60 عاما في جماعة الإخوان المسلمين

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
60 عاما في جماعة الإخوان المسلمين

تأليف: إسماعيل عبد العزيز الخالدى

سلسلة إصدارات مركز التأريخ والتوثيق الفلسطيني

غزةفلسطين 1431هـ،2010م

تقديم

الأستاذ إسماعيل عبد السلام هنية رئيس الوزراء الفلسطيني

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين أما بعد:

فلقد سعدت بصحبة كتاب شيخنا وأستاذنا الفاضل، الأستاذ إسماعيل عبد العزيز الخالدى، أحد الرواد الأوائل المؤسسين لحركة الإخوان المسلمين في فلسطين ، وابن غزة البار الذي ما فتئ يعمل بنشاط الشباب من أجل الإسلام، ومن أجل فلسطين الحرة المسلمة .

وإن كتابه التاريخي الوثائقي حول حركة الإخوان المسلمين في فلسطين منذ ثلاثينيات القرن العشرين وحتى مطلع القرن الحادي والعشرين يعد وثيقة مهمة تحكى قصة النشأة والتطور لحركة الإسلام بفلسطين بقيادة الإخوان المسلمين وتتابع نموها الدعوى والسياسي وعلاقاتها مع مكونات العمل الوطني الفلسطيني ، وتكشف بعملية وموضوعية عن صفحات خالدة ومهمة من نشأة الحركة الإسلامية وبنائها وتطورها في غزة هاشم.

وتعرض لطموحات الحركة، وتعدد أنشطتها الاجتماعية والدعوية والسياسية والثقافية، ورؤيتها للعمل الفدائي والمشاركة فيه في مختلف المراحل إلى أن أصبحت قائدة للعمل الجهادي الفاعل في فلسطين من خلال الإعلان عن انبثاق حركة حماس في الانتفاضة الأولى ، ثم انبثاق جناحها العسكري عز الدين القسام .

لقد تمتعت بقراءة الكتاب ، وسعدت بما حوى من توثيق تاريخي لمرحلة متقدمة من حياة حركة الإخوان في فلسطين عامة وفى قطاع غزة خاصة، واحسب أننا نجد فيه من المعلومات الصادقة ما لا نجده في غيره من الكتب التي أرخت لهذه المرحلة المبكرة ، وهى كتب قليلة العدد ، لا تفي الإخوان في فلسطين حقهم الذي يوشك أن يضيع في زحمة الأحداث التاريخية المتجددة لولا هذا الجهد الطيب الذي بذله الأستاذ إسماعيل الخالدى وإخوة له آخرين سبقوه لحفظ الحركة وتوريثه لأبنائها وللأجيال ليكون الجميع على نور يهدى إلى طريق مستقيم .

لقد قدم الإخوان المسلمون لفلسطين ولقضيتها الكثير الكثير مما جهد أعداء الإسلام والمنافقون والعلمانيون على طمسه ومحوه من ذاكرة الأمة ، وتاريخها غير أن الغيرة على الدين وعلى الحركة وتاريخها وميراثها حفزت نفرا من الرواد المؤسسين إلى الاشتغال بكتابة تاريخ الحركة في فترة متقدمة من العمر بعد أن أفنوا شبابهم في تربية الحركة وتعليمهم ودفعهم إلى العمل والجهاد في سبيل الله الأمر الذي شغلهم عن كتابة التاريخ ، وهم أهل القدرة والمعرفة والصدق .

إني إذ أقدم بهذه الكلمات لهذا الكتاب الجاد لأشعر أن الواجب يقتضى شكر مؤلفه الأستاذ إسماعيل عبد العزيز الخالدى على ما كتب فصدق الله فيما كتب وأرخ، وأشكره على ما عمل وبني مشاركا قادة الرعيل الأول في بناء جيل قرآني فريد في فلسطين في ظل سياسية واجتماعية صعبة ، غالبوها فغلبوها وما أخذتهم الغفلة عن دين الله ثم عن الوطن السليب المغتصب ، فجزاه الله عنا خير الجزاء ، ونفع الله به وبعلمه وبكتابه عباده المؤمنين .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

الباب الأول:الإخوان المسلمون في فلسطين قبل عام 1967

تمهيد:الظروف التي نشأت فيها دعوة الإخوان المسلمين

عندما انتهت الحرب العالمية الأولى (1914-1918م) بانتصار الحلفاء على ألمانيا وتركيا، تقاسمت انجلترا وفرنسا وغيرهما من الدول الغربية العالم الإسلامى واحتلوه بجيوشهم، وأصبحت لهم الكلمة النافذة فيه، وتزامن ذلك تقريبا مع إسقاط الأتراك للخلافة الإسلامية.

وقد سبق ذلك الاحتلال غزو فكرى شامل في الثقافة والتربية والتعليم، قصد به إقناع المسلمين تقليد أسلوب الحياة الأوربية، وإقناعهم بسمو الحضارة الغربية وفضلها، وضرورة فصل الدين عن الدولة كما فعلت أوروبا.

أما بالنسبة لمصر فقد وقعت تحت الاحتلال البريطاني قبل الحرب العالمية الأولى بما يقارب أربعة عقود، ولذلك وصل إليها الغزو العسكري والفكري قبل كثير من بلاد المشرق العربي، فقام البريطانيون بتنحية الشريعة الإسلامية عن الحياة ، وحصرها في الأحوال الشخصية فقد، وفصل المدارس المدنية عن المدارس الدينية، وجعل التعليم في المدارس الحكومية ( المدنية) باللغة الانجليزية بدلا من اللغة العربية.

وقد أتاحت هذه الظروف للمصريين الذين تلقوا تعليمهم في الغرب، وتأثروا بحضارته، أن ينقلوا إعجابهم وتصورهم لهذه الحضارة إلى أبناء أمتهم ، وساعدهم على ذلك ضعف علماء الدين، واهتزاز منزلتهم، ووقوف بعضهم موقفا سلبيا من حقائق العلوم التجريبية، مما دعا بعض المثقفين أن يتصوروا أن الأخذ عن ا لحضارة الغربية هو المنهج الأمثل للرقى بالبلاد ، وقد وجدت هذه الأفكار التي وصفت بالتقدمية التشجيع من المحتلين.

الذين روجوا لفكرة الاعتزاز بالفرعونية، والوطنية المصرية الضيقة، كما ظهرت الدعوة إلى العلمانية، وفصل الدين عن الحياة، تقليدا لما حصل في بلاد الغرب ، وانبهر بعض المسلمين بهذه الأفكار، وحاولوا تطبيقها على ديار الإسلام، بالرغم من أن الدين الإسلامى لم يكن يوما عدوا للعلم ولا للعلماء .

وفى ظل الحرية المحدودة التحى سمح بها المحتل ، دعا نفر من المتأثرين بالحضارة الغربية إلى مهاجمة الأديان ومحاربتها، وروج بعضهم للإلحاد ، في الخطب والمحاضرات، والكتب، والجرائد، والمجلات، بهدف القضاء على أثر الإسلام في نفوس أبناء المسلمين.

وهنا نشأ " المجمع الفكري" وأصدر طه حسين كتاب "في الشعر الجاهلي" الذي أثار فيه الشك حول تاريخ العرب قبل الإسلام، وتطرق شكه إلى حقائق وردت في القرآن الكريم، حيث تناول ذكر إبراهيم وإسماعيل- عليهما السلام- بكلام يؤذى إيمان المؤمنين، ولا يوصف بأقل من الكفر بكتب الله ورسله ، حيث ذكر في كتابه أو ورود هذين السمين في التوراة والقرآن لا يكفى لإثبات وجودهما التاريخي، فضلا عن إثبات قصة هجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة، وأنه مضطر إلى أن يرى في هذه القصة نوعا من الحيلة لإثبات الصلة بين العرب واليهود من جهة، وبين الإسلام واليهودية والقرآن والتوراة من جهة أخرى.

وظهر كذلك كتاب "اليوم والغد" لسلامة موسى، ويعرض فيه آراء بصراحة عادية لا يبالى معها بسخط الناس أو رضاهم، بل لعله يقصد إسخاطهم ويذكر فيه أن مصر جزء من أوروبا، وليست جزءا من أفريقيا.

وكذلك كتاب " الإسلام وأصول الحكم " للشيخ على عبد الرازق ، وكان أخطر ما كتب عن الخلافة، وهو يدور حول إثبات أن الخلافة نظام تعارف عليه المسلمون وليس في أصول الشريعة ما يلزم به.

وتوجع خطورة الكتاب على الظروف التي أحاطت بظهوره،كما ترجع إلى جرأته وعنفه في مصادمة عواطف الناس، وفى تحدى مشاعرهم، وفى التشكيك- الساخر أحيانا- فيما تطمئن إليه نفوسهم ، دون أن يقدم الأدلة القوية الواضحة على ما يذهب إليه من مزاعم تخرج عن المألوف، ثم إن الكتاب قد ظهر بعد إلغاء مصطفى كمال الخلافة، والناس يكادون يجمعون على تسفيه صنيعه، وقد قدم المؤلف إلى المحاكم أمام هيئة كبار العلماء ، التي أصدرت حكمها بإخراجه من زمرة العلماء.

وتوهم المتأثرون بالحضارة الغربية من أبناء الأمة الإسلامية أن مظاهر التحلل من المبادئ والقيم الدينية، والانحلال، والفساد، من ضرورات التحضر والمدنية ، حتى أن أحد الكتاب قال ساخرا: "نحن جزء من الحضارة الغربية في الفساد والخمور والتحلل الخلقي" ، فباسم الحرية الشخصية، انحرف كثير من الناس عن التمسك بأهداب الدين، وافتتحت الحانات في كل مكان، وفتحت الملاهي، والمراقص، ودور البغاء المرخصة من الحكومة وظن مرتادوها أن ذلك من مظاهر التقدم والتمدن.

وكان للصحافة دور كبير في ترويج هذه المفاسد، " ففي الوقت الذي تدعو فيه مجلة (الهلال) إلى فوائد مذهب (العرى) ونشأته، وإلى اختلاط الجنسين في التعليم، تكتب جريدة (السياسة الأسبوعية) عن الخمر والرقص، وتواصل حملتها في الدفاع عن دور البغاء".

في هذه الظروف الحالكة الظلام ، الظلام الذي جاء من الغرب، قام الشيخ حسن البنا بدعوته ليدافع عن الإسلام، ويذب عنه سهام أعدائه، الذين انقضوا عليه من كل حدب وصوب.

الفصل الأول : جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين

تأسست جماعة الإخوان المسلمين فى مصر عام 1928م، ووجدت إقبالا شعبيا عظيما، وذلك لصدق قادتها وإخلاصهم، ووضوح برنامجهم، الداعي إلى العودة إلى الإسلام، والالتزام به التزاما كاملا، فهو سر قوة المسلمين ومصدر عزتهم، ولما كان لفلسطين موضع اعتبار خاص عند الإخوان المسلمين.

فهي الأرض التي براك الله فيها للعالمين، فيها المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، لذلك حرص المرشد العام للجماعة على فتح فروع لها في هذه الأرض المقدسة، التي كانت مطمع الحركة الصهيونية وهدفها، وكان هدفه من ذلك إنشاء جيل فلسطيني مسلم، يتخذ الإسلام منهجا، والجهاد في سبيل الله طريقا، ليقف سدا منيعا أما أطماع اليهود.

افتتحت جماعة الإخوان المسلمين شعبا عدة لها في فلسطين، في القدس، وحيفا، ويافا، والخليل، وغزة، وغيرها من ا لمدن الفلسطينيين، ولكن هذه الشعب لم تكن في قوة ونشاط مثيلاتها في مصر، لأسباب عدة أهمها:العراقيل التي وضعتها حكومة الانتداب في طريق الدعاة، وقلة العلماء المستنيرين المخلصين في تلك الأيام، وخوف حكومة الانتداب البريطاني من مناداة الإخوان بالجهاد الذي كان يسبب لهم إزعاجا شديدا.

وقد باشرت جمعيات الإخوان المسلمين في فلسطين نشاطات خيرية ورياضية وكشفية بالإضافة إلى النشاطات الدينية، وبهذا بدأ نجم الجماعة يسطع في فلسطين، رغم الحالة الضعيفة التي كانوا عليها، فقامت الرحلات الشبابية من مدينة إلى أخرى، ليتعرفوا على العادات الاجتماعية في جميع أنحاء فلسطين، وطبائع السكان ونشاطاتهم الزراعية والتجارية والصناعية، وليتعرفوا على جغرافية فلسطين، بسهولها، وجبالها، وغورها، وأنواع الأشجار في كل منطقة فيها.

وعندما اشتعلت نيران الحرب الفلسطينية اليهودية بعد إنهاء الانتداب البريطاني، ثم دخول قوات من الإخوان المسلمين من مصر والبلاد العربية الأخرى إلى فلسطين عام 1948م، للوقوف أمام الأطماع الصهيونية وحماية الشعب الفلسطيني، أولت هذه القوات الشعب الفلسطيني أهمية خاصة، فضمت عددا كبيرا منهم إلى كتائبها بعد أن دربتهم على السلاح والقتال .

نظر الإخوان المسلمون إلى الشعب الفلسطيني نظرة إعجاب وإكبار، على عكس ما عملت الجيوش العربية، خاصة الجيش المصري، الذي اتهم الشعب الفلسطيني بالتجسس، فنزع منهم سلاحهم، اعتمادا على ما كانت تروجه بعض الصحف المصرية، كالهلال، والأخبار، وروز اليوسف، وغيرها من الصحف العميلة للغرب في أفكارها، وأجبرهم على الوقوف موقف المتفرج من قضيتهم، وروجت كذلك الكذبة التي روجها اليهود، وهى تهمة بيع فلسطين بلادهم لليهود، حتى يضعف ذلك حماس الجنود العرب في معاونة أهل فلسطين والدفاع عنهم، وقد نجح اليهود في ذلك نجاحا كبيرا.

وقد حرص الإخوان على التقرب إلى الشعب الفلسطيني والاستعانة بهم في محاربة اليهود، ولم يخف قائدهم الأستاذ كامل الشريف إعجابه الشديد بهذا الشعب المجاهد، فقال عنهم في أحد كتبه" لم يعرف التاريخ شعبا يكافح في سبيل حريته مثل ما يكافح الشعب الفلسطيني ، ولم يشهد التاريخ نوعا من أنواع التنكيل والإرهاب أشد وأقسى مما صبته بريطانيا على هذا الشعب الباسل لتصرفه عن حقوقه وأهدافه ، وإن الثورات المتتابعة التي شهدتها فلسطين منذ ابتليت بالاستعمار البريطاني لتعطى صورة صادقة لنفسية هذا الشعب ومدى إيمانه بحقوقه وتمسكه بها، إيمانا تغلغل في نفوس جميع أفراده، ومختلف طبقاته، وتساوى فيه البدوي والحضري، ولقد بينت طرفا من جهاد هذا الشعب ....

غير أن أحدنا لن يمل حين يستطرد في نشر هذه الصفحات المجيدة، التي سطرها المجاهدون بدمائهم، وهم يكافحون أكبر قوتين في الأرض ، قوة المال ، وقوة السلاح ، قوة بريطانيا العظمى بجيوشها الجرارة، وقوة الصهيونية بذهبها ونفوذها".

ونتيجة لهذه الثقة أقبل الإخوان على التعاون مع الشعب الفلسطيني ، ورحبوا بهم، فانضمت أعدادا كبيرة من أبناء هذا الشعب إلى قوات الإخوان ، وتدربت على أيديهم ، وخاضت المعارك جنبا إلى جنب معهم، حتى أصبح عدد أهل البلاد المتطوعين الفلسطينيين مع الإخوان أكثر بكثير من عدد الإخوان أنفسهم".

الفصل الثاني: جماعة الإخوان المسلمين في قطاع غزة بعد نكبة 1948

بعد الهزيمة النكراء التي لحقت بست جيوش عربية على أيدي العصابات الصهيونية سنة 1948- 1949م ، ولجوء مائتين وثلاثين ألف لاجئ إلى قطاع غزة الذي كان عدد سكانه وقتئذ حوالي مائة وعشرة آلاف ، طفق الناس – خاصة المثقفون منهم- يفكرون في سبب الهزيمة، ونحن نملك من العدد والمواقع الإستراتيجية ما يمكننا على الأقل من أن نحتفظ بما تحت أيدينا من أراض . وانقسم الناس حيال سبب الهزيمة إلى أقسام ثلاثة:

القسم الأول: أصحاب الفكر الاشتراكي الالحادى، ونادوا بحق اليهود في أخذ القسم الذي أعطاه قرار التقسيم لهم من فلسطين، بمقتضى قرار الأمم المتحدة سنة 1947م، وأخذوا يتهمون الدول العربية التي دخلت جيوشها فلسطين بالعمالة لدول استعمارية رأسمالية، وركزوا في هجومه على مصر والأردن، وقد كان الكثير من هؤلاء على جانب من الثقافة والاطلاع رغم قلة عددهم .

وقد أضعف شعبية هذا القسم جرأتهم على الدين واستهزاؤهم بتعاليمه، والوقوف ضدها، والسخرية منها، ومحاربة الحكومة المصرية لهم، واتهامها لهم بالتعاطف مع دولة الكيان الصهيوني والعمالة بها، وأيد ذلك هروب عدد منهم إليها، وتفضيلهم الحياة فيها، لأنها أقرب إلى الإشتراكية من الدول العربية ، وكان من الذين هربوا إلى دولة الكيان، أسعد مكي، وعلى عاشور، ومحمد خاص( عاد هذا الأخير إلى غزة بعد الاحتلال الصهيوني سنة 1967م).

وقد ننادى أصحاب هذا الاتجاه بوجوب الاعتماد على الاتحاد السوفيتي الذي يناصر الشعوب المستضعفة، ويدافع عن حريتها واستقلالها ، وعدم الاعتماد على الدول الرأسمالية الاستعمارية التي تمص دماء الشعوب الضعيفة.

القسم الثاني: كان من المفكرين العلمانيين من القوميين العرب واللبراليين الذين تعلموا في المدارس التبشيرية ، والجامعات الأمريكية والغربية، وكانوا ينادون بالتطبيق العلماني والتطور الحضاري الغربي، وأن تقوم وحدة عربية على تلك الأسس، وأن هذا الطريق هو السبيل الوحيد لاستعادة الحقوق المغتصبة ، وكانوا بعدين عن آلام الأمة، همهم النقد وجلد الذات وإظهار الإعجاب الشديد بالنظم والحياة الاجتماعية الغربية التي تترك الإنسان يتمتع في حياته كنا يريد، بلا حدود، ويعلنون أن من أراد الدين فعليه أن يلتزم المسجد، لأن الدين عندهم مكانه المسجد أو الكنسية وليس غيرهما.

القسم الثالث: الذين يؤمنون بالإسلام ، ويعتقدون أن سبب الهزيمة هو البعد عن الإسلام، وعدم الالتزام بطاعة الله، بل مخالفته وعصيانه ، وقد كان هذا القسم من الناس كثر ولكن ثقافتهم الدينية قليلة وعلومهم الشرعية سطحية، يتحمسون للصلاة في شهر رمضان، وإذا انتهى رمضان ترك أكثرهم الصلاة، خاصة الشباب. وكانت المساجد لكبار السن، وعدد من يرتادها من الشباب قليل.

حبا الله قطاع غزة ببعثات الوعظ والإرشاد من الأزهر الشريف بمصر ، وكان أكثر الوعاظ من المتحمسين المخلصين، ومنهم الشيخ محمد الغزالي، والشيخ على جعفر، والشيخ محمد الأباصيرى، والشيخ محمود عيد، والشيخ محمد جودة رحمة الله عليهم جميعا.

وقد بذلوا جهودا كبيرة ، وتجولوا في طول القطاع وعرضه ، يدعون الناس للعودة إلى الإسلام وحمل أعباء الدعوة، وقد أثمرت جهودهم ، وظهر فضلهم، ونسأل الله أن يجزيهم على ذلك المجهود خير الجزاء ، فقد أقبل الناس على الإسلام وخاصة الشباب وامتلأت المساجد بهم وأصبح طريق الدعوة واضحا مملوءا بالمخلصين.

شعب الإخوان في قطاع غزة

(1) كان في قطاع غزة شعبة واحدة ، يطلق عليها" المكتب الادارى" وكان هدد الأعضاء قليلا، وهم لا يعرفون أصول الدعوة، ملتزمون بالإسلام، لكن لا يستطيعون إيصاله إلى الآخرين، التزموا بما سمعوه عن الإسلام الذي ورثوه عن آبائهم ، ومن المجاهدين الذين قدموا متطوعين للدفاع عن فلسطين، والذين كان أول وأكثر تواجدهم في غزة وحولها.

وفى شهر ديسمبر 1948م صدر قرار رئيس مجلس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي بحل جماعة الإخوان المسلمين، ونظرا لأن قطاع غزة كان خاضعا لرقابة القوات المصرية، فقد حلت شعبة الإخوان في القطاع، إلا أن الحكومة المصرية لم تتعرض لأعضائها بالحبس أو المضايقة، وبعد سقوط حكومة السعديين، ونجاح حزب الوفد في الانتخابات ألغى فتح شعبة الإخوان في غزة، وكان يرأسها " الأستاذ ظافر الشوا" يرحمه الله، الذي فكر في طريقة لحماية الشعبة من الحل ، فأطلق عليها اسم" جمعية التوحيد"، وكان شعرها " لا إله إلا الله محمد رسول الله" وكانت على طريقة الإخوان ولا تختلف عنهم إلا بالاسم.

عارض كثير من الأعضاء ما ذهب إليه الأستاذ ظافر الشوا يرحمه الله، وأصروا على إعادتها بنفس الاسم"الإخوان المسلمون" فعادت الشعبة وقامت بجانبها " جمعية التوحيد" . وكان من نشطاء جماعة الإخوان في تلك الحقبة الأستاذ حسن النخالة والحاج كامل مشتهى، والحاج زكى السوسى، والحاج زكى الحداد، يرحمهم الله جميعا.

في معسكر النصيرات

بعد أن أقامت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين " الأونروا" معسكرات للاجئين، وفتحت مدارس فيها لأبنائهم، قام مدير مدرسة النصيرات الابتدائية الأستاذ " سليمان حمد" ببناء غرفة بجانب المدرسة ووضع يافطة " كتب عليها جماعة الإخوان المسلمين" وكان ذلك المدير نشيطا ، قد آمن بالإسلام طريقا صحيحا، وترك ما كان له من نشاط مع " عصبة التحرر الوطني- الحزب الشيوعي الفلسطيني".

قام المدير المذكور ببناء غرفة متواضعة من الطين، وأخذ يجمع الطلاب فيها وحولها، ويشرح لهم الإسلام، وكان لهم قدوة حسنة، ساعده على ذلك حسن خلقه، وتفانيه في خدمة الطلاب، وتواضعه الجم، وعلمه الغزير، وقد كان الأستاذ أحمد عيسى صيدم من أكبر المعاونين له.

لقد أنشأ الأستاذ سليمان حمد، والأستاذ أحمد عيسى صيدم، جيلا مسلما من ا لطلاب، الذين حملوا الراية في المنطقة الوسطى، ( البريج ، النصيرات، المغازى ، دير البلح) واشتهر منهم فيما بعد الأستاذ سليمان عبد القادر والأستاذ محمد طه، والأستاذ عز الدين طه، والأستاذ خليل الخالدى والأستاذ محمد إبراهيم صيدم وغيرهم كثير.

دعوة الإخوان المسلمين في رفح

عرفت رفح دعوة الإخوان المسلمين منذ وقت مبكر، بسبب قربها من مصر، ووجود فرق من الجيش المصري والقوات المسلحة فى رفح المصرية، وتغلغل أعداد كبيرة من القوات المصرية في جماعة الإخوان، واختلاط هؤلاء مع الفلسطينيين والقضية الفلسطينية.

وكان بعضهم يخطب الجمعة في مساجد رفح فلسطين، وكان هؤلاء الإخوان يكثرون من زيارة الفلسطينيين في بيوتهم بعد أن يتعارفوا فى المساجد وبالرغم من وجود عدد كبير من الذين آمنوا بدعوة الإخوان، إلا أن أحدا منهم لم يفكر في فتح شعبة للإخوان في رفح إلا بعد أن قامت الثورة في مصر ، وكان من الذين اشتهروا بنشاطهم الإسلامى الأستاذ يعقوب نصر، والأستاذ أحمد رجب، ( الدكتور فيما بعد) والأستاذ محمد يوسف النجار، والمهندس خليل زعرب وكان هؤلاء منارات متحركة في منطقة رفح.

الفصل الثالث:أسباب حل جماعة الإخوان المسلمين في مصر 1948-1949م

رأت قيادة قوات الإخوان المسلمين في فلسطين أن اليهود لا يلتزمون بالهدنة ولا يتقيدون بها، فقد قاموا باحتلال مناطق واسعة من فلسطين في ظل الهدنة، وكان رد ( إسرائيل) على اعتراضات مراقبي الهدنة بأن الذين يقومون بهذه الأعمال والخرقات عصابات لا تلتزم بالقانون، وأن الدولة اليهودية لا تستطيع الآن أن تجبرهم على الالتزام بالقانون والتقيد بنصوص الهدنة.

وكان رد الإخوان على هذه الأعمال توزيع قواتهم حول المستعمرات اليهودية في جنوب فلسطين، وشن حرب عصابات قاسية على المستوطنات أزعجت اليهود، وقطعت الاتصالات بين هذه المستعمرات ، بل وحرمتهم من التحرك داخل المستوطنة الواحدة .

فضج اليهود بالشكوى إلى الدول الكبرى،فقامت هذه الدول بالضغط على حكومة اليهود بالشكوى إلى الدول الكبرى، فقامت هذه الدول بالضغط على حكومة" محمود فهمي النقراشي" المصرية، طالبة منه حل الجماعة، وسحب الجنود التابعين لها من ميدان القتال، يقول قائد قوات الإخوان :

"وتسلمت أمرا يقضى بسحب الإخوان من تلك المواقع وإرجاعهم إلى المعسكرات، وحاولت أن أجد تعليلا لهذا الأمر المفاجئ ، ولكنى كنت أقابل بالصمت من الجميع، وقد همس لى بعض ضباط الرئاسة أن هذه التعليمات واردة من القاهرة، وعجبت كثيرا لصدورها خاصة في هذه المرحلة الخطيرة من الحرب، وبعد أن آمن الجميع بالفائدة التي يجنيها الجيش من بقاء الإخوان في هذه المنطقة.
وكنت أعلم أن اليهود سيبادرون حتما لاحتلال هذه المواقع، ليأمنوا شر العصابات ، وبالتالي ليضعوا خطوط الجيش المصري تحت رحمتهم، فمضيت أشرح وجهة نظري إلى المسئولين، وأبين الأضرار التي يمكن أن تنجم عن هذا الأمر، ولكن المسئولين أصروا وأفهموني بلباقة أن هذه الأوامر "تعليمات عليا" ليست قابلة للنقاش والتعديل".

وكان مرشد الإخوان سيعلن الجهاد المقدس ، ويقوم بنفسه بقيادة حركة عسكرية للدفاع عن القدس عندما كانت (إسرائيل ) تشن هجمات عنيفة على الجيش الأردني في محاولة لاحتلالها" إلا أن الحركة العسكرية التي أرادها المرشد العام لم يقدر لها النجاح إذ وقف عناد النقراشي حجر عثرة في سبيلها، استجابة لرغبات الإنجليز، وتمشيا مع سياستهم فقد كان يفزعهم اسم الإخوان وأنباء قتالهم الرائع في فلسطين"

وفى اليوم السابع من شهر ديسمبر (كانون أول) عام 1948م أصدر محمود فهمي النقراشي- رئيس الوزراء – قرارا بحل جماعة الإخوان المسلمين، وأمر بجمع جنود الإخوان في معسكر واحد، ثم نقلوا إلى العريش ، ومن هناك وزعوا على سجون مصر مكافأة لهم على إخلاصهم في محاربة اليهود، وإزعاجهم لهم في حرب فلسطين، فقام أحد رجال الإخوان باغتيال النقراشي دون علم الشيخ حسن البنا، فرد السعديون وبمباركة الملك فاروق بإطلاق الرصاص على الإمام البنا في 12 فبراير 1949م، في أحد أكبر شوارع القاهرة ، فأصيب بجرح، ونقل إلى مستشفى القصر العين، فصدرت الأوامر إلى الأطباء بعدم إسعافه ، فظل ينزف إلى أن ارتقى شهيدا.وهكذا أبعدت أهم الفئات المخلصة عن قتال اليهود ليصولوا ويجولوا ويفعلوا ما يشاءون في فلسطين.

ولما كان قطاع غزة في ذلك الوقت خاضعا لرقابة القوات المصرية بفلسطين، فقد أقفلوا شعب الإخوان المسلمين، إلا أن حب الشعب في جنوب فلسطين لهذه الفئة التي أحبتهم وأخلصت في الدفاع عن بلادهم بقى في القلوب ، وزاد حل الجماعة والتنكيل بأفرادها من احتقار الشعب الفلسطيني للنظام الحاكم في مصر، الذي ظهر وكأنه ما خرج للحرب إلا ليقوم بتمثيلية مأساوية على أرض فلسطين، فسلمت البلاد لليهود الواحدة تلو الأخرى أمام أعين أهلها، وعاقبت بقسوة كل ما حارب اليهود بإخلاص.

لقد تأثر سكان قطاع غزة بحل حكومة النقراشي لجماعة الإخوان المسلمين، إلا أن أثر تلك الجريمة كان قليلا إذا ما قيس بالنكبة التي حلت بشعب فلسطين، فقد عاش الناس في ذهول تم، لقد أضاعت الجيوش العربية بلادهم، ومكنوا اليهود من أراضيهم ، وإبعاد اليهود عنهم، هزمت الجيوش العربية الستة ، وأثبتت تلك الحرب أن ا لقادة العرب كانوا ما يزالون أقزاما يحركهم الاستعمار كيف يشاء .

أصبح الشعب الفلسطيني مجموعات من اللاجئين، الذين لا يملكون قوت يومهم ، وكان الكثير منهم يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، ويسكنون تحت الأشجار، لقد أنساهم هول المصاب والأوضاع الشاذة ما حل بالجنود المخلصين من الإخوان المسلمين، الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وجاهدوا أعداء الله حق الجهاد، وجعلت كل واحد منهم يسعى طوال الوقت لتوفير قوت يومه لأسرته وأطفاله، وماذا كان باستطاعتهم أن يفعلوا وهم أمام أجهزة مجرمة يسيطر عليها طواغيت ظالمون.

وأما في مصر فقد انطلقت الدعوات الصريحة لمحاربة تلك الحكومة القائمة على الاستبداد السياسي، والإقطاع الاقتصادي، فقال الأستاذ المرحوم سيد قطب في كتابه"معركة الإسلام والرأسمالية" من ذا الزى يجرؤ على القول بأن هؤلاء ناس لهم حقوق الإنسان وكرامة الإنسان؟

ودعك بعد هذا من تلك الخرافة التي تتحدث عن " الأمة مصدر السلطات" وعن حق الانتخاب وحرية الاختيار ...إنها خرافة لا تستحق المناقشة ، فهذه الأمة مصدر السلطات في هذه الملايين الجائعة الهزيلة، الجاهلة المستغلة.

هذه الملايين المشغولة نهارها وليلها بالبحث عن اللقمة، الملايين التي لا تملك أن تفيق لحظة لتفكر في ذلك الترف الذي يسمونه حق الانتخاب وحرية الاختيار، الملايين التي يشير لها السادة فتنتخب ، ويشير لها السادة فتمتنع، لأن هؤلاء السدة هم خزنة أرزاقها واقو، وملاك الإقطاع الذي يؤوى هؤلاء الجياع..

إنها خرافة أن تتحدث في عهود الإقطاع عن الدساتير والبرلمانات ، ونحن نعيش في عهود الإقطاع بكل مقوماتها، لا ينقص منها شيء، إلا تبعات السيد تجاه رقيق الأرض، فقد سقطت عنه هذه التبعات في عصر الدستور ...

إن الحديث عن الدساتير والبرلمانات مادة فكاهة يتسلى بها الفارغون، ولكنه لا يصلح حديث أمة تريد الجد وتنظر إلى الواقع بعين الاعتبار "،" فإذا ادعى الحاكم المستبد أنه يستبد باسم الدين، كان ذلك تهمة لهذا النوع من الحكم يوجب إقصائه عن الحياة إذن فما الرأي في الحكم الديمقراطي الذي تحكم باسم العالم العربي، وكله يحكم- والحمد لله- حكما ديمقراطيا دستوريا برلمانيا على آخر طراز الدساتير، أهذه ديمقراطية دستورية برلمانية؟

وجهاز الدولة كله يعمل لحساب الرأسمالية، وهذه الملايين جائعة عارية مريضة مستغلة، ولا حامى لها ولا نصير ؟ أهذه ديمقراطية دستورية برلمانية؟ ونفر البوليس يملك أن يتهم أي فرد في عرض الطريق أنه ارتكب جريمة ما، ثم يقبض عليه ويصفعه على النيابة وقبل أن يقدم إلى القضاء وقبل أن يتقرر إذا كان مجرما أو بريئا".

الفصل الرابع: عودة جماعة الإخوان إلى النشاط وإلغاء قرار الحل

لم تلبث الحكومة السعدية أن تغيرت، وجاءت بعد ذلك حكومة الوفد برئاسة مصطفى النحاس باشا، التي ألغت قرار حل جماعة الإخوان المسلمين، فعاد الإخوان، واستأنفوا مهاجمة التسلط السياسي والإقطاع الاقتصادي، وحملوا هم وحدهم عبء الدفاع عن الوطن، ومقارعة الاستعمار وأعوانه، والحكومات العملية التي كانت تأتمر بأمره، وقد كتب الأستاذ "سيد قطب" في جريدة الدعوة لناطقة بلسان الإخوان المسلمين بتاريخ 20/11/1951م

" إنني أعرف أن الوضع الاقتصادي الذي تقوم هذه لوزارة في ظله، يكره للشعب أن يحمل السلاح، ويكره للشعب أن يتدرب على خوض معارك التحرير . إن الإقطاع يرتجف خيفة أن تتحرك عجلة الشعب حتى لمكافحة العدوان الخارجي، لأن هذه العجلة لن تقف بعد ذلك، ولن تكف حتى تحقق الحريات جميعا. إن الخوف من الشعب هو الذي يحرك الوزارة لتطويق الفدائيين وكتائب التحرير"

ثم يخاطب الفدائيين من الإخوان في نفس المقال قائلا:

"أيها الفدائيون امضوا في طريقكم ولا تلقوا بالا إلى محاولة التطويق بحركتكم البريئة ، ولا تلقوا بأسلحتكم في وسط المعركة، امضوا في طريقكم عاصفة تدمر كل شيء بأمر ربها، تدمر الاحتلال، وأوتاده، وأعوانه، وإنه لا يخيفنا أن يعيد الإنجليز احتلال الوادي كله بقواتهم، بل إنها لتكون فرصة لا تعوض ، ببعثرة قواتهم وجنودهم على مصايد الفدائيين في طول الوادي وعرضه، وعشرون مليونا يترصدون القراصنة فى كل شبر من الأرض".

وأما بالنسبة للإخوان في قطاع غزة فقد انقسموا إلى قسمين، قسم فضل العمل تحت اسم " جمعية التوحيد" ويرأسها الأستاذ ظافر الشوا- يرحمه الله – وقسم أصر على العودة إلى الاسم نفسه "جماعة الإخوان المسلمين" ويرأسه الشيخ عمر صوان- يرحمه الله. وعلى هذا فقد أصبح في القطاع جمعيتان باسمين مختلفين ولكن بالهدف نفسه تقريبا.

ورغم عودة الإخوان في القطاع إلى العمل علنا، إلا أن النفوس كانت مشحونة بينهم وبين الملك فاروق، والذي بارك قتل مرشدهم"حسن البنا" ، بالتعاون مع الحكومة السعدية، وقد استمر الملك في حماية قتلة الشيخ حسن البنا حتى بعد سقوط تلك الحكومة، وقد قلل هذا الوضع المخيف والتسلط والظلم والحالة الاقتصادية السيئة التي كان يعيشها الشعب الفلسطيني في قطاع غزة من إقبال الناس على الانضمام إلى هذه الجماعة، وإن احتفظوا لهم بذكريات عطرة في قلوبهم.

الفصل الخامس: قيام الثورة عام 1952 في مصر وأثرها على جماعة الإخوان المسلمين في قطاع غزة

عندما قامت الثورة في 23 يوليو سنة 1952م، انطلق الإخوان في مصر يدعمونها شعبيا، ويحمونها من أعدائها ، فظن الناس أن العناصر التي قامت بها عناصر إخوانية، فأقبلوا على شعب الإخوان المسلمين، ظانين أنه النصر الذي يعقب سنين المعاناة ، والنور الذي يتبع الظلمات، والعدل الذي يمحو الظلم، وهكذا كانت الثورة في بدايتها، أو هكذا روج لها عند قيامها.

وفى قطاع غزة أقبل الماس على شعبة الإخوان الوحيدة، ينضمون إلى الجماعة، ويشاركون في نشاطها، ومنهم من جاء طامعا في مركز أو وظيفة عالية مع الحكومة ،التي هي من صنعهم-كما اعتقدوا- ، ومنهم من جاء ظانا أن هذه الثورة ستدعم الاتجاه الذي يدعو لمحاربة (إسرائيل) وإنقاذ الوطن السليب ، ومنهم من جاء إلى الإخوان مؤمنا بأنهم أصحاب الطريق الصحيح الذي به يعز الله المسلمين.

لقد انقسم الذين انضموا إلى جماعة الإخوان المسلمين في قطاع غزة بعد الثورة إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: وهم مجموعة من الموظفين الرسميين، أو طلاب الوجاهة،الذين انضموا للإخوان رغبة منهم في الحصول على مناصب أو مراكز، لم لا وهم يرون بأعينهم أن رئيس المكتب الادارى للإخوان المسلمين الشيخ عمر صوان- يرحمه الله – أصبح في أواخر عام 1952م، رئيسا لبلدية غزة بأمر من حكومتها المصرية، وهو مركز لم يحلم به هو وأمثاله، وللأسف الشديد فقد أصبح معظم رؤساء الشعب الخاصة بالإخوان المسلمين وأعضاء إدارتها من هذا القسم، وقد سارع هؤلاء إلى تأييد الحكومة في حلها للجماعة وأعلنوا عن ولائهم للحكومة ، واستنكارهم لموقف الإخوان، وقد حرص بعضهم على تسليم الدولة كل ما كان لدى الإخوان من أموال وأثاث ، إثباتا لولائهم لها عند صدور قرار الحل .

القسم الثاني: وهم مجموعة ممن يؤمن بالإسلام ، ولكنه لا يملك من الشجاعة ما يمكنه من الوقوف موقف الرجال في الدفاع عن دينه وعقيدته وما يؤمن به، وقد سارع هؤلاء إلى الانزواء والاختفاء بلا ضجة ، وأخفوا إيمانهم، وعكفوا في بيوتهم ، وكان الكثير منهم لا يجرؤ على تأدية صلاته في المسجد ، وقد ترك بعضهم الصلاة مبالغة في التنكر والتخفي.

القسم الثالث: وهو القسم الذي آمن بالإسلام، وكان لديه من الشجاعة والرجولة ما يمكنه من الثبات على دينه وعقيدته، والتمسك بها والدفاع عنها، وقد كان هؤلاء قلة قليلة ،إذا ما قيست بالأعداد الهائلة التي انضمت إلى شعب الإخوان المسلمين في قطاع غزة، وقد كانت غالبية هذا القسم من طلاب المدارس الثانوية، ومن طلاب الجامعات، بالإضافة إلى أعداد قليلة من العمال والمدرسين والموظفين. وقد ساهمت أسباب عدة في إقبال الناس على جماعة الإخوان المسلمين وفوزهم بثقة الجماهير وتعاطفهم معهم.

أهمها:

أولا: المناخ الديني الذي كان ظاهرا في جنوب فلسطين، والناتج عن إرسال الناس أبناءهم ليتعلموا في الأزهر الشريف، وقرب الناس هناك إلى الفطرة ، بعكس سكان شمال فلسطين، ووسطها، الذين تأثروا بالبعثات التنصيرية،والجامعة الأمريكية، واليهود.
ثانيا: موقف الإخوان المسلمين السياسي المميز والصريح بدعم وتأييد الشعب الفلسيطنى ، ذلك الموقف الذي ترجموه عمليا بإرسال متطوعيهم إلى فلسطين، والذين أبلوا بلاء حسنا في محاربة اليهود، وأظهروا بطولات بهرت الشعب الفلسطيني، والكثير من جنود الجيوش العربية التي دخلت فلسطين.
ثالثا: تركت كتابات مفكري الإخوان، وقادتهم، ومواقفهم الرائعة من قضايا الديمقراطية، والحرية والإصلاح الاجتماعي، ومحاربتهم للتسلط السياسي والإقطاع الاقتصادي ، أثرا كبيرا في مصر، وبالتالي في قطاع غزة، ففي الوقت الذي بقى فيه الشيوعيون مشغولين في انحلالاتهم الخلقية، يحلمون على دخان الحشيش، وخدره اللذيذ ، بالخلاص على يد " بابا ستالين" وخلفائه، كان الإخوان يحاربون الإقطاع ، ويثورون عليه في محافظات مصر، وقد اشتهر موقفهم في محافظة الدقهلية وكتابات الشهيد سيد قطب ، وأخيه محمد، والشيخ محمد الغزالي، وغيرهم خير شاهد على ذلك.
رابعا: حظي الإخوان المسلمون في مصر وقطاع غزة بعطف الجماهير، نتيجة لقمع السلطات لهم بدون رحمة، وسحبهم من ميادين القتال مع اليهود 1948-1949م، والزج بهم في غياهب السجون، دون ذنب أو جريرة إلا الإخلاص في محاربة اليهود.
خامسا: المواقف الخيانية لخصم الإخوان الفكري الرئيسي- وهو الحزب الشيوعي- فقد طالب الشيوعيون بتقسيم فلسطين، والتعايش مع اليهود، بل وفضلوهم على إخوانهم العرب.

ومن المنشورات التي وزعوها أيام كانوا يتخذون لهم اسم " عصبة التحرر الوطني" :

" إن سبيل شعبنا للخروج من هذه الكارثة هو غير سبيل الخونة المجرمين الذين جلبوا هذه الكارثة عليه، إن سبيله هو السبيل الذي رسمته له عصبة التحرر الوطني منذ اللحظة الأولى، التي صدر فيها قرار هيئة الأمم المتحدة بتاريخ 29/11/1947م. إنه النضال الواعي لتنفيذ هذا القرار ، وتحرير القسم العربي من جيوش فاروق وعبد الله وبن غوريون، وإقامة الدولة الديمقراطية المستقلة فيه، المتحدة اقتصاديا مع (إسرائيل) والصديقة للشعب اليهودي".

ومنها أيضا:

" إن عصبة التحرر الوطني تدعو جميع القوى الديمقراطية والوطنية الشريفة في جميع أنحاء القسم العربي المحتل من قبل عبد الله وفاروق إلى توحيد صفوفها في جبهة واحدة للوصول إلى هذا الهدف. إن العصبة في هذه المنطقة تمد يدها إلى كل ديمقراطي ووطني شريف، لتكوين هذه الجبهة الموحدة للنضال من أجل تحرير الشعب العربي الفلسطيني. ومن أجل عودة المشردين إلى ديارهم ومن أجل إقامة الدولة الديمقراطية المستقلة الصديقة للشعب اليهودي".

ومنها:

" إن السبيل الوحيد لإنقاذ جماهيرنا من قبضة المحتل المصري( انظر المصري هو المحتل وليس اليهودي) ولعودة المشردين إلى ديارهم ، ومن أجل التحرر والانعتاق والحصول على لقمة الخبز بالعمل الشريف، هو في النضال الواعي من أجل تنفيذ قرار هيئة الأمم المتحدة، وفى التفاهم والتعاون مع الشعب اليهودي (انظر) إن المستعمرين المصريين(انظر) يحاولون بواسطة الإرهاب والتجويع والعزلة التي يفرضونها على هذه المنطقة ، أن يجعلوا شعبنا ييأس ويستسلم لحلولهم الاستبدادية الغاشمة".

ومن قراءة هذه المنشورات التي دأب الحزب الشيوعي على توزيعها في قطاع غزة والضفة الغربية نعلم علم اليقين أن الشيوعيين كانوا مخلصين جدا لأساتذتهم اليهود، حتى لقد نسوا أن اليهودية دين، وفضلوا أتباع ذلك الدين على أهلهم وإخوانهم، وهذا الأمر جعل الشعب الفلسطيني في قطاع غزة لا يستطيع أن يفرق بين الشيوعيين والجواسيس لسنوات طوال، وهو يعلم أن أعدادا من الشيوعيين فضلوا الحياة في (إسرائيل) على البقاء في قطاع غزة.

التوسع في افتتاح شعب الإخوان في قطاع غزة

ذكرت فيما سبق الأسباب التي دفعت كثيرا من الناس إلى الانضمام لجماعة الإخوان المسلمين في قطاع غزة.

وقد أدى ذلك الإقبال إلى افتتاح عدد من الشعب موزعة في القطاع على الشكل التالي:

أولا: شعبة المكتب الادارى، وكانت في وسط غزة، قريبة من المسجد العمري، وقد أنشئت الشعبة عام 1936م، وكان يرأس المكتب الادارى لقطاع غزة فضيلة الشيخ عمر صوان ، ومن أعضاء المكتب في تلك الحقبة الأستاذ حسن النخالة ، والأستاذ الحاج زكى السوسى، والحاج زكى الحداد، والأستاذ زهدي أبو شعبان، والأستاذ حسين الثوابتة، والأستاذ عبد الله أبو عزة.

ثانيا: شعبة الرمال: التي أنشئت عام 1953م، وكان رئيس الهيئة الإدارية فيها الشيخ هاشم الخازندار ، ومن أعضائها أبو فواز الأستاذ محمد محمود الشوا يرحمه الله ، والأستاذ أحمد فرح عقيلان يرحمه الله ، والحاج صادق المزيني يرحمه الله ، والأستاذ أسعد حسنية، وكانت هذه الشعبة بجانب مسجد الكنز.

ثالثا: شعبة الشجاعية وكان يرأس الهيئة الإدارية، الحاج إسماعيل أبو عوف، والسيد على صلوحة ، وكانت بالقرب من مسجد الشجاعية الكبير، وقد أنشئت عام 1953م.
رابعا: شعبة الزيتون وكان يرأس الهيئة الإدارية السيد على دلول ، ومن أعضائها الأستاذ على هاشم رشيد، وكانت في وسط الجزء العلوي من حي الزيتون، وقد أنشئت عام 1953م.
خامسا: شعبة البريج، وكان يرأس الهيئة الإدارية الشيخ محمد العابد، ومن أعضائها الشيخ ربيع أبو نحل، والأستاذ عز الدين طه، وقد أنشئت عام 1953م.
سادسا: شعبة النصيرات وكان رئيس الهيئة الإدارية للشعبة ، الشيخ محمد يوسف ربيع، ومن أعضائها عبد الله عثمان، خليل الحسنات، والأستاذ سليمان حمد. وقد كان للأستاذ سليمان حمد جهد كبير في إنشاء هذه الشعبة ، فقد بناها بالطين غرفة واحدة ثم تطورت مع الزمن.
سابعا: شعبة المغازى وكان رئيس الهيئة الإدارية لهذه الشعبة الشيخ عبد الله عبد ا لحى ومن أعضاء الهيئة الإدارية الشيخ عطية عبد ا لحى.
ثامنا: شعبة دير البلح ، وكان رئيس الهيئة الإدارية فيها الشيخ إبراهيم ثابت وكان أعضائها الأستاذ جميل أبو معيلق ، والسيد محمد على بشير، والشيخ محمد أبو ليه ، والأستاذ إبراهيم على.
تاسعا: شعبة خانيونس ، وكان رئيس الهيئة الإدارية فيها الشيخ محمد أبو سردانه، وكان من أعضاء الهيئة الإدارية السيد مصباح السقا، والسيد محمد حنيدق البنا، والسيد مجدي بربخ، والسيد صالح زعرب، ومن مشاهير العمال محمد النجار.

عاشرا: شعبة بني سهيلة، وكان رئيس الهيئة الإدارية عبد القادر الرقب، ومعه مصطفى درويش.

إحدى عشر: شعبة رفح، وكان يرأس الهيئة الإدارية فيها الشيخ شحادة الزميلى، وكان من أعضائها الأستاذ عبد القادر البزم، والأستاذ محمد يوسف النجار، والشيخ حسين محمد حسن، والسيد محمد الزنط.وبعد الحل أصبحت المسئولية في يد الأستاذ يعقوب نصر، والأستاذ أحمد رجب.
اثنتي عشرة: شعبة بيت لاهيا، وكان رئيس الهيئة الإدارية الأستاذ محمد المسلمى، وعندما تبين لهذا أن الإخوان المسلمين ليسوا حزب الدولة المدلل، أخذ يفتش عن انتماء يحقق له الظهور بعيدا عن أي تضحية فعلية. حتى انتهى به المطاف إلى أن حركة القوميين العرب، فأصبح عضوا فيها.

الفصل السادس: نشاطات الإخوان المسلمين في قطاع غزة

لقد قامت شعب الإخوان المسلمين في قطاع غزة بنشاطات اجتماعية، وثقافية، وتعليمية، ونشاطات كشفية، بل وعسكرية أيضا، من عام 1953 إلى عام 1954م.

أولا: النشاطات الاجتماعية

قدم الإخوان المسلمين مساعدات اجتماعية مميزة للشعب الفلسطيني في قطاع غزة، خاصة الفقراء الذين زاد عددهم في القطاع نظرا لضيقه، وقلة موارده ،وتكدس أعداد هائلة فيه، نتيجة لاحتلال الصهاينة للأغلبية الساحقة لأرض فلسطين.

وقد تميزت تلك الحقبة بوجود اللاجئين في معسكرات من الخيام مكتظة بالسكان، وكانت هذه الخيام تتعرض للتمزق في فصل الشتاء من جراء الأمطار الغزيرة والرياح العاتية، فكان شباب الإخوان يهبون لنجدة المتضررين ، ونقلهم إلى المساجد والمدارس، يقضون فيها بعض الأيام، إلى أن تقوم الهيئات المسئولة بتوفير خيام جديدة يأوون إليها.

وكان بعض الإخوان يقومون بجمع المساعدات من بعض المحسنين، وتوصيلها إلى العائلات الفقرية المستورة، الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ، وكان بعضهم يستخدم معارفه ونفوذه لدى هيئات الإغاثة لتوصيل المساعدات إلى الذين يستحقونها.

وقد قدم الإخوان بعض المساعدات على شكل تعليم الفقير حرفة كحرفة الخياطة والحلاقة، ثم شراء الأدوات اللازمة لذلك، وإعطائها للفقير ليصبح منتجا قادرا على إعالة أسرته.

وقد نادى الإخوان في مصر بوجوب قيام العرب والمسلمين في مصر وغيرها من البلاد العربية والإسلامية بإغاثة اللاجئين الفلسطينيين، وعدم ترك عملية الإغاثة للدول الغربية، التي كانت السبب الرئيس لنكبتهم، وقد تبنت حكومة الثورة بمصر جزءا من هذه الفكرة ، ونادت بوجوب مساعدة اللاجئين الفلسطينيين، وحثت الشعب المصري على ذلك، وجمعت كميات من المساعدات الغذائية ، والألبسة، والبطانيات، وسيرت قطارات إلى قطاع غزة، فحملت هذه المواد والمساعدات إلى قطاع غزة، وقد أطلقت عليها" قطار الرحمة".

وقد أثار بعض المغرضين الذين دفعهم الظهور وحب الجاه والمنافع الخاصة إلى الانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين ظنا منهم أن حكومة الثورة من الإخوان ، أثار بعض الشبهات حول وصول بعض المواد إلى شعب الإخوان لتوزيعها على الفقراء فيها.

وحقيقة الأمر أن الحكومة المصرية في قطاع غزة وجدت أن هناك مواد لم تكن كافية لتوزيعها على جميع اللاجئين لقلتها، فقامت بتوزيعها على المؤسسات الاجتماعية، فأعطت شعب الإخوان المسلمين عددا من صفائح العسل، كما أعطت جمعية التوحيد، وجمعية الشبان المسيحيين، والاتحاد الكنائسى، وكان عدد صفائح العسل يتناسب مع عدد المنتسبين إليها.

وقد كان نصيب شعبة الإخوان المسلمين بالرمال صفيحتين من العسل، وزعت للمستحقين من الفقراء ، وقد أغاظ ذلك الذين جاءوا للمنافع الخاصة، ولم ينالوا من العسل حظا، لأنهم لم يكونوا من الفقراء المستحقين، أو لأن كمية العسل لم تكن كافية لإرضاء الجميع. فأخذ هؤلاء يتحدثون عن ذلك في كل وقت ومناسبة يدللون بذلك على استئثار الإخوان بالعسل دون الناس، حتى لقد تحدث أحد زعماء فتح عن ذلك أخيرا في أحد كتبه.

ثانيا: النشاطات الثقافية والعلمية

حرصت كل شعبة من شعب الإخوان المسلمين في قطاع غزة على عمل محاضرة أسبوعية تقدم فيها في كل أسبوع نوعا من الثقافة الدينية أو العلمية أو ألأدبية، وكانوا يدعون إليها كثيرا من الشخصيات المتخصصة في تلك الفنون، وقد شاركت البعثات الدينية للأزهر الشريف ووزارة الأوقاف المصرية بنشاطات كبيرة في هذا المجال.

ومن الشخصيات التي عملت في قطاع غزة وأثرت تأثيرا كبيرا فضيلة الشيخ محمد الغزالي، وفضيلة الشيخ على جعفر، وفضيلة الشيخ محمد الأباصيرى، وفضيلة الشيخ محمود عيد رحمهم الله.

وقد ساهم الشعراء بجهد وافر في المحاضرات الاخوانية، فقد آمن الإخوان المسلمون بأن اليهود لا يفهمون إلا لغة القوة، وأن فلسطين لا يمكن استعادتها إلى بالحرب وبوحدة المسلمين على هذا الهدف ولذلك نجد الشعر الداعي إلى محاربة الصهاينة يحتل مساحات واسعة من كتابات شعرائهم خاصة، وكتابات الشعراء الفلسطينيين بوجه عام.

وهذا شاعرهم بمناسبة إلغاء حكومة النحاس" لاتفاقية الزعفران" بين مصر وبريطانيا من جانب واحد، وانطلاق الفدائيين من الإخوان المسلمين يهاجمون الجيش الانجليزي في منطقة القنال عام 1951م، يقول:

يابنى مصر يا حماة البيد
ما برحتم في ظل عهد سعيد

نحن إخوانكم وإن فرقونا

بأسام وجمرك وحدود

كلنا إن نسبت من جند عمرو

أو لستم أشبال تلك الأسود

قام" حسن البناء" قبل حقبـ

ـة يعلى قواعد التوحيد

وإذا الغرب صارخ وإذا الأ

ذناب يرضونه برأس الشهيد

كلما قام الشرق مصلح يفـ

ـضح الظلم أطاحت به حراب العبيد

دفنونا في مصرع الفقر أحياء

وشادوا القصور فوق اللحود

طعنوا المسلمين في القلب لما

سلموا القصور فوق اللحود

كم من زعيم هو في الشكل من صنع "باريس"

وفى العقل من عصور الجليد

لا تسلهم عن الكرامة والشعب

وسلهم عن الهوى والغيد

إلى أن يقول:

لا ترد الحقوق في مجلس الأمن
ولكن في مكتب التجنيد

إن ألفى قذيفة من كلام

لا تساوى قذيفة من حديد

وفى قصيدة أخرى، يقول:

قضيتنا تحل على الغوالى
وليست بالملاعق والصواني

وبهذا كانت شعبة الإخوان في تلك الحقبة منارات تهدى الشعب الفلسطيني إلى الطريق الصحيح، وتنير له ذلك الطريق.

وأما بالنسبة للنشاطات العلمية فإن الرقعة الضيقة التي يتواجد عليها الناس في قطاع غزة، وقلة الأراضي الزراعية فيه، دفعت الشباب إلى الإقبال على التعليم، ليحصلوا منه على مؤهل علمي، يمكنهم من الوصول إلى وظيفة، في داخل القطاع، أو في إحدى البلاد العربية، ينفق منها على نفسه وأهله الذين كانوا يعيشون في فقر مدقع، ونظرا لإمكانيات الناس الضعيفة التي كانت من العقبات الكبار أمام الرغبة الملحة في طلب العلم، فقد قامت شعب الإخوان المسلمين بجهود عظيمة في هذا الميدان. ومن تلك الجهود:

أولا : فتح أقسام لمكافحة الأمية في كل الشعب، وكان يقوم بالتدريس فيها شباب الإخوان، وقد تخرجت أعداد كبيرة تجيد القراءة والكتابة، ومنهم من حصل على وظائف نتيجة لإتقانهم القراءة والكتابة.

ثانيا: فتحوا شعبهم لتقوية الطلاب من الإخوان ومن رواد هذه الشعب ، فكانوا إذا لاحظوا ضعفا على أي طالب وخاصة المنضمين إلى الجماعة، كلفوا طالبا قويا في المادة أو المواد التي هو ضعيف فيها ليقوم بتقويته، وذلك بتبسيطها وتوضيحها وشرحها له ومتابعته حتى يصبح قويا.

وفى الصيف كان الشباب من الطلاب الجامعيين يقومون بإعداد الطلاب الذين هم أقل منهم، والطلاب الذين ما زالوا في الثانوية العامة، وإعطائهم التوجيهات والدروس التي تقويهم ، فكانت هذه الشعب في الصيف تعج بمختلف النشاطات ، وكأنها خلايا نحل ، ولهذا أصبح معروف لدى الناس أن أوائل الطلاب كانوا في الغالب من المنتسبين إلى جماعة الإخوان.

ثالثا: كانت خيام اللاجئين وبيوتهم فيما بعد، لا تعطى فرصة لأبنائهم لمذاكرة دروسهم أو حل واجباتهم، وكانوا يستعملون سراجا ضعيفا لا يمكن الطالب من الدراسة على ضوئه، خاصة في فصل الشتاء عندما كانت الرياح تتلاعب به، بل والخيمة كلها، ولا تمكن قارئا أو دارسا من إكمال واجبه، لذلك وجد أبناء اللاجئين في شعب الإخوان متنفسا لهم في الجلوس ليلا، ومذاكرة الدروس ، وحل الواجبات، خاصة أن تلك الشعب كانت مزودة بطاولات وكراسي وإنارة جيدة، وسعة لا توجد في خيامهم أو بيوتهم.

رابعا: دأب الإخوان المسلمون المصريون على جلب كميات كبيرة من الكتب التجارية التي تبسط المناهج الدراسية للطلاب، وخاصة مادتي اللغة الانجليزية والرياضيات، وكانوا يوزعون هذه الكتب على الطلاب المنتسبين للجماعة، وقد أفادت هذه العملية فائدة كبرى وأعطت نتائج عظيمة . وخاصة كتاب الرياضيات " المختار" وكتاب اللغة الانجليزية واسمه (the favorite companion).

ثالثا: النشاطات الكشفية والتدريبات العسكرية

ذكرت سابقا بأن الإخوان المسلمين لا يؤمنون بحق اليهود في إقامة دولة على أرض فلسطين، وأنه لابد من محاربتهم وطردهم منها بالقوة، فشعارهم مصحف وسيف، عقيدة وكفاح، علم وعمل ، وهم ينادون :

" الله غايتنا، والرسول زعيمنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا" وسائلنا إعداد الشباب إعدادا إسلاميا يخلق منهم رجالا أشداء يعتمد عليهم- بعد الله- في طرد الغاصب من الوطن المحتل" .

لذلك كون الإخوان فرقا كشفية، كانت أقرب إلى الجنود منهم إلى الكشافة، فكانوا يحولون معسكراتهم إلى معسكرات عسكرية، وكان أفرادهم يقومون بتدريبات عنيفة وشاقة، وكانوا يبدأون تدريباتهم الأولية مستعملين العصي بدل البنادق.وكان الذين يحسنون هذه التدريبات ويتقنونها تتاح لهم فرصة التدريب على البندقية الحقيقية تفكيكا وتركيبا وإطلاق نار.

هذا وقد أتاح التدريب على البندقية (المقدم) عبد المنعم عبد الرؤوف كقائد للكتيبة الفلسطينية الفرصة لعدد من الإخوان للتدريب داخل معسكرات الجيش، وكان من هؤلاء إبراهيم عاشور وخليل الوزير وغيرهم.

لقد كانت هذه النشاطات من الأسباب التي جعلت الناس ينظرون إلى جماعة الإخوان المسلمين نظرة إعجاب وتقدير، هذا بالإضافة إلى ما اتصفوا به من خلق قويم، وأمانة وإخلاص في الأعمال ، وتمسك بالفضائل، والمعاملة الطيبة، والترفع عن الدنايا وسفاسف الأمور.

وقد امتلأت الشعب بالشباب الذين اجتمع كثير منهم على الأخوة الصحيحة ، وأعدوا أنفسهم لمواجهة الحياة، وللدفاع عن الوطن، وجعلهم هذا رجالا بكل ما في الكلمة من معنى.

هذا وقد أقام الإخوان معسكرات كشفية رياضية، قدمت فيها للشباب التمرينات الرياضية، والتدريبات العسكرية العنيفة، التي تخلق من الشباب رجالا أشداء، قادرين على تحمل عبء الدفاع عن الوطن، إذا دعت الضرورة إلى ذلك. وقد أقيم أول هذه المعسكرات وأهمها في صيف عام 1953م، على شاطئ قرية دير البلح، في منتصف قطاع غزة.

وكان بقيادة الطالب خليل زعرب، وقد أقيم المعسكر الثاني فى المكان نفسه عام 1954م، بقيادة الأستاذ هاني مصطفى بسيسو ( يرحمه الله) وقد كان عدد الحضور في المعسكر الثاني أقل من عددهم في المعسكر الأول، ذلك لأن الحكومة كانت قد حلت جماعة الإخوان المسلمين في أواخر عام 1953م، وعندما تبين لكثير من النفعيين أنهم ليسوا حزب الحكومة المفضل ، انفض هؤلاء، وقل عدد المنتسبين للجماعة، وتقلصت الشعب، وبالتالي قل عدد الذين شاركوا في المعسكر الثاني.

ومن المفيد هنا أن أذكر نبذة عن شيخنا وأستاذنا الأستاذ هاني مصطفى بسيسو، فقد ولد الأستاذ هاني –رحمه الله- في أسرة ميسورة الحال، وكان والده الشيخ مصطفى بسيسو محاميا شرعيا، وقد حرص على تربية ولده تربية صالحة على أساس ديني، فنشأ نشأة دينية طيبة، وكان متفوقا في دراسته، ومن أوائل الطلاب دائما، وعندما أنهى دراسته الثانوية التحق بكلية الحقوق بجامعة القاهرة، متأثرا بوظيفة والده.

وفى مصر تأثر بالفكر الاسلامى للإخوان المسلمين، وبعد تخرجه من الجامعة، ذهب ليعمل مدرسا في مدارس إسلامية في مدينة الزبير بالعراق، ثم بدأ دراسة الماجستير في جامعة القاهرة، وحصل على درجة الماجستير بتقدير جيد جدا ،وبدأ بعد ذلك في دراسته الدكتوراه، وأثناء عمله تزوج أخت زميل له في المدرسة، وكانت زوجة فاضلة، ولكن لم يقدر له الله أن يرزق بأطفال ، وكان متفانيا في الدعوة إلى الإسلام الذي التزم به منذ نعومة أظفاره، وقد عاش حياة الزهاد، فقد كان فرش غرفة ضيوفه حصيرة فقط، وكان يتبرع بكل ما يفيض عن حاجته للدعوة، ليعود إلى عمله في الزبير لا يحمل من النقود إلا ما يحفظ أوده وزوجته.

وكان رحمه الله طيب المعشر ، يحترم جلساءه، ولا يتردد إذا رأى ما يغضب الله، أن يتكلم فيه بما يرضى الله. فقد كان ينهانا أن نرد الإساءة التي توجه إلينا من أصحاب المبادئ الأخرى بإساءة مثلها،فيقول:"الإسلام نظيف ، وسيلة وهدفا، ولا يجوز لنا أن نسلك وسيلة قذرة للوصول إلى هدف نظيف".

رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه خيرا على ما قدم للإسلام والمسلمين.

الفصل السابع: أول تجربة ديمقراطية في قطاع غزة

اتحاد طلاب لمدرسة فلسطين الثانوية

كانت مدرسة فلسطين الثانوية هي المدرسة الثانوية المتكاملة الوحيدة في قطاع غزة، وكانت الصفوف المنتظمة بها هي الصف الثالث ثانوي ( أول ثانوي فيما بعد) والرابع ثانوي بقسميه الأدبي والعلمي ( ثاني ثانوي فيما بعد)، والخامس ثانوي بقسميه الأدبي والعلمي( ثالث ثانوي فيما بعد) وكان ناظر مدرسة فلسطين الثانوية هو الأستاذ "على صالح" رحمه الله-مصري- وكان ذلك الناظر من الرجال الصالحين، الذين يؤمنون بالديمقراطية، فدعي إلى عمل اتحاد لطلاب المدرسة، يشاركون عن طريقه في عرض مشاكل ومطالب الطلاب على إدارة المدرسة، ويشاركون في حلها، وقد شجع مدير المدرسة على ذلك السلوك، الشعارات البراقة التي رفعتها حكومة الثورة المصرية في أول أيامها، والتي كانت " الاتحاد- النظام – العمل ".

ولما كان عدد الطلاب من الكثرة بحيث لا يسمح بتواجدهم في مكان واحد للقيام بعملية الانتخاب، ولإتاحة الفرصة لتمثيل الفصول جميعا، فقد رؤى أن ينتخب كل فصل من الستة عشر فصلا الذين كانت تتكون منهم المدرسة خمسة طلاب، لتتكون من الثمانين طالبا المتخبين " الهيئة التأسيسية لاتحاد الطلاب" وبعد ذلك يقوم هؤلاء بانتخاب اللجنة التنفيذية لاتحاد الطلاب.

أجريت الانتخابات في الفصول ، وكان عدد الإخوان الذين فازوا بعضوية الهيئة التأسيسية للاتحاد خمسة وخمسين طالبا، ولم يفز من الشيوعيين أي طالب بهذه العضوية، وكان بينهم عدد من أبناء العائلات الأرستقراطية، إلا أن التحكم في تحديد أعضاء اللجنة التنفيذية أصبح في أيدي الطلاب من الإخوان المسلمين، وقد حرص على انتخاب طالب نصراني ضمن اللجنة التنفيذية هو الطالب " سليم غطاس" بالإضافة إلى الطلاب العشرة الآخرين الذين كانوا من الإخوان المسلمين، وكان من بينهم الطالب خليل زعرب، والطالب كمال عدوان، والطالب سعيد المزين، والطالب خليل الوزير.

وقد شارك اتحاد طلاب مدرسة فلسطين في إدارة شئون الطلاب في المدرسة بإشراف الأستاذ مجدي أبو رمضان، فكونوا فرقة كشفية بقيادة الطالب خليل زعرب، وأخذوا يدربون الطلاب فيها تدريبات عنيفة شبه عسكرية، وأصدروا عددا من صحف الحائط، ومجلة نصف شهرية، أطلق عليهم اسم" صوت فلسطين" وطالبوا بفتح مسجد ليصلى فيه الطلاب صلاة الظهر وقد فتح لهم مسجد، وطالبوا بإعلان الأذان في المدرسة ، وقد نفذ ذلك فعلا، ثم طالب الاتحاد بأن يدرب الطلاب تدريبا عسكريا إجباريا، وقد أجيب طلبهم ذلك، وأصبح في مدرسة فلسطين الثانوية ضابطان يقومان بعملية التدريب، هما:

الضابط الاحتياط الأستاذ صلاح البنا- مدرس التربية البدنية، والضابط الاحتياط الأستاذ كمال فوده- مدرس الكيمياء. وقد وضع في المدرسة مجموعة من ضباط الصف، ليقوموا بعملية التدريب، تحت إشراف الضابطين المذكورين.

وبهذا أصبحت فلسطين الثانوية مصنعا للرجولة الحقة، بتوجيه مجموعة من الطلاب الرجال المؤمنين الذين شاركوا بإخلاص وأمانة نادرين، يدفعهم إلى ذلك إيمانهم بربهم ودينهم، وحرصهم على أبناء وطنهم.

وقد كانت هذه التجربة الرائدة الأولى والأخيرة في مدرسة فلسطين، بل في مدارس قطاع غزة كلها، ولم نسمع بعدها عن قيام اتحاد للطلاب في تلك المدارس، بعد أن تحولت حكومة الثورة إلى حكومة دكتاتورية غاشمة ظالمة فاسدة.

التجربة الديمقراطية الثانية في قطاع غزة :نقابة معلمي مدارس اللاجئين

طالب مدرسو مدارس اللاجئين الذين كانوا يعملون في المدارس التابعة لوكالة الغوث الدولية ، أن تسمح لهم الوكالة بتكوين نقابة تكون باسمهم ومدافعة عن حقوقهم، ولما كان المسئولون عن إدارة الوكالة الدولية من الدول التي تؤمن بالديمقراطية، فإن هؤلاء لم يجدوا أي مانع يحول دون الموافقة على طلب المدرسين المذكور، فحددت موعدا لانتخاب نقابة لمعلمي وكالة الغوث الدولية، وترشحت للانتخابات قوائم ثلاث، قائمة للإخوان المسلمين، وأخرى للمستقلين، وثالثة للشيوعيين.

وعندما فرزت الأصوات وأعلنت النتائج. فازت قائمة الإخوان المسلمين ما عدا واحدا فقط، وأما قائمة الشيوعيين فلم ينجح منها إلا مرشح واحد هو " معين بسيسو" ولم يساعده على النجاح إلا وجود أعداد كبيرة من المدرسات من بنات مدينة غزة المواطنات ، وقد دفعهن التعصب لاختيار معين، لأنه من أبناء غزة، رغم أنه لم يكن مقبولا من قبل الكثيرين، وكان ذلك أواخر عام 1954م.

وبهذه أصبحت نقابة معلمي مدارس اللاجئين" واجهة علنية لحركة الإخوان المسلمين، وللحزب الشيوعي، اللذين كانا يمارسان نشاطهما السياسي والتعبوي من خلالها" وقامت النقابة المذكورة بنشاطات سياسية كبيرة، وخاصة في محاربة مشروع سيناء.

لقد حدثت غارة صهيونية على قطاع غزة في 28 فبراير 1955م، وملخص تلك الغارة أنه في " الساعة الثامنة والنصف من مساء 28/2/1955م اجتازت القوات الصهيونية خط الهدنة، وتقدمت داخل قطاع غزة أكثر من ثلاثة كيلو مترات، على شكل وحدات ثلاث، وانصرفت كل وحدة من الوحدات المتسللة إلى تنفيذ ما عهد إليها به.

فانصرف فصيل إلى نسف محطة المياه ومهاجمة بين مدير محطة سكة حديد غزة، وانصرفت وحدة ثانية إلى المباغتة بالرشاشات والقنابل اليدوية والهاون.

وانصرفت وحدة ثالثة إلى التمركز على طريق النجدات( شمال وادي غزة) بعد أن ثبتت الألغام فيها.وركزت الرشاشات على مراكز سيطرتها لتطويق النجدات بقدر المستطاع، وفجأة دوى صوت انفجار محطة المياه، ورافقه صوت وابل مستمر من الرصاص على خيام المعسكر المصري القريب من محطة المياه،وللحظة الأولى قتل عدد من الجنود وجرح كثير منهم، وقد طلب آمر المعسكر النجدة" من الكتيبة الفلسطينية المتمركزة في رفح، فلبت الكتيبة النداء ، وللأسف الشديد رصوا الجنود رصا في سيارات لوري محملة بالذخائر .

وعندما جاءت النجدة في الوقت المتوقع، ووصلت المصيدة فجر الجنود الصهاينة في طريقها براميل تحتوى على مواد حارقة، وضعوها في عرض الطريق المزفت، فلما وقفت( اللوريات) الناقلة للجنود الفلسطينيين، وحاولت الاستدارة لتفلت من الكمين، بادرها الجنود الصهاينة بإلقاء القنابل الحارقة على حمولتها من الجنود ، فقتلوا وأحرقوا أكثرهم، وجرحوا الباقون.

وقد ذهب ضحية هذا الكمين خمسة وعشرون جنديا غير من جرحوا، وكانت الخسائر الإجمالية الناتجة عن الهجوم ككل 39 قتيلا و33 جريحا".

على إثر هذا الهجوم الغادر قامت مظاهرات عارمة في جميع أنحاء قطاع غزة، وقد بدأت من مدرسة فلسطين الثانوية، وقد قاد شباب الإخوان المظاهرة وكانوا يهتفون:" سلحونا تنقذونا" "يسقط مشروع سيناء " ،" الثأر الثأر ،"الموت لـ (إسرائيل) ".

استغل الشيوعيون ذلك وامتطوا الموجة وأخذوا يهتفون هتافاتهم الخاصة التي لم تناد أبدا بالانتقام من (إسرائيل) أو محاربتها ولكن محاربة الأمريكان وعملائهم، انطلاقا من شعورهم كعملاء للاتحاد السوفيتي، فكان هتافهم " لا توطين ولا إسكان يا عملاء الأمريكان، وقد فسر كثير من المراقبين قيادة الإخوان المسلمين للمظاهرات وبجانبهم الشيوعيين ، بأنه تعاون بين الكتلتين، جمعتهم الوطنية؛

والحقيقة غير ذلك تماما للأسباب الآتية:

أولا: اندفع الإخوان للمظاهرات تعبيرا عن شعورهم بالرغبة الأكيدة في محاربة (إسرائيل) واسترجاع الحقوق الفلسطينية منها، وتحرير فلسطين، والانتقام للضحايا. أما بالنسبة للشيوعيين فلم ينادوا مطلقا بالانتقام من (إسرائيل) ، ولم يهتفوا مطالبين بإعلان الحرب عليها أو الاستعداد لذلك، وقد بقوا على موقفهم من الإيمان بحق(إسرائيل) في احتلال الأرض الفلسطينية والحياة عليها.
ثانيا: طالب الإخوان بإلغاء مشروع سيناء لأنهم عدوه وأدا للقضية الفلسطينية وهتفوا ضده وحاربوه في 28-فبراير-1955م.
أما الشيوعيون فقد حاربوا مشروع سيناء ، وهتفوا ضده لأن أمريكا هي التي اقترحته ، ولو جاء الاقتراح من طرف الاتحاد السوفيتي لباركوه، ولدافعوا عنه.
ثالثا: كانت الدول الغربية تروج لسياسة الأحلاف، وقد حارب الإخوان المسلمون هذه السياسة انطلاقا من أنه لا يجوز التحالف مع أعداء الله الذين احتلوا بلاد المسلمين ونكلوا بهم، وما زالوا يساعدون (إسرائيل) العدو اللدود لجميع المسلمين، أما الشيوعيون فقد حاربوا هذه الأحلاف، فقط لأنهم كانوا يشعرون أنها موجهة ضد معبودهم الاتحاد السوفيتي.

هذه هي أهم الفروق بين موقف الفريقين اللذين قادا تلك المظاهرات ، وقد فسر بعض السياسيين ومنهم اليساريون، بأن الهجوم الصهيوني إنما جاء لإرغام مصر على الدخول في " حلف بغداد"، وهذا تفسير مجانب للحقيقة في واقع الأمر، فقد دأبت (إسرائيل) على القيام بمثل هذا الهجوم قبل ظهور حلف بغداد، وعلى دول عربية كانت في حالة تعد معها أقرب ممن دخل في حلف بغداد، فقد تعرضت الأردن لاعتداءات مماثلة بل أشد في قرية "قبية" وغيرها.

" ومن الملفت للنظر في أسبوع تلك المظاهرات أن يدخل " معين بسيسو" زعيم الشيوعيين المسجد العمري الكبير بغزة، ومعه عدد من قادة الشيوعيين بصحبة الإخوان لأداء الصلاة، ولست أذكر الآن إن كانت صلاة الظهر أو صلاة العصر أو صلاة الجمعة. ولم كين "معين بسيسو" ورفاقه من رواد المساجد والشيوعيين شديدة باستمرار قبل الأحداث التي نسجل طرفا من أخبارها".

وقد استجابت الإدارة المصرية لرغبة السكان بإلغاء مشروع سيناء، إلا أن تلك الإدارة شعرت أن نقابة المعلمين ستكون شوكة في حلقها ، فعمدت إلى اعتقال الذين قادوا تلك المظاهرات، والذين حرضوا عليها وكانت أكثريتهم الساحقة من الإخوان المسلمين، وكان بينهم عدد من قادة الشيوعيين؛

ثم أمرت بحل نقابة المعلمين المذكورة، ومنذ ذلك التاريخ لم يسمح للمعلمين بعمل نقابة لهم ، ولا أذكر أن الإدارة المصرية في عهد الثورة سمحت لأي تجمع من عمال أو موظفين أو أطباء أو مهندسين أو أي مهنة أخرى بتكوين أو نقابة في قطاع غزة اعتمادا على مفهوم الحرية الجديد للثورة المصرية.

الفصل الثامن: حل جماعة الإخوان المسلمين

الأول في 15 يناير 1954 والثاني في نهاية أكتوبر 1954م

ذكرت في صفحات سابقة أن مجموعات كبيرة من الناس في قطاع غزة انضمت إلى الإخوان المسلمين طلبا للمراكز والجاه، ظنا منهم أن الثورة التي قامت في مصر هي ثورة الإخوان، وحقيقة الأمر أن رجال الثورة حاولوا التقرب إلى الإخوان والتعاون معهم لتثبيت أنفسهم، محاولين بذلك استغلال القاعدة الشعبية العريضة التي كانت للإخوان المسلمين في مصر لصالحهم.

وقد استفادوا من ذلك فائدة كبير، فحمى الإخوان الثورة ورعوها ودافعوا عنها حتى استطاعت أن تثبت أقدامها، وبعد مضى عام على قيام الثورة اتضح أن الإخوان ورجال الثورة يسيرون في طريقين مختلفين، فبدأت الخلافات تدب بينهم ، وما لبثت هذه الخلافات أن تطورت إلى نزاع مكشوف، ولم تلبث حكومة الثورة أن حلت جماعة الإخوان المسلمين، وزجت بزعمائها في السجون بعد وجهت إليهم تهما باطلة؛

قال محمد نجيب رئيس الجمهورية:

تلقيت خطابا من حسن الهضيبي من داخل السجن، قال فيه: أما بعد.."فإن مجلس قيادة الثورة قد أصدر قرارا في 12 يناير سنة 1954م، بأنه يجرى على جماعة الإخوان المسلمين قانون حل الأحزاب السياسية ، ومع ما في هذا القرار من مخالفة لمنطوق القانون ومفهومه.
فقد صدر بيان نسبت إلينا فيه أفحش الوقائع وأكثرها اجتراء على الحق ، واعتقلنا ولم نخبر بأمر الاعتقال ولا بأسبابه، وقيل يومئذ إن التحقيق في الوقائع التي ذكرت به سيجرى علنا، فاستبشرنا بهذا القول لأننا انتظرنا أن تتاح لنا فرصة الرد عليه لنبين أن ما اشتمل عليه كله وعلى الصورة التي جاءت به لا حقيقة له.
فيعرف كل إنسان قدره ويقف عند حده ولكن ذلك لم يحصل.. وإلى أن تتاح لنا الفرصة، فإننا ندعوكم وندعو كل من اتهمنا وندعو أنفسنا إلى مت أمر الله به رسوله عليه الصلاة والسلام حين قال :" تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم نساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين.."
وقد استمرت حركة الاعتقالات طوال شهرين كاملين، حتى امتلأت المعتقلات والسجون بطائفة من أطهر رجالات البلد وشبابها بلغوا عدة آلاف، لكثير منهم مواقف في الدفاع عن البلاد وعن حريتها، شهد بها الأعداء قبل الأصدقاء، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ولم يكتفوا بالكلام ، كما يفعل كثير من الناس. أما كيفية الاعتقال ومعاملة المعتقلين فإننا نتعرف هنا ..
وقد بدت في مصر بوادر حركة إن صحت فقد تغير من شأنها وأنظمتها، وقرار حل الإخوان وأن أنزل اللافتات عن دورهم فإنه لن يغير الحقيقة الواقعة وهى أن الإخوان المسلمين لا يمكن حلهم لأن الرابطة التي تربط بينهم هي الاعتصام بحبل الله المتين وهى أقوى من كل قوة ولا زالت هذه الرابطة قائمة ولن تزال كذلك بإذن الله.
ومصر ليست ملكا لفئة معينة ولا حق لأحد أن يفرض وصايته عليها ولا أن يتصرف في شئونها دون الرجوع إليها أو النزول على إرادتها لذلك كان من أوجب الواجبات على الإخوان المسلمين أن يذكروكم بأنه لا يمكن أن يبت في شئون البلاد في غيبتهم وكل ما يحصل من هذا القبيل لن يكون له أثر في استقرار الأحوال ولا يفيد البلاد بشيء.
جاء حل جماعة الإخوان المسلمين في مصر بشكل مفاجئ لم يكن الناس على استعداد لقبوله أو قبول التهم الكاذبة التي وجهت للجماعة، حتى أن رئيس الجمهورية السيد محمد نجيب قدم استقالته ، وقام طلاب الجامعات الذين كانت شعبية الإخوان بينهم قوية جدا بمظاهرات صاخبة، وحصلت مواجهات بينهم وبين قوات الشرطة،ونتج عن ذلك سقوط عدد من طلاب الجامعات قتلى وجرحى مما أحرج حكومة الثورة، يقول محمد نجيب في مذكراته:

" وفى ذلك اليوم خرجت مظاهرات ضخمة من جامعة القاهرة، قاصدة ميدان الجمهورية، وكان المتظاهرون يهتفون بحياتي، وحياة الديمقراطية وردد بعضهم هتافات ضد مجلس قيادة الثورة ، فوقعت اشتباكات بينهم وبين رجال الأمن والبوليس الحربي بقيادة البكباشي المقدم " أحمد أنور" الذي كان شديد القسوة والعنف في التعامل .. وقبضت على البعض الآخر.. وكان من بينهم عدد من الإخوان الذين ازداد نشاطهم بعد حل الجماعة".

لقد كان من نتيجة المظاهرات والاضطرابات التي حصلت في مصر اضطرار جمال عبد الناصر للتراجع خطوة إلى الوراء وإعادة جماعة الإخوان إلى العمل، وقد أعلنت قيادة الثورة ذلك تحت بنود ثلاثة هي:

  1. إعادة الجماعة دون أي حد من نشاطها.
  2. عدم تدخل الحكومة في تعيين قيادتها وتوافق على بقاء الأستاذ حسن الهضيبي مرشدا عاما لها.
  3. أن تعترف قيادة الثورة فيما بعد بالأسباب الحقيقية التي أدت إلى حل الجماعة.

ولكن قيادة الثورة لم تعترف بالأسباب الحقيقية التي أدت إلى حل الجماعة حتى هذه اللحظة،وبقة سرا أما الشعوب الإسلامية، وإن كانت الجماعة تعترف أن حلها كان بأمر من الدول المعادية للإسلام، التي تمتد إليهم أيدي حكام البلاد الإسلامية بالسؤال وإلى شعوبهم بالإساءة.

وقد كانت الحكومة في قطاع غزة تعامل الإخوان المسلمين بالطريقة نفسها التي يعاملون بها في مصر، فعادت الجماعة في القطاع، ولكن على نطاق أضيق بكثير مما كانت عليه قبل الحل.

ظن بعض الناس أن الخلافات بين الإخوان وحكومة الثورة سحابة صيف، فعادت مجموعات قليلة من الضعفاء الذين أطلقت عليهم القسم الثاني سابقا، بالإضافة إلى القسم الثالث، إلا أن الخلافات كانت جذرية، وظلت المعركة مستمرة في الصحف والمجلات والمحاضرات، ولم يتراجع جمال عبد الناصر إلا ليعد نفسه لضربة قاصمة يقضى بها على الجماعة، حتى لو أدى ذلك إلى تدمير مصر كلها.

أصبح في مدينة غزة شعبتان فقط بدل الشعب الأربع، وأخرى في رفح، وكان يرأس المكتب الادارى في هذه الحقبة الشيخ هاشم الخازندار ، يعاونه الأستاذ حسن النخالة، والأستاذ حسين الثوابتة، والحاج زكى الحداد.

وعادت الحياة في هذه الشعب، وقامت النشاطات المحدودة الحذرة، وكان شباب الإخوان في القطاع يتحلقون حول من جاء من مصر ليسمعوا عن بطولات الذين ثبتوا على دعوتهم في وجه الظلم والاستبداد في محنة السجن والتعذيب، وبطولات طلاب الجامعة والمواقف التاريخية التي قاموا بها ضد الدولة، والتي انتهت بإعادة الجماعة لمباشرة نشاطها، وعن الجرائم التي ارتكبها قادة الثورة ضد المؤمنين المخلصين، ثم عن مدى بعد ضباط قيادة الثورة عن التفكير في المشكلة الفلسطينية أو محاربة (إسرائيل).

ومن الجدير بالذكر أن الحكومة في قطاع غزة لم تتعرض للإخوان المسلمين بالسجن أو الاعتقال ولكنها اكتفت بحل الجماعة، إذ لم يكن هناك ما يبرر القيام بمثل ذلك.

أخذت الصحف تشن حربا على الإخوان وعلى مرشدهم، وأشاعت حولهم غبار الشبهات، وألصقت بهم ظلم الاتهامات، وانطلق أعداؤهم من الكتاب الذين كانوا محجمين مترددين في الأشهر الأولى لقيام الثورة ظنا منهم أن الإخوان هم الذين يسيطرون عليها، انطلق هؤلاء يهاجمون الإخوان، وينتقدون دعوتهم، ويستهزئون بأفكارهم، وينشرون رسوما "كاريكاتورية" عنهم تبالغ في احتقارهم وتسفيه آرائهم.

ولم تلبث الحكومة أن منعت صدور صحيفتهم " مجلة الدعوة" التي كانوا يدافعون فيها عن أنفسهم، وهكذا بقيت الصحف المعادية للدعوة في الميدان دون أن ت جد من يرد عليها.

عمد الإخوان إلى طباعة المنشورات وتوزيعها بأعداد كبيرة، يدافعون فيها عن أنفسهم، ويفندون فيها آراء أعدائهم، وينتقدون تصرفات رجال الثورة، وينشرون ما كانوا يرتكبونه من أخطاء، ومن بين تلك المنشورات منشور ينتقدون فيه اتفاقية الجلاء، ووزعوه على نطاق واسع، حتى وصل إلى معظم السياسيين في مصر.

بقيت هذه الحرب الباردة بين الإخوان بإمكانياتهم الضعيفة من ناحية، والدولة وما حشدت من إمكانيات هائلة، أشهرا عديدة ، هي الحقبة الواقعة بين إلغاء حل الحكومة لجماعة الإخوان في 15 يناير 1954م حتى نهاية أكتوبر 1954م، موعد الحل الثاني للجماعة؛

وقد انتهت هذه الحقبة بتمثيلية حادث المنشية، الذي وقع مساء 26 أكتوبر 1954م، والذي اتخذ ذريعة لحل جماعة الإخوان المسلمين، واعتقالهم، ومصادرة أموالهم، والبطش بهم.

وقد انعكست هذه الحالة على الإخوان المسلمين في قطاع غزة، فقد قامت الحكومة في القطاع بحل الجماعة، ومصادرة أموالها، وإغلاق شعبها، ولكنها لم تعتقل أي فرد من أفراد الجماعة الموجودين في القطاع، إلا أن مجموعة من الإخوان المسلمين الفلسطينيين الطلاب، الذين كانوا يدرسون في الجامعات المصرية اعتقلوا، ومنهم قنديل شاكر شبير، عدنان الجلجولى، داود عباس، وقد حكم على ثلاثة غيرهم بالسجن لمدة خمس سنوات ، وهم عمر أبو جبارة يرحمه الله وحسن عبد الحميد يرحمه الله وعبد الحميد النجار.

لقد استأنف الإخوان في قطاع غزة نشاطهم سرا عام 1954م، رغم الحل ، فتكونت الأسر تكوينا جديدا، فأصبح عدد إفراد الأسرة ثلاثة أفراد بما فيها النقيب، بعد أن كان أفرادها خمسة أو أكثر عندما كانت الدعوة في مرحلتها العلنية، وقد كون الطلاب عصب ذلك التنظيم السري؛

وقد شاركتهم مجموعة قليلة من المدرسين، والموظفين والعمال، وكانت قيادة التنظيم تأخذ منهم البيعة من جديد، حيث يقسمون على الطاعة في المنشط والمكره، وعلى الاستمرار في حمل الدعوة، والدفاع عنها مهما كلف ذلك حتى الشهادة أو النصر، وكان يبايعون وكتاب الله أمامهم.

وكان الإخوان في القطاع يحسبون أن الأيام القليلة القادمة آنذاك كانت حبالى بأحداث ومفاجآت ضخمة، وكانت للحركة في اعتقادهم قوة أسطورية لا تقاس بها قوة رجال الثورة من قريب أو بعيد، وكان شباب الحركة يتوقعون أن ينقض المارد الاسلامى فجأة فيقلب الموازين كلها، وكانت القصص عن بطولات الإخوان واستهانتهم بالسلطة وتحديهم لها تثير حماسة وخيال الشباب الصغار، وفى هذا الجو لم تكن قضية الدور التربوي والتثقيفي للأسر تحظى بالاهتمام الأول، وإنما كانت المواجهة والصدام مع السلطة تمثل الشغل الشاغل ...

وكان طبيعيا أن يزداد الاهتمام بجمع السلاح والذخيرة والتدريب العسكري، الذي كان موجودا باعتبار أن حركة الإخوان حركة جهادية، وباعتبار دورها العسكري في حرب فلسطين، وهى إحدى العلامات البارزة التي يفخر بها الإخوان الذين كانوا يعيشون في أتون الطغيان الصهيوني واعتداءاته العسكرية المتكررة في قطاع غزة.

لقد قل عدد المنضمين إلى التنظيم السري في هذه الحقبة، فلم يزد عددهم عن بضع مئات في جميع أنحاء قطاع غزة، وكان عدد منهم يدرس في الجامعات المصرية، وكان نشاطهم رتيبا في القطاع، وقد دأبوا من وقت لآخر على توزيع المنشورات، التي تنتقد رجال الحكومة في القطاع.

وكانوا يوقعون منشوراتهم تحت اسم" شباب الأحرار الثائر" وقد احتارت الإدارة المصرية من من الأحزاب تتهم بهذه المنشورات ، فتارة تتهم الإخوان ، وأخرى تتهم الشيوعيين ، وفى أحد المنشورات فضحوا ضباط الإدارة المصرية الذين سرقوا مواد تموينية كانت مرسلة لفقراء اللاجئين، وباعوها في الأسواق؛

وقد شارك في تلك السرقات الحاكم الأدارى العام اللواء محمد فؤاد الدجوى نفسه و ... بدران، مدير الشؤون الاجتماعية وأمور اللاجئين ، وهو شقيق لشمس الدين بدران مدير مكتب المشير عبد الحكيم عامر، القائد العام للقوات المسلحة.

وقد أحصى ذلك المنشور الكميات التي بيعت، والأماكن التي بيعت فيها، والملابس التي استولوا عليها والنقود التي حاولوا تهريبها بدقة متناهية،وقد قام الطالب خليل الوزير أبو جهاد فيما بعد بنشاط كبير في توزيع ذلك المنشور.

وقد استاء الحاكم الادارى العام جدا من ذلك المنشور فاستأذن الحكومة المصرية في القاهرة باعتقال خمسة وعشرين من الإخوان المسلمين في قطاع غزة، لأنهم يثيرون المتاعب للإدارة المصرية في القطاع ، وقد كان الاعتقال ينفذ لولا تزامن هذا المطلب مع زيارة وزير خارجية بريطانيا للأردن "مستر تملبر" في محاولة لضمه لحلف بغداد؛

وقيام الفلسطينيين في الأردن بمظاهرات صاخبة لمنعه من الانضمام لذلك الحلف، فخشيت الحكومة المصرية أن تؤثر عملية الاعتقال على موقف الفلسطينيين في الأردن، فأقلعت عنه، خاصة وأن الفلسطينيين في الأردن كانوا من وقت لآخر يرسلون البرقيات للحكومة المصرية مطالبين بالإفراج عن الفلسطينيين المعتقلين.

عمليات التسلل إلى الأرض المحتلة

لم يكن على الشعب الفلسطيني أن يقتنع أن أرضه ومزارعه وأشجار الفاكهة التي بذل فيها الجهد والعرق أصبحت لليهود، وأن حق جني ثمار الأشجار تحول لغيره، بينما هو يجلس في مخيمه يعصره الفقر والجوع، لقد رفض الشعب الفلسطيني الاعتراف بذلك، وإذا كانت الدول العربية لم تستطع مساعدته في حماية هذا الحق، فلا أقل من أن يصل إلى حقه في جني ثمار أرضه وبساتينه ولو عن طريق السرقة.

قام أفراد كثيرون من الشعب الفلسطيني بالتسلل إلى داخل الأرض المحتلة "فبعد النكبة بدأ الغزو الفردي للأرض المحتلة، مجاهد يحمل قطعة سلاح، ويدخل إلى قريته، يستعدي بقرة من أبقاره أو شاة من غنمه.. آخر يقتل يهوديا ويستولى على سلاحه.. وثالث يسترجع أمواله المدفونة تحت التراب في حوش بيته السليب.. مجموعة من المجاهدين تستولي على قطيع ماشية للعدو تشوقه إلى الأرض العربية لتشبع اللاجئين لحما طريا، وأخرى تهاجم مخفرا للعدو، وتستولي على نقود اليهود وأسلحتهم... وبذلك أخذت تنكشف أسطورة (إسرائيل) الوهمية، وصار الناس في جلسات سرية خاصة يتحدثون عن بطولات المجاهدين الذين يجتازون الحدود ويسلبون ويقتلون ويعودون بالغنائم".

وقد حاولت الحكومة المصرية في القطاع منع عمليات التسلل، وقد قست في سبيل ذلك أشد القسوة ، وعاقبت المتسللين أشد العقاب، فقد واجه بعضهم الضرب المبرح والسجن لمدة طويلة، بل وجه لبعضهم تهمة التجسس لحساب العدو، فاكتظت سجون القطاع بأعداد كبيرة من المتسللين .

ولكن شدة الضرب وطول مدة السجن وتهمة التجسس لم تمنع كثير من الأفراد من الاستمرار في عمليات التسلل إلى قراهم وبساتينهم لجني ثمارها والعودة إلى خيامهم ومساكنهم. وقد فقد كثير منهم حياته وهو يقوم بذلك العمل.

الأعمال الفدائية للإخوان المسلمين في قطاع غزة

من المعروف أن حركة الإخوان المسلمين تهتم بتدريب الشباب وإعدادهم إعدادا عسكريا، حتى يكونوا جاهزين لتلبية نداء الجهاد دفاعا عن أي بلد إسلامي، لذلك نجد أفراد هذه الجماعة يحرصون على التدريب العسكري وألعاب القوى التي تبنى الرجال .

لقد بدأت عمليات التدريب العسكري لشباب الإخوان لأول مرة في القطاع في أوائل الخمسينات، أو بالتحديد سنة 1951م " عندما أرسلت مجموعتان أو ثلاثة من شعبة النصيرات ومن المكتب الادارى ( ولم يكن في القطاع إلا هاتان الشعبتان) للتدريب الذي كان يقوم به بعض الضباط المصريين المتعاطفين مع الإخوان في المواقع التي كانوا فيها في رفح والعريش ليلا بسرية تامة".

وعندما أصبح البكباشي (المقدم) عبد المنعم عبد الرؤوف-يرحمه الله- قائدا للكتيبة الفلسطينية عام 1953م زار بعض شعب الإخوان في القطاع، وكان يحدثهم قائلا:

" إنكم مخطئون إذا اعتقدتم أن مصر ستقوم بمحاربة(إسرائيل )وتحرير فلسطين، وأنا أعرف رجال الثورة أكثر من أي رجل آخر، وأستطيع أو أؤكد لكم بأن جميع الدول العربية لا تفكر في ذلك أيضا.

وإذا أردتم تحرير فلسطين فلابد أن تقوموا أنتم بذلك، ومن الآن قبل فوات الأوان. فعليكم أن تختاروا مجموعة من الشباب لأقوم بتدريبهم في معسكرات الكتيبة الفلسطينية، وبعد الانتهاء من التدريب عليكم أن تقوموا بشن حرب عصابات ضد (إسرائيل) لمنعها من تثبيت نفسها في أرضكم، ولجعل جيشها في حالة حرب ترهقه وتجعله جاهزا للهزيمة أمام أي دولة عربية فكر في تحرير فلسطين مستقبلا.

ولما كان هذا الاقتراح منسجما مع ما ينادى به مفكروا الإخوان المسلمون وقادتهم في مصر ، ومتوافقا أيضا مع طموحات الشعب الفلسطيني وآماله، فقد قام الإخوان في قطاع غزة بإرسال مجموعات من الشباب الاسلامى إلى معسكرات الكتيبة الفلسطينية، وتم تدريبهم هناك، وكان من بينهم إبراهيم عاشور، محمد أبو سيدو، خليل الوزير، كمال عدوان، حمد العايدى، سعيد المزين، عبد الرحمن بارود، محمد حسن الافرنجى، محمد عطوة زعرب، يوسف عميرة، وكثير غيرهم لا تحيط بهم الذاكرة، وبعد أن أنهى هؤلاء تدريبهم بدأوا حرب عصابات، فكانوا يتخطون خطوط الهدنة، ويتسللون إلى داخل الأراضي المحتلة، ويقومون بنسف بعض المنشآت للعدو، فيفجرون أنابيب المياه، ويدمرون أعمدة الكهرباء ، ويقتلون بعض الأفراد، ويزرعون الألغام لنسف وسائل النقل داخل فلسطين المحتلة، ثم يعودون إلى القطاع.

وبينما كانت مجموعة من شباب الإخوان يستعدون للتسلل إلى الأراضي المحتلة للقيام بعملياتهم المعتادة، وقعت في كمين نصبته لهم القوات المصرية، إلا أنهم استطاعوا الهرب، ولكنهم تمكنوا من التعرف على الطالب خليل الوزير، فألقى القبض عليه، ووضع في السجن لمدة أسبوع، وقد كان خليل الوزير من أنشط الشباب الذين تدربوا في معسكرات الكتيبة الفلسطينية وكان في ذلك الوقت طالبا في مدرسة فلسطين الثانوية.

كان لهذه العمليات " الأثر ألأول في انفجار الاشتباكات على الحدود بين قطاع غزة وفلسطين المحتلة على نطاق واسع.

وقد أدت الردود الصهيونية المتغطرسة ، والقصف الوحشي للأسواق والأحياء السكنية، والغارات المتكررة على نقاط الحدود المصرية الصغيرة، إلى إدخال أعداد كبيرة من الحرس الوطني المصري إلى القطاع ، وبإشراف مدير المخابرات المقدم مصطفى حافظ- يرحمه الله- الذي اغتالته المخابرات الصهيونية فيما بعد، بطرد بريدي ملغوم عام 1956م- وكان الإخوان- في هذه الحقبة اللاحقة- بعيدين عن ذلك النشاط الحكومي بطبيعة الحال.

بل لقد كانوا يتعرضون للمطاردة والملاحقة لأن السلطة لم تكن تريد أن يجرها أحد إلى صدام كبير مع (إسرائيل) فقد كانوا يمارسون مع (إسرائيل) لعبة- عض الأصابع- وكان هدف الحكومة المصرية في قطاع غزة أيضا سحب البساط من تحت أرجل الإخوان المسلمين الذين كانوا يتزعمون المطالبة بشن حرب فدائية ضد (إسرائيل) لإرغامها على إعادة حقوق الشعب الفلسطيني المغتصبة، فها هي الإدارة امصرية لقطاع غزة- بتوجيه من حكومة الثورة.

تكلف المقدم مصطفى حافظ بتجنيد الأفراد الذين امتلأت بهم السجون في القطاع والذين تعودوا التسلل إلى داخل الأرض المحتلة للقيام بأعمال فردية هم وغيرهم ممن لديهم حماس وطني وقاموا بتدريبهم تدريبات خفية وسلحتهم وبدأوا يضغطون بهم على دولة الكيان بقصد تخفيف هجماتها على نقاط الحدود المصرية.

وقد رفعت هذه الأعمال شعبية حكومة الثورة المصرية بين الفلسطينيين في كل مكان وأصبح جمال عبد الناصر أملهم في استعادة الوطن السليب بعد أن كانت شعبيته في مصر قد وصلت إلى الصفر تقريبا بسبب مشروعات التوطين والتخاذل المخزي أمام الضربات القوية التي اعتادت دولة العدو أن توجهها إلى نقاط الحدود المصرية وإلى المراكز المدنية في القطاع وكانت أول الأمر تكتفي باحتجاج يكون أحيانا "شديد اللهجة" مما دفع الشاعر الفلسطيني الأستاذ احمد فرح عقيلان، إلى التهكم قائلا:

يصفعه الكلب على وجهه
فيرد على كل صفعة باحتجاج

الفصل التاسع: تحميلي أمانة الدعوة

أثرت الضربات المتلاحقة التي وجهتها حكومة الثورة إلى جماعة الإخوان المسلمين في مصر تأثيرا سيئا على الدعوة الإسلامية في قطاع غزة، فأحجم عدد كبير من الدعاة عن القيام بأعباء الدعوة خوفا من أن يتهموا بأنهم من الإخوان المسلمين، واقتصر نشاط الدعاة على خطب الجمعة الرسمية، والتي كان يؤديها أكثر الخطباء كعمل وظيفي خال من الحماسة والإخلاص المؤثرين في النفوس.

وقد فتح هذا الوضع الباب أمام الشيوعيين ودعاة الإلحاد والرذيلة، فأخذوا يصولون ويجولون، مستغلين تركيز الحكومة على مراقبة أفراد جماعة الإخوان المسلمين وتعقبهم.فلم أعداؤهم شعثهم، وجمعوا أنفسهم، وبدأوا ينشطون في نشر مبادئهم الضالة، وأفكارهم المريضة، وقد ساعدهم على ذلك أن أعدادا منهم كانت تحتل مراكز حساسة في قسم التعليم بوكالة الغوث، جعلت الترقيات حكرا على الشيوعيين وأعوانهم.

وبعد أن استوردت مصر السلاح من الاتحاد السوفيتي أخذ الشيوعيون يتبجحون ويعلنون عن أنفسهم، ويجاهرون بآرائهم بوقاحة عجيبة، وأخذوا يكثرون من المناقشة حول وجود الله سبحانه وتعالى، ويشككون في الأديان عامة، وفى الإسلام بوجه خاص، ويكذبون الأنبياء ، ويقدمون فكرهم، المريض للشباب، مستغلين حالة اللاجئين البائسة بوجه خاص، وغضب الفلسطينيين بوجه عام، على النظام الدولي، الذي ساند اليهود على إنشاء دولة (إسرائيل) على أرض فلسطين.

كنت أدخل مع بعضهم في مناقشات علمية، كانت تتطور في كثير من الأحيان إلى استعمال الأيدي، وقد لجأوا إلى طريقة خسيسة في إسكات من يتصدى لمقارعتهم، وهى اتهامه بأنه عميل للرأسمالية الأمريكية، وبالتالي فهو عميل لـ (إسرائيل)، وكانوا يوجهون هذه التهمة لكل من يدافع عن الدين، ثم طوروها ووسعوها ، حتى جعلوها تتسع لكل شاب يصلى، حتى لو توارى في بيته لأداء الصلاة. وتهمة أخرى كانوا يلجأون إليها وهى:

اتهام المدافع عن الدين بأنه من الإخوان المسلمين، ثم يشنون عليه هجوما عنيفا، بعد أن يلصقوا به هذه التهمة، فيقولون له:" أنت من الذين كانوا يريدون قتل جمال عبد الناصر ، أنت من الذين كانوا سيدمرون مصر ، أنت من عملاء الإنجليز.. إلى آخر التهم الكفيلة بإسكاته ، بل وهروبه من الجلسة، حتى لا يقبض عليه بهذه التهمة المؤدية به إلى السجن.

وكانوا يتفننون في الإيقاع بأعدائهم ، وأذكر بهذه المناسبة أنه عندما عين الشيخ "عز الدين طه" مدرسا، وذهب ليباشر عمله قابله أربعة من الشيوعيين ، وبعد أن رحبوا به قالوا له كيف حالك يا شيخ؟ فقال " الحمد لله" فقال له أحدهم:" لا الحمد مش لله الحمد لجمال عبد الناصر " فما كان من الشيخ إلا أن شتمهم ، وشتم جمال عبد الناصر ، وأردف قائلا:" بالأمس كنتم تشتمونه ، أما الآن فهو يحمل رمح لينين وسيفه لذلك تعبدونه".

فشهدوا عليه وأدخلوه السجن، ولولا أن حاكم المنطقة الوسطى بدير البلح، فطن إلى حيلة الشيوعيين ووسائلهم، لطالت مدة سجن الشيخ، ولفصل من عمله الذي لم يبدأه.

وقصة أخرى حدثت مع الأستاذ " محمد أبو دية" إذ كان يصلى الظهر، وخلفه مجموعة من الطلاب، فقرع مدرس شيوعي الجرس قبل موعده بخمس دقائق ، وانطلق إلى الطلاب الذين يصلون خلفه وبدأ بضربهم بعصا طويلة، حتى أرغمهم على ترك الصلاة، ولما اشتكى الأستاذ المذكور وجه إليه مكتب تعليم الوكالة- الذي كان تحت سيطرة الشيوعيين- إنذارا ، واعتبروه مذنبا، لأنه يقيم الصلاة في المدرسة ويحرض الطلاب على ذلك، أما المدرس الشيوعي فعد بريئا.

استمر الشيوعيون في محاربتهم للإسلام ، وتشكيكهم في كل المثل التي جاء بها، حتى لقد كان طبيعيا أن يقول المدرس الشيوعي لمن يحمل قرآنا من التلاميذ ما هذا الكتاب؟ فيرد التلميذ:" هذا هو القرآن الكريم يا أستاذ " فيقول له الأستاذ " تأليف من هذا يا ولد؟ ثم يبدأ مناقشة غير متكافئة، يشكك التلميذ في دينه، وفى القرآن والصوم والصلاة، وكل الفرائض.

وقد ضاق الناس ذرعا بتصرفات الشيوعيين، وخاصة أئمة المساجد والدعاة الرسميون الذين كانوا يأتون إلى قطاع غزة منتدبين من الأزهر الشريف للوعظ والإرشاد، ورفعوا شكواهم إلى رجال الحكومة والمسئولين، فأخذ هؤلاء يشجعون الدعوة والدعاة بعش الشيء ويحثون المدرسين على القيام بالدعوة إلى الفضيلة والوقوف في وجه الشيوعيين.

وأذكر أنني كنت أعطى درسا خاصا لأولاد أحد المسئولين، فجاء الوالد وجلس بجانبي أثناء الدرس، وأعجب بحديثي فسألني "لماذا لا تذهب وتحدث بمثل هذا المسجد؟ فقلت له "لو فعلت ذلك لاتهمني الشيوعيون بأني من الإخوان المسلمين، وعند ذلك لن تستطيع أن تمنع الأذى عنى"، فسكت ولم يتكلم.

هذه لمحة عن الظروف التي كان يعيشها قطاع غزة عندما كنت في مقتبل العمر، وقد كنت التقى مع بعض المتحمسين للإسلام، ونتحدث عن المناقشات التي كانت تحدث مع الشيوعيين ، وكنا نتناصح في كيفية الرد عليهم، وأي الكتب يجب أن نقرأها لتقوى حجتنا في الدفاع عن الإسلام، ولنخرس أعداءه. كان نشاط الشيوعيين منصبا على الدعوة إلى الإلحاد ، ومحاربة الأديان ، وتزيين الرذيلة، والدعوة إليها.

وما جمع الشيوعيين على هذه المبادئ الهدامة الرغبة في الإصلاح وتحسين حال الفقراء، فهم أبعد الناس عن التفكير في تفريج كربة المكروب ، أو مساعدة المحتاج، ولكنهم اجتمعوا على الشيوعية إما لانحلالهم الخلقي، وإما لعقد نفسية يعيشونها، أو لنشأتهم الوضيعة التي نشأوا فيها، فوجدوا أنفسهم محتقرين منبوذين، وإني أتحدى أي إنسان منهم ليس فيه واحدة من هذه الصفات. وقد وجدوا في الشيوعية وأفكارها الملجأ الذي يهربون إليه، تخلصا من القواعد الخلقية والدينية التي من أجلها احتقرهم الناس ونبذهم المجتمع.

كان نشاط هؤلاء المنحرفين يبعث الحماس في نفوسنا، فيجعلنا نضاعف نشاطنا، وكنا نقول لأنفسنا: إذا كان هؤلاء المبطلون الملحدون المنحلون يقومون بهذا النشاط لنشر باطلهم وتثبيت فسادهم فنحن أولى بأن نقوم بالدفاع عن ديننا والدعوة إلى الإسلام، والله سبحانه لن يترنا أعمالنا فهو القائل:" إن الله يدافع عن الذين آمنوا".

ولعلها إرادة الله ووعده بحفظ دينه، فهدانا إلى هذا الطريق، بعد أن أهمله الناس، وساقنا إليه بعد أن تنكب عنه آخرون، مصداقا لقوله تعالى:" وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم".

وهذا ما هو حاصل الآن إذ حمل لواء الدعوة كثير من الشباب ، عندما تقدمت بنا السن، وأصبحنا غير قادرين على حمل لوائها والدفاع عنها، فخاب ظن من اعتقد أن قوة الدعوة ونشاطها مربوط بشخص أو جماعة، إذا أسكتوا خفت نور الإسلام، ثم لا يلبث أن يزول.

فقد صب جمال عبد الناصر نار حقده وسطوته وجبروته للإجهاز على الدعوة الإسلامية في مصر، وقد أعانه في ذلك كثير من الجبارين، وماذا كانت النتيجة؟ لقد عاد الإسلام وارتفع صوته عاليا شامخا في مصر وذهب أعداؤه، إذ أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، بعد أن أرانا الله فيهم عجيب قدرته، فمنهم من تقطعت أوصاله على جوانب الطريق والناس ينظرون إليه.

ومنهم من قتل طريدا، ومنهم من مات بعد أن ذاق مذلة الشلل وهوان الإهمال ، ومنهم من التقطت له الصور وهو يركع على أقادم محاميه، يحاول تقبيل حذائه طالبا العطف والرحمة والرأفة. لأنه لم يكن يملك أن يدفع مصاريف المحامى الذي تولى الدفاع عنه قبل أن ينتقل إلى دار الجزاء .

وقد نشر حديثا كتاب عن الجرائم الجنسية التي كان يمارسها "صلاح نصر"، وهى جرائم يعجز إبليس أن يفكر فيها حتى لقد عقد زواجه على امرأة حامل في شهرها السابع، وولدت عنده بعد شهرين. وقد أرغم زوجها ليكون أحد شهود عقد الزواج.

وأما أجهزة التجسس والتنصت التي كان من المفروض أن يتجسس ويتنصت بها أعداء الوطن، فقد استعملها ضد أبناء الوطن وبناته، كما استعملها لإيقاع مئات بل آلاف البنات والنساء البريئات والشريفات في شباكه، وأخذ يتاجر بأعراضهن، وقد شاركه في ذلك مجموعات من ضباط المخابرات.

الفصل العاشر:بداية التنظيم

تكررت لقاءاتنا الفردية وكانت تزيد في الصيف عندما ياتى المغتربون لقضاء عطلتهم الصيفية، وكان يحدث أحيانا أن لتقى بأعداد ليست قليلة تصل إلى عشرة أفراد. وكانت المناقشات تدور حول الدعوة والنشاط الشيوعي المعادى، وقد تمخضت اللقاءات عن الاتفاق على دعم النشاط الإسلامى أمام التيارات المعادية له بكل الإمكانات المتاحة، وقمنا أثر ذلك بتكوين تنظيم سرى يحمل الأهداف التالية:

أولا : القيام بالدعوة إلى الله، والدفاع عن الإسلام، وإقناع الناس بأنه هو الطريق الوحيد لعودة العزة والكرامة إلى المسلمين، وهو السبيل الوحيد أيضا لإنقاذ وطننا المغتصب فلسطين، فلا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

ثانيا : ألوقوف أمم أعداء الإسلام من شيوعيين وغيرهم، وتفنيد آرائهم ومقارعتهم الحجة بالحجة، كلما سنحت الفرصة.

ثالثا: الانتشار بين الشباب وطلاب المدارس خاصة، وإقناعهم بالالتزام بالإسلام سلوكا، وعبادة، وخاصة فرائض الصوم والصلاة والأخلاق والمظاهر الإسلامية.

رابعا: مساعدة المحتاجين ، وبذل الجهد المستطاع لتفريج كرب الناس، والوقوف إلى جانبهم في ألأزمات ، ومواساتهم في الفجائع والنائبات.

خامسا: إعداد أجيال مسلمة، تأخذ على عاتقها تحرير فلسطين، على النهج نفسه الذي رسمه محمد صلى الله عليه وسلم ، وسار عليه صلاح الدين الأيوبي، إيمانا منه بأنه الطريق الوحيد لإنقاذ البلاد الإسلامية عامة وفلسطين خاصة.

وفى سبيل الوصول إلى هذه الأهداف اتبعنا الوسائل الآتية:

أولا : دعوة الناس بالقدور الحسنة، فقد حرص كل منا أن يطبق الإسلام على نفسه وأهله ومن يعول سلوكا وعبادة، وأن يبتعد عن سفاسف الأمور، وأن يحرص على المثالية في كل شيء والإخلاص والتفاني في العمل والأمانة في المعاملات مهما كلف ذلك، وألا يترك لأعداء الإسلام أي مأخذ يأخذونه عليه.

ثانيا: شراء الكتب الفكرية النافعة، وإهداؤها إلى الطلاب الذين لا يستطيعون شراء الكتب وأن ننصح الذين لديهم إمكانية بشراء تلك الكتب.

ثالثا: استغلال المساجد للالتقاء بالشباب المؤمن ودعوتهم إلى المشاركة في تحمل أعباء الدعوة.

رابعا: استغلال أوقات الفراغ لدى الشباب وخاصة في الإجازة الصيفية، لإبعادهم عن الفساد، أو تعود العادات الضارة من تدخين وغيره، وذلك بتوجيههم وجهة رياضية.

فكنا ننصب خيمة على شاطئ البحر ، ونزودها بمضارب وكرات صغيرة، وكرة طائرة، وشبكة وحديد لرفع الأثقال وبدل سباحة. وكنا نحفر بالقرب من الخيمة للحصول على الماء العذب لنستحم منها، بعد السباحة لنزيل ملوحة ماء البحر عن الأجسام.

وكنا بالإضافة إلى ذلك نضع في الخيمة بعض الكتب الإسلامية الفكرية والمجلات مثل مجلة الأزهر ومجلة منبر الإسلام ومجلة الوعي الإسلامى الكويتية . ثم ننطلق بين الطلاب والشباب وخاصة الفقراء منهم ندعوهم إلى قضاء بعض الوقت على البحر مجانا- وكان ذلك مكلفا في أماكن أخرى.

كنا نجد إقبالا على هذه الخيمة وفى نهاية الصيف نجد أن مجموعة من الشباب التزمت بالإسلام وأخذت تدعو إليه، ومما أثلج صدورنا أن بعض الشباب الجدد كانوا أبناء أناس يعادون الإسلام ، وبفضل الله فإن كثيرا من أولئك الآباء أصبح بمساعدة أبنائه صديقا مسلما ملتزما.

وكنا في الصيف نلتقي ببعض المغتربين الذين يعملون في دول الخليج، وكنا نحصل منهم على تبرعات نخصصها لمساعدة فقراء الطلاب الملتزمين بالإسلام، وكذلك الفقراء من أصحاب العائلات الملتزمة بالإسلام. ونخصص جزءا لشراء الكتب والمجلات وللإنفاق على الخيمة التي ننصبها على شاطئ البحر في فصل الصيف .

وقد حرصنا ألا نضم لهذا التنظيم الرجال المعروفين بأنهم من الإخوان المسلمين، تجنبا لعداء الدولة، وللبعد عن المشاكل معها، وحتى لا ينكشف تنظيميا، رغم تقديرنا الشديد لهم.

هذا وقد كنا نعامل الناس من خلال الدوائر الآتية:

الدائرة الأولى: وهم أعضاء التنظيم الذين أخذوا على عاتقهم القيام بالدعوة إلى الإسلام بين الناس بعد أن التزموا به سلوكا وتطبيقا، وكانوا يعدون أنفسهم أسرة واحدة، وكانوا كالجسم الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى ، مصداقا لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان الواحد منا يشعر بألمان والاطمئنان بين إخوانه هؤلاء، وكأنه في أسرته وبين أهله.

الدائرة الثانية: وتشمل كل مسلم يلتزم بالإسلام في سلوكه وعباداته ويقوم بالدعوة إليه، إلا أن ظروفه لا تسمح بالانضمام إلينا، والعمل في صفوفنا، إما لكونهم معروفين بأنهم إخوان مسلمون، أو لأنهم لا يستطيعون أن يحفظوا سرا، أو لأنهم يحتلون مراكز لا تسمح لهم بالانتظام معنا، وكنا نعمل هؤلاء كما نعمل أنفسنا، ونقف إلى جانبهم وندافع عنهم، إذا لزم الأمر ولا نتركهم إذا وقعوا في كربة أو مشكلة.

الدائرة الثالثة: وهم الأشخاص الذين يلتزمون بالإسلام والعبادات وليس لديهم استعداد للقيام بأي نشاط للدعوة وهؤلاء كنا نحس الصلة بهم ونحاول تنشيطهم بكل الوسائل.

الدائرة الرابعة: وهو الأفراد الذين لا يلتزمون بالإسلام ولا يؤدون فرائضه أو يؤدون جزءا ولا يؤدون الأجزاء الأخرى، وهؤلاء كانوا أغلبية بين الشباب ، وكنا نعدهم مجال الكسب، وميدان الدعوة، فنكثر من زياراتهم ومناقشاتهم، وذلك لإقناعهم بالقيام بأداء الفرائض الإسلامية جميعها، وألا يكتفوا بأداء بعضها. وكنا نحس معاملتهم ونهديهم بعض الكتب، ونصلهم في المناسبات ، ونواسيهم في النكبات، ونشاركهم الأفراح.

الدائرة الخامسة: وتشمل أعداء الإسلام من شيوعيين وملحدين أعوانهم ، وكذلك الملاحدة من الأحزاب الأخرى من بعثيين وقوميين. وهؤلاء كانوا الأعداء الذين يتربصون بنا ونتربص بهم، وكانوا يحاربوننا بأخس الطرق وأقذرها وكانوا-رغم ما يدعون من شيوعية واشتراكية- في أكثريتهم إقطاعيين ، وكنا نحن الفقراء الكادحين رغم ما كانوا يصفوننا به من أوصاف العمالة للرأسمالية وغيرها.

وكنا كالشوكة في حلوقهم، وكم من مدرس منهم ضربه طلابه لأنه تهجم على الدين أو على رسولنا الكريم، وكانوا عند العدوان عليهم يشيرون بأصبع الاتهام إلينا، كما حصل عندما ضرب طلاب مدرسة صلاح الدين ناظرها الشيوعي المعروف" معين بسيسو" فهرب منهم، ولجأ إلى عيادة الدكتور/ صالح مطر، إلى أن تدخلت الحكومة لحمايته من الموت، فوجه أصبع الاتهام إلى الإخوان المسلمين رغم علم الجميع بأن الذين ضربوه هم طلاب مدرسته.

وقد كان سلوكهم المنحرف سببا في انصراف الناس عنهم واحتقارهم، وقد تكررت عملية ضرب الطلاب لمدرسيهم الشيوعيين في المدارس، ومن المضحك أن يقول المدرس الشيوعي"أحمد الحاج" للطلاب بعد أن ضربوه، أرجو ألا يعلم المدير بذلك.

أما بالنسبة لنا معاشر المدرسين الملتزمين، فكنا نجد الحب والاحترام من الجميع، ذلك لأننا نتعاون مع الناس، ونحرص عليهم ونحترم مشاعرهم ، ونبذل قصارى جهدنا لمعاونتهم ، ونحن فوق ذلك نلتزم بالإسلام قولا وعملا ، نبتعد عن الغش ، والكذب، والخيانة، نكره الرشوة ونحاربها، وكنا مثال الإخلاص في أداء عملنا الوظيفي، وكنا نبعد عن مواطن الريبة، ولا نتعرض للدولة بالأذى أو النهب أو تبديد الأموال بل كان الواحد منا مثال من يعتمد عليه إذا أدلهم الخطب. وقد عرف الجميع هذا السلوك ، فكنا محل احترام وتقدير المسئولين، رغم الاختلاف الفكري بيننا وبين بعضهم أحيانا.

الفصل الحادي عشر: توحيد المجموعات الإخوانية في القطاع

عندما بدأ النشاط السري لم يكن ينتظم فيه جميع الإخوان في القطاع ، بل كان في كل مدينة مجموعة يقودهم أحد الإخوان النشطاء، فكان الأستاذ محمد أبو دية والأستاذ عبد الله أبو عزة في غزة، وكان الأستاذ حماد الحسنات في المنطقة الوسطى، والأستاذ عبد البديع صابر ومحمد حنيدق البنا والأستاذ خيري الأغا في خانيونس ، والأستاذ أحمد رجب والأستاذ يعقوب نصر في رفح، وكان هؤلاء يكثرون من الزيارات الشخصية والرحلات من بلد لأخرى وكانت هذه الزيارات تزداد في حقبة الصيف، وتكثر الحفلات الصغيرة على شاطئ البحر احتفاء بالمدرسين القادمين من الخارج وكطلاب الجامعات.

ومع مرور الزمن انتظمت هذه المجموعات بعد اجتماع تم عام 1962م في إحدى المواصى في خانيونس، التقى فيه جميع القياديين فيها، وانتخبوا هيئات إدارية لكل مكتب، وانتخبوا لجنة تنفيذية للجماعة، ومراقبا عاما، وكان أول مراقب عام للإخوان المسلمين الفلسطينيين الأستاذ هاني مصطفى بسيسو وكان نائبه الأستاذ عبد الرحمن بارود، ووضعوا قانونا أساسيا لها فكانت المكاتب الإدارية كما يلي :

  1. المكتب الادارى لقطاع غزة وكان يرأسه الأستاذ عبد البديع صابر ثم خلفه عبد الله أبو عزة، وبعد ذلك انتخب إسماعيل الخالدى عام 1963م رئيسا له، واستمر إلى خروجه من القطاع سنة 1967م، حيث انتخب الشيخ أحمد ياسين.
  2. المكتب الادارى للطلاب الفلسطينيين في مصر ويرأسه الطالب خليل زعرب ثم الطالب عبد الرحمن بارود.
  3. المكتب الإداري للإخوان المسلمين في السعودية ويرأسه الأستاذ خيري الأغا.
  4. المكتب الادارى في قطر ويرأسه الأستاذ عبد البديع صابر الذي انتخب رئيسا للجنة التنفيذية للإخوان المسلمين في فلسطين بعد انتقال الأستاذ هاني مصطفى بسيسو إلى رحمة الله في السجون المصرية.
  5. المكتب الادارى في الكويت ويرأسه الأستاذ سليمان حمد ثم عمر أبو جبارة يرحمه الله.
  6. المكتب الادارى في سوريا ويرأسه الأستاذ عدنان النحوي.

المكتب الادارى بقطاع غزة

كان يرأسه الأستاذ عبد البديع صابر وعندما سافر للعمل في قطر خلفه الأستاذ عبد الله أبو عزة، وخلف هذا إسماعيل الخالدى بعد سفره إلى البحرين. وكان يتبع هذا المكتب شعبتان في غزة وشعبة في المنطقة الوسطى وشعبة في خانيونس وشعبة في رفح.

وكان رؤساء هذه الشعب يتغيرون من وقت لآخر لتعاقد بعض الإخوان المسئولين وذهابهم إلى البلاد العربية للعمل هناك.

وعندما انتخب مجلس الشورى مراقبا عاما وهو الأستاذ هاني مصطفى بسيسو كانت شعبتا غزة يرأس إحداهما الأستاذ زهير الزهري ويساعده الأستاذ أحمد ياسين والشعبة الأخرى يرأسها الأستاذ محمد الغرابلى .

وفى المنطقة الوسطى كان يرأس الشعبة الأستاذ حماد الحسنات، ويساعده الأستاذ داود أبو خاطر، ثم ألأستاذ عبد الفتاح دخان، وفى خانيونس الأستاذ خضر تايه، ويساعده الأستاذ جاسر الأغا، وفى رفح الأستاذ صلاح الدين صالح.

مواجهات بيننا وبين أعداء الدعوة

كان الأستاذ عبد الفتاح حسن دخان ناظرا(مديرا) لمدرسة النصيرات الابتدائية، وكان مطلوبا منه أن يدرس عددا من الحصص أسبوعيا بالإضافة إلى عمله الادارى، وقد قام بتدريس مادة الدين لبعض فصول المدرسة، وكان من عادة بعض النظار إعطاء حصة الدين لمدرسي الرياضيات، أو لمدرسي اللغة الانجليزية ، أو لمدرسي اللغة العربية، ليحولوها إلى المادة التي يدرسونها.

وكان الأستاذ عبد الفتاح يقوم بتدريس مادة الدين بأمانة وإخلاص، وذات يوم جاء بعض الموجهين فوجده متلبسا بجريمة تعليم الوضوء للتلاميذ فقال له: هذا إضاعة للماء( وكان الماء كثيرا جدا في تلك الأيام سنة 1961م).

كتب الموجه تقريرا في ناظر المدرسة، فنقل نقلا تأديبيا إلى مدرسة " خزاعة الابتدائية للاجئين" وكان عليه أن يركب سيارة " الأونروا" في الصباح الباكر لتنقله إلى عبسان، ومن هناك هم يمشى على رجليه مسافة كيلين، لعدم وجود سيارات هناك، بقى في تلك المنطقة لمدة تزيد عن ثلاث سنوات. وكان كلما طلب أن ينقل إلى المدرسة التي كان فيها كانت إدارة التعليم في الوكالة ترد بالرفض.

رفع شكوى إلى مدير الشئون الاجتماعية وأمور اللاجئين العميد جمال الدين صابر ، وكان يرحمه الله رجلا فاضلا على جانب من الخلق والدين.

وبينما كنت جالسا في زيارة له في مكتبه- وقد كنت أدرس أولاده في البيت- وإذا بمدير التعليم في الوكالة عدنان العلمي يدخل على العميد جمال الدين صابر، فسأله العميد لماذا لا تنقل الناظر عبد الفتاح دخان، فقال: هذا من الإخوان المسلمين، ولا أريد نقله ، فسكت العميد، وبعد خروج عدنان العلمي، قلت له بالنسبة للناظر الذي يطلب النقل، لم يقل لك إنه مشاغب ، ولم يقل أنه صاحب مشاكل أو ليس لديه مؤهل، فقط جريمته أنه إخوان مسلمين.

وهل من حقه هو أن يعاقب الإخوان؟ أليست هذه من مهمات الحكومة؟ وإذا كان الأمر كذلك فما هو عمل الحكومة إذن؟ فقال لي : أنا لم أستطع أن أتكلم معه لأنك جالس معنا. وليس من اللياقة أن أتكلم معه وأنت موجود"لكن مش حـ فوتها له".

طلبت من أخي عبد الفتاح الذي كان يعمل في مكتب العميد المذكور أن يسمع لي ماذا سيقول للأستاذ عدنان العلمي.

رجع عدنان العلمي بعد ساعة فقال له العميد: لم أتكلم معك في موضوع الناظر لأن مدرسا كلن يجلس معنا، أنت لم تقل أنه لا يملك مؤهلا، ولم تقل أنه مهمل في عمله، فقط رفضت نقله لأنه من الإخوان. عايز أسألك من الذي كلفك بمعاقبة الإخوان.

أنت تعتدي على اختصاصنا كحكومة. إحنا حنقول تعالوا يا إخوان، عدنان يحاربكم متطوعا، ونشوف حيعملوا فيك إيه؟ اسمع يا عدنان ده يتنقل، سامع ده يتنقل، فقال عدنان حاضر حاضر.

نقلت هذه الحادثة إلى الأستاذ عبد الفتاح، فذهب في اليوم الثاني إلى مكتب التعلم في الوكالة ، ووقف أمام إدارة التعليم، وأخذ يسب ويشتم فخرج إليه الأستاذ عدنان وأدخله فإلى مكتبه ، واقسم أيمانا مغلظة بأنه سينقله في أقرب فرصة، وقد نقله إلى المدرسة التي كان فيها بعد ثلاثة أشهر.

ضابط شرطة يحاول إيذاءنا فيسلط الله عليه

كنا في كل صيف ننصب خيمة على شاطئ البحر، ونضع أمامها معرش من سعف النخيل، ونضع فيها بدل سباحة، ونحفر حفرة، لنحصل منها على الماء العذب، لنزيل الملوحة عن أجسادنا بعد الاستحمام في البحر، ونضع مجموعة من الكتب والمجلات الإسلامية، وكنا نحرص على عمل غذاء هناك مرة كل أسبوع على الأقل.

وكنا ننطلق بين الطلاب ندعوهم إلى قضاء أوقات فراغهم عل شاطئ البحر مجانا، وبدون أي تكلفة ، فإذا جاء طالب إلى الخيمة، وجد مكانا مريحا، وصحبة طيبة، فيحرص على المجيء دائما ، بل ويدعو أصحابه للقدوم إلى تلك الخيمة.

وفى صيف أحد الأعوام تسلط علينا ضابط البحر"أبو أحمد دبابش" كان عمله محصورا في متابعة سفن الصيد، بتفقد تصاريح السفن لمباشرة الصيد، وكل ما يتعلق بذلك، جاءنا أبو أحمد دبابش وأخذ يهاجمنا ويتهجم علينا فقلنا له" حسبنا الله ونعم الوكيل نشكوك إلى الله".

بعد أيام عدة، من دعائنا عليه، وإذا بمجموعة من الرجال يجرونه، وهو معصوب العينين، وقد ربطوا يديه إلى الخلف ، وانهالوا عليه ضربا ولكما، يتهمونه بأنه أضاع عليهم صفقة حشيش، فأشفقنا عليه، وأسرعنا إليهم، وأخذنا نقسم لهم بالله أنه بعيد كل البعد عن محاربة الحشيش، وأن عمله محصور في مراقبة سفن الصيد.

عندما سمع صوتنا قال لهم:" هدول الناس لا يكذبون ، أسألوهم ، حلفوهم يمين، واله هؤلاء أصدق ناس في الدنيا، ( لاحظ كان يتهجم علينا، وهو يعلم أننا أصدق ناس في الدنيا) وما زلنا نناقشهم حتى أقنعناهم بتركه فقالوا: إذا أطلقناه عرفنا، فقلنا لهم اتركوه عندنا واذهبوا إلى حيث تريدون، ونحن بعد ذلك نفك قيوده، ونرفع العصابة عن عينيه وكان ذلك.

وعندما خلصناه، أخذ يدعو لنا، ويقسم الأيمان المغلظة أنه لن ينسى لنا هذا المعروف ، ومنذ ذلك الحين لم يتعرض لنا بأي أذى.

موقف ضد حزب عدو

اعتادت الأحزاب القومية والشيوعية التحرش بنا، وافتراء الأكاذيب، وتحريض الحكومة علينا، عندما تكون الحكومة في حالة غضب مع أصحاب الاتجاه الاسلامى، وحدث أن نشب خلاف بين أحد الأحزاب المعادية والرئيس جمال عبد الناصر ، فاقترحت على أعضاء الهيئة الإدارية للمكتب الادارى أن نقوم ضدهم بنفس ما كانوا يقومون به ضدنا، وقد وافق على ذلك أعضاء المكتب ولم يعارض إلا واحد، فنفذنا ذلك اعتمادا على الآية:"وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به.."

وعندما اجتمع مجلس الشورى عرضنا ما قمنا به خلال العام المنصرم، وعرف المراقب العام بما فعلنا بالحزب المعادى، فاستشاط غضبا ، واستنكر علينا ذلك، وقال لنا: كيف تقومون بوسيلة للوصول إلى هدف نبيل، الإسلام نظيف هدفا ووسيلة، ورأينا انتعاظا شديدا في وجهه ، تمنينا لو لم نقم بذلك.

الفصل الثاني عشر : كيف تكونت حركة تحرير فلسطين "فتح" ؟

أولا جذور فتح الإخوانية

تمهيد

كان للإخوان المسلمين في قطاع غزة مركز واحد، وقد كتب على مدخله عبارة " المكتب الادارى للإخوان المسلمين" ثم أنشأ الأستاذ سليمان حمد شعبة في النصيرات بناها من الطين، وقد شاركه في ذلك الأستاذ أحمد عيسى صيدم، وقد بنوها بجانب المدرسة التي كان يديرها الأستاذ سليمان حمد، وكانا يقومان ببعض النشاطات الإسلامية.

لم تكن جماعة الإخوان المسلمين قوية في الحقبة التي سبقت قيام الثورة المصرية في قطاع غزة لا في العدد ولا في النوعية، وقد نالهم نصيبهم من نكبة الإخوان المسلمين في مصر سنة 1948م، وبقيت هذه الجماعة على رغم إلغاء قرار حلها سنة 1951م على حالها حتى قامت الثورة المصرية سنة 1952م.

وعندما قامت الثورة في مصر التي كان لها اتجاه ديني حاولت أن تنصف المظلومين، وكان الإخوان هم الفئة المستضعفة التي تحملت الظلم الشديد، وذلك لأنهم أخلصوا في محاربتهم لليهود في حرب فلسطين سنة 1948م، فأنصفتهم الثورة في أول قيامها، فظن كثير من الناس أن الثورة ثورة الإخوان المسلمين،فسارعوا إلى الانضمام إليهم، وكان الإقبال على الجماعة شديدا.

ثانيا: من هم دعاة تكوين حركة تحرير فلسطين "فتح"؟

خليل الوزير وكمال عدوان يروجان لفكرة تكوين الحركة.

بعد خروج اليهود من قطاع غزة في 7/3/1957م، طرأت على أذهان بعد أفراد الإخوان الذين كانوا يقومون بعمليات فدائية داخل خط هدنة سنة 1949م، فكرة تكوين حركة ينضم إليها جميع أفراد الشعب الفلسطيني، تاركين اتجاهاتهم السياسية واختلافاتهم الفكرية، ويكون الهدف تحرير فلسطين كل فلسطين من نهر الأردن إلى البحر الأبيض المتوسط، ومن رأس الناقورة إلى رفح والعقبة، وبعد أن تتحرر فلسطين يعود كل صاحب فكر إلى فكره، وكل حزبي إلى حزبه.

وقالوا: إذا بقينا ننادى نحن بالإسلام ، فإننا نعرض أنفسنا لنقمة جمال عبد الناصر وغيره من الزعماء العرب بل والعالم اجمع، أما إذا نادينا بتحرير فلسطين فإن جميع العرب سيقفون إلى جانبنا.

وقد تزعم هذه الفكرة خليل الوزير الذي قام بعدة عمليات داخل خط الهدنة، وكذلك كمال عدوان.

وكان رد الإخوان بأن الغضب والحقد والكراهية والحرب الموجهة إلى الإخوان كانت نتيجة لإخلاصهم في محاربة( إسرائيل) ومحاولة تحرير فلسطين من اليهود، وإذا قامت أي جماعة في العالم العربي وأخلصت في محاربة اليهود بهدف تحرير فلسطين فإنها ستواجه ما واجهه الإخوان المسلمون الذين نقلوا من ميادين القتال إلى السجون.

ولكنهما أصرا على فكرتهما، واستمرا في نشرها بين أفراد الإخوان، وقد أحدث ذلك بلبلة داخل الجماعة وإرباك شديد.

انطلقوا هم ومن آمن بفكرتهم يدعون إليها بين جميع الاتجاهات، ولكنهم كانوا لا يجدون من يشاركهم هذه الأفكار إلا الذين لم يكن لهم اتجاهات سياسية فقد استقطب بعضهم وبأعداد قليلة ، لأن الحزبيين وبعض المستقلين ظنوها حركة من حركات الإخوان المسلمين، يريدون بها أن تضمهم إليهم بطريق غير مباشر، وكان مؤسسو حركة تحرير فلسطين يعودون إلى شباب الإخوان في محاولة إلى ضمهم لهذا التنظيم الرائد الجديد.

وأخيرا طلب المسئول في الإخوان من الذين آمنوا بالفكرة أن يكتبوا رسميا شارحين فكرتهم كتابة حتى يرد عليهم بشكل رسمي ومكتوب.

وقد بقيت محاولة كسب أفراد من الإخوان المسلمين قائمة حتى اتفق معهم مسئولو الإخوان على أن يقلعوا عن محاولة ضم أفراد من التنظيم الإخوان، ولكنهم لم يلتزموا بذلك، وكان ممن انضم إلى هذا التنظيم من الإخوان:

كمال عدوان خليل الوزير سليم الزعنون سليمان حمد( تركهم فيما بعد وعاد إلى قواعده).سعيد المزين غالب الوزير محمد يوسف النجار رياض الزعنون أسعد الصفطاوى صلاح خلف معاذ عابد صبحي أبو كرشي سعيد المسحال يوسف أبو عميرة عبد الفتاح حمود فتحي البلعاوى جمال عايش محمد حسن الافرنجى أحمد حلس رفيق النتشة سليمان أبو كرش وكثير غيرهم.

ويعد خليل الوزير (أبو جهاد) هو أول من فكر في إنشاء حركة فتح، وقد كان من قادة التنظيم السري العسكري للإخوان، ونظم عددا من العمليات الفدائية، ونفذ بنفسه عددا منها، وقد قبض عليه سنة 1953م، وأدخل السجن وعذب، ثم خرج بكفالة أحد رجال الإخوان، وكان يعمل تحت إشراف وتوجيه الأستاذ محمد أبو سيدو الذي كان همزة الوصل مع قائد هذا العمل في العريش ، الأستاذ كامل الشريف. ومنذ تأسيس فتح ظل أبو جهاد الرجل الثاني فيها حتى استشهاده في إبريل سنة 1988م.

وقد انطلقت حركة فتح وبدأت بعمليات فدائية داخل( إسرائيل) من قطاع غزة والضفة الغربية، مما اغضب الحكومتين المصرية والأردنية، فألقت الحكومة المصرية القبض على جميع أعضاء حركة فتح بغزة سنة 1965م، وعذبوهم بشدة ، ثم أفرج عنهم، وكذلك فعلت الحكومة الأردنية.

وقام جمال عبد الناصر بالدعوة لإنشاء " منظمة تحرير فلسطين" وقد وافقت جامعة الدول العربية على ذلك ووضعوا " ألأستاذ أحمد الشقيرى" رئيسا لها سنة 1964م، وكان القصد من ذلك قطع الطريق على " حركة فتح" وأي حركة فلسطينية سرية.

لماذا اعترض الإخوان المسلمون الفلسطينيون على التنظيم الجديد(حركة تحرير فلسطين-فتح)؟ لقد اعترض الإخوان على الخطة والأسلوب ؟ إذ الخطة مبنية على كثير من التخيلات غير الواقعية ، ولذلك فإنها لن توصل إلى هدف التحرير ، كما رأوا فيها فتحا لمعركة من غير أن تكون القوى الأساسية مستعدة لها. وبناء على الدرس الذي استفاده الإخوان من عدوان 1956م، فإن هناك احتمالا كبيرا بأن تقدم(إسرائيل) على احتلال قطاع غزة والضفة الغربية فيما لو تطورت اشتباكات الحدود إلى حرب لم تهيئ الدول العربية نفسها لها. وبذلك تكون القضية قد انعكست ، ويكون هدف التحرير قد أصبح أبعد وأصعب منالا.

وقد أردفوا في ردهم بما يأتي:

أولا: إن الإخوان المسلمين الفلسطينيين على استعداد لتجميد نشاطهم الاسلامى وتحويل تنظيمهم إلى العمل من أجل فلسطين مع الابتعاد عن أية مظاهر قد تربطهم بالإخوان أو بالنشاطات الإسلامية بشرط واحد هو أن يقتنعوا أن الخطة ستؤدى إلى تحقيق هدف التحرير ، فإذا لم يتوفر هذا الشرط بدرجة يقينية فليس أقل من أن يتوفر هذا الشرط بدرجة ترجيحية. أما أن يتخلوا عن حركتهم ودعوتهم لمجرد تصورات خيالية يستحيل تحقيقها في عالم الواقع فذلك مالا يرضونه.

وتوقع الإخوان أن يواجه المشروع بعدد من العقبات التي لا يمكن تجاوزها ،وانه ينطوي على مخاطر لا تؤدى على ضياع الجهد والوقت والمال فحسب، وإنما ترجع القضية الفلسطينية نفسها إلى الوراء وتؤخر عملية التحرير.

ثانيا: وفيما يلي بعض هذه العقبات التي أشاروا إليها:

  1. الحالة الفلسطينية مختلفة عن حالة الجزائر، فالشعب الفلسطيني موزع بين الدول العربية، وعلى ذلك فإن أي نشاط تحريري سيجرى في ارض عربية، وجميع الدول العربية، وخاصة المحيطة بفلسطين- لا تسمح لأي نشاط سياسي وعسكري على أرضها غير صادر عنها أو بغير إذنها.
  2. إن الدول العربية تخشى من أي تحرك عسكري أو سياسي على أرضها خوفا من أي رد فعل صهيوني، وهى لا تثق بقدراتها على المواجهة، وتطلب السلامة بتجنب إثارة (إسرائيل) وتكتفي بالتصريحات الكلامية عن التحرير.
  3. لا يمكن مواجهة (إسرائيل) بمجهود جزء من الشعب الفلسطيني، بل يجب أن يتم بحشد قوة الشعب كلها ومن خلفها كل الحكومات العربية، أما أن نخوض معارك صغيرة ضد (إسرائيل) ببضع مئات أو آلاف الفدائيين مع بقاء الجيوش الضخمة معطلة، وترسانة الأسلحة صدئة عمل لا يقود للخير أبدا.

ولكنهم رفضوا رد الإخوان قائلين إن عبد الناصر الذي يقبل بقطاع غزة خائن، وأن الملك حسين الذي يقبل بالضفة الغربية خائن، وإذا كانوا غير قادرين على الوقوف أمام(إسرائيل) بعد عشر سنوات من احتلال فلسطين فليضيعوا كما ضعنا.

مضى أولئك الرجال في تكوين تنظيمهم، وقد بذلوا مجهودا كبيرا في ضم رجال من الإخوان إليه، وحدثت بعض المناكفات بين التنظيم الجديد والتنظيم القائم للإخوان المسلمين، وقد كان بعضهم منضما سرا إلى التنظيم الجديد"فتح" منهم تحديد موقفهم إما الانضمام إلى تنظيم فتح أو البقاء في تنظيم الإخوان، وكان كذلك، وفى جلسة أخرى قال رجال التنظيم سنلتقي معكم يوما ما بعد تحرير فلسطين.

مبادئ حركة فتح وأهدافها

يمكن اختصار مبادئ حركة فتح وأهدافها واستراتيجيها في النقاط التالية:

  1. فلسطين لا يمكن استردادها إلا عن طريق النضال المسلح والحرب الشعبية طويلة الأمد.
  2. لمعركة التحرير الأولوية على أية تناقضات فكرية أو سياسية أو اجتماعية. وأن الهوية التي تجمع الفلسطينيين هي البندقية" هويتي بندقيتي".
  3. تحرير فلسطين هو طريق توحيد الوطن العربي وليس العكس.
  4. ضرورة تحرير الإدارة الفلسطينية " القرار الوطني الفلسطيني المستقل" .
  5. فتح حركة وطنية مستقلة.
  6. معركة تحرير فلسطين واجب عربي وديني وإنساني.
  7. الكيان الصهيوني مؤسسة عنصرية عسكرية متكاملة دخيلة وغازية، وإن قيام دولة فلسطينية عربية ديمقراطية،-يعيش فيها المسلمون والنصارى واليهود بحقوق متساوية- على أنقاضه أمر حتمي.

صيغت هذه المبادئ في مؤتمر فتح الثاني سنة 1968م، وأقرت في المؤتمر الثالث سنة 1971م، والرابع سنة 1972م مع بعض التعديلات . وأضاف مجلسها الثوري بعد حرب 1973م مبدأ يقول : إن للشعب الفلسطيني وحده حق ممارسة السيادة الوطنية على أي جزء من أرض فلسطين يتم تحريره.

لهذا نجد في قيادات فتح ورموزها شخصيات ذات خلفيات إخوانية أو من حزب التحرير الاسلامى مثل خالد الحسن، ونمر صالح- أبو صالح- ومحمود مسودة، أبو عبيدة- أو من حزب البعث مثل فاروق القدومى، سميح أبو كويك-قدوى – وخالد اليشرطى، ومحمد أبو ميزر- أبو حاتم- أو ذوى خلفيات يسارية مثل ماجد أبو شرار. وقد بقيت القيادة لمدة طويلة في أيدي شخصيات لها خلفية إخوانية، وتشير بعض المصادر إلى أن القيادة الأولى لفتح كانت من خمسة

هم: خليل الوزير- أبو جهاد- وعبد الفتاح حمود، وكمال عدوان، وسليمان حمد، وياسر عرفات. والأربعة الأوائل كلهم من الإخوان المسلمين، أما ياسر عرفات فكان يعد مؤيدا ومحسوبا على التيار العام للإخوان.

ومعروف أن التنظيم إلى لا يجتمع على هوية عقائدية محددة سيجد نفسه عرضة لعدد من المشاكل والتحديات.

ومن أبرز الأزمات والانشقاقات التي تعرضت لها فتح:

  1. أزمة تنظيم الكويت 1965-1966م: عندما أصدرت اللجنة المركزية العليا للحركة قرارا بسحب الثقة من عضو الحركة السابق محمد ياسر عرفات القدوة، وإحالته للتحقيق فورا لاتهامه بإعداد تقارير كاذبة ، والتمرد على القرارات الجماعية، ومحاولته شراء الضمائر، وإفشائه أسرار الحركة، وغير ذلك. وقد تم تطويق هذه الأزمة في نهاية عام 1966م على حساب خروج عضوين قياديين هما عادل عبد الكريم، وعبد الله الدنان.
  2. تمرد أبو عبيدة 1967-1986م الذي اتخذ شكلا عسكريا يقوده أبو عبيدة، وقامت الحركة بفصل تنظيم الكويت كله.
  3. أزمة تنظيم لبنان سنة 1972م: عندما انتقل عرفات إلىلبنان وحاول إمساك زمام الأمور مباشرة بيده، حدثت أزمة تنظيمية خصوصا مع ممثل حركة فتح في لبنان يحيى عاشور- أبو حمدان- اتخذت شكل تمرد مباشر واعتصام في تل الزعتر، وعمليات اعتقال وخطف وتصفية، حتى أحكم عرفات سيطرته.
  4. حركة فتح " المجلس الثوري" انشق عدد من قياديي فتح بقيادة صبري البنا- أبو نضال- وناجى علوش، ومحمد عودة- أبو داود- متهمين القيادة بالانحراف عن خط التحرير الذي تمثله حركة فتح، وأنشأوا حركة فتح" المجلس الثوري" وأعلنوا التزامهم بمبادئ الحركة وأهدافها وبرامجها ونظامها الداخلي، ودعوا إلى خوض الصراع لإنقاذ الحركة" ومارس هذا التنظيم أحيانا أساليب الاغتيال والتصفية لعدد من عناصر فتح الذين يرون أنهم يخرجون عن الخط الوطني، فاغتالوا " عصام الصرطاوى" ، وصلاح خلف" أبو إياد" ولقي هذا التنظيم دعما من العراق وليبيا.
  5. فتح الانتفاضة: هو أبرز الانشقاقات عن فتح، وقاده أبو موسى، ونمر صالح- أبو صالح- في مايو 1983م، ولعبت التداعيات التي نتجت عن الاجتياح الصهيوني للبنان سنة 1982م، واعتراض العديد على التوجيهات السياسية لقيادة فتح وخصوا نحو التسوية ، وعلى العديد من المسلكيات التنظيمية والمالية والعسكرية. وقد أدى الانشقاق إلى حدوث صدامات عنيفة بين الطرفين في النصف الثاني من عام 1983م، ولنقى هذا الانشقاق دعم ورعاية سوريا.
  6. الأزمة الناتجة عن المفاوضات السرية التي أدت إلى توقيع اتفاق أوسلو في سبتمبر 1993م، لأنها جرت دون علم واستشارة معظم قيادات فتح و م.ت.ف، ولقيت الاتفاقيات وتشكيل سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني معارضة شديدة من العديد من قيادات فتح. وتعرضت فتح جماهيريا لأزمة التعامل مع إفرازات أوسلو وانعكاساتها فضلا عن ظهور الكثير من المعارضة والتذمر داخل صفوفها، فقد انحسرت شعبيتها الجماهيرية خصوصا في خارج فلسطين، وبالذات في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين.

ثالثا: العمليات النضالية المسلحة لحركة فتح

لقد فجرت فتح الثورة الفلسطينية المعاصرة في ليلة الأول من يناير سنة 1965م، وكان بيانها الأول معبرا عن روح وطنية إسلامية، ومما جاء فيه" اتكالا منا على الله، وإيمانا منا بحق الجهاد المقدس، وإيمانا منا بموقف العربي الثائر من المحيط إلى الخليج، وإيمانا منا بمؤازرة شرفاء العالم، فقد تحركت أجنحة من قواتنا الضاربة.." .

وقد جاءت بداية عمل حركة فتح في ظروف صعبة لأن جميع الأنظمة العربية تنتظر توجيه ضربة مرتقبة من جمال عبد الناصر إلى الكيان الصهيوني، وقد اتهمتها الأنظمة بمحاولة جرها إلى المعركة مع الكيان الصهيوني قبل موعدها، وقبل استكمال الاستعدادات اللازمة لها.

وقام ناطق مصري- بتوجيه من الحكومة- باتهامهم بأنهم متطرفو ومتعصبو الإخوان المسلمين الذين تلقوا تمويلهم من الإمبريالية الأمريكية، واتهمتهم أحد الأنظمة الخليجية بأنهم شيوعيون ، كما اعتبرهم- أحمد الشقيرى، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية في ذلك الوقت- بأنهم أعداء حركة التحرر الفلسطيني، وقد أمرت " القيادة العربية الموحدة" التي شكلتها الأنظمة العربية للتجهيز لتحرير فلسطين في مارس 1965م بإيقاف أنشطة حركة فتح، وحاولت دول الطوق القبض عليهم ومنعهم من العمل ، وسقط أول شهيد لفتح أحمد موسى برصاص (القوات الأردنية).

واعتقل عرفات في سوريا في أواخر سنة 1965م، ثم أفرج عنه بعد أيام للاشتباه به في قضية تفجير خط النفط"التبلاين" ثم اعتقل هو وأبو جهاد، وأبو على إياد، وأبو صبري في فبراير 1966م، مع سبعة آخرين بتهمة الضلوع في مقتل اثنين من رجال العاصفة (الجناح العسكري لفتح) من ذوى الخلفيات البعثية، ثم أفرج عنهم إلا واحدا بعد التدخل لدى وزير الدفاع الجديد حافظ الأسد، وكان عرفات قد سجن لأيام في لبنان سنة 1965م.

كما جرت اعتقالات أخرى لرجال فتح في الأردن (بما فيها الضفة الغربية) ولبنان وسوريا وقطاع غزة(مصر) وعذب بعض المعتقلين وماتوا في السجون العربية. وعلى أي حال فقد نفذت فتح حوالي 200 عملية عسكرية قبل حرب خزيران يوليو 1967م.

ومثلت مرحلة ما بعد عام 1967م مرحلة ازدهار حقيقي ونمو متسارع لحركة "فتح" إذ أن هزيمة الأنظمة العربية وضياع ما تبقى من فلسطين. أفقد الشارع الفلسطيني والعربي الثقة بهذه الأنظمة التي اضطرت لفتح المجال للعمل الفدائي الذي اكتسب شعبية كبرى فلسطينيا وعربيا. ومنذ ذلك الوقت مثلت فتح العمود الفقري للثورة الفلسطينية .

وتعد معركة الكرامة- 21 مارس 1968حدثا فاصلا في تاريخ فتح، وقد استطاعت فتح والمنظمات الفدائية أن تجعل معركة الكرامة معركة الفدائيين ، وأنهم وحدهم الذين صنعوا النصر في تلك المعركة، وحقيقة الأمر أن الجيش الأردني قام بالنصيب الأوفر في معركة الكرامة لما كان يملكه من سلاح مؤثر، لم يكن متاحا للفدائيين.

وقد فتحت معركة الكرامة الباب أمام تدفق جماهيري هائل للانضمام إليها بعد ما سمعوه عن النصر المؤزر الذي حققته فتح في تلك المعركة، وعن الخسائر الجسيمة التي أوقعوها في القوات الصهيونية الغازية، وفى خلال 48 ساعة تقدم لعضوية فتح خمسة آلاف قبلت منهم 900 شخصا وفي الشهر الثاني أعلن ياسر عرفات متحدثا رسميا باسم فتح، وأخذت الحركة موقعها كأوسع الحركات جماهيرية في الشارع الفلسطيني.

وقد تحملت فتح عبء الكفاح المسلح الفلسطيني لمدة طويلة، ومثلت الحقبة 68-1970م في الأردن مرحلته الذهبية، غذ نفذت حوالي 2000 عملية سنة 1969م ، كما مثلت الحقبة 70-1982م درجة لا بأس بها وخصوصا في 70- 1975م قبل الانشغال بمستنقع الحرب الأهلية اللبنانية، وانخفضت وتيرة العمليات إلى نحو 360 عملية سنة 1978م.

ونفذت فتح عددا من العمليات الفدائية القوية في السبعينات مثل عملية سافوى في 6 مارس سنة 1975م في تل أبيب ، وأدت إلى مقتل نحو خمسين جنديا وخمسين مدنيا صهيونيا.

وعملية كمال عدوان في 11 مارس 1978م التي أدت إلى مقتل 37 وجرح 82 صهيونيا وتشير إحصائيات مؤسسة الشئون الاجتماعية ورعاية أسر الشهداء في م.ت.ف. في مطلع الثمانينات إلى أن عدد شهداء فتح يبلغ 56% من مجموع شهداء الثورة الفلسطينية، والحركة الوطنية اللبنانية، وإلى نسبة الأسرى من فتح في الأرض المحتلة هي بين 70- 80% من مجموع الأسرى، ولعل هذه النسبة بقيت كما هي حتى اندلاع الانتفاضة المباركة في ديسمبر 1978م.

عندما أخذت "حماس" تبرز كقوة كبرى موازية لفتح ، بل واندفعت حماس أكثر في العمل الفدائي في التسعينات في الوقت الذي أخذ العمل الفدائي " الفتحاوى" بالانحسار لصالح مشروع التسوية السلمية الذي تبنته قيادتها.

وقد عادت "فتح" وأخذت تتبنى من جديد العمل الفدائي، لأن عرفات أيقن أن السلام مع اليهود لا يكون إلا استسلاما ولا يأتي بخير للفلسطينيين .

وقد كان عرفات أحد الموجهين للانتفاضة التي انطلقت سنة 2000م، فقام اليهود بمحاصرته في المقاطعة حتى قتله الذين كانوا يباشرون الفساد ويقننونه ، وعندما شكاهم الناس إليه قال عنهم" دول الجزم اللى حعدى بيهم المرحلة دى" فما زالت تلك الجزم حتى قتلته واستولت على القافلة، ومكنت للجنرال كث دايتون لأن يكون حاكما عسكريا في الضفة الغربية بعد أن طرد هو وأذنابه من قطاع غزة.

رابعا: البنية التنظيمية لفتح وقيادتها

تتكون البنية التنظيمية لفتح من:

  1. المؤتمر العام: هو السلطة العليا داخل الحركة ويجب أن يعقد (نظريا) مرة كل ثلاثة أعوام، وقد سبق له الانعقاد بضعة مرات( الثاني سنة 1968م، الثالث سنة 1971م، الرابع سنة 1980م) ولا يجتمع بانتظام لأسباب داخلية وخارجية.
  2. المجلس الثوري: ويتكون من مسئولي وقادة الأجهزة والأقاليم والقوات إلى جانب 25 عضوا منتخبا من المؤتمر العام وعشرة أعضاء من ذوى الكفاءات تضمهم اللجنة المركزية ، ومجموع أعضائه 120 عضوا.
  3. اللجنة المركزية: هي القيادة المركزية للحركة، ويقوم المؤتمر العام بانتخاب أكثر من ثلثي أعضائها وتتكون من 18 عضوا.

وتعرف القوات العسكرية لفتح باسم "قوات العاصفة" وتتولى اللجنة المركزية تعيين قيادتها العامة.

خامسا :علاقة الإخوان المسلمين الفلسطينيين بـ" حركة فتح"

بعد أن وضع الإخوان المسلمون الفلسطينيون وقادة حركة فتح حدا محاولة أحدهم الكسب من أفراد الآخر سادت العلاقة الطيبة ومشاعر الحب بينهما فالصلات الطيبة القديمة، والأخوة الصادقة والجهاد الطويل ضد (إسرائيل) بقى أثرها، وكانوا كلما ضاقت السبل بطرف منهم سارع الطرف الآخر للوقوف إلى جانبه ومواساته مثلا:

أولا: عندما وضعت الحكومة المصرية بقطاع غزة أفراد حركة فتح في السجن ، طفق رجال المخابرات المصرية يبثون عنهم دعاية كاذبة ويقولون رجال فتح يضعون المتفجرات تحت جسور القطار والسيارات يريدون نسفها، وأنهم يضعون المتفجرات في الأماكن العامة، كان الإخوان ينفون عنهم تلك التهم، ويكذبونها خاصة عندما فجرت المخابرات قنبلة صوتية في منتزه خانيونس ليبرروا عملية اعتقالهم.

ثانيا: عندما احتلت (إسرائيل) قطاع غزة وكانت ملفات التحقيق لخاصة برجال فتح موجودة في مكاتب الحاكم الادارى العام ، ولم تتلف قبل وصول اليهود إليها وهذا وضع أفراد فتح في خطر شديد، فكانوا يخرجون من بيوتهم ويبيتون في منازل أصدقائهم من الإخوان المسلمين.

ثالثا: قام أحد أفراد الإخوان المسلمين بطبع هويات جديدة، ووضع أسماء جديدة، لبعض أفراد فتح الذين يعرفهم، وقد حدث هذا مع طبيب من عائلة أبى شعبان ومع الأستاذ جمال عايش عضو المجلس المركزي للمنظمة.

رابعا: عندما أراد الإخوان المسلمون القيام بعمليات فدائية ضد (إسرائيل) كونوا لهم أربع قواعد في الأغوار وجعلوها تابعة لقيادة فتح، وقاموا بعمليات بطولية رائعة قال عنها ياسر عرفات " هكذا تكون العمليات وإلا فلا، والذي يريد أن يتأكد فليسأل العميد محمود إسماعيل صيدم الذي كان منتدبا للعمل معهم.

خامسا: عندما كان الصراع قائما على جمعية الهلال الأحمر كانت فتح والإسلاميون دائما في قائمة واحدة، وعندما حاول أحد الشيوعيين الاعتداء على الأستاذ أسعد الصفطاوى ممثل فتح في قطاع غزة- رحمه الله- تصدى أفراد الإخوان للدفاع عنه.

سادسا: لقد دأب ياسر عرفات على الاجتماع بالإخوان المسلمين في الأردن لأخذ رأيهم في المعضلات التي كان يواجهها ، وكانوا يقدمون له نصائحهم الأخوية الصادقة.

ولكن هذا التعاون، وذلك الحب تغير بعد أن صعد نجم فتح وانضمام أعداد كبيرة من الوصوليين والانتهازيين والمنافقين وبعض اليساريين الذين يكرهون الإسلام ودعاته، والذين يفضلون محاربة الإسلام ودعاته قبل محاربة (إسرائيل) وبعد سنوات قليلة بدأ الرعاع الذين جمعهم يساري حاقد معادى للإسلام والمسلمين، وقد أطلق عليهم شبيبة فتح، بدأوا يتحرشون برجال حماس، وقامت بين الطرفين خلافات ونشبت المضاربات التي أضاعت ما كان بينهم من حب وإخاء. وتحول ذلك الحب إلى بغض ، وتلك الإخوة إلى عداوة.

ومن المخزي أن خلافات قامت بين الطرفين إثر توقيع اتفاق "أسلو" الخيانة المخزي ، وبعد أن انتهى العراك دخل شباب حماس للصلاة في أحد مساجد دير البلح، فقمت شبيبة فتح بتحطيم شبابيك المسجد. ثم انطلقت مظاهرة تحمل أغصان الزيتون، وعندما وصلت المظاهرة إلى الجيش الصهيوني قدموا له أغصان الزيتون، فانطلق بعض الجنود اليهود يضربونهم بأعقاب بنادقهم ولكموهم بأيديهم.

وعندما ذهب أحد شباب حماس إلى عمان ، وشكى للمهندس إبراهيم غوشه ما تفعله معهم شبيبة فتح، قال له غوشه ابتعدوا عنهم، فقال الشاب ولكنهم يلاحقوننا ويتحدوننا ، فقال : لا تردوا عليهم مهما فعلوا، فثار الشاب وقال: هذا إذلال ، فرد عليه غوشه، الإذلال عندما يقتل بعضنا بعضا، واليهود ينظرون إلينا متشفين شامتين.

ورغم هذا الموقف فإن فتح عندما عادت إلى قطاع غزة- وكانت حماس تملك من القوة ما تستطيع بها أن تقضى عليهم- ورغم ذلك فإنها استسلمت ولم تقف أمامهم ولم تقاومهم ولما تمكنت فتح وضعتهم في السجون وعرضتهم لأشد أنواع التعذيب .

سادسا: ماذا حصل لحركة فتح

ذكرت في صفحات سابقة أن أعدادا هائلة من الوصوليين والانتهازيين والمنافقين انضمت إلى حركة فتح بعد معركة الكرامة وشكلت قاعدة كبيرة لمن أراد أن ينحرف عن مبادئ وثوابت حركة فتح والتي كانت قد سيطرت على منظمة التحرير الفلسطينية، قبل أن تجعلها جامعة الدول العربية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطينى.

أضف إلى ذلك فقد خسرت حركة فتح عددا من القادة المخلصين، كان منهم من وضعوا الأسس التي قامت عليها الحركة، فقد استشهد كمال عدوان ومحمد يوسف النجار وخليل الوزير وعبد الفتاح حمود وأبو على إياد وسعد صايل. كما قبع عدد كبير منهم في سجون العدو.

وقد تم إبعاد الفدائيين من البلاد المجاورة لفلسطين إلى تونس واليمن وغيرهما، كل هذه الأمور أضعفت قوة فتح ومعها منظمة التحرير الفلسطينية، وبذلك قلت العمليات الفدائية، وأصبحت قواتها في تلك البلاد عالة على حركة فتح وعلى منظمة التحرير.

وقد أتاح ذلك الفرصة (لإسرائيل) لتبدأ المباحثات لإعطاء استقلال ذاتي لفلسطيني الداخل، وشكل وفد منهم ضمن الوفد الأردني.

شعرت منظمة التحرير وحركة فتح وجميع الفصائل الأخرى بأن (إسرائيل) قد سحبت البساط من تحتها فبدأت- عن طريق بعض القنوات- تحاول دفع(إسرائيل) للتفاوض معها، وقد اتفق الجانبان الصهيوني ومنظمة التحرير الفلسطينية على أن يقوموا بمحادثات سرية في "أوسلو" وقد ترأس محمود عباسي الجانب الفلسطينى، وقد وجدت (إسرائيل) وفد المنظمة أقل تشددا.

ونتج عن ذلك "اتفاقية أوسلو" المخزية التي اعترفت لليهود بحقهم في جميع ما اغتصبوا من فلسطين، وأما غزة والضفة الغربية فاعتبرتهما اتفاقية أوسلو أرضا مختلف عليها ووعدت (إسرائيل) بإقامة دولة فلسطينية على الأراضي التي يتفق الطرفان عليها من الضفة الغربية وقطاع غزة سنة 1997م وأرجأت البت في الأمور المهمة كمشكلة القدس ومشكلة اللاجئين ومشكلة المستوطنات ، ومشكلة الحدود إلى نهاية المفاوضات.

وقد عارض هذه الاتفاقية أغلب اللجنة التنفيذية، وامتنع خمسة منهم حضور الجلسة، وقد استطاع عرفات أن يعلن بأن اللجنة وافقت على الاتفاقية بأغلبية الحضور ، عما بأن المعارضين أرسلوا خطابا يعلنون فيه معارضتهم للاتفاقية.

وبهذه الاتفاقية بدت فتح كأنها أصبحت في يد قيادات جديدة لا تؤمن بما آمن به مؤسسوها، وأصبح ما بقى منهم معزولا وتسلق المنافقون والانتهازيون الوصوليون إلى القيادة ورمى هؤلاء أنفسهم في أحضان الشرعية الدولية التي تسيطر أمريكا والدول الأوربية عليها.

وكان ضمن الاتفاقية إدخال قوات أمن فلسطينية توافق (إسرائيل) على أفرادها، على أن تكون مهمتهم حماية أمن (إسرائيل) من الهجمات والأعمال الفدائية لحركات المقاومة الفلسطينية( الإرهابيين حسب النظرة الصهيونية) وقد فاخر رئيس الوزراء الصهيوني إسحاق رابي بأنه استطاع أن يحول الجيش الفلسطيني من محاربة (إسرائيل) إلى محاربة المقاومين الفلسطينيين.

وقد استمرت المفاوضات ما يقارب العشر سنوات دون أن يصل الفلسطينيون إلى الدولة التي كان يحلم بها الذين وقعوا اتفاقية "أوسلو" وعندما ذهب عرفات إلى " كامب ديفيد" للتوقيع الأخير أدرك أن (إسرائيل) لن تعطيه شيئا، فلا تعود القدس العربية ولا المسجد الأقصى، ولن يعود اللاجئون، ولن تفكك المستوطنات ، وأن الدولة الموعودة عبارة عن جزر صغيرة داخل البحر الصهيوني تجعل من حاكمها مختارا ليس إلا.


الفصل الثالث عشر: المحنة مرة أخرى سنة 1965م

قامت الثورة اليمينية ، وسارع الرئيس جمال عبد الناصر بإرسال قوات مصرية لمساندة الثورة ضد الإمام بدر الذي أخذ يقاوم الثورة، وقد ساندته المملكة العربية السعودية لأن عبد الناصر أعلن أنه يدافع بقواته عن مبادئ القاهرة في قلب الجزيرة العربية.

طالت الحرب وأثقلت نفقاتها الميزانية المصرية وأخذ الشعب المصري يتململ خاصة عندما كانت مصر تستقبل قتلاها من حيت لآخر، فلا هم يقاتلون ضد (إسرائيل) حتى يعدوهم شهدا، ولا هم بقوا في مصر يتحفزون للدفاع عن بلدهم ضد العدو الحقيقي (إسرائيل).

اعتقد عبد الناصر أن تململ الشعب المصري إنما جاء من جماعة الإخوان المسلمين، وقد دفعه إلى ذلك كون الإخوان المسلمين لا يحبون أن يقاتل المسلم أخاه المسلم تحت أي ذريعة، والسبب الثاني أن أعدادا كبيرة من المتحمسين والذين حكم عليهم سنة 1954م، وسنة 1955م بالسجن عشر سنوات ، قد خرجوا من السجون، وساهموا في دفع الشعب المصري إلى التململ.

بدأت المخابرات العسكرية والمباحث العامة باعتقال أعداد من الإخوان، خاصة الذين حكم عليهم بالسجن عشر سنوات أو أكثر ، ثم توسعت فاعتقلت الذين حكموا خمس سنوات، ثم قرر الرئيس اعتقال كل من سبق له ن انضم إلى الإخوان المسلمين.

أخذ الشباب الذين لم يعتقلوا يجمعون تبرعات للإنفاق على عائلات المعتقلين، فجاء اثنان منهم إلى ألأستاذ عبد الرحمن بارود - وكان يستعد لمناقشة رسالة الدكتوراه- وقالوا له إن الحكومة اعتقلت أعدادا من الإخوان وأصبحت عائلاتهم في منتهى الفقر ونريد منك أن تجمع لنا ممن تعرف من الذين يعملون في البلاد العربية لننفق على تلك العائلات، فوعدهم خيرا.

بعد خروجهما من عنده اعتقلتهما المخابرات العسكرية وحققوا معهما لماذا ذهبتما إلى بيت الفلسطينيين في الدقي فاعترفا ، فجاء رجال المخابرات العسكرية وفتشوا بين الأستاذ عبد الرحمن بارود فوجدوا عنده مبلغ مائتين وخمسين جنيها، فأخذوا النقود التي وجدوها عنده واقتادوه إلى السجن الحربي، بعد ذلك طلبت المخابرات العسكرية المصرية من إدارة المخابرات في غزة ، بإحضار بعض الأشخاص وحققوا مع بعضهم وأطلقوا سراح بعضهم ثم اعتقلوا الأستاذ هاني بسيسو.

ظن الأستاذ هاني أن اعتقاله جاء نتيجة لاعتراف عبد الرحمن بارود عليه. أخذوه إلى السجن الحربي وبدأوا يعذبونه بقسوة شديدة، فاعترف بأنه يرأس تنظيما الإخوان المسلمين الفلسطينيين واعترف على جميع رؤساء المكاتب الإدارية للجماعة.

وبعد ذلك سألوه عن وصل كتبه لأحد شباب الإخوان المصريين بأنه استلم الخمس مائة جنيه التي كان قد سلفها لذلك الرجل فأسقط في يد الأستاذ هاني الذي كان يظن أن عبد الرحمن بارود قد اعترف عليه، ولم يدر بخلده أن موضوع الخمسمائة جنيه التي سلفها لذلك الرجل هي التي دفعتهم لاعتقاله.

وقد حكموا الأستاذ عبد الرحمن بارود بالسجن سبع سنوات والأستاذ هاني خمس سنوات، وقد مات الأستاذ هاني بسيسو يرحمه الله في السجن عندما أصيب بالحمى الشوكية، وقد شخصها طبيب السجن بغير ذلك وأعطوه علاجا مغايرا لم يفده، ولم يلبث أن دخل في غيبوبة ثم انتقل إلى رحمة الله.

بعد اعترافات الأستاذ هاني"المراقب العام" أرسلت إدارة المباحث العامة المصرية إلى حكومة غزة يطلبون منها إرسال عدد من الإخوان للتحقيق معهم في مصر وهم الدكتور رياض الزعنون والدكتور إبراهيم القصاص والدكتور إسماعيل أبو عزب وكاتب هذه السطور والأستاذ زهير الزهري والأستاذ إبراهيم أبو عزب والدكتور البيطري شفيق رجب والأستاذ حامد عاشور.

ووجدنا أمامنا في السجن المهندس محمد بعلوشة الأستاذ عمر عبد القادر وزهير أبو زناد ومحمد داود ثم رفدنا بعد ذلك بالمهندس عبد الرحيم العبادلة، والمهندس محمد شامية ، والأستاذ عبد الفتاح أبو نجيلة، والأستاذ عثمان مقداد، والدكتور عيد أبو حسين، وقد مكثنا في سجن أبى زعبل ثم ليمان طرة، ثم أبى زعبل سنة وثلاثة عشر يوما ولم توجه إلينا أي تهمة ولم نقدم للمحاكمة.

وعندما أفرج عنا استقبلنا مدير المباحث العامة بغزة في إدارة شئون فلسطين بالقاهرة في منتهى الاحترام، واعتذر لنا بشدة وقال لنا:"غيركم من الأحزاب الثانية نأخذهم من السجن إلى التخشيبة وفى الصباح نضعهم في القطار مقيدين بالحديد حتى سجن غزة وهناك يأتي أهلهم لاستلامهم من السجن".

أما أنتم فاختاروا فندقا أو فندقين فيها، وفى الصباح سنحجز لكم في القطار في الدرجة الأولى ، فطلبنا أن نعود إلى غزة في الدرجة الممتازة، فوافق قائلا إذا وجدنا فراغا ولكنهم لم يجدوا إلا ثمانية مقاعد فركبنا فيها وركب الباقون في الدرجة الأولى وكان قد وصل عددنا إلى واحد وعشرين معتقلا في آخر المدة.

ركبنا في القطار في الصباح ووصلنا بعد المغرب ووجدنا محطة القطار مملوءة بالمستقبلين ، وكان الناس يستقبلوننا بالأحضان، وكنا نعرف بعضهم ولا نعرف أكثرهم، فكان استقبالا طيبا رفع روحنا المعنوية وأنسانا ما تعرضنا له من آلام السجن والفراق.

وفى اليوم الرابع من وصولنا أرسل لنا الحاكم فقابلنا في مكتبه في المجلس التشريعي وبالغ في الاعتذار لنا وكان مما قال: الذي سمعته عن سيرتكم الطيبة جعلني من أول يوم وصلت فيه إلى القطاع أبذل كل جهدي وأذهب إلى مصر أكثر من مرة كل شهر حتى استطعنا أن نفرج عنكم.

فقال له الدكتور رياض الزعنون: "نحن نشكركم شكرا جزيلا على مجهوداتكم.. فقاطعه لحاكم:" تشكروني على إيه أنا بس رجعت المياه إلى مجاريها ، والله إن الأمر لم يكن بأيدينا، وقد ألححت كثيرا على سيادة الرئيس جمال عبد الناصر حتى وافق والحمد لله على سلامتكم".

الفصل الرابع عشر:أحداث بعد الاحتلال الصهيوني لقطاع غزة

أولا: لجنة لمساعدة (إسرائيل) في حكم القطاع في يوليو 1976م

بعد احتلال (إسرائيل) للقطاع بأسبوعين جاءني الشيخ أحمد ياسين ومعه بعض الإخوة ، وبعد جلوسهم عندي قال لي الشيخ أحمد: هل عندكم علم باللجنة التي شكلتها (إسرائيل) لتعاونها في حكم القطاع؟ فأجبته لا ، لا علم لي بذلك. فقال: ألم يتصل بك أحد في هذا الموضوع؟ فقلت أبدا.

فقال لي: قال لي أخي بدر، وهو يدرس في كلية غزة التي يملكها الأستاذ وديع الترزي وأخوة شفيق ، قال الأستاذ وديع أن )(إسرائيل) كونت لجنة من خمس أفراد ليساعدوها في إدارة الحكم في القطاع، وهذه اللجنة مكونة من أحد رجال الإخوان المسلمين وأحد رجال الشيوعيين وأحد رجال البعثتين وأحد رجال القوميين ويضاف إليهم رجل من المستقلين. ونحن نريد أن نعرف من من الإخوان المسلمين الذي انضم إلى هذه اللجنة؟

وبعد مناقشة الموضوع اتفقنا أن نذهب أنا والدكتور إبراهيم القصاص إلى ألأستاذ وديع الترزي في بيته ونسأله ونتأكد من الخبر.ذهبنا إلى بيت الأستاذ وديع وطرقنا الباب فاستقبلنا الرجل باحترام برغم أنه يرانا لأول مرة.

بعد جلوسنا وتعريف أنفسنا له قلنا له: يا أستاذ وديع سمعنا على لسانك أن(إسرائيل) كونت لجنة لمساعدتها في إدارة القطاع ، ونحن سجنا تحت اسم الإخوان المسلمين، ونريد أن نعرف من هو الذي يمثل الإخوان في اللجنة فقال: أما لم أقل كونت (إسرائيل) لجنة ولكنى قلت (إسرائيل) تفكر في تكوين لجنة، أما من سيكون في اللجنة؟ .

وهل يوافق من تطلبه (إسرائيل) ليكون عضوا في لجنة تساعدها في حكم القطاع؟ . وهذا لم يعرف بعد، هذا أمل عند (إسرائيل) أما عن الإخوان المسلمين فإن أكثرهم هم أصدقاء كرام لي وأنا أحبهم وهم قمة في الوطنية، والله ما هزمنا إلا بسبب لظلم الذي صبته الحكومة المصرية على رؤوس الإخوان المسلمين أنتما شابان لا أعرفكما وقد لا تعرفوني.

قلنا له أنت لا تعرفنا ولكننا نعرفك ونحترمك. وقلت له: كنت أراك في المناسبات الدينية في المسجد العمري، وأنت يا أستاذ وديع موضع ثقة عندنا ولنا أمل أن توضح الموضوع أمام من ذكرته أمامهم.

وفى اليوم الثاني جاء بدر ياسين وأخبر أخاه الشيخ أحمد ياسين أن الأستاذ وديع الترزي جمعهم ووضح الموضوع وأثنى على الإخوان قائلا إن الإخوان لا يمكن أن يشاركوا في لجنة تساعد(إسرائيل) في حكم القطاع. وبهذا قضينا على هذه الإشاعة بسرعة كبيرة.

ثانيا: الأحزاب تفكر في عمل منظم ضد دولة الكيان الصهيوني في أغسطس 1967م

كان في قطاع غزة أربعة أحزاب أكبرها قاعدة شعبية الإخوان المسلمون ويأتي بعدهم الشيوعيين ثم القوميون العرب وأقلهم كان البعثيون.

جاءني الأستاذ عبد الرحمن الحاج وقال لي التقينا أمس مع الشيوعيين في محاولة لنعمل جبهة واحدة ضد (إسرائيل) فقال الشيوعيون لنا شرط واحد ألا يكون الإخوان جزءا من هذه الجبهة، فقلنا لهم هذا الموقف لأنهم كشفوا خيانتكم أثناء الاحتلال الصهيوني سنة 1956م، فقال لم تكن تلك خيانة ولكنها كانت وجهة نظر، فقلنا لهم بل كانت خيانة واختلفنا معهم ونحن الآن على استعداد أن نكون معكم جبهة واحدة فقلت له: أريحوا أنفسكم نحن لا نريد أن نتعاون مع أي من هذه الأحزاب التي لا تقيم للدين وزنا بل أكثركم يحارب الدين وأهله.

ذهب الشيوعيون وعملوا تنظيما مع القوميين العرب وبعد شهر واحد ألقت الحكومة الصهيونية القبض على جميع الذين كانوا أعضاء في التنظيم، ولم يفلت منهم واحد ونجا الشيوعيون ولم يقبض على واحد منهم.

قلت لأحد القوميين عجبت من أمركم تشاركونهم في التنظيم وتثقون بهم فيلقى القبض على جميع القوميين في ذلك التنظيم ولا يلقى القبض على شيوعي . كل هذا غباء فيكم وذكاء في الشيوعيين أصحوا يا غفل.

ثالثا: الحاج رشاد الشوا يسعى لتوحيد قطاع غزة مع الضفة الغربية والمملكة الأردنية الهاشمية

بعد الاحتلال الصهيوني لقطاع غزة بشهرين تقريبا جاء الحاج زكى السوسى إلى بيتي ولم يجدني في البيت، فترك ورقة كتب فيها: أخي الفاضل إسماعيل الخالدى، الحمد لله على السلامة أولا وثانيا، حضرت لزيارتكم ولم أجدكم في البيت، سأحضر مرة أخرى، (يقصد بـ"أولا" عودتي من السجن بمصر سالما، والثاني نجاتي من قتل اليهود).

بعد استلامي للرسالة بيومين جاء الحاج زكى السوسى فوجدني في البيت فجلس معي قليلا، ثم قال لي: قبل عدة أيام أرسل لي الحاج رشاد الشوا وعرض على موضوعا أعتقد أن فيه خيرا كثيرا، قال لي: إن شعبنا الفلسطيني في غزة والضفة الغربية والشعب الأردني شعب واحد، ويتكون من عائلات أصولها واحدة، وإن توحيد هذين الشعبين فيه قوة للجميع، لذلك سنقوم بمحاولة لتوحيد الشعبين، وأريد منك- بصفتك من الإخوان المسلمين- أن تقنعهم ليساعدونا في هذا المشروع، فقمت بالاتصال بالدكتور رياض الزعنون، فقال لي: لسن أنا المسئول ، إن المسئول هو إسماعيل الخالدى، ولذلك جئت إليك، بالإضافة إلى رغبتي الشديدة لزيارتك بعد زوال المعوقات التي كانت تحول بيني وبين زيارتك فما رأيك؟

فقلت له: أولا إن اتحاد أي شعبين من الشعوب العربية نحن نؤيده ونحبه ونسعى إليه. لكن ممن سنطلب تنفيذ هذا المشروع وليس أمامنا إلا (إسرائيل) كشعب فلسطيني أصبحت كل أرضه تحت الاحتلال الصهيوني و(إسرائيل) هي المتصرف، وهل ستساعدنا (إسرائيل) في الوصول إلى هدف ينفعنا، ولا تكون هي المستفيد الأول، وأخيرا لا تنسى يا أخي الفاضل أنني أستطيع مناقشتك في موضوع وأناقشك بحرية تامة، ولكن هذا الموضوع إذا سمع به الناس لن يأتوا لمناقشتي ولا مناقشة غيري بمجرد سماعهم بهذا ، سيقررون إننا خونة، وسيقومون بقتلنا دون مناقشة، فنقتل بأقذر تهمة، فأنا أنصحك بترك هذا الموضوع، فخرج من عندي، وذهبت إلى إخواني وأخبرتهم بما حصل فسرهم موقفي كثيرا.

أما الحاج زكى السوسى فقابلني بعد يومين فقال لي: لقد تضايق الحاج رشاد الشوا من ردك، ويبدو أنه كان يتوقع وقوف الإخوان إلى جانبه، فخاب أمله لدرجة أنه كان واقفا فجلس. وبعد ذلك خرج الحاج زكى السوسى للعمل في ليبيا ، وأعتقد أنه إنما أسرع بالخروج إلى ليبيا هروبا من الحرج أمام الحاج رشاد الشوا.

رابعا: أول بعثة من قطاع غزة للضفة الغربية

بعد احتلال (إسرائيل) للضفة الغربية ولقطاع غزة بدأت سلطة الاحتلال تعطى تصاريح لمن يريد زيارة أهله في الضفة، بل ولزيارة الأهل من عرب 1948م.

اجتمعنا في أغسطس 1967م، واقترحنا إرسال وفد من الإخوة لزيارة الإخوان في الضفة الغربية، وقد ناقشنا توحيد التنظيمين في الضفة والقطاع، ليكونا تنظيما واحدا، ولما كان الوضع غير مستقر ، فكان الناس يتوقعون أن تنسحب (إسرائيل) من قطاع غزة ومن الضفة الغربية بعد مدة قريبة، فرأت الأكثرية ألا نتحد مع تنظيم إخوان الضفة، ولكن نوجد نوعا من التفاهم، وقد كنت أرى وجوب توحيد التنظيمين، ولكن كل المجتمعين عارضوا وجهة نظري فرضخت لرغبتهم.

اتفق الإخوة المجتمعون أن تذهب بعثة من إخوان قطاع غزة إلى الضفة، وقد كلفوني بذلك، وذهب معي الأخ الأستاذ داود أبو خاطر، والأخ محمد الغرابلى- يرحمه الله- قدمنا طلبا للحاكم العسكري ليسمح لنا بزيارة أقاربنا في الضفة ، فخرج تصريح، ولم يخرج التصريحان الآخران، ثم أعدنا الطلب مرة ثانية، فخرج لاثنين، ولم يخرج للثالث.

لاحظنا أن الذي يخرج تصريحه يرجعوا له الطلبين اللذين قد قدمهما وعليهما توقيع الحاكم فقط، فيسلم واحدة على حدود غزة، ثم يسلم الأخرى في نفس المكان عند عودته.قدمنا للمرة الثالثة نطلب تصريحا فخرج لاثنين ولم يخرج للثالث والجدير بالذكر أن الذي يخرج تصريحه لم يكن نفس الشخص في كل يوم.

فقلد الأخ محمد الغرابلى توقيع الحاكم على ورقتين وذهبنا إلى مكان الأتوبيس ، فركبنا في ثلاث أتوبيسات، ولم يكن الركوب باختيارنا، كان خط سير الأتوبيس غزة-بئر سبع- الخليل.

وقد لاحظت أن الأراضي الخاصة بالقرى الفلسطينية حول الخليل والتي احتلت سنة 1948م، باقية كما هي، ولم تقم(إسرائيل) فيها بأي استصلاح، كلها شجيرات من النتش الجاف الشائك.

وصلنا الخليل ، ونزلت من الأتوبيس، ووقفت في الموقف أنتظر صاحبي. لاحظت رجلا يقف منتظرا ثم تقدم وسألني: ألا تعرف أحدا من دار الخالدى؟ سؤال مفاجئ يسألني عن أحد من دار الخالدى؟ فقلت له أنا من دار الخالدى. فقال: أتعرف عبد الحميد رشيد؟

فقلت له: ابن عمى ، فسأل من أنت؟ فقلت : إسماعيل بن عبد العزيز إسماعيل، فاحتضنني الرجل، وأخذ يقبلني، ويقول: كيف والدك، وأخوك عبد الفتاح، وإخوانك وأهلك أكلكم بخير، عسى اليهود ما قتلوا أحدا؟ فقلت له: نحن جميعا بخير، وكذلك عبد الحميد رشيد وعياله وأولاده كلهم بخير، فقال لي: أنا عبد الحميد أبو سل صهري- زوج اختى- عبد الحميد رشيد أبو عدنان، وأخذ يسألني عن زوج أخته وأولادهما، فأكدت له أنهم بخير وعافية .

ثم قال لا: هيا بنا ماذا تنتظر ، أنت ضيفي الليلة، فقلت له: إني أنتظر صاحبين قادمين في الأتوبيس الثاني، وإني عامد إلى بيت ذيب العبد، فهو زوج عمتي، وإذا ذهبت إلى بيت أحد غيره، فإنه وزوجته سيأخذان على خاطرهما. حاول أن يبرر ذهابي معه بكل الوسائل، لكنى رفضت الذهاب معه. فقال لي : أتعرف بيت ذيب؟ فقلت: لا أعرفه فقال: إذن أنتظر معك لأوصلكم إلى داره.

كنت في واقع الأمر لا أريد أن أذهب إلى بيت ذيب العبد( أبو سعد) لأن أحد أبناء بلدنا كان معي في الأتوبيس ، وعندما سألته أين ستنزل، وقال : ليس في الخليل مضيف لنا إلا أبو سعيد، فقلت في نفسي: لا أريد أن أشارك أحدا يعرفني في غزة ضيافة قريبي، حتى لا يعرف قصدنا من المجيء إلى الضفة . لكن هذا الرجل فرض على أن أكون ضيفا عند قريبي، مع ابن بلدي، وولده الذي كان معه.

جاء صاحباي وانطلقا مع الرجل وإذا بالرجل يأخذنا إلى طريق بيته، لولا أن قريبنا جاء ليأخذنا ومعه ابن بلدنا لأن قريبنا كان يعرفني وأنا صغير، ولكنه بعد مرور عشرين عاما من الفراق فإنه من المستحيل أن يعرفني. رأيت أبا سعيد مقبلا فنادى الرجل"وين رايح فيهم؟ " فتبين أن الرجل – أكرمه الله- أراد أن يأخذنا إلى بيته وبعد أن يكرمنا يرسل إلى قريبنا، ولكن الله أراد غير ذلك.

دخل الرجلان فيما يشبه العراك هذا يقول ضيوفي، وأنا قابلتهم قبلك، وهذا يقول : ابن عمى لم أره منذ عشرين سنة، ثم قال له أبو سعيد: طيب أنت وين ساكن؟ قال له في الفوار. فقال قريبنا: أتريد أن تأخذه إلى الفوار روح.. روح.

وبينما نحن كذلك جاء قريب الأخ داود خاطر، وبدأ العراك مرة ثانية، واتفقوا أن نذهب مع قريب الأخ داود، وقد وقف أحد المارة عندما رأى الرجال مجتمعين، وعندما انصرف قال ظننت فلانا- قريب الأخ داود- يتعارك مع أحد الذين داينهم، فهو يداين بالربا العشرة بأربعة عشر، عندما سمعت هذا كرهت أن آكل في بيته.

وبعد دخولنا البيت جاء جارهم وقال لصاحب البيت: عندي ضيوف سنقدم لهم العشاء، وأنا أريدك أن تأتى مع ضيوفك لتتعشوا معنا، فذهبنا إلى هناك، وحمدت الله أن يسر لنا عشاء بعيدا عن الربا. لأهل الخليل عادة قد تختلف عن عادات غيرهم، فهم يقطعون الذبيحة قطع متساوية ثم يطبخونها، ويهيئون المنسف، ثم يلفون كل قطعة من قطع اللحم في رغيف من خبز شراك، ويسلمون كل واحد من الموجودين قطعته.

بعد العشاء ذهبنا حسب الاتفاق إلى بيت قريبنا لنبيت عنده. سلمت على عمتي بعد الدخول. وتعرفت على أولادها، وبينما كنت أتحدث مع أبى سعيد همست في أذنه قائلا: أنا أريد أن التقى أنا وصاحبي بالدكتور حافظ عبد النبي، فابتسم، ثم قال يأخذك إلى عيادته.

في الصباح ذهبنا إلى عيادة الدكتور حافظ- وكان نائبا في البرلمان الأردني- وتحدثنا معه، ثم أخبرناه أننا لا نملك كثيرا من الوقت، نريد أن نذهب إلى القدس، وإلى نابلس، ونعود، ونريد منكم أن تساعدنا بتقديمنا للإخوة المسئولين في القدس ونابلس فقال: تتغذون عندي، ثم أرسل معكم أخ يوصلكم إليهم. فقلت له: غذانا جاهز، ولكن في العودة إن شاء الله. أرسل معنا في اليوم الثاني أحد الإخوة إلى القدس ، لنقابل الحاج عالي السلايمة. وصلنا القدس وذهبنا إلى محل تجارى فيه رجل كبير السن وقور قدمنا الأخ المرافق له كوفد من إخوان غزة .

جلس معنا الرجل جلسة عامة، ثم خرج إلى مكان آخر، وأرسل لي من يطلبني لأجلس معه على انفراد، وأخذ يسألني عن شخصيات مصرية من الإخوان، هل رأيتها هناك عندما اعتقلت في مصر؟ وكنت أقول فلان رأيته، وفلان لم أره، حتى تأكد من صدقي ، وأثناء حديثي معه مر قسيس قبطي واقترب منه وهمس في أذنه، وانصرف فاستغربت من ذلك فقال لي- يرحمه الله- لا تظن أن اليهود يكرهون المسلمين فقط، إنهم في الواقع يكرهون النصارى، أكثر من كرههم لنا.تناولنا طعام الغذاء عند الشيخ الحاج عالي السلايمة، وبعد ذلك انطلقنا إلى نابلس وإذا بها مسافة طويلة أكثر مما كنت أتوقع.

وصلنا نابلس وقدمنا المرافق إلى ألأستاذ نبيل البشتاوى الذي كان يجلس في محل تجارى يطل على ميدان واسع اسمه ميدان الحسين( ميدان الشهداء في الوقت الحاضر) ورأيت والده الذي كان طويل القامة، يلبس بدلة تتدلى سلسلة بيضاء من العروة العليا لصديرى البدلة، ثم ترتفع السلسة لتصل إلى ساعة موضوعة في الجيب العلوي للصديرى.

جاء بعد قليل الشيخ سعيد بلال –يرحمه الله- وسلم علينا بحرارة، وجلسنا نتجاذب أطراف الحديث، قال الشيخ سعيد بلال: بعد دخول الجيش الصهيوني نابلس، جاءني موشى ديان وقال: هل ضايق الجيش الصهيوني أحدا في نابلس أو آذاهم؟ فقلت له: وكيف أعرف؟ أنا لم أتجول في نابلس لأسأل الناس ، هل تعرض لهم الجيش الصهيوني بأذى أم لا .

فقال لي: هل تعرض الجيش الصهيوني لك ولأسرتك بأذى؟ فقلت: لا . فقال: أطمئنك الجيش الصهيوني لم يتعرض لأي شخص في نابلس بأي أذى، كيف لو أنتم احتلوا (إسرائيل) ماذا كنتم ستفعلون بنا؟ فقلت له: طول عمر المسلمين يحتلون بلاد الآخرين، ولم تسجل حادثة واحدة، أن فتك المسلمون بشعوب البلاد التي احتلوها . فقال هذا يا حبيبي عندما كنتم مسلمين، من قال بأنكم أنتم الآن مسلمون؟

عندما أردنا أن ننام استأذن الشيخ سعيد بلال –يرحمه الله- أن أذهب معه لأنام في بيته، وهناك سألني من أي بلد أنت فقلت له: من قرية من غزة اسمها "كراتيا: وأنت يا شيخ من أين؟ من نابلس أم من إحدى قرى نابلس؟ هل صحيح يوجد بلد اسمه طلوزة؟ فقال: نعم بلدنا، وجاء اسمها من مكان بنيت فيه، اسمه تل اللوز، وما زالت حتى حرفت وصبح اسمها "طلوزة".

وفى الصباح الباكر ذهبنا إلى دار البشتاوى لتناول طعام الإفطار، ولأول مرة في حياتي أرى جبنة نابلسية مقلية بالسمن البلدي، فقد كانت جزءا مهما في الإفطار.

بعد الإفطار انطلقنا إلى الخليل، وهناك تناولنا طعام الغذاء في بيت الدكتور حافظ عبد النبي- يرحمه الله- وبعد الغداء عقدنا اجتماعا شارك فيه الدكتور حافظ، والدكتور الزير، والأستاذ الخطيب، ولا أعرف الأسماء بالضبط لأني نسيتها.

تناول النقاش توحيد التنظيمين الذي عارضه جميع أعضاء الهيئة الإدارية للمكتب الادارى في قطاع غزة، ما عداى، وكنت رئيس المكتب، وعندما بدأت المناقشة، واشتدت، توقف صاحباي عن النقاش، وأعيتهم الحجج، وبقيت أنا أدافع عن رأيهم، فضحك أحدهم، ولما سألوه عن سبب الضحك.

قال: الأخ إسماعيل كان يدافع عن رأيكم ، وكنا ضده، وهو الآن يدافع عن رأينا بطريقة لا نقدر عليها، فقلت: أنا لا أدافع عن الرأي الذي أقره الجميع، والذي عارضته، وأنا أحمل أمانة أبلغها بأمانة رغم عدم إيماني بها. وكان ذلك آخر عهدي بالمسئولية الاخوانية، وغادرت القطاع، وانتخب الشيخ أحمد إسماعيل ياسين ليحل مكاني، في سبتمبر 1967م.

الباب الثاني الإخوان المسلمون في فلسطين بعد عام 1967م

الفصل الأول : الإخوان المسلمون بعد عام 1967م

عندما احتل اليهود قطاع غزة والضفة الغربية كان وجود الدعاة الإسلاميين ضعيفا، وذلك بسبب الضربات الشديدة، والكبت القوى الذي صبه حكم الرئيس جمال عبد الناصر ، وعملائه على الحركة الإسلامية في قطاع غزة ، وبسبب قوة التيارات الوطنية والإشتراكية والناصرية والشيوعية، التي كانت تسيطر على الشارع في الضفة الغربية.

ولكن احتلال اليهود للضفة الغربية والقطاع وسيناء والجولان، وانهيار الأنظمة الإشتراكية والناصرية بسرعة عجيبة، وانهزامهما بشكل مخز، لم يحدث له مثيل في التاريخ، أسقط جميع هذه التيارات أو أضعفها إلى حد كبير، وجعل الشعب الفلسطيني في المناطق المحتلة يعيش حقبة ذهول لم يلبث أن أفاق منها، ليجد نفسه مضطرا لخوض المعركة مع اليهود وحيدا، بعد أن كفر بكل القيم التي نادت بها تلك التيارات المهزومة ، وكان طبيعيا أن يصبح الإسلام ومبادئه البديل الوحيد لتلك الأفكار الدخيلة، والأنظمة المهزومة.

بدأ دعة الإسلام ينشطون في كل ميدان ، يدعون إلى العودة إلى الله والتمسك بالإسلام، فإن سر انتصار المسلمين يكمن في طاعتهم لله وبعدهم عم عصيانه، فإذا عصى المسلمون الله وغاصوا في الموبقات وتفرقوا شيعا وأحزابا، تاركين سبيل الله متبعين طرق الشياطين، فإن الله يسلط عليهم من لا يرحمهم فنحن قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله.

ومرت الأيام، وتتابعت الشهور والسنوات، وأعداد المؤمنين العائدين إلى الإسلام تزداد، والملتزمين في تكاثر كل يوم في الأرض المحتلة، كما هو الحال في بلاد العالم العربي والإسلامى كله، حتى أصبحوا يشكلون نسبة كبيرة ظاهرة في المجتمع.

فقد نشرت صحيفة الغارديان البريطانية تحقيقا لمراسلها "يان بلاك" بعثه من مدينة غزة المحتلة، بدأه بالحديث عن طبيعة الجمهور الذي شاهده في شارع عمر المختار بالمدينة، وكيف أن نسبة كبيرة من الشباب تطلق اللحى بينما ترتدي النساء ملابس طويلة محتشمة.. ثم قال: "إن علامات اليقظة الإسلامية واضحة في كل مناطق ذلك السهل الساحلي المكتظ بالسكان، المعروف باسم قطاع غزة".

وانتشر دعاة الإسلام والمؤمنون به في كل مكان، خاصة في مخيمات اللاجئين والأماكن التي يتواجد فيها الكادحون الذين يشكلون الأغلبية الساحقة في الشعب الفلسطيني، فنظموا أنفسهم، واتخذوا من المساجد منابر لنشر دعوتهم، وأماكن يجتمعون فيها، ويتدارسون القرآن والفقه والتوحيد، ويرسون خطط الدعوة، والطرق التي يستطيعون بها إقناع الناس بالعودة إلى الإسلام والتمسك به.

وبدأوا يغيرون كل ما لا يرضى عنه الله، فمن الحجاب الإسلامى، إلى العرس الإسلامى الذي لا يقال فيه إلا ما يرضى الله، إلى الفهم والوعي الإسلامى لطبيعة المعركة مع اليهود، إلى رفض كل الأفكار المسمومة المطروحة كبديل عن الإسلام، والتي حاول بثها المحتل وبعض المغفلين من أبناء شعبنا أسماء ومسميات عديدة".

إلا أن عدد المساجد الموجودة في الضفة والقطاع ضاقت بالأعداد الغفيرة، التي عادت إلى الإسلام، وتمسكت به، وهنا كان لابد من وضع حل لذلك، فدخلت المرحلة الثانية من مراحل بناء المساجد وتقوية الصحوة الإسلامية.

أسباب قوة الاتجاه الإسلامى

يسر الاحتلال الصهيوني في قطاع غزة والضفة الغربية للفلسطينيين سبل الاتصال والتعاون بينهم عامة، فانتهزت الجماعات الإسلامية الفلسطينية الفرصة، وأخذوا يتحركون بين الضفة والقطاع وفلسطين المحتلة منذ عام 1948م، فانتقلت الأفكار والكتب والمطبوعات بينهم، وهذا أكسب دعاة الحركة الإسلامية عمقا بشريا وجغرافيا واسعا للحركة والدعوة، ويمكن الحديث عن عوامل عدة كانت سببا في قوة الاتجاه الإسلامى ومنها:

أولا: إقامة المساجد

للمساجد في الإسلام دور كبير ، ففيها تؤدى الصلوات، وفيها تعقد حلقات الذكر والعلم، وفيها تربى النفوس على عمل الخير والسعي فيه، وفيها ترسم الخطط لمواجهة الأعداء، ومنها كانت تنطلق قيادات الجيوش الإسلامية، لذلك وجد دعاة الإسلام في الأرض المحتلة لزاما عليهم أن يعيدوا للمساجد مكانتها الإسلامية، خاصة في وقت لم يكن أمامهم مجال للاختيار. فقاموا ببناء أعداد كبيرة من المساجد تتناسب مع أعداد السكان المتزايدة، وحاجة الحركة الإسلامية لنشر الدعوة لإعادة المسلمين إلى أصول الإسلام، ولتنوير عقول الأجيال الصاعدة وقلوبهم ، بثقافة الإسلام الذي يعتز به المسلمون.

وقد ألحقوا في كل مسجد بنوه مكتبة، أمدوها بالكتب الدينية، ككتب التفسير والفقه والتوحيد، والكتب الفكرية التي تدافع عن الإسلام ضد الهجمة العالمية والأفكار الظالمة المظلمة من الشرق والغرب على الدين الإسلامى وبلاد المسلمين. كما بنو في المسجد قاعة للمحاضرات لتنوير عقول المسلمين بحقيقة الإسلام الذي لا يقبل لأهله الذل والمهانة التي يريد أعداء الإسلام أن يفرضونها على عامة المسلمين، ولتعليم النشء الجديد كيف يستعذبون الموت في سبيل الله لطرد الغاصبين من الوطن وتحريره.

كما أوجدوا في كل مسجد ناد صغير ليباشر الشباب أنواع الرياضة ، من تمارين رياضية، مقوية للأجسام، وألعاب كرة القدم، والكرة الطائرة وكرة السلة، وقد أقام حفاظ القرآن بتحفيظه للأجيال الناشئة في أوقات فراغهم ، كما أوجدوا في كل مسجد لجنة لجمع الزكاة من الأغنياء وتوصيلها للمحتاجين من الفقراء، وقد أثمر وضع المساجد الجديد صلات طيبة بين الناس، وساعد على تقوية الاتجاه الإسلامى، وقد علقت صحيفة التايمز اللندنية على ذلك بقولا:

"إن السبب الرئيس لزيادة عدد المساجد عما كان عليه في بداية الاحتلال هو تنامي التيار الإسلامى ـ ومن مظاهر ذلك الأعداد الكبيرة من المسلمين الذين يأتون الصلاة في السمج الأقصى، مع أنه لم يكن يؤدى فيه الصلاة سوى عدد قليل من الرجال قبل عشرين عاما، وارتفع عدد المساجد في الضفة والقطاع من 600 مسجد سنة 1967م، إلى 1350 مسجدا، وذلك خلال عشرين عاما من الاحتلال".

ثانيا : الإخوان وإنشاء المدارس

قام الإخوان المسلمون بإنشاء عدد من المدارس في مدن الضفة الغربية وقطاع غزة ، في نابلس مدرسة ثانوية- كما ذكرنا سابقا- وفى القدس ، وفى الخليل، وقد أسسوا مدارس الأرقم في مدينة غزة، وهى مدارس متكاملة ، ابتدائي ومتوسط، وثانوي للبنين، ومثلها للبنات، والذي يتخرج من هذه المدارس يستطيع أن يلتحق بالجامعة الإسلامية، أو أي جامعة أخرى.

هذا بالإضافة إلى عدد كبير من رياض الأطفال في الضفة والقطاع، وتقوم جمعيات الإخوان المسلمين الخيرية بالإشراف على هذه المدارس ورياض الأطفال التابعة لهم.

ثالثا: النوادي الرياضية

كما أنشأ الإخوان مجموعة من النوادي الرياضية في الضفة وفى القطاع، بعضها كان ناديا إسلاميا مستقلا، وبعضها كان جزءا من جميعه إسلامية أو مجمع إسلامي، وقد دخلوا المباريات الرياضية، وأحرزوا عددا من البطولات مثل نادي الجمعية الإسلامية في غزة.

رابعا: الاتصال بالجماهير والتأثير فيها في المناسبات

حرص خطباء الإخوان المسلمين على الاتصال بالجماهير في كل المناسبات ، وخاصة المناسبات والاحتفالات الدينية، والاجتماعية، والوطنية ،كالاحتفال بليلة القدر، وذكرى الإسراء والمعراج، وفى مناسبات الأفراح والأتراح، وفى خطب الجمعة الأسبوعية.

"ويلجأ الإخوان فى نشر أفكارهم، وتوسيع نفوذهم إلى توزيع الكتب الدينية الصادرة عن قادة الفكر الإسلامى، وتكتظ رفوف المكتبات والجمعيات الإسلامية بالمئات من هذه الكتب والأدبيات، ويجرى استيراد معظم هذه المطبوعات من الخارج. وعلى الصعيد الداخلي جرى نشر ثمان مجلات بشكل منتظم أو متقطع من قبل المؤسسات والكتل الطلابية".

وتركز محتويات هذه المطبوعات على المسلكية الفردية، وتصف الثقافة السائدة بأنها مشوهة بفعل تأثير الغرب وتدعو إلى العودة إلى الإسلام، كما تحرض ضد كل من الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفيتي، وتوجه النقد للقوى الوطنية المحلية، وتصف الاحتلال الصهيوني بأنه لعنة أو عقاب من الله لأن كثير من الفلسطينيين والعرب(المسلمون) ابتعدوا عن طريق الإسلام الحقيقي، وأن السبيل الوحيد للخروج من هذا المأزق هو العودة إلى الإسلام. ويوفر الإخوان للجمهور الأشرطة الدينية المسجلة بأصوات قادة وخطباء إسلاميين مشهورين في العالم العربي".

خامسا: المسابقات العامة

زار الشيخ أحمد إسماعيل في المجمع الإسلامى المحسن الكبير الوجيه الفاضل سعد جميل الشوا واقترح عليه أن يضع كتابا أو مجموعة كتب فكرية، ويعلن لجميع الناس أن هناك مسابقة لمن يقرأ هذه الكتب، ويجيب على الأسئلة ، التي توضع عليها فإن هناك جائزة لأحسن خمس أشخاص يقدمون إجابات صحيحة أو يحصلون على أعلى علامات في هذه المسابقة، وتكون المسابقة شهرية، فاستحسن الشيخ أحمد ذلك ووافق على اقتراحه فترك الأستاذ سعد جميل الشوا مبلغا من المال لتلك المسابقات، فجزاه الله خيرا على ذلك العمل النبيل ، وقد جاءت المسابقات بفائدة كبيرة نورت فكر الشباب ، وجعلتهم يطلعون على ما يحتوى الإسلام من أفكار جليلة نافعة للفرد والمجتمع.

وكان ذلك النشاط الرائع والجهد العظيم الذي خطط له الشيخ أحمد ياسين-يرحمه الله- وإخوانه الكرام والمحسنون من أبناء الشعب الفلسطينى ثمرة كبيرة ونتيجة واضحة لكل عين مبصرة، وبهذا أصبح الاتجاه الإسلامى الذي يقوده الإخوان المسلمون هو أكبر قوة في الساحة الفلسطينية، تضاءلت أمامه جميع القوى السياسية القومية منها واليسارية، وأصبح الشارع الفلسطينى تحت سيطرة وتوجيه الإخوان المسلمين، الذين كان يطلق عليهم في ذلك الوقت أصحاب الاتجاه الإسلامى.

شعرت القوى اليسارية والوطنية أنها أصبحت معزولة، وأن الراى والقول المسموع أصبح لغيرهم فساءهم ذلك جدا، فأخذوا يثيرون التهم والشبهات ، وروجوا أكاذيب كثيرة، ولكن الإخوان فندوا جميع ما أثاروه من تهم وأكاذيب، وأحس هؤلاء إن الشارع الفلسطينى لم يعد يقيم لهم وزنا ، أو يأبه بأفكارهم، ولم يصدق أكاذيبهم ، لأن الشعب يرى أفاضل الناس وأراذلهم، وأصبح كل شيء واضح بين. فأثار ذلك حفيظتهم، وبدأوا يتحرشون بأصحاب الاتجاه الإسلامى، وهؤلاء يتعالون عنهم أحيانا ويضطرون لتأديبهم أحيانا أخرى، كما سأبين ذلك في صفحات قادمة.

سادسا : معركة منكرات الأفراح

انتشرت العادات السيئة بين المسلمين في الأفراح، كالرقص والغناء الخليع الماجن، وتوزيع كؤوس الخمر خاصة على المطربين والمطربات ، وأصبح هذا العمل السمة الغالبة لكثير من الأفراح.

وقام العلماء والدعاة باستنكار هذه الأعمال، وتحذير الناس من هذه الخطايا والآثام، وكان أكثر المستمعين يؤمنون بأن ذلك منكر لا يرضى الله، ولكن ثبات الناس على هذا كان يضعف كل مرة ماذا يفعلون ، عند ذلك يقوم المنحلون بعمل ما تعودوا عليه من غناء ورقص لا يرضى عنه الله ولا رسوله.

اجتمعت إدارة المجمع الإسلامى برئاسة الشيخ أحمد ياسين ، وبعد مناقشات توصلوا إلى أن منكرات الأفراح لا يمكن القضاء عليها إلا بتقديم البديل، وأن البديل لابد أن يكون عبارة عن مجموعات من ألأناشيد والمدائح، التي تثير حماس الشباب ، وتدعوهم إلى التمسك بالإسلام والفضائل ، وطلب رضي الله ورسوله، وأن يكون الجهاد وطلب الشهادة لدخول الجنة وثواب الله هو غاية الأعمال وهدفها.

وقد ألفت أعداد كبيرة من الأناشيد والأهازيج الإسلامية والتمثيليات التي تحكى قصصا وأعمالا للسلف الصالح وسلوكهم وأخلاقهم ، كما ألفوا فرقة من الأطفال ودربوهم على ألحان جميلة.

وقد قدمت فرقة المجمع الإسلامى أعمالها في عدد من ألأفراح وكانت ناجحة فأقبل عليها الناس، لروعة ما تقمه، ولأنها كانت مجانا دون مقابل مادي، وبدأت الأفراح الإسلامية النظيفة تطارد الأفراح الفاجرة وتتعقبها، إلى أن حصرتها في أضيق الحدود، بل لقد قضت عليها تماما منذ انطلاق الانتفاضة.

وقد انتشرت الأفراح الإسلامية النظيفة في قطاع غزة والضفة الغربية والمناطق المحتلة منذ عام 1948م.

نموذج من أناشيد الأفراح الإسلامية في الأرض المحتلة

سبح الله المعبود
صلى عالنبى الهادي

واذكر اليوم الموعود

وعد ليوم التنادي

لا إله إلا الله

لا إله إلا الله

وحنا جينا بعرس اليوم

نحيى كل الإخوان

ما في عتاب وما في لوم

ثورة على الأعادي

لا إله إلا الله

لا إله إلا الله

العرس الإسلامى أتى

بالإخوة والخلانى

منو بنزرع الحماس

ونحقق الأماني

لا إله إلا الله

لا إله إلا الله

عرس اليوم حكاية شعب

بدو يعيد الأمجادى

ما في لعب وخمر وسخط

وفيه معنى الجهادي

لا إله إلا الله

لا إله إلا الله

يا رايح أرض فلسطين

خذ لي معاك هدية

وردة للشعب المسكين

اللي ذبحه أصبح أضحية

لا إله إلا الله

لا إله إلا الله

تحية من الغرباء

ها الفرقة الإسلامية

با لله نرفع اللواء

بأرض القدس الأبية

لا إله إلا الله

لا إله إلا الله

لاطلع عراس الجبل

واشرف على الوادي

وقول يا مرحبا

نسم هوا بلادا

قلبنا الأرض قلبة بعد قلب

وحبك يا قدس ما زال معلق بقلبي

مع الإسلام دقاتك يا قلبي

ومع القرآن نار ولهب

سابعا: معركة الحجاب والزى الإسلامى

وضع قادة المجمع الإسلامى برئاسة الشيخ الأستاذ أحمد ياسين نموذجا للزى الإسلامى في أوائل السبعينات، وطالبوا نساءهم وبناتهم ونساء وبنات الاتجاه الإسلامى في الأرض المحتلة الالتزام بذلك الزى، وما هى إلا شهور حتى أصبح الشارع يعج بالطالبات الملتزمات بالزى الإسلامى، فجن جنون دعاة التهتك والانحلال، وقامت التعليقات الساخرة في الصحف اليسارية- صحيفة الفجر التى يرأسها "حنا سنيورة" وصحيفة الاتحاد الناطقة باسم الحزب الشيوعى- وبدأ الهجوم على هذا المظهر غير الحضارى- على زعيمهم- الذى دعا إليه المتبرقعون بالدين، ولكن هجومهم ذلك ما زاد الناس إلا إقبالا على الزى الإسلامى وتمسكا به.

قامت بعض مديرات المدارس بإصدار الأوامر إلأى الطالبات بعدم ارتداء الزى الإسلامى على الأقل داخل أسوار المدرسة، فاعترضت الطالبات بأن المدرسة تعج بالمدرسين الذين لا يباح للمرأة أن تكشف رأسها أمامهم، فكان رد المديرة بأن الطالبة التى لا تلتزم بأوامر المدرسة سنقوم بفصلها، وقامت بعض المديرات فعلا بتمزيق غطاء الراس لمجموعة من الطالبات بمدرسة الشهيد مصطفى حافظ الثانوية بغزة.

ولم يترك الإسلاميون ذلك الحادث يمر بسهولة ، فقام خطباء المساجد باستنكار هذه الجريمة التى قامت بها تلك المديرة، وكذلك قاموا باستنكار الحادث في المجالس والتجمعات ، وذهب عدد من أولياء امور الطالبات إلى إدارة التعليم، ثم ذهب عدد من الشباب إلى مديرة المدرسة نفسها وههدوها إن عادت إلى التعرض لأى طالبة تلبس الزى الإسلامى فسيحدث ما لا تحمد عقباه.

تكهرب الجو، وتوترت الأمور، وعلى إثر ذلك أصدر مدير التعليم بقطاع غزة أمرا بعدم التعرض للطالبات اللواتى يلبسن الزى الإسلامى، فكانت معركة ، وكانت انتصارا للاتجاه الإسلامى، وبمرور الزمن أصبح الزى الإسلامى هو الزى السائد في المدارس والجامعة والشارع في قطاع غزة ، ثم انتقل إلى الضفة الغربية وإلى المسلمين الذين يسكنون المناطق المحتلة منذ عام 1948م.

والذي تجدر الاشارة إليه أن شباب وشابات الكتل الإسلامية في جامعات الأرض المحتلة قاموا بمجهودات كبيرة في هذا المجال، فكانوا بين الحين والآخر ، يقيمون معارض للزى الإسلامى يباع فيها ذلك الزى بسعر رمزى ليسهل على الطالبات شراؤه وارتداؤه.

وقد قامت الجامعة الإسلامية بغزة بمجهود واضح في هذا المجال وذلك من خلال:

  1. إلزام طالبات الجامعة بارتداء الزى الشرعى، وعدم السماح لأى طالبة لا تلتزم به بدخول الجامعة.
  2. إقامة معارض الزى الإسلامى بمعدل معرض كل فصل دراسى ضمن نشاط مجلس الطالبات بالجامعة، وتوزيع بعض الجلاليب مجانا على الطالبات الفقيرات ، وبيعها بسعر مخفض للأخريات.

الفصل الثانى: المواجهات مع أعداء الإسلام

ظهر لكل مراقب بأن الشارع الفلسطينى- ما ذكرت سابقا- تحت سيطرة الاتجاه الإسلامى ، فاثار ذلك حقد أصحاب الاتجاهات اليسارية، والذين يفضل أكثرهم محاربة دعاة الإسلام على محاربة (إسرائيل) وقد ظهر ذلك جليا عندما أقام الإخوان المسلمون أربع قواعد في غور الأردن للانطلاق منها لمحاربة (إسرائيل) التى تحتل فلسطين، خاصة عندما تبين لهم بسالة الإخوان ، وإخلاصهم الشديد في القيام بعمليات بطولية رائعة، اشاد بها ياسر عرفات- يرحمه الله- عندما قال:" هكذا تكون العمليات البطولية وإلا فلا".

وتحضرنى بهذه المناسبة قصة حدثت معى، فقد كنت في عمان عندما زارنى صهرنا النقيب نجيب الحورانى، وقال لى: حدثنى صديقى النقيب محمود إسماعيل صيدم، الذى انتدبه جيش التحرير الفلسطينى للعمل في قواعد الإخوان، وقال بأنه إذا خطط للقيام بعملية ضد (إسرائيل) واحتاج خمسة أفراد مثلا فإن أكثر من خمسين يتسابقون كل واحد منهم يريد أن يشارك في هذه العملية ، واضطر لعمل قرعة بينهم حتى يقتنع من لا نستطيع إدخاله للمشاركة في العملية الفدائية.

وأنا منتدب للعمل مع الجبهة الشعبية، وكلما أردت أن أنفذ عملية فدائية تحتاج خمسة أفراد أدور عليهم مرتين أو ثلاثة، وكل منهم يعتذر بأعذرار مختلفة ، ويكاد يمضى الوقت قبل أن أحصل على العدد المطلوب ، وعندما يذهبون لا يفعلون شيئا، ويعودون ليملأوا الدنيا ضجيجا بألأعمال البطولية التى قاموا بها، وفى حقيقة الأمر فإنه لم يفعلوا شيئا.

والذي أريده منك أن تتوسط لى عند من تعرف، فإذا ذهبت إلأى العمل في قواعد الإخوان فسأريك ماذا تفعل.وقد حاولت أن أطلب من بعض المسئولين في الإخوان انتدابه للعمل في قواعدهم، ولكن الحرب بين الفدائيين والحكومة الأردنية كانت أسرع، وقد قامت الفئات السيارية المعادية للاسلام بالاعتداء على أصحاب الاتجاه الإسلامى في أماكم وأزمان مختلفة، وألخص تلك الاعتداءات في المواقف التالية:

أولا: الجبهة لشعبية تخطط للهجوم على قواعد الفدائيين من الإخوان المسلمين:

خططت بعض المجموعات مكن الجبهة الشعبية لمهاجمة قواعد الفدائيين من الإخوان المسلمين في منطقة الأغوار، وذلك لأنهم لاحظوا أن نوعية لعمليات الفدائية التى كانوا يقومون بها كانت جريئة وناجحة، وأنها كانت موضوع حديث الناس في الشارع الأردنى، الذين لم يتعودوا أن يمدحوا أى عملية بها فدائيو الجبهة الشعبية.

وقد عملت قيادة حركة التحرير الوطنى الفلسطينى "فتح" بمخططات الجبهة الشعبية، فوجهت إنذارا شديدا إليهم، وهددتهم بأن فتح ستسحق أى قوة تعتدى على أى قاعدة يرتفع عليها علم فتح، وكانت قواعد الإخوان في الأغوار ترفع علم فتح على قواعدها، وقد كان ذلك الانذار سببا في تراجعهم والاقلاع عن مخططاتهم الاجرامية.

ثانيا: محاولة اليساريين السيطرة على الجامعة الإسلامية:

قامت الجامعة الإسلامية بغزة على أ رض كانت مخصصة للجامع الأزهر (معهد غزة الدينى) وعندما عقدت النية على تطوير ذلك المعهد ليصبح جامعة إسلامية، جن جنون الشيوعيين والملحدين والعلمانيين، وبدأوا يهاجمون الفكرة داعين إلى جعلها جامعة وطنية بعيدة عن الدين الإسلامى، بحجة البعد عن اغتصاب النصارى في القطاع.

واشتدت المعركة ووضعت العراقيل إلا أن دعاة الإسلام استطاعوا –بعون الله- أن يحافظوا على اسمها وبرنامجها ومناهجها حسب الخطة المرسومة لها.

وبالرغم من ذلك فإن أعداء الإسلام لم ييأسوا خاصة وأن الجامعة بدت، وكأنها قلعة قوية من قلاع الإسلام، فاتجهوا إلى منظمة التحرير الفلسطينية، وأخذوا يضغطون عليها بكل الوسائل الخبيثة، إلى أن اقنعوها بإصدار أمر إلى مجلس الأمناء بتاريخ 7/1/1981م تطلب منهم الاستقالة، وكانوا قد أعدوا مجلس أمناء على هواهم، كما أعدوا إدارة جديدة أكثرهم من الشخصيات المعادية للاسلام، حتى تقوم بإعداد مناهج وبرامج جديدة، كما أعدوا لها اسما غير اسمها.تلكأ مجلس الأمناء وإدارة الجامعة في الاستقالة لعل المنظمة تقلع عن طلبها ذلك، وتبقى على الجامعة كما هى.

عند ذلك أرسلت الجمعية الإسلامية بغزة بتوجيه من الشيخ أحمد ياسين نداء إلى كل مسلم يهمه أمرالإسلام والمسلمين، ليتوجه إلى الجامعة الإسلامية ويعتصم بها، إلى أن تتراجع المنظمة عن أمرها الذى أصدرته لمجلس الأمناء وإدارة الجامعة، حتى يبقى مجلس الأمناء القديم وإدارة الجامعة على ما هما عليه دون تغيير فاحتشدت عشرات الآلاف من المسلمين، وجلسوا في الجامعة ثلاثة أيام ، وتةعدوا أى إدارة جديدة بالموت إذا وصلت الجامعة، فلم يجرؤ أى إنسان من مجلس الأمناء الذى أعده أعداء الإسلام ، أو من أعدوا لإدرة الجامعة على الاقتراب منها، عند ذلك تراجعت المنظمة عن الأمر الذى وجهته إلأى مجلس الأمناء ورجال إدارة الجامعة، وبقيت إدارة الجامعة كما هى ، وكذلك مجلس الأمناء.

وفى أعقاب ذلك انطلقت الجماهير من الجامعة، واتجهت إلى أماكن الفساد والموبقات فدمروها، دمروا عددا من الخمارات التى كانت تقدم الخمر بأسعار مخفضة لشباب المسلمين، وبعض دور السينما التى كانت تعرض الأفلام الجنسية التى تأتيها من (إسرائيل) كما دمروا بعض الكازينوهات التى كانت تستعمل اماكن للبغاء فى ليلة الجمعة والسبت وبعض الليالى الأخرى من أيام الأسبوع، واتجهوا إلأى مقر جمعية الهلال الأحمر، الذى كانت تديره زمرة من الشيوعيين وأعوانهم فحرقوه.

وعندما أعاد أصحاب الكازينوهات بناءها جاءوا إلأى الشيخ أحمد ياسين وقالوا له:" نحن نعطيك الحق في إرسال أى مجموعة من الشباب لتفتيش هذه المحلات، فإذا وجدوا فيها ما يغضب الله ورسوله، فنحن نعطيكم الحق في تدميرها وحرقها.وهكذا بدأ الناس يحسون بقوة الاتجاه الإسلامى ويحسبون له كل حساب.

الاعتداءات اليسارية المتفرقة على الاتجاه الإسلامى

جاء رد اليساريين على تنامى قوة الاتجاه الإسلامى بالاعتداء على الشباب النشطين منهم بوسائل مختلفة، وقد لوحظ أن موقف سلطة الاحتلال كان موقفا غريبا، فلم يكلف نفسه بمعاقبة المعتدين أو البحث عنه، بل كان أحيانا مشجعا لهم كما حصل عندما حاول شابان من الجبهة الشعبية صدم سيادة الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، وساعرض لهذه الأحداث حسب تاريخ حدوثها.

أولا:في يوم 4/5/ 1986م قام شابان من الجبهة الشعبية بالاعتداء على الطالبة في الجامعة الإسلامية "يسرى حمدان" – وكانت نشيطة في مجال الدعوة الإسلامية بين الطالبات- وذلك بأن هجم أحدهما عليها وشرط وجهها بمشرط كان في يده، تشبب في عمل عشر غرز في وجهها، وأما الشاب الثانى فقد شرط صدرها بمشرطه ولكنه لم يقطع إلا جلبابها الذى كان فضفاضا ولم يوصل المشرط إلأى جسمها.

ثانيا: في يوم 7/5/1986م قام الشيوعى "على جبر" بالاعتداء بالضرب على الدكتور عطا الله أبو سميح ، وقام عدد من الوجهاء بالتدخل لاصلاح ذات البين، وأخذوا وجوها بين الطرفين على ألا يعتدى أحدهما على الآخر، لأنه من العار أن نتخاصم بينما الاعداء يحتلون أرضنا.

ولكن الجبهة الشعبية خرقت الاتفاق وكتب أحدهم مقالا في جريدتهم بتاريخ 9/5/1986م –جريدة الفجر- يحرض فيه على الاعتداء على أصحاب الاتجاه لاسلامى، ويصفهم بالرجعية، ويقول بأنهم لن يستطيعوا أن ينتصروا على (إسرائيل) ما دام هؤلاء بينهم، ولابد من محاربتهم قبل محاربة (إسرائيل).

أرسل الإخوان إلى الوجهاء ذلك المقال وطلبوا منهم يوم 11/5/1986م أن يرفعوا وجوههم من هذه المشكلة، وقاموا بمعاقبة المعتدين على الدكتور عطا الله أبو سميح، وعلى الطالبة يسرى حماد،وذلك بتاريخ 11/5/1986م.

ثالثا: في يو 17/5/1986م تعرض شابان من الجبهة الشعبية للطالب في الجامعة الإسلامية زكريا السنوار وقذفه أحدهما بحمض الأسيد (مية نار) في وجهه وهو خارج من المسجد، فقد على إثر ذلك بصره لمدة سنتين ثم أعاد الله له الابصار لإحدى عينيه، فقام الشباب الإسلامى بمعاقبة الفاعلين، ومعاقبة الشخص الذى أرسلهما للقيام بتلك الجريمة.

رابعا: في يوم 17/5/1986م قام المدعو "محمد السلداوى" – من الجبهة الشعبية بإطرق النار على شابين ملتحين من الإخوان (كان يعقب كل اعتداء من اليساريين عملية تأديبية يقوم بها شباب الإخوان).

خامسا: في يوم 23/6/1986م قام عنصران من الجبهة الشعبية يركب كل واحد منهما سيارة باعتراض الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، وهو يقود سيارته في محاولة لصدمه وقتله، ولكن جرأة الدكتور عبد العزيز كانت أقدر منهما، فأفلت بسيارته، وذهب إلى الشرطة، ورفع عليهما شكوى، وقدم لهم رقم السيارتين، والعجيب في الموضوع أن سلطة الاحتلال أمرت بسجنه، ولم تعاقب المعتدين اللذين حاولا قتله.

سادسا: في يوم 24/6/1986م اقتحمت مجموعة من اليساريين صيديلة الدكتورالصيدلى إبراهيم اليازورى وضربوه على ظهره بعصا غليظة، وضربوا عددا منالإخوان الذين كانوا حوله، وفروا هاربين.

ونظرا لكثرة الاعتداءات التى قام بها عناصر الجبهة الشعبية، فقد قررت قيادة الإخوان ألا يكتفى بالرد على ذلك الاعتداءات بضرب عناصر من الجبهة، ولكن لابد من ضرب رؤوس هذه لجبهة، وفى ليلة واحدة قامت مجموعات من الإخوان بضرب أعداد كبيرة ، حتى لقد ضربوا مسئول الجبهة الشعبية في القطاع، ويقال بأن قائد المخابرات الصهيونى في قطاع غزة "أبو صبرى" قال لأحد رجال عائلة المسئول: بأنه على استعداد لإمدادهم بالسلاح للانتقام لبنهم، وقد رفضوا ذلك، ووقفوا في وجه ابنهم، وهددوا بالتخلى عنه، فأمر رئيس الجبهة الشعبية بوقف الاعتداءات بشكل نهائى.

المواجهة مع حركة التحرير الوطنى الفلسطينى (فتح)

حركة التحرير الوطنى الفلسطينى (فتح) ذات جذور إسلامية، وجل قيادييها كانوا جزءا من تنظيم جماعة الإخوان المسلمين، وبينهم وبين دعاة الإسلام صلات قوية، وزمالة عمل وكفاح مشترك لسنوات طوال. وقد بقى عدد كبير منهم على صلة ود طيب واحترام متبادل مع الإسلاميين ، الذين شاركوهم أياما حلوة ومرة في ميادين كثيرة، رغم تغير وجهتهم والمبادىء العلمانية التى يرفعونها، والتى رفضها الإسلاميون.

وما زال أولئك الأشخاص من فتح يقدرون إخلاص الإسلاميين ، وتفانيهم في خدمة الوطن، ولا ينكرون عليهم جهادهم ، ويذكرون لهم ذلك في كثير من المناسبات، إلا إذا كان ذلك المدح والاطراء سيجلب عليهم بعض المتاعب، عند ذلك كانوا يمسكون.

ولكن لم يلبث أن دخل حركة "فتح" بعض الحثالات القذرة، ذات الاتجاه اليسارى، التى تكره الإسلام ودعاته، وتفضل أن تحاربهم قبل محاربة (إسرائيل) وقد استطاع هؤلاء أن يؤثروا على مواقف كثيرة لقياديى "فتح" ودفعوهم إلى الوقوف في الصف المعادى للاسلام ودعاته.

ففى قطاع غزة عندما قامت المواجهة بين الشيوعيين والإسلاميين على إدارة الهلال الأحمر الفلسطينى، خاض الإسلاميون المواجهة متعاونين مع رجال فتح، حتى خيل للناس أن فتح والإسلاميين صف واحد، ووجهان لعملة واحدة، وقد وقف الشباب المسلم لحماية الأستاذ أسعد الصفطاوى ممثل فتح في قطاع غزة، عندما هم الشيوعيون بالاعتداء عليه، ويعلم الجميع موقف الشيخ "خليل القوقا" ودفاعه عن أسعد الصفطاوى عندما احتدم الموقف وقت الانتخابات.

وما هى إلا سنوات قليلة حتى استطاع أحد اليساريين الذين دخلوا "فتح" أن يثير نار الفتنة بين "فتح" والإسلاميين ، وأن يجند أعدادا من أعوانه (شبيبة فتح) ينفث فيهم حقده الدفين، وبغضه الشديد للاسلام ودعاته، حتى جعل البأس شديدا بين الطرفين، وبدأت المعركة بين جيل جديد من فتح والإسلاميين ، لم تكن بينهم أخوة قديمة، ولا زمالة كفاح وجهاد.

وأدار المعركة ذلك الخبيث الماكر-الذى اشتهر بين الغزيين بسرقته للطحين عندما تولى في سلطة فتح منصبا كبيرا- وعصفت نار حقده بالعلاقات الطيبة، والتقدير القديم المتبادل ، ليحل محلها التباغض والتناحر، ضاربا بمصلحة الوطن والأمة عرض الحائط، وما زال يثير غبار الشبهات ، وظلم الاتهامات.

حتى زين لأبى جهاد" خليل الوزير" الموافقة على إصدار أمر باغتيال الوطنى المخلص، والمسلم الغيور الدكتور إسماعيل الخطيب، الذى كان في ذلك الحين قائما بأعمال مدير الجامعة الإسلامية، بغزة، ظنا منه أن قتل ذلك الانسان، سيعطيه الفرصة للتصرف بإدارة الجامعة كما يحلو له، ولكن ذلك لم يحدث ، وبقيت إدارة الجامعة إسلامية، "والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون".

وقد جاءت جريمة اغتيال الدكتور إسماعيل الخطيب بنتيجة عكسية تماما ، فقضى ذلك العمل الاجرامى الخيانى على شعبية "فتح" في قطاع غزة، فبعد أن كانت المنظمة العاقلة المتروية، ذات الشعبية العريضة، أصبحت لا تختلف عن غيرها من المنظمات، بل نزلت شعبيتها إلى درجة كبيرة جدا، ولولا المستوى المالى الكبير الذى تتمتع به لاندثرت وانتهت.

ولم يلبث ذلك الخبيث أن سلط أعوانه في الجامعة على الطلاب الإسلاميين فاعتدوا عليهم، مما اضطر هؤلاء إلى الرد عليهم بقوة وعنف، جعلتهم يدركون حجمهم في الجامعة، ورغم ذلك فإن ذلك المجرم لم يرعو ولم يرتدع فسلط بعض أعوانه على الدكتور الداعية "إبراهيم البازورى" فاعتدوا عليه بالضرب ، عند ذلك قام بعض الشباب الإسلامى يدفعهم حماس الشباب بالرد عليه بالاعتداء على الأستاذ أسعد الصفطاوى ومجموعة كبيرة من "فتح" جعلت عقلاءهم يتدخلون ويسعون للصلح بين الجانبين.

وقد كان ذلك فقام الأستاذ فيصل الحسينى يرحمه الله بعملية المصالحة، وتوقفت المعركة بين الجانبين، بعد أن كان ذلك المجرم الخبيث قد غادر قطاع غزة، ليثير الفتنة داخل فتح نفسها في أماكن أخرى. ولكن بقيت الفتنة نارا تحت الرماد، تشتعل بين الحين والحين، وكان العقلاء يتدخلون في كل مرة لإخمادها. لعنة الله على موقظ الفتن ومشعل نارها.

مواجهات الإسلاميين مع أعداء الإسلام في الجامعات

(أ‌) هجوم اليساريين على الجامعة الإسلامية بغزة:

بعد أن نجح الإسلاميون في تثبيت إدارة الجامعة الإسلامية، التى وضعت سورا يفصل طلاب الجامعة عن طالباتها، قرر اليساريون- أعداء الإسلام- إرسال أربع حافلات تنطلق ثلاث منها من جامعة بيرزيت، مملوءة بالطلاب، والرابعة من جامعة النجاح، وكلهم من الطلاب اليساريين ، وتتجه إلى الجامعة الإسلامية بغزة، لتدمير السور الذى يفصل الطلاب عن الطالبات، وضرب كل من يتعرضهم من طلاب الجامعة الإسلامية، كما خططوا للاعتداء على رئيس الجامعة، وعلى العاملين فيها من الإسلاميين.

وتسلحوا بالعصى والسلاسل الحديدية والخناجر، وانطلقوا في اليوم المحدد، علما بأن المسافة بين جامعة بيرزيت والجامعة الإسلامية لا تقل بأى حال عن مائة وأربعين كيلو مترا.

علم الإسلاميون بذلك، فجندت الحركة الإسلامية الشباب، ووضعتهم في كمائن داخل الجامعة، يستطيعون منها الدفاع عنها، وطلب منهم الشيخ أحمد ياسين ألا يبدأوا بالهجوم، ولكن إذا هوجموا أو هوجم أى مكان في الجامعة فعليهم أن يردوا بقوة عنيفة.

وصل المعتدون إلى الجامعة الإسلامية، وبدأ الاعتداء على كل من قابلهم من الطلاب الملتحين، عند ذلك انطلق الشباب الإسلامى من كل حدب وصوب وتعقبوا المهاجمين، وطاردوهم إلى أن أبعدوهم عن الجامعة، بعد أن ضربوهم ضرب غرائب الإبل.

ومن المعروف أن قائد المخابرات الصهيونى "أبو صبرى" كان يقف قريبا من المكان، وعندما رأى اليساريين مولين هاربين، أخذ يشجعهم على العودة ومهاجمة "الشيوخ" قائلا: " لا تخافوا منهم فهؤلاء مشايخ هبل، ارجعوا إليهم، ولقنوهم درسا لن ينسوه".

وفى اليوم التالى خرجت صحيفة الفجر الشيوعية، والتى سرأسها "حنا سنيوره" بالعنوان التالى:" المتبرقعون بالدين يهاجمون طلاب جامعة بير زيت- المجمع الإسلامى بغزة بتوجيه من الشيخ أحمد ياسين، يحرض أذنابه على ضرب طلاب جامعة بير زيت والاعتداء عليهم"، وقد أرسلوا لمنظمة التحرير ، يشكون إليها الإسلاميين الذين يفرقون وحدة الصف، ويعتدون على الطلاب الأبرياء ، وقد دفع هذا اليساريين في المنظمة إلى التخطيط لمهاجمة المجمع الإسلامى.

عند ذلك أرسل المجمع الإسلامى وفدا إلى مكتب المنظمة في عمان، موضحا ما حصل، وطلب إليهم تكليف لجنة محايدة للتحقيق، وقد عرفت المنظمة الحقيقة / مما جعلها تتراجع عن خطة مهاجمة المجمع الإسلامى.

(ب) اعتداء اليساريين على طلاب الكتلة الإسلامية بجامعة بير زيت بمباركة غدارة الجامعة:

قام شباب الكتلة الإسلامية (يمثلون 30% من مجموع طلاب الجامعة) في يوم 4/6/1983م بمسيرة انطلقت من المسجد ، واتجهت إلى الجامعة القديمة، بمناسبة مرور ستة عشر عاما على الاحتلال اليهودي للضفة الغربية وقطاع غزة ، وبمناسبة مرور عام على اجتياح الاحتلال اليهودي للبنان وقتله الآلاف من الأهل هناك ، وتنفيذ مذبحة صبرا وشاتيلا، قام أعضاء مجلس الطلاب- الذي كان يسيطر عليه المعادون للإسلام- بجمع الكتل الطلابية المعادية للإسلام في الجامعة، واعتلوا أسطح مباني الجامعة بمساعدة ورضى إداراتها، وأخذوا يقذفون طلاب الكتلة الإسلامية بالحجارة ، وذلك لمنعهم من التعبير عن رأيهم.

عند ذلك استغاث الطلاب والطالبات بالدكتورالبرامكى القائم بأعمال مدير جامعة بير زيتن ولكن هذا رفض التدخل، مما أوحى لهم بأن الأمر مبيت، وقد لجأ الطلاب والطالبات ، إلى مطعم الجامعة فحاصرهم الطلاب اليساريون، وأخذوا يقذفونهم بالأحجار والزجاجات الفارغة، وبكلمات قذرة تعودت عليها أفواههم البذيئة ، والتي يخجل القلم عن ذكرها.

وأكثر من ذلك قاموا بتحريض أهالي مدينة بير زيت، وأوصلوا إليهم أخبارا زائفة، مما دفع النصارى إلأى التفكير في حرقهم وهم في بيوتهم ، وأيضا عندما لجأوا إلى المسجد.

تدخل بعض المسلمين لإخراج الطالبات والطلاب المحاصرين، ولكن أعداء الإسلام اشترطوا أن تخرج الطالبات عاريات، وأن يخرج الطلاب مطاطئى الرؤوس، ورافعي الأيدي، رفض الطلاب ذلك، وأرسلوا يطلبون النجدة من أهاليهم، فجاءت أعداد هائلة، وضربوا طوقا حول الجامعة، وهددوا بقتل جميع الطلاب إذا لم يسمحوا لأبنائهم- طلاب وطالبات الكتلة الإسلامية بالخروج.

عند ذلك تدخلت إدارة الجامعة، وفكت الطوق عن الطالبات والطلاب المحتجزين في المطعم، وانتهت المشكلة بإخراج طلاب الكتلة الإسلامية من بلدة بير زيت، ليقضوا ليلتهم في المسجد، إلا أن نصارى بير زيت هددوا بحرق المسجد عليهم، فنقلوا إلى رام الله في منتصف الليل، وقد قامت صحيفة الفجر بالتحريض على أحداث فتنة طائفية، وعملت على تأجيج نارها، وهى الصحيفة التي يرأسها "حنا سنيوه" والتي تتغذى بأموال الشعب الفلسطيني ودمائه، والتي أصبح رئيسها المذكور من أصحاب الملايين، التي يغدق بها عليه، وكذلك مجلة الشراع اليسارية، التي انتهزت الفرصة، وأرادت أن تشارك في خلق فتنة تدمر الشعب الفلسطيني، وتحرقه في صراع، بعيدا عن اليهود المحتلين.

الفصل الثالث: الأسباب التي دفعت الشعب الفسطينى للانتفاضة

هناك أسباب كثيرة دفعت الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة إلأى القيام بالانتفاضة، وقد تناولت هذه الأسباب ، وتحدثت عنها الصحف والكتب والشخصيات الفلسطينية والعربية والدولية وأستطيع أن أجمل تلك الأسباب فيما يلي:

أولا: غطرسة الزعامة الصهيونية واستهتارها بكل العرب

بعد هزيمة عام 1967م استطاعت مصر أن تلم قولها، وتقوم بحرب العبور الناجحة، بتاريخ 6/10/1973م ، دخلت بعدها في صلح مع (إسرائيل) في معاهدة (كامب ديفيد) ، كان سببا في عزلها وتحييدها بالنسبة للمشكلة الفلسطينية، بعد توقيع تلك المعاهدة، ازدادت غطرسة الزعامة الصهيونية، واستهترت بأبسط الحقوق للشعب الفلسطيني خاصة، والأمة العربية بوجه عام ، وساعدها على ذلك قيام الدول الاستعمارية الكبرى بخلق مشاكل في أنحاء متفرقة من العالم العربي، بما أشغل زعماء كل بلد عربي بما حولهم من المشاكل.

لهذا كله أصاب زعماء دولة اليهود وقادتها الصلف والغرور، وبدأوا يفخرون بقوتهم ، وأيديهم الطويلة، التي يستطيعون أن يؤدبوا بها أى عربي، وقد أيدتهم الولايات المتحدة الأمريكية في ذلك، ودافعت عنهم في المحافل الدولية ، وقد جاء المؤتمر الصحفي الذي عقده "شولتز" وزير خارجيتها في عمان شاهد على ذلك.

ومن مظاهره ذلك الاستهتار:

  1. ضربهم المفاعل النووي العراقي وتدميره: فقد قامت الطائرات الصهيونية بضرب المفاعل النووي العراقي وتدمير منشآته وقتل عدد كبير من الخبراء بعد أن اخترقت الأجواء العربية مستهترة بكل الأعراف والقوانين الدولية ضاربة بالاحتجاجات عرض الحائط.
  2. العمليات الحربية الصهيونية في لبنان: قامت القوات اليهودية بغزو جنوب لبنان عام 1982م متذرعة بأنها تتعقب القوات الفدائية الفلسطينية الذين يهاجمون الأراضي الفلسطينية التي يحتلها الصهاينة متخذين في جنوب لبنان قواعد لهم، إلا أن دول العالم والأمم المتحدة طالبتهم بالانسحاب ففعلوا.ولكنهم لم يلبثوا أن جاءوا بغزوة دفعوا بها كل قواتهم العسكرية، غير حاسبين لجيوش العرب أى حساب، وقد استمر القتال بينهم وبين الفلسطينيين مدة ثمانية وثمانين يوما، احتلوا نصف لبنان الجنوبي حتى وصلوا إلى بيروت، وحاولوا احتلال مخيمات اللاجئين في بيروت، وحولها التي كانت تتواجد فيها قواعد قوية للفلسطينيين وفيها قياداتهم إلا أن اليهود لم يتمكنوا من ذلك رغم استعمالهم لأحدث أسلحة التدمير من طائرات وقنابل عنقودية وفراغية أمدتهم بها الولايات المتحدة الأمريكية قبل أن يستعملها الجيش الأمريكي نفسه.
  3. مشروع شارون لإنشاء الوطن البديل: قام شارون- وزير الصناعة والتجارة الحالي ووزير الدفاع السابق للصهاينة- بتقديم اقتراح في منتهى الوقاحة والاستهتار، ويتلخص اقتراحه في أن تقوم (إسرائيل) بإزالة الحكومة الأردنية، ووضع حكومة فلسطينية بدلا منها وإسكان الفلسطينيين في المناطق الأردنية ، وكأن الزعماء الأردنيين والفلسطينيين أحجار شطرنج يحركهم بيديه أينما يريد.
  4. غزوة تونس: أرسل الصهاينة طائراتهم إلى تونس، وقامت بضرب الأماكن التي يتواجد فيها الفلسطينيون، غير مقيمين أى اعتبار للدولة التونسية أو للأعراف الدولية.
  5. مناداة "مائير كهانا" الارهابى المعروف وحزبه الذي يسمى "حزب كاخ" بوجوب طرد الفلسطينيين من بلادهم، وقتل من يرفض لخروج، وقد قام أعضاء هذا الحزب وغيره من الأحزاب المتطرفة الأخرى بإرسال رسائل تهديد للفلسطينيين ، بوجوب الرحيل عن البلاد وإلا تعرضوا للقتل هم وأبناؤهم.

هذا غيض من فيض للدلالة على استهتار الصهاينة بكل العرب، وبكل الأعراف الدولية والحقوق الإنسانية وصلفهم وغرورهم.

ثانيا: معاملة الصهاينة السيئة للفلسطينية

عمد الصهاينة إلى القيام بأعمال عدوانية على أملاك الفلسطينيين، وأراضيهم ومقدساتهم وحرياتهم مما جعل الناس جاهزين للمشاركة في الانتفاضة بمجرد قيامها ومن هذه الأعمال:

  1. مصادرة الأراضي وزرع المستوطنات: قامت الأحزاب الصهيونية المتطرفة بتأييد من حكومتهم ومساندتهم ماديا ومعنويا وعلى رأس تلك الأحزاب" جيوش أمونيم" باختيار أماكن إستراتيجية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وصادرت أراضى تلك المناطق من أصحابها، وأقامت فيها مستعمرات للمتعصبين من الصهاينة ليتمكنوا من إحكام السيطرة على المدن والقرى الفلسطينيين، ومضايقة سكانها لإجبارهم على ترك أراضيهم والرحيل عنها، ولم تنفع أصحاب تلك الأراضي الشكاوى التي رفعوها للقضاء اليهودي، ولم يستجب لهم أحد.
  2. قيام قادة الأحزاب الدينية بالاغتيالات : فقد خطط قادة الأحزاب الدينية الصهيونية وعلى رأسهم الارهابى" مائير كهانا" بمحاولات اغتيال ونسف للزعماء الفلسطينيين لإجبارهم على الرحيل وترك بيوتهم وأراضيهم ليمتلكها المستوطنون الصهاينة.
  3. طرد بعض الزعماء الفلسطينيين : كما قام الصهاينة بطرد عدد من الزعماء الفلسطينيين الذين عارضوا الإجراءات الصهيونية اللاإنسانية ، طردوهم من بيوتهم على البيوت العربية المجاورة، ولم يقيموا وزنا للاحتجاجات أو استنكار الأمم المتحدة واعتراضاتها.
  4. محاولة الصهاينة توريط بعض الشباب في أعمال التجسس: فقد قامت المخابرات الصهيونية "الشين بيت" بمحاولة تصيد الشباب وتوريطهم، مستعملين في ذلك وسائل خسيسة كالإغراء بالمال والنساء بل وإيقاعهم في حبائلها عن طريق صور مزورة ، ثم تشغيلهم للتجسس على بني جلدتهم لصالح الصهاينة ن وقد جندوا عددا من الشباب المنحل،الذي يعيش بلا قيم ولا أخلاق ولا دين، مما اضطر القيادات الوطنية وعلى رأسهم حركة المقاومة الإسلامية "حماس" إلى تصفية هؤلاء المتورطين بعد إنذارهم ومطالبتهم بالتوبة، وعدم استجابتهم لذلك.

وقد ضاق الشعب الفلسطيني من عمليات اليهود هذه التي قضت على عدد من أبنائهم وبأبشع التهم، وكذلك لتسليط الرقابة المشددة وإحصاء كل تحركات الشعب وسكناته.

وأما بالنسبة للمحاولات الصهيونية للاعتداء على المقدسات الإسلامية، فسأفرد البند التالي لاتساعها وأهميتها.

ثالثا: اعتداءات الصهاينة على المسجد الأقصى والتخطيط لهدمه

لقد تم بناء الهيكل بشكل كامل في عهد سيدنا سليمان- عليه السلام- واتخذه هو ومن جاء بعده من الأنبياء وأتباعهم المؤمنون مكانا للعبادة، ولم يزل اليهود ينحرفون عن العقيدة الصحيحة التي جاء بها أنبياؤهم شيئا فشيئا، ويوغلون في الذنوب والخطايا حتى سلط الله عليهم "نبوخذ نصر" البابلي الذي هدم المعبد وقضى على دولة اليهود وأخذهم أسرى إلى بابل.

ثم لم يلبثوا أن عدوا إليه ثانية في عهد "قورش" الفارسي، ولكن لم تقم لهم دولة هذه المرة، بل كان يحكمهم غيرهم وأعادوا بناء الهيكل، إلا أنهم عادوا إلى الفساد الذي جلبوا عليه، واتخذوا الهيكل سوقا للصيارفة والمرابين، وملهى لسباق الحمام، فأخبرهم المسيح عليه السلام بأن العقوبة قادمة إليهم جزاء فسادهم." يا أورشلين.. يا أورشليم يا قتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها، كم أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها وتحت جناحها ولم تريدوا ، هو ذا بيتكم يترك لكم خرابا".

ثم واجه عيسى عليه السلام إفساد كهنة الهيكل من اليهود، محذرا إياهم من مغبة جشعهم.." ولما دخل الهيكل ابتدأ يخرج الذين كانوا يبيعون ويشترون فيه قائلا لهم:" مكتوب أن بيتي صلاة ، أنتم جعلتموه مغارة لصوص".

ولما يئس من استجابتهم أخبرهم بأن الله سيحاسبهم وسيسلب منهم نعمته، لأنهم لم يؤدوا شكرها، وذلك بهدم المعبد" ثم خرج يسوع ومضى من الهيكل ، فتقدم تلاميذه لكي يروه أبنية الهيكل فقال لهم يسوع: ما تنظرون؟ الحق أقول لكم أنه لا يترك ههنا حجر على حجر لا ينقض".

وقد قدم المعبد ولم يبق منه حجر على حجر كما أخبر المسيح عليه السلام، وعندما احتل المسلمون بيت المقدس بنوا المسجد الأقصى وبقيت الساحة المقدسة مكانا لعبادة الله، ولم يدخل الساحة ما يغضب الله منذ ذلك اليوم، حتى دخله اليهود سنة 1967م، وأخذوا يرقصون مع النساء شبه العاريات في ساحته المقدسة ويغنون قائلين:" حط المشمش عالتفاح دين محمد ولى وراح".

لذلك فإني أقول أن ادعاء اليهود بأن حائط المبكى جزء من هيكل سليمان ادعاء كاذب، فهم يكذبون المسيح عليه السلام بادعائهم ذلك، ويكذبون كل الحجج الإسلامية الدامغة، فهيكل سليمان لم يبق منه حجر على حجر.

وقد استطاع اليهود بوسائلهم الخبيثة الملتوية ، وعن طريق الجمعيات السرية التأثير على كثير من النصارى في الغرب، بل على مجموعات من الكنائس، وفرضوا عليهم عقائد مؤيدة في الغرب لليهودية وآمالها الشريرة، ومعادية لكل من يقف أمامها، وعلى رأس هؤلاء الانجليليون، وهم أتباع الكنيسة الانجليكانية، وهم يتبعون المذهب البروتستنتي ، ولهم أنشطة واسعة الانتشار، وهم يمثلون أقوى الفئات النصرانية في أمريكا، "ويرون أن بناء الهيكل يقرب إلى يوم (مجدو) وبالتالي إلى قدوم المسيح حسب تنبؤات الكتاب المقدس، لذلك فهم يدعمون التوجه اليهودي نحو هدم الأقصى" وقد عقد هؤلاء مؤتمرا بمدينة "بال" بسويسرا، واتخذوا قرارات كلها مدعمة لليهود معادية لمن يعاديهم وداعية دول العالم إلأى مساندة اليهود في كل شيء.

وهناك في دولة الصهاينة أحزاب عديدة وجماعات يهودية كثيرة تدعو إلى تدمير الأقصى وإعادة بناء هيكل سليمان على أنقاضه منها:

  1. جماعة الاستيلاء على الأقصى.
  2. منظمة يشيفات أتريب كوهانين (أى التاج الكهنوتي).
  3. حركة الاستيلاء على الأقصى .
  4. منظمة سيدوس شيون.
  5. مجموعة آل هاشم.
  6. حزب هتحيا (النهضة الصهيونية).
  7. جماعة أمناء الهيكل.
  8. مؤسسة الهيكل المقدس.
  9. منظمة بيتار.
  10. حركة إعادة التاج لما كان عليه,
  11. مجموعة حشمو نائيم.
  12. رابطة سيورى تسيون.
  13. حركة سيونمنت ( الصهيونية الجديدة).
  14. حركة أمنا(أى الميثاق).
  15. هيئة الموالون لساحة المعبد.
  16. قبيلة يهود(المشهورون بعصابة لفتا).
  17. حركة عشمؤوت.
  18. حركة كاخ(معناها هكذا البندقية).
  19. جمعية صندوق جبل الهيكل.
  20. تنظيمات سرية في الجيش لم تتضح بعد.

كل هذه التنظيمات والمؤسسات الموجودة في دولة صهيون تسعى جادة إلى هدم المسجد الأقصى. وتقوم التحديات بينهم وبين أفراد الشعب الفلسطيني المسلم الذين يفترشون أرض الحرم القدسي بأجسادهم ويدفعونهم كتفا بكتف ويدا بيد ليمنعوهم من الدخول إلى ساحة الحرم القدسي واحتلاله وإقامة بناء فيه، ليتخذوه معبدا كخطوة أولى لهدم الأقصى.

وقد قامت حكومة صهيون بخطوات عديدة في طريق هدم الأقصى، وقد رتبها الأستاذ عبد العزيز مصطفى في كتابه ط قبل أن يهدم الأقصى" ترتيبا تاريخيا، ورأيت من الفائدة أن أنقلها في هذا البحث المتواضع ليرى القارئ هول المؤامرة التي تحيط بأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين بينما يغط أكثر المسلمين في نوم عميق.


وها نحن نحاول تتبع محاولات الاعتداءات منذ وقع الاحتلال:

  1. بعد أن دخل الصهاينة القدس مباشرة ، وبالتحديد في يوم 27 يونيو (حزيران) سنة 1967م، عقد في القدس مؤتمر لحاخامات اليهود في العالم، ناقشوا فيه موضوع القدس والهيكل، وطالب الحاضرون بالإسراع في عملية إعادة الهيكل الثالث، فقال لهم وزير الأديان يومذاك الدكتور(زيرخ فارهافتك): "أنا لا أناقش أحدا في الهدف النهائي لنا هو إقامة الهيكل، ولكن الأوان لم يحن بعد، وعندما يحين الموعد لابد من حدوث زلزال يهدم الأقصى ونبنى الهيكل على أنقاضه" .
  2. في 15 أغسطس 1967 دخل الحاخام الأكبر لـ(إسرائيل) ولجيشها ( شلوموغودين) مرتديا الزى العسكري إلى ساحة المسجد الأقصى يرافقه عشرون من ضباط الجيش ، وهرع داخل الساحات ملوحا برشاش كان معه، ومجريا القياسات هنا وهناك، ثم أعلن عن ت حديد مكان " قدس الأقدس" أي الهيكل ، ثم اصطف معه ضباط الجيش لتأدية الشعائر اليهودية ، وأعلن يومها أن لديه مشروعا لإقامة المعبد مكان المسجد الأقصى والصخرة، وسيعمل على تنفيذه ، وأنشأ من ذلك الوقت ما سمى بـ " حركة (إسرائيل) الكبرى" فاتحا بذلك ملف الاعتداءات الصهيونية على المسجد ألأقصى. وفى اليوم التالي أعلن عن العثور على مخبأ أسلحة داخل المسجد الأقصى.
  3. في 31 أغسطس (آب) 1967: استولى الجيش الصهيوني على مفتاح باب المغاربة وذلك لتيسير الدخول إلى حائط المبكى(البراق) كلما أرادو ، وكان ذلك بإيعاز من (شلوغودين) الحاخام الأكبر لجيش الدفاع الصهيوني.
  4. في 31 أغسطس (آب) 1969م أقدم شخص استرالي نصراني يدعى (دينيس مايكل) على إشعال النار في المسجد ألأقصى، وأتت النيران المتصاعدة على أثاث المسجد وجدرانه ومنبره لعظيم، الذي كان قد أعده السلطان نور الدين محمود قبل وفاته ليوضع في المسجد الأقصى وضعه هناك صلاح الدين لإلقاء خطبة الجمعة من فوقه بعد تحرير بيت المقدس ، وقد أخلى سبيل هذا الدنس بعد محاكمة صورية أعلن فيها أنه نفذ ما حدث كمبعوث لله، وبموجب نبوءة في سفر زكريا.. وأرجعت حيثيات الحكم سبب عدم تحمله للمسؤولية الجنائية أنه (مجنون).
  5. في 11 مارس 1971: قام (جرشون سلمون) قائد مجموعة (آل هار هاشم) (معناها إلى جبل البيت) وهو أيضا من قواد منظمة (بيتار) ومنظمة (أمناء الهيكل) قام بقيادة مجموعة من الطلاب اليهود المتعصبين بمحاولة تأدية الشعائر اليهودية في المسجد الأقصى، وأدت هذه المحاولة إلى إضراب في القدس.
  6. في 30/1/1976م أقرت إحدى المحاكم الصهيونية حق اليهود في الصلاة بساحات الأقصى في أي وقت يشاءون من النهار، وذلك بعد محاكمة ثمانية يهود ن بين 40 يهوديا اتهمت بالدخول عنوة داخل المسجد ألأقصى مرددين الأناشيد اليهودية، وقد أصدرت القاضية الصهيونية (روث أرو) حكما يؤكد حق اليهود في الصلاة في المسجد، وبرأت المتهمين، وفى العام نفسه في أغسطس (آب) حدثت اشتباكات بين المسلمين والمتدينين اليهود لمحاولاتهم دخول المسجد بالقوة.
  7. في 14 أغسطس 1978 قام( جرشون سلمون) الذي سبق ذكره بمحاولة إقامة الصلاة اليهودية في المسجد الأقصى مع بعض مرافقيه له، وتصدى لهم حراس المسجد.
  8. في الأول من مايو 1980 م جرت محاولة لنسف المسجد الأقصى، عندما اكتشف بالقرب من المسجد أكثر من طن من مادة (ت.ن.ت) الشديدة الانفجار، فوق سطح أحد المعابد اليهودية واكتشفت متفجرات أخرى في مدرسة (باشيفا) اليهودية في المدينة القديمة للغرض نفسه، وحوكم في هذه القضية الارهابى مائير كاهانا.
  9. في 9 أغسطس 1981 تجمهر عدد كبير من الصهاينة قرب المسجد الأقصى، وكسروا قفل (باب الحديد) وأدوا الصلوات اليهودية بشكل استفزازي للمسلمين، وكان المعتدون من جماعة جوش إيمونيم.
  10. في 25 أغسطس 1981 أعلنت الهيئات الدينية عن اكتشاف نفق يبدأ بحائط البراق، ويؤدى إلى فناء المسجد الأقصى، وأعلنوا أن لذلك علاقة بالهيكل الثاني وبدأوا عمليات حفر هددت جدران المسجد بالانهيار، ولكن تصدت جموع من المسلمين للعمال الصهاينة، وردموا النفق بالقوة.
  11. في 2 مارس (آذار) قام 15 شخصا من جماعة (أمناء جبل الهيكل) باقتحام أحد الأبواب الخارجية للمسجد ألأقصى(باب السلسلة) وكانوا مزودين بالأسلحة النارية، واعتدوا على حراس المسجد في الداخل، فاشتبكوا معهم، وأصيب أحد الحراس المسلمين بطعنة في جانبه الأيسر، وفى اليوم التالي قام المسلمون بإضراب شامل في القدس احتجاجا على هذه الاستفزازات واجتاحت المظاهرات مدن الضفة الغربية ونابلس وبيرزيت وبيت لحم.
  12. في 3/4/1982م أقدمت مجموعة من الشباب الصهاينة المتدينين على اقتحام المسجد الأقصى عبر (باب الغوانمة) وتصدى لهم الحراس المسلمون، وحدث اشتباك أصيب فيه أحد حراس المسلمين، ولما حضرت الشرطة الصهيونية اعتقلت الحارس المصاب واستجوبت الحراس الآخرين.
  13. في 8 أبريل 1982 عثر الأهالي المسلمون على طرد مشبوه خلف أحد البواب الرئيسية للمسجد الأقصى، ووجدت الشرطة في الطرد بعد فتحه أسلاكا كهربائية وجهاز توقيت ورسالة موجهة إلى مجلس الأوقاف الإسلامى وفيه:(" انتظروا مزيدا من عمليات ضدكم) وفى اليوم التالي الذي وافق يوم جمعة قام المصلون المسلمون بالاعتصام داخل المسجد بعد الصلاة احتجاجا على هذه التهديدات.
  14. في 8 أبريل 1982 اقتحم جندي صهيوني يدعى( آلان جودمان) المسجد الأقصى عبر (بوابة الغوانمة) وأطلق النار على حارس الباب، فأصابه وأصاب أحد أفراد الشرطة.. ثم هرع إلى مسجد الصخرة وهو يطلق النار بغزارة وبشكل عشوائي، فأصاب عددا من المصلين، وقتل أحد حراس مسجد الصخرة، وشارك بعض الجنود الصهيونيين المتمركزين على أسطح المنازل المجاورة في إطلاق الرصاص تجاه مسجد الصخرة- فأخذ المؤذنون يناشدون الأهالي المسلمين عبر مكبرات الصوت بالتوجه فورا إلى ساحات المسجد إلا أن الجنود الواقفين على الأسطح القريبة، بدأوا يطلقون عليهم النار، فأصابوا ما يقرب من مائة شخص، وأغلق الجنود الصهاينة أبواب البلدة القديمة، لمنه الأهالي من التدفق تجاه المسجد، وفرقوا الأهالي العزل بطلقات الرصاص والقنابل المسيلة للدموع، وعندما حمل الشيخ العلمي مفتى القدس الحكومة الصهيونية مسئولية الحادث، هاجمه بيان صادر من مكتب رئيس الوزراء مناحم بيجين جاء فيه".. على المجلس الإسلامى أن يعلم أن عهد المفتى أمين الحسيني قد مضى إلى غير رجعة "،واعتبر البيان الصهيوني المجرم (جودمان) مجرد مجنون وأصدرت "حركة كاخ" التي يتزعمها "كاهانا" بيانا يهاجم كل من أدان الحادثة، ويهاجم حتى الخارجية الأمريكية، التي تنظر للحادث وكأنه قد حدث في مكان مقدس للإسلام، وحركة كاخ تلقى بكامل المسئولية على الحكومة الصهيونية، التي لم تنجح خلال خمسة عشر عاما في أن توضح للعالم أن قدسية هذا المكان هي لشعب (إسرائيل) كله، لأنه هناك بني الهيكل وهناك سيعود فيبنى..." ثم أردف البيان قائلا:"إن حركة كاخ تجدد نداءها إلأى طرد الغرباء من جبل البيت، وإلى إزالة المباني (الحقيرة) من هناك، والتي أقيمت على المكان المقدس"، ولما عرض الحادث على مجلس الأمن الدولي في 30/4/1982 استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار يندد بـ (إسرائيل) وكان المشروع مقدما من (لجنة) القدس مع دول أخرى.
  15. في 27 أبريل 1982م قامت مجموعة قوامها مائة شخص يهود بزعامة كاهانا بمحاولة لاقتحام المسجد ألأقصى حاملين لافتات تدعو لطرد العرب من فلسطين كما حملوا صورة كبيرة تبين منظر ساحات الأقصى وقد خلت من المسجدين ووضع مكانها الهيكل الثالث.
  16. في 29 أبريل 1982 قامت مجموعة مسلحة مكونة من ثلاثين شخصا بمحاولة لدخول المسجد بالقوة ، إلا أن الحراس المسلمين تصدوا لهم وأوصدوا الأبواب في وجوههم.
  17. في 6 مايو 1982 قام مجهولون بإطلاق الرصاص على قبة الصخرة.. فأقفل الحراس جميع أبواب المسجد، وتبين أن أحد المستوطنين الصهاينة أطلق الرصاص من فوق مدرسة مجاورة.
  18. في نفس لعام 1982 قام (يوئيل لرنر) وهو من نشطاء حركة (كاخ) بمحاولة لنسف مسجد الصخرة المشرفة، وكان قد جمع عددا من الشباب الصغار ضمن حركة سرية، ووضع خططا لنسف المساجد الإسلامية الأخرى بالمنطقة.
  19. في عام 1982م قام الرابي (ارنيل) من لكلية المدنية في (كريات أربع) بمحاولة لاقتحام المسجد ألأقصى مع مجموعة من طلابه يبلغون عشرين شخصا.
  20. في سنة 1983م حاول بعض الشباب الصهاينة من أتباع الرابي (زلماكورن) القيام باقتحام المسجد ألأقصى، وبعد محاكمتهم والحكم ببراءتهم وجه القاضي الصهيوني ألوم إلأى الشرطة لاعتقالهم، وأخلى سبيلهم في 21/9/1983م.
  21. في أغسطس من 1983 قام بعض الصهاينة من جماعة (أبناء الهيكل) بتأدية الشعائر اليهودية في الساحة المحيطة لحائط البراق بجوار المسجد الأقصى.
  22. في شهر يناير 1984م جرت محاولة آثمة لنسف المسجد ألأقصى ومسجد عمر، ولكن تصدى لها الحراس المسلمون، وأفشلوها بعون الله.
  23. في 12 مارس 1984م حاول عدد من أعضاء الجماعات الدينية اليهودية اقتحام مناطق مجاورة للمسجد ألأقصى بهدف إقامة مستوطنة دينية ومدرسة يهودية دينية.
  24. في شهر يوليو من عام 1984م حاول صهيوني متعصب اقتحام المسجد بسيارته.
  25. في بداية أغسطس من عام 1984م اكتشف حراس الأقصى المسلمون عددا من الارهابي الصهاينة في الساحات المحيطة بالمسجد، وهم يعدون لعملية نسف تامة للمسجد. وقال وقتها الشيخ سعد الدين العلمي مفتى القدس: "لولا عناية الله تعالى لما بقى حجر على حجر من المبنى الشريف" ، وقال :"لقد كشف كميات الأسلحة الهائلة التي وجدت بعد فرار المجرمين حجم العملية التي كانوا ينوون القيام بها، فقد كانت هذه الأسلحة تتشكل من قنابل ومتفجرات أخرى، واعترفت السلطات الصهيونية أن الذين قاموا بالمحاولة كان في حوزتهم مائة وعشرون كيلو جراما من مادة(تى .ان .تى) الشديدة الانفجار".
  26. في أغسطس 1984م أفادت أنباء واردة من ألأرض المحتلة أن السلطات الصهيونية أعادت رفع العلم الصهيوني داخل ساحات الأقصى تنفيذا لقرار وزير الداخلية الصهوينى وقتها( يوسف بورغ) وكانوا قد رفعوه قبل ذلك التاريخ بثلاثة أسابيع ولكنهم اضطروا إلى إنزاله بهد احتجاج المجلس الإسلامى في المدينة المقدسة.
  27. في 7 أغسطس 1984م أقدم الحاخام اليهودي المتعصب (مائير كاهانا) زعيم حركة كاخ اليهودية على محاولة لتدنيس المسجد الأقصى، وذلك برفع العلم الصهيوني عليه، في ذكرى تحطيم المعبد القديم، وقام آلاف من اليهود المتدينين بإقامة الشعائر اليهودية قرب المسجد الأقصى، وذلك إظهارا للحداد والحزب على خراب الهيكل، وكان (كاهانا) قد تقدم إلى البوابة المغلقة المؤدية إلى المسجد ودق عليها بعنف، ثم فرد علما (إسرائيليا) عليها، ولكن حرس المسجد المسلمين منعوه من الدخول.
  28. في 9 أغسطس 1984م أوضح تقرير أصدرته وزارة العمل الأردنية أن سلطات الاحتلال تركز على خطط الاستيطان في منطقة القدس، لتمنع توسع السكان العرب المسلمين حول المدينة ، وتطوقها بمستوطنات يهودية، وأوضح التقرير وقتها أن سلطات الاحتلال بدأت بإنشاء ثلاثة معتقلات جديدة كبرى في القدس والخليل ونابلس.
  29. في 27 أغسطس 1984م اكتشف أحد المارة عبوة ناسفة في الحي اليهودي في القطاع الشرقي من مدينة القدس وجاء هذا الحادث بعد أيام من اكتشاف كميات كبيرة من ألأسلحة في مغارة المدينة المقدسة، وترجح وقتها أن تكون هذه الأسلحة لجماعات يهودية متعصبة.
  30. في 28 أغسطس 1984م حكم بالسجن على طالب (إسرائيلي) اتهم بالتخطيط لنسف المسجد ألأقصى، ومعروف أن هذه الأحكام لا تلبث أن تلغى أو تخفف ، بعد بذل المساعي من الشخصيات والهيئات والجماعات الصهيونية.
  31. في 18 ديسمبر 1984م- كشف النقاب عن محاولة صهيونية فاشلة لنسف المسجد ألأقصى وقبة الصخرة ، وذلك عندما قامت عناصر صهيونية مسلحة من حرس الحدود الصهيونيين بوضع عبوة ناسفة في الساحة الرئيسية للمسجد الأقصى، إلا أن حراس المسجد اكتشفوها وأبطلوا مفعولها، وعلى إثر الحادث نظم إضراب عام شمل المدينة المقدسة احتجاجا على المؤامرة.
  32. في 9 يناير 1986م قامت قوات من الجيش الصهيوني أو ما يسمى بحرس الحدود، بفرض حظر التجول في منطقة المسجد الأقصى، وأقدمت القوات على اعتقال عدد كبير من المصلين وحراس المسجد إثر تصديهم لأعضاء لجنة الداخلية التابعة للكنيست الصهيوني، وكان أعضاء الكنيست الهوينى قد تجولوا في ساحات المسجد بتنسيق مع شرطة الاحتلال، بهدف تحديد مكان في المسجد يدخله اليهود ليكون خاصا بهم لتأدية الشعائر الدينية اليهودية ، وقد تعمدوا عد إشعار الهيئات الإسلامية المعنية بزيارتهم للمسجد، وعند دخول أعضاء اللجنة للمسجد، فإن المؤذن تناول مكبر الصوت الموجود بالمسجد، وصاح بجموع المسلمين ليتصدوا للمؤامرة ، ولكن قوات الشرطة سارعت بالتدخل لتضمن مغادرة أعضاء الكنيست للمكان سالمين ، ويلاحظ أن المحاولة هذه اتسمت بالرسمية ، بخلاف محاولات الجماعات والمنظمات الأخرى التي لم تحاول الجهات الرسمية الظهور معها في الصورة.
  33. في 3/4/1986م اقتلع البوليس الصهيوني بالقوة بابا في مدخل مبنى يقع بالقرب من الحائط الغربي للمسجد الأقصى، وكان الباب قد وضعه الحراس المسلمون عند مدخل المبنى القريب من المسجد الأقصى لمنع تسلل اليهود إليه في الليل.
  34. في 29/4/1986م حاولت إحدى العصابات الصهيونية (منظمة أمناء جبل البيت) اقتحام المسجد ألأقصى بقيادة"حرشون سلمون" ولكن الحراس المسلمين والسكان العرب تصدوا لهم ومنعوهم من الدخول ، فاكتفى أعضاء العصابة بأداء الشعائر اليهودية قرب حائط المبكى.
  35. في 21/8/1986م دخلت جماعات من حركتي (أمناء جبل البيت) و(حزب هتحيا) ساحة الأقصى، وأقام هؤلاء الطقوس اليهودية فيها تحت حراسة قوات الشرطة الصهيونية، وكان ذلك خلال احتفال المسلمين بعيد الأضحى المبارك.. وتتكرر الاعتداءات حتى وقتنا هذا .
  36. قام الصهاينة بعزل قطاع غزة والضفة الغربية وأصبح الفلسطينيون بهذا لا يستطيعون أن يدخلوا الأقصى إلا بإذن ، وبهذا عزل المسلمون عن مسجدهم الأقصى فلا يدخله إلا القليل جدا منهم، وهكذا أصبح الأقصى تحت رحمة أعداء الإسلام الذين يخططون لهدمه.

وهكذا تبدو معالم المؤامرة جلية: فالمسجد ألأقصى الآن هدف تصوب في اتجاهه سهام غدر الصهاينة، وكل منهم يتشوق إلى نيل (شرف) إصابته في مقتل، ليخر متهدما مخليا ساحته الطاهرة للبنات الصهاينة النجسة، لتبنى مكانه معبدا يشرك فيه بالله، بعد أن ظل صوت التوحيد ينطلق من مآذنه مسمعا الدنيا أشرف كلمة قالها الخلق: (لا إله إلا الله محمد رسول الله ) . وإن مطرقة الصهاينة التي طالما صاغت سيوف الاغتيال والخيانة، ترتفع اليوم في سماء الأقصى وتبسط يدها لتقتله.. والأيام تتلكأ في المرور.. تنتظر بنار الحق أن يعالجها قطعا وكسرا، ويعالجها قصما وبترا. قبل أن تقع المصيبة، وتخيم في الآفاق ظلمات الكارثة.

رابعا: يأس الفلسطينيين في الأرض المحتلة من أي عون من إخوانهم

فقد وصل الشعب الفلسطيني إلى درجة من اليأس جعلته يقدم على الموت، مفضلا ذلك على الاستمرار فى حياة الذل والهوان، التي أرادها له الأعداء وقد دفعه إلى ذلك اليأس من الأمور التالية:

(أ‌) ما وصلت إليه القضية الفلسطينية عسكريا وسياسيا، فقد طرد الفلسطينيون من لبنن وغيرها من البلاد العربية المجاورة للأرض المحتلة، بعد أن تعرضوا لمذابح يشيب لها الولدان، ثم قام اليهود بإكمال الجريمة بالمساعدة الفعالة في مذبحتي صبرا وشاتيلا ضد النساء والأطفال والشيوخ العزل.

كما قامت الدول العربية المحيطة بفلسطين – بضغط من (إسرائيل) والولايات المتحدة- بمنع الفلسطينيين من أن يمدوا أيديهم إلى الصهاينة في الأرض المحتلة بأي أذى، وقد شددت الجيوش العربية الحراسة على الحدود حتى بات وصول المجاهد الفلسطيني إلى أرضه المغتصبة عن طريق هذه البلاد شبه مستحيل، مما زرع اليأس في النفوس وجعل جيش الصهاينة يتفرغ للتفنن في معاقبة أي فلسطيني يظهر التبرم من الوجود الصهيوني على أرضه بعد أن ترك مهمة حماية الحدود إلى جيوش عربية ولله در الشاعر حيث يقول:

والله ما قصرت في ا لروع همتنا
لكن إخواننا قد قصروا فينــا

ولا فقدنــا عن التشـريد عزتنــا

وهل نهـون ودين الله يعلينــا

والله ما سفك الأعداء من دمنا

معشار ما أثخنت فينا أهالينـا

من اليهود؟ يمين الله لو تركوا

لشعبنا لمسخنـاهـم سعادينـــا

لكن كـل فدائي لـــه رصـــد

من الأقارب أقسى من أعادينا

موكل بحدود الخصم يحرسها

موفرا للعــدا أمنــــا وتمكينــا

(ب‌) التدخلات العربية في الشؤون الفلسطينية: فقد عمدت بعض الدول العربية إلى التدخل في الشئون الفلسطينية لدعم شخص تحبه أو لطرد شخص تكرهه وقد قامت بدعم أطراف ضعيفة لضرب الأطراف القوية التي رفضت الخضوع لها والانصياع لإرادتها، وأمدتها بالمدافع الثقيلة، وضربت المخيمات الفلسطينية التي كانت قواعد لأولئك الذين يعارضونها، براجمات الصواريخ وبكل ما تملك من أسلحة فتاكة.

وقد قتل تحت أنقاض مخيم البداوى ومي البارد بالقرب من طرابلس بلبنان آلاف الفلسطينيين من أطفال ونساء وشيوخ وقد أضعف ذلك التدخل القوة العسكرية الفلسطينية وجعلها تصل إلى الصفر وقد أثر ذلك تأثيرا سيئا في نفوس الفلسطينيين ، وقد عبر الشاعر عن ذلك بمرارة فقال مخاطبا تلك الدولة:

لما صرخنا وقد لج الجراح بنا
إذا جيوشكم الكبرى تلبينا

ويا لدهشتنا لما مدافعكم

دكت حمانا وما مست أعادينا

رميتمونا فقبلنا قنابلكم

لأنها من أعز الناس ترمينا

قلنا لأطفالنا إذ مزقوا إربا

هذى من الأعمام تأتينا

قلنا لهم والدم الزاكى يجللهم

أهدوا لأعمامكم وردا ونسرينا

ما ذنبنا حين مزقتم خييمتنا

والثلج يطعمنا موتا ويسقينا

وكيف هان عليكم موت صبيتنا

لشد ما شمتت فينا أعادينا

(ج) يأس الفلسطينيين من المساعدات العسكرية العربية:

فقد انشغلت الدول العربية بمشاكلها الخاصة التي خلقتها لها الدول الكبرى، وأصبحت في وضع لا يسمح لها بنجدة إخوانهم في فلسطين أو في الأماكن التي يعتدي عليهم فيها، وقد ظهر ذلك واضحا عندما قام الصهاينة بغزو لبنان، ووقوف الدول العربية عاجزة عن نصرتهم، فقد أشاع ذلك الحسرة والألم واليأس في نفوسهم.

(د) الاعتداءات المتعمدة والاهانات الصارخة التي تعرض لها الفلسطينيون في الداخل: فقد عمدت بعض الشاحنات وناقلات المدرعات إلى مصادمة السيارات العربية وقتل من فيها، انتقاما منهم لمقتل أخ أو ابن قتل في حرب لبنان مع الفلسطينيين أو في أي مكان آخر.

كما عمد كثير من الجنود الصهاينة وقطعان لمستوطنين إلى الاعتداء بالضرب على أي شاب يخلون به متذرعين بأتفه الأسباب ، وقد دأب رجال المخابرات الصهيونية "شين بيت" إلى زرع الخلافات بين الفلسطينيين في الداخل- عملا بالقاعدة "فرق تسد" ووضعوا الجواسيس بينهم ليحصوا عليهم حركاتهم وأعمالهم ، وليحاسبوهم على كل صغيرة وكبيرة مما جعل النفوس مهيأة للانتفاضة.

خامسا : قوة الحركة الإسلامية وانتصارها في الأرض المحتلة

لقد ظهرت في السنوات الأخيرة حركة قوية تدعو إلى العودة إلى الإسلام، فهو مصدر قوة المسلمين ووحدتهم، وبعد وحده يمكنهم مواجهة أطماع الصهاينة في فلسطين خاصة والوطن العربي بوجه عام قال تعالى:" إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". وقال الإمام مالك:"لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها".

وقد ساعد على نمو هذه الحركة وانتشارها أشياء عدة منا:

(أ‌) فشل دعاة القومية العربية والإشتراكية في حماية الأوطان وتقدمها، فقد قامت في البلاد العربية أحزاب قومية، وأخرى اشتراكية، واستطاعت بسرعة أن تستولي على دفة الحكم في كثير من البلاد العربية، ولم تلبث هذه الأحزاب والدول التي تسطير عليها أن دخلت في معارك مع ألأعداء ففشلت فشلا ذريا خاصة في الحروب التي خاضتها ضد (إسرائيل).

وأما في معارك البناء الداخلي، فقد كان الفشل واضحا فتأخرت البلاد أو كان التقدم قليلا، وانعدمت الحرية، ودمرت وحدة العرب، وجعلوها بعيدة المنال مستحيلة التطبيق.

وقد أثر ذلك في نفوس أغلبية الشعوب العربية عامة والشعب الفلسطينية بشكل خاص، فقامت حركة إسلامية تنادى بوجوب العودة إلى الله والتمسك بالإسلام والالتزام به وتدعو إلى الجهاد، فهو الطريق الوحيد الذي لا يتم النصر إلا به، فوجد الناس في هذه الحركة أملا قويا، فانضم أكثرهم إليها ينادون بما تنادى به، ويطبقون الإسلام على أنفسهم ، وقد قويت هذه الحركة حتى أصبح الاستشهاد والرغبة فيه سلاحا مزعجا لليهود في الأرض المحتلة.

(ب‌) قوة تيار التعصب الديني اليهودي في (إسرائيل) ومناداته بوجوب طرد الفلسطينيين ، فقد ظهرت فئات وأحزاب دينية يهودية متعصبة في المجتمع الصهيوني، أخذت تقوى وتزداد شعبيتها مع الزمن، وتنادى هذه الأحزاب بوجوب طرد الفلسطينيين من فلسطين، وقتل من يرفض الخروج لأنها تؤمن بأن فلسطين كلها- بل وما جاورها- أرض يهودية أعطاها الرب لليهود، وعلى رأس هذه الأحزاب "كاخ" الذي يتزعمه" مائي كاهانا-عضو الكنيست السابق وكذلك الأكثرية الساحقة من حزب "الليكود الذي يتزعمه "إسحق شامير" رئيس الوزراء الأسبق (لإسرائيل) ومجموعة كبيرة من ألأحزاب الدينية (بإسرائيل).

(ت‌) وقد أثر ذلك في نفوس الفلسطينيين ، ودفعهم إلى مجابهة التعصب اليهودي بالعودة إلى الإسلام، آملين في نصر الله الذي بيده النصر وهو على كل شيء قدير..

الفصل الرابع:كيف انطلقت الانتفاضة

كان حادث المقطورة الشهير هو الشرارة التي أشعلت النار في الهشيم، ويتلخص ذلك الحادث في أن سيارة كانت تنقل عمالا فلسطينيين عائدين من أعمالهم إلى قطاع غزة يوم الاثنين 7/12/1987م، وقبل دخولها إلى القطاع اتجهت نحوها مقطورة كبيرة وبشكل متعمد وصدمتها فقتلت أربعة منهم وجرحت الباقين، وفر سائق المقطورة في سيارة أخرى.فتأثرت المناطق المحتلة على النحو التالي

أولا: في قطاع غزة

على أثر حادث المقطورة حمل الشهداء إلى بيوتهم في معسكر جباليا للاجئين، وأما الجرحى فنقلوا إلى مستشفى دار الشفاء بغزة وانتشر الخبر في طول القطاع وعرضه، وفى صباح اليوم التالي 8/12/1987م خرجت جنازة الشهداء من مسجد في معسكر جباليا في مظاهرة صاخبة دفنوهم في مقبرة المعسكر وبعد ذلك انطلقت حشود هادرة شارك فيها جميع سكان المعسكر شيبا وشبانا ونساء وأطفالا ، واتجهوا إلى مركز جيش العدو مللهين مكبرين، والتحموا معهم يقذفونهم بالحجارة وزجاجات المولوتوف وكان طابع المظاهرة دينيا نظرا لخروج الجنازات من المسجد ولسيطرة الاتجاه الديني في المخيم المذكور.

وفى اليوم نفسه، تجمع طلاب جامعة غزة الإسلامية وقرر مجلس الطلاب فيها، أن يخرج الطلاب في مظاهرة تتجه إلى مستشفى دار الشفاء، ليتبرعوا بالدم للجرحى ، وقد حاول الجيش أن يعترض السيل الجارف من الطلاب، فلم يستطع بعد أن اشتبك معهم، وسقط منهم جرحى وانتهى الأمر باحتلال الطلاب للمستشفى وسيطرتهم عليه.

وفى اليوم نفسه قامت المظاهرات الصاخبة في خانيونس ورفح وجميع قرى ومعسكرات قطاع غزة وأخذت قوات الاحتلال الصهيوني تحاول تهدئة الأوضاع والسيطرة على الأمور إلا أنها فشلت فاستدعت قوات إضافية لمواجهة الموقف.

إلا أن المظاهرات استمرت طوال يومي التاسع والعاشر من شهر ديسمبر عام 1987م. وفى يوم الجمعة الحادي عشر من الشهر نفسه- وهو اليوم الرابع لانطلاق الانتفاضة حرض خطباء المساجد الناس على تحدى سلطة اليهود وطالبوهم بالقيام بعمليات استشهادية، فالموت بعزة وكرامة أفضل من حياة الذل والمهانة، وكانت مواجهات عنيفة جرح وقتل عدد من الناس ومن جيش الاحتلال كذلك. وقد لجأت قوات الاحتلال إلى منع التجول في مخيمات وقرى ومدن القطاع في محاولة لإسكاتهم ولكنهم استمروا في تحدى سلطات الاحتلال.

ثانيا : في الضفة الغربية

عم الاضطراب الشامل مدينة القدس العربية يوم 12/12/1987م وتظاهر طلبة الكلية الإبراهيمية وأقاموا حواجز الحجارة والإطارات التي أضرموا فيها النار واشتبكوا مع الجنود ورجال الشرطة.

وفى مدينة الخليل وقعت اشتباكات عنيفة في يوم الخميس 12/12/1987م في الجامعة الإسلامية بالخليل بين الطلاب وجنود الاحتلال وألقى بعض الشبان زجاجات حارقة على سيارات العدو وفى يوم 13/12 قام طلاب الجامعة بإلقاء قنبلة حارقة على حافة جنود(إسرائيلية) فجرح ثلاثة جنود، ثم حصلت اشتباكات عنيفة بين المتظاهرين والمستوطنين اليهود. وفى يوم 20/12/1987م فرض منع التجول على المدينة في أعقاب تدمير سيارة عسكرية قرب مبنى البلدية وأمر قائد المنطقة الوسطى( الصهيوني) بإغلاق الجامعة الإسلامية .

وفى يوم الجمعة 18/12/1987م تنادى الشعب الفلسطيني من جميع أنحاء فلسطين وصلوا في المسجد الأقصى وانطلقوا بعد الصلاة في أضخم مظاهرة تقوم فيها منذ عام 1967م، وقد كانت مظاهرة حاشدة ضمت عشرات الآلاف من أفراد الشعب المجاهد. واتجهوا نحو البوابات الرئيسية للمدينة التي خلت من اليهود المتدينين واشتبك المتظاهرون مع قوات الاحتلال التي كانت ترابط عند باب العمود وباب الساهرة لمنعهم من الخروج وقد استشهد أحد المواطنين وجرح عدد منهم/ وفى يوم 19/12/1987م هاجم الشباب البنوك والمطاعم اليهودية، وتمكن شباب القدس من إضرام النار في مقهى مستعمرة "مشكونوت هارونيم" في منطقة جبل المكبر.

وفى منطقة نابس قامت المظاهرات والاشتباكات بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال واشتدت هذه الاشتباكات يوم الجمعة 11/12 أثناء خروج المصلين من صلاة الجمعة كما شملت المظاهرات والمواجهات جميع مدن وقرى ومخيمات منطقة نابلس وخاصة مخيم بلاطة الذي تحدى قوات الاحتلال بشكل كبير.

وفى منطقة جنين اشتبك المصلون بعد خروجهم من صلاة الجمعة يوم 11/12 وقد استمرت المظاهرات والاشتباكات مع جيش الاحتلال وانتشرت في جميع مدن وقرى ومخيمات منطقة جنين.

وهكذا عمت الإضرابات والمواجهات والاشتباكات جميع قرى ومدن ومخيمات الضفة الغربية وأصبحت قوات الاحتلال تطارد الفلسطينيين في هذه المناطق ليل نهار بلا جدوى.

ثالثا: المناطق المحتلة منذ عام 1948م

قامت مظاهرات سلمية تستنكر الأعمال الإرهابية التي يقوم بها جيش الاحتلال الصهيوني ضد إخوانهم في قطاع غزة والضفة الغربية، وقد تكررت هذه المظاهرات في مناطق أم النور (أم الفحم سابقا) وشفا عمرو والناصرة وقد تطورت هذه المظاهرات إلى اشتباكات مع الشرطة والجيش أحيانا.

وعندما فرضت القوات الصهيونية منع التجول على قطاع غزة لمدة طويلة عرضت سكان القطاع للمجاعة تبرع سكان هذه المناطق بالموال السخية وسيروا قافلة من الشاحنات وأدخلوها إلى قطاع غزة مصحوبة بأعداد كبيرة منهم مستغلين حملهم للجنسية الصهيونية.

وقد قامت بعض العناصر من المناطق المحتلة عام 1948م بإشعال النار في المحاصيل الصهيونية وفى بعض الغابات القريبة من منطقة الجليل .

وهكذا أصبحت أرض فلسطين كلها نارا تحت أرجل الصهاينة حتى لقد قال وزير دفاعهم إننا في حرب حقيقية.

الفصل الخامس: ظهور حركة المقاومة الإسلامية(حماس)

كان الاتجاه الاسلامى مسيطرا على الشارع الفلسطيني ، وقد مرت بنا في صفحات سابقة الأسباب التي أوصلت أصحاب الاتجاه الاسلامى إلى ذلك، وعندما انطلقت الجماهير من المسجد بعد الصلاة على شهداء حادث المقطورة، ودفنهم في مقبرة الشهداء في معسكر جباليا للاجئين، وانطلاق الجماهير الفلسطينيين في انتفاضتهم العظمى، واستمرار الانتفاضة أعداد من الشهداء والجرحى نتيجة تصدى الجيش الصهيوني لهم، تكونت قيادة ميدانية لهذه المظاهرات ، ووضعت من الخطط ما يجعل هذه الانتفاضة قائمة دائمة، إلى أن يضطر المحتلون إلى الانسحاب من فلسطين، أعلن أصحاب الاتجاه الاسلامى قيام "حركة المقاومة الإسلامية-حماس".

لقد أطلقت "حماس" على كتائبها اسم الشيخ عز الدين القسام، تخليدا لذكرى شيخ عالم جليل جاء من قرية "جبلة" الواقعة على البحر جنوب اللاذقية بسوريا، ليعلم إخوانه الفلسطينيين وجوب الجهاد ضد المحتلين المجرمين ن وأن استشهاد المسلم في المعركة ضد الأعداء مقبلا غير مدبر يضمن له الخلود في الجنة، كما أن إطلاق هذا الاسم على كتائب "حماس" وهى أحد أجنحة الإخوان المسلمين جاء لأنهم لا يفرقون بين جميع من يسكنون بلاد الشام، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم عدهم جميعا في رباط دائم إلى يوم القيامة.

تفجرت الانتفاضة في 8/12/1987م ، وهو يوم تشييع القاطرة الصهيونية، ومنذ ذلك اليوم التاريخي ، انطلقت حركة المقاومة الإسلامية حماس- وبدأ التاريخ يسجل بدماء الشهداء أوسع ثورة شعبية جماهيرية إسلامية في عمر فلسطين المعاصر، لها من خصوصية الشمول والاتساع.. وإسلامية التعبير والمنطلقات .. وإنسانية الأبعاد والتوجهات..

ما جعلها معلما بارزا من معالم الجهاد ضد كل رموز الاغتصاب والاحتلال والطغيان الممثلة في الوجود الصهيوني فوق أرضنا ، وتفردت في مقدمة رب الأمة كمثال وقدوة يحتذي بها، أما الجماهير الإسلامية بشكل خاص، وأمام جماهير العالم الثالث المستعمرة والمغلوبة على أمرها بشكل عام، حيث حفزتها لتسلم زمام المبادرة، والنهوض بأمرها، وعدم انتظار الآخرين ليمنوا عليها بنعمة الخلاص، وقد قدمت حماس طرحها السياسي، حيث ركزت بيانات السنة الأولى على مفاهيم أساسية وجذرية في الرؤية الإسلامية التي تحملها حركة حماس تجاه قضية تحرير فلسطين، فقد رسخت ابتداء شعار:

"فلسطين من البحر إلى النهار" واعتبرت ن فلسطين وحدة لا تتجزأ، ولا يجوز لأي مسلم أن يتنازل عن أي شبر منها، كما أكدت البيانات على واجب المسلمين في كل إرجاء العالم في عملية تحرير الأقصى، على اعتبار أن قضية الأقصى هي قضية المسلمين الأولى، ومهمة التحرير واجب عليهم جميعا، وليس على الفلسطينيين وحسب.

وأوضحت البيانات أيضا موقع الانتفاضة المباركة في عملية التحرير ، وشرحت في أكثر من بيان أسباب الانتفاضة وأساسها وجذورها واستمرارها ومصبها، كما عرت كل مشروعات التسوية التي تتضمن التنازل ، والمستندة على قرارات الأمم المتحدة، التي كرست الوجود الصهيوني، وعالجت أيضا زيارات شولتز، وتصريحات السياسيين ، والمواقف المختلفة للأطراف المتعددة.

كما حددت أبعاد الصراع مع العدو ، وكرست البيانات أيضا النظرة الإسلامية للصراع مع العدو على أساس أنه صراع وجود عقدي وليس صراع حدود أو نزاع بين دول .. وربطت بين الوجود الصهيوني المعاصر وبين المؤامرة الاستعمارية والبريطانية التي تعرضت لها منطقتنا عقب انهيار الدولة العثمانية، وأن حلقات تلك المؤامرة تتتابع لتصل إلى الحلقة الصهيونية وترتبط معها عضويا.

وقد صدر في السنة الأولى ميثاق حركة المقاومة الإسلامية(حماس)، وهو الوثيقة الأهم ضمن إصدارات ووثائق الحركة ، ذلك أنه جاء ليطرح رؤية الحركة الشمولية المتكاملة لمعادلة الصراع مع العدو بأبعاده المختلفة ، فتحدث عن أصل وطبيعة المعركة وجوانبها المختلفة، ونظرة "حماس" إلى فلسطين التاريخ والجغرافيا والإنسان.

ثم وضع تصورات الحركة إزاء قضية تحرير فلسطين المحتلة في أن واجب التحرير مناط بالأمة العربية والإسلامية جمعاء، وبالشعب الفلسطيني كطليعة جهادية متقدمة، وأن أسلوب ذلك التحرير هو الجهاد في سبيل الله، وناقش الميثاق أيضا وبأطر عامة ما طرح ويطرح في الساحة السياسية من مشروعات ومبادرات لتسوية القضية الفلسطينية حسب المنظور الأمريكي أو الصهيوني أو العربي المتردي، وشدد على رفض الحركة لكل تلك المشروعات لما تتضمنه من تكريس لعدوانية المعتدى ولاغتصابه لفلسطين ، كما رفض الميثاق أي فكرة تتضمن التنازل عن أي شبر من فلسطين ، وأكد على أن أرض فلسطين وقف إسلامي تمتلكها الأجيال المتعاقبة، ولا يحق لجيل منها أو لحاكن أو زعيم أو منظمة أن يتصرف بهذا الوقف، سواء بالتنازل ، أو البيع أو التفريط، أو قبول الغرباء فيه كأسياد وأصحاب حقوق.

ووضح الميثاق نظرة الحركة إلى العاملين في الساحة الفلسطينية ، بدءا من منظمة لتحرير الفلسطينية ومرورا بجميع الفصائل والتنظيمات وانتهاء بالحركات الجهادية الإسلامية الأخرى. واعتبرتهم بين أخ وولد ووالد، وأنها لا تفرق بين إخوتها وأبنائها ، فهم جميعا إخوة سلاح، وأصحاب هدف واحد، وهو تحرير فلسطين، كل فلسطين.

الفصل السادس:الوسائل التي يقاوم بها شباب الانتفاضة القوات الصهيونية

  1. القذف بالحجارة: لقد عبر الفلسطينيون عن سخطهم على الممارسات الصهيونية ضدهم بقذف الجيش بالحجارة ، وقد اعتمدوا على أيديهم، وقوتهم البدنية، والقدرة الشخصية على تصويب الحجارة نحو الأعداء، ولما استمرت الانتفاضة مدة طويلة بدأ الشباب يطورون عملية القذف لتصل الحجارة إلأى مسافة أبعد، أو لتوسيع نطاق المدى المؤثر لها، فقاموا بصنع الشديدة(النباطة) على نطاق واسع، وبدأ كل راجم يجمع كمية من الحجارة الصغيرة، ويضعها في جيوبه، ويتمركز في مكان مناسب، ويبدأ بقذف الجنود، فكانت نسبة إصابة الهدف مرتفعة في هذه الحالة أثر من القذف باليد. ثم قاموا باستعمال المقلاع، وهو أبعد مدى، وأشد أثرا من الشديدة (النباطة)، فيه يقذف الراجم حجرا يصل إلى مسافة بعيدة، ثم إن الراجم يستطيع أن يتخذ خلف عمارة صغيرة .وقد أحدثت حجارة المقاليع ذعرا في قلوب اليهود، خاصة عندما يقع الحجر فوق السيارة التي يجلسون فيها، أما إذا أصاب أحدهم فلابد من نقله إلى المستشفى.
  2. وضع المسامير ذات الرؤوس الكثيرة في طريق السيارات: عندما بدأت قوات الاحتلال في مطاردة شباب الانتفاضة بسيارات "الجيب" خوفا من الحجارة عمد هؤلاء الشباب إلى صنع مسامير متعددة الرؤوس ، ثم بدأوا ينثرونها في الشوارع في الأيام التي يسمونها "إضراب ومواجهة" ، ومن المعروف أن سيارات الفلسطينيين لا تخرج إلأى الشوارع في تلك الأيام، ولا يكون في الشوارع إلا سيارات اليهود. ودأب الشباب على التمركز قريبا في المنطقة التي نثروا المسامير فيها، وكان طبيعيا أن تدوس إحدى عجلات الجيب العسكري أحد المسامير، عند ذلك يتمزق المطاط الداخلي، وأحيانا كثيرة الخارجي مع الداخلي، مما يضطر اليهود إلى النزول لتغييره، فينطلق الشباب عليهم، يقذفونهم بالحجارة من كل حدب وصوب، مستعملين كل ما تفتقت عنه أذهانهم في هذا الميدان.
  3. وضع بطانيات قديمة في طرق المجنزرة: لجأ الجيش الصهيوني إلى استعمال المدرعات المجنزرة ليتمك جنودهم من المطاردة دون أن يلحق الشباب بهم أذى. ففكر الشباب في طريقة للتخلص منها فتوصلوا إلأى وضع بطانية قديمة في طريق المجنزرة ، فتتداخل البطانية بين زرد الجنزير، وعند ذلك يتسلق عليها الأطفال حاملين معهم آنية البترول، فيصبونها عليها، ويشعلون فيها النيران بسرعة عجيبة، وقد تشتعل فيها النيران قبل أن يتمكن الجنود من مغادرتها.
  4. رش الزيت في منحنيات الطرق وعلى الطرق التي تمر بسفوح الجبال ، لأن الزيت لزج، وإذا مرت السيارة على منطقة فيها زيت انزلقت، وفقد السائق السيطرة عليها، فتتدهور إلى أسفل الوادي، أو تصطدم في أقرب جدار.
  5. قطع الطرق: من أساليب المقاومة التي يتخذها شباب المقاومة في الأرض المحتلة قطع في الطريق، ثم تغطيته بقطعة من الجلاتين القريب من لون الأسفلت، وعندما تأتى سيارة الجيش مسرعة تقع في الحفرة، فينطلق الشباب فيصبون البترول ، ويشعلون فيها النيران.
  6. ربط سلك بين عمودي كهرباء: من عادة الجنود الصهيونيين أن ينزلوا الزجاج الأمامي على مقدمة سيارة الجيب في فصل الصيف ، فلجأ الشباب إلى ربط سلك بين عمودي كهرباء على مستوى الأفراد الذين يجلسون في سيارة "الجيب"، فإذا مرت السيارة قذف السلك بالجنود الذين فيها بعيدا عنها، وقد يتسبب ذلك في موتهم.
  7. قذف سيارات الجيش بالقنابل الحارقة(المولوتوف) وصنع هذه القنابل سهل ميسور، فهي عبارة عن زجاجة تملأ بالبترول، ويوضع فيها قطع معدنية، ثم تقفل بإحكام، ويخرج منها فتيل. يشعل الشباب الفتيل، ويقذفون الزجاجة على السيارة فتنفجر، وتحرق وتقتل أو تجرح عددا من الجنود.
  8. قذف الجنود بالحجارة الكبيرة من فوق أسطح المنازل: وهذا يؤدى إلى قتل من يقع الحجر عليه، كما حصل فىحى الشيخ رضوان بغزة، وفى مدينة نابلس.
  9. عمليات هجوم مباغت(عمليات استشهادية) يقوم بهذه العمليات شباب مؤمن راغب في الشهادة . فينطلق من هؤلاء الشباب الممثلين والمسلحين بالبلطات في ظلام الليل، وينقضون على موقع العدو من الجهات الأربع في لحظة واحدة وبشكل مباغت فيضربون الجنود ضربات قاتلة ثم يفرون ، ويندر أن ينال احدهم الشهادة لأنهم لا يعطون جنود العدو فرصة لقتلهم . خاصة وأن الهجوم من الجهات الأربع فإذا انتبه أحد الجنود الأعداء، ضرب من الخلف قبل أن يتصرف.
  10. هجمات مباغتة بالخناجر أو السكاكين الحادة أو السواطير على الجنود: يقوم الشاب الذي يرغب في الشهادة بمهاجمة جنود العدو بالسلاح الأبيض فيقتل عددا منهم قبل أن ينال الشهادة مثل عمليتي الشهيد" ياسر محمد الخواجة" والشهيد" محمد حمدان"ولا ننسى عملية الحافلة التي هجم فيها الشاب الفلسطيني المؤمن " عبد الهادي غنيم على سائق الحافلة وهو يردد "الله أكبر الله أكبر" بصوت مرتفع، وذلك عندما كانت الحافلة على قمة احد الجبال المطلة على القدس، وأدار عجلة القيادة، فانحرفت الحافلة، وتدهورت إلى هوة سحيقة في أسفل الوادي، فقتل ستة عشر من ركابها، وجرح أربعة وعشرون، ولكنه لم يفز بالشهادة، بل ألقى القبض عليه جريحا.
  11. استدراج جيش الاحتلال من الطريق العام إلى مناطق ضيقة، يكون شباب الانتفاضة قد أعدوا لهم فيها الوسائل لقتلهم.

وهناك أعمال أخرى لا يمكن إحصاؤها، ورغم أنها بدائية، إلا أنها سببت إزعاجا بل موتا لأعداد كبيرة من قوات الجيش الصهيوني. هذا بالإضافة إلى رفع الأعلام الفلسطينية، والهتافات المعادية ، التي تثير أعصاب اليهود، مثل "خيبر خيبر يا يهود، جيش محمد سوف يعود" وهتافات معادية أخرى تأخذ صفة التحدي للسلطة خاصة عندما يلتزم الناس بأوامر الصادرة عن قيادتي الانتفاضة- حركة المقاومة الإسلامية- حماس، والقيادة الموحدة للانتفاضة.

هذا وقد قامت كتائب الشيخ عز الدين القسام، وكتائب الدكتور عبد الله عزام التابعة لحركة المقاومة الإسلامية"حماس" بعمليات عسكرية خاطفة أذهلت العدو، ودفعته إلى القيام بعملية هستيرية، فقام بإبعاد أربعمائة من قياديي حركة المقاومة الإسلامية"حماس" إلا أنه لم يكن بينهم واحد ممن يقومون بالعمليات العسكرية، وظن أنه بهذا قد قضى على الانتفاضة، ولكن خاب ظنه عندما ازدادت الانتفاضة اشتعالا.

الفصل السابع:العمليات الاستشهادية

يحارب الفلسطينيون عدوا شرسا خبيثا، يستعمل ضدهم جميع الأسلحة ذات التدمير الشامل والأسلحة البيولوجية والعنقودية المحرمة دوليا، يقصفون المدنيين، فيقتلون الأطفال والنساء والشيوخ، ويهدمون المباني، ويدمرون المدارس والمساجد، وحتى المستشفيات والمقابر لم تسلم من التدمير، وترتكب (إسرائيل) هذه الجرائم، ولا تجد في العالم من يدينها، أو يستنكر جرائمها ومخالفاتها ، وجيشها خامس أقوى جيش في العالم.

يواجه الفلسطينيون قوة الجيش الصهيوني بصدورهم العارية، وثاروا على إجرامهم وحاربوهم بالوسائل التي ذكرت سابقا، حتى خطفوا بنادق وأسلحة رشاشة، ثم طوروا أنفسهم واخترعوا متفجرات، ثم توصلوا إلى العمليات الاستشهادية، وهى أ يضع الفرد المتفجرات على وسط جسمه، ثم ينطلق ليقف بين الأعداء ويفجر نفسه، ويقتل عددا من المقاتلين الصهيونيين، قام بمثل هذا العمل الكيميكاس اليابانيين ضد الأسطول الأمريكي، فكانت حركة رائعة مدحها كل العالم ، وأكبروا الذين نفذوها، وسجل عملهم هذا في الأكاديميات العسكرية، كنموذج للإنسان الذي يفدى بلده بروحه، أما في فلسطين فحدث عكس ذلك تماما.

تناعقت حولهم البوم والغربان، حتى من بني جلدتنا الذين يتحدثون بلغتنا، ليس هذا عمل حضاري، هذا إرهاب ، إذا لا يجوز، ولا أحد يلوم الإجرام الصهيوني، الذي يضرب المدنيين الفلسطينيين بكل قسوة، ويقتل الأطفال متعمدا.

الفلسطيني لا يملك إلا نفسه، وهو يقدمها في سبيل الله، ليخلص وطنه من هذا السرطان المستشري في شرقنا العربي الاسلامى، ورغم نعيق البوم والغربان من أعداء العرب والمسلمين ومن بعض العرب والمسلمين، الذين يعادون أوطانهم وشعوبهم لأنهم تحولوا إلى عبيد لأعداء الوطن ، سيظل العمل الفدائي سلاحا نحطم به قلوب الأعداء الطامعين في أوطاننا ، وقلوب عملائهم الذين يعيشون فيها.

وقد شذ بعض فقهاء السلاطين فنعتوا الاستشهاديين بأنهم انتحاريون وقد استهزأ الشاعر السعودي الدكتور غازي القصيبى بهم في قصيدته التي نظمها في الشهيدة الفلسطينية البطلة "آيات الأخرس" التي قال فيها:

يشهد الله أنكم شهداء
يشهد الأنبياء والأولياء

متم كي تعز كلمة ربى

في ربوع أعزها الإسراء

انتحرتم؟ نحن الذين انتحرنا

بحياة أمواتها الأحياء

أيها القوم نحن متنا .. فيها

نستمع ما يقول فينا الرثاء

قد عجزنا حتى شكي العجز منا

وبكينا حتى ازدرانا البكاء

وركعنا حتى اشمأز الركوع

ورجونا حتى استغاث الرجاء

وشكونا إلى طواغيت بيت

أبيض ملء قلبه الظلماء

ولثمنا حذاء شارون حتى

صاح مهلا قطعتموني الحذاء

أيها القوم نحن متنا ولكن

أبت أن تضمنا الغبراء

قل لآيات :يا عروس

كل حسن لمقلتيك الفداء

حين يخصى الفحول صفوة قولي

تتصدى للمحرم الحسناء

تلثم الموت وهى تضحك

ومن الموت يهرب الزعماء

فتحت بابها الجنان وحيت

وتلقتك فاطم الزهراء

قل لمن دبجوا الفتاوى

رويدا رب فتوى تضج منها السماء

حين يدعو الجهاد يصمت حبر

ويراع والكتب والفقهاء

حين يدعو الجهاد لا استفتاء

الفتاوى يوم الجهاد الدماء

قام الاستشهاديون بعشرات العمليات العسكرية والاستشهادية، وكانت موجهة إلى العسكريين الذين كانوا يجوبون الأرض المحتلة، ينشرون فيها الرعب والإرهاب، ولكن (إسرائيل) كانت على عادتها- تعمد إلى هدف سهل وتصب عليه جام غضبها، ففي 25- رمضان- 1414هـ عمد "باروخ جولدشتاين" إلى المسجد الإبراهيمي، ودخله أثناء صلاة الفجر تحت حماية وحراسة الجيش الصهيوني، وانتظر حتى سجد المصلون، وبدأ يطلق عليهم النار من سلاحه الرشاش، فقتل 29 شهيدا، وجرح عشرات من المصلين.

ذهل أهل الخليل خاصة، والفلسطينيون عامة لهذه الجريمة، وقامت المظاهرات وكان هتافهم:

الانتقام الانتقام
يا كتائب القسام

فردت حركة حماس في بيان لها بأن المدنيين الصهاينة ليسوا أفضل من مدنيينا، وسنرد بخمس عمليات فدائية توجه إلى مدنييهم، وليعلموا أنهم هم الذين بدأ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقبون ، والبادئ أظلم .

وقد وعدت حماس شعبها ووفت بوعدها، وهنا أقول : إن الشعب الفلسطيني في مدينة الخليل عرف بمن يستغيث بعد الله، لقد وصلت حماس فعلا إلى رأس القوة بفلسطين، وأصبح الجميع يعرف أن الحرب والسلم بيد حماس.

وكان ذلك النشاط الرائع، والجهد العظيم الذي خطط له الشيخ أحمد ياسين- يرحمه الله- وإخوانه الكرام ثمرة كبيرة ونتيجة واضحة لكل عين مبصرة، فقد أصبح الاتجاه الاسلامى الذي يقوده الإخوان المسلمين هو أكبر قوة في الساحة الفلسطينيين، تضاءلت أمامه جميع القوى السياسية القومية منها واليسارية ، وأصبح الشارع تحت توجيه وسيطرة الإخوان المسلمين الذين كان يطلق عليهم:" الاتجاه الاسلامى" كما ذكرت سابقا.

شعرت القوى اليسارية والوطنية أنها أصبحت شبه معزولة، وأن الرأي والقول المسموع أصبح لغيرهم فساءهم ذلك جدا، وأخذوا يثيرون التهم والشبهات ، وروجوا أكاذيب كثيرة، ولكن الإخوان فندوا جميع ما أثاروا من تهم وأكاذيب، وأحس هؤلاء أن الشارع والشعب لم يأبه لهم، ولم يصدق أكاذيبهم، لأنهم يرون بأعينهم، ويميزون بين أفاضل الناس وأراذلهم.

الفصل الثامن:مقدمة لمحادثات أوسلو السرية

لقد جاءت اتفاقية "أوسلو" والتوقيع عليها نتيجة للحالة النفسية التي كان عليها قادة فتح ومنظمة التحرير ، فقد طردت المنظمة وجميع الفصائل الفدائية من الأردن ثم من لبنان، وأبعدت إلى بلاد لا تجاور (إسرائيل) ، وانتقلت قيادة المنظمة إلى تونس، وكذلك حركة فتح وجميع الفصائل الفلسطينية، وبهذا ضعفت سيطرتها على الداخل الفلسطيني ، خاصة بعد قيام الانتفاضة، التي جعلت حركة حماس هي المسيطر الأقوى في الداخل، فقد كان الشيخ أحمد إسماعيل ياسين هو الذي يقضى بين الناس فيما كانوا فيه يختلفون ، وكان يحكم بينهم حكما شرعيا على أساس الشريعة الإسلامية، وكان يأتيه الناس من كل مكان، حتى لقد قد إليه بعض النصارى، وكانوا يخرجون راضين بحكمه، وكان لديه قوة في كل بلد تنفذ الحكم الذي قضى به، وبهذا أصبح الشيخ هو الحاكم الفعل للناس، ولا يردون له قولا ، ولا يعارضون له حكما، وهجر الناس المحاكم المدنية، وجميع محاكم المحتل، واقتنعوا بما قضى به الشيخ.

وأثار هذا حفيظة المحتل، فعمد الشيخ ، وألقى القبض عليه، وقدمه للمحاكمة، وحكم عليه حكما مؤبدا وثلاثة عشر عاما، والقي به في غياهب السجون، حتى لا يعود الناس إلى الحكم بما أنزل الله.

وفى أعقاب مؤتمر مدريد الذي نتج عنه قيام مفاوضات فلسطينية ، (إسرائيلية) وكان الوفد الفسلطينى جزءا من الوفد الأردني ، مكونا من فلسطيني الداخل، ثم مالبث أن انفصل عن الوفد الأردني، وأصبح وفدا مستقلا مفاوضا مرتكزا على قاعدة شعبية عريضة في الداخل الفلسطيني تتبنى المقاومة والمفاوضات السياسية جنبا إلى جنب، وكانت المقاومة مؤثرة جدا وضاغطة على الشعب الصهيوني، خاصة بعد قيام الشعب الفسلطينى بعمليات فدائية استشهادية، خلعت قلوب الصهاينة، ودفعت كثيرا منهم للتفكير فعلا في سلام مع الفلسطينيين.

حالة منظمة التحرير في تونس

كانت المنظمة في تونس في حالة سيئة، بعيدة عن الوطن مكشوفة لأعدائها ، لا تملك وسائل الدفاع عن عناصرها، مما أتاح (لإسرائيل) وأداء المنظمة اغتيال من تريد منهم، فقتل في تونس عدد من القادة المتحمسين لمحاربة (إسرائيل) وقد أتاح هذا الفرصة للانتهازيين الذين لم يفكروا في محاربة (إسرائيل) .

وما دخلوا إلى الحركات الفدائية إلا لصالح وأهداف في أنفسهم، وقد استعان بهم عرفات ليقضى على آخر نفوذ للذين يصرون على الاستمرار في محاربة (إسرائيل) وكان له ذلك، في الوقت الذي انتشر بينهم الفساد والمحسوبية، وأكثرهم أخذ يعمل لصالحه، ويبنى لمستقبله الخاص، وقلاقل في داخلها ، ومن ثم فهي من أضعف الحلقات التي يمكن اختراقها في المفاوضات بين العرب والصهاينة.

عندما بدأت المفاوضات أيقن عرفات أن البساط قد سحب من تحته، فلجأ إلى مصر لمساعدته لاستعادة مكانته، ولتكون المفاوضات مع المنظمة التي يرأسها، وأفهم مصر بأنه سيكون واقعيا وأسهل من الوفد الفلسطيني المفاوض، والذي كان من الداخل، ويرأسه الدكتور حيدر عبد الشافي، كما اتصل بالصهاينة عن طريق قنواته الخاصة، مؤكدا لهم أن المفاوضات معه أسهل ، وكان ذلك.

كما أصبح الاتصال مباشرة مع منظمة التحرير مطلبا مصريا" ردده المسئولون أما نظرائهم اليهود على الدوام، وفى أول زيارة لشمعون بيريز وزير خارجية العدو الصهيوني- في ذلك الوقت- لمصر استمع إلى شرح التطورات والتغيرات التي لحقت بالمنظمة (ومرونتها) و(واقعيتها) التي تبرر الاتصال بها، وبأسلوب الإغراء استمع إسحاق رابين رئيس الوزراء الصهيوني إلى ما يمكن أن تقدمه المنظمة من تنازلات تعجز أي قوة سياسية أخرى عن تقديمها، فالمنظمة- حسب الرؤية المصرية- متحركة إلى حد كبير من ضغوط الداخل الفلسطيني، مقارنة بحماس مثلا، أو حتى بوفد التفاوض الفلسطيني نفسه.

وفى أعقاب عودة بيريز إلى بلاده استمرت المطالب المصرية في الصدد نفسه، وأثمرت إلغاء الحكومة الصهيونية لقانون يحظر الاتصال مع المنظمة ، وفى زيارة بيريز الثانية للقاهرة كانت الأمور قد تطورت كثيرا في الاتجاه نفسه، إذ جاء ليعرض ما توصلت إليه المفاوضات السرية بين الحكومة الصهيونية والمنظمة، والتي جرت وتجرى في أوسلو (السويد) منذ حوالي خمسة أشهر".

وقد تمت الوساطة والدعاية، ثم التسويق المصري لاتفاق "غزة- أريحا" والحماس لذلك، بهدف تحسين العلاقات المصرية الأمريكية التي كانت تمر بأزمة متعددة الجوانب ، وكان فك الارتباك مع النظام المصري، قد أصبح حديثا مسموعا في إدارة الرئيس الأمريكي كلينتون، تحت دعوى أن هذا الارتباط مكلف جدا لواشنطن (201 مليار دولار مساعدات سنوية) وأن النظام المصري لم يعد لديه ما يقدمه لأمريكا بعد أو أوشكت بقية دول المواجهة مع (إسرائيل) على عقد اتفاق سلام معها.

دخل وفد منظمة التحرير الفلسطينية في مفاوضات سرية مع (إسرائيل) فكان هذا الوفد المفاوض أسهل بكثير من مفاوضي الداخل، فاعترفت (إسرائيل) بمنظمة التحرير ، ووقعت معها اتفاقية "أوسلو" وبدأ بتنفيذ ما سمى بـ( غزة – أريحا أولا).

الفصل التاسع:السلطة تعود إلى فلسطين

دخلت السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة ومدينة أريحا بين تصفيق الجماهير وفرحهم وترحابهم بإخوتهم، الذين جاءوا ليحققوا الآمال التي حارب من أجلها الشعب الفلسطيني عشرات السنين، وقدموا من أجلها مئات آلاف الشهداء.

قدم الشعب الفلسطيني الطعام على حبه وندرته إلى إخوانهم القادمين ، وأما الفصائل المقاومة وعلى رأسها حركة حماس وحركة الجهاد الاسلامى، وجميع الفصائل المقاومة- رغم أنها حذرت السلطة القادمة من خداع اليهود ومكرهم وكذبهم- فقد فضلت أن تتجنب حمل السلاح في وجه هذه السلطة حتى لا يراق الدم الفلسطيني بأيدي الفلسطينيين أنفسهم.

وبعد أيام من وصول السلطة تبين لهم شرح (إسرائيل) لعابرتي منطقة غزة ومنطقة أريحا، إذا قصدوا بمنطقة أريحا مدينة أريحا فقط، ومنطقة غزة هي غزة فقط والقرى العربية من القطاع، وأن المستوطنات التي أقاموها على مساحة تساوى خمسي القطاع والخمس الثالث طرق لهذه المستوطنات بما فيها منطقة المواصى غرب خانيونس ورفح تبقى تحت سيطرة اليهود، فانقلب بهذا فرح الشعب ترحا، وتبين للناس أن حركتي حماس والجهاد وجميع الفصائل المقاومة كانت محقة في رفض هذه الاتفاقية الخيانية التي سميت اتفاق "أوسلو".

وبعد مضى عام واحد استطاع عرفات وزمرته الفاسدة بناء عشرات السجون، وبعد ذلك بدأت معاناة الشعب الفلسطيني، عندما وجدوا أن (إسرائيل) استطاعت أن تجعل المحاربين الفلسطينيين الذين كانوا يحاربون ضد (إسرائيل) أن يتحولوا إلى قوات أمنية تحمى (إسرائيل) وتحارب كل من يفكر – مجرد التفكير- في الوقوف ضدها، أو التحريض على محاربتها وقامت المخابرات الفلسطينية، وقوات الأمن الوقائي بتعكير الأمن الفلسطيني، وأخذت أجهزتها تتسابق فيما بين ذانك النظامين، في اعتقال أبناء الشعب الذين حاربوا بإخلاص ضد (إسرائيل) لإنقاذ الوطن، وتحرير الشعب من براثن النظام الصهيوني.

امتلأت السجون الفلسطينية بالفلسطينيين المجاهدين، وأخذ إخوانهم مكان اليهود في التعذيب والتنكيل، بل تفنن الإخوة في التعذيب ، واخترعوا طرقا عجيبة غريبة لم يستطع اليهود اللجوء إليها لأنها محرمة إنسانيا، كإجلاس المجاهد وهو عار على زجاجة البيبسي بعد تهشيم فوهتها ، ويضغطون عليه حتى تدخل الزجاجة في جسمه بعد أن يتقطع المكان الذي دخلت منه، وتسيل الدماء الفلسطينية بلا رقيب ولا حسيب.

عارض الإخوان المسلمون وجناحهم حماس في فلسطين هذه الاتفاقية التي حطمت الآمال الفلسطينية، فمنظمة التحرير وحركة تحرير فلسطين "فتح" أسستا لتحرير فلسطين كل فلسطين من البحر إلى النهر ومن رأس الناقورة إلى رفح حتى العقبة، أما أن يتقلص المشروع ليصبح تحرير قطاع غزة والضفة الغربية هو الهدف، فلماذا إذن أسست هاتان المنظمتان، وقد كانت الضفة والقطاع تحت أيدي العرب، يسكنها الفلسطينيون بأمن وأمان ، ولا يهم أن يكون فلان رئيسا أو فلان غير رئيس، ولكن المهم أن تكون بلاد المسلمين للمسلمين، وقد رأى الشعب الفلسطيني من ظلم الفلسطينيين ما لم يذقه من أي تنازل منحرفو فتح، أو الجناح المتصهين عن 78% من فلسطين، حتى ترضى (إسرائيل) بإعطائهم ما بقى وهو 22% ولكن (غسرئايل) لم تقبل بهذا ، فقد أغراها تساهل مفاوضي عرفات ،وأصروا على أن قطاع غزة والضفة الغربية أرض مختلف عليها، وقد كان المفاوضون كرماء لدرجة الموافقة حتى على هذا الطلب الصهيوني.

وقد أبقى المفاوضون جميع القضايا الجوهرية بدون حل، فما حلت مشكلة اللاجئين، ولا مشكلة القدس، ولا مشكلة المستوطنات، ولا مشكلة الحدود، وكل هذه المشاكل تعارض (إسرائيل) حلها إلا بالطريقة التي تريدها، فاللاجئون لا يسمح بعودتهم أبدا، لأن عودتهم قضاء على (إسرائيل) والقدس عاصمة (إسرائيل) الأبدية لا يمكن إعادتها إلى أهلها الفلسطينيين وتفكيك المستوطنات قد تسبب حربا أهلية، ونحن لا نغامر بذلك والحدود لا نسمح أبدا أن يكون للفلسطينيين حدود مباشرة مع العرب ، لأن ذلك خطر على (إسرائيل) وباختصار شديد ليس عند (إسرائيل) إلا ما قدمت.

ومن جهة أخرى تعهدت منظمة التحرير بتسليم قوائم بأسماء الجماعات الفلسطينية الدينية والمعارضة لاتفاقية السلام بعد ثلاثة أشهر من بدء تنفيذ الاتفاقية ، ومراقبة نشاط تلك الجماعات، وأن تقوم بحل المجموعات التنظيمية والإرهابية في مناطق الحكم الذاتي مه تسليم أسلحتها، وإعطاء معلومات عن أماكن تخزينها، كما تتعهد منظمة التحرير بتصفية أي حملات سياسية أو عسكرية فلسطينية معارضة تهدف إلى تدمير (إسرائيل) وبذلك تتحول منظمة التحرير إلى متعهد إرهابي ضد الفلسطينيين، وبعد أن تفي بما تعهدت به، من تحطيم لسلاحها وسلاح جميع الفصائل، وسحق كل المقاتلين الفلسطينيين، عند ذلك تبدأ مفاوضات الحل النهائي، وستعطيهم (إسرائيل) ما يستحقه المفاوض الذي حطم سلاحه، وسحق مقاتليه، وجاء لعدوه صفر اليدين.

وأما الناحية الاقتصادية ، فإن (إسرائيل) اشترطت أن توضع جميع المساعدات المقدمة للسلطة من الدول العربية ومساعدات الدول الأوروبية والمساعدات الأمريكية في الميزانية الصهيونية، ومنها ينفق على مناطق السلطة بالشكل الصهيوني، وبالسعر الذي تراه (إسرائيل) وبهذا أصبحت الدول العربية المساعدة للفلسطينيين داعمة لميزانية (إسرائيل).

وأصبح الذين فجروا الانتفاضة وخاضوا حرب الحجارة ثم السلاح الأبيض ثم البنادق والأسلحة السريعة كالكلاشنكوف والقنابل الحارقة والعمليات الاستشهادية وغيرها أصبحوا يملأون السجون والمعتقلات ويتعرضون للسباب بالألفاظ البذيئة النابية، ولسماع الحثالة تتطاول بسبابها عل الذات الإلهية بلا خوف ولا حياء، وكان المجاهدون مكبلين، وحولهم مجموعات من الرعايد الجبناء، الذين كانوا يتأرنبون أمام اليهود، تراهم يتطاولون على الأبطال الذين أذلوا اليهود وأرهبوهم، ويسبونهم ويشتمونهم .

لقد حرموا جميع من حارب (إسرائيل) وعارض اتفاقية العار "أوسلو" من جميع الوظائف الحكومية ومنعوا ترقية من كان موظفا منهم، وباشروا فسادا لم نسمع بمثله في أحط بلاد العالم الثالث، كانوا يغتصبون مواد البناء من المواطنين الذين يبنون بيوتهم، ويغتصبون شققا من الذين بنوا أبراجا في قطاع غزة، ويستولون على الوكالات التجارية، ويشاركون أصحابها في أرزاقهم، حتى الرمل القريب من البحر وضع بعضهم عليه حراسة، وأخذ يبيعه للذين يبنون بيوتهم، ويصدره إلى (إسرائيل) بثمن بخس.

بقى الحال كذلك حتى جاء موعد قيام الدولة الفلسطينية عام 1997 فتنكرت (إسرائيل) لذلك ، مدعية أن هذه المواعيد ليست مقدسة، وعندما ذهب عرفات للتوقيع على الصلح وجد نفسه أما خدعة كبير، قال له الصهاينة: ليس لكم قدس، ولا عودة للاجئين، ولا تفكيك إلا لبعض المستوطنات غير الشرعية، وأن الغور الفلسطيني سيبقى لهم، ولا حدود مباشرة للفلسطينيين مع العرب.

رفض عرفات التوقيع فهددوه بالقتل فقال لهم:" وأدعوكم للسير في جنازتي" وعندما عاد عرفات من الولايات المتحدة قامت الانتفاضة الثانية، وقد دعمها بكل ما يملك، وأطلق عليها انتفاضة الأقصى، وهنا ظهر في حركة فتح تيار متصهين يدعى العقلانية والواقعية، يقول :"(إسرائيل) أقوى منا ، وتدعمها الولايات المتحدة القطب الأوحد والأقوى في العالم، وبدأ هذا التيار بالتحرك ضد عرفات ومن سار على نهجه بقيادة محمود عباس ، ومحمد دحلان وبدعم لا محدود من الولايات الأمريكية.

وهنا عادت حركة المقاومة الإسلامية"حماس" إلى المقاومة وبدأت توجه ضرباتها إلى قلب (إسرائيل) ، وبدأت المواجهات الدامية بين الشعب الفلسطيني بكل فصائله المقاتلة وبين الاحتلال الصهيوني، وردت (إسرائيل) باغتيالات نالت مجموعة من قيادات الفصائل الفلسطينية المقاتلة، كل بحب قوته، وقد كان نصيب حركة حماس من الاغتيالات النصيب الأكبر، لأنها الأقوى والأقدر على توجيه الضربات المؤثرة، وقد كان للتيار المتصهين في فتح نشاطات واسعة في محاولة لوقف الانتفاضة والقضاء عليها، لأنها في نظرهم غير ذات جدوى ، ولأن مفاوضات السلام حسب ادعائهم أنفع بكثير من هذا الانتحار الجماعي.

إلا أنه ثبت عمليا أن الانتفاضة ذات جدوى عظيمة، فقد اضطرت (إسرائيل) إلى الانسحاب من قطاع غزة انسحابا كليا، وفككت كل مستوطناتها في قطاع غزة، وهربت من المعركة في القطاع ، وهكذا استطاعت الانتفاضة أن تحرر القطاع من رجس الاستعمار الصهيوني الاستيطاني.

ولم تلبث (إسرائيل) أن حاصرت عرفات في المقاطعة برام الله التى كانت مقرا له، وأخذت تدمرها شيئا فشيئا، ويهددون بقتله، فالتقت مجموعة من رجاله الطامعين في خلافته، وكانوا مجتمعين في بين أحدهم، وأرسلوا له( فاكس) قالوا له تنازل لنا عن صلاحياتك حتى نستطيع إنقاذك-ومنهم محمود عباس ومحمد دحلان وسلام فياض ونبيل عمرو وغيرهم- فرد عليهم عرفات قائلا:" إلى مجموعة العار في بيت العار لكم العار".

وما زال هؤلاء يتربصون به حتى قتلوه بالسم، وخلا الجو لهم، وخلفه محمود عباس الذي نجح في الانتخابات التي لم يشارك فيها إلا 20% من الشعب الفلسطيني حصل فيها على نسبة 62% وبهذا ورث محمود عباس ياسر عرفات.

الفصل العاشر: انسحاب الصهاينة من قطاع غزة

اشتدت المقاومة على المحتلين وكانت العمليات الاستشهادية أقوى ما يواجهه المحتل في قطاع غزة، وقد حاولت (إسرائيل) بكل الطرق أن تتوغل داخل المدن الفلسطينيين، ولكنها كانت تواجه مقاومة شرسة تضطر الجيش الصهيوني إلى الانسحاب بعد أن يتعرض لخسائر فادحة في ألأرواح والعتاد.

كان على (إسرائيل) أن تحمى حدودها أما هجمات حماس وبعض فصائل المقاومة، وأن تحمى المستوطنات داخل القطاع، وأن تحمى الطرق إلى تلك المستوطنات أمام الهجمات المتنوعة التي كان يشنها رجال المقاومة.

وجدت (إسرائيل) أن بقاءها في قطاع غزة مكلف جدا كلفة لا تتناسب مع الفائدة التي تجنيها من بقائها فيها، لذلك قررت الانسحاب من قطاع غزة من جانب واحد، كما قررت تفكيك مستوطناتها والخروج من القطاع إلى غير رجعة.

تنفس المقاومون الصعداء، وأصبح القطاع خاليا تماما من الأعداء، فألف عدو خارجه ولا عدو داخل، فاتجهوا بأعينهم وسلاحهم إلى الشرق والشمال ، إلى أرض فلسطين التي احتل عام 1948م وكانت (إسرائيل) ترد عليهم بقسوة شديدة، إلا أن ذلك لم يثن المقاومين عن أهدافهم.

أسر شاليط

كانت كتائب القسام قد حفرت أنفاقا عدة، كان بعضها يمتد داخل الأراضي المحتلة عام 1948م. وبينما كانت (إسرائيل) تحشد قواتها على حدود القطاع، وتستعد للهجوم، دخلت مجموعة من المقاومين إلى داخل الأراضي المحتلة عام 1948م، عن طريق أحد ألأنفاق وإذا به خلف القوات الصهيونية التي تستعد للهجوم على القطاع، فانقضوا عليها كالأسود، وأطلقوا النار عليهم، فقتلوا عددا وجرحوا آخرين، واستشهد منهم اثنان، وجرح عدد، وبينما هم يهمون بالعودة وإذا بجند جريح يرفع يديه، فأخذوه ودخلوا النفق، وعادوا به إلى القطاع، وأخفوه، بينما كان الجيش الصهيوني يقف في ذهول كامل من هول الصدمة التي أصيب بها نتيجة هذا الهجوم الخاطف، وقد مكن ذلك المهاجمين من إخفاء الجندي الصهيوني"شاليط" في مكان لم يستطع عملاء (إسرائيل) إيجاده رغم الجهود المضنية التي بذلوها.

كانت عملية جريئة ضد جيش يستعد للعدوان عليهم، لكن (إسرائيل) تدعى أنها عملية اختطاف قام بها إرهابيون فماذا كانت مهمة الجيش الصهيوني الذي يستعرض عضلاته بسحق قوة حماس أليس ذلك عمل إرهابي؟ على أي حال إن العمل كان عملا بطوليا قام به أسود"حماس" ضد أكبر قوة إرهابية في الشرق الأوسط.

الانتخابات التشريعية في 25/1/2006م

بعد الانتخابات الرئاسية قرر عباس بناء على رغبة الأمريكان موعدا للانتخابات التشريعية، وقد نوقش ذلك القرار مع المستشارون الأمريكان وكان رأى "دنس روس" أن يتاح المجال لحماس وجميع الفصائل الأخرى بدخول الانتخابات اعتقادا منهم أن حركة"فتح"ستفوز بأغلب مقاعد المجلس التشريعي ، فإذا طلب التصويت على مشروع فإن المجلس سيوافق بأغلبية الأصوات، فيصبح المجلس التشريعي قد وافق عليه بالأغلبية، وبالتالي فإن الشعب الفلسطيني قد وافق على المشروع.

وكانوا قد حددوا في إحدى جلسات المجلس التشريعي اختصاصات رئيس السلطة، واختصاصات رئيس الوزراء، وقد جعلوا اختصاصات رئيس السلطة محدودة، أقل بكثير من الاختصاصات التي كان يتمتع بها عرفات، وزادوا الاختصاصات التي يتمتع بها رئيس الوزراء على اعتبار أن محمود عباس سيكون هو رئيس السلطة، ومحمد دحلان- رجل الأمريكان كما قال "بوش" هو رئيس الوزراء.

أما حماس فقد ناقشت خوض معركة الانتخابات، واستقر رأيهم على خوض المعركة، والغاية من ذلك معارضة القرارات المصيرية، وإسماع رأى الإسلاميين للعالم في كل ما يعرض على المجلس من المشاريع، هذا أولا، والأمر الثاني: أنهم وإن كانوا أقلية معارضة فإنهم قد يستطيعون حماية أنفسهم من بطش المتصهينين من رجال السلطة.

الانتخابات الأولية(عملية الترشيح البرايمرى)

(أ‌) في حركة التحرير الوطني الفلسطيني"فتح".

بدأ أعضاء حركة فتح يجتمعون في مراكزهم، لينتخبوا مرشحيهم للانتخابات، وكانوا كلما اجتمعوا في مكان تخاصموا وارتفعت أصواتهم، كل يريد أن يكون ضمن المرشحين، وقد تطور الخلاف أحيانا إلى اشتباكات بألأيدى ثم بإطلاق النار في أكثر المراكز التي اجتمعوا فيها ثم قرر كثير منهم أن يرشحوا أنفسهم كمستقلين، وقد كان كل واحد منهم يريد أن يرشح نفسه.

(ب‌) في حركة المقاومة الإسلامية"حماس"

(ت) كان الأعضاء في حماس يجتمعون ويسألون من يريد أن يرشح نفسه فلا يرفع يده أحد، فكان أحدهم يضطر أن يرشح من يعتقد صلاحيته إلا أن أكثرهم يعتذرون قائلين: هناك من هو أنسب ، ويضطرون أخيرا أن يقولوا للذي يريدون ترشيحه :"أنت مرشح بالأمر" ومن أمثلة ذلك الدكتور يونس الأسطل، الذي ضغط عليه كثيرا حتى وافق ،وقد حصل على أعلى الأصوات في منطقة خانيونس.

حركة المقاومة الإسلامية (حماس) تكتسح الانتخابات التشريعية

أشرف على هذه الانتخابات هيئات محلية وعربية وأجنبية وبإشراف الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، وقد كانت الانتخابات هادئة خالية من المشاكل، وبعد فرز الأصوات ظهرت المفاجأة المزلزلة فقد فازت حركة المقاومة الإسلامية (قائمة التغيير والإصلاح) بأربعة وسبعين مقعدا من مجموع مقاعد المجلس وعددها مائة وثلاثون مقعدا، وبهذا أصبحت حماس هي صاحبة الحق في تكوين الحكومة حسب الأنظمة الديمقراطية التي يبشر بها الغرب، والتي كانت من الحجج التي بررت بها الولايات المتحدة تدمير دولة العراق، وجاءت بعملاء لها زرعوا الفوضى الأمنية، التي جلبت الموت لملايين العراقيين، وشردت ملايين كثيرة إلى أصقاع العالم.

كانت الولايات المتحدة تريدها ديمقراطية تأتى بأذنابها الفاسدين فخاب أملها، وكانت (إسرائيل) تريد فوز الجناح المتصهين حتى تأخذ منهم ما تريد من فلسطين وتعطيهم بعض الفتات الزائل وبعض البطاقات التي كتب عليها vip ولهذا فقد رفضت (إسرائيل) النتيجة التي خيبت أملها وبالتالي رفضت الولايات المتحدة النتيجة، لأنها أفرزت أشخاصا متطرفين، لا يمكن التعاون معهم، ووقفت أوروبا إلى الجانب الأمريكي.

أما بالنسبة لفتح فقد رفضت النتيجة رفضا تاما على الرغم من أنها حاولت أن تتظاهر بقبول النتيجة بروح رياضية، ويوضح رفضهم قبول النتيجة المواقف التالية:

أولا : موقف محمد دحلان قاد محمد دحلان مظاهرة صاخبة رافضا نتيجة الانتخابات ،وتوجه بها إلى المجلس التشريعي، وأحدث في المجلس حريقا هائلا، هو أول حريق يحدث للمجلس التشريعي بغزة منذ إنشائه.

ثانيا: أما عن الرئيس محمود عباس ، فإنه لم يتخذ أي إجراء ضد محمد دحلان، ولو قام بهذه الجريمة غيره لرفعت عنه الحصانة ولقدم للمحاكمة.

ثالثا: اجتمع المجلس التشريع السابق اجتماعا طارئا، و(كانت غالبيته من فتح) وأصدر عددا من القوانين التي جردت المجلس التشريعي الجديد من كثير من صلاحياته.

رابعا: أصدر الرئيس محمود عباس قرارات جرد فيها الحكومة المقبلة من جميع الصلاحيات القوية، فقال: بأن قوى الأمن هي من صلاحيات الرئيس فقط، وكذلك الإذاعة، والمالية، والخارجية.

خامسا: لم يقم الرئيس محمود عباس باصطحاب إسماعيل هنية رئيس الوزراء في أي رحلة سياسية لأي بلد عربي أو أجنبي.

سادسا: قامت محاولة لاغتيال رئيس الوزراء بالتعاون مع بعض الدول المجاورة، وثبت بأن الذي كان وراء المحاولة محمد دحلان وبعض أعوانه وقد استشهد في تلك المحاولة حارس رئيس الوزراء وجرح مستشاره وولده في المحاولة المذكورة ولم يأمر الرئيس بالتحقيق أو فتح قضية فيها علما بأن المسئولية الأمنية كانت مناطة برئيس السلطة محمود عباس.

الجنرال "كث دايتون" يتعهد بالقضاء على حماس

أمريكا التي تدعى الحرص على تشجيع الديمقراطية وتحاول نشرها تظهر على حقيقتها عدوة للديمقراطية الحقيقية وهى تدعو إلأى الديمقراطية تأتى بعملائها للسلطة، أما إذا جاءت بغير عملائها فلا تقبل بها بل تحاربها بكل قوة.

أرسلت الولايات المتحدة بالجنرال "كث دايتون" الذي تعهد بالقضاء على حركة المقاومة الإسلامية "حماس" وحكومتها إلى البلاد العربية وحمل معه من المال ما يكفى لتجنيد قوة من الذين يعبدون المال من دون الله وتسليحهم ليقتلوا إخوانهم الذين قاوموا (إسرائيل) ذلك السرطان الذي زرع في بلاد العرب والمسلمين لينتشر بها ويبتلعها بعد أن يقضى على كل من يسكنها، ويأتي بغيرهم مستعمرين استعمارا استيطانيا.

قامت حركة حماس بتأليف حكومة منفردة بعد أن رفضت "فتح" المشاركة في حكومة وطنية، بل قال محمد دحلان"عار على حركة فتح المشاركة في حكومة ائتلافية تقودها حماس، بل وضغطت على جميع الفصائل الفلسطينية حتى لا تشارك فى حكومة حماس، وكان ذلك، ومن هنا بدأت المواجهات بين الجناح المتصهين في فتح والحكومة التي كونتها حركة حماس مصداقا لوعيد محمد دحلان الذي قال :" والله لرقصهم خمسه بلدا".

بدأت المشاكل بخطف فتح لمجموعة من قيادات حماس، ووضعت في سجون أعدوها لذلك، وبدأوا يعذبونهم ويشتمونهم ويتوعدونهم بأشد العذاب، وقام عدد من رجال حماس بخطف عدد من رجال "فتح" وتدخلت لجنة من الفصائل الأخرى، ونتج عن ذلك إطلاق سراح المختطفين من كلا الجانبين.

ولكن الجناح المتصهين لم يقف عند هذا الحد فقد وصلت لهم الأوامر بوجوب القضاء على حماس بعد وصول الأسلحة وأجهزة ومعدات قتال وأموال، وبناء على ذلك بدأ الخطف والتعذيب والاغتيالات لقادة حماس مرة ثانية، فعذبوا ، وقتلوا، وبعد ذلك التقى وفد من حركة حماس برئاسة رئيس المكتب السياسي خالد مشعل، ووفد حركة فتح برئاسة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في دمشق بتاريخ 20/1/2007م.

تم الاتفاق فيه على وقف عمليات التخريب والقتل المنظم الذي قاده التيار الاستيطاني بقيادة محمد دحلان، كما تم الاتفاق على تعزيز الوحدة الوطنية، وقبل أن يجف حبر الاتفاق اندلع القتال مجددا في قطاع غزة، حيث قامت المجموعات التابعة لدحلان بقتل 24 عضوا في حركة حماس والقوة التنفيذية، وانفجرت عبوة بآلية تابعة للقوة التنفيذية فقتل عنصران، واقتحمت مجموعة تابعة لدلان مسجد " الهداية" وقتلت عددا من المصلين بينهم إمام المسجد، ثم هاجمت مجموعة من الحرس الرئاسي تقدر بمائتي عنصر مباني الجامعة الإسلامية في غزة مرتين وأحرقتها.

وقد اضطرت حماس للرد عليهم فقامت مجموعة من القوة التنفيذية بالسيطرة على جميع مراكز الأمن في مدينة غزة شمالي القطاع، وتمت السيطرة على شاحنات تحمل عتادا عسكريا من دولة عربية إلأى الحرس الرئاسي، ورفض 225 عنصرا من الأمن الوقائي الأوامر الصادرة لهم بإطلاق النار على عناصر حركة حماس، كما عصى أوامر إطلاق النار على حركة حماس والفلسطينيين 25 عنصرا من الحرس الرئاسي التابع لمحمود عباس، واضطر قادة التيار الاستيطاني بقيادة محمد دحلان وسمير الشمهراوى إلى الهرب، ولجأوا إلى ألأمن الوقائي في حي تل الهوا بغزة، وتم اقