إيديولوجية جماعة الإخوان المسلمين

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
إيديولوجية جماعة الإخوان المسلمين
الجزء الثاني : التنظيم والأيديولوجية

الناشر مكتبة مدبولي القاهرة

دراسة أكاديمية

ترجمة أعدها

مني أنيس
د. ريتشارد ميتشل
عبد السلام رضوان

مراجعة

فاروق عفيفي عبد الحي

كلمة المراجع

لقد تحرينا مع زميليّ المترجمين أن يخرج النص المترجم لكتاب " جماعة الإخوان المسلمين " بأجزائه : تاريخ الجماعة والتنظيم والإيديولوجية , مطابقا للمؤلف الذي وضعه – في الإنجليزية – الدكتور ريتشارد ب . ميتشل , وبمعني أدق , أردنا أن ننقل للقارئ العربي نص كلمات المؤلف كما أراد هو أن يعبر بها في دراسته الأكاديمية , ودون تدخل منا أو تصحيح .

وبالنسبة للنصوص التي ترجمها المؤلف عن المراجع العربية – خاصة مؤلفات الجماعة – فقد عملنا قدر الإمكان على إعادة إثباتها في أصلها العربي حيث هي من الدراسة , وإذا كان قد فات منها شئ فذلك يرجع إلى عدم سهولة الحصول على بعض هذه المراجع .

والله ولي التوفيق .

فاروق عفيفي عبد الحي

الباب الأول التنظيم

الفصل السادس الهيكل التنظيمي وإدارة الجماعة

القانون الأساسي

بدأت الإجراءات لوضع أول لائحة تنظم وتقنن نواحي العمل في جماعة الإخوان المسلمين – طبقا لأقوال حسن البنا – بين عامي 30 -1931.

وفي 8 سبتمبر 1945 أقرت الجماعة قانونا معدلا قدمه حسن البنا وأطلق عليه " قانون النظام الأساسي لهيئة الإخوان المسلمين العامة " .

وبعد ذلك بسنوات ثلاث , وعلى ضوء تجارب هذه المدة , أوصي حسن البنا بإجراء سلسلة من التعديلات قدمت إلى الهيئة التأسيسية للجماعة في شكل مقترحات نسبت إلى لجنة خاصة قامت بإعدادها , وأقرت الهيئة – بعد تلاوة المقترحات مرتين – إدخال هذه التعديلات على قانون الجماعة .

وبعد تعيين " حسن الهضيبي " مرشدا عاما للجماعة أقر " مكتب الإرشاد العام " لائحة داخلية جديدة تفسر وتفصل مواد القانون الأساسي , مستخدما في ذلك السلطات المخولة للمكتب بالمادة 32 من هذا القانون لإنشاء الجهاز اللازم لتنفيذ أهداف الجماعة , والمادة 62 التي تبيح إعادة النظر في القانون القائم وتعديله .

وبهذا أصبح " قانون النظام الأساسي لهيئة الإخوان المسلمين العامة واللائحة الداخلية العامة " هما المصدرين الأساسيين اللذين تستند إليهما الجماعة في مزاولة نشاطها تنظيميا وإداريا وفنيا .

التدرج التنظيمي في الجماعة

يحتل " المرشد العام" المرتبة الأولي في الجماعة باعتباره رئيسا لها , ويرأس في نفس الوقت جهازي السلطة فيها وهما " مكتب الإرشاد العام " و " الهيئة التأسيسية " .

وقد اعتبر " مكتب الإرشاد العام " أعلى وحدة إدارية في الجماعة ويختص بوضع سياسة الجماعة والأشراف على تنفيذها , بينما تعتبر الهيئة التأسيسية بمثابة مجلس شورى للجماعة وجمعية عمومية لمكتب الإرشاد .

المرشد العام

يتم انتخاب المرشد العامعن طريق الهيئة التأسيسية بحضور مالا يقل عن أربعة أخماس أعضائها وبموافقة ثلاثة أرباع الحاضرين منهم , فإذا لم يكتمل النصاب القانوني أجلت الجلسة لفترة لا تقل عن أسبوعين ولا تزيد عن أربعة أسابيع من تاريخ انعقادها الأول .

فإذا لم يكتمل النصاب القانوني مرة أخرى أجلت الجلسة بنفس الشروط على أن يتم الإعلان عن الاجتماع المزمع عقده وعن أهدافه , ويتم الانتخاب في هذه الجلسة بنسبة ثلاثة أرباع الحاضرين أيا كان عددهم .

ويجب أن يتوافر في المرشد العامألا تقل مدة عضويته في الهيئة التأسيسية عن خمس سنوات قمرية , وأن يكون عالما متصفا بالأخلاق والدراية بالشئون العملية وبعد الانتخاب يقسم المرشد الجديد اليمين التالي :

" أقسم بالله العظيم , أن أكون حارسا أمينا لمبادئ الإخوان المسلمين , ونظامهم الأساسي , وألا اجعل مهمتي سبيلا إلى منفعة شخصية وأن أتحرى في عملي وإرشادي مصلحة الجماعة وفق الكتاب والسنة , وأن أتقبل كل اقتراح أو رأي أو نصيحة من أى شخص بقبول حسن , وأن أعمل على تنفيذه متى كان حقا , وأشهد الله على ذلك " .

ثم تبايع الهيئة التأسيسية المرشد الجديد , كذلك يبايعه أعضاء الجماعة سواء بتقديم البيعة إلى رؤسائهم أو عند أول لقاء لهم بالمرشد , ونص بيعة الولاء هو كالآتي :

" أعاهد الله العلي العظيم على التمسك بدعوة الإخوان المسلمين والجهاد في سبيلها , والقيام بشرائط عضويتها والثقة التامة بقيادتها والسمع والطاعة في المنشط والمكره , وأقسم بالله العظيم على ذلك , وأبايع عليه والله على ما أقول وكيل ".

وعلى المرشد العامأن يكرس وقته كله للتنظيم متجنيا بشكل خاص الدخول في أى معاملات مالية أو اقتصادية سواء بصفته الشخصية أو الاعتبارية حتى لو كانت هذه العمليات تتعلق بالجماعة لكن يسمح له – بموافقة مكتب الإرشاد – أن يزاول أنشطة ثقافية أو تعليمية , ويتحمل المركز العام للجماعة نفقات معيشة المرشد إذا لم يكن له مورد رزق خاص , وتقوم بذلك لجنة خاصة تشكلها الهيئة التأسيسية عقب انتخاب المرشد العام.

ويظل المرشد في منصبه مدى الحياة , وفي حالة وفاته أو عجزه يقوم بعمله وكيله , إلى أن تجتمع الهيئة التأسيسية في خلال شهر من تاريخ خلو المنصب لانتخاب مرشد جديد , أما إذا خالف المرشد العام واجبات منصبه أو فقد مؤهلاته كمرشد فعليه أن يقدم استقالته , كما يجوز للهيئة التأسيسية أن تنحيه وذلك في اجتماع تعقده تتوافر فيه نفس شروط النصاب القانوني التي تتبع عند انتخاب المرشد .

مكتب الإرشاد العام

يتكون مكتب الإرشاد العام من اثني عشر عضوا , تسعة من القاهرة وثلاثة من الأقاليم وفقا للقانون الأساسي , إلا أن عدد أعضاء مكتب الإرشاد ظل مكونا حتى حادثة عبد الحكيم عابدين ( 1946 -1947 ) من عشرين عضوا , ثم خفض حسن البنا هذا العدد ( وفقا لقانون الجماعة ) بعد الحادثة إلى اثني عشر عضوا لكي تسهل المعالجة الرسمية للموضوع إلا أن عدد الأعضاء ازداد في وقت لاحق خلال عام 1952 إلى خمسة عشر عضوا , .

وجاء تعيين الأعضاء الثلاثة – الزائدين – عن طريق مكتب الإرشاد من بين أعضاء الهيئة التأسيسية .

ويجب ألا يقل عمر المرشح لعضوية مكتب الإرشاد العام عن ثلاثين سنة قمرية كما يجب أن يكون قد أمضي مدة عضوية لا تقل عن ثلاثة أعوام في الهيئة التأسيسية وأن يتميز بالعلم والأخلاق والدراية بالأمور العملية , وتتم الانتخابات عن طريق الاقتراع السري بين جميع أعضاء الهيئة التأسيسية ,.

وتتولي لجنة خاصة من أعضاء الهيئة التأسيسية مهمة فرز الأصوات , ويفضل أن يكون أعضاء تلك اللجنة من الذين امتنعوا عن ترشيح أنفسهم لعضوية مكتب الإرشاد العام وبعد انتخاب أعضاء مكتب الإرشاد العام وأدائهم يمين الولاء لمبادئ الإخوان المسلمين والقانون الأساسي وانجاز مهام المنصب الذي انتخبوا له , تتولي الهيئة التأسيسية اختيار نائب للرئيس وسكرتير عام وأمين للصندوق من بين أعضاء القاهرة التسعة عن طريق الاقتراع السري الذي يتولي الإشراف عليه أعضاء لجنة فرز الأصوات , .

ومدة العضوية في مكتب الإرشاد سنتان قابلتان للتجديد فإذا ما خلا أحد الأماكن لأي سبب من الأسباب ( خلال السنتين ) يملؤه المرشح الذي يلي أعضاء المكتب في عدد الأصوات في الانتخاب الأخير , وتصدر قرارات المكتب بالأغلبية المطلقة وتكون ملزمة لجميع الأعضاء فلا يجوز للعضو أن ينقد أو يعارض طالما أخذ القرار شكله القانوني .

أما المسائل التي يعترض عليها عضوا المكتب فيمكن طرحها مرة أخرى بعد ثلاثة أشهر من تاريخ الاعتراض أو قبل ذلك إذا ما تغيرت الظروف بما يدعو إلى إعادة المناقشة ,.

ويعتبر عضو مكتب الإرشاد العام مسئولا عن تصرفاته أمام زملائه في المكتب ومن حق المكتب – إذا أساء العضو التصرف – أن يسدي إليه النصح أو ينذره وله حق تغريمه أو إيقاف عضويته لمدة شهر أو فصله من المكتب , ويتم قرار الفصل بموافقة ثلاثة أرباع الحاضرين في الاجتماع بعد الاستماع إلى دفاع العضو المتهم .

ويشرف مكتب الإرشاد العام على أعمال الجماعة وإدارتها كما أنه يضع سياستها ويعمل على تنفيذ هذه السياسة ويجتمع مكتب الإرشاد بشكل دوري أو بناء على طلب الأعضاء ويجوز دعوته لاجتماعات طارئة بناء على طلب المرشد العامأو من ينوب عنه أو ثلث أعضاء المكتب ويصبح الاجتماع مستوفيا شكله القانوني إذا ما حضرته الأغلبية المطلقة , .

ويتضمن النصاب القانوني أولئك الذين يؤذن لهم بالتغيب عن الاجتماع دون أن تحسب أصواتهم عند التصويت , فإذا ما أجل الاجتماع لعدم اكتمال النصاب يعتبر الاجتماع التالي له قانونيا بأى عدد يحضر من الأعضاء , كما أن للأغلبية المطلقة في اجتماعات كهذه حق اتخاذ القرارات ويعتبر صوت المرشد العاممرجحا في حالة تساوى الأصوات , .

ويجتمع المكتب برئاسة المرشد العامأو نائبه – في حالة غيابه – أو أكبر الأعضاء سنا في حالة غياب هذا الغائب , وللمجلس حق إنشاء أى لجان أو أقسام أو وحدات يراها لازمة لتحقيق أهداف التنظيم .

السكرتير العام

تنتخب الهيئة التأسيسية السكرتير العام من بين أعضاء مكتب الإرشاد , وهو الممثل الرئيسي لمكتب الإرشاد والمركز العام في كافة الشؤون الرسمية والقانونية والادارية ما عدا المهام التي توكل إلى آخرين بتكليف خاص من مكتب الإرشاد , .

وتتحدد مهام السكرتير العام في العمل على تنفيذ قرارات مكتب الإرشاد والأشراف على الجهاز الإداري للجماعة ,والدعوة إلى الاجتماعات وأعداد جدول الأعمال وحفظ سجلات مكتب الإرشاد والإشراف عليها , ويعتبر السكرتير العام حلقة الوصل الأساسية بين مكتب الإرشاد وباقي وحدات الجماعة , وللسكرتير العام حق اختيار مرؤوسيه إلا إن مكتب الإرشاد هو الذي يتولي تعيينهم كما أنه مسئول عن عملهم , والسكرتارية العامة منفصلة تماما عن سكرتارية المرشد العام بل يبدو أن سكرتارية المرشد العام لها حق الإشراف على السكرتارية العامة حيث لا تتبع السكرتارية الأولي سوى المرشد العام فقط .

أمين الصندوق

يعد أمين الصندوق مسئولا عن العمليات المالية للجماعة بوجه عام , وعن المصاريف الخاصة لمكتب الإرشاد وعليه أن يقدم تقريرا شهريا مدعما بالمستندات والسجلات عن الدخل والمصروفات .

الهيئة التأسيسية

يتراوح عدد أعضائها ما بين مائة ومائة وخمسين عضوا , وقد بلغ حجم عضويتها في سنواتها الأخيرة مائة وسبع وأربعين , أما المؤهلات المطلوبة لعضوية الهيئة التأسيسية فهي : عضوية عاملة في الجماعة وعمر لا يقل عن خمسة وعشرين سنة قمرية , ومرور خمس سنوات على انضمامه , وأن يكون متمتعا بالثقافة والأخلاق والدراية بالأمور العملية .

ويتم سنويا إسقاط العضوية عن عشرة أعضاء واختيار من يحل محلهم بشرط مراعاة التمثيل الإقليمي في عضوية الهيئة .

وتتضمن مهام الهيئة التأسيسية الإشراف العام على مراحل تقدم نشاط الجماعة وانتخاب المرشد العام وكذلك اختيار المراقب أو المراجع .

وتعتبر الهيئة العامة بمثابة هيئة استشارية للجماعة وجمعية عمومية لمكتب الإرشاد .

ويعقد الاجتماع السنوي للهيئة خلال الشهر الهجري الأول من كل عام , ويتضمن جدول أعمالها : تقرير المرشد العام عن النشاط المزمع للعام المقبل , وتقرير المراجع عن حسابات العام المنصرم , وميزانية العام المقبل , وانتخاب أعضاء جدد للأماكن التي شعرت بانتهاء مدة عضوية شاغليها , .

ويمكن دعوة الهيئة لاجتماعات طارئة بناء على طلب المرشد العام أو مكتب الإرشاد أو ما لا يقل عن عشرين عضوا من أعضائها , ويرأس المرشد العام اجتماع الهيئة وفي حالة غيابه أو تعلق الاجتماع بما يمسه شخصيا يرأس الاجتماع نائب المرشد , .

وفي حالة غياب الأخير يرأس الاجتماع أكبر أعضاء الهيئة سنا , والأغلبية المطلقة هي النصاب القانوني إلا في حالات خاصة ينص فيها على الحد الأدنى , فإذا لم يكتمل النصاب القانوني أجل الاجتماع أسبوعين لحين الإعلان بصورة موسعة عن الاجتماع الجديد ويعد الاجتماع الجديد قانونيا بغض النظر عن عدد الحاضرين , وقرارات هذا الاجتماع تصدر بأغلبية مطلقة من الحاضرين .

وتنتخب الهيئة لجنة مكونة من سبعة أعضاء متمرسين في القانون للإشراف على سلوك الأعضاء , ووضع العقوبات المناسبة للتصرفات الخاطئة , إلا أن قرارات هذه اللجنة لا تكون نافذة إلا باعتماد المرشد العام, وتنتخب هذه اللجنة رئيسها وسكرتيرها وتحتفظ بسجلاتها , وتعد اجتماعاتها قانونية بحضور خمسة أعضاء من بينهم الرئيس , .

وتصدر قراراتها بأغلبية مطلقة ويجوز لعضو اللجنة شغل منصب العضوية أكثر من مرة , أما إذا أرادت اللجنة فصل أحد أعضائها فيتم هذا عن طريق التقدم بطلب كتابي إلى مكتب الإرشاد الذي يسلمه بدوره إلى الهيئة التأسيسية لبحثه في اجتماعها المقبل , ويجوز للمرشد العام استخدام سلطاته في إيقاف أى عضو حتى تبت لجنة الهيئة التأسيسية في أمره .

المركز العام

تلتقي القيادة المركزية المكونة من المرشد العامومكتب الإرشاد والهيئة التأسيسية – لأداء مهامها المختلفة – في المركز العام ومقره بالقاهرة في حي الحلمية الجديدة , حيث كان هذا المركز يستخدم أيضا كقاعدة للعمليات الفنية والميدانية , والسكرتير العام هو الشخصية الرئيسية في المركز العام و يعتبر موظفو سكرتاريته وسكرتارية المرشد العامهم الموظفون الرسميون للمركز , يلي هؤلاء في الأهمية الوظيفية : " المراقب " ومرؤوسوه ثم أمناء المخازن والمسئولون عن المكتبة ومحل بيع الكتب ثم السعاة والفراشون .

ولقد تم تقسيم المركز العام – الذي كان في الأصل مبني سكنيا – إلى مكاتب ومقار للجان , وفي نفس الوقت الذي كان يعمل فيه الموظفون الدائمون يوما كاملا في مقر المركز كان باقي الأعضاء والرؤساء يمارسون عملهم في المركز بعد الظهر , بعد أن يفرغوا من أعمالهم الخارجية , .

وقد شمل المركز بجانب حجرات الاستقبال جامعا صغيرا ومكتبة ومن الواضح أن هذا الجامع الصغير – رغم استخدامه – قد أنشئ لمجرد الدلالة الرمزية وذلك حيث أن الإخوان كانوا يؤدون الصلاة , عندما يحين موعدها , في أى مكان بالمبني متواجدين فيه , أما المكتبة فهي تتضمن كتاب مهداة من المكتبة العربية المملوكة للأمير محمد على ( أحد أفراد الأسرة المالكة السابقة ) وبعض الهدايا الأخرى من الأفراد , .

وفي عام 1948 صادرت الحكومة هذه المكتبة ثم قررت – بعد أن أحرقت كل الأدب المكتوب للإخوان – توزيع محتوياتها من الكتب على بعض المكتبات المصرية ,.

وفي النهاية استقرت الحكومة على إهداء تلك الكتب إلى جماعة التربية الإسلامية على أن تدفع هذه الجماعة للحكومة ثمن خزانات الكتب , وفي عام 1951 وبعد أن عادت جماعة الإخوان إلى حقل الشرعية مرة أخرى طلب الإخوان من الحكومة استعادة مجموعتهم , وحصلوا عليها بالفعل بعد أن أعادوا لجماعة التربية الإسلامية قيمة خزانات الكتب التي دفعتها للحكومة والمرجح أن هذه المكتبة , التي قيل أنها ضمت ألفين وخمسمائة مجلدا , في الدراسات الإسلامية والأدب والنحو والتاريخ القومي قد تم تدميرها في أكتوبر عام 1954 حينما أشعل الحشد الساخط النيران في المركز العام .

العمليات الفنية

تنقسم العمليات الفنية للجماعة إلى قسمين : الأول قسم يعني بالناحية الإدارية للحركة ويتكون من ست لجان تتبع مكتب الإرشاد مباشرة , واللجان الست هي : لجنة مالية ولجنة سياسية ولجنة قانونية ولجنة إحصائية ولجنة خدمات ولجنة للفتوى والثاني : قسم يعني بالإيديولوجية أو نشر العقيدة ويتكون من عشرة أقسام هي : نشر الدعوة , والعمال , والفلاحين , والأسر , والطلبة , والاتصال بالعالم الإسلامي , والتربية البدنية , والمهن , والصحافة والترجمة , والأخوات المسلمات , .

وفي أعقاب عودة الجماعة للعمل عام 1951 أصبح قسما الفلاحين والعمال قسما واحدا وأصبح للصحافة والترجمة لجنة بدلا من قسم وقد نص القانون الأساسي على أنه يجوز أن تكون اللجان والأقسام مؤقتة أو دائمة وتكون تابعة لمكتب الإرشاد العام ويجب أن تتخذ من المركز العام مقرا لها , .

ويقوم السكرتير العام بإبلاغ الشعب بأنشطة وقرارات تلك الأقسام واللجان بعد التصديق عليها من قبل المرشد العام أو مكتب الإرشاد , ويتلخص دور الأقسام واللجان في إبداء النصح والتحري , ومكتب الإرشاد هو الذي يعين رئيس كل قسم أو لجنة , ويعين المرشد العام مساعدا للرئيس واضعا في الاعتبار ترشيحات رئيس اللجنة أو القسم .

اللجان

سوف تتناول لجان المركز بإيجاز شديد , فاللجنة المالية هي الجهاز التابع لأمين الصندوق , أما اللجنة القانونية فمهمتها الدفاع عن الإخوان أمام المحاكم وحفظ سجلات القضايا وتباشر هذه اللجنة القضايا بإذن خاص من مكتب الإرشاد , أما اللجنة السياسية فمهمتها دراسة الأحداث السياسية العامة والخاصة داخليا وخارجيا وإبداء الرأي فيما يجب أن يكون عليه موقف الإخوان من هذه الأحداث , .

أما لجنة الخدمات فتختص باحتياجات الإخوان والعمل على راحتهم ولعل الصياغات الغامضة لمهام تلك اللجنة تعني أنها اللجنة المختصة بالمساعدات المادية والمالية , وأما لجنة الفتوى فتختص بإيضاح حكم الإسلام في الأمور التي تهم الإخوان , .

أما اللجنة الإحصائية فهي اللجنة التي تحتفظ بسجلات نشاط الإخوان وهي المسئولة عن إعداد تقرير دوري كل ثلاثة أشهر عن هذا النشاط تتقدم به إلى المسئول الأعلى , .

أما لجنة الصحافة والترجمة فتتركز مهامها في نشر جرائد ومجلات الإخوان , وجمع وحفظ المواد المنشورة في جميع اللغات والمتصلة بالإخوان وترجمة كافة المواد اللازمة لنشر الدعوة من اللغة العربية إلى اللغات الأخرى وبالعكس .

الأقسام

دور الأقسام بالنسبة للنشاط العملي للجماعة أهم بكثير من دور اللجان من حيث أن الأقسام تتصل بشكل وثيق ومباشر بتربية الأعضاء وتدريبهم لذا عدت رئاسة القسم نوعا من المكافأة حيث يحمل المنصب في طياته إمكانية أن يصبح صاحب هذه الوظيفة قوة فعالة داخل الهيكل التنظيمي , ذلك أن الأقسام تختص بشكل مباشر بدراسة مشاكل العضوية الأمر الذي يترتب عليه اشتراك الأقسام في وضع سياسة الجماعة مما يمكن رؤساء تلك الأقسام من الدخول طرفا في لعبة تنازع القوى المستترة وتعمل الأقسام وفقا للنظام التالي :

نشر الدعوة

يتحدد الهدف المعلن لهذا القسم في تنظيم الدعاية لمبادئ الإخوان بكل الوسائل التي تتمشي مع روح الإسلام , ويتطلب هذا وجود ما يلي :

1) دعاة يلقون الخطب والمحاضرات مدربين بشكل جيد على حضور الاجتماعات العامة ( أى الالتقاء بالجماهير من خارج الجماعة ).
2) مطبوعات علمية وثقافية ورياضية , ولا يجوز لأى عضو أن ينفرد بإصدار أى من هذه المطبوعات دون أن يصرح له القسم بهذا .
3) إرشاد كل عضو روحيا وعقليا وبدنيا وإعداده إعدادا إسلاميا عن طريق المحاضرات والمطبوعات والنشاط الرياضي المنظم كما أن من بين مهام قسم نشر الدعوة إمداد الشعب بالمحاضرين والمتحدثين , كذلك يتولي قسم نشر الدعوة وضع جدول دراسي موحد لمدارس الدعوة التي تتبع كل وحدات الضواحي , أما خريجو مدارس الدعوة فيصعدون فور تخرجهم إلى مستوى " داعية تنظيمي ".

قسم العمال والفلاحين

كان هذا القسم مكلفا يبث الدعوة إلى خلق " جو إسلامي " في المزارع والقرى والمصانع والمدن , وحث العمال على مزاولة النشاط النقابي لحماية حقوقهم , كذلك عمل القسم على إنشاء جمعيات تعاونية بين العمال والفلاحين لتوفير احتياجاتهم ومطالبهم , .

كما قام قسم العمال والفلاحين بدراسة مشكلات العمال والفلاحين والحلول الملائمة لها , كما بذل هذا القسم جهدا ملحوظا في التوفيق بين العمال والمديرين وبين الفلاحين وملاك الأرض ودراسة الاستغلال الزراعي وتنظيمات العمل بهدف التغلب على الأخطاء والعودة إلى نموذج المؤسسة الإسلامية .

كما عملت الجماعة على تعليم الجماعة على تعليم الفلاح والعامل كيفية رفع مستواه التعليمي والأخلاقي والاجتماعي والصحي , ويتولي القسم إعداد البرامج الفنية لتثقيف القيادة والقادة والقيام بالاتصال بممثلي العمال والفلاحين في الشعب وتنسيق العمل معهم .

قسم الطلبة

يقوم قسم الطلبة بخلق الجو الإسلامي في المدارس المصرية ويضطلع بمهام مماثلة للمهام العامة لقسم العمال والفلاحين بجانب مساعدة الطلبة على الانتفاع بدروسهم الأكاديمية وبأوقات فراغهم أيضا وخاصة إجازة الصيف .

قسم المهن

يعمل هذا القسم مثله مثل القسمين السابقين على خلق جو إسلامي قولا وعملا في حياة الأعضاء وهذا القسم ينقسم إلى عدة لجان للمهن المختلفة : الأطباء والمهندسين والمحامين والمدرسين والتجار والزراعيين والأخصائيين الاجتماعيين – والصحفيين والموظفين , وكانت أهم تلك اللجان هي لجنة المدرسين والموظفين يلعبون دورا هاما في تشكيل الرأي العام وهم أدوات خلق جيل جديد من المسلمين .

قسم الاتصال بالعالم الإسلامي

يعمل هذا القسم على تحقيق الأهداف التالية :

1) نشر دعوة الإسلام والإخوان في كل أنحاء العالم الإسلامي عبر التنظيمات القومية والإسلامية الموجودة في بلدان العالم الإسلامي .
2) دراسة مشكلات العالم الإسلامي على ضوء الأحداث العالمية بالتعاون مع اللجنة السياسية التابعة للمركز العام.
3) تنظيم اجتماع سنوى يحضره قادة وممثلو الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي سواء في ذلك أعضاء جماعة الإخوان أو أعضاء أية جماعات إسلامية أو إصلاحية أخرى – لمناقشة الشئون التي تهم العالم الإسلامي وإمكانيات توحيد القواعد والنظم المتبعة لدي الجماعات المختلفة .
أصلاحية أخرى – لمناقشة الشؤون التي تهم العالم الإسلامي وإمكانيات توحيد القواعد والنظم المتبعة لدى الجماعات المختلفة .

ويمارس القسم عمله على النحو التالي :

1) إعداد ملف خاص عن كل بلد يتضمن البيانات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الهامة وشكل الحركة الإسلامية في تلك البلاد .
2) دراسة المشكلات المختلفة لكل بلد عن طريق الأبحاث والمحاضرات والمطبوعات وجماعات البحث .

إرسال بعثات دعوة للخارج والترحيب بتبادل البعثات ويدير هذا القسم رئيس ووكيلان وسكرتير ومساعد للسكرتير , ولهم مطلق الحرية في إنشاء اللجان التنظيمية اللازمة لأداء عملهم , .

وينقسم القسم إلى تسعة لجان دائمة تختص ستة منها بمناطق جغرافية إسلامية هي : شمال أفريقيا , وشرق وجنوب غرب أفريقيا ( أثيوبيا الصومال ونيجيريا والسنغال ) والهلال الخصيب ( سوريا وفلسطين ولبنان والأردن والعراق ) والمملكة العربية السعودية واليمن والإمارات المستقلة في الجنوب والخليج الفارسي , وتركيا وإيران وباكستان وأفغانستان , والهند وسيلان واندونيسيا والملايو والفلبين والصين , وبعض المناطق الأخرى في المحيط الهادي والشرق الأقصى , أما اللجنة السابعة فتختص بشؤون الأقليات الإسلامية في الأميركتين والاتحاد السوفيتي وأوروبا , أما اللجنة الثامنة فهي لجنة استشارية مكونة من كبار المتخصصين أما اللجنة التاسعة فتختص بالفرق الإسلامية .

ولم يكن يمر أسبوع واحد دون أن يشهد المركز العام زيارة لإحدى الشخصيات الهامة من كافة أنحاء العالم الإسلامي , أما كمتحدثين رسميين أو كمراقبين أثناء الاجتماعات , .

وكان القسم يقوم على شؤون راحتهم , كذلك أصبح المركز العام بمثابة ملجأ لمئات الطلبة المسلمين من الأجانب الذين يدرسون في الأزهر والمدارس المصرية والمتعاطفين مع أفكار حركة الإخوان , .

وكان هؤلاء الطلبة يلقون ترحيبا شديدا – على اعتبار أنهم سيكونون لدى عودتهم لبلادهم من دعاة القضية – كما كانوا يتلقون الدعوات للاشتراك في نشاط الجماعة كلما أمكن ذلك .. فأصبح قسم الاتصال بالعالم الإسلامي بمثابة مركز تتجمع فيه كافة المواد الخاصة بالحركات الإسلامية المختلفة في أنحاء العالم الإسلامي وقد ارفق القسم هذه المواد في الأبحاث التي تقوم بها اللجان المختصة كل في مجال اختصاصها من أجل إعداد ملفات كاملة عن كل بلد إسلامي بقدر ما يسمح الوقت ووفرة المادة وأساليب البحث , .

وفي النهاية أصبح هذا القسم هو الصوت الرسمي للجماعة في المسائل العامة التي تهمها , فمن خلال هذا القسم وجهت الجماعة احتجاجها على اضطهاد حكومة الباكستان للشيخ أبو الأعلى المودودي وأتباعه كما قدمت احتجاجا إلى حكومة الهند لاعترافها بإسرائيل .

قسم التربية البدنية وقسم الجوالة

تعتبر هاتان الوحدتان – من الناحية التنظيمية – وحدتين منفصلتين إلا أن هدفهما واحد وهو التدريب البدني والرياضي الفردي المنظم بهدف المساهمة في التدريب الروحي والعقلي للأعضاء , والقانون الأساسي للجماعة الصادر عام 1945 هو والتعديلات التي ادخلت عليه عام 1948 لا يذكران شيئا مفصلا عن هذين القسمين , بينما نجد أن اللائحة الداخلية ( الصادرة عام 1951 ) قد ذكرت قسم التربية البدنية ولم تذكر القسم الآخر رغم أن مصادر أخرى قد أكدت وجود هذا القسم بعد عام 1951 ولعل السبب في عدم ذكر الجوالة يرجع إلى أن القيادة الجديدة التي ظهرت بعد عام 1950 كانت تنظر إلى هذا الموضوع باعتباره أحد جوانب النزاع الذي دار حول دور " الجهاز السري" في الجماعة حيث تطرق الأمر إلى مناقشة بعض جوانب العضوية وخاصة تلك التي تتعلق بالتربية البدنية والرياضية ,ولما كان هذا الموضوع مرتبطا بالجانب العقائدي للعضوية فإننا سنؤجل مناقشته حتى نصل إلى هذه النقطة .

قسم الأسر

كان لقسم الأسر وعلاقته بالجهاز السريدور كبير في الخلاف الذي أدي إلى انقسام الجماعة في سنيها الأخيرة.

لذلك ونظرا لأن نشاط الأسر كان يغلب عليه الطابع العقائدى وليس الطابع الإداري , سنؤجل التعرض لهذه النقطة أيضا .

قسم الأخوات المسلمات

منذ الأيام الأولي لقيام حركة الإخوان في الإسماعيلية , أعلن " حسن البنا " عن اهتمامه بالدور الأساسي للمرأة في الإصلاح الإسلامي الذي نادي به , ذلك أن هذا الإصلاح لن يكتب له النجاح إلا إذا بدأ بالفرد داخل أسرته , لذا تعتبر " الأم " أداة أساسية في هذا الإصلاح , وكن من أول مشروعات البنا إنشاء معهد " أمهات المؤمنين " في الإسماعيلية , وهكذا أصبحت هذه المدرسة التي أنشئت في أبريل 1933 أول شعبة رسمية للأخوات المسلمات .

إلا أنه على الرغم من السير قدما بترتيبات تشكيل الهيكل التنظيمي فقد كان نمو التنظيم النسائي يتم ببطء بما لا يقاس بسرعة نمو تنظيم الرجال , وقد لاقت هذه الفكرة في سنيها الأول – رغم جهود البنا – نوعا من المقاومة من قبل الرجال , ولم تتشكل قيادة للتنظيم النسائي " الأخوات المسلمات " إلا بعد مرور عشر سنوات على إنشاء الشعبة الأولي للتنظيم , وأصبح له مقر ( مركز عام ) سنة 1944 , .

وفي إبان قمة نشاط جماعة الإخوان عام 1948 بلغ عدد الأخوات المسلمات – طبقا لما أعلنته الجماعة – خمسة آلاف أخت مسلمة , وقد خضعت الأخوات المسلمات لنفس قانون الحل عام 1949 وأعيد تكوين جماعتهن عام 1951 مع إعادة تكوين جماعة الإخوان إلا أنهن لقين تقدير أكثر هذه المرة من قبل كافة الأعضاء وفي ظل القيادة الجديدة ,.

ويرجع السبب في هذا إلى الدور الذي لعبنه مع عائلات المقبوض عليهم أثناء محاكمات الإخوان 1948 -1950 , وقد كان عدد الأخوات المسلمات في الجامعة – وكن يتميزن بغطاء الرأس الأبيض – ضئيلا على عكس عدد الإخوان فيها , وقد أقر العديد من الإخوان – لدي سؤالهم عن أسباب ذلك – بعجز الحركة النسائية الإسلامية عن جذب المتعلمات اللائي رأين في الحركة " عودة إلى عصر الحريم " أكثر منها طريقا لتحرير حقيقي للمرأة وهو ما كان يعلنه الإخوان , .

ولم تستطع الأخوات المسلمات تملك عقول الشابات بالقدر الذي استطاع به الإخوان تملك عقول الشبان , لذا تعتبر الأهمية الأساسية للأخوات أهمية تنظيمية حيث عد قسم الأخوات المسلمات بمثابة مختبر – وإن كان صغيرا – لتجربة أفكار الجماعة عن النساء , كما أن الأخوات – كأعضاء – لعبن دورا هاما في الخدمات التعليمية والصحية للجماعة .

الجهاز الميداني

تمثل الوحدات الميدانية القنوات الإدارية التي يصل من خلالها صوت القيادة العليا إلى جماعات الأعضاء العاملين , والتي يتم خلالها إضفاء صيغة النظام الصارم على العضوية , .

وقد وصف أحد مؤرخي الحركة " تشكيلات الميدان " هذه باعتبارها وحدات للقيادة والتحريك وأكبر وحدة في الجهاز الميداني هي المكتب الإداري وتتعدد المكاتب بتعدد التقسيم الإداري الذي تتبعه الحكومة ( المحافظات ) وينقسم المكتب الإداري إلى مناطق هي تقريبا نفس المناطق المقسمة إليها التفريعات الادارية الحكومية وقد اتبع هذا التقسيم على هذين المستويين لقيمة جلية هي الاستفادة من قنوات الاتصال بين التقسيمات المختلفة وتفريعاتها القائمة رسميا , كذلك تنقسم المناطق إلى شعب وتعتبر الشعبة أهم وحدات الجماعة الإدارية ( اللائحة الداخلية مادة 1 -4 والقانون الأساسي مادة 50) وتأخذ المكاتب الإدارية والأقسام والشعب مسمياتها من أسماء المواقع الجغرافية التي ينصرف إليها نشاطها.

المكتب الإداري

تدار شؤون المكتب الإداري عن طريق مجلس يتكون من رئيس ونائب وسكرتير وأمين صندوق يتم تعيينهم عن طريق مكتب الإرشاد العام ويشغلون تلك المناصب أما لأنهم يشغلون المناصب نفسها في الشعبة الرئيسية للمنطقة التي تتبع المجلس وأما بحكم كونهم أعضاء نشطين في المنطقة أو في أحد فروع الجماعة الهامة , ويوجد في كل مجلس إداري بجانب الأعضاء الأربعة عضو خامس يمثل مكتب الإرشاد , رأيه استشاري ولا يشترك في التصويت على القرارات ( اللائحة الداخلية مادة 28).

مكتب المنطقة

تدار شؤون مكتب المنطقة عن طريق مجلس يتكون من رئيس يعينه مكتب الإرشاد أو يكون رئيسا للشعبة الأساسية في المنطقة , ومن جميع رؤساء الشعب بالمنطقة ومن بعض الزوار من أعضاء الشعب والمكاتب الإدارية الذين لا يشاركون في التصويت ومن بعض ممثلي الأنشطة الهامة للمنطقة , ويختار رؤساء الشعب سكرتيرا للمكتب أو أمينا للصندوق أو الاثنين معا .

الشعب

كانت المجالس الإدارية ومكاتب الأقسام بمثابة وحدات وحلقات اتصال أساسية فيما يختص بالتعليمات وقد نشأت تلك المجالس والمكتب في تاريخ متأخر نسبيا كما أن أعمالها في بداية نشأتها كانت تنحصر أساسا في حفظ السجلات , بينما تعتبر الشعبة هي مكان التجميع التاريخي للأعضاء كما أنها الوحدة الإدارية الأساسية , وعلى الرغم من اهتمام موظفي الجماعة وإدارييها بالمكاتب الإدارية والأقسام إلا أن تبعيتهم هم والأعضاء على وجه الخصوص كان للشعب .

ويتولي الإشراف على الشعبة مجلس إدارة تنتخبه جمعية عمومية من أعضاء الشعبة , وتتكون الجمعية العمومية للشعبة اجتماعها السنوي في شهر محرم إلا أنه يجوز دعوتها للاجتماع في أى وقت بناء على طلب رئيسها أو المرشد العام أو خمس أعضاء الشعبة و النصاب القانوني للاجتماع هو نصف الأعضاء , وتتخذ القرارات بالأغلبية المطلقة , فإذا لم ينعقد الاجتماع نظرا لعدم توفر شروطه يؤجل أسبوعا ثم يعقد ويعتبر أى عدد من الحاضرين نصابا قانونيا , .

ويكون الأخطار بالاجتماع وجدول أعماله قبيل انعقاد الاجتماع بثلاثة أيام , ويرأس الاجتماع رئيس الشعبة أو نائبه أو أكبر أعضاء الشعبة سنا , وتنتخب الجمعية العمومية مجلس الادارة وتناقش الميزانية والحسابات وتقارير نشاط العام المنصرم والعام المقبل , .

ويجب إخطار مكتب الإرشاد العام بمواعيد الاجتماعات قبيل انعقادها بعشرة أيام كما يرسل جدول أعمال الاجتماع إلى مكتب الإرشاد , ويجوز لمكتب الإرشاد إرسال ممثل عنه ليحضر الاجتماع , وتعتمد قرارات الجمعية العمومية قبل تنفيذها من المرشد العام.

ويتكون مجلس إدارة الشعبة من رئيس يختاره المركز العام واثنين من الوكلاء وسكرتير وأمين صندوق تنتخبهم الجمعية العمومية بالاقتراع السري كل عامين , ويجب ألا يقل عمر المرشح لمجلس الإدارة عن إحدى وعشرين سنة قمرية , وألا تقل مدة عضويته في الشعبة عن سنة كاملة , كاملة يجوز إعادة انتخابهم أكثر من مرة , .

وكذلك يجوز إعفاء رئيس الشعبة من منصبه بناء على أوامر المركز , ويجب أن يقسم أعضاء مجلس إدارة الشعبة يمين الولاء لمبادئ الإخوان المسلمين وأن يطيعوا أوامر القيادة ويعملوا على تنفيذها , ويعتبر رئيس الشعبة – الذي غالبا ما يكون رئيس مجلس إداراتها أيضا – مسئولا عن أنشطة الشعبة كما أنه يرأس اجتماعاتها ويمثلها في الأعمال الرسمية والقانونية , .

أما السكرتير فهو مسئول عن الأختام والسجلات والملفات وأمين الصندوق مسئول في عمله أمام مجلس الإدارة والجمعية العمومية , وتعقد اجتماعات المجلس بصفة دورية , والنصاب القانوني للاجتماعات هو نصف عدد الأعضاء وتؤخذ القرارات بالأغلبية المطلقة ولرئيس الشعبة صوت مرجح .

وللمجلس حق إنشاء الأقسام التي يراها لازمة داخل الشعبة , وفي حالة خلو أحد مناصب المجلس يعين العضو التالي لأعضاء المجلس في عدد الأصوات طبقا لآخر انتخاب , بنفس الطريقة المتبعة بالنسبة لمناصب مكتب الإرشاد , .

الأخوات المسلمات ويجوز لمجلس الإدارة حل الشعبة إذا قرر أنها عاجزة عن تحقيق الهدف منها , إلا أن قرارا كهذا يستلزم موافقة الجهات التالية : - الأخوات المسلمات

1) الجمعية العمومية للشعبة بحضور ثلاثة أرباع الأعضاء وموافقة ثلثي الحاضرين .
2) مكتب الإرشاد.

كما يجوز أيضا لمكتب الإرشاد إصدار قرار بحل الشعبة وفقا للمادة 55 من القانون الأساسي إذا حادت الشعبة عن طريق الدعوة , كما أن لمكتب الإرشاد وحده حق إنشاء شعب جديدة سواء عن طريق مكاتب الأقسام أو عن طريق ممثلي مكتب الإرشاد مباشرة , .

وله أيضا حق التمثيل في اجتماعات مجالس إدارات الشعب دون أن يكون لممثليه حق التصويت داخل تلك الاجتماعات إلا أنه يجوز لأولئك الممثلين استخدام سلطاتهم في إعاقة أى قرار لا يتفق ومبادئ الجماعة كما يجوز لهم طلب المشورة من المركز الذي يعد رأيه حاسما , .

ويجوز للمركز رفض مجلس الإدارة بأكمله أو رفض أحد أعضائه وفي هذه الحالة يعين العضو التالي لأعضاء المجلس في عدد الأصوات مكان العضو المرفوض ( القانون الأساسي مادة 52 – واللائحة الداخلية مادة 22 ) .

وتتحدد العلاقة بين الوحدات الإدارية الثلاث وفقا لقانون الجماعة , فالشعبة تلي المنطقة والمنطقة تلي المكتب الإداري في التدرج الهرمي , ويتم الاتصال بين المستويات الدنيا والمستويات العليا وفقا لهذا التدرج , .

ويجوز للشعبة الاتصال المباشر بمكتب الإرشاد إذا كانت لها شكوى تتعلق بالمستويات الأعلى منها , ولم تبلغ إليه عن طريق مكتب القسم أو مجلس الإدارة , ويتم الاتصال بين الشعب عن طريق مكتب القسم أو مكاتب الأقسام إذا ما كانت الشعب المراد الاتصال بها تتبع أقساما مختلفة , .

كذلك يتم الاتصال داخل القسم الواحد من خلال مجالس الإدارات التي تتصل ببعضها عن طريق مكتب الإرشاد ( اللائحة الداخلية مادة 89 -91 ) .

والشعبة المنتظمة في أعمالها وعملياتها تكون أشبه " بمركز عام " مصغر , وقد سبق لنا أن تناولنا أداتها الإدارية , ويتمتع مجلس إدارة الشعبة بحرية وضع برنامجها طالما التزم بسياسة القرارات التي تصدرها الجماعة وتخضع الأنشطة المختلفة لنفس التقسيم المتبع في أقسام المركز , .

فيوجد قسم لنشر الدعوة وقسم للجوالة وقسم للطلبة أو العمال أو الفلاحين أو المهنيين وفقا لموقع الشعبة , ويجوز أن يكون القسم المخصص لهذا الغرض قسما واحدا أو عدة أقسام , كما يجب أن تحتوى كل شعبة على مكتبة أو حجرة مطالعة على الأقل لتشجيع برامج التعليم المحلي والمساهمة فيها , .

كما توجد بعض التسهيلات الطبية والعلاجية في الشعب الكبيرة وأحيانا ما تكون هذه التسهيلات دائمة وأحيانا أخرى تتم بشكل دوري وتمارس الشعب أنشطتها عبر نظام لا مركزي تصب فيه جميع الأنشطة الهامة للأسر .

أما الشعب الجامعية فيتم تنظيمها بطريقة مختلفة عن تنظيم الشعب الجغرافية العادية , وذلك وفقا لمتطلبات الجامعة والتنظيم , ويعد رئيس شعبة الجامعة زعيما معترفا به من قبل جميع الطلبة الإخوان , لذا يعتبر صوته قويا سواء لدى قيادات الجماعة أو لدى الطلبة الإخوان أو الطلبة الآخرين ,.

ولقد كان حسن إدارة هذا المنصب ضمانا للترقي إلى أعلي المستويات داخل الجماعة , وكان إحساس قيادة الجماعة بمدي قوة مصطفي مؤمن زعيم الطلبة ( عام 1946 -1948) هو السبب في مناصبته العداء الشديد عام 19501951 مما أدي إلى طرده من الجماعة , .

كما أن خليفته حسن دوح كان على علاقة ودية في البداية بمجلس قيادة الثورة يوليو 1952 , الأمر الذي جعل النظام الجديد ( الثورة ) متمتعا بحالة من الهدوء النسبي داخل الجامعة جعلته ينصرف لتأمين وضعه خلال السنوات الأولي وهو أمر كان على قدر كبير من الأهمية , .

ولعل هذه الصداقة هي التي جعلت من حسن دوح أعدى أعداء النظام عندما ساءت العلاقات بين الحكومة والجماعة , وكان حسن دوح هو أول عضو بارز في الجماعة يواجه التحدي السافر من قبل الحكومة قبل حل الجماعة عام 1954 أما في الصراع الداخلي على السلطة داخل الجماعة فقد ضمن حسن دوح عن طريق إخلاصه للهضيبي استمرار التأييد التام من قبل " إخوان " الجامعة ... أقوى أداة للجماعة في نشر آرائها والدعوة إليها .

وقد جاء تنظيم شعبة الجامعة بسيطا وعلى درجة عالية من الكفاءة : فرئيس الشعبة هو المسئول مسئولية مباشرة عن رؤساء الكليات , وتنقسم الكليات إلى أربعة أقسام يختص كل قسم منها بشؤون إحدى السنوات الدراسية , .

ويعتبر رؤساء أقسام الكلية مسئولين عن سلوك أعضاء جماعتهم ويسائلهم في هذا السلوك رئيس الكلية , وقد أتاح هذا التقسيم تنظيم الإخوان داخل الجامعة في وحدات من الصغر بالقدر الذي يسمح بالتجمع بسرعة ومن الكبر أيضا بالقدر الذي يسمح لها بالتأثير الفعال داخل الكليات , أما الاتصال بين الكليات فكان يتم عن طريق زعيم الجامعة , .

ولعل أهم ما كان يدهش معارض الإخوان في الجامعة قدرة الزعماء على توصيل الإرشادات والقرارات عبر مستويات الإخوان المختلفة بسرعة شديدة وامتثال هؤلاء الأعضاء الكامل لتلك الإرشادات والقرارات .

مصادر التمويل

تعتمد إيرادات الجماعة أساسا على اشتراكات العضوية والتبرعات والهبات وعائد المشروعات الاقتصادية للجماعة وبيع المطبوعات والشارات والشعارات وما شابه ذلك , .

والشعبة تساهم في أعمال المنطقة كما تساهم المنطقة في أعمال المكتب الإداري ويساهم المكتب الإداري بدوره في أعمال المركز العام وفقا للتحديد الرسمي للمسؤوليات المالية ,ويساهم المكتب الإداري شهريا بمبلغ محدد يقرره مكتب الإرشاد يذهب إلى المركز العام باعتباره مساهمة من الأعضاء في الصندوق العام , وبمقدار ما كانت اشتراكات العضوية – على الرغم من وجود أنشطة أخرى – تمثل المصدر الرئيسي للدخل , .

فقد كان المركز العام في الواقع تحت رحمة هيكل مالي بالغ الغرابة من حيث لا مركزيته , فهذا الهيكل يعتمد – فيما يتعلق بتحصيل الدخل الضروري لنشاط المركز العام – على الإدارة الإقليمية الفعالة , .

وقد ظل هذا النظام غير المتسم بالكفاءة مثار شكوى المركز العام من حيث أن المبالغ الكبيرة التي تنفق على المستويات الدنيا تأتي على حساب المستويات العليا فتعوق عمل مكتب الإرشاد .

ولقد طور حسن البنا الخطوط العامة للنظام المالي أثناء الأربعينات حينما اتخذت الجماعة شكلها التنظيمي النهائي وأصبحت أكثر نشاطا , مما جعل الشكل القديم باليا ومفتقرا إلى الكفاءة حينما كانت الاشتراكات والهبات تحصل من الأعضاء كلما كان ذلك ممكنا وبشكل غير منتظم ,.

والواقع أن عدم الاهتمام بالأمور المالية قد حفز القيادة الجديدة عام 1951 إلى إدخال قواعد جديدة تحدد اشتراكات العضوي التي يتم تحصيلها عن طريق الأسر داخل الشعبة التي تتولي إرسال مبلغ محدد من هذه الاشتراكات في يوم محدد إلى المنطقة التي تتولي إرسال هذا المبلغ إلى المكتب الاداري والمركز العام , وكانت هذه العملية تتم تحت الإشراف الدقيق والرقابة على كافة المستويات ويتوج ذلك بالمراجعة النهائية من قبل مكتب الإرشاد العام والهيئة التأسيسية .

ولقد مثلت المشكلات التي تواجه تطبيق نظام الحصص من قاعدة التنظيم إلى قمته , الوجه الإداري لمشكلة أكثر تعقيدا هي مشكلة عدم كفاية الإيرادات.

وأرقام الدخل والمنصرف أو عائد المشروعات الاقتصادية إذا ما كان هناك أى عائد – غير متوفرة لدينا , فقد كانت الجماعة تلجأ في بعض الأحيان إلى الاقتراض لتمويل مشروعاتها , إلا أن هذا كان يتم في المراحل المبكرة للتنظيم وفي الشؤون المحلية فقط .

كما لجأت الجماعة في الثلاثينات إلى إصدار سندات للدعوة بغرض القيام بحملة تبرعات واسعة بين الأعضاء وفي بعض الأحيان - وإن لم يتكرر ذلك كثيرا – كانت الجماعة تفرض على الجماعات الإقليمية دفع حصة معينة لتمويل بعض المشروعات التي يتولاها المركز العام .

أما المصدر الآخر للدخل فقد تمثل في التبرعات من قبل غير الأعضاء فالجماعة كانت تتلقي بعض التبرعات من أثرياء المسلمين الذين كانوا ينظرون بعين الاهتمام إلى نشاط الجماعة ,.

وكانت غالبية هذه التبرعات تأتي من الريف حيث كانت الهبات تأخذ أيضا شكل قطع أرض ومبان ورعاية مادية لبعض أنشطة الإخوان المحلية .

وأيا كانت أسباب تلك الهبات وسواء كانت تابعة من تقوى البعض أو ترجع إلى أسباب سياسية واقتصادية أو أسباب تتعلق بالدفاع عن النفس , فقد كان هذا النوع من الدخل سببا في اتهام الجماعة من قبل أعدائها بأنها أداة في أيدي ملاك الأرض الرأسماليين وأيدي الرأسماليين الصناعيين , .

كما أن أعداء الجماعة بنوا اتهامهم لها بأنها أداة في يد الاستعمار على " افتراض " أن الجماعة كانت تتلقي هبات من السفارة البريطانية والسفارة الأمريكية فيما بعد , كما أن بعض أعداء الجماعة الآخرين وأغلبهم من شاغلي المناصب الرسمية اتهموا الجماعة عند بداية تأسيسها , يتلقي الأموال من موسكو !

والمعلومات المتوفرة عن الهبات التي كانت الجماعة تتلقاها أقل بكثير من المعلومات المتوفرة عن الجوانب المالية الأخرى , إلا أن الجماعة أفادت كثيرا بالتأكيد , من اهتمام العديد من جماعات الطبقة الحاكمة الذين فكروا في جني ما يفيد مصالحهم السياسية والاقتصادية , .

والواقع أن بعض جوانب تلك المصالح كانت تتفق مع أهداف الجماعة المعلنة , كالعداء للشيوعية على سبيل المثال , إذ كانت جماعة الإخوان نصيرا قويا للعديد من الشعارات والأفكار التي تجعل تحقيق مصالح تلك الطبقة أمرا ممكنا .

لكن الطبقة الحاكمة أدركت أن فكرتها تلك عن الجماعة لم تكن صائبة تماما , فمن الملاحظ أن ثلاثة من الاتهامات الثلاثة عشر التي وجهت إلى الجماعة عام 1948 كانت تتعلق بالثورة الاجتماعية والاقتصادية ,.

ولعل ذلك الإدراك بجانب الغضب لاغتيال رئيس الوزراء كان من بين الأسباب التي أدت إلى قمع الجماعة بشدة عام 1948.

كذلك نجد أن المعلومات المتعلقة بالمساعدات الأجنبية قليلة وغير متوافرة , فالسفارة البريطانية على ما يبدو كانت " تعرض " المساعدات المالية للجماعة في أول سني الحرب العالمية الثانية , إلا إننا لا نستطيع أن نقرر ما إذا كانت الجماعة قبلتها أو قبلت أية مساعدات أجنبية أخرى , .

والواقع أن مسألة المفاضلة – المترتبة على موضوع المساعدات الأجنبية – بين كون الجماعة أداة للاستعمار الغربي أو عميلة لموسكو إنما تبدو نقطة غير جديرة بالمناقشة .

العضوية

وضعت أول قواعد لعضوية الجماعة في المؤتمر العام الثالث عام 1935 , ففي هذا الوقت حدد حسن البنا ثلاثة أنواع للعضوية ( مساعد – منتسب – عضو عامل ) فأي مسلم يعلن عن رغبته في الانضمام للجماعة ويوقع على بطاقة الاشتراك ويوافق على دفع رسم الاشتراك المقرر وتقبله الجماعة يصبح عضوا مساعدا ثم يصعد بعد ذلك إلى عضو منتسب حينما يثبت تمكنه من مبادئ الجماعة والمواظبة على حضور الاجتماعات والزام نفسه بالطاعة , .

ثم يصبح عضوا عاملا بعد انخراطه التام في الحركة وتدريبها البدني وتمكنه من العلوم القرآنية وأدائه لفروض الإسلام كالحج والصوم وإسهامه في صندوق الزكاة , وهناك مرتبة رابعة من مراتب العضوية وهي مرتبة ( المجاهد ) التي كانت قاصرة على حفنة قليلة من الذين يعكفون على تكريس أنفسهم للجماعة .

إلا أن لائحة 1945 حددت نوعين فقط من العضوية هما : عضو تحت الاختبار وعضو عامل , فكان العضو الجديد يقضي فترة لا تقل عن ستة أشهر يثبت فيها نشاطه في إنجاز واجبات العضوية ثم يسمح له بأداء يمين الولاء بناء على طلب الشعبة التي ينتمي إليها , وهذان النوعان من العضوية يسجلان كل على حدة في سجلات الشعبة , وتنص القواعد العامة للعضوية على ما يلي :

1) ألا يقل عمر العضو عن ثمانية عشر عاما .
2) أن يكون فاضلا مستقيما .
3) أن يكون قادرا على فهم تعاليم الجماعة .
4) أن يكون مستعدا لأداء واجباته .

ويعد الأخ المسلم بأن يدفع مبلغا شهريا كاشتراك للعضوية وأن يدفع مبلغا إضافيا – إذا استطاع – لصندوق الزكاة , أما غير القادرين على الدفع فيتم إعفاؤهم من قبل رئيس الشعبة بعد أن يتأكد من أنهم غير قادرين فعلا على الدفع .

وبعد أن يقسم العضو على أن يظل مدى حياته متبعا لقوانين الجماعة , يؤدي يمين الولاء ( البيعة ) ويمين الولاء يعد بمثابة عهد بين العضو وبين الله بأن يدافع العضو عن دعوة الجماعة وأن يوفي بشروط العضوية التي تتضمن قيل أى شئ الثقة في القيادة والاستعداد للطاعة المطلقة .

أما العضو الذي لا يؤدي واجباته أو يخرج عن مبادئ الجماعة فيصبح عرضة للمساءلة التنظيمية من قبل رئيس الشعبة , فإذا لم يستقم , عن طريق النصح بالقول , يصبح لمجلس إدارة الشعبة حق إنذاره أو تغريمه أو وقفه أو فصله , ولكن السماح يفصل عضو عامل يجب أن يتم بإذن خاص من المركز العام ( القانون الأساسي مادة 4- 8 واللائحة الداخلية مادة 5 – 8) كما أن لمكتب الإرشاد العام

ورؤساء الشعب حق منح عضوية فخرية للأفراد الذين قاموا بأداء خدمات للدعوة ( القانون الأساسي بند 60) .

الفصل السابع قنوات الاتصال والتلقين العقائدي

الاتصال

استطاعت الجماعة دائما أن تجعل صوتها يصل مسموعا للآذان سواء في الأمور التي تتعلق بالسياسة العامة أو في المسائل التنظيمية , بل إن الجماعة لم تلق صعوبة كبيرة في إسماع صوتها أثناء أزماتها مع الحكومة .

ويرجع الفضل في تمتعها بهذه القدرة إلى الاهتمام البالغ الذي أولته الجماعة " لجهاز الاتصال " الخاص بها سواء أكان الاتصال مع العالم الخارجي أو في مجال التلقين العقائدي للأعضاء .

الجرائد والمجلات

تعلم حسن البنا من الغرب أهمية فنون الدعاية , لذا فكر في إنشاء جريدة تنشر دعوته وتفند دعاوى مناهضيه , بالإضافة إلى ذلك عدت هذه الجريدة في الوقت ذاته أحد الدلائل على إمكانية إقامة مشروعات اقتصادية إسلامية .

فقد كانت هذه الجريدة ثاني مشروع كبير تقوم به الجماعة , وقد بدأت الجريدة بداية متواضعة – في تحريرها – برسائل المرشد العام, .

ولم يظهر من هذه الجريدة سوى عددان بتاريخ ديسمبر 1932 ويناير 1933 , ثم تمكن حسن البنا بعد توقف هذه الجريدة بعدة أشهر من إصدار أول صحيفة للجماعة ذات أهمية على هيئة مجلة أسبوعية بعنوان ( مجلة الإخوان المسلمين ) وكانت هذه المجلة بداية لسلسلة من نشرات الجماعة التي تحمل في " ترويستها " شعار صوت الحق والقوة والحرية , .

وكان أول مدير لهذه المجلة هو محب الدين الخطيب صاحب المكتبة السلفية وزعيم الجماعة السلفية , وقد استطاع حسن البنا – وهو لا يملك من المال سوى جنهين على حد قوله , أن يقنع محب الدين الخطيب أن يشتركا معا في إصدار المجلة التي صدر عددها الأول في مايو عام 1933 واستمرت في الصدور أربع سنوات .

واتبعت هذه المجلة بأخرى عام 1938 , وكانت مجلة سياسية أسبوعية اسمها " النذير " وقد اعتبر حسن البنا هذه المجلة مدخلا أساسيا إلى المعترك السياسي في المعارك السياسية الداخلية والخارجية .

وعقب الأحداث التي أدت إلى انشقاق مجموعة " شباب محمد " عن الجماعة عام 1939 انضم رئيس تحرير النذير إلى هذه المجموعة وأخذ المجلة معه , ومهما يكن من شئ فإن مجلة النذير كانت ستنهار حتما لو استمرت , نتيجة لعدم شعبيتها وقلة عدد المشتركين فيها , .

ولم تستمر الجماعة طويلا دون صحيفة , فسرعان ما حصلت على حق استخدام ترخيص المجلة السلفية القديمة " المنار " وكانت هذه المجلة بعد وفاة رشيد رضا قد أصدرت أربعة أعداد خلال السنوات من 1935 حتى 1939 , فأصدر البنا العدد الخامس ثم صدرت ستة أعداد أخرى تم بها استكمال المجلد السابع والثلاثين للمجلة تحت إشراف الإخوان المسلمين , .

