان ناطق بالحكمة ... قل لى يا شيخنا ما هو إنسان الصين ؟.

يثير الإعجاب في تلك البلاد أن الإنسان من أكبر كبير لأصغر صغير يرتدي بدلة واحدة هى البدلة التي يطلقون عليها بدلة " صن يات صن" والتي رأوا تخليدا لذكراه أن يأخذوا بدلته وأن يجعلوها بدلة شعبية عامة ذات لونين أزرق للطبقة العاملة ولون أقرب إلى البياض هو للزعامات أو لمن هم أقرب للزعامات والشعب الصيني شعب عظيم بالإنسان الصيني ذاته وهو ملزم صادق كل الصدق راق في تذوقاته مولع بالموسيقى والشاى ... الناس هناك لا يكفون عن شرب الشاي كوب ذاهب وكوب قادم والموسيقي في القطار وفي كل مكان .. وشئ آخر يستلفت الإعجاب وهو أنهم جميعا في المقاهي والمحطات وفي كل مجالات الخدمة التي يقدم فيها تحية للضيوف يلبسون " الكمامة" حتى لا يتنفسوا تنفسا يبلغ منطقة الكوب الذي يحمل سائلا أو الحلوى أو الطعام وهذا في الحقيقة أدب شديد وتصرف كريم يقي الناس شر العدوي ..

- والمسلمون في الصين ؟

حسن ‘سلامهم وتعلموا لغة القرآن بفروض الله وقد تعلم بعضهم في باكستان وبعضهم في الهند وبعضهم في الأزهر الشريف ... ومن اللطائف التي لا أنساها أن مرافقي ومترجمي في الرحلة كان أحد تلاميذي في مصر الذين تعلموا في الأزهر أيضا وقد احتفي بي المسلمون هناك إحتفاء كبيرا سر النفس وجعلني أشعر بعظمة ذلك الدين الذي وصل إلى آخر الدنيا وسوف يعود ثانيا يسطع بنوره من جديد ... وحينما زرت مع علماء المسلمين سور الصين العظيم وجدتهم يزعمون أن هذا السد هو سد ذي القرنين وكنت قد قرأت في الهند قبل أن أبلغ الصين بحثا لمولانا أبو الكلام أزاد حول سد ذى القرنين وأن هناك فرقا هائلا بين السد الذي أقامه ذو القرنيين وبين سد الصين العظيم ..

الحوار الثامن: عندما استقال المدنيون

ارتفعت حرارة الحديث مع الشيخ الباقوري عن ذكرياته حينما حملتنا رياح يوليو وأعادتنا إلى أيامها الأولي .. وامتلأت أحرف الشيخ شبابا وثورة .. لم يعد ذلك الثائر الحالم بالثورة منذ أن كان صغيرا أخضر العود غض الصبا تطأ قدماه الحقول ويحلم أحلاما خضرا بالتغيير .. لم يعد ابن باقور الذي يحلم بأسيوط ولا بالشباب الشاعر الذي ملأ معهد أسيوط الديني بأشعاره في الدين والثورة ... الذي يحلم بالقاهرة .. ولا بابن الأزهر الذي ثار ثورته في عام الأزهر رغبة جامحة في الإصلاح .. وصلنا لى يوليو وعطرت حوارنا إنجازاته .. وصلنا إلى يوليو وحامت حولنا أرواح من رحلوا من رجاله العظام .. وصلنا إلى يوليو وأزاح شيخنا العمامة وكأنما يستوحيها الذكريات الأولي .. والتحم الشيخ مع الثوار حاملا كل ما أخذ من معلمه وأستاذه وشيخه حسن البنا من تعاليم هى روح الإسلام وبنائه .. تكلم الشيخ في إيجاز عن أبطال يوليو الذين قال عنهم إنهم كانوا مجموعة من فضائل الرجال قل أن تجتمع في مكان واحد ..

ونمضي مع الشيخ الباقوري في حواراته الحارة .

ذلك الشهاب الذي لمع في حياتنا مهما أحرق فقد أضاء ومهما عشنا فنحن نقف أمامه سواء من محترفي السياسة أو متملقي الزعماء .. والاقتراب من الشهب دائما خطر ... الضوء الساطع يعمي العين والنار ربما تحرق .. ولكن شيخنا الثائر استطاع أن يقترب من الزعيم .. واستطاع في فترة قصيرة جدا أن يكون من المقربين إليه والذين يستريح إليهم .. نادرا ما كان عبد الناصر ذلك الذي حطمه موت أمه – نادرا ما كان يأنس إلى أحد في شكواه الخاصة ولكنه أنس إلى الشيخ النازح من أعماق الصعيد مثله .. الشيخ من " باقور " وعبد الناصر من " بني مر " وكلاهما ابتلعته مصر وتمني لها أمنيات عظيمة عامة .. والتقي الاثنان على باب الأمل .. كان عبد الناصر يحب الشيخ أحمد حبا جما ويحكي له كلمات سنحت الفرص كيف واجه اليتم وحده ... وكيف أخفي عنه أبوه وفاة أمه ... ولكن كيف اقترب الشيخ من الشهاب المنير كثيرا المحرق قليلا .

- كيف رأيت عبد الناصر لأول مرة ..؟

تمثل الشيخ ما حدث تماما واستعاد ما حدث وبدأ يحكي وكأنه يخاطب نفسه :

رأيت جمال عبد الناصر في مجلس قيادة الثورة وكان في هذه الليلة معنا أيضا وجيه أباظة ... كان مستمعا... ينظر بعينيه الشديدتى الذكاء لكل متكلم وكان يرد بكلمات قليلة واضحة معبرة .. وكان النقاش يدور حول وصول الثورة إلى الناس .. كان عبد الناصر شديد الاهتمام بالشعب .. كان عجولا بالنسبة لتجاوب الناس مع الثورة .. وفجأة قال عبد الناصر : عاوزين نعمل قسم للثورة .. ثم نظر لى وقال : الشيخ الباقوري هو الذي يستطيع أن يكتب لنا ... ما رأيك يا شيخ أحمد ... وأحسست بذكاء الرجل .. إ،ه يريد أن يجمع الناس حول كلمة وقسم وهو بهذا يعرف قيمة هذا الشعب وحبه لما يجمعه وكتبت القسم وكان هكذا :

" اللهم إنك تحب الأقوياء وتكره المستضعفين وتنشر رحمتك على الذين يلجأون إليك ويستعينون بك "

وكان هذا في نهاية عام 52 وفي مطلع 1953 قام محمد نجيب بتلاوة القسم وردده وراءه الآلاف في ميدان عابدين

أحسست من هذا المطلب أن عبد الناصر يريد أن يثبت علاقة الجيش بالشعب في قسم يجمع الجميع ... أحسست أن هذا الاقتراح ليس وليدة فكرة سريعة ولكنه نتيجة لإحساس بأهمية توثيق علاقة الشعب بالجيش ..

واستوقفت الرجل لا لتغيير مجري الحوار ولكن لفتح قنوات أكثر على شخصية الرئيس عبد الناصر ذلك القائد الذي لابد أن يعرف عنه شباب اليوم ما فاتهم معرفته ..

- ماذا لفت نظرك في شخصية عبد الناصر .... ما هو المفتاح المادي لزعامته ؟

أول ما لقيت جمال عبد الناصر وجدت رجلا تتوافر فيه صفات الزعيم وحينما نقرأ في سورة البقرة " إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم"... قامة الرجل المديدة وعيناه العميقتان وحرصه على أن يعرف .. كانت هذه هى خصائصه التي يؤثر بها في الجماهير ..

طويل القامة مؤمن بما يقول عميق النظرات يحب شعبه .. إذا رضي عنك أرضاك وإذا غضب عليك أغضبك ..

- وماذا رأيت منه أيضا ؟

سمعته متحدثا في نادي الضباط بالزمالك بعد الثورة بفترة غير قصير ة وكنا آنذاك نشترك في إقامة حفل لتكريم علي ماهر باشا بعد أن خرج من الحكم وحل محله الرئيس محمد نجيب .

وجدته حريصا على الوفاء لكل الذين عرفهم مجاهدين في سبيل هذا البلد ثم قال في بعض مجالسه إن كل ثورة يجب أن تقوم عن تدبير وتخطيط ولكن ثورتنا جاءت على عكس هذا جاءت نتيجة ثوار ثاروا ثم وصلت ثورتهم إلى الشعب وكانت هذه أولي الحقائق التي يعترف بها جمال عبد الناصر والاعتراف بالحق بلا ريب فضيلة وقد كان من الممكن أن يتجاوز هذا .

- بعد أن دخلت شاهدا على التاريخ في حكومة الثورة .. من هي الشخصية التي أحسست أنها تنازع عبد الناصر الزعامة ؟

- لا استطيع أن أقول إنه كن من ينازع عبد الناصر الزعامة لأن شخصية الزعيم الإنسان هي جزء من تأثيره على الشعب ... إن الانشقاق الذي حدث بينه وبين محمد نجيب لم يستغرق وقتا لإثبات زعامة عبد الناصر واضطروا أن ينحوا نجيب عن الجيش وأن يعين مكانه عبد الحكيم عامر في تنفيذ هذا القرار غير أن ألأخير أضر بثورة يوليو لأنه أراد أن يتقرب إلى الجيش ليعتز به فأعطي الضباط ما يحبون ولكن عبد الناصر كان صاحب الزعامة الحقة فأعطي الشعب ما جاءت من أجله الثورة بتحديد الملكية الزراعية , ثم التأميمات بعد ذلك .

واستنتجت فقلت :

- أى أن عبد الناصر كان زعيما بلا منازع!

أى نعم ... كان زعيما بلا منازع وكان هناك قلة من المنازعين الذين كانوا يلجأون لبعض الحاقدين في الداخل أو لبعض المتربصين ف بالخارج .. وهذه طبعا منازعة غير مشروعة .. لقد اتضح لى من أول الأمر أنه قائد ثورة يوليو وتأكد لى بعد ذلك بعد أن شاهدت بنفسي عناية أجهزة الإعلام العالمية بتقديم عبد الناصر .. كانت متكالبة على أخذ صوره في جميع مناسبات الثورة .. أذكر مرة أنه جاءت وفود إعلامية من عدد كبير من دول العالم وأقيم مؤتمر صحفي كبير للثوار في فندق سميراميس وذهبنا إلى هناك وإذا كل عدسات المصورين مركزة على جمال عبد الناصر وذلك يعني أن هذا هو الرجل القادر أن يسوس ثورة يوليو .

حينما قامت ثورة يوليو لم تكن وسائل الإعلام في مصر على درجة من القدرة الكافية على التوصيل – توصيل الثوار بالطبع – لا عن قصور الأجهزة ولكن لأن الكهرباء لم تكن قد وصلت إلى النجوع والقري بل وبعض المراكز أيضا وكذلك لم يكن الترانزستور قد وصل بعد .. وكان على الثوار أن يصلوا بأنفسهم إلى الناس وكان لشيخنا خبرة في الوصول إلى الناس حيث كانت رحلات الإخوان وشيخهم حسن البنا قد جعلت أقدامهم توسع الخطي بطول مصر وعرضها .

- من صاحب اقتراح فكرة " ركب التحرير" الذي طاف مصر ؟ أنت وأعضاء مجلس قيادة ثورة يوليو ..؟ لماذا بدأتم المسيرة ؟

- كان لهذه الرحلات أساس هام جدا .. هو أن الشعب يجب أن يثق بأن هذه الثورة ليس كما يصورها بعض خصومها فيقررون في خطبهم العامة ومجالسهم الخاصة وسرائرهم وعلانيتهم أن جمال عبد الناصر في مصر هو كمال أتاتورك في تركيا أى أنه فاعل بالإسلام في مصر ما فعل أتاتورك بالإسلام في تركيا .. كان هذا يجب أن يغيب عن أذهان الناس ..

- وكيف استثمرت الثورة مولانا الشيخ الباقوري؟

الشيخ الباقوري يا سيدتي لم يترك قرية في مصر من الإسكندرية إلى أسوان لم يزروها متحدثا إلى الناس عن الإسلام الذي ينتظم بالإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والعقائدي .

- ماذا عن حواراتك مع الثوار في هذه الرحل؟

بنفس هذه الكلمات وأن الثورة لم يكن لها بد أن تعتنق الإسلام وتعلنه إلى الناس حتى يثقوا بها ولا يأخذوا بما شاع عنهم بالخطأ من أنهم لا يهتمون بأمور دينهم ولذلك حينما أخرج معهم في ركب التحرير كنت أطرق معهم نفس الأحاديث التي كنا نطرقها نتحدث بها مع الإمام المرحوم حسن البنا والإمام حسن الهضيبي .

ودائما وليس عيبا أن يستعين الزعماء بمن يضع لهم أفكارهم في قوالب مكتوبة أو جمل تقرب هذه الأفكار أو تفتح العقول لفكرهم وكان من الأشياء التي عرفت في سنوات الثورة الأولي أن الشيخ حسن الباقوري كان يكتب لعبد الناصر خطبة وليس أمامنا مصدر صدق أكثر من مولانا نفسه وكان لنا سؤال له وعنه :

- هل كنت تكتب وتتدخل في تشكيل فكر أو خطب عبد الناصر ؟

قال بلا تردد وكأنه ينفي تهمة :

إطلاقا .. لا أبدا .. إلا تهيئة بعيد الفطر ونحن في أندونيسيا أو خطبة جمعة أقولها في مجلسه فيستعيدها وتعجبه الفكرة فيأخذها لا ليقولها ولكن ليقرأها لنفسه ..

وأذكر في بعض الأحيان وهذا من اللطائف أنني كنت ذات يوم أخطب في رحلة من رحلات توزيع أراضي الإصلاح الزراعي فتحدثت حديثي وبعد أن فرغت أنحني جمال عبد الناصر وقال لى هامسا :

كل ما أجمعت أن أقوله في ذهني أخذته مني ... الفكرة الوحيدة التي كنت سأتكلم عنها أنت لطشتها منى في آخر لحظة ..

قلت : على العموم ربنا يرزقك واعتمد على الله وقم وتكلم . وتكلم عبد الناصر وكان حينما يواجه الناس يجد ما يقوله ببساطة شديدة ويجد الناس في إصغاء لما يقول أيضا .

كان الرجل يلقي الشعب والشعب يتكاثر عليه تكاثرا في غير رحمة وكان الذين يزاملونه في هذه الرحلات يقاسون من الضغط أعتي المتاعب وكان من أدب الرجل أن يأذن أو يأمر يطلب من الذين يزاملونه في السيارة أن يحيوا كما يحي هو الشعب وكان يطلب منهم في حدة ألا يتركوه يحي الناس وحده بل يطلب منهم أن يحيوا معه الجماهير التي تستقبله ..

- كيف كان يقدمك عبد الناصر إلى كبار ضيوف مصر ورؤساء الدول ؟

كان يقدرني أعلى قدر وأذكر على سبيل المثال ذلك الأسلوب الذي ذكرني به في الحفل العالمي الذي أقامه له غلام محمد رئيس الجمهورية باكستان عام 1955 ونحن في الطريق إلى باندونج فقد قال الرجل لعبد الناصر  : إننا سعدنا بك يا سيادة الرئيس لخطواتك العاقلة التي تدل على زعامة أصيلة في المعاهدة التي عقدتموها مع بريطانيا ثم سعدنا بك يا سيادة الرئيس في أنك معتز بالإسلام لا تفرط فيه .

فرد عبد الناصر على غلام محمد قائلا:

إن الذي نفتخر به أن من بين الوفد صديقنا الشيخ الباقوري وهو عالم من علماء الأزهر وهو وزير للأوقاف في عهد الثورة .

محاولة اغتيال عبد الناصر

في عام 1954 اهتزت الثورة .. اهتزت لمحاولة الرئيس نجيب أن يلوي عنق الثوار واهتزت لمحاولة اغتيال عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية وكان الشيخ الباقوري موجودا يوم الاعتداء على عبد الناصر في نفس المكان ووجدت السؤال يقفز من بين حنايا الحوار :

- هناك من قالوا إن محاولة اغتيال عبد الناصر في ميدان المنشية كانت تمثيلية والخصوم هنا لا تعييهم الحيل في بث شرورهم .. ما رأى مولانا ؟

- ولم يتردد الشيخ لحظة وقال :

- كنت أجلس في الشرفة بجوار الأخ الفاضل ميرغني وزير الزراعة السوداني وإذا يداه مخضبتان بالدم وإذا بالرئيس جمال عبد الناصر منفعلا انفعالا شديدا والذي يصغي إلى انفعالاته لا يمكن أن يقول أن هذه تمثيلية أبدأ.. إطلاقا لا يمكن أن يسلم أى إنسان أنها تمثيلية .. لقد أساء بعضهم الفهم وانزلقوا خلف المغرضين حتى أنهم قالوا إن الشيخ الباقوري خطب خطبة لا يقولها إلا إنسان يريد أن يقول ما قال وقد وق حضر الخطبة وحفظها ... وهؤلاء الناس لا يعرفون أن الخطبة التي قلتها في فندق سيسيل بعد ذلك من محفوظاتي وأنا في القسم الثانوي في الأزهر عام 1927 قلت فيها يومئذ ؟: -

تمناني ليلقاني أبي ......... ووددت وأينما منى ودادي

أريد حياته ويريد قتلي ........... عذيرك من خليلك من مرادي

- نفهم من هذا أنك تعتبر أن محاولة عبد الناصر كانت من منعطفات الثورة الهامة ؟

بلا شك لقد كادت تعصف بالثورة .. إن إطلاق الرصاص على عبد الناصر في المنشية لم يكن خيرا أبدأ ..

- وكيف رأيت خلافات الثوار في مسيرتهم ؟

هذه الخلافات لم تعد دائرة الرأى فلم ألاحظ أن أحدا منهم خرج عن طور الأدب أو الهدوء قد يخرج عن طور الهدوء أحيانا أحدهم فيصرخ فيها قوة كما صنع ذات يوم المرحوم جمال سالم وكاد يلجأ إلى المسدس !

- لمن ؟

لكي يضرب الرئيس محمد نجيب !

- متي ؟

حدث ذلك في أزمة مارس عام 1954 وخشيت في الواقع من حدوث مكروه ومعرفتي لجمال سالم تجعلني لا أستكثر عليه شيئا فقلت له يا أخ جمال تسمح كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وصي غاضبا قال له توضأ ونحن هنا في هذا المكان بيننا وبين دورة المياه خطوات تعال معنا وإلا اضطررت أن أسحبك سحبا فتبسم وقام معي يتوضأ... وبهذا تخطينا منطقة الخطر حتى لا تنجلي المعركة عن شهيد بمسدس جمال سالم .

- بالنسبة لخلافات الثوار أنها كانت بسيطة .. ولكن كيف وصلت بهم الحالة إلى الانفصال عن القائد ؟

العاصفة تبدأ أول ما تبدأ نسيما عليلا قد يتمتع الإنسان به كلما تمادي النهار وأحمرت الشمس بدأت تأخذ طريقها إلى الحرارة حتى تنقلب عاصفة أما لماذا فهذا مالا أعلمه وسره عند الله .

- قبل أن نترك الحديث الساخن المغلف بطقس يوليو قل لى يا مولانا ما هي في رأيك أهم إنجازات يوليو المعنوية وليس المادية ؟.

في رأيي أن تأميم قناة السويس هو هذا الذي تسألين عنه وذلك لأنها كانت آية ذل في عنق كل مصري وما كان يمكن التخلص من هذه المذلة إلا بتأميم قناة السويس فهذا عمل إن لم يكن أعمال الثورة فهو من أجلها .

- وحينما تولي الشيخ وزارة الأوقاف كانت في ذهنه أشياء منذ أن كان صبيا يمشي حافيا على حقول باقور .. ثم لحقتها أماني أخري وهو في معهد أسيوط الديني وتكاثرت الأماني التي يمكن تحقيقها عن طريق هذا المنصب بعد ثورة الأزهر .

- ماذا غيرت في وزارة الأوقاف لتكون قطار لركب الأماني ؟

أول شئ غريته حل الموقف الأهلي وكان لابد أن يحل لأن ضرره أكثر من نفعه ولكني لم أستطيع أن اصنع به كل ما أحببت لأن بعض الوزراء كانت لهم رغبات خاصة كانت تصطدم بما أريد أن أعدل به القانون فلم أستطع أن أمضي إلى الغاية التي أريدها .. هذه واحدة .. ثانيا كان هناك وقف في وزارة الأوقاف أوقفته زينب هانم بقرية شاوة بالمنصورة .. كان هذا الوقف كبيرا وكان موقوفا على ألأحناف هو مذهب الدولة العلية التي هي تركيا وإن كان كثير من الناس يقولون إنها كانت لها رغبة في بعض سلائل محمد على ... المهم أن هذا الوقف كان يغل على كل حنفي ما لا يقل عن مائة وخمسين جنيها كل عام ..

وكان المالكية أيضا يتقاضون مبلغا كل عام هذا المبلغ يدفع لهم لأن رواق الشام تقاتل مع رواق الصعايدة فاحتدمت المعركة حتى قتل الشوام رجلا من الصعايدة وخشية أن تستطيل الفتنة وتمتد رئي أن يدفع رواق الشوام إلى رواق الصعايدة من المالكية وأنا منهم فكنت أتقاضي عشرين قرشا في كل عام كان هذا يؤثر في أنفسنا بما يترتب عليه من فتوي أصدرها بعض آل العلم في إدارة الأزهر .. الفتوي تقول إن العبرة في الصرف هو وقت الصرف وليس وقت الاستحقاق فالذي يوجد وقت الصرف يصرف ما دام يتبع نفس المذهب فكان كلما لاستثمار التكايا التي بيننا في أماكنها عمارات ينتفع بها الناس وبإيرادها ناس آخرون .

والعلاقات بين الناس كائن حي مثل كل الأحياء تولد غير مكتملة طفلة ثم تنميها حرارة العلاقة ثم تمر بفترة مراهقة فيها الرفض وفيها القبول ثم فترة شباب وازدهار وعطاء وإزهار وإثمار .. ثم كهولة ... ثم نهايات أحيانا سعيدة وأحيانا إلى فراق .. وعلاقة صاحبنا بعبد الناصر بدأت عفية فتية كما قلنا .. ثائر تحت العمامة يحدد فكر منطلقات الإسلام وثائر تحت الثوب العسكري يطوع المدفع إلى غصن زيتون ويلوح به إلى العدو ويرتمي في أحضان مشاعر الناس نحو الزعيم ويصبح المدنيين عتاده وعدته يقف بهم في وجه الدنيا والتاريخ . و لاختلاف بداية الرجلين كان لابد أن تنبت زهور لها شكل آخر وثمارا لها طعم آخر .. وأردت أن ألتقي ببداية الخلاف ..

- اختلفت حتما مع عبد الناصر .. متى بدأت بذور الخلاف وكيف ؟

لم يكن خلافا بالمعني الواضح الجلي ولكنه كان قليل من الاقتناع ببعض ما أفعل .. وبداية الخلاف تأتي قبل لقائي به حينما كنت ف يعهد إبراهيم عبد الهادي أعين أسر الإخوان المسلمين المسجونين ببعض المال وكنت أجمع لهم وكنت آخذ بعض هذا المال من سورية وعن طريق المرحوم مصطفي السباعي رضي الله عنه كنت أخذ بعضه من أغنياء في سوريا لعلي لو أذكر أسماءهم لتعذروا بهذا ولكن فيهم خير كثير .. وحينما انتهي الأمر إلى في وزارة الأوقاف وكان تحت يدي مال الأوقاف هل أستطيع أن أدع هذه الأسر وقد أوصاني بها الإمام الشهيد حسن البنا قبل أن يموت ؟

وهل أستطيع أن أعينها وأنا في عهد إبراهيم عبد الهادي وأمنع عنها المعونة في عهد الثورة ؟

هنا والحق يقال والله على ما أقول شهيد .. بدأ بعض الحقدة أو الحسدة والذين يحبون الاصطياد في الماء العكر يصورون للرئيس عبد الناصر أنني أضع بذرة لحزب أو لتكتل يقوم فهي الإخوان المسلمون مناهضين للثورة .

في أى أعوام الثورة بدأ هذا الخلاف ..؟

في أواخر عام 1957... وزاد الأمر بعد الوحدة مع سوريا عام 58 الاستحقاق فالذي يوجد وقت الصرف يصرف ما دام يتبع نفس المذهب فكان كلما أهل الشهر الذي يوزع فيه ريع الوقف ندب من الإسكندرية أو من أسيوط ومن بعض الوزارات وبعض العلماء للتدريس في الأزهر ليأخذوا نصيبهم في وقف زينب هانم ... كانوا يندبون على الورق فقط بحيث إذ أخذوا ما يأخذوا تشطب أسماؤهم ويعودون إلى ما كانوا عليه فكانت هذه حيلة ثقيلة فلما انتهي الأمر إلىّ في وزارة الأوقاف دعوت عالما فاضلا هو فضيلة المرحوم الشيخ أبو زهرة .

قلت للشيخ أبي زهرة ؟

ما رأيك في وقف زينب هانم ؟

فقال بروحه الفكاهة الطريفة :

هذه الولية كانت قليلة أدب .. لأنه يعني اشمعني الأحناف ؟

قلت : على كل حال رحمها الله ... أهو نصيب وخلاص ؟

قال :

ما ليس دعوة إن كانت ماتت ولا حية هي لم تكن موفقة في هذا الوقف

قلت : هل عندك من حيلة ؟

قال : فيه يا أخي كثير .. نغير غرض الوقف من جهة بر إلى جهة بر أولي وهذا نص في الفقه الإسلامي .

فقلت : يا أخي ما تعمل معروف تعمل لنا مذكرة .

فعمل الشيخ أبو زهرة المذكرة وقال فيها يغير هذا الوقف من جهة البر التي تعطي للأحناف إلى جهة بر آخر أول وهي الإنفاق منه على من يموت من الأحناف على قضية في المحكمة لأنهم يريدون أن يأخذوا النقود في حياتهم ولا يتركون لأولادهم وكانوا ثلاثة بعضهم كان لهم أكثر من خمسة أولاد وكلهم فقراء ولكني ربحت القضية ثم استأنفوا .. هل تتصوري أن هؤلاء الثلاثة قد ماتوا ولم يتركوا لأولادهم شيئا .

وكان أولادهم من استحق من هذا الوقف بعد تغيير أغراض الوقف وهذا مما أعتز به أمام الله وأمام المؤمنين .

كذلك عنيت في أثناء توليتي الوزارة برفع الضيم عن الكثيرين وطبقت على الذين فقدوا أموالهم : ارحموا عزيز قوم ذل .. وكان اهتمامي بمستشفيات الأوقاف كبيرا من أجل الطبقة الفقيرة التي لا تملك حق لعلاج وكذلك كان اهتمامي موجها والاتحاد مع اليمن في ذلك الوقت كنت وزيرا مركزيا وقوتي أبرز وأنا وزير مركزي في مصر وبدأت أتلقي معونات وأعطي معونات وبدأت آخذ أموالا من وزارة الأوقاف وأعطي لبعض الأخوة هناك في سوريا وفي اليمن لكي يبعثوا بها إلى أسر الإخوان .. وبلغت هذه الأمور جمال عبد الناصر .. ونحن بشر .. إن جمال عبد الناصر كإنسان حريص على مبادئه لابد أن يغضب وأنا كرجل حريص على وصية الأستاذ الأمام لابد أن أفعل !

وفطنت إلى نقطة هامة نفسها طوال حواري مع الشيخ وعند دخولنا أمواج ثوار يوليو .

- أى أن الذي بينك وبين عبد الناصر كان دائما حسن البنا !

قال وهو يؤكد كلماتي بكلماته :

- نعم ... كان بيننا دائما حسن البنا فكلما يتخيل خصوم الثورة خطرا يقع للثورة كانوا يتمثلونني خصما لعبد الناصر وإذا أفلحوا في هذا فقد أفلحوا في أن يحطموا الثورة أن يتخلصوا منها ولكنهم ظلوا كالمتربص فقط .

- قيل وقتها يا مولانا أن بعض الأجهزة أوقعت بينكما وأنها اختلفت عليك أشياء كثيرة وزعمت بك أشياء أخري لكى ترضي عبد الناصر وتوهمه بأنها تعمل بصدق وجدية فهل هذا حقيقي ؟

- يجوز والله أعلم لا أستطيع أن أجزم ولكن أستطيع أن أقول إن هذا القدر بذاته كان يمكن أن يستغل .. تستغله المخابرات أو غيرها ويستغله الذين يخاصمونني حتى داخل الوزارة نفسها .

- لكى نغلق ملف الإخوان لا بدلي من سؤال أخير .. هل انقطعت صلتك بهم بعد أن كتبت استقالتك للمرشد العام حسن الهضيبي ؟.

قال وكأنه يفتح باب بيته القديم في باقور :

- لا ... بل على العكس كنت ألقاهم فقد كنت قد استأجرت دارا في رقم 10 شارع فاروق .. كانت حجرة واحدة أخذتها منذ اعتقال الإخوان وكنا نلتقي بها ونساعد الذين يدخلون الانتخابات مثل سيد جلال فقد كان من أفضل الناس الذين يقدمون مساعدات مالية لأسر الإخوان المسلمين المعتقلين وهذا رجل لا أجحد فضله إلا إذا كنت جاحدا .

- هل ظللت على علاقة وثيقة بهم ؟

إلى يوم يقوم الناس ... كنت على علاقة بهم إن لم تكن علاقة رسمية فإنها علاقة مودة وعاطفة لا يجرؤ الزمن على ينال منها .

- وكم من العمر قضيت في الوزارة ؟

من 7 سبتمبر 52 حتى 13 فبراير عام 1959

- حوالي سبع سنوات .. تري هل كانت عجافا ؟

نعم سبع سنوات ... عدل كل منها عشر سنوات !

وفجأة تصدعت العلاقة بين الناصر والباقوري ... لماذا وكيف ؟

الحوار الأخير: نهاية المطاف

وتمضي الكلمات المليئة بالأحداث مع ذكريات الثائر تحت العمامة والقادم من قرية " باقور " في صعيد مصر من أعماق أسيوط ..

لقد طفنا مع الرجل كل ثوراته ... منذ الطفولة ... وحب استطلاع وتجربته في الطرق الصوفية .. ثم حياته مراهقا صبيا في معهد أسيوط الديني ثم أزهريا يجوب الأروقة وإطلالته على القاهرة .. ثم ثورة الأزهر .. ووصلنا إلى إطلالة على فكرة الدينى طالما تأثر بفكر أستاذه حسن البنا ثم خطاه في مصر مع الإخوان المسلمين .... ووصلنا مع الشيخ إلى المعتقلات من أجل موقف ثابت من الإصرار على حركة إصلاح في البلاد .. ثم ثورة يوليو وكيف أطل عليها ثم التحم بها .. ووصل إلى كرسي الوزارة حيث لفحها جانبا من ثورته ومن نظراته المتحررة إلى مال الوقف ليكون رحمة للمسلمين والمنكوبي ...

ثم تباطأت رحلة الطواف .. أمام غيوم الخلافات بين الشيخ وقائد الثورة حيث حوصر قائد الثورة بسور حديدى من بطانة أبت عليه أن يصل إلى حقيقة ما يدور حوله وكان جهاز المخابرات قد قويت شوكته مثل أى ثورة تخاف الانهيار فتحكم من داخلها وليس من خارجها عن طريق الشعب وبدأ الرئيس عبد الناصر يعترض على إعانات الشيخ لأسر معتقلي الإخوان المسلمين .. وبدأ الشرخ في صرح الصداقة العظيمة الراضية .. وإليكم حواري معه حول هذه الفترة .

كان خبر استوزار الشيخ الباقوري هو العمق الرئيسي على موائد الحوار في مصر في القري وفي المدن ,بين رجال الدين وبين عامة الشعب بين المثقفين وأنصاف المتعلمين لم تخل حلقة من حلقات الكلام تحت ظل مآذن الأزهر من تساؤل حول دخول الشيخ أحمد حسن الباقوري الوزارة أما أعضاء مكتب الإرشاد في جماعة الإخوان المسلمين فقد أصيبوا بالهلع الأكبر , أما وكالات الأنباء فقد طيرت الخبر بسرعة على أنحاء العالم .

وفي حواري مع مولانا الشيخ حسن الباقوري حول مشوار تحفة ثورة الإصلاح لم يكن سؤالي عن الوزارة عن حب استطلاع هؤلاء الناس وإنما ظللته غمامة من نبوة شرفني بها الشيخ دوما .

- حينما دخلت الوزارة .. هل أحسست بأنك إنسان آخر ...؟ هل استطاعت طقوس الوزارة وأبهة الاشتراك في الحكم .. الانتقال من رجل يسعي بين الناس إلى رجل يسعي إليه الناس أن تغيرك ... قل ماذا حدث تماما ؟

اعتدل الشيخ وأزاح العمامة عن جبهة تشع بالذكاء والحكمة وتكلم وألفاظه يغلقها السماح ووجهه يفيض بالرضا :

لا يستطيع إنسان أن ينكر بريق المنصب ولكن الإنسان الذي لديه طموحات من أجل " الإصلاح " يشعر خطورة " المنصب دائما .. ومنصب الوزارة أثناء ثورة من الثورات هو بلا شك مختلف تماما عن نفس المنصب في فترة عادية ... الأمر يختلف في حالة الثورة .. هنا إلزام بعمل شئ وبالتغيير الذي يحلم به الثائر ويحقق به أحلام الناس .. لم تكن الوزارة بالنسبة لى إلا مسئولية جديدة كبيرة في مرحلة تحقيق الأحلام .. ومن اللطائف التي لا أنساها حينما وليت الوزارة أن جاءني عبد المجيد باشا صالح وكان قد تولي وزارة الأشغال أكثر من مرة وقال لى " خدني قدوة " قلت : قل ما تريد أفادك الله .. فقال لقد وليت الوزارة ثلاث مرات وفقدت عقلي ثلاث مرات .

يقولون لى سوف تكون وزيرا أفقد نصف عقلي من الفرح وبعد ما " أجعد شوية يقولوا رئيس الوزراء سيقدم استقالته أفقد النصف الثاني من الحزن .. ولهذا وليت الوزارة ثلاث مرات وفقدت عقلي ثلاث مرات .

وأنا أنصحك لكي تكون صعيدي مضبوط لابد أن لا تفقد عقلك لا بالفرح ولا بالحزن وأعلم أن الوزارة ليست دائمة فقلت له :

أنا أريدك أن تقول لى كلام عملي يفيدني ... نحن في مرحلة ثورة .. فقال لى :

إن لديك في الوزارة أوقاف كثيرة وكل وزراء الأوقاف مشهورون باللعب في الأوقاف وكلمة وقف 3 حروف كلها تنتهي بالشمال وهي شؤم فاحذر أن تبدأ يمينا وتنتهي شمالا .. وأبعد عن الأوقاف ولا تستبد برأيك .. أنا لم أتول وزارة الأوقاف ولكن عندك ناس ممكن تنتفع بهم مثل محمد باشا علوية وهو أسيوطي بلدياتك ... اذهب إليه ولا تدعه إليك أنت صغير وهو كبير ولابد من مراعاة التقاليد .. ونحن حينما نفقد تقاليدنا من احترام الصغير للكبير وعطف الكبير على الصغير سنكون قد انتهينا .

وقد أخذت بنصيحته رحمة الله ونفعتني طول مدة الوزارة وما أبعدها أرضا .

وإذا كانت هناك شبكة يمكن أن يكون نسيجها الإشاعات وتغطي مصر كلها من أقصاها إلى أدناها والعالم العربي أيضا فليس هناك أكبر من تلك الشبكة المكونة من الإشاعات التي واكبت خروج الشيخ الباقوري من الحكم ؟

لقد سجلوا له تسجيلات يتآمر على عبد الناصر ...!

لقد أوقع به الإخوان لدي عبد الناصر ..

إن مكتب الإرشاد رسم الخطة ونفذتها المخابرات .

بدأت مصر تضم تيارات أخري وعاش الشيخ مشاق الإخوان في الدول العربية وبدأت وزارة الأوقاف تتلقي المعونات وكان الجرح ما زال داخل الزعيم من الإخوان المسلمين الذين اعتدوا على حياته في المنشية ... وكلما كانت العلاقة رائعة كان الغضب أكثر ألما للنفس .. وبدأت الفجوة تتسع وكانت بدايتها المعونات التي يدفعها الشيخ للإخوان المسلمين ..

- هل كان عبد الناصر قد بدأ يصاب بأمراض الحاشية ؟

هذه مسائل عادية وعبر التاريخ تأتينا دائما ... وهي كثيرة الحدوث... يؤتي الرجل دائما من بطانته وقد كان ..!

- وكيف كان ذلك ... نريد أن نعيش هوة الخلاف ولماذا حدث ؟

- ظهرت سحابة منذ بداية الحوار لم تظهر .. غمامة لها عمق سحاب الأمطار الغزيرة وابتلع مولانا أحرف الكلمات وبدأ يتكلم بهدوء :

- في ليلة شديدة البرودة ... 13 فبراير عام 59 بالتحديد استدعاني عبد الناصر إلى بيته ... وهناك قبل مدخل البيت عند منشية البكري أوقفت سيارتي على غير العادة لأمشي طريقا لا يقل عن مائة متر حتى أصل إلى بيت الرئيس ... كانت غير العادة المرة الأولي التي تقف فيها سارتي بعيدا ... فكان تمهيدا جعلني أشعر أن هناك أمرا جللا .. إنني لا أنسي هذه الليلة ما حييت .. دخلت البيت .. ثم دخلت إلى مكتبة وكان واقفا فحياني بيده مسلما وبعد أن جلس ووجهه تعلوه صفرة وحزن فائض لم أره من قبل قال بكلمات ناطقة بكل الألم وبقمة الألم ..

- أنا أتحدث اليوم حديثا هو أصعب حديث وأصعب موقف مر في حياتي يا أحمد ..

ثم مد يده وأدار مفتاح جهاز تسجيل فإذا صوت وقح يتهم جمال عبد الناصر في أوقح اتهام يتهم به إنسان .. إنه سبه في عرض أمه ... إنه يسبه في القدس ما يعتز به إنسان .. شعرت بما يشبه الإغماء وجاء صوته يسألني ..

هل عرفت صاحب الصوت ؟

قلت :

نعم عرفت صاحب الصوت ؟

قلت :

نعم عرفته بالطبع .

وقال عبد الناصر والدموع تغرق وجهه ونبرات البكاء تختلط بالكلمات.

هل كنت موجودا في هذه الجلسة يا شيخ أحمد ؟

قلت وأنا لا أدري كيف أتكلم .

قلت : نعم .. أنا آسف ... نعم كنت موجودا ....

قال عاوز تقول حاجة ؟

قلت : أنا عاوز ورقة

قال : ليه ؟

قلت : لأكتب استقالتي ...!

وهنا رفع الرجل رأسه ومسح دموعه وبدا الزعم في محياه وقال

أنت عارف أني بأقبل استقالات ؟ هو حد استقال قبل كده ؟

قلت : على كل حال إذا بلغك شئ عني فأنت تملك قوي لا يملكها أحد غيرك تملك أن تسأل في كل مكان ذهبت إليه من الصعيد إلى مراكش وفي الجزائر وفي البلاد العربية ... ولي رجاء تقبله ؟

قال : وما هو ؟

قلت : منذ 15 يوما وقعنا قانون محاكمة الوزراء فإذا ثبت على شئ مما بلغك عن فحاكمني اترك لى فرصة الدفاع عن نفسي فإذا اقتنعت بغير هذا فالعدل الذي أرجوه منك واعتقده فيك أن تخرجني من بيتك كما أدخلتني فيه .

قال : على كل حال ربنا يسهل ..

وأصر عبد الناصر أن يوصلني إلى الباب وجاءت العربة إلى الباب وركبتها وأعتقد أنه لو كان تركن لأمشي هذه المسافة ربما كانوا قد خطفوني وأخفوني في أى مكان لهذا قبل أن أخرج طلب مدير مكتبه وقال له : أدخل سيارة الشيخ الباقوري..

ووصلت إلى بيتي وكنت متعبا جدا وقد قال بعض الناس أنني سقطت مغشيا على وأنني مرضت وأنا في مجلس عبد الناصر وهذا غير صحيح لقد مرضت ولكن بعد فترة طويلة فقد مكثت في بيتي 5 سنوات وخمسة شهور وخمسة أيام ..

وفي الصباح يوم 14 فبراير كانت الجرائد قد نشرت خبر خروج الشيخ الباقوري من الوزارة .. وفي السابعة والنصف صباحا وقف شاب يطرق باب الشيخ الباقوري وكان من صفوة أصدقائه ومحبيه وكان ذلك الصديق الصدوق هو عبد الوارث الدسوقي مستشار رئس مجلس إدارة أخبار اليوم الآن ..

ويقول عبد الوارث الدسوقي:

كان يوما غريبا فعلا .. لقد لزم الشيخ حجرته أسفل البيت وخافت زوجته منا وهي تعرفنا حق المعرفة ولكنها اعتقدت أننا من المخابرات ولما علم بوجودي طلبني فدخلت إليه وكان ملازما لحجرته وبادرني بقوله..

يا عبد الوارث يجب أن تتأكد أنني شريف ونظيف .. أنني لم أسرق ولم أنهب .. ولولا هدم بيتي في باقور لذهبت إلى هناك ولزمته وليس لدي نقود لأبنيه فقد استبدلت جزءا من معاشي من أجل زواج ابنتي وسأله عبد الوارث .

ماذا حدث بالضبط ؟

لقد استدعاني عبد الناصر وأسمعني تسجيلا لأحد أصدقائي المقربين والتسجيل بصوته يتحدث مع الأستاذ يحيي حقي هذا الأسلوب منه قال له الصديق ( جبان وخايف من عبد الناصر ... الشيخ الباقوري جنبي أهو وسامع الكلام ) وكنت أصلي يا عبد الوارث ولما فرغت من صلاتي كانت المكالمة قد انتهت فقلت له يا أخ ذلك عيب ولا يصح ولكن التسجيل كان قد انتهي ..

وأنت تعرف علاقتي الوثيقة بعبد الناصر كان يأتمني على أسرار بيته .. لقد أبكاني حينما حكي لى أنه عاد من الأجازة الصيفية التي كان يقضيها في منزل عمه فوجد أمه قد ماتت وتزوج أبوه من أخري وكيف أن والده قال له أن " أمك راحت ف التراب " فذهب الطفل الصغير يمرغ وجهه في التراب بحثا عن أمه .. لقد قال لي عبد الناصر انك الوحيد الذي تعرف كل شئ عني وعن أمي فهل أسب هكذا أمامك يا شيخ أحمد ؟ وبكيت مع عبد الناصر ..

ويضيف الأستاذ عبد الوارث الدسوقي أن عبد الناصر بعد أن تبين بعد ذلك أن الباقوري لم يخطئ في حقه أراد أن يرجعه إلى جناح الثورة وقال له المشير " اتكل على سوف أذهب إلى الشيخ أحمد وأرجعه " ولكن المشير كان غر صادق ولم يذهب إلى الشيخ الباقوري .

ويقول عبد الوارث الدسوقي : كانت المخابرات قد قوي جناحها وأصبحت تقبض على الذين يعايشون العاملين بالسياسة أذكر أن الشيخ الباقوري حينما عاد مدير لجامعة الأزهر أرسل له إبراهيم عبد الهادي برقية تهنئة فأراد الباقوري أن رسل له رد البرقية ولكن الذين حوله قالوا له ن هذا مرفوض سياسيا . فكتب الشيخ خطابا وأعطاه لأحد أصدقائه ليعطيه لإبراهيم عبد الهادي فما كان من الصديق إلا أن أعطاه للرئيس جمال عبد الناصر وفي إحدي المقابلات بين عبد الناصر الباقوري سلمه الخطاب الذي كان مرفوضا أن يذهب لإبراهيم عبد الهادي ..

ومن عمق الألم من جوف الصداقة المنهارة يتكلم الشيخ الباقوري كلمة حق بعد قرابة ربع قرن من الصمت :

هل يطيق إنسان كريم في منصب رئس الجمهورية أن يري أحد وزرائه في مجلس تسب فيه أمه على هذا المستوي السوقي؟

لقد مكثت في بيتي خمس سنوات خمسة شهور وخمسة أيام لا أغادره إلا فما ندر يمكن 5 مرات أو ست مرات كان يمر الأخ الكريم الشرباصي والأخ الدكتور نور الدين طراف وكثير من المعارف والأصدقاء وبنينا حجرة مكتب صغيرة في الحديقة أصبحت فيها ندوة أسبوعية تقريبا فكان يقال هناك في مصر الجديدة ندوتان – ندوة العقاد صباح الجمعة وندوة الباقوري ليلة الجمعة .

وكنت قد سألته عن ابنتيه ليلى وعزة خلال مذكراته وأبقيت الحديث عن يمني عامدة متعمدة لأن مكانها هنا حث عاشت صباها ملتصقة بأبيها في وحدته .

- ويمني كسف استقبلتها وليدة .. حتى أصبحت جليس الوحدة بعد ذلك ؟

كان مجئ يمنى بعد شوق للصغار فقدت ابني محمدا وأنا في المعتقل " فاقوسة" ... وحينما علمت بميلاد يمني وكان هذا في عام 1947 دخلت حجرتي وظللت أصلي وأقرأ القرآن .. ولما فرغت من صلاتي قلت لهم : أسمتيها يمني من اليمن ولعلها تعيش وتكون طالع يمن وبركة علينا وعلى بلدنا ..

- وكانت يمني منذ طفولتها تشع ذكاء وتطلب المعرفة .. وحينما خرجت من الوزارة كانت ليلي قد تزوجت وبعدها عزه بستة شهور فقط أصبحت يمني هي جليسي وصديقتي وتلميذتي أيضا ,, إنشغلت بي وانشغلت بها ,... أصبحت يمني هى العقل الذي يدير المكتبة المكونة من خمسة آلاف مجلد في الدين وأصبحت تعرفها وتحفظها وتعينني على ما أريد منها ... كانت رفيق الوحدة في وقت انفض فيه الركب .. أصبحت لغتها لغتي وحوارها حواري ورغم حداثة سنها فقد استوعبت أصول الدين وعشقتها وبرز هذا ف دراستها في كلية الحقوق فنبغت في مادة الشريعة الإسلامية .. وكانت يميني من قبل .. هي الطفلة المدللة لأعضاء مجلس قيادة الثورة .. أذكر من اللطائف لابنتي أنني حينما عدت من الصعيد جاء الصديق جمال سالم ليسلم على فقال لها :

اتعلمي تتكلمي صيني من بابا من ؟

اتعلمتى تتكلمي صيني من بابا يا يمني ؟

فردت بسرعة : ايوه .. بس صيني مكّسر يا عمي .. وكان عمرها ذلي ذلك الحين سبع سنوات فقط ... تحملت عن غروب الوزارة .. وكانت تتعمد تكذيب الإشاعات المثارة حولي .. فكانت تخرج بالدراجة في شوارع مصر الجديد وتعود ومعها صديقاتها لتريهم أنني وجود بالبيت.. وفي نفس الوقت كانت تتحايل علىّ لأخرج من حجرتي وأتمشي في الحديقة ليراني الناس ويعلموا أنني لست معتقلا .. وبقدر شوقي لإنجاب الولد ...فإن يمني عوضتني في اعتكافي عن الشوق إلى الولد وأدت دور الابنة والابن حقل .. وعوضني زواج شقيقتها في فترة كنت محتاجا فيها لمن يسري عن حياتي .

في هذه الفترة الطويلة العصيبة لا تكفي مراجعة الناس عما حدث طوال مشوار الحياة ولكن لابد من الاختزان أيضا .. كنا نذهب إليه ونتكلم في كل شئ وكان مجلسه دائم الخضرة متجدد الحوارات ولكننا لم نكن في ذلك الوقت نعيد العجلة إلى الوراء فلم نكن نتكلم عما مضي أبدا اللهم بعض الذكريات عن ألزهر وفترة الكفاح الأولي ف يعهد الاستعمار ومرحلة ما قبل الثورة .. وكأنما كان يضع لنا خطا أحمر لا نتعداه حيث مشاعره مليئة بالظلم ولا يريد أن تمتد ظلال الظلم فتحجب الرؤيا وتوقف نمو الحوار الخلاق ... كان يعايش الكتب طوال يومه ويتخلل ضيوفه معايشته للكتب وكنت كثيرا ما أشعر بالخجل ممن كتبه وكأنني أقاطعه الحوار مع صديق حميم ... ولكن كان حب استطلاعي يدور حول حصاد هذا المصري المغرق في المصرية .

- عايشت الكتب... تري كيف كان الحصاد ؟

تحسس أوراق كتاب في يده كان يشرحه لى .. كان كتاب غاية في الغرابة تستطيع أن تقرأه بالطول أو بالعرض أو بالتقاطع فيكون لكل اتجاه معني من المعاني العظيمة .. تحسس الورق وكأنه يستودعه لفترة وقال :

كنت أجلس في مكتبي كل يوم ... أقرأ وأقرأ حتى حفظت القرآن كله وأتيت على كل كتب التفاسير سواء ما كتبه علماء من مصر أو من كل العالم الإسلامي وكنت أقرأ بنهم شديد وبذهن صاف تماما فقد كنت قد انشغلت لسبع سنوات بأمور الحكم والوزارة واستغرقتني السياسة ولم أكن أعود لكتب الفقه والسنة إلا كلما وجدت وقتا وكان عزيزا جدا وقت الحكم أن تجد وقتا لتغرق فيه نفسك في كتاب ..

كنت أقرأ كتبا ولكن بلا تخطيط معين ولكن حرصت على حفظ القرآن بعد أن كنت قد أنسيته ولا تقولي في القرآن نسيته لأن كلمة نسيته تعطي الإهمال ولكن كلمة أنسيته معناها تدخلت إرادة أخري غير إرادتي ...

وحينما عكف الشيخ على كتبه وانفرد في منزله بأهل بيته وثقافاته بعد الخروج من الوزارة تغيرت معيته بلا جدال وصفت وبقي منها الصفوة الذين افتقدوه مع ازدحام حياته بالحكم والسياسة ... في ذلك الوقت تغيرت وجوه وغابت وجوه .. وبعد ما يقرب من ربع قرن سألته :

وماذا عن الناس .. وانفضاض السامر ؟

قلت سؤالى أثير فيه الحكمة وأفيد منه قارئي وآخذ منه زادا لعمري هو الأفضل مما نتقوت به من طعام .. إنه زاد حمله الشيخ ف يعقله وبين حنايا قلبه آثرت أن يعطيه لنا .. ذلك الرجل الذي يحكم العطاء .

قال وكأنه قنديل يضئ في الظلام الحالك :

الناس يا سيدتي معادن .. الأصيل يظل كما هو وغير الأصيل يتواري خلف زخرف الدنيا أى المناصب وأنا في وحدتي أحاط بي كثير من ذوي الأصل وانفض عني من أردت أن ينفضوا فأراحني الله منهم ... ومن خيرة الناس أذكر واقعة ألمت بي .. فقد أصيب لى " ضرس " وأردت أن أخلعه وكنت مصرا على عدم مغادرة البيت وكنت قد سمعت حكاية عن خال لزوجتي ربط خيطا في السرير ثم ربطه في ضرسه ونزل مرة واحد فانخلع الضرس وجربت هذه الطريقة وإذا بنزيف شديد يصيبني مكان الضرس الذي انخلع .. وهنا طلبت زوجتي صديقا قديما للأسرة هو الدكتور أيوب عامر .. فجاء الرجل وكان زميلا قديما في سجن الاستئناف ... جاء ومعه السيدة حرمه وعالج أسناني في البيت وكان يحمل أدواته معه كلما عادني .. وهذا الرجل من النماذج العظيمة الوفاء والصداقة .. وكرمني الله بأستاذي ومعلم في الثورة الشيخ محمد عبد اللطيف دراز والد زوجتي , فقد كان معي دائما .. وكان يرد أن يخرج بي إلى الناس والمجالس ولكني رفضت .. فقد كان خروجي يعتبر تحديا للدولة .. والدولة لا يستطيع أن يتحداها إلا دولة .. وهكذا فضلت الاعتكاف رغم أن الرجل يصر على أن أخرج على طريقة محاربته للإنجليز ... رحمه الله فقد كان شجاعا .. عاش شجاعا ومات شجاعا أيضا ... وزارني أيضا الأمير متعب بن عبد العزيز وقال لى إطلع يا أخي ليراك الناس .. ولكني رفضت أيضا .. وكان جلالة الملك فيصل يبعث إلىّ برسائله الشفوية دائما .

- كيف عادت العلاقة بينك وبين عبد الناصر من جديد؟

في ذات يوم وأنا في مكتبي أتأمل فيما مضي وفي الحاضر وفيما هو آت ... إذا بكوكب زوجتي تناديني " أحمد ... أحمد .. بشئ من اللهفة ... تليفون علشانك .. وعلى التليفون هناك أخ فاضل محمد أحمد السكرتير الخاص للرئيس جمل عبد الناصر  :

معالي الوزير ..

نعم ..

الرئيس عقبال عندك بيجوز هدي بنته .. فهل إذا جاءتك دعوة تحضر الحفل ؟

هدي بنتي .. وعبد الناصر مهما كانت الظروف هو أخي وزعيمي ورئيس الحكومة التي كنت أعمل بها .. وأنا أسعد بهذه الدعوة , في اليوم الثاني جاءتني تذكرة الدعوة .. ولا تتصوري كيف لقين الناس حينما ذهبنا إلى الحفل .

تقوم حرم الشيخ الباقوري :

عند بدء دخولنا منزل الرئيس وكانت السيارة تسير ببطء شديد .. كان الناس المجتمعون والحرس كأنهم لا ينطقون سوي حرف الشين .. فكلهم يهمسن .

الشيخ الباقوري ... الشيخ الباقوري ..

ويقول الشيخ الباقوري :

واستقبلني جمال عبد الناصر ومعه حرمه وبصوت عال مجلجل:

أهلا .. أهلا يا شيخ أحمد..

واقبل علىّ وأقبلت عليه وأحتضنته بقوة .. قوة العاطفة التي تغلب كل قوة في العالم ... وسعدت معه بابنته وكان في حصة طيبة ... كان هذا في يوليو عام 1964 .. وكان عبد الناصر يلتقط الصور بنفسه للعروس وللمدعوين..

وبعد الحفل قال أناس إن الشيخ الباقوري كان هو الخبر في هذا الحفل .. وبدأ الناس يتساءلون .. هل يعود الباقوري إلى منصبه ... لابد أنه سيعود في منصب هام .. وعندما حان وقت الانصراف من الحفل كان الرئيس مغولا فلم أن أذهب إليه حتى لا يقال إنني أنافقه .

وجامعة الأزهر كانت حلم الشيخ من أن ثائرا صغيرا في أسيوط وكون جماعة إصلاح الجامعة الأزهرية .. وكان لابد لعودته من حلم آخر يتحقق بعد هذه الغصة الهائلة التي أوقفت مسيرة الثائر .. ونشرت جريدة الأهرام في صدر صفحتها الأولي في 14 يوليو عام 1964 " الباقوري مديرا لجامعة الأزهر " .. وعلق أحد أصدقائه الوزراء قائلا له :

لو كان عبد الناصر أعادك إلى الوزارة ما كان صنع شيئا .. لقد رد إليك اعتبارك بأن ولاك منصبا أهم بكثير من الوزارة .

- هل كان هذا أحد أحلامك فعلا ؟

وأنا طالب في معهد أسيوط الدين عملنا جمعية اسمها جمعية إصلاح فساد الجامعة الأزهرية .ز وكان ذلك عام 1926 .... وتحققت في عام 1964 ..

وكان الدكتور طه حسن قال في إحدى المناسبات .. كان الأزهر المذكر خيرا من الجامعة المؤنثة .

- هل قابلت عبد الناصر بعد ذلك ؟

- نعم .. قابلني في مسجد الإمام الحسين في صلاة العيد وكنت قد وصلت قبل وصوله بدقائق .. وجاء عبد الناصر وقال :

- أهلا يا شيخ أحمد .. كل عام وأنتم بخير .. وبعد أن فرغنا من الصلاة .. قصدني وأخذ بيدي وذهبنا معا إلى مقصورة الإمام الحسين ودرنا حول الضريح .. وكان الرجل كأنه يكفر عن خطئه نحوي .. فالإنسان الكبير يتعب أن يري أنه أخطأ .. ورحم الله الذين مضوا إلى الله وأدام الله توفيقه للذين خلفوهم بخير ..

حوار ما بعد الحوارت: الشيخ الثائر والفن

نور الشريف يسأل ... والشيخ الباقوري يجيب:

ربما يبدو للوهلة الأولي أن أطراف الحديث هنا غرباء .. فهم مجموعة مختلفة من الأعمار والتجارب والأمزجة والاتجاه في الحياة . .. ولكن الحوار كان شيقا .. مفيدا .. ممتعا ... في بت الشيخ الجلل أحمد حسن الباقوري وفي سهرة رمضانية ألقي الفنان نور الشريف والفنانة " نورا " ولفيف من الأهل والأصدقاء بعلامات الاستفهام عن الدن والدنيا والعلم ... وتلقفها الشيخ الباقوري برحابة صدر وأجاب بأسلوبه السهل الممتع الممتنع أيضا .. وتحدث الشيخ الباقوري في تفسير الدين وعلاقته بالدنيا وظواهر العلم ... وفي غزو الفضاء .. وتنظيم الأسرة .. وفي موقف الدين من التمثيل والموسيقي .. وقال الشيخ الجليل : إنه لا تعارض بين الدين والفن .. وإنه لا يعترض على ظهور الصحابة على الشاشة .. ولكن بشروط .. ما هي ؟

في هذا البيت تجد نفسك أمام نموذج بالغ الروعة والجاذبية والبساطة .. حيث ينعكس كل ما في الشيخ الباقوري من عظمة تاريخ وثورة على الحوار في بيته وحيث يصبح الناس كما النحل يلتف حول زهرة عملاقة يمتص منها الرحيق .. ومع اختلاف الثقافات والأمزجة .. وجد كل منا إجابة لسؤاله .. فهو عالم بحر بارع في اختيار الإجابة واللفظ .. حيث تصبح في مواجهة أمام السهل الممتنع الممتع أيضا ..

والصوم عن الطعام يحبس النفس جوعي للروحانيات في رمضان – نوع من التعويض – والأحاديث التقليد تحيط العقل بالملل أما الحوار الذي تخذ الحرية أساس يتيح له يشبع الوجدان حقا ..

وحواري مع الشيخ الباقوري بحرية طوال ربع قرن من الزمان جعل حوارنا كلما تقدم العمر أكثر ثراء .. ومن عادة هذا الشيخ المتفتح والأستاذ الجليل أنه إذا سئل تدفقت إجاباته ولا يكون حديثه في إطار الدين فقط وإنما عن بمزج الدين بالدنيا فيخرج حديثه حياة ..

وفي بيته في مصر الجديدة حيث مريدوه وأتباعه دائمو التردد يعتبر منبعا متجددا لحلو الحديث وأعمقه .. وقضينا ليلة عنده كانت من أغزر ليالي رمضان وأجملها كنا مجموعة مختلفة الأعمار والتجارب والأمزجة .. الفنان نور الشريف والفنانة نورا بكل علامات استفهام الحياة ... وابنته السيدة عزة الباقوري حرم الدكتور إسماعيل صبري وهي متخرجة في كلية الآداب وابنته الصغري يمني حرم المستشار على كامل وهى متخرجة ف كلية الحقوق وحرمه وتلميذته كريمة المرحوم الشيخ دراز.. وحولنا أحفاد الشيخ يتأملون أحيانا ويتضاحكون أحيانا وقليلا ما يلعبون ولكنهم يعيشون في حرية حيث يعاملهم الجد العظيم مقتديا بسيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم حيث كان واسع الصدر مع أحفاده الحسن والحسين لا يحرمهما من مجلسه ..

ودائما يذيب شيخنا الجليل ثلوج البداية بحديث فكه يغري الجميع بالسؤال .

نور الشريف : حضرتك سافرت روسيا ؟

الشيخ الباقوري : لا... دعيت إليها مرتين ولكن لم أسافرها !

نور الشريف : لقد زرت روسيا ثلاث مرات في مناسبات فنية مختلفة .. وفي طشقند إحدي الولايات المسلمة رأيت منظرا هزني وتأثرت منه جدا .

الشيخ الباقوري : إن طشقند هى أساس المسلمين هناك وبها تجمع كبير منهم .

نور الشريف : علمت أن عددهم كان ثلاثة ملايين وأحضروا لهم ثمانية ملايين من الروس لإزالة قوميتهم .. لقد أصبح كل الجيل الجديد هناك بلا دين .. لقد هربت من المترجم وذهبت إلى قهوة وقابلت عجوزا يناهز المائة ويتحدث العربية بصعوبة شديدة وعن طريق القرآن الكريم ... في الحقيقة أنني فكرت في هؤلاء الناس ولماذا لا تبذل الدول الإسلامية جهدا ما في الوقوف بجانبهم .يجب أن يكون هناك موقف إسلامي واضح من هؤلاء الناس للاحتفاظ بدينهم وترشيدهم .

الشيخ الباقوري : في الحقيقة أن الإسلام لكي يصلح دعوة فيجب ألا يقف النص أمام المصلحة ويجب أن تترك الفرصة للاجتهادات لكي تأخذ دورها في اشتعال جذوة الدعوة في كل مكان ... ويجب أن تفكر الدول الإسلامية في إرسال البعوث بحيث لا يقع العبء على مصر وحدها كما يحدث .. ويقول الزاهد العالم الشيخ الجليل الأستاذ الدكتور معروف الدواليبي : تغير الأحكام بتغير الزمان شئ غير تغر الزمان دون تغيير النصوص وتعطليها .

ثم انتقل الحديث إلى المرأة وقانون الأحوال الشخصية فقلت له :

- ما رأيكم في قانون الأحوال الشخصية الجديد ؟

- فتفحص كل نساء الحجرة وابتسم وقال :

- من غير ملق للرئيس أنور السادات لقد حقق العبور وطرد الشيوعية وأقام دولة العلم والإيمان وأصدر قانون الأحوال الشخصية هذا القانون الذي لا يقل عن العبور .. ولكني أجد أن تسميه قانون الأحوال الشخصية غير مناسب وأنسب منها " قانون تنظيم الأسرة " وذلك لأن مسائل الزواج والطلاق والنفقة وما إليها ليست أحوالا شخصية ولكنها مرتبطة بالأسرة وصلاحها صلاح للأمة وفسادها فساد للأمة لهذا لا تسمي أحوال شخصية وإنما تسمي قوانين " تنظيم الأسرة ".

- نور الشريف : إنني لا افهم لماذا تشترط الزوجة على الزوج ألا يتزوج من أخري فإن تزوج فإن من حقها أن تطلب الطلاق .

- الشيخ الباقوري : إن المرأة تضار بزوجة أخري ومن حقها أن تطلب الانفصال ومن حقها أن تشترط في العقد والمؤمنون عند شروط .

- نور الشريف : أنا أريد أن أعرف سندا دينيا لاشتراط المرأة في عدم زواج زوجها من أخري .

- الشيخ الباقوري : أعرف أن سيد الناس محمد صلى الله عليه وسلم تصرف هذا التصرف ونحن جميعا لا نساوي التراب الذي يمشي عليه رسول الله فإذا فعل وجب علينا أن نقتدي به .

- نور الشريف: كيف ؟

- الشيخ الباقوري : كان على ابن أبي طالب كرم الله وجه متزوجا من فاطمة بنت محمد وأراد أن يتزوج أخري على فاطمة فبعث إلى الرسول ليستأذن في أن يتزوج بنت الحكم بن هاشم فخرج الرسول إلى المسجد وقال :

- " فاطمة بضعة منى ما يسؤوها يسوؤني وما يفرحها يفرحني . إن ابن أبي طالب يريد أن يتزوج عليها بنت أبي جهل وقد بعث يستأذني .. والله لا آذان ثم والله لا آذان, ثم والله لا آذن .. إن كان يريد أن يتزوج بنت أبي جهل فلطلق فاطمة بنت محمد " إذن هذا هو رسول الله وابنته فاطمة زوج على وهذا على ابن أبي طالب ولن تجد مهما فعلت قدوة تقتدي بها أكثر من سيد الخلق ..

وحول الخلاف بين الدول العربية حول رؤية الهلال سأل الفنان نور الشريف هذا السؤال :

ما رأيك يا مولانا في رجل دين كاد يضرب رجل علم لأن رجل العلم صمم أن تعرف بداية رمضان علميا ورجل الدين رفض .. أنا رأيي أن الله سبحانه وتعالي علم الإنسان ما لم علم وأن شهر رمضان لا يأتي وليد الصدفة أبدا لأن العالم الذي خلقه الله بكل دقة وعظيم الصنع ليس فيه أشياء بالصدفة أبدا .. فما رأيك ؟ خلقه الله بكل دقة وعظيم الصنع ليس فيه أشياء بالصدفة أبدا .. فما رأيك ؟

الشيخ الباقوري : قال الله تعالي " ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير " صدق الله العظيم والدابة في لغة العرب تفسيرها أن الأرض فيها دواب أى كل ما يدب على الأرض .

هذه آية تشير على سبيل القطع إلى أن الكواكب في السماء فيها دواب كالأرض تماما .. هناك سورة أيضا يقول فيها تعالي وهي سورة الطلاق " الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شئ قدير ".

إن أرضنا هذه واحدة من سبع . أى أن في السماء سبع مجموعات شمسية فيها نفس الصورة الموجودة في مجموعتنا وليس سبعا فقط لأن اللغة العربية قد تطلق سبعا ولا تريد التحديد ربما تطلق سبعا وسبعين وسبعمائة ولا تريد أكثر من التكرار أى التكثير فليس المراد التحديد وإنما المراد التكثير .

هذه الآية تدل على أن هناك ملايين المجموعات الشمسية في كون الله العظيم الذي لا يدركه أحد ألا الله .

أليس في هذا تحريض على العلم ؟ وعلى الصاروخ عابر القارات وعلى المراكب الفضائية .. إنك على حق تماما يا نور لأنك تريد استخدام العلم ... مثل الجنين في تكوينه وخروجه إلى الدنيا بشكل علمي .. إثبات رؤية الهلال علميا ليست صعبة بالنسبة لتكوين الجنين .

وتلمع عين الفنانة نورا ويقفز سؤال على شفتيها التقطته بحس المرأة حين مر عليها تفسير العالم الكبير لتكوين الجنين قالت :

أريد أن أسأل .. لماذا يعيش الجنين الذي يولد ابن سبعة شهور وكذلك ابن تسعة شهور .. إن ابنة نجلاء فتحي ولدت في الشهر الثامن ولهذا فهي مريضة بالقلب .

الشيخ الباقوري : قال أحد علماء المتصوفة " الجنين في بطن أمه إذا اكتملت له سبعة أشهر تحفز لينزل فيجتمع ويهم فإذا نزل في هذه الهمة نزل صالحا وإذا لم ينزل استراح فإذا جاء التاسع تحفز وهم فإذا نزل فهو سليم معافي وبين الهمتين شهر راحة هو الشهر الثامن أما همته في الشهر الثامن فهي همة ضعيفة إذا نزل فيها فلابد من علة تصيبه وتضعفه.

وسألت :

لكن يقال أنه لو بدأ الشهر التاسع ولو بأسبوع واحد ونزل الجنين سيكون قويا .

الشيخ الباقوري : فعلا هنا يكون قد استراح الشهر الثامن كله ... وبمناسبة المواليد هناك مسألة أحب أن أقولها للسيدات ليحملن همها ويبشرن بها من أجيال قوية صالحة ومبرهنا على قولي بقول عائشة ام المؤمنين حين قالت تمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ومبرئ من كل غير حيضة .......... وفساد مرضعة وداء مغيل

تريد أن تقول للرسول إن أمك حملت بك وهي طاهرة متطهرة والغيل هو لبن الأم ترضعه وليدها وهى حامل وفساد مرضعة اى مرضها.

قالوا إن إرضاع الطفل من أمه وهى حامل لابد أن يصاب معه بداء يصرعه حين يبلغ مبلغ الرجال .. وتقول أسماء بنت يزيد بن السكن :

سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول :

لا تقتلوا أولادكم سرا فإن الغيل يدرك الفارس فيعثره عن فرسه أى أن اللبن الذي يرضعه الصغير وأمه حامل يصيبه بالصرع عندما يكبر حتى يجعله يسقط مبعثرا من فوق فرسه أى يصرعه .

ويواصل العالم الذي استخلص من الدين علوم الدنيا قائلا .

لقد طلبت من الدكتور بدران وهو رجل عالم ورع ن يوجه المعامل في مصر أى يستورد معامل حديثه من أوروبا ليحلل لبن ألم وهى حامل ولبنها وهي غير حامل حتى نعرف ما ينقص من اللبن كما وكيفا حتى نكفل عن طريق العلم وعلى وجه التعيين جيلا قويا بعيدا عن الصرع وغيره .. وتذكرت حادثا في طفولتي حضرته في قريبتنا فلقد شاهدت أما لطفل أبعدته عن صدرها وهو في الشهر الرابع لأنها حملت بطفل آخر فقلت :

- ما رأيك إن المرأة في القرية تعرف هذه الحقيقة العلمية جيدا وتمنع طفلها فور شعورها بالحمل .

- في البادية أيضا يعرفون هذه الحقيقة .. الفطرة تعلم الإنسان حماية نفسه

- نور الشريف : يا تري فيه كتاب أقدر أرجع إليه في مثل هذه الأمور؟

- الشيخ الباقوري : بعد شهر إن شاء الله سأهديك نسخة من كتابي مع القرآن في تفسير جزء تبارك وهو يهتم بحقائق علمية كثيرة .

وبالمناسبة كنت أتمني أن يحتوي قانون تنظيم الأسرة أو قانون الأحوال الشخصية كما يسمي على نصوص للمحافظة على النسل فهذا حق من حقوق الأسرة وواجب عليها لخلق جيل صحيح الجسم صحيح النفس .

- ومن الفوازي التي تعطي للجمهور ثقافة : الفوازير التي كان يقدمها نور الشريف وبوسي في إذاعة البرنامج العام وهي عن الأماكن المقدسة ... وتذكر نور الشريف سؤالا بمناسبة هذه الفوازير فسأله :

- هنالك مكان من الأماكن المقدسة تناولناه في فزورة عقدت فيها معاهدة عقدها الرسول صلى الله عليه وسلم مع لمشركين وقال المسلمون أن بها بنودا ضد الإسلام فما حكاية هذه المعاهدة ؟

- ورد حماه الله موسوعة لنا قائلا :

- إنه صلح الحديبية أو غزوة الحديبية .. إنها ليست غزوة ولكنهم يطلقون عليها هكذا .. فلقد ذهب الرسول فحاصروه ومنعوه من دخول مكة وقالوا له لا تدخل مكة علينا بسيفك أبدا فتتحدث العرب أنك غلبتنا .. لا والله

- فماذا يصنع الرسول .. لقد اتفق معهم على أن يرجع من عامة هذا على أن يرجع في العام القادم ليقضي العمرة التي صد عنها ورجع ... وبينما هو في الطريق إلى مكة نزل قوله تعالي :

- " إنا فتحنا لك فتحا مبينا لغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ".

- فقال عمر .. أو فتح هذا يا رسول الله قال : نعم إنه فتح .

- مع أنه لم يكن فتحا وإنما ترتب عليه الفتح بعد ذلك والذي حدث أن المسلمين الذين كانوا مع الرسول صلوات الله وسلامه عليه قويت نفوسهم ثانيا وحدثت ف هذه الهدنة أو المعركة متناقضات عجيبة فالرجل حارب ابنه .

- وسألته : ما هى البنود الهامة في صلح الحديبية ؟

- قال أن يرجع عامة هذا ويأتوا بدون سلاح مرة ثانية .

- أجمل ما في هذه الغزوة أن رسول الله استشارا امرأته وأخذ برأيها .. فحينما منع المسلمون من دخول مكة أمر الرسول من معه أن يذبحوا الذبائح ويحلقوا شعورهم فتقاعسوا فأمرهم فتقاعسوا فدخل على زوجته أم سلمه ووجدته مهموما فسألته عما به فقال :

- أمرتهم فلم يطيعوا وإني أخشي عليهم عذاب النار فقالت يا رسول الله أخرج فادع بحالقك يحلق لك فإذا رأوا أنك تحلق تقاتلوا على الحلاق فخرج ودعا بحالقه .. ويقول الرواة أنه لم تسقط شعرة من شعر رسول الله على الأرض .. وهكذا المرأة ذات الرأى ..

- وتحفز الفنان نور الشريف ليسأله سؤاله الذي يريد أن يكون جوابه دستورا يعمل به .

- كيف يمكن لرجال الدين – سواء على مستوي المسئولة أو المثقفين ثقافة دينية أن يوجهوا الفن بحيث ينعكس على الشباب خاصة والناس عامة أو بمعني آخر لماذا لا يكون لدينا أعلام ديني ؟

- وأضفت للسؤال :

- يعني مثلا فيلم الرسالة وهو تقريبا أول فيلم يوصل الإسلام إلى أوروبا مما جعل كثيرين ممن شاهدوه يدخلون الإسلام .. ورحلاتك إلى أوروبا أيضا أدت رسالة عظيمة لاجتماعك الدائم بتلاميذك ومريدى المعرفة هناك .. لماذا لا يعرض هذا الفيلم هنا أيضا ؟

- الشيخ الباقوري : أنا لا أعرف سببا جوهريا لمنع عرض فيلم الرسالة هنا .. أنا شخصيا أطالب الأمة بأن يعرض فيلم محمد رسول الله بالقدر الذي تعرض فيه المسلسلات الدينية في التليفزيون وأنا أري أن سير عظماء الإسلام في مراحله خير مثل يحتذي به ولو أخذنا حياتهم وأحسن كتابتها من جديد وأحسن اختيار الممثلين ولم يبخل في إنتاجها أعتقد أنها ستؤدي دورا هاما في خدمة الإسلام وكذلك أيضا بالنسبة لكل الأديان حيث أصبحنا محتاجين لإعادة بناء الإنسان بالقيم الموجودة في الكتب السماوية .. والإعلام الديني ضرورة حتى لا يتوه الشباب في متاهات ويقع تحت تأثير الجماعات المتطرفة التي ليست من الدين في شئ ..

- نور الشريف : التمثيل كفن موجود منذ عهد الفراعنة واليونان وقد ظهر كجزء من العقيدة حيث كان الكهنة ومساعدوهم وحتى الآن في المسيحية نجد أن القساوسة والشمامسة يأخذون شكلا من أشكال التمثيل .. أريد أن أعرف نظرة الإسلام إلى التمثيل ؟

- الشيخ الباقوري : التمثيل صورة من صور البيان ولا شك أنه يعين على شرح الأشياء ".

واستطرد مرددا الآية الكريمة .

" مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ".

أليست العبارات هنا مستقاه لتخدم المعني ..؟ هناك باب في اللغة العربية اسمه باب التمثيل .. وهو عبارة عن وضع الصورة المعنوية في صورة نفسية يستعين الإنسان بها على الفهم .. يقول تبارك وتعالي :

" الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح .. المصباح في زجاجة .. الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شئ عليم " .

وقلت :" سبحان الله : إنها صورة تستطيع أن تثري الخيال .صورة كتبها بعبارة عبقرية الله سبحانه وتعالي .. إن من يقرأ الآيات يحس كأنها لوحة مرسومة بعناية وقدسية لا يرقي إليها إلا خالق الخلق .

ويفيض العالم الجليل من علمه مؤكدا رأيه قائلا : ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال حديثا يعتبر أروع صورة من صور التمثيل .. قال عليه صلوات الله عليه :

" مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بني بنية فأحسنها وأجملها إلا موضع لبنة في زاوية من زواياها فجعل الناس طوفون بها فيقولون ما أجملها ما أحسنها لولا موضع هذه اللبنة الفارغة منها فأنا هذه اللبنة وأنا خاتم النبيين ".

لقد صور المصطفي نفسه مع أنبياء الله في بيت كامل من كل شئ إلا موضع اللبنة أى أنه جاء مصدقا لهم لم يكن مناقضا لهم ... كان الذي ينقصهم .. جاء محمد يدعوهم أن يؤمنوا بعضهم ببعض ويتعاونوا على البر والتقوى .

وتمنيت دائما أن يتجه شباب السينما إلى التفكير في الشخصيات الإسلامية وخصوصا الذين كانوا إلى جانب الرسول في فجر الدعوة ليخرجوا حياتهم إلى النور بما فيها من مآس وفروسية وعبر فتوجهت بهذا السؤال:

- أستاذ نور هل هناك شخصية إسلامية في ذهنك تحس أن عندك الرغبة والقدرة على تمثيلها وإبراز كفاحها في سبيل الدعوة .. شخصية تكون مقتنعا بها نفسيا ومتوحدا مع زواياها بحيث تلقي ضوءا على الفترة التي عاشتها ؟

- نور الشريف : هناك عدة شخصيات تأثرت بها منذ الصغر وقرأت عنها كثيرا .. تمنيت أن أقدم شخصية عمر بن الخطاب في مسلسل متضمن حياته في الجاهلية وقدرته على العناد ثم تغيره ودخوله في الإسلام ثم خلافته لأبي بكر واتساع الدولة الإسلامية في عصره أى مرحلة الفتوحات الكبري .. كذلك تمنيت أن أمثل شخصية عمر بن عبد العزيز لما في شخصيته أيضا من أبعاد مختلفة مثل حبه للترف قبل الخلافة ثم زهده وتمثله بالقيم ليكون قدوة بعد الخلافة ... خالد بن الوليد أيضا تثيرني فروسيته .

وقبل أن يضئ لنا أستاذنا الشيخ الباقوري الطريق بإجابته عن العمرين سألته هذا السؤال :

- تمنيت أن تختار للأستاذ نور الشريف بما لكم من قراءات وتأملات واجتهادات في دراسة الشخصية أيهما تحس انه سيعطي الرسالة حقها لو أخرج للناس فيلما سينمائيا أو حلقات مسلسلة ؟

سكت الشيخ قليلا وكأنما يقارن بين الشخصيتين ثم قال :

- عمر بن عبد العزيز شئ وعمر بن الخطاب شئ آخر , على أن ابن عبد العزيز من نسل ابن الخطاب فورث عنه وتشبه به فتستطيع أن نري التشابه بينهما في التسامح ولكن عمر بن الخطاب كان متشددا جدا وقت الشدة ولكن خط التسامح عن ابن عبد العزيز كان أقوي وهذا الاختلاف الفترتين فقد كان الإسلام في أول الدعوة محتاجا لقوة وشدة ابن الخطاب ..

وليبدأ نور الشريف بتمثيل شخصية عمر بن عبد العزيز لأن فترة خلافته لم يلق عليها كثير من الضوء رغم أهميتها .. وعمر بن عبد العزيز حينما تولي إمارة المؤمنين كانوا في حالة غليان وكان عدد الخوارج في تزايد .. فلماء جاء حطوا جميعا سلاحهم حتى الذين خرجوا على الدولة أيضا قالوا ما ينبغي لنا أن نقاتل مثل هذا الإنسان فوقفت الحرب دون أن يقول كلمة واحدة . وأبرز ما فيه أنه جاء فرد المظالم وكان قومه من بني أمية قد اغتصبوا الأرض من الفلاحين فجاء وأشعر الناس أنه يريد أن يرد الأرض فجاء المغتصبون وقالوا له لقد ارتبطت بالأرض أرزاق أولادنا وجاههم وحياتهم وقالوا تالله لأن فعلت ليثورن عليك الناس فقال كلمته المشهورة " تالله لولا أنني أخشي أن تستعينوا على بمن أطلب الحق لهم لأمرغن خدودكم في التراب الشئ الثاني في هذا الخليفة المؤمن أنه كان رجلا متسامحا مع أهل الذمة .

- وحينما عجز بنو أمية من أن يستنقذوا منه أرضهم وضعوا له السم فشربه وأحس بالموت فدعا بخادمه وقال له ما الذي حملك على أن تضع هذا ؟

- قال الخادم :

- أعطوني ألف دينار ؟

- هاتها !.... وأمر بها أن توضع في بيت المال ...!!

- وقبل أن يموت ذهب إلى دير خرب في حمص وكان يعيش بقميص واحد يغسله يوم الجمعة وينتظر أن يجف ويلبسه ليؤدي الصلاة وقال لصاحب الدير حينما اشتد عليه السم :

- بكم تبيع لى قطعة من الأرض طولها متر ونصف وعرضها نصف متر ؟

- قال له : بكذا .. ومع ذلك لقد جئت إليك يا أمير المؤمنين بأول قطف من العنب نضج في الحديقة .

- فقال له أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز : لا لن أقبلها منك لأنني حاكم وكأنك أعطيتها كرشوة لا هدية فأرجو ألا تصر على أن أخذها منك إنما بعني قطعة الأرض فإذا أنا مت فادفني فإذا حال الحول فاحرثها وازرعها .. فعل ذلك الدير أني بعد وفاة عمر ابن عبد العزيز ,, وحينما جاء بنو العباس ينشبون قبور بني أمية لم ينج إلا قبر واحد من الحفر هو قبر عمر بن عبد العزيز ... وخير من كتب فيه رسالة هو الأستاذ عبد العزيز سيد الأهل فقد كتبها بفكر واضح ناضج .

وسألته هذا السؤال :

- هل ستحجب أيضا شخصية عمر بن عبد العزيز عن الناس بأمر الأزهر أو ما شابه ذلك ؟

- قال وهو يؤكد كلماته :

- لا ... لن تحجب لأنه ليس من صحابة رسول الله والتابعين لا يحجبون لقد توفي عمر بن عبد العزيز عام 98 هجرية أى بعد وفاة الرسول بفترة طويلة جدا .

- وكان الجو بالحجرة أصبح مشحونا بعلامات الاستفهام والأسئلة الكثيرة وخفت على فضيلة العالم الجليل من الإرهاق ولكنه كان يبدو سعيدا متدفقا كعادته .

- وسألته نورا هذا السؤال :

- رجال الدين يحجبون شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم على أساس أن شخصيته لا يمكن أن يمثلها أحد .. فلماذا تحجبون الصحابة أيضا ؟

فقال الشيخ الباقوري :

- أنا لا أرفض ظهور الصحابة ولكني أرفض ظهور شخصية الرسول عليه الصلاة والسلام .. إن الذي يمثل شخصيته عليه السلام لا يمكن أن يوجد فالصفات الخلفية لسيد الخلق الذي اختاره الله ليوصل للناس رسالته لا يمكن إيجادها في شخص .. ولقد نجح الغرب في اختيار شخصية من يمثل دور " حياة وآلام السيد المسيح " ودفعوا له خمسة ملايين دولار حتى لا مثل أدوارا أخري بعد ذلك ولكن هذا خطأ أيضا لأن للرسل في وجدان الناس صورة خاصة لا يجب أن تهتز أبدأ .

- نورا : أنا لا أتكلم عن الرسول صلي الله عليه وسلم لأن هناك استحالة لجمع صفاته في شخص .. أنا أتمني أن نري الصحابة في أفلام كبري تليق بهم من حيث البحث وتحقيق السير والإخراج .

- الشيخ الباقوري : أنا لا أرفض إطلاقا ظهور صحابة رسول الله وأتمني أن تخرج للناس بصورة لا تقلل من شأنهم .

- لماذا إذن منعا فيلم الرسالة من العرض هنا ولا يظهر فيه رسول الله و لا أحد من صحابته .. لقد ظهر سيف على بن أبي طالب فقط !

- الشيخ الباقوري : بالمناسبة أنا لا أمانع في ظهور على ابن أبي طالب أبدا .. إن عليا كرم الله وجه شخصية عاشت حياة الإنسانية بكل ما فيها .. ألأم يفكر على أن يتزوج على فاطمة بنت سيد الخلق ؟ إنه تصرف عادي ولكن في الواقع يجب أن يكون ظهور هذه الشخصيات في حدود ضيقة وبحرص شديد وتكرم الشخصية بفرض القيود على من يمثلها .

- وكانت وجهة نظري شخصيا أن الحرص في اختيار من يمثلون هذه الشخصيات واجب وضروري حتى تظل الهالة التي يتخيلها كل منا حولهم كما هي .. نفس الثراء في التصور ونفس التأثر الذي تفعله يظل هو من بعد خروجها إلى الشاشة. أنا على أية حال لا أستثني إلا رسول الله فقط وبالشروط الدقيقة يمكن لأى شخصية إسلامية أن تظهر في السينما .

- فقلت : إن ظهور الخلفاء الراشدين يلقي ضوءا ويخدم الرسالة أكثر من احتجابهم .

- وسأل نور الشريف سؤالا يتبادر للأذهان كثيرا ولا يجد جوابا :

عقاب المسلمين المخطئين في الآخرة مشروع في القرآن ولكن البعض يقول إن غير المسلمين سوف يدخلون النار لأنهم لم يسلموا .. فما حكم الذين لم تصلهم الرسالة ولم يشرحها لهم أحد سواء في آخر الدنيا أو هنا ؟

ولكل سؤال جواب وقال الشيخ الباقوري :

أولا رأى الشيخ الإمام محمد عبده وأستاذه الشيخ جمال الدين الأفغاني وتلميذهما الشيخ رشيد رضا أن هؤلاء الناس هم من أهل الفترة ..

ومن هم أهل الفترة ؟ هم الذين ل يبعث إليهم رسول ويقول الله تعالي في ذلك " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " إذا كان الله سبحانه وتعالي قدر أنه لا يعذب إلا بعد إبلاغ الدعوة .. فكيف يعذب هؤلاء ؟ ثانيا أن تعذيبه يناقض الحكمة والعزة والله مبرأ عن ذلك كما نقرأ قوله تعالي :

" وإذ قال الله يا عيسي ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحنك ما يكون لى أن أقول ما ليس لى بحق إ، كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب . ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن أعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شهيد"

ثم قال : إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ".

قال العالم البصير بلغة القرآن أفلا تري كيف رتب القرآن جواب أن على فعل الشرط تأمله فإنك تري العجب .

تري أنه قال له إن تعذبهم فإنهم عبادك افعل بهم ما شئت .. أنت حر .

ولكن في الجانب الثاني بينه بالعزة والحكمة حين يغفر لهم .

وتتفرع الأحاديث وكأننا كلم ازددنا علما ازددنا حبا للمعرفة .. وسألته نورا هذا السؤال .

ما رأيك في تحضير الأرواح .. وما رأيك في الجن ؟

ابتسم وكأنه توقع هذا السؤال وقال :

قرر العالم الشيخ محمد فريد وجدي أن الأرواح علم له أصول وفروع وأنه يدرس بصورة واسعة في أوروبا وأمريكا فمن شاء المعرفة فعليه بدائرة معارف القرن العشرين للعالم الجليل ذاته وتحضرني حكاية أحيكها لكم عن الشفافية والأحلام أيضا ولها صلة بعلم الأرواح ..

في شهر فبراير عام 1933 ذهبت مع أستاذي المرحوم الشيخ حسن البنا إلى الإسماعيلية وكان قد بني مسجدا هناك وكان بالمسجد رجل تقي ورع اسمه الشيخ محمد .. هذا الشيخ كنا لا يمكن أن نراه إلا في حالتين إما قائما في صلاة أو قارئا للقرآن .. وكان الشيخ حسن البنا يجمعنا كعادته بعد صلاة العشاء ثم نجتمع ثانيا بعد صلاة الفجر ويقول لنا مقتديا برسول الله :

من منكم رأى مناما الليلة ..؟ فيقص علينا القاصون ما رأوا من منام وسأل الشيخ محمد أستاذنا الجليل وقال له :

يا أستاذي أنا أصوم الخميس وأقرأ القرآن طوال الجمعة حتى النوم لأستطيع أن أري رسول الله في المنام ولا فائدة طوال فائدة طوال عامين فإما أنني غير مسلم وإما أن رسول الله لا يري فقال الشيخ حسن البنا ..

يا عم الشيخ محمد !.... إن الله يحب لعبده أن يلح في الدعاء فاستمر ولعللك تري ..

وفي الأسبوع التالي ذهبنا إلى هناك وجدت شيئا أرويه لكم وأتحمل تبعته أمام الله وأمام الناس وأمام الإخوان المسلمين .

قال الشيخ محمد :

صحوت يوم الخميس وظللت طوال اليوم راكعا ساجدا آخذ ا بنظرية مالك ابن دينار الذي يقول " قبل له إنك تعتزل الناس وتجلس وحدك وهذا لا يليق ؟ فقال من أنبأكم أننى وحدى . إنني أجالس ربي فإن شئت أناجيه دخلت في الصلاة وإن شئت أن يناجيني قرأت القرآن "... وهكذا التزم الشيخ محمد طريق مالك بن دينار ليري رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكمل الرجل حديثه قائلا – لقد من الله على يا سيدي بفضل منه فرأيت الليلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أما كيف يا سيدي فأسمع مني :

أنت تعلم كما أخبرتنا إذا نمن وضعنا يدنا اليمني وسادة ثم نمت وكانت على عيني اليسري سحابة لا أري منها شيئا فبعد أن نمت وجدت عيني موضوعة داخل يدي اليمني لا تري وعيني اليسري عليها سحابة وقبل الفجر خيل إلى أنني أري شخص رسول الله فقلت : يا رسول الله .. أنا منذ عامين أريد أن أراك ولا أستطيع فقال لى صلوات الله عليه طيب يا شيخ محمد ها أنا قلت له أنت تري أن عيني اليمني في كمي وعيني اليسري عليها سحابة ثم بكي الشيخ وقال وإذا يد تمسح على عيني ورآه ..

وأتوني بمصحف أقرأ لكم الآن .. فعلا كان الرجل قد رأي !!

وتناقشنا في الموضوع بشكل علمي مع الشيخ حسن البنا فقال :

إنه حينما رأى رسول الله اهتز عصبيا اهتزازا شديدا حرك السحابة ولو لم أره يقرأ بعيني رأسي ما صدقت .

وظل الرجل مجذوبا بشخص رسول الله حتى توفاه الله .

وفي نفس الموضوع سأل نور الشريف :

وما رأيك في السحر : وما رأي الدين فيه ؟

قال بلا تردد :

السحر موجود يقينا .

نور الشريف : كما حدث مع سيدنا موسي ؟

فرد الشيخ بآيات الله :

قال الله تعالي " قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد ".

إذن السحر موجود .. والنفاثات هن الساحرات كما أن الحسد موجود كما هو في الآية الكريمة واقرأ هذا الفصل في كتاب الملل والنحل تري العجب وسوف تري من عجائب الكون شيئا غريبا ..

في الريف الرجل يؤخذ من امرأته بالسحر هذه أشياء موجودة وهناك أشخاص معروفون بقدرتهم وقوتهم في هذه الأشياء .

لقد حضرت محاضرة في الجامعة الأمريكية عام 1937 وقال المحاضر إنه يتحدي الذي لا يصدقه فيجعل امرأته تلعنه ولو كانت تحبه ..

نور الشريف : عند سؤال يدور في ذهن الناس جميعا على ما أعتقد وهو هل الإنسان مسير أم مخير ؟

واعتدل الشيخ في مجلسه وتردد كأنما يسترجه الإجابة ثم قال :

يجب أن نعلم أولا أنه لا يقع في ملك الله شئ رغم إرادة الله ... فعالم الفلك يعلم أن الشمس تنكسف في يوم كذا فهل تري أن علم الفلك له تأثير أو العلم هو مجرد اكتشاف .. هل صفة العلم صفة كاشفة أو صفة مؤثرة ؟ القطع الذي لا سبيل إلى المنازعة فيه أن الله تعالي عالم محيط .

نور الشريف : مؤكد..!

الشيخ الباقوري : عال .. وأن العلم ليس إلا صفة يكشف بها الله تعالي كل ما كان وما يكون . سؤالنا إذن عن مسير أو مخير هو سؤالك عن حركتك وأنت تأتي الفعل سواء كان أمرا أو نهيا فضيلة أو رذيلة... أتشعر في هذه الأثناء أنك مسير أم مخير هذا هو السؤال .. أما ما في علم الله فإن ما عند الله لا يزيد عن إنه صفة تنكشف له بها الأشياء فسؤالك يدور عن الأمر التكليفي الذي يحاسب عليه الإنسان .. الأمر التكليفي هو حركتك إلى الفعل سواء ثوابا أو عقابا .. هل تشعر وأنت تأتي فعلا مشينا أو شائبا أن هناك يدا تحركك أم أنك في هذه الحال تمضي بمطلق إرادتك واختيارك حريتك ..

نور الشريف : يعني ربنا سبحانه وتعالي أعطانا العقل لنناقش به الأمور .. إني أرى من كلمات فضيلتك أنه لو لم يكن هناك تخيير فمؤكد هناك جزء كبير من حياة الإنسان هو مخير فيه وإلا ما كان هناك عقاب من الله سبحانه وتعالي .. لو أن الإنسان مسير فكل شئ يعلمه الله حتى الخطأ فإذا عاقبه الله فيكون هذا ظلما وهذا ليس من صفات الله أعتقد أن التسيير في الخلق .. خلق الإنسان ثم جعله يعيش ثم أماته والاختيار في السلوك .

الشيخ الباقوري : التيسير هو القدر .. لذلك أنت تقول أن الإنسان يوجد أفعال نفسه بقدرة أودعها الله فيه لا تقول أن الله هو الذي أوجب وإلا وجب عليك أن تقول أن الله هو شارب الخمر أو أن الله هو سارق الشئ , في الواقع أنت الفاعل وكل ما فعله الله معك أنه أقدرك على هذا الفعل , أما أنت فلك الحرية كاملة في أن تفعل أولا تفعل فالإنسان في هذا الاعتبار مخير على وجه اليقين عن الفعل إن شاء أن يمتنع .

عزة الباقوري : هل ممكن أن نستزيد من هذه النقطة ؟

الشيخ الباقوري : هل يجوز لخالق الخلق ألا يعلم فعل عباده ؟... طبعا لا ؟..

هل إذا فعل أحدكم شيئا هل يشعر أن يدا أمسكته وحركته ؟ أو إذا لم تفعل شيئا هل يحس أن يدأ منعته من الفعل ؟... إنك تجلس وتأكل وتشرب وتتحرك بإرادتك .. إذن يحاسبك على هذه الحرة فقط .. هذه الحركة اختيارية على وجه اليقين ..

عزة : إن قدرتي البشرية وتفكيري من خلق الله أليس كذلك ؟

الشيخ الباقوري : نعم ..

عزة الباقوري : إذن حينما أتصرف كيف أحاسب على هذا التصرف ؟

الشيخ الباقوري : ماذا تفعلين إذا وجدت أنبوبة البوتاجاز تنفجر ؟

عزة الباقوري : أجري وأبتعد عنها .

الشيخ الباقوري: إذن أنت تبتعدين باختيارك .. فلا يمسك الله بيدك ليبعدك أو يمسك بها لتظلي واقفة !

ابنته عزة : لا إن الله أعطاني العقل لأفكر !

الشيخ الباقوري : عال .. هذا العقل الذي أعطاه الله لك لتبعدي عن النار هو نفسه العقل الذي أعطاه الله لك لكي تبتعدي عن مناهي الله وتقتربي من مراضيه .

نور الشريف: ما هو موقف المتخلفين عقليا من الثواب والعقاب ؟

الشيخ الباقوري : هناك أفعال اضطرارية فهي ليست أفعاله وإنما هي ما يسره الله فيه فكل فعل اضطراري ليس للإنسان فيه اختيار والإنسان غير محاسب عليه . وأضفت هذه الإضافة التى رد عليها الشيخ الباقوري :

- أننا نكتسب من الحياة والبيئة صفات تكون شخصيتنا .. مثل الصدق والكذب وكذب لا يولد اللص لصا وأعتقد أن كل ما هو مكتسب يستطيع الإنسان أن يقاومه بقدر قوته وتأثره بالقيم .

وأجاب الشيخ : طبعا هذا حقيقي إلى جانب ذلك فتح الله أبوابا من التقدير .. تقدير هذه الأشياء التي جل جلاله وضع لها العلاج الذي يدفع عن الإنسان وصمة الإحساس بالإجرام فمثلا قال :

( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكن ) .

ثم قال تبارك تعالي :

( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم ) ..

قال الإمام الزمخشري وهو قد جاور في المسجد الحرام خمسا وعشرين سنة ..

القبلة والغمزة واللمزة .. ويقولون أن فيه كبائر وصائر التى يعبر عنها باللمم وأن الكبير هي كل ذنب وضع الله له حدا ينفذ على مرتكبيه وهو الفاحشة والسرقة وعقوق الوالدين وشرب الخمر والقتل .

دائما يختلف الناس على صوم المسافر فالآية الكريمة تقول :

( فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) ..

وللجدل الذي كثر حول حكمة صوم المسافر وجدتها فرصة لإنهائه فسألته :

- إن السفر الآن يختلف عن السفر عند نزول الرسالة فهل ما زالت الرخصة كما هي في السفر ؟

- قال الباقوري :

- الصيام له علة وله حكمة .. العلة لا تختلف باختلاف الأشخاص والحكمة تختلف باختلافهم والذي تعلمته من صغري أن كل علة لحكم يجب أن تكون مشتملة على حكمة تصلح أن تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم .

- الحكمة دفع مشقة الصيام عن المسافر لكن المشقة تختلف باختلاف الناس .. فمثلا الناس المترفين في بيوتهم .. المشقة في حقهم لا تعتبر مشقة لرجل فلاح مسافر مثلا .. لذلك يقال إن العلة في إفطار الصائم دفع المشقة لن الشقة غير منضبطة وهذه حكمة لا تصلح أن تكون علة لذلك فقالوا أن العلة في إباحته للصائم هي أن يسافر في الفترة التي يطلق عليها عرفا أنها سفر وهي يومان بالجمال أو 80 كيلوا مترا هذه العلة مضبوطة لا تختلف .. نو ر الشريف مؤكد اختلاف وسائل المواصلات مثل الطائرة المكيفة التي تنقل المسافر في ساعات لا تعتبر سفرا يبيح الإفطار !

- الشيخ الباقوري : أبدا ممكن يسافر الإنسان وتكون طائرة مكيفة ويفطر لأنه ممكن أن يكون في بيته مستريحا أكثر.

- وقلت : الحالة النفسية التي يكون عليها الإنسان سواء القلق أو النقلة السريعة من مكان لمكان والخوف من الطائرة أعتقد يبيح الإفطار .

- الشيخ الباقوري : تمام .. إذن هناك ففرق بين العلة التي لا تختلف باختلاف الأشخاص وهي معني السفر والحكمة التي هي دفع المشقة .. المشقة تختلف فلا تصلح علة والسفر لا يختلف يصلح علة ولهذا جاء في القرآن " من كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر " فليس هناك تحديد لا للمرض ولا للسفر كل ما يطلق عليه عرفا أنه مرض يبيح الفطر.

- وبسعادة غامرة وبعطاء سهل كأنه النبع الصافي وبروحه المرحة العالية التفت إلى الجمع وقال الشيخ الباقوري :

- ... هاتوا ما عندكم من أسئلة .. أنا سعيد بكل ما تسألون ؟

- فقال نور الشريف وهو يغالب الخجل :

- في الواقع إحنا أرهقنا حضرتك جدا .. لكن هي فرصة فعلا لنسألك ما نريد لأننا لن نجد من يجيبنا خيرا منك .. ماذا عن الغناء في الإسلام ؟.

وقالت نورا : وماذا عن التماثيل ؟

وقال الشيخ التماثيل أباحها الإمام محمد عبده وهي تعتبر فنا معبرا . أما عن الغناء فقد كان لرسول الله حاد أو منشد اسمه النجاشي وكان حسن الصوت لدرجة أن الرسول كان يدلله " أنجشة " وكان إذا خرج خرج معه بعض نسائه وركبن العيران ويغني النجاشي فتسرح الإبل ومعروف عنها تجوع وتظمأ.. وحينما يغني لها تنطلق وتقتحم الصعاب بالغناء .. فكان سيدنا رسول الله يقول التعبير :

يا ( أنجشة رفقا بالقوارير ) ..

أى ترفق بالنساء اللاتي يشبهن الزجاجات الرقيقة واللاتي يركبن الجمال فإذا أسرع يؤذيها وأظن أنه لليس هناك تعبير أرق من تعبير رسول الله.... فإذا كان الجمل ينفعل بالغناء والموسيقي فأين الإنسان من هذا إذن ؟

نور الشريف  : حقيقة الإنسان يتأثر بالغناء والموسيقي إلى حد كبير .

فقلت : إن الموسيقي تستخدم علاجا الآن ليس للأمراض النفسية فحسب بل للأمراض العضوية أيضا فقد أجريت تجربة أخيرة على مرضي السكر بحيث يستمعون يوميا إلى موسيقي مهدئة لوقت محدد وبعد أيام قليلة كانت نتيجة التحليل مدهشة ..

وقبل أن نترك شيخنا الجليل العظيم يستريح من علامات الاستفهام الكثيرة التي وجهت إليه وأجابها بفطنة وغزارة علمه وسعة صدره سألته أن يقول لنا دعاء لجمعية الإخاء الديني التي تضم مجموعة كبيرة من المثقفين المصريين مسيحيين ومسلمين ..

فقال : اللهم نتوجه وعليك نتوكل وبك نستعين وإياك نسأل أن ترزقنا قوة الإيمان بك وحسن الثقة فيك وجميل التوكل عليك ونسألك الله أن تجعل كلا منا وفيا لعقيدته أمينا على دينه في غير تزمت نشقي به في أنفسنا ولا تعصب يشقي به مواطنونا ونتضرع إليك يا ربنا أن تبارك إخاءنا الديني وتجعل الصدق رائدنا والعدل غايتنا منه والسلام ذخيرتنا فيه يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام آمين ) .

وخرجنا ولا نريد أن نخرج .. أمضينا أربع ساعات مضت لم نشعر بها ..

أحسسنا فقط بالحرج فقد تصورنا أننا لابد قد أرهقناه ولو أن الإرهاق لم يبد عليه تأدبا وسعة صدر تذكرنا بما في خيالنا من صور لرجالات صدر الإسلام وصحابة الرسول حيث كانت إجابات السائلين عندهم متعة ... رحمه الله رحمة واسعة بقدر ما نفع الناس من علمه .

حينما شرعت في جمع حوارات مولانا الشيخ الباقوري في كتاب تكتمت الخبر حتى يكون مفاجأة لأسرته الصغيرة أهل بيته ولكل محبيه وتلاميذه في مصر كلها ..

وفجأة وجدت السيدة حرمه تحادثني وتطلب منى أن أعيد قراءة حوار كتبته في يوميات الأخبار في 16 ديسمبر عام 1977 وكان الحوار حول رأيه في تاريخ المسلمين وكيف يغزو السينما .. وقرأت الحوار أن أضمه لهذا الكتاب ومعه رأيه أيضا أثناء رئاسته للجنة الشئون الإسلامية التابعة للجنة المركزية بالإتحاد الاشتراكي.

أردت بهذا أن افرد أكبر مساحة ممكنة من حواراتي معه والتي تضم آراؤه في كثير من الأشياء وليس مشواره ثائرا فقط ولكن مقومات هذه الثورة أيضا من تأصيل لأرائه في الفن والحياة

تعقد لجنة الشئون الإسلامية التابعة للجنة المركزية بالاتحاد الاشتراكي اجتماعا يحضره أكثر من 40 عضوا برئاسة فضيلة الشيخ أحمد حسن الباقوري . لتحديد موقف الإسلام من فيلم " محمد رسول الله" الذي قررت المغرب وقف تصويره بعد سلسلة من الاتصالات بين الدول العربية .

وخلال الاجتماع الذي تعقده لجنة الشئون الإسلامية .. ستتم مراجعة سيناريو الفيلم , ومناقشة تفاصيل الشخصيات التي تضمها أحداث الفيلم قبل إصدار الكلمة الأخيرة .

وقصة فيلم " محمد رسول الله " بدأت عندما تقدم منتجه مصطفي العقاد بمشروعه إلى مجمع البحوث بالأزهر الذي أباح عنوان الفيلم ولكنه اشترط عدم تمثيل شخصية النبي ولا أحد من أصحابه ولا أحد من أهل البيت .

وقد أعد إسماعيل القاضي عضو اللجنة المركزية ومقرر لجنة السينما بها تقريرا عن فيلم " محمد رسول الله " يتم مناقشته اليوم أثبت فيه إسماعيل أن هذا الفيلم ليس كما قيل عنه أن مصر مشتركة في إنتاجه مع السعودية وأن ضمن أحداث السيناريو قد يسئ إلى الإسلام وأن سيناريو الفيلم لم يعرض على إدارة الرقابة على المصنفات الفنية بالقاهرة لهذه الأسباب ولغيرها لابد من إيقاف تصوير الفيلم ..

قال لى فضيلة الشيخ أحمد حسن الباقوري رئيس لجنة الشئون الإسلامية باللجنة المركزية :

الموضوع ببساطة إما أن نجني على التاريخ ,وغما أن نجني على الشخصيات المقدسة التي ستظهر في الفيلم. فإذا ظهر أصحاب الرسول وآل بيته في صرتهم التي كانوا عليها .. وهي صورة لا تعجب الذوق الحاضر فنكون قد اعتدينا على أشخاصهم المقدسة . وأما أن نلبسهم صورة أخري تعجب الذوق الحاضر فنكون قد اعتدينا على التاريخ .. ولا خير في الاعتداء لا على الشخصيات المقدسة ولا على التاريخ !.

ومضت لحظات صمت قال بعدها فضيلة الشيخ الباقوري :

أعداء الإسلام يصورون محمد صلى الله عليه وسلم دائما بصورة الإنسان الذي قام دعوته إلى الإسلام على القوة والسيف ..ومن بين أحداث الفيلم معركتا بدر وأحد . ,هذا يعني تأكيد الدعوة الكذوب التي يقوم بها أعداء الإسلام من أن الإسلام قام بقوة السيف وليس بقوة الإقناع .

ويقول رئيس لجنة الشئون الإسلامية باللجنة المركزية:

إخواننا الذين قدموا فيلما عن السيد المسيح عليه السلام في أمريكا اشترطوا على من مثل شخصيته أن يحكم على نفسه بالموت الاجتماعي .. فلا يرقص ولا يجلس في مقهي .. ولا يأتي بأى صغيرة تمس كيانه بين الناس لأنه في رأيهم سوف يكون صورة للسيد المسيح .فإذا كان في تصرفه عمل ناقص نسب الناس هذا العمل إلى المسيح وسخروا منه وهذا معني جليل يجب التنبه له ..

وتساءل فضيلة الشيخ الباقوري قائلا :

- ما هي الفائدة الملحة التي تجعلنا نواجه كل هذه الأخطار ونستسيغها ؟

ورد على تساؤله بقوله :

- لا نري سببا إلا التسلية .. ومن السخف بمكان أن يكون هؤلاء الكبار الذين أخرجوا الإنسانية من الظلمات إلى النور وسيلة ولهو في المجتمع ثم وراء ذلك ليست لدينا الشخصيات القوية التي تستطيع بكبر نفسها وعظمة أخلاقها أن تكن عنوانا صالحا لأي شخصية من هؤلاء الأسلاف العظماء

- وينهي فضيلة الشيخ الباقوري حديثه معي عن الفضيلة التي يصدر فيها خلال ساعات قائلا :

وأنا لا أقول " لا " عن مثل هذا الفيلم .. ولا ممنوع قانونا .. ولكنني أقول " عيب " وهو أقوي تعبيرا من حرام دينا وممنوع قانونا .

خاتمة الكتاب

عفوا قارئي العزيز

والله ما قصدت أن أقدم حياة هذا الرجل العظيم ولكني فقط أطوف بك حول ذلك " الثائر تحت العمامة " الذي عاش حياته يبذر بذور الثورة من أجل زرع حديقة دائمة الخضرة قطوفها دانية من الشوري والعدل والتكافل الاجتماعي .. لعلي قد وفيت دينا لهذا الرجل وهو توصيلي للناس بعض من حكمته

نعم الباز