الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية الحديثة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية الحديثة


الإخوان-المسلمون-كبرى-الحركات-الإسلامية-الحديثة.jpg


تأليف: الدكتور إسحاق موسى الحسيني


الفصل الأول: ظروف نشأتهم

تأسست في القاهرة في شهر ديسمبر سنة 1927 أول جمعية للشبان المسلمين 1 مقتفية إلى حد كبير أثر جمعية الشبان المسيحية 2 التي تأسست في القاهرة في يناير سمة 1923 .

وليس مجرد التشابه في التسمية هو المظهر الوحيد للإقتفاء , فهناك قرائن متعددة تشير إليه من أهمها النص على عدم التدخل في المنازعات السياسية واقتصارها على الشؤون الاجتماعية والثقافية والدينية والرياضية , وهى من مقومات جمعيات الشبان المسيحية.

وفوق ذلك فإن تأسيس الجمعيات التي تشمل الرياضية خاصة في مناهجها أمر مستحدث في العالم الإسلامي الحديث , وأن لم يكن غريبا عن العالم الإسلامي القديم الذي عرف نظام الفتوة4, في فترة من فترات التاريخ . فالجماعات الإسلامية - وهذا تعبير أدق من جمعيات – كانت تلتف حول أغراض دينية محضة مركزها المسجد للثقافة فيها نصيب يعادل نصيب الثقافة من الدين في العرف الإسلامي. وكذلك شأن الاجتماع. وليس من شك في أن هذه المصطلحات نفسها:

الثقافة والاجتماع والرياضة قد اكتسبت معنى جديدا يقارب المعنى المفهوم عند الغربيين هذا المعنى الذي أسهمت في نقله جمعيات الشبان المسيحية المؤسسة في البلاد العربية, والذي إفادته جمعية الشبان المسلمين عندما وضعت أول نظام لها. ومن أتيح له أن يقرر أ،ها جارت زميلتها جمعية الشبان المسيحية في كثير من مظاهر نشاطها5.

وبعد نحو سنة من تاريخ هذه الجمعية أي سنة 1928 تأسست جمعية الإخوان المسلمين في الإسماعيلية ( مصر ).

وربما يبدو عجيبا أن تنشأ هذه الجمعية الثانية, وفى القطر المصري بالذات, مع سبق الجمعية الأولى . فهل رأت الثانية أن الأولى عاجزة عن تحقيق أهدافها فأرادت هي أن تتولى العمل الواقع لا. إذ أن مضى سنة لا يكفى للحكم عليها.

وإذن لابد من أن تكون الدواعي والأسباب التي أدّت إلى انبثاق " الإخوان المسلمون " لا صلة لها بتلك التي أدت إلى ظهور " الشبان المسلمون" وهذا ما تتضافر الأدلة على إثباته. ولا يدحض ذلك قول صالح حرب باشا الرئيس العام لجمعيات الشبان المسلمين في زيارته لجمعية الإخوان في الفيوم سنة 1946 :" إن دعوة الشبان و الإخوان واحدة في الغرض والهدف. ومن يعمل للتفرقة بيننا فليس منا.

وسنعمل معا حتى تعلو كلمة الدين وتنال البلاد استقلالها 6.فهذه العبارة خطابية تحمل على المجاملة لا أكثر , إذ إن كانت الدعوة واحدة في الغرض والهدف حقا, فلم قيام جمعية أثر جمعية في أثناء عام واحد فقط؟ ولم لم ينضم الإخوان إلى جمعية الشبان فورا ما دام الغرض والهدف واحد؟

قال حسن البنا المرشد العامالسابق, في إحدى خطبه سنة 1938 :" إن كثيرا من القضايا الإسلامية العامة يظهر فيها الإخوان والشبان شيئاً واحدا وجماعة واحدة,

إذ أن الغاية عامة مشتركة وهى للعمل لما فيه إعزاز الإسلام وإسعاد المسلمين, وإنما تقع فروق يسيرة في أسلوب الدعوة وفى خطة القائمين بتا وتوجيه جهودهم في كلتا الجماعتين 7". ويبدو لي إن عبارة البنا أدق وأن كانت لا توضح تماما الفروق بين المجمعتين.

فلنبحث إذن في الظروف التي أحاطت بنشأة الإخوان لنتلمس الدواعي والأسباب التي أدت إلى ظهورهم. لاشك أولا في أن الدعوة ليست منقولة , مباشرة أو غير مباشرة عن الغرب .

أي لا علاقة لها بالنظام الفاشتى أو النازى, كما حاول أن يثبت ذلك محمد حسن أحمد في كتابه " الإخوان المسلمون في الميزان 8" ولا عرقة لها كذلك باى نظام أجنبى آخر من النظم التي شاعت في أثناء نشأة الدعوة ومع أن مؤسس الدعوة , حسن البنا المرشد العام للإخوان منذ تأسيسها إلى حين وفاته كان عضوا في جمعية الشبان المسلمين 9.

ألا أن الغرض والوسيلة في جمعيته اختلفا عما هما عند جمعية الشبان المسلمين.

حقا أن البنا أشار غير مرة في خطبه ومقالاته إلى ما يحدث في ايطاليا وألمانيا و تركيا بأسلوب يدل على إعجابه ببعض مظاهر الحكم فيها, كاشارته مثلا إلى أن تركيا استهلت أ‘مالها بتوحيد القوى وإلغاء الأحزاب 10 , وإلى أن هتلر يستخدم الاذاعة في انهاض شعبه وإلهاب شعور الحماسة فيه, في حين يستخدمها المصريون في الحب والغرام وادوار العبث والهيام ,

وفى هذه الأنواع الرخيصة من الأغانى التي تذاع 11, وإلى أن ايطاليا قاومتها اثنتان وخمسون دولة وفرضت عليها العقوبات , ولكنها أرغمت هذه الدول على احترام مشيئتها بدون سيف 12, إلا أن هذه الإشارات لا مغزى لها في هذا الصدد. وقد أشار البنا إلى دول أخرى كرومانيا و العراق وانجلترا 13, في معرض إلغاء الأحزاب, دعما لحجته في وجوب إلغائها في مصر.

والحاصل أن الإدعاءات أن البنا نقل نظامه عن النظم الغربية استنادا إلى مثل هذه الإشارات لا مبرر له ألبته ولكنها تدل على أن كان يراقب مجرى الحوادث ويتفاعل بتا ويستفيد منها في دعم دعوته. وهو أمر طبيعى.

على الباحث إذن أن ينظر في الأحداث التي توالت على مصر ن مطلع القرن العشرين إلى سنة 1928 وأن يستعرض حياة البنا نفسه ففى هذين المصدرين تكمن البواعث والأسباب التي أدّت إلى نشأة الإخوان. ومن حسن حظ الباحث أن البنا دون مذاكرته , متضمنة تاريخ حياته.

وإذا نحينا جانبا الرؤى والنواحى العاطفية التي علّق عليها اتباعه المتحمسون أهمية ظاهرة وهى في الواقع ظواهر طبيعية في حياة البشر عامة وفحصنا ما تبقى من ترجمته عثرنا على نواة الدعوة في الرجل.

كان البنا وهو صغير يقرأ القصص الشعبية كقصة الأميرة ذات الهمة وقصة عنترة بما يقرأ ويمثل دور القتال وكان مولعا باقتناء قصص البطولة و الجهاد والغزوات والتاريخ وسير أبطال المغرب وإبر محمد البطّال وسيرة بنى هلال 14.

وظهرت فيه نزعة روحية قوّاها أصحاب الطرق الصوفية فتقشفته و وشقيقه مدة وأضرب عن أكل خبر القمح وقنع باكل خبر الشعير. وحين ألف مع أخيه جمعية ( للأمر بالمعروف والنهى عن النمر) وهو ما زال طالبا, وحضّ الناس في أول نشرة اصدرها وطبعها على البالوظة على كراهية لبس الحرير والتختم بخاتم من الذهب للرجال.

وألصقت النشرة على أبواب لمساجد ووزعت بالبريد على أعيان البلدة 15, وكان كذلك يشهد حلقات الذكر ويصوم شهرى رجب وشعبان , وهو لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره 16. وانتسبت إلى الطريقة الحصافية وأخذها عن مؤسسها وهو في الرابعة عشرة من عمره 17, وتأثر بهذا الشيخ الذي كان يصرف الإخوان عمليا إلى الإخوة وقال له مرة: أننى أتوسم أن الله سيجمع عليكم القلوب ويضم اليكم كثيرا من الناس 18. وكان يميل إلى الجمعيات ينتسب إليها ويؤلفها. ففى المدرسة الإعداية انتخب رئيسا( جمعية الإخوان الأدبية) وألف مع جماعة من الطلاب ( جمعية منع المحرمات) ثم أسس جمعية اصلاحية هي ( الجمعية الحصافية الخيرية) وكان سكرتيرا لها واشترك في عضوية جمعية ( مكارم الأخلاق الإسلامية) وكانت الجمعية الوحيدة في القاهرة, وألف مع جماعة من رجال الدين والوجاهة حلقة نتج عنها جريدة ( الفتح) ,( جمعية الشبان المسلمين )19.

وكانت هذه الجمعيات سلسلة محكمة الحلقات انتهت به إلى تأليف ( جمعية الإخوان المسلمين ) نهاية طبيعية.

ورافق هذا الميل إلى الجمعيات نزعة إلى الوعظ والإرشاد وإصدار النشرات وإمامة المصلين والتأذين والحث على الصلاة بإيقاظ الناس في بيوتهم وإيقاظ المؤذنين, وهو ما يزال طالبا حديث السن.

وكان رغم اشتغاله بالتصوف والتعبد يعتقد ا، الخدمة الوطنية جهاد مفروض لا مناص فيه, وكان يقوم بدور بارز في الحركات الوطنية يضرب مع الطلاب وينظم الشعر الوطنة 20,

هذه هي استعدادات البنا الفطرية التي ظهرت بواكيرها في سن مبكرة وظلت تتفاعل بالأحداث الخارجية تجذبه حينا وتدفعه حينا آخر, إلى أن تبلورت في ( الإخوان المسلمين ).

ولنعرض بإيجاز تلك الأحداث الخارجية

تعرضت مصر بعد الحرب الكبرى الأولى ولا سيما سنة 1919 لهزات سياسية عنيفة. واشترك الطلبة عمليا في الحركة الوطنية فقادوا المظاهرات وحرورا المنشورات وخطبوا ونظموا الشعر وضربوا.

وكانت مصر , خاصة أيام سعد زغلول كتلة ملتهبة لا تخبو حتى تذكو. واشترك الريف مع المدن في الإضرابات والمظاهرات. وكان ألبنا سنة 1919 في الثالثة عشرة من عمره, فاضرب مع الطلاب ونظم الشعر الوطني وشاهد احتلال الانجليز الأحياء في المحمودية. وتركت هذه الحوادث أثرا بالغا في نفسه حتى أنه اعتقد أن الخدمة الوطنية جهاد مفروض لا مناص منه 21, وقام فعلا بدور بارز فيها لم يبين نوعه.

ثم حدث بعد ذلك أن خرجت تركيا على الخلافة ونبذت الحروف العربية وأجرت إصلاحات واسعة. وكان لذلك أثرا بالغ في مصر. أما المتحررون فانتهزوا هذه الفرصة وآخذو أيكتبون عن علاقة مصر بالغرب , وتفضيل القبعة على الطربوش وحرية المرأة وحرية الفكر, إلى أمثال ذلك22, وأما المحافظون فاعتبروها خروجا على تبعة الإسلام ورسالة القرآن واسم الخلافة بل الدين كله, وأضحت مصر في نظرهم مقر الدعوة وحلبة الكفاح والوارثة الشرعية للقيادة 23.

وكان البنا من هذا الفريق الثاني. وفى الوقت نفسه اشتد الصراع الفكري بين المحافظين والمجددين وظهرت مؤلفات أثارت الرأي العام المحافظ منها كتاب ( الإسلام وأصول الحكم) للشيخ على عبد الرازق الذي أدى إلى إخراجه من المحاكم الشرعية وحملة علماء الأزهر عليه, لدعوته الصريحة إلى وجوب فصل الدين عن الدولة وإنكار السلطة الزمنية للخلافة ومنها كتاب ( في الشعر الجاهلى) للدكتور طه حسين الذى شك فيما ورد في القرآن عن إبراهيم الخليل.

وكانت مجلة ( السياسة الأسبوعية) حاملة لواء لتجديد يومئذ تنشر المقالات صريحة في نصرة المجددين وتذهب أحيانا إلى الفرعونية والانضمام إلى الغرب بلا قيد ولا شرط. وتحولت الجامعة المصرية في هذه الفترة إلى معهد حكومة " وقرّ في اذهن أنها لن تكون علمانية إلا إذا ثارت على الدين وحاربت التقاليد الاجتماعية المستمدة منه, وأنشئ ( المجتمع الفكرى الذي كان يهاجم الأديان وكان لهذه رد فعل في القاهرة وكنت متألما أشد الألم" 24.

" ولم يكن في المعترك يومئذ دعاة الفكرة الإسلامية من يستطيع رد عادية هذا الطوفان إلا نفر قليل أظهرهم مصطفى صدقى الرافعى وشاب في سن الخامسة والعشرين ينتقل بين الإسماعيلية والمنزلة يدعو إلى الله في غير ما جلبه ولا ضوضاء .. ذلك هو أستاذنا الإمام – حسن ألبنا " 25.

والواقع أن رجال الدين المتشديين كانوا في هذه الفترة مغلوبين على أمرهم, ويطوون نفوسهم على حقد شديد على أنصار الغرب ودعاة التجديد ويؤولون ما يكتب على أنه خروج على الإسلام ودعوة إلى الإباحة والإلحاد. ولم يكن الحال كله كذلك بالفعل.

ولكن الكبت هو الذي أدى إلى المغالاة في الريبة. فقد كان بين الأحرار الدستوريين نفر من ذوى النفوذ السياسى الواسع كعدلى يكن و عبد الخالق ثروت و إسماعيل صدقى و محمد محمود و لطفى السيد . وكان هؤلاء يسندون ( السياسة الأسبوعية) من الناحية السياسية على الأقل ويلجمون رجال الدين ويدفعون الأذى عن زعماء التجديد المنتمين إلى حزب الأحرار الدستوريين ولولا وجود هؤلاء في الحكم للحق الشيخ على عبد الرازق والدكتور طه حسين أذى كبير محقق.

وكان من الطبيعى أن يرافق الصراع الفكرى بين المحافظين والمجددين ونشاط الحركة السياسية وتطور الأوضاع بعد الحرب الكبرى الأولى , نهضة اجتماعية , فقد اكتسبت المرأة المصرية من الثورة السياسية حقوقا تشبه إلى حد ما الحقوق التي اكتسبتها المرأة الغربية بعد الحرب الأولى. فاشتدت الحركة النسوية. وعظم اقبال الفتيات على التعلم .

ودعا فريق إلى دخول الفتاة الجامعة المصرية أسوة بالفتى. وكثرت الحفلات العامة والخاصة.

ورأى المحافظون في هذه المظاهر غير المألوفة مجونا سافرا وفتنة مكشوفة وإباحة مارقة, وخيل إليهم أن حياة الأسرة أخذت تتقوّض تحت ضربات معاول الأوضاع الجديدة26. وكانت مصر في الحقل السياسى تسير خطوة لترجع خطوات فقد كان النزاع بين الوفديين والدستوريين عنيفا يتجاوز أحيانا المصلحة العامة في سبيل المصلحة الحزبية. وكان الوفد يلى الحكم ليطهر البلاد من خصومه السياسيين لا ليواصل ما بدأوا به أو أسسوه .

ويفعل الدستوريون فعلهم, فيصبح الحكم أشبه المنشار يقطع في حركته. وكانت هذه الحالة تثير آلام الشبان الذين أراقوا دماءهم رخيصة في المظاهرات والاضطرابات والذين لا يحنون من أولئك أو هؤلاء أية منفعة.

ويذكر الذين عاصروا هذا الدور كيف كان الجدل السياسى يخدم في كل اجتماع بعقد جماعة من الطلبة في المعاهد أو خارجها وكانت حمى الجدل فاترة في البلاد كلها.

أثرت هذه الأمور في نفسيه البنا . وفى هذا يقول :

" ليس يعلم أحد إلا الله كم من الليالى كنا نقتضيها نستعرض حال الأمة وما وصلت إليه في مختلف مظاهر حياتها, وفعل العلل والأدواء ونفكر في العلاج وحسم الداء ونفيض بالتأثر لما وصلنا إليه إلى حدّ البكاء وكم كنا نعجب غذ نرى أنفسنا في مثل هذه المشغلة النفسانية العنيفة والخليّون هاجعون يتسكعون على القهوات 27.

ويقول في مذكراته: وكان الإخوان يتحدثون في هذه الموضوعات وفى وجوب القيام بعمل اسلامى مضاد 28. وأخذ هو يسعى حثيثا لجمع طائفة من رجال الدين للتكتل في جمعية.

فاتصل بالمكتبة السلفية لصاحبها محب الدين الخطيب صاحب( الفتح) المشهورة بحملاتها العنيفة على المجدّدين, وتردد على مجالس الشيخ رشيد رضا صاحب مجلة ( المنار) السلفية واتصل بالشيخ الدجوى وحثه على العمل لخلاص الإسلام واتصل ب فريد وجدى وتأثر بأرائه ومؤلفاته , ثم انضم إلى جمعية الشبان المسلمين عسى أن يجد عندهم ما يحقق أمانيه 29.

حدث هذا كله والبنا طالب .

وفى آخر مرحلة من مراحل تعلمه في ( دار العلوم) قطع على نفسه عهدا في موضوع انشائى كتبه بعنوان" اشرح أعظم آمالك بعد إتمام دراستك وبين الوسائل التي تعدها لتحقيقها) على " أن أكون مرشدا ومعلما إذا قضيت في تعليم الأبناء سحابة النهار ومعظم العام , قضيت في تعليم الآباء هدف دينهم ومنابع سعادتهم ومسرات حياتهم بالتجول والسياحة... وقد أعددت لتحقيق الأول معرفة بالجميل وتقديرا للإحسان...

ولتحقيق الثانى من الوسائل الخلقية الثبات والتضحية, وهما الزم للمصلح من ظلهّ, وسر نجاحه كله..

ومن الوسائل العملية درسا طويلا.. وتعرفا بالذين يعتنقون هذا المبدأ ويعطفون على أهله , وجسما تعود الخشونة على ضآلته وألف المشقة على نحافته , ونفسا بعتها لله صفقة رابحة وتجارة بمشيئته منجية..

فلك عهدى بينى وبين ربى أسجله على نفسى واشهد عليه استاذى في وحدة لا يؤثر فيها إلا الضمير وليل لا يطلع عليه إلا اللطيف الخبير, ومن أوفى بما عاهد عليه فسيؤتيه أجرا عظيما30".

وهكذا تكونت الجرثومة الأولى للدعوة . فانتظر كيف نشأـ وكيف تطورت.


الفصل الثانى: نشأتهم وتطورهم

لم تكن جمعية (الإخوان المسلمين) أول جمعية أسهها البنا ففى عهد الدراسة تمرس بمختلف الجمعيات – كما ذكر في الفصل السابق .

وفى المدرسة الإعدادية انتخب رئيس ( جمعية الإخوان الأدبية) وألف مع جماعة من الطلاب (جمعية منع المحرمات) 31.

وتولى هو تأسيس جمعية اصلاحية باسم (الجمعية الحصافية الخيرية) , وكان سكرتيرا لها 32, تيمنا على الأقل بالطريقة الحصافية , إعجابا بشخيها الذي أحبه وأعجب به, وأخذ الطريقة عن ابنه, ويلوح أن البنا أوغل في الإعجاب بشيخ الطريقة وبأسلوبه إلى حد يمكن القول معه أن البنا تلقى الوحى الأول للقيام بعمل جماعى من هذا الشيخ .

وذلك أنه ذكر أن الشيخ قال له مرة :"

أننى أتوسم أن الله سيجمع عليكم القلوب ويضم اليكم كثيرا من الناس". وعلى أثر ذلك أسس في المحمودية ( الجمعية الحصافية الخيرية) ومعنى ذلك أن بداية عمله كانت بداية تغلب عليها النزعة الصوفية وفعلا بدأت الجماعة كجمعية دينية غرضها " تحقيق المقاصد والأغراض التي جاء بتا الدين الحنيف وشرح دعوة القرآن الكريم وفهم الإسلام فهما صحيحا 33".

ويروى البنا نفسه أن الدعوة بدأت تدور في رأسه إثر ما رأى من مظاهر التحلل والبعد عن الأخلاق الإسلامية في كثير من الأماكن – في القاهرة – التي لا عهد له بتا في الريف المصري, وعلى أثر ما كان ينشر في بعض الجرائد من أمور تتنافى مع التعاليم الإسلامية ومن جهل العامة بأحكام الدين وأن المساجد لا يكفى في إيصال التعاليم الإسلامية إلى الناس34 وبذلك تكون النزعة الصوفية مازجتها نزعة اجتماعية اصلاحية من البداية.

وفى أثناء إقامته في القاهرة طالبا في دار العلوم اشتدت وطأة العوامل الداخلية عليه وساقته إلى تأليف فئة من الطلاب الأزهريين وطلاب دار العلوم للندوب على الوعظ والإرشاد في المساجد قم في القهوات والمجتمعات العامة في القاهرة. وانشعبت منهم شعبة تتولى نشر الدعوة الإسلامية في القرى والريف والمدن.

وأفاد من هذه الحركة أمرين الأول : كسب الثقة النفسية بالنجاح والخبرة والمران: والثانى حسن الأحدوثة في الأوساط الشعبية التي شدت أزره بعد.

وأراد البنا بعد ذلك أن يرتقى إلى الطبقة المتعلمة المنتقدة من دينيين ومدنيين يجذبها إلى صفة ويحملها تبعة العمل في وجه التيار العاصف وقد ذكر أن مسعاه أثمر ظهور مجلة " الفتح " فجمعية " الشباب المسلمين" فيما بعد وايا كان الأمر فالظاهر أن ما تم في القاهرة لم شف غليله ولم يسد مطلبه بدليل أنه عاود العمل من جديد أثر ذهابه إلى الاسماعيلية, وأنه عاد إلى الأوساط الشعبية منصرفا عن الطبقة المتعلمة المتنفدة .

وهنا تعليلان لعمله هذا.

الأول اللون السياسى الذي كان يغلب على مؤسسى( جمعية الشبان المسلمين) إذ كان معظمهم من الحزب الوطنى قناعته بأن رسالته أعمق وأوسع من رسالة جمعية الشبان ودراسة القانون الأساسى للجمعيتين وموازنتهما بدقة ترجحان التعليل الأول.

سافر ألبنا إلى الإسماعيلية في 19 من سبتمبر سنة 1927 .35, إثر تخرجه في دار العلوم العام نفسه – وكان في الحادية والعشرين من عمره – ليسلم ا عمله الجديد, وهو التدريس ف مدرسة الإسماعيلية الابتدائية الأميرية.

وفى هذه المدينة , وفى شهر مارس 1928 ولدت ( جمعية الإخوان المسلمين ) قوامها ستة أشخاص من مريدية وتلامذته المخلصين. فاختار ثلاثة المخلصين .

وهؤلاء خلاف حملة الفكرة الأولى الذين تفرقوا في القطر36,وفى إثناء الأشهر الستة الأولى التي سبقت ولادتها عاد البنا إلى تجربته الأولى التي شرع بتا في القاهرة وكللت بالنجاح فاختار ثلاثة مقاه كبيرة تجمع ألوفا من الناس, ورتب في كل منها درسين في الأسبوع يتولى فيهما الوعظ العام كالتذكير بالله واليوم الآخر والترغيب والترهيب مع إيراد الأمثال والحكايات والأحاديث والآيات الملائمة لظروف الحال.

وحين ألح عليه رواد المقاهى أن يلقنهم أحكام الدين فجمعهم في زاوية قديمة وأرشدهم إلى أصول الوضوء والصلاة عمليا. ثم بنيت زاوية أخرى وقف عليها وقته ما بين المغرب والعشاء والدرس القماهى ما بعد ذلك. واستطاع في هذه المدة أن يدرس مجتمعه الصغير والعوامل المؤثرة فيه, وهى العلماء وشيوخ الطرق والأعيان والأندية 37,

وأن يكسب ودّها جميعا بتجنب الجدل في موضوعات الخلاف وقصر الدروس على المسائل العامة. وتوجيه النظر إلى الأخطار الداخلية والخارجية التي كانوا يلمسونها في بيئتهم وإزالة أسباب الشقاق بين الأعيان . وقد بلغ من براعته في الدعوة أن نكص عن الطريقة التي بدأ بتا نشاطه العام, حين رأى أن في النكوص عنها مصلحة لدعوته وفى هذا يقول :

ولكنى حاولت أن تكون دعوة عامة قوامها العلم والتربية و الجهاد , وهى أركان الدعوة الإسلامية ومن أراد بعد ذلك تربية خاصة يشير إلى الطرق الصوفية – ومن أراد بعد ذلك تربية خاصة – يشير إلى الطريق الصوفية – فهو وما يختار لنفسه 38.

والواقع أن الاسماعيلية أثرت فيه تأثيرا بليغا, وحملته على أن يدخل في منهجه عنصرا سياسيا , وقد يكون جال في خاطره سابقا ولكن لا يمكن أن يكون من القوة والرسوخ كما هو الآن .

فقد آلمه وحز في نفسه المعسكر الانجليزي وإدارة شركة قناة السويس واستئثارها بالقيام على المرافق العامة.

وحى الافرنج ومفارقته لأحياء العمال وشيوع الأسماء الأجنبية مكتوبة " بلغة الاحتلال الاقتصادى على الشوارع " كل هذه المعانى والخواطر كانت تتفاعل وتعمل عملها في النفس بخاصة إذا خلا المتأمل فيها بنفسه بين خمائل الإسماعيلية وحدائقها الغناء أو في شاطئ بحيرة التمساح الجميلة أو في جوف الغابات الصناعية على حافة الصحراء .

لقد أوحت الإسماعيلية بالكثير من المعانى التي كان لها اثر كبير في تكييف الدعوة والدعاية 39".

وعبارة البنا الأخيرة هذه صريحة وواضحة فلم يكن العنصر السياسى في حسبانه في نشاطه وهو طالب , ولا في حركته في القاهرة ولا في بدء حركته في الإسماعيلية ,

أو على الاصح لم تكن السياسة عنصرا بارزا في منهاجه في الأدوار السابقة ولذا يصح القول أنه أضيف إلى لنزعة الصوفية الاجتماعية نزعة سياسية بارزة بحكم البيئة الجديدة.

لبث البنا في الإسماعيلية من سنة 1928 إلى سنة 1933 ينشر دعوته وفق منهاج خاص كونه هو من دراسته وتجارته يسر به أسرارا , دون أن يلفت الأنظار , شأنه في ذلك شأن صاحب الدار القديمة المتهدمة لما أراد أن يبنيها من جديد حجب لناس عنها بسور ضخم حتى أتم بناءه.

فلما أتمه أزال الأسوار فظهر البناء ضخما كاملا قويا 40.

وكان معظم من استجاب إلى دعوته من طبقة العمال 41.

وإغراء النجاح على توسيع نطاق البيئة " فلم يترك قرية ولا بلدة. ولا دسكره ولا كفرا إلا زاره وبات به واجتمع بالناس فيه, في مساجدهم وبيوتهم ودورهم42" ولكن المسجد كان مقرّه الأول 43 يد فيه أمانا وسترا . ومن يستطيع أن يعترض مصليا في محرابه أو مدرسا واعظا في مسجده؟

وكانت السفارة في عطلته الأسبوعية وفى عطلته السنوية في الصيف. ففى الأول يزور البلاد القريبة وفى الثانية البلاد البعيدة. وظل في هذه المدة كلها مواظبا على التدريس في مدرسته الابتدائية لا يتعلل بمرض أو بعذر طارىء. وربما زاده عمله المدرسي منعة وتسترا.

وأثمرت أسفاره بعد سنتين شعبة في أبى صير و بور سعيد والبلاح, وبعد ثلاث سنوات شعبة في السويس , وبعد أربع سنوات نحوا من عشرة فروع ومعهدا في الإسماعيلية لتربية البنات واعدادهن ليكن أخوات مسلمات44 وتوسل إلى ابلاغ دعوته بالنشرات والرسائل والصحف والخطب والمحاضرات العامة والزيارات والمقالات الفردية45.

وكان ذا فراسة قويه بحسن تخير الأنصار والأعضاء فيؤلف منهم نواة الجمعية تتخذ لها دارا متواضعة.

وهكذا أصبحت دار الإخوان في الإسماعيلية في هذه الفترة مركزا لقيادة الدعوة , وأصبحت الفروع مرتبطة برباط الإخوة 46, دون أن يشعر الفرع بالفرع الآخر ودون أن يسترعى عمله هذا انتباه أحد.

وبعد نحو خمس سنوات من تأسيس الدعوة ب الإسماعيلية نقل البنا مدرسا إلى القاهرة 47.

ودخلت الدعوة بنقله طورا جديدا وليس من دليل على أن نقله ناجم عن نشاطه. فقد ظلت الحركة إلى سنة 1939 ( سنة الحرب الكبرى الثانية) سائرة على النهج السابق من كتمان وأسرار ونزول في المساجد ووعظ فيها وتخير للأنصار وتأسيس للفروع بحذر وصمت.

وذكر البنا في إحدى مقالاته المنشورة سنة 1353 هـ 1934 م أي بعد مضى نحو عام من إقامته في القاهرة , أن فكرة الإخوان مضى نحو عام من إقامته في القاهرة , أن فكرة الإخوان انتشرت فيما يزيد على خمسين بلدا من بلدان القطر المصري. وقامت في كل بلد من ه ه البلدان تقريبا بمشروع نافع أو مؤسسة مفيدة . ففى الإسماعيلية أسست مسجد الإخوان وناديهم ومعهد حراء لتعليم البنين ومدرسة أمهات المؤمنين لتعليم البنات وفى شبراخيت أسست مسجدا وناديا ومعهدا للبنين ودارا للصناعة يتعلم فيها طلبة المعهد الذين يستطيعون إتمام التعلم ...

وفى المحمودية البحيرة قامت بمثل ذلك فأنشأت منسجا للنسيج والسجاد إلى جوار معهد تحفيظ القرآن. وفى المنزلة دقهلية أقامت معهدا لتحفيظ القرآن... وقل مثل ذلك أو بعضه في كل شعبة من شعب الإخوان المنتشرة في أنحاء القطر من أدفوا إلى الإسكندرية 48.

واقتضى هذا التوسع في الفروع ومواجهة الظروف الجديدة في القاهرة أن يضاعف ألبنا جهوده وينظم أعماله ويجدد وسائله ويوسع منهاجه.

كان منهاجه أن يزور المركز العام في الصباح الباكر يترك فيه مذكرات فيها توجيهات وأعمال تتطلب انجازا .

ثم يقصد مدرسته.

وإن كان مسافرا يتوجه من المحطة إلى المدرسة.وفى الظهر يعرج على المركز العام ثانية يقابل ويوجه ويصرف ما يجد من عمل . وفى المساء يزور المركز ثالثة ويقضى فيه وقته مقابلا الوفود والزائرين أو مجتمعا في لجان أو محاضرا. ولم يمنعه ذلك من متابعة أسفاره إلى الريف في أثناء العطل المدرسة.

ورأى من حسن التنظيم أن يجعل كل شعبة مركزا مستقلا, وصورة متكررة من المركز العام في القاهرة, تؤدى رسالتها فيما حولها وفى إقليمها وما جاورها.

وتسلم هو مهام القيادة والإشراف والتوجيه49. وأنشأ مجلة خاصة بالإخوان باسم ( مجلة الإخوان المسلمين تنتشر مقالاتهم بعد أن كانت وسيلة الاتصال الزيارات أو المنشورات أو الرسائل .

وكتبوا أيضا في عدد من المجلات (كالنذير)و( التعارف) وأخذ ألبنا يعقد المؤتمرات العامة تمثل فيها جميع الشعب وتعالج المناهج العامة والأعمال المشتركة بين هذه الشعب.

ونظر ببصره إلى ما وراء حدود مصر فرأى ظروفا مواتية لنشر الدعوة. فبدأ أولا بإرسال الدعاة يخطبون في المساجد مبلغين الدعوة وموثقين الروابط وموقظين الهمم 50 ثم عقب بإنشاء الفروع في السودان و سوريا و لبنان و فلسطين و المغرب .

وفى هذه الفترة اقتحم ميدان السياسة, مبتدئا بإلقاء أحاديث دينية – اجتماعية في الإذاعة والأندية فإرسال رسائل إلى رؤساء الوزارات المصرية المتعاقبة من عهد محمد محمود باشا ذى اليد الحديدة ف النحاس ف إسماعيل صدقى ف عبد الفتاح يحيى ف النحاس فنسيم ف على ماهر ف النحاس إلى قيام الحرب الكبرى الثانية.

وكان محور الرسائل الدعوة إلى الإصلاح الداخلى الشامل بروح الدين الإسلامي وهديه" وكان الإخوان في هذه الفترة يؤثرون العمل المنتج والتربية الصالحة والتنظيم النافع على الدعاية الفارغة ويقولون :

الزمن جزء من العلاج , والتدرج خير من الطفرة فلم تشعر بهم الحكومات إلا في مناسبات عادية.

" وقد ذكر الأستاذ المرشد في بعض أحاديثه أنه قابل النحاس باشا في منزله ب الإسكندرية في صيف سنة 1936 بمناسبة مطالبة حكومة نسيم باشا حينذاك بالعناية بالتعليم الدينة في المدارس المصرية فكان النحاس يظن أنه ( أي البنا ) أحد العمد الذين يتألف منهم الوفد ! كما ذكر في حديث آخر أن محمد محمود باشا اقترح عليه أن ينشئ شعبا للإخوان في الصعيد خلوه من هذه الشعب في الوقت الذي كانت حفلات الإخوان فيه قتام من مضيفة الأسرة ( أسرة محمد محمود باشا) بأبى تيج.

أن الأستاذ ألبنا المدرس بمدارسها هو المرشد العام للإخوان المسلمين مع أن الإخوان لم يدعوا حكومة من هذه الحكومات ألا تقدموا إليها بالمذكرات الوافية في مختلف الشئون51".

وتدل هذه النبذة التاريخية على أن الإخوان – إلى ذلك الحين – لم يسترعوا نظر الحكومات , وعلى أن نشاطهم السياسى كان مغلقا بالدين فلم يبال به الرسميون.

ورفع البنا سنة 1355= 1936 م خطابا إلى الملك فاروق و النحاس باشا وملوك العالم الإسلامي وأمرائه يدعوهم إلى سلوك طريق الإسلام وأصوله وقواعده وحضارته ومدنيته, نابذين طريق الغرب ومظاهر حياته ونظمها ومناهجها ثم يبين فيها خصائص كل من السبيلين ,

وأن الإسلام كفيل بإمداد الأمة الناهضة بما يحتاج إليه في الجندية والصحة والعلم والاقتصاد والنظم, وينتهى بالدعوة إلى أن يكونوا أول من يتقدم باسم رسول الله (صلعم) بقارورة الدواء من طب القرآن لاستنقاذ العالم المريض" ثم يضع لهم منهاجا للإصلاح الشامل مختلف مظاهر الحياة محتويا على خمسين بندا 52.

ولم يكن في هذا النشاط كله, ومن خطب ومقالات ورسائل . استفزاز للدولة . وابعد ما ذهبوا غليه في المضمار السياسى الدعوة إلى " القضاء على الحزبية وتوجيه قوى الأمة السياسية في وجهة واحدة وصف واحد 53".

أما موقفهم من الحكومات المصرية المتعاقبة فموقف عدم التأييد اعتقادا منهم أن كل حكومة تقوم على غير الأصول والقواعد الإسلامية لا يرجى منها صلاح ولا تستحق تأييدا ولا مناصرة.

ولهذا يطالبون دائما بالتعديل الذي يحقق نظام الحكم الإسلامى بكل مظاهرة. ولكنهم من جهة أخرى لا يلجأون إلى العنف ولا يضنون بالتعاون إذ يرون من واجبهم التعاون مع الحكومة التي يأنسون منها استعدادا صادقا لتأييد منهاجهم والعمل على تحقيقه54.

وفى سنة 1938 استكملت الدعوة عناصرها , وتبلورت في كامل صورتها, ووضع البنا نفسه الأصول التي تعتمد عليها فقال :

أنها دعوة سلفية طريقة سنية وحقيقة صوفية , وهيئة سياسية وجماعة رياضية ورابطة علمية ثقافية وشركة اقتصادية وفكرة اجتماعية . وأردف أ، شمول معنى الإسلام قد أكسب فكرتهم شمولا لكل مناحى الإصلاح55.

ودخلت الدعوة من سنة 1939 - 1945 وهى سنوات الحرب العالمية الثانية – طورا جديدا وربما جاز أن يسمى بداية المحنة من حيث علاقتها ب السياسة . وبداية الازدهار من حيث النشاط وتحقيق برامجها الواسعة.

أما الشطر الثانى - البرامج – فلم يدخل فيه جديد. ولكن تضاعف نشاط الإخوان وانضم إليهم عنصر جامعى ( من جامعة فؤاد الأول في القاهرة والجامعة الأزهرية) وتوسعت أعمالهم التجارية , واقبلوا على التدرب والرياضة, وانتظمت أعمالهم في الفروع التي عمّت القطر, وبإيجاز صاروا قوة يحسب لها حساب. أما الشطر الأول – السياسة – فقد تفتحت العيون في فترة الحرب على الهيئات والجماعات وبدأ احتكاك الحكومات بهم نتيجة للظروف الاستثنائية والأحكام العرفية وبعض الدوافع والمؤتمرات الخارجية وخصوصا بعد أن دخلت الحرب في أدوارها الجدية.

وتوالى على الحكم على ماهر , و حسن صبرى , و حسين سرى, و النحاس, و أحمد ماهر , و النقراشى, و إسماعيل صدقى و النقراشى ثانية.

وفى وزارة الأولين , على ماهر و حسن صبرى , دأبوا على الموعظة والنصيحة في كتبهم وفى خطبهم الخاصة والمفتوحة شأنهم مع جميع الحكومات السابقة.

وفى عهد على ماهر خاصة أعلنوا تأييدهم لقراره الخاص بتجنيب مصر ويلات الحرب فحسب دون أن يقابلوه أو يتقدموا إليه بطلب معين.

وبدأت محنتهم على يد سرى باشا – بضغط من السفارة الإنجليزية والقيادة – فصادرت حكومته مجلتى ( التعارف) و ( الشعاع) الأسبوعيتين ومجلة ( المنار) الشهرية, ومنعت طبع أية رسالة من رسائلهم أو إعادة طبعها وأغلقت مطبعتهم وحرمت على الجرائد أن نذكر شيئا عنهم كما منعت اجتماعاتهم ثم عمدت إلى تشريد رؤساء الجماعة فنقلت البنا من القاهرة إلى قنا ونقلت الوكيل العام ( أحمد السكرى ) إلى دمياط ثم أعادتهما بضغط الحملة البرلمانية.

ولكنها عادت إلى ما هو أعنف من ذلك فاعتقلت السكرتير العام للجماعة والبنا نفسه ثم أفرجت عنهما اتقاء ما أحدثه هذا الإجراء من جرح في صدور الإخوان . وأدى هذا الضغط إلى استرعاء أنظار الناس إليهم وكسب عدد من الأنصار والأعضاء .

وجاءت وزارة النحاس باشا, ورغب البنا في ترشيح نفسه نائبا في البرلمان عن دائرة الإسماعيلية – مهد الحركة – ليمثل الإخوان وينطق بلسانهم ولكن النحاس رجاه أن يعدل عن الترشيح مراعاة لحراجه الموقف فعدل. وبدأ النحاس بمهادنتهم فسمح لهم بالاجتماعات وأعاد إليهم المجلة والمطبعة...

وبعد قليل أخذهم بالعنف فأغلق جميع شعبهم – عدا المركز العام – وضيق عليهم في اجتماعاتهم ومطبوعاتهم وسائر نواحى نشاطهم . وقابلوا شدة الحكومة بالأناة والصبر فعادت الحكومة النحاسية عن شدتها . واستمر الموقف بينهما يتقلب تارة تدع الحكومة لهم الحرية فيعملون وطورا ترهقهم بالتضييق فيصبرون . ولكنهم ظلوا على عادتهم في تقديم النصح كتابة ومشافهة إلى أن أقيلت وزارة النحاس سنة 1944 56.

وجاءت بعد وزارة النحاس وزارة أحمد ماهر فأخذتهم بالشدة وحالت دون نجاح من رشح نفسه للبرلمان منهم بناء على قرار اتخذه مؤتمرهم العام سنة 1941 بأن يرشح الأكفاء على أساس خدمة المنهاج الإسلامي والمطالبة بنظام الحكم الإسلامي كلما وجد الظرف المناسب لذلك, وحين أعلن ماهر الحرب على ألمانيا وايطاليا عارضة الإخوان وكتبوا إليه بالعدول عن ذلك.

واغتيل أحمد ماهر وتولى النقراشى الحكم.

وبدأ حكمه باعتقال البنا وغيره من الإخوان بتهمة الاشتراك في الاغتيال ولكن النيابة أفرجت عنهم وبادر البنا إلى زيارة النقراشى معزيا في ماهر, وراجيا أن يطلق لهم حرية العمل .

بيد أن النقراشى لم يستجب إلى الرجاء, وفرض عليهم اثقل القيود في نشاطتهم واجتماعاتهم ومراقبة دورهم 57. وكان يسمح لهم بعقد سرعان ما يعود إلى سياسة العنت والإرهاق.

وانتهت الحرب سنة 1945 . ودخلت الجمعية في مرحلتها الأخيرة التي استقر لها فيها الأمر من ناحية وبلغت دور المحنة القاصمة من ناحية أخرى.

وقد اجتمعت في صورة جمعية عمومية ( في 8 سبتمبر 1945 – 2 شوال 1364) وادخلت تعديلا على نظامها الأساسى حتى أضحى شاملا جميع غاياتها ووسائلها بصورة واضحة.

ويتفق هذا التعديل إلى حد كبير مع المنهاج الذي شرحه البنا في خطبته سنة 1938 التي ألقاها في مؤتمرهم الدورى الخامس بمناسبة مرور عشرة أعوام على تأسيس الجماعة. وجاء في هذه الخطبة:"..

وفى الوقت الذي يكون فيه منكم معشر الإخوان المسلمينثلاثمائة كتيبة قد جهزت كل نفسها روحيا بالإيمان والعقيدة وفكريا بالعلم والثقافة وجسميا بالتدريب والرياضة في هذا الوقت طالبونى بأن أخوض بكم لجج البحار واقتحم عنان السماء وأغزو بكم كل عنيد جبار , فإنى فاعل إن شاء الله 58"

وذكر في موطن آخر أنهم سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدى غيرها وحيث يثقفون أنهم استكملوا عدة الإيمان والوحدة.

وهم حين يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء وصرحاء, وسينذرون أولا, وينتظرون بعد ذلك ثم يقدمون في كرامة وعنف , ويحتملون كل نتائج موقفهم هذا بكل رضاء وارتياح .

أما الثورة فلا يفكرون فيها ولا يؤمنون بنفعها وإن كانوا يصارحون كل حكومة في مصر أن الحال إذا دامت على هذا المنوال, ولم يفكر أولو الأمر في إصلاح عاجل فسيؤدى ذلك حتما إلى ثورة ليست من عمل الإخوان ولا من دعوتهم ولكن من ضغط الظروف ومقتضيات الإحوال وليست هذه المشاكل التي تنعقد بمرور الزمن ويستفحل أمرها بمضى الأيام إلا نذيرا من هذه النذر فليسرع المنقذون بالأعمال 59.

وأوضح كذلك أنهم يتجهون في جميع خطواتهم وآمالهم وأعمالهم نحو الحكومة الإسلامية بعد مضى فترة تنتشر فيها مبادئهم وتسود 60. وأنهم يضعون فكرة الخلافة والعمل لإعادتها في رأس منهاجهم, على أن يسبق ذلك خطوات تمهيدية لابد منها 61.

ويبدو أن هذه الأهداف التي حدّدها البنا بوضوح وجلاء سنة 1938 لم تتغير بل أعيدت بصورة مواد نظام أساسى سنة 1945 .

ونصت المادة الرابعة في ختام الباب الثانى الذي وضحت فيه الغاية والوسيلة على ما يلى: يؤثر الإخوان دائما التدرج والتطور والعمل المنتج والتعاون مع كل محب للخير والحق ولا يريدون بأحد سوءا مهما كان دينه أو جنسه أو وطنه 62.

ومن البديهى أن تكون هذه الأهداف قد بلغت في هذه المرحلة بل وفى المرحلة التي سبقتها, آذان السلطات المصرية وتدبرتها ووعتها واعتمدت عليها حين اشتبهت بأن للإخوان ضلعا في اية حادثة عنيفة .

ومن هنا فتح عليهم باب التشريد والاعتقال والمصادرة منذ سنة 1940 إلى اغتيال المرشد العامحسن البنا – والمصادرة لاتامة في شهر ديسمبر سنة 1948 .

وقبل استعراض الحلقات المتسلسلة التي أدت إلى هذه النهاية المريرة يحسن سرد أعمالهم الداخلية التي أدت إلى توطيد نفوذهم فقد قاموا شركات اقتصادية متنوعة في القطر ذرت عليهم الأرباح, ومكنت لهم في أوساط العمال . وأصدروا جريدة يومية صدر العدد الأول منها في 5 مايو سنة1946 – 3 جمادى الثانية 1365 واضحى بذلك صوتهم مسموعا في مصر والبلاد العربية .

وأنشئوا الكتائب وأقاموا أماكن للتدريب على الأعمال العسكرية ونظموا الشعب تنظيما دقيقا في مصر والأقطار العربية ووزعوا الأعمال على الأعضاء, وارتقوا العهود بصورة بيعة لرئيس الشعبة فالمرشد العامشخصيا قرروا " السمع والطاعة في المنشط والمكره"

مقرونا بالقسم, ووضعوا المرشد العام موضع الثقة التامة, وجعلوا له النصب مدى حياته ليس له أن يتخلى عنه أو يعفى منه إلا بقرار من الهيئة التأسيسية.

وبالجملة كانت أعمالهم الداخلية تسير وفق خطط محكمة وبنجاح مطرد حتى بلغوا ذروة القوة والنفوذ من الناحية الروحية والمادية والعسكرية وبلغ عدد أعضاء الجمعية ما بين 300, 600 ألف عضو من طبقة العمال , عدا الطلبة المثقفين حسب رواية جريدة التايمس اللندنية 63.

أما البنا فكرت الجريدة المذكورة أنه قال في العام الماضى أنه يتكلم باسم 500 ألف من الإخوان المسلمينالذين يمثلون مبادىء وآمال 70 مليون عربى و300 مليون مسلم64. وذكر وكيلهم في المذكرة التي رفعها إلى مجلس الدولة في شهر أبريل سنة 1952 أن عدد الأعضاء العاملين المنتسبين والمؤازرين أضعاف هذا العدد 65. أما عدد شعبهم في مصر وحدها فقيل أنه 1700 شعبة.66.

وقيل 2000 شعبة 67 وذكر وكليهم في تلك المذكرة أنه كان لهم في السودان حوالى 50 شعبة عدا شعبهم في معظم البلدان العربية وبعض البلاد الإسلامية وعدا الأصدقاء في جميع هذه البلاد وفى أوربا وأميركا.

ومن الصعب البت في صحة هذه الأرقام لفقدان البيانات القاطعة وعلى كل من ففى هذا الوضع من القوة والنفوذ جابهت الجمعية مقاومة في غاية العنف من قبل الحكومات المصرية التي وليت الحكم بعد انتهاء الحرب الكبرى الثانية.

وكان النقراشى رئيسا للوزارة في أثناء الهدنة, وكان سبق له أن اعتقل البنا واضطهد الجماعة كما ذكر سابقا.

ومع ذلك فقد زاره البنا ثانية وأهاب به أن يسرع بالعمل في سبيل الحقوق القومية واستكمال استقلال الوادى ووحدته,

وإلا فليدع الأمة إلى الجهاد ويتقدمها في سبيله . وقدم النقراشى مذكرة إلى الحكومة البريطانية في سبيله. وقدم النقراشى مذكرة إلى الحكومة البريطانية وجاءه الرد عليها. ولم يرض الإخوان عن هذه " المساجلة القلمية" وقاموا بمظاهرة مع الطلاب أدت إلى معركة مع الشرطة فاستقالة الوزارة.

وانصرف الإخوان منذ اعلان الهدنة إلى إثارة الشغب وإيقاظ وعيه بالمؤتمرات العامة تارة وزيارة القرى والريف تارة أخرى وبالوسائل والأحاديث والنشرات.

وكأنهم بذلك تولوا زمام القيادة السياسية أو على الأصح زمام المعارضة الداعية إلى الجهاد وتركزت جهودهم في هذه الناحية طمعا في أن تنال البلاد استقلالها التام.

وجاءت حكومة إسماعيل صدقى واشتدت المظاهرات ودعا ألبنا جميع الهيئات لتأليف لجنة قومية توحد القوى وتنظم الصفوف ولكنه لم يجد موزارة من الأحزاب .

وعندئذ رأى أن يجنح إلى النصح يقدمه إلى صدقى باشا على أساس قطع المفاوضات والالتجاء إلى الجهاد السافر. واستمر نشاطهم السياسى في هذا النهج.

وأخذوا يحاسبون الحكومة حسابا عسيرا ويتهمونها بممالأة الأجانب على مصلحة الوطن, والتساهل بتأليف الشركات التى تلبس أثوابا مصرية مستعارة, وبعجزها عن علاج مشكلة العمال العاطلين, وبترددها في قطع المفاوضات وإعلان الجهاد .

واغتنموا فرصة تذبذب المفاوضات بين وزارة صدقى والحكومة البريطانية فرفعوا عريضة إلى الملك يعلنون فيها إخفاق ببيان من المركز العام إلى شعب الإخوان يعلنون فيه أن لا تعاون مع الانجليز اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا حتى يتم الجلاء الناجز السريع من غير قيد ولا شرط 68.

واشتدت حملة جريدتهم على المفاوضات وحكومة صدقى وعلى الانجليز بوجه خاص. وفى هذه المرحلة العصيبة ذهب البنا ( في 27 أكتوبر 1946 ) مع بعثة الإخوان إلى أداء فريضة الحج , وترك الميدان لوكلاء عنه ولأعضاء مكتب الإرشاد العام.

وشن عليهم صدقى باشا حملة فاعتقل عددا منهم , صادر جريدتهم ثم قبض على الوكيل العام . وقابله الإخوان بحملة مثلها ووقعت انفجارات في القاهرة و الإسكندرية لتهمتهم الحكومة بتا فحوصرت دورهم وفتشت وقاد صدقى باشا حملة واسعة النطاق من النقل والتشريد تناولت خلصاء الموظفين في الدواوين والمصالح والوزارات توعد بما هو أشد من ذل وأقسى 69.

واستقال صدقى باشا , وتألفت وزارة النقراشى باشا في 10 ديسمبر سنة 1946 .

وفى يومم تأليفها نشر البنا مقالا دعا فيه الحكومة الجديدة إلى اختصار الطريق واحترام إرادة الأمة وإنهاء المفاوضات وسلوك سبيل الجهاد .

ثم تابع نشر مقالاته في الجريدة مسفها منهاج الحكومة ومشيرا إلى أنها حاربت الإخوان وأغلقت مدارسهم وسجنت أحرارهم ولاحقتهم بالتضييق والإرهاق وكانت هذه بداية " حرب داخلية" بين النقراشى و الإخوان , ذاتها قضية فلسطين التي ساهم فيها الإخوان مساهمة فعالة

– وكانت بالتالى محك قوتهم ونفوذهم من جهة ومصدر عزة لهم في مصر والعالم العربى

– حدة وعنف إذقام البنا في 12 ديسمبر سنة 1947 على رأس مظاهر صاخبة خرجت من الأزهر وتولى هو قيادتها بواسطة مكبر للصوت في سيارة 70. وفى 6 مايو 1948 , 27 جمادى الآخر 1367 اجتمعت الهيئة التأسيسية للإخوان برئاسة البنا واتخذت قرارات خطيرة منها مطالبة الحكومة - وسائر الحكومات العربية

– بإعلان الجهاد المقدس ضد اليهود واتخاذ إنهاء المشاورات والمحادثات , وإعلان " معركة الصحف" حتى يتحدد موقف الدولة التي ينص دستورها على أن دينها الرسمى الإسلام...

وحتى يظهر للناس كافة أن لا علاج لما استشرى من أدواء الفقر والجهل والمرض والتحلل الخلقى والوطنى إلا بالرجوع إلى أحكام الشرعية 71 .

وفى 15 أيار 1948 بدأت معركة الجيوش العربية لإنقاذ فلسطين واشترك فيها الإخوان تحت إشراف الجامعة العربية 72.

وأتاح لهم هذا الاشتراك التسلح والتمرن على القتال كما كشف عن مدى استعداهم الحربى ومدى نفوذهم وخشيت حكومة النقراشب سطوتهم فاغتنمت فرصة وقوع حوادث عنف في داخل القطر واتهمتهم بأن لهم ضلعا فيها وأنهم ينوون أحداث انقلاب فأصدرت أمرا عسكريا مؤرخا في 8 ديسمبر 1948 ( رقم 63) " بحل جماعة الإخوان المسلمين وشعبها أينما وجدت وبغلق الأمكنة لمخصصة لنشاطها وبضبط جميع الأوراق والوثائق والمجلات والمطبوعات والمبالغ والأموال وكافة الأشياء المملوكة للجمعية "

و تبع هذا الأمر صدور أوامر عسكرية أخرى بتصفية شركاتهم " والعمل على استخلاص أموال الجمعية لتخصيصها في الوجوه العامة التي يقررها وزير الشؤون الاجتماعية 73".

واعتقلت الحكومة عددا كبيرا منهم 74. وعلل ألبنا هذا الإجراء الصارم ب(1) تدخل بريطانيا التي اعتبرتهم قوة وطنية متطرفة وعزت إليهم تعطيل الاتفاق بينها وبين مصر و(2) التمهيد لإجراء انتخابات يفوز فيها السعديون – حزب النقراشي – بتشويه القوة الشعبية التي يستند إليها الإخوان و(3) رغبة الحكومات العربية في إنهاء قضية فلسطين و(4) ضغط أجنبى دولى 75.

وحاول البنا أن يسد هذه الثغرة ويسوى الموقف ولكن مقتل النقراشي بتاريخ 28 ديسمبر 1948 قضى على هذه المحاولة إذ اتهم الإخوان به وزاد موقفهم حراجة.

وولى الحكم بعد ذلك إبراهيم عبد الهادى باشا , وصدقى النقراشي ورئيس حزبه بعده , فبطش بالجمعية وشرد أعضائها وزج عددا كبيرا منهم في المعتقلات وآذاهم في أموالهم وأنفسهم وأسرهم وشد أزره في هذا العمل ما أشيع من سوء علاقة الجمعية بالعرش وأن لها أغراضا انقلابية 76.

وأثرت هذه الإجراءات الصارمة في البنا الذي رأى البيت الذي بناه بيده في عشرين عاما قد انهار بين ليلة وضحاها ويبدو أنه ندم على اشتراك الجمعية في السياسة.

وبعد أن كانت الجمعية قد قررت أن ترشح الأكفاء أنفسهم للنيابة تمهيدا للاشتراك في سياسة الدولة , وبعد أن بسط أهداف الجمعية السياسة بصراحة ووضوح عاد بعد مقتل النقراشي فألغى هذين الاتجاهين – أن صح ما نقل على لسانه – وقال:"

رأيى الذي كونته أن تأخذ هيئتنا على عاتقها النهوض بحالة البلاد من الناحية الدينية والاجتماعية والاقتصادية – مهملا الناحية السياسية – وأ، تتيح لأعضاء الجماعة البارزين أن يتقدموا للانتخابات بواسطة الأحزاب التي يرون أن ينضموا إليها , على أن لا يقتصر هذا الانضمام على حزب دون حزب وأن يتولوا نشر دعوة الجمعية داخل هذه الأحزاب ...

وأنى أعتقد أ،ه لن يمر وقت إلا ويكون هذه الأحزاب قد أمنت بما تنادى به 77.

ولكن هذا التراجع لم يغن شيئا . ففى مساء 12 شباط 1949 اغتيل ألبنا وهو في السيارة أمام دار جمعية الشبان المسلمين التي كان يتردد عليها بعد حل جمعيته .

وبمقتله الذي عزى إلى حزب السعديين انهار صاحب الدار بعد انهيار الدار نفسها من وجهة النظر الرسمية.

وتتبعت الحكومة الإخوان وجرت لهم محاكمات طويلة وأصبحوا " غير شرعيين" ولكن الفروع التي أسست في البلاد العربية ظلت توالى نشاطها ولا سيما في سوريا التي تبنى فرعها الحركة بزعامة مصطفى السباعى. واستمرت وزارة عبد الهادى في الحكم نحوا من سبعة أشهر بلغت محنة الإخوان في أثنائها الذروة حتى ظن بعض المراقبين أنه لن تقوم لهم قائمة.

ولكن الواقع أنها كانت كالنار صهرتهم وصفت معدنهم , فخرج منهم عدد وبقى على الدعوة عدد زادته المحنة صلابة وتماسكا. وقيل إن الإخوان انتخبوا سرا مرشدا جديدا, وأن حركتهم انتقلت من الجهر إلى السر.

وفى 25 يوليو استقالت وزارة عبد الهادى وجاءت وزارة حسين سرى الائتلافي ثم المحايدة التي أشرفت على الانتخابات ونال حزب الوفد أغلبية ساحقة كان لتأييد الإخوان سهم فيها وتولى النحاس الحكم في 12 يناير 1950 وأخذ الكابوس يرتفع عنهم رويدا رويدا.

وأخذت أقلامهم تتحرك وصحفهم تعود وأعلنوا انتخاب حسن إسماعيل الهضيبى بك – وهو مستشار سابق – مرشدا عاما وفى 15 ديسمبر 1951 أفرجت الحكومة عن بعضهم ممتلكاتهم منها دار المركز العام ودار الصحافة زدار الطباعة وبعض دور فروعهم 78.

ويمكن تسمية هذا الدور دور جمع الفلول. وتفقد الصفوف وملْ المراكز الشاغرة استعدادا لوثبة جديدة. ويلاحظ فيه ثلاثة أمور .

الأول أنهم استرجعوا مكانتهم السابقة وأبرزوا وجودهم على مسرح الحوداث قوة يحسب حسابها ويخطب ودّها. ففى شهر أكتوبر 1951 عندما اشتدت الأزمة بين مصر وبريطانيا اشتركت كتائبهم في حركة التحرير اشتراكا بارزا.

وذكر أن لهم مدرسة للتدريب على القتال في الزقازيق وأعلن وزير الداخلية أن الحكومة لن تمنعهم من الاشتغال ب السياسة وأنها لن تتعرض لهم ما داموا لا يعمدون إلى انتهاك حرمة القانون 79.

والأمر الثانى أنهم وقفوا من السياسة الداخلية موقف المحترس فأعلنوا في أثناء وزارة أحمد نجيب الهلالى باشا التي جاءت بعد وزارة على ماهر باشا القصيرة الأجل أنهم لن يدخلوا الانتخابات ومما يلاحظ أن على ماهر و الهلالى شرعا سنة جديدة .

فقد درج الأول استشارة المرشد العاموالاجتماع به مع رؤساء الأحزاب السياسية وفى ذلك اعتراف بقوتهم في الميدان السياسى واستمر الثانى في الإستشارة فهل يفهم من موقف الاحتراس في السياسة الداخلية أن الهضيبى أراد أن يبدأ حيث انتهى سلفه البنا وهل يفهم منه أن اندفاعهم السريع في الميدان السياسى – الذي جلب من المحن ما جلب قد أعيد النظر فيها والأمر أ حركتهم تتجه الآن نحو تبسيط الدعوة وتفصيل مجملها وتوطيد أركانها.

لقد كان البنا يدعو إلى العودة إلى القرآن والحديث .

وكان البعض يرى في هذا الإجمال غموضا فأقبل الآن علماؤهم ويشرحون بإسهاب في كتب كبيرة ومقالات وافية صلاح المبادئ الإسلامية للحياة في مختلف نواحيها .

من ذلك الإسلام والأوضاع السياسية الإسلام والأوضاع القانونية الإسلام والأوضاع المالية, الإسلام والأوضاع الاقتصادية , الإسلام والمناهج الإشتراكية , الإسلام والإستبداد السياسى 80 وما إلى ذلك مما يشير إلى أنه دخلوا في طور جديد.

ويدعم هذا الطور مجلة " المسلمون" 81 التي يتولى أصدارها أحد دعاتهم البارزين ويكتب فيها كبار مفكريهم لقد غلبت " الشعبية" على الحركة في أدوراها السابقة ولذلك فإن هذا الاتجاه الجديد ستكون له آثار لا سيما في الطبقات المتعلمة.

واضح من تاريخ هذه الدعوة أنها مدينة إلى شخصية البنا أكثر من أي شخص آخر وأن البنا هو الذي سهر عليها مدى عشرين عاما ووجهها في الطريق الذي سلكته وأضفى عليها من روحه وشخصيته حتى أضحت أكبر حركة دينية في تاريخ الإسلام الحديث وهذا ما يحتّم أن يعقد الفصل الثالث على شخصيته من جميع جوانبها.


الفصل الثالث: حسن البنا .. شخصيته

يجمع الذين كتبوا أو تحدثوا عن البنا مادحين أو قادحين أنه كان ذا شخصية قوية وتاريخ الدعوة وتطورها يؤيدان ذلك فقد امتزجت شخصيته بشخصية الجماعة في مختلف أحوالها وأطوارها 82. وإذا كانت الحركة متميزة عن جميع الحركات السابقة في تاريخ الإسلام , فلأن ألبنا نفسه متميز قطعا عن جميع زعماء هذه الحركات .

لقد سبق البنا في العصر الحديث زعماء . دينيون ك جمال الدين الأفغانى و محمد عبده تركوا دويا ما يزال مسموعا إلى اليوم .

ولكن البنا كان من طراز آخر يختلف عنهم من جملة وجوده . ولعل أبرز هذه الوجوه أن أولئك ذهبوا ولم يخلقوا وراءهم دعوة واضحة المعالم بيّنة المنهج يعتنقها إتباع مخلصون.

وربما كان أصدق نعت يصح عليه أنه كان " داعية" وكان من سبقه رجال دين أو مصلحين أو مجتهدين ذوى آراء ومصنفات فحسب 83.

ووجه آخر بارز أن البنا لم يشغل في الدراسات الدينية شارحا أو مفسرا أو مدافعا على الطرقة الأزهرية ولم يكن هو رجل دين بالمعنى الصحيح وثقافته لم تعده لذلك وقد قصد في كتاباته – من كتب ومقالات – أن يتجنب الجدل الدينى الذي يخوض غماره رجال الدين عادة

– إذ كان همه الأول جمع الفرق الإسلامية والتأليف بين قلوبها وتوجيهها نحو الأصول التي قام عليها الإسلام أي القرآن وما صح من الحديث وليس فيما كتبه حملة على أية من الفرق باستثناء " البهائية" التي أعتبرها فرقة خارجة على الإسلام ودعا الحكومة إلى مطاردتها 84.

ولكنه , مع ذلك فهم الإسلام فهما خاصا.

فهم " تعاليمه وأحكامه شاملة تنتظم شؤون الناس في الدنيا والآخرة أو العبادية , دون غيرها من النواحى , مخطئون في هذا الظن. ف الإسلام عقيدة ووطن وجنسية ودين ودولة وروحانية ومصحف وسيف 85. وبنى فهمه على أسانيد من القرآن والحديث والتاريخ.


وكما أنه نحا نحوا جديدا في فهمه , فقد نحا جديدا في تأليف جماعته ,وإقامة أسسها وتنظيمها, وتوجيهها, حتى أضحت جماعة ذات طابع خاص لا مثيل له في الحركات الإسلامية السابقة, فأثر البنا إذن واضح جلىّ في هذه الحركة منذ نشأتها إلى أطوارها الأخيرة. وفهم شخصية البنا ضرورى لفهم طبيعة الدعوة.

ولد البنا سنة 1906 ونشأ في جو إسلامى خالص, وربته البيئة الإسلامية واحتضنته حتى ليقول بحق :" ابى الإسلام لا أبا سواه 86. وكان والده – الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا المعروف بالساعاتى – معروفا بالوقار واليسار ومن بيئة علم واستمساك بالدين والقرآن 87, ومن مواليد ناحية شمشيرة مركز فوة الغربية درس الوالد الفقه والتوحيد والنحو وحفظ القرآنم وجوّده.

واشتغل بصناعة إصلاح الساعات. وكان لهذه الصناعة أثر كبير فيه وفى ابنه من بعده لما تقتضيه من دقة ومهارة وضبط. وكان الوالد يدرس نهارا ويعمل ليلا.

واتصل بكثير من العلماء. وحين أنشأ أهل قريته مسجدا كلفوه بإلقاء خطبة في أول جمعة فخطب ونال رضى القوم وإعجابهم. وكانت عنده مكتبة في مختلف العلوم والفنون الدينية واشتغل إماما وخطيبا لمسجد البلدة. وصرف جل أوقات فراغه من الصناعة يقرأ حتى تم الكتب الستة وموطأ مالك ومسند الشافعى وغيرها . وألف كتبا. منها " بدائع المسند في جمع وترتيب مسند الشافعى والسنن" وعلق عليه شرحا. ورتب جزءا من في ترتيب الأئمة الأربعة, ورتب احمد وسماه " الفتح الربانى في ترتيب مسند الإمام أحمد الشيبانى" وشرحه باسم " بلوغ الأمانى من أسرار الفتح الربانى88"

فوالده إذن عالم مخلص بدراسة الحديث وترتيبه , وعامل حاذق في إصلاح الساعات.

أما حسن البنا نفسه فقد وجهه أبوه من صغره إلى العلوم الدينية وأحفظه القرآن بنفسه

وأدخله مدرسة اعدادية أنشأها الحكومة على نظام المدارس الابتدائية إلا أن اللغة الأجنبية ليست ضمن منهاجها. وظل الوالد يعنى بثقافته الدينية, وألقى إليه مكتبة تضم كتبا في الدين والفقه والحديث والنحو, وأرباح له ما يشاء من مكتبه.

وأولع من صغره بقراءة القصص الشعبية فكان يتأثر بتا ويمثل دور القتال .

كما أوله بتأليف الجمعيات , وهو ما يزال طالبا .

واتجه منذ الصغر اتجاها دينيا , يتقشف مدة ويدعو إلى الأخشيشان والزهد ويشهد حلقات الذكر ويكثر الرحلات والرياضة مسافات طويلة لزيارة المساجد.

وفى سن الرابعة عشر – عام 1920 التحق بمدرسة المعلمين الأولية في دمنهور . ولازمه التدين في هذا الدور فكان يصوم شهرى رجب وشعبان وبعد اجتياز الكفاءة عين معلما ولكنه آثر إتمام دراسته فالتحق بدار العلوم وتخرج فيها سنة 1927 .

وكانت دار العلوم يومئذ أشبه بأزهر صغير تعنى بالعلوم الدينية واللغوية عناية الأزهر ولكن بأسلوب حديث. وكان في هذه الفترة دائم التلاوة للقرآن في الفصل والمدرسة والمنزل والشارع.

فالبنا إذن أعد ليكون معلما, وقضى في سبيل هذا الإعداد سبع سنوات من عمره . والتعليم رسالة وتوجيه.

" والداعية" معلم يضاف إلى ذلك أن ألبنا وجه بفضل بيئته وتربيته ومزاجه وجهة دينية . ولو كان أزهريا قحا – ك محمد عبده مثلا –لكان من المتحمل أن يحدث ذلك فدرسه العلوم الحديثة من تربية وعل نفس وفلسف ومنطق وسّع أفقه في نطاق تفكيره نواحى غير الدين, فرأى السياسة والاجتماع والرياضة مما لا يكاد يدخل في نطاق تفكير رجال الدين الاقماح.

أما الإهتمام بالصناعة والشركات فربما مرده الأولى إلى صناعة اصلاح الساعات التي أقتنها الوالد وأولع بتا الفتى ومارسها كذلك 89. على أنه قد لحظ منذ بداية الدعوة استئثار الأجانب باقتصاديات البلاد – من تجارة وصناعة – وإدرك علاقة السياسة بالإقتصاد ووجوب شمولها في منهجه.

ولكن جانبا آخر من شخصيته البنا بارز في جميع أدوار حياته هو الجانب الروحى – الصوفى المشرب بالعاطفة العميقة ولا ريب في أنه قد اجتمع للبنا أمران , الاستعداد الفطرى للتصوف والظروف القومية لهذا الاستعداد .

رأى وهو في الثانية عشرة من عمره " الإخوان الحصافية " يذكرون الله عقب صلاة العشاء فاجتذبته حلقة الذكر بأصواتها المنسقة ونشيدها الجميل وروحانيتها الفياضة وسماحة هؤلاء الذاكرين من شيوخ فضلاء وشباب صالحين وتواضعهم لهؤلاء الصبية الصغار الذين اقتحموا عليهم مجلسهم ليشاركوهم ذكر الله فواظب عليها وتوطدت بينه وبين الشباب هؤلاء الإخوان الحصافية..

ومن ذلك الحين أخذ اسم الشيخ الحصافى يتردد في أذنه فيكون له أجمل وقع في أعماق القلب وأخذ الشوق والحنين إلى رؤية الشيخ والجلوس إليه والأخذ عنه يتجدد حينا بعد حين 90" وقرأ في هذه الأثناء كتاب " المنهل الصافى في مناقب حسنين الحاصفى وهو شيخ الريقة الأول فأعجب به .

وكان أعظم ما أخذ بمجامع قلبه من سيرته شدته في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وأنه لا يخشى في ذلك لومة لائم أما كرامات الشيخ الحسية فلم تقع في نفسه موقع هذا الاتجاه العملى الخير.

واستولى عليه في هذه السن المبكرة إحساس روحانى عميق تغلغل إلى عقله الباطن وصور له رؤى 91 تدل على مبلغ تعلقه بشبح الطريقة.

واتصل في المحمودية بتاجر روحانى كان يجمع الفتيان ويذهب بهم إلى المقبرة لزيارة القبور حيث يقص عليهم حكايات الصالحين وأحوالهم مما يرقق القلوب ويسيل العبرات , ثم يعرض عليهم القبور المفتوحة ويذكرهم بمصيرهم إليها.

وقد يأمر بعضهم بالنزول ووحشته ويبكى فيبكى معه الفتيان و ثم يجددون التوبة في خشوع وحرارة 92. وحين التحق بمدرسة المعلمين الأولية بدمنهور – وهو الرابعة عشرة من عمره – واظب على زيارة ضريح شيخ الطريقة الحصافية كل يوم تقريبا وعلى الحضرة في مسجد النوبة في كل ليلة مع الإخوان الحصافية . ورغب في أخذ الطريقة حتى ينتقل من مرتبة المحب إلى مرتبة التابع المبايع فأخذها عن الشيخ نفسه في رمضان 1341هـ = 1922 م وأذن له بأدوراها ووظائفها.

وكما تميز شيخ الطريقة الأول بالنزعة العملية تميز خلقه ها كذلك, فلم يكن يسمح للمتعلمين من اتباعه أن يكثروا الجدل في الخلافيات أو المتشبهات من الأمور أو يرددوا كلام الملاحدة أو الزنادقة أو المبشرين مثلا أمام العامة, ويقول لهم اجعلوا هذا في مجالسكم الخاصة تتدارسنه فيما بينكم . أما هؤلاء فتحدثوا أمامهم بالمعانى المؤثرة العملية التي توجههم إلى طاعة الله.

وتأثر البنا بهذا الإتجاه كثيرا واعتبره من خير الأساليب الحكيمة في التربية الروحية واقتبسه بعد في عودته .

وربما يصح القول انه أخذ ناحية من نواحى التصوف المتعلقة " بالتربية والسلوك" وذهل لها إلى أبعد مما ذهب إليه المتصوفة في زمانه , وبذلك أضحى فرقة صوفية خاصة.

وعلى أساس تلك الناحية العملية في التربية أسس وهو طالب في المحمودية جمعية اصلاحية هي " الجمعية الحصافية الخيرية" تقصد إلى نشر الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة ومقاومة المنكرات والمحرمات من ناحية و وإلى مقاومة التبشير من ناحية الطريقة في أمور تتصل ب الإخوان المسلمين 93 وكتب فصلا في مذكراته في التصوف معرضا بتجاوز الحدود وخلط الدين بما ليس منه مما أدّى إلى فتح ثغرات واسعة لكل زنديق أو ملحد أو فاسد الرأى والعقيدة ليدخل من هذا الباب بام التصوف والدعوة إلى الزهد والتقشف 94 وقد ذهب بعض الإخوان إلى أن الدعوة تهرب هربا شديدا من مظاهر التصوف والدروشة الجامدة التي كانت وبالا على المسلمين وإلى أن أول مظاهر دعوة الإخوان أنها دعوة الأفندية 95.

وهذا تجاوز للحقيقة . فالبنا نفسه ظل صوفيا واستعان بالصوفية كثيرا ولم يشأ هو أن يخاصمها.

ولكن نقطة الخلاف أنه اعتبرها وسيلة لا غاية تربية لا دروشة وود لو برئت من الدخلاء والخرافات المخالفة للشرع 96.

وظل البنا مستغرقا في عاطفة التصوف والعبادة طيلة إقامته في دمنهور ومدرسة المعلمين حين أنه كان يتزيا بزى خاص قريب من زيهم ( عمامة ذات عذبة ونعل كنعل الإحرام في الحج ورداء أبيض فوق الجلباب 97. وفى فترة دراسته في دار العلوم وقد أربت سنة وقتئذ على السادسة عشرة بشهور داوم على الحضرة عقب صلاة الجمعة من كل أسبوع في منزل الشيخ الحصافى في كثير من ليالى الأسبوع في منزل الخليفة الأول للشيخ الحصافى.

ولم تثنيه حياته العلمية عن الرياضة الروحية وفى بدء حركته في الإسماعيلية ظل يعاشر أصحاب الطرق ويعد نفسه واحدا منهم ويتأدب معهم بأدب الطريقة ويخاطبهم بلسانها 98.

ولكن تلك النزعة العملية التي رأيناها قبلا كانت متمكنة منه وكانت اختباراته الشخصية مع أصحاب الطرق تزيده تعلقا بتا ولذل لم يكن متحمسا لنشر دعوته على أنها طريق خاص - طريق صوفى خاص – لأسباب أهمها أنه لا يبغى مخاصمة أصحاب الطرق الأخرى – وهى كثيرة – ولا يريد حصر دعوته في نفر من المسلمين ولا في ناحية من نواحى الإصلاح بل ارادها أن تكون دعوة عامة قوامها العلم والتربية و الجهاد 99.

وهكذا يتبين أن البنا كان صوفيا وظل صوفيا ولكنها صوفية خاصى تهدف إلى الإصلاح عن طريق الدين , أو هي ناحية واحدة من نواحى الصوفية تعلق بتا وترك الباقى100.

ومما أثر في تكوين شخصيته مقرؤه, أو بالأحرى ثقافته العامة التي حصّلها من مختلف أدوار حياته . فما نوع هذه الثقافة وهل انسجمت مع مزاجه وتربيته, وإلى أي حدّ أثرت في حرمته جملة؟ لقد كان البنا شغوفا بالمطالعة خارج حدود المناهج الدراسية إلى حد كبير وكان ذا ذاكرة قوية تستوعب من المتون ومن المنظوم والمنشور حظا كبيرا جدا.

وقد ذكر أنه تقدم إلى امتحان دا ر العلوم بمجموعة من المحفوظات بلغت ثمانية عشر ألف بيت ومثلها من المنشور 101, عدا المتون في الإعراب والنحو والمصطلح والتوحيد والميراث والمنطق والفقه على مذاهب أبى حنيفة والشافعى ومالك و متأثرا بذلك بعبارة سمعها من والده هي" من حفظ المتون حاز الفنون" مما حمله على محاولة حفظ الشاطبية في القراءات 102.

وكانت مطالعته متواصلة في مكتبة والده ومكتبة معلمه الأول الشيخ محمد زهران.

وتتمثل ثلاثة موضوعات رئيسية :

الأول القرآن والحديث وعلوم الدين جملة .

والثانى والتصوف والسيرة النبوية

والثالث : الأدب والقصص الشعبى وكان في أثناء دراسته في دار العلوم قد حصل على جنيه مكافأة شهرية خصصه لشراء الكتب غير المدرسية.

وكانت أشد هذه القراءات تأثيرا في نفسه كتب التصوف فقد كان يكررها حتى تحدث له رؤى عجيبة 103. وترهف حسه وتغور أحاسيسه الروحية .

ومن ذلك الوظيفة والأوراد التي كان يداوم عليها مددا طويلة متواصلة ويلى ذلك في التأثير في نفسه القصص الحماسية التي " كلها حماسة وشجاعة وذود عن الوطن واستمساك بالدين وجهاد في سبيل الله وكفاح لنيل العلى والمجد 104" ومما اثر في نفسه تأثيرا عميقا كتب السيرة , كالأنوار المحمدية للنبهانى, ومختصر المواهب اللدنية للقسطلانى ونور اليقين في سيرة سيد المرسلين للخضرى وهى في الواقع أقرب إلى قصص الحماسة والبطولة إلى التاريخ الموضوعى أما خارج هذين الموضوعين الرئيسين التصوف والقصص الحماسى الدينى والقومى فقد تأثرا بما كتبه السيد رشيد رضا و فريد وجدى و محب الدين الخطيب وإضرابهم من السلفيين أصحاب الأقلام الصارمة.

واصطرعت في صدر البنا في شبابه نزعة جامحة إلى القراءة والعلم تضادها نزعة صوفية تقتصر من العلم على ما تحتاج إليه في أداء الفرائض وكسب العيش ثم الانصراف إلى العمل.

وبتأثير هذا الاصطراع حرق بواكير شعره وأهمل مؤلفات له في الفقه والأدب , وكاد أن ينصرف عن دار العلوم .وظل هذا الاصطراع في أعماق البنا مدة طويلة حتى يصح القول انه كانت له شخصيتان متلازمتان متصارعتان و أراد أن يوفق بينهما بقوله عن نفسه أنه كان مريدا حرا في تفكيره ومخلصا كل الإخلاص في تقدير العبادة والذكر وأدب السلوك في آن واحد105.

فالبنا إذن تثقف ثقافة اسلامية عربية قحة واختار في مقروئه ما يلائم الاتجاه الذي طابق مزاجه واشبع هواه.

ومن البديهى أن يقرأ – ولا سيما في فترة الحرب الثانية موضوعات كثيرة منوعة في السياسة والأدب والتاريخ ,لكن البنا كان في هذه الفترة قد كون مزاجه الخاص وحدد الاتجاهات التي رغب في سلوكها . وفى ذلك يقول أحد اتباعه ".....

يصول الناس ويجولون ويتكلم المتكلمون ويتعمق المتفلسفون ويطير ذوو الثقافات كل مطار , و حسن البنا لا يؤمن بشئ من هذا مهما أكثر فيه العلماء وخاض فيه المختصون وإذا به يلقى عليك الآية في القرآن فيحسم الأمر ويفصل فيه... يجهد الناس ويتعبون ويذهبون المذاهب في البحث من البحوث حسن البنا ويتعبون ويذهبون المذاهب في البحث من البحوث و حسن البنا أغناه قرآنه عن كل هذا. يقرأ الكتاب وفيه

أحدث النظريات العصرية سواء في القانون أو التربية والأخلاق أو الاقتصاد أو السياسة والتشريع أو الاجتماع أو في أي فن من الفنون , فإذا فرغ منه فاجاك بالآية أو الآيات تتضمن كل ما أعجبك أو استحوذ عليك من نظريات وردت في هذا الكتاب وما جفّ معينه يوما ولا وقف اطلاعه عن إسعافه بما يريد في أية ناحية في هذا السبيل ...

يطوف المصلحون هنا وهناك ويتلطفون على هذه الثقافة أو تلك ويتكالبون على ما وضعه الغربيون في كثير من الشؤون الضرورية اللازمة للحياة المتصلة بشؤون الناس أو طرقها بخير مما وصلت إليه العقول في العصر الحديث إلا إذا استمعوا إلى حسن البنا وإلا إذا رأوه يطالع كتابا من هذه الكتب ثم يعقب عليه بما يسفه هذا المجهود الضخم الذي بذل فيه, بالآية الواحدة من القرآن يفيض في شرحها والتعليق عليها والإبانة عن مقاصدها... وقد يكون من حفاظ القرآن فيخال أنه لم يسمع هذه الآية أو الآيات من قبل 106".

وهكذا أثرت ثقافة البنا – ولا سيما دراسة القرآن والحديث والسيرة - في حركته ووجهته وجهة اسلامية خالصة وملأته حماسة للعقيدة التي اعتنقها وقوّت فيه روح البطولة والصبر على الشدائد ولقنته التذرع بكل وسيلة لتحقيق أهدافه.

ومن أبرز مظاهر شخصيته ذكاؤه الذي يبدو أولا في تفوقه على أقرانه في المدارس وثانيا في قوة ذاكرته وثالثا في براعته في معالجة المشاكل والتكيف حسب مقتضى الأحوال ورابعا في سيطرته على اتباعه مع اختلافهم اختلافا شديدا في البيئة والثقافة والمكانة الاجتماعية أما تفوقه فباد في تجليته في المدارس وكسبه قصب السبق فيها جميعا من الكتاب إلى مدرسة دار المعلمين الأولية التي ختم فيها حياته المدرسية. وقد دخل مدرسة المعلمين الأولية وهو دون السن القانونية بنحو نصف سنة . وفى امتحان كفاءة التعليم كان الأول في مدرسته والخامس في القطر المصري كله, وفى الفحص النهائى في دار العلوم كان الأول في فرقته 107.

وأما قوة ذاكرته فظاهرة في سعة محفوظة .

وقد ذكر أحد أصحابه أنه أعطى ذاكرة عجيبة لا تنسى اسما ولا وجها ولا مكانا ولو طالت السنون .

وأنه يعرف أكبر مجموعة من الناس ويعرف عنها كل بلد ووضعها ونظم أهلها وتقاليدهم وعاداتهم ومذاهبهم الدينية وكل ما يتعلق بكيانهم الروحى والإجتماعى والعقلى 108.

وأما براعته في معالجة المشاكل فتبدو في مواقف كثيرة ومما يذكر على سبيل المثال أن أزهريا أراد أن ينفر منه المستعمين بإثارة جدل عقيم حول جزئيات سخيفة في بدء حركته في الاسماعيلية ,

فسأله عن اسم ابراهيم الخليل في معرض قصته فقال له البنا أن اسمه تاريخ وأن آزر عمه والقرآن يقول أن آزر أبوه ولا مانع من أن يكون عمه لاستخدام ذلك في لغة العرب وقال بعض المفسرين أن آزر اسم للصنم لا لأبيه ولا لعمه.

ونطق بكلمة تارخ بكسر الراء. فرّد عليه الأزهرى أن الكلمة بضم الراء لا بكسرها احراجا له.. وحين أراد الأزهرى أن ينجو هذا النحو في كل درس تذرع بوسيلة تدل على دهائه فدعاه إلى منزله وإكرمه وقدم له كتابين في الفقه والتصوف هدية وطمأنه على أنه مستعد لمهاداته بما شاء من الكتب فطابت نفس الأزهرى وواظب على حضور الدروس وكف عن اللجاج 109.

ولعل أشد المواقف امتحانا لذكائه ودهائه كان عندما صادر إبراهيم عبد الهادى أموال الجماعة وطاردها بعنف اتهمها بتبييت الانقلاب وعدم الولاء للعرش.

فما كان من البنا إلا أن صرح بأن الهيئة ستأخذ بالنهوض بحالة البلاد من الناحية الدينية والاجتماعية والاقتصادية مهملا الناحية السياسية التي توغل فيها أيما توغل إبقاء على الجماعة في وجه العنف 110.

وهو موقف لابد من أن يكون قد حزّ في نفسه وآلمه أشد الألم بعد أن كان يرجو أن يجعل من الإخوان " جيش الانقاذ وكتائب الجهاد111.

وبعد أن صرح مرارا أن السياسة جزء لا يتجزأ من منهجهم وسمعت رواية شفهية من أحد المطلعين على الحركة في القاهرة أن البنا كان يبسط نفسه لكل إنسان ولك صاحب عقيدة سياسية بغية إقناعه أن حركته تشمل كل حركة في سبيل تقوية الجماعة.

وكان له من الذكاء والدهاء ما يمكنه من استرضاء زائريه جميعا على اختلاف أهوائهم.

وأما سيطرته على اتباعه فقد كانت سيطرة تامة شاملة تكاد تدنو من السحر . فقد كان له مع كل إنسان حديث خاص وأسلوب خاص ومنطق خاص.

وقد كشفت الحوادث بعد أن أتباعه وأشياعه لم يكونوا من طبقة العمال فحسب وإن كان هؤلاء يكونون الجمهرة بل كانوا من طلاب الجامعات ورجال الدين ورجال القضاء ورجال الدولة على السواء .

وسيطرة البنا على هذه الجماعات المتباينة وكسب الأنصار كل يوم في مصر وخارجها وسرعة نمو حركته مع الرسوخ والاستقرار كل أولئك دليل على ذكائه وسعة حيلته.

ولعل أشّق عمل اضطلع به البنا واقتضاه تركيز جميع مواهبه وكشف بالتالى عن ذكائه – هو محاولته في جميع خطبه ومقالاته أن يثبت أن الإسلام غنى بجميع ما عنيت به الحركات السياسية المعاصرة كالنازية والشيوعية مع زيادة دائما مثل الأمل والعزة والقومية والقوة والخلق القويم وما إلى ذلك , ومحاولة إثباته أن الحضارة الإسلامية جمعت محاسن جميع الحضارات وفاقت عليها وبرئت من نواقصها 112. وهذا العمل من أبرز خصائص الحركة , ومن ابرز ما تتصف به الجماعة وقائدها وهو ولا شك اثر من آثار ذكاء ألبنا ومقدرته.

ووتى البنا علاوة على ذلك مقدرة بيانية فائقة متحدثا وكاتبا وخطيبا والمواهب والملكات الكامنة في الإنسان تظل مدفونة في نفسه مالم تقرى بالبيان القوى وقد أشار الذين ترجموا للبنا أو كتبوا عنه إلى هذه الموهبة البيانية .

فقال احمد أنور الجندى في كتابه ( قائد الدعوة أو حسن البنا حياة رجل وتاريخ مدرسة) أنه كاتب من أبرع الكتاب ومن أقواهم قدرة على تصوير ما بنفسه ومن أبلغهم عبارة ومن أشدهم تأثيرا في النفوس بالألفاظ الكريمة والمعانى المركزة.

يتكلم فيفهمه الكبير والصغير , العالى للثقافة ولأمى والجاهل..... يتكلم صوته عمق وللسانه سحر ,إذا تكلم تلاعب بالألباب وقد أمده الأدب العربى على شتى اصوله بفيض هائل من الآيات والأحاديث وأمجاد الجهاد الإسلامي يطلقها من فمه في أنسب وقت وأنسب مكان لها فعل القذائف في معارضيه .

وقدر المؤلف عدد الخطب التي لقاها في سبعة عشر عاما بما لا يقل عن ثلاثين ألف خطبة, وعدد الجلسات التي عقدها بمثل ذلك أيضا 113. وقال أحمد حسن الحجاجى في كتابه ( روح وريحان) " إنه كاتب مجيد لا يشق له غبار ... بلغ من جزالة لفظه وتسلسل فكرته وعذوبة أسلوبه وسهولة مأخذه مستوى كبار الكتاب لبارزين واعلام رجال الأدب وحملة القلم.

يكتب المذكرات والمقالات والنشرات والرسائل ... الخ لا يعجزه موضوع عن التنازل يعالج المسائل الاجتماعية والثقافية والفقهية والقانوينة والتشريعية كما يتناول مسائل الدين من ناحيتها الفقهية الخالصة شأنه في الخطابة حين يتناول أي موضوع في أية ناحية من النواحى بالشرح أو لتعليق من غير اقتصار على ناحية من النواحى بالشرح أو التعليق من غير اقتصار على ناحية من النواحى فعبقريته هيأته لكل الثقافات. ولقد اعترف به التاريخ خطيبا ممتازا بارعا وأقرّ له بأنه كاتب ممتاز موهوب 114".


" وهو في فصاحته ونصاعة حجته وبلاغة قوله وحسن اختيار لفظه خطيب ممتاز لا يزاحمه مزاحم ولايرتفع بجواره صوت ولا يباريه في ميدانه أحد من رجال عصره يمتلك الباب سامعيه ويهز مشاعرهم وله طابعه الخاص وسمته الثابت ووسائله المبتكرة واتجاهاته المستقلة ولا يقلد او يجارى أحد من السابقين أو اللاحقين...

يسنده في هذا علمه الغزير وقدرته الفائقة على جمع شتات أطراف أي موضوع مهما كان متشعبا يجمعه جمعا يدينه من ذهن السامع ويقربه أليه بلا اقتضاب ولا اخلال وبسعة وإفاضة فهو دائرة معارف واسعة كاملة يتحدث في أي موضوع بلا اعداد مهما يكن نوع هذا الموضوع , ويتخير في أحاديثه الأسلوب السهل ويعمد إلى التعابير المناسبة لسامعيه115".

وذكر جامع مذكراته أنه وجد هذه هذه المذكرات في جريدة الإخوان المسلمين في حوالى خمسمائة عدد ابتداء من العدد 374 الصادر في 21/7/47 حتى أوقفت الجريدة عن الصدور. وذلك عدا مقالاته وخطبه التي تقع في مجلدات.

ومهما كان في هذه النعوت من مبالغة من الطبيعى أن تصدر عن اتباعه ومريديه, فالذى لا شك فيه أنه ملك من المقدرة البيانية حظا كبيرا جدا كان من عوامل نجاحه. ومرد هذه المقدرة إلى ثلاثة أسباب .

الأول كونه معلما اعتاد تقرير الموضوع في أذهان الطلاب الصغار كل يوم حياته المدرسية التي بدأت في سنة مبكرة واستمرت إلى ما بعد قيام الحركة.

والثانى اطلاعه الواسع على اللغة والأدب وتمكنه منهما وتمليه من الأسلوب القصصى الذي أطال فيه القراءة في صغره كما ذكر في فصل سابق

والثالث محفوظه الكبير شعرا ونثرا ترداد ما حفظ في شتى المناسبات .

يضاف إلى ذلك طول المران في الجوامع والمجتمعات والأندية ومؤتمرات الإخوان مما شحذ ملكته وثبتها وكان في صغره يداوم على حضور حلقات الصوفية ويردد أروادهم ساعات متواصلات فزلق لسانه وحسن نطقه وطاوعه البيان.

ولابد من الإشارة إلى أن مهمة البنا الرئيسية كانت مهمة خطابية تستدعى إثارة العاطفة واستهواء القلوب.

وكان جلّ اتباعه ومستمعيه في الفترات الأولى من طبقة العمال الذين يغنيهم القليل من المنطق ويستثيرهم الكثير من البيان .

وكانت كثرة استشهاده بالآيات القرآنية والحديث والشعر تأتى كدعائم يقف عندما وقفات قطارا وتكسب عباراته قوة.

وهذه قطعة من مقال له عنوانها طريقان يبين فيها السجع الرنان وتوازن المقاطع وإثارة العواطف: طريقة ممهدة ظليلة مشرقة جميلة تحف فيها الروح والريحان ويحيط بتا الجمال من كل مكان . وأولها اليقين والإيمان ومراحلها الاستقامة وطاعة الرحمن .

ونهايتها الجنة والرضوان في مقعد صدق عند مليك مقتدر وطريق مقفرة , أولها الجحود والنكران , ومراح النكران, ومراحلها الأثم والعصيان وآخرها الجحيم والنيران 116.


وهذا الأسلوب البديعى من خصائص أسلوب البنا يقصده قصدا مع مقدرة لغوية تجعله بعيدا عن التكلف . وهو مؤثر في الجماهير أكثر من الحجة القوية التي يخاطب بتا العقل وحده ولكن البنا لم يلتزم هذا الأسلوب في كل الأحوال .

فقد كان يكيف أسلوبه حسب مقتضى الحال قاصدا في المرتبة الأولى التأثير في سامعيه واستهواء قلوبهم . وكان يعالج الموضوع من نواحى متعددة وفقا لحال السامعين .

فهو مع أهل القانون غيره مع الصوفية أو رجال الاقتصاد أو رجال الأعمال فلكل بيانه وطرق اقناعه وهو مع العامة وغيره مع الخاصة, إذ يبسط لهم الكلام ويحدثهم باللهجة العادية وأحيانا يجمع بين الفصحى والعامية للترويح عن النفوس والاستجمام.

ورزق البنا بنية قوية كانت سندا له في دعوته بل ربما كانت سنده الأول , إذ لولا هذه البتنية لما احتمل مشاق الأسفار , وأعباء العمل المتواصل طول النهار وأكثر الليل , وجهد الخطابة والكتابة والاجتماعات المتواصلة والاطلاع على جميع الأعمال في المركز والفروع وفوق ذلك الصدمات المتواية التي تزعزع الجسم وتوهنه.

لقد بدأ دعوته في الواحدة والعشرين من عمره ( سنة 1927 ) جامعا بين التدريس في المدرسة الابتدائية في النهار والوعظ والخطابة في المساء وعقد الاجتماعات مع اتباعه في المساء المتأخر .

وفى كتاب ( قائد الدعوة أو – حسن البنا – حياة الرجل وتاريخ مدرسة) نموذج من رحلاته سنة 1939 يبين المدن التي كان يزورها في نهاية الأسبوع فيسافر من القاهرة إلى المنيا بعد ظهر الخميس فيصلها صباحا وفى الظهر يسافر من ادفو إلى قنا فيصلها ن الغروب وفى نحو منصف التاسعة مساء يسافر من قنا إلى نجع جمادى فيصلها صباحا.

وبعد الظهر يغادرها إلى جرجا فيصلها في ساعة ثم يغادرها نحو الساعة الحادية عشرة مساءا عائدا إلى القاهرة فيصلها صبح نهار الأحد 117.

ولما انتشرت شعب الإخوان من الإسكندرية إلى أسوان كان هو يسيطر على هذه القوى بتوجيه موحد بحيث لا تتصرف قوة إلا في اتجاه هذه القوى الأخرى وفى حركة معاونة لها وكان عمله الإشراف التام الدقيق على الكبير والصغير من الشؤون أما في دار الإخوان فلا يخلو من عمل منذ تطأ قدماه الدار إلى أن يخرج منها.

ويقول فيه رفاقه في الأسفار:

نركب السيارة بين مكة والمدينة فيصيبنا الدوار ولا يصيبه , نأكل بعض الأصناف فتصاب أمعاؤنا ولا يصاب .

ندخل جو مكة الحار بعد جونا الرطب وجو المدينة الرطب بعد جو مكة الحار فتتأثر صدورنا بالزكام و السعال وهو لا يتأثر يتعبنا المشى والتصعيد في غار وهو لا يتعب 118.

له معدة قوية قديرة على الهضم في مختلف البلاد والأجواء والألوان وقوة عصبية مركزة لا تتأثر بالأجواء ولا باضطرابات البحر والسيارات.

وكان إلى ذلك يجيد الرماية والسباحة ويقطع على قدميه مسافات طويلة . ويركب في الدرجة الثالثة في القطار على مقاعد خشبية فلا يتعب ولا يضجر فهذه القوة الجسمية من متممات شخصية البنا , لأنها هي التي احتملت الدعوة وكفاحها ومالها وما عليها.

ويبدو أن ما قرّره أحد اتباعه " أن السر في النجاح هو في شخصية الداعى 119".

قول صحيح إلى حد كبير وجميع الذين كتبوا عنه وربطوا بين الدعوة وبينه ربطا محكما .

فحركة الإخوان المسلمين هي حركة ( حسن البنا ) أو هي حسن ألبنا نفسه بالخصائص والصفات التي ذكرت .

يقول أحمد حسن الحجاجى – وهو من أكثر الناس معرفة به وكتابة عنه – وأما أن الدعوة الإسلامية قد هتف بتا في القرن العشرين رجل واحد هو ( حسن البنا ) وحمل اعباءها ولم يسبقه بالدعوة إليها أحد فذلك ما نريد أن نعرض له هنا ..

فالدعوة الإسلامية الواضحة كحقيقة دستورية مستقلة يقوم على تطبيق مبادئ مبادئ النظام الإسلامي في الحكم و السياسة والاجتماع واقرارها عمليا كدستور واجب النفاذ إلى جانب الذود عنها كعقيدة صحيحة , الدعوة الإسلامية بهذا المعنى العملى الواسع الشامل ,

وما ترتب عليه من انقلاب عالمى في الأفكار ومن الأحداث التاريخية التي سيكون لها أثرها وخطرها في مستقبل الإنسانية نقول إن الدعوة الإسلامية بهذا المعنى لم يعرفها التاريخ آمادا طويلة جدا إلا حين رفع لواها ( حسن البنا ) في القرن العشرين و باسم دعوة الإخوان المسلمين 120.

والشاهد في مثل هذه الأقوال التي تبدو مشوبة بعاطفة الإعجاب الجامح بزعيم الدعوة وقائدها أن اتباعه وصلوا بين شخصيته وبين الدعوة وصلا تاما , فردوا إليه قوتها ونجاحها وشرحها وفلسفتها وجميع مظاهرها الداخلية والخارجية.

ومن البديهى أن ترد إليه أيضا جميع نواحى القوة والضعف فيها, وجميع الشروح والتفسيرات والمبادئ التي قامت عليها والواقع أن قانون الدعوة وضع بيد المرشد سلطات دونها سلطات الملك المطلق كما سيذكر فيما بعد.

ودان له جميع اتباعه بالطاعة والولاء من غير تردد ولا أحجام ولا استفهام ومنعوا عن نفسهم حق الاعتراض فيما يحكم فيها حكا نهائيا.

وذهب اتباعه إلى حد اعتباره رجل الساعة ورجل مصر الحديثة ورجل الدعوة الإسلامية في العصر الحديث.

هذه هي شخصية ( حسن البنا ) مؤسس الدعوة ومرشدها وقائدها حسبما تبدو في المصادر – الإخوانية – التي اسهبت في الكتابة عنه ومن جهة اخرى فقد ذكر مراسل التيمس الأسبوعية أن البنا كان خطيبا مفوها وسياسيا بارعا 121.

واستخلص محمد حسن أحمد مؤلف كتاب ( الإخوان المسلمون في الميزان) من نصوص القانون التي توسع سلطات المرشد العام إلى ابعد حد ان حركته فاشستية.

والواقع أنها لم كذلك. ولكن سلطات المرشد العام بلغت حدا بعيدا جدا فلّ نظيرها لدى الحكام المحدثين. وهذا دليل على بروز شخصية ألبنا في ميدان الجماعة بروزا لا يطاله من أحد من رجاله وهنا يتفسق أنصاره وخصومه فحركة الإخوان فذة ما هي شخصية ألبنا فذة فهى حركة في شخص تمددت واتسعت بالأنصار والمريدين. قال أحد رجالهم :"....

ولكن الإخوان يتعاملون بقانون من روح قائدهم ومرشدهم قانون الإخوان السائد والحاكم والمنظم هو قانون الأخوة , وروح هذا القانون هي التي يصدر عنها المرشد العام , وهى التي تلهم القائد . وهى التي أسلست له قيادة النفوس ومكنت له في القلوب ونادت به مرشدا وقائدا تهفو إليه كلما حزب أمر .

ومن أجل ذلك فما عرفت مجتمعات الإخوان جفاف أحكام القوانين ولا غطرسة موادها وتحبهم وعبوس نصوصها وعلى هذا فتعرف إلى مرشد الإخوان وقائدهم وهو الذي يدين له الملايين بالطاعة والولاء والذي تصدر الكلمة الواحدة من شفتيه فيتلقنها هؤلاء الملايين بالتلبية الحارة الصادقة 122".

وما مبادئ هذه الحركة؟ وما الأسس التي تقم عليها هذا ما يعالج في الفصل التالى.


الفصل الرابع: مبادئهم

1- أول ما يلحظ في مبادئ الإخوان أنها نامية متطورة بدأت من نقطة دينية ثم انطلقت في آفاق واسعة أفسح من أن يشملها قانون والواقع أن القانون الرئيسى الذي يحتوى على وليس جميع المبادئ ويفسر جميع النصوص, كان " البنا " نفسه.

وليس أدلّ على ذلك من عبارة أثبتها أحد الإخوان:"...

فما عرفت مجتمعات الإخوان جفاف أحكام القانون ولا غطرسة موادها وتحبهم وعبوس نصوصها" ثم يقول :" مرشد الإخوان يسوس هذه المجتمعات بالإرشاد النافع والتوجيه المحكم السديد, ووضع كل أمر في نصابه"123.

أما البنا نفسه فقد ذكر في مناسبات كثيرة إن دعوته متطورة حتى أنه نصّ في ( قانون النظام الأساسى للهيئة) الذي أقرته الجمعية العمومية في سبتمبر سنة 1945 على ما يلى :

يؤثر الإخوان دائما التدرج والتطور 124, وأوضح أن هذا التدرج لابد له من ثلاث مراحل , مرحلة الدعاية والتعريف والتبشير بالفكرة وايصالها للجماهير من طبقات الشعب و مرحلة التكوين وتخيّر الأنصار وإعداد الجنود وتعبئة الصفوف من بين هؤلاء المدعويين ومرحلة التنفيذ والعمل والإنتاج .

ثم قال : ولكن لاشك في أن الغاية الأخيرة أو النتيجة الكاملة لا تظهر إلا بعد عموم الدعاية وكثرة الأنصار ومتانة التكوين 125.

وهذا دليل قاطع على أن الغاية مرهونة بالظروف .

وقد طان البنا يحدد هذه الغاية ويلمح إليها من حين إلى آخر تبعا لتطور الجماعة واستعدادها .

وكان يمد في أمل الشباب المتحمس ويلوح بأنهم متى أتموا دور الإعداد لا يتخلف عنهم بل يخوض بهم لجج البحار ويقتحم عنان السماء , ويغزو كل عنيد جبار 126 وليس ببعيد أن البنا في أواخر أيامه وفى إبان استاع حركته وتحت ضغط الشباب المتحمس أراد فعلا أن يبلغ هذه المرحلة النهائية وقد صرح في خطاب له ألقاه في المؤتمر الذي عقد لبحث المطالب الوطنية عام 1945 بقوله :"

كل ذلك يا أخى جعلنى أشعر شعورا قد ارتقى بى إلى مرتبة الاعتقاد أننا لم يعد لنا الخيار ,ان واجبنا أن نقود هذه النفوس الشبان المتحمسين الذين كانوا يعتقدون أنهم أتموا دور الإعداد , بلغوا المرحلة الأخيرة التي طلبها منهم في السابق وخلع عليهم نعت " جيش الإنقاذ وكتائب الجهاد 127".

وعلى كل حال فغن جميع ما صدر عن الإخوان وعن مرشدهم يدل على أنهم كانوا أشبه بالتدرب على القفز الذي يعلى الخشبة كلما آنس في نفسه القوة, وبذلك ظلت أهدافهم نامية ومتطورة ويلحظ في مبادئهم أيضا الشمول الكلى لكل مبدأ وكل فكرة سواء أوجدت حقا في الدين أم جاءت من الخارج فقد حرصوا على أن يفهموا الناس أن كل ما في الشرق والغرب من مبادئ حسنة هي مبادئهم هم. حدث أحد الأعضاء العاملين من الشبان الجامعى أن ( البنا ) جمعهم مرة وقال لهم:"

أن حاجكم الشيوعيون وقالوا لكم أن مبادئنا انسانية رحبة تأخذ بيد الضعيف والفقير وتساوى بين الناس وتحقق العدالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فقولوا لهم : ليكن الأمر كذلك .

فإن مبادئنا شاملة لمبادئكم مع زيادة. فليس من مبدأ تفخرون به إلا عندنا ما يماثله ويربوا عليه".

وقد رسخت هذه الفكرة في نفس البنا وكرّرها مرارا حتى أضحت مبدأ أساسيا تتفرع منه جميع المبادئ, ونجد بيان ذلك في رسالة بعث بتا البنا غلى الملك فاروق و النحاس بيان ذلك في رسالة بعث البنا إلى الملك فاروق و النحاس باشا رئيس وزرائه يومئذ وملوك العرب وأمرائهم بعنوان " نحو النور" ففيها يقول :

ليس في الدنيا نظام يمد الأمة الناهضة بما تحتاج إليه من نظم وقواعد فيها كذلك أن القرآن جمع علوم الكون في آية واحدة وحث عليها .

على طريقة محمد عبده – وأن نظم الإسلام فيما يتعلق بالفرد أو الأسرة أو الأمة حكومتها وشعبها أو صلة الأمم ببعض قد جمعت بين الاستيعاب والدقة وإيثار المصلحة وإيضاحها ,أنها أكمل وأنفع ما عرف الناس من النظم حديثا أو قديما .

ويعتقد أن الإسلام نظام شامل ينتظم شؤون الحياة كلها ويفتى في كل شأ، من شؤونها ويضع له نظاما محكما دقيقا 129 ويرى أن الحياة الفاضلة والمثل الرفيعة لن يجدها الناس في الشرق الإسلامي إلا في اسلامهم,

لأنها من صميم مبادئه وهى مكفولة في نظامه كفالة تامة 130, ويرى أن الوطنية في الإسلام أوفى وأزكى وأسمى وأنبل مما هي في أفواه الغربيين وكتابات الأوروبيين 131.

ويرى أن العالمية والقومية والاشتراكية والرأسمالية والبلشقية والحرب وتوزيع الثروة والصلة بين المنتج والمستهلك وما يمت بصلة قريبة أو بعيدة إلى هذه البحوث التي تشغل بال سلسلة الأمم وفلاسفة الاجتماع كل هذه خاض فيها الإسلام ووضع العالم النظم التي تكفل لهم الانتفاع بما فيها من محاسن 132 , ويعتقد أن دعوتهم عامة محيطة لا تغادر جزءا صالحا من أية دعوة إلا ألمت به وأشارت إليه 133.

وهذه النصوص كثيرة جدا في مؤلفات ( البنا ) و الإخوان جميعا دون استثناء . وقد أدت بطبيعة الحال إلى نتيجة لا مفر منها وهى أن الإخوان مقلدون لا مبتكرون 134 أي أنهم لا يضيفون جديدا وإنما يحيون قديما ويبعثون ميتا وينتشرون مجهولا لأن جميع هذه التعاليم المتصلة بمختلف ألوان الحياة واردة أصلا في صلب الدين.

ومن هذا المبدأ العام الشامل استوحوا سائر مبادئهم , ومنه استمدوا مبادئهم حتى شملت كل ناحية دينية وسياسية واجتماعية واقتصادية كما هو مبين في قانونهم الأساسى وقد قال ( البنا ) في احدى خطبه: تستطيع أن تقول ولا حرج عليك , أن الإخوان المسلمين دعوة سلفية وطريقة سنية وحقيقة صوفية وهيئة سياسية وجماعة رياضية ورابطة علمية ثقافية وشركة اقتصادية وفكرة اجتماعية 135! وما هذه المبادى

يجعلون هم هذه المبادئ ستة:

الأول علمى: وهو شرح دعوة القرآن الكريم شرحا دقيقا يوضحها ويردها إلى فطرتها وشمولها ويعرضها عرضا يوافق روح العصر ويرد عنها الأباطيل والشبهات . وهم في الواقع يذهبون إلى ما ذهب إليه محمد عبده قبل نصف قرن حينما أراد أن يرد على تهم وجهت إلى الدين فأخذ على عاتقه أن يثبت أنه ملائم لروح العصر منسجم مع جميع العلوم والمعارف بدلا من أن يستأصل هذه التهم من أصولها بالاعتراف بأن للدين منحى يختلف اختلافا تاما عن منحى العلم, فكانت النتيجة أن ورّط نفسه وورّط الدين في أمور لا دخل له فيها.

الثانى: عملى :

وهو جمع الأمة المصرية والأمم الإسلامية على هذه المبادئ القرآنية وتجديد أثرها الكريم البالغ في نفوس أبنائها حتى تكون أمة قرآنية حقا وتقريب وجهات النظر بين الفرق الإسلامية المختلفة .

والمقصود بذلك بناء المجتمع الإسلامي كله على أساس دينى واحد وحسم الخلافات التي ظهرت في مناسبات مختلفة بين الفرق والجماعات الإسلامية وفى ذلك يقول أحد طتابهم:

لن نهدأ أو نسكن أو نستريح حتى نرى القرآن دستورا نافذا فسنحيى لهذه الغاية أو نموت فيها 136.

الثالث: اقتصادى وهو تنمية الثروة القومية وحمايتها وتحريرها والعمل على رفع مستوى المعيشة وتحقيق العدالة الاجتماعية بين الأفراد والطبقات , والتأمين الاجتماعى لكل مواطن , وضمان تكافؤ الفرص للجميع .

والمقصود بذلك خدمة العمال الذين كانوا قوام الدعوة في أول نشأتها والحد من النفوذ الأجنبى في الاقتصاد المصري , وتنشيط الصناعات المحلية وإقامة نقابات عمالية تعمل على رغع مستوى العمال المالى والاجتماعى ومن الواضح أن هذا المبدأ أخذت به الحكومات الغربية من فاشتيه واشتراكية وديمقراطية وهو اتجاه حديث في نظام الحكم.

الرابع : اجتماعى خيرى وهو المساهمة في الخدمة الاجتماعية الشعبية ومكافحة الجهل والمرض والفقر والرذيلة وتشجيع أعمال البر والخير النافعة.

الخامس: وطنى قومى وهو العمل على تحرير وادى النيل والبلاد العربية جميعا والوطن الإسلامي بكل أجزائه من كل أجنبى ومساعدة الأقلية الإسلامية في كل مكان على الوصول إلى حقها وتأييد الوحدة العربية تأييدا كاملا والسير إلى الجامعة الإسلامية سيرا حثيثا ومناصرة التعاون العالمى مناصرة صادقة في ظل مثل عليا فاضلة تصون الحريان وتحفظ الحقوق ويأخذ فيها القوى بيد الضعيف حتى ينهض . وإقامة الدولة الصالحة التي تنفذ أحكام الإسلام وتعاليمه عمليا وتحرسها في الداخل وتبلغها في الخارج.

السادس : إنسانى عالمى: وهو المشاركة في بناء السلام العالمى والحضارة الإنسانية على أساس جديد من تآزره المادة والروح بتقديم مبادىء الإسلام العالمية, التي تعلن الإخوة وترسم الطريق العملى للوصول غليها للعالم المتعطش إلى حياة روحية فاضلة 137.

وسنفصل بعد مبادئهم حسبما شرحت في كتبهم:

1- البعد عن مواطن الخلاف الفقهى 138: ويقصد بذلك أنهم لا ينتسبون إلى طائفة خاصة وإنما يتوجهون إلى صميم الدين ولّبه ويرغبون في أن نتوحد الأنظار , إذ أن أعظم ما منى به المسلمون الفرقة والخلاف وأساس ما انتصروا به الحب والوحدة أما الخلاف في فروع الدين فأمر لابد منه والإجماع على أمر واحد فيها مطلب مستحيل ومتناف مع طبيعة الدين وإنما يريد الله لهذا الدين أن يبقى ويخلد ويساير العصور ويماشى الأزمان, وهو لهذا سهل مرن لين لا جمود فيه ولا تشديد 139 وحسب الناس ان يجتمعوا على الأسس.

2- البعد عن هيمنة الكبراء والأعيان : لأن هؤلاء تستهويهم الدعوات القائمة التي تستتبع المغانم وتجر المنافع .

3- البعد عن الهيئات و الأحزاب : لأن هذه بينها تنافر وتناحر ولا تتفق مع إخوة الإسلام ودعوة الإسلام عامة تجمع ولا تفرق ولا ينهض بتا ويعمل لها إلا من تجرد من كل ألوانه وصار خالصا لله.

4- التدرج في الخطوات : لأن كل دعوة لابد لها من مراحل تقطعها قبل أن تصل إلى غايتها. وهى مرحلة الدعاية والتعريف بالفكرة, ومرحلة التنفيذ والعمل والإنتاج 140.

5- الاستعانة بالقوة لتحقيق أهدافهم متدرجين من قوة العقيدة والإيمان إلى قوة الوحدة والارتباط ثم قوة الساعد والسلاح 141. ولكنهم سيستخدمون القوة العملية حيث لا تجدى غيرها وحيث يثقون أنهم استكملوا عدة الإيمان والوحدة وهم لا يفكرون ب الثورة ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها وأن وقعت فستكون من ضغط الظروف وإهمال مرافق الإصلاح.

6- إقامة حكومة دينيى لآن الإسلام يجعل الحكومة ركنا من أركانه وهو حكم وتنفيذ وتشريع وتعليم وقانون وقضاء ولا ينفك واحد منهما عن الآخر .

ولكنهم لا يطلبون الحكم لأنفسهم فإن وجدوا من الأمة من يستعد لحمل هذا العبء والحكم بمنهاج اسلامى قرآنى , فهم جنوده وأنصاره وأعوانه وإن يجدوا فالحكم من منهاجهم , سيعلمون لاستخلاصه من ايدى كل حكومة لا تنفذ أوامر الله ولن يتقدموا المهمة الحكم قبل أن تنتشر مبادئهم وتسود .

وقد رأوا أن الحكومات التي عاصروها لم تنهض بهذا العبء ولم يظهر استعدادا صحيحا لمناصرة الفكرة الإسلامية . ولم يكونوا قط مطية لحكومة من تلك الحكومات 142.

7- يؤمنون بالوحدة العربية والوحدة الإسلامية ويفهمون الأولى أنها " عربية اللسان" أما الثانية فيؤمنون بتا ويعلمون لجمع كلمة المسلمين واعزاز أخوة الإسلام وينادون بأن وطنهم هو كل شبر أرض فيه مسلم ويرون أن يعمل كل إنسان لوطنه وأن يقدمه على سواه ثم بعد ذلك يؤيد الوحدة العربية باعتبارها الحلقة الثانية ثم يعمل للجامعة الإسلامية باعتبارها السياج الكامل للوطن الإسلامي العام ولا تعارض بين هذه الوحدات بهذا الاعتبار فكل منها تشد أزر الأخرى وتحقق الغاية منها وإذا أراد أقوام أن يتخذوا من المناداة بالقومية الخاصة سلاحا يميت الشعور بما عداهم فهم ليسوا معهم 143.

8- يجعلون فكرة الخلافة والعمل لإعادتها في رأس منهاجهم لأنهم يرونها رمز الوحدة الإسلامية ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام ولكنهم يعتقدون أن ذلك يحتاج إلى كثير من التمهيدات وأن الخطوة المباشرة لإعادة الخلافة لا بدّ أن تسبقها خطوات فلابد من تعاون تام ثقافى واجتماعى واقتصادى بين الشعوب الإسلامية كلها يلى ذلك تكوين الأخلاق والمعاهدات وعقد المجامع والمؤتمرات بين هذه البلاد. ثم يلى ذلك تكوين.

عصبة الأمم الإسلامية حتى إذا استوثق ذلك للمسلمين كان عنه الاجتماع على ( الإمام) الذي هو واسطة العقد ومجتمع الشمل144.

9- موقفهم من الدول الأوروبية يعتبرون كل دولة اعتدت وتعتدى على أوطان الإسلام دولة ظالمة, لابد من تكف عن عدوانها, ولابد من أن يعد المسلمون أنفسهم ويعملوا متساندين متحدين على التخلص من نيرها و الإسلام لا يرضى من أبنائه بأقل من الحرية والاستقلال فضلا عن السيادة واعلان الجهاد ولو كلفهم ذلك الدم والمال فالموت خير من حياة العبودية والرق والاستذلال145. هذه هي مبادئ الإخوان العامة والخاصة كما قررها في قانونهم الأساسى وفى خطب ( البنا ) وكتبهم بقى أن ننظر إلى أي حد حققوا هذه المبادئ وما المشاريع التي قاموا بتا باعتبارها خطوات تؤدى إلى هذه الأهداف البعيدة.


الفصل الخامس: أعمالهم

يتبين من الفصل السابق أن من أبرز خصائص الدعوة الشمول لكل مبدأ أوجد حقا في الدين أم جدّ فيما بعد .

وكذلك الحال في نشاطهم فقد كان شاملا جميع نواحى الحياة الاجتماعية والإقتصادية والعلمية والسياسية والعسكرية سواء أأصيلة كانت أم مقتبسة.

ولكنهم صبغوا هذا النشاط بصبغتهم الخاصة وألقوا عليه رداء دينيا فبدأ منسجما مع الدعوة.

وإذ كانت الجمعية في أول نشأتها دينية فقد قصروا نشاطهم " على تحقيق المقاصد والأغراض التي جاء بتا الدين الحنيف وشرح دعوة القرآن والمقاصد والأغراض التي جاء بتا الدين الحنيف وشرح دعوة القرآن الكريم وفهم الإسلام فهما صحيحا" حتى إذا ذكر الناس ذلك واقتنعوا بفائدته أنتج ذلك عملهم به ونزولهم على حكمه 146.

وحملهم على سلوك هذا النهج رؤيتهم مصر جميعها بل الشرق العربى كله يزحف إلى هاوية من الشك والإباحة والفقر والمجون والذل والقيود التي توضع في يديه باسم الأساور الذهبية 147.

وجاء في رسالة وجهها البنا إلى محمد محمود باشا – في أوائل الحركة –"

مجتمعنا المصري تحطمت فيه المقاييس الخلقية وتدهور مستوى الفضائل تدهورا يدعو إلى الأسف الشديد , وتظاهرت عليه معاول الهدم من كل جانب. فالشبان والشابات والأسر والأفراد والجسوم والأرواح كلها محطمة تحطيما يدعو إلى منتهى السرعة في الإصلاح والترميم.


وإنما يكون ذلك بوسائل كثيرة من أصولها وقت الفراغ ومحاربة المنكرات 148".

وإذن فلابد من الوعظ والإرشاد وتطهير النفوس من رجسها , بنشر الثقافة الدينية حتى ينقلب المسلمون من مسلمين جغرافيين إلى مسلمين مؤمنين علما وعملا حقا وصدقا.

وكان هذا فعلا أول مظهر من مظاهر نشاطهم من حيث الأهمية وسبق العمل بل كان ميدان عملهم الرئيسى مدة طويلة من الزمن .

ويبدو أن الفرصة كانت مؤاتية لهذا " التبشير" الروحى في مصر ولا سيما في مجتمعات العمال والفقراء في الإسماعيلية والريف المصري عامة فأقبلت عليه هذه الطوائف إقبالا شديدا ووجدت فيه راحة وطمأنينة 149.

وارتكز هذا الوعظ على قواعد : منها تعليم الأميين أصول الصلاة وبعض سور من القرآن لأداء الفريضة .

ومنها شرح حقيقة الدعوة الإسلامية وأنها تحض على الإيمان بنبوة كل من سبقوا محمد من الأنبياء , والرجوع إلى المعانى الروحية التي جاء بتا محمدا وعيسى وموسى وإبراهيم ونوح ومن قبلهم من الأنبياء 150. وأنها دين ودولة ومصحف وسيف وعقيدة اجمع لا طقوس وأعياد فحسب . ومنها تعويد الشعب احترام الآداب العامة حسبما نصت عليها الكتب السماوية والتزام الأوامر والنواهي كالإقلاع عن البغاء والقمار والخمر وما إلى ذلك 151.

ومنها الوقوف في وجه الطغيان المادى الذي صرف الشعوب الإسلامية وأبعدها عن زعامة النبى وهداية القرآن , والعمل على أن تكون قواعد الإسلام هي الأصول التي تبنى عليها نهضة الشرق الحديث في كل شأن من شؤون الحياة152.

ومنها الحياة الفاضلة المثالية كالتعاون المادى في شتى مظاهره.

وكيف كانوا يؤدون هذه الرسالة ؟

كانوا أول الأمر يخطبون في المساجد إثر صلاة الجمعة أو يلقون دروسا عامة بعد صلاة وبعد أن فتحوا لهم فروعا اتخذها قائد الدعوة " جامعات يربى فيها الشعب على منهاج التربية الإسلامية 153".

وكانت هذه الدروس منظمة لا تنقطع في كل أسبوع , يتعاون على إلقائها عدد من الإخوان بتوجيه المرشد.

ويذهب بعض كتابهم إلى أن البنا رسم خطة واضحة منذ البداية مقتفيا أثر الرسول الذي كانت خطوته الأولى " تكوين الجماعة المؤمنة ثم تطبيق الحكم 154" وأنه أدرك أن الانقلاب لا يأتى ارتجالا والأمم لا تتطور من وضع إلى آخر , إلا بأساليب نظامية ومناهج عملية ولهذا عمل على تربية الناس على فضائل المبادئ وعلى تذوقها 155.

ويقولون أن الحركات الاصلاحية السابقة كانت ناقصة إذا لم تنتبه إلى عنصر المنهاج الإسلامي ووجوب إقامة نهضة الأمة عليه على اعتبار انه العلاج الوحيد وأنها لم تفطن إلى أن تربى الأمة على أصول هذا المنهاج حتى يمكن أن يؤمل من ورائها نجاح كحركة اصلاحية تظهر في أمة ذليلة مستعبدة وأن هذه هي أسباب إخفاق الحركات الإصلاحية السابقة التي ظهرت في مصر والشرق في العصر الحديث , وأن الأمر ظل هكذا حتى جاء العصر الحديث فأظهر قيادة الإخوان عقلا جديدا ومعنى جديدا في قيادة النهضات والأمم والشعوب 156 .

ويقولون : إن حركة الإخوان تدعو إل منهاج واضح إلى الإسلامية الخاصة والنظام الإسلامي الصافى ودستورية القرآن , وبناء للحياة الإجتماعية على أسس سليمة في ضمان تربية الفرد تربية صالحة وتنشئة حياة الأسرة في رعاية كريمة من المثل العليا للوصول إلى تكوين الأمة النموذجية 157.

والخلاصة أن هذا المنهج التربوى استغرق نشاط الجماعة عدة سنوات وكان بداية الحركة كلها . وأغلب الظن أن ألبنا أراد أن يدور عمله كله على هذا المنهج لا يتعداه إلى نواحى أخرى وأن نجاحه هو الذي فتح أمامه أفاقا واسعة فولجها ثم أخذت الأعمال يستدعى بعضها بعضا , إلى أن تطورت إلى المحنة التي قصمت الظهور.

ومن أعمالهم البارزة في سبيل تحقيق أهدافهم إرسال الرسائل الخاصة إلى رؤساء الوزراء المصريين ثم إلى الملك ثم إلى ملوك العرب وحكامهم وأمرائهم يبسطون فيها دعوتهم بصراحة تامة وأحيانا وجهوا رسائلهم إلى وزراء معينين في الدولة وإلى رؤساء وزراء أجانب في موضوعات تتصل بحركتهم.

بدأوا هذه الرسائل من عهد محمد محمود باشا أول رئيس دولة في عهد نشاطهم , استمروا فيها في عهد سائر الوزارات المصرية إلى المحنة وبعدها 158.

لم ينقطعوا عن الكتابة والوعظ والإرشاد في وقت من الأوقات, وأحيانا كانوا يشفعون الرسالة بمقابلة شخصية مع رئيس الدولة أو الوزير يسترعون نظرة إلى رسائلهم وما ورد فيها من مختلف الإرشادات. وكانت النغمة على وتيرة واحدة تقريبا إلا فى عهود الاضطرابات السياسية فقد كانوا يقتصرون على الكتابة في موضوعات سياسية فقط.

ومن أوائل رسائلهم رسالة إلى محمد محمود باشا يبسطون فيها حالة الأمة المصرية وما تعانيه من جهل ورذيلة وفقر وضعف خلقى وصحفى وثقافى في كل مكان , في وقت تنهض فيه الأمم وتتوثب, والعالم يجّد ويعمل, "والدواء تعاليم الإسلام وكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه 159" ثم يقول :

إن اعترض بوجود الانجليز فهم لا يعنيهم نظامنا الداخلى وإن جدوا في الاعتراض وجب إعلان الجهاد .

وإن احتج بقلق الأجانب أصحاب الملايين فلتتفاهم وإياهم , وسيرون في الإسلام وحكمه وتعاليمه ضمانا لحقوقهم وحفظا لأرواحهم وأن احتج بالعناصر غير المسلمة فقد رأوا عدلنا الكامل في التاريخ .

ولكن العقبة الصحيحة هي أن زعماء مصر لم يتشبعوا ب الإسلام ولم يتصلوا بتعاليمه, وعليهم أن يعودوا إلى العقيدة والدين ثم ذكر أن نجاح تركيا في خروجها عن الدين حمل العدوى إلى مصر وهذه نكبة النكبات ولذلك فهو يدعو حكومة محمد محمود إلى التفرد برفع كلمة الإسلام واتخاذها شعارا 160.

ثم حثه على أن يكون قدوة حسنة بإجراء ما يلى : أولا منع الحفلات الخليعة رسمية أو شبه رسمية . ثانيا امتناع الوزراء والرؤساء عن ارتياد أندية القمار وميادين السباق ومحافل اللهو. ثالثا أن يكفوا عن نشر صور سيداتهم وفتياتهم في الصحف.

رابعا أداء الصلاة والإمساك عن العمل في أوقاتها. خامسا أن يكون المظهر الغالب في بيوتهم مصريا إسلاميا, ويتحدثون بالعربية ويتخذون مربيات مصريات ويجعلون المدارس الحكومية إسلامية . سادسا أن يؤاخذ الموظفون المستهترون 161.

ودعاة إلى إصلاح القانون بصبغه بالفكرة الإسلامية وتأليف اللجان من جديد للنظر في التوفيق بين القوانين القائمة الشرعية حتى يشعر الإنسان بأنه محكوم بقانون الله السماوى لا بقانون الناس الوضعى 162.

وعلى هذا المنوال سارت رسائلهم. وفى سنة 1936 رفعوا رسالة مطولة إلى الملك و النحاس وملوك العرب وحكامه عنوانها ( نحو النور) فصلوا فيها منهاجهم وختموها بقولهم : أنا لنضع أنفسنا ومواهبنا وكل ما نملك تحت تصرف آية هيئة أ حكومة تريد أن تخطوا بأمة اسلامية نحو الرقى والتقدم , تجيب النداء ونكون الفداء.

وفى سنة 1938 رفعوا رسالة إلى الملك يطلبون فيها حل الأحزاب المصرية ووجهوا رسالة أخرى على منوالها إلى الأميرين عمر طوسن ومحمد على توفيق 163.

ورأيهم في ذلك أن الأحزاب المصرية الحالية صناعية أكثر منها حقيقية. والعامل في وجودها شخصى لا وطنى.

والحوادث التي كونت الأحزاب زالت وجدّت ظروف تستدعى مناهج وأعمالا. والوقت قد حان لتجتمع الكلمة حول منهاج قومى إسلامى تتوافر على وضعه وإنقاذه القوى والجهود 164.

وارسلوا رسالة سنة 1938 إلى أحمد خشبة باشا , وزير الحقانية , يطلبون فيها تجربة الدولة الإسلامية بعد أن جربوا القوانين المدنية خمسين سنة دون أن تفلح , واوردوا شهادة الأوربيين في التشريع الإسلامي 165.

وفى رسالة أخرى إلى النحاس سنة 1938 طلبوا فيها العناية بالسياسية الخارجية التي تربط مصر بغيرها من الأمم الإسلامية والعربية تمهيدا لعودة الخلافة وتوكيدا للوحدة التي فرضها الإسلام 167.

وفى سنة 1939 ارسلوا رسالة إلى النحاس باشا يطلبون فيها أن يكون أعضاء الوفد نماذج للتمسك بالدين , وأن يعلن الوفد منهاجه الإصلاحى مستمدا من قواعد إسلامية مشتملا على العناية بإصلاح التشريع وتوحيد المحاكم في ظل الشريعة الإسلامية وإصلاح التعليم ,

وتجنيد القادرين على حمل السلاح , ومحاربة الموبقات , وإصلاح الأوضاع الاقتصادية ومقاومة روح التقليد الأوروبى , وإصلاح الإدارة , وإصلاح السياسة الخارجية وأردفوا بدعوة خصوم الوفد إلى انتهاج هذا المسلك 166.

وتوالت وسائلهم على هذا النمط وكلها تدور حول إقامة حكومة دينية وإصلاح المجتمع إصلاحا شاملا على قواعد دينية.

وإتماما لهذا النوع من النشاط ألفوا لجنة خاصة تتولى نشر رسائل الإخوان من المركز العام .

وقد نشروا عددا من الرسائل منها رسالة ( المنهج) ورسالة عنوانها ( من أنت) , ورسالة عنوانها القرآن والذرة ) ورسالة عنوانها ( التعاليم) ,

ورسالة عنوانها ( كيف ندعو الناس) , ورسالة عنوانها هل نحن قوم عمليون) ورسالة عنوانها ( نحو النور), ورسالة عنوانها ( أهدافنا ومبادئنا) ورسالة عنوانها ( إلى أي شى ندعوا الناس) ورسالة عنوانها ( رسالة الجهاد ) ورسالة عنوانها ( المأثورات) ورسالة تحتوى على ( واجبات الأخت المسلمة, ومنهاج التربية الروحية واللائحة العامة). ومعظمها بقلم البنا نفسه.

وألفت طائفة من الكتب في ( البنا) نفسه , وفى قضايا الأقطار الإسلامية . ومنها ( مع بعثة الحج) و( الإخوان المسلمون في ميزان الحق) و( قائد الدعوة أو حسن البنا ,حياة رجل وتاريخ مدرسة) و( قضايا الأقطار الإسلامية) و( فلسطين و المغرب )و( انهيار الحضارة الغربية )

و( الإسلام يزحف و( روح وريحان) و( ثورة الدم) و( رجل الساعة) وأعلن أحد كتابهم , أنور الجندى عزمه على إصدار كتاب في مطلع كل شهر ونشرت كذلك ( من خطب حسن البنا) و( رسائل حسن البنا ),( مجموعة مقالات حسن البنا ) و( مذكرات حسن البنا ) وما إلى ذلك.

ولابد من الإشارة إلى أن هذه الرسائل لاقت رواجا كبيرا في مصر والأقطار العربية والإسلامية وكان لها صدى بعيد في شمالى أفريقيا والسودان و سوريا و فلسطين و الأردن ,

وأنها كانت تثير الشعور الإسلامي وتهزه هزا عنيفا. ولم تعرف حركة إسلامية في العصر الحديث ما يمثل هذا النشاط في الكتابة ولم تعرف أقلاما نظير هذه الأقلام الملتهبة حماسة وإيمانا وبيانا فلا غرو أن أدى هذه المنحى من النشاط إلى تحقيق بعض الأهداف التي حّدها الإخوان في مناهجهم وكسبوا الأنصار والمؤازرين من جميع الطبقات . والحق أنهم بسطوا دعوتهم بصراحة ووضوح وجلوها على المسلمين جلوا وافيا.

ومن وسائلهم المجلات والجرائد التي كانت أما مؤازرة وأما مملوكة لهم. وبدأوا أول الأمر بنشر مقالاتهم في مجلات تعالج القضايا الدينية. ثم أنشأوا لهم مجلات خاصة بهم , ثم صدرت لهم جريدة يومية باسم ( الإخوان المسلمون ) في 5 مارس سنة 1946 =3جمادى الثانية سنة 1375 فكانت ذروة نشاطهم الصحفى ولسانهم الناطق وترجمان حالهم من يسر وعسر.

ومن مجلاتهم" المنار" الشهرية , و" التعارف" أسبوعية و ( الشعاع) أسبوعية ( النذير) أسبوعية و( الشهاب) وصدر لهم بعد المحنة ( المباحث),( الدعوة )و ( المسلمون).

كانت جريدتهم اليومية أوسع صحفهم انتشارا. وقد أوضحوا فيها أغراضهم كما يلى :

أولا: تجلية تعاليم الإسلام وعرضها عرضا يلائم أسلوب العصر , ويثبت أنها أفضل الأنظمة للجمعية الإنسانية

ثانيا : ورد ما يوجه إليها من اتهامات باطلة .

ثالثا : تقريب وجهات نظر أهل القبلة جميعا من غير دخول مناقشات مذهبية عقيمة..

والعمل على جمع الكلمة حول الحق المشترك بأنزه الأقلام وأنبلها في حدود القاعدة الذهبية " نتعاون" فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا عليه"

رابعا تقرير أن الإسلام لا يخاصم دينا ولا يهضم عقيدة حقها ولا يظلم غير المؤمنين به مقدار ذرة, ولا تثمر تعاليمه حين تسود بين أبناء لوطن الواحد إلا الحب والوئام والتعاون والسلام مهما اختلفت نحلهم وتباينت معتقداتهم .

خامسا : رسم الطريق ا لموصلة إلى إعادة نظام الإسلام وتطبيق أحكامه في الحياة الفردية وفى البيت وفى الدولة وفى كل شئون المجتمع الصالحة والتحذير من الخروج عن هذه التعاليم.

وأرادوا أن تكون جريدتهم المنبر العام للهيئات الإسلامية والجماعات الإصلاحية على اختلاف ألوانها وبلدانها وأفسحت لهم هذه الجريدة الميدان للتعبير عن آرائهم والتعليق على حاضر العالم الإسلامي. واشترك في الكتابة فيها عدد كبير من الإخوان ومن غير الإخوان. وكانت مقالات البنا تتألق في صدر الجريدة منسجمة العبارات قوله البيان , مملوءة بالنقول من القرآن والحديث والشعر ( أحيانا ) لتنفذ إلى أعماق القراء.

ومن أبرز أوجه نشاطهم العناية بالتعليم وفتح المدارس المتنوعة . وقد دعوا الحكومة المصرية في مناسبات كثيرة إلى العناية بتدريس الدين في المنهاج العام وتكوين الخلق القومى , ووضعوا أمام الناس منهاجا واضحا يتوخى أربعة أهداف:

العقيدة الصالحة ونشر الأخلاق الفاضلة وبث روح الاعتزاز بأمجاد الأمة وتراثها , وتهيئة الاختصاصيين في جميع ميادين الاختصاص العلمى لبناء النهضة من جميع نواحيها على أسس علمية ودعوا

أولا: إلى وضع سياسة ثابتة للتعليم تنهض به وترفع مستواه وتوّحد أنواعه المتحدة الأغراض والمقاصد, وتقرّب بين الثقافات المختلفة في الأمة , وتجعل المرحلة الأولى من مراحله خاصة بتربية الروح الوطنى الفاضل والخلق القويم .

ثانيا: العناية بالتاريخ الإسلامي والتاريخ الوطنى والتربية الوطنية مادة أساسية في كل المدارس على اختلاف أنواعها كل بحسبه وفى الجامعة أيضا .

رابعا – إعادة النظر في مناهج تعليم البنا ووجوب التفريق بينها وبين مناهج تعليم الصبيان في كثير من مراحل التعليم 168. خامسا – أن ينحى عن التعليم من عرف بفساد عقيدته وميوعه في أخلاقه وجحود لقوميته سادسا – أن يعنى بالعلوم الدنيوية لتصل الأمة إلى ما تحتاج إليه من مخترعات ومكتشفات وللوقوف على أسرار الكون ودقائقه 169.

وقد كرروا هذا المبادئ في كتبهم وواجهوا بتا الحكومات المتعاقبة وزراء المعارف. ورأوا بعد ذلك أن يساهموا مساهمة فعالة في نشر التعليم فأنشئوا لجنة بالثقافة تابعة للجنة التربية بالمركز العام 170.

وألفوا لجنة لإنشاء مدارس ابتدائية وثانوية وفنية وخاصة للبنين والبنات تكون ذات طابع خاص تتميز به على سائر المدارس الحرة 171, بقصد صبغ الحياة بالصبغة الإسلامية القوية التي تهديهم إلى تفهم مجد أسلافهم وتدفعهم إلى إعادته 172.

وحققوا من ذلك أولا: فتح عدد من المدارس لمحو الأمية وتنمية الثقافة الدينية بالمجان . ثانيا: مكاتب لتحفيظ القرآن نهارا .

ثالثا : مدارس ليلية لتعليم العمال والفلاحين.

رابعا : أقساما خاصة للراسبين في الامتحانات العامة يتولى التدريس فيها أساندة أخصائيون من خريجى الجامعة .

خامسا: شعبا لتعليم الغلمان الذين حرموا التعليم لاشتغالهم بالصناعات .

سادسا: معاهد لتعليم البنين – معاهد حرّة أي خصوصية –

سابعا : مدارس أمهات المؤمنين لتعليم البنات .

ثامنا : دورا للصناعة ملحقة بالمعاهد يتعلم فيها الذين لا يستطيعون إتماما العلم.

وليس هناك إحصاء عن عدد هذه المدارس المتنوعة ولا عدد طلابها وأستذتها .

ولكن هذه المدارس كانت تقوم إلى جانب الفروع بحيث لا يخلو فرع من مؤسسة علمية , وذكر أن عدد طلاب إحدى مدارس محو الأمية بلغ مائة عامل 173.

والراجح أن الإقبال على هذه المدارس كان كبيرا لا سيما فيما كان منها في بيئات العمال والفلاحين 174.

وحين وضعت الحكومة منهاجا لمكافحة الأمية في أثناء تولى العشماوى باشا وزارة المعارف سنة 1946 طلب إلى الإخوان أن يساعدوا الوزارة في تنفيذ خطتها اعترافا منها بنفوذهم 175.

وبذلوا نشاطا متعدد الجوانب في الشؤون الاجتماعية وانشئوا لهذا الغرض " قسم البّر والخدمة الاجتماعية "وسجلوه في وزارة الشؤون الاجتماعية.

وسلكوا في أداء الخدمة مسالك شتى بعضها مألوف وبعضها غير مألوف .

فمنى ذلك أنهم نظموا إلقاء محاضرات تدور معظمها حول الثقافة الدينية, مثل ( الدين والدنيا) و ( ولماذا آمن الشباب) بدعوة الإخوان المسلمين ونظير ذلك وأسسوا جماعة للعناية بنهضة القرى المصرية.

والإصلاح الريفى. ووضع أحد الإخوان تصميما لعزبة ( مزرعة) حديثة في أرضه .

وشيدوا في إحدى القرى أربعة مدافن واسعة لدفن الفقراء والمساكين. وقررت إطعام مائتى فقير أسبوعيا خلال الثلاثة أشهر المباركة في إحدى القرى.

وتبارت الشعب في إطعام الفقراء وإنارة القرى وإخراج الزكاة في شهر رمضان . وبلغ ما أطعمته الشعب 600 فقير في أثناء شهر .

وعنوا بالمصالحة بين المتخاصمين في القرى . وتولت إحدى اللجان إحصاء الأطفال والمشردين والأسر الفقيرة لتشغيل الأطفال في صناعات تتفق وأسنانهم وإعانة العجزة الذين لا عائل لهم. ورأوا في إحدى حفلات المولد النبوى منكرات وترتكب فاحتجوا عليها لدى الحكومة.

ومن جهة أخرى اقبلوا على إنشاء المساجد في مختلف أنحاء القطر وكان بعض الأعضاء يتبرع بالأرض لإقامة مسجد وبعضهم يساهم ماليا في نفقات البناء وكان إلى جانب معظم الفروع مساجد ملحقة بها176.

واشتركوا في كثير من الحفلات إما للدعوة إلى مبادئهم وأما لإثبات وجودهم ومن ذلك أن لجنة من المدرسين اجتمعت في طنطا لتصحيح أوراق الامتحان , فدعاهم الفرع إلى حفلة تكريمية ودعا معهم المختصين بشؤون التعليم كالمراقبين والمفتشين والنظار والمدرسين .

واحتفل الإخوان بهم وتكلموا بإسهاب عن دعوتهم وعالجوا قضية المعلمين 177. وانتقل الملك مرة من القاهرة إلى الإسكندرية فخرجت جوالة الإخوان تحييه في جميع المحطات التي وقف عليها القطار 178. وحين عقد المؤتمر البرلمانى في مصر سنة 1938. وأقاموا مرة حفلا كبيرا بدارهم لعمال شركة البحيرة وعمال محطة العطف الكهربائية وشرحوا لهم أهداف الدعوة .

وألفوا لجنة لتنظيم شؤون العمل وتنفيذ مبادئ الإخوان 180. وهكذا توالت حفلاتهم التكريمية على هذا المنوال , وفى شتى المناسبات فكسبوا بذلك عددا من الأنصار والمؤازرين ولعل من أطراف هذه المناسبات مناسبة انتخاب بطريرك للأقباط للكرازة المرقسية هنأ فيها ألبنا البطريرك 181.

واشتركوا في إقامة حفلات تمثيلية. وكان للمركز العام فرقة تمثيلية خاصة لتمثيل الروايات التي تلائم روح الجماعة مثل بلال , والكفاح, عمر بن عبد العزيز , المعز لدين الله الفاطمى, اليتيم وما إلى ذلك 182.

وكان لهم نشاط ملحوظ في الحركات الكشفية مما سيرد ذكره حين التحدث عن نشاطهم العسكرى.

واظهروا نشاطا في عقد المؤتمرات الدورية والخاصة لعرض ما قاموا به من أعمال , ومراجعة النظر في مناهجهم أو لاستعراض الحالة العامة ونشر القرارات أو خلاصتها على الناس وتنص المادة السادسة والخمسون من ( قانون النظام الأساسى) على أن ينعقد كل سنتين مؤتمر عام من رؤساء شعب الإخوان, ومن أراد من الأعضاء, بدعوة من المرشد العام بمدينة القاهرة أو بأى مكان يجده ويكون الغرض منه التعارف والتفاهم العام في الشؤون المختلفة التي تتصل بالدعوة واستعراض خطواتها في هذه الفترة . وظلت هذه المؤتمرات متواصلة منذ تأسيس الجماعة إلى المحنة, وإن كانت القرارات التي اتخذت في المؤتمرات الأربعة الأولى لم يشع.

ولمعرفة طبيعة هذه المؤتمرات يذكر أن المؤتمر الخامس الذي عقد سنة 1939 بمناسبة مرور عشرة أعوام على تأسيس الإخوان استعرض فيه البنا نشأة الجماعة وبسط خصائص الدعوة مفصلا وشرح منهاجها شرحا وافيا. وفى المؤتمر السادس الذي عقد سنة 1941 قرروا أولا: أن يدعو الملك فاروق ملوك المسلمين ورؤساءهم إلى مؤتمر .

ثانيا: أن تعتبر الحكومة البريطانية إقامة جيوشها في مصر رهنا بالضرورات الحربية . ثالثا : دعوة الحكومة المصرية إلى مضاعفة استعدادها العسكرى 183.

وعقدوا سنة 1945 – إثر انتهاء الحرب الكبرى الثانية – مؤتمرا نادوا فيه بالحقوق القومية وأوضحوا الغاية والوسيلة. ثم عقدوا سبعة مؤتمرات شعبية في القاهرة وعواصم المديريات وانتشرت بعثاتهم من الطلاب في القرى والأرياف لإرشاد المواطنين إلى الحقوق والواجبات . وعقدوا سنة 1946 اجتماعا عاما قرروا فيها

أولا: الولاء للملك .

ثانيا : قطع المفاوضات مع بريطانيا .

ثالثا مطالبين الحكومة بإبطال معاهدة 1936 .

رابعا مطالبة بريطانيا بالجلاء التام وعرض القضية المصرية على مجلس الأمن وتنظيم وسائل الجهاد .

خامسا: عقد معاهدة بعد الجلاء.

سادسا: الاستعداد للجهاد . سابعا : كل حكومة لا تتعاون مع الأمة لتحقيق أهداف البلاد تكون أداة استعمارية .

ثامنا : تأليف لجنة من الإخوان لرفع هذه القرارات إلى الملك والجامعة العربية والسفارات والعمل على تنفيذها 184.

ودرجوا أيضا على عقد مؤتمرات لطلبة الإخوان كان يتكلم في بعضها البنا .

ويتبين من هذا أن المؤتمرات الدورية والخاصة كانت وسيلة لتقوية الحركة وتجديد قواها وبسط مبادئها واستعراض سيرها وأنها كانت من الوسائل الفعالة في نشر الدعوة وكسب الأنصار لا سيما إذا أخذ بعين الاعتبار أن القرارات والخطب كثيرا ما كانت تنشر في كراسات أو في الصحف, ليطلع عليها الرأى العام.

وتوجهوا بنشاطهم نحو المرأة المسلمة, منذ بدء الدعوة في الإسماعيلية فكونوا فيها ( معهد أمهات المؤمنين) لتربية البنات وإعدادهن ليكن أخوات مسلمات.

وكونوا فيما بعد فرق ( الأخوات المسلمات) ليقمن بما يقوم به الإخوان المسلمون في الحقل النسوى على الوجه الذي يتناسب مع حالتها .

ولا يعرف بالضبط ما وجوه النشاط التي عهد إلى المرأة القيام بتا ولكن الظاهر أنهم أرادوا تعليمها وتربيتها لتكون ربة بيت ولتعرف حقوقها وواجباتها في المجتمع ذاكرين أن الشريعة كرمتها ورفعت من شأنها وقررت لها من الحقوق مثل ما قررت للرجل تماما .

ولا فرق بين الرجل والمرأة في الإسلام في الحقوق والواجبات العام 185. ورأوا من الواجب أن ترشد قيادة الإخوان المرأة إلى هذه المعانى التي قررها الإسلام بعد أن سيطرت عليها مفاتن الحضارة الغربية وتسلط عليها دعاة المدنية الزائفة فصوروا لها الإسلام على أنه رجعية وتأخر , وآدابه وتقاليده على أنها جمود وأنه يجافى واقع الحياة ويتنافى مع كل الحقوق الإنسانية وأنه سلبها كل ما يجعلها إنسانا حيا يستمع بحقوق الأحياء 186.

وقرروا أن حريتكم هذه أول حركة نسوية في مصر قامت على أساس متين يهدف إلى تحرير المرأة تحريرا حقيقيا, ويعطيها كلّ حقوقها, ويرتقى بملكاتها, ويهذب كل مواهبها, ويربيها على أسمى ما عرفت الإنسانية من مبادئ الشرف والفضيلة والعفاف.178.

ويظهر أنهم أسسوا عددا من الفروع للأخوات المسلمات وأن نشاط الأخوات ظلّ محدودا في نطاق العلم والعمل الاجتماعي ففى مناسبة ليلة الإسراء والمعراج مثلا في 26 يونيو 1946 أقامت الأخوات في القاهرة حفلا للسيدات 188. وكن يحضرن في القاهرة دروسا أسبوعية في دار الإخوان بالسيدة زينب وعلى كل فانه مما يسترعى النظر أن يبلغ نشاط الإخوان إلى هذا المدى وأن يعرف مركز المرأة الخطير في المجتمع, وأن تمد يد لانتشالها من الحالة التي تعانيها.

والتفتوا أيضا إلى الناحية الصحية , فاقبلوا على تأسيس المستشفيات والمستوصفات في مختلف المدن لمعالجة المرض من مختلف الأديان 189.

وليس لدينا إحصاء عن عهدها سوى قولهم أنه كان لهم أكثر من عشرين مستوصفا ومستشفى 190, لقد حاولوا أن يكثروا منها لسد الحاجة في بيئات العمال القرويين وذكر أن مستوصف طنطا عالج خلال سنة واحدة 3774 مريضا من مختلف الأديان 191.

واتجهوا نحو الشركات فأسسوا ( شركة المعاملات الإسلامية ) وسجلوها في المحكمة المختصة وجعلوا رأس مالها 30 ألف جنيه ( وشركة الإخوان للغزل والنسيج ) يقصدون منها إحياء الاشتراكية الإسلامية وتحرير الإقتصاد القومى ورفع مستوى العامل المسلم والاتجاه نحو المثالية في الإتقان والفن , وحثوا العمال على المساهمة فيها ,

و( شركة التجارة والاشتغال الهندسية) في الإسكندرية ذات 3500 سهم برأس مال قدره 14,000 جنيه ,و(شركة المطبعة الإسلامية والجريدة اليومية) ,للأولى رأس مال أولى قدره 70,000 جنيه , وللثانية 50,000 جنيه. وكل منهما منفصلة عن الأخرى.

وتأسست هذه الشركة سنة 1945 كى تخوض غمار حرب المبادئ والكلام التي بدأت أثر انتهاء الحرب الكبرى الثانية بالموجات المتلاحقة من المطبوعات على اختلاف ألوانها ومناهجها.

وذكر الإخوان في مقدمة البيان الذي أصدروه عن هذه الشركة أنهم ليسوا في حاجة إلى الفيض في بيان الفوائد التي تجنيها الفكرة الإسلامية من قيام هذه المؤسسة فإن الصحافة في هذا العصر هي السلطة الرابعة التي تتحكم في توجيه الدول وتكوين الرأى العام .

واباحوا لسواهم من رجال لنهضة الإسلامية الاشتراك معهم في هذا المشروع مبينين أنه فضلا عن كونه خدمة جليلة للدعوة الإسلامية, فهو طريق ناجح لتثمير المال وتنميته والاتجار به تجارة رابحة واعتبروه ثانى مشروع من مشروعاتهم الضخمة التي تكشف عن مقدرتهم وجميل غيرتهم على دعوتهم 192.

وصدرت الجريدة اليومية – كما ذكر في فصل سابق – وراجت رواجا كبيرا في مصر وسائر البلدان العربية .

ولم تقف عن الصدور إلا عند وقوع المحنة. ولكنها تعرضت أحيانا لمصادرة الحكومة ومراقبتها الشديدة لا سيما إبّان المفاوضات المصرية – البريطانية وقضية فلسطين حين كان الإخوان يقفون في طليعة الهيئات الواعية إلى قطع المفاوضات , وإلغاء المعاهدة والقتال إلى نهاية في فلسطين .

وكانت شركاتهم جميعها وعددها سبع شركات 193, ناجحة نجاحا كبيرا, إذ كانوا يشركون العمال في رأس المال لأول مرة في تاريخ الشركات في مصر على ما يرجح – ويقيمون لهم المساجد والأندية والمدارس .

وذهبوا إلى حد تأسيس قسم خاص بالعمال في المركز العام لرعاية مصالحهم , وتشجيعهم على الاشتراك في أسهم الشركات التي يعملون فيها , ولمعرفة الصناعة التي تحتاج إليها البلاد وتنجح كلا يحثوا الأغنياء على إنشاء مصانع لها 194.

واسترعى هذا النشاط الاقتصادى الأنظار وعجب بعض الناس السائلين ما لهذه الجماعة والشركات , وراحوا يتقولون .

ورد الإخوان على ذلك بأن جمعيتهم التي قامت بهذه الأعمال العظيمة لم تأخذ إعانة حكومية مرة من المرات ولم تستغن بمال هيئة من الهيئات اللهم إلا خمسمائة جنيه تبرعت بتا شركة قناة السويس للجمعية بمناسبة عمارة المسجد والمدرسة ب الإسماعيلية .

وذكروا أن أموالهم الخاصة أنفقت بإخلاص فأثمرت وبوركت وأتت أكلها 195.

وبرر الإخوان إقبالهم على المشاريع الاقتصادية بأن الإسلام يعنى بتدبير المال وكسبه من وجهة لقول النبى " نعم المال الصالح للرجل الصالح" 196.

والواقع أنهم استفادوا من الاطلاع لي الإشتراكية الغربية التي تقوم مناهجها على نصرة العام والزارع واقتبسوه كثيرا من مبادئها 197, فدعموا بذلك نفوذهم في بيئات العمال والقرويين وأمنوا شر الانهيار الذي كثيرا ما ينتج عن الإفلاس المالى ومن جهة أخرى افسحوا مجالا لظهور رأس المال الوطنى في الحقل الاقتصادى تحقيقا لمبادئهم السياسية والتحررية .

ولا شك في أنهم استفادوا من ذلك كثيرا من الناحية الاقتصادية والسياسية على السواء.

وللدلالة على اتجاههم نحو الإشتراكية القومية يذكر انهم أولا : اعتبروا الثروات العامة كالمعادن وغيرها يجب أن تخضع لتشريع يصون مصلحة الأمة.

ولا يجوز للدولة أن تمنح استثمارها لآية شركة أجنبية بل عليها أن تتولى ذلك بنفسها فإن عجزت وجب أن تسلم ذلك إلى شركات تنشأ بأموال عربية ثانيا: إن تمنع الدولة تملك الأجانب للعقارات .

ثالثا : أن تمنع كل ما يؤدى إلى الاحتكار وتضخم الثروات عن غير طريق الجهد الشخصى والعمل المفيد المشروع .

رابعا : أن تؤخذ الزكاة وتنظم ليستعان بتا على القضاء على القفر والأمراض الاجتماعية .

خامسا: للدولة عند الحاجة الماسة أن تتدخل في الثروات العامة والخاصة والمرافق الكبرى بما تقتضيه مصلحة الأمة العليا , على أن لا يقضى ذلك على الملكية الفردية و التنافس الاقتصادى.

وقرروا ما يماثل ذلك فيما يتعلق بالعمال كضمان العيش لهم , وتيسير العمل لكل فرد وتأمين الأجر الذي يتناسب والكفاية مع ضمان الحد الأدنى وتحديد أوقات العمل وصيانة العقيدة والأخلاق وضمان المستقبل عند المرض والعجز ومنع استخدام الأحداث وتحريم تشغيل النساء إلا فيما يتفق مع طبيعتهم ووظيفتهن الاجتماعية.

وقرروا أن يكون لكل فلاّح حد أدنى للملكية وحق الحصول على سكن صالح, وتأمين الصحة والغذاء الكافى والثقافة والجو الروحى 198.

ومن أبرز واحة نشاطهم توجيه الأعضاء نحو " الجهاد" بمفهومه الإسلامي العام . وقد صنفوه أصنافا : فمنه عاطفة حية قوية تفيض حنانا إلى عز الإسلام ومجده وتهفو شوقا إلى سلطانه وقوته وتبكى حزنا على ما وصل إليه المسلمون من ضعف .

ومنه أن يؤدى الهم الدائم والجوى اللاحق إلى التفكير الجدى في طريق النجاة ومنه التنازل عن بعض المال ومطالب النفس لخير الإسلام وبنى المسلمين .

ومنه الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ومنه أن يكون المرء جنديا لله يقف له نفسه وماله لا يبغى على ذلك من شئ, فإذا هدد مجد الإسلام وديست كرامته ودوى نفير النهضة لاستعادة مجد الإسلام كان أول مجيب للنداء وأول متقدم للجهاد.

ومنه إقامة ميزان العدل وإصلاح شؤون الخلق وأنصاف المظلوم والضرب على يد الظالم مهما كان مركزه وسلطانه .

ومنه حب المجاهدين من القلب والنصح لهم بمحض الإرادة 199.

وسلكوا إلى تحقيق هذا الهدف ثلاثة سبل, والأول : العناية بالألعاب الرياضية على جميع أنواعها من كرة القدم وكرة السلة والمصارعة والملاكمة يشترك فيها العمال والطلبة على السواء .

والثانى إنشاء فرق الجوالة – الكشافة – في مختلف المراكز وقد كانت هذه الجوالة تقوم باستعراضات في الأحياء وعند الاستقبالات والمهرجان ولا يعرف بالضبط عدد جميع الأعضاء في هذه الفرق ولا عدد الفرق نفسها. وتذكر مصادر الإخوان أن عدد الجوالة بلغ أربعين ألفا 200.

ولكن ذكر مرة أن ألف جوال من ثلاثة مراكز فقط قامت باستعراض في إحياء القاهرة 201. وإذا صح اتخاذ هذا الرقم مقياسا فلابد من أن يكون عدد الجوالة كبيرا جدا.

ويذكر الذين شهدوا بعض الاستعراضات في المناسبات العامة أن عدد المشتركين فيها جعل للجوالة مفتش عام وسكرتير أعلى للإشراف عليها وتنظميها 202.

والثالث: أنشاء الكتائب على غرار الفتوة أو الجندية الأهلية للشبان القادرين على القتال . وكان شعار هذه الكتائب " أمر وطاعة من غير تردد ولا مراجعة ولا شك ولا حرج 203".


وكان على المشتركين فيها أن يبايعوا رؤساءهم على نصرة الدين وينخرطوا . وكان لكل مركز كتيبة ليتدرب فيها طلاب الإخوان لمدد محدود 204.

وقد سئلوا إلى أي حد نقلوا نظامهم هذا عن الغرب فأجابوا بأن أساس فاشية موسولينى نازية هتار شيوعية ستالين أساس عسكرى بحت. والفرق بين هذه وبين عسكرية الإسلام فرق عظيم.

فإن الإسلام الذي قدس القوة هذا التقديس هو الذي آثر عليها السلم, فقال الله تعالى بعد آية القوة : " وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله ".

وهو الذي حدد ثمن النصر وهو الذي وضع أساس القانون الحربى ينبذ الخائنين وعدم الغدر والفلّ والتمثيل وعدم قتل المرأة والطفل والشيخ الكبير, وعدم قطع شجرة مثمرة أو عبقر بعير إلا للأكل وعدم إتباع مدير ولا إجهاز على جريح ... فالعسكرية في الإسلام : بوليس العدالة وشرطة القانون والنظام 205.

وهم يبررون تشكيل هذه الكتائب بإخفاق السياسة . فهذا الإخفاق حّول لأمة إلى كتائب الإخوان وقيادتهم .

وهكذا فرضت مبادئ الإخوان وقيادة الإخوان نفسها فرضا إذ كانت نتيجة لتطور أفكار الأمة , وكانت علاجا لازما قدمته الحوادث 206.

وليس ثمة شك في آنهم بمبدأ القوة أو ( الفتوة) منذ البداية ليحققوا مبدأ نصوا عليه في نظامهم الأساسى , وه العمل على تحرير وادي النيل والبلاد العربية جمعا, والوطن الإسلامي بكل أجزائه من كل سلطان أجنبى ومساعدة الأقليات الإسلامية في كل مكان على الوصول إلى حقها , وتأييد الوحدة العربية والسير إلى الجامعة الإسلامية , ومناصرة لتعاون العالمى منصارة صادقة في ظل مثل عليا فاضلة 207.

وليس من المعقول أن يضعوا هذا الهدف نصب عيونهم دون أن يتخذوا الوسائل إلى تحقيقه .

ولكنهم تريثوا طويلا وقضوا مدة في تلقين الشعب دروس التضحية والصبر وآيات الجهاد والبذل 208 وأعلنوا صراحة أنهم سيستخدمون القوة العملية حين لا يجدي غيرها ,حين يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة 209.

ولا يعرف على وجه اليقين أوصلوا إلى هذه المرحلة سنة 1948 حين اغتيل النقراشى باشا واتهموا بتدبير مؤامرة لقلب نظام الحكم .

ولكن الراجح أنهم وصلوا أوج قوتهم في تلك السنة ونفد صبرهم وود فريق منهم - المتطرفون – إن يقلبوا النظام السائد ويسيطروا على الدولة.

ومهما يكن من شئ فإن كتائبهم عادت إلى نشاطها سنة 1951 أثر إلغاء المعاهدة المصرية البريطانية . وقام رجالها بتفتيش ركاب السيارات على الطريق المؤدية إلى منطقة القتال وحجزوا عددا من البطاقات التي تحول حامليها دخول المعسكرات البريطانية لمنعهم من التعاون مع الإنجليز 210.

وذكر أن القوات البريطانية شددت من إجراءاتها للمحافظة على الأمن اثر المعلومات التي وردت إليها من أن جماعة من الإخوان اعتزموا القيام بحرب عصابات ضد الانجليز كما ذكر أن لديهم مدرسة للتدريب على القتال في الزقازيق. وهذا يدل على أن نظام الكتائب ظل نافذا إلى ما بعد المحنة .

وقد قام خلاف حول سيطرة الحكومة الوفدية على الكتائب جميعها سواء أمن الإخوان كنت أم من غيرهم , وألفت لجنة من أربعة لواءات من أصحاب الخبرة برئاسة أحد وزراء الدولة للإشراف على تدريبها.

وربما يصح أن تضاف وسيلة رابعة إلى تحقيق أهدافهم هي الدعوة إلى تقوية الجيش المصري بكتابة المقالات المتواصلة في جريدتهم حول هذا الموضوع كى يحمى هذا الجيش استقلال البلاد وحيادها 211. وذهبوا إلى أبعد من ذلك فطلبوا من الجامعة العربية أن تعمل على توحيد نظام الجيوش العربية وأساليب تدريبها إذا كان البحث في أمر توحيدها متعذرا في هذه الظروف 212.


الفصل السادس: الإخوان و السياسة

1- لم ينفرد الإخوان في فهم الإسلام أنه دين ودولة .

فقد سبقهم إلى ذلك في العصر الحديث الوهابيون – إتباع محمد بن عبد الوهاب – قبل نحو قرن ونصف 213.

واغلب الظن أن الأتراك في أثناء الخلافة العثمانية كانوا يذهبون هذا المذهب .

وهم لم يقاوموا الحركة الوهابية لمخالفتهم إياها في هذا الفهم, ولكن لأنهم اعتبروها حركة عصيان وتمرد على دولة الخلافة.

وربما كانت جميع الدول الإسلامية القديمة على هذا المذهب أيضا مع فارق رئيسى واحد وهو أن تلك الدول كانت قد قطعت شوطا بعيدا في التشريع واستعانت بالفقهاء في استنباط القوانين ,

أولئك الفقهاء الذين لم تعجزهم الحيلة عن التوفيق بين الدين والدنيا باللجوء إلى النص حينا وإلى القياس حينا آخر وإلى الاجتهاد حينا وإلى الذكاء الإنسانى الذي يحل كل مشكل عند الضرورة .

أما الإخوان ومثلهم السلفيون والوهابيون 124.

فقد أرادوا العودة إلى مصدرين محدودين لا ثالث لهما وهما القرآن والحديث . وبذلك يقول البنا :" يعتقد الإخوان أن التعاليم الإسلامية ومعينها هو كتاب الله وسنة رسوله" اللذين إن تمسكت بهما الأمة, فلن تضل أبدا وإن كثيرا من الآراء والعلوم التي اتصلت ب الإسلام وتلونت بلونه تحمل لون العصور التي أوجدتها والشعوب التي عاصرتها .

ولذا يجب أن نستقى النظم الإسلامية التي تحمل عليها الأمة من هذا المعين الصافى وأن نفهم الإسلام كما يفهمه الصحابة والتابعون من السلف الصالح, وأن تقف عند هذه الحدود الربانية النبوية لا نقيد أنفسنا بغير ما يقيدنا الله به ولا نلزم عصرنا لون عصر لا يتفق معه , و الإسلام دين البشرية جمعاء 215" فهم إذن يريدون العودة إلى المنابع الأصلية وحدها قاطعين الزمن بمئاته الطوال التي تبلغ نحو أربع عشرة عدا.

والواقع أن الإخوان أرادوا هذه العودة حتى أن البنا سمى اسلامهم" إسلام الإخوان المسلمين" للدلالة على تحررهم مما التزمه غيرهم في كثير من العصور من نعوت وأوصاف وحدود ورسوم من عند أنفسهم 216.

2- وإذ كان الإسلام شاملا شؤون الناس في الدنيا والآخرة فهو إذن " عقيدة وعبادة ووطن وجنسية ودين ودولة وروحانية وعمل ومصحف وسيف " بتعبير البنا نفسه 217. وعلى ذلك فالسياسة جزء لا يتجزأ من الإسلام ومن منهاج الإخوان .

وقد أثار تدخل الإخوان في السياسة سؤال بعض الناس: مالهم وللساسة . أهم رجال دين أو رجال سياسة وهذا ما يسأله كثيرون اليوم .

وردوا هم على ذلك بأنه إذا كان الإسلام شيئا غير السياسة والاجتماع والإقتصاد والقانون والثقافة فما هو إذن ؟

أهو مجرد ركعات وألفاظ 218؟ وقالوا : عجيب أن تجد الشيوعية دولة تدعو إليها وتنفق في سبيلها وأن تجد غيرها من النظم كذلك أمما تجاهد لها ولا تجد حكومة اسلامية تقوم بواجب الدعوة إلى الإسلام الذي جمع محاسن هذه النظم جميعا وطرح مساوئها وتقدمه لغيرها من الشعوب نظاما عالميا فيه الحل الصحيح لكل مشاكل البشرية مع أن الإسلام جعل الدعوة فريضة لازمة وواجبها على المسلمين شعوبا وجماعات قبل أن تخلق تلك النظم " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر أولئك هم المفلحون"219.


وقالوا : إنا نفهم الإسلام عقيدة فنقوى بعقيدته , وشريعة فنطالب بإنقاذ شريعته , ودستورا لا نؤمن في الدنيا بغير عدالته وجامعة نجتمع عليها ومبادئ لا تحيد عنها , وغاية لا نعمل لغيرها 220. وقالوا: ندعوكم إلى الإسلام وتعاليم الإسلام وأحكام الإسلام وهدى الإسلام فإن كان هذا من السياسة عندكم هذه سياستنا 221.

3- وما منهاجهم السياسى ؟

وكيف توصلوا إلى تحقيقه ؟

1- لا شك في أن " الحكومة الدينية" هي في رأس لمنهاج وقد افصحوا عن ذلك في جميع مؤلفاتهم ومنشوراتهم بصورة لا تقبل الشك.

قال البنا في إحدى خطبه التي شرح فيها الدعوة:" اتصل الإخوان بكتاب الله فاستلهموه واسترشدوه فأيقنوا أن الإسلام هو هذا المعنى الكلى الشامل وأنه لا يجب أن يهيمن على كل شؤون الحياة وأن تصطبغ جميعها به وأن تنزل على حكمه وأن تساير قواعده وتعاليمه وتستمد منها م دامت الأمة تريد أن تكون مسلمة اسلاما صحيحا.

أما إذا أسلمت في عبادتها وقلدت غير المسلمين في بقية شؤونها فهى أمة ناقصة الإسلام 222. وقال في موضع آخر ..

الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنا من أركانه ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد..

وقد جعل النبى الحكم عروة من عرى الإسلام والحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول لا من الفقهيات والفروع ف الإسلام حكم وتنفيذ كما هو تشريع وتعليم ,

كما هو قانون وقضاء لا ينفك واحد فقيها مرشدا يقرر الأحكام ويرتل التعاليم ويسرد الفروع والأصول وترك أهل التنفيذ يشرعون للأمة ما لم يأذن به الله ويحملونها بقوة التنفيذ على مخالفة أوامره فإن النتيجة الطبيعية أن صوت هذا المصلح سيكون صرخة في واد ونفخه في رماد " 223.

2- وواضح من هذا أنهم لا يقنعون أن ينص في قلب الدستور كما هو الحال في الدستور المصري – على أن دين الحكومة الإسلام بل أن يكون التشريع كله اسلاميا أولا. وأن يكون التشريع العملى والتنفيذى اسلاميا ثانيا .

ولهذا فهم يطالبون بصبغ الحكم كله صبغة دينية.

ومن المعروف أن الدستور المصري مدنى استمدت أصوله من الدساتير الغربية .

أما القانون الذي ينظم الأحوال الشخصية للمسلمين وحدهم – إذ للطوائف الأخرى قوانينها الخاصة بأحوالهم الشخصية كذلك – فمستمد من الشريعة الإسلامية ز وإذن فيكون أمام الإخوان ثلاثة أمور مختلفة .

الأول : الحكم الدستورى السائد في مصر . والثانى : الدستور المصري المدنى .

الثالث: القوانين التي تضعها الدولة لتنظيم صلة الأفراد بعضهم ببعض وتحمى حقوقهم الأدبية و المادية وتحاسبهم على ما يأتون من أعمال بقطع النظر عن مذاهبهم – أي القانون المدنى .

أما الأمر الأول فيرونه منطبقا على تعاليم الإسلام وأنه أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام . ولذلك فهم لا يعترضون عليه.

وأما الأمر الثانى فهم يرون أولا: إن من نصوص الدستور ما هو مبهم غامض يدع مجالا واسعا للتأويل والتفسير , ولذا فهم يطالبون بتجديدها وتوضحيها ويرون

ثانيا: إن طريقة التطبيق التي تفسر بتا عمليا نصوص القانون قد أخفقت وأنها بحاجة شديدة إلى تفسير وتعديل يحقق المقصود ولكنهم يقفون عند هذا التعميم ولا يضربون أمثلة للغموض كى يعرف بالضبط أين يقع هذا الغموض.

وأما الأمر الثالث – القانون المدنى – فيقفن منه موقف المعارض ويطالبون أن يحل مكانه التشريع الإسلامي سواء أكان ذلك في المسائل المادية أو الجنائية أو التجارية أو الدولية ويضربون على ذلك أمثلة الزنا والخمور والميسر فيرون القانون يحميها والدين يمنعها .

وهنا أيضا لا ينوعون الأمثلة حتى تشتمل المسائل المادية التي ذكرت وأن كانوا يقرون أن الدين لم يعرض للجزئيات وخصوصا في الأمور الدنيوية البحتة ولم يمنع الاستفادة من كل نظام صالح لا يتعارض مع قواعده الكلية وأصوله العامة 224. وقد ألّفوا بعد المحنة كتبا متنوعة لإثبات صلاح التشريع الإسلامي للحياة لحديثة في جميع مظاهرها كما ورد في الفصل الثانى.

ب- ويلى ذلك في الأهمية مبدأ تحرير وادى النيل برمته من النفوذ الأجنبى وقد اقتضاهم هذا المبدأ أن يقفوا من الانجليز موقف العداء العنيد الذي لا هوادة فيه.

وهم يشبهون في هذا ( الحزب الوطنى ) الذي شهرت عنه العبارة المأثورة" لا مفاوضة قبل الجلاء". وهى عبارتهم التي رددوها في مختلف المناسبات.

ويشرح الإخوان وجهة نظرهم في هذا الشأن بأن الاستعمار بلغ مداه في نهاية الحرب العالمية الأولى حين أحاط بالبلاد العربية وقيّد حكوماتها وحال بينها وبين التقدم. فمصر تحت الحماية , و فلسطين و العراق في قبضة الانجليز و سوريا و لبنان و تونس و الجزائر في يد فرنسا , وطرابلس وبرقة مع ايطاليا ليتلوه أتباعه عقب الصلاة هذا نصه :"

اللهم رب العالمين وأمان الخائفين ومذل المتكبرين وقاصم الجبارين تقبّل دعاءنا وأجب ندءانا وأنلنا حقنا ورد علينا حريتنا واستقلالنا.

اللهم أن هؤلاء الغاصبين من البريطانيين قد احتلوا أرضنا وجحدوا حقنا وطغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد .

اللهم فرد عنا كيدهم وقل حدهم وفرق جمعهم وخذهم ومن ناصرهم أو أعلنهم أو هادنهم أو ورادهم أخذ عزيز مقتدر.

اللهم واجعل الدائرة عليهم وسق الوبال عليهم وأذل دولتهم وأذهب عن أرضك سلطانهم ولا تدع لهم سبيلا على أحد المؤمنين آمين 226".

واعترفت بعض الصحف الانجليزية أن نشاط الإخوان والوفديين – في هذه المرحلة – قد حول تيار الرأى العام إلى الناحية الوطنية المتطرفة , كما أعترفت بأن الجماعات الأساسية المسيطرة على حركات الطلبة القوية هي الوفد المصري و الإخوان المسلمون 227.

ومن الطبيعى أن الإخوان صبغوا هذه الوطنية بصبغة دينية واعتبروا تحرير الوطن من الانجليز فرضا دينيا.

ولكنهم لم يعتبروا هذا التحرير الخطوة الأخيرة . فهى في نظرهم الخطوة الأولى فقط . أما الخطوة الثانية فتحرير البلاد العربية كلها وتأمين وحدتها .

والخطوة الثالثة العمل للجامعة الإسلامية باعتبارها السياج الكامل للوطن الإسلامي العام .

والخطوة الرابعة الوحدة العالمية . لأن هذا هو مرسى الإسلام. وهدفه ومعنى قوله تعالى :" وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين 228" وقد ذكر في مكان آخر أنهم جعلوا فكرة الخلافة والعمل لإعادتها في رأس منهاجهم على أن يحققوا ذلك في خطوات 229.

وقد كانت هذه الوطنية الدينية سلاحا ذا حدين فمن الناحية الأولى ووطنهم مع الحكومات المصرية الذي لا يلين .

وهذا أدى بالضرورة إل أن يقاتلوا في الداخل والخارج في وقت واحد وإلى أن يجتازوا أنواعا من المحن أخفتها الأعراض الحكومى وأقسامها السجن والاعتقال .

ولكنهم من الناحية الثانية كسبوا مؤازرة شعبية ما كانوا ليكسبوها لو وقفوا عند الدعوة الدينية أو لو وقفوا موقف المؤيد للحكومات المتعاقبة .

ليس شك في سيما الوفديين – بحكم هذه السياسة المتطرفة . وقد ذكرت الصحف المصرية في شهر ديسمبر سنة 1951 – أي بعد المحنة – أنهم اكتسحوا جميع الأحزاب في كليات جامعة فؤاد الأول حين أعلنوا إخفاق الوسائل السلمية , ودعوا إلى افتتاح معسكر للتدريب العسكرى.

وحين جرت انتخابات مجالس الاتحاد في مختلف كليات الجامعة, إثر افتتاح المعسكر نالوا المقاعد الآتية :

11/11 في اتحاد كلية الزراعة.

11/11 في اتحاد كلية العلوم

7/10 في اتحاد كلية الهندسة

11/16 في اتحاد كلية الآداب

9/10 في اتحاد كلية الحقوق

9/13 في اتحاد كلية الزراعة.

واسترعى تفوقهم في كلية الحقوق خاصة الأنظار لأن هذه الكلية عرفت بأنها معقل الوفديين 230.

جـ- ومن مبادئهم السياسية إلغاء الأحزاب السياسية المصرية جميعها إذ يرون أن هذه الأحزاب وجدت في ظروف خاصة ولدواع أكثرها شخصى لا مصلحى.

ويعتقدون أن الأحزاب لم تحدد برامجها ومناهجها إلى الآن. فكل منها يدّعى أنه سيعمل لمصلحة لأمة في كل نواحى الإصلاح. ولكن ما تفاصيل هذه الأعمال وما وسائل تحقيقها, وما الذي أ‘د من هذه الوسائل , وما العقابات التي ينتظر أن تقف في سبيل التنفيذ؟

كل ذلك لا جواب له عند رؤساء الأحزاب وإدارات الأحزاب . فهم قد اتفقوا في هذا الفراغ كما اتفقوا في أمر آخر هو التهالك على الحكم وتسخير كل دعاية حزبية بكل وسيلة شريفة وغير شريفة في سبيل الوصول إليه. وتجريح كل من يجول من الخصوم الحزبيين دون الحصول عليه.

ويعتقدون كذلك أن الحزبية أفسدت على الناس كل مرافق حياتهم وعطلت مصالحهم وأتلفت أخلاقهم ومزقت روابطهم وكان لها في حياتهم العامة والخاصة أسوأ الآثار. ويعتقدون أن النظام النيابى , بل حتى البرلمانى , في غنى عن نظام الأحزاب بصورتها الحاضرة في مصر وإلا لما قامت الحكومات الائتلافية في البلاد الديمقراطية.

فالحجة القائلة بأن النظام البرلمانى لا يتصور إلا بوجود الأحزاب حجة واهية. وكثير من البلاد الدستورية البرلمانية يسير على نظام الحزب الواحد وذلك في الإمكان كما يعتقدون أن هناك فارقا بين حرية الرأى في التفكير والإبانة والإفصاح و الشورى والنصيحة وهو ما يوجبه الإسلام وبين التعصب للرأى والخروج على الجماعة والعمل الدائب على توسيع هوة الانقسام في الأمة وزعزعة سلطان الحكام, وهو ما تسلتزمه الحزبية ويأباه الإسلام ويجرّمه أشد التحريم والإسلام في كل تشريعاته إنما يدعو إلى الوحدة والتعاون.

وذهبوا إلى أبعد من هذا إذا اعتقدوا أن فكرة ائتلاف الأحزاب فكرة عقيمة وأنها مسكن لا علاج إذ سرعان ما ينتقض المؤتلفون بعضهم على بعض .

والعلاج الناجع – في رأيهم – أن تزول جميع الأحزاب بعد أن أدت مهمتها وانتهت الظروف التي أوجدتها 231.

ويكمن وراء هذا الموقف من الأحزاب المصرية عامل خفى هو أنهم اعتبروها كلها مقصرة في تنفيذ أحكام الإسلام وأحكام الدستور 232. وكان من رأيهم أن يقوم على أنقاض الأحزاب نظام جديد تجتمع به جهود الأمة حول منهاج قوى اسلامى صالح 233. ومعنى هذا أن يقوم حكم اسلامى في مصر لا مجال فيه للحزبية السياسية.

وإتماما لهذا المبدأ اشترطوا على كل من ينتسب إليهم أن يتحرر من كل لون حزبى مع الاصطباغ بالفكرة التي تعتمد على سياسة القرآن وتعاليمه . وألفوا لجنة سياسية تابعة للمركز العام تشرف على الشؤون السياسية.

ومن الطبيعى أن هذا الموقف الصارم من الأحزاب لم يتكون مرة واحدة , , ولم يصلوا إليه في قفزة واحدة.

فقد ظلوا محايدين في الأدوار الأولى ثم أخذوا يعلنون معارضتهم بالتدريج إلى أن انتهوا إلى هذه الدعوة الصريحة الجريئة بعد الحرب الكبرى الثانية .

فقد رأو أنهم لم يعودوا " دعوة " بل أصبحوا يمثلون الغالبية العظمى من سكان المملكة المصرية 234, وأنهم هم القلب المؤمن والعقل المستنير والشباب الجرىء المتوثب, دورهم تملأ الوادى واعلامهم تخفق في الآفاق وكتائبهم تغص بتا الأندية وتضييق بتا السهول235.

واعلنوا أن البلد دعوة جديدة انتقلت بالأمة من حال إلى حال وتطورت بقضيتها تطورا كبيرا ... وأن هذه القضية تريد أن تحتل مكانها بعد هذا الظهور وأن تأخذ منزلها من الصدارة وأن هذه القضية هي وحدها قضية الإصلاح 236.

وهنا ميزوا " دعوتهم من حركة الإصلاح التي قام بتا جمال الدين الأفغانى و محمد عبده وغيرها فالمناداة بالفكرة الإسلامية وإظهار جمالها بكل الأساليب التاريخية المعروفة لا تنكر ولكن غير " الدعوة" الإسلامية كحقيقة دستورية مستقلة يقوم عليها نظام عام له ميزاته ,

ثم تنظيم حركة تقود جيلا يعمل على تطبيق مبادئ النظام الإسلامي في الحكم والسياسة والاجتماع , وإقرارها عمليا كدستور واجب النفاذ إلى جانب المعنى لم يعرفها التاريخ منذ آماد طويلة جدا إلا حين رفع لواءها حسن البنا في القرن العشرين باسم دعوة الإخوان المسلمين 237.

د- وحددوا لهم سياسة معينة من الدول الأوروبية التي تحكم بقعة من البقع الإسلامية كانجلترا وفرنسا وايطاليا.

وأساس هذه السياسة أمران : الأول أن الوطن الإسلامي واحد لا يتجزأ وأن العدوان على جزء منه عدوان عليه كله والثانى أن الإسلام فرض على المسلمين أن يكونوا أئمة في ديارهم سادة في أوطانهم بل ليس ذلك فحسب بل أن عليهم أن يدعوا غيرهم إلى الدخول في دعوتهم والاهتداء ب الإسلام الذي اهتدوا به من قبل.

وبناء على هذا الأساس يتوجب اعتبار كل دولة اعتدت وتعتدى على أوطان الإسلام دولة ظالمة لابد من أن تكف عدوانها ولابد من أن يعد المسلمون أنفسهم ويعملوا متساندين متحدين على التخلص من نيرها .

ويستشهدون على ذلك بمسألة أشبه بفتوى دينية أو حكم فقهى ورد في أحد الكتب هذا نصها:

" امرأة مسلمة سبيت بالمشرق وجب على أهل المغرب تخليصها وافتداؤها, ول أتى على جميع أموال المسلين " ومن البديهى أن المرأة رمز غلى الوطن الإسلامي.وبما أن انكلترا معتدية في مصر و فلسطين , وفرنسا معتدية في سوريا و المغرب ,

وايطاليا معتدية في طرابلس ( وهذه أمثلة لها أشباهها في بقاع أخرى من العالم الإسلامي) فيجب إعلان الجهاد عليها واغتصاب الحرية والإستقلال منها , ولو كلف ذلك الدم والمال , إذ الموت خير من حياة العبودية والرق والاستذلال 238. وتنفيذا لهذه السياسة ساهموا مساهمة فعالة في قتال اليهود في فلسطين سنة 1948 وكانت فرقهم أقوى الفرق وأشجعها وجمعوا الإعانات في الداخل لمساعدة المقاتلين , وساهموا في قتال الانجليز في منطقة القتال بعد المحنة.

ولكنهم قدموا خدمة الوطن الخاص على خدمة الوطن العام خدمة المرء وطنه أولا ثم أوطان المسلين على أساس الأقرب أولى بالمعروف.

هذا من حيث العمل.

أما من حيث المبدأ ف الإسلام يعترف بالحدود الجغرافية ولا يعتبر الفوارق الجنسية الدموية ويعتبر المسلمين جميعا أمة واحدة , والوطن الإسلامي وطنا واحدا مهما تباعدت أقطاره .

ولذلك فهم ينادون بأن وطنهم هو كل شبر أرض فيها مسلم 239 ,

ان مهمتهم بعد تحرير وطنهم تحرير سائر الأوطان الإسلامية 240, وأن الوطن الإسلامي سما عن حدود الوطنية الجغرافية والوطنية الدموية إلى وطنية المبادئ السامية والعقائد الخالصة الصحيحة والحقائق التي جعلها الله للعالم هدى ونورا 241.

وهم يشبهون ( السنوسية) وبعض الطرق الصوفية في أفريقيا التي رأت من واجبها نشر الدين وربما كان هذا الاتجاه الفعال في نشر الدعوة – في أفريقيا خاصة – رد فعل لحركات التبشير التي نشطت في تلك القارة أما الشيوعية فقد حملوا وسفهوا آراءها 242.

هـ- وحدّدوا سياستهم من الأقليات التي تشاطرهم الوطن وفق نصوص القرآن . فقد نص " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم ن دياركم أن تبّروهم وتقسطوا إليهم, إن الله يحب المقسطين" ورأوا في ذلك دعوة إلى وجوب حماية المواطنين من غير المسلمين والبر بهم والإحسان إليهم.

أما يشأن أصحاب الأديان السماوية فقد نصّ القرآن " قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون .

فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفكهم الله وهو السميع العليم".

أما من يجب أن يناوأ ويقاطع ولا يتصل به فقد حددته الآية :" أنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ".

أما العهود التي تقطع فتجب المحافظة عليها حسب نص القرآن " وأوفوا بالعهد أن العهد كان مسئولا"و" إلا الذين عاهدتم من المشركين عهدهم إلى مدتهم أن الله يجب المتقين" و" فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم"وقالوا :

إن الإسلام الذي يضع هذه القواعد ويسلك بإتباعه هذه الأساليب يجب أن يعتبره الغربيون ضمتنه أخرى تضمن لهم الوفاء بمعاهدتهم وأداء التزامات الدول الإسلامية لهم .

بل نقول أنه من خير أوروبا نفسها أن تسودها هذه النظريات السديدة في معاملات دولها بعضها لبعض فذلك خير لهم وأبقى 243.

وأراد ألبنا أن يؤكد سياستهم في بعض المناسبات فأرسل مرة إلتوفيق دوس باشا – القبطى – رسالة تهنئة لانتخابه عضوا في مجلس الشيوخ ورد دوس باشا على تهنئة بأنه سر بصدور جريدة الإخوان ونزعتهم القومية التي لا تعترف بالحزبية والطائفية والعنصرية 244.

وأكد مرة في مقال له أن حركتهم ليست بتعصبية ولا جامدة ولا حزبية ليطمئن الأقليات – ولا سيما الأقباط إلى حسن نواياهم 245. وقد التزموا هذه السياسة نحو مواطنيهم الأقباط إلى اليوم .

وعندما اعتدى على كنيسة قبطية في السويس برئ الإخوان من هذا الاعتداء وحملوا على مرتكبيه وشهد لهم الأقباط بالبراءة. وقد جرى المرشد العام الجديد على هذا المنهاج فكان في تجواله في القطر المصري يزور الأقباط والمؤسسات المسيحية توثيقا لروابط المحبة بين المواطنين جميعا.

و- هذه هي الخطوط الرئيسية لمبادئهم السياسية التي يبدو أنها اتضحت وتبلورت مع الزمن , وإذا صح ما ذكر سابقا من أنهم بدأو دينيين ثم توسع منهجهم بعد ما نالوه من نجاح وانتشار وخاصة بعد أن أثيرت أمامهم المشاكل ووجهت إليهم الأسئلة فاضطروا أن يوضحوا ويفصلوا, إذا صح ذلك كانت هذه المبادئ السياسية متأخرة عن المبادئ الدينية زمنا على الأقل . على أنه من المحقق أنهم تقيدوا في صياغة هذه المبادئ بما ورد في القرآن من نصوص وبما استخلصوه من تاريخ الإسلام من آراء.

ومن البديهى أنهم حكّموا فهمهم في النصوص مخالفين آراء فريق من المسلمين أو على الصح أحد القضاة السابقين الشيخ على عبد الرازق في المبدأ الأول الذي بسط سابقا .

وهو شرعية الحكومة الدينية. وخلاصة رأيه أنه ليس في القرآن ولا السنة دليل إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة .

وكذلك تدبير الجيوش وعمارة المدن والدواوين فإنها ترجع إلى الهندسة وأن الرسالة غير الملك , وأن ما يبدو من مظاهر دولة فوسيلة إلى تثبيت الدين فقط , وأن الإسلام وحدة دينية للناس كافة 246. ونسج على منوال على عبد الرزاق الشيخ خالد محمد خالد في كتابة من هنا نبدأ.

ومهما يكن من شئ فسواه كانت آراؤهم السياسية متأخرة عن آرائهم الدينية أم متقدمة أم مماشية لها فلا شك في أنهم راعوا عوامل الزمن والظروف المحيطة بهم عند تقرير الوسائل التي ينبغى أن يتوسلوا بتا إلى تحقيق مبادئهم.

بدأوا أولا ببث الدعوة بقصد إعداد جيل جديد واع المبادئ مترب عليها, يكون لها أشبه بالجنود المدافعين 247.

ثم ثنّوا بكتابة الرسائل إلى الملوك والحكام في شتى المناسبات يدعونهم إلى التمسك باهداب الدين واستمداد الإصلاح من القواعد الإسلامية .

ولما أصدروا جريدتهم أعادوا نشر بعض هذه الرسائل وأضافوا إليها رسائل جديدة وصاروا يتتبعون الأحداث السياسية ويدون آرائهم فيها بصراحة وجرأة .

ثم عنوا بالمؤتمرات الدورية ( مرة كل سنتين) والمؤتمرات الطارئة لمواجهة الأحداث الجديدة, ثم اقتحموا ميدان المظاهرات يشتركون فيها حينا ويقودونها ويشرفون عليها حينا آخر.

ثم اعدّوا الكتائب ومرنوها على القيام بأعمال الجندية أو شبه الجندية لكى يكونوا مستعدين للقتال في أوقات الطوارىء كما حدث في قتال فلسطين .

ثم نشروا عددا من الكتب التي تشرح الدعوة شرحا وافيا في جميع النواحى مشتملة على الناحية السياسية وبالجملة لم يتركوا وسيلة إلا اتخذوها لإظهار مبادئهم ونشرها والدفاع عنها و السياسة في جميع هذه النشرات والمؤلفات تحتل مكانا بارزا والواقع أن ناحية " الدعاية كانت مركزة تركيزا قويا وهى في العصر الحديث سلاح فعال . وهذه احدى ميزات الدعوة الظاهرة.

وربما كان من المناسب أن نختم هذا الفصل بعبارة تلخص سياستهم كلها قالها ألبنا نفسه: فقد شبه الدولة الإسلامية بالمنضدة ذات الأرجل الثلاث إذا كسرت احدى أرجلها سقطت. فالرجل الأولى هي المبادئ الإسلامية.

والثانية هي الحكومة الإسلامية التي تعمل على وحدة الأمة ووحدة المبادئ 248. وفى هذا المثل الذي ضربة ألبنا تصوير لسياستهم يغنى عن الأطناب.

وماذا كان شأنهم خارج مصر , وكيف تدرجوا في فتح الفروع في الأقطار العربية؟


الفصل السابع: حركة الإخوان خارج مصر

تنص المادة الثانية من قانون " قانون النظام الأساسى" للإخوان المسلمين على أن :" الإخوان المسلمون هيئة اسلامية جامعة تعمل لتحقيق الأغراض التي جاء من أجلها الإسلام.."

ومعنى هذه المادة أن حركة الإخوان ليست مصرية بحتة ولا عربية بحتة ولكنها اسلامية جامعة.

هذا من حيث المبدأ أما من حيث العمل فهم يرون التدرج من الوحدة القومية إلى الوحدة العربية إلى الوحدة الإسلامية . والولاء في نظرهم لهذه الأحداث " الثلاثة لا يتنازع ولا يتناقض ف الإسلام فرض أن يعمل كل إنسان لخير بلده وأن يقدم أكبر ما يستطاع من الخير للأمة التي يعيش فيها .

ثم إن الإسلام نشأ عربيا ووصل إلى الأمم عن طريق العرب, ونزل القرآن بالعربية . ولذلك فإن وحدة العرب أمر لابد منه لإعادة مجد الإسلام وإقامة دولته .( وهم يقصدون بالعروبة عربية اللسان) ثم إن الإسلام وطن وجنسية كما هو عقيدة وعبادة. والمسلمون جميعا متساون. والوطن الإسلامي وطن واحد مهما تباعدت أقطاره . وهو وحدة لا تتجزأ.

وبناء على هذا التحديد ف الإخوان يعملون لجمع كلمة المسلمين وإعزاز أخوة الإسلام وينادون بأن وطنهم هو كل شبر أرض فيه مسلم.

وهم يرون أن هذه الوحدات لا تتعارض, وأن كل واحدة تشد أزر الأخرى وتحقق الغاية منها . وإذا أراد أقوام أن يتخذوا من المناداة بالقومية الخاصة سلاحا يميت الشعور بما عداه ليسوا معهم 249.

وهم يرون مصر قد انتهت إليها رئاسة الأمم الإسلامية بحكم ظروف كثيرة 250 ويرون الإخوان المسلمين أنهم في مصر هم القلب المؤمن والعقل المستنير والشباب الجرئ المتوثب, وإن من مصر ستنطلق بشائر الحرية إلى الشرق الإسلامي كله حاملة إليه الوحدة وإلى العدو نذير الويل والهزيمة 251.

وهم يرون كذلك أن الإسلام استيقظ من غفوته وبدأ يزحف استيقظ أولا باسم الفكرة القومية الوطنية , ثم باسم الفكرة العربية التي صارعت الجامعة الطورانية . ثم مضت الفكرة إلى هدفها بقوة وعزيمة اسلامية بحتة 252.

وبما أنه نشأت بعد الحرب الكبرى الأولى حركات متنوعة كالقومية والإشتراكية والرأسمالية والبلشفية والعالمية , وكان لابد للأمم الإسلامية من أن تختار لها مذهبا من المذاهب فقد رأى الإخوان أن الإسلام خاص في لب هذه الحركات ووضع للعالم النظم التي تكفل له الانتفاع بما فيها من محاسن وتجنب ما تستبعده من خطر وويلات.

ولذلك فهم يطالبون أن تكون قواعد الإسلام هي الأصول التي تبنى عليها نهضة الشرق الحديث في كل شأ، من شؤون الحياة.

ويعتقدون أن كل مظهر من مظاهر النهضة الحديث يتنافى مع قواعد الإسلام ويصطدم باحتكام القرآن فهو تجربة فاشلة ستخرج منها الأمة بتضحيات كبيرة في غير فائدة ز فخير للأمم التي تريد النهوض أن تسلك إليه أخصر الطرق بإتباعها أحكام الإسلام.

وها قد نهض الإخوان بهذه الدعوة لا يختصون بتا قطرا دون قطر من الأقطار الإسلامية . ولكنهم يرسلونها صيحة يرجون أن تصل إلى آذان القادة والزعماء في كل قطر يدين أبناؤه بدين الإسلام .

ويحذرون الشعوب الشرقية الإسلامية من الاندفاع في تيار التقليد فترقع نهضاتها بتلك النظم البالية التي انتفضت على نفسها وأثبتت التجربة فسادها وعدم صلاحيتها 253.

وإذن فقد كان في صلب الدعوة العمل على نشرها في العالم الإسلامي كله بل وفى كل بقعة يقطنها نفر من المسلمين . ولكن متى بدأ ذلك؟

ليس هناك تواريخ وثيقة تبيّن متى فتحت الفروع في خارج مصر . ولن يبدو بوضوح أن العمل في الخارج مرّ في مرحلتين. الأولى مرحلة الاهتمام بشؤون العالم الإسلامي وقضاياه السياسية على وجه خاص . وقد بدأت هذه المرحلة قبل سنة 1937 .

فقد كان ألبنا يتحدث في خطبه عن العالم الإسلامي ويدعو إلى أن يتمتع بحريته واستقلاله 254. وكان يعتبر الإخوان حماة القضايا الإسلامية والقضايا السياسية خاصة 255. وأغلب الظن أن قضية فلسطين فتحت عيونهم على مصاب العرب في تلك البقعة في حوادث سنة 1936 ثم بعد هذا التاريخ 256. وظلوا منذ ذلك الوقت يتابعون هذه القضية باهتمام بالغ.

وربما يصح القول أن القضية الفلسطينية شحذت همتهم للمزيد من العناية بقضايا البلاد العربية.

وأرسل ألبنا مرة رسالة باسم الإخوان إلى سلطان مراكش وأخرى إلى رئيس الحكومة الفرنسية طالبا الإفراج عن الأمير عبد الكريم 257.

أما المرحلة الثانية فمرحلة إنشاء الفروع في الخارج وهذه بدأت سنة 1937 وهى السنة التي أسس فيها فرع دمشق على أن يكون مركزا للجنة عليا تقوم بإنشاء المراكز في مختلف المحافظات في سوريا و لبنان ,لكل مركز الحق في إنشاء فروع في الملحقات بعد موافقة اللجنة المركزية .

وله أيضا أن بفتح شعبا في إحياء المدينة.

وربما يخطر بالبال لم بدئ بدمشق؟ الراجح أن سبب البداية بتا يرجع إلى الطلبة السوريين الذين كانوا يدرسون في مصر وينتسبون إلى الإخوان في عهد الدرس .

وقد عنى الإخوان بالطلبة العرب الذين يدرسون في مصر عناية خاصة وأحاطوهم بالرعاية والتكريم وعاملوهم كما يعاملون الأعضاء المصريين تماما وهنا تّم الاتصال بين الدعوة في مصر وبين الطلاب العرب. كان أولئك الطلبة دعاة متحمسين للإخوان في بلادهم.

وحين تهيأت الأسباب نظم أولئك الطلبة فروعا في بلادهم بالتعاون مع الأشخاص الذين يتفقون معهم في الأهداف.

وبما أن فرع الشام من أهم فروعه في خارج مصر , وذكر مرة عن احتمال نقل القيادة إليه من مصر إثر مقتل البنا ومصادرة جميع فروع الدعوة وأموالها , وبعض أعضائه تولوا مناصب عالية في الحكومة السورية ودخلوا مجلس النواب فمن الضرورى تاريخه بإيجاز.

وكانت هذه الجمعيات المختلفة الأسماء وثيقة الصلة بجميع الحركات الوطنية والإصلاحية العربية والإسلامية .

وكانت تشكل بمجموعها جماعة واحدة مع تعدد الأسماء .

وتعارفت فيما بينها على التسمى ( بشباب محمد). وأخذت هذه الجمعيات تعقد مؤتمرات فعقد أولها في حمص

وثانيها سنة 1937. ولما عقد الثالث بدمشق سنة 1938 كانت الجماعة قد سارت شوطا بعيدا في التنظيم .

وقد قررت في هذا المؤتمر اتخاذ مركز رئيسى لسائر الجمعيات يكون مركزه دار الأرقم في حلب.

ومرت بعد ذلك عدة أ‘وام - وكانت تلك أعوام الحرب العالمية الثانية العصبية – تعذر فيها عقد المؤتمرات .

واكتفى بأن يقوم المركز الرئيسى بمهمته وأن يتصل أمناء سّر الجمعيات بعضهم ببعض . وفى سنة 1943 عقد مؤتمر رابع في حمص اشترك فيها ممثلوا المراكز في سوريا و لبنان واقر بقاء ( دار الأرقم) في حلب مركزا رئيسيا.

واتخذ قرارات ذات لون جديد كإحداث منظمات السريا والفتوة في كل مركز والعناية بالناحيتين الرياضية والاقتصادية إلى جانب النواحى الثقافية الاجتماعية والأخلاقية والقضايا الإسلامية والعربية العامة.

وفى عام 1944 عقد المؤتمر الخامس في حلب وقر إلغاء المركز الرئيسى في حلب وتأليف لجنة مركزية عليا في دمشق مشكلة من ممثل عن كل مركز , لها مكتب دائم, وعلى رأسها مراقب عام – هو الشيخ مصطفى السباعى – وتعقد اجتماعات دورية وحضر هذا المؤتمر مندوب من الإخوان في مصر .

وتم الاتفاق - بعد الاتصال مع مؤتمر الإخوان في مصر و فلسطين – على توحيد أسماء الجمعيات باسم ( الإخوان المسلمون ) وعلى توحيد النظم وبذلك دخلت مرحلة جديدة موحدة الإسم والأهداف قوية الفاعلية فأسست المعهد العربى الثانوى وشكلت دار الطباعة والنشر العربية التي تولت إصدار جريدة ( المنار) لسان حال الجماعة في سوريا التي ما تزال تصدر إلى اليوم ولكنها لم تعد تنطق باسم الجماعة رسميا , وشركة النسيج في حلب.

وفى سنة 1946 عقد المؤتمر السادس في يبرود لمراكز الإخوان في سوريا ولبنان وبع أن توّحدت الجماعة اسما وأهدافا مع الإخوان في مصر .

وسبق المؤتمر إقامة معكسر تدريب للفتوة في بيرود نفسها وبعد ختام المؤتمر دعت اللجنة المركزية طائفة من رجال دمشق إلى ناديها وتلت عليهم المقررات التي اتخذت.

ومن أهم هذه المقررات:

1- إرسال بعثات علمية من طلاب الجماعة للدراسة في مصر وأوروبا.

2- توسيع نطاق الحركة الرياضية والفتوة.

3- تأليف لجان للعناية بشؤون العالمين العربى والإسلامى تتولى متابعة الحركات الوطنية في الإسكندرية ومصر وشمال أفريقيا وطرابلس الغرب والهند واندونيسيا ولجنة خاصة بقضية فلسطين .

4- تأليف لجنة الاتحاد الطرق العملية للنهوض بالفلاحين والعمال.

5- وحددوا أهداف الجماعة كما يلى:

أ‌- تحرير الأمة وتوحيدها وحفظ عقيدتها وبناء نظمها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية على أساس الإسلام.

ب‌- ليسوا حزبا كسائر الأحزاب . وهدفهم إصلاح لمجتمع لا الوعظ فحسب إصلاحا منبعثا من ذاتية الأمة وعقائدها المقدسة .

وفى سبيل ذلك يحاربون اى استعمار بأى شكل كان , ويتعاونون مع كل هيئة وطنية تعمل لخير الوطن. ودعوتهم شاملة تتناول الاقتصاد ولأخلاق و السياسة الوطنية والثقافة والرياضة وشتى نواحى الاصلاح , أو ذلك كله هو مفهوم الإسلام في مناه الصحيح الواسع [ قابل ذلك بآراء الإخوان في مصر ].

ت‌- وهم يدعون إلى التعاون بين أبناء الأمة كلها لا فريق بين مذهبين ومذهب وينقمون على كل محاولة ترمى إلى تفريق الصفوف باسم الأديان والطوائف ويرونها حركة هدامة تخدم مآرب المستعمرين.

ث‌- وفيما يتعلق بالقضايا الوطنية الداخلية فهم يدعون إلى اصلاح جهاز الدولة بتنفيذ القوانين دون محاباة – ولا يشيرون إلى إصلاحها على أساس الدين ما عند الإخوان في مصر – ويطلبون العناية بالتعليم والأخلاق والاقتصاد والزراعة والصناعة.

ج‌- وفيما يتعلق بالدين حرصوا على عدم أثارة النعرات الطائفية فذكروا أن دعوتهم هي رجوع إلى تعاليم الأديان الصحيحة البعيدة عن تلاعب ذوى الأهواء والأديان كلها تأمر بهذا وتحث عليها. والذين يظنون في دعوتهم تغذية للشعور الطائفى هم أجهل الناس بطبيعة الأديان ومراميها . وبدعوتهم تم التفاهم الحقيقى بين أبناء الوطن الواحد فاتسعت منابرهم لخطباء المسيحيين ومنابر المسيحيين لخطباء الإخوان.

وظلت الجمعية سائرة في طريقها وفى حرب فلسطين 1948 ألفت كتيبة للقتال بقيادة الشيخ مصطفى السباعى المراقب العام للإخوان في سوريا . وجاء ألبنا من القاهرة إلى بيروت فدمشق متفقدا كتائب الإخوان في قنا.

وعندما صودرت جمعيات الإخوان في مصر . واغتيل ألبنا اتجهت الأنظار إلى جمعيات الإخوان في سوريا ولا سيما إلى الشيخ مصطفى السباعى نفسه باعتباره من أقوى المرشحين للقيادة وظلت جريدة الإخوان في دمشق تصدر كعادتها .

ونشرت عدة كتب للبنا وعنه في دمشق. في حين انحلت شعب لبنان أو توارت . وتولى بعض الأعضاء مناصب عاليه كالوزارة . ودخل بعضهم مجلس النواب .

وصرح بعضهم تصريحات اشتمت منها ميول يسارية. ولكن السباعى كرر في خطبه الحملة على الشيوعية وعلى الديمقراطية الغربية , داعيا إلى الوقوف على الحياد في أي صراع عالمى جديد, واستمداد النظم من الإسلام وفق المبادئ التي سار عليها الإخوان في مصر .

على أن هذا لا ينفى اتجاههم نحو الاشتراكية أو على الأصح " الإشتراكية – الإسلامية " واتجاه بعض أفراد منهم خطوة أبعد من ذلك . ولكنها مهما بعدت لا يمكن أن تبلغ حد الشيوعية.

وما زال الإخوان – في أثناء قيام الحكومة العسكرية المؤقتة في سوريا سنة 1951 – يعملون تجربة نسبية , إلى أن صدر قرار بحلهم في 17/ 1/52 بدعوى اشتغالهم ب السياسة وهم أصلا هيئة دينية صرفة .

وقد ذكر في بعض المصادر أنهم من طلاب " الحكومة الدينية" فهل هذا صحيح ؟ أى أن الإخوان في مصر طلاب هذه الحكومة فأمر فوق كل شبهة وأوضح من أن يمارى فيه .

ولكن الإخوان في دمشق – وسائر سوريا بالطبع – لا يطلبون هذه الحكومة بصراحة وحرارة كما هو الحال في مصر والواقع أن موقفهم مر في ثلاثة أدوار . ففى دور نشأتهم سنة 1937 لم يشيروا إلى الحكومة الدينية البتة.

وكان مطلبهم من الناحية السياسية يتركز في العمل على تحرير البلاد العربية والإسلامية من لناحية السياسية يتركز في العمل على تحرير البلاد العربية والإسلامية من الاستعمار والنفوذ الأجنبى .

ومن الناحية الوطنية المحلية طلبوا " إصلاح عيوب النظام السياسى بحيث يتمكن أفراد الشعب من اختيار نوابه بطرق شريفة لا تأثير فيها ولا إغراء ,

بحيث يتمكن نواب الأمة من الإشراف على شؤون الدولة دون تميز" كما طلبوا إصلاح الأنظمة والقوانين والمحاكم بما يحقق العدالة بين الناس وإيصال الحقوق إلى أربابها ومنع البغى والعدوان والفساد" وحددوا أول غاية لهم:ب" شرح رسالة القرآن

– دستور العرب والمسلمين

– وعرضها بما يلائم روح العصر وبإبرازها للناس كأقوى رسالة وأكملها" 258. وفى الدور الثاني سنة 946 – بعد مؤتمر يبرود وفى وقت ازدهار الحركة في مصر وبلوغها أوج قوتها – قرروا أن في الإسلام من متانة الأصول التشريعية

– القرآن والسنة والإجماع والقياس – ومرونتها ما يجعله متمشيا مع الزمن كافلا لسعادة البشر في مختلف بقاعهم في حياتهم المادية والروحية .

وقرروا كذلك إن الإسلام عقيدة وعيادة وخلق وتشريع ودين دولة ( وازن ذلك بأقوال الإخوان في مصر ) وطلبوا إعادة النظر في القوانين الجزائية والمدنية والإقتصادية والأخلاقية والتعليمية وصوغها من جديد بما يتفق مع تشريع الإسلام وروحه ويحقق مصلحة الأمة وأمنها ورخاءها وفى الوقت نفسه قرروا : إن في المدينة الغربية خيرا كثيرا . وشرا كثيرا .

إن في الأخذ بما يفيد من صناعتها وعلومها قوة لنهضتها لا غنى عنها . وكل تجديد نافع لا يذيب شخصية الأمة ولا ينافى فضائلها الأصلية هو قوة جديدة تدعم كيانها وتضمن مستقبلها. ومن الواضح أنهم لم يتعرضوا للدستور ولا لنظام الحكم القائم يومئذ – الجمهورى – ولا للسياسة بصورة صريحة .

فهل ابطنوا في نفوسهم " الحكومة الدينية" ولم يفصحوا عنها ؟ ولملم يطلبوا إعادة النظر في الدستور كى يتفق مع التشريع الإسلامي وروحه؟

وفى الدور الثالث , في سنة 1951 , حين وضع دستور جديد للدولة السورية دعا الإخوان إلى أن يكون في صلبه نص على أن دين الدولة الإسلام

– كما هو الحال اليوم في مصر و الأردن و العراق و إيران و أفغانستان و العربية السعودية و اليمن

– ولكن المجلس عدل هذا الطلب بأن نص على أن يكون الإسلام دين رئيس الجمهورية فقط . ويبدو أن الإخوان قبلوا بذلك أو على الأقل نزلوا عند حكم الأكثرية.

ولكن هذا النص المطلوب لا يعنى أن تكون الدولة دينية. فالدول الذكورة سابقا ليست كلها دينية تماما. وهى جميعا تنص على حرية العقيدة والعبادة لجميع مواطنيها .

وبعضها جدد نظام الحكم فيها على أسس غربية 259. والاتجاه نحو هذا التجديد يتزايد مع الزمن وهذا الواقع خلاف مطلب الإخوان في مصر, كما تبين سابقا وعلى كل فالذى يستخلص من شواهد الحال أن الإتجاه نحو حكومة دينية في سوريا عامة وفى حلقات الإخوان خاصة أضعف جدا مما هو في مصر . وحركة الإخوان في سوريا أقل نشاطا وانتشارا مما هي في مصر.

أما فروع فلسطين فتأسست سنة 1946 – أي بعد فروع سوريا بنحو عشرة سنوات – في أثناء ازدهار الدعوة في مصر وكانت البواعث خارجية .

وكانت فلسطين تعانى اضطرابا سياسيا عنيفا يصرفها عن التفكير في أية شؤون دينية.

ولكن جريدة الإخوان كانت تصل إلى فلسطين كل صباح بانتظام وفيها مقالات عنيفة في الدفاع عن حقوق العرب السياسية كما سبق أن اشترك الإخوان في جهاد الفلسطنيين في اضطرابات 19361939 اشتراكا ضئيلا نسبيا بالقياس إلى اشتراكهم في القتال سنة 1948 على أن عددا كبيرا من رجال الدين

- ولا سيما في حيفا – سبق أن أسسوا جمعيات ذوات صبغة دينية وإن لم تكن ذوات مناهج شاملة كمناهج الإخوان في مصر .

يضاف إلى هذا الجو أن الإخوان في مصر أخذوا يرسلون الرسل إلى فلسطين يبسطون الدعوة بسطا وافيا في المساجد ويتناولون الناحية السياسية بالمعالجة المتفقة مع الرغبات القومية .

ونتج عن ذلك أن انتشرت الدعوة أولا على الألسنة ثم صار لها أنصار ومؤيدون . ثم جاء مندوب من قبل الإخوان ( عبد المعز عبد الستار ) واحتفل بافتتاح فرع في القدس في 5/5/1946 حضره ما يزيد عن ألفى شخص .

ومما ذكره المندوب أن الدعوة ليست عنصرية ولا طائفية وتكلم في هذا الاجتماع جمال الحسيني نائب رئيس اللجنة العربية العليا وقال أنه تمنى منذ تسع سنوات أن تنتشر دعوة الإخوان في فلسطين , ,ان أمنيته قد تحققت الآن وأعلن انضمامه إلى الإخوان وحلى صدره بشعارهم.

وبعد انتهاء الاحتفال جمع مبلغ 1871 ج فلسطينيا لبناء دار . وأخذ فرع القدس فيما بعد ينظم المحاضرات يلقيها فلسطينيون, وأحيانا زوار من إخوان مصر .

وفتح ناديا خاصا ذا مكتبة . ثم ارتفع المبلغ المجموع إلى 6,000 ج.ف. واستطاع فرع القدس أن يستملك قطعة أرض من الأوقاف الإسلامية ليقيم عليها دارا.

ووجد تشجيعا كبيرا من مختلف طبقات الشعب . على أنه لم يكن مستقلا أو شبه مستقل كفرع دمشق مثلا بل كان فرعا من فروع الإخوان في مصر و تابعا لهم في المنهج والعقيدة.

وحين وقع القتال سنة 1948 اشترك بعض الإخوان الفلسطنيين فيها واتخذوا من الدار مقرا للجهاد . ثم أقفل باحتلال القدس الجديدة.

وبعد استقرار الحالة نسبيا في القدس عاد الفرع إلى نشاطه بصورة ضيقة جدا. وكان ينشر سنة 1951 في إحدى الجرائد القدسية اليومية ( الدفاع) مقالات طيلة شهر رمضان يتحدث فيها عن الدين والسياسة على طريقة الإخوان في مصر.

ثم أنشئت الفروع في سائر مدن فلسطين فأنشئ فرع في يافا وفرع في اللد وفرع في حيفا انضمت إليه جماعتنا( أنصار الفضيلة ) و( الاعتصام) وهما جمعيتان اسلاميتان . وكان ذلك بحضور مبعوث المركز العام في القاهرة ( عبد المعز عبد الستار ).

وأنشئ فرع في طولكرم, بحضور المبعوث أيضا . وبعد ذلك بقليل – 81 اكتوبر 1946 - عقد مؤتمر عام في حيفا حضره ممثلون لبنان و الأردن و فلسطين استعرض فيه حال فلسطين السياسية واتخذ قرارات منها :

اعتبار حكومة فلسطين مسؤولة عن الوضع السياسى المضطرب, وتأييد الجامعة العربية ومطالب مصر بالجلاء ووحدة وادى النيل وعرض قضية فلسطين على مجلس الأمن وتأييد المشاريع التي ترمى إلى انقاذ الأراضى وعدم اعترافهم باليهود الطارئين على البلاد, وتعميم شعب الإخوان وتحية المرشد العام في مصر , وشكر الإخوان في البلاد العربية.

وهذا الاتجاه السياسى المحض متفق والاتجاه الذي سار فيه الإخوان في مصر ز فقد اتجه الإخوان في هذه المرحلة كليا إلى السياسة واضحى الهدف الدينى ثانويا.

وأنشئت في الوقت نفسه فروع في الأردن .

ويبدو أن الملك عبد الله بارك هذه الحركة وآزرها. فقد طلب إلى مندوب الإخوان أن ينقل تحياته إلى الإخوان المسلمين راجيا أن تكون حركتهم لا مرمى لها سوى التفانى في مرضاة الله والعمل لوجهه ولفائدة الإخوان المسلمين وكلفه أن يدعو المرشد الأكبر إلى زيارة الأردن باسمه 260.

وظل فرع عمان مستمرا في أثناء قتال فلسطين وبعده إلى هذا اليوم . ولكنه محدود النشاط مقيد بالأوضاع السائدة .

على أن لوجوده دلالة فقد امتدت الدعوة حتى بلغت سوريا و فلسطين و الأردن وأصبحت الأسلاك متصلة ما بين مصر وهذه البلدان .

ويبدو أن الإخوان جددوا نشاطهم في لبنان سنة 1949 ولكنهم احتفظوا بطابع خاص ينسجم مع بلد " الطوائف والطائفية" فأعلنوا" أننا لا نعيش في هذا الوطن وحدنا وإنما هناك طوائف أخرى شقيقة يجب أن نتعاون وإياها على إصلاح الوطن وحمايته ... ونعلم أن الدين لله والوطن للجميع وأن لكل فريق حقا يرضيه".

وبرروا وجودهم بكثرة الأحزاب وركزوا هدفهم في شقين الأول : إصلاح الدار : والثانى : التعاون مع الجار .

وأوردو تحت أول ثمانية عشر بندا تتصل بإصلاح حال المسلمين الداخلية, وتحت الثاني المحافظة على حقوق الطوائف الأخرى والتعاون معها لحفظ الوطن وإقرار السلام والمحبة ومحاربة الطائفية العمياء والمتاجرة بالدين.

أما السياسة فقد نصوا على " عدم التدخل في الأمور السياسية التي لا تمس كياننا ولا تنافى مصلحة الأمة والوطن ".

ولكنهم في الوقت نفسه ذكروا أنه سيكون لهم ( فيالق) رسمية ذات قائد أعلى يكون من أعضاء ( لهيئة العليا للجماعة) وشرطوا للإنتساب إليهم عدم الانتساب إلى اية جماعة أو هيئة أو منظمة أخرى .

وجاروا منصب ( المرشد العام) في القاهرة بأن منحوا ( الواعظ العام) كثيرا من امتيازاته في التعيين والإشراف.

وبلغوا ذروة الطرافة حين أعلنوا أنهم يمنحون أوسمة على خمسة عشر نوعا تبدأ بوسام الكعبة وتنهى بوسام الأنصار !ولا يشيرون إلى اية صلة بينهم وبين الإخوان في مصر أو على الأقل في سوريا .

ويظهر أنهم اكتفوا بأن جعلوا شعارهم – سيفان يتوسطهما مصحف – مماثلا رمزا إلى الوحدة 261. ويبدو أن نشاطهم ظل محدودا للغاية أو مستورا للغاية مع أن جماعة (عباد الرحمن) أظهرت نشاطا ملحوظا .

فأصدرت سلسلة نشرات صغيرة تحتوى على وصايا دينية واجتماعية 262 وألقت أحاديث دينية في الجوامع. وأسست لها ندوة , وجعلت لها مطبعة والذي يبدو من منشوراتها أنها تحاول أن تنتهج على منوال ( الإخوان المسلمون) في القاهرة بصورة متواضعة.

وربما كان غريبا أن يجئ دور السودان متأخرا عن سوريا و لبنان و فلسطين . فقد قامت أول محاولة لتأسيس فرع للإخوان في أم درمان في شهر يونيو 1946 إثر تنصير فتاة مسلمة على يد الإرسالية الإنجيلية في تلك المدينة.

ولكن هذا الفرع انشئ لغرض نشر الدين الإسلامي ومقاومة التبشير في السودان نتيجة للحادثة المذكورة .

واعتبر هذا الفرع تجوزا شعبة من شعب الإخوان .

وفى شهر أكتوبر 1946 أرسل المركز العام عضوين من أعضائه البارزين إلى البارزين إلى السودان لزيارة شعب الإخوان فيه, أو في الواقع لنشر الدعوة وإنشاء الفروع , وقصد العضوان أم درمان التي أظهرت ميلا إلى ربط جمعيتها الإسلامية ب الإخوان في مصر . قم قصد الخرطوم وزار دور الهيئات و الأحزاب السودانية وكبار رجالات السودان وأخذا يشرحان لهم حقيقة الدعوة وأن الإخوان في مصر هم أقوى صوت يحارب فصل جنوب الوادى عن شماله ويظهر فجلاها المندوبان ورداها إلى الانجليز .

وانفق المندوبان مع أعضاء الشعبة الرئيسية في أم درمان على نشر الدعوة في السودان ورسما لذلك الخطط. وتمكنا في أيام قليلة من افتتاح عدد من الشعب في بلاد الجزيرة .

ثم زيارة قام بتا بعض الإخوان في السنة السابقة – فزار دور الإخوان والوجهاء وتحدثا عن الدعوة وعملها لإعادة مجد الإسلام.

وتمكنا من فتح 25 شعبة في الأماكن المحيطة ببور سودان وعطيرة والدامر وشندى. وبهذه الزيارة تم فتح السودان في وجه الدعوة بعد مضى نحو عشرين عاما عليها في القاهرة . ولذا اعتبروه آخر أرض خطبة لدعوتهم وكانت البعثة استيضاح السودانيين حقيقة الدعوة وأهدافها 263.

وانتشرت الدعوة في عض بلدان شمالى أفريقيا وشرقيها فأرسلت الجمعيات والهيئات الإسلامية في أسمرة ( باريتريا) إلى المركز العام في القاهرة تخبره أنها أعتزمت أن تطلق على نفسها اسم ( الإخوان المسلمين ) وتطلب اعتماد تسجيل الإخوان في أسمرة وبلاد اريتريا وتأخذ على نفسها نشر الدعوة في بلاد شرقى أفريقيا 264.

وتأسس في تطوان ( بالمغرب الأقصى) مركز عام تتفرع منه الفروع في سائر أنحاء لمغرب الأقصى , أسس فرع في مدينة ( القصر الكبير) وتقيد المركز العام في تطوان بأوامر المركز العام في القاهرة وتولى التنفيذ بشعب المغرب.

ووصلت الدعوة إلى تونس وصرح رئيس وزرائها في أثناء مروره ب القاهرة " إن اسم الإخوان المسلمين يملأ العالم نورا وهداية واسم الأستاذ ألبنا يتردد على جميع الألسن كمصلح دينى واجتماعي يرجون على يديه خيرا كثيرا 265. ولكن لا يعرف عن وجود فرع فيها ولا في الجزائر وطرابلس.

وذهبت إلى الحجاز بعثة برئاسة نفسه في شهر أكتوبر 1946 لأداء الفريضة ونشر الدعوة . واتخذت لها مقرا في مكة وتوافد الإخوان من شعب فلسطين و سوريا و المغرب الأقصى والسودان والهند والقيت فيها الكلمات حول مستقبل الإسلام وأوطان المسلمين باللغتين العربية والانجليزية 266.

والراجح أنهم لم يفتحوا لهم فرعا في البلاد السعودية مع قيام الصلة الوثيقة بين دعوتهم والحركة الوهابية من جملة نواح.

ولعل ذلك راجع إلى السياسة التي جرت عليها هذه المملكة بعدم السماح بقيام جمعيات فيها.

وفى فترة الإزدهار أيضا – وربما كان ذلك سنة 1947 – قدم أحد المحامين في بغداد إلى الحكومة العراقية طلبا بتأسيس فرع للإخوان فرفض طلبه ولكن أفرادا من الشعب , من المحامين وطلاب الجامعة, ولا سيما من لواء الموصل كانوا من إتباع الدعوة ولوحظ في أثناء الوثبة – أي الثورة على معاهدة بور تسموت سنة 1948 – أن من جملة النداءات التي كان يهتف بتا المتظاهرون نداء الإخوان المسلمين" الله اكبر ولله الحمد" مما يدل على أن أفرادا كانوا ينتسبون إلى الدعوة . وسجن أفراد أثر الوثبة عرفوا بميولهم نحو الإخوان .

يضاف إلى ذلك أن مكتبة من مكاتب بغداد سميت " مكتبة الإخوان المسلمين" وكانت تبيع مطبوعات الإخوان , وصاحب هذه المكتبة أصدر بعد ذلك جريدة اسمها جريدة (السجل) ولكنها لم تنطق باسم الإخوان . ومر بالعراق أحد دعاة الإخوان بقصد الترويج للدعوة ولكن فرعا رسميا لم يفتح.

وظروف العراق بوجه عام لم تعن على انتشار الدعوة فيه على نطاق واسع فمن جهة هناك الشيعة الذين لا يستحسنون هذه الدعوة .

وقد ذكر أحد الطلاب الشيعيين الذين انتسبوا إلى الدعوة في القاهرة أن بعض الشيعيين عتبوا عليه لانضمامه إلى الدعوة.

ومن جهة ثانية فإن الحكومة ما كانت لتسمح بإنشاء حزب أو هيئة ما دون الحصول على إذن منها. ويبدو أن سياسة الحكومة إجمالا لم تكن تنظر إلى الدعوة نظرة تشجيع وربما كان الموقف الإخوان المتطرف من الإنجليز علاقة بذلك ومن جهة ثالثة وجدت في العراق جمعية الشبان المسلمين وهى تسد الحاجة إلى حد ما .

وما تزال هذه الجمعية قائمة في العراق وأن كان معظم أعضائها ن السنيين.وبسبب هذه الظروف ظل النشاط مستورا.

وقيل أن جمعية " الإخوة الإسلامية " في بغداد التي يرئسها الشيخ أمجد الزهاوى " يوجّه نشاطها الشيخ محمد محمود الصواف , جمعية إخوانية وقد أعيد طبع عدد من كتب الإخوان في بغداد وأسست مطبعة لنشر الرسائل الإخوانية.

ويلاحظ أمران في العراق . الأول أن الحركة لقومية قوية . والثانى أن الرأي الإسلامي موزع بين فرقتين كبيتين تكادان تتعادلان .

وزعماء كل من الفرقتين يتشددون في الدين تشددا عظيما ولهذين الأمرين يضيق مجال العمل أمام الإخوان وينفسح في شمالى البلاد أكثر من انفساحه في جنوبيها.

وذكرت جريدتهم أن أفرادا وهيئات اسلامية في أمريكا كتبوا إلى المركز العام يطلبون برامج الإخوان وتوجيهاتهم ويبدون الرغبة في تسجيل أسمائهم في الإخوان ويعرضون استعدادهم لتكوين جبهة إخوانية في أمريكا تعمل لتخليص الأذهان من الشوائب التي علقت بتا بتأثير الدعايات السيئة التي ينشرها خصوم الإسلام والصهيونيون وذكرت كذلك أن المركز سيرسل اليهم مذكرة مطبوعة وافية عن الدعوة و الإسلام 267.

وفى بعض المناسبات أناب الإخوان عنهم نوابا من الطلبة لحضور مؤتمرات عقدت في انكلترا وفرنسا لدراسة حال البلدان العربية والشؤون الإسلامية .

وابدوا اهتماما خاصا بهذه المؤتمرات بغية إيصال الدعوة إلى أوربا عن طريق الشبان المتعلمين الذين يعنون بقضايا بلادهم السياسية قبل كل شئ آخر.

وقد كان لاتجاه الدعوة اتجاها كبيرا نحو السياسة , ومعالجة قضايا جميع البلدان العربية والإسلامية على النحو الذي تعالج فيها القضية المصرية كان لهذا أثر كبير في استرعاء عناية الشبان بحركة الإخوان أيا كانوا في وطنهم أو في أمريكا .

أما شعبهم في العالم الإسلامي غير العربى فلا نعرف عنها شيئا , وتذكر مصادرهم أنه كانت لهم شعب في اندونيسيا وسيلان والباكستان و إيران وغيرها 268. والراجح أن بعض الجمعيات الإسلامية في تلك البلاد آختهم أو تثبتت حركتهم.

ولقد بلغ اهتمام المركز العام حدا أن أنشا " قسما خاصا للاتصال بالعالم الإسلامي والبلاد العربية ".

وكانت رسائل البلدان العربية الإسلامية ترد إلى هذا القسم فيتولى الإجابة عنها وعنه تصدر التوجيهات إلى الأفراد والهيئات في خارج مصر وكان هذا القسم يجمع من المعلومات عن العالم الإسلامي ما لا يتوافر في جمعية أخرى.

والواقع أن الإخوان توسلوا بكل وسيلة ممكنة لبث دعوتهم في الخارج أولا لجذب القلوب نوها وكسب الأصدقاء وثانيا لتأسيس الفروع .

واتسع نشاطهم في هذا المضمار سنة 1946 في مرحلة الإزدهار . وأعانهم على ذلك صدور جريدتهم اليومية ( في 5 مايو 1946 ) التي فتحت صدرها لمعالجة قضايا البلدان العربية ومن يراجع هذه الجريدة يجد أنها خصصت قسما كبيرا من أ‘مدتها للبلدان العربية.

وكان محرروها يتصلون بالشخصيات البارزة من العرب والمسلمين الذين يزورون القاهرة أو يمرون بتا للتحدث إليهم في شؤون بلادهم .

وكان نشر الأحاديث يثير اهتمام قرائهم في البلدان العربية يصاف إلى ذلك أن كثيرا من كبار الزوار كان يزور المركز العام ويتحدث عن شؤون بلاده, فتنعقد بذلك الصلة بين مصر والخارج.

وإذا لوحظ أن الإخوان المسلمين كانوا الهيئة المصرية الوحيدة التي تعنى جديا بشؤون العرب والمسلمين في خارج مصر وتشاركهم في بحث أحوالهم وتنصرهم على خصومهم السياسيين ( الذين هم في الغالب فريق واحد من مصر وخارجها بأن ما يكسبونه من عطف ومؤازرة وكيف أن التربة كانت ممهدة أحسن تمهيد لقيام فروع لهم في الخارج .

وهذه إحدى خصائص هذه الحركة الجديدة في الإسلام, فلا يعرف تاريخ المسلمين منذ عهد طويل حركة دينية – سياسية تغلغلت إلى كثير من البلدان العربية والإسلامية وكسبت الموازين والأنصار كما فعلت هذه الدعوة ومما أعانها على النجاح في الخارج بروز العنصر السياسى على العنصر الدينى فلو كانت حركة دينية محضة لكان انصارها من طبقة معينة.

ولكن اتجاهها نحو السياسة التحررية والانحياز إلى جانب الوطنيين في كفاحهم الأجنبى دون إثارة النعرات الدينية أو الطائفية جذب إليها أنصارا من جميع الطبقات ومن ذلك طبقة الشبان المتعلمين ورجال السياسة .

فهى في الخارج أقرب إلى الحزب السياسى منها إلى الهيئة الدينية.

يضاف إلى ذلك أنهم فطنوا مسبقا إلى وجود خلافات مذهبية في البلاد العربية الإسلامية – كالسنة والشيعة والعلويين الخ – فصمموا على اغفالها إغفالا تاما, منذ البداية واعتبروا المسلمين جميعا كتلة واحدة يجمعها القرآن . وقد أشاروا إلى هذا المعنى في كتاباتهم وخطبهم كثيرا فكسبوا عطف الجميع وأرادوا في بعض البلدان أن يجذبوا أعضاء من الفرق الإسلامية المنحرفة عن السنة . والواقع أن عددا من تلك الفرق اشترك في الدعوة في مصر وخارجها.

وبعد يحسن بنا أن نبدى رأينا بصراحة وإخلاص في هذه الدعوة ذاكرين مالها وما عليها.


الفصل الثامن: تحليل الدعوة

أن الفصول السابقة تهدف إلى إعطاء صورة كاملة قدر المستطاع لدعوة الإخوان المسلمين مدعومة بالنصوص المنقولة من كتبهم ومنشوراتهم .

وكان العمل إلى الآن أشبه بجميع أجزاء صورة متقطعة كالتى يلعب بتا الصغار لتتكون منها صورة مطابقة للأصل وهذا العمل سهل إلى حد ما لأنه لا يتطلب سوى درس المنشورات الإخوانية , وانتزاع الحقائق التي تمثل حركتهم وعرضها بدقة ووضوح وتجرد عن الغرض.

ولكن الدعوة تستحق درسا عميقا ونظرا شاملا , ونقدا علميا لإبراز خصائصها. ففى أحيان كثيرة لا يكفى أن تعرض الصورة أمام المشاهدين , بل لابد من كتابة شرح في أسفلها يعين المشاهدين على تفهمها وتذوقها, ولو جاء هذا الشرح ممثلا لرأى فرد واحد هو صاحب الشرح, قد يتفق وآراء المشاهدين أو يختلف .

وقد ألف هذه الدعوة ما لم يؤلف في دعوة مثلها في العالم الإسلامي ولكن الكثرة الكبرى كانت تقصد نشر الدعوة والترويج لها واظهار محاسنها ,يكفى أن تكون صادرة عن الإخوان أنفسهم حتى تكون كذلك. وألفت في نقد الدعوة كتاب أو كتابان.

وعيب هذا التأليف أنه قصد إلى تجريح الدعوة وتسفيه آرائها وإظهار مساوئها, ولذلك لا يصح أن يركن إليه.

ولا نعرف كتابا نظرا إلى الدعوة نظرة علمية أو مجردة عن الهوى – معها أو عليها – وحاكمها على ضوء الحركات الإسلامية السابقة , وعلى مقوماتها الذاتية , وأثرها في الحياة العامة في مصر وسائر البلدان التي ظهرت فيها , إيجابا أو سلبا وهذا العمل على جانب كبير من الصعوبة والدقة ويتطلب من التجرد والإناة والعمق والاطلاع الواسع وتوافر المؤلفات الإخوانية من كتب ونشرات ومجلات وجرائد ما لا يكاد يتيسر لأحد , وعلى ذلك فيسظل بعيدا عن الكمال إلى أن تصبح الحقائق التاريخية – المتعلقة بالدعوة – أكثر وضوحا , ابعد عن ملابسات الحوادث الجارية .

وعلى كل فهذا التحليل يفرض فيه أن يكون أقرب إلى الصواب من مؤلفات الأنصار والخصوم على السواء. تتصف هذه الدعوة بالنسبة إلى الدعوات الإسلامية السابقة بأربعة أمور: الأول الشمول , والثانى التنظيم الدقيق, والثالث الشعبية والرابع التفاعل مع ألأحداث المحلية في مصر.

أما الأول – الشمول – فقد استخلصوه من الدين إذ أنهم فهموا تعاليم الإسلام أنها شاملة الناس في الدنيا والآخرة لا روحية أو عبادية فحسب ولذلك قالوا عبارتهم المشهورة :" الإسلام عقيدة وعبادة ووطن وجنسية ودين ودولة وروحانية وعمل ومصحف وسيف". ووضعوا منهاجهم حسب هذا المفهوم شاملا جميع نواحى الحياة الروحية والسياسية والحربية وأية ناحية أخرى تتصل بلدين أو الدولة بسبب من الأسباب.

ولا يعرف تاريخ الإسلام " دعوة بهذا المفهوم الواسع الشامل فقد ظهرت حركات سياسية, وحركات روحية , وحركات اصلاحية أما الحركة الشاملة لكل الحركات بللا حصر فهى هذه الدعوة.

ونتج عن ذلك أن أغرق الدين بطوفان من الظواهر غير الروحية .

وربما صحّ أن يسأل سائل ما علاقة الدين بشركة تجارية أو مزرعة تعاونية أو فرق كشفية ؟ وقد اثاروا هم أنفسهم هذا السؤال , وقدروا أن يبدو عملهم هذا متناقضا وردوا قائلين:"

هذه مظاهر قد يراها الناس متنافرة ولا يلئم بعضها ببعض . لو علموا أنها جميعا يجمعها الإسلام, ويأمر بتا الإسلام ويحض عليها الإسلام, لتحققوا فيها مظاهر الالتئام للإسلام أو الدين جملة.

ولئن يقصدون أن الدين يقيم في قلب المؤمن ضميرا حيا يلازمه في حركته وسكونه , في حله وترحاله في عمله وفى أوقاته فراغه.

فذالك قصد له مبررات ويلتقى عليه كثير من المفكرين وإن كانوا يقصدون أن الدين يشرع لهذه المظاهر الدنيوية ويفرض سلطانه عليها ويحدد سلوك الفرد فقد غالوا في مفهوم الدين ووضعوا أمام السائرين في الدنيا مزالق لا يؤمن فيها العثار .

وهو قصد مستبعد لأنه لا يلتئم مع ما قرره ( البنا ) من أن الشعوب الغربية وصلت " من حيث العلم والمعرفة واستخدام قوى الطبيعة والرقى بالعقل الإنسانى إلى درجة سامية عالية يجب أن يؤخذ عنها " كما يجب أن يؤخذ عنها " التنظيم والترتيب وتنسيق شؤون الحياة العامة تنسيقا بديعا" وقوله " الحضارة الغربية والحياة الغربية قامت على العلم والنظام فأوصلها المصنع والآلة إلى حبى الأموال والثمرات وملكها نواحى الأمم الغافلة 270".

وأقوال ( البنا ) هذه تدل على الإنصاف وبعد النظر , وهى في الوقت نفسه تنحى العصبية الدينية عن العلم والمعرفة والتنظيم التي هي ميراث الحضارات المتعاقبة . واقتحام الدين فيها عدا كونه مخالفا للواقع بصيغها بصبغة خاصة وينفر الناس منها , مما يؤدى إلى الانعزال العلمى والفكرى وشلل بعض الجماعات الإنسانية شللا تاما:

ولنا أن نسأل : وما الذي حمل الإخوان على مطّ الدين على هذا النحو؟

الواقع أن الذي حملهم على ذلك عوامل داخلية اقتصادية وسياسية .

فقد رأوا معظم الشركات أجنبية ورأوا السياسة تحرس هذه الشركات . ورأوا الدين عاملا فعالا في التفكير والترغيب في آن واحد.

فتوسلوا به , وأدخلوه هذا المدخل. ولغلبة العصبية الدينية أقبل المصريون على شركاتهم جميعها. وطالما برزت الغاية الوسيلة.على أن شركاتهم هذه الصناعية والتجارية والزراعية كانت اسلامية اسما وفنية محضة عملا فآلات الصناعة والزراعة والتجارة من صنع الغرب . وقد ذكر أنه شوهد في مزرعتهم من الآلات الحديثة ما لم ير مثلها إلا في السينما 271. وهذا يدل على أن الإهابة دينية والعمل فنى غربى . ولولم يكن الأمر كذلك لما نجحت بل لما وجدت.

والصفة الثانية هي التنظيم الدقيق الذي لا يعرف له مثيل حتى في الحركات الإسلامية السرية ( الباطنية" لسبب بسيط وهو أن الدعوة جاءت بعد تلك الحركات بنحو ألف سنة فاستفادت منه كما استفادت مما جد من حركات في الغرب ويبدو أن المؤسسين اطلعوا على جميع الأنظمة التي تيسر لهم الاطلاع عليها , حينما كانت اسلامية أم غربية ,

درسوها دراسة دقيقة وأخذوا منها ما يلائم الدعوة أي الزعم أنهم اقتبسوا نظاما معينا على سبيل التقليد – كما يدعى خصومهم 272 فلا مبرر له.

لقد كانت جمعيتهم أشبه بساعة مضبوطة كل قطعة فيها تعمل بالتعاون مع سائر القطع وكالساعة أيضا يمكنك أن ترى بعض قطعها ولا يمكنك أن ترى قطعا أخرى لأنها موضوعة بحيث لا ترى ولكن بين ما يرى وبين ما لا يرى صلة أكيدة.

وليس هذا التشبيه من باب البيان . فهو مقصود لإظهار مواهب البنا, المرشد العام والمؤسس الذي كان ولا شك على جانب عظيم من المقدرة على التنظيم ولربط هذه القدرة بصناعة الساعات التي احترفها والده واحترفها هو فترات قصيرة عن رغبة وميل.

فالبنا ساعاتى موهوب للغاية حقيقة ومجازا صنع ساعة انسانية بمهارة فائقة , ونظم أجزاءها أدق تنظيم وكنت عقاربها تسير بغاية الضبط ويقول الذين شاهدوا تطور الحركة عن كتب واحتكوا ب النبا احتكاكا شخصيا أنه كان يشرف على كل صغيرة وكبيرة سواء أظاهرة كانت أو مخفية ولتثبيت هذا الإشراف وإعطائه الصبغة الشرعية نصت المادة 13 من قانون النظام الأساسى على أن تبايعه الهيئة التأسيسية و الإخوان في الشعب المختلفة عن طريق رؤسائهم ويجددوا بيعتهم معه لأول لقاء يجتمعون به فيه على " السمع والطاعة".

ونصت المادة 21 على أن يقسم أعضاء المكتب بالله على أن يكونوا حراسا أمناء لمبادئ الإخوان ونظامهم الأساسى واثقين بقيادتهم منفذين لقرارات المكتب العام القانوينة " وإن خالفت آراءهم".

وقسموا الأعضاء إلى مراتب صف أول وصف ثان وعضو مؤيد وعضو عامل . ولا يجتازون هذه المراتب إلا بعد اجتياز اختبارات معينة ومتى بلغ العضو مرتبة " العضو العامل" حق له أن يحضر اجتماعات خاصة يعقدها ألبنا نفسه.

وتيسيرا لمهمة الإشراف على هؤلاء الأعضاء العاملين كانوا يقسمون إلى وحدات روحية وهى : النواة والخلية فالأسرة فالكتيبة. ويرئس كل وحدة نقيب مسؤول عنها من الناحية التوجيهية وإذا وجد في شعبة واحدة كتبيتان أو أكثر كونوا جميعا " مجموعة" يكون نقباؤها مسؤولين أمام رئيس الشعبة الذي يعتبر من الوجهة لروحية النقيب العام لجميع الأعضاء العاملين.

وحين تعددت ( الشعب) اعتبرت كل شعبة وحدة إدارية لها مجلس إدارة تختاره الجمعية العمومية. وربطت هذه الشعب ربطا محكما بالمركز العام عن طريقين:

الأول أن يخطر المركز العام بجول أعمال هذه الشعبة قبل اجتماع الجمعية العمومية بعشرة أيام على الأقل ليتسنى للمركز العام أن يرفد من يمثله فيه والثانى اشترط لصحة القرارات التي تتخذها الجمعية العمومية للشعبة أيا كانت " موافقة المكتب عليها" والمكتب العام هو الذي له حق تثبيت أو رفض الشعبة الجديدة وهيئتها الإدارية وحق حلها كذلك.

ولتوزيع الأعمال وتأمين سيرها المكتب العام لجانا متعددة كل لجنة تختص بدراسة ناحية من نواحى نشاطه العام أو نشاط أحد الأقسام. كما ألف أقساما لتولى الأعمال الرئيسية التي يضطلع بالعالم الإسلامي الخ. وجعلوا " المركز العام" مقر القيادة .

والقوه من الهيئة التأسيسية ( نحو مائة عضو) ومن مكتب الإرشاد العام ( أثنا عشر عضوا من أعضاء الهيئة التأسيسية يرشحهم المرشد بنفسه).

ومكتب الإرشاد العام يرئسه البنا. ويقسم أعضاؤه اليمين على حراسة مبادئ الإخوان ونظامهم الأساسى والثقة بالقيادة وتنفيذ القرارات.

وينعقد كل سنتين مؤتمر عام من رؤساء شعب الإخوان بدعوة من المرشد العام.

وكانت تلقى أحاديث في بعض أيام الأسبوع بانتظام بالمركز العام . فحديث يوم الثلاثاء وحديث يوم الخميس خاص بالطلبة.

وكانت لهم فرق عسكرية تسمى " الجوالة" تتعلم النظام العسكرى وتتبع الشعب ولكل شعبة جوالتها في الغالب.

هذه هي الأجزاء الظاهرة من آلة الساعة باختصار . وهى لا بد من أن أن تكون مقتبسة من عدة مصادر شرقية وغربية.

أما القسم الخفى من أجزاء الآلة فكان يسمى ( النظام الخاص) – السرى – وهو يتألف من الأعضاء العاملين المخلصين ويقابله " المحيط العام وهو الذي يتولى النشاط الظاهر .

ويتكون هذا القسم الخفى حسب وصف النيابة 272 من مجموعات . ولا ينتسب إليه إلا الأعضاء الذين وقفوا على سيرة حياتهم مفصلا.

فعلى كل واحد منهم أن يقيد أعماله اليومية من حيث تلاوة القرآن وحفظه وتلاوة ( المأثورات) 273 وتلاوة ورد الرابطة والقيام بالألعاب الرياضية صباحا ومساء والصلاة حاضرا. وعليه أن يقدم دروسا معينة تنتظم في أربعة مراحل

والمراحل تشمل دراسات أدبية وروحية ودينية ودراسات في استعمال السلاح , ودراسات في القوانين, ودراسات في الإسعاف الأولية. وعليهم كذلك أن يخضعوا لكشف طبى لفحص قوة الأبصار وسعة الصدر والحالة العصبية الخ.. وفى نهاية كل مرحلة يجتاز العضو فحصا نظريا في المواد التي درسها وبعد إتمام هذه المراحل تأتى البيعة يتلقاها المرشد أو من ينوب عنه.

ويؤديها كل عضو على انفراد في غرفة مظلمة . وفيها يقسم العضو على الطاعة – على مصحف ومسدس – ويخبره أحد البيعة عن السبب في إنشاء هذا النظام وعن الجهاد في سبيل الله باعتباره الوسيلة الوحيدة لنصرة الإسلام وينذره بأنه أن أفشى سرا من أسرار النظام فجزاؤه الموت . ويكون لكل عضو رقم خاص سرى.

وهم في الغالب يؤلفون مجموعات صغيرة تتكون من خمسة يديرها رئيس . وهذا كله مما وصلت إليه نيابة وذكرته في مرافعتها.أما مهمة أعضاء القسم فتنفيذ الأوامر التي تصدر لهم وهى في الغالب تتعلق ب الجهاد أو القتال على أي وجه من الوجوه.

هذا هو عمل الأجزاء الخفية من الساعة بقدر ما وصلت البنا ومن الصعب التثبت من صحتها كلها . ولكن الراجح أنها صحيحة جملة . وأنها جزء من " الدعوة".

وقد حاول بعض الذين اطلعوا على هذا النظام الخاص أن يربطوه بنظام ( الحشاشين) أو ( الباطنية) – التي هي من الإسماعيلية – الذي سار عليه حسن الصباح .

ومن الصعب القطع في ذلك. وعلى كل فالثابت أنهم – كما ذكر سابقا – استفادوا من جميع الأنظمة التي اطلعوا عليها شرقية وغربية اسلامية وغير اسلامية. وأنظمتهم المتعلقة بالوسائل مزيج من الأنظمة السلفية والصوفية الباطنية والنازية وربما الشيوعية .

وبعد هذا العرض الموجز لنظامهم لا يسع الباحث إلا أن يعترف بأنه أولا نظام دقيق محكم . وأنه ثانيا مزيج من أنظمة متنوعة .

وأنه ثالثا من ابرز صفاتهم ومظاهر قوتهم ونجحاهم وأنه رابعا مطبوع بالطابع الدينى الذي هو طابع الدعوة كلها.

وصفتها الثالثة المميزة " الشعبية " أي العناية بالشعب بأساليب أقرب إلى الاشتراكية منها إلى أي مذهب آخر ولملائمة هذا الاتجاه لحياة سواد المصريين المبتلين بالرأسمالية والطبقية التي تجعل ما بين الفلاح والباشا هوة – سحيقة جدا وسائر الآفات الاجتماعية وما يترتب عليها نجحت الدعوة بين هذا السواد نجاحا عظيما.

والحق أن ( البنا ) كان بارعا غاية البراعة في التوفيق بين مبادئ الإصلاح الاجتماعى التي وصلت إليها الأمم الغربية بعد طوال التجربة والدرس وبين مبادئ الدين .

ولكنه بالطبع كان يصبغ المبادئ الغربية بالصبغة الدينية. ولم يكلفه ذلك عناء كبيرا فقد مده الإسلام بقواعد عامة تلغى الفروق الجنسية والطبقية في المجتمع وتجعل الأفضلية " للتقوى" كما جاء في الحديث والقرآن :"

أن الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء الناس لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربى على أعجمي إلا بالتقوى "" واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا " فأحسن هو عرضها وشرحها.

واستطاع ألبنا بذكائه أن يضع دعوته بين نظامين هما النازية الفاشتية والشيوعية . وهو من جهة سفة النظامين وحمل عليهما حملات شعواء سفه النازية – الفاشستية لأنها تقوم على الجنسية وتؤدى إلى تناحر الأجناس البشرية في سبيل وهم من الأوهام , وسفه الشيوعية لأنها تقوم على هدم الأديان وشيوع الملكية ونزع الملكية الفردية .

ورأى الإسلام يقوم على قاعدتين سليمتين الأولى الآدمية – نسبة إلى آدم – التي ترد الناس جميعا إلى أب واحد وأم واحدة. والثانية الصلة البرانية التي تجعل أكرم الناس اتقاهم. ف الإسلام لا يعترف بالفوارق الجنسية ولا يترك الإنسان كتلة مجردة من كل إحساس دينى 274.

وهو من جهة ثانية درس النظامين واستفاد منهما. أخذ من الأول النظام والطاعة , أو في الحق شيئا يشبه الديكتاتورية وحصره بنفسه 275 , وأخذ من الثاني التكافل بين الطبقات والإخوة الإنسانية في الدنيا دون تمييز بين شعب وشعب .

واعتبر هو من هذه المظاهر التي أخذها مجرد اتفاق ظاهرى . ولكن الواقع أنها أصلا من أحد المذاهب الغربية .

مثال ذلك أول : الضرائب التصاعدية

ثانيا : ضريبة الأيلولة على التركات

ثالثا حماية الملكيات الصغيرة والحد من الملكيات الكبيرة ,

رابعا : توزيع أملاك الدولة على صغار الزراع ,

خامسا : استغلال منابع الثروة الخ..

وهذه جميعها دعا البنا إلى الأخذ بتا بصراحة في معرض الدعوة إلى محاربة الشيوعية 276 . ومن أين جاء بهذه الآراء الاشتراكية الصريحة ؟ أن هذه المبادئ تحمل الجواب في طيتها ولكن لا يصح أن يفهم أن البنا كان اشتراكيا بالمعنى الغربى لقد كان مسلما أولا وأخيرا. مسلما وجد هذه المبادئ تدخل في الإطار الإسلامي العام والحق هي كذلك.

وماذا كانت نتيجة هذه " الشعبية" أو الاشتراكية – الإسلامية " لقد إستهوت الطبقات الفقيرة من عمال ومزراعين وقد قال البنا مرة :"

ليس أولى بالعمال من الإخوان وهم كلهم أو جلستهم من العمال . وفى وسط العمال نشأت دعوتهم ودرجت فكرتهم . ومن العمال كان المؤمنون الأولون والمجاهدون المؤسسون .. 277" وقد انتشرت بعد في مصر بسرعة فائقة لا تعرفها دعوة إسلامية سابقة .

أمرد ذلك الدين ذاته أم الاشتراكية نفسها ؟ من الصعب الإجابة عن هذا السؤال وربما كانا معا السبب . فالمعروف عن الطبقات الفقيرة أنها ذات عاطفة دينية قوية.

ولكن الفقر أيضا شنيع ومن يتصدى لقتاله يجذب الأنصار.

لقد اتهم الإخوان بالرجعية وهى تهمة غير صحيحة أو على الأصح غير دقيقة . لقد كانوا تقدميين إلى حد كبير في نشاطهم الاجتماعى نظريا وعمليا. وكانوا تقدميين في نشاطهم الزراعى وفى نشاطهم التجارى وهذه أمور لا شك فيها ولولا ذلك لما نجحوا أي إن صح نعت الاشتراكية بالرجعية .

والحق أن البنا عرف كيف يلائم بين هذه الاشتراكية وبين الدين عرف كيف يصبغ الاشتراكية بالدين أو إن يحشو الاشتراكية في غلاف دينى. وهذه إحدى صفات الدعوة البارزة بل واحد أسباب نجاحها.

أما الرجعية ففى النظر الضيق أو على وجه الحصر في مسألة الحكومة الدينية, لا الدين نفسه . فالدين نفسه قوىّ شعبيتهم ومكن لهم ولذا كانوا كلما دنوا من الغاية من الحكومة الدينية توقع المترقبون انفجارا عنيفا يؤدى إلى إحدى ثلاث نتائج.

أما انهيار الاشتراكية التي تبنوها . وأما انهيار الحكومة الدينية. أما انهيار الدعوة كلها . وهم ,غن كانوا اقترفوا من هذه الغاية بعض الاقتراب , وظهرت في الجو أمائر الانفجار , إلا أنهم لم يبلغوها. وكانت نكصاتهم – ببش خصومهم

– تردهم ردّات بعيدات إلى الخلف . وكل ردة تنجيهم من قرب الانفجار ,,يخطئ من يتصور أن هذه الردّات تضعفهم أو تؤدى إلى القضاء عليهم . فما دام المرض قائما والعلاج مقدما في أية صورة من الصور فلابد من أن يقبل المريض على العلاج.

و الإخوان قدموا العلاج. وهو علاج حديث . ولكن هذا التصور يصح عندما يبلغون الغاية وحتى عند بلوغها من المتعذر الجزم بالنتائج فقديد ركون في آخر المرحلة أنه لابد من تسوية بين الاشتراكية والحكومة الدينية فلا يقع الانهيار.

وعلينا أن نذكر أنهم تبنوا منهجا تقدميا شعبيا في وقت كانت فيه الحكومات المتعاقبة قائمة على أسس حزبية لا على مناهج واضحة مدروسة.

وكان الذي تبنوه أخلق بحكومة منه بهيئة تتسم بالسمة الدينية. وقد أدركوا هذه الميزة من ناحيتهم والضعف من ناحية الحكومات فراحوا في كل مناسبة يهاجمون النظام الحزبى – الذي لا منهاج واضح له

– وينتقدون جميع الأحزاب على السواء ويدعون إلى حلها وتبنى منهاجهم كله بدلا من النظام ملائم للأحوال السائدة في مصر ولكن منهاجهم كله الذي تقدموا به لم يخل من نواح ضعيفة. ولو أنهم كانوا حزبا سياسيا محضا

– بالمعنى الصحيح – مقتصرا على لنواحى السياسية والاجتماعية والاقتصادية لكان لهم شأن غير هذا الشأن .

والصفة الرابعة التفاعل مع البيئة بإحداثها المتعاقبة وليس ثمة دليل على أنهم رد فعل للأحوال السائدة أقوى من نجاحهم لتلك الأحوال وهذه إحدى صفاتهم البارزة أما تفسير انتشارهم فى كثير منن البلدان خارج مصر فهو تشابه معظم الأحوال السائدة فى مصر وتلك البلدان.

فمنهاجهم السياسى القائم على التحرر من أية سلطة أجنبية هو فى الواقع رد فعل للحكم الأمبريالى ولولا هذا الحكم لجاز أن نفترض خلو الدعوة من النص على الاتجاه السياسى فهم

– من هذه الناحية

– حلقة من سلسلة الحركات السياسية المناهضة للإمبريالية كحركة عرابى و الحزب الوطنى و حزب الوفد . والخلاف الوحيد بينهم وبين الحلقات السابقة أنهم يناهضون الإمبريالية على أساس دينى لا مدنى فحسب. فهم يرون ا، الإسلام لا يقبل حكما أجنبيا أو سيادة أجنبية ويرون ديار الإسلام كلها سواء فى هذا الحكم . ومن هنا كانت دعوتهم عامة لا خاصة.

ذكر البنا أنه قرأ مرة حكما فقهيا بالنص التالى :"

امرأة مسلمة سبيت بالمشرق وجب على أهل المغرب تخليصها وافتداؤها ولو أتى ذلك على جميع أموال المسلمين ".

واستخلص منه أمرين : الأول أن الوطن الإسلامى واحد لا يتجزأ وأن العدوان على جزء من أجزائه عدوان عليه كله.

والثانى أن الإسلام فرض على المسلمين أن يكونوا أئمة فى ديارهم سادة فى أوطانهم ثم قال : من هذا يعتقد الإخوان المسلمون أن كل دولة تكف عدوانها ولابد من أن يعد المسلمون أنفسهم ويعملوا متساندين متحدين على التخلص من نيرها 278 .

وذهب إلى أن المسلم أعمق الناس وطنية لأنها مفروضة عليه من الله.

ولهذا عنيت الدعوة ب الجهاد عناية كبيرة كما عنيت بالقوة والفتوة ونظام الجندية - الكتائب – كى تسند القوة الإيمان وعلل البنا اتجاه الدعوة إلى هذه الوجهة بقوله :

وتصادف نشأتها – أى الدعوة – عهد الصراع القوى العنيف بين الأجنبى المغتصب والوطنى المجاهد . فكان من أثر هذه الظروف أن تميزت هذه الدعوة بخصائص خالفت فيها كثيرا من الدعوات التى عاصراها 279. هذا من حيث السياسة الخارجية أما من حيث السياسة الداخلية فقد كانت كذلك رد فعل لعاملين أساسيين :

الأول التناحر الحزبى الذى لا يتفق مع أخوة الإسلام من ناحية والذى آل إلى استمرار عملية البناء والهدم.

والثانى خلو المبادئ الحزبية من مناهج اصلاحية وهذا دعائم إلى نبذ الحزبية ووضع منهاج اشتراكى شامل يعالج جميع شؤون الدولة .

هذه هى أهم الأسباب التى زجت الإخوان فى السياسة على النحو الذى بيناه ولولاها لكانوا فى الأرجح هيئة دينية محضة.

أما الشطر الآخر من منهاجهم الذى يتعلق بالشركات الصناعية والتجرية والزراعية فهو أيضا رد فعل لعوامل داخلية فقد رأوا استئثار الشركات الأجنبية بالمشاريع الكبيرة .

ورأوا المصريين عملاء وإجراء لا ينالهم من الأربح إلا حظ ضئيل جدا فتقدموا يقتحمون الميدان بعصبية قومية – دينية . وكانت مصر بعد الحرب فى المدارس التجارية ولصناعية عدد كبير من الشبان المصريين فساعد ذلك على أن ترتكز العصبية على أساس علمى فى وعلى أن تنجح مشاريعهم كلها نجاحا كبيرا.

ولم يستطع الإخوان ولا البنا نفسه أن ينكر فضل العلوم الغربية والصناعات الغربية التى قوامها الآلة والفن والخبرة – كما ذكر فى صدر هذا الفصل – لأنهم رأوها سبب التقدم والنجاح فى معاملتهم وشركاتهم نفسها ولو قاطعوها لمجرد كونها غريبة و غير إسلامية لظلوا أصحاب دعوة " كلامية"

لا أثر مادى لها وبقى بعد هذا من مناجهم الناحية الدينية المحضة . وهى أيضا رد فعل لدور الانتقال العقل للاحتكاك بين الشرق والغرب وللهزات الاجتماعية التى تعقب الحروب لقد أنتجت هذه العوامل أزمة روحية صراعا بين القديم والجديد بين الدين والعلم, بين الحرية والتقليد .

ومن ظهر لمعالجة الأزمة جميع الذين كانوا فى الميدان لم يجابهوا الواقع ولم يكونوا أصحاب مناهج شاملة فرجال الدين الرسميون كانوا جدليين نظريين. ورجال الفرق الصوفية كانوا روحيين ضيقى الأفق .

وجمعية الشبان المسلمين كانت أشبه بجماعة اجتماعية. وهكذا كانت كل جماعة تعالج الأزمة علاجا جزئيا. ومن ثم كان هناك فراغ إلى أن ظهر الإخوان فملأوه على القواعد التالية :

أولا : ربطوا الدين بالدنيا وهذا مخالف للصوفية التى كان همها الدين فقط – حسب مفهومهم – رأوا الأزمة الدينية نتيجة لمقدمات مادية متنوعة.

ثانيا : وضعوا منهاجا شاملا لجميع المقدمات للسياسة والاقتصاد والتعليم والاجتماع الخ..

ثالثا: رأو نقطة البداية تكوين شعب جديد تنفخ فيه قوة نفسية تتمثل فى الإرادة القوية والوفاء الثابت والتضحية والمعرفة بالمبدأ.

ولهذا عتوا بالوعظ والإرشاد والتعليم عناية كبيرة بالمحاضرة والإذاعة وكتابة المقالات وكتابة الرسائل وكتابة الكتب فى سبيل تكوين الشعب.

رابعا : نزلوا إلى الشارع والسوق والقهوات يكونون لهم تلاميذ فيها . ومن ثم وسعوا دائرة نشاطهم فاعتنوا بالطبقة الوسطى والعالية.

خامسا: اختصروا الطريق بالعودة إلى القرآن والحديث لكى يجمعوا جميع الطوائف الإسلامية تحت لوائهم ولكى يتجنبوا الجدل فى الجزئيات التى لابد من الإختلاف فيها وهو عمل حميد لأن الفرقة بين الفرق قد طالت وشغلتها الجزئيات عن الأسس والأعراض عن الجواهر. ولكنهم تمسكوا بحرفية النص وأظهرها أنهم أرادوا أن يكون مقلدين 280.

ولكنهم فى الواقع لم يستطيعوا أن يكونوا كذلك فى جميع الحالات . لقد رأيناهم فى الصناعة والزراعة والتجارة ولتنظيم يأخذون بأحدث الأساليب . ورأيناهم يحسنون اختيار النصوص الداعية إلى القوة والجهاد والعمل والتخلق بالأخلاق الكريمة والجمع بين الدين والدنيا. ولكنهم أظهروا تصلبا قويا فى التشريع .

ووقفوا أمام النصوص وقفة المتقيد الجامد . لم يرتاحوا إلى الاجتهاد والتأويل على نحو ما فعلت بعض الفرق الإسلامية بل على نحو ما فعل محمد عبده قبلهم بمدة قصيرة وربما مفقودا فى بعض النفوس الأخرى, وكانت مادتهم الأولية سواد الشعب الجاهل .

وهذه الظواهر من طبيعتها أن تدعو إلى التشدد . والدين حينما يكون متأصلا فى النفوس لا يخشى عليه من الحرية الفكرية والتسامح والتاويل لكى يسير مع الحضارة النامية جنبا إلى جنب .

يضاف إلى ذلك أن العالم قد تقارب كثيرا فى هذا العصر وأضحى من الواجب الخير للبشرية جمعاء أن تضيق شقة الخلاف بين الأديان ,

وأن تدنو المفاهيم الروحية بعضها من بعض وكل تشدد فى الحرفية يؤدى إلى العزلة والعزلة تناقض طبيعة الحياة الحاضرة ثم أن العلم قد انتشر فى مصر وفى سائر البلدن العربية والإسلامية والمتعلم لا ينجيه من الشك فالإلحاد إلا مرونة الدين وقابليته للتأويل والتيسير.

والخلاصة أن حركة الإخوان رد فعل للأوضاع السائدة فى مصر وأصولها مستمدة من البيئة وهى لذلك حركة ذات طابع خاص يميزها عن الحركات السابقة .

كتب أحمد حسن الزيات فى مجلة الرسالة يقول:" الإخوان المسلمون هم وحدهم الذين يمثلون فى هذا المجتمع الممسوخ عقيدة الإسلام الخالص وعقلية المسلم الحق .

أنهم لا يفهمون الدين على صومعة منعزلة ولا الدنيا على أنها سوق منفصلة وإنما يفهمون أن المسجد منارة السوق وأن السوق عمارة المسجد.. وكان للإخوان المسلمين فى الإرشاد لسان وفى الاقتصاد يد وفى الجهاد سلاح وفى السياسة رأى ..

فلهم فى كل بلد من البلدان العربية إتباع وفى كل من الأقطار الإسلامية أشياع .. وما يقظة الوعى العام فى مصر و السودان وفى العراق و سورية وفى اليمن والحجاز وفى الجزائر ومراكش الإشعاع من هذه الروح سيكون له بعيد حين نبأ 281"وهذا قول فيه كثير من الصواب وإن كان لا يخلو من الزخرف البيانى المشهور عند أدباء الكتاب.

ويخطى من يظن أن حركة الإخوان قد انتهت بمقتل البنا أو أنها حركة مصيرها الإخفاق . فقد أثبتت الأيام الأخيرة أن الحركة ظلت تسير بعد مقتل البنا سرّا, وأنه ما كادت الحكومة المصرية ترفع الحجز عنهم حتى عادوا سيرتهم الأولى وتجددت صحفهم ,

وعادت كتائبهم وعادت محاضراتهم , بل إنهم قد اكتسحوا اتحاد جامعة فؤاد فى القاهرة – كما ذكر سابقا – وهذا كله يدل على أنهم لم يبدوأ من أول الطريق بل واصلوا سيرهم من حيث انتهوا.

وليس ثم أمائر الهزيمة – كما يتصور بعض الناس – ولنذكر الحادثة الطريفة التالية : كتب صحفى لبنانى فى جريدة ( صدى لبنان ) فى أواخر شهر يناير سنة 1952 يحبذ إغلاق الحكومة السورية أيضا من خريجى الجامعة الأميركية فى بيروت

– يرد عليه فى جريدة أخرى قائلا :" مهما اختلفنا معها فى الرأى فلسنا نجحد إخلاصها للبلاد وصدقها فى الجهاد .

وهل ينسى أحد أن الإخوان المسلمين سقوا أكثر من أى حزب آخر أرض فلسطين بالعرق والدماء ؟ هل ينسى أحد الإخوان المسلمين هم اليوم رافعوا لواء الجهاد المقدس ضد الانجليز فى قنال السويس 282؟".

وهذا يدل على أن لهم أنصارا يعطفون على الأقل على جزء من منهاجهم وهو أمر لا شك فيه البتة. والقول الحق فى الإخوان أنه ما دامت الأوضاع التى أدت إلى وجودهم قائمة فسيظلون عاملين . بل وربما يصح أن يقال أن أنصارهم سيزدادون فى مصر وفى سائر البلدان العربية . أما إذا اختفت هذه الأوضاع فالحكم على مستقبلهم يختلف .

والراجح فى هذه الحالة أن يسير نشاطهم فى مجرى رئيسى واحد, هو المجرى الدينى الذى كان نقطة البداية فى حركتهم.

ولكن الواقع أن هناك ثلاثة أمور ستكون محكا لثباتهم وستؤثر إلى حد كبير فى تقرير مصيرهم الأول : رأيهم فى الحكومة الدينية.

والثانى : موقفهم من الحضارة الغربية والثالث: موقفهم من اعتبار العنف وسيلة من وسائلهم.

فهم يؤمنون بالحكومة الدينية إيمانا راسخا. يؤمنون كذلك بالخلافة وبالجامعة الإسلامية ز فهل سيظلون يؤمنون بالحكومة الدينية وهل سيظل يؤمنون بالحكومة الدينية ؟ وهل سيظل مفهومهم للحكومة الدينية تطبيق حرفية الشرع ؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام وخاصة بعد أن يدنوا من أهدافهم رويدا رويدا.

وربما يدركون أن المجتمع النامى المتطور يحتاج إلى تشريع تام متطور وأن إيقاف نمو التشريع يعنى إيقاف نمو المجتمع وهو أمر يكاد يكون مستحيلا . يضاف إلى ذلك أن التشريع الإسلامى نما وتطور مع المجتمعات الإسلامية .

وما القياس والاجتهاد والاجماع إلا روافد للتشريع لم يكن منها بدّ . ولم يناقض هذا النمو الإسلام ولم يضره فى حال من الأحوال.

وقد رضى المسلمون عن هذا النمو بالإجماع عليه. فالمصريون الذين تتألف منهم الدولة المصرية قبلوا بالتشريع الحاضر . وهو تشريع نام متطور كان على غير الصورة التى هو عليها الآن , وظل ينمو إلى أن أصبح على ما هو عليه الآن, مستمدا أصوله من التشريع الإسلامى والقوانين المدنية الغربية فى وقت واحد. وكان معظم واضعيه والموافقين عليه مسلمين .

وحين وضعوه لم يبرأوا من الإسلام بل وضعوه وهم مسلمون واثقون بأن وضعه لا يضير المجتمع الإسلامى ولا الإسلام بل يقيدهما 283.


لا شك فى أن الإخوان لم يطالبوا بالحكومة الدينية عبثا. لقد رأوا بعض القوانين فى مصر تبيح ما نهى عنه الدين.

رأوا قانونا يبيح الزنا وآخر يبيح الخمر , وهما محرمان دينا, فثأروا وطالبوا بتطبيق التشريع الدينى فى جميع الأحوال بلا استثناء كما كان الحال فى صدر الإسلام وهذا هو موطن الدقة فى هذان ا لقانونان مثلا؟ هل كل تشريع مدنى فاسد؟ لو كان الأمر كذلك لكان التشريع الغربى , بل تشريع العالم أجمع – عدا القسم من العالم الإسلامى الذى يطبق التشريع الدينى – فى كل الأمم وهو قول قاطبة. والمصلحة العامة تلتقى مع الغرض الأسمى من الدين .

ولا يجوز عقلا أن يختلفا.

يحتج الإخوان بأن التشريع المدنى من صنع الإنسان والإنسان معرض للخطأ والزلل. فى حين أن التشريع الدينى من الله والله معصوم عن الخطأ ضرورة.

وإذن فالتشريع الدينى خسر من التشريع المدنى. وقد رددوا هذا الاحتجاج مرارا فى مؤلفاتهم .

وهو لا غبار عليه . ولكن الهدف الأول من التشريع الدينى تحقيق المصلحة العامة أو السعادة الاجتماعية والمصلحة العامة تتغير بتغير الأزمان والأحوال . ومن نصوص المجلة تتغير الأحكام بتغير الأزمان ولذا أتى التشريع الدينى بالقواعد العامة وترك للإنسان حرية الاجتهاد مقيدا بالمصلحة العامة. والخلفاء الأولون اجتهدوا .

وظل الاجتهاد بابا من أبواب التشريع فى العصور الإسلامية الأولى إلى أن تجمد المجتمع الإسلامى فتجمد معه الاجتهاد . وهناك فرق إسلامية ما تزال تأخذ بالإجتهاد محافظة على هذا الحق الالهى والطبيعى معا . ولا أحد ينكر عليها أنها مسلمة قولا وعملا.

أما القوانين المدينة الظاهرة المعايب المفسدة للمجتمع فيمكن الاعتراض عليها . والمجتمع نفسه لابد أن يغيرها عندما تتبين له معايبها.

مثال ذلك تشريع إباحة الخمر فى أمريكا فقد أباحه القانون فترة . ثم عندما رأى المجتمع أن هذا القانون هدد مصلحة المجتمع الغاه بقانون مضاد . ثم لما تبين للمجتمع أن الإلغاء غلبت مساوئه محاسنه عاد إلى التشريع الأول .

وهكذا ظلت المصلحة العامة هدف التشريع الأول . كما أن هذه المصلحة هى هدف التشريع الدينى الأول. وهنا يلتقى التشريعان يضاف إلى ذلك أن القوانين ليست هى المسيطرة لى الناس بل الناس هم المسيطرون على القوانين.

فلو التزم المصريون – مثلا – حدود دينهم وتفهموا الحكمة من تشريعهم الخاص لامتنعوا عن شرب الخمر, ولتركوا لغيرهم من أصحاب الأديان الأخرى أن يتصرفوا كما يشاءون. ولكنهم فى حالة جهل دينهم وعدم اتباعه لا يفيدهم المنع بحكم القانون .

فهذه هى المخدرات - مثلا – تفتك فى الشعب والقانون يمنعها منعا باتا. وكان يجب أن يحول هذا القانون دونها .

ولكنه عجز, ولو سبق القانون إعداد تربوى يهدف تبيان مضار المخدرات وعلاج نفسانى عميق للحالات النفسية التى تستدعى استعمال المخدرات لحقق القانون غايته بل لما عادت حاجة القانون . فالقوانين – سواء دينية كانت أم مدينة – يعمل بعضها ولا يعمل بعضها الآخر حسب حلة الأمة فعندما تتثقف الأمة وترقى تستغنى عن كثير من القوانين التى سنت لها قبل أن تبلغ ذلك الدور.

وبعد ذلك كله فإن قضية التشريع الدينى جزء من قوام الحكومة الدينية التى يطالب بها الإخوان . وكثير من المسلمين يخالفونهم الرأى بشأن الحكومة الدينية.

ولو تبصر الإخوان فى هذا الموضوع لرأوا أن انتشار الوعى الروحى والمفاهيم الدينية على وجهها الصحيح فى سواد الأمة يجعل التشريعى ثانويا . لأن الأمة الخيرة التقية الصالحة فى غنى عن التشريع وخير المؤمنين من كان قاضى نفسه وقانونها أما الأشرار فعلى الحكومات أن تعالجهم باستئصال علل الشر لا بالتشريع وحده فالتشريع مع وجود العلة لا يغنى . ولذلك فإن رسالة الإخوان الأولى هى إحياء الوعى الروحى وتهذيب الأخلاق وبث الفضائل الإنسانية حسبما يقرر الإسلام 284.

ثم أن أمامنا الآن أمة أسلامية ناشئة هى ال باكستان . وهى تتمتع باستقلال يمكنها من إقامة حكومة دينية دون عائق ولا أحد يرتاب فى صحة اسلام الباكستانيين وحرصهم الشديد على الدين . وهم مع ذلك نحوا فكرة الحكومة الدينية مخاطبا مجلس الأمة:

" لقد قلت فبل هنيهة أن الشعب هو الممارس الحقيقى للسلطة وهذا بالضرورة يمنع خطر إقامة حكومة ثيوقراطية ( دينية) حقا أن الثيوقراطية بمعناها الحرفى تعنى حكومة الله. بيد أنه من الواضح أن العالم كله بهذا المعنى هو حكومة ثيوقراطية ,

إذ أتوجد بقعة فى الكون جمعية خارجة عن سلطان الله ؟ على أن الحكومة الثيوقراطية تعنى من حيث الاصطلاح حكومة رجال الدين المرسومين الذين يستعملون السلطة باعتبارهم معينين من قبل أولئك الذين يزعمون أنهم يستمدون حقوقهم من مركزهم الكهنوتى. ولست بحاجة إلى أن أؤكد أن فكرة كهذه غربية عن الإسلام تماما. فإن الإسلام لا يعترف بالرهبنة ولا بأية سلطة كهنوتية.

وبناء على ذلك فإن الثيوقراطية لا وجود لها فى الإسلام البتة. وإذا كان ثم من لا يزال يستعمل كلمة " ثيوقراطية" بمعنى نظام الحكومة الباكستانية فهم أما واقعون فى سوء فهم خطير , وأما سادرون فى دعايات شريرة وعندما تستعمل لفظه " ديموقراطية" بالمعنى الإسلامى فإنها تشمل جميع مظاهر حياتنا أنها تتناول حكوماتنا ومجتمعنا على السواء لأن إحدى عطايا الإسلام الكبرى فكرة المساواة بين جميع الناس.

هذا فيما يتعلق بالحكومة الدينية. أما فيما يتعلق بالتشريع فقد أظهر الباكستانيون ميلا إلى الأخذ بروح الإسلام لا بحرفية النص , وإلى غربلة القوانين لإنتقاء ما يصلح للعصر الحديث وهذا ما قالته مجلة the isainic ditar ature فى إحدى افتتاحياتها:

" إن النظر الشائع إلى الدين الذى يأخذ به المسلمون هو بالتوكيد تراث الملكية " القروسطية" والنظام الاقطاعى .

وربما أن العالم الحديث قد تجاوز هذين النظامين فإن تصورنا الدينى الحالى لا يعنينا على أن نسلك سبيلنا فى وسط بحر خضم من التغيير وعلى ذلك فمن الواجب أن نميز العناصر العامة فى الإسلام من العوامل العرضية الموقوتة التى تدخل بالضرورة فى أى نظام يحاول أن المشكلة الاجتماعية التى تتصل به آنيا .

أن الإسلام كان ولن يزال دينا عاما . وبيد أن مما يسهى عنه عاد أنه حتى الدين العام محاط بظروف محدود لا يمكن أن يتجاهلها إن شاء أن يعالج مشاكل الأمة العملية ومشاكل العصر الذى خلق فيه. وهذه الظروف المحدودة توجب له خصائص معينة وتلزمه ضروبا من الحلول ليست من متمماته, ويجب أن تفصل فصلا واضحا عن رسالته العامة الخالدة, أن أريد لتلك الرسالة أن تحتفظ فى جميع الظروف وفى جميع الأحوال المتغيرة التى تنجم فى العصور التالية.

وعلى ذلك يجب علينا أن نستخلص الإسلام العام من القرآن والحديث وأن نهمل العناصر التى اقتحمتها فيها ظروف المجتمع العربى المحدود وأحوال العالم الخاصة التى ترجع إلى القرن السابع الهجرى".

والمسألة الثانية هى الحضارة التى يقف منها أكثرهم موقف العداء . وهذا الموقف يؤدى إلى نتيجتين:

الأولى :

التنفير من الحضارة والإنطواء على الذات ودوام حالة الخمول التى أوصلت العالم الإسلامى إلى ما هو عليه الآن. والثانية نعت حركتهم بالرجعية ليس فقط فى نظر الغربيين بل وفى نظر المسلمين المتنورين. وقد حملهم على هذا الموقف جملة أسباب:

الأول : خلطهم بين الحضارة والإستعمار . وهم يجعلون هاتين اللفظتين مترادفتين فى كثير من الأحيان . وهذا – كما لا يخفى – خطأ.

والثانى : خلطهم بين الحضارة والدعارة والخمر والقمار والترف وما إلى ذلك من مساوئ اجتماعية . وهم يردّون هذه المساوئ الموجودة فى البلاد الإسلامية إلى الحضارة الغربية أما أن الحضارة الغربية كلها هى هذا الوجه البشع فغير صحيح.

وأما أن الغرب أدخل هذه المساوئ إلى الشرق بقصد أضعافه واستغلاله فأمر يدل على ضعف الشرق واستخذائه وفقدان أرادته وغفلته وعلى الشرق أن ينبذ هذه المساوئ لا لأنها تتنافى مع دينه فحسب بل لأنها ليست من الحضارة فى شئ.

والثالث: أنهم يظنون أن الحضارة الغربية خالية من الدين. وهذا وهم فالغربيون متدنيون إجمالا . والدين فى المجتمع الغربى عنصر حى. ولكنه نما وتطور وساير الحضارة واتجه نحو الناحية الأخلاقية أكثر من اتجاهه نحو التقاليد والطقوس.

وهذا عكس ما جرى فى الشرق. وهؤلاء الذين يحكمون على الغرب بأنه مجرد من الدين لا يعرفون الغرب , أو يفهمون الدين فهما مخالفا لفهم الغربيين, أو يحكمون الغرب , أو يفهمون الدين فهما مخالفا لفهم الغربيين , أو يحكمون عليه بما يرتكبه عدد من الجنود أو الأفراد الذين يرتادون الشرق. وهؤلاء لا يمثلون الغرب.

روى الشيخ عبد المجيد سليم شيخ الجامع الأزهر اليوم عن أستاذه الإمام محمد عبده أنه قال له بعد عودته من رحلة فى أوربا لقد ذهبت إليها فوجدت مسلمين عملا لا قولا , وعدت فوجدت مسلمين قولا لا عملا.. 287.

والرابع : أنهم يظنون الحضارة الغربية غربية عن الشرق والواقع غير ذلك. فالحضارة تراث انسانى عام اشتركت فيه جميع العقول وشارك فيه المسلمون مشاركة كبيرة . فهو اختلاط من تراث الأمم المتعاقبة. وقد عاشت الحضارة فى الشرق مدة طويلة . وإذا عادت إليه الآن فسيمتص منها ما يلائم الحال التى هو فيها.

فإن كان واعيا مدركا امتص العناصر الفاسدة او القشور المبتذلة فزادته شرا على شّر. وإن أخذ العناصر الصالحة فإنما يأخذها بذورا لإنماء حضارته هو.

والخامس : أنهم يظنون أن الحضارة الغربية أفلست بسياستها ومجتمعها وعلومها وآدابها. وإنها مشرفة على الانهيار . وهذا حكم سابق لأوانه. فقد تفلس فعلا هذه الحضارة. ولكنها – ولا شك – دائبة على درس أوضاعها وعللها وتجنب هذا من الحضارة الحاضرة إلى حضارة أتم وأرقى. وكونها فى هذا الدور يدل على حيويتها وتطلعها غلى الكمال لا على إفلاسها.

أما المفلس فعلا فهو الذى لا يقدر على صنع أدوات منزله وسلع حانوته ووسائل نقله واستغلال ثروته وإدارة بلاده.

هذه هى أسباب الحملة على الغرب والتغريب. على أن الإخوان كما يتضح من مؤلفاتهم – ميزوا أولا بين الحضارة العلمية والآلية وما يتبعها من نظام وبين التقاليد والعادات الغربية – أو على الأصح عند بعض الجماعات – والاستعمار نحو ذلك ودعوا إلى الأخذ بأسباب الشطر الأول. وهذا هو رأى البنا نفسه 288.

أما الشطر الثانى فقد غالوا فيه. فهناك اختلاف فى قيم التقاليد والعادات . وهناك فرق بين البحث العلمى والشك العلمى وبين الإلحاد. وهناك اختلاف بين الأفراد والجماعات فى مفهوم الدين أما الاستعمار فشر لا يمارى فيه, أغرى الغربيين به ولا يغال فيه ضعف الشرق وعزلته . وهو ليس من الحضارة فى شئ. وميزوا ثانيا بين الحضارة فى ديارها والحضارة – أو شرّ ما فى الحضارة – التى قذف الغرب بها الشرق 289 .

وهذا اعتراف بأن الحضارة فى ديارها تختلف عن هذه القشور التى ظهرت فى الشرق عن تقليد وضعف. وعسى أن يكون هذا التمييز من مظاهر الوعي الصحيح وبإدارة تؤدى إلى إعادة النظر فى الحضارة الغربية وتقويمها تقويما صحيحا يعتمد على العقل لا على العاطفة.

والمسألة الثالثة التوسل بالعنف لتحقيق أهدافهم لقد كان من جملة

المآخذ التى أخذها الإخوان على الشيوعية أنها مذهب هدام يحض على الثورة ويعتبرها الوسيلة الوحيدة لتنفيذ أغراضها فى حين أن القرآن الكريم يحث على الدعوة بالحسنى .

والمسلمون والمسيحيون يفسرون التاريخ بالإخاء والدعوة إلى المساواة والمحبة وقالوا : إن الإخوان يلتمسون طريق الإسعاد بالتجربة الهادئة والفكر السليم , والشيوعية تتلمس هذا الطريق بالعنف والثورة والهدم والحرب المستعرة 290.

ومع ذلك فقد قال البنا : إن الإخوان يستخدمون القوة العملية حيث لايجدى غيرها , وحيث يثقون أنهم استكملوا عدة الإيمان والوحدة ,

وهم يستخدمون هذه القوة سيكونون شرفاء صرحاء وسينذرون أولا وينتظرون بعد ذلك ثم يقدمون فى كرامة وعزة ويحتملون كل نتائج موقفهم بكل رضاء وارتياح 291 . وقال :

وفى الوقت الذى يكون فيه منكم – معشر الإخوان المسلمي– ثلاثمائة كتيبة قد جهزت كل منها نفسها روحيا بالإيمان والعقيدة,

وفكريا بالعلم والثقافة, وجسميا بالتدريب والرياضة , وفى الوقت السماء, واغزوا بكم كل عنيد جبار فإنى فاعل إن شاء الله 292.

أليس فى هذين الرأيين تناقض؟

قد يقول الإخوان : أننا ندعو إلى القوة لنقف فى وجه القوات الأجنبية التى غرتنا فى عقر دارنا , وأننا قد جربنا الطريق السلمية عشرات السنوات فلم تفلح, ولم يبق لنا خيار فى انتهاج هذا الطريق , ولكن خصومهم يتهمونهم بأنهم أعدوا القوة لقلب نظام الحكم فى

مصر ومقاتلة إخوانهم الذين يخالفونهم فى الرأى ويتهمونهم بأن لهم

أنظمة سرية تقوم على وسائل متدرجة تنتهى بالعنف . ويتهمونهم باغتيال رئيس إحدى الوزارات المصرية وبوضع خطط سرية لاحتلال البلاد. وهذه تهم – إن صحت – تدينهم بما أدانوا هم الشيوعيين , وتبعدهم عن الدعوى الحسنى ولئن كان استعمال العنف له ما يبرره عند مجابهة العدو المعتدى المسلح فما مبرراته فى وجه مواطنك الذى يختلف معك فى الرأى بشأن،

من شؤون الدين أو السياسة المحلية. وقد أجيب عن ذلك بأنهم لم يلتجئوا إلى العنف إلا عندما استفزهم خصومهم وألجئوهم إليه , وأن استعدادهم كان المقصود به العدو الخارجى على أن خطب البنا لم توضح هذه النقطة تماما. و ربما أضحى هذا اتجاههم بعد المحنة, متأثرين بما وصل إليه البنا فى أواخر أيام حياته . وإن كان الأمر كذلك فهو يدل على مرونة وحنكة تقتضيها الظروف.

هذه هى المسائل الثلاث التى ستكون محكا للإخوان فى المستقبل والتى ستقرر مصيرهم إلى حد كبير. بقيت مسألتان أخريان لابد من أن يواجهها الإخوان الأولى الصراع العنيف القائم بين المعسكرين الشرقى والغربى .

فعلى هذا الصراع يتوقف مصير الدين باعتباره نظاما تعترف به الدولة. فإذا انتصر المعسكر الأول فسيتقلقل مركز الدين الرسمى فى العالم اجمع وينتهى إلى ما يشبه اثر الوشم فى ظاهر اليد . وإذا انتصر المعسكر الثانى فسيظل الدين عنصرا فعالا فى المجتمع .

فمستقبل الدين كله فى يد القدر . والناس يتحدثون الآن عن مستقبل الدين كما يتحدثون عن مستقبل أى نظام من الأنظمة وعلى ذلك فلا يجوز أن يستر الصراع القائم اليوم بين الغرب والبلدان المخاصمة له هذه الحقيقة الأخيرة. وهذا هو اتجاههم هم بحكم كونهم هيئة دينية . وقد ذكروا رة أن أسبانيا يمكن أن تكون أقرب دول الغرب إلى المسلمين لأنها أشدّها تعصبا للمسيحية."

وذلك يجعلها أول بأن تتقارب مع أصحاب الأديان فى عالم أصبح على فوهة بركان من الزيغ والرذيلة والإلحاد 293".

وهذا الاتجاه ربطهم حتما بأحد المعسكرين . ولكنه لا يكفى وحده لتصفية الحساب تصفية تامة وإقامة محالفة على أسس ثابتة فلتحقيق ذلك على الغرب من ناحيته أن يدرس أسباب الصراع ويعمل على إزالتها , وعلى رأسها النظام الاستعماري البالى وعلى الإخوان من ناحيتهم أن يعيدوا النظر فى موقفهم من الديمقراطية بمفهومها الغربى الواقعى ,

ومن الحضارة الغربية فى بيئتها , وأن يميزوا بين الاستعمار والحضارة وبين الفسق والفجور والميسر وما غليها من مساوئ وبين الحضارة الصحيحة لا لكى يسلموا أنفسهم للغرب ويكونوا له أتباعا و بل لكى يندمجوا فى الركب الإنسانى المتحضر ويتوسلوا بالحياة الصحبة الكريمة , ويتبعوا القول الماثور :

الحكمة ضالة المؤمن يأخذها حيثما وجدها 294.

والمسألة الثانية هى التوسع فى درس الفرق الإسلامية القائمة بعقائدها ونظرها إلى الإسلام , ومواطن الاتفاق والاختلاف .

فحركة الإخوان تخلو خلوا تاما من هذا الدرس . وهى تجابه الأمر الواقع كما هو دون أى استعداد , مقدرة أن يكون لها الغلبة والشيوع بطبيعة الحال . وهذا وهم , ومع أن أهل السنة هم الكثرة العظمى بين المسلمين إلا أن لهذه الفرق أثرا واضحا فى المجتمع الإسلامى وبقاؤها على هذه الحال من الاختلاف والعزلة يؤثر فى تاريخ المسلمين.

وأكبر وسيلة للتقارب بعد الدرس والبحث شرح الدين شرحا تلتقى عنده جميع المفاهيم شرحه شرحا يسيرا واسعا يلو عن السفاف وحطام الدنيا النزوات الإنسانية ثم التسامح الذى يبلغ حدا يجعل الدين وسيلة لخلق ضمير حى حساس. وبذلك تبلغ الدعوة مداها ويلتقى الأخ مع أخيه على صعيد واحد.

وحتى من وجهة النظر السنى المحض لم تعالج الدعوة الأزمة الروحية علاجا دقيقا وافيا. ولم تحاول أن تدخل إلى عقل المسلم السنى المتعلم وتدرس ما يعتريه من مشاكل عويصة هى مصدر القلق والشك. وكان من المنتظر أن تكون هذه رسالتها الرئيسية بحكم كونها حركة دينية اسما وفعلا. ولكنها لم تعن بهذه الرسالة .

ولم ؟ ألا إنها تجنبت ذلك قصدا لكون الفلسفة ليست من الدين؟ ألا انها حركة شعبية نشأت بين العمال وانتشرت بين الطبقات الدنيا التى لا تدور فى رؤوسها المشاكل العويصة التى تدور فى رأس المسلم المتعلم؟ الواقع أنهم قرروا فى كتبهم وخطبهم مرارا أن حركتهم سلفية تقليدية لا فلسفية . وبذلك تجنبوا الخوض فيما يدور فى رؤوس المتعلمين من مشاكل .

وهذا جعل بينهم وبين عامة المتعلمين حجابا , وقصرها على أن تكون حركة شعبية تروج فى الأوساط الدنيا والمتوسطة ولا تكاد ترتقى إلى الأوساط المثقفة ولا ينقض ذلك اشتراك عدد من المتعلمين

– من طلاب الجامعات ورجال القانون والدين – فى حركتهم فهذا الاشتراك مرده فى كثير من الأحيان وحدة العقيدة السياسية لا وحدة التفكير الدينى .

وقد ذكر سابقا كيف نجحوا فى كسب انتخابات الاتحاد فى جامعة فؤاد الأول إثر إعلانهم التدريب العسكرى أن التطرف السياسى فى الظروف الحاضرة يجذب قلب الشبان المتعلمين أكث مما تجتذبها الحركات الدينية.

وأن أعمال البطولة والتضحية التى قام بها الإخوان فى فلسطين وفى مصر اكسبتهم عطفا قويا لا مراء فيه. وربما جاز التساؤل هل أهملت رسالتها الدينية لأنها تطورت سريعا من الدين إلى السياسة والاقتصاد؟ وفى غمرة هذين الميدانين نسيت رسالتها الأولى؟

وأيا كان السبب فالذى يبدو أن حركة الإخوان لم تقدم الحلول لطائفة كبيرة من المشاكل الدينية العويصة التى تدور فى رأس المسلم المتعلم , وأن جّل إتباعها كان من الطبقة غير المتعلمة أو المتعلمة نصف تعلم , وإن كان هذا لم يحرمها عطف الطبقات المتعلمة على أرائها السياسية .

ومن العبث فى هذه الحال أن تطالب ببحث ما يدور فى رؤوس المتعلمين المنتسين إلى غير أهل السنة, وبمعنى آخر أن تكون حركة إسلامية عامة تعالج الأزمة الروحية التى تنتاب العالم الإسلامى كله. وهذا فارق سلبى بينها وبين الحركات الدينية السابقة منذ ظهور ابن تيمية ومدرسته الجزئية غلى حركة جمال الدين الأفغانى و محمد عبده .

فتلك الحركات جابهت واقع التفكير الإسلامى وحاولت أن تنقذ إلى عقل المسلم وتعالج المشاكل العويصة التى نشأت فيه بتأثير تطور الزمن أولا وبتأثير العلوم الحديثة والنظر الدينى الغربى أخيرا. ومؤلفات جمال الدين و محمد عبده تدور حول هذا المحور ,

وتعتبر نقلة فى التفكير الإسلامى وكان من المتوقع بعد مرور نحو نصف قرن على جمال الدين و محمد عبده والتطور العظيم الذى حدث فى العالم إثر الحربين العامليتين السابقتين أن تنهض مدرسة جديدة تتم ما بدأه المصلحان السابقان وتعالج ما جد من مشاكل فى العقل الإسلامى . وكان من المنتظر أن يكون الإخوان المسلمون هذه المدرسة .

ولكنهم لم يكونوا كذلك لغلبة المناحى السياسية والاقتصادية والاجتماعية على المنحى الدينى . وجاء بعد ذلك المفهوم الشامل للإسلام الذى أخذ به الإخوان فوكدّ هذه الغلبة .

وبذلك أضحت دعوتهم سياسية اقتصادية اجتماعية فى المرتبة الأولى ودينية فى المرتبة الأخيرة 295.

وقد أوضح هذا أحد كتابهم إذ قال : جهاد الأفغانى و محمد عبده وغيرهما من أبطال الإسلام غير الجهاد للإسلامية كدعوة ونظام فالمناداة بالفكرة الإسلامية وإظهار جمالها بكل الأساليب التاريخية المعروفة لا تنكر .

ولكن ذلك غير الدعوة الإسلامية كحقيقة دستورية مستقلة يقوم عليها نظام عام له ميزاته, ثم تنظيم حركة تقود جيلا يعمل على تطبيق مبادئ النظام الإسلامى فى الحكم و السياسة والاجتماع , وإقرارها عمليا كدستور واجب النفاذ إلى جانب الذود عنها كعقيدة صحيحة ...

الدعوة الإسلامية بهذا المعنى العملى الواسع الشامل وما ترتب عليها من انقلاب عالمى فى الأفكار ومن الأحداث التاريخية التى سيكون لها أثرها وخطرها فى مستقبل الإنسانية, الدعوة الإسلامية بهذا المعنى لم يعرفها التاريخ منذ آماد طويلة جدا, إلا حين رفع لوءاها حسن البنا فى القرن العشرين باسم دعوة الإخوان المسلمين 296.

وهذا فى الواقع وصف صحيح للدعوة بقلم أحد إتباعها وعلى الباحث أن يطرق باب غير باب الإخوان للسؤال عما يجرى فى عقول المسلمين ن تفاعل دينى وصراع يتناول المسائل الدينية. ويمكن تلخيصه فى ثلاثة مجار رئيسية.

الأول : محاولة التوفيق بين العلم والدين بالتفسير والتأويل وعلى هذا معظم المسلمين لمتعلمين اليوم. ومنهم هيكل باشا كما يبدو فى كتابه منزل الوحى – و عباس محمود العقاد و أحمد أمين وفريد وجدى وغيرهم من المفكرين فى مصر.

وعليه كذلك معظم المتعلمين خارج مصر.والثانى : محاولة العودة إلى ( علم الكلام) والأخذ بناصية العلوم الفلسفية الجدلية لإثبات صحة العقائد الدينية كما هى . وعلى هذا معظم رجال الدين الاقحاح.

وقد أصدر أخيرا شيخ الإسلام السابق , مصطفى صبرى , المقيم الآن فى مصر , كتابا عنوانه ( موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين 297) ذهب فيه إلى تأييد العقيدة بالعقل, وحمل على من يزعم أن فى العقائد أمورا لا يمكن أن نصل إليها بالعقل بل نسلم بها تسليما حسبما قال محمد عبده .

الثالث : محاولة ترك العلم يجرى مستقلا عن الدين , والأخذ بالبحث العلمى المطلق. وعلى هذا بعض المتعلمين المحدثين.

وهم فريقان : فريق يرى نهاية العلم توصل إلى معرفة الله حتما وأن إيمان العقل جائز. ويدللونه على ذلك بأراء العلماء الغربيين – من فلاسفة وعلماء طب وكيمياء وحياة الخ.... ممن توغلوا فى العلوم المادية وظلوا مؤمنين .

وفريق ثان يبغى فصل الدين عن العلم فصلا تاما وترك الدين للفرد يتصوره كما شاء . فإن آمن فلنفسه وإن شك وكفر فعليها .

ولا تزر وازرة وزر أخرى.

ولكن هذه المجارى محصورة فى أفراد .

ولم تتبلور فى صورة مدارس لها أساتذتها وطلابها وليس من دليل على أنها فى طريق التبلور الآن لثلاثة أسباب .

الأول : قلة عدد المتعلمين فى العالم الإسلامى فله تجعل التيار العام فى جهة غير الجهة التى فيها هذه المدارس جميعها .

فمثل هذا التبلور يجب ان يسبقه علم يثير المشاكل ويتطلب الحلول وهذا بعيد الآن , وأن كانت الزيارة المطردة فى نسبة المتعلمين توحى بأنه سيقع يوما ما .

الثانى شيوع الفقر وكفاح الناس فى سبيل تأمين العيش . والمعدة الفارغة تتطلب أولا الرغيف .

والثالث الاضطراب السياسى السائد فى جميع العالم الإسلامى فالصراع الآن يكاد يكون محصور فى نطاق السياسة .

والمسلمون يشعرون أنهم يعاونون أزمة كيان وجود حر كريم تتوافر فيه السيادة والحرية والأمن والعدالة أو وجود ذليل مظلوم مقهور لا يمكن أن تشعر فيه النفس بالطمأنينة 298.

ومتى زالت هذه الأسباب متى شعر العالم الإسلامى بالإستقرار والطمأنينة وشاع فيه العلم والرخاء ز انصرف إلى المسائل الروحية وتجمع الأفراد حول مدارس متعددة لكل مدرسة أستذتها وطلابها ولعل هذا الوقت هو مقدمة

– أن سارت الأمور فى الاتجاه الذى ألمعنا إليه – لتلك النتيجة الحتمية بعدت أم قربت لأن الإنسان لا يستطيع بعد توفر رخائه المادى إلا أن تظهر عليه إنسانيته الواعية التى تفرض عليه أن يسأل : كيف؟ وإلى أين؟ وهذا هو دائرة الدين أو ما وراء الطبيعة بعرف الفلاسفة.وفى هذه الحالة سيكون أمام المسلمين أمران :

الأول التراث الدين القائم على القرآن والحديث وآثار المفكرين الإسلاميين من متكلمين وفلاسفة وصوفية والثانى التراث العقلى الغربى الحاضر وهذان لابد من أن يتفاعلا ويحدثا أثارا من العبث أن نتنبأ بصورها .

ولكن من المحقق أن العقيدة الإسلامية ستثبت كما ثبتت عندما تفاعلا التراث الإسلامى بالتراث الأغريقى . ولن يضير العقيدة تطور التصور الدينى أو ظهور مدارس دينية متنوعة تتلمس الهداية مخلصة صادقة كما حدث فى العصر العباسى وفى الأندلس وكما حدث فى الغرب بعد النهضة فهذه نتائج لا مفر منها فى تاريخ الأديان جميعها وفى تاريخ الإنسانية جمعاء فهذا التاريخ ما فتىء يكرر درسين عصرا بعد عصر .

الدرس الأول : أن الإحساس الروحى راسخ فى أعماق الإنسان وسيظل راسخا ما دام الإنسان يفكر ويتأمل فى هذا الكون العجيب و

الدرس الثانى أن التصورات الدينية متطورة ونامية ومن المحال ثباتها.ويبدأ التطور فى عقول أفراد .

ثم يجتمع هؤلاء فى حلقة أو مدرسة يتزعمها مفكر مؤمن شجاع. وتضع هذه المدرسة لها مبادئ جديدة نسبيا .

وبعد فترة من الزمن تركد هذه المبادئ ويضعف مفعولها بتأثير ما يجد من علوم وما يطرأ على المجتمع من نمو بيولوجى واجتماعي وفكرى فتثبت آراء جديدة فى عقول أفراد وتتبلور هذه الآراء فى مدرسة تحل محل المدرسة القديمة .

وهكذا يسير التطور فى حلقات متوالية على هذا المنوال إلى ما شاء الله.

أما علاقة هذا التطور بالأديان السماوية فهى أنه يقع ضمن نطاق دائرتها الكبرى وقد يحوم حول إطار الدائرة . وقد يخرج أحيانا عن الإطار ثم ما يلبث أن يعود إليها.

وقد يظل أفراد خارجة وكل ذلك حسب عوامل متنوعة لا ضابط لها ولا تهد من أحببت إن الله يهدى من يشاء.


المراجع

الفصل الأول:

1- راجع مقدمة كتاب الطريق للدكتور يحيى الدرديرى المراقب العام لجمعيات الشبان المسلمين , القاهرة 1952 .

والمقدمة بقلم محب الدين الخطيب أحد مؤسسى جمعية الشبان المسلمين وسكرتيرها العام الأول السابق وهى تشرح ظروف نشأة الجمعية وأهدافها وأعضاء إدارتها الأول . وربما كانت - بالإضافة إلى القانون الأساسى – خير مصدر لتاريخها.

2- راجع التقرير السنوى الأول الذى وضعته هذه الجمعية وطبع فى القاهرة سنة 1942 . ويذكر هذا التقرير أن الأعضاء انخرطوا فى الفرع المركزى فى القاهرة فى 6 يناير 1923 . أما البنا فاشترى سنة 1922 .

4- راجع كتاب الصعلكة والفتوة للدكتور احمد أمين بك العدد 111 من سلسلة اقرأ , أبريل 1952 , حيث يربط المؤلف بين جمعية الإخوان المسلمين ونظام الفتوة ص 96.

5- انظر افتتاحية مجلة الرسالة الصادرة فى القاهرة بتاريخ 31 مارس 1952 عدد 978.

6- جريدة الإخوان المسلمين عدد 24 بتاريخ 31 مايو 946 .

7- انظر كتاب ( من خطب حسن البنا, الحلقة الأولى) ص 59 إن كثيرا من مطبوعات الإخوان لا تاريخ لها.

8- كتاب فى 102 ص, مطبعة الإخاء فى مصر بلا تاريخ وربما وضع سنة 1946 .

9- انظر كتاب ( مذكرات حسن البنا ) ص 86.

10- جريدة الإخوان المسلمين عدد 70 بتاريخ 24 يوليو سنة 1946 .

11- المصدر نفسه عدد 59 بتاريخ 11 يوليو 946.

12- المصدر نفسه عدد 62 بتاريخ 15 يوليو 946.

13- المصدر نفسه عدد 70 بتاريخ 24 يوليو 946.

14- مذكرات البنا ص 31 وروح وريحان ل أحمد أنس الحجاجى ص 128, ص131.

15- روح وريحان ص 30.

16- المصدر نفسه ص 32 ومذكرات البنا ص 8.

17- مذكرات البنا ص 16.

18- المصدر نفسه ص 17.

19- المصدر نفسه ص 6, 8, 17.

20- المصدر نفسه ص 28.

21- المصدر نفسه ص 28.

22- قائد الدعوة , حياة رجل وتاريخ مدرسة , ل أحمد أنور الجندى القاهرة 1365هـ, 1945 م. ص 137.

23- المصدر نفسه ص 144.

24- مذكرات البنا ص 56 -57

25- قائد الدعوة ص 137.

26- المصدر نفسه ص 137.

27- من خطب حسن البنا ( الحلقة الأولى) دمشق 1938 ص5.

28- مذكرات البنا ص 58.

29- راجع فى تفصيل ذلك المصدر ص 59 – 63.

30- المصدر نفسه ص 63 - 66 . وكتاب روح وريحان بقلم أحمد أنس الحجاجى القاهرة 1365هـ= 1945م ص 96 – 98.

الفصل الثانى:

31- مذكرات البنا ص 6, 8

32- المصدر نفسه ص 17

33- الإخوان المسلمون فى الميزان ص 14.

34- مذكرات البنا ص 52

35- المصدر نفسه ص 70.

36- من حملة الفكرة الأولى أحمد السكرى , وكان فى المحمودية وكان وكيل الجمعية الإخوان , وأنابه البنا عنه مع آخر عند سفره إلى الحجاز . وكان من حملة الأقلام العنيفة . ثم انشق على الجماعة .

ومنهم حامد عسكرية وكان بالزقازيق, و أحمد عبد الحميد وكان فى كفر الدوار ( انظر من خطب حسن البنا, الحلقة الأولى ص 6).

37- مذكرات البنا ص 80

38- المصدر نفسه ص 86 انظر كذلك ( كتاب حسن البنا حياة رجل وتاريخ مدرسة بقلم أحمد أنور الجندى – القاهرة 1365هـ - 1945 ) ص 74, 84.

39- مذكرات البنا ص 88.

40- حسن البنا حياة رجل وتاريخ مدرسة ص 109.

41- انظر كتاب( روح وريحان بقلم أحمد أنس الحجاجى القاهرة 1365 هـ - 1945 ) ص 236.

42- حسن البناحياة رجل وتاريخ مدرسة ص 127

43- المصدر نفسه ص 1ز7 وروح وريحان ص 190.

44- روح وريحان ص 199 – 200

45- حسن البناحياة رجل وتاريخ مدرسة ص 109

46- روح وريحان ص 199

47- المصدر نفسه ص 201

48- هل نحن قوم عمليون ؟ بقلم البنا القاهرة 1946 ص 15, 16

49- روح وريحان ص 250

50- انظر فى كتاب ( ثورة الدم ل عبد الرحمن الساعاتى ) بلا تاريخ خطبة على قبر بنى أمية سنة 1935 ص 11 ومقالا من بيت المقدس ص 108 ومقالا على قبر بلال ص 113.

51- انظر مقالات بعنوان ( نحن) نشرت فى جريدة " الإخوان المسلمون " عدد 52 بتاريخ 3 يوليو 1946 .

52- انظر رسالة عنوانها ( نحو النور بقلم البنا , القاهرة 1936 ص 30 -36.

53- المصدر نفسه ص 30 البند الأول.

54- رسالة المنهج الصادرة سنة 1357 هـ 1938 م وانظر جريدة " الإخوان المسلمون " بتاريخ 2 يوليو 946.

55- من خطب حسن البنا الحلقة الأولى ص 14, 15

56- جريدة الإخوان المسلمون بتاريخ 3 يوليو 946.

57- المصدر نفسه بتاريخ4 يوليو 946.

58- من خطب حسن البنا , والخطبة الأولى ص 24.

59- المصدر نفسه ص 39.

60- المصدر نفسه ص 41 – 42

61- المصدر نفسه ص 56.

62- انظر " قانون النظام الأساسى لهيئة الإخوان المسلمين " طبقا للتعديل الذى أقرته الجمعية العمومية فى اجتماعها بتاريخ 8 سبتمبر 1945 ص 4.

63- انظر جريدة " الإخوان المسلمون " العدد 186 بتاريخ 12 ديسمبر 946.

64- المصدر نفسه . وفى رواية أن العدد ناهز المليون . انظر مقدمة مذكرات حسن البنا.

65- انظر مجلة الدعوة" الأسبوعية العدد 61 بتاريخ 15 ابريل 952.

66- مقدمة مذكرات حسن البنا.

67- مجلة الدعوة العدد 61 بتاريخ 15 أبريل 952.

68- صورة البيان فى جريدة الإخوان المسلمون عدد 135 بتاريخ 10 أكتوبر 946.

69- المصدر نفسه العدد 183 بتاريخ 9 ديسمبر 946.

70- انظر كتاب ( رجل الساعة) ل أحمد أنس الحجاجى بلا تاريخ ص 93.

71- جريدة " الإخوان المسلمون بتاريخ 6 مايو 946 وجريدة المنار الدمشقية العدد 418 بتاريخ 14 أيار ( مايو ) 948.

72- جريدة المنار الدمشقية العدد 528 بتاريخ 22 شباط ( فبراير 1949 )

73- مجلة الدعوة العدد 61 بتاريخ 15 أبريل 952.

74- للإطلاع على تفصيل هذه الحوادث التى عرفت بقضية سيارة الجيب راجع كتيبا عنوانه " أقوال كبار الشهود وحوادث التعذيب " بلا تاريخ , وكتيبا آخر عنوانه " الحيثيات ونص الحكم " بلا تاريخ أيضا ونشرت الأهرام والمصرى وخلافهما التحقيقات تباعا.

75- انظر جريدة المنار الدمشقية العدد 528 بتاريخ 22 شباط ( فبراير ) 1949 .

76- انظر طرفا من حوادث المعتقلات فى كتاب ( معتقل كامكستب لمحمد على الطاهر) وكان المؤلف معتقلا. وهو صاحب جريدة الشورى التى كانت تصدر فى القاهرة.

77- جريدة " الجمهور المصرى بتاريخ 5 فبراير 1951 وقد اثبت فيه هذا التصريح .

78- نشرت مجلة الدعوة وصفا لذلك فى العدد 44 بتاريخ 18 ديسمبر 1951 .

79- جريدة الحياة البيروتية العدد 1682 بتاريخ 31 أكتوبر 1951 .

80- الكتب الثلاثة الأول بقلم عبد القادر عودة القاضى بالمحاكم الوطنية ومن أعضاء الجمعية.

وله كذلك الكتب التالية : التشريع الجنائى فى الإسلام , والمال والحكم فى الإسلام والإسلام وأوضاعنا المالية .

وهى كلها فى الاتجاه الذى أشير إليه والكتب الثلاثة الأخر بقلم محمد الغزالى من أعضاء الجمعية وأكثرهم كتابة فى الصحف دفاعا عن العقيدة.

وله عدا تلك الكتب ما يلى : من هنا نعلم ردا على كتاب الشيخ خالد محمد خالد الذى أحدث ضجة كبيرة وعنوانه ( من هنا نبدأ) وله كذلك كتاب عقيدة المسلم و الإسلام المفترى عليه ,وهى كلها فى الاتجاه نفسه ومن الكتب التى فى هذا الموضوع كتابا نظم العمل فى الإسلام ونظم الحرب فى الإسلام بقلم جمال الدين عياد و الإسلام وحقوق الإنسان ل عبد المنعم خفاجى .

81- مجلة شهرية صاحبا امتيازها ورئيس تحريرها سعيد رمضان صدر العدد الأول فى 30 نوفمبر 1951 . والمحرر من أكبر دعاة الإخوان وأفصحهم لسانا وأقواهم حجة.

وهو من خريجى جامعة فؤاد . وطورد فى عهد عبد الهادى باشا وأقام مدة فى ال باكستان ثم عاد إلى القاهرة . وهناك مجلة أسبوعية اسمها " الدعوة"

لصاحبها ورئيس تحريرها صالح العشماوى من أعضاء الجمعية. ولكن الجمعية أعلنت أن هذه المجلة لا تنطبق بلسان الجماعة وهى شعبية وذات طابع سياسى فى حين يغلب على مجلة ( المسلمون الطابع العلمى الرصين..

الفصل الثالث:

82- مقدمة مذكرات حسن البنا .

83- انظر روح وريحان ص 367 ورجل الساعة ل أحمد أنس الحجاجى ص 121.

84- انظر جريدة " الإخوان المسلمون " بتاريخ 6 مارس سنة 946.

85- من خطب حسن البنا , الحلقة الأولى ص 9. ولهذا جعلوا شعارهم سيفين بينهما مصحف.

86- روح وريحان ص 264.

87- المصدر نفسه ص 101.

88- مختصرا من المصدر السابق ص 103 -113.

89- مذكرات حسن البنا ص 5, 29,49.

90- المصدر نفسه ص 11.

91- المصدر نفسه ص 15.

92- المصدر نفسه ص 16.

93- المصدر نفسه ص 18

94- المصدر نفسه ص 20.

95- حسن البنا حياة رجل وتاريخ مدرسة ص 84.

96- المصدر نفسه ص 84 ومذكرات حسن البنا ص 8 -20 وص 46.

97- مذكرات حسن البنا ص 25.

98- المصدر نفسه ص 82.

99- المصدر نفسه 82.

100- قال فى مذكراته : كنا ننكر على كثير من المنتسبين للطرق خروجهم على تعاليم الإسلام فكنا مريدين أحرارا فى تفكيرنا وإن كنا مخلصين كل الإخلاص فى تقديرنا للعبادة والذكر وأدب السلوك ( ص 49).

101- المصدر نفسه ص 68.

102- راجع أسماء المتون فى المصدر السابق ص 32.

103- المصدر نفسه ص 15.

104- المصدر نفسه ص 31.

105- المصدر نفسه ص 49.

106- روح وريحان ص 241 -242.

107- مذكرات حسن البنا ص 42,69

108- مذكرات البنا حياة رجل وتاريخ مدرسة ص 156.

109- مذكرات حسن البنا ص 81.

110- جريدة الجمهور المصرى بتاريخ 5 فبراير 1951 .

111- رجل الساعة ص 93.

112- انظر مثالا على ذلك رسالة ( نحو النور بقلم البنا ) القاهرة 1936 ص 9 – 19 و( إلى أى شئ ندعو الناس) بقلمه أيضا 23 وروح وريحان ص 350.

113- انظر ص 87 – 92 وص 106 هذا الكتاب اسمه على الغلاف الخارجى ( قائد الدعوة ) وعلا الغلاف الداخلى ( حسن البنا حياة رجل وتاريخ مدرسة).

114- ص 290.

115- ص 288 – 289.

116- جريدة ( الإخوان المسلمون) بتاريخ 5 يوليو 1946 .

117- انظر ص 142.

118- المصدر نفسه ص 58.

119- روح وريحان ص 215.

120- ملخصا من ( رجل الساعة ) ص 120 -122.

121- التأيمس الأسبوعية بتاريخ 12 ديسمبر 1946 وجريدة ( الإخوان المسلمون ) بتاريخ 12 ديسمبر 946.

122- أحمد أنس الحجاجى فى كتابه ( روح وريحان) ص 294.د

الفصل الرابع:

123- روح وريحان ص 294.

124- الباب الثانى المادة الرابعة ص4.

125- من خطب حسن البنا الحلقة الأولى ص 20.

126- المصدر نفسه ص 24.

127- رجل الساعة ص 93 .

128- ص9.

129- روح وريحان ص 381.

130- المصدر نفسه ص 374.

131- انظر ( دعوتنا ) وهى رسالة غير مؤرخة ولكنها من رسائلهم الأولى ولا توقيع عليها وإن كان الراجح أنها بقلم البنا .

132- انظر ( إلى أى شئ ندعو الناس) بقلم البنا , ولا تاريخ لها ص23.

133- دعوتنا ص 11.

134- ( كيف ندعو الناس) بقلم عبد البديع السيد صقر وموافقة البنا عليها, الطبعة الثانية 1946 ص 4 وهذا يعنى أنهم سلفيون.

135- من خطب حسن البنا , الحلقة الأولى ص 14.

136- روح وريحان ص 390.

137- هذه المبادئ الستة هى بنود المادة الثانية فى الباب الثانى من قانون النظام الأساسى للإخوان الذى أقرته الجمعية العمومية سنة 1945.

138- من خطب حسن البنا , الحلقة الأولى ص 17.

139- دعوتنا ص 23.

140- من خطب حسن البنا, الحلقة الأولى ص 18 -20

141- المصدر نفسه ص 37.

142- المصدر نفسه ص 41 -43

143- المصدر نفسه ص 50 -55

144- المصدر نفسه ص 56 -57 وجريدة ( الإخوان المسلمون بتاريخ 30 يوليو 946.

145- من خطب حسن البنا , الحلقة الأولى 66-70

الفصل الخامس:

146- إلى أى شئ ندعو الناس ص 26. وانظر مقالة البنا فى مقدمة مجلة الشهاب التى أثبتت فى صدر العدد الأول من مجلة ( المسلمون) بتاريخ 30 نوفمبر 1951 ولا سيما ص 8 حيث تلخص رسالة الشهاب التى هى رسالة الدعوة.

147- حسن البنا حياة رجل وتاريخ مدرسة ص 125.

148- جريدة ( الإخوان المسلمون ) بتاريخ 11 يوليو 946.

149- جريدة ( الإخوان المسلمون ) بتاريخ 5 مارس 946.

150- المصدر نفسه بتاريخ 6 يونيو 946.

151- نحو النور ص 31 – 34 و(هل نحن قوم عمليون)

بقلم البنا , 1946 , ص 29, وجريدتهم بتاريخ 17 مايو 946.

152- إلى أى شئ ندعو الناس ص23.

153- روح وريحان ص 295.

154- رجل الساعة ص 124.

155- المصدر نفسه ص 123.

156- انظر روح وريحان ص 376 – 377.

157- رجل الساعة ص 115.

158- جرى المرشد العام الجديد على نهج سلفه فرفع إلى نجيب الهلالى باشا رسالة تعبر عن رأى الإخوان فى السياسة المحلية والخارجية كحركة التطهير التى أعلن الهلالى باشا عزمه على تنفيذها وقضية المفاوضات مع الإنجليز الخ..( انظر جريدة الأهرام بتاريخ 26 مارس 1952).

159- جريدة ( الإخوان المسلمون) 7 يوليو 946.

160- المصدر نفسه بتاريخ 10 يوليو 946.

161- المصدر نفسه بتاريخ 10 يوليو 946.

162- المصدر نفسه بتاريخ 11 يوليو 946.

163- المصدر نفسه بتاريخ 25 يوليو 946.

164- المصدر نفسه بتاريخ 24 يوليو 946.

165- المصدر نفسه بتاريخ14 يوليو 946.

166- المصدر نفسه بتاريخ 30 يوليو 946.

167- المصدر نفسه بتاريخ 30 يوليو 946.

168- ورد ما يشبه هذه الأهداف فى نشرة عنوانها ( أهدافنا ومبادئنا) صادرة عن اللجنة المركزية للإخوان فى دمشق بتاريخ 1365 – 1945 وارى أنها تشبه آراء الإخوان فى مصر . وانظر مقررات المؤتمر للإخوان المسلمين ص 7.

169- نحو النور ص 18 – 19 وإلى أى شئ ندعو الناس ص 26.

170- جريدة الإخوان المسلمون " بتاريخ 17 يونيو 946.

171- المصدر نفسه بتاريخ 20 مايو 946.

172- المصدر نفسه بتاريخ 18 يونيو 946.

173- المصدر نفسه بتاريخ 3 يونيو 946.

174- انظر ( هل نحن قوم عمليون)؟ ص 14.

175- وقد جاء فى رسالة الوزير إليهم :" وقد رأينا جماعتكم المنبثة فى كثير من القرى والحواضر من المشال إلى الجنوب حقيقة بأن تقوم بقسطها فى الكفاح وتتيح لهم فرصة لتحقيق جزء كبير من برنامجك الإصلاحى". وفى هذا اعتراف بمبلغ نفوذهم في ذلك الوقت . انظر جريدة ( الإخوان المسلمون ) بتاريخ 11 أكتوبر 946.

176- هل نحن قوم عمليون ص 14 -16.

177- جريدة ( الإخوان المسلمون ) بتاريخ 3 يوليو 946.

178- المصدر نفسه بتاريخ 23 يونيو 946.

179- انظر كتاب ( معتقل الهامكستب) محمد على الطاهر ص 6.

180- جريدة ( الإخوان المسلمون بتاريخ 18 يونيو 946.

181- المصدر نفسه بتاريخ 7 يونيو 946.

182- المصدر نفسه بتاريخ 20 يونيو 946.

183- المصدر نفسه بتاريخ 31 مايو 946.

184- المصدر نفسه بتاريخ 3 يونيو 946.

185- روح وريحان ص 309.

186- المصدر نفسه ص 310.

187- المصدر نفسه ص 313.

188- جريدة ( الإخوان المسلمون ) بتاريخ 24 يونيو 946.

189- جريدة ( الإخوان المسلمون ) بتاريخ 21 يونيو 946.

190- مجلة الدعوة بتاريخ 15 نيسان 952.

191- جريدة ( الإخوان المسلمون ) بتاريخ 25 مايو و7 يونيو و 20 يونيو ,21 يونيو 946.

192- انظر ( بيان عن مشروع المطبعة الإسلامية والجريدة اليومية ) سنة 1945 .

193- راجع أسماء الشركات فى مجلة الدعوة بتاريخ 15 أبريل 1952 .

194- جريدة ( الإخوان المسلمون ) بتاريخ 12 يوليو 946.

195- هل نحن قوم عمليون ص 18 – 19.

196- من خطب حسن البنا , الحلقة الأولى ص 15.

197- انظر ( أهدافنا ومبادئنا) ص 5 حيث يذكر أن فى المدنية الغربية خيرا كثيرا وشرا كثيرا وأنه لا غنى عن الإستعانة بصناعتها وعلومها , وأن كل تجديد نافع لا يذيب الشخصية هو قوة جديدة تدعم كيان الأمة .. الخ..

وهذا القول يبين موقفهم عمليا من الحضارة الغربية, ويدحض القول أنهم كانوا مخاصمين لها إطلاقا هذا ولا ينكر أن بعض كتابهم غالوا فى الحملة على الحضارة الغربية ولكن الاتجاه العام هو ما يبين من هذه العبارة.

198- أهدافنا ومبادئنا 8 -10.

199- هل نحن قوم عمليون ص 48 – 52.

200- مجلة الدعوة بتاريخ 15 أبريل 1952.

201- جريدة ( الإخوان المسلمون ) بتاريخ 3 يونيو 946.

202- المصدر نفسه بتاريخ فى الميزان ص 26.

203- الإخوان المسلمون فى الميزان ص 26.

204- جريدة ( الإخوان المسلمون ) بتاريخ 7 أغسطس 946.

205- وبتاريخ 7 يونيو 946.

206- روح وريحان ص 297.

207- انظر حرف (هـ) من المادة الثانية فى ( قانون النظام الأساسى ) ص 2-3.

208- جريدة ( الإخوان المسلمون ) بتاريخ 7 مايو 946.

209- من خطب حسن البنا الحلقة الأولى ص 39.

210- جريدة الحياة البيروتية عدد 1682 بتاريخ 31 /10/ 51

211- جريدة ( الإخوان المسلمون ) بتاريخ 5 يونيو 946 و6 يونيو و 14 يونيو 946.

212- المصدر نفسه بتاريخ 18 يونيو 946.

الفصل السادس:

213- توفى محمد عبد الوهاب سنة 1206هـ 1791 م.

214- انظر تاريخ مصر الحديث ل جورجى زيدان حيث يقرر أن الوهابيين ذهبوا إلى إغفال الكتب الدينية الإسلامية إلا القرآن والحديث . فهم بمنزلة الطائفة الانجيلية عند المسيحيين ( الطبعة الأولى ج2ص 229). وانظر فلسفة التشريع الإسلامى لصبحى المحمصانى( الطبعة الثانية) ص 76, وزعماء الإصلاح فى العصر الحديث ل أحمد أمين سنة 1948 ص 10 – 25.

215- من خطب حسن البنا الحلقة الأولى ص 12.

216- المصدر نفسه ص 7.

217- المصدر نفسه ص 9.

218- روح وريحان ص 304.

219- المصدر نفسه ص 233.

220- ثورة الدم ص 85.

221- إلى أى شئ ندعو الناس ص 11.

222- من خطب البنا, الحلقة الأولى ص 11.

223- المصدر نفسه ص 41 – 42.

224- المصدر نفسه ص 13.

225- جريدة ( الإخوان المسلمون ) بتاريخ 5 مايو 946.

226- المصدر نفسه بتاريخ 10 أكتوبر 946.

227- المصدر نفسه بتاريخ 3 ديسمبر 946.

228- من خطب حسن البنا الحلقة الأولى ص 54.

229- المصدر نفسه ص 56.

230- نشرت هذه الإحصاءات مجلة آخر ساعة المصرية عدد 896 بتاريخ 26 ديسمبر 1951 .

231- من خطب حسن البنا , الحلقة الأولى ص 60 – 63.

232- جريدة الإخوان المسلمون ) بتاريخ 3 يوليو 946.

233- روح وريحان ص 386.

234- جريدة ( الإخوان المسلمون ) بتاريخ 11 يوليو 946.

235- ثورة الدم ص 349.

236- روح وريحان ص 349.

237- رجل الساعة ص 121.

238- من خطب حسن البنا , الحلقة الأولى ص 66 -70

وانظر جريدة ( الإخوان المسلمون ) بتاريخ 9 أكتوبر 946.

239- من خطب حسن البنا , الحلقة الأولى ص 53. و( إلى أى شئ ندعو الناس ) ص 29.

240- الإخوان المسلمون فى الميزان ص 39.

241- انظر إلى أى شئ ندعو الناس ص 30 وجريدة ( الإخوان المسلمون ) بتاريخ 23 مايو 946, ودعوتنا ص 8 و ثورة الدم ص 100.

242- حمتهم على الشيوعية لم تنقطع قبل المحنة وبعدها. انظر مثلا جريدة ( الإخوان المسلمون ) بتاريخ 17 يوليو 946.

243- وضح البنا هذه السياسة فى رسالة أرسلها إلى الملك فاروق والنحاس باشا ورؤساء حكومات العالم الإسلامى سنة 1936 , ونشرت بعنوان ( نحو النور ) انظر ص 22 – 25.

244- جريدة ( الإخوان المسلمون ) بتاريخ 17 مايو 946.

245- المصدر نفسه بتاريخ 6 يونيو 946.

246- انظر كتاب ( الإسلام وأصول الحكم )ص13,ص16,ص 49,ص79, ص 83, ص 103.

247- رجل الساعة ص 143 , وهل نحن قوم عمليون ص 28, وروح وريحان ص 194.

248- جريدة ( الإخوان المسلمون ) بتاريخ 11 يوليو 946.

الفصل السابع:

249- ملخصا من خطبة للبنا . انظر ( من خطب حسن البنا ) الحلقة الأولى ص 50 – 55. وانظر كذلك( مجموعة مقالات حسن البنا ) ص 36.

250- من خطب حسن البنا , الحلقة الأولى ص 51.

251- ثورة الدم ص 128.

252- قضايا الأقطار الإسلامية ص 8.

253- إلى أى شئ ندعو الناس 23 – 24.

254- الإخوان المسلمون فى الميزان ص 75.

255- انظر رسالة من البنا إلى المستر تشرتشل فى هذا الشأن فى ( جريدة الإخوان المسلمون ) بتاريخ 23 مايو 946.

256- انظر ( ثورة الدم) ص 43.

257- جريدة ( الإخوان المسلمون ) بتاريخ 22 أكتوبر 946.

258- ( انظر ص 79).

259- انظر@@@

260- جريدة ( الإخوان المسلمون ) بتاريخ 30 نوفمبر 946.

261- انظر ( القانون الأساسى لجماعة الإخوان المسلمين فى لبنان ) أول نوار 1949 , فى 16 صفحة.

262- صدر للآن ست وصايا فى نشرات صغيرة الحجم سنة 1951, والوصية الرابعة تجمع مبادئهم وخلاصة وصاياهم ويذكرون فى الوصية السادسة أنهم دعوة دينية وجماعة رياضية ورابطة علمية ومنظمة اجتماعية وشركة اقتصادية – وهى جميعا من أوصاف الجماعة فى القاهرة . ويحثون فى هذه الوصية على الفتوة وهى نزعة إخوانية أيضا.

وإذا جاز موازنة ( عباد الرحمن) ( ب الإخوان المسلمين ) فى لبنان قيل إن ( عباد الرحمن ) أقرب إلى أن تكون شعبة صغيرة من شعب الإخوان فى مصر قولا وعملا والثانية ما تزال اسما فى الظاهر على الأقل

263- انظر تقرير البعثة إلى السودان فى جريدة ( الإخوان المسلمون ) بتاريخ 19 نوفمبر 946.

264- المصدر نفسه بتاريخ 30 ديسمبر 946.

265- المصدر نفسه بتاريخ 28 نوفمبر 946.

266- المصدر نفسه بتاريخ 13 نوفمبر 946.

267- المصدر نفسه بتاريخ 2 أكتوبر 946.

268- مجلة الدعوة بتاريخ 15 أبريل 1952.

الفصل الثامن:

269- من خطب حسن البنا الحلقة الأولى ص 16

270- انهيار الحضارة الغربية لأنور الجندى , القاهرة سنة 1365 هـ 1945 م ص 20.

271- مجلة آخر ساعة العدد 896 بتاريخ 26 ديسمبر 1951 .

272- انظر مرافعة النيابة فى جريدة الأساس الناطقة باسم الكتلة السعدية التى كان يرئسها النقراشي ف إبراهيم عبد الهادى -

العدد 703 بتاريخ 13 سبتمبر 1949

273- المأثورات مجموع آيات قرآنية وأحاديث وأدعية جمعها البنا اتباعا لسنة النبى وكلف اتباعه ان يتلوها أفرادا وجماعات فى أوقات معينة ( صباحا من الفجر إلى الظهر , ومساء من العصر إلى ما بعد العشاء) وبعضها يقرأ فى المناسبات. وقد فصّل البنا أنواع الذكر فجعل منه التوبة والتفكير وطلب العلم الرزق الخ...

وهى فى جملتها ضر من الآداب التى يتأدب بها الناس . والراجح أن البنا اقتبس هذه لعملية من الصوفية وإن كان لها سند فى الحديث النبوى . أما الأوراد فهى تسابيح وأدعية مألوفة عند الصوفية أيضا . وقد طبعت ( المأثورات) فى كتيب فى 101 صفحة من الحجم الصغير ( القاهرة مطبعة دار الكتاب العربى 1951).

274- انظر جريدة ( الإخوان المسلمون ) بتاريخ 19 يوليو 946.

275- يتضح ذلك من عدد من القوانين الواردة فى نظامهم الأساسى كالبيعة على السمع والطاعة للمرشد , والثقة بالقيادة وتنفيذ القرارات وأن خالفت رأى العضو.

276- جريدة ( الإخوان المسلمون ) بتاريخ 18 يوليو 946.

277- المصدر نفسه بتاريخ 3 يونيو 946.

278- من خطب حسن البنا ( الحلقة الأولى) ص 67.

279- المصدر نفسه ص 17.

280- انظر 0 كيف ندعو الناس) ص 4 وص 11.

281- مجلة الرسالة العدد966 بتاريخ 7 يناير 1952 ومجلة الدعوة العدد 48 بتاريخ 15 يناير 52 .

والكاتب عضو فى مجمع فؤاد الأول للغة العربية , ورئيس تحرير مجلة الزهر . ومجلته ( الرسالة) ذات شهرة ورواج. وقد أخذت فى المدة الأخيرة تناصر الإخوان وتشييد بدعوتهم .

282- جريدة بيروت بتاريخ 22 يناير 1952 .

283- انظر فى تطور التشريع المصرى المدنى كتاب ( فلسفة التشريع فى الإسلام ) للدكتور صبحى المحمصانى الطبعة الثانية 1952 من 75 – 80 وهو يذكر

284- يبدو أن الإخوان بعد المحنة تنبهوا إلى هذا .

ففى الرسالة التى أصدرها بعنوان ( دعوتنا فى طور جديد ) – وهو عنوان ذو مغزى كما لا يخفى – ابرزوا العنصر الروحى والأخلاقى ابرازا قويا فقالوا :

أن أول ما نهتم له فى دعوتنا وأهم ما نعول عليه فى نمائها وظهورها وانتشارها هذه اليقظة الروحية المرتجاة فنحن نريد أول ما نريد يقظة الروح حياة القلوب صحوة حقيقية فى الوجدان والمشاعر .

وليس يعنينا أن نتكلم عما نريد بهذه الدعوة من فروع الإصلاح فى النواحى العملية لمختلفة بقدر ما يعنينا أن نركز فى النفوش هذه الفكرة ص 17, وليس ثم تعبير أقوى وأوضح من هذا التعبير للدلالة على هذا التطور الجيد .

أما الحكومة الدينية فقد اختفت كذلك , أو على الأقل ضعف شأنها .

فقد ذكروا " إن الإسلام يضع القواعد الكلية ويدع الفرعيات والجزئيات ويرسم التطبيق ويكل للأزمان والعصور بعد ذلك أن نعمل عملها وهو لذلك شريعة كل زمان ومكان ص 223 وحملوا على تقسيم القضاء إلى شرعى , وغير شرعى داعين إلى توحيد المحكمة على أساس اعتبار الشريعة الإسلامية هى شريعة البلاد ومصدر التفنين – ص 27 وهذا تطور جديد بالنسبة لما ذكروه أو ذكر عنهم فى المؤلفات الموضوعة قبل المحنة والسرالة لا تحمل اسم مؤلف ولكن ذكر فى أعلاها أنها ( من رسائل الإخوان المسلمين ) مطبعة دار الكتاب العربى 1952 .

285- @@

286- العدد 7 بتاريخ يوليو 1951 .

287- مثل هذا الرأى لا يزال قائما بعد المحنة كما يبدو من رسالتهم دعوتنا فى طور جديد ص 10, حيث يذكرون أن الغرب عاش فى أخريات أيامه مادى النزعة لا يشعر بغير المادة ولا يحس بوجود غيرها حتى ماتت فى نفوس أبنائه عواطف الرحمة الإنسانية , وخبت أنواع الروحانية الربانية,

وهيمن الغرب على الدنيا بأسرها بعلومه ومعارفه ومباهجه وزخارفه وكشوفه ومخترعاته وجنوده وأمواله , وصبغ الفكر البشرى فى كل مكان بصبغته هذه على أنهم لا يحملون على الغرب وحضارته بالأسلوب القديم .

ويلوح أنهم يأخذون برأى البنا الذى أشاد بالجانب الفنى منها كما ذكر فى موطن آخر , ويردون الغلو فى الحملة على الحضارة الغربية إلى أفراد منهم لا يمثلون الدعوة ولا ينطقون باسمها ولواقع أن " شعبية " الحركة هى سبب التناقض وتناثر الآراء فى غير ضابط. ولا يصحح تحميل مسؤولية ما ينتج عن هذه الشعبية.

288- 288- انظر انهيار الحضارة الغربية ل أنور الجندى ص 20.

289- المصدر نفسه ص 57, 62.

290- جريدة ( الإخوان المسلمون ) بتاريخ 17 يوليو 946.

291- من خطب حسن البنا الحلقة الأولى ص 39.

292- المصدر نفسه ص 24 , 25

293- صدر هذا التصريح نم قبل تحرير مجلة " المسلمون " بمناسبة زيارة وزير خارجية أسبانبا ل مصر .

والراجح أنه لرئيس تحرير المجلة سعيد رمضان الذى يعد من أبرز أعضاء الجماعة [ انظر مجلة " المسلمون " عدد 6 سنة 1 بتاريخ ابريل 1952 ص 98]

وانظر كذلك ( يوم الإسلام ) للدكتور أحمد أمين حيث يربط مصير الإسلام بمصير النزاع بين المعسكرين ص 161.

294- وقد ألمعوا إلى هذا القول وذكروا الحكمة نفسها فى ( دعوتنا فى طور جديد ) ص 26.

295- انظر حاشية رقم 284.

296- رجل الساعة ل أحمد أنس الحجاجى ص 121.

297- فى أربعة أجزاء صادر عن دار إحياء الكتب الغربية ب القاهرة 1950.

298- كتاب " من هنا نبدأ " للشيخ خالد محمد خالد ينحو هذا النحو.

ولكن المؤلف يرى التوسل بالدين لتحقيق العدالة الاجتماعية فهو لا يقطع صلته بالدين.