وقد ألغيت رخصة المنار عام 1941 عندما قامت الحكومة بحملة ضد الجماعة , لكن الإخوان كانوا يصدرون في ذلك الوقت مجلة احتياطية باسم " التعارف " التي سرعان ما أصبحت صوتا رسميا آخر للجماعة .

وفي أثناء حكم الوفد عام 1942 – ونتيجة للترتيبات التي تمت مع الحكومة الوفدية – سمح للإخوان بممارسة بعض الأنشطة الصحفية .

فأخذ الإخوان في إصدار مجلة أسبوعية كانت تصدر كل أسبوعين – بدءا من أغسطس 1942 باسم ( الإخوان المسلمين ) وظلت هذه المجلة تصدر لمدة أربع سنوات , وإن تخللتها أوقات من القمع , وفي مايو 1946 حلت جريدة يومية باسم ( جريدة الإخوان المسلمين ) محل هذه المجلة , وظلت تلك الجريدة تصدر حتى تاريخ حل الجماعة عام 1948 , .

ولقد كانت الجريدة اليومية أحد أحلام حسن البنا كما أن إصدارها كان دليلا على اكتمال نضج الجماعة , وقد شهد عام 1947 صدور ( مجلة الشهاب ) وهي مجلة شهرية تعني بالآراء والبحوث الإسلامية على غرار مجلة " المنار " وقد اعتبر البعض مجلة " الشهاب " المجلة الخاصة ل حسن البنا , إلا أنها توقفت أيضا عام 1948 عندما تم حل جماعة الإخوان .

وفي خلال فترة الحصار وأثناء نضال الجماعة لاسترجاع شرعية وجودها وجدت آراؤها تعاطفا مع مجلة إسلامية قاهرية عريقة تدعي " منبر الشرق " الأمر الذي مكن الجماعة من استخدام هذه المجلة كمتنفس للتعبير عن آراء الإخوان , .

وتلا ذلك ظهور مجلة أسبوعية باسم " المباحث " ( مايو 1950يناير 1951 ) يمتلكها ويرأس تحريرها صالح عشماوى القائم بأعمال رئيس الجماعة في ذلك الوقت , وتلت مجلة المباحث الأسبوعية مجلة أسبوعية أخرى تدعي " الدعوة" ( يناير 19511956 ) رأس صالح عشماوى تحريرها أيضا , إلا أن هذه المجلة , ورغم مكانة رئيس تحريرها الهامة داخل الجماعة ,

لم تتمكن من انتزاع اعتراف رسمي من الجماعة بكونها الجريدة الرسمية للإخوان رغم شيوع هذا الاعتقاد لدى العامة , ويرجع عدم الاعتراف الرسمي بمجلة الدعوة إلى تورط صالح عشماوى في صراعات زعامة الجماعة التي كانت دائرة آنذاك.

وظلت جماعة الإخوان بعد عام 1948 دون جريدة رسمية لفترة من الزمن ورغم أن مجلة " المسلمون " التي يمتلكها ويرأس تحريرها سعيد رمضان كانت تعبر عن آراء الجماعة في هذه الفترة إلا أنها لم تتحدث أبدا باسمها , .

وبعد فترة طويلة ومضينة – من التخطيط والتنظيم وفي ظل القيادة الجديدة التي تولت بعد أزمة ديسمبر 53 ويناير 54 , صدرت أخيرا وبعد طول انتظار الجريدة الأسبوعية " الإخوان المسلمون " وقد صدر من هذه المجلة اثنا عشر عددا توقفت بعدها عندما لاحت في الأفق نذر الأزمة مع حكومة الثورة ثم أعلنت الجماعة أن إصدار المجلة في ظل الرقابة الشديدة من قبل الحكومة لم يعد ممكنا , إلا أن الحكومة فسرت توقف المجلة بفشل هذا المشروع ماليا .

عملت صحافة الجماعة على خدمة أهداف عدة منها :

التغطية الخبرية المحدودة والدعاية الخارجية ونشر سياسة الجماعة بين الأعضاء والتلقين العقائدي والاتصال التنظيمي الداخلي , أما في الأوقات التي كانت تتوقف فيها صحافة الجماعة – سواء لأسباب مالية وإدارية داخلية أو بسبب أزمة خارجية – فكانت هذه المهام تنجز عن طريق أشكال صحفية أخرى , .
ففي عامي 1953 -1954 , قبل أن تتمكن الجماعة من نشر جريدتها الأسبوعية ( الإخوان المسلمون ) كان الأعضاء يطلعون على السياسة والتوجيهات التنظيمية من خلال نشرة صغيرة بعنوان ( إلى الإخوان ) كما لجأ الإخوان إلى النشرات السرية في فترات الرقابة الشديدة والفترات التي منعت الحكومة فيها نشاط الجماعة خاصة عام 1948 -1949 وعام 1954 .

المطبوعات

كانت لجنة الصحافة والترجمة ( قسم الصحافة والترجمة سابقا ) تشرف على صحافة الجماعة بالاشتراك مع قسم الاتصال بالعالم الإسلامي وقسم نشر الدعوة الذي تولي هذه المهمة في الفترة التي تلت عام 1951 كذلك كان قسم نشر الدعوة هو الفيصل فيما ينشر من مواد هي في الواقع جماع إيديولوجية الحركة , .

وكانت مهمة نشر الدعوة تتلخص في تحديد النغمة الثقافية والروحية لقراءات العضو كذلك تولي هذا القسم - كأحد مهامه الأساسية – مهمة تجميع وتصنيف وإعادة نشر الجزء الأكبر من أعمال حسن البنا المكتوبة وخاصة الرسائل , كذلك بدأ قسم نشر الدعوة في إصدار سلسلة تحت عنوان ( هذه دعوتك ) بقلم سيد قطب رئيس القسم , إلا أن الخطط الطموحة لتطوير هذه السلسلة تضاءلت بسبب أزمة عام 1954 وقد ظل لقسم نشر الدعوة الكلمة الأخيرة فيما يكتب أو ينشر وما يستخدم رسميا في التداول بين الأعضاء.

كذلك تولي قسم نشر الدعوة الرقابة على الكتب التي تظهر بأقلام مؤلفين ينتمون إلى الجماعة , وقد أخذت هذه الكتب في الازدياد بدءا من عام 1951 , وغالبا ما كانت تلك الكتب تتناول الحركة وتاريخها وأفكارها , وقد أثار ازدياد الكتب قلق بعض زعماء الجماعة ذلك أن الكثير منها اعتبر غير ممثل للجماعة , وفي عام 1953 حذر السكرتير العام – باسم قسم نشر الدعوة – الكتاب الإخوان من عدم عرض أعمالهم على المركز العام قبل نشرها وإلا تعرضت تلك الأعمال للمقاطعة .

المحاضرات

كان قسم نشر , الدعوة مسئولا أيضا عن وضع برامج المحاضرات التدريبية والمحاضرات العامة , وفي الأيام الأولي للحركة وأثناء تواجدها في الريف كان المسجد – بما يقدمه للمتحدث فيه من هيبة ووقار – هو المنصة الأكثر نفعا وفاعلية التي يمارس من فوقها الأخ المسلم إلقاء أحاديثه , وقد ظل المسجد على مدى تاريخ الجماعة موقع التجنيد الأساسي , إلا أن اتساع التنظيم وانتشاره في المدن الكبرى ودخول أبناء المدن كأعضاء في التنظيم أدى إلى أن تصبح الخطب أكثر اهتماما بالأمور الدنيوية , .

كذلك تقرر عقد اجتماعات منتظمة خارج المساجد في يوم محدد فأصبحت الاجتماعات بدءا من عام 1939 تعقد مساء كل ثلاثاء في المركز العام وقد ظل هذا الموعد ثابتا طيلة تاريخ الجماعة .

كانت محاضرات الجماعة خلال أيامها الأولي بالقاهرة تتناول على الأغلب موضوعات دينية , وكان حسن البنا هو المتحدث في أغلب الأحيان , يشرح المعني الحقيقي للرسالة النبوية مدعما أحاديثه بأمثلة من القرآن والسنة , وباتساع نطاق الحركة اتسعت المحاضرات لتشمل تاريخ الإسلام وتاريخ مصر والأمور الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وعلاقتها بالنهضة الإسلامية المرتقبة , كما كانت المحاضرات تتناول بالطبع تاريخ حركة الإخوان , .

وكان حسن البنا طيلة حياته هو الشخصية الرئيسية وراء هذه المحاضرات بنفس القدر الذي كان به " الشخصية الرئيسية " وراء كافة الجوانب الأخرى للحركة في عام 1951 حدث تغيير ملحوظ في اللهجة والتركيز فعلي الرغم من بقاء قضية الإسلام وطبيعته ومعناه ومصيره هي القضية الأساسية , .

إلا أن طريقة عرض تلك القضية اختلفت وغدت أكثر تحديدا فالصيغ العامة التي كانت تشكل لب دعوة حسن البنا لم تعد تقنع الأعضاء , الأمر الذي اقتضي نظرة علمية واعية لمشكلة الإسلام فبدأ قسم نشر الدعوة في الاستفادة من أعضائه المهنيين في مجالات القانون والاقتصاد والمجتمع والتربية والكيمياء والهندسة وعلم الحيوان , .

كذلك كان لموت حسن البنا – بجانب الصراع الداخلي – أثر كبير في التطور الذي طرأ على الجماعة , فالشخصية القوية التي استطاعت إنشاء الجماعة بنجاح كانت هي نفس الشخصية التي حدث من إمكانيات الجماعة في النمو , وباختفاء شخصية البنا أصبح لزاما على الجماعة أن تلتفت إلى مثقفيها بحثا عن إجابة للتحديات المتزايدة التي تواجهها من خارج صفوفها , .

فحلت المادة العلمية محل الشعارات وأصبح لها الأولوية وصارت محاضرات مساء الثلاثاء اجتماعات جماهيرية يتلوها محاضرات متخصصة للعمال والطلبة والمهنيين في ليال أخرى في الأسبوع , فالاهتمام بالمصالح الثانوية للأعضاء كان تقليد متبعا منذ زيارات حسن البنا للقرى , .

والفكرة من هذا الاهتمام هي تقوية روابط الولاء الأساسي للجماعة على أن تقوم الجماعة بحماية وتنفيذ المصالح الثانوية للأعضاء .

الدعاة

أخذ التنظيم في الاهتمام بشكل متزايد بالكفاءات المهنية الفردية لسد الاحتياج الماس إلى تقديم محاضرات متخصصة , إلا أن هذا الاهتمام لم يأت على حساب الاهتمام الشديد بالداعية , والمروج الرئيسي لدعاية الجماعة , فقد أولت الجماعة طيلة تاريخها اهتماما شديدا لأثر المتحدث - بالمعني الإسلامي – على الجماعة , وكانت قدرات حسن البنا في الخطابة قدرات أسطورية مما كان له أبلغ الأثر في النمو السريع للجماعة ,.

كذلك كان بمقدور أى عضو أن يلاحظ أن المقدرة على الخطابة كانت إحدى المؤهلات الأساسية لدي اختيار أى عضو لشغل منصب عام .

وقد نظم حسن البنا عام 1938 فصولا صيفية للدعوة والإرشاد تولي إدارتها بنفسه , وفي عام 1940 بارك حسن البنا ذلك المرجع الرئيسي الذي وضعه أحد الإخوان القدامي متناولا التوجيهات اللازمة للدعاة والفارق بين الداعية والخطيب العادي , وأساليب العمل وموضوعات خطب الدعاة ووسائل الاتصال المتاحة لهم , وقد اعتمد المؤلف على القرآن والسنة والتاريخ والسيرة كمراجع لدراسته تلك .

وقد أعيد تنظيم تدريب الدعاة بعد عام 1951 , فلم تعد مهمة اختيار الدراسين مهمة شخص واحد – حسن البنا – الأمر الذي يوضح طريقة الإدارة في المرحلة التي تلت مرحلة حسن البنا , إلا أن المقدرة على الحديث ظلت شرطا من شروط التدريس بجانب القدرة على إدخال العلوم الحديثة ظلت شرطا من شروط التدريس بجانب القدرة على ادخال العلوم الحديثة والعلمانية في الخطب التي كانت تقتصر فيما مضي على العلوم الدينية البحتة , .

وكانت الجماعة تنتفي الأعضاء الذين تقوم بتدريبهم على تلك المهمة من بين طلبة الجامعة من ذوى الأصول الريفية التي تمكنهم من التعاطف مع الاحتياجات والمشاعر والظروف المحلية للقطاعات العريضة عن العمال والفلاحين الذين يشكلون القاعدة الواسعة للجماعة .

اجتماعات التنظيم وشعاراته وأدوات عمله

يعتبر الجو الذي يتم فيه الاتصال في التنظيمات الجماهيرية هاما قدر أهمية الاتصال نفسه , ففي الوقت الذي تلقي فيه المحاضرات المتخصصة في أماكن محدودة وبحضور أعداد صغيرة , كانت المحاضرات العامة تلقي في اجتماعات جماهيرية , لذا اعتبرت المحاضرات العامة جنبا إلى جنب مع الاجتماعات التنظيمية الجماهيرية واجتماعات المناسبات فرصة هامة لاظهار ولاء الأعضاء للجماعة وللإعلان عن قوة الجماعة ووحدتها , .

ومن الطبيعي أن يكون مثل هذا الجو مشحونا بالعداء للعالم الخارجي , وبالإحساس المتزايد بالثقة في قوة الجماعة الداخلية ,ولعل من الواضح هنا أن حسن البنا قد استفاد تماما من أسلوب " دفع عربة فرقة الموسيقي إلى الإمام " .

هذا وتنص المادة 61 من القانون الأساسي على ضرورة عقد اجتماع عام لرؤساء الشعب كل عامين يدعو إليه المرشد العام ويعقد بالقاهرة أو أى مكان آخر , ويكون الهدف من الاجتماع التعرف والتفاهم في كافة الأمور التي تتعلق بالدعوة ومناقشة مدى انتشار الدعوة في تلك الفترة .

ومع أن المادة 61 لم تقرر إلا عام 1945 إلا أننا نلاحظ أنها جاءت تقريرا لواقع ظل يمارس طيلة السنوات العشر الأولي للجماعة في القاهرة .

وقد عقد آخر اجتماع من تلك الاجتماعات التنظيمية الواسعة , التي شارك الحاضرون فيها في اتخاذ القرارات , في أغسطس 1946 , عندما دعي ممثلو كافة الشعب للإدلاء برأيهم قبولا أو رفضا في القرارات التي اتخذتها السلطات .

ومنذ ذلك الوقت فصاعدا أصبح عمل الجماعة لا ينفصل عن سياسة الأمة بالشكل الذي عكسته الاجتماعات الجماهيرية العامة التي عقدت فيما بعد .

وبعد اختفاء تلك الاجتماعات التنظيمية حلت محلها اجتماعات جماهيرية أصغر تتحدد وفق الأماكن الجغرافية وسهولة المواصلات بينها ووفق اهتمامات الأعضاء , وهكذا وجدت اجتماعات للطلبة واجتماعات للعمال واجتماعات للموظفين , واجتماعات للمهنيين كذلك وجدت الاجتماعات الإقليمية لتلبية احتياجات منطقة بعينها , وغالبا ما كانت تلك الاجتماعات تعد على مستوى المنطقة فتحضرها مجموعة من الشعب التي تقيم في نفس المنطقة , .

ويتبع في جميع تلك الاجتماعات نظام واحد : يفتتح الاجتماع بتلاوة القرآن تتلوها خطب عن الحركة تم يبدأ اجتماع العمل والمناقشات ويختتم الاجتماع بالتلاوة مرة أخرى .

وقد أصبحت تلك الاجتماعات تعقد بشكل أكثر اتساعا وكلما سنحت الفرصة , بعدما تبلور الشكل التنظيمي للجماعة وأصبح لها صوت مسموع في شؤون الشكل التنظيمي للجماعة وأصبح لها صوت مسموع في شؤون مصر بعد انتهاء الحرب , .

وقد كانت زيارات حسن البنا للشعب مناسبات تعقد من أجلها الاحتفالات الجماهيرية كذلك كانت قيمة الاجتماعات الإقليمية تتحدد وفق أهمية الشخصيات المحلية والرسمية البارزة التي تحضر تلك الاجتماعات من الأعضاء وغير الأعضاء , فكان حضور تلك الشخصيات يصبغ الاحتفالات والاجتماعات بجو من المهابة والاحترام , .

كذلك كانت الجماعة تعقد الاجتماعات العامة احتفالا بالمناسبات الإسلامية والأعياد وكانت تحرص على دعوة الشخصيات والجماعات الإسلامية من غير الأعضاء كلما أمكن ذلك , كما كانت جماعة الإخوان تقيم حفلات استقبال للشخصيات والوفود العربية الإسلامية البارزة كذلك كانت حفلات الاستقبال تقام للمربين والمدرسين والعمال وكافة الأفراد الذين يحتمل أن يشتركوا في الجماعة أو يروجوا أفكارها على أقل تقدير .

ألا أن الجماعة كانت تدخر مجهوداتها للاجتماعات السياسية الجماهيرية التي تتناول المسألة الوطنية , فقد رأينا الجماعة في أعقاب الحرب تدعو إلى اجتماعات سياسية جماهيرية في القاهرة وعواصم الأقاليم ومنذ ذلك الوقت فصاعدا أصبحت الجماعة تركز جهودها في هذا المجال .

ولقد أطلقت جماعة الإخوان على أول هذه الاجتماعات اسم " المؤتمر الشعبي " الأمر الذي يؤكد أن الجماعة كانت تعبر بهذه التسمية عن الاعتقاد الذي كانت تروج له وسط العامة والقائل بأن الجماعة بما اكتسبته من قوة جديدة لها الحق في التحدث نيابة عن الأمة , وكان هذا الشعور بالثقة , في أن جماعة الإخوان المسلمين تمثل إرادة الشعب , مستمدا من تلك الزيادة الهائلة والمضطردة في عدد الأعضاء .

كانت سياسة الجماعة ترمي ببساطة إلى اعتبار صوت الجماعة هو الصوت الوحيد والمعبر عن مصر , إلا أن هذا الادعاء من جانب الجماعة ووجه بتحد شديد من جانب الائتلاف الوفدي الشيوعي عام 1945 -1948 ومع ذلك فإن أى مراقب في مصر لا يملك إنكار أن الحزم والتركيز على الهدف اللذين تميز بهما برنامج الإخوان الوطني كانا من أسباب وصول الجماعة إلى الذروة آنذاك مما دعم اعتقاد الإخوان بأنهم كانوا في الأربعينات " التعبير الحقيقي عن عقل ووجدان أغلبية الشباب المصري " وفي تلك الأثناء , .

وبينما كان الوفد والسراي يواجهان الخذلان والامتعاض عام 1942 , أخذ نجم الجماعة يواصل الصعود بسرعة فائقة – أكثر من أى وقت مضي , وخلال الفترة من 1946 حتى 1948 ( وهو العام الذي قضي فيه على الجماعة ) كانت الجماعة قد أصبحت أكثر القوى الموجودة في الساحة تمتعا بالشعبية , .

وكانت الاجتماعات الجماهيرية التي غالبا ما تنتهي بمظاهرات هي الأداة الأساسية في نجاح الجماعة بهذا الشكل , فقد كانت تلك الاجتماعات بمثابة تذكرة دائمة وحية بمدى الحزم والقوة التي تعتنق بهما الجماعة أفكارها وتعمل على تنفيذها , وهكذا أصبحت جماعة الإخوان ترتبط في أذهان الأعضاء وغير الأعضاء بالقوة التي لا تقهر ولا تتقهقر .

وبعد أن عادت الجماعة إلى العمل عام 1950 استؤنفت تلك الاجتماعات التي وصفناها آنفا , واستمرت هذه الاجتماعات تلعب دورا هاما في الحياة العامة والتنظيمية لكن على نطاق أضيق , ولعل سبب هذا التغير يرجع إلى تضاؤل حجم العضوية وسياسة " التحوط " التي اتبعتها الجماعة بعد عام 1949 وانتقال تركيزها إلى الاهتمام بمشاكل الاتصال ,.

ولقد أشرنا سابقا إلى كراهية المرشد الجديد لاستعراضات القوة تلك , فقد كان الهضيبي ينتقد كافة مستلزمات الاجتماعات الجماهيرية بدءا من الأحاديث النارية إلى إلقاء الشعارات وتأجج المشاعر والتظاهر , لذا نجد الهضيبي لا يشجع الكثير من المواقف التي كان حسن البنا يحبذها بشدة وقد رأينا مظاهر اختلاف الزعامة الجديدة عن القديمة في سياسات الجماعة المختلفة عام 1951, 1952 و1954 كما رأينا أساليب التلقين العقائدي الجديدة التي حاول المرشد الجديد إدخالها ,.

ولعل فشل الجماعة في جذب انتباه الأعداد الكبيرة التي كانت تتبني فكر الجماعة في الأربعينات يرجع في جزء منه إلى هذا التغير الأساسي في الابتعاد عن التوجه العاطفي إلى الجماهير على غرار ما كان يحدث في الماضي .

كان من السهل تمييز وجود الأحوال داخل أى تجمع عن طريق شعاراتهم التي يطلقونها , إلا أن بعض تلك الشعارات – في صيغتها العامة – لم تكن حكرا على الإخوان فقط , ففي الوقت الذي كان الإخوان يستخدمون فيه شعار ( الله أكبر ولله الحمد ) كانت جماعة مصر الفتاة تستخدم شعار ( الله أكبر والعزة للإسلام ) بل إن الوفد استخدم هذا الشعار وحتى الشيوعيين استخدموه في الظروف المناسبة , .

كذلك كانت عبارة ( الله أكبر والعزة لمصر ) شعارات للجماعات السياسية المختلفة بل وشعار أولئك الذين كانوا يؤيدون نظام عبد الناصر , وشعار ( الله أكبر والعزة لمصر ) يعكس خلافا واضحا بين العلمانيين وبين الإخوان المسلمين حول المفهوم الحقيقي للوطنية , .

إلا أن الاختلاف في الشعارات المتباينة لم يكن مجرد موضوع تفضيل كلمات على كلمات أخرى أو أفكار على أفكار , بل أن تلك الشعارات غالبا ما تكون إشارات اتفاق على عمل بين أعضاء الجماعة الواحدة في الاجتماعات الكبيرة التي تضم أكثر من جماعة , ففي الكثير من الأحيان كانت تلك الشعارات تستخدم كصيحة حرب تتجمع على أثرها الجماعات المتصارعة .

أما شعار ( الله أكبر ولله الحمد ) فقد كانت له دلالة إيديولوجية عميقة لدى الإخوان وأحيانا ما كان يضاف إلى هذا الشعار ترتيله أخرى طويلة ذات أثر عاطفي شديد على الإخوان هي : " الله غايتنا والرسول زعيمنا والقرآن دستورنا والجهاد سبيلنا , والموت في سبيل الله أسمي أمانينا " وقد كانت هذه الترتيلة تستخدم كاملة أو تستخدم أجزاء منها في الاجتماعات المشتركة الواسعة , .

كما كانت تستخدم أثناء المظاهرات وأثناء اجتماعات الجماعة في المركز وخاصة في اجتماعات مساء الثلاثاء حيث كانت تلقي ترتيلة بشكل جماعي فيضفي ذلك الإلقاء طابعا دراميا على بيعة تجديد الولاء لمبادئ الإخوان .

ولقد اعترض حسن الهضيبي على هذا التقليد أيضا , وكان اعتراضه على الشعارات الصوتية بمثابة إطفاء لجذوة حماس العضو , كذلك أصدر الهضيبي تعليمات رسمية باقتصار الشعارات على بداية ونهاية الاجتماعات , كما أنه كان يستخدم سلطته كمرشد عام في منع تلك الطقوس في الاجتماعات التي يحضرها خاصة في الأوقات التي يرى فيها أن إلقاء الشعارات سوف يؤدي إلى إثارة الهياج واعتراض الهضيبي لم يكن على الشعارات في حد ذاتها – فقد أصبحت تلك الشعارات جزءا هاما من أدوات حركة الإخوان – بل كان الاعتراض أساسا على عدم التحكم في استخدام تلك الشعارات ولذا جاءت سياسة مكافحة الشعارات متفقة مع باقي سياسات الهضيبي في مكافحة مبالغات الماضي .

ولم تكن هناك علامات مميزة للأخ المسلم سوى شعاراته وبعض سلوكياته الاجتماعية والكلامية , إلا أن الأعضاء ذوي المراتب العليا ( والأصول الاجتماعية العليا بالتالي ) كانوا يضعون في الأيام الأولي للجماعة بالقاهرة عباءة قصيرة على أكتافهم ويضعون عليها شارة تحمل اسم الجماعة , .

وقد تغير لون تلك الشارة من الأخضر إلى الأبيض في منتصف الثلاثينات ثم اختفت العباءة مع بداية الأربعينات , كما كان أعضاء الجماعة من خطباء المساجد يرتدون أيضا عباءة محلاة بخيوط ذهبية ولها جيب خاص فوق موضع القلب يوضع فيه المصحف , إلا أن هذا الزى اختفي أيضا مع اختفاء عباءة رجال المستويات العليا .

كذلك كان لزاما على العضو في الثلاثينات أن يرتدي خاتما فضيا معينا في بنصر يده اليمنى , وكان هذا الخاتم يشترى من المركز , إلا أن هذا الأمر لم يلق رواجا على ما يبدو فأصبح ارتداء الخواتم اختياريا وعلى كل من يود ارتداء خاتم أن يحصل عليه بمعرفته الخاصة ...

وكان الخاتم يحمل شعار الجماعة وهو سيفان متقاطعان ومصحف وكان هذا الشعار يتصدر كافة مطبوعات التنظيم الرسمية والرايات الخضراء التي تتدلي من نوافذ وجدران مباني الجماعة , كما كان هذا الشعار يتصدر مظاهرات الإخوان والبضائع التي يتم إنتاجها عن طريق مشروعات الجماعة الاقتصادية وصور حسن البنا ونتائج التقويم وأجندات المكاتب التي كانت تظهر كل عام , .

وفي عام 1953 تم إصدار هذا الشعار على دبوس صغير يباع للأعضاء خارج المركز عن طريق بعض باعة الكتب , وقد لجأت الجماعة إلى عمل مثل هذا الدبوس كوسيلة للاستفادة الاقتصادية القصوى من شعار الجماعة عن طريق بيعة للأعضاء .

التلقين العقائدي

كانت الجرائد والمجلات والاجتماعات وأدوات التنظيم مجرد عوامل مساعدة تعمل على تهيئة الجو الملائم لمؤسسات التنظيم الأخرى التي تتحدد مهامها في خلق الولاء للجماعة داخل نفس العضو والحفاظ على هذا الولاء , وقد ذكرنا أن تلك المؤسسات تتكون أساسا من نظام الأسر والجوالة ثم الجهاز السري إلى درجة محدودة , دون أن يقلل ذلك من أهميته .

قسم الأسر

ترى الجماعة في نظام الأسر التحقيق الفعلي لمعني الإسلام بين الإخوان , فضلا عن أنه أداة الجماعة الأساسية في التربية , ولعل معلوماتنا عن هذا النظام ترجع في الكثير منها إلى رغبة الإخوان في تصحيح التصور الخاطئ – وفقا لاعتقادهم – الذي يماثل بين هذا النظام وبين نظام ( الخلايا ) الأكثر شيوعا وهذا التصور يرجع إلى الحملة الصحفية الواسعة التي شنتها الحكومة عام 1949 ضد هذا النظام , الأمر الذي دعا قيادة الإخوان الجديدة إلى محاولة شرح المفهوم المحدد لهذا النظام والغرض منه للأعضاء ولغير الأعضاء .

وقد تطلب خلق روابط قوية بين الأعضاء والجماعة وبين بعضهم البعض إيجاد إمكانيات أكثر من مجرد أراء يمين الولاء , ونشأت مشكلة الروابط تلك عندما زاد عدد الأعضاء بالشكل الذي أصبح من المستحيل معه الحكم على ولاء الفرد بمجرد ولائه الشخصي لحسن البنا كما كان يحدث في الماضي , ذلك أن العدد ازداد بالقدر الذي لم يعد ممكنا معه أن يشرف حسن البنا على تربية كل عضو.

كان العضو في أولي مراحل الجماعة يعبر عن ولائه بشكل شخصي وغير رسمي حيث كان يرتبط بالتنظيم مباشرة دون الاشتراك في وحدات تنظيمية ويكتفي أن يقسم العضو يمين الولاء للإخوان وأن يكون مخلصا لكافة أفراد الجماعة , إلا أن فكرة الوحدة التنظيمية ظهرت في شتاء عام 1936 -1937 عندما زاد عدد الأعضاء خاصة من بين طلبة الجامعة وكان الغرض من تلك الوحدات إرشاد الأعضاء فيما يتعلق بأهداف الحركة ومعناها , فكانت الجماعات الأولي تنظم على هيئة وحدات تضم كل وحدة عشرة أفراد وكانت بعض تلك الوحدات تتلقي التعليمات من حسن البنا شخصيا , .

وقد ظلت بيعة الإخوان هي التعبير الأساسي عن الولاء للجماعة وفي نفس الوقت أخذ حسن البنا في تكوين نظام الكتائب بهدف استيعاب طاقات العضو البدنية والعقلية والروحية وضمان ولائه للجماعة وأفكارها وأعضائها .

بدأت جماعة الإخوان في تكوين كتائب أنصار الله في خريف عام 1937 فأخذت ثلاثة جماعات ( عدد كل منها أربعون فردا الأولي للعمال والثانية للطلبة والثالثة للموظفين والتجار ) تلتقي كل على حدة في ليلة معينة من الأسبوع لتمارس تدريباتها في تلك الليلة فكانت تلك التدريبات تتضمن السهر ليلا وأداء أكبر قدر ممكن من صلوات الفرد والجماعة والتسبيح وأقل قدر ممكن من النوم وكان يتخلل تلك الجلسات إرشادات روحية في أى موضوع بدءا من الصوفية وانتهاء بالجنس يلقيها حسن البنا نفسه في أى وقت معين من الجلسة .

يمكننا أن نلخص لب الالتزام المرجو من العضو في ثلاث كلمات هي " العمل والطاعة والصمت " , وقد كان الأداء الليلي للطقوس الدينية يتم عمدا وفقا للسنة النبوية وما قيل عن استمتاع النبي بأداء الطقوس على هذا النحو .

وقد كان مقدرا لتلك الاجتماعات الليلية أن تصل إلى أربعين اجتماعا إلا أن هذا البرنامج لم يكتمل في السنة الأولي ولعل هذا يرجع إلى عدم وضوح الهدف من تلك الاجتماعات في أذهان القادة والأعضاء , .

وكان توقف هذا البرنامج مخيبا لآمال حسن البنا إذ كان لهذا الفشل أثره الحتمي على حسابات حسن البنا فيما يتعلق بنمو تلك الكتائب ونمو الجماعة بالتالي , كان من المحتم أن تمر هذه الكتائب بثلاث مراحل للنمو – وفقا لتصورات حسن البناعلى النحو التالي :-

1) مرحلة التعريف بمبادئ الجماعة وأهدافها بين الأعضاء وخارجهم .
2) مرحلة تكوين تنظيم فعال يجد تلك المبادئ .
3) مرحلة تنفيذ مبادئ الجماعة .

وكان نجاح نظام الكتائب هو العلامة التي تشير إلى انتهاء المرحلة الثانية , فقد كان حسن البنا يأمل في تجند 12000 عضو عن طريق الكتائب " ولن يهزم اثني عشر ألفا من قلة " لذا أصبح للفشل الذي أصاب نظام الكتائب أثره السئ في عدم الانتهاء من المرحلة الثانية والتأجيل الطويل للمرحلة الثالثة .

إلا أن تلك التجربة أفادت الجماعة في تمهيد الطريق للأفكار الفعالة التي توصلت الجماعة إليها فيما بعد , ففي جو سنوات الحرب توصلت الجماعة إلى حل ناجح لمشكلات ولاء العضو بفعل عنصرين أساسيين هما التزايد في عدد الأعضاء والضغط الخارجي الذي يمارس على الجماعة , فانشئ نظام الأسر في سبتمبر 1943 , وقد سمي رسميا في البداية بالنظام التعاوني ثم نظام الأسر التعاوني وانتهي إلى الاسم الذي عرف به شعبيا ورسميا بعد ذلك وهو نظام الأسر .

وقد نصت اللائحة العامة للجماعة على تقسيم أعضاء الشعبة العاملين إلى أسر تضم الواحدة مالا يزيد على خمسة أفراد زيدت بعد ذلك إلى عشرة وتنتخب الأسرة نقيبا لها يمثلها لدي قيادة الشعبة , وقد اعتبرت الأسرة وحدة متكاملة وجماعية ومسئولة عن أعمالها , ومن كل أربعة أسر تتكون ( العشيرة ) ويرأسها نقيب الأسرة الأولي , كما يتكون الرهط من خمسة عشائر وتتكون الكتيبة من خمسة أرهاط , كذلك كانت رئاسات هذه التشكيلات تدور في نطاق رؤساء وأعضاء الأسر والعشيرة .

ولقد تخلي حسن البنا عن فكرة إنشاء الكتائب كوحدات أفقية مستقلة داخل الجماعة باعتبار أن الجوالة يمكنها أن تقوم بهذه المهمة , واتجه إلى وسيلة أكثر فعالية هي تعبئة كافة الأعضاء في مراتب مختلفة تتكون منها الكتائب عند اللزوم , .

ولقد كان هذا النظام الجديد وهيكله التنظيمي والأفكار التي يشيعها هذا النظام وسط الأعضاء هو الأساس الحقيقي لقوة جماعة الإخوان المسلمين , فقد مكن هذا النظام القيادة من ممارسة عملها عبر سلسلة قيادية محكمة ومحددة , .

وأصبح الأداة الرئيسية التي تمارس القيادة من خلالها التعبير عن إرادتها وجنبا إلى جنب مع نظام الجوالة والجهاز السري, تمكن هذا النظام من أحكام ترابط أجهزة الجماعة التي ستحقق رؤيتها المستقبلية .

ويشكل قسم الأسر , في المركز العام , القيادة العامة لهذه الأسر , وقد أصدرت هذه القيادة مجموعة الأوامر المنظمة للشؤون الداخلية للأسر ويجتمع العضو أسبوعيا مع أسرته ويخضع لالتزامات شخصية واجتماعية ومالية , وتتحدد الالتزامات الشخصية في أن يكون العضو مخلصا , ويؤدي فرائض الدين بانتظام وأن يتجنب ارتكاب الكبائر ( المقامرة , تعاطي الخمر , الربا , والزنا ) وأن يبذل جهدا مستمرا على طريق هداية منزله وأسرته وأن يثبت ولاءه وإخلاصه الدائمين للتنظيم ومبادئه وقادته , .

أما فيما يختص بالالتزامات الاجتماعية فيجب على الأخ المسلم أن يحرص على توثيق العلاقات الأخوية داخل الأسرة , بحضور الاجتماعات الأسبوعية التي تعقد خارج مركز الشعب ويفضل أن تعقد تلك الاجتماعات في منازل أعضاء الأسرة بالتناوب وأن يقضي أفراد الأسرة الواحدة سويا ما لا يقل عن ليلة شهريا في الهواء الطلق فينامون معا ويتناولون وجبات جماعية , كذلك يجب على أعضاء الأسرة الواحدة أداء صلاة الجمعة سويا كما يستحسن أداء صلاتي الفجر والعشاء جماعة ما أمكن , أما بالنسبة للالتزامات المادية فالأسرة تعتبر كل فرد فيها مسئولا عن باقي الأفراد فيتعاون أعضاء الأسرة الواحدة في تحمل أعباء بعضهم البعض وفي اقتسام المكاسب فيما بينهم , وتنشئ كل أسرة صندوقها التعاوني الذي يضع فيه الأعضاء اشتراكاتهم ويرسل خمس إيرادات هذا الصندوق إلى المركز العام ليستثمر في جمعية التأمين الاجتماعي الإسلامية .

وتكمن دعامات نظام الأسر كما يلخصه حسن البنا , في كلمات ثلاث : التعارف والتفهم والتكافل , أما التعارف فمعناه تقوية روابط الإخوة بين الإخوان وهو مفهوم مستمد من الآية القرآنية ( واعتصموا بحبل الله ولا تفرقوا ) ومن الحديث الشريف ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ) أما " التفهم " فمعناه هنا فهم الإسلام وإطاعة تعاليمه والالتزام الشخصي تجاه الناس .

أما " التكافل " فهو روح الإخوة وجوهر الإسلام كما ورد في الحديث الشريف الذي معناه : أن يلبي المسلم احتياجات أخيه المسلم أفضل من قيامه في المسجد شهرا , ومن أدخل السرور على بيت مسلم لم يكافئه الله بأقل من الجنة .

وكانت قراءات ودراسات الأسر في عهد حسن البنا تقتصر على الرسائل التي وضعها بنفسه من أجل الكتائب , والتراث الإسلامي بوجه عام , وكان الهدف الأساسي من هذه الدراسات هو تكوين ما يمكن أن يطلق عليه " الشخصية الإسلامية " للعضو بحيث تنعكس هذه الشخصية على كافة سلوكياته الدينية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية , .

ورغم أن هذه التربية تتسم بالكثير من العمومية نظريا , إلا أن الجماعة كانت تولي اهتماما خاصا بالتنشئة الأخلاقية والاجتماعية للعضو عمليا , وغالبا ما كانت تلك التنشئة تعتمد على بعض المأثورات المستمدة من القرآن والسنة التي توضح السلوك المناسب في الأوقات والمناسبات المختلفة .

وبعد انتهاء عهد البنا أصبح لقيادة قسم الأسر مسؤولية مباشرة في وضع البرامج التدريبية للأعضاء , فتضمن برنامج النشاط الجديد إصدار نشرات خاصة عن تاريخ وأهداف نظام الأسر وتعاليمه الأساسية – كما تضمن أيضا برنامجا محددا للدراسة إلا أن التركيز الأساسي ظل على التنشئة الأخلاقية والاجتماعية التي يجب أن يكون عليها الأخ الصالح والمسلم الصالح ....

فكانت هذه النشرات تركز بفعالية كبيرة على نقطة أساسية لدى الجماعة وهي أيضا واحدة من المبادئ التي نادى بها حسن البنا ألا وهي أن مشكلات الإصلاح المصري أو الإسلامي لا يمكن أن تتم دون إصلاح الفرد المسلم المصري , .

وقد كان الدور الفعال والمتزايد لقسم الأسر – بعد أن تولي الهضيبي زعامة الجماعة – هو أحد نتائج الصراع الذي دار داخل الجماعة حول نشاطها السابق فقد كان الهضيبي يعتقد أن التركيز الأساسي للجماعة يجب أن يكون تركيزا إصلاحيا وروحيا : ومن ثم فإن قسم الأسر هو الأداة المناسبة في تدريب العضو تدريبا صحيحا , .

ومشكلة الهضيبي الأساسية كانت تكمن في محاولة تصحيح فكر وتاريخ الجماعة وعدم التركيز على عنصر القوة البدنية والعسكرية التي كانت الجماعة توليهما اهتماما شديدا في الماضي , .

فقد اعتمد الهضيبي في صراعه مع قادة الجهاز السري على إعطاء دور فعال لقسم الأسر بهدف أن تتمكن الأسر من كسب الأعضاء الأمر الذي يجعل حل الجهاز السري ممكنا , وكان الهضيبي ينوى إعطاء سلطات واسعة لقسمي نشر الدعوة والأسر بحيث يصبح هذان القسمان القناة الأساسية التي يتلقي العضو من خلالها تلقينه العقائدي, .

وقد استطاع الهضيبي – بنجاح – تعيين مسؤولين يرضي عنهم لهذين القسمين ووسع من اختصاصاتهم كما عمل أيضا على توسيع القسمين بما يتلاءم والمسؤوليات الجديدة التي ألقيت على عاتقهما ولعله من بديهيات القول أن التعليمات الجديدة كانت تستلزم معلمين جددا لذا عمل الهضيبي على إنشاء مدارس تدريبية جديدة لمعلمي الأسر وقادتها , فأصبح للجماعة جهاز تعليمي محدد نتيجة لهذا النظام كذلك أصبح نظام التدريس أكثر كفاءة الأمر الذي ترتب عليه ازدياد كفاءة المعلمين كما أصبح لدى الجماعة صف ثان وثالث من القيادات المدربة وهو ما ساعد على سد الفجوة التي خلفها موت حسن البنا .

مهما يكن من أمر فإن هذا التطور , مع وجود ظواهر الصراع الداخلي الأخرى على القيادة , كان من العوامل التي أدت إلى تفجير الموقف ومن ثم عجلت بنهاية الجماعة , ذلك أن العلاقة بين معهد إعداد قادة الأسر وبين الجوالة كانت تمثل إحدى النقاط الحرجة في هذا الموقف .

الجوالة

تعتبر وحدات الجوالة أقدم المؤسسات التي أنشأها حسن البنا وخلفها للجماعة من بعده ... والأصول الدينية لفكرة الجوالة تكمن في الإيمان بأن العقل السليم في الجسم السليم , فقد شهدت الجماعة في أول عهدها بالإسماعيلية مولد " فرق الرحلات " التي كانت تهتم أساسا بالنشاط الرياضي والتربية البدنية ..

وبعد أن انتقلت الجماعة من الإسماعيلية إلى القاهرة ظلت هذه الفرق في الإسماعيلية إلا أن الجماعة عمدت إلى إعادة تشكيلها على نمط حركة الكشافة الوطنية المصرية , .

وأطلق عليها اسمها الجديد "فرق الجوالة " وتم تعيين قائد لها بصفة رسمية وأصبحت فرق الجوالة بعد المؤتمر العام الثالث ( مارس 1935 ) تتبع القيادة المركزية وتم تعيين قائد يتولي الإشراف على توحيد نشاط وحدات المناطق المختلفة .

وفي عام 1939 تم الاتصال بين الجماعة وبين محمود لبيب ضابط الجيش المتقاعد والذي لعب دورا – سيأتي ذكره فيما بعد – في الاتصال بالتنظيمات السرية لثوار الجيش , وقد أصبح محمود لبيب فيما بعد الشخصية التي لعبت دورا هاما في تدريبات الجوالة وتطوير حركتها وكان لدخوله الجماعة الفضل في تحقيق دفعة كبيرة في اتجاه التوسع في تلك الفرق , والجدير بالملاحظة هنا أن هذه المحاولة جاءت في أعقاب فشل محاولة إقامة نظام الكتائب عام 1937 -1938.

وقد اعتمدت السياسة الجديدة لتطوير " الجوالة " على تخصيص نوع معين من القادة لهذه الفرق يتلقون تدريبا خاصا وكان على هؤلاء القادة أن يصبحوا نواة تلك الفرق في البداية ثم يتولون قيادتها بعد ذلك , .

وكانت كل شعبة تضم فريقا للكشافة لا يقل عدده عن عشرة أفراد يتلقون تدريبا لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات وشكلت لجنة عليا تتكون من سبعة أفراد للإشراف على تلك الفرق وكان لأحسن البنا الرئيس الأعلى لتلك اللجنة كما كان محمود لبيب مفتشها العام , أما باقي الأعضاء فكانوا من الشخصيات البارزة في الحركة منذ بدايتها .

وقد استمر الجهد المكثف الذي بذلته الجماعة لتكوين فرق الجوالة خلال سنوات الحرب التي شهدت إقبالا على عضوية الجماعة الأمر الذي جعل تجنيد أعضاء جدد للجوالة أمرا ممكنا , .

وهكذا نجد أن الجماعة أصبحت بانتهاء سنوات الحرب تمتلك أقوى تنظيم شبابي وسط التنظيمات الشبابية الأخرى التي كانت تتصارع على مركز الصدارة في قلب الحياة السياسية المصرية .

وفي ضوء هذا التطور الذي حدث لفرق جوالة الإخوان , فكر حسن البنا في أن تشترك جوالته في أنشطة فرق الكشافة المصرية الحكومية بعد أن ظل بعيدا عنها طيلة فترة تكوين فرق الجوالة التابعة للجماعة , وكان هدف حسن البنا من هذا الاشتراك إتاحة الفرصة للأخ الكشاف للاستفادة من التسهيلات التي تقدمها الحكومة للحركة الكشفية بدءا من السعر المخفض للزى ومرورا بالتغذية وكافة التسهيلات الأخرى , .

وهي تسهيلات ليست بالبسيطة خاصة إذا ما وضعنا في حسابنا الأعداد الكبيرة التي آل إليها حجم فرق الجوالة , وكذلك كان حسن البنا يفكر في إمكانية أن يكون للجماعة تأثير قوى داخل مجلس منظمة الكشافة الوطنية خاصة بعد نجاح سياسته في التجنيد والتدريب وهكذا دخل حسن البنا بجوالته أعضاء في الحركة الكشفية المصرية في أواخر فترة الحرب , ومع حلول عام 1948 أصبحت فرق الجوالة التابعة للإخوان أقوى فرق الحركة الكشفية المصرية على الإطلاق وأكثرها عددا .

كانت فكرة حسن البنا عن الكشافة فكرة متعددة الجوانب فقد كانت فرق الجوالة , على الرغم من الحجم الضخم الذي آلت إليه وعلى الرغم من المهام الأخرى التي أنيطت بها , تولي اهتماما أساسيا للرحلات الكشفية والمعسكرات , كما أن تلك الفرق ساهمت في الخدمة العامة التي كانت الجماعة توليها عناية كبيرة , .

وهكذا كانت فرق الجوالة في أوائل الأربعينات بمثابة أداة للجماعة في أعمال الخير والخدمة العامة , وظل هذا الوضع سائدا خاصة في الريف حتى عام 1943 عندما نظمت الجماعة مشروعا اجتماعيا واسعا لخدمة الريف المصري .

وكان هذا المشروع يعتمد على المبادرات المحلية في مجالات الصحة والتعليم وأعمال البر , كذلك كانت الجماعة تمد يد العون للسلطات في حالات الطوارئ مثل انتشار الملاريا في الصعيد في عام 1945 والفيضانات التي حدثت في نفس العام في الصعيد وفي مناطق أخرى , وفي فترة انتشار وباء الكوليرا في الوجه البحري والصعيد عام 1947.

على أن المهمة الأساسية للجوالة كانت تتركز في حفظ النظام داخل الجماعة والدفاع عنها ضد الأعداء الخارجين ففي أثناء احتفالات اعتلاء الملك فاروق العرش عام 1936, لعبت فرق الجوالة دورا هاما يستحق الثناء على حد قول البنا كقوة بوليس تحافظ على النظام داخل صفوف الجماعة ... كما أن كافة الاجتماعات الجماهيرية والمهام الخاصة قبل عام 1948 كانت تتم تحت إشراف فرق الجوالة .

وقد لعبت فرق الجوالة دورا أساسيا في حماية مصالح الجماعة خلال الأربعينات عندما دخلت جماعة الإخوان حلبة السياسة , وعندما اشتد التنافس العدائي بين الإخوان والوفد على وجه الخصوص , وقد طلب الوفد من حكومة صدقي حل فرق الإخوان النظامية وإلا تعرضت الحكومة لأن يضطر الوفد إلى الإمساك بزمام القانون بين يديه ,.

وكان مبعث هذا الطلب الاشتباكات التي حدثت في منطقة القنال بين شباب الوفد وشباب الإخوان , وقد صرح الوفد وآخرون بأن فرق الجوالة ليست تنظيما كشفيا بقدر ما هي واجهة لقوات نظامية تعتمد عليها الجماعة عند اللزوم .

وهكذا نجد أن غالبية الذين قبض عليهم أثناء أزمة عام ( 1948 -1949) بين الحكومة والجماعة كانوا من الجوالة كما أن الشخص الذي اغتال النقراشي كان عضوا في الجهاز السريومتخرجا من فرق الجوالة , .

وقد كان الادعاء الأساسي من قبل الحكومة أثناء محاكمات اغتيال النقراشي مركزا على أن نظام الجوالة داخل الجماعة هو مصدر قوتهم الأساسية وهو أداتهم في الإعداد للثورة كما أن التدريب الروحي والعسكري الذي يتلقاه عضو الجوالة ليس إلا دعوة للعنف , هذا وقد بلغ عدد أعضاء الجوالة عام 1948 – قبل حل الجماعة مباشرة – أربعن ألف عضو على حد زعم الجماعة وقد نشطت تلك الفرق مرة أخرى عام 1951 , 1952 داخل الحركة الوطنية فانضمت إلى الكتائب التي أرسلت إلى منطقة القنال , إلا أن أحداث عام 19481950 جعلت عدد أعضاء الجوالة يتناقص إلى حوالي سبعة آلاف عضو عام 1953 .

وقد برز موضوع العلاقة غير الودية بين فرق الجوالة التابعة للإخوان وبين باقي أعضاء الكشافة المصريين والناتج عن إصرار الإخوان على تزعم الحركة الكشفية فأصبح هذا الموضوع ذا أهمية عاجلة بعد ثورة 1952 مباشرة , ولعل تطورات هذا الموضوع كانت من الدلائل التي حسمت للكثيرين داخل الجماعة أو خارجها ذلك التساؤل حول كنه الروابط بين مجلس قيادة الثورة والإخوان , فقد أقدم مجلس قيادة الثورة على إعادة تنظيم حركة الكثافة الوطنية بناء على طلب الإخوان , .

وتم عقد مؤتمر للأطراف المعنية في أغسطس 1952 وتشكلت من هذا المؤتمر لجنة مؤقتة تشرف على أنشطة الكشافة لحين تكوين مجلس إدارة دائم وقد تشكل هذا المجلس في شهر سبتمبر من نفس العام وكانت جماعة الإخوان ممثلة في المجلسين المؤقت والدائم على أعلى مستويات , فقد عين " عبد الغني عابدين " زعيم كشافة الإخوان سكرتيرا عاما للحركة الكشفية الوطنية كما تم تعيين سعد الدين الويلي أحد قادة جوالة الإخوان رئيسا للوفد المصري في الاجتماع الدولي للكشافة الذي عقد في سويسرا ,.

في ربيع عام 1953 , إلا أن الأزمة التي أخذت تشوب العلاقة بين الإخوان والحكومة منذ ذلك الوقت فصاعدا تكفلت بإنهاء تلك العلاقات الودية ولم يكد عام 1953 يوشك على الانتهاء حتى كانت الحكومة قد نجحت في وضع كشافة الإخوان تحت الرقابة الشديدة .

والواقع أن حركة الجوالة في تلك الفترة كانت قد توقفت , ولعل سبب توقفها الأساسي لم يكن عداء الحكومة للجماعة بقدر ما كان متمثلا في عجز الجوالة عن اجتذاب أعضاء جدد نظرا للتغير الذي طرأ على الجماعة بعد عام 1950 من جانب , وبسبب عدم التشجيع الرسمي من جانب آخر , وعلى غير ما كان متوقعا كان موت حسن البنا وتعيين حسن الهضيبي إيذانا بانتهاء مرحلة من تاريخ الجماعة , .

لذا نجد أن اللائحة الجديدة التي صدرت عام 1951 لم يرد فيها ذكر قسم الجوالة , و لا يمكننا تفسير استمرار وجود الجوالة بعد هذا التاريخ إلا كجزء مما واجهه حسن الهضيبي في الصراع الذي شنه من أجل تطهير الجماعة من العناصر التي تسببت في العنف الذي صاحب فترة الأربعينات , ورغم أن محور الصراع الرئيسي كان يدور حول الجهاز السري, إلا أن هذا الصراع تضمن في الوقت نفسه مفهوم التربية البدنية والرياضية اللازمة لتربية النشء الجديد من المسلمين .

وسوف نورد فيما بعد خطة الهضيبي في إلغاء الجهاز السريوإيكال مهمة التلقين العقائدي إلى قسم الأسر والتركيز على التربية الثقافية والروحية بدلا من التربية البدنية , إلا أن الهضيبي كان مقتنعا في الوقت نفسه بأهمية الجسم السليم لذا اقترح أن تهتم الجماعة بالرياضة البدنية , .

وقد نصت لائحة عام 1951 على إنشاء قسم خاص للتربية البدنية يحل محل الجوالة , لكن الجوالة استمرت في الوجود خلف ستار القسم الجديد فقد كان طموح الهضيبي يتلخص في الحد من نشاط فرق الجوالة والجهاز السريعن طريق إعادة بناء التنظيم إداريا وإدخال تغييرات على إيديولوجية الجماعة .

ولم تنجح قيادة الإخوان الجديدة في حل تلك المشكلة بدليل أنها أصدرت في خريف عام 1953 أمرا بفصل أنشطة الجوالة عن قسم التربية البدنية , وكانت تلك القيادة أثناء محاولتها إرضاء عبد الرحمن السندي رئيس الجهاز السري قد عينته رئيسا لقسم التربية البدنية , إلا أن أمر فصل الجوالة عن ذلك القسم يوضح فشل تلك السياسة ,.

وقد تولي أمر هذا القسم بعد ذلك قادة أكثر ولاء لحسن الهضيبي حددوا أهداف هذا القسم في تنمية الأنشطة الرياضية في الريف وإقامة المعسكرات والرحلات وتنظيم اللقاءات الرياضية , وقد أصدر قسم التربية البدنية إمعانا في التأكيد على اتجاهه الجديد سلسلة من الرسائل التي تتناول قواعد الألعاب الرياضية المختلفة , كان أولها عن سباق اختراق الضاحية .

وكانت إحدى نتائج الانقسام الذي حدث داخل قسم التربية البدنية أن بدأ قسم نشر الدعوة – وقيادته شديد الولاء للهضيبي – الاهتمام بالرياضة ... وكان تبرير اهتمام قسم نشر الدعوة بالتربية البدنية مبنيا على أن لائحته تنص على حق القسم في الإسهام في التربية البدنية للأعضاء وقد عهد قسم نشر الدعوة بهذه المهمة إلى قسم " النوادي والفرق " الذي تحكم نشاطه لائحة جديدة صدرت تحت عنوان اللائحة العامة للنشاط الرياضي , .

كذلك أنشئت ثلاث لجان خصيصا لتنفيذ السياسات الجديدة في إعادة تنشيط البرنامج الرياضي إلا أن كل تلك البرامج بل والموضوع برمته ظل " نظريا " فحسب عندما أخذت نذر الأزمة تلوح عام 1954 .

الجهاد والاستشهاد , والجهاز السري

كان قسما الأسر والجوالة هما المؤسستين الأساسيتين المنوط بهما مهمة تنظيم العضوية والتلقين العقائدي , فعن طريقهما يكون الانضمام للجماعة , .

ومن ثم فإن هذين القسمين كانا مصدرا لتدعيم قوة الجماعة . ومع أن النظام الخاص أو الجهاز السري كانت له علاقة بموضوع التلقين العقائدي لكن هذه العلاقة كانت تبدو سطحية وأن تميزت بطابع درامي شديد , .

ومع أن الجهاز السري هو المسئول الأول عن طابع العنف الذي اتهمت به الجماعة وادي إلى دمارها إلا أن قوة جماعة الإخوان المسلمين , بالمفهوم الواسع ,لم تعتمد على هذا الجهاز بقدر ما اعتمدت على شبكة العضوية الواسعة التي بلغت قدرا عاليا من الحبكة والتنظيم ذلك أن أهمية الجهاز السري كانت تنبع أساسا ومنطقيا من النغمة التي سادت روح تدريب الجماعة في شكلها الواسع , .

وعلى الرغم من أن عدد الأعضاء الذين كانوا يعلمون بوجود الجهاز السري قبل عام 1948 كان قليلا جدا فقد أصبح هذا العدد يشتمل على قطاع واسع من الأعضاء بعد عام 1948 , .

ومع ذلك لم يجد هؤلاء الأعضاء أسبابا كافية لمقاومة هذا الجهاز , وهكذا نجد أنه رغم قلة عدد أعضاء الجهاز السري إلا أن فكرته كانت تلقي تأييدا كبيرا من قبل الأعضاء .

ولعل هذا يرجع أساسا – في رأينا – إلى الاهتمام غير العادي الذي كان إلينا يوليه لمرحلة التلقين العقائدي للأعضاء .

أما المعلومات المتوفرة – التي يمكن الاعتداد بها – عن طريق تنظيم وعمل الجهاز السري فهي قليلة , ذلك أن هذا الموضوع عومل بمبالغة شديدة في الصحافة والبيانات الحكومية ويتجاهل شديد أيضا من قبل الإخوان , فقل بالتالي ما يمكن أن نسمعه عن هذا الموضوع ويبدو مقنعا وعندما تتحدث عن الجهاز السريللإخوان فإنما تتحدث في الواقع عن تنظيمين مختلفين هما تنظيم ما قبل عام 1948 وما تبقي منه حتى عام 1954 والتنظيم الذي ظهر إلى الوجود عام 1954 وهذا التنظيم الأخير لم تتح له فرصة ليصبح تاريخا أو يبني مؤسسات خاصة به , .

والعمل الوحيد الذي قام به هو محاولة اغتيال رئيس الوزراء ( جمال عبد الناصر ) في شهر أكتوبر عام 1954 , وعلى هذا فنحن عندما تتناول قصة الجهاز السري إنما تتناولها كتراث موروث من عهد حسن البنا , .

وعلى الرغم من أن ( خرائط التنظيم ) قد أصبحت الآن في متناول الجميع إلا أننا نعتقد أن تلك الخرائط توضح حقائق معينة في فترة معينة فقط ( عام 1984 وعام 1954 ) ذلك أن الهيكل التنظيمي للجهاز السري تميز بالمرونة والابتعاد عن الشكليات الأمر الذي يصعب معه معرفة الصورة بتفاصيلها الكاملة , والأشياء الثابتة الوحيدة المعروفة عن الجهاز هي :

1) وجود قائد أو عدد قادة داخل الجهاز .
2) أن تدريب الأعضاء على أعمال التجسس والعنف كان يتم داخل تشكيلات مسلحة .
3) أن علاقة التنظيم السري بالتنظيم العلني كانت تتم عبر بعض القادة المختارين , وإن كان إخفاق هؤلاء القادة في التحكم في الجهاز السري قد وضح عامي 1948 , 1954 .
4) أن التنظيم السري كانت له قواعده وأدواته الخاصة وشفرته التي تتلاءم مع طبيعته السرية , وكان العضو الذي يتم اختياره للجهاز السري يتلقي تدريبا خاصا في أمور الدين والتاريخ والقانون كما كان يتلقي أيضا تدريبا خاصا على الأمور العملية مثل استخدام وسائل الاتصال والمواصلات في المدينة واستخدام السلاح والتدريب العسكري وبعد أن يصل العضو إلى مستوى عال من الكفاءة يسمح له بالدخول إلى الدوائر الداخلية بعد أن يقسم بالمصحف والمسدس على الولاء والصمت .

وفيما يتعلق بحجم عضوية الجهاز السري , فإن الأرقام الخاصة به ليست يقينية بنفس القدر بالنسبة لحجم عضوية التنظيم العلني , وقد قدر عدد أفراد الجهاز السري عام 1948 , وفقا لمصدر مسئول بقرابة الألف عضو , أما في فترة عام 1954 , فقد جاءت شهادات الأعضاء مؤكدة أن الرقم يتراوح بين ألف وثلاثة ألاف , أما الحكومة فقد قدرت عدد أعضاء الجهاز السري بأربعمائة عضو , .

وفي حين اقترب عدد الذين قدموا للمحاكمات من الرقم الأكبر ( ثلاثة آلاف ) نجد أن الذين أظهرت المحاكمات مشاركتهم الفعلية في نشاط الجهاز لم يبلغ الرقم الأصغر ( أربعمائة ) .

ويتعين علينا الآن بعد أن تناولنا تنظيم الأسر ودوره ومكانته داخل الجماعة , والجوالة والجهاز السري أن نختم حديثنا بكلمة عن النغمة التي سادت أعمال التدريب وأعطت الجماعة صفاتها المميزة , فإذا كان الإخوان المسلمون قد تميزوا من غيرهم بطابع العنف فإنما يرجع هذا إلى أن الجماعة أعلت من شأن قيم الجهاد والشهادة بحيث أصبحت تلك القيم فضائل أساسية لدى العضو , فخطب الجماعة وأدبها يمتلئان بالإيحاءات التي تحدد أهداف الجماعة مستخدمة في ذلك المصطلحات العسكرية , .

وقد ذكر حسن البنا مرارا وتكرارا في حديثه لأعضاء الجماعة أنهم " جيش التحرير " وأنهم " كتائب الخلاص " التي يقع على عاتقها مهمة تحرير تلك الأمة المنكوبة , كما كان يذكرهم دائما بأنهم " جنود الرحمن " وبأن " الأخلاق الإسلامية " هي سلاحهم .

ولعل أوضح مثل على الطبيعة العسكرية للحركة يكمن في استخدام مفهوم الجهاد , فبينما يؤكد بعض أعضاء الجماعة أن الجهاد إنما يختلف عن الاجتهاد فإن الاستخدامات المتكررة لهذا اللفظ في كتابات الجماعة تدل على أن معناه الحقيقي هو " القتال " الذي قد يؤدي إذا اقتضت الضرورة إلى الموت والشهادة , والجهاد واجب على كل مسلم مثله في ذلك مثل أركان الدين الأخرى , وقد ذكر حسن البنا أن هذه الفكرة تعتمد على نصوص من القرآن والسنة ومذاهب الفقه الأربعة , .

وأولئك الذين يقللون من قيمة القتال والأعداد له يكون إيمانهم ناقصا , فالله لا يمنح الحياة الكريمة إلا للذين يعرفون كيف يموتون ميتة كريمة .

ويتأكد لدينا أن " الجهاد " له مفهوم عضلي أو بدني , من الربط بينه وبين نهايته الممكنة أو الحتمية : الموت و الشهادة.

فالموت نهاية هامة للجهاد , ومن بين العبارات الشهيرة لحسن البنا , والتي أصبحت جزءا من تراثه عبارة " فن الموت " و" الموت فن " فالقرآن أمر الناس أن يحبوا الموت أكثر من الحياة , فما لم تحل فلسفة الإسلام عن الموت محل " حب الحياة " الذي استغرق المسلمين فلن يصلوا إلى شئ, والوصول إلى النصر يكمن في إتقان فن الموت , .

وفي موضع آخر كان حسن البنا يذكر إتباعه يقوله النبي " من مات ولم يغزو ولم يحدث نفسه بالغزو مات ميتة جاهلية " فحركة الإخوان لن يكتب لها النجاح – على حد قول حسن البنا – دون الجهاد المتفاني الذي لا يفرق بين ميدان وميدان .

وغني عن الذكر أن مثل تلك الموضوعات كانت تشكل جزءا هاما من التدريب الرسمي وغير الرسمي للأعضاء , فقد كان عضو الأسرة يتلقي بجانب دروس الجهاد النظرية دروسا في التاريخ تتناول الأمجاد العسكرية الإسلامية أيام الغزوات الأولي , كذلك كانت تلك الدروس تتضمن جزءا هاما من مشروعية القتال , .

وكان جوهر تلك الدروس يرتكز على حث المسلمين على مقاومة أفكار وقيم غير المسلمين وأعداء الإسلام , كما أن استرجاع الحوادث العسكرية الهامة في تاريخ الإسلام كان جزءا هاما من طقوس الاحتفال بالمناسبات الدينية , كذلك كان الاحتفال السنوي بغزوة بدر ذا دلالة خاصة حيث يتحدث فيه الخطباء عن روح الجهاد , .

وفضلا عن ذلك كانت موقعة بدر أحد الموضوعات القليلة التي تم إخراجها على المسرح ومثلها الإخوان أمام جمهور من الإخوان ولسنا في حاجة إلى مزيد من الإطالة لنتبين أن الجهاد القتالي ومفهوم الشهادة قد أديا بالضرورة إلى تأكيد على الاستشهاد فحينما يقاتل الأخ ويموت باسم الإسلام في منطقة القتال وفي فلسطين أو على المشنقة في مصر فإنه يتأكد من أن ميتته الكريمة قد رفعته إلى مصاف إبطال الإسلام الصالحين , وبهذه الروح استطاع أحد الإخوان أن يقرر بهدوء أن الموت هو أقصر الخطوات وأيسرها بين هذه الحياة والحياة الأخرى .

أن هذه الروح التي عجز الهضيبي عن إخمادها هي الروح التي يخشاها مواطنوا الإخوان من المصريين , مسلمين وغير مسلمين , وهي الروح التي لم تستطع الحكومات المصرية على اختلاف اتجاهاتها أن تتسامح معها , خاصة حينما تقترن تلك الروح بنزعة سياسية نشطة .

الباب الثاني الأيديولوجية

الفصل الثامن ايديولوجيا.....ما هي القضية من وجهة نظر الإخوان ؟

كثيرا ما ننسي – نتيجة لتاريخ الجماعة النشط بل والعنيف أحيانا – أن أهم ما كان يشد غالبية الأعضاء إلى الجماعة هو أفكارها وأنشطتها غير السياسية , بل أن تلك الأفكار والأنشطة كانت تلقي اهتماما جما من قبل الأعضاء السياسيين في الجماعة , .

فقد كانت جماعة الإخوان – بجانب اهتمامها بالدخول في معارك مع الحكومة – تولي اهتماما كبيرا لاحتياجات الأعضاء التي يمثل الجانب العقائدي ( الأيديولوجي ) جزءا كبيرا منها , الأمر الذي يدفعنا إلى البحث عن تلك المجموعة من الآراء التي تطورت بدورها إلى ما أسمته الجماعة بالفكرة أو الأيديولوجية , لذا سنحاول هنا أن تقدم سياقا منسقا لتلك الآراء التي انتظم تحتها الأعضاء والتزموا بها التزاما تاما تجاه الجماعة وقادتها وكانت هي السبب أيضا فيما لاقته الجماعة من متاعب مع أنظمة السلطة المختلفة في مصر ,.

هذا ويرتبط تصور الإخوان للعالم الذي يعيشون فيه ارتباطا وثيقا بمجموعة الأفكار التي يعتنقونها ,ويعتمد هذا التصور على ثلاثة مفاهيم ( أو تصورات ) منفصلة لكل من مصر والإسلام والغرب , وقد تكونت مجموعة الأفكار التي كانت وراء نشاط الإخوان من تفاعل الاتجاهات والمعتقدات المتعلقة بتلك المفاهيم الثلاثة وسيقتصر اهتمامنا هنا على ذكر المعتقدات القائمة لدي الإخوان دون أن نناقش صحتها , على اعتبار أنه إذا ما آمن الإنسان بحقيقة شئ ما فإن هذا الشئ يصبح حقيقيا , .

وعلى ذلك سوف تتناول في الفصول الثلاثة القادمة على التوالي :

1) تصور الإخوان للعالم الذي يعيشون فيه وما هي المشكلة الأساسية ( أو القضية ) وفقا لتصورهم .
2) الإجابة النظرية لما تطرحه القضية الأساسية والحل الأيديولوجي لها من وجهة نظرهم .
3) الحل العملي لتلك القضية من واقع أنشطة الجماعة في مجالات السلوك المختلفة .

صورة الإسلام لدي الإخوان

التاريخ الإسلامي

اعتقد الإخوان – شأنهم شأن الكثيرين من المصلحين الإسلاميين المحدثين – أن تدهور الإسلام بدأ بعد انتهاء عهد الخلفاء الأربعة ( الراشدين ) ذلك أن الدولة التي كان يحكمها الخلفاء الراشدون كانت نموذجا لما يجب أن الإسلاميين المحدثين – أن تدهور الإسلام بدأ بعد أنتهاء عهد الخلفاء الأربعة ( الراشدين ) ذلك أن الدولة التي كان يحكمها الخلفاء الراشدون كانت نموذجا لما يجب أن يكون عليه الإسلام كعقيدة ونظام , فالشعب هو الذي يختار الحاكم وفقا لمؤهلاته التي تتمثل في كفاءته وثقة الجماهير به , وهو – أى الشعب – كان يعرف أنه " مصدر السلطات " كما أنه يملك حق محاكمة الحاكم مسترشدا في ذلك بالإسلام , .

كذلك كان الحاكم يتميز بالتقوى والعلم وفقا لروح الإسلام وتعاليمه , كما كانت خزانة الدولة توضع في خدمة الشعب الذي كان له الحق في مطالبة الدولة والحاكم بسد احتياجاته , وهكذا نجد أن الدولة – إبان ولاية الخلفاء الراشدين – قد ساد فيها إحساس الإخاء في الدين والمساواة في الحقوق والواجبات .

لكن السلطة السياسية انتقلت لسوء الحظ ( بعد الخلفاء الراشدين ) إلى بيت معاوية حيث أصبحت الخلافة إرثا داخل عائلة واحدة تملك قوة مطلقة ولا تعير مصدر السلطة الشعبي أى اهتمام .

كما أن حكام تلك الأسرة لم يكن لديهم حس إسلامي فاعتبروا خزانة الدولة ملكا خاصا لهم , .

وأصبحوا هم الذين يقررون احتياجات الشعب ومصالح الأمة , كذلك استيقظت ( قبلية ) الجاهلية في عهد الدولة الأموية , وأصبحت " التفرقة " أداة من الأدوات التي يستخدمها الحاكم لأحكام سلطته , وهكذا أهمل الحكام فضائل الأخلاق وطاعة الرب بل واحتقروها , وهكذا نجد أن " قوة الإسلام الداخلية " لم تتحقق على مدى تاريخ الدولة الأموية باستثناء فترة خلافة عمر بن عبد العزيز .

أما الدولة العباسية – التي تلت الدولة الأموية في الخلافة – فقد عملت على تهيئة المناخ النفسي الذي أدي إلى تدهور المجتمع الإسلامي : تحول الحكم الوراثي في عهد الدولة العباسية إلى حق الهي يتمتع به الخلفاء , وسادت صفات تملق الحكام بالحق وبالباطل , فكان الخلفاء يرفلون في الحرير والترف والثروة بل ويقول البعض أن الخلفاء كانوا يعاقرون الخمر ويتعيشون من أموال الخزانة العامة كما كانت حياتهم الخاصة لا تتناسب على الإطلاق مع رسالتهم كقادة لدعوة الإسلام , كذلك أخذ أولئك الخلفاء في اللعب على نغمة النعرات الفارسية والتركية التي عملت على تقوية روح الفرقة والتشتت التي كان أسلافهم قد بدأوا في نشرها داخل المجتمع العربي .

وهكذا نرى أن قمة ازدهار العالم الإسلامي لم تكن إلا واجهة تخفي وراءها صراعات سياسية مريرة وانقساما شديدا فتحول الإسلام في ظل الجدل الديني والمذهبي إلى إسلام كلمات وعبارات بدلا من أن يكون " عقيدة وعمل " وكذلك حل التعصب محل النقاش والمناظرة , فساد المجتمع الديني الجمود , .

وحظيت الفلسفات النظرية بالكثير من التشجيع على حساب العلوم العلمية , كذلك ظلت الدولة العباسية – في زهوها بقوتها – بعيدة عن كافة التطورات الاجتماعية التي طرأت على الأمم الأخرى , بل إن استجابتها الوحيدة لهذا التطور – عندما تنبهت إليه – كانت " المحاكاة والتقليد " وفي نفس الوقت تحول مركز القوة وآلت الزعامة إلى غير العرب ( من الفرس والمماليك والأتراك ) الذين لم يكن بمقدرة أحد منهم أن يتذوق الإسلام الحقيقي وأن يفهم – ربما بسبب اللغة ... معاني الإسلام الأصلية .

وفي هذا المناخ بدأت الكارثة ثم تفاقمت بزحف الصليبيين والتتار والقرامطة ووقوف أوروبا ضد الإسلام في أسبانيا وفي أطراف العالم الإسلام عندما افتتحت أوروبا عصر الاكتشافات .

هذا في الوقت الذي كان الأتراك – الذين أصبحوا قادة الإسلام السياسيين – قد حصروا اهتمامهم في الأمور الأخروية واتقاء يوم الدينونة , وقد كان انتقال السلطة من يد العباسيين إلى الأتراك ضربا من ( معالجة مرض بمرض آخر ) فالأتراك في أول عهدهم كانوا مثل الخلفاء الراشدين في إيمانهم , ونجاحهم المبكر وسط المسلمين والأوروبيين الشرقيين يرجع إلى هذا الإيمان إلا أن عواطف الأتراك تجاه الإسلام كانت أقوى وأعمق من فهمهم لتعاليمه , كذلك كان حماسهم له أكبر من فهمهم لروحه , وهكذا تدهورت الإمبراطورية العثمانية بعد سليمان القانوني .

وكانت مساوئ النظام الوراثي هي التي مهدت لهذا التدهور , فقد سادت مظاهر الترف والصراعات الداخلية على السلطة وما يستتبعها من إبعاد لولي العهد ومؤامرات النساء على السلطة داخل الإمبراطورية العثمانية الأمر الذي صعد الفساد الضارب في الإمبراطورية وتركها في النهاية فريسة لأوروبا الناهضة ...

وهكذا تمكن أعداء الإسلام مع نهاية الحرب العالمية الأولي من القضاء على الخلافة الإسلامية ووضعها موضع العاجز أمام أى عدوان يقع على حقوق الشعوب التابعة لها , كذلك أخذت الصهيونية بمساعدة الإمبريالية في العالم العربي – قلب الإسلام – والإمبريالية بمفردها في باقي أجزاء العالم الإسلامي في التصرف كما يحلو لهما في أرض الإسلام .

الأزهر

سوف يرد كثيرا فيما بعد ذكر الصدمة العميقة التي أصابت حسن البنا من جراء تجربته الأولي في القاهرة ورؤيته للحالة التي آل إليها الإسلام في العاصمة , وقد وجد غضب حسن البنا طريقة إلى مسامع قادة الأزهر حيث صب النظرة الصائبة فيما يتعلق بالعمل على ازدهار الإسلام والأزهر ذلك أن المراغي على ما يبدو أخذ انطباعا حسنا عن البنا وحركته بغض النظر عن الأمور السياسية , .

بل أنه حبذ في أواخر الثلاثينات التعاون الفعال بين الأزهر ومسئولي الجماعة ورغم ذلك ظلت نظرة الجماعة الأساسية إلى الأزهر نظرة عدائية رغم تحفظ البنا في إظهار ذلك العداء في تصريحاته العلنية وفقد أبدي حسن البنا مرة – أثناء تعليقه على الأحوال المتدهورة للعالم الإسلامي – ملحوظة مؤداها أن علماء الأزهر يرون ويلاحظون ولا يفعلون شيئا لكن حسن البنا وأتباعه كانوا يبذلون جهدا ملموسا وعلنيا في محاولة تبديد الاعتقاد الشائع في مصر بأن هناك توترا بين الفريقين , .

وقد ذكر أحد الكتاب صراحة أن في مصر فريقين إسلاميين أحدهما يتكون من الأزهريين الرسميين والآخر يتكون من الجماعات الإسلامية وأن هذين الفريقين لا يتعاونان فيما بينهما على أن هناك ملاحظة أخرى تمس جوهر الموضوع مباشرة وهي الملاحظة التي تقول : إن جماعة الإخوان أصبحت رائدة الفكرة الإسلامي في مصر فقد أنكرت هذه الملاحظة دور الأزهر باعتباره " صوت الإسلام " والتهم التي يوجهها الإخوان الغيورون للأزهر عديدة إلا أنها تتلخص أساسا في نقطتين :

1) أن الصوت الرئيسي للمسلمين في العالم " الأزهر " مرارته الشديدة الناجمة عن الأحوال المتدهورة للإسلام والمسلمين , ويمكننا القول أن نفور حسن البنا من الأزهر وما أحسه منه من عجز شديد في مواجهة التيارات المختلفة التي تصارع الإسلام , هو علامة أساسية ميزت حياته وأدت إلى ابتعاده عنه وعدم الإيمان بجد واه كقلعة للدفاع عن العقيدة ,.
وكان حسن البنا – على عكس قادة الدعوة السلفية الذين أثروا في تفكيره والذين تشككوا أيضا في قدرة الأزهر على الدفاع عن الإسلام – قد اختار التوجه المباشر بقضيته إلى الناس الأمر الذي يتفق مع تربيته الصوفية .
وهكذا كانت حركة حسن البنا – دونما ارتباط بالهجوم العلماني على الأزهر – تحديا مباشرا لسلطات الأزهر ودليلا على عقمه .
إلا أن حسن البنا كان صديقا للأزهرين عبر صلاته الشخصية , بل إن طلبة الأزهر كانوا يشكلون جزءا هاما وفعالا داخل الجماعة كأعضاء كذلك لم يمثل قادة الأزهر تحديا فعالا للحركة إلا في عامي 1948 , 1954 عندما دفعوا سياسيا إلى ذلك , .
بل أن الفترة الثانية لمشيخة مصطفي المراغي للأزهر ( أبريل 1935فبراير 1942 ) شهدت اتصالا وثيقا بالجماعة , الأمر الذي يرتبط بصعود على ماهر إلى السلطة , وهكذا ظل المراغي واحدا من أكثر قادة الأزهر احتراما في نظر الجماعة فهو نموذج للرجل ذو قد فشل في أداء دوره كداعية لإسلام حي وفعال , .
2) أن الأزهر لم يكن قويا بما فيه الكفاية في مواجهة هجمة الأفكار والقيم الأجنبية على التراث الإسلامي , وكان دافع الإخوان الخاص والمباشر في إلقاء تلك الاتهامات على الأزهر الاعتقاد السائد لديهم بأن الأزهر سمح بسقوط مصر فريسة للتدهور والعقم الفكري الديني والثقافي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والتشريعي .

وتتعلق نقطة الانتقاد الأولي بقضية الإسلام في العالم الحديث والدور المنوط بالأزهر في الحفاظ على الإيمان والاتهام الذي وجهته الجماعة إلى الأزهر هنا هو أنه أخفق في إعادة تقديم الإسلام إلى المسلمين – حكاما ومحكومين على السواء – باعتباره دستورا للحياة , كما فشل في أن يعلم ويقود , الأمر الذي أدي إلى فساد المسلمين , فالغفوة التي اتتاب علماء الأزهر انسحبت بالتالي على المجتمع الإسلامي , .

وهو ما لا يمثل فقط خيانة للإسلام من الوجهة التاريخية بل يمثل أيضا – وهو الأفدح – خيانة للمجتمع الإسلامي القائم فقد ظل الأزهر يتبع طريقة بالية في تناول الإسلام وتعاليمه فجاءت تلك الطريقة جامدة وميتة تركز على الجانب الطقوسي بما لا يفي باحتياجات المسلمين , .

ويمكن ملاحظة إخفاق الأزهر في جعل الإسلام عقيدة حية ومعاصرة من خلال نظام التعليم الأزهري الذي ينتمي إلى العصور الوسطي والذي يقوم على الجمود وغياب العلوم ومناهج البحث الحديثة و كذلك تميز هذا النظام بالتركيز على الحفظ لا المناقشة العقلانية , .

ودراسة النصوص العتيقة البالية دون الإشارة إلى النظم والأساليب التكتيكية الحديثة وهكذا أخفق الأزهر في رأي البنا لأنه كان يخرج رجال دين محترفين لا مرشدين روحيين وعلى ذلك فإن الإخوان رأوا في علماء الأزهر معلمين غير أكفاء يدرسون فقها غير موضوعي .

أما الدعوى الثانية فهي دعوى تترتب على الأول ذلك أن إخفاق علماء الأزهر في أداء رسالتهم الإيجابية ترتب عليه الإخفاق في أداء الجانب الآخر من تلك الرسالة وهو " الدفاع عن الإسلام"

فقد أخفق الأزهر في مصر في مقاومة الحكومات المصرية والاستعمار والسراى والأحزاب , فأصبح بهذا الموقف شريكا لكل تلك الجهات في الفساد الذي ألحقته بكافة نواحي الحياة في البلاد , بل وأسوأ من ذلك أن علما ء الأزهر لم يحاربوا " الإمبرياليين " فاسلام الأزهر البالي الميت المستسلم هو في حقيقة الأمر الإسلام الذي يسعي الاستعمار إلى تعضيده واحتوائه , فإذا لم يكن للدين صوت مسموع في معركة الحرية فصوت من أذن هو الذي يسمع ؟

بل أننا نجد أكثر من هذا أن العلماء تكاتفوا مع الطبقات الحاكمة نظرا لوجود مصالح مشتركة بينهم , وهكذا باع علماء الأزهر فرصتهم في الدفاع عن القضايا الكبرى , كالاستقلال والعدالة الاجتماعية , .

وقد قال الغزالي مرة : " أنني أعرف شيوخا في الأزهر يتطفلون على الإسلام كما تتطفل ديدان البلهارسيا والانكلستوما على دم الفلاحين البؤساء ,.

وكان الإخوان المسلمون يطلقون على العلماء الذين أصبحوا خدما للاحتلال الأجنبي ولطغاة الاقتصاد والسياسة ( العلماء الموظفين – عملاء الحكومة التي تدفع ) وهكذا أخفق هؤلاء العلماء – بولائهم لمرتباتهم فوق كل شئ – في القيام بشرف مهامهم فالحقوا العار بأنفسهم وبالدين الذي يتحدثون باسمه .

الصوفية

ذكرنا فيما سبق أن حسن البنا قد تشبع في فترة شبابه بآداب الصوفية وشعاراتها وممارساتها , وتلك حقيقة لها أهميتها الدائمة في حياته إيجابا وسلبا على السواء , ورغم تخليه عن صلاته القديمة بالصوفية بعد أن أسس تنظيمه الخاص إلا أنه – وعلى عكس الكثيرين من اتباعه - لم يهاجم الحركة الصوفية أو يختلف معها علانية , كما أنه لم يفقد أبدا إيمانه بأهمية الصوفية النقية الحقة .

وبتقدم حسن البنا في العمر كانت آراءه حول التطور التاريخي للصوفية هي التي حالت دون اندماجه التام في طقوسها , وتتمثل خلاصة آرائه تلك في أن الانتشار الواسع للإسلام , والثراء المادي المصاحب لهذا الانتشار , قد أدي إلى ظهور رد فعل مضاد لهذا الانغماس في متاع الدنيا يؤكد على قيم التقوى , الصلاح المتبعة أيام الرسول وفي الفترة التي تلت تلك الأيام مباشرة , .

ولقد تحول رد الفعل – بمجرد ظهوره – إلى مجموعة من المفاهيم والممارسة هي التي سميت – فيما بعد – بالصوفية , وتتكون تلك الممارسة في شكلها ( النقي ) من طقوس عبادة وذكر وحدس صوفي ومعرفة بالله , تلك الطقوس التي تشكل جوهر الإسلام ولبه .

إلا أن الصوفية – بعد القرن الأول – خرجت عن هذه الحدود , وتأثرت بعناصر غريبة عليها أساءت إليها ومن هذه العناصر العلوم الفلسفية والمنطق وتراث وأفكار الأمم القديمة , الأمر الذي أدي إلى وجود ثغرات واسعة يمكن أن يدخل منها أى ملحد أو مفسد للرأي والعقيدة باسم الصوفية , وقد أدي هذا الأمر إلى الفرقة وإلى ظهور طرق مختلفة في الصوفية , فظهرت بذلك تقسيمات جديدة في المجتمع الإسلامي , .

ورغم أن حسن البنا كان يعي الدور الذي لعبته الحركة الصوفية في نشر الإسلام تاريخها وخاصة في آسيا وأفريقيا إلا أنه ظل في الوقت نفسه يعتقد أن الفائدة التي تعود على الإسلام من الصوفية تبقي عديمة القيمة إذا ما قورنت بالآثام الجسام التي ألحقتها به الصوفية بعد تخريبها , لذا دعا حسن البنا إلى القيام بمجهود إصلاحي جاد لإنقاذ الصوفية وتنفيتها مما لحق بها بعد القرن الأول الهجري , كما دعا إلى مناهضة التنافس القائم بين الجماعات الصوفية المختلفة بغرض أن يستعيد المسلمون " الصوفية " كوسيلة حياة متسامية في إطار الإسلام.

ويرى البنا أن تلك الاعتبارات هي التي جعلته يعزف عن أن يقيم " تنظيمه " الخاص بوصفه " طريقة " من الطرق الصوفية .

كذلك ثابر حسن البنا , بعد أن توطدت جماعته , على الالتقاء بشيوخ الطرق الصوفية المحليين ومناقشتهم كلما تصادف مرور أحدهم بالإسماعيلية , وكان حسن البنا يهدف من هذا إلى إقناعهم باحتياجهم الشديد إلى الإصلاح , فيتحد الجميع في العمل من أجل تخليص الإسلام , إلا أن حسن البنا كان يفضل لجماعته شكلا تنظيميا آخر كما يقول " أنني لا أريد أن تكون دعوة محصورة في نفر من المسلمين, ولا في ناحية من نواحي الإصلاح الإسلامي , ولكنني حاولت جاهدا أن تكون دعوة عامة قوامها العلم والتربية والجهاد "

وكان إتباع البنا يشاركونه نفس الأفكار فيما يتعلق بالصوفية , إلا أنهم قلما اعترفوا بالصفاة الروحية الإيجابية التي كان البنا يراها في الصوفية , ولعل مشاركة هؤلاء الأعضاء للبنا في فكرته عن الصوفية كانت أمرا لا مفر منه بحكم صلات حسن البنا المبكرة المعروفة بالصوفية ,.

وقد أصبح حسن البنا بطبيعة الحال , نموذجا لتلك ( الصوفية الروحية ) التي تتقبلها الجماعة إلا أن التقدير الذي لاقاه زعيم الجماعة لهذا الجانب من شخصيته , لم يخفف مشاعر النفور العميق التي يكنها أعضاء الجماعة العاملون وذوى الأصول الحضرية للطرق الصوفية .

هذا وقد كانت آراء أعضاء جماعة الإخوان فيما يتعلق بالصوفية عبارة عن أوجه مختلفة مستمدة من حسن البنا في هذا الموضوع , وفي أحد الاجتماعات المسجلة ذكر الرأي القائل بأن الصوفية ظهر نتيجة فشل الخلافة في أداء مهمتها المزدوجة – الإدارة والإرشاد الروحي – الصوفية " كرد فعل " واسع لتملأ الفجوة الناشئة عن فشل الخلافة في هذا المجال , .

كذلك قيل أن الصوفية نظام غير إسلامي في الأصل , ذلك أن طرقها تعتمد على نظام طبقي , كما قيل أيضا أن الصوفية ظاهرة يونانية هندية لا علاقة لها بالإسلام وهكذا اتفق الجميع على أن الصوفية علاج مؤقت ومحدود للمشاكل التي نجمت عن عدم وجود حياة إسلامية حقة .

وهكذا اتفق أعضاء الجماعة – باقتناع شديد – مع حسن البنا في اعتراضاته الدينية والتنظيمية فيما يتعلق بالحركة الصوفية , والتي تتلخص في أن الطرق المختلفة تؤدي إلى إشاعة الفرقة في المجتمع عن طريق النزاع – غير المسئول – على السلطة بين شيوخ الطرق كذلك كان حسن البنا يري أن شيوخ الطرق يسمحون بانتشار البدع والخرافات والسحر وعبادة الأولياء وهي أمور تجافي كل تعاليم الإسلام إلا أن إتباع حسن البنا أضافوا إلى اعتراضاته تلك اعتراضات ذات دلالة أعمق من الناحية الاقتصادية والاجتماعية , .

فقد رأوا في الصوفية بقية من بقايا العصور الإقطاعية وأداة لتغيب الجماهير , كما رأوا في شيوخ الطرق الصوفية العقبة الأساسية في وجه التقدم والإصلاح , فهم الأداة التي يستخدمها الساسة لاستغلال الشعب , .

كما أن الصوفية تبرر الانسحاب الروحي من الحياة , بحيث تؤدي إلى انعدام جدوى الوجود الاجتماعي للفرد , الأمر الذي يعتبر من الخطايا الكبرى , وعلى هذا النحو وقع المسلمون ضحية للشيوخ – واستسلموا لأقدارهم الاجتماعية والاقتصادية , وهكذا تعتبر الطرق الصوفية ضربة للفكر الإسلامي , ولوجود الأمة الإسلامية جمعاء .

وقد تبعت فكرة الجماعة تلك عن الصوفية من روح الفعالية الفكرية التي كان حسن البنا يبثها في الجماعة كما أن لتلك الفكرة علاقة بفكرته عن الصوفية , فقد كتب حسن البنا خلال دراسته في دار العلوم مقالة توضح كيف أنه يفضل طريق التدريس على طريق التصوف ,.

وقد تناول حسن البنا في هذا المقال قيمة الطقوس الصوفية موضحا الفرق بين ( الروحانية الاعتزالية ) و( الروحانية الاجتماعية ) كذلك أوضح البنا أن على الرجل أن يجاهد من أجل حل المشاكل الاجتماعية مستفيدا في ذلك بالجانب الصوفي للطقوس وبالانتظام الروحي المكتسب منها.

وقد حكم هذا الموقف بوجه عام نظرة الجماعة للمشكلات التي واجهها أعضاؤها , كما كان مناوئا لأى فهم متحمس للصوفية .

والتعريف الذي صاغة أحد الأعضاء بأن الجماعة هي : " حركة أفندية " إنما قصد به تبرئة الجماعة من تلك السمات المعروفة والمميزة للطرق الصوفية , وبعدها أيضا عما تقوم به الطرق الصوفية من أعمال تنطوى على الإحساس باللاجدوى .

مذاهب الإسلام ومدارس الفقه

كان موقف الإخوان من تفرق المسلمين أحد المكونات الأساسية التي لعبت دورا هاما في تشكيل وجهة نظرهم فيما يتعلق بعلماء الأزهر وبالحركة الصوفية , ذلك أن الفرقة وعدم الاتحاد يتعارضان مع الواجب الأساسي لكل مسلم في أن يعيش في جو من التآلف والحب الأخوى مع سائر المسلمين , فقد أدت الفرقة إلى تسلل الأفكار الأجنبية وسهلت خضوع الشعوب والدول الإسلامية للسيطرة الفكرية والاستعمارية والأجنبية , .

وهكذا نجد أن الفرقة وعدم الاتحاد يتعارضان مع الواجب الأساسي لكل مسلم في أن يعيش في جو من التآلف والحب الأخوى مع سائر المسلمين , فقد أدت الفرقة إلى تسلل الأفكار الأجنبية وسهلت خضوع الشعوب والدول الإسلامية للسيطرة الفكرية والاستعمارية والأجنبية , .

وهكذا نجد أن الفرقة ليست خطيئة فحسب بل ربما أدت إلى هلاك حقيقي للمجتمع الإسلامي , ومن هذا التصور نبعت نظرة الجماعة للمذاهب والمدارس المختلفة .

وتوضح لنا مذكرات حسن البنا اهتمامه المبكر بقضية انقسام المسلمين إلى جماعات متنازعة , وقد سعي حسن البنا إلى مكافحة هذه الظاهرة من خلال جماعته التي تكونت في الإسماعيلية فأخذ يشرح للناس ضآلة أهمية الاختلافات القائمة والتي كان يعتبرها – في نفس الوقت – أحد أسباب تدهور المجتمع الإسلامي , الذي لن يزدهر مرة أخرى ما لم يصل حجم تلك الاختلافات إلى الحد الأدنى وهكذا كان حسن البنا يصر على أن جماعة الإخوان لا تنتمي إلى مذهب أو مدرسة معينة , أن الاختلاف في الرأي مطلوب وضروري لكنه أحيانا ما يتحول إلى سلاح ضار بالإسلام عندما يتجاوز وظيفته المشروعة , فالمذاهب الأربعة مذاهب جديرة بالاحترام , .

والجدل بين معتنقي هذه المذاهب يجب أن يتم في جو من الود والحب وكانت لحسن البنا قولة مأثورة في ذلك المجال يذكرها له اتباعه دائما , هي : فلنتعاون فيما نستطيع أن نتفق عليه , أما الأشياء التي لا يمكننا الاتفاق عليها فلنختلف فيها برفق .

إلا أن هذا التسامح في الاختلاف لم يشمل جماعتين من الجماعات الإسلامية هما :" القاديانية " في باكستان" و" البهائية " في إيران , ويرجع هذا الموقف من الجماعتين المذكورتين إلى ادعاء مؤسسيها النبوة , وإلى ما تطورت إليه تلك الجماعات بحيث أصبحتا من الجماعات التي تحارب الإسلام .

صورة مصر

التاريخ المصري

تعتبر علاقة مصر بالإسلام – وفقا لتصور الإخوان – علاقة فريدة من نوعها , فقد ارتبط مصير مصر منذ فجر التاريخ الإسلامي بمصير المسلمين , لذا كان من المحتم أن تصبح مصر – مركز أقدم الحضارات الإنسانية في العالم – هي المكان المناسب منطقيا وتاريخيا , لتمركز الإسلام فمصر هي التي حملت رايات الإسلام عاليا ضد الصليبيين والتتار إبان اضمحلال الإمبراطورية العربية , ولأن الإسلام

تعمق في عواطف وضمائر المصريين فأصبح عقيدتهم وحضارتهم ولغتهم كان من المحتم أن تلعب مصر دورها الفريد في نهضة الإسلام .

إلا أن على مصر , قبل أن تمارس هذا الدور , أن تتخلص من الآفة التي لحقت بها مثلما لحقت بباقي أجزاء العالم الإسلامي , وفي هذا ينصب اللوم على رجال الدين لما آلت إليه الأوضاع نتيجة لإخفاقهم في خلق حياة إسلامية حقة كان من الممكن أن تؤدي إلى تقليل أو منع هذا الفساد الذي حاق بالمجتمع الإسلامي , وإذا كان رجال الدين مسئولين عن هذه الأوضاع بإخفاقهم في أداء واجباتهم فإن الاستعمار الذي فرض نفسه وحضارته على مصر هو السبب المباشر لهذا الانحلال ,.

وهذا الاستحضار كان على نوعين : الاستعمار الخارجي الذي يتبدى في قوة أجنبية محتلة , والاستعمار الداخلي الذي يتبدى في القوى التي تجاهلت أو خانت – بوعي أو بدونه – احتياجات وإرادة المجتمع الإسلامي , فخدمت بذلك مصالح القوى الأجنبية .

وقد تولي الاستعمار الداخلي نشر التدهور الأخلاقي وعمل على صرف أنظار المصريين عن عقيدتهم التقليدية وجذبهم إلى السلبية المميتة والإحساس بالضعة وتقبل الأمر الواقع و هكذا كان الإخوان ينظرون إلى مشاكل مصر السياسية والاقتصادية والاجتماعية في ضوء الاستعمار المزدوج في التاريخ المصري.

السياسة والأحزاب

كانت الأحزاب السياسية والقيادات الحزبية والحياة الحزبية بوجه عام محط أول اعتراض للإخوان على الأوضاع في مصر , فالأحزاب تحمكها الأطماع والمصالح الشخصية وليست هناك برامج أو أهداف كما أن أنشطة الأحزاب يحكمها الرجال لا المبادئ ,.

فالأحزاب في الواقع ليست إلا جبهة للرأسماليين , وأداة يستغل الرأسماليون من خلالها العمال مستخدمين لهذا الغرض أجهزة الدولة الإدارية والقانونية فتحولت الأحزاب من خدمة الشعب إلى التحكم غير الشرعي في مقدرات أبنائه , ذلك أن تلك الأحزاب لا تمثل إرادة الأمة ولا تخدم مصالحها .

كانت وجهة النظر تلك فيما يتعلق بالأحزاب تابعة من اعتبارات خاصة وعلمانية فالجماعة كانت تنظر إلى الأحزاب وقادة تلك الأحزاب كأدوات في يد الأيديولوجية البريطانية الغربية وكزعماء للاستعمار الثقافي , .

وهكذا فإن الأحزاب وفقا لتلك النظرة – أتبعت نموذجا غريبا في الفكر والتنظيم , الأمر الذي جعل القوة السياسية والعسكرية المحتلة تعضدها , كما أن الأحزاب المختلفة كانت تتعاون فيما بينها من أجل مكاسبها المشتركة , والخطأ التاريخي للمصريين يكمن – وفقا لرأي أحد الإخوان – في أنهم قبلوا الاستقلال والدستور والنظام البرلماني قبل طرد الإنجليز من مصر , أما وجهة النظر المكملة فهي وجهة نظر ثقافية وسياسية تزعم أن قادة البلاد هم مسلمون غير صالحين أخذوا تعليمهم وأفكارهم عن الغرب فأصبحوا غير مؤهلين لمهمة قيادة البلاد الإسلامية , ذلك أنهم نسوا أمجادهم وتاريخهم وماضيهم .

وهكذا انفصل زعماء الأحزاب وأدواتهم فكريا عن مواطنيهم , فلم يجدوا قضية مشتركة بينهم وبين الشعب فتحولوا إلى عملاء فرقة وانقسام , كما أن النظام الحزبي أضعف القوة الوطنية إبان معاركها الحاسمة من أجل الحرية السياسية والإصلاح الداخلي , وفقدت الأمة وحدتها بسبب الجماعات المتصارعة وغير المسئولة فلا هي حصلت على الاستقلال ولا هي حققت التقدم .

كان لهذا الفساد الذي ساد الأحزاب وقادتها آثاره السياسية الحاسمة , فقد فشلت الحياة البرلمانية والحكومة الديمقراطية , كذلك تمكنت الطبقة العليا ( بؤرة القوة السياسية الاقتصادية ) من احتكار الحكم – واجبر الشعب على انتخاب مضطهديه للبرلمان , فمالك الأرض يتحكم في أصوات المستأجرين كذلك يتحكم السيد الغني في أصوات المدينين من الجائعين , .

وهكذا وقع الشعب ضحية للإرهاب الاقتصادي السياسي والاجتماعي , ورغم أن برلمان 1923 , الذي منحه الإنجليز – كان يعني حكم الشعب لنفسه وبنفسه , إلا أن هذا البرلمان نفسه تحول إلى غطاء لنهب ثروات وحقوق الشعب , من هنا كان من الطبيعي بل ومن الأهمية بمكان بالنسبة لمصر والجماعة أن تتسع تلك النظرة إلى الحياة البرلمانية على امتدادها لتصل إلى أن كل الانتخابات التي تمت منذ عام 1923 هي انتخابات مزورة .

كذلك وقعت إدارات الحكومة ضحية للفساد السياسي داخل الأحزاب فتحولت البيروقراطية إلى إدارة محدودة الكفاءة فاسدة تستغل سلطتها والنفوذ الشخصي فتتم التعيينات دون النظر إلى مؤهلات المعينين , وقد أدي هذا الوضع إلى القصور الشديد في التعامل الحكومي , ذلك أن أى مواطن يريد أن يحصل لأطفاله على مكان في المدارس أو يحتاج إلى دخول مستشفي أو لتخليص بعض مطالبه العملية لدي الحكومة أو يود مغادرة الريف أو التعيين في أحد المناصب لابد له من واسطة أو هو يعتقد هذا على الأقل , ويرجع هذا إلى سبيين أساسيين :

1- فقدان الثقة في القانون أو في احترامه طالما أن القائمين على تنفيذه يسودهم الفساد .
2- تمركز السلطة في يد الزعماء الأقوياء , الأمر الذي جعل ذوى المناصب الأقل أهمية لا يجرؤن على تحمل أى مسئولية فأصبحوا مجرد أدوات مسلوبة الإرادة والرأي .

وفي إطار هذا التصور السياسي لا نجد للنظام الملكي حضورا بارزا , لأسباب عديدة .

فنحن قد ذكرنا من قبل أن حسن البنا لم يفقد إخلاصه للملكية لفترة طويلة من حياته , إلا أنه باتساع القوى التي ضمنتها الحركة كان لابد وأن تأخذ الحركة موقفا ضد السراى , .

وتعتبر كتابات محمد الغزالي التي ظهرت أول ما ظهرت عام 1948 هجوما غير مباشر على السلطة الملكية , وهذه الكتابات وأن لم تعكس روح قيادة الجماعة فهي على الأقل تعكس روح أعضائها , .

وكانت هذه الحقيقة معروفة للسراي , نم عن ذلك قرار حل الجماعة الصادر عام 1948 , وقد حررت ثورة 1952 كتاب الحركة من القيود التي كانوا يخضعون لها قبل ذلك في تناول هذا الموضوع , فأباحت حملة تجريم فاروق باعتباره مصدر كل الفساد الذي ساد البلاد .

إلا أنه يجدر بنا أن نذكر ملحوظة أخرى هامة فيما يتعلق بصورة " الملكية " لدى الجماعة , وهي صورة تعكس تناقضا هاما في فكر الإخوان , ذلك أن محمد على مؤسس الأسرة المالكة في مصر كان ينظر إليه من وجهات نظر مختلفة , فهو في نظر البعض الحاكم المصري العظيم الذي جدد شباب شعب عظيم , فقد استطاع محمد على بإمكانيات شعب يبلغ ثلاثة ملايين نسمة أن يضع الأمة على طريق الحضارة والتمدين , .

ولم يكن ذلك بإقامة المصانع وإنشاء البحرية والجيش فحسب , ولكن بإعلائه أيضا شأن الكرامة والمكانة المصرية ,وبمحاذاة هذه الصورة الوطنية والقومية العلمانية الايجابية عن محمد على توجد له صورة أخرى سلبية من الوجهة الدينية تظهره باعتباره الأداة التي تسللت من خلالها الأفكار الغربية لتعمل على تدمير قيم الإسلام .

وهكذا نرى أنه بالرغم من اعتراف الإخوان بقيمة عمله الذي يثبت أن مصر كانت أمة حية , إلا أنهم في الوقت نفسه كانوا يعتقدون أنه ضل عن غاية الإصلاح الحديث وأخفق في مهمة تحويل الإسلام إلى نظام اجتماعي سياسي فعال .

ونفس الخليط من الذم والمدح وجه إلى الثورة التركية وقائدها مصطفي كمال , فقد استحق المدح على توحيده للأمة واستحق الخط أيضا على تنكره للإسلام وبذلك كان الصراع بين الدوافع المختلفة يعكس بوضوح عقدة العوامل المتباينة التي سادت الجماعة , الأمر الذي سنتناوله في خاتمة هذه الدراسة .

الرأسمالية وسيطرة الاقتصاد الأجنبي

كانت الصورة الاقتصادية لمصر كما رسمها الإخوان تتكون من عنصرين :

1- سوء توزيع الثروة والأرض , أى الرأسمالية المصرية ونتائجها السيئة على الاقتصاد والشعب المصري.
2- الاستغلال الاقتصادي الأجنبي النابع من الاستعمار وشركائه المحليين من الأجانب المستوطنين .

كان التصور عن الرأسمالية المصرية يتركز في ملاك الأرض , تلك القلة التي كانت لا تزال تملك معظم الأرض بنفس الأسلوب الذي عرفته عصور القهر والإقطاع , فهي تستغل الأرض والفلاحين لصالحها الخاص دون أن تأخذ هذه القلة في الاعتبار مهمتها الحقيقية ووظيفتها الاجتماعية وشملت صورة الرأسمالية أيضا فئات أخرى , .

فالمال الذي تحتاجه مشروعات التنمية يملكه الرأسماليون الذين لا يؤدون واجباتهم تجاه الدولة أو الشعب لأن الحكومة تمثلهم ولا تمثل الجماهير المعوزة , فالفقراء هم الذين يدفعون الضرائب أما الرأسمالي الذي يضع مصالحه الخاصة فوق مصالح الأمة فهو لا يهتم بالتوظيف الأمثل لمصادر الدولة الطبيعية والبشرية , .

وبينما نجد أن الدستور حرر الشعب نظريا من عبودية الإقطاع ,فإن العبودية ظلت مستمرة دون أن تقابلها تلك المزايا التي كان يوفرها السيد الإقطاعي لعبيده في الاهتمام بشؤون أجسادهم وأرواحهم فالشعب الذي يستغله الإقطاعيون والرأسماليون يعيش في أزمات اقتصادية مستمرة وفي مستوى منخفض جدا من المعيشة , فريسة للقذارة والأمراض , .

والعمال يعيشون في مساكن بلا ماء أو إنارة أو أية تسهيلات تضمن لهم الحد الأدني من المعيشة الكريمة والصحة الطيبة , يعيشون وسط أكوام القاذورات والذباب , في حوارى المدينة وأزقتها التي تستحق النسف بالديناميت ليعاد بناؤها من الأساس .

وتعود هذه الأوضاع إلى مساوئ عدة :

1- شل قدرات الأمة في مجالات العمل والإنتاج.
2- تدمير الكرامة والحقوق الإنسانية .
3- إفساد الشخصية والضمير .
4- إنكار حق الأمان الفردي .
5- دفع الشعب إلى أحضان الشيوعية
6- انتهاك روح الدين .

وباختصار شديد فإن تلك الأوضاع لا يمكن ولا يجب أن تدون , ذلك أنها تتنافس مع كل مبادئ الإنسانية والعصر وطبيعة الأشياء وأبسط المبادئ الاقتصادية ولعل هذه الأفكار توضح لنا كيف تجاوز أعضاء جماعة الإخوان زعيمها بأفكارهم ذلك أن حسن البنا حصر نفسه في إطار تضييق الفجوة بين الغني والفقير ولم يتجاوز تلك الحدود بالهجوم المباشر على النظام الاقتصادي .

ولا يمكننا بالطبع الفصل بين نظرة الإخوان للرأسمالية المصرية وبين نظرتهم للسيطرة الاقتصادية الأجنبية إلا أن نظرتهم للسيطرة الاقتصادية الأجنبية تنطوى على عنصر هام آخر , فقد رأينا فيما سبق كيف أن حسن البنا لم يكن راضيا عن السيطرة الأجنبية الواسعة على الإسماعيلية وإلى أى مدى كانت صدمته وهو يري أسماء الشوارع – حتى في المناطق الشعبية – بلغة الاحتلال الاقتصادي .

أن أحاسيس الرفض للوضع الثقافي والاجتماعي والاقتصادي المصري مقارنا مع الأوضاع الأجنبية في البلاد واضحة تماما في عبارات هؤلاء العمال الذين توجهوا للقاء البنا , وكانت نتيجة لقائهم معه أن انطلقت حركة الإخوان .

والواقع أن هذا الموضوع كان يثير حسن البنا – على عكس الكثير من الموضوعات – بدرجة تكاد تقرب من درجة انفعال اتباعه , فالأجانب على حد قول البنا – سواء المستعمرين الذين احتلوا مصر أو أولئك الذين اكتسبوا جنيه مصرية – أخذوا أفضل موارد البلاد الطبيعية لأنفسهم ولبلادهم , .

فهم يستولون على الصناعة والتجارة والمرافق في الوقت الذي يستمرون فيه في معاملة المواطنين المصريين والعمال والحكام بلا احترام أو عدل وقد كانت المناقشات في هذا الموضوع – سواء التي أدارها حسن البنا أو أدارها أتباعه – تمس المشكلة الاقتصادية وما آلت إليه أحوال المصريين من دونيه وضعة , وذلك كرد فعل حاد ضد ازدراء سادة الاقتصاد الأجانب للمصريين , وضد خضوع المسلم للسيد الأجنبي .

ولسنا في حاجة للمبالغة في التركيز على أهمية هذه النظرة , فقد بلغ من شيوعها وإحساس الجميع القوى بها أن ظلت عنصرا ثابتا في ديناميكية الحركة , وكان لتلك النظرة دلالات عدة , فالأجنبي أو " الخواجة" يكون في الأغلب الأعم مسيحيا أو يهوديا وهكذا كان محتما على الجماعة , .

وهي التي تقف موقف الدفاع عن الإسلام , أن تتبني – فيما يتعلق بالأجانب – نظرة تدخل فيها عناصر الدين والثقافة بجانب الاعتراضات السياسية والاقتصادية , وربما تختلف إحدى السمات المميزة لتلك النظرة في أن الجماعة تفرق بين الأجانب وبين المصريين من المسيحيين واليهود , وسوف تتعرض فيما بعد لطبيعة تلك العلاقات التي قامت بين أغلبية دينية وبين الأقلية .

الجماعة والأخلاق

كان جلاء القوات البريطانية عن مصر عام 1954 , يعني بالنسبة للجماعة انتهاء الغزو العسكري السياسي الأخلاقي والاجتماعي , فالنسبة للأوضاع الاجتماعية كانت الجماعة ترى أن الاستعمار هو رأس الفساد , فعندما جاءت الجيوش الأوروبية إلى مصر جاءت معها بقوانينها ومدارسها ولغاتها وعلومها , .

لكنها في الوقت نفسه جاءت بالخمور والنساء والموبقات وهكذا تسبب دخول التقاليد الأوربية وقيم الغرب في نشر الرذيلة وتحطيم القيم الموروثة والتقليدية للمجتمع الإسلامي , كما أن الدمار حاق بالحياة الاجتماعية والأسرية بسبب السينما الرخيصة والمسرح والراديو والموسيقي كذلك تفاقمت المشكلات الأخلاقية والجنسية القذرة والموسيقي المثيرة وإباحة الخمر , والصور الخليعة التي تنشرها صحافة لا رقيب عليها .

وكذلك أدى الاختلاط بين الجنسين بغير قيود إلى انتشار الفجور و فعقدت النساء فضائلهن الإسلامية بمشاركتهم الخليعة في حفلات الرقص التي أصبحت تسود الكثير من المناسبات الرسمية وغير الرسمية , لأن المرأة الأوروبية تفعل هذا ونحن نريد أن تصبح مثل الأوربيين في كل شئ وهكذا تتمزق الأمة في حياتها الشخصية والوطنية بين النمط الإسلامي والنمط الغربي , وقد ظل البعض مسلما بينما فاق البعض الأخر الغربيين في غربتهم .

كذلك دخل هذا الازدواج الأخلاقي إلى بعض مجالات الحياة الاجتماعية الهامة كالتعليم والقانون فأصبحت الأمة تعاني من نظام مزدوج في التعليم : تعليم ديني يؤدي إلى الأزهر وتعليم مدني يؤدي إلى الجامعة , وكلا التعليميين منفصل عن الآخر , أحدهما بقية من بقايا التركة الإسلامية والآخر تقليد للغرب , ومثل هذا الوضع الذي تسوده الفوضى والتناقض يؤدي إلى التخلف الثقافي والتشوش والخراب والإلحاد .

وأخيرا أدت القوانين الغربية إلى تخريب فكر وعقل ومنطق الأمة , فحينما فرض علينا الاستعمار القوانين الغربية لم يعارضه في هذا العلماء الأكفاء أو زعماء البلاد ورجال القانون فيها , ويرجع هذا إلى جهل كل هؤلاء بطبيعة الشريعة ولارتباطهم الشخصي بالأفكار الأوروبية في النواحي القانونية , .

وهكذا نجد أن قانون مصر لا علاقة له بمواطنيها , فهو لا يمثل معتقداتهم ولا ينبع من قلوبهم لأنه قانون وضعي مأخوذ عن قوانين البلاد الأوربية وأقيم جنبا إلى جنب في ازدواجية قانونية مع قانون ديني موحي به , وكان من نتيجة هذه الازدواجية بين قانونين متناقضين أحدهما وضعي والأخر سماوي أن تعرضت وحدة الأمة للتفتت .

وهكذا نجد أن صورة مصر لدى الإخوان صورة تبعث على الحزن , فاللامبالاة الدينية والاستعمار عملا معا على ترك مصر في حالة نفسية منهارة أوقعتها فريسة لليأس القاتل والكسل المميت والجبن المزرى والخنوع الشديد والتخنت والبخل والأنانية , .

وقد غزت الحضارة الأوروبية بشدة وعنف الدولة المريضة للمجتمع الإسلامي وتركتها أشلاء , وتركت لنا الحضارة الأوربية عقلية عقيمة وذوقا سقيما ,وجعلت منا جتمعا ينظر إلى علته وتدهوره كفضائل وعلامات على التقدم , إن الفساد الأعظم يكون عندما ينظر المرء إلى فساده نظرة استحسان وقبول .

نظرة الإخوان إلى الغرب

نكتسب الصورة التي كونتها الجماعة عن الغرب والحضارة الغربية أهمية خاصة من حيث أن مفاهيم الحركة كانت في أغلبها رد فعل لانتشار القيم والأفكار الغربية التي صاحبت انتقال السطوة الغربية إلى الشرق ,.

وقد لاحظ أحد الكتاب أن الإخوان يفرقون بين الحضارة الغربية كما هي في بيئتها وبين الحضارة الغربية التي ألقيت على الشرق وفضلا عن ذلك يجدر بنا أن نلاحظ أن تعريف الإخوان للغرب يشمل " العالم الحر " " والعالم الشيوعي " بالرغم من أنهم يميزون عددا من الاختلافات بين العالمين .

الحضارة الغربية

للحضارة الغربية في بيئتها الخاصة الكثير من الجوانب الإيجابية والسلبية على السواء , فالعالم الحر – انجلترا والولايات المتحدة أساسا – لديه الكثير مما يتمتع به من المزايا في نطاق حياته الداخلية , فاحترام حرية الفرد وحق العمال في اتخاذ المواقف المناسبة للدفاع عن مصالحهم هي أمور ينبغي أن ينظر لها باحترام , بالإضافة إلى ما يوجد في الغرب من حياة ديمقراطية فعالة وحياة برلمانية تمثل الشعب تمثيلا سليما , .

الأمر الذي تترتب عليه روح المسئولية التي يتمتع بها الحاكم تجاه الشعب والروح الاجتماعية المنتشرة في الغرب فالأمة الإنجليزية – مثلا , وهي أمة كافرة – إذا ما قورنت ببعض البلدان الإسلامية لوجدناها تتفوق عليها وتفضلها في تطبيق العدالة والمساواة .

كذلك تعتبر مزايا العالم الشيوعي – رغم طابعها الدعائي والنظري – جديرة بالملاحظة , خاصة الاهتمام بالفقير والمساواة والمسئولية المتبادلة بين الطبقات والإخوة والنزعة الإنسانية دونما تفريق بين الناس , وقد أدت تلك الصفات إلى جعل العدالة الاجتماعية ممكنة على المستوى المادي وأن ظلت عقيمة فيما يتعلق بالجانب الروحي , وفي العبارة التالية يتخلص المنحي الإخواني في التعامل مع روسيا وربما أيضا مع أوربا المسيحية :" ليس هناك ما يدعو إلى العداء بين الإسلام وأفكار العدالة الاجتماعية مثلما تعادي المسيحية ( أى الغرب ) الشيوعية " ويرى كاتب إخواني آخر أن اشتراكية روسيا المطلقة ( غير الدينية ) بتركيزها على العدالة الاجتماعية هي البديل الوحيد للإسلام الاشتراكي المبني على التوحيد والإخوة البشرية ( الغزالي من هنا تعلم ترجمة إسماعيل فاروقي واشنطن 1953 صفحة 135 ) .

وهناك مقارنة من المقارنات التي كانت الجماعة تعقدها لتبين أسبقية الإسلام في المناداة بالأفكار الأساسية السائدة في الغرب وتوضح هذه المقارنة بعض وجهات نظر الجماعة الإيجابية فيما يتعلق بالغرب كما أنها تعكس بشكل محدد موقف الإخوان من النازية أو الحكم المطلق بشكل عام , .

هذه المقارنة تقول : إن النظام الاجتماعي العملي العادل الذي تحاول كل أنظمة العالم الاقتراب منه يوجد في الإسلام , وتضرب الصلاة الإسلامية خير مثال لهذا , فالشيوعية تدعو إلى المساواة وإلغاء الطبقات والامتيازات , وهذا هو الإحساس الذي ينتاب المسلم لدي دخوله المسجد , فهو يعلم أن المسجد بيت الله وأنه ليس هناك كبير أو صغير بين المصلين , فعندما يؤذن المؤذن تبدأ الصلاة ويتبع الجميع الإمام في الصلاة بوحدة ونظام ,.

وتلك هي أفضل صفات الدكتاتورية , ألا أن الإمام ليس طاغية ويجب على المصلين تقويمه إذا ما أخطأ , وتلك هي أفضل جوانب الديمقراطية .

أما وجهات النظر السلبية فيما يتعلق بالمجتمع الغربي فنراها تتخذ طابعا انتقاديا وتنبؤيا في الوقت نفسه , فالديمقراطيات الغربية من وجهة النظر هذه خلقت حياة سياسية مرضية إلا أن الديمقراطية خربت الأفراد والمجتمع بالتالي , فالإفراط في الفردية أدي إلى انعدام المسئولية الأخلاقية والتحلل والفساد الاجتماعي الأمر الذي ساهم في حلق أزمة في الحياة الأسرية كما ترتب على انحطاط وضع المرأة ضعف الأسرة وانهيارها كذلك أصبحت الديمقراطية مرادفا للرأسمالية وأسسها المستغلة التي تعترف قانونا بالربا , كما فشلت أعتي ديمقراطيات الغرب في حل المشكلة العنصرية على أساس العدل والمساواة , وهذا هو الوضع الذي أصبحت عليه أمريكا زعيمة إمبراطورية الرجل الأبيض , والمدافعة الأولي عنها .

أما العالم الشيوعي , عالم ( ديمقراطيات الشعب ) فيحفل هو الآخر بالأخطاء , فالنظام الشيوعي يتسم بالإلحاد والطغيان السياسي الداخلي والديكتاتورية الأممية , أما حرية العمل والتفكير والتعبير فهي أمور لا وجود لها , ذلك أن التصور الروسي للمساواة هو تصور مفرط في ماديته إلى درجة غير معقولة , كما أن المبادئ الأساسية لهذا النظام هدامة ومحرضة على الثورة .

إن النظام الغربي بأكمله ( شرقية وغربية ) تسيطر عليه المادية : فالعالم الغربي أصبح في القرون الأخيرة ماديا قلبا وقالبا- فماتت العواصف والمشاعر وانقرضت القيم , والمشكلة الرئيسية هنا تكمن في أن قيمهم وأهدافهم محدودة وقاصرة لأن مقاييس العدل والمساواة وباقي الفضائل الإنسانية يقررها لديهم البشر وليس الله .

وكل تلك التصورات السلبية عن الغرب يمكن أن تلخصها عبارة حسن البنا التي قالها مبكرا ( أيام 1936 ): أن مدنية الغرب التي زهت بجمالها العلمي حينا من الدهر , وأخضعت العالم كله بنتائج هذا العلم لدولة وأممه هي الآن تفلس وتندحر وتندك أصولها وتنهدم نظمها وقواعدها , فهذه أصولها السياسية تفوقها الديكتاتوريات , وأصولها الاقتصادية تجتاحها الأزمات ويشهد ضدها ملايين البائسين من العاطلين والجائعين , وأصولها الاجتماعية تقضي عليها المبادئ الشاذة والثورات المندلعة في كل مكان , وقد حار القوم في علاج شأنها وضلوا السبيل , مؤتمراتهم تفشل ومعاهداتهم تخرق , ومواثيقهم تمزق , وعصبة أممهم ( مشيرا إلى عصبة الأمم التي حلت محلها الأمم المتحدة الآن ) شبح لا روح فيه ولا نفوذ له ..

لقد كانت قيادة الدنيا في وقت ( ما ) شرقية بحتة ثم صارت بعد ظهور اليونان والرومان غربية , ثم نقلتها النبوات الموسوية والعيسوية والمحمدية إلى الشرق مرة ثانية , ثم غفا الشرق غفوته الكبرى ونهض الغرب نهضته الحديثة فكانت سنة الله التي لا تتخلف وورث الغرب القيادة العالمية وها هو الغرب يظلم ويجور ويطغي ويحار ويتخبط فلم يبق إلا أن تمتد يد ( شرقية ) قوية يظلها لواء الله وتخفق على رأسها راية القرآن ويمددها جند الإيمان القوى المتين "هكذا نجد أن " المادية والشراهة والطغيان " التي اتصف بها الغرب هي التي شكلت المفاتيح الأساسية لموقف الإخوان السلبي تجاه الغرب سواء قبل الحرب العالمية الثانية أو بعدها والواقع أن ذلك الموقف يعكس المستويين الهامين المترابطين من الفكر السائدين بين الإخوان وهما : علمانية الغرب المادية ورفض الاحتلال الغربي , وطالما أن رفض علمانية الغرب يتأسس على رفض الاحتلال , فإننا نستطيع أن نبحث داخل قضية " الاستعمار والحضارة الغربية في الشرق " عن حجر الأساس في البنيان الفكري للجماعة .

الاستعمار

لسنا في حاجة - في هذا المجال – إلى الإسهاب في الحديث عن الكراهية التي كانت الجماعة تكنها للإحتلال , فالاحتلال الأجنبي يعني بالنسبة لمصر الإبادة البطيئة والفساد العميق التام , وفضلا عن ذلك فإن [[الإخوانيي باعتبارهم حركة عالمية أولوا الكثير من الاهتمام للإستعمار باعتباره ظاهرة تمس البلدان الإسلامية , .

كما أنهم يعلنون دائما هجومهم الملتهب على القوى الاستعمارية التي تتسم بلا أخلاقية سياسية عالمية , وكان هذا الهجوم يوجه إلى القوى الاستعمارية الغربية التقليدية بريطانيا وفرنسا ,وأيضا الاستعمارين الايطالي والهولندي , أما بعد الحرب العالمية الثانية فقد أتنقل محور الاهتمام إلى كل من الولايات المتحدة باعتبارها قائدة العالم الحر , وإلى الاتحاد السوفيتي .

أما الاستعمار الروسي فإن النظرة إليه كانت نظرة تاريخية وإسلامية بحتة , فروسيا القيصرية كانت من أعنف القوى في عدائها للإسلام , تلك الحقيقة التي ترتبط أشد الارتباط بالتعصب المسيحي الصليبي ( الذي سنرجع إليه فيما بعد ) ولقد استمرت الأوضاع كما هي بل زادت سواء تحت ظل الاستعمار الروسي البلشقي فقد تحولت الإمبراطورية الروسية بالنسبة للمسلمين المستعبدين إلى " مجزرة للدين ".

كذلك يتحمل الاستعمار الأمريكي نصيبه مع الاستعمار الروسي في مسئولية ما آلت إليه القضية الفلسطينية , وهكذا كانت فلسطين هي نقطة البدء في التوحيد ما بين الولايات المتحدة والاستعمار السياسي , فقد انضمت الولايات المتحدة – بعد روزفلت – إلى ركب الاستعماريين المساهمين في خلق إسرائيل ,.

وأخذت في مساندة الاستعمار كلما احتل بلدا من بلاد المسلمين " ترومان " و" أربعة ملايين صوت انتخابي " و" الضغط الصهيوني " و" الذهب اليهودي والنفوذ الصهيوني " كل هذا يفسر مساندة أمريكا لإسرائيل , فأمريكا التي تؤمن نظريا بحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية وميثاق الأمم المتحدة لطخت مبادئها بالانضمام إلى الإنجليز في مساندة العدوان الصهيوني وإعطاء فلسطين لليهود , .

وكان من بين الأشياء التي ألهبت الرأي ضد أمريكا , أثر الصحافة الأمريكية – التي يسيطر عليها الصهاينة – والراديو والسينما في تدمير سمعة وشرف كل ما هو مسلم أو شرقي في الحملة التي شنتها كل تلك الوسائل من أجل الاستحواذ على فلسطين , كذلك كان لخطة التبرعات الصهيونية التي كان شعارها في فترة ما : ( ادفع دولارا واقتل عربيا ) أبلغ الأثر في هذا المجال .

وهكذا أصبحت القضية الفلسطينية نقطة بدء للهجوم على الولايات المتحدة وكذلك كانت الجماعة تحمل بمرارة على الولايات المتحدة لمساندتها للإنجليز في مصر وللفرنسيين في شمال أفريقيا ..

وبسبب انتهاك الحرية الذي مارسه العالم الحر في البلاد الإسلامية , التفرقة العنصرية الموجودة في أمريكا اعتبرت الولايات المتحدة زعيمة وحامية لإمبراطورية الرجل الأبيض , .

إلا أننا يجب أن نذكر هنا أن الموقف من الولايات المتحدة والنظر إليها وتلك الظروف كان مبنيا على الاعتقاد بأنها دولة حمقاء أكثر منها دولة شريرة وكان من الأسهل تفسير سياسات الدولة الرأسمالية المتزعمة للعالم الغربي سواء فيما يتعلق بالبلدان المستعمرة أو استمرار الحرب الباردة مع روسيا بأن هذه السياسات تدور في إطار الإمبريالية .

كذلك كانت الرأسمالية الأمريكية هي أيضا النموذج الأمثل للاستعمار الاقتصادي , فقبل الحرب العالمية الثانية كان تصور الحركة للاستعمار الاقتصادي مرتبطا بالنقمة على " استغلال " مصادر الأمم من جانب " الاضطهاد بين الإمبرياليين " ومع ظهور الحرب الباردة وما واكبها من تودد كل من المعسكريين لدول آسيا , تبلورت المسألة على نحو أوضح حول القضية النظرية المتعلقة بالرأسمالية والشيوعية وكلاهما مرفوض من جانب الإخوان , .

وكما سبق أن لاحظنا , لم تكن الدوافع الاقتصادية وحدها هي سبب ذلك الرفض , فالرأسمالية كانت تساوى عندهم الفردية المفرطة وبالتالي الفوضى الاجتماعية بينما كانت الشيوعية تعني الالحاد , وكلاهما نظام مادي, وفضلا عن ذلك فان الإحساس بالمرارة تجاه الرأسمالية المصرية وطغيانها أدي بالجماعة إلى أن تنظر للرأسمالية الغربية وخاصة الولايات المتحدة على أنها العدو الحقيقي الذي يسعي من خلال برامج المساعدات التكنولوجية والاقتصادية إلى تطويق الاستقلال الاقتصادي للبلدان المعانة , .

ولتأسيس وتكريس سيطرتها التجارية من خلال إغراق السوق المحلية بالسلع , كذلك يجدر أن نلاحظ أن إسرائيل ينظر إليها على أنها أداة لفرض الهيمنة التجارية على الشرق الأوسط , .

وعلى ذلك وفي انسجام مع المنطلقات الدينية للإخوان وعلى ضوء تصورهم القائل بأن الشيوعية ليس لها عقيدة والرأسمالية لها عقيدة منافقة كاذبة – كانت هناك وجهة نظر أساسية محددة وواضحة حول الاستعمار الاقتصادي مؤداها : أن الشيوعية خطر يقف على أبواب الأمة بينما الرأسمالية خطر يقع داخل حدودها , ونحن نعتقد أن النهوض بالأمة من أزماتها الاقتصادية يتمثل في حمايتها من كلا الاستعمارين الأحمر والأبيض .

كذلك اهتمت الحركة بنوع آخر من الاستعمار لم يكن عادة موضعا للهجوم الوطني : ذلك هو الاستعمار الثقافي وهو الاستعمار الذي دخل عقول الناس بتعاليمه وأفكاره حاول السيطرة على الموقف الاجتماعي في البلاد وعلى هذا الصعيد الهام كان رد الفعل ضد هذا النوع من الاستعمار شديد الوضوح .

وأصبح هذا الموقف من الاستعمار الثقافي أكثر وضوحا خلال حرب فلسطين وبعدها , فعلي سبيل المثال , نظر إلى نشاط الأمم المتحدة في فلسطين على أنه تجسيد آخر للحرب العالمية الصهيونية ضد الشعوب العربية والإسلامية ووضح الربط الكامل بين الصهيونية والاستعمار الغربي الصليبي في الاستخدام الثابت لعبارات مثل : الصليبية الأوروبية والصليبية اليهودية وبطبيعة الحال كان هناك أساس تاريخي نوعي لهذا الموقف ولنفس التضمينات التي انطوى عليها – فبقدر ما كان الإخوان يرون في الدين شيئا يتجاوز مجرد الواجهة للمجتمع أو الثقافة ليصبح مرادفا لهما , .

فإن " الصليب " كانت له معانيه السياسية والثقافية المرتبطة به , على ذلك فإن الصليبية الاستعمارية الغربية بدت كمحاولة لا تستهدف فحسب غزو الأراضي الإسلامية بل تسعى أيضا لإخضاع المجتمع الإسلامي , وفي كلمات أشد لهجة من العبارات الجاري استخدامها في هذه الدراسة يقول أحد كتابهم :

" من المؤكد أن الغرب يسعى لإذلالنا واحتلال أراضينا , والبدء في تدمير الإسلام بإلغاء قوانينه وطمس تقاليده , وفي قيامه بذلك , فإن الغرب يتصرف بوحي من " الكنيسة " .

وسلطة الكنيسة نافذة في توجيه السياسات الداخلية والخارجية للكتلة الغربية بقيادة انجلترا وأمريكا ... ومنذ مائة عام مضت كان هناك عداء مستحكم بين الدولة والكنيسة ... أما اليوم فمن الواضح أن العلاقات بينهما تقوم على التحالف الودي "

لقد أفلحت الصليبية التاريخية في أوربا في إطلاق العنان لضراوة حاقدة ضدنا ظلت تحتدم دون انقطاع حتى عصرنا الحاضر , واليوم يمتزج الحقد القديم بالجشع والتعصب , ولينجم عنها الاستعمار المسيحي , ويربط هذا الاعتقاد بالموقف تجاه الصهيونية المعتدية , لينتهي سيد قطب إلى النتيجة التالية : وما كان اللورد اللينبي إلا مثلا لضمير أوروبا كلها وهو يدخل بيت المقدس في الحرب العظمي الماضية , فيقول : اليوم فقط انتهت الحروب الصليبية .

وحول التساؤل عن كيفية استمرار الروح الصليبية في أوروبا والتي تخلت عن " مسيحيتها " يجيب سيد قطب :" أن الشر الذي بعثه الصليبيون لم يقتصر على صليل السلاح لكنه كان قبل كل شئ وفي مقدمة كل شئ شرا ثقافيا ... أن الاستعمار الأوروبي والأمريكي الصليبي لا يملك أن يغفل من حسابه أن الروح الإسلامي صخرة مقاومة لمد الاستعمار "

" والذين يحسبون أن النفوذ المالي لليهود في الولايات المتحدة وسواها هو الذي يوجه الغربيين هذا التوجيه , والذين يحسبون ان المطامع الإنجليزية هذا التوجيه , والذين يحسبون أن المطابع الإنجليزية والمكر الانجلوسكسوني هو الذي يوجه الموقف والذين يحسبون أن الصراع بين الكتلة الشرقية والكتلة الغربية هو الذي يؤثر ...

كل أولئك يغفلون عنصرا حقيقيا في المسألة يضاف إلى هذه العناصر جميعا هو الروح الصليبية التي تحملها دماء الغربيين " وعلى ذلك فليس هناك فرق بين روسيا والولايات المتحدة فكلاهما يشارك في حملة صليبية مشتركة " ضد روح الإسلام " على أن لب الموضوع لا يتمثل في تقدم الديانة المسيحية على حساب الإسلام , وإنما يتمثل في تخلف وتقهقر الحضارة الإسلامية أمام الحضارة الغربية , .

وقد حذر البنا اتباعه منذ وقت مبكر وكرر تحذيره من أن الاستقلال السياسي الرسمي لا قيمة له إلا إذا صاحبه استقلال فكري واجتماعي وثقافي وإحدى عباراته الشهيرة تقول " اطردوا الاستعمار من أرواحكم يغادر في الحال بلادكم " ولقد استخدم الهضيبي هذه العبارة نفسها بعد ذلك وتبني كتاب آخرون فيما بعد نفس النغمة , فالغزالي يري أن هذا العصر قام على الغزو الثقافي الذي يحمل أسماء مسلمة , لكنه لا يملك القلب المسلم أو العقل المسلم , .

أن الغزو الثقافي يصنع من المسلمين أناسا يجهلون دينهم ويحشو عقولهم بحقائق جزئية , يتركهم وقلوبهم خوالي كذلك يحذر " سيد قطب " الإخوان من أن " الاستعمار الروحي والفكري هو خطر حقيقي " لأنه – على عكس الاستعمار العسكري أو السياسي الذي يثير المعارضة والمقاومة – يغرر ويسكن ويخدع ضحاياه " أن الحرب المقدسة ينبغي أن تعلن على الجهاز الذي يوجه عمليات التغرير ... والأساليب الحديث لاستعمار العالم الحر مثل المساعدات المالية والفنية واليونسكو , وأقلام والسنة الديمقراطيات الشعبية ".

وأكثر هذه الأساليب خطورة في نظر قطب هي بعثات التبشير والمستشرقين والعلماء الاجتماعيين الذين يتلمسون الجوانب الحساسة في بلادنا , والاهتمام بنشاط المستشرقين هو تطور حديث نجم عن الإدراك الذي تزايد والحساسية المتنامية لما يقوله الغربيون عن الإسلام والمسلمين , وعن الإخوان المسلمين , .

وقد تركز الاهتمام على الدراسين الغربيين نتيجة لما سمي بسوء تفسير التاريخ الإسلامي والنقد الذي تعدى على قدسية الإسلام , والواقع أن النقطة الأخيرة كانت أهم الاعتراضات التي ثارت ضد الأبحاث الغربية أما الكتاب المصريون الذين شاركوا أو تبنوا الأفكار الزائفة للمستشرقين حول الإسلام فقد اعتبروا ضحايا – بوعي أو بدون وعي – لإغراء الاستعمار الثقافي الغربي , ومن الكتاب المعروفين الذين اتهموا بهذا : طه حسين وعلى عبد الرازق وخالد محمد خالد وأمين عثمان .

على أن بعثات التبشير كانت العميل الأساسي للاستعمار الثقافي وكانت الموضوع الأساسي لانتقاد الإخوان , وكان طبيعيا , كما يذكر البنا , أن يحدث صدام بين الطرفين ( الجماعة والمبشرين ) في ضوء الحقيقة القائلة بأن أحدهما يدافع عن الإسلام والثاني يهاجمه وليس هناك ما هو أوضح أو أبسط من ذلك في التعبير عن تصور الجماعة لبعثات التبشير .

وهناك وجه آخر للمسألة يجدر ملاحظته , فالمبشرين كان ينظر إليهم عادة بوصفهم مبشرين مسيحيين غربيين لذا كان من الضروري ليس فقط حماية المسلمين في مواجهتهم بل وحماية المسيحيين الشرقيين أيضا , .

وهذا التمييز بين المسيحيين الغربيين منهم والشرقيين كان مهما بالنسبة للجماعة , وهنا فحسب يمكن القول بأن الإخوان قد شجعوا أو أيدوا الكتاب المسيحيين والمسلمين الذين هاجموا التخريب الغربي – وخاصة البرتستاتني – للتراث الأرثوذكسي والقبطي المحلي .

الفصل التاسع ... وما هو الحل ؟ العودة إلى الإسلام

كانت صورة العالم الذي يعيش فيه الإخوان تتميز بالانحلال والضعة , والفساد الذي لحق بالعقيدة الإسلامية كان خطيرا , والأسوأ من ذلك أن هذا الفساد لم يسفر فحسب عن عصيان تعاليم تلك العقيدة بل أدي أيضا إلى أن تستبدل بتلك التعاليم قيم أجنبية , جلبها الغزاة معهم دون أن يتصدي قادة البلاد السياسيون والثقافيون والروحيون لها بالقدر المطلوب , فمصر تقف على مفترق الطرق – على حد قول البنا للملك فاروق – فهناك اتجاهان يتنازعانها , اتجاه الغرب واتجاه الإسلام , ودعاة كل من الاتجاهين يطالبون الأمة باختيار هذا الاتجاه أو ذاك , .

والإخوان المسلمون الذين يعتنقون الإيمان الحق ينشدون أن تعود الأمة إلى الإسلام , ومصر تلعب دورا فريدا من حيث أن بعث الإسلام يبدأ بمصر بنفس القدر الذي يبدأ به إصلاح مصر بالإسلام إذ أن " البعث العالمي للإسلام " – سواء بالمعنى المثالي أو التاريخي للكلمة – يلزمه أولا دولة مسلمة قوية .

والإسلام النقي الذي ندعو إليه هو " إسلام الإخوان المسلمين " وهو ليس إسلاما جديدا , إلا أنه يختلف عن الكثير من التعاريف التاريخية التي يعرف بها المسلمون الإسلام , فهناك من يرون الإسلام مجرد عبادة وطقوس , وهذا هو المعني المنتشر للإسلام لدى غالبية المسلمين , ويري البعض الآخر في الإسلام مجموعة من الفضائل النبيلة تقيهم من الشهوات المادية , .

كما يري البعض الآخر الإسلام في جوانبه العملية المطبقة في الحياة الدنيا فقط , كما أن البعض ينظر له بوصفه عقيدة موروثة لا تتبدل ولا تتقدم الأمر الذي يؤدي إلى نفورهم من الإسلام وكل ما يتصل به , وتشيع تلك النظرة بالذات بين من تلقوا تعليما أجنبيا فلم يعرفوا الإسلام في حقيقته أو هم عرفوه من خلال الصورة المشوهة التي يعرضها أولئك الذين يمارسون الإسلام بأسلوب خاطئ .

" فنحن نؤمن أن تعاليم الإسلام تتضمن كل ما يختص بشؤون الناس في الدنيا والآخر , أما أولئك الذين يؤمنون بأن تعاليم الإسلام تختص فقط بالنواحي الروحية والطقوسية فهم مخطئون , ذلك أن الإسلام إيمان وعقيدة وطن ومواطنة , دين ودولة , روح وعمل , مصحف وسيف ... والقرآن المجيد يعتبر كل تلك الأشياء لب الإسلام وجوهره ".

لذا يجب أن نقاوم ايديولوجيات الغرب , فهي أسلحة الفساد وهي الستائر الحريرية التي يختفي وراءها جشع الغزاة وأحلام المتسلطين ... أن إخلاص العرب والمسلمين الحقيقي واحترام الشرق لن يتأتي إلا بالتخلص من تلك الأشياء , وبأن ينهض الشرق من تلقاء نفسه معتمدا على رضاء الله وحده , والمسلمون يستطيعون مقاومة الأيديولوجيات الأجنبية , ذلك أنهم لا يحتاجون إليها ,.

فالإسلام يقيم في تعاليمه أفضل معالم تلك الأيديولوجيات , " فالإسلام تناول بعمق كل تلك القضايا التي تشغل أذهنان قادة تلك الأمم وفلاسفتها بدءا من الأمية والقومية والاشتراكية , ومرورا بالرأسمالية والبلشفية والحرب وتوزيع الثروة والعلاقة بين المنتج والمستهلك , وانتهاء بكل ما يتعلق بتلك الموضوعات , فالإسلام أعطي للعالم نظاما يمكن للإسلام من خلاله الانتفاع بكل ما هو حسن وتجنب المخاطر والمصائب ".

وفضلا عن ذلك :" إذا كانت الثورة الفرنسية قد أعلنت حقوق الإنسان في الحرية والإخاة والمساواة , وإذا كانت الثورة الروسية قد قربت بين الطبقات وحققت العدل الاجتماعي للناس , فإن الإسلام العظيم قد فعل هذا منذ ألف وثلثمائة عام , والإسلام لم يحصر نفسه داخل نظريات فلسفية بل عمل على نشر تلك المبادئ من خلال الحياة القومية , أضاف إلى تلك المبادئ قدسية الإنسان وكمال فضائله "وهكذا نجد أن الإسلام يشتمل على كل فضائل النظم الأخرى .

ويكفي بمفرده أساسا لنهضة الأمة :" ويثبت تاريخ الإسلام صلاحيته حيث أنه أعطى للإنسانية جمعاء أمة من أقوى الأمم وأكثرها نبلا وفضيلة , فنحن حينما نبني حياتنا وفقا لمبادئنا الخاصة , إنما نؤكد على استقلالنا الموجودي والاجتماعي بجانب استقلالنا السياسي , .

فالمنهاج الإسلامي منهاج كامل وشامل قائم على أسس علمية وروحية , الأمر الذي ينفرد به الإسلام دون باقي الأنظمة والإسلام بمقدوره تلبية كافة احتياجات بعث الأمة , فهو يمدها بالأمل ويخلق فيها الرغبة والإرادة اللازمة , فاليأس يقود إلى التحريف وفقدان الأمل تعبير عن الخطأ , وأخيرا نجد الإسلام يمنحنا احتراما ذاتيا قوميا , ذلك أن أى أمة يجب أن نحترم قوميتها وأمجادها وتاريخها .

والخطوة الأساسية التي يجب أن تبدأ بها النهضة هي الإيقاظ الروحي الواسع للأفراد , وتلك الخطوة تنطوى على أهمية تفوق بكثير أهمية الإصلاح العملي , فالله لا يغير ما يقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وخلاص الأمة لا يتأتي إلا بخلاص الفرد , والضعف الذي ينتاب الأمم يرجع إلى ضعة شعوبها فتصبح القلوب والأرواح وخالية من الفضائل النبيلة والصفات الإنسانية الأصيلة و فالأمة التي تغرق في الماديات وتتناسي البذل والنضال من أجل الحق , تفقد احترامها الذاتي وأملها , أن القوة المادية , رغم حاجة الشرق الماسة إليها , تأتي في المرتبة الثانية بعد تعبئة القوى الروحية , فعند ما يستعيد الفرد توازنه الروحي يمكن أن ينتقل الإصلاح الذي شمله إلى عائلته ثم إلى الأمة جمعاء وستظل معاناة الأمة قائمة طالما ظل أفرادها دون الصفات اللازمة لخلق أمة عظيمة .

لقد غرس محمد الرسول مبادئ ثلاثة في قلوب اتباعه هي : أنهم قد تلقوا خاتمة الحقائق من خلال الرسالة السامية التي ختمت كل الرسالات , وطالما أنهم يمتلكون الحق فإن مهتمهم في الحياة تنحصر في تعليم ذلك الحق أن الله يقف بجانبهم , وكان الإخوان المسلمون يركزون أيضا على الدعامات الأساسية التالية أكثر من تركيزهم على أركان الإسلام الخمسة : الإيمان بعظمة الدعوة , الكبرياء والكرامة في تبنيها , والأمل في معاونة الله ".

لهذا كله فإن خلاص الإسلام لن يتأتي إلا برجوع المسلمين إلى منابع الإلهام التي نهل منها المسلمون الأوائل فالقرآن الكريم كتاب شامل يجمع كل أسس الإيمان والفضائل الاجتماعية والتشريعات الدنيوية , وإذا كان المسلمون قد ابتعدوا عن تلك الحقائق فإن مهمتنا هي العودة نحن وكل من يتبعنا إلى الطريق القويم , " وتلك دعوة للعودة إلى المبادئ الإسلامية لا إلي القرن السابع كما يقول البعض خالطين بين البداية التاريخية للإسلام وبين النظام الإسلامي نفسه .

النظام الإسلامي

تمثل الهدف النهائي للإخوان بإرساء دعائم " النظام الإسلامي " ولقد استخدم هذا التعبير في حالات كثيرة على نحو فضفاض بمعنى " الدولة الإسلامية " إلا أنه غالبا ما استخدم للإشارة إلى مجموعة المبادئ التشريعية ( غير السياسية ) والتي تعتبر أساسية للمجتمع الإسلامي أيا كان شكل النظام السياسي , فتطبيق الشريعة من عدمه هو المحك الرئيسي في تعريف النظام الإسلامي :

والواقع أن التمييز بين النظام الإسلامي والدولة الإسلامية بمفهوم القرون الوسطى هو سمة هامة يمكن أن تميز تحليلنا للجماعة عن التحليلات الأخرى التي تعتبر الجماعة حركة رجعية متعصبة تكرس جهودها لخلق نظام سياسي على شاكلة نظام القرن السابع الميلادي , .

والواقع أن تلك التحليلات – وبغض النظر عن القضية المتعلقة بتوجيهاتها الثورية – لا تفسر لنا تجاهلها النسبي , وهو ما سنعرض له بعد قليل , لموضوعات أساسية مثل موضوع الخلافة , وهو ما يؤدي إلى انتقاء أية إمكانية لتحليل تلك التركيبة المعقدة من الدوافع التي تحفز جمهرة الأعضاء فحتى لو استبعدنا الأعضاء الذين يهتمون أساسا بقضايا الوطن والحياة الدنيا , .

فلن نجد سوى قلة قليلة بين الإخوان " التقليديين " وقسم كبير منهم يهتم بأمور العالم " الحديث " – يمكن أن يعنى موضوع الخلافة بالنسبة لهم هدفا ممكنا أو يمكن التطلع إليه – ومن المفيد في هذا الصدد أن نشير إلى وجهة نظر حسن البنا , التي عبر عنها الهضيبي وبعض كتاب الجماعة , تلك التي ترى أن النظام البرلماني الموجود في مصر يمكنه ببعض الإصلاحات الوفاء بالمتطلبات السياسية التي يتطلبها الإسلام في الدولة الإسلامية .

لذا سيصبح لزاما علينا – إذا صح هذا الكلام – أن نجد هدفا آخر لنشاط الجماعة السياسي بديلا عن قلب النظام الموجود باسم الثيوقراطية أن الوجه " الديني " لهذا النشاط يمثل بصفة أساسية في القضية الكبرى الخاصة بالقاعدة الرئيسية في المجتمع الإسلامي والتي تنص على مركزية موقع الشريعة في بنية هذا المجتمع فالأخ المسلم يمكن أن يتقبل الكثير من التطورات في بعض جوانب المجتمع أو التنظيم السياسي إلا أن إخلاصه لما يتصور أنه الإسلام يأبي عليه تجاهل القيمة الخالدة لشريعة الله التي أنزلها في القرآن وبناء عليه تعتبر الجماعة أن كل من يرفض الأسس الدينية للمجتمع الإسلامي من خلال رفضه للشريعة وتفضيله للقوانين الغربية , لا ينتهك فقط التاريخ الإسلامي , بل يدمر جوهر المجتمع الإسلامي برفضه هذا , فالمسلمون حينما يفرقون بين الدولة والرأسمالية يغضبون الله ويشركون به .

فإذا ما عدنا مرة أخرى إلى الفرق الذي ذكرناه بين النظام الإسلامي والدولة الإسلامية نجد أن الاهتمام الأساسي للجماعة لا يتركز في تنظيم دولة إسلامية وإن كانت الجماعة قد أولت بعض الاهتمام لهذا – وإنما يتركز في قضية طبيعة ومصير المجتمع الإسلامي في القرن العشرين أى في " النظام الإسلامي " الذي يعتمد بجانب العناصر الأخرى على عنصرين هامين هما : الشريعة وصلاحيتها للعصور الحديثة – قضية الفصل بين الدولة و ( المؤسسات الدينية )

الشريعة

قد يكون من الصعب إيضاح القناعة الراسخة لدي الإخوان بأن الحضارة الإسلامية بالذات وعلى عكس الحضارات الأخرى التي أمكنها التخلي عن مؤسساتها الدينية لتعدد أصولها , تصبح عديمة المعنى أن لم تتخذ الشريعة مركزا لإلهامها .

ويوضح هذا الاعتقاد الأهمية القصوى للشريعة , في المجتمع الإسلامي الصحي , وقد أطلق بروفيسور ويلفريد كانتويل سميث على هذا الاتجاه " المطلب الثيولوجي الملح " في الإصلاح الاجتماعي الإسلامي الراهن ويتميز هذا الإصلاح ببعدين هما العلاقات الخارجية للمجتمع ونظامه الداخلي , .

فالإسلام بمفاهيمه يحتم على المسلمين التصدي للمشكلة أو الموت دونها , فالعمل لا يكون من أجل مصلحة المجتمع فقط بل هو في نفس الوقت اختبار لقوة إيمان الفرد .

وهكذا نجد أن اتباع الشريعة الإسلامية ضرورة اجتماعية ودينية في الوقت نفسه , فالقرآن الذي يحتم الحكم بما أنزل الله يجعل تطبيق الشريعة واجب على المسلمين , لذا فنحن لرضي الله الذي قال احكموا بما أنزل الله وليس بما يشابه ما أنزل الله .

فالتشريعات الدينية لها أهميتها الملموسة على أن الإحساس الاجتماعي بعدم الاستقرار وافتقاد التوازن وعدم التواؤم التاريخي هي أمور لا تقل عن ذلك أهمية .

ذلك أن شعب مصر الذي تعرض لقوانين لا تمت لروحه وتاريخه وتقاليده بصلة – وهو الأمر الذي أدي به إلى الانحلال الاجتماعي – لابد وأن يعاني من تلك الإحاسيس الاجتماعية السالفة الذكر .

" فالقانون لا يؤدي دوره ما لم يعتمد على مبادئ يتقبلها الشعب وتؤمن بها المجتمعات والأفراد , وقد حذر البنا أولئك الذين تحمسوا للأفكار الغربية من افتقار القيم الأجنبية لأية جذور تاريخية ( لا أب لها ولا أم ) مبينا لهم أنهم يستبدلون الجذور العميقة والروابط القوية لتاريخنا ومجتمعنا واحتياجات بيئتنا بالقيم الأجنبية .

والواقع أن حد إحساس الإخوان بالمتطلبات الأساسية الاجتماعية والثقافية التي ينطوي عليها تطبيق الشريعة قد فاق ما أسميناه بالمطلب الثيولوجي المسلح .

فإذا ما اتفقنا على ضرورة الشريعة تصبح الخطوة التالية تعريف تلك الشريعة , وحسن البنا نفسه كان متحفظا في تلك القضية , لا يتحدث فيها بأكثر من العموميات ولعل هذا يرجع إلى إحساسه بعدم ضرورة شرح ما هو واضح , أو لعله يرجع – كما يري البعض- إلى رغبته في تجنب الموضوعات التي تثير الجدل والشقاق , .

والواقع أن اهتمام حسن البنا بالمنطلقات الفكرية للجماعة كان أقل من اهتمام اتباعه – وخاصة اهتمامهم بعد عام 1952 – بهذه الأمور , أما اهتمامه الأساسي فكان ينصب على أن الشريعة مستقاة من القرآن الذي يحتوى على ست آلاف آية منها خمسمائة تتناول التشريعات المختلفة التي بنى عليها علم الفقه , إلى جانب السنة المستقاة من التقاة .

وكان البنا يشير دائما , في مجال شرحه لمرونة الإسلام إلى الأمام الشافعي الذي أصدر أحكاما مختلفة في قضيتين متشابهتين تماما إلا أن الأولي حدثت في العراق والثانية في مصر , كما كان يشير إلى قاض آخر كانت أحكامه تتغير وفقا لفصول السنة .

وربما آمن البنا بانفصال الشريعة عن مدارس الفقه الأربعة , إلا أنه – على عكس أتباعه – لم يناقش تلك القضية أبدا , فنحن نجد سيد قطب يناقش الخلط بين الشريعة وبين " الأصول التاريخية للفقه الإسلامي " فيقول أن أحكام فقهاء السنة لا تفي باحتياجات المجتمع عبر العصور , إلا أن توقف الفقه الإسلامي عن التطور بسبب تدهور المجتمع الإسلامي لا يعني أن الشريعة قد ماتت وكان الإخوان يتناولون على نطاق واسع كتابا قانونيا يوضح الخلط بين أحكام المجتهدين وبين الشريعة ويرجع هذا الخلط إلى تدهور المجتمع الإسلامي فهناك أهمية تاريخية للمجتهدين ويمكن الاسترشاد بأحكامهم .

إلا أن المسلمين اليوم أحرار في أن يجتهدوا في شؤون زمانهم كما فعل المجتهدون الأوائل , كذلك عبر الإخوان بنفس الوضوح عن رأيهم في كتب التفسير , فعلي الرغم من اعترافهم لقيمة تراث التفسير , إلا أن أحد الإخوان يحدثنا عن هذا التراث قائلا أن أعماله ثانوية الأهمية في معظمها وبلا معني وإن كتب التفسير الموجزة ليست إلا قواميسا جيدة للغة , .

أما الدراسات المطولة في التفسير فلا تصلح للبحث الأكاديمي لامتلائها بالمناظرات المملة والتكرارات الشائبة , وإن كلا النوعين سواء التفسير الموجز أو الدراسات لا يفيان باحتياجات المجتمع الإسلامي الذي يحتاج إلى توضيح للمعنى الحي للقرآن .

أما السنة فهي تحتاج إلى إعادة دراسة بشكل جدى , فالأحاديث – وهي لم تدون في وقت متأخر – قد تأثرت بعوامل للصراع الداخلي في المجتمع الإسلامي الأمر الذي يؤدى حتما إلى تحريف تلك الأحاديث ..

لهذا يجب ألا يتعلق المسلمون بكتب الأحاديث لمجرد كونها عتيقة , فيجب أن تخضع نصوص الأحاديث نفسها لدراسة جادة تفرز الأحاديث الأصيلة عن المزيفة , ويجب أن تخرج تلك الدراسة إلى النور في شكل كتب جيدة كما يجب أن تختبر الكتب الإسلامية العظيمة على ضوء جديد , .

وكان الإخوان جميعا يعتقدون أن القليل من المتوارث من السنة هو الذي يمكنه أن يصمد في وجه دراسات من هذا النوع , .

وهناك وجهة نظر أخرى متطرفة تعتبر امتدادا للاعتقاد السابق وهي وجهة النظر القائلة أنه لن يبقي من السنة سوى نص واحد وهو قول الرسول ( لا تأخذوا منى إلا القرآن ) أما الملاحظة التي سنوردها الآن لأحد أعضاء الجماعة فهي لا تمثل رأي الجماعة حرفيا وإن كانت توضح معالم أحد الاتجاهات داخلها , .

يقول هذا العضو أن السنة ليست إلا ملحقا لأحكام القرآن الشرعية وهي ليست إلا إلهاما روحيا وتوجيهات يسترشد بها النظام الإسلامي ويمكن وصفها باعتبارها تجربة رجل غير معصوم من الخطأ يتوجه بها إلى أفراد غير معصومين من الخطأ أيضا ".

وهذا هو باختصار تصور الجماعة للشريعة بشقيها الأساسيين القرآن والسنة : فالقرآن يحتاج إلى تفسير أوضح وأكثر جدة , والسنة يجب تنقيتها من الشوائب الزائفة حتى يتسنى للاثنين معا أداء دورهما الهام في حياة المسلمين, وكان الإخوان بإصرارهم على القيمة التاريخية وليس القدسية الشائعة في أعمال الأئمة والفقهاء يتصورون أنهم بهذا يحررون المسلم المعاصر من التراث , .

فالإدعاء بقدسية القديم إدعاء يقف في وجه أى نهضة , ويجب رفض التبعية العمياء للتراث إذ ما أردنا الحفاظ على الإسلام عبر العصور , فالاجتهاد لا التقليد هو روح الإسلام الحقيقية , والشريعة على هذا النحو ليست بالشئ الصعب كما أن الإصرار على الانعتاق من الماضي مدخل ضروري للقول بأن الشريعة شاملة ومرنة ومتطورة وعالمية المنظور حيث أنها تنص على مبادئ الأعمال اللازمة للسعادة والتقدم في كل مكان وزمان .

أما أول مبادئ العمل هذه فهو فتح باب الاجتهاد , في شؤون المسلمين المعاصرة للوفاء بمتطلبات المجتمع ويلي ذلك , المبادئ المتفق عليها تاريخيا كالقياس والاجماع ويضاف إلى هذا السلطة الممنوحة للحاكم في التشريع للمصلحة العامة .

هذا ويولي اثنان من كتاب الجماعة المعروفين اهتماما خاصا لقضية سلطة الحاكم , فنجد سيد قطب ينص على أن السلطات الواسعة الممنوحة لرأس الدولة في التشريع للمصلحة العامة تتحدد في الآتي :

1) المصالح المرسلة .
2) سد الذرائع .

فأى إجراء بلا مرجع مفصل يصبح إجراء مصلحة مرسلة ويمكن تشريعه على هذا الأساس أما سد الذرائع فهو أمر أكثر تعقيدا فالذريعة هي كل ما يقود إلى غاية وسد الذرائع هو منع تلك الغايات من الحدوث , .

والعبارة هنا تعني أن كل ما يؤدي إلى غاية غير مرغوب فيها يصبح غير مرغوب فيه بالتالي كما أن كل ما يؤدي إلى غاية مرغوبة يصبح مرغوبا فيه , ويوضح لنا سيد قطب في " العدالة الاجتماعية في الإسلام " نظريته هذه فيقول :

" إن هذين المبدأين من أصل واحد وهو تأمين المصلحة العامة للمجتمع وهما يرتبطان كلية بشرائع الإسلام المنصوص عليها وبأهدافه العامة وهما المبدأن اللذان يجب أن تسترشد بهما التشريعات التي تسعى إلى تأمين حياة إسلامية راقية تضع العدالة الاجتماعية الشاملة نصب أعينها .

أما الكاتب الثاني محمد الغزالي فيقول أن الإسلام قد أعطي للحاكم التشريع للمصلحة العامة وقد نصت المبادئ التي انبني عليها الفقه الإسلامي على تلك السلطات , .

وقد ناقش الغزالي السلطات التي نص عليها سيد قطب وأضاف إليها , بل أنه وصل في تلك السلطات إلى حد إعطاء الحاكم السلطة في التدخل في سلوكيات المسلم – التي سمح له بها القرآن والرسول – إذا ما كان وراء هذا التدخل هدفا قويا يتفق والمصلحة العامة ,.

والمثال الذي يعطيه الغزالي في هذا الصدد هو مثال لشيخ الأزهر الذي سعي إلى تقييد الطلاق وتعدد الزوجات رغم أن القرآن قد منح هذه الحقين للمسلمين , فالشيخ المراغي هنا لم يتجاوز حدوده بمحاولته تلك فهي ليست محاولة تشريعية بل محاولة اجتماعية للحد من الأحوال المتدهورة للمجتمع المصري كذلك ناقش الغزالي – كما ناقش سيد قطب – سلطة الحاكم عندما تعرضا لضرورة التحكم في الملكية الخاصة وأهمية الدوافع الاقتصادية والاجتماعية والاصلاح الاجتماعي اللازمة جنبا إلى جنب مع الدوافع الدينية ويعتبر هذا التركيز عنصرا هاما من عناصر نجاح الجماعة .

إذن فالشريعة الإسلامية يمكن تطويعها لكل العصور إذا صح هذا الكلام , ولكن قضية الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية بوصفها أساسا لقانون الأمة كانت تلاقي اعتراضا خاصة في مجالات القانون الجنائي والتجاري , فدائما ما كان المعارضون يثيرون قضية عقوبة السرقة والزنا وموضوع الربا , وسوف تتناول موضوع الربا فيما بعد , .

ويكفي في هذا المجال أن نلاحظ أن الإخوان مخلصين للتفكير التقليدي في هذا الموضوع مع بعض التعديلات الطفيفة , أما موضوع رجم الزاني وقطع يد السارق – وهو موضوع يتميز بحساسية عاطفية شديدة – فإنه لم يلق استجابة ثقافية واعية بقدر ما لاقي شرحا في مواجهة النقد العالمي , فالإخوان يرون أن هذه الأحكام قد أسئ فهمها , فعقوبة السرقة لا تقرر إلا إذا وفر المجتمع لأفراده كافة احتياجاتهم والدولة الإسلامية تحمي نفسها من السرقة بإعطاء كل إنسان ما يكفيه من المأكل والملبس والمأوى , لذا لا يسرق الفرد طالما تلبي له الدولة كافة احتياجاته , وفي هذا الضوء تصبح عقوبة السرقة ذات أهمية أكاديمية ليس إلا , فالمجتمع الإسلامي الحق لم يتحقق بعد ,.

وبالتالي فلا مجال هنا لتطبيق شرائعه , وهذا الموقف يتضح لنا في أوضح صوره في إدانة الإخوان الشديدة لتطبيق تلك العقوبة في المملكة العربية السعودية بينما يسبح الحكام في بحور من الذهب المنهوب من خزانة الدولة وثروات الشعب .

أما تفسير النص المتعلق برجم الزاني والزانية فيعتمد على أن العقوبة لا تنفذ إلا باعتراف أحد الطرفين أو كلاهما أو بشهادة أربعة شهود عيان الأمر الذي يصعب تحقيقه .

وينظر الإخوان عموما إلى تلك العقوبات باعتبارها عقوبات عادلة ومانعة إلا أن تطبيقها لا يتأتي إلا في مجتمع إسلامي كامل , وقسوة تلك العقوبات تنبع من الاحتياج الماس إلى حماية أمن وسلامة واستقرار المجتمع , فالخوف من العقاب يمنع ارتكاب الجريمة , إلا أن الإخوان ذهبوا أبعد من هذا في محاولة التغلب على الاعتراضات التي نواجههم فيما يتعلق بجوانب الشريعة الإسلامية , فقد اقترح الهضيبي بحث إمكانية تطبيق مبدأ " التعزيز " المعروف في الفقه الإسلامي وهو عبارة عن عقوبات لم يحددها نص قرآني , وإنما يترك أمر تحديدها للأحكام الجارية .

انفصال الدين عن الدولة

مما يستثير الكثير من الدهشة أن نجد العقليتين القانونيتين البارزتين في الجماعةالهضيبي وعوده – قد أبديا في مناسبات مختلفة ملاحظاتهما بأن القانون المستورد من الدول الأجنبية يتفق مع نص الشريعة ولا ينتهك مبادئها العامة , إذا ما استثنينا بعض حالات القانون الجنائي والتجاري التي ذكرناها آنفا , فإذا كان الرأي كذلك ففيم الإصرار إذن على الشريعة والسؤال بهذا الشكل لم يرد في أدبيات الإخوان , إلا أن الإجابة المتوقعة على هذا السؤال من جانب الإخوان هي أن تطبيق الشريعة يؤدي إلى ما يلي :

1) إلغاء تقليد العالم الإسلامي للغرب .
2) الوفاء بالمتطلبات " الثيولوجية " والاجتماعية للمسلمين .

ويجب أن تتذكر أن عداء البنا الرئيسي كان موجها ضد تقليد الغرب :

" لا نريد أن نفكر تفكيرا استقلاليا يعتمد على أساس الإسلام الحنيف لا على أساس الفكرة التقليدية التي جعلتنا تتقيد بنظريات الغرب واتجاهاته في كل شئ , ونريد أن تتميز بمقومات ومشخصات حياتنا كأمة عظيمة مجيدة تجر وراءها أقدم وأفضل ما عرف التاريخ ...

ويلاحظ أخ آخر أن للغرب ميزاته وعيوبه ويجب علينا أن نضع هذا في الاعتبار , ولكن " هذا التقليد يصبح هداما لكل معاني وجودنا القومية والتاريخية والدينية إذا انبني على أساس هدم تراثنا وتقاليدنا القيمة بحجة أن الفساد يشمل كل ما نمتلك وأن كل شئ يمتلكه الغرب جميل وحسن ".

ويلاحظ البنا في هذا المجال أيضا أن الدولة الإسلامية يجب أن نعتمد على الإسلام كما نعتمد دولة السوفيت على الشيوعية , والحكومات الانجلو أمريكية على الديمقراطية .

وعلينا أن نلاحظ أن نبرة التأكيد في العبارة الأخيرة تعكس الاحتياج الشديد إلى هوية ثقافية : فتطبيق الشريعة يساعد على الاحتفاظ بالكرامة الوطنية وسيادتها كما أنه سيعطي معنى فعالا للتركة الثمينة التي أورثها لنا التاريخ , .

وتتفق تقاليد الإسلام واحتياجات المجتمع العاطفية والروحية والقانونية , فليست تلك القوانين مجرد قوانين عادية بل هي قوانين إلهية , فأى بنيان قانوني للأمة يحتاج إلى قانون إيجابي , إلا أن القوانين التي شرعها الإنسان – على حد قول الإخوان – لا تعكس تطور المجتمع , بينما تؤدي شريعة الله دورا أكثر أهمية نحو تنظيم المجتمع وتوجيهه ... الأمر الذي يؤكد بالدرجة الأولي على وحدة الإنسان الكاملة التي تستتبعها وحدة المجتمع .

وتطبيق الشريعة يؤكد سيادة قانون الله وبالتالي يؤدي إلى تطبيق المعايير الوحيدة القادرة على جعل سلوكيات الإنسان أصيلة وأخلاقية.

وكان الجدل الأساسي للإخوان يتركز حول قضية انفصال الدين عن الدولة , وهي قضية لابد وأن يواجهها أولئك الذين ينادون بتطبيق الشريعة أساسا للحكم في حياة البشر ..

ورغم سهولة وبساطة طرح سؤال كهذا إلا أن الإجابة عليه تتسم بالتعقيد , فإذا كانت هناك حقا رسالة سماوية تحتوى على القوانين المنظمة لعلاقات الناس وعلاقاتهم بالرب فكيف تعبر تلك الحقيقة عن نفسها في عالم الأمم والدول العلمانية ؟ .... وما هي علاقة الدين بالعلم في حياة البشر ؟....

وإذا ما توصلنا إلى تحديد تلك العلاقة فكيف تتحكم في سلوكيات الإنسان ؟.... والواقع أن الإجابة على هذا السؤال تنطوى على اعتبارات وعوامل لها نتائجها السياسية المباشرة .

وذلك لأن مثل هذه الإجابة قد توفر المبررات الكافية للرد على اعتراضات البعض على اشتغال المنظمة الدينية بالسياسة إلا أن الأمر الأكثر أهمية وخطورة كان يتمثل في القضية الأيديولوجية الأساسية التي تواجه الإسلام في القرن العشرين : فالإصرار على تطبيق الشريعة يعني الإصرار على مجموعة معقدة من الملحقات التي تبدو – حتى بالمعايير المصرية – مفتقرة إلى التسلسل التاريخي الصحيح , إلا أن الإصرار على ما هو أقل من ذلك ربما أدي إلى انتهاك ما يطلق عليه " جوهر الإسلام ".

كذلك لا يثار موضوع انفصال المؤسسة الدينية عن الدولة إلا ويثار موضوع الثيوقراطية , فهل يمكن لدولة تحكمها وتنظمها رسالة سماوية تجنب طغيان رجال الدين ( الأكليروس ) ؟....

أما إجابة الإخوان على هذا السؤال فكانت تتركز في نقطتين :

الأولي : أنه ليست هناك طبقة دينية في الإسلام , فلا مجال إذن للخوف من الثيوقراطية كما تعرفها أوروبا المسيحية , ويقول البنا في هذا الصدد :" أن رجال الدين غير الدين نفسه " كذلك يلاحظ سيد قطب أن حكم الإسلام لن يتأثر بوجود طبقة دينية في الحكم – هذا إذا ما كان الإسلام يعترف بطبقة دينية – بل سيتأثر أكثر بتطبيق الشريعة الإسلامية .
الثانية : نقطة سياسية بسيطة غير تقليدية تقول : إن التنظيم السياسي الإسلامي يستمد سلطة الحكم من البشر لا من الله , فالحاكم يستمد سلطته من الشعب الذي يمنحها له على أساس أنه سيطيع القوانين , وهكذا يكفل مبدأ الشورى الإسلامي السيادة البشرية على الشؤون الإنسانية في حدود القانون .
فإذا نحينا الجانب السياسي للثيوقراطية نجد الإخوان لا يسمحون بانفصال الدين عن الدولة , فكلمة الإسلام لا تعني الدين فقط بل تنطوى في معناها الشامل على الدين والسياسة والاقتصاد والمجتمع , الخ أى أن الدولة ليست مقابلا أو نقيضا للدين فالإسلام يتضمن الاثنين معا .

لكن إذا أردنا أن نناقش القضية بمصطلحات الغرب :

الكنيسة والدولة , الله وقيصر , تصبح الإجابة على حد قول البنا : " نحن لا نعرف انفصال السياسة عن الدين فالإسلام يحتضن الحاكم والمحكوم لذا فليس في تعاليم الإسلام إعطاء ما لقيصر لقيصر وما لله لله , فالقيصر وما يمتلكه ملك لله العظيم وحده ".

ويضيف البنا في موضع آخر ليست هناك سلطة في الإسلام سوى سلطة الدولة التي تحمي تعاليم الإسلام وتقود الأمة لتجني ثمرات الدين والعالم , فالإسلام لا يعترف بالصراع الذي حدث في أوروبا بين السلطة الروحية والسلطة الدنيوية أى بين الكنيسة والدولة "

ويفسر سيد قطب هذا الوضع الذي حدث في أوروبا بسببين أساسيين هما :

1) ظروف النشأة المختلفة , فالمسيحية ظهرت في الساحة بعد ظهور القوانين والعادات الرومانية وثباتها .
2) اختلاف النوايا , فالمسيح جاء ليبشر بالطهارة الروحية والعطف والتسامح والعفة والطاقة , فالمسيحية إذن دين معني بعلاقة الإنسان بالله فقط .

أما علاقات البشر بالبشر وعلاقتهم بالدولة فقد تركت للقوانين الوضعية , أما الإسلام فقد نص في ظروف نشأته على وحدة الحياة , لذا فإن فرض انفصال السلطات المسيحي على الإسلام يعد إنكارا لمعناه الأساسي ونفيا لوجوده ذاته .

والنهاية المنطقية لهذا الاعتقاد هي : أن الحكم شئ في طبيعة الإسلام , ذلك أن القرآن حينما يمدنا بالشريعة فهو يتطلب دولة لتطبيق تلك الشريعة وهناك واجبات معينة مفروضة على المسلم ولا يمكن أن يؤديها الفرد دون وجود دولة تسهل لك تلك المهمة , فإذا جردنا الإسلام من الحكم تصبح أكثر تعاليمه مجرد حبر على ورق , كذلك تتأتي ضرورة وجود الدولة من ضرورة حماة الإسلام فضلا عن مساعدة المسلمين على أداء فرائضهم .

" فالقوة السياسية يجب أن تحمي الإيمان وأن تقود قضية المؤمنين في كل مكان , والإسلام يحتاج الآن إلى الدولة أكثر من أى وقت مضي , لا لمجرد كون الدولة جزءا أساسيا في الإسلام , بل لأن خطر الزوال يتهدد الإسلام في عالم لا يعيش فيه إلا الأقوياء".

ونحن لا نحتاج في هذا الصدد إلى مزيد من التوضيح لإحساس الإخوان السياسي والديني بضرورة الدولة , إلا أن علينا ألا نقلل أيضا من أهمية القضية الأيديولوجية البحتة , حيث تتركز كافة جوانب نهضة الإسلام في القرن العشرين في مسألة الشريعة وما يستتبعها من وحدة الحياة , .

وقد أوضحنا آنفا أن الإخوان لم يكن بمقدورهم تجاهل تلك القضية إذ أن هذا التجاهل يعني التخلي عن المغزى الأساسي للإسلام الحق , فإذا كان التاريخ لم يتسع طويلا للممارسة المثالية للإسلام فذلك خطأ يقع على عاتق البشر لا الإله لذا ينبغي على المسلمين استعادة المجتمع الإسلامي الذي إرادة الله ليستردوا تاريخهم .

الدولة الإسلامية

تمثل " الشريعة " السمة المميزة للنظام الإسلامي الذي يتضمن , فيما يتضمن , الدولة الإسلامية , ولقد أوضحنا فيما سبق قناعتنا بأن قضية الطبيعة المحددة للدولة الإسلامية لم تكن من القضايا الملحة لدى الإخوان ويرجع جزء كبير من قناعتنا هذه الحقيقة أننا لم نستطع الاستدلال على أية مناقشة ذات شأن لهذا الموضوع في الأدبيات الرسمية للجماعة , .

ويدل عدم الاهتمام بهذا الموضوع على غياب الفكر المحدد الواضح في ايديولوجية الإخوان , الأمر الذي بدأ أكثر وضوحا بعد موت حسن البنا , فبموته انتهت الهالة المحيطة بشخصيته وانهيار الجماهير به وأصبح من الضرورى بكل معنى الكلمة تحديد المعالم الخارجية لشكل الدولة الإسلامية , إلا أن تلك المحاولة جاءت – على شاكلة محاولات أخرى للجماعة في مجالات الفكر – متسمة بالعموميات التي توحد كلمة الناس وقلوبهم .

على أن استخدام العموميات أيضا يرجع إلى عدم وجود تراث نظري واضح لدى الإخوان المسلمين , ويعتبر سيد قطب من القلائل الذين اعترفوا بهذا , فنجده يقول " إذا ما أردنا مناقشة النظرية السياسية والاقتصادية في جوانبها العلمية وبحثنا في التاريخ فلن نجد في حياة الإسلام إلا أمثلة فاشلة , .

وهكذا نجد أن منظرى الجماعة كانوا مجبرين على تأكيد المبادئ المرشدة للدولة الإسلامية لا المحددات النوعية التي تركت للزمان والمكان واحتياجات الناس , نظرا لعدم وجود أمثلة مقبولة في التاريخ الإسلامي فيما عدا فترة الخلفاء الراشدين القصيرة.

التنظيم السياسي

نرتبط البنية السياسية للدولة الإسلامية بثلاثة مبادئ :

1) القرآن هو المصدر الأساسي للتشريع.
2) تدار الحكومة على أساس مبدأ الشورى .
3) يجب أن يلتزم الحاكم التنفيذي بتقاليد الإسلام وإرادة الشعب .

وهكذا تصبح الدولة الإسلامية , اعتمادا على تلك المبادئ دولة ذات حكومة عادلة وذات كفاءة متفقة مع تقاليد المجتمع وقادرة على تأمين المصلحة العامة , أما تفاصيل التنظيم فسوف تنبع من تلك المبادئ .

كذلك نجد أن لقب الحاكم أمر غير هام ونستطيع أن نستخدم أى لقب من الألقاب التي وردت في القرآن كالخليفة أو الإمام أو الملك أو الحاكم , ففكرة الحاكم تعتمد على فكرة الرئاسة بمعناها العام الأمر الذي لا يحدد نظاما خاصا للحكومة , وطالما أنه يحترم مبدأ الشورى يصبح اللقب الذي يتسم به أمر غير هام , أما إذا لم يتبع الحاكم تلك المبادئ فإن نظامه يصبح نظاما غير إسلامي حتى وإن تسمي الحاكم بأسماء إسلامية .

أما بالنسبة للسلطة المركزية فقد وجد نوعان منها قبولا لدى حسن البنا :

1) السلطة الوزارية أو سلطة التفويض وفقا للنمط البريطاني .
2) السلطة التنفيذية وفقا للنمط الأمريكي .

إلا أن حسن البنا وأتباعه كانوا يفضلون النوع الثاني نظرا لكراهيتهم للمواقف غير المسئولة التي تتخذها الحكومة الوزارية في مصر .

هذا ويجب أن يتصف الرئيس – أيا كان نوع الرئاسة – بصفات أساسية هي أن يكون ذكرا مسلما بالغا ومتمتعا بسلامة البدن والعقل , كما يجب أن يمتاز بالتقوى والعدل والفضيلة وأن يكون متبحرا في الفقه الإسلامي قادرا على تولي أمور الحكم كما أنه ليس من الضروري – على عكس النظرية التقليدية – أن يكون الحاكم من رهط قريش , هذا ويمكن أن يستمر الحاكم في الحكم مدى الحياة ما لم يقدم استقالته أو يعزل لأسباب قانونية أو أخلاقية أو صحية , وذلك أمر متروك للأمة تتخذ فيه القرار الذي تراه مناسبا .

ذلك أن الأمة أو الشعب هما مصدر سلطات الحاكم فالأمة وحدها هي مصدر الحكم والانحناء أمام رغباتها أمر يحتمه الدين , والحاكم لا يستحق الصلاحية الشرعية لمنصبه ولا ولاء الشعب ما لم يعكس روح المجتمع والتناسق مع أهدافه , ويصف البنا العلاقة بين الحاكم والمحكوم بأنها نوع من العقد الاجتماعي الذي يقوم الحاكم فيه بدور الوكيل أو الأجير , ونستطيع أن نرى من وجهة النظر هذه استبعاد الإخوان لإمكانية توارث الحكم :

فالنصوص الدينية والتجارب التاريخية منذ عهد الخلفاء الراشدين ضد هذا المبدأ , وبما أن الحاكم أجير تتعاقد معه الأمة , فهي التي تقوم بانتخابه , والقرآن لم يحدد طريقة معينة للانتخاب , .

وكان الهضيبي يؤمن بإجراء الانتخابات وفقا للطريقة التي يراها الناس مناسبة أما عبد القادر عوده فكان يري إمكانية إجراء الانتخابات عن طريق أهل الشورى على ثلاث مراحل أو مستويات .

1) ترشيح الحاكم الجديد بمعرفة الحاكم السابق أو بمعرفة واحد من أهل الشورى .
2) إقرار أهل الشورى باختيار الحاكم أو قبول ترشيحه .
3) مبايعة الحاكم , حيث يقسم أن يتولي الحكم وفقا للكتاب والسنة بالحق والعدل ويقسم أهل الشورى على الولاء له طالما يحكم بشريعة الله .

ويلتزم الشعب بالمبايعة التي أعطاها ممثلوه للحاكم أما الحكومة القائمة على القوة فلا حق لها في طلب ولاء الشعب , ذلك أن الحاكم – في هذه الحالة – يكون منتهكا لمبدأ " الأمة مصدر السلطات ".

والحاكم الذي يختاره الشعب كوكيل , ملتزم أمام الشعب في كافة تصرفاته السياسية والمدنية والجنائية وليست له امتيازات خاصة , بل يمكن محاكمة هذا الحاكم – إذا اقتضت الضرورة – أمام المحاكم العادية .

أما المسؤوليات الأساسية للحاكم فتتلخص في إقامة حكم الإسلام وتنفيذ شرائعه , الأمر الذي يؤدي بالضرورة إلى تأمين المصلحة العامة , وطاعة الحاكم تأتي من تنفيذه للقانون وهذا هو أساس العقد معه فإذا ما أخفق في هذه المهمة أصبح الشعب في حل من الولاء له , هذا وينبغي تحذير الحاكم وإرشاده إذا حاد عن المهام المنوطة به فإذا استمر في غيه وجبت تنحيته .

وتعتبر الشورى ركنا أساسيا وهاما من أركان الدولة الإسلامية , فقد نص القرآن على أن " أمرهم شورى بينهم " أما المؤسسة التي تطبق الشورى من خلالها نهي " أهل الشورى " أو " أهل الحل والعقد " باعتبارهم ممثلين للشعب , وطاعة أهل الشورى واجبة على الحاكم والمحكوم فهي القوة الحقيقية في الدولة طالما أنهم يمثلون الأمة مصدر السلطات , وينبغي انتخاب أهل الشورى أيضا طالما أنهم سيمثلون الشعب , .

أما عددهم وكيفية انتخابهم فتلك مسألة ثانوية تترك لظروف كل عصر ومكان طالما أنه لم يرد عن ذلك نص صريح في الإسلام , وأيام كانت نوعية الإجراءات المستخدمة في الانتخابات فيجب أن تكون شاملة في مداها حتى تصل إلى آراء الجميع لكي تجد الأمة انعكاسا سليما لإرادتها , ولا يستتبع النظام المستخدم بأى حال اللجوء إلى الأحزاب السياسية .

أما المؤهلات المطلوبة في المتقدمين لانتخابات أهل الشورى – وفقا لتصور حسن البنا – فتنقسم إلى نوعيتين أساسيتين :

1) مشروعون ذوو خلفية عامة .
2) رجال تمرسوا في الزعامة كرؤساء العائلات والقبائل والجماعات المنظمة الأخرى .

ولا يفضل إجراء الانتخابات إلا إذا كانت ستؤدي إلى انتخاب أناس كهؤلاء .

أما تصور عبد القادر عوده لتلك القضية فكان يتم بعمومية أكثر , إذ كان يرى أن أهل الشورى ينبغي أن الكلمة النهائية تكون للمشرعين , أما الإجراءات المحددة في هذا المجال فهي أمر متروك للزمان والمكان .

ويجب أن يتلقي أهل الشورى – باعتبارهم الحكام الحقيقيين للدولة الإسلامية – تقريرا عن كافة الأمور للتشاور وأخذ القرار , ويتطلب أخذ القرار أغلبية الأصوات بعد انتهاء النقاش في الموضوع المطروح , ويجب أن تخضع الأقلية للأغلبية وفقا لقول الرسول :" لا تجتمع أمتى على باطل " ويجب أن يتشاور أهل الشورى في كافة الأمور ما عدا أمرين :

1) حقائق العلوم .
2) مبادئ الدين .

أى أن مبدأ الشورى يطبق في كافة الأمور ما عدا الموضوعات التي تقتضي وجهة نظر واحدة .

والدولة الإسلامية تشتمل على خمس سلطات : السلطة التنفيذية وتتبع للحاكم فقط , والسلطة التشريعية التي يتقاسمها الحاكم وأهل الشورى , والسلطة القضائية التي يمارسها القضاة المعينون من قبل الحاكم والذين يتمتعون باستقلال مطلق نظرا لأهمية دورهم كمفسرين للقانون , والسلطة المالية التي يمارسها الموظفون المعينون من قبل الحاكم أو المسئولين أمام المجتمع , وسلطة الأشراف والإصلاح التي يمارسها المجتمع عبر أهل الشورى .

وهكذا نجد أن الدولة الإسلامية تمثل بمعالمها هذه دولة فريدة من نوعها , وكما أشار الإخوان من قبل فإن هذه الدولة لن تتحول إلى ثيوقراطية طالما أن سلطة الحاكم مستمدة من الناس لا من الله , كما أنها لن تسمح بقيام ديكتاتورية طالما أن الشعب يستطيع أن ينحي حكامه إذا خالفوا شروط العقد , وهي أيضا ليست ملكية طالما أن الحكم غير متوارث .

والفرد في تلك الدولة له حقوق محفوظة , فالإسلام ضمن الحقوق الفردية , لكل من ينطوى تحت لوائه منذ أوحي به , ورسم الله تلك الحقوق بحيث تؤدي إلى رفع مستوى الأفراد وتسمح لهم بالمشاركة في الأنشطة التي تخدم المصلحة العامة وتخفظ الكرامة الإنسانية والمواهب الفردية وتساعدهم في استغلال قواهم البدنية والعقلية والحقوق التي كفلها الله في الإسلام حقوق شاملة فالإسلام يكفل المساواة المطلقة عبر كتابه وسنته , فليست هناك تفرقة فردية أو عنصرية في الإسلام .

فالمسلمون وغير المسلمين يتساوون في جميع الحقوق والواجبات والمسئوليات والمسلم والذمي يتساويان في كافة الأمور إلا ما يتعلق منها بالإيمان حيث تنطبق على الذمي شريعته الخاصة .

والحرية بكافة صورها سواء حرية الفكر أو العبادة أو التعبير أو التعليم أو الملكية مكفولة بشكل واضح في الإسلام , والإسلام يحث الإنسان على التفكير الحر ويحرر من الخوف والخرافات والمحاكاة ويحثه على عدم قبول ما يتنافي مع العقل , والإسلام يمقت الرجل الذي يلغي عقله وتفكيره , أما حرية العبادة فقد كان الإسلام أول شريعة تسمح بحرية العبادة , فأى إنسان – وفقا للشريعة – حر في اختيار العقيدة التي يريدها ولا يستطيع أحد إجباره على ترك عقيدته واعتناق عقيدة أخرى والخطأ في نظر الإسلام لا يواجه إلا بالإقناع أو النصح فقط , فلا إكراه في الدين , أما حرية التعبير فلا تشكل مجرد حق للمسلم بل هي واجب عيه , .

فيجب على كل فرد الجهر بما يؤمن بأنه الحق والدفاع عن إيمانه هذا باللسان والقلم ويستطيع الإنسان أن يتحدث في كافة الشئون المتعلقة بالأخلاق والمصلحة العامة والنظام العام بشرط ألا يتنافي ما يقال مع روح الشريعة وأن يخلو من النوايا السيئة والعدائية , فحرية التعبير إذا مورست في تلك الحدود تؤدي إلى نفع الأفراد والأمة وتنمية أواصر الإخوة والاحترام بين الأفراد والجماعات , كما أنها توحد الناس في الحق وتخلق حالة من التعاون الدائم , الأمر الذي يؤدي إلى حصر الخلافات الشخصية والانقسامات .

أما فيما يتعلق بحرية التعليم فإن الإسلام لم يكفل فقط حق التعليم بل جعل هذا الحق واجبا دينيا على الأفراد , فالله ورسوله يضعان التعليم في مكانة مقدسة , فالعلم هو الطريق إلى الله , لذا يعتبر التعليم حقا يجب أن تكفله الدولة الإسلامية .

كذلك تكفل الإسلام للفرد حق امتلاك ما يشاء في حدود الشريعة التي تنص على أن تتناسب الملكية مع درجة نفعها بلا إسراف , وأن توزع الثروة الزائدة حسب ما تقضي به الشريعة الإسلامية .

التنظيم الاقتصادي

وهكذا نرى أن الفرد – في إطار التنظيم السياسي الذي ذكرناه – مطالب بالمشاركة الكاملة في الحياة السياسية لمجتمعه واتخاذ القرارات التي تؤثر على حياته , ومن الواضح بطبيعة الحال أن جانبا كبيرا من الفكر السياسي للجماعة ارتبط على نحو واضح بالإحباط السياسي في مصر آنذاك .

والواقع أن نفس الظروف تنطبق على فكر الجماعة الاقتصادي الذي انطوى على تلك التوليفة نفسها من الاستجابة البرجماتية للواقع والاهتمام بالقضايا ذات الأهمية الأيديولوجية فيما يتعلق بإسلام القرن العشرين .

والواقع أن البنا كان يبدى اهتماما أعمق وأفضل – عن باقي أتباعه – بالإبعاد الأخلاقية للسلوك الاقتصادي , ذلك الاهتمام الذي ينبع أساسا كما تقول الجماعة من النظرة الإسلامية التي ترى أخلاقية المرء أمرا لا يقبل الانقسام أو التجزئة.

كذلك نجد أن العدالة الاجتماعية أيضا لا تخرج عن هذا الإطار, فالحديث عن الاقتصاد دون الرجوع إلى العدالة الاجتماعية والمبادئ الأخلاقية أمر يتنافي مع تعاليم الله الأساسية , كذلك نجد عناصر أخرى ثابتة في تفكير البنا الاقتصادي تقترن بهذا المنحى الأخلاقي , .

وتتلخص تلك العناصر في اهتمامه بالوحدة التي تعمق في الأمة مفهوم ابتعاد الإسلام عن ( الصراع الطبقي الاقتصادي ) وفضلا عن ذلك دفعته مشكلة " سيطرة الاقتصاد الأجنبي " في مصر إلى أن يؤكد أنه واجب على المسلمين بناء اقتصادي قومي قوى , تلك النقاط الأساسية هي التي شكلت أساسيات النظام الاقتصادي الإسلامي ,.

كما تصوره حسن البنا وكما تناوله أتباعه بالتفسير , وينبغي الإشارة إلى أن تفسير هؤلاء الأتباع ظل يفتقر إلى الوضوح رغم أنهم صاغوا علاقات أكثر اتساقا فيما بين تلك العناصر وبينها وبين القضايا الاقتصادي الأخرى .

ويقصر الإسلام اهتمامه فيما تعلق بالفكر الاقتصادي شأنه شأن كافة العلاقات الإنسانية الأخرى , في حدود إرساء المبادئ العامة فالمؤسسات الاقتصادية المحددة نوعيا , تتطور وفقا لكل عصر ووفقا لتقدم العلم وطرق الحياة , لذا يترك الإسلام تلك القضايا للفكر الإنساني الذي يقرر ما تقتضيه منفعة الناس في إطار التشريعات الإسلامية العامة وهكذا نجد أن التكيف وفقا للزمان والمكان يمثل خاصية أساسية في النظرية الاقتصادية الإسلامية , .

ولا يوازي تلك الخاصية في أهميتها إلا الخاصية الأخلاقية التي ترشد النظام الاقتصادي الإسلامي على طريق العدالة الاجتماعية التي تعتبر هدف ذلك النظام , الأمر الذي يجعله نظاما فريدا في تاريخ الإنسانية فالإسلام لا يتعامل مع الأنشطة الاقتصادية بمعزل عن المبادئ الأخلاقية وحياة الإنسان في نظره ليست ولا وحدة مادية ومعنوية , وهو ما يتنافي مع صورة الرجل الاقتصادي التي يعتنقها جهابذة الاقتصاد الغربيين , ويتفق الإسلام في هذا مع أحدث التحليلات العلمية للسلوك الاقتصادي للإنسان والتي تتناول هذا السلوك من خلال الدوافع السيكولوجية التي لا تستطيع أن نجد لها معيارا في العالم المادي .

أما غاية السلوك الاقتصادي الأخلاقي فهي العدالة الاجتماعية التي تشكل حجر الأساس في الدولة الإسلامية والعدالة الاجتماعية في الإسلام مستمدة من مبدأين من مبادئه الأساسية : وحدة الوجود المطلقة الشاملة المتسقة , والمسئوليات العامة المتبادلة بين الأفراد والمجتمعات , .

ويعتبر هذا السلوك أساسا : فهي عدالة اجتماعية شاملة تحتضن كافة جوانب الحياة وكل صور الحرية , وليست مجرد عدالة اقتصادية فقط .... عدالة تهتم بالعقل والبدن , بالقلب والضمير , والقيم التي تهتم بها تلك العدالة ليست قيما اقتصادية فحسب ولا هي قيما مادية عامة بل هي خليط من القيم الأخلاقية والروحية معا , .

وبينما تنظر المسيحية إلى الإنسان من جانب رغباته الروحية , فتسعي إلى قهر غرائزه الإنسانية بهدف إعلاء الرغبات الروحية , وتنظر الشيوعية إلى الإنسان من جانب احتياجاته المادية فقط , وهي لا تقتصر في نظريتها المادية تلك على الطبيعة البشرية بل تتعداها للعالم والحياة فتنظر إليهما من منظور مادي بحت : نجد أن الإسلام ينظر إلى الإنسان كوحدة متكاملة لا يتأتي فصل رغباته الروحية عن غرائزه البدنية كما لا يمكن فصل احتياجاته الأخلاقية عن احتياجاته المادية وذلك هو ما يميز الإسلام عن المسيحية والشيوعية .

وترتكز النظرية الاقتصادية الإسلامية على عدة مبادئ :

الملكية : المال ملك للمجتمع , ولله بالضرورة , والإنسان ينتفع بهذا المال في حدود الشرع – والحصول على المال لا يتأتي إلا من خلال عمل ما , والأعمال التي أوردها الإسلام من بينها القنص وصيد السمك والتعدين والغزوات والعمل بالأجر لدى الآخرين وما شابه ذلك من الأعمال , وهو ما يؤكد أن العمل هو المصدر الوحيد للثروة , .

وهذا يعني أن الإسلام لا يعرف الفوارق الطبقية القائمة على الملكية المادية , فالفوارق الوحيدة الموجودة هي فوارق ذات طابع عقلي أو روحي .

وحرية الملكية مكفولة للجميع , إلا أن الإسلام يهذب تلك الحرية بما يتلائم والمصلحة العامة على عكس الرأسمالية التي تدافع عن تلك الحرية بشكل مطلق الأمر الذي يؤدي إلى الدمار , .

وعلى عكس الشيوعية أيضا التي تحرم الملكية تحريما تاما فتحد من حرية الفرد فالإسلام يعترف بحق الملكية الخاصة لكنه يحيطها بسياج من الضوابط تجعلها تتواءم مع الهدف الأصلي " الصالح العام " فهو حين يعترف بهذا الحق يرتب في الوقت نفسه مجموعة من المبادئ تجعل من الملكية أمرا نظريا غالبا ما لا يتعدى حدودا معينة في مجال التطبيق .

ويعتبر الإخوان الصحابي أبا ذر الغفاري مثالا حيا فيما يتعلق بوجهات النظر هذه وبالرغم من أن علماء الأزهر كانوا يرون في أبي ذر رجلا شيوعيا , إلا أن الإخوان اعتبروا تعاليمه رد فعل يتفق وروح الإسلام الحقة ضد الفساد الذي لحق الإسلام في عصره .

أما نظام المواريث في الإسلام فهو نظام مقصود به التحكم في الملكيات الكبيرة واحتكارات الثروة , والتوزيع العادل للثروة بين الورثة , والقواعد التي تحكم الميراث ليست إلا جزءا من خطة شاملة للسيطرة على تضخم الثروات .

ويستطيع الإنسان العمل على توسيع ملكيته في الحدود القانونية بعيدا عن الممارسات المحرمة التي تتضمن الأعمال المخلة بالشرف والاحتكار والربا .

فالأعمال المخلة بالشرف لا تخل بالضمير فقط بل تتنافي أيضا مع مبدأ الحصول على الثروة عن طريق العمل , كذلك نجد الإسلام يحرم الاحتكار خاصة فيما يتعلق بأساسيات الحياة ويعتبره طريقة غير مشروعة للربح , أما الربا الذي يعادل ارتكاب الفحشاء ست وثلاثين مرة فهو مدان بشكل مطلق ,.

فبجانب الضرر الذي يحيق بالعلاقات الإنسانية نتيجة للربا نجده في عصرنا الحاضر يشكل أيضا وسيلة لتراكم كمية هائلة من " رأس المال " غير الناتج عن الجهد أو العمل , الأمر الذي ينجم عنه مرضين اجتماعيين هما نمو الثروات الضخمة وانقسام المجتمع إلى طبقتين .

فالمال يجب أن يتم إقراضه لمن يحتاجونه دون فوائد أما قروض تشجيع الإنتاج فيجب أن نعتمد على مبدأ أن الفوائد التي يجنيها صاحب القرض جاءت من الجهد الذي بذله لا من النقود المقترضة التي لا يتأتي لها الربح إلا عبر الجهد المبذول ..

ويجب ألا يكون المقرض لحوحا إذا وجد صاحب القرض في ظروف صعبة كذلك يجب على صاحب القرض ألا يدخر وسعا في سبيل رد هذا القرض – في هذه الحدود يمكن للمجتمع الإسلامي – إذا اتبعنا تلك الشروط – ألا يواجه مشاكل مالية إلا فيما ندر , والإسلام بشروطه تلك لا يتنافي مع روح العصر فالاتحاد السوفيتي جعل إلغاء الربا أمرا أساسيا في مادته وتعاليمه .

الزكاة : تعتبر الزكاة ركن الإسلام الاجتماعي البارز , وهي الجانب الأكثر أساسية في النظرية الاقتصادية الإسلامية , فدفع ضريبة الفقير واجب على الجميع , لأن الإسلام لا يوافق على معاناة الناس من الفقر ولا يقبل أيضا وجود الفوارق الطبقية , فالزكاة جنبا إلى جنب مع سلطات رئيس الدولة التي تمكنه من فرض ضرائب على رأس المال بنسبة محدودة , يمكنان الدولة من الحصول على موارد كافية لتأمين الصالح العام لكل أفراد المجتمع والعمل على استقرار هذا المجتمع .

ويعتبر العمل قيمة اقتصادية واجتماعية وأساسية طالما أنه المصدر الرئيسي للملكية , لذا يستثمر الإسلام العمل بشكل كريم فيكفل للعامل حقوقا وواجبات محددة , فالعلاقة بين العامل وصاحب العمل علاقة تخضع للمبدأ الذي يحكم كافة العلاقات الإنسانية الأخرى , وهو المشاركة في الحقوق والواجبات ,والذي يعتمد على الاحترام والتعاطف المشترك في جو تسوده روح الإخوة .

والعامل له حقوق المسكن الصحي وساعات العمل المحددة والأجر العادل الذي يكفي متطلبات الحياة والذي يحصل عليه بشكل منتظم وفي موعده المحدد دون أن ينزل عن أى جزء منه لرؤسائه .

وفي مقابل تلك الحقوق يجب على العامل أداء واجبه بشكل كامل ومخلص كما يجب عليه احترام الإدارة وأداء المسؤوليات المنوطة به .

التنظيم الاجتماعي

إن الفرد المتحلي بالأخلاق الفاضلة هو أساس كل مجتمع صحي , لذا نجد الإسلام معنيا باحتياجات الفرد التعليمية وهو يعد الفرد مسئولا عن ذاته أمام الله ومسئولا عن تحرير روحه من الخرافات ومن كل ما يعوق تقدمه , والإسلام يعلم الفرد كيفية الحفاظ على التوازن الدقيق بين متطلبات البدن ومتطلبات الروح , فنهضة الأمة واستمرار قوة المجتمع لا تتأتي إلا عبر الاهتمام الحقيقي والوافي بحالة الفرد .

وإذا كانت الأسرة هي عماد البنيان الاجتماعي فإن خلاصها لا يتحقق إلا إذا تحقق خلاص الفرد , كما أن خلاص الأمة مترتب على خلاص الأسرة , ذلك أن قيم الأمة وأخلاقياتها تتبع من الأسرة , وقد عمل الإسلام على تنظيم العلاقات الأسرية بما يضمن الهدوء والاستقرار للمجتمع , إلا أن الكثير من الغربيين والشرقيين على السواء أساؤوا فهم ذلك التنظيم على حد قول الغزالي : يحد البعض منا من حرية المرأة باسم تقاليد الشرق , كما أن البعض الآخر يسمح لها بممارسة تقاليد الغرب , فنجد المرأة في جانب ضيقة الأفق ترسف في القيود ونجد عند الجانب الآخر الحرية المطلقة والتحلل , ويستخدم كلا الطرفين القرآن الكريم لتعضيد وجهة النظر التي يتبناها , والحقيقة أن الإسلام بعيد تماما عن وجهتي النظر كلتيهما .

ويمكننا تلخيص أهم التقاليد الشرقية فيما يلي :

1) أن المرأة تحتل مكانة أدني من الرجل نظرا لتكوينها الجسماني .
2) أن إدراك المرأة محدود بالمتع الحسية والتقليد ,لذا لا ينبغي أن تتجاوز حقوق المرأة وواجباتها حدود ذلك الإدراك العقلي والعاطفي .
3) ترتبط شخصية المرأة وأخلاقياتها بعفتها فحسب , بينما ترتبط مقاييس شخصية الرجل بقيم أخرى أكثر أهمية .

وتشكل تلك المبادئ التقليدية الأساسية الإطار الذي يشمل كافة السلوكيات والعادات التي تعاني منها المرأة بغبن شديد , والمأساة هنا هي أن أصحاب وجهة النظر تلك يتصورون أنها جزء لا يتجزأ من الإسلام .

والتنظيمات النسائية التي تعتقد أن الإسلام يقف ضدها لا تدرك أن التقاليد التي يتصورون خطأ أنها تقاليد الإسلام هي التي تقف ضدهم ...

وبالمقابل نستطيع أن نلخص التقاليد الغربية فيما يلي :

1) المساواة بين الرجل والمرأة في كل شئ ...
2) بناء المجتمع على أساس الاختلاط الحر والتام بين الجنسين .
3) اعتبار الحياة الجنسية أمرا مطلق الخصوصية يخضع للاختيار والميول الطبيعية .

ويوجد بيننا أناس شديدو الإعجاب بتلك التقاليد الغربية التي ينشرونها بحماس كبير , مما يؤدي إلى تدهور المجتمع تدريجيا .

والإسلام ... يجب أن ... يتميز عن الترهات الشرقية والغربية على حد سواء فالمرأة تتساوى مع الرجل في نظر الإسلام الذي حارب النزعة القبلية المبكرة التي كانت تعتبر مولد البنات كارثة والإسلام رفع منزلة المرأة فأعطاها حقوق الميراث والملكية وإدارة أملاكها كما أن حقوق اختيار الزوج مكفولة للمرأة في الإسلام وعلى عكس العالم الغربي لم ينكسر الإسلام أبدا وجود روح للمرأة .

أن التفرقة " الإسلامية " بين المرأة والرجل ( في الميراث والصلاة والحقوق الشرعية ) ترجع إلى طبيعة المسؤوليات الكبيرة التي يتحملها الرجل , وإلى الاختلافات العاطفية والعقلية بين الجنسين ونظرا لأن الرجال أكثر تمتعا بالقوة الذهنية والاستقرار العاطفي , نجدهم يحتلون مركز الزعامة دائما , وتلك حقيقة أثبت التاريخ صحتها , لذا يضع الإسلام الرجل مرتبة واحدة فوق المرأة , .

وزعامة الرجل تلك ليست سوى زعامة مسؤولية وخبرة لا أولوية للذكورة على الأنوثة , وهكذا نجد أن المؤهل الوحيد للتفاوت بين الذكر والأنثى يتبني على الاحتياجات العملية للمعيشة ففوقية الرجل المحدودة تأتي نتيجة لاتساع مسؤولياته وكضرورة عملية محضة من ضرورات الكفاءة الدنيوية , أما داخل الأسرة فالمرأة والرجل يعملان سويا كل في مجاله ويتشاوران في المشاكل المشتركة من أجل تحقيق رسالة الحياة .

وحقوق المرأة في المجتمع محددة على أحسن وجه في الإسلام , وتكفل لها هذه الحقوق دورا مختلفا تماما عن دور المرأة الغربية التي يقدم لها المجتمع دعوة مفتوحة للانحلال والفسق , فالغرب يتفوق على الإسلام فقط في أنه منح المرأة ( حرية الدمار ) أما الإسلام فقد منح المرأة حقوقها التي تتناسب مع المكان الطبيعي لمهمتها داخل المنزل .

أما اختلاط الجنسين فيجب أن يتم بناء على أسباب منطقية ووفقا للضروريات ولا ينبغي للمرأة أن تبقي في المنزل بمفردها مع رجل آخر غير زوجها , وتستطيع المرأة الخروج للزيارات ولحضور المحاضرات وللتسوق كما أن من حقها التمتع بالأجازات والتجول في المدينة لمشاهدة معالمها , وينبغي على المرأة التجول على الإقدام إذا كان هذا ممكنا , .

أما إذا كانت المسافة بعيدة فيجب أن تستقل سيارة أجرة إذا توفرت النقود أما إذا لم تتوفر فيمكن للمرأة استعمال المواصلات العامة في حالات الضرورة فقط , أما الزوج الذي لا يخرج مع زوجته أو يجعلها تمشي خلفه إذا ما خرج معها فهو يكشف عن جهله المزري بتعاليم الإسلام , وعلى المرأة أن ترتدي ملابسا محتشمة لدى خروجها من المنزل ,.

والملابس التي تتفق مع الفضيلة معروفة وتعكس الحالة الأخلاقية للشخص الذي يرتديها واحترامه لذاته والإسلام بهذا المعنى لا يوافق على كشف الأذرع أو الأرجل أو الصدر أو ارتداء الملابس الشفافة وشبه الشفافة , والإسلام لم ينص على ارتداء الحجاب , إلا أن السنة وقضاة الفقه أوصوا بارتدائه " لتجنيب المرأة التدخل غير المحبب وإمكانية الإغراء " إلا " أننا لا نعتقد أن تلك الوسيلة وسيلة صحيحة , فالمسلمون اتبعوا تلك الوسيلة في أوقات الضعف والاهتزاز , فتدريب الرجل والمرأة على الفضيلة أمر يتطلب برنامجا شاملا وإيجابيا "

وفي مقدور المرأة مزاولة اهتماماتها الشرعية خارج المنزل , طالما أنها محتشمة في زيها , ويجب أن تتضمن تلك الاهتمامات التعليم بل ويمكن أن تتضمن العمل المريح , والتعليم ليس محببا فقط بل هو ضرورة للمرأة بنفس قدر ضرورته للرجل , وتدريب المرأة يجب أن يتجه أساسا إلى إعدادها لمهمتها الأساسية كزوجة وأم , ويمكن أن تدرس الفتاة الزراعة والقانون والكيمياء والهندسة إلا أن هذا يكون على حساب أنوثتها وحساسيتها , لذا يفضل أن تدرس الفتاة الطب وتعمل في مجال التدريس , .

أن الإسلام لا يحرم على المرأة أى مجال من مجالات الدراسة إلا أن المصلحة العامة للمجتمع تفرض علينا التساؤل عن قيمة الحرية المطلقة في اختيار الدراسة ويجعل تخصص المرأة في مجالات محددة تتفق مع شخصيتها ودورها في المجتمع أمرا مفضلا , أما بالنسبة للإختلاط في الجامعة فلا مانع من التعليم المشترك في جو يسوده الفهم الحقيقي للقيم الإسلامية ,وإلى أن يتحقق هذا الجو ينبغي تخصيص جامعات أو فصول خاصة للفتيات .

والإسلام لا يحرم على المرأة الاشتعال بالتجارة أو الطب أو المحاماة , أو أى مجال آخر يحقق ربحا شرعيا إلا أن اشتغال المرأة بتلك الأعمال يجب أن يتم في محيط كريم تتسم فيه المرأة بالحزم والاحتشام في الزى والسلوك , أنه من حقنا أن تتساءل – حتى في حالة تحقيق كل تلك الشروط – عن أهمية تلك الأهداف بالنسبة للمرأة , " فالتقدم الأنثوى الحقيقي " لا يقاس فقط بحق المرأة في أن تصبح تاجرة أو طبيبة أو محامية بل يقاس التقدم الأصيل بتقدم إنسانيتها " بالتعليم الذي يكتسبه عقلها والتطور الذي يلحق بشخصيتها وطهارة قلبها وطبيعتها ".

أن النموذج الغربي للمرأة يفتقر إلى مقومات الكرامة والشرف , فالغرب يركز على المرأة كأنثي , وجمال المرأة وأنوثتها هما العنصر الأساسي في السوق باعتبارهما أدوات للربح المتزايد , فالمكانة المرموقة للسكرتيرة الجميلة والمضيفة والبائعة والموديل خير شاهد على توظيف أساطين التجارة للغريزة الجنسية .

ولا تزال الوظيفة الأساسية للمرأة هي المنزل والأسرة حيث تتخلق رجولة الإبن , وحيث تكون مصدر الحب والحنان لزوجها , والمرأة هي التي تخلق مستقبل الأمة ومهمتها تلك هي أكثر المهام نبلا " فالدين لا يمنع المرأة من العمل وإنما يمنعها من الهروب من مكانها الطبيعي دون عذر ".

وبتطبيق نفس الوضع على حقوق المرأة السياسية بتركيز إضافي على البعد الزمني : نجد الظروف السياسية والاجتماعية والتشريعية في الوقت الحاضر تستوجب تأجيل حقوق المرأة – التي أقرها الإسلام – حتى يصبح الرجل والمرأة معا أكثر تعلما في المجالين الثقافي والروحي وحتى يتبعوا بإخلاص أكثر مبادئ العقيدة وواقعها العملي فالمجتمع يجب أن يتطهر من الفساد قبل إعطاء المرأة حقوقها السياسية , وحينما يسير المجتمع على هدى الدين والعقل يصبح الطريق ممهدا لخلق مجتمع نبيل تمارس فيه المرأة حقوقها السياسية .

و الواقع أن قضية حقوق المرأة كانت من القضايا التي ظلت تطرح بشكل متزايد على خطباء الجماعة في السنوات الأخيرة , وقد لخص حسن الهضيبي رأيه في هذا الموضوع في مناسبات عدة بصورة لم تتح للعديد من أعضاء الجماعة :" مكان المرأة الطبيعي هو المنزل إلا أنها تستطيع أن تستغل جزءا من وقتها في خدمة المجتمع إذا توفر لها هذا الجزء بعد أداء واجباتها المنزلية بشرط أن تمارس ذلك النشاط في الحدود الشرعية التي تكفل لها الحفاظ على كرامتها وأخلاقها وأنا أذكر أنني تركت لبناتي حرية اختيار الدراسة التي تناسبهن , .

وقد اختارت الأولي دراسة الطب وأصبحت الآن طبيبة تمارس المهنة , أما الأخرى فقد اختارت كلية العلوم وقد أصبحت الآن مدرسة في الكلية والآن بعد أن تزوجنا أرجو أن يجدا التوفيق في المواءمة بين متطلبات المنزل والوظيفة ".

وهناك بالطبع ارتباط أوثق بين قضية حقوق المرأة في الإسلام وبين مسألة تعدد الزوجات والطلاق , وكانت وجهة النظر السائدة في الجماعة فيما يتعلق بهذا الموضوع وجهة نظر عصرية تعتذر عن هذا بأن الإسلام قد حقق فيما يتعلق بتعدد الزوجات تقدما تاريخيا على الأوضاع السائدة إذ قصر التعدد على أربع زوجات فقط , بل إن هذا القصر أيضا قد خضع لمقاييس دقيقة تجعل تنفيذه الحرفي بالغ الصعوبة , فالقرآن الذي قال " وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة " يمنع هذا التعدد طالما أن العدل مستحيل , كما أن تعقيدات المشاكل التي تنبع من تعدد الزوجات وتصارع العائلات يتنافي مع تعاليم الإسلام الأساسية التي تنظر إلى الزواج كمؤسسة تنبني على الحب والحنان والتعاطف , على أن الإسلام احتفظ بمبدأ التعدد ليستخدم في الأوقات التي تقتضي فيها الضرورة استخدامه ,.

والضرورة هنا تأتي عندما تكون الزوجة عاقرا أو مريضة بمرض مزمن أو شاذة بحيث لا تتفق طبيعتها السلبية مع طبيعة زوجها فلا تستجيب لرغباته , الأمر الذي يوجب عليه الزواج العفيف الطاهر بأخرى بدلا من السعى وراء المومسات وارتكاب الفحشاء كما يحدث في الغرب , .

ويضاف إلى تلك الحالات الشخصية إمكانية ظهور احتياجات من نوع آخر : كالاحتياج الاقتصادي الذي يواجه بعض الناس في المناطق التي تعاني من نقص السكان والتي تحتاج إلى أيدي عاملة أخرى والاحتياج الاجتماعي والأخلاقي حينما يقل تعداد الذكور , كما حدث في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولي , .

والاعتراض الأساسي على التعدد ليس اعتراضا على المبدأ ذاته وإنما ينصب على إساءة استخدام هذا المبدأ لكي يصبح وسيلة لإرضاء الشهوات وارتكاب الخطايا , والحل هنا لا يتأتي بإلغاء هذا المبدأ الذي يؤدي وظيفة اجتماعية , وإنما يتأتي من خلال تعليم الناس حقائق العقيدة وسوف تحل مشكلة التعدد نفسها بنفسها , فالتعدد يقل بالتدريج – كما يحدث الآن في المراكز الحضرية – حتى ينحصر في مجالات الاحتياج الحقيقي .

والحديث النبوي القائل :" أن أبغض الحلال عند الله الطلاق " يجب أن يكون أساس تعاملنا مع تلك المشكلة وفقا لرأي الإخوان, والتصدي للنتائج الضارة المترتبة على الطلاق يتأتي من خلال الإخلاص العميق لتعاليم العقيدة ومن خلال تطبيق الوسائل الأساسية في حل الخلافات الزوجية .

أن القرآن لا يذكر الطلاق على أنه الحل لمشكلات الحياة الزوجية , حتى وإن كره الزوج زوجته , في هذا يتفق الإسلام مع الشروط الدقيقة التي يضعها لرابطة الزواج , وعجز المرأة أمام التهديد المستمر بالطلاق فيأتي من إساءة فهم المؤسسة " الزوجية " كما يأتي من انتهاك الروح الإسلامية الأصيلة في الحياة اليومية , والحل لا يتأتي من خلال إلغاء ما حلله الله , وإنما يتأتي بالعودة إلى المبادئ الأساسية للحياة الإسلامية .

الفصل العاشر خطوات الإصلاح ... وتنفيذه

كانت الدولة الإسلامية أو النظام الإسلامي – كما يتصوره الإخوان – بعيد المنال ما يزال , ومع ذلك فإن تعذر تحويل الأمة إلى الإسلام الكامل في يوم وليلة لا يعني أنه ليس هناك الكثير مما ينبغي عمله من أجل التمهيد للهدف النهائي , وذلك يعني القيام بإصلاح شامل سواء في مجالات حياة البلاد السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية , إصلاح تقع مسؤوليته على القمة والقاعدة .... الحكومة والشعب على السواء , .

ويتعين أن تسترشد الحكومة بسلسلة من البرامج الإصلاحية التي تدافع عنها الجماعة وتضمن لها التأييد الواسع من قبل دوائر المسلمين التي أخذت تتبني حديثا - وبشكل متزايد – حقائق العقيدة .

كذلك سعت الجماعة – بجانب الدعوة إلى البرامج الإصلاحية – إلى خلق نماذج تتفق والحياة الإسلامية الحقة عن طريق أخذ المبادرة في تخطيط عدد من الإجراءات يكون الغرض منها توضيح صلاحية الإسلام كبرنامج متسق للتنظيم الاجتماعي .

الحكومة والسياسة

الإصلاح السياسي والقانوني والإداري

يعتبر إصلاح الدستور أول واهم مقاييس الإصلاح السياسي . ويوضح لنا شعار الإخوان الذي كانوا يهتفون به " القرآن دستورنا ) مفهوم حسن البنا عن الإصلاح الدستوري , الذي يبين لنا أيضا عدم تفرقته بين الإصلاحات السياسية والإصلاحات القانونية , إذ كان ينادي بإصلاح القانون بشكل عام ليتفق مع الشريعة ضمن ما ينادي به من إصلاحات سياسية , هذا , .

ولم تتناول البرامج الإصلاحية التي نادت بها الجماعة بعد موت حسن البنا موضوع الإصلاح القانوني بنفس الطريقة المباشرة التي كان البنا يتتبعها فقد رأي الإخوان أن الاتفاق مع الشريعة يأتي من تلقاء نفسه إذا ما عملنا على تنفيذ مجموعة محددة من الإصلاحات في كافة المجالات .

وبذلك تحول الإصلاح الدستوري إلى موضوع منفصل ومحدد يتسم تناوله بقدر أكبر من العلمانية بالمقارنة مع تناول البنا له .

وعلى ذلك فالدستور المصري القائم هو دستور لا يمكن التعايش معه , طالما أنه نتاج عهد الاستعمار الإنجليزي والطغيان السياسي , الأمر الذي أدي إلى وجود العديد من الثغرات التي تجعله يبدو وكأنه منحة من الملك دون أن يعبر عن إرادة الأمة .

وقد حان الوقت ( أغسطس 1952 ) لعقد مؤتمر بضع مسودة دستور جديد يعبر عن عقيدة الأمة ورغباتها ويكون درعا لحماية مصالحها , وهو دستور يجب أن يستمد مبادئه في كافة شؤون الحياة دون استثناء من مبادئ الإسلام .

وينبغي أن يضمن مثل هذا الدستور تطبيق مبدأ مساواة الحاكم بالمحكوم في المسؤولية أمام القانون .

والإصلاح الدستوري يؤدي إلى إصلاح الحياة البرلمانية , فمصر منذ بداية حياتها البرلمانية لم تر تمثيلا برلمانيا أصيلا أو مناسبا للمصريين , والبرلمانات الفاسدة في مصر ليست إلا تعبيرا عميقا عن المؤامرات الحزبية والإرادة الملكية بدلا من أن تكون تعبيرا عن الإرادة الشعبية , .

ولا يتأتي الإصلاح البرلماني الأصيل إلا بعد إلغاء الأحزاب السياسية , فالبرلمان خلال الفترة الحزبية الماضية لم يكن أكثر من وسيلة تضفي الشرعية على شهوات أصحاب السلطة وطغيانهم والأحزاب ليست ضرورية إذا ما أردنا تأليف حكومة ممثلة للشعب , فالديمقراطية لا تقتضي إلا ضمانات لحرية التعبير عن الرأي ومشاركة الأمة في الحكم , فالحياة البرلمانية تستقيم تماما بدون الأحزاب وبهدى من تعاليم الإسلام , كما أن الأحزاب لا تتفق مع الإسلام نظرا لأنها تبث الفرقة داخل الأمة .

وقد ذهب البنا إلى أن إلغاء الأحزاب السياسية لابد وأن يتبعه إقامة حزب واحد له برنامج إصلاحي إسلامي ,وقد ظل الإخوان المسلمون يلمحون إلى هذه الفكرة وإن لم يصرحوا بها كما فعل حسن البنا .

وتتضمن اقتراحات الإصلاح الحزبي والبرلماني النقاط التالية :

1) وضع توصيف للشروط التي يجب توافرها في المرشح سواء كان ممثلا للتنظيم أو لم يكن .
2) تحديد ضوابط عملية الانتخاب نفسها .
3) إدخال تعديلات على جداول الانتخابات وإجراءات التصويت بما يحررها من سيطرة المصالح , وأن يكون التصويت إجباريا .
4) توقيع العقوبة الرادعة على من يزور في الانتخابات أو يتقاضي رشوة .

كذلك اقترح حسن البنا إجراء نظام الانتخابات وفق قوائم وعدم تركها للمرشحين الأفراد ذوى الصلات الحزبية الأمر الذي يعفي الممثل من الضغط الذي يمارسه عليه أولئك الذين ينتخبونه , كما أن هذا الإجراء يخدم المصالح العامة لا المصالح الخاصة .

أما مجال الإصلاح الحكومي الآخر فهو الإدارة العامة خاصة ما يتعلق منها بالمجان الوظيفي , وقضية كتلك لها وجهان : الأول يتعلق بإدخال النظام الإسلامي بمفهومه الأخلاقي في المجال الوظيفي , والثاني يتعلق بأمور العمل والإجراءات وقد تناول حسن البنا الجانب الأول بأكثر مما تناول الجانب الثاني فدعي إلى :-

1) نثر روح الإسلام في مصالح الحكومة .
2) مراقبة سلوك الشخص للتأكد من حسن سلوكه كموظف وإنسان .
3) إعادة تنظيم ساعات العمل لتسهيله ومنع سهر العمال ليلا .
4) الرقابة على كافة الوظائف الحكومية لضمان اتساقها مع روح تعاليم العقيدة .
5) تعيين عدد أكبر من خريجي الأزهر سواء في المجال العسكري أو المدني .

وتعتبر وجهات النظر التي أوضحناها آنفا سمة مميزة لتفكير حسن البنا فيما يختص بمشكلة الإصلاح بوجه عام كذلك عني حسن البنا بدراسة المشاكل الوظيفية التي تهم إتباعه بشكل مباشر والتي أصبحت فيما بعد محور برامج الإصلاح التي تضمنت ما يلي :-

1) اختيار الموظفين على أساس الكفاءة لا على أساس صلات القربي والنسب .
2) العمل على استقرار أوضاع العمل وتبسيط إجراءاته عن طريق تحديد مسؤوليات كل فرد وإلغاء المركزية .
3) تحسين أحوال صغار الموظفين برفع مرتباتهم ومنحهم مكافآت الأمر الذي يؤدي إلى إزالة الفجوة بينهم وبين كبار الموظفين ويضمن لهم أمانهم القانوني والمالي ويحمي المرؤوس من نزوات الرئيس وطغيانه .
4) تخفيض عدد الوظائف والتوزيع الدقيق لمسؤوليات العمل على الموظفين .
5) إلغاء نظام استثناء الأصدقاء والأقارب والأصحاب من القواعد المعمول بها وقد قامت اللجنة الفرعية المختصة بالموظفين والمنبثقة من قسم المهن بوضع العديد من برامج الإصلاح الوظيفي كما أن اللجان الخاصة , التي أنشأتها الجماعة في المدن الكبرى ( القاهرةالإسكندرية ) بعد الحرب العالمية الثانية بغرض مواجهة أعباء المعيشة المرتفعة قامت بتقديم مساعدات عملية للموظفين الذين يقل دخلهم الشهري عن ثلاثين جنيها عن طريق تسديد مصروفات التعليم الجامعي لأبنائهم .

وكانت أعمال تلك اللجان الخاصة تقوم جنبا إلى جنب مع دعوة الجماعة العامة للإصلاح خاصة ما يتعلق منه بالمرتبات والتأمين الاجتماعي الذي يرد ذكره في العديد من نشرات الجماعة الصحفية ,.

وسوف تتناول فيما بعد الأهمية الواضحة لتصدي الجماعة للإصلاح الوظيفي حيث أن ذلك التصدي كان سببا في جذب الكثير من الأعضاء للجماعة .

ولأن الخلاص من الإمبريالية كان مقترنا بالإصلاح السياسي , لذا نجد هذا الأخير ينطوي دائما على أفكار تتعلق بالإصلاح العسكري وقد لاحظنا فيما سبق تلك الروح " العسكرية " التي كان يتسم بها برنامج تدريب أعضاء الجماعة , وكان حسن البنا يدعو إلى توسيع هذا الاتجاه العسكري لدى الجماعة على النطاق القومي بدعوته إلى " تقوية الجيش وإشعال حماسه واعتمادا على الجهاد الإسلامي " ....

فالدفاع عن الوطن والدفاع عن حقائق الإسلام دعوتان تكرر ذكرهما كثيرا في مقالات الجماعة الصحفية التي تحث على الإصلاح العسكري , .

كذلك اكتسبت هاتان الدعوتان أهمية أعظم بعد ثورة 1952 , فقد دعت الجماعة في ذلك الوقت إلى :

1) تقوية الجيش وزيادة قواته دون النظر إلى ما يترتب على هذا .
2) أن يتسع نطاق التجنيد حتى لا يبقي في الأمة – بعد فترة محددة – شخص قادر على حمل السلاح دون أن يحمله .
3) أن يتم تدريب أفراده على نحو يكفل أن تقوم العلاقات بينهم على أساس من الإخوة .
4) فرض التدريب العسكري الذي يتضمن فنون الحرب وتكتكات القتال الحقيقي في الجامعات والمدارس وجعله إجباريا .
5) إنشاء جيش إقليمي ينضم إليه أولئك الذين لم ينضموا إلى الجيش النظامي .
6) أن تعمل الحكومة على إنشاء صناعات حربية .

أما إصلاح البوليس فقد دعت إليه الجماعة بإلحاح وبوجه خاص بعد الحل الأول للجماعة عام 1948 وبعد موت حسن البنا في أعقاب هذا الحل , الأمر الذي يوضح الجانب السياسي والذاتي وراء تلك الدعوة , وقد تضمنت دعوة الإصلاح تلك إلغاء الفساد والطغيان وإرهاب السجون وإلغاء البوليس والعمل السياسي ورفع أجور العاملين في البوليس .

العمل السياسي والمواقف السياسية

ووجه الدور الذي لعبه الإخوان في الحركة الوطنية وفي السياسة المصرية الداخلية بالإدانة من قبل العديد من الجماعات والأفراد داخل البلاد وخارجها .

وكان السؤال الذي يتردد في الأذهان هو ما علاقة جماعة دينية بالسياسة وقد أوضحنا فيما سبق رد الإخوان على هذا السؤال , فالدين لدى الإخوان ليس مجرد طقوس تمارس في المنزل وفقا للمفهوم الغربي الذي يعتبر انتهاكا لوحدة الحياة التي يعلمنا إياها الإسلام , فالدين والسياسة لا يتضادان بل هما جزءان من الإسلام الشامل شأنهما في ذلك شأن أى من أنماط السلوك الإنساني الأخرى .

وهكذا لا ينفصل العمل السياسي بداءة عن نشاط الحركة على أن تلك النظرة طرحت بعض القضايا الأيديولوجيات حول طبيعة الولاء السياسي في المجتمع الإسلامي المتواجد داخل عالم من دول القوميات وحول كيفية تحديد وتفسير العمل السياسي ففي ضوء التفسير الأممي للإسلام الذي تتبناه الجماعة يدور سؤال : كيف يكون سلوك الأخ المسلم فيما يتعلق بالالتزامات المباشرة تجاه مصر والعرب .

والواقع أن وجهة نظر الجماعة حول هذا الموضوع كانت واضحة على الأقل من الوجهة الفكرية :

القومية

القومية شئ مقدس , فهي الوطنية فيما يتعلق بمصر وهي الالتزام التام بالدفاع عن الوطن والنضال من أجله , والدفاع عن مصر لا يكون لمجرد كونها مصر بل لأن مصر أرض إسلامية , .

والوطنية شئ مقدس لأنها تخدم العقيدة والوطنية من أجل مصر تكتسب أبعادا محببة نظرا لعلاقة مصر التاريخية الهامة بالإسلام , لذا تتطلب الوطنية – كخطوة أولي – النضال ضد الاستعمار , ذلك أن خلاص مصر يمثل الحلقة الأولي في النهضة المرجوة , ومصر ليست إلا جزءا من الأمة العربية لذا يعتبر العمل في سبيلها خدمة للعروبة والشرق والإسلام وهكذا تعتبر القومية التي تحمي الأمة من العدوان واجبا دينيا , ذلك أن عزة الدين لا تتحقق إلا في أمة حرة .

لكن هذه القومية شئ مختلف تماما عن القومية بالمفهوم الغربي للكلمة , فهذه العاطفة الجديدة في الغرب كان لها فضل إقامة دولة عصرية , إلا أنها في العالم الإسلامي دمرت وحدته وتركته فريسة للاستعمار المسيحي والصهيوني , .

وبينما يتحرك العالم كله تجاه الأممية , يتراجع المسلمون أصحاب التقاليد الأممية إلى الو لاءات الإقليمية بل والأسوأ من ذلك أن هذه القومية الضيقة والتي هي نتاج الغرب أوجدت " معبودا جديدا " يتمثل في الأمة المادية الأمر الذي يدمر قومية المبادئ المقدسة التي رسمها الله لنا في الإسلام ويتنافي معها , فالأمة بشكلها المستحدث أصبحت شريكا لله , وبذلك يرتكب القوميون العلمانيون خطيئة الشرك بالله .

أن الصلة الحقة والنهائية الممكنة بالنسبة للبشر هي صلتهم بربهم " فليست هناك عزة للإنسان أكثر من ذلك " والإنسان إذا عنى حقا بصلة الإنسان بربه ليصبح متحررا بالتالي من التحزب وضيق الأفق , يملك الحرية في الاتحاد بباقي الناس تحت راية الله , .

وهكذا يرفض الإسلام القومية بمفهومها الضيق والنابع من المصالح المادية والدنيوية , ويفضل على ذلك أن تكون الوطنية في خدمة الأهداف الأشمل – والأحق _ للمجتمع والتي أوحي بها الله فلا يمكن تحقيق القومية بغير الدين :" فالقومية الوطنية هي الولاء للوطن والدين هو المدخل لهذا الولاء طالما أنه لا ولاء لمن لا دين له ".

ونستطيع أن نلاحظ هنا أن الكلمات المستخدمة فيما يتعلق بالقومية في كتابات الجماعة لم تكن ثابتة , فالوطن والقوم والأمة تعبيرات تستخدم بنفس المعنى كذلك نجد أن لفظ الوطنية كثيرا ما يستخدم بمعني القومية ..

وقد حاول حسن البنا في إحدى خطبه المبكرة توضيح معنى هذه الكلمات للإخوان ولأولئك الذين تساءلوا عن طبيعة الولاء السياسي للجماعة فشرح الفرق بين الوطنية والقومية باعتبار الأولي " الولاء للوطن " أما الثانية فهي " الولاء للقوم " كما شرح الصفات التي تتنافي مع الإسلام والصفات التي تختلف مع هذين المفهومين .

فهناك ما يسمي " بوطنية البنين " وهي حب الإنسان لبلده ومكان إقامته , وهو حب يتفق مع أوامر الطبيعة وتعاليم الإسلام , فبلال والنبي عبرا عن هذا النوع من الوطنية حينما عبرا عن حبهما الحنون لمكة مسقط رأسيهما .

وهناك "وطنية الحرية والعزة " وهي الرغبة في العمل من أجل شرف الوطن , استقلاله الأمر الذي يحث عليه القرآن والإخوان .

وهنا " وطني الفتح " التي تتمثل في الرغبة في السيطرة والفتح , والأمر الذي نجد له جذورا في الإسلام الذي يوجه رجاله الفاتحين إلى أفضل نظم الفتح والاستيطان .

أما " الوطنية " الحزبية " التي تتسم بجب الصراع الحزبي والكره المرير للخصوم السياسيين بما يترتب على ذلك من نتائج مدمرة فهو نوع زائف من الوطنية فهو لا يخدم أحدا بل لا يخدم حتى أولئك الذين يمارسونه .

يعلمنا الإسلام إذن الوطنية القائمة على الدين لا القائمة على الحدود الجغرافية , والتي تهدف أساسا إلى نشر كلمة الله في كافة أرجاء الأرض وليس لمجرد تحسين الظروف المادية لبلد ما كما هو متتبع في أوروبا .

وإذا كان الإسلام يعلمنا الوطنية فهو أيضا يعلمنا القومية التي تتمثل في إخلاص الفرد لقومه , وهناك أنواع عديدة من القومية ... فهناك قومية ( المجد ) التي تتمثل في اعتزاز الجيل الجديد بأمجاد أجداده والرغبة في التساوي معهم الأمر الذي دعي إليه الرسول ويستحق كل استحسان .

وهناك قومية الأمة التي تتمثل في اهتمام الفرد الخاص بجماعته وناسه , وهذا إحساس طبيعي وأصيل .. وهناك قومية التنظيم التي تتمثل في عمل ونضال الجماعات الفردية من أجل تحقيق الأهداف المشتركة للحرية والإيمان الأمر الذي يعتبر تطلعا مشروعا .

وتعتبر كل تلك الأنواع تعبيرات مشروعة عن القومية تتفق مع الإسلام , إلا أن قومية الجاهلية التي تتمثل في العمل على إعادة عادات الجاهلية القديمة واستبدال الإسلام بنزعات قومية وعنصرية متطرفة , فإنها تمثل عاطفة شديدة الخطورة تستحق الإزدارء الشديد , فقد استغلت بعض الدول تلك القومية في تدمير المعالم الخارجية للإسلام والعروبة وذهبت إلى حد تغيير الأسماء الأصيلة وحروف الأبجدية ومفردات اللغة ... وتسعي هذه القومية إلى تدمير الإسلام ودين الإسلام وأقدس ما في هذا الميراث .

كذلك ينطبق نفس الوضع على قومية العدوان التي تسعي إلى سيطرة جنس على باقي الأجناس الأمر الذي يمثل أيضا عاطفة زائفة تستحق أيضا الازدراء , والأمثلة البارزة لتلك القومية تتمثل في سلوك ألمانيا وإيطاليا وأى أمة أخرى تدعي أنها فوق الجميع .

ولقد أدت وجهة نظر الجماعة تلك فيما يتعلق بالوطنية والقومية إلى إدانة الجماعة لوجهات النظر التي نشأت في ربع القرن الأخير والتي كانت تحدد ولاءات العرب للفرعونية في مصر والفينيقية في لبنان والسريانية في الهلال الخصيب , بل إن العروبة أيضا تصبح مدانة في نظر الجماعة إذا اتسمت بالنزعة الدنيوية والعنصرية , .

وكان حسن البنا مهتما بشكل خاص بفكرة الفرعونية التي أدت إلى انقسام المثقفين الوطنيين المصريين في العشرينات وهو يقول عن ذلك : " فنحن نرحب بمصر الفرعونية كتاريخ ملئ بالمجد والفخار والعلوم والمعرفة " إلا أن المسلمين ( الإخوان المسلمين ) سوف يتصدون بكل قواهم لوجهة النظر التي ترى أن إعادة بناء مصر يجب أن يتم على نمط الدولة القديمة بعد أن منحها الله نعمة تعاليم الإسلام .

ويمكننا أن نلاحظ من أقوال حسن البنا أن رفض الفرعونية والدعوات الأخرى لم ينشأ من رفض الجماعة لما تدعو إليه تلك الدعوات بل نشأ من عدم وجود حقيقة الإسلام فيها , ومن هذا المنطلق قاومت الجماعة بكثير من الضراوة الفكرة التي روج لها طه حسن والقائلة بأن مصر تنتمي إلى حضارة البحر الأبيض المتوسط وليست جزءا من الشرق .

أما فيما يتعلق بالحركات القومية الأخرى , فإن الفينيقية لم تكن ذات أهمية كبيرة نظرا لكونها حركة لبنانية في الأساس , على عكس السيريانية التي اكتسبت أهمية كبيرة لدى الإخوان نظرا لسعة منظورها ولأفكارها التي تجسدت بفاعلية من خلال الحزب القومي الاشتراكي السوري الذي أسسه أنطون سعادة فالوقوف ضد السيريانية أمر هام لدي الإخوان ذلك أنها تعتبر تحديا مباشرا للعروبة التي تمثل عنصرا هاما من عناصر ولاء المسلم كما أنها تعد أقوى الحركات المتزايدة النمو ( والتي تدعو إلى علمنة الولاءات في المجتمع ) حتى وإن لم تكن ضد الدين .

العروبة

كانت قضية العلمنة هي أساس أهم الاعتراضات التي وجهها الإخوان ضد بعض أشكال القومية العربية , فقد شعر الإخوان بأن المدافعين عن قومية الوطن العربي الواحد ( وكان أبرزهم ساطع الحصري ) قد ضلوا الطريق الصحيح شأنهم شأن المدافعين عن السيريانية " إذ أنهم اخفقوا في فهم العرب والعروبة في النسق العام للأشياء .

" فالعرب هم المسلمون الأوائل " والإسلام يتعرض للمهانة إذا ما تعرض العرب لها وفقا لقول الرسول , والأمة العربية من الخليج للمحيط تعتنق نفس العقيدة وتنطق بنفس اللغة التي هي لسان الإسلام , لذا لا تتمثل البداية الحقيقية للعمل من أجل النهضة الإسلامية في مجرد تحرير يل الأرض الإسلامية ( ممارسة الوطنية والقومية ) بل تتمثل تلك البداية أيضا في توحيد الأمة العربية الأمر الذي يتفق والهدف من العروبة , فالإخوان المسلمون حينما يخدمون العروبة إنما يخدمون الإسلام ومصالح العام أجمع في الوقت نفسه .

وقد ترتب على هذه الوجهة من النظر بالنسبة للعروبة اهتمام حاد بقضية فلسطين , القضية الأساسية التي تواجه الأمة العربية , فإذا كان العرب .

هم المسلمون الأوائل فإن فلسطين تكتسب أهمية تتعدي الاعتبارات الجغرافية السياسية , ففلسطين هي ( خط الدفاع الأول للوطن العربي ) إلا أنها أيضا قلب العالم العربي والشعوب الإسلامية فهي أولي القبلتين وثالث الأماكن الإسلامية المقدسة .

وفضلا عن ذلك ناقش الإخوان الاعتبارات العلمانية التي تستوجب مقاومة الصهاينة في فلسطين  :" فإذا كان الدين لا يمدنا بأسباب كافية لمحاربة الصهاينة , فإن المصالح الدنيوية تمدنا بالأسباب اللازمة .

إلا أن هذا الاعتبار يأتي في موقعه الخاص في سلسلة الأولويات , فمناهضة الصهيونية تنبع وفقا للأولويات من " الدفاع عن مصالح الإسلام ثم العروبة ثم المصالح المحددة للأمة ( مصر ) ".

أما موقف الجماعة تجاه المحاولة الأولي لخلق مؤسسة ترعي الوحدة العربية فقد اتسم بطابع دنيوى أو علماني أيضا وإن لم يخل من العنصر الإسلامي , فقد قوبلت الجامعة العربية بموافقة مشروطة من قبل الإخوان , فانجلترا هي التي خلقت تلك الجامعة ولا يعقل أن يؤيد الإنجليز الفكرة لسواد عيون العرب , .

ومع ذلك , ورغم أن أبوة بريطانيا لهذه الجامعة هو أمر يثير الريبة , فإنها لا تقف عقبة في طريق الانتفاع بهذه الجامعة , بشرط أن نضع نصب أعيننا دائما إمكانية تغيير شكل هذه الجامعة بما يتناسب ومصالحنا ( مصالح العرب ) وبهذا الشكل يمكن للعرب الاستفادة من البنيان الشكلي الموجود للوحدة العربية , بصرف النظر عن زيف هذا البنيان والنوايا التي أنشئ أساسا من أجلها , وذلك كخطوة أولي على طريق قيام وحدة عضوية أصيلة .

وكخطوة في اتجاه هذا الهدف , دعي الإخوان وعضدوا وضع ترتيبات لتسهيل قيام الوحدة الاقتصادية بين العرب وكان على رأس هذه الترتيبات إنشاء شرطة يرأس مال عربي بحت لتمويل المشروعات التجارية والمالية والصناعية في العالم العربي وكان ذلك نوعا من رد الفعل من جانب الإخوان قيد الاحتكار السياسي الخارجي لهياكل الوحدة العربية .

وكان بين أسباب تشكك الإخوان في الجامعة العربية شعورهم العميق بالشك في نوايا الأسرة الهاشمية التي اعتبروها تابعا للإنجليز , أما الثورة الشريفية ضد الأتراك فقد كان الإخوان يرون خطئها على الرغم من اختلاف مشاعرهم تجاهم , ولم يكن مرجع هذا في رأيهم استقلالها عن الأتراك ( رغم أن موضوع أضعاف الخلافة كان سببا لكثير من الخلط الأيديولوجي والمواقف المعقدة لدى الإخوان ) بل كان يرجع إلى أن تلك الحركة أدت إلى سيطرة الإنجليز والفرنسيين , أما العداء لشريف مكة فقد أنصب أساسا على وريثيه في العراق والأردن خاصة الملك عبد الله الذي يتضح عداء الجماعة له من خلال معارضتها لمشروع سوريا الكبرى , .

فمشروع سوريا الكبرى مشروع جيد إذا كان الهدف منه وحدة المسلمين العرب , إلا أن خطوة كتلك يقف وراءها الأردن ( الملك عبد الله ) لن تكون إلا محاولة لتوسيع الاحتلال الأردني بحيث يشمل في النهاية كل الأراضي السورية باسم سوريا الكبرى .

وقد ازداد سوء سمعة الملك عبد الله بعد خيانته " للقضية العربية " أثناء حرب فلسطين وهو حكم لا زال أكثر المصريين يعتقدون في صحته , لذا نجد أن اغتياله قوبل من الإخوان بافتتاحية تتناول كل تاريخه .

النزعة الإسلامية

يجب أن يكون ولاء المسلم النهائي والوحيد للوطن الإسلامي ولكل قطعة أرض يتواجد عليها مسلم يقول اشهد أن لا إله إلا الله واشهد أن محمد رسول الله والمبرر الأساسي لخدمة المصالح القومية المحدودة لمصر ( أو أى دولة إسلامية ) أو للمصالح الأكثر شمولا للعروبة ( وإن تكن محدودة ما تزال ) هو الإسلام وتوحيد المجتمع الإسلامي , .

وفي النهاية ... خير الإنسانية جمعاء , فالقومية الإسلامية تتجاوز الحدود الجغرافية والتقسيمات السياسية واختلاف اللون والجنس واللغة , ذلك أنها تقوم على فكرة الوحدة الإنسانية والقومية الأساسية , .

على عكس القومية الضيقة , تعتمد على المبادئ الإلهية والإنسانية والأممية وتلك المبادئ وحدها هي الجديرة باهتمام الإنسان الذي خلقه الله والعمل على ربط تلك المبادئ ببعضها لتصبح مجتمعة هدفا للوجود الإنساني هي واجب المسلمين , وهكذا يتضح لنا أن القومية الإسلامية تخدم البشرية جمعاء .

أما هدف تلك القومية فهو نهضة الأمة الإسلامية , إلا أن أمرا كهذا ما يزال بعيد المنال , ويجب علينا البدء في الخطوات الأولي لهذه المهمة التي تتمثل في تحرير الأمم الإسلامية المتفرقة وتوحيد العالم العربي , .

كذلك يمكن أن نفكر جديا في الخلافة كرمز للوحدة الإسلامية عندما تزداد روابط الأمم العربية والإسلامية قوة ... ويمكن تقوية تلك الروابط عن طريق اهتمام المسلمين ببعضهم البعض والتعاون المشترك فيما يختص باحتياجاتهم .

وقد عملت الجماعة تمشيا مع هذا الاعتقاد الأخير على فتح باب مجلاتها وجرائدها ومنابر الخطابة بها من أجل خدمة قضايا المسلمين في كافة أنحاء العالم كما كانت الجماعة - على حد زعمها – تقوم بتقديم بعض الدعم المادي لعدد من هذه القضايا .

وكانت أداة الجماعة الرسمية في تقوية روابط العالم الإسلامي هي " قسم الاتصال بالعالم الإسلامي " الذي لعبت قيادته – كما أشرنا من قبل – دور المضيف للعديد من البعثات والوفود الإسلامية التي جاءت لزيارة مصر والجماعة , وكان هذا القسم يسعي لكي تحتل الجماعة مركز الحركة الإسلامية التي يتعين أن تتسع لتشمل العالم الإسلامي كله .

وقد جرت محاولات – ساعدت الحكومة الثورية في تنفيذها عام 1954 – لعقد مؤتمر دولي لقادة الإسلام يقام في مكة أثناء موسم الحج .

كذلك قامت الجماعة في منتصف الأربعينات بإقامة العديد من الخيام في مناطق معينة في مكة لاستقبال وفود الحج المختلفة القادمة من كافة أرجاء العالم الإسلامي بهدف إجراء محادثات ومناقشات معهم .

كذلك مثلت الجماعة بشكل رسمي في المؤتمرين الإسلاميين الذين عقدا بكراتشي , عامي 1949 , 1951 وقد انتخب أحد أعضاء الجماعة البارزين ( سعيد رمضان الذي يعيش الآن في المنفي ) سكرتيرا عاما للمجموعة التي حضرت المؤتمرين والتي اتخذت اسم " المؤتمر الإسلامي " عنوانا لها .

النزعة الشرقية

يجب أن تمثل النزعة الإسلامية أو الجهد المبذول من أجل صالح الأمة الإسلامية الهدف النهائي للمسلمين على أن هذا النشاط الذي يتعدى إطار القومية له بعد آخر , فهناك مفهوم " الشرقية " الذي ذكره حسن البنا على نحو عابر عندما كان يري أن كتلة الأمم الآسيوية والتي يشار إليها بوصفها " الشرق " لها أهمية خاصة لأنها تعكس أساسا تفكير الغرب الذي تلخصه عبارة كيبلنج : الشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا .

وكان البنا مقتنعا تماما بأن ظاهرة " الشرقية " ستختفي من العالم حينما يقيم الغرب علاقات عادلة مع العالم أجمع , إلا أنه لا ينبغي أن تنسي أن البلاد الآسيوية تعاني من المشاكل , والإخوان باعتبارهم مسلمين وآسيويين عليهم أن يناضلوا من أجل استعادة شرف وعزة الأمم الآسيوية بكل وسيلة ممكنة .

على أن حسن البنا لم يعاصر فترة باندونج ودخول آسيا طرفا في الحرب الباردة , لذا نجد أن النزعة الشرقية قد تحولت لدي أتباعه إلى قضية الولاء للكتلة الآفرو آسيوية , ولقد وجد الإخوان أن من الممكن إبداء مشاعر ودية تتسم في الوقت نفسه بالتحفظ تجاه تلك الكتلة , .

فقد يكون من الأفضل العمل داخل هذا التجمع إلا أنه لا يمكن اعتبار تلك الكتلة أكثر من كتلة مرحلية ومؤقتة نظرا لافتقارها إلى المصالح المشتركة طويلة الأمد فالتعمير الأكثر واقعية عن الوحدة الآسيوية بتحقق من خلال الكتلة الإسلامية التي تستطيع أن تبقي رغم تحديات الحرب الباردة نظرا لتشابه أهدافها وتطلعاتها ..

والواقع أن الحرب الباردة كانت هي السبب الأساسي في المساندة المحدودة التي قدمتها الجماعة للكتلة الأفروآسيوية طالما أنه ليس في الإمكان تشكيل كتلة إسلامية ثالثة تعادل الكتلتين المتنازعتين .

وينبغي أن نلاحظ هنا أن الحرب الباردة كانت بالنسبة للجماعة فرصة تتيح للإسلام خدمة البشرية عبر الوساطة بين العالم الرأسمالي والعالم الشيوعي , فالإسلام ليس رأسماليا أو شيوعيا , وإنما هو نظام شامل يتمتع باكتفاء ذاتي , الأمر الذي يجعله يرفض فكرة التحالف مع أى من العسكريين , كذلك قدمت الجماعة تحذيرا للمسلمين من محاولات الغرب استغلالهم لعقد تحالف مع الإسلام ضد الشيوعية , .

والواقع أن هناك الكثير من السمات المشتركة بين الإسلام والمسيحية , التي لا تتفق مع نظام الإلحاد الشيوعي , إلا أن وحدة الهلال والصليب لا يمكن أن تتحقق إلا مع أولئك الذين يؤمنون بتعاليم يسوع ومحمد ويمارسونها بأصالة .

كذلك يجب أن نذكر هنا أن الإخوان كانوا يرون في الحرب الباردة فرصة لإنقاذ الإسلام والأمم الإسلامية عن طريق استغلال الوضع القائم بما يخدم هدف التحرر الوطني أو الإصلاح الداخلي , .

وفي حين تعترف الجماعة بخطورة المعسكر السوفيتي على الإسلام مثله في ذلك مثل المعسكر الغربي , نجدها في الوقت نفسه تحبذ الاستفادة من تلك المخاوف التي مبعثها الاتحاد السوفيتي وكما قال سيد قطب " أننا نحتاج مؤقتا إلى القوة الشيوعية لإرهاب الطغاة والمستغلين ونحن نرسي قواعد الإصلاح الاجتماعي ومن أجل استيفاء مناقشتنا للعمل السياسي والاتجاهات السياسية داخل الجماعة , سوف يتعين علينا بطبيعة الحال أن تتناول في هذا القسم القضايا المتعلقة بالعنف السياسي والثورة .

ولأن هذه المسائل ترتبط على نحو وثيق بموقع الجماعة الخاص في ساحة الحياة السياسية المصرية , لذا نفضل أن نرجئ تناولها للفصل الختامي .

الاقتصاد

الإصلاح الاقتصادي

ظلت نوعية الإجراءات الاقتصادية التي طالب الإخوان باتخاذها طيلة سنوات مناداتهم بالإصلاح في مصر ثابتة تقريبا دون تغيير ملموس – سواء من حيث زاوية المعالجة أو من حيث الأهمية النسبية لتلك الإجراءات في الإطار العام للإصلاح المنشود .

وفي حين ركز البنا اهتمامه الأساسي على الإصلاح الأخلاقي والسياسي والتعليمي , نجد أن بعض إتباعه كانوا يرون أن الأولوية المطلقة يجب أن تمنح للإصلاح الاقتصادي , الأمر الذي جعله – أى البنا – يولي المشكلة الاقتصادية اهتماما أكبر استجابة لاهتمام الأعضاء واحتياجاتهم في مواجهة الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تعرضت لها مصر بعد الحرب العالمية الثانية ,.

وتشتمل فكرة الإخوان عن الإصلاح الاقتصادي على عنصرين أساسيين :-

1) أن الاستقلال الاقتصادي هو أساس أى استقلال سياسي أصيل .
2) تحسين الأوضاع الاقتصادية بما يحقق نوعا من التأمين الاجتماعي والاقتصادي للجماهير المصرية الفقيرة ويسد الثغرات الموجودة في البنيان الطبقي حتى يتم تجنب الفرقة الوطنية التي تنجم عن الصراع بين الطبقات في حدود هذا الإطار دعت الجماعة الدولة إلى تنفيذ بعض إجراءات الإصلاح الاقتصادي وإصدار التشريعات أو القوانين التي تنظم تلك الإجراءات بما يتفق مع التراث الإسلامي .

وتتلخص تلك الإجراءات فيما يلي :

1) إلغاء الربا بكافة أشكاله والتزام الحكومة بإعطاء المثل في هذا المجال , بأن ترفض تقاضي الفوائد الناجمة عن عملياتها المالية المختلفة .
"فلنفترض أن الدولة أصدرت قانونا يمنع منح الفائدة على الأموال الموضوعة في البنوك والشركات والمشروعات العامة ... عندئذ لن يصبح في مقدور الرأسماليين مضاعفة أموالهم إلا عبر طريقين : الأول استخدام تلك الأموال أولا في الصناعة أو التجارة , .
والثاني : استثمار تلك الأموال في شراء أسهم شركات حيث يكون السهم معروضا لارتفاع ثمنه أو انخفاضه ويبيح الإسلام كلا الطريقين حيث لا يلحق أى منهما ضررا بالحياة الاقتصادية .
2) يجب أن نؤمم الموارد الاقتصادية الطبيعية للدولة كما يجب القضاء على السيطرة الأجنبية فيما يتعلق بالمرافق والموارد المعدنية وإحلال رأس المال المحلي محل رأس المال الأجنبي , ويجب أن تلحق الإجراءات باستغلال واسع لثروات البلاد الطبيعية سواء الزراعية أم المعدنية .
3) يجب تصنيع البلاد مع الاهتمام الخاص بالصناعات التي تعتمد على الموارد المحلية والصناعات الحربية , أما الصناعات الاستهلاكية فيجب الاهتمام بها ليس فقط من أجل مساعدة الفقراء والعوزين بل من أجل فتح المجال أيضا للانتقال إلى العصر الصناعي ومقوماته ويمكن إنجاز هذا العمل من خلال صناعات الغزل والنسيج والصابون والعطور .
4) يجب تأميم البنك الأهلي والمصري كخطوة على طريق الاستقلال المالي , كذلك يجب أن تكون هناك دار مصرية لطباعة البنكنوت وسك النقود .
5) يجب إلغاء بورصة العقود وإصلاح سياسة تسويق القطن .
6) اصلاح نظام الضرائب وفرض ضريبة زكاة تتناسب طرديا مع رأس المال والربح الذي يحققه , ويجب استخدام الضرائب في تحسين المرافق العامة للدولة وفي رفع مستوى المعيشة وخدمة الصالح العام , كما يجب أن يكون هدف النظام الضريبي القضاء على مظاهر الإسراف والبذخ .
7) يجب إجراء إصلاح زراعي صارم من خلال ما يلي :
أ‌) وضع حد للملكية وبيع الزائد عن هذا الحد بأسعار معقولة وعلى أقساط طويلة الأجل لمن لا يملكون أرضا .
ب‌) يجب توزيع الأراضي التي تمتلكها الدولة على صغار الملاك وأولئك الذين لا يمتلكون أرضا .
ت‌) وضع تشريعات للإيجارات الزراعية التي تعمل على حماية المستأجر من الممارسات الظالمة لصاحب الأرض الذي يستولي على نصيب غير عادل من إنتاج الفلاح .
8) يجب أن تخضع تشريعات العمل للإصلاح الذي يضع نصب عينيه ما يلي :
أ‌) تأمين العمال بما فيهم الزراعيين ضد البطالة والإصابة والمرض والشيخوخة والموت .
ب‌) إقامة منظمات ينضم لها العمال إجباريا .
ت‌) حصول الأجير على نصيب عادل يتناسب مع زيادة الإنتاج كما يجب تدريب العمال الصناعيين والزراعيين على رفع مستوى كفاءة العمل بما يضمن زيادة الإنتاج .
9) وأخيرا يجب أن يكفل لكل عامل تأمين اجتماعي , فإذا لم يستطع الإنسان الحصول على عمل أو كان عمله غير كاف , أو لم يكن بمقدوره العمل نتيجة لعجزه وجب على الدولة تأمين احتياجاته عن طريق الزكاة , ويجب أن توزع الزكاة على المعوزين في المناطق التي جمعت منها تلك الزكاة بما يكفل سيادة روح المسؤولية المتبادلة بين الفقراء والأغنياء في تلك المنطقة أما إذا لم تف الزكاة باحتياجات الفقراء فيصبح من حق الدولة إجبار الأغنياء الذين لا يبذلون أموالهم طواعية على إعطاء المزيد من أجل الفقراء .

النشاط الاقتصادي

كانت أغلب نقاط برنامج الإصلاح الذي تبنته الجماعة تتطلب قدرة تنفيذية تفوق طاقتها كمؤسسة , ومع ذلك فقد بذلت الجماعة بعض الجهود في مجالات المشاريع الصناعية والنشاط العمالي بهدف إعطاء أمثلة على إمكانية تطبيق النظرية الإسلامية فيما يتعلق بالشؤون الاقتصادية وقد سعت الجماعة أيضا , وفضلا عن التدليل على إمكانية تطبيق النظرية الاقتصادية الإسلامية إلى أن تدر هذه المشاريع الصناعية عليها وعلى الأعضاء دخولا معقولة ,.

أما في مجال النشاط العمالي فقد سعت الجماعة إلى إيضاح مزايا العلاقات المتسقة بين العمال والإدارة والتي تتم داخل الإطار الإسلامي , إلا أنها استهدفت أيضا إثبات وجودها بوصفها المدافع عن احتياجات وآمال القطاع العريق من العمال المصريين الذين لا يسمع لهم صوت , وتلك حقيقة لها أهميتها الكبرى في إطار سعيها للاستحواذ على السلطة في الساحة المصرية .

الصناعة والتجارة

كان الهدف الأصلي للمشاريع التي أنشأتها الجماعة هو تطوير الاقتصاد القومي , الواقع أن حسن البنا لم يكن صاحب المبادرة في هذا المجال , ففي بداية تنفيذ تلك السياسة كان يفرق أساسا بين النشاط الاقتصادي وبين برنامج الإخوان وذلك أمر له دلالة خاصة في ضوء التغييرات الأيديولوجية التي حدثت بعد ذلك – فالدعوة – على حد قوله – شئ والمال والاقتصاد شئ آخر , .

وكان تقبل البنا لتلك الفكرة ليس فقط من أجل الإسهام في الثروة القومية بل أيضا من أجل العمل على تحطيم سيطرة الأجانب على الاقتصاد .

والأجانب هنا يعني بهم في المقام الأول ( وبمفهوم غير اقتصادي ) أعضاء الإرساليات الذين كانوا – بنشاطهم الإرسالي – الدافع الأساسي لاشتراك الجماعة في المشاريع المالية كنوع من رد الفعل , على أن هناك حالة تم فيها إنشاء مشروع للجماعة بدافع اقتصادي محض , .

وذلك عندما أنشأت الجماعة مشغلا للسيدات لمساعدة فقراء المنطقة التي أنشئ فيها هذا المشغل ومدهم ببعض سبل المعيشة , كما قامت الجماعة خلال نموها المطرد ببعض المحاولات المحلية المماثلة , إلا أن تلك المحاولات ظلت محلية وغير مؤثرة حتى جاءت المشروعات الأكبر التي أنشئت عندما ذاع صيت الجماعة في القاهرة .

وفي عام 1938 بدأت الجماعة في إنشاء أول مشروعاتها الكبرى بإنشاء شركة " المعاملات الإسلامية " التي أعلن في إشهار تأسيسها أنها تمثل محاولة لتأمين سبل الربح في إطار المبادئ الإسلامية , .

وكان رأس مال تلك الشركة أربعة آلاف من الجنيهات مقسمة إلى ألف سهم قيمة كل سهم أربعة جنيهات , ويمكن شراء السهم ودفع ثمنه فورا أو تقسيط الثمن على فترة لا تتجاوز الأربعين شهرا بحد أدني عشرة قروش شهريا ,.

وتتم إدارة الشركة عن طريق مجلس للإدارة يشكل من رئيس وأمين صندوق وسبعة أعضاء آخرين ويجب ألا تقل ملكية أعضاء مجلس الإدارة عن خمسة أسهم كما يجب ألا تقل ملكية الرئيس وأمين الصندوق عن عشرة أسهم هذا وللجماعة حق الحصول على نسبة 5و2 % من رأس المال والأرباح سنويا باعتبارها " زكاة " وتبدأ الشركة نشاطها الاستثماري بعد توفر المال الناتج عن بيع الأسهم وللجماعة حق شراء الأسهم بسعر الجملة وبيعها بالسعر المناسب وتوزيع الأرباح سنويا وفقا للنموذج الآتي : 15 % مصاريف الإدارة و20% احتياطي و 50% للمساهمين وفقا لعدد أسهمهم الأصلية .

وقد تم بيع الأسهم الأصلية بسرعة شديدة الأمر الذي زاد من رأس المال إلى أن أصبح 20000 جنيها عام 1945 وجعل الشركة تعلن عن إصدار جديد للأسهم عام 1946 قفز برأس المال إلى 30000 جنيه وفي عام 1947 انضمت شركة المعاملات الإسلامية إلى شركة أخرى تدعي الشركة العربية للمناجم والمحاجر يبلغ رأسمالها 60000 جنيها , .

وقد تضمنت الأنشطة العديدة للشركتين أعمال نقل البضائع وإصلاح السيارات والمنتجات الأسمنتية والبلاط ومعدات الطهي بالغاز وفي عام 1947 قررت الشركة تطوير الطرق التقليدية في استخراج الرخام فارسلت في طلب معدات حديثة لقطع الرخام وتلميعه من أوروبا , .

وقد تم فعلا شحن تلك المعدات إلى ميناء الإسكندرية حيث بقيت هناك بسبب أزمة عام 1948 التي أنهت النشاط الاقتصادي للجماعة , وبعد أن استردت الجماعة شرعية وجودها عام 1950 , طلبت من الحكومة تعويضها عن الخسائر التي لحقت بها .

كذلك كان للجماعة مشروع أكبر بدأ التفكير فيه قبل مشروع شركة المعاملات الإسلامية وأن نفذ بعدها , وهو مشروع دار الطباعة الخاصة بالجماعة , .

فقد أقر المؤتمر العام الثاني للجماعة تكوين شركة صغيرة – كما سبق أن ذكرنا – تعمل على إنشاء صحافة للجماعة , إلا أن تلك الجهود لم يقدر لها الاستمرار في فترة ما قبل الحرب , وربما كان السبب في ذلك افتقاد الجماعة إلى جهاز توزيع كفء .

إلا أن نمو الجماعة في سنوات الحرب أدي إلى تغير الظروف بما سمح بازدهار هذا المشروع في السنوات التي تلت الحرب , وفي عام 1945 تم فصل أعمال الصحافة عن أعمال النشر فأنشأت الجماعة شركتين محدودتين منفصلتين الأولي باسم شركة الإخوان للطباعة والثانية باسم شركة الإخوان للصحافة .

بلغ رأسمالها الأساسي 70000 جنيها للأولي , 50000 جنيها للثانية , وقد اختصت شركة الصحافة بإصدار جريدة الإخوان اليومية التي أنشئت عام 1946 الأمر الذي كفل لتلك الشركة أساسا اقتصاديا قويا , .

أما شركة الطباعة والنشر فقد لاقت عديدا من الصعوبات بسبب نقص المعدات التي أوصت الشركة باستيرادها من الخارج إلا أن تلك المعدات لم تكن قد استكملت عندما تم حل الجماعة إيقاف أنشطتها الاقتصادية المتعددة عام 1948 .

ومن الواضح أن نجاح شركة الصحافة قد جاء نتيجة إنشاء شركة الإعلانات العربية 1947 ويقدر " هيوارث ديون "رأس مال شركة الإعلانات العربية بمبلغ 100000 جنيه , .

وهو يرى أن تلك الشركة استطاعت أن تنافس شركة الإعلانات الشرقية كما يذهب إلى أن هذه المنافسة كانت السبب الأساسي للحوادث والعنف الموجه ضد شركة الإعلانات الشرقية عام 1948 .

وقد تضمنت أنشطة شركة الإخوان الإعلان في الجرائد ودور السينما وطباعة الكتب والمجلات ورسم العلامات التجارية للشركات , ويتفق جميع الإخوان على أن هذا المشروع كان أوسع وأنجح مشروعاتهم .

كما عملت جماعة الإخوان على تنفيذ برنامج للصناعات الصغيرة بهدف التغلب على مشاكل البطالة الحادة التي خلقتها فترة الحرب , فتم في هذا الإطار إنشاء شركة الإخوان المسلمين للغزل والنسيج عام 1947 برأس مال قدره 8000 جنيه جمع منها 6500 جنيه في بداية العمل وكان جميع العاملين في تلك الشركة مساهمين فيها , .

وقد زعمت الشركة أنها اتفقت في الشهور العشرة الأولي لإنشائها مبلغ 2700 جنيه كمرتبات للعاملين الذي بلغ عددهم ستين عاملا , .

وانتهت تلك الفترة بربح يقدر بـ 1400جنيها وكانت جماعة الإخوان شديدة الفخر بتلك الشركة التي روجت لها كمحاولة من أجل إحياء الاشتراكية الإسلامية وتحرير الاقتصاد القومي ورفع مستوى المعيشة للعامل المصري , وكان المصنع التابع لتلك الشركة في منطقة شبرا الخيمة الصناعية التي كانت مسرحا للبؤس والاضطراب العمالي الشديد في فترة السنوات الأولي التي تلت الحرب .

وكانت أسهم تلك الشركة تباع عن طريق شعبة الإخوان في شبرا وقسم العمال في المركز العام .

كذلك أنشأت الجماعة في الإسكندرية شركة للتجارة والإشغال الهندسية وقد اختصت بإنشاء المباني وإنتاج مواد البناء وتدريب العمال على حرف السباكة والتجارة والكهرباء , .

ويتكون رأس مال الشركة من 14000 جنيها مقسمة على 3500 سهم , كذلك تم إنشاء شركة أخرى في السويس باسم شركة التوكيلات التجارية , زاولت أعمالها على نطاق واسع في مجالات الإعلان والنقل .

إلا أن كل تلك المشاريع لم تقم لها قائمة مرة أخرى بعد الضربة التي وجهت للجماعة عام 1948 رغم أن مجلس الدولة حكم بإعادة أنشطة تلك المشاريع بناء على القضايا التي رفعتها الجماعة عامي 1950 , 1951 وقد تم تشكيل لجنة خاصة عام 1952 تتولي إعادة تقدير قيمة سندات الشركات المختلفة في ضوء الخسائر وتلف المعدات الذي لحق بتلك الشركات منذ عام 1948 , .

إلا أن اللجنة لم تكن قد توصلت إلى نتائج محددة عندما صدر قرار الحل الثاني للجماعة عام 1954 ويمكن القول بأن مشروعا واحدا من مشروعات الجماعة هو الذي ازدهر في تلك الفترة وهو مشروع شركة التجارة الذي أنشئ في فترة 1952 -1954 , فقد أنشئت تلك الشركة عام 1952 في المحلة الكبرى فباعت أسهما تقدر بـ 8000 – جنيها مع نهاية عام 1952 , .

وأعلنت عن رغبتها في زيادة رأسمالها إلى 25000 جنيها في فبراير عام 1935 وقد أنتجت تلك الشركة الأقمشة والملابس الجاهزة وملابس الرجال من أربطة عنق وكوفيات كذلك تنتج معدات المدارس والمكاتب والمعدات الكهربائية إلا أن نشاط تلك الشركة صودر مع باقي أنشطة الجماعة عام 1954 .

العمل

قد لا تتجاوز الحقيقة إذا قلنا أن فترة صعود الجماعة ارتبطت على نحو وثيق بالأحوال الاجتماعية والاقتصادية للعامل المصري .

ولم يقتصر هذا الارتباط الوثيق على فترات الأزمة الاقتصادية بعد الحرب بوجه خاص , بل استمر أيضا طيلة تاريخ الجماعة , .

ومما يذكر أن المؤسسين الأوائل للجماعة كانوا يؤكدون هذه الدفعة القومية التي جاءت من العمال , .

كذلك فإن كتاب الجماعة كثيرا ما يؤكدون على حقيقة أن عضوية الجماعة قامت أساسا على الطبقة العاملة وتمدنا مذكرات حسن البنا بالكثير من الأدلة التي تؤكد أن اهتمام العمال المبكر بحركة الجماعة لم ينبغ فقط من رغبتهم في إنقاذ روحهم الإسلامية المخربة بل نبع أيضا وبشكل أكثر مباشرة من الأحاسيس المريرة القوية التي أحسوها تجاه السيطرة الأجنبية على الاقتصاد والظلم الاقتصادي الذي عاناه العامل المصري لذلك فإن الفرصة التي أتيحت للجماعة خلال الأزمة الاقتصادي التي تلت انتهاء الحرب العالمية الثانية والتي مكنتها من تزعم الدفاع عن حقوق واحتياجات العمال , لم تكن سوى عامل مساعد وطد اتجاها كان موجودا بشكل قوى داخل الجماعة منذ نشأتها .

ففي عام 1932 حدث في الإسماعيلية صدام بين الإدارة الأجنبية وبين الجماعة ممثلة في شخص الشيخ محمد فرغلي الذي أرسل إلى مصنع محلي لتجفيف وتعبئة التين ليعمل كإمام ومعلم بناء على رغبة العمال , .

وقد استطاع العمال بعد وصوله أن يطلبوا من الشركة بناء مسجد لهم وحصلوا عليه بالفعل إلا أن الشركة بعد فترة قصيرة طلبت من الشيخ فرغلي مغادرة المكان لأسباب لم تحددها تفصيلا وإن كان واضحا أنها تتعلق بما حدث من تغير في العلاقات بين العمال والإدارة , .

وقد تدخل حسن البنا في تلك الحادثة ليمنع اشتباك العمال مع البوليس وقدم حلا وسطا يتلخص في أن يغادر الشيخ فرغلي مقر الشركة في خلال فترة قصيرة وبعد أن تقدم له الشركة شكرا خاصا وطلبا آخر للجماعة بإرسال شيخ جديد .

كانت تلك الحادثة هي بداية دور الجماعة في الدفاع عن العمال المصريين في مواجهة استغلال الشركات الأجنبية وقد نشرت الجماعة العديد من حالات الاستغلال تلك التي تحوى أبعادا قومية بقدر ما تحوى أبعادا اقتصادية واجتماعية , وسنورد هنا العديد من الأمثلة النموذجية وإن لم تشمل جميع الحالات .

1) شركة فوسفات انجليزية على شاطئ البحر الأحمر اتهمتها الجماعة باستغلال العمال تحت ظروف عمل سيئة دون تقديم أجور كافية أو كمية مياه مناسبة فالعامل هنا مجبر – بكميات المياه القليلة التي تقدمها الشركة وتكاليفها المرتفعة – على الاختيار بين الموت جوعا أو الموت قذارة وعطشا , وكذلك اتهمت الجماعة الشركة بعدم توفير أماكن للصلاة والسكن والراحة للعمال .
2) شركة فوسفات ايطالية في السويس اتهمت بنفس الاتهامات السابقة , وطالبتها الجماعة بتوفير تأمين صحي للعمال وحمايتهم من أخطار العمل وتحديد ساعات العمل بست ساعات ووضع حد أدني للأجر اليومي قدر بخمسة وعشرين قرشا بدلا من ثمانية قروش ونصف , .
كذلك دعت الجماعة إلى تشكيل لجنة خاصة من ممثلين للحكومة وممثلين للعمال والإدارة مهمتها فض المنازعات والأشراف على الإدارة كما طلبت من الإدارة إمداد العمال بضروريات الطعام التي حددتها وزارة الشؤون الاجتماعية وإقامة مسجد ومدرسة ومنع العمال أجازاتهم الرسمية والدينية ويوم كامل كل أسبوع , .
وأخيرا طالبت الجماعة الشركة بتوفير موارد مائية مجانية تكفي الشراب والغسيل وإتاحة مياه إضافية بأجر زهيد , لمن يريد كذلك اقترحت الجماعة إنشاء مكتب للحكومة في تلك المنطقة لضمان تنفيذ تلك المطالب .
3) كانت الجماعة تراقب كافة الشركات الأجنبية وخاصة شركة قناة السويس فيما يتعلق باستبدال العمال الأجانب بعمال مصريين , وكانت الجماعة تحتفظ لشركة قناة السويس بملف خاص , .
وكانت تقوم بإرسال الشكاوى والاحتجاجات المتعلقة بذلك إلى قسم العمل في وزارة الشؤون الاجتماعية وإلى رئيس الشركة وفي هذا الصدد شنت الجماعة حملة صحفية واسعة لتأييد ما سمي بقانون الشركات عام 1947 والذي استهدف تقييد عدد العمال الأجانب الذي يسمح للشركات الأجنبية بتشغيلهم .
4) وأخيرا قامت الجماعة بمراقبة المنشآت التجارية ومنشآت بيع السلع الكمالية في المدن الكبرى للتأكد من حصول عمال تلك المنشآت على حقوقهم – وهكذا كانت الجماعة , بنشاطها هذا , تعمل على تحقيق أحد المطالب المبكرة لحسن البنا الذي كان يدعو إلى حماية الجماهير من طغيان الشركات الأجنبية الاحتكارية .

وقد أتاحت سنوات الحرب للجماعة – كما ذكرنا من قبل – فرصة فريدة في الحصول على تأييد عمالي متزايد فالبطالة الناتجة عن إغلاق منشآت الحلفاء وارتفاع تكاليف المعيشة نتيجة التضخم كانا من الأسباب الأساسية التي أدت – على حد قول الجماعة – إلى تدفق موجات من الأعضاء إلى المركز العام , وهكذا استغلت الجماعة تلك الفرصة فلعبت دورا فعالا في التحريض السياسي والاقتصادي في الفترة الأولي التي تلت سنوات الحرب .

كذلك كان أحد أغراض المشروعات التجارية والصناعية للجماعة كما ذكرنا من قبل تخفيف حدة البطالة وكان قسم العمال في المركز العام هو محور النشاط العمالي حيث كانت الدعوة توجه إلى العمال للاجتماع والاحتجاج ضد الحكومة بشكل فعال والاستماع إلى الاقتراحات التي تقدم لحل مشاكلهم الاقتصادية كما تم إنشاء لجنة خاصة للبطالة تتبع قسم العمال وتعمل علي تنظيم سبل الضغط على السلطات وإيجاد حلول للمشاكل المتعلقة بهذا الموضوع , .

وغالبا ما كانت اقتراحات الحلول تتضمن قاسما مشتركا هو دفع الحكومة إلى تحويل الاقتصاد إلى اقتصاد صناعي وقد قدم قسم العمال اقتراحا إلى مكتب الإرشاد بأن تشكل لجنة تحضيرية تعمل على تحقيق المهام التالية :

1) عمل مسح شامل بالاشتراك مع وزارة التجارة والصناعة , لاحتياجات البلاد الصناعية وإمكانياتها .
2) إنشاء شركات مساهمة محدودة تعمل على استغلال رؤوس أموال الأغنياء في إمداد البلاد بما يلزم للصناعة .
3) اقتطاع جزء أسبوعي من أجور العمال يكفي في النهاية لتحويل ملكية الشركة إليهم عن طريق شراء العمال لأسهم المستثمرين الأصليين .

وبذلك يمكن القضاء على مشكلتين هما البطالة والصراع المستمر بين الإدارة والعمال .

كذلك عمل قسم العمال بجانب بحوثه الاقتصادية على إمداد الأعضاء بخدمات ذات طبيعة أكثر إلحاحا , فقد أنشأ القسم هيئة من المحامين المتخصصين في الشؤون العمالية تتولي المشاكل الفردية التي تنشأ , كذلك عمل القسم على توفير الوظائف للمتعطلين عن طريق علاقاته بمكتب العمل وبأصحاب الصناعات الخاصة , كما نظم القسم مدرسة للعمال ترشدهم إلى حقوقهم وتوضح لهم تشريعات العمل .

وكانت صحافة الجماعة بالطبع هي الأداة الأساسية للجماعة في نشر دعواها الخاصة بالعمل , وكانت صحافة الجماعة تهاجم الحكومة والرأسمالية المصرية بشكل غير مباشر فيما يتعلق بالبطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وعدم الاستقرار في الحياة بشكل عام ,.

وكان هذا الهجوم الدائم والعنيف يتصاعد بنشر الجماعة لتحقيقات صحفية يومية في الأعمدة الثابتة تتناول بالتفصيل الحالات الفردية والخاصة التي تبين البؤس الاقتصادي الواسع الذي يعم البلاد كذلك كانت الجماعة في نفس الوقت تساهم بشكل فعال في القلاقل العمالية التي تتسم بالعنف .

كذلك نشط قسم العمال في تكوين النقابات العمالية في الأربعينات وكانت تلك النقابات تنشأ في كل المناطق والأمكنة بوحي من آراء الجماعة وفي منتصف الأربعينات نجحت هذه الجهود خاصة بين عمال النقل والنسيج في المدن الكبرى وبين عمال المرافق العامة وعمال معامل التكرير في منطقة القنال , وقد نجحت الجماعة , بوجودها الوطيد في بعض المناطق الحساسة , .

في أن تلعب دورا خطيرا في الإضرابات التي سادت مصر بين عامي 1946 , 1948 وتعتبر إضرابات منطقة شبرا الخيمة الطويلة المريرة ( بل والدموية أحيانا ) أكثر هذه الإضرابات حيوية وهي نفس المنطقة التي اختارها التحالف الوفدي الشيوعي ليعبر من خلالها عن مواقفه ضد حكومات الأقلية التي تساندها السراي .

وقد رأينا من قبل كيف أن انسحاب النقابات التي سيطر عليها الإخوان من هذه الجبهة أدي إلى إضعافها الأمر الذي جعل الجماعة تواجه سخط كافة القوى التقدمية المعنية بالأمر والتي رأت في هذا العمل شيئا متوقعا ودليلا جديدا على عمالة الإخوان للرأسماليين والمستغلين في مصر.

كذلك ساعدت الأدلة التي كانت تساق ضد الإخوان فيما يتعلق بمساعدتهم لمباحث الحكومة في حملتها ضد الشيوعيين على زيادة اشتعال نار العداوة .

ويجب الإشارة هنا إلى أن نجاح الجماعة في مجال النشاط العمالي قد اعتمد أساسا على التزام عدد كبير من العمال فأفكار الجماعة , وقد ساعد اهتمام الجماعة الواضح بشؤون العمل على أن تتأكد سمعة الجماعة كأحد الأصوات الرائدة ( وأن لم تكن الصوت الرائد الأوحد ) للجماهير التي لا صوت لها , .

وقد شكلت جماعة الإخوان تحديا خطيرا – على الصعيد السياسي – لمحاولة التحالف الوفدي الشيوعي الاستحواذ على حق قيادة الجماهير المطحونة اقتصاديا , بل والأهم من ذلك أنها أخذت تثير – في هجومها على الحكومة التي بدت غير مبالية أو عاجزة عن مواجهة الظلم الاقتصادي – قضايا أساسية تتعلق بالنظام الاقتصادي وبالتالي السياسي والاجتماعي , قضايا كانت الحلول المطلوبة لها تتصل اتصالا وثيقا بوجود الجماعة ذاتها وبدينامية نشاطها .

لعل هذا يفسر انهيار العلاقات شبه الودية التي حاول حسن البنا – بعد الانعطاف اليساري الذي حدث في البلاد في ذلك الوقت – إقامتها مع السلطة عام 1946 , وقد ذكرنا من قبل أن ثلاثا من التهم الموجهة للجماعة عام 1948 كانت تتعلق بقلقلة النظام الاقتصادي الاجتماعي القائم , على أن الدليل الرئيسي على وجود عداء حقيقي بين الحركة والسلطات الحاكمة عام 1946 ارتبط أساسا بدفاع الجماعة عن قضايا العمال .

إلا أن الجماعة لم تستطع أبدا ( بعد الحل ) استعادة النفوذ الذي كان لها قبل حلها عام 1948 على الرغم من أن قسم العمال استمر في توجيه ارشاداته فيما يتعلق بالعمل والنقابات , كما أن هذا القسم أعد للتوزيع سلسلة جديدة من الكتيبات التي تشرح تلك الأمور لهم , .

وقد عكس دمج قسمي العمال والفلاحين المطالب المتزايدة الاتساع بإنشاء نقابات خاصة بالعمال الزراعيين والتي كانت جزءا من حملة واسعة النطاق تدعو إلى أن يمتد نظام النقابات ليشمل خدم المنازل والعاملين بالوزارات والمدرسين وقد تضاءل نشاط الإخوان بين العمال النقابيين باستثناء منطقة النسيج في المحلة الكبرى التي وصفتها الحكومة عام 1954 بأنها المنطقة التي يمارس الإخوان فيها أخطر نشاط لهم في البلاد .

ولعل أوضح مثال على الضعف الذي حاق بنفوذ الإخوان لدى النقابات ما قدمته منظمات العمال من تأييد لجمال عبد الناصر أثناء صراعه مع محمد نجيب والأحزاب السياسية عام 1954 , .

فقد عمل جمال عبد الناصر بهدوء وحذر على إنشاء علاقات بالنقابات أدت إلى نجاحه في تحريك تلك النقابات في مظاهرات شعبية حسمت الأمور في ذلك اليوم لصالحه , .

وكان هذا الوقت هو الوقت الوحيد منذ بداية الثورة الذي كادت فيه بعض عناصر النظام القديم تحت زعامة محمد نجيب أن تتغلب على عبد الناصر , الأمر الذي يوضح لنا مدى تدهور نفوذ الإخوان في الشئون العمالية .

قضية زيادة السكان

تحكمت الحساسية القومية إلى حد ما في موقف الإخوان من القضية المصرية الملحة المتعلقة بزيادة السكان فتأكيد الطلاب يدرسون المناهج الغربية ودعاة تلك المناهج الذي تكرر كثيرا حول أهمية الموضوع أثار لدي الإخوان – ولعديد من المصريين الأخرين – تصورا بأن هناك مؤامرة غربية شريرة تحاك للحد من خصومة مصر والإسلام .

على أن الموضوع لم يعالج في كل الأحوال من خلال هذا التصور الأحادي الجانب المفتقر إلى الواقعية فلقد دعا الإخوان إلى حل المشكلة بشكل إيجابي لا سلبي , فمصر في رأي الإخوان لا تفتقر إلى الموارد التي تفي باحتياجات شعبها , وحل المشكلة يكمن في التوزيع الأكثر عدالة للثروة والاستغلال الأكثر كفاءة للموارد الزراعية والمعدنية , ولن تجد البلاد نفسها في حاجة إلى الحلول السلبية المتمثلة في استخدام وسائل منع الحمل وتأخير سن الزواج إذا ما قامت بعمل إيجابي في تلك المجالات ووسعت آفاقها الاقتصادية .

ولم تختلف نظرة الجماعة فيما يتعلق بمزايا الزواج والأسر الكبيرة العدد عن الرأي التقليدي للأزهر , خاصة في فترة زعامة حسن البنا , إلا أن الجماعة استجابت في السنوات الأخيرة للاهتمام المتزايد بوسائل منع الحمل بأن أخذت موقفا يسمح باستخدام تلك الوسائل في ظروف معينة , .

وقد قننت الجماعة عام 1953 ما كان يعد قبل هذا نوعا من التنازل فأصدرت رسالة رسمية تتناول مشاكل الزواج والنساء , وتناقش منع الحمل في جزء خاص , وكان أول ما أوضحه كاتب الرسالة في هذا الجزء دعوة الإسلام إلى الإكثار من الذرية إلا أنه أوضح أيضا أن الإسلام يبيح منع الحمل في ظروف معينة فمنع الحمل له سوابق من حيث المنهج في أيام الرسول إذ أنه لم يعارض العزل .

وطالما أن العلم الحديث أمدنا بعد ذلك بوسائل أخرى لمنع الحمل كالتعقيم واستعمال موانع الحمل , فلا ضرر من استخدام تلك الوسائل طالما أنها أقل إيذاء للرجل والمرأة من العزل , إلا أنه يجب أن تكون هناك أسباب قوية لمنع الحمل مثل الحالات التي تتعرض فيها صحة المرأة أو حياتها للخطر أو التي يصبح الإنجاب فيها عبئا على الوظيفة التي تؤديها المرأة أو في حالات رغبة الرجل في تخفيف أعباء المعيشة بإنجاب عدد محدود من الأبناء , أما منع الحمل من أجل المتعة وعدم تحمل المسئولية التي يتيحه الزواج بدون أطفال فأمر غير مسموح به على الإطلاق .

وقد ظهرت تلك الآراء غير التقليدية – نسبيا – للجماعة فيما يتعلق بمنع الحمل , في الدراسات التي قامت بها الجماعة عن دور المرأة في المجتمع الإسلامي الحديث , إلا أنها لا تشكل على حد علمنا جزءا من نظرة الإخوان فيما يتعلق بالدلالات الاقتصادية لزيادة السكان , .

ومهما يكن من أمر فإن ظهور تلك الدراسة يوضح لنا تغير موقف الجماعة القديم , كما يوضحه لنا موقف آخر يتمثل في الاقتراح الذي قدم إلى المركز العام بدراسة مشكلة زيادة السكان في مصر على أن تضع الدراسة نصب عينيها إمكانية الهجرة إلى العراق كحل للمشكلة .

المجتمع

التعليم

تركز نشاط الجماعة الأساس , المتعلق ببرنامج الإصلاح الاجتماعي , في مجال التعليم , فالاهتمام الكبير بتجنيد المدرسين والطلبة مرتبط بطبيعة الحال بالنظرة الخاصة لهاتين الطائفتين والتي ترى أن مستقبل الثقافة في مصر بين أيديهم , على أن هذا الاهتمام لم يكن مجرد اهتمام بالمستقبل القومي بل كان يشمل في طياته أيضا تأكيد الهوية والمصير التاريخي والثقافي وفي ذلك يقول سيد قطب : لا يمكن تحقيق نهضة إسلامية خالصة بمجرد تشريع أو قانون أو بإقامة نظام اجتماعي ينبني على أساس من الفلسفة الإسلامية فتلك الخطوة ليست إلا أحد ركنين يجب أن ينبني عليهما الإسلام وتطبيقه في الحياة , .

أما الركن الآخر فهو العمل على خلق حالة ذهنية محملة بالنظرية الإسلامية في الحياة , تلك الحالة التي تعطي الاستمرار للقوى الخارجية التي تقودنا إلى هذا النمط من الحياة والتي تمنح الاتساق لكل التشريعات الاجتماعية والدينية والمدنية .

والوسيلة الطبيعية لخلق هذه الفلسفة هي بالتعليم .

فقد كانت ( علمنة ) النظام التعليمي في مصر وتجزئته والمستوى الهابط لمعدلات التعليم وعدم تكافؤ الفرص فيه هي الأسباب الأساسية التي شغلت الجماعة والتي جعلتها تتناول الموضوعات باستخدام الوسائل الآتية :-

1) الدعاية والتحريض من أجل إصلاح النظام المدرسي السائد .
2) إنشاء وسائل تعليمية مساعدة أو بديلة .

وكانت الجماعة مصرة على تحقيق أهدافها – في مجال التعليم – على نحو لا نجد له مثيلا في أى مجال آخر سوى مجال السياسة .

ففي عام 1935 شكلت الجماعة وفدا لزيارة وزارة المعارف – ورئيس الوزراء – كما أقامت حفلات لأعضاء البرلمان واستغلت تلك المناسبات للحديث عن الحاجة الماسة لإعادة تقديم الدين في المدارس المصرية كبداية ضرورية لإعادة تأسيس المدارس على أسس قومية ودينية حقة , .

وكانت الجماعة تعارض بمرارة سماح حكومة مصر والإسلام دينها الرسمي – بالحرية التامة لمدارس الإرساليات المسيحية في حين أنها لا تسمح في الوقت نفسه بتعليم الإسلام في مدارس الحكومية وتجيز تعليم التاريخ الأوروبي بدلا من التاريخ الإسلامي .

وقد انطوت مناهضة مدارس الإرساليات – على أساس أن مناهجها تعمل ضد الوطنية وضد دين الأمة – على وعي جاد بمشكلة ازدواج النظام التعليمي , أى الفصل بين المدارس الدينية والمدارس العلمانية وما يعنيه ذلك بالنسبة لوحدة الرأي بالنسبة لمواطني مصر , فتقسيم النظام التعليمي إلى مدارس دينية محضة ومدارس علمانية من شأنه أن يؤدي إلى انقسام هيكل الحياة المصرية الثقافي والأيديولوجي ويخلخل وحدة هذا الهيكل تماما مثلما هو الحال في مدارس الإرساليات التي تخرج مصريين لا تربطهم أية صلات بالتيارات الاجتماعية والسياسية في مصر .

وفي عام 1938 قدم محمد حسين هيكل وزير المعارف لشيخ الأزهر برنامجا لتوحيد التعليم الديني والعلماني , وقد شارك الإخوان في المناقشات العامة التي دارت حول هذا الموضوع , كما أرسلوا خطابا إلى وزير المعارف بوجهة نظرهم التي طالما عبروا عنها فيما بعد وتتلخص وجهة النظر تلك في أن التعليم العلماني الغربي وفقا لرأي حسن البنا – الذي يدرس بجانب التعليم الأزهري التقليدي قد خلق الكثير من الصراعات التي تشكل خطرا على أمة ساعية إلى البعث وأهم ما تحتاجه في سعيها هو وحدة الثقافة .

فالطريق الذي سلكه العلمانيون في إيران وتركيا لا يصلح طريقا لمصر بسبب الرابطة التي لا تنفصم بين مصر والإسلام أما رجال الدين الذين يظنون أنهم سيخلصون من مساوئ العلمانية إذا ما تجاهلوها فهم مخطئون فلا يمكن هزيمة العلمانية إلا بالتمكين في مجالات العلوم والمعارف المختلفة .

لذا اقترح البنا ألا يكون التعليم دينا بحتا أو علمانيا ( غريبا ) بحتا , بل أن يكون مزيجا متسقا من الشخصية الإسلامية والتربية الأخلاقية والتدريب العلمي , كما يجب أن يسود الاتساق والتوازن الجوانب المختلفة للمقررات , فالحضانة يجب أن تعتني بحواس الطفل واحتياجاته العاطفية .

أما المدارس الابتدائية فيجب أن تعني بشكل خاص بتنمية الشخصية ولا يجب أن ندرس فيها لغة أخرى غير لغة الأمة . أما المدارس الثانوية فيجب أن تدرس لغتان أجنبيتان ( لغة شرقية ولغة غربية ) بجانب التاريخ الإسلامي والوطنية , والمواضيع المتصلة بها , كذلك يجب أن تهتم تلك المدارس بوضع أسس التدريب الفني والتخصصي الذي يلقاه التلميذ في المستقبل , .

في الأزهر أو الجامعات المصرية مع مراعاة إعطاء الطالب برامج خاصة في الموضوعات المتعلقة بالإسلام والتاريخ بالكيفية التي تتناسب مع الاحتياجات الأكاديمية غير الدينية للطالب , كذلك يجب أن يتسع الأزهر ويتطور ليشمل مجالات البحث والنقد والكتابة والعلوم الإسلامية أما دراسة القرآن فتعتمد على نوع التخصص الذي يتخصصه الطالب , فطالب الآداب والدراسات الإسلامية يجب أن يدرس القرآن كاملا , أما الطلاب غير المسلمين فيجب أن يدرسوا أجزاء مختارة من أدبهم الديني .

والواقع أن هذه المقترحات كان لها أهميتها لا بوصفها برنامجا للمدارس المصريةفالجماعة لم تفكر أبدا في هذه القضية على هذا النحو المفصل والمحدد – بل بوصفها تعبيرا آخر عن الإحساس , وقد أوضحنا لدى مناقشاتنا لصورة مصر في نظر الإخوان مدى خيبة أمل الجماعة في القادة الثقافيين والسياسيين الذين تلقوا تعليمهم وفقا للتقاليد العلمانية فخانوا بذلك التقاليد القومية والتاريخ القومي , على أن القادة السياسيين يتحملون الوزر الأكبر من حيث أن الخيانة السياسية تعني أيضا التمهيد الشرعي للظروف غير الإسلامية , .

وقد لخص الإخوان الموقف من وجهة نظرهم بقولهم : أن هناك من يعرف الدين ولا يحكم وهناك من يحكم ولا يعرف الدين وهناك ظاهرة لا تقل أهمية , ذكرناها في موضع سابق , هي ظاهرة سخط الجماعة على السلطة الدينية المتمثلة في الأزهر الذي أخفق في أن يكون على مستوى التحدي في مواجهة فرسان العلمانية , كما فشل أيضا في أن يضفي على أسلوبه التقليدي في التعليم الجاذبية التي تمكنه – أى الأزهر - من الحفاظ على كيانه ومهمته وسط المسلمين .

وهكذا ظلت التركيبة من الأفكار – التي وضعها حسن البنا أصلا – عنصرا محوريا في فكر الجماعة فيما يختص بالتعليم , إلا أن الجماعة أخذت بعد موت حسن البنا تقلل من التأكيد على الجانب الإسلامي للمشكلة في برامجها الإصلاحية التي ظهرت فيما بعد , .

ومن هنا تضمن مشروع الإصلاح الذي تقدمت به الجماعة لحكومة الثورة عام 1952 المطالبة بإتاحة الفرصة " لكافة المواطنين " ليحصلوا على تعليم يتحلي بروح دينية وأخلاقية ووطنية , كذلك دعت الجماعة إلى إعادة كتابة التاريخ الوطني وتطهيره من تأثير المستشرقين والإمبرياليين , .

وأيدت التوسع في إنشاء المعاهد والجامعات وإمدادها بكافة احتياجاتها من معامل ومكتبات وأدوات بحث حتى تبدأ مصر نهضة علمية جديدة تعزز وتدفع النهضة الاجتماعية والاقتصادية وتساعد في المحافظة عليها .

وقد نظمت الجماعة وسائلها التعليمية الخاصة في ضوء الاعتبارات التالية : أن تقدم شاهدا علميا طيبا على أصالة دفاعها عن الإصلاح في حقل التعليم , ولكي تنافس ومنها منافسة تعليم الإرساليات بهدف تخليص البلاد منه وأن تساعد أيضا بجهدها الخاص على محاربة الأمية في مصر , .

وكان مشروع الإخوان الأول في الإسماعيلية بعد إنشاء الجامع هو إنشاء مدرسة للبنين تلتها مدرسة للبنات , وقد تزايد عدد هذه المدارس مع نمو الجماعة ليشمل مناطق عدة في البلاد , إلا أن نظام الإخوان المدرسي ظل في البداية نظاما غير رسمي يتسم بالعشوائية في التنظيم أما التطور الهام فيما يتعلق بالنظام المدرسي فلم يحدث إلا بعد الحرب العالمية الثانية نظرا للزيادة الهائلة في عدد أعضاء الجماعة سواء في ذلك من يحتاجون التعليم أو من يقدرون على تقديمه من طلبة ومدرسين وفي مايو عام 1946 أنشأت الجماعة لجنة لإقامة مدارس ابتدائية وثانوية للبنين والبنات ثم أنشأت لجنة للرعاية الثقافية في الشهر التالي – ومهمتها مساعدة لجنة التعليم التي كانت قد أنشئت قبل ذلك ..

وهكذا تحملت تلك الأجهزة الثلاثة مسؤولية النشاط التعليمي للجماعة .

وكان تمويل مشاريع المدارس يتم من خلال عدة مصادر : فالشعب التي تتبعها تلك المدارس كانت تقوم – كلما أمكن – بالاتفاق عليها من ميزانيتها , وكان هذا الأسلوب هو المتبع عادة إلا أن التبرعات الخاصة سواء من داخل التنظيم أو من خارجه شكلت مصدرا هاما من مصادر تمويل تلك المدارس .

وقد أوردت صحيفة الجماعة إحدى قوائم التبرعات التي تضمنت تبرعا قدره خمسة آلاف جنيه مصري ووعدا بدفع ألف جنيه كلما تم إنشاء عشرة مدارس جديدة .

كذلك كانت الحكومة في بعض الفترات تمثل موردا ثالثا للمساعدة , ففي خريف عام 1946 أرسل محمد حسن العشماوى وزير المعارف آنذاك خطابا إلى الجماعة يطلب منها المعاونة عن طريق جهازها التعليمي في الحملة التي شنتها الحكومة آنذاك ضد الأمية , .

وقد اتفق الطرفان على أن تدفع وزارة المعارف خمسة وسبعين قرشا مصريا للجماعة عن كل طالب يتم تعليمه بواسطة الجماعة وتدفع وزارة المعارف ثلث هذا المبلغ عندما تتأكد من أن عمر الطالب يتراوح بين الثانية عشر والثامنة عشر وأنه يحضر الدروس بانتظام وأن حجرات الدرس متوفرة في مكان صحي بالشعبة , ومن وجود هيئة تدريس وقد تعهدت الوزارة بتوفير الكتب والمواد اللازمة وأن تدفع باقي المبلغ حينما يثبت للوزارة نجاح تلك المدارس وهكذا تم تسجيل الطلاب بالتفصيل وبصورة فوتوغرافية في المركز العام للجماعة وفي وزارة المعارف .

وقد تكون الصداقة هنا بين عشماوى والجماعة عنصرا هاما في هذا التعاون الذي أتاح للجماعة دون شك الاستفادة من هذه الفرصة في الاشتراك في الحملة ضد الأمية .

وكان المصدر الأخير من مصادر تمويل مشروعات الجماعة التعليمية هو حصيلة بيع الأسهم , فقد أنشأت الجماعة عام 1946 شركة مساهمة محدودة لتمويل بناء المدارس في القاهرة وتم جمع نصف رأس المال المقترح ( 8000 جنيها مقسمة على ألفين سهما ) بمجرد فتح باب الاكتتاب .

كذلك أنشأت الجماعة شركة مماثلة في الإسكندرية عام 1948 يتكون رأسمالها من 4000 جنيها وقد تمكنت تلك الشركة قبل حل الجماعة عام 1948 , من إقامة دار حضانة ومدرسة ابتدائية وقسم من مدرسة ثانوية .

وكان للتدريب في مدارس الجماعة أهدافا عدة فالاهتمام الأساسي في مدارس القرى ومدارس الحضر الابتدائية كان مركزا على الدين والأخلاق على نمط " الكتاب " التقليدي ,وحينما يصل إلى مستوى أعلي في التعليم الابتدائي , تدرس له أسس القراءة والكتابة , كذلك كانت هناك مدارس ليلية يدرس فيها البالغون من العمال والفلاحين التعليم الأولي , .

وكانت تلك المدارس هي الأداة الأساسية للجماعة في برنامج محو الأمية , كذلك كان فلاحو المناطق الزراعية يدرسون الإرشاد الزراعي بمساعدة طلاب كلية الزراعية , كما انشأت الجماعة فصولا خاصة لعمال المدن يدرسون فيها الأمور التي تتعلق بالنقابات والعمال بمساعدة طلاب الاقتصاد , .

وعملت على إنشاء فصول خاصة بالشباب الذين حرموا من التعليم نتيجة للقهر الاقتصادي فلم يعد في مقدورهم دخول سوق العمل , كذلك أنشأت الجماعة فصولا خاصة لتدريب الشباب على الحرف المختلفة والأعمال التجارية والصناعية , كما أتيح لمن في مستوى التعليم الابتدائي الالتحاق بالفصول الحرفية , كذلك أنشأت الجماعة مدارسا خاصة للبنات سميت بمدارس أمهات المؤمنين ,.

ويعكس هذا الإسم الأفكار التي كانت وراء تنظيم الأخوات المسلمات فالأم هي المصدر الرئيسي والأساسي في تكوين شخصية طفلها ونظرته للحياة , والفتيات اللاتي يفهمن دينهن يصبحن مسلمات حقيقيات ويتوفر لهن التحرر الحقيقي , وكانت جماعة الأخوات المسلمات هي التي تمد تلك المدارس بالمدرسات اللازمات .

وأخيرا نظمت الجماعة نوعا خاصا من التعليم لمساعدة طلاب الجامعات , ولمعاونة المتقدمين إلى وظائف الحكومة على اجتياز اختبارات القبول لهذه الوظائف , وقد وجهت الجماعة إرشاداتها إلى كافة الأعضاء من أساتذة جامعة ومدرسين بالمراحل المختلفة وطلاب إلى المساهمة المجانية في الجهود التي تبذل من أجل قضية محو الأمية ومن أجل قضية الجماعة .

وليس هناك سوى معلومات قليلة – بجانب المعلومات العارضة المتوافرة في الجريدة اليومية للجماعة – عن طبيعة مواصفات منهج التدريس الذي اتبع في مدارس الجماعة , إلا أننا نستطيع القول بشكل عام أن تلك المدارس أقيمت على نمط النظام المدرسي مع زيادة الاهتمام بالتراث الإسلامي والقومي , أما أهم اللغات الأجنبية التي كانت تدرس فهي اللغة الإنجليزية ولا تتوفر معلومات كافية أيضا فيما يتعلق بعدد الطلاب وعدد المدارس ( بالمعني الأوسع للكلمة ) وقد زعم البنا ,عام 48 ( وربما كان قوله صحيحا إذا ما فهمنا كلمة " مدرسة " هنا بمعناها الضيق ) أن كل شعبة من الشعب التي بلغ عددها ألفي شعبة كان يتبعها نوع أو نوعان من المدارس وعلى كل , .

فقد قام طالب من أصدقاء الجماعة بمسح لمنطقة القاهرة والجيزة عام 1953 , وجد 31 مدرسة للجماعة أكثرها دور حضانة ومدارس ليلية بلغ عدد الملتحقين بها 3500 تلميذ وقد يكون هذا التدهور متوقعا باعتباره جزاء من أفول أنشطة الجماعة بعد عام 1948 وبالتالي فهو لا يبين لنا حقيقة الأمور قبل تلك الفترة .

الصحة العامة

كانت الصحة العامة عنصرا هاما من عناصر الإصلاح الاجتماعي الذي دعا إليه حسن البنا في رسائله المبكرة وقد ركز فيما يتعلق بالصحة العامة على نشر الوعي وتوفير الإمكانيات المادية والبشرية اللازمة لمشكلة الصحة المتفاحمة على النطاق القومي , وقد تبني برنامج العمل الذي وضعته الجماعة فيما يختص بهذا الموضوع وجهة نظر حسن البنا ذاتها .

وكانت الجوالة هي أول فرق الجماعة التي عملت على نشر الوعي الصحي وبذل الرعاية الطبية في الريف , فقامت الوحدات المحلية للجوالة بتنظيف الشوارع والحواري في الريف وتشجيع الفلاحين على اللجوء إلى المستشفيات والعيادات , كما شاركت في العمل بهذه العيادات بتقديم المساعدات الأولية , وكانت أنشطة الجوالة في هذا المجال جزءا من البرنامج الاجتماعي العام الذي وضع للجوالة عام 1943 للقضاء على القذارة والمشاكل الصحية التي يعاني منها المصريون سواء في الريف أو الحضر , .

ورغم أن هذا النوع من الخدمات انتقل تدريجيا إلى القسم الطبي للجماعة إلا أن فرق الجوالة ظلت تمثل وسيلة اتصال هامة فيما يتعلق بمعالجة المشاكل الطبية في القرى , .

كما أن حسن البنا عرض خدمات فرق الجوالة على وزارة الصحة أثناء انتشاء وباء ( الجدري ) عام 1945 ووباء ( الكوليرا ) عام 1947 وأرسل تلك الفرق لخدمة المناطق المصابة .

وقد اكتمل هذا المشروع التعليمي عام 1944 بإنشاء قسم طبي يقوم عليه الأطباء الأعضاء في التنظيم , وكان هدف هذا القسم إنشاء المستوصفات والعيادات والمستشفيات ونشر رسالة الوعي الصحي ورفع المستوى الطبي لجميع الطبقات بكافة الوسائل المتاحة , وقد افتتح المستوصف الأول للجماعة في مقر الطبيب محمد أحمد سليمان الذي كان عضوا بارزا في الجماعة ثم انتقل مقر هذا المستوصف في خلال شهر واحد إلى المركز العام حيث أقيم له بعد ذلك مقر خاص بجانب المركز العام وألحقت به صيدلية يرأسها صيدلي قانوني , وقد تولت تلك العيادة – التي تحولت إلى مستشفي فيما بعد – علا 21677 حالة عام 1945 , 29039 حالة عام 1946 , 51300 حالة عام 1947 على حد قول الجماعة , .

كذلك تم افتتاح العديد من العيادات في الأماكن المختلفة بعد افتتاح هذا المستوصف وقد قدرت ميزانية القسم الطبي للجماعة عام 1948 بـ 23000 جنيها .

واصلت الجماعة نشاطها الطبي عام 1950 بعد أن تعرضت معدات العيادات والمستوصفات للمصادرة عام 1948 , وفي عام 1953 زعمت الجماعة أن لها مستوصف واحد على الأقل في كل منطقة من مناطق مصر , وأن في القاهرة 16 عيادة تتولي علاج 100000 مريض , وقد استولت حكومة الثورة عام 1954 على كل تلك العيادات ولم يعرف مصيرها بعد ذلك .

الخدمات الاجتماعية والخيرية

سرعان ما تحول القسم الطبي – رغم نشأته المستقلة – إلى جزء من قسم أكبر هو قسم الخدمات الاجتماعية والخيرية الذي أنشئ عام 1945 ليحل محل مكتب المساعدة الاجتماعية , .

وقد تم تنظيم القسم الجديد بشكل مستقل عن الجماعة حتى يمكن الاستفادة – كما ذكرنا من قبل – من معونات الحكومة , .

وقد سجلت وزارة الشؤون الاجتماعية 102 فرعا من فروع وكالة الأعمال الخيرية عام 1946 , وفي عام 1948 زعمت الجماعة أن عدد فروع الوكالة قد بلغ 500 فرعا منتشرة في جميع أرجاء القطر المصري .

وقد اهتم قسم الخدمات الاجتماعية والخيرية بجانب نشاطه الطبي بمساعدة الأسر الفقيرة بالمال وما أشبه وخاصة تلك الأسر التي لا عائل لها , كما اهتم بالمسنين والذين لا مأوى لهم واليتامي , .

وكان لبعض الشعب صندوق اجتماعي يساهم فيه الأعضاء شهريا لتمويل تلك الأنشطة إلا أن الوضع في أغلب الأحيان لم يكن يتخذ هذا الشكل الرسمي , فكانت المعونات ( طعام وملابس وصابون ) توزع في المواسم الدينية أما عن طريق الشعبة أو عن طريق بعض شخصيات الحي البارزة المؤيدين للجماعة .

ورغم أن الجانب الأساسي من هذه الجهود كان محددا له أن يفيد المناطق الزراعية كجزء من خطة الإسهام في الإصلاح الريفي , إلا أن معظم الفائدة كانت من نصيب أعضاء المناطق الحضري , فتنظيم الإخوان كان يهدف وفقا لتصور الكثيرين من الأعضاء إلى إعادة خلق القرية المصرية التي كان عمل الجوالة فيها أحد سبل تحقيق هذا الهدف .

وكان حسن البنا يدعو إلى اهتمام السلطات المركزية بمشاكل تنظيم الريف وتعليمه وتطويره والعمل على راحته , وكانت تلك الدعوى جزءا أساسيا من برنامج حسن البنا للإصلاح .

لذا اهتمت الجرائد اليومية للجماعة بإصلاح القرى وأخذت تنشر العديد من التحقيقات حول هذه القضية .

وكانت الجماعة تتناول بتوسع فيما تناولت مشكلة إعادة بناء القرية مع الاهتمام بالجانب المعماري وبتوفير طرق سهلة ومياه نقية وكهرباء وإنشاء صناعات ريفية .

وفضلا عن ذلك اهتمت الجماعة بمشكلة الحكومة المحلية في الريف التي يمثلها العمدة فدعت إحدى المقالات الهامة في جريدة الجماعة اليومية إلى تحقيق ما يلي :

1) اعتبار العمدة موظفا رسميا مسئولا تضعه الحكومة تحت الإشراف الدائم للتأكد من قيامه على تلبية الاحتياجات الاجتماعية المتعلقة بمجتمعه.
2) يجب أن يكون العمدة مدربا على الفلاحة والزراعة فضلا عن حصولهم على تعليم عال .
3) يجب أن تعنى المدارس الزراعية بتدريس الإدارة وعلم الاجتماع.
4) يجب إنشاء مجلس قروي من أهل البلدة يعاون العمدة في الحكم , فالمجالس القروية الناجحة – أى التي يسمح لها بالمشاركة الفعالة في تسيير الأمور – يمكنها التغلب على المساوئ التي تكبل النظام القديم .

الإصلاح الاجتماعي والأخلاقي

في حين اهتمت الخدمات الاجتماعية والخيرية بالمعالم الخارجية لمجتمع أفضل , وكان التعليم هو الوسيلة الفعالة لبناء أساس مجتمع المستقبل المزدهر , إلا أن المشكلة المباشرة كانت تتمثل في الخطايا المتأصلة في المجتمع الفاسد, لذا خصصت الجماعة جزءا هاما من برنامجها الإصلاحي لدعوة الحكومة إلى التصدي للخطايا الاجتماعية والأخلاقية , .

وقد اختلفت تلك الدعوى في حدتها ونوعها تبعا لدرجة الاختلاف بين حسن البنا والهضيبي , إلا أنها اجتمعت على نفس الأساسيات التي تتلخص في إصدار تشريعات تمنع ما حرمه الله من خمر وقمار ومراقص , إلا أن السنوات الأخيرة شهدت حدة أقل في المطالبة بالرقابة على الأفلام والصحافة فلم تكن هي الحدة التي دعا بها حسن البنا إلى الرقابة على كافة وسائل الإعلام من مسارح وأفلام وأغنيات وإذاعة وصحافة , إلى تحويل تلك الوسائل إلى وسائل تدعو إلى الفضيلة والنبل , بل أن حسن البنا تعدى تلك الدعوة إلى المطالبة بالرقابة الحازمة على المقاهي والمصايف , .

والعقاب الرادع للجرائم المنافية للأخلاق وإلغاء البغاء ومحاكمة من يرتكب الزنا على أساس أنه إذا ما تم كل هذا وتمت تقوية العلاقات الأسرية ووجه التعليم في الاتجاه الصحيح , فإن السلوك الاجتماعي سيصبح سلوكا ثوريا وستعود الفضيلة الإسلامية مرة أخرى .

وكان رأي الجماعة أنها لا تملك في هذا الشأن – مثله مثل المسائل الأخرى التي طالبت بها – سوى أن تدعو الحكومة إلى العمل وأن تقدم الأمثلة المناسبة أمامها فالجماعة مثلا كانت تعتبر صحافتها نموذجا للصحافة التهذيبية التي تحتقر الإثارة سواء في الأخبار أو الإعلانات وكانت تخصص أعمدتها غير الإخبارية للتحقيقات الاقتصادية والرياضية والنقد الأدبي وعرض الكتب خاصة كتب التراثين العربي والإسلامي في التاريخ والشعر , .

وكانت مجلة الدعوة تنشر القصص القصيرة في باب الأدب كما أن آخر مجلات الجماعة ( مجلة الإخوان المسلمين الأسبوعية ) أضافت إلى أبوابها الثابتة بابا للفنون الإسلامية وبابا آخر للسينما وكان يتناول فن صنع الأفلام والإصلاح الذي تبتغيه الجماعة في هذا المجال , .

وقد عكس هذا الباب تطورا في نظرة الجماعة التي انتقلت من محاربة الأفلام باعتبارها خطيئة إلى الأمل في إصلاح الأفلام بحيث تصبح أداة مفيدة في النهضة المرجوة .

كذلك تبنت الجماعة الدراما الإسلامية ( التهذيبية أيضا ) والتي تتكون من نوعين من المسرحيات هما المسرحيات السياسية الناقدة والمسرحيات الدينية التي كان على أحمد باكثير في أغلب الأحيان هو مؤلفها , وغالبا ما كانت تلك المسرحيات مسرحيات ذات فصل واحد تنشر في جريدة الجماعة اليومية , ويتم إخراجها وتمثيلها في بعض المناسبات بواسطة الأعضاء , .

ومن بين تلك المسرحيات نذكرها :" ملك السودان " وهي مسرحية تهاجم السياسة البريطانية في السودان , " سوريا الكبرى " وهي مسرحية تهاجم السياسة البريطانية في منطقة الهلال الخصيب و " رسالة الرجل الأبيض " وهي مسرحية تهاجم السياسات العنصرية الغربية : أما المسرحية الدينية التي قدمت أكثر من مرة فهي مسرحية ( غزوة بدر ) وهي تتناول هذا الحدث الإسلامي التاريخي بحماس لا يعد له إلا حماس الجماعة للأهمية الحربية لتلك الغزوة .

وأخيرا كان أعضاء الجماعة يتبعون في حياتهم الخاصة سلوكا يبين إمكانية وفائدة السلوك القويم بهدف رد الآخرين إلى الأخلاق القويمة .

وفي هذا المجال عانت الجماعة من معضلة كانت تبدو مستعصية على الحل , فهل يكفي تقديم المثال الطيب للسلوك والنصح باتباعه لمواجهة المد غير الإسلامي أم أن هذا الأمر من الضخامة بحيث يستوجب أن يستخدم المسلم " يده " أى أن تستخدم الجماعة " يدها " ؟

وقد ذكرنا من قبل أن تلك القضية كانت أحد أسباب الخلاف الذي نشأ في أواخر الثلاثينات وادي إلى انشقاق مجموعة معينة , وقد اضطر حسن البنا في هذا الخلاف إلى الاستعانة بالقرآن في مواجهة استخدام المجموعة لبعض الأحاديث النبوية ليوضح وجهة نظره وليحسم الخلاف على استخدام القوة في عمل الجماعة الإصلاحي , .

إلا أن حسن البنا لم يكن ليدرك أن عرضه الدرامي والحماسي لتلك القضية آنذاك قد شكل الدافع الأساسي وراء محاولات عديدة لحل تلك المشكلة بطريقة يمكن القول بأن حسن البنا نفسه كان سيعارضها .

فقد كان محتوما أن يؤدي تضافر حماس بعض الأعضاء لاتخاذ موقف إيجابي فعال مع الروح النضالية المنطلقة من قوة الحق التي كان حسن البنا يدعو إليها إلى أعمال عنف مستمرة رغم تفرقها وإلي التدخل العنيف من جانب بعض أعضاء الجماعة باسم الإسلام وفضائله , الأمر الذي زاد من تخوف المواطنين من صعود الإخوان إلى السلطة , ويعتبر هذا الجانب أحد الجوانب الهامة للقضية الأكثر شمولا التي سنعود إليها في خاتمة هذه الدراسة .

المدينة الفاضلة

أنشأ بعض أعضاء التنظيم في عام 1951 على وجه التقريب جمعية تعاونية تعمل على تخطيط مدينة تسعى إلى تحقيق الأمان الاقتصادي بجانب تحليلها بالفضيلة والتقوى والسلام , أما وسيلة الأمان الاقتصادي فكانت الملكية التعاونية للأرض والاستخدام المخطط للتسهيلات المتاحة وقد اختار الأعضاء لهذا الغرض قطعة أرض تبلغ مساحتها 400 فدانا في القاهرة القديمة بجوار جبل المقطم , ودفعوا للحكومة 20000 جنيه كتكاليف أولية , وبمجرد أن وافقت الحكومة على لائحة الجمعية التعاونية انتخب الأعضاء مجلس إدارة الجمعية , .

وبدأ العمل وتم مسح المنطقة وأجراء الدراسات الجيولوجية عليها كما أدخلت المياه والكهرباء إليها , وكان من المتوقع أن تخدم تلك المدينة 20000 أسرة تعيش في المنطقة , إلا أن عام 1954 جاء وجاء معه الخلاف مع الحكومة فتوقف العمل , لكننا لم نجد دليلا على مصادرة الحكومة لعقارات تلك الجمعية التعاونية ,.

ولعل هذا يرجع في جانب منه إلى أن غالبية أعضاء تلك الجمعية لم يكونوا أعضاء في الجماعة ( فالإعلان عن تلك الجمعية لم يذكر أنها إحدى مشروعات جماعة الإخوان ) ويرجع في الجانب الآخر إلى أن غالبية أعضاء الجمعية البارزين كانوا من هذا الفريق من الإخوان الذي اصطدم بالهضيبي فلم يقبض عليهم واعتبروا تحت حماية الحكومة.

الباب الثالث التقييم

الفصل الحادي عشر تقييم جماعة الإخوان المسلمين

الإخوان والإسلام

يبقي الآن أن نركز على بعض القضايا التي أثارتها دراستنا هذه لجماعة الإخوان المسلمين وأن نحاول تقييم مغزاها , وعلى هذا فسوف تتناول – بتركيز أكثر في هذا الجزء – الجماعة من حيث هي " تنظيم " وخاصة ظاهرة " الزعامة " التي تشكل العنصر الأهم في ديناميكية نشاط الجماعة , وقضية العمل السياسي وما ارتبط به من ميل إلى العنف , ثم تتناول بعد ذلك موقع الجماعة من حركة العصرنة الإسلامية , ثم ننتقل أخيرا إلى نوعية " أعضاء الجماعة الذين استجابوا لدعوتها , وأهمية كل هذه المعلومات في التقييم النهائي للجماعة " .

ديناميكية التنظيم

الزعامة

نلاحظ من وصف التدرج الوظيفي التنظيمي للجماعة أنه يتسم بتقسيم ثلاثي فيما يتعلق بالسلطة , فالسلطة موزعة بين المرشد من جانب وبين جهازين آخرين هما مكتب الإرشاد الذي يتكون من 12 عضوا والهيئة التأسيسية التي تتكون من 150 عضوا , وكل منهما يعكس ويمثل – من حيث المبدأ النظرى – إرادة الأعضاء .

ومع ذلك فإن الوصف الذي قدمناه لتاريخ الجماعة ونشاطها العملي يوضح لنا أن المرشد – سواء كان البنا أو الهضيبي – هو الذي يمثل مركز القوة الحقيقي .

ورغم اتسام قانون الجماعة ولائحتها الداخلية بالسمات الديمقراطية النظرية إلا أن التطبيق العملي كان خاضعا للتوجيهات العليا ,.

وكان هذا صحيحا تماما في عهد حسن البنا نظرا لشخصيته وللظروف التي صاحبت نشأت الجماعة , أما مدى صحة هذا ومنطقيته أثناء فترة الهضيبي فقد كان الاعتماد وقتها إلى حد كبير على القوة الدافعة أو القصور الذاتي , التي توفر استمرار الممارسة التقليدية , .

وقد رأينا فيما سبق أن بعض أعضاء الجماعة تحدوا مركزية سلطة المرشد , وإن كانت فعالية تحديهم هذا محدودة الأثر , فقد رأينا صورا لهذا التحدي أثناء أزمات الجماعة المبكرة في القاهرة والإسماعيلية , ورأينا فصل السكري , وإبراهيم حسن عام 1947 , ورأينا فصل مصطفي مؤمن عام 1951 ورأينا هذا التحدي في سنوات الجماعة الأخيرة أثناء صراعها مع حكام مصر العسكريين , .

وقد تنطوى كل حادثة من تلك الحوادث على عناصر أخرى أكثر أهمية إلا أنها توضح في نفس الوقت تيار عدم الارتياح – حتى وإن كان محدودا – تجاه السلطة المطلقة في اتخاذ القرارات التي يمارسها المرشد العام.

وقد شهدت فترة الهضيبي بعض التغيرات التي بدلت بشكل طفيف من دور الزعامة وربما يعود هذا وقد شهدت فترة الهضيبي بعض التغيرات التي بدلت بشكل طفيف من دور الزعامة وربما يعود هذا إلى أن الهضيبي كان أقل نشاطا من سلفه , إلا أننا نرى أيضا أن الهضيبي لم يكن يملك عناد وصلابة حسن البنا في الإصرار على المتطلبات المطلقة للزعامة , .

وقد بدت هذه التغيرات في توسيع سلطة مكتب الإرشاد العام ( وفق ما جاء بلائحة عام 1951 ) وزيادة الصلاحيات التي أعطيت للسكرتير العام فيما يتعلق بالإدارة , ومع أنها – عمليا- تغييرات طفيفة تلك التي طرأت على موضع السلطة إلا أنه كان واضحا زيادة عدد الأصابع المغروسة في الفطيرة ( وإلى هذا السبب يرجع بعض التدهور الذي حاق بقوة التنظيم ) كذلك يمكننا أن نلاحظ الحدة التي اتسمت بها انتخابات المناصب العليا في عهد الهضيبي والاجتماعات التي تكررت كثيرا للهيئة التأسيسية والتي كان بعضها يتسم بالخلافات الحادة في الرأي , وهو ما يوضح أن الجماعة من الداخل كانت تدرك أن السلطة لم تعد حكرا على المرشد , وأنه أصبح من الممكن تحديه , وسوف نعود لهذه النقطة بعد قليل .

وعلى عكس ذلك كان حسن البنا وظل – بكل المقاييس – يمثل السلطة النهائية المطلقة في الجماعة , ورغم أن بعض التغيرات قد حدثت في لائحة الجماعة عام 1945 وعام 1947 إلا أنها حدثت في كلتا المرتين وبخاصة المرة الثانية ( التي أعقبت فصل السكري عام 1947 ) نتيجة استجابة حسن البنا – في أضيق الحدود – للضغط الداخلي من أجل إضفاء طابع ديمقراطي على نشاط الجماعة على أن تلك التغيرات كانت مجرد لفتة تكفي للإشارة إلى أن التغيير ممكن عن طريق تعديل الدستور , أما أن يكون التغيير حقيقيا في هذا الصدد فذلك ما لم يكن ممكنا مع حسن البنا , ذلك أنه يمس صورته عن ذاته وعن رسالته , كما أنه يمس تصوراته عن السلطة والانضباط في العلاقة بين القائد والأتباع , تلك التصورات التي شكلت العنصر الأساسي في بناء قوة الجماعة .

فالحل الذي قدمه البنا لمشاكل الإسلام ومشاكل مصر كان يتضمن ظهور خطيب مفوه يحلل أمراض مصر ويصف لها – بمهارة – العلاج الذي يقودها خارج محنتها المتعددة الأبعاد , .

وكان إحساسه بأنه ذلك الرجل واضحا في مذكراته التي يصف فيها كيف أن المدرسين والأصدقاء اعترفوا بقدرته على التأثير الشديد على الناس وتوحيد آرائهم المختلفة ولقد أوضح اهتمامه المبكر والتزامه بجمعيات الإصلاح التي كان يديرها حماسه الشديد للعمل المنظم كما أوضح أيضا مواهبه الإدارية والتنظيمية , كذلك عكس اختياره النهائي للتدريس والإرشاد – كهدف لحياته وكأجل خدمة يمكن تقديمها لمجتمعه – إحساسا متعمدا وواعيا ( خاصة وأنه شخصيا يذكر ذلك ) بأن ثمة رسالة تنتظره.

فإذا كان البنا قد التزم روح التواضع في وصف هدفه في الحياة بمجرد كلمة مرشد , فإن أولئك الذين قادهم البنا لم يتهيبوا أو يتحفظوا في إطلاق الأوصاف عليه , ومن بين الأوصاف مثلا :" رجل الساعة " و" القائد الإسلامي " و" الأخ الروحي " و" المناضل العربي " و" المصلح الاجتماعي " و" المؤمن القوى ".

ومع أن الإخوان كانوا يرددون أن الحقيقة الفريدة في الجماعة هي أنها تتسامي بالشخصيات والأفراد إلا أنهم يتفقون جميعا مع أحد كتابهم البارزين في الاعتراف بأن سر نجاح الحركة إنما يرجع إلى شخصية " الداعية " حسن البنا , وقد كانت شخصية حسن البنا سبب في التوقير الشخصي الشديد له , وفي هذا يقول الحسيني : كانت قدرته على السيطرة على أتباعه كاملة وشاملة وتكاد تصل إلى حد السحر .

وقد علقت إحدى الصحف المصرية على العلاقة بين حسن البنا وبين إتباعه بأنه لو عطس في القاهرة لسارع الإخوان في أسوان بترديد ( يرحمكم الله ) بل أن أحد إتباعه قال في ذكراه بانفعال كبير : سأعيش وأموت مخلصا لك "

وفي سبيل الكتابات التي ترثي البنا بعد وفاته تتجلي تلك المجموعة من العناصر المكونة لشخصيته التي أذكت روح الإجلال لتلك الشخصية في نفوس أعضاء الجماعة وأبرز تلك العناصر بلاغته في الخطابة وقدرته على أعطاء الناس إحساسا بالإخلاص والوضوح وعدم الأنانية , فبعرض مصر وطولها داخل الجماعة وخارجها , لا نكاد نجد من يماري في حقيقة أن حسن البنا كان أحد المتحدثين والكتاب العظام في عصره , .

ويرجع أحد أتباعه – المأخوذين به – نجاحه إلى قدرته على خلق رابطة روحية بينه وبين من يستمع له , رابطة يخلقها عبر إحساسه بمعاني الكلمات قبل أن ينطقها , فإذا تحدث فإنه يتحدث ببساطة وقوة بحيث يتوصل في النهاية إلى رفع مستمعيه لمستوى إدراكه وفهمه وانفعال , .

وإذا ما وضعنا في حسابنا ولع العالم العربي بموهبة البلاغة أيا كانت الأفكار الكامنة وراءها نجد أن الأمر لا يحتاج إلى الإفاضة في تلك النقطة , بل يتطلب فحسب بعض التوضيح فيمما يتعلق بطبيعة الظروف الخارجية المواكبة تماما التي يتم فيها الحوار بين القائد وإتباعه .

صاحبت موهبة البلاغة التي امتلكها حسن البنا قدرة أخرى هي موهبته الشخصية على الرواية التي كان يستطيع من خلالها التوجه بالحديث إلى المصريين من كافة المستويات المعيشية والثقافية , .

ويصف أحد الكتاب المتعاطفين مع الجماعة – في مجلة الرسالة (28 أبريل 1951 ) حسن البنا بأنه كان رجلا يعرف لغة الأزهر والصوفيين كما كان يعرف لهجات وعادات ومشاكل المدن والضواحي , الدلتا والصحراء , الوجه القبلي والوجه البحرى , يعرف لغة الجزارين والفتيات الصغيرات وكافة أنماط السكان الذين يعيشون في البلاد بما في ذلك القتلة واللصوص , .

وكان حسن البنا – على حد قول هذا الكاتب - يتحدث إليهم جميعا فيندهش لمعلوماته المستمعون , وبهذا الأسلوب كان البنا يكسب الفرد تلو الفرد , ويكون رباطا وثيقا بينه وبينهم حيث يبدو لهم في صورة الصديق الشخصي والرجل الذي يمثل فكرة معينة .

وقد مثلت تلك الصداقة الشخصية بين البنا وإتباعه جزءا هاما من صورته , فهذا الجانب من شخصيته كان أكثر الجوانب الباعثة على إشاعة جو الود , حيث لم تخل مناقشة واحدة من قصة يقصها البنا أو رواية لبعض الذكريات أو الوقائع يستخدم فيها بشكل تلقائي الوقائع الشخصية في حياة أصدقائه , .

وهناك قصة تحكي عن حسن البنا ملخصها أن الجماعة عثرت في عام 1946 على مقر للمركز العام وكانت تتفاوض من أجل شرائه لكن الدارة وجدت أن المال الموجود في خزانتها غير كاف , إلا أن حسن البنا استمر في إجراء التعاقد رغم دهشة كل من حوله فلما سئل عن الطريقة التي سيحل بها مشكلة نقص النقود أجاب : " أنني أعرف مائة ألف أخ مسلم معرفة شخصية كل منهم على استعداد لإعطائي ما أطلبه " وقد قيل أنه استطاع الحصول على المبلغ المطلوب في ظرف أسبوع واحد .

ولم يقف نجاح حسن البنا في إضفاء طابع الخصوصية على علاقاته عند حدود قدرته على الاتصال بالآخرين , بل تعدى ذلك إلى المقدرة على إضفاء طابع الإخلاص والإيثار والتواضع على سلوكه الشخصي ونشاطه العملي , وكان جمهور الأعضاء على قناعة كاملة بأن البنا مختلف تماما عن باقي زعماء البلاد وأنه لا يرمي إلى استغلال من يتبعه في قضيته لمصلحة شخصية وفضلا عن ذلك فإن الجهد والوقت اللذين بذلهما البنا بلا حدود ( في التنقل والسفر والحديث وإقامة العلاقات ) من أجل الدعوة , كانا خير شاهد على تفانيه وإيثاره من أجل القضية , .

ولعل إحساس إتباع البنا بالتزامه المنزه عن الغرض هو السبب في تبجيل قدراته , فالعضو يهب الثقة في عدالة أحكام زعيمه عندما يقتنع بنزاهة سلوكه وخلوه من الأغراض الخاصة .

وأخيرا كانت هناك صفة التواضع التي يعكسها سلوك البنا بين أتباعه والذي يتمثل في استجابته القلبية لأقل أتباعه شأنا في أسوأ الظروف وإنكاره لذاته في الدعوة للقضية التي يتزعمها , .

وكان اتباعه يرون في اختياره للقب مرشد بدلا من زعيم وقائد دلالة أخرى على صفة التواضع وعلى رغبته في إقامة علاقة بينه وبين الله بدلا من العلاقة الزائفة بالبشر , والواقع أن نجاح حسن البنا في اكتساب دور القائد الذي لاغني عنه إنما يرجع أساسا إلى نجاحه في إيضاح عزوفه الشخصي في هذا الدور .

وكان مصرع حسن البنا مأساة شديدة الوقع على الأعضاء , فكل ما عاناه أعضاء الجماعة – أفراد أو جماعات – من السلطة لم يوهن من عزم الحركة بقدر ما أوهنها فقد زعيمها, وقد علق مراقب غربي على مصرع البنا بهذا القول الذي لم يتجاوز فيه الحقيقة :" اكتسبت ذكرى حسن البنا طابعا ( مسيحانيا ) كما أن مأساة موته تذكر كما يذكر صلب المسيح ".

كذلك كانت سمعة حسن البنا خارج الجماعة سمعة طيبة , فيذكر لنا معلق مجلة الرسالة وصديق الجماعة – في 28 أبريل 1952 – أن حسن البنا : جعل حب الوطن جزءا من عواطف الروح , ذلك أنه أعلي من قيمة الأمة ومجد أسس الحرية , لقد خلق حسن البنا رابطة التعاون لا السيطرة بين الحاكم والمحكوم كما أنه خلق مبدأ المسؤولية لا السلطة بين الحكام والشعب ".

أما محمد التابعي ( الكاتب الصحفي ) الذي كان ينتقد الجماعة بشدة فقد قال أن حسن البنا " يأخذ مكانه بين قادة الجماهير أمثال مصطفي كامل وسعد زغلول ) ويعلق إحسان عبد القدوس – الذي كان ينتقد الجماعة أيضا – بقوله :"

" لم أقابل في حياتي الصحفية زعميا أو سياسيا أكثر اقتناعا برسالته من حسن البنا , وكثيرا ما كنت التقي به وأنا في حالة تحد عازما على تفنيد منطقة بمنطقي , إلا أنني كنت أتركه مقتنعا بإيمانه وشرف دعوته وقوة عزمه على تحقيق أهدافه ".

ولم يستطع الهضيبي , ولم يكن بمقدوره , أن يرقي إلى الصورة غير العادية التي كان حسن البنا يمثلها للجماعة وقد قيل أن الهضيبي نفسه حذر الجماعة – عندما تم انتخابه خلفا للبنا – من عدم جدوى المقارنة .

فالقاضي الفاتر المقتضب الذي كان يعلن رفضه للمظاهرات السياسية الغاضبة والذي كان يكبح جماح الحماس الزائد في الاجتماعات , والذي كان يتحدث بهدوء – فلا يؤثر تأثيرا ملموسا أو يتأثر تأثرا ظاهرا – لم يكن بمقدوره أن يكون بحجم الرداء الذي تركه له سلفه فبينما يرجع بعض التأييد الذي لاقاه الهضيبي من غالبية التنظيم أثناء صراعه مع الحكومة إلى بعض الأعضاء الذين التزموا بشكل أصيل به وبالروح الجديدة التي أدخلها , .

إلا أن الجزء الأكبر من هذا التأييد إنما يرجع إلى أولئك الذين ارتبطوا بالمرشد نتيجة لبريق هذا المنصب المتبقي بعد أن انطفأت النيران , وقد اعترف الهضيبي بذلك أثناء محاكمته عام 1954 بقوله : " لم أكن أصلح لقيادة التنظيم " وتكمن أهمية تلك الحقيقة في الخلل الذي أصاب طبيعة السلطة والانضباط التنظيمي .

السلطة والانضباط التنظيمي

ظهر أثر التبجيل الشخصي لحسن البنا على حياة الجماعة في قبول هؤلاء الأعضاء التام والواسع النطاق لفكرة حسن البنا عن الولاء والانضباط , وقد قننت لائحة الجماعة هذه الفكرة عندما نصت على أن يقسم جميع الأعضاء ولاء الطاعة للمرشد العام ولعلنا نذكر أن عضو الجماعة كان يقسم بأن يثق ثقة تامة بالمرشد وأن يسمع ويطيع في المنشط والمكره ( القانون الأساسي بند 4 صفحة 9) ونستطيع أن نجد المعالجة التفصيلية لهذه النقاط في رسالة التعاليم التي كتبت خصيصا من أجل نظام الكتائب الذي أنشئ عام 1939 , إلا أنها أصبحت في الوقت نفسه الوثيقة الأساسية للتلقين العقائدي لجميع الأعضاء . ففي تلك الرسالات أورد البنا الطاعة والثقة ضمن الأعمدة العشرة لقسم الولاء أو البيعة , .

وتحت بند الطاعة تناول البنا ثلاثة أنواع من طاعة التنظيم , وقد تناولنا فيما سبق تلك الأنواع الثلاثة كدرجات تنظيمية تضع الأعضاء في مراتب ثلاث هي التعارف ثم التكوين ثم التنفيذ , وتنطبق المرتبة الأولي على غالبية الأعضاء في أنشطتهم العامة ولا تتطلب تلك المرتبة الطاعة التامة , أما المرتبة الثانية فتتطلب اتحاد أولئك الذين يعدون للجهاد على أسس الروح الصوفية والعمل العسكري تحت لواء مبدأ " الأمر والطاعة " دون تردد أو مناقشة أو شك أ نقد, أما المرتبة الثالثة وهي مرتبة التنفيذ , فتأتي في أوقات الجهاد التي تتطلب عملا دائبا للوصول إلى الأهداف وتعني القبول الكامل وغير المشروط لواجب الطاعة المطلقة .

وتكتمل فكرة الطاعة بالثقة في القائد , ذلك أنه لا طاعة ولا احترام من جانب الجنود إذ لم يثقوا في قدرة القائد وإخلاصه , والقائد جزء من الدعوة إذ لا دعوة دون قائد , والثقة المتبادلة بين القائد والجندي هي أساس قوة الجماعة وصحة خططها وإنجازها الناجح لأهدافها , .

ولقائد الإخوان المسلمين سلطة الأب والأستاذ والشيخ والزعيم ويستطيع الأخ المسلم اختيار ثقته في القيادة بسؤال نفسه الأسئلة التالية : هل يعرف زعيمه وحياته وقدراته وإخلاصه ؟

هل هو مستعد لقبول الأوامر والتكليفات دون مناقشة أو مجادلة ؟ - هل هو مستعد للاعتراف بخطئه وتقبل تقويم القائد إذا ما رفض العضو القيام بما يطلب منه ؟ - هل هو مستعد لوضع مصالحه الحيوية تحت تصرف الحركة وهل يقبل أن يضحى بتلك المصالح ؟ وتحدد الإجابة على تلك الأسئلة مدى استعداد العضو للدخول في مراتب العضوية الأعلى .

وقد جعل حسن البنا , منذ الأيام الأولي للحركة صفات الطاعة والثقة هذه ملمحا أساسيا من ملامح ديناميكية التنظيم يقر في أذهان أتباعه , وجعل نجاح أفكار الحركة يعتمد على قبولهم التام لذلك الملمح , وقد عهد حسن البنا للقوة التنظيمية التي تؤهل العضو لقبول هذا بإجراءات " نظام انضباطي " نص عليها في قانون الجماعة .

وفي المؤتمر العام الثالث الذي نظم مراتب العضوية أكد حسن البنا أهمية تنفيذ قادة الميدان للعقوبة التي يستحقها الأخ الذي يحيد عن الواجبات الموضوعية له , كما أكد وجوب اتخاذ إجراءات صارمة ضد كل عضو مهمل .

ويتعاقب الأحداث أصبح لهذه العقوبات أسس تنص عليها لائحة الجماعة , ورغم أن درجة قوة الإجراء التنفيذي المتخذ اختلفت وفقا للمراتب التنظيمية , إلا أنها لم تكن المتخذ اختلفت وفقا للمراتب التنظيمية , إلا أنها لم تكن تختلف جوهريا عن العقوبات التي وضعت لأصغر عضو شعبة من إنذار ثم تقويم ثم وقف عضوية ثم الفصل في النهاية .

أما كيفية تنفيذ تلك العقوبات فليست هناك أية معلومات عنها باستثناء تلك التي تتعلق بالنزاعات التي حدثت مع قيادة الجماعة والتي أدت إلى الفصل , وقد يبدو من تلك الحالات ومن ذكريات الأعضاء أن تلك العقوبات نادرا ما كانت توقع , والواقع أن درجة الطاعة التي بدلت للبنا لم تكن مرتهنة بحال بالقدرة التنفيذية المتوفرة لديه على توقيع العقوبات , أن نجاحه الحقيقي تمثل في أن الطاعة التي كان يطلبها كانت تبذل له طواعية , وطالما ذكر أتباعه أن طاعة البنا والولاء له كانا يعطيان له دون طلب , وأن التعمد في أعطائهما يجعلانهما عملا واعيا لا انقيادا أعمى .

ويرجع السبب الرئيسي في سهولة تقديم هذه الطاعة إلى طبيعة الحركة نفسها , فإيمان الأعضاء بالأهداف الدينية المحددة جعلهم يقبلون مبدأ أنه لا جدال في الدعوة أو في الصوت الذي يردد تلك الدعوة ويصف لنا أحد أعضاء الجماعة الجانب الديني لتلك المسألة بقوله :" أن الطاعة نوع من العباد يقربهم ( أى المسلمين ) إلى الله " ويقدم أحد أتباعه تفسيرا إسلاميا بحتا في الرد على مسألة تطبيق المبدأ الديمقراطي النظري للشورى فيما يتعلق بسلطة حسن البنا حين يقول :" هناك من الأمور ما لا يمكن استخدام مبدأ الشورى فيه , .

وأنا أعني هنا أن الإنسان مجبر في تلك الأمور على القيام بها أو التفكير فيها بأسلوب واحد فقط " وقد ذكر هذا العضو تفسيره هذا في معرض الحديث عن سلطة حسن البنا , الأمر الذي يوضح لنا – بأفضل ما يكون التوضيح – ولاء الأعضاء التام للمرشد , هذا الولاء الذي ينبع من مكانه حسن البنا الشخصية ومن القبول الواسع للنظرة القائلة بقدسية دعوته .

لقد وضع حسن البنا , في تصوره للعلاقة بين القائد والتابع , الولاء والثقة في نفس المرتبة , إلا أن أتباعه – الأمر الذي أصبح شديد التأثير في قدرة الحركة على الاستمرار – كانوا يرون أن الطاعة تنبع من الثقة , فإذا ما فقدت القيادة الاحترام والثقة من جانب الأعضاء أصبح الأعضاء في حل من طاعتها أو حتى الولاء لها , .

ورغم أن تلك الحقيقة لم تؤثر كما رأينا على غالبية الأعضاء بعد أن تولي الهضيبي مقاليد الجماعة , إلا أنها أثرت على جزء هام من الأعضاء الذين كانوا في مناصب قيادية سواء داخل الجماعة أو خارجها , الأمر الذي أدي إلى بدايات الأزمة التي تطورت إلى أزمة قاتلة لحياة الجماعة , .

والمجموعة التي دعت إلى إصلاح تنظيمي يضع نصب عينيه أعطاء صيغة ديمقراطية للجماعة اعتمدت على هذا الجانب من الأعضاء – وهكذا بدأت جماعة الإخوان لأول مرة ترى الأعضاء يتنافسون علانية في حجر الأساس التقليدي للجماعة " الطاعة " ويطالبون بإحلال الطاعة المبصرة محل الطاعة العمياء .

وبينما مثلت قضية الطاعة إحدى القضايا الأساسية في النزاع , كانت هناك قضية أخرى ترتبط بها وتوازيها من حيث الأهمية وتشغل اهتمام المتنازعين الذين كانوا جميعا من صفوة القيادة الطامحة إلى السلطة , هذه القضية هي قضية توزيع السلطة في التنظيم بين مكتب الإرشاد ومكتب المرشد العاموالهيئة التأسيسية , .

وهكذا نجد أن تلك القضية التي كانت وراء كل عمليات الفصل التي أجراها البنا , والتي حفزته إلى صياغة دستور الجماعة عام 1945 وإلى التعديلات اللاحقة عام 1948 , قد عادت للظهور أخيرا كقضية حاسمة يتنازع عليها الجميع في الوقت الذي لم يعد البنا موجودا فيه ليحمل الأعضاء على الثقة به وبحكمة النهائي , كما صاحب تلك الحقيقة ( أو ظهر كنتيجة لها ) تحول آخر في تقاليد الجماعة تمثل في تحولها من جماعة تعتمد أساسا على الروابط الشخصية والروحية بين القائد ومن يقودهم إلى جماعة تظهر فيها فجأة أهمية الدستور , .

وقد عبر أحد الأعضاء المعارضين للهضيبي عن ذلك بقوله :" كان البنا يحكم الإخوان كرب أسرة , أما للهضيبي فيحكمهم كزعيم جماعة أو حزب " وهكذا كانت النتيجة النهائية لهذا الصراع – كما رأينا – تفكك جبهة الإخوان أمام أعداء الجماعة وضعفها الشديد , أما النتيجة المباشرة لهذا الوضع فقد تجلت في شكل الدعوة إلى إصلاح دستور الجماعة ونشاطها العملي .

ولقد سبق أن أوضحنا أن الحافز الرئيسي الدافع لحركة الإصلاح تمثل في إحساس الجماعة المعادية للهضيبي بأن تقوية الهيئة التأسيسية هو الإمكانية الوحيدة المتاحة لقلب الأوضاع فيما يتعلق بقوانين الفصل التي تمت في الجماعة في نوفمبر 1953 والسياسات التي بدأا أنها المسئولة عن العداء الشديد الذي فرق بين الجماعة ورجال ثورة يوليو في عام 1954 , .

وقد ذكرنا فيما سبق أيضا أن مصدر هذا الإحساس هو معاداة بعض الأعضاء القدامي للزعيم الجديد وسياساته خاصة تلك التي تتعلق بحل الجهاز السري.

أما المحاولة الأولي التي بذلت لحل النزاعات التي هزت الدوائر الداخلية للجماعة فقد جاءت على شكل اقتراحات قدمت للقيادة تقضي بتغيير لقب المرشد العام(.... للاحتفاظ بالمكانة الفريدة التي احتلها البنا في ذاكرة الأعضاء ) والتمهيد الفعال لانتخابات حقيقية لمكتب الإرشاد , وخلق السبل التي تمكن الأعضاء العاملين ( الأعضاء القدامي للجهاز السري ) من ممارسة دورهم في وضع سياسة الجماعة واختيار مراتبها التنظيمية العليا , ومن الواضح أن تلك الاقتراحات قدمت في المرحلة الأولي لقدوم الهضيبي , .

فهي لا تعكس شيئا يزيد بكثير عن الشعور بالصدمة الذي انتاب الأعضاء القدامي وهم يرقبون مجئ الزعيم الجديد , إلا أن تلك الاقتراحات أفضت بالفعل إلى أجراء تغير هام في الترتيب الهرمي للسلطة داخل الجماعة والذي جاء نتيجة للائحة الجديدة التي ألحقت بالقانون الأساسي عام 1951 بعد تولي حسن الهضيبي للزعامة مباشرة , وبصدور تلك اللائحة أصبح لمكتب الإرشاد – من الوجهة النظرية – سلطات أوسع .

وتكتسب تلك الحقيقة أهمية خاصة لا بالنسبة لتاريخ تطور جهاز الجماعة الإداري فحسب بل أيضا بالنسبة لتاريخ صراعاتها الداخلية من أجل تولي قيادتها , فرغم أن الهضيبي لم يتخل عن سلطاته إلا أنه أصبح على استعداد بعد سلسلة الانتخابات – التي جاءت لصالح للهضيبي ودعمت أوضاع من اختارهم – أن يشاركه آخرون في بعض سلطاته إلا أن المعارضة على الجانب الآخر كانت تريد أولا التحكم في مكتب الإرشاد عن طريق الانتخابات وعندما فشلت في هذا سعت إلى تغطية تماما .

هذا ولم تلق أفكار دعاة الإصلاح قبولا إلا بعد أن طرد أولئك الدعاة من الجماعة في نوفمبر وديسمبر عام 1953 , في هذا الوقت وبعد الجو الذي أثاره الانقسام الداخلي في القيادة , أعلن للأعضاء عن تشكيل لجنة خماسية لتعديل اللائحة وقد جاء تشكيل اللجنة – التي كانت في غالبيتها من المحايدين بمثابة إشارة أكيدة إلى انتواء مناقشة الأعضاء المفصولين , .

إلا أن الجماعة تعرضت للحل الأول في يناير 1954 , قبل أن تتخذ اللجنة أى إجراء جدى , وهكذا لم يترك التعديل دون حسم فحسب , بل أن المتصارعين في كلا الجانبين أخذوا مواقفا أكثر تطرفا نتيجة للطبيعة المختلطة لنموذج الو لاءات في أعقاب تلك الأحداث , .

فمعسكر دعاة الإصلاح ظل حتى نهاية ذلك العام يتمسك بموقف غير مرن يتلخص في مقاومة ما سمي بدكتاتورية للهضيبي بالعمل على زيادة أعضاء الهيئة التأسيسية وسلطاتها على حساب سلطات للهضيبي وسلطات مكتب الإرشاد باعتبار المكتب هو أداة للهضيبي في بسط سلطاته , وفي سبتمبر 1954 أعلن عشماوى المتحدث باسم المعارضة أن الجماعة التأسيسية هي التي تملك كل السلطة .

على أن تلك النظرة تتناقض مع غالبية التفسيرات التي قدمت لدستور الجماعة وتاريخها فاللائحة الداخلية لعام 1951 التي وسعت من صلاحيات مكتب الإرشاد لم تضف جديدا لمهام الهيئة التأسيسية التي سبق وصفها قبل ذلك بعبارات تتسم بالغموض وعدم التحديد , .

فالهيئة التأسيسية تاريخيا , هي مكان تجمع الشخصيات ذات المكانة والأعضاء الذين يتسمون بكبر السن والاحترام والأشخاص الذين أمل البنا من خلال عرض هذا المنصب والأشخاص الذين أمل البنا من خلال عرض هذا المنصب عليهم في أن يضفوا مكانة على الجماعة نفسها , .

إلا أن ممارسة الضغوط من أجل " انتخاب " أعضاء تلك الهيئة بدأت بالفعل بعد موت حسن البنا , فعلي حد قول أحد أعضاء الجماعة : " ليس موجودا الآن الشخص الذي تكفل له مكانته أن يختار أعضاء تلك الهيئة " فلما انفجر الخلاف بشكل علني طالب البعض بتقوية الهيئة بدأت بالفعل بعد موت حسن البنا , .

فعلي حد قول أحد أعضاء الجماعة :" ليس موجودا الآن الشخص الذي تكفل له مكانته أن يختار أعضاء تلك الهيئة " فلما أنفجر الخلاف بشكل علني طالب البعض بتقوية الهيئة التأسيسية ومنحها قوة لم تكن لها أبدا في يوم من الأيام فالهيئة التأسيسية في تلك الظروف , كانت الجهاز الوحيد الذي يستطيع المنشقون من خلاله رد ما نالهم من ظلم .

وفي سبتمبر عام 1954 وبعد ما تفاقم الخلاف مع الحكومة إلى ذروته وخلق الشلل , وبعد أن شل النشاط التنظيمي للجماعة والقيادة , اتفقت أطراف النزاع على ضرورة التحرك العملي الفعال بأى شكل وعلى أن الهيئة التأسيسية هي نقطة البدء المنطقية , .

حيث كان زعماء كلا الفريقين يأملون في أن يكتسبوا تأييد الهيئة التأسيسية لوجهة نظرهم في قضايا الساعة , .

كذلك كان كل من الفريقين يؤيد تشكيل هيئة جديدة آملا في أن يكسب تأييدا لوجهة نظره لدى الاقتراع على الثقة , .

وهكذا وافق الجميع على حل الهيئة التأسيسية والبدء في إجراءات تشكيل هيئة تأسيسية أخرى , .

وفي 23 سبتمبر عقد اجتماع الهيئة ونجح أنصار الهضيبي في دفع الهيئة إلى اتخاذ قرارات أدت إلى ضرب محاولات قصر مدة صلاحية منصب المرشد العام بحيث تصبح ثلاث سنوات فقط ( الأمر الذي لو نفذ لكانت مدة الهضيبي قد انتهت أوتوماتيكيا ) كما أدت تلك القرارات في الجانب الآخر إلى الدعوة لإعادة كتابة الدستور بهدف حل الهيئة التأسيسية وإحلال هيئة جديدة منتخبة مكانها ,.

وقد اتخذت تلك القرارات بتأييد الأعضاء المحايدين الذين أضافوا للمناقشات التي مهدت لتلك القرارات اقتراحات أخرى تضع شكاوى الجناح المعارض موضع الاعتبار , .

وكانت بعض الاقتراحات تنص على انتخاب الهيئة التأسيسية كل ست سنوات , أو أن ينتخب نصف أعضاء تلك الهيئة كل ثلاث سنوات وأن تجتمع الهيئة كل ثلاثة أشهر لتكون على اتصال أوثق بشؤون الجماعة وأن تكون للهيئة سكرتارية خاصة تدرس الاقتراحات المقدمة إليها وأن تنشئ الهيئة لجنة قانونية تتصرف في الأمور التي تتعلق بعمل الهيئة دون الرجوع إلى المرشد العام, إلا أن هدف تلك الإقتراحات يتضح من توصية أخرى أساسية هي إشراف الهيئة التأسيسية على إعمال مكتب الإرشاد .

وبعد انتهاء الاجتماع مباشرة بدأ الإخوان في الإستعداد لإجراء الانتخابات في كافة الشعب المنتشرة في أرجاء البلاد , وينص قانون الانتخابات على تشكيل الهيئة التأسيسية من 120 عضوا , يعين المرشد العام30 منهم إلا أن هذه النقطة عدلت بحيث يتم انتقاء الثلاثين عضوا عن طريق لجنة خاصة تشكل من بين باقي الأعضاء المنتخبين ويتم الانتخاب بطريق الانتخاب غير المباشر , فيتم انتخاب سبعة أعضاء عن كل شعبة بإشراف مجلس إدارة الشعبة .

ويجتمع السبعة المنتخبون من كل شعبة سويا لانتخاب التسعين عضوا المنتخبين في الهيئة التأسيسية , .

ولأن الجماعة ظلت مصممة على رأيها الذي أبدته في قضية انتخابات البرلمان والذي يعارض نظام الانتخابات الحزبي الفاسد المتبع لذا رفضت إتباع الاقتراع المباشر الذي تسير عليه تلك الانتخابات الفاسدة وقد أعرب الأعضاء القياديون الذين أبعدوا عن الأشراف على التصويت – حيث كان أنصار الهضيبي هم المسيطرون على الجهاز التنظيمي – عن استنكارهم لإتمام الانتخابات على مراحل نظرا لأن مكتب المرشد العام كان لا يزال هو الجهة التي تعين أعضاء المكاتب الإقليمية الأمر الذي يمثل ضغطا على الشعب يتنافي والانتخابات الحرة الحقة على أن تلك المناقشات ( حول ما يمكن أن يؤدي إلى إتمام الانتخابات بحرية اختيار تامة ) لم تكد تدخل في قلب القضايا الأساسية حتى أصبح الموضوع برمته موضوعا نظريا بحتا ففي خلال أسابيع وقع الصدام الأخير بين الحكومة والجماعة ليضع نهاية تعسفية لتلك القضية وللجماعة بأمرها .

مكتب المرشد العام كان لا يزال هو الجهة التي تعين أعضاء المكاتب الإقليمية الأمر الذي يمثل ضغطا على الشعب يتنافي والانتخابات الحرة الحقة على أن تلك المناقشات ( حول ما يمكن أن يؤدي إلى إتمام الانتخابات بحرية اختيار تامة ) لم تكد تدخل في قلب القضايا الأساسية حتى أصبح الموضوع برمته موضوعا نظريا بحتا ففي خلال أسابيع وقع الصدام الأخير بين الحكومة والجماعة ليضع نهاية تعسفية لتلك القضية وللجماعة بأمرها .

السياسة والعنف

عندما تذكر جماعة الإخوان المسلمين في التاريخ المصري فإنها تذكر أساسا لدورها السياسي سواء ما قامت به أو ما لم تقم به , كما تذكر أيضا بسبب ما يكشفه نشاطها السياسي من أمور السياسة المصرية , وسنضيف هنا إلى ما ناقشناه سابقا من مواقف الجماعة السياسية وعملها بعض الاعتبارات الأخرى والتي تتعلق بالقضيتين المحوريتين بالنسبة لدور الجماعة السياسي وهما :

1) مواقف الجماعة ونواياها فيما يتعلق بالمطالبة بالسلطة السياسية .
2) مشكلة العنف السياسي .

السلطة السياسية : تطور أم ثورة ؟

كان التبرير الرسمي الذي أعطته السلطات للحل والقمع الذي تعرضت لهما الجماعة عامي 1948 , 1954 , هو أن الجماعة كانت تدبر للوصول إلى السلطة عن طريق الثورة , .

فإذا كانت المواد التي تتضمنها دراستنا هذه تتطابق بأى شكل مع الواقع ( ونحن نقول هنا مرة أخرى أن الحكومات المعنية في كلتا الحالتين أى في عامي 1948 , 1954 قد نشرت كل الأدلة الواقعة تحت أيديها ) فإنها تبين أن التهم الموجهة إلى الجماعة ليست دقيقة في صحتها , فالوثائق الموجودة عن عام 1948 والتي تبين ما يحمله الإخوان من سخط على النظام السائد ,.

ووجود تنظيمهم بشقيه العلني والسري والتدريبات على العمليات العسكرية كل ذلك لا توضح بشكل جازم أن الجماعة كانت تدبر للإطاحة بالحكومة المصرية عن طريق القوة , .

كما أن من المشكوك فيه أيضا أن حسن البنا بحذره الذكي بل والماكر كان يخرج إلى العلانية بهذه السرعة في الوقت الذي كان فيه أكثر إتباعه العاملين موجودين في فلسطين بعيدا عن ميدان العمل المتوقع .

وفي يناير سنة 1954 , كان الموقف قد تأزم نتيجة للاتهام الفج والدعائي الذي وجهته الحكومة للإخوان بانتوائهم القيام بثورة , وفي أعقاب ذلك تم التوصل إلى نوع من الصلح دل بوضوح على أن صفقة ما قد عقدت بينهما , .

وعندما وقعت محاولة اغتيال عبد الناصر في أكتوبر من نفس العام , توفرت لدى التآمر الثورة أدلة أقوى بكثير مما توفرت لهذه الدعوى عام 1948 .

فقد توفرت شواهد واضحة على وجود محاولات وخطط لدى جماعات معينة من الإخوان للاتصال بجماعات مغرضة أخرى , خاصة في الجيش بهدف استبدال الزمرة العسكرية الحاكمة بجماعات أخرى أكثر تجاوبا , .

وهنا نعود إلى تأكيد ما طرحناه سلفا من أن تلك الأهداف بما فيها محاولة الاغتيال ( بصرف النظر عن خطط وصول التنظيم إلى السلطة ) لم تكن تلقي قبولا لدى الجماعة أو أن تكون تلك القيادة هي التي عملت على تنفيذ تلك الأهداف .

وفي كلا العامين 1948 , 1954 – نجد أن التوترات المتراكمة بين الجماعة والحكومة تنفجر بحادثة ما – حادثتي اغتيال في الحالتين – تهئ للحكومة ظرفا مواتيا للإجهاز على المناوئين الذين يهددون الاستقرار الداخلي وسيادة الدولة , ونحن نرى أنه مهما بلغت درجة كفاءة تدريب قوات الجماعة العسكرية وانضباطها , .

فإنها لم تكن تستطيع مقاومة قوات الأمن المصرية بشكل جدى سواء وقفت القوى المعارضة الأخرى بجانب قوات الأمن أو تصدت تلك القوات بمفردها للجماعة , فالقدرة على إشاعة جو إرهابي لا تعني القدرة على القيام بعمل ثورى فذلك يتطلب قوة كافية للمحافظة على استمرار تلك الثورة وليس مجرد قيامها , .

والواقع أنه من غير المحتمل أن تكون العناصر الفعالة في التنظيم قد أخفقت بهذا الشكل في تقدير أوضاع القوى الحقيقية للجماعة في عام 1948 , كما أنها بالتأكيد لم تكن لتفعل هذا عام 1954 .

على أن ما نطرحه من تقييم حول هاتين النقطتين الدراميتين في اصطدام الجماعة بالسلطة لا ينطبق على القضايا الأخرى المتعلقة بموقف الجماعة تجاه السلطة السياسية أو بمدى انتوائها – إذا لم تكن قد حاولت ذلك بالفعل في الحادثتين المذكورتين – الوصول إلى السلطة بالوسائل الثورية , .

وقد ذكرنا من قبل وجهة نظر حسن البنا النظرية فيما يتعلق بعلاقة الإسلام بالحكومة والسياسة , فالسلطة السياسية هي أحد أركان الإسلام إن لم تكن ركنه الأساسي , ذلك أن القانون المرسل يحتاج إلى دولة ينفذ فيها هذا القانون , والإخوان بذلك القول لم يؤكدوا الحياة بل كانوا يبررون به أيضا حقهم في العمل السياسي .

فحسن البنا كان يؤكد بعبارات صريحة أن قوة الإصلاح ترتبط ارتباطا وثيقا بقوة الحكم , إلا أنه عنى بأن يوضح أن نشاط الإخوان المسلمين لا يستهدف أساسا الوصول للسلطة بل يهدف إلى المساعدة في اصلاح المجتمع , .

وقد تحدث البنا بإسهاب عن هذا الموضوع في المؤتمر الخامس للتنظيم عام 1939 حيث ذكر النقاط التالية :-

1) أنه دون القدرة على التشريع يصبح صوت المنادين بالإصلاح صرخة في القضاء .
2) لذا يعد تجنب المطالبة بالحكم جريمة إسلامية .
3) لا يطالب الإخوان بالسلطة لأنفسهم بل هم على استعداد لأن يصبحوا جنودا لمن يتحمل هذا العبء على نحو إسلامي .
4) قبل أن يحدث أى تغيير يجب أن تخصص فترة كافية لنشر مبادئ الإخوان .

وقد ظلت النقطة الأخيرة تمثل جوهر الموقف الرسمي للجماعة خلال فترة البنا وخلال فترة الهضيبي بشكل خاص , فالدور الأساسي للجماعة دور تربوي يعلم الناس الحقيقة , وحينما يتفهم الناس الإسلام , تظهر الأمة الإسلامية الحقة بصورة طبيعية .

وهكذا فإن هذا الموقف , فضلا عن إدانة الجماعة المتذبذبة للنظام البرلماني والحزبي القائم , قد خلق ازدواجا تكتيكيا وايديولوجيا في موقف الجماعة تجاه المطالبة بالمسؤولية السياسية عبر المؤسسات السياسية القائمة مثل البرلمان ومجالس الوزارات , وقد ظهر الازدواج في الموقف تجاه المشاركة البرلمانية والانتخابية على طول تاريخ الجماعة ...

ومن هذا أن الجماعة اتخذت عام 1941 قرارا بالمشاركة في الانتخابات " لنسجل رأينا في البرلمان الرسمي : وأتبعته عام 1942 بدخول الحملة الانتخابية إلا أنها انسحبت تحت ضغط الوفد , وفي عام 1945 فشلت محاولات الجماعة في تسجيل مرشحيها في كشوف الانتخابات بسبب تدخل الحكومة لكي لا تأتي نتيجة الانتخابات في صالح الوفد أو الإخوان على حد سواء .

وقد اقتضت اتهامات التزوير التي وجهتها الجماعة والتي تجسدت في شكل استنكار للأحزاب والحزبية وكل ما يتعلق بهما , أن تنكر الجماعة أن تكون المحاولات والمجازفات الأولية لدخول عالم السياسي المنظمة داخل إطار الحكم القائم قد جرت – في أى وقت – باسم التنظيم وهذا الموقف لم يؤد إلا إلى تعزيز تيار تجاوز الشرعية والذي شكل دائما أحد العوامل الأساسية في نمو الجماعة كما شكل جانبا من الصورة الأكبر لتدهور النشاط السياسي في مصر , على أن الجماعة – في نفس الوقت الذي كانت فيه الاتهامات للنظام – استمرت في الاشتراك – في الانتخابات المحلية وزعمت أن المرشحين الذين تبنوا مبادئ الجماعة قد أحرزوا نصرا كبيرا فيها .

وربما كانت الحقيقة القائلة بأن تلك الانتصارات لم تحدث إلا خلال فترة الوفاق بين حكومة صدقي والجماعة عام 1946 ( وتسببت في احتجاج الوفد على الانتخابات ) هي التي ساعدت على ألا تتحمس الجماعة على المدى البعيد للفضائل المزعومة للانتخابات والحياة النيابية ,.

وذلك بالرغم من أن جريدة الجماعة بدأت مع نهاية عام 1946 حملة لتشجيع أعضاء الجماعة – في كل المستويات – على تسجيل أنفسهم في كشوف الناخبين بمجرد بلوغهم السن القانونية باعتبار أن هذا الأمر واجب قومي .

ولقد عكست مواقف الجماعة فيما يتعلق بالانتخابات في فترة حسن البنا الوضع الفريد لمصر التي كانت تسير بخطي ثابتة نحو الفوضى السياسية كما عكست أيضا مناورات حسن البنا التكتيكية بين القوى السياسية خاصة الوفد والسراي .

وبعد وفاة حسن البنا زاد الموقف المتناقض للجماعة فيما يختص بالنشاط السياسي الأمر الذي لا يعكس فحسب وجود اعتبارات تكتيكية بل يعكس أيضا ذلك الانقسام في الرأي الذي أعقب تولي الهضيبي للقيادة .

فنجد , على سبيل المثال أن مكتب الإرشاد لم يكن يمانع في مارس 1952 من دخول الانتخابات التي كان مقدرا لها أن تتم في ربيع ذلك العام بشرط ألا يشترك التنظيم كتنظيم أو الأعضاء كأفراد ما لم تعدل قوانين الانتخاب , إلا أن الجماعة غيرت رأيها في شهر أبريل وقررت عدم الاشتراك سواء غيرت القوانين أو لم تتغير وكان للأعضاء في هذا الصدد حجج وردود عديدة :-

فالجماعة تستطيع تحقيق رسالتها دون انتخابات كما أن الانتخابات تسبب الكراهية والفرقة الوطنية الأمر الذي يتنافي في هذا الوقت مع متطلبات النضال الوطني , فضلا عن أن الانتخابات عديمة المعني في ظل القوانين المادية أو الوضعية ومع استمرار احتجاز المعتقلين السياسيين ولقد حسمت تلك الردود على اختلافها الرأي الرسمي وغير الرسمي للجماعة فيما يتعلق بمبدأ الانتخابات وبمشاركة الجماعة في عملية الانتخابات عموما وفي الانتخابات الجارية بشكل خاص .

هذا ويعكس عدم وضوح موقف محدد طبيعة الاتفاق بين الجماعة والحكومة على كبح جماح المشاعر القومية حتى تهدأ نيران حريق القاهرة , كما تعكس طبيعة

قيادة الجماعة التي لم تحدد على وجه الدقة دور الجماعة السياسي .

فحسن الهضيبي لم يكن يؤمن إلا بموقفين تقليديين من مواقف الجماعة تجاه الاشتغال بالسياسة : الالتزام بالتربية كخطوة أساسية وضرورية .... والعداء للحزبية فقد عبر حسن الهضيبي عن النقطة الأولي في بعض الأحاديث التي أجريت معه في الفترة الأولي للثورة والتي كانت تطرح عليه التساؤلات حول انصراف الجماعة عن الاشتراك في الانتخابات التي خططت لها الحكومة مبكرا , والتي لم تجر أبدا على أنه لم يتحدث عن النقطة الثانية – فساد النظام – إلا بعد عدة شهور في حديث آخر أجرى معه .

فحينما سئل عما إذا كان الإخوان يتمسكون بعدم الاشتراك في الانتخابات , أجاب الهضيبي بأن أيام الفساد كانت شيئا مختلفا وأنه من المحتمل أن يكون للإخوان رأي آخر الآن إلا أن الفرصة لم تتح للإخوان – على حد علمنا – لاختيار الرأي الآخر , .

وفي الفرصة الوحيدة التي بدا فيها أن هناك إمكانية لعودة مصر إلى النظام البرلماني القديم ( أثناء أزمة 1954 بين محمد نجيب وعبد الناصر ) اختارت الجماعة أن تضع ثقل نفوذها ضد هذه العودة , بالرغم من أن قيادتها كانت تتعرض للقمع من جانب الحكومة التي كانت الجماعة قد منحتها ثقة واسعة , .

ونحن نعتقد أن حرص الجماعة على وضعيتها كقوة سياسية مؤثرة لدى اتخاذ القرار ( افراج الحكومة عن بعض الإخوان بما فيهم الهضيبي نفسه لا يغير من أهمية الطبيعة الأيديولوجية لهذا القرار ) .

ولم يتوفر للإخوان إمكانية المشاركة في المسؤولية السياسية من خلال التشكيل الوزاري إلا في أيام الهضيبي , وقد لاحظنا من قبل أن حسن البنا لم يكن ضد العمل مع الحكومة ( عام 1946 -1947 ) في مواجهة الأعداء الوفديين والشيوعيين , وأن ذلك الاتصال كان يعكس – على الأقل بالنسبة لحسن البنا – الولاء للملكية باعتبارها مصدر السلطة , .

ولقد كان ممكنا تماما أن يختلف تاريخ الجماعة في جوانب الجماعة في جوانب عديدة لو أن منصبا وزاريا عرض على حسن البنا , .

ورغم أن المعلومات النادرة عن هذا الموضوع لا تمكننا من تأمله بدقة إلا أن ما نعرفه عن الفترة نفسها وعن حسن البنا لا يجعل ترحيب حسن البنا بنوع كهذا من الاعتراف بدور الجماعة في الحياة السياسية المصرية أمرا مستبعدا رغم عداء الجماعة الرسمي للفساد الذي يسود الحياة البرلمانية القائمة في مصر .

وقد تناولنا فيما سبق موضوع مشاركة الإخوان في الوزارة أثناء فترة حسن الهضيبي ونضيف هنا أن مسائل الصراع على السلطة بين الجماعة ومجلس قيادة الثورة بجانب التناقض في موقف الجماعة فيما يتعلق بالسلطة السياسية ومجلس قيادة الثورة ذاته أدت جميعا إلى تعذر تحقيق خطة ضباط الثورة في إشراك الإخوان في التنظيم السياسي للحكومة , .

وواضح أن الضباط كانوا يهدفون من ذلك إلى تنبيه الإخوان لمتاعب السلطة السياسية وأعبائها ولقد تغلبت شكوك الهضيبي في عبد الناصر وأعماله عند اتخاذ قرار – وقتها – بالاشتراك في الوزارة , .

ويضاف إلى عدم الثقة هذا تردد الجماعة في تقرير مدى الحكمة في الاشتراك في الحكومة في أوقات لا تتوافر فيها أفضل الظروف اللازمة لتحقيق رسالة الجماعة, وإذا كان العهد الجديد قد وصف بأنه " حركة التحرير المباركة ) فإن ذلك لا يمنع أن الالتزام وحده لا يعني شيئا ما لم يتبعه الإنجاز , الأمر لم يكن ينحصر في مسألة الاشتراك فيما يجري من نشاط سياسي - رغم أن هذا ما بدا للإخوان – وإنما الأهم من ذلك هو متى يتم هذا الاشتراك وتحت أى ظروف , .

فعندما انقسم الإخوان بسبب الخلاف على إعلان الجماعة كحزب سياسي عام 1952 لم يكن الأمر أمر اختلاف على المبدأ بقدر ما كان خلافا على اللحظة التي تعلن فيها الجماعة هذه الحقيقة وأهمية الانتظار حتى تستكمل مرحلتها التربوية – على حد تعبير الجماعة – ثم تمارس بشكل فعال حقها في التنافس على السلطة السياسة .

ورغم أن الهضيبي خسر معركته عندما حاول منع الجماعة من تسجيل نفسها كحزب إلا أنه ظل يعبر عن موقفه مستخدما المصطلحات التقليدية للجماعة : حينما يجئ اليوم الذي يؤمن فيه الناس بضرورة أن يحكموا وفقا لدستور القرآن ... تصبح نحن أو من على شاكلتنا هم الحكام .

لقد مثل هذا التناقض أو الازدواج فيما يتعلق بتحديد الدور السياسي للجماعة واستخدام القنوات السياسية القائمة للتأثير على الوضع القائم تناقضا ايديولوجيا وتكتيكيا في جانب منه , وفضلا عن ذلك فإن هذا الموقف المتناقض قد غدته مشاعر الإحباط الذي ساد الساحة المصرية , ذلك الإحباط الذي كان دافعا أساسيا للجوء إلى العنف السياسي على نطاق واسع , وقد عكس هذا الإحباط انعدام الثقة في أشكال التعبير السياسي الشرعية القائمة , وأدي إلى الالتزام بالأشكال الاسمية فقط .

وسوف تتناول بعد قليل مسألة الإحباط السياسي وعلاقتها بالعنف , إلا أن الدلالة الخاصة لهذا الإحباط في هذا الصدد تأتي من علاقته بالتناقض الكامن في الموقف السياسي للجماعة , .

لقد شكل هذا الإحباط السبب الرئيسي وراء تيار تجاوز الشرعية الذي ساد وسط الأعضاء النشطين في الجماعة باعتباره البديل الوحيد للانتخابات والوزارات , وقد نجح هذا التيار في تقويض فكرة " الوسائل السلمية " التي دعت إليها الجماعة بشكل رسمي كمدخل ضروري للانغماس الكامل في السياسة ,.

وكان هذا التيار يحمل بعض السمات الثورية لمؤسس الحركة رغم أن البنا نفسه لم يكن ثوريا سياسيا في نشاطه الظاهر , فقد كانت الثورة لدى حسن البنا تأتي من رفضه العام العلني للنظام الاجتماعي ومن أحاديثه غير الرسمية التي كان يجيب بها على تساؤلات الشباب الذين انضموا تحت لوائه .

كذلك كان يعبر عن فكرة الثورة بإصراره على الاستعداد العسكري وسرية أنشطة التنظيم المختلفة خاصة تلك التي تتعلق بالتشكيل العسكري والجهاز السري.

كما أن الطابع الدرامي قد أضفي على فكرة الثورة من خلال العلاقة السرية بين الجماعة وبين الجماعات السياسية الأخرى داخل القوات المسلحة المصرية , تلك العلاقة التي قربت الإخوان كما لم يقتربوا أو يأملوا في الاقتراب من السلطة السياسية .

ولقد كانت الثورية التي أحاطت بالجماعة سببا في العداء الذي كنته لها الحكومات المتعاقبة , ذلك العداء الذي أنصب أساسا على الروح الثورية الكامنة لنشاطها السياسي وعلى هذا النشاط السياسي نفسه كواقع عملي .

كما أن تلك الهالة أثارت مخاوف الجماعات المتنافسة والمتصارعة الأخرى – الأحزاب والقوى السياسية والأقليات ورجال الصحافة المتأثرين بالثقافة الغربية والأدباء – وأدت هذه المخاوف إلى توسيع الفجوة بين كل تلك القوى وبين الجماعة , .

وسواء تم هذا عن قصد أو دون قصد من جانب الجماعة فإن هذا الموضوع يبقي – من نواح عدة – موضوعا أكاديميا بحتا بالنظر إلى ذلك الاعتقاد الذي ساد في أوساط الجماعة وخارجها بأن هدفها الحقيقي هو الإطاحة بالنظام السياسي بالقوة , .

ففي داخل التنظيم لم يكن هناك فرق بين النظام السياسي والنظام الاجتماعي أما خارج الجماعة فلم يكن هناك من يتفهم بالفعل فكرة أن سياسة التنظيم لا تنفصل عن مشكلة التحلل الثقافي والاجتماعي الذي يشهده العالم , فكانت النتيجة الحتمية للمواجهة غير القادرة على التمييز هي الخوف الأعمى من جانب والعنف من الجانب الآخر .

العنف السياسي والاجتماعي

لم يكن العنف الذي اشتهرت به الجماعة على نطاق واسع , في جانبه الأساسي , ظاهرة فريدة تقتصر على الإخوان وحدهم ولقد أوضحنا من قبل في تحليلنا لتاريخ الجماعة .

وسنزيد هذه النقطة توضيحا الآن – أن الإخوان مثل مصريين آخرين عديدين كانوا يحتقرون القانون والنظام القائمين كما أنهم كانوا يتفقون بشكل أو بآخر على فكرة العنف الأمر الذي أدي بعد ذلك إلى التعجيل بنهاية الحياة البرلمانية المصرية , .

وإذا كان الجانب الأكبر من هذا العنف قد اقترن بالجماعة نظرا لفعاليتها أكثر من باقي العناصر فإن علينا ألا نغفل عن حقيقة أن جميع العناصر قد أسهمت في الفوضى السياسية التي سادت العقد السابق على ثورة 1952 .

ولقد سبق أن رأينا أن فترة الحرب العالمية الثانية حققت للجماعة مكانة هامة في الحياة السياسية المصرية , وربما بدا لنا أن الوضع المادي القائم آنذاك – الفوضى الاقتصادية والضغوط السياسية والاجتماعية – كان سببا كافيا في حد ذاته لتفسير ظاهرة الشعبية الهائلة للإخوان بعد الحرب , إلا أن جزءا هاما من التفسير يكمن فيما هو أبعد من ذلك , .

ذلك أن نمو تنظيم كتنظيم الإخوان كان خير تأكيد لحقيقة أن الجماعات السياسية الأخرى المنظمة والمعترف بها في البلاد لم تعد قادرة على خدمة الاحتياجات السياسية والاحتياجات الأخرى لقطاعات عديدة من المجتمع , وأن روح الثورة – غير الموجهة والكامنة ما تزال – كانت تسود البلاد .

أما الضغوط التي جعلت مصر تتكيف مع واقع ما بعد العرب بشكل تسوده الفوضى فربما يرجع أهمها إلى الإحساس السائد بالهمود السياسي الذي أصاب الحركة الوطنية , والذي تفاقم مع إجراءات القمع أثناء الحرب فالعداء السياسي – القائم والصريح إلى حد ما – للسيطرة البريطانية المستمرة على الشؤون المصرية وهي السيطرة التي مورست أثناء الحرب على نحو سافر زاد من حدته ظهور التوترات الداخلية الجديدة الأكثر تعقيدا والتي أدت إلى ظهور روح الثورة , فالحركة الوطنية بدأت تحدد , خلال إحباطها السياسي , أعدائها الداخليين والخارجيين وكانت النتيجة التعجيل بنهاية السلطة الحكومية وانهيار ما كان يمكن أن يتطور من الأوضاع السياسية القائمة ,.

لقد منحت مصر الاستقلال والدستور عام 1922 ومارست البلاد نوعا من الحياة البرلمانية حتى عام 1952 ورغم أن أدلة ضعف تلك الحياة كانت واضحة منذ البداية , إلا أن الإحباط الوطني السياسي في الأربعينات هو الذي أدى إلى بداية التركيز غير المباشر على الحياة السياسية الداخلية والبدء – من ثم – في تحدى دعائمها الأساسية .

وهكذا نستطيع الآن أن نرى أن العنف الذي ميز الفترة ما بين عام 1945 وعام 1952 كان مقدمة أساسية لدفن النظام البرلماني الذي أعقب قيام الثورة العسكرية عام 1952 تلك الثورة التي كانت هي نفسها نتاجا للوعي السياسي والوطني .

والواقع أن الإحباط السياسي ( منظورا إليه من وجهة نظر مصرية ) لم يكن مرتبطا بالسياسات البرلمانية في حد ذاتها وإنما ارتبط بالتطورات غير الديمقراطية لتلك السياسات , فدستور عام 1933 لم يكن في الواقع إلا تأكيدا للسلطة الملكية والبريطانيين وراءها رغم أنه سمح بقيام برلمان , .

وقد كسب الوفد الذي يحظي بالتأييد الشعبي جميع الانتخابات التي عقدت في الفترة ما بين عام 1923 وعام 1950 رغم أنه لم يشكل إلا خمس حكومات فقط من بين سبع عشرة حكومة تولت السلطة تلك الفترة كما أن اثنين من حكومات الوفد تلك تم تشكيلهما خلال فترة الوفاق والوحدة الوطنية في مواجهة الخوف من المغامرات الإيطالية عام 1936 .

أما دستور عام 1930 وقانون الانتخابات الجديد الذي صدر في نفس العام والذي أعلنه القصر بإشراف صدقي , فقد كان الغرض منهما وقف نجاح الوفد المتواصل في الانتخابات , وقد استمر الأمر على هذا النحو حتى عاد دستور 1923 عام 1934 فالوفد – حزب الأغلبية – كان يعي تماما معارضة السراي والباشوات والإنجليز للإرادة الشعبية , .

لذا فليس من قبيل المصادفة أن يكون ظهور تشكيلات الوفد العسكرية ( القمصان الزرقاء ) والتشكيلات العسكرية لمصر الفتاة ( القمصان الخضراء ) قد واكب تلاعب القصر بالدستور في أوائل الثلاثينات , فإذا صح ما قيل من أن أصحاب القمصان الخضراء كانوا يلقون تأييد القصر فإن بعدا آخر يضاف إلى أبعاد القصة .

ولم يطرأ على صورة استبداد القصر , بعد تولي فاروق للسلطة سوى تغيير طفيف وعارض في وقت معا .

فعلي الرغم من أن فاروق ظل يتبني سياسة والده المعادية للوفد إلا أنه عادل هذا بارتباطه بالباشوات المعاديين للبريطانيين – أى بمجموعة الوطنيين من الباشوات الذين حاولوا – كما سبق أن ذكرنا – استخدام قوى جديدة كالإخوان المسلمين في مواجهة قوة الوفد , إلا أن شعبية فاروق كملك وكفرد تضاءلت أثناء الحرب وأثناء السنوات الأولي التي تلتها نتيجة لرد فعل إزاء الضغوط الاجتماعية المتزايدة في البلاد والذي تمثل في تعيين حكومات قمعية لا تمثل الشعب ليستطيع من خلالها تنفيذ إرادته .

خاتمة

حاولنا في الفقرات السابقة رسم صورة لهذا الإحساس بالإحباط الذي ساد الأغلبية الممثلة في الوفد باعتباره رمز الجماهير المصرية والحياة البرلمانية خلال السنوات الأولي للحرب , وربما لم يكن مستغربا أن يلجأ الوفد إلى الأساليب غير البرلمانية مثل تكوين الفرق العسكرية ( القمصان الزرق ) في مواجهة الحقوق التي اغتصبها القصر لنفسه ,.

ويجدر بنا أن نلاحظ هنا تأثير هذا المثل الذي أعطاه الوفد على الجماعات الأخرى ذات البنية الأقل رسوخا من الوفد كالإخوان المسلمين , خاصة وأن قوة ( القمصان الزرق ) كانت تستخدم بفعالية حتى أيام وجود الوفد في السلطة ضد أعداء الوفد , ويمكننا – في مجال توضيح الطابع الديمقراطي للحياة المصرية – أن نشير إلى أن صحافة الوفد قد أشارت حينما وصل الوفد إلى السلطة عام 1942 بأمر الإنجليز إلى أنه : طالما أن الوفد في السلطة فقد لا تكون هناك حاجة أخرى إلى حكومة حزبية حيث أن تعدد الأحزاب الذي تراه بعض البلاد ضروريا قد يصبح ضارا في بلاد أخرى , .

كما أن ملاحظة مارلو المتعلقة بتذبذب السياسة المصرية بين الحكم الفردي للقصر والديكتاتورية الحزبية للوفد ملاحظة عادلة تمس العناصر الأساسية التي أدت إلى تدهور الحياة البرلمانية المصرية , فالقصر رمز السلطة والوفد رمز الديمقراطية , ساهما معا بانتهاكاتهم في تقويض النظام السياسي , كما أن انهيار هذين الرمزين بسبب حادثة 4 فبراير 1942 عجل بأن تحل قوى سياسية أخرى محلهما .

فالحياة البرلمانية الفاسدة في حد ذاتها كان من الممكن ألا تسبب أكثر من عدم استقرار مزمن يكتسب تدريجيا استقرارا أكثر كلما زادت خبرة الأمة في التعبير عن إرادتهما إلا أن نهاية السبل البرلمانية في مصر واللجوء إلى العنف غير الشرعي لم ينشأ عن فساد النظام البرلماني بقدر ما نشأ نتيجة لعاملين آخرين هما :

1) الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة من أجل التغيير والتي تعذرت السيطرة عليها .
2) حقيقة أن التجربة البرلمانية المصرية واكبت النضال من أجل استقلال وطني حقيقي .

ونحن لن نتوقف هنا عند الضغوط الاجتماعية والاقتصادية من أجل التغيير كدافع من دوافع العنف الثوري .

أما العنصر الثاني وهو نشأة التجربة البرلمانية وسط النضال الوطني فسنتناوله هنا بتفصيل أكبر .

كان من أهم ما ترتب على الاحتلال البريطاني لمصر ذلك الشعور التقليدي ( لدي المصريين ) بالريبة والتشكك في غالبية مؤسسات الحكم التي قامت بعد الاحتلال .

بل أن الأمر يزداد تعقيدا ويصبح أكثر حدة – كما حدث في مصر – عندما ينطوي إعلان منح الاستقلال على استمرار مقنع بشكل أو بآخر للوصاية أو السيطرة الأجنبية , الأمر الذي يتفاقم معه الشعور بالشك وفقدان الثقة ويثير المشاكل ليس فقط بالنسبة لإدارة شؤون الحكم – باعتباره شيئا منفصلا عن الإدارة الحكومية – ولكن أيضا بالنسبة لتنظيم حياة سياسية تقوم على أسس مستقرة .

وكان النتيجة الخطيرة لهذا الوضع في مصر هي ظهور فكرة العنف التي تتضمن – فيما تتضمن – الاغتيال كواحد من أعمال الحسم في المجال السياسي .

وقد أوضحنا وأكدنا من قبل أن السخط على الأوضاع السياسية القائمة في مصر كان في أساسه رفضا إيجابيا لا للحياة البرلمانية بالشكل العام بل لما آلت إليه الحياة في مصر , .

وقد تركز هذا الرفض على قادة البلاد السياسيين الذين أصبحوا مادة للاحتقار بسبب خيانتهم ( سواء أكانت حقيقية أم متخيلة ) للثقة الوطنية من أجل مصالحهم الشخصية بل والأدهى من هذا من أجل المصالح الاستعمارية وهكذا فإن الشك وعدم الثقة المتبادلين اللذين كانا السبب في اعتبار كل من يلبس طربوشا عميلا للإنجليز أديا إلى بذر السموم التي نهشت الحياة البرلمانية المصرية ( وهي التي كانت تتسم منذ البداية بعدم الاستقرار بحكم الطبيعة الخاصة للبيئة الشرقية ) وإلى الدعوة لمقاومة القمع السياسي الداخلي الذي يقوم به الزعماء الخونة الذين يخدمون الاستعمار , .

فإذا لم تكن هناك سبل ديمقراطية لتحقيق إرادة الأمة فسوف يتعين اتباع سبل غير ديموقراطية أى استخدام العنف , وهكذا تحل الرصاصة محل صناديق الاقتراع غير المجدية في محاربة الاستعمار الداخلي والاستعمار الخارجي على حد سواء .

لقد أوضحنا من قبل على نحو مفصل مدى انتشار لجوء كل الجماعات المصرية إلى العنف في فترة ما بين عامي 1945 , 1952 وقد عكس هذا النشاط التنافس بين الجماعات المختلفة على مواقع النفوذ داخل نظام السلطة كما عكس أيضا , وهو الأمر أكثر أهمية , التعبير العنيف عن الآراء المتجادلة حول هوية الأمة وأهدافها .

إلا أن قدرا أعظم من العنف الذي ساد تلك الفترة والذي اتخذ من القتل والإرهاب محورا له , كان موجها ضد " الإنجليز وأدواتهم " والكلمات هنا لأنور السادات , الذي ظل يدافع عن العنف الذي ساد الأربعينات حتى بعد أن وصل إلى السلطة مع انقلاب 1952 الناجح , وفي أوج الخلاف مع الإخوان ( ورغم استنكار العنف على الصعيد الرسمي ) قائلا أن العنف " كان الطريق الوحيد للنضال في ظل السفير البريطاني لورد كيلرن .

يرتبط ما ذكرناه فيما سلف , بصورة عامة بالحياة السياسية في مصر قبل الثورة , وقد ذكرناه كأساس لما نذهب إليه من أن الكثير من العنف الذي مارسته الجماعة كانت بذوره موجودة لدى بقية المصريين , وسوف نعود مرة أخرى إلى تلك المقولة إلا أننا نرى هنا أهمية تأكيد التشابه الهام في الدوافع في ذلك الجانب الجوهري من جوانب السلوك السياسي , فعلي ضوء المزاج الذي عبر عنه السادات علينا أن نفكر في اغتيال النقراشي باشا الذي لم يأسف عليه أحد إلا نادرا .

" محمد مالك " أحد الإخوان الذين اعتقلوا في هجمة 19481949 تحاشي الإجابة المباشرة عن السؤال المباشر التالي الذي وجه إليه لدى إطلاق سراحه عام 1954 :" هل اشتركت في التخطيط لاغتيال النقراشي " ؟ ومهما يكن من أمر فإن أجابته كشفت عن موقف محدد فقد قال :

" كنا نريد الخير للبلاد وقد أحسسنا بأن الأمة خالدة وأن الأفراد زائلون , وقد سألنا أنفسنا بصراحة ما الذي فعله أولئك الزعماء الذين تعاقبوا على مقاعد السلطة بمصر , كان بوسعهم عمل الكثير , إلا أنهم رفضوا لأن أطماعهم الشخصية تغلبت لديهم على مصلحة بلادهم , ولهذا السبب فإنهم لا يستحقون منا اليوم ولا كلمة رثاء واحدة .

و" مالك " هنا في إجابته يقدم لنا إجابة نمطية فأوراق قضية الجيب المشهورة تتضمن فيما تتضمن دراسات عن الحالة الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية لمصر يلقي فيها التحليل باللوم كله على الاحتلال البريطاني الذي يسانده " قادتنا " كما أن الخطابات الموجودة في تلك الأوراق تتحدث عن الزعماء والأغنياء الذين فرطوا في حقوق الأمة وكرامتها والذين يعدون بحكم تعاونهم مع الإنجليز " كفرة " ينبغي انقاذ البلاد من قبضتهم وفي مثل تلك الظروف ليس هنا سوى حل واحد هو : أن يعاقب الشعب حكامه الخاطئين .

ويحمل لنا استشهاد أخير في افتتاحية مجلة الدعوة في 22 يونيو عام 1954 منحي القضية أو وجهها :" الإحباط السياسي الداخلي والخيانة الوطنية " ويربط بينهما .

وفي مجال الحديث عن القمع الذي تم على يد حكومة النقراشي يقول الكاتب في افتتاحيته :

" لم يكن هناك شك في أن هذا القمع سيولد الانفجار , وأن أول ضحايا هذا الانفجار سيكون الرجل الذي نظم هذا القمع , فالنيران تأكل من يشعلها , فها هو النقراشي قد قتل , وهم لم يقتل إلا لأنه زرع في نفوس قاتليه فكرة قتله , قتل النقراشي لأنه هو الذي ألقي بنفسه إلى تلك النهاية , ذلك أن مقتله لم يأت نتيجة لتخطيط مسبق أو استعدادات سابقة بل كان نتاجا لحالة نفسية خلقها حكمه الإرهابي وركوعه الخانع أمام الاستعمار والملك والأنانية السياسية التي تملكته هو وقادة الأحزاب الأخرى ".

وكلمات الكاتب هنا تعبر عن الكراهية الشديدة والمرارة الباردة التي لا تبدى ندما على ما فعلت , وأن من يجرؤ على حكم مصر لابد وأن يكون رجلا مقداما , ذلك أن المشكلة التي تواجهه أكبر بكثير من مشكلة جماعة الإخوان المسلمين .

كذلك أتهم النقراشي بالاعتداء على الإسلام عندما حل الجماعة , وذلك عامل يميز اتجاه الجماعة للعنف كوسيلة سياسية عن باقي اتجاهات العنف الموجودة , ففضلا عن مشاعر الإحباط السياسي كانت هناك أيضا واجهة دينية ثقافية أثارت في الجماعة دوافع العنف الخاصة بها , ذلك العنف الذي تميز عن الصراع السياسي الدنيوي بالحدة الشديدة الناجمة عن القضايا الملحة التي تتعلق بالبقاء الثقافي والديني , وقد ناقشنا فيما سبق – وبالتفصيل – الطابع التي كانت الجماعة تضفيه على الهوية الاجتماعية والتاريخية , لهذا السبب وبهذا المعني يحمل عنف الجماعة البصمات الواضحة للأزمة الثقافية :

فالجماعة بمقاومتها لخيانة زعماء مصر العلمانيين كانت ترى خيانتهم الثقافية والدينية بنفس القدر الذي ترى به خيانتهم السياسية كما أن مطالبة الجماعة بالحقوق الديمقراطية كانت تحمل في طياتها قضية الإخوان المتعلقة بمن الذي يحدد طبيعة الأمة وأهدافها , وكانت ترى في نضالها ضد الاستعمار مقاومة لحملة صليبية جديدة .
وقد كان في فكرة أن يكون للجماعة أجهزة العنف الخاصة بها تعبير واضح عن موقفها النضالي هذا , فالقوات شبه العسكرية للجماعة – في رأى اسحق موسي الحسيني , كانت الرد العملي على الإخفاق العلماني للسياسة .

وتتفق وجهة النظر هذه مع ما ذكرناه سابقا من أن ظهور العمل غير الشرعي كان نتيجة للتدهور البرلماني بقدر ما كان أحد أسباب هذا التدهور , على أن العديد من أعضاء الجماعة كانوا مقتنعين – كما سبق أن أبدينا – بأن القوات المسلحة العسكرية الملتزمة بالمفهوم النضالي " الجهاد " هي أداة من أجل الدفاع عن التنظيم وأفكاره , فالإخوان كما قيل - ليسوا إلا جيش إسلامي يدافع عن الدعوة وقد حذر حسن البنا المعارضة قائلا :" فإن ثرتم علينا ووقفتم في طريق دعوتنا فقد أذن الله أن ندفع عن أنفسنا ".

وليس في مقدورنا , بطبيعة الحال , أن نحدد الثقل الخاص للاعتبارات السياسية الدينية والدنيوية كل على حدة في أى عمل من أعمال العنف السياسي , أن هدفنا هنا ينحصر في الإشارة إلى الدافع المزدوج والتأكيد على أهميته , على أنه من الممكن القول بأن البعد الديني في الصورة انطوى على دلالات أخرى أوسع , فالقوة في التواجد والدفاع عن الأهداف الخالدة نشأ عنها إحساس ذاتي بالصلاح وغرور متصلب الأمر الذي ساعد على إيجاد فجوة لا يمكن تخطيها بين أعضاء الجماعة ومواطنيهم المصريين , وهذا حقيقي تماما نظرا لأن الصورة التي خلقتها الجماعة لنفسها ولرسالتها استبعدت أى تعاون أصيل طويل الأمد بينها وبين الجماعات الأخرى , .

لقد كان هناك نوع من التعاون والتحالف المؤقت لتحقيق أهداف مباشرة , إلا أن تلك التحالفات كانت بطبيعتها قابلة للحل سريعا نظرا للشك العميق الذي يكاد ينظر به كل طرف للآخر , فالإخوان المسلمون كانوا يعملون أكثر الوقت بمفردهم أو قل أنهم أصروا على ذلك .

وحسن البنا نفسه هو الذي أرسي دعائم النمط المميز للجماعة – ولم يفعل ذلك بمفرده – وهو النمط المنغلق على نفسه والمكتفي بذاته , ذلك عن طريق تصنيفه للناس في مصر على أساس مواقفهم تجاه الجماعة , .

فهناك أربعة أنواع من الناس على حد قوله : المؤمن والمتردد والنفعي والمتحامل بينما نجد في هذا الترتيب فرصة تتيح للمصريين أن يكونوا شيئا آخر غير الأعداء إلا أن هذا الترتيب يحصر الاهتمام كله من الوجهة العملية في " المؤمنين " حيث لا يكفي أن تكون مسلما لتصبح مؤمنا بل يجب الوصول إلى تلك المرتبة أن تكون أخا مسلما , .

وهكذا أدى هذا التصور البنياني للنظام الاجتماعي إلى نشأة تيار متصلب داخل الجماعة عمل على تحويل المنازعات السياسية الدنيوية إلى اصطدامات اجتماعية جوهرية فأصبح كل مناوئ للجماعة – أفراد أو جماعات – هدفا للعنف الذي تقف وراءه الخصوصية الدينية التي لا تحتمل التساهل مع من ليس أخا مسلما .

على أن العنف لم يقتصر – كما سبق أن لاحظنا – على المعارضين السياسيين , فالإحساس بخصوصية الجماعة كان وراء التوتر الذي لا ينتهي داخل التنظيم والقائم حول دور التنظيم في مواجهة التدهور الأخلاقي , وفيما إذا كان يتعين على الجماعة مواجهة هذا التدهور بالإقناع أو بالإصلاح " بقوة اليد " وقد رأينا أن الرأي الثاني قد استمر في الظهور على هيئة أعمال متفرقة لها طبيعة المبادرات الفردية وأخذت صورة تهديد المواطنين واستعمال العنف ضدهم باسم الإسلام وأخلاقيات الإسلام , .

رغم أن حسن البنا اختار الرأي الأول كسياسة رسمية للجماعة إلا أن إصراره الحاد على وضع تشريعات للأخلاق سواء عن طريق أعمال حكومية إيجابية أو حتى بشكل سلبي عن طريق وضع قيود على ارتكاب الخطيئة , زود الجماعة بمبررات للحماس وتغلب على تقييد حسن البنا للعمل الإصلاحي السلبي أو الذي يتم بالقوة وفي تضافر مع الإحساس بالدعوة الذي غرسه البنا في نفوس أعضاء الجماعة – والأخطر منه الإحساس بالقوة المؤمنة بالإضافة إلى القوة الواقعية – كانت الاستجابة للدعوة إلى الإصلاح الأخلاقي تقترن لدي البعض باستعمال العنف .

وهكذا نخلص إلى أن العنف في كثير من جوانبه لدي الإخوان كان رد فعل للأوضاع القائمة في مصر , كما أنه انطوى على الكثير من السمات المشتركة مع أعمال العنف التي قام بها المصريون الآخرون , والفرق هنا يكمن في البعد الإسلامي للعنف الذي ميز به الإخوان أنفسهم والذي أدى إلى تنويعات من العنف في الحياة الأساسية والاجتماعية تميزت أساسا بالتصلب والتشدد , بعد ذلك يتعين علينا أن نتساءل ما هي مكانة الإخوان في تاريخ الإسلام الحديث ؟ وباسم أى إسلام مارست الجماعة نشاطها ؟

الإخوان والإسلام

ينظر البعض إلى حركة الخوارج التي تنتمي إلى بدايات التاريخ الإسلامي على أنها النموذج الذي أنشئت على غراره حركة الإخوان كذلك أقيمت مقارنة مماثلة بين [[الإخوان[[ وبين الحركة الإسماعيلية , .

وخاصة امتدادها المعاصر في " حركة المغتالين " وتلك المقارنة جديرة بالمناقشة وخاصة ما تعلق منها بجو الغموض والسرية وروح التفرد وهي العوامل الأساسية التي صدرت عنها أعمال العنف على أننا نورد تلك المقارنات هنا بصورة عابرة ذلك أن الفترات التاريخية المعنية تختلف عن بعضها وتتباعد بما لا يسمح بالمقارنة المفصلة وفضلا عن ذلك فإن المقارنات التاريخية تنطوي دائما على إمكانية التضليل وطمس التفرد الذي تتميز به كل حادثة تاريخية معينة , لذا سننتقل هنا إلى التطورات الأكثر حداثة , والتي تشترك مع بعضها في إطارات تتيح المقارنة بينها .

ونحن لا نحتاج هنا إلى إعادة ما وضحه بروفيسور جيب فر دراسته " الاتجاهات الحديثة في الإسلام " وما أوضحه بروفيسور كانتويل سميث في " الإسلام في التاريخ الحديث " لذا سنكتفي بالإشارة إلى أنه من بين كل التطورات التي حدثت في العالم العربي بدءا بالوهابية في أواخر القرن الثامن عشر , تبرز جماعة الإخوان كأول حركة حضرية المنشأ تعتمد في التنظيم على الجماهير وتكتسب تأييدها وتبذل جهدا منظما من أجل تحقيق ما يدعو إليه الإسلام في العالم الحديث .

وهذه الحقيقة تزيد من تعقيد مهمة تتبع الأصل التاريخي للجماعة إلا أنها لا تعيق إمكانية رؤية الاتساق العام بين أهداف الجماعة وأهداف حركات الإصلاح الأخرى التي قامت من قبل .

كان الإخوان يرون أنهم سائرون على نفس الدرب الذي رسمه جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا في حركة الإصلاح الحديثة , ويقدم تصور الإخوان العلاقة الخاصة القائمة بين هؤلاء المصلحين وعلاقتهم "بنهضة الفكر في مصر الحديثة " صورة بناءة لهؤلاء المصلحين كما يمثل نوعا من التقييم الدقيق لدورهم ولدور الجماعة أيضا في التطورات التي تلت ذلك : هو المؤذن أو الصرخة , ورشيد رضا هو المؤرخ أو المسجل , أما حسن البنا فهو باني النهضة وقائد الجيل ومؤسس الأمة وعلى هذا الأساس تكون جماعة الإخوان هي الامتداد العملي للحركات السابقة , .

ويوضح هذا الوصف – إيمان الجماعة بأن الأعمال الإصلاحية لهؤلاء الرواد لم تكن كافية رغم عظمتهم , وذلك بنتيجة لإخفاقهم في إدراك شمولية الإسلام التي يؤكد الإخوان أنها تتسق مع حقائق الرسالة وتاريخ المجتمع , فالأفغاني يري المشاكل ويحذر الناس منها , أما محمد عبده الإمام الشهير الذي كان وراء حركة إصلاح الأزهر فإنه يفكر ويعلم , بينما يكتب رشيد رضا ويسجل وهكذا نرى أن هؤلاء الرجال كانوا على حد قول البنا مجرد مسلمين أخلاقيين ودنيين يفتقرون إلى النظرة الشاملة للإسلام التي تميز بها الإخوان .

إلا أن الإخوان أحسوا برابطة خاصة تربطهم بجمال الدين الأفغاني فقد اعتبره كثير من الإخوان الأب الروحي للجماعة , وكثيرا ما كانت تعقد المقارنات بينه وبين حسن البنا .

وهذا الإحساس يتطابق فكر الإخوان مع فكر الأفغاني يتصل – بطبيعة الحال – اتصالا وثيقا بنشاط الأفغاني وفعاليته , وقد لاحظ بروفيسور كانتربل سميث بحق ما لهذا المدافع المتحمس عن العقيدة ضد الفساد الداخلي والخارجي بالنسبة للحركات التي جاءت بعده .

والتجاوب من أهمية خاصة مع فكر الأفغاني كان سهلا لأنه تجاوب مع روح فريدة في التاريخ , بينما يعتبر الموقف تجاه تراث محمد عبده أكثر تعقيدا نظرا لقرب الفترة التاريخية التي ينتمي إليها محمد عبده ونظرا لطبيعة أفكار محمد عبده نفسها , .

وقد سبق أن ذكرنا من قبل بعض الجوانب الرسمية والداخلية للعلاقة بين الجماعة وبين تراث محمد عبده الذي انتقل إلى الجماعة باسم " الجماعة السلفية " ولعلنا نتذكر هنا أن والد حسن البنا كان أحد تلامذة محمد عبده , وأن حسن البنا نفسه قرأ في سنواته المبكرة مجلة المنار , .

وصاغ بعضا من صحافته المبكرة على نمط هذه المجلة وأنه في أيام تلمذته بالقاهرة كان ينظر بإعجاب إلى بعض إتباع محمد عبده كفريد وجدي وأحمد تيمور , كما تذكر في هذا المجال أيضا علاقته القوية بشيخ الأزهر الشهير مصطفي المراغي , أحد تلامذة محمد عبده , .

أما رأي حسن البنا في رشيد رضا فيتضح من تقييمه للمنار تحت إشراف رشيد رضا , البنا كان يري أن المنار بذلت أكثر الجهود تأثيرا في خدمة الإسلام في هذا العصر في مصر ومناطق أخرى وبعد أن انهارت المنار بالرغم من جهود جماعة الإخوان لإنقاذها , اعتبر حسن البنا مجلته الشهاب استمرارا للمنار , .

إلا أنه من الواضح أن حسن البنا حتى قبل أن يموت رشيد رضا كان على علاقة أقوى بمحب الدين الخطيب صاحب المكتبة السلفية ورئيس تحرير الفتح , فالخطيب ظل يساهم بشكل دائم في صحافة الجماعة وأصبح رئيس تحرير الجريدة اليومية للإخوان من عام 1946 حتى عام 1948 , .

ويرجع إلى أحد الرحالة الهنود المسلمين الرأي بأن محب الدين الخطيب ومجلته قد تجاوبا تماما مع الجماعة ويتضح من كتابات الخطيب في أيامه الأخيرة أن تأثره بالجماعة كان أكبر من تأثر الجماعة به , .

وهناك مقياس آخر أكثر جوهرية رغم شكليته يوضح لنا علاقة الجماعة بتراث محمد عبده , وهذا المقياس يتمثل في قائمة القراءات التي كانت توزع على المدرسين في الجماعة لتساعدهم في إعداد أنفسهم لمهمة خلق الجيل الجديد من شباب المسلمين من بين طلبة هؤلاء المدرسين فتحت عنوان القراءات القرآنية وضعت القائمة " تفسير المنار " قبل تفسير ابن كثير المفضل عادة ,.

كذلك لم تنص على أية أعمال أخرى غير تفسير الفاتحة لحسن البنا كما أن رسالة التوحيد للشيخ محمد عبده احتلت مكانة شرقية وسط أعمال محدودة للبنا والغزالي تحت عنوان القراءات التي تتناول الدراسات العامة في العقيدة .

وقد عكست مواقف الجماعة في بعض النقاط العامة والأساسية صلة الجماعة بتراث محمد عبده , والجهد الذي بذله في تبسيط الإسلام وإرجاعه إلى جوهره بغرض وضع نهاية للخلاف بين المدارس والشيع المختلفة بعد نقطة تشابه تجمع بين الجماعة ومحمد عبده .

كما أن هناك نقطة تشابه أخرى تتمثل في إصرار كل الطرفين على أن التغيير الخارجي في المجتمع الإسلامي لا يجئ إلا عبر التغيير في عقلية المسلمين وعبر الإصلاح التربوي .

وأخيرا تأتي إلى ما يمكن أن يعد أهم نقاط التشابه وهي أن الإصلاح يجئ من داخل الإسلام وبشرط الإسلام وديناميكيته .

فالموضوع الأساسي الذي شعل حسن البنا كما لم يشغله موضوع آخر هو فرقة المسلمين وضعف المجتمع المترتب على هذه الفرقة , وكانت دوافعه في التفكير في هذا الموضوع كما أكدنا من قبل – سياسية بقدر ما كانت دينية , .

كذلك كان التوجه إلى المسلمين من أجل الإصلاح الذاتي والفردي جزءا أساسيا من دعوة حسن البنا طالما أن نهضة المجتمع لا تتحقق إلا إذا سبقها تغير جوهري في العقلية السائدة , وكان حسن البنا يعتمد في هذا – كما اعتقد جمال الدين الأفغاني من قبله – على النص القرآني القائل :" إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " لهذا نجد الجماعة في سعيها من أجل التعجيل بذلك تحتفظ بأكثر طاقاتها غير السياسية حماسة لمهمة التعليم والتربية.

وأخيرا فإننا تناولنا بالتفصيل , فيما سبق , المجهود المركز الذي بذلته الجماعة في توضيح إمكانية تطبيق الإسلام في العالم الحديث وبيان مرونته والطاقات الكافية فيه والقابلة للتطور , على أن هذا المجهود لم يجدي نفعا نظرا لخطأ معلومات الجماعة سواء فيما يتعلق بديناميكيات المجتمع الإسلامي والمجتمع الغربي الذي قررت الجماعة أن تخوض ضده معركة حتى الموت , على حد تعبيرها ,.

ولأن هذا الافتقار إلى المعلومات الكافية تواكب مع تدهور روحي وسياسي حاد , اتخذ الدفاع عن الإسلام النبرة الاعتزازية الأمر الذي غطي على قضية أكثر حيوية وأكثر أهمية كانت تعد محورية أيضا بالنسبة لدعوة الجماعة تلك هي الضرورة الملحة تاريخيا وثقافيا لبناء ( أو استعادة ) تقاليد إسلامية حية , .

وقد أكدنا من قبل وبالتفصيل شعور الجماعة القوى باحتياج المسلمين إلى ربط حاضرهم ومستقبلهم بماضيهم , وأن يبحثوا لمصر عما اسماه بروفسور " نورثروب " ( في سياق أكثر عمومية وإن كانت له صلة بالموضوع ) " بالنظام الداخلي " أى تلك العلاقة الواقعية بين قانون الدولة وبين القانون الوضعي والمعيشي للمجتمع , .

وهذا هو الهدف الذي كانت الجماعة تبرر به وجودها بشكل أساسي " نحن نحفظ للأمة احترامها الذاتي وكرامتها حينما نحفظ التراث الثمين الذي أعطاه لنا التاريخ " إلا أن هذا لا يعني العودة إلى إسلام القرن السابع أو أى مرحلة إسلامية أخرى كما أكدت الجماعة السابع أو أى مرحلة إسلامية أخرى كما أكدت الجماعة بحق , ( ولم يكن من الممكن أن تعني العبارة هذا إذا وضعنا في الحسبان المستوى المتطور للطابع العلماني في مصر ) .

بل أنه يمكن القول بأن الجماعة كانت في مواجهة موقف أجاد ن , برتسييه وصفه في مقالته التي نشرت في الأزمنة الحديثة عدد سبتمبر 1952 بعنوان ( الأيديولوجية السياسية للإخوان المسلمين ) بأنه " تطور فائق السرعة ويمكن القول بأنه يلوث الصحة الأخلاقية لهذا الجماعة ومن الواجب الآن العودة إلى الوراء والانطلاق من جديد في طريق أفضل " فالجماعة , .

حتى دون تقديم دليل فكري يعتمد عليه في مواصلة الطريق , أكدت إيمانها بأن نقطة البدء هي الإسلام وتقاليده , فإذا كانت مشكلة العثور على الطريق الصحيح مشكلة صعبة فإنها لا تحل بتجنب القضايا التي طرحها تاريخ الإسلام على المسلمين : الشريعة وانفصال المؤسسة الدينية عن الدولة .

وهذا الموقف لا يستبعد تلقائيا – كما يفترض البعض عادة – إمكانية الرجوع إلى التطورات الغربية الحديثة فالقضية قضية أولويات والمحافظة على نقطة العودة إلى الأصل , للمساعدة في ترشيد التغيير الحتمي وقيادته في القنوات التي تحفظ لهذا التغيير مظهر النظام والتماسك الاجتماعي أثناء مسيرة التحول الاجتماعي , وهذا هو الدور الحتمي للمصلح المحافظ الذي يلمس الاحتياج إلى التغيير إلا أنه يسعي في نفس الوقت إلى التحكم فيه وإعطائه معنى من خلال الرجوع إلى مراجع ثابتة من التاريخ والتقاليد , .

ويمكن هنا الاستعانة بكلمات الكاتب الباكستاني ف. هـ , الحمداني – رغم أن تلك الكلمات جاءت في سياق آخر – يقول الحمداني : إن مشكلة الجماعة لا تقف عند حدود إضفاء طابع المعاصرة على حياة ( الملة ) بل تتجاوز هذا إلى إضفاء الطابع الإسلامي على حياتهم اعتمادا على أسس معاصرة .

ومن ناحية أخرى , توضح لنا علاقة الجماعة بتراث محمد عبده ذلك التغيير الذي لحق بطبيعة هذا التراث بعد أن تسلمه خلفاء محمد عبده , ذلك التغيير من نزعة تحديث شمولية نسبيا في أيام محمد عبده إلى سلفية رشيد رضا ثم الخطيب بشكل خاص , وقد تناول بروفسور حبيب السلفيين المحدثين بقوله :

وإذ يتراجع السلفيون المحدثون عن الموقف الخاص برفض التقليد , وعودتهم إلى المذاهب السلفية الأولي مع ربط ذلك بالنزعة شبه العقلانية التي شابت المنطق المذهبي , فإنهم – مع ابتعادهم عن الآراء المتحررة للشيخ محمد عبده – إنما يقتربون من النظرة الإنغلاقية والمتصلبة التي اتسم بها مذهب الحنابلة .

وبينما اتسمت الفترة التي أعقبت موت حسن البنا في تاريخ الجماعة , كما لاحظنا من قبل – ببعض التحركات الهامة في اتجاه تغير طابعها العام ظلت خصائص التصلب والبيوريتانية " التي طبع بها الزعيم الأول التنظيم والتي أصبحت العلامة المميزة للجماعة في الساحة المصرية " على ما كانت عليه في عهد حسن البنا .

وتتضح تلك الخصائص في إصرار حسن البنا الشديد على التمسك بالتشريعات الكلاسيكية في الأمور الهامة المتعلقة بالتغيير من خلال التجديد وتلك الخصائص كانت السمات السائدة لنوع النهضة الدينية وحملة التسلح الخلقي التي شكلت أحد الجوانب الرئيسية في دعوة الحركة ورغم أن الدعوة إلى العودة إلى الإسلام وقوانينه وسلوكياته كانت دعوة أصيلة في الأساس إلا أن الفساد لحقها بسبب العقم الذي تولد من الانصياع للأشكال الموروثة والإحساس الدائم بالصواب الناتج من دعاوى العلم بكافة الأمور فإن أوضح مثال على عنصر التصلب الشديد في التنظيم يتمثل في عدم تقبل التنظيم لأية اختلافات في الرأي , .

فقد وجه حسن البنا في حديثه عن أزمة الإسلام أعنف الكلمات للمفكرين الأحرار وأولئك الذين يفسرون العقيدة على هواهم , ومن هذا المنطلق على وجه التحديد لم يكن حديث محمد الغزالي عن تحرر .

الإسلام التاريخي من الإجبار الديني إلا مقدمة لتقييد الحرية على النحو التالي :" فكيف نطلب من الإسلام أن يهب الحياة لأولئك المرتدين الذين ربما يشاركون في القضاء عليه , لقد تجاوزت القضية مسألة حرية التفكير التي تمثل رغبة مشروعة ووصلت إلى النقطة التي ينبغي فيها على المجتمع الدفاع عن مصالحه ضد الحرية الفردية المدمرة ولقد لقي هذا الرأي تأييدا متزايدا ( بما في ذلك تأييد الحكم العسكري في مصر ) في بلدان آسيا التي تسير في طريق التحول إلى كيانات سياسية حديثة مستقلة , .

أما الجماعة فإن هذا الرأي كان سمة مميزة لها , ويمكن أن تتهم الجماعة بحق في بعض المجالات مثل رفض السلطة وفتح باب الاجتهاد بأنها كانت شديدة التحفظ بالنسبة لهؤلاء الذين في مقدورهم المشاركة – من خارج الجماعة - في النهضة المقبلة وقصرها على أعضاء الجماعة فقط , وقد عرضنا منذ قليل لمناقشة العنف الذي ترتب على إحساس الجماعة بالتفرد .

ويكمن الفرق المتميز بين جماعة الإخوان وتراث العصرية الذي خلفه محمد عبده في تلك الروح والمزاج العام اللذين وجها أفكار الجماعة , " فدعوتنا ( كما يقول أحد الإخوان ) تعني الجهاد والنضال والعمل , وهي ليست دعوة فلسفية , ويتضح تفضيل الجماعة للفعل عن الفكرة من اختيار كلمة " برنامج أو منهاج" لوصف ما تؤمن به الجماعة بدلا من أيديولوجية أو فكرة , .

ولعلنا نذكر أن تلك النظرة قد تملكت فكر حسن البنا في سنواته المبكرة ودفعته إلى اختيار التدريب والعمل وقد مئلت عنصرا أساسيا في تشكيل تنظيمه والأهم من ذلك أن تلك النظرة عكست التعبير الحديث والجماهيري عن أنماط الفكر الكلاسيكي , .

فقد كان حسن البنا متأثرا بشدة بالتقاليد الصوفية والدينية , فأخذ عنها وصاغ في تعاليمه الطابع اللاعقلاني واللافكري الذي يميز – كما رأينا – أحد جوانب الفكر الإسلامي .

فعلي سبيل المثال تتضمن قائمة أسباب تدهور الإسلام في رأي حسن البنا " إهمال العلوم العلمية , وتفضيل العلوم النظرية العميقة " كما تتضح تلك الخاصية اللافكرية من المركز المحوري الذي يحتله الإصلاح الأخلاقي في برنامج النهضة الدينية , ولعله ليس من قبيل المصادفة أننا لا نجد لحسن البنا أو الحركة عموما ( باستثناء بعض الحالات النادرة ) أية أعمال تنتمي ولو من بعيد للفلسفة أو الثيولوجيا .

وهكذا عكست علاقة الجماعة بتراث محمد عبده التصلب الذي لحق بخلفاء الشيخ محمد عبده في الحركة الفلسفية ذلك التصلب الذي صاحبه إحساس بالتفرد الأمر الذي أدي إلى ظهور مقدمات كافية لنزعة " مهدية " تلك النزعة التي يصفها بروفسور حبيب بأنها : ليست مجرد الإيمان بأن القوة تستطيع السيطرة على عقل الإنسان وإرادته , بل الإيمان أيضا بأن الحقيقة لا تتضح إلا بحد السيف ,.

وفي نفس الوقت أدي حماس جماعة الإخوان الشديد لقضية الإصلاح عبر الوحدة والتربية وفي إطار التقاليد إلى نوع من التناغم والتآلف بين الجماعة وبين جوانب أخرى أساسية – وأن اتسمت بالعمومية – من تراث محمد عبده , .

فالخاصية اللافكرية ( بل والجاهلة في جوانب عدة ) للدعوة ساعدت فحسب على إطلاق الطاقات الانفعالية التي يبذلها الأعضاء في الدعوة المباشرة للنهضة الدينية والإصلاح الأخلاقي كما حصرت المهمة الأخيرة ( الإصلاح الأخلاقي ) في حدود الجانب الدفاعي عن الإسلام في مواجهة الهجوم العلماني الشديد .

يبقي أن نوضح نقطة أخيرة في علاقة الجماعة بتراث محمد عبده , وهي نقطة الاختلاف التي تكمن في أن تنظيم الإخوان تميز في الأساس بطابع غير احترافي كما أنه نشأ في الحضر ليس بدافع الثورة ضد الفساد الداخلي والقهر الخارجي الواقع على أرض الإسلام فقط وإنما نشأ أيضا لاعتبارات دنيوية تتعلق بالخبز والمعيشة وسوف تتناول هذه المشكلة في الفقرات التالية :

الجماعة : عضويتها وانتشار دعوتها

ربما لا تتجاوز الحقيقة حين نقول أن الجماعة ذاتها لم يكن لديها فكرة واضحة عن العدد الدقيق للأعضاء المسجلين في دفاترها سواء في فترة بعينها أو في أى فترة على الإطلاق , مع ذلك فقد توافرت أرقام تعتمد على مصادر من داخل الجماعة ومن خارجها , .

ويمكن الاعتماد على تلك الأرقام وأن لم تكن دقيقة في رسم التصور العام التالي أربع شعب عام 1929 وخمس شعب عام 1930 و10 شعب عام 1931 و15 شعبة عام 1932 , 300 شعبة عام 1938 و500 شعبة عام 1940 و2000 شعبة عام 1949 أما عدد الأعضاء فقد قيل أن تلك الشعب كانت تضم من 300000 إلى 500000 من الأعضاء في فترة ذروة نجاح الجماعة عام 1946 -1948 , وهو رقم مقارب لما ذكره أحد الأعضاء من أن الجماعة كانت تضم 2000 شعبة عام 1949 بها 500000 من الأعضاء النشطين .

فإذا أضفنا 500000 من المتعاطفين مع الجماعة نجد أن ما زعمته الجماعة عام 1948 بأنها تتحدث باسم مليون مصري لا تعد دعوى مبالغ فيها ولكن العضوية انخفضت بشكل حاد بعد عام 1949 , فقد قدر عدد الشعب المنتشرة في البلاد عام 1953 بـ 1500 شعبة تمثل 200000 أو 300000 من الأعضاء .

والواقع أن من الصعوبة بمكان الحصول على المعلومات الدقيقة عن توزيع العضوية الاقتصادي والاجتماعي كذلك هو الحال أيضا فيما يتعلق بالتوزيع الجغرافي للعضوية , على أن هناك بعض الدلائل الإحصائية المستقاة من التحقيقات القانونية العديدة التي أجريت مع الجماعة , والتي يمكن أن توضح لنا – رغم عشوائيتها – كيف أن عضوية الجماعة كانت تأتي من كافة قطاعات المجتمع , فمن بين 32 أخ حوكموا في قضية السيارة الجيب كان هناك ثمانية موظفين وخمسة مدرسين وسبعة من العمال المهرة في المشروعات الصناعية أو التجارية وبضعة من أصحاب الأعمال الصغيرة واثنان من الطلبة وفلاح وطبيب وواعظ , .

أما الـ 15 أخ الذين حوكموا في قضية النقراشي فكانوا ستة من الطلاب وخمسة من الموظفين ومهندس وثلاثة من رجال الأعمال وفي القائمة التي نشرتها الحكومة عام 1954 بأسماء الإخوان المطلوب القبض عليهم نجد ثلاثة من المحامين وثلاثة من ضباط الجيش وضابط بوليس وواحد و12 موظف و13 مدرس وطبيب واحد وتسعة من العمال ونجارين اثنين و38 طالب و15 طالب من الأزهر وجندي واحد وخمسة من الكتبة وثمانية من الفنيين العاملين في الصناعات والأعمال الخاصة وبواب واحد واثنان من البقالين ومهندس معماري ومهندس مدني ومحاسب وميكانيكي وصحفي وفلاح و12 من المتعطلين ويمكن توضيح هذه النقطة أكثر بعمل خريطة لوظائف المئات الذين مثلوا أمام محكمة الشعب في الفترة بين نوفمبر 54 وفبراير 55.

وتوضح لنا تلك القوائم نقطتين محددتين بالنسبة للعضوية لولا أنه مهما بلغت ضخامة العضوية الريفية ( فقد زعم بعض الإخوان أن العضوية الريفية تجاوزت نصف عضوية الجماعة , .

وهو تقدير مبالغ فيه في تصورنا فإن أهميتها لا تتعدى الأهمية الإحصائية ذلك أن الريف المصري لم يكن يمثل إلا نادرا – أكثر من خلفية لنشاط الأعضاء من أهل المدن الذين كانوا يحددون مصير الجماعة السياسي , .

كما أن نفس القول ينطبق على الطبقات الدنيا من أهل المدن الذين اندفعوا إلى التنظيم في الأربعينات وثانيا : لا توضح لنا هذه العينة العشوائية سيادة المدينة فحسب بل توضح كذلك أن أهل المدن من الطبقة الوسطي ( الأفندية ) شكلوا العنصر السائد في العضوية بشكل عام .

وقد وصف أحد كتاب الجماعة في عام 1935 التنظيم بأنه تنظيم " الأفندية " في محاولة منه لتمييز تنظيم الإخوان عن دروشة الصوفية والدراويش , فهو يقول أن الظاهرة الأولي التي تتضح في دعوة الإخوان المسلمين هي ظاهرة أن تلك الدعوة دعوة أفندية , .

وربما يكون هذا الكلام في ذلك الوقت نوعا من التفكير المرغوب , ذلك أن العضوية حتى ذلك الوقت كانت تعتمد في الأساس على الريف والطبقة العاملة إلا أن هذا الكلام ينطوي على الكثير من الحقيقة فيما يتعلق بقيادة الجماعة , .

فقائمة القادة الذين حضروا المؤتمر العام الثالث عام 1935 توضح لنا أنه من بين 112 اسم لم يكن هناك سوى 25 شيخ أغلبهم من أصول فلاحية كذلك توضح قائمة أسماء الهيئة التأسيسية عام 1953 أنه من بين 150 عضوا لم يكن يوجد إلا 12 من العلماء وعشرة من الأعيان والعمد والباقي أفندية أما التشكيل الأخير لمكتب الإرشاد الذي يتكون من 11 عضوا فكان كما يلي : 2 من الوعاظ , 2 من المحامين وواحد من أساتذة الأزهر و 4 من كبار الموظفين وصيدلي وأستاذ جامعة وقد لاحظنا من قبل أن لائحة التنظيم نصت بشكل خاص على أن يكون تسعة من أعضاء مكتب الإرشاد من القاهرة , الأمر الذي لا يعني مجرد سيطرة المدينة على الجماعة يعني – بتحديد أكثر – سيطرة الأفندية .

كذلك احتل الأفندية مكانة هامة في العضوية كما توضح لنا سجلات المحاكم التي تناولناها سابقا , وتلك حقيقة لها أهمية عامة تتجاوز الأعضاء العاملين أو الفعالين فعلي مدى سنة ونصف من حضورنا المنتظم الاجتماعات مساء كل ثلاثاء والاجتماعات الأخرى للجماعة كنا نرى نمطا معينا وثابتا يميز الحضور ,.

فقد كانت هناك الجلابية العادية التي يرتديها الخدم والعمال وصغار التجار والحرفيين والجلابية الرسمية التي يرتديها التجار والأغنياء والأزهريين , بجانب الأزياء الرسمية المختلفة التي يرتديها السعاة والخدم في المؤسسات الخاصة والحكومية , .

وأخيرا كانت هناك وبأغلبية ساحقة البذلات الغربية التي يرتديها الطلبة والموظفون والمعلمون والكتبة والمهنيون .

ومن هنا يبدو واضحا أن هذه العضوية كانت تمثل في جزئها الأكبر الطبقة المتوسطة المسلمة الصاعدة , والكم المتنوع من أفكار وبرامج الجماعة يؤكد هذه الحقيقة , فالعداء للسيطرة الأجنبية على الاقتصاد بما تعنيه تلك السيطرة من الحد من آفاق البرجوازية الجديدة والعداء الذي امتد إلى الأقليات المحلية إنما هو أحد الأمثلة الواضحة التي ترد سريعا إلى الخاطر , .

وفي هذا الصدد يمكننا أن نقدم مثالا آخر على هذه الحقيقة بالنضال السياسي ضد الإمبريالية – التي تحمي السيطرة الاقتصادية الأجنبية – وعملائها الإمبرياليين الداخليين من الطبقات الحاكمة الذين يستمدون قوتهم السياسية والاقتصادية المتزايدة من التعاون مع الاستعمار والتبعية له , كذلك تعتبر فكرة الوطنية التي سادت تفكير الجماعة له .

كذلك تعتبر فكرة الوطنية التي سادت تفكير الجماعة مثالا آخر على هذه الحقيقة وإن اختلفت الزاوية , فالوحدة الوطنية تعني على المستوى الثقافي والديني إعادة بناء الإسلام كمنهاج يرشد الأمة إلى مصيرها , إلا أن هذه الوحدة تصبح ( إذا ما طبقنا عليها مفهومات أكثر علمانية ) دعوة سياسية إلى وحدة الهدف من أجل حماية السيادة الوطنية وتحقيق الأهداف القومية , .

كما أنها تصبح دعوة لوحدة الطبقات , الأمر الذي تعبر عنه فكرة التناسق بين العمال والإدارة وبين الفلاح ومالك الأرض , وتلك هي الأفكار التي أصبحت العلاقات المميزة للإصلاح المحافظ الذي تدعو إليه الطبقة الوسطي في العالم العربي وما زال لموضوع الطبقة الوسطي هذا بقية فيروفيسور جيب يلاحظ – بذكاء – أن أحد أهم التطورات في العالم الإسلامي الحديث يكمن في ظهور العديد من الجماعات الدينية التي قامت بدور سد الفجوة الدينية في حياة مسلمي الطبقة الوسطي .

وهذا التطور الذي طرحه بروفيسور " جيب " لا نراه مجرد تعبير عن العداء للصوفية بل هو يوضح أيضا محاولات إقامة مؤسسة حياتية دينية لأولئك الذين مستهم رياح الغرب بينما ظل ولاؤهم للدين والتقاليد كبيرا , .

فملابس الأعضاء الغربية الطراز توضح – أيا كان شعور أولئك الأعضاء بحياتهم الخاصة – سلسلة التجارب الحتمية التي يعيشها المجتمع المصري الذي يتطور تطورا سريعا , وهذه التجارب هي التي عملت – سواء بوعي أو بدونه – على إعادة تشكيل مجموعة التقاليد التي كان تنظيم الإخوان أكبر مدافع عنها , فإذا كانت الجماعة تستطيع أن تتقبل بعض المظاهر الغربية الخارجية كالعلم والتكنولوجيا , وإذا كانت تستطيع أن تضع برامجها على أساس مفاهيم تعد امتدادا للمفاهيم الغربية , .

وإذا كانت تعترف نظريا بأن هناك ما يمكن أن يتعلمه الإسلام من العلوم الغربية كالفلسفة والتاريخ والأدب والقانون , إذا كانت الجماعة قد استطاعت في تفعل كل هذا إذن فلم يكن بمقدورها سوى أن تفتح الطريق أمام التغير الضروري ليتم من خلال المؤسسات , ذلك التغيير الذي ينجم عن الحاجة إلى التكييف مع التجديد استيعابه , .

فعملية التأكيد على القديم كانت تحمل في طياتها النظرة الجديدة إلى القديم وإعادة تشكيله على نحو يعكس بالضرورة الدوافع التي ساعدت على التقليل من أهمية هذا القديم .

وبهذا المفهوم تبرز حركة الإخوان بوصفها حركة انتقالية محافظة وبوصفها حركة لم تسع فحسب إلى إضفاء ملامح الماضي على الحاضر – كما أكدنا من قبل – بل سعت أيضا إلى إعادة تعريف الماضي بشكل يفهم في الحاضر , وذلك هو ما مكن حركة الإخوان من أن تضم إلى عضويتها لا الجماعات التقليدية والمنعزلة – الرجال المرتبطين بالماضي – فحسب بل وأن تضم أيضا , وهو الأكثر أهمية أولئك الذين مستهم رياح الغرب بدرجات متفاوتة وجعلتهم يقبلون بعض المعطيات الغربية , .

ونظرا لأن الفئة الأخيرة كانت تضم في الأساس رجالا بلا ركائز في المجتمع القائم والذين تبنوا في كثير من الأحيان أسلوب العنف من أجل تحقيق غاياتهم , فقد أدي ذلك إلى تشكل تلك الصورة المتحضرة الراديكالية المحافظة والتي ربما ظلت الصورة الباقية لجماعة الإخوان المسلمين في التاريخ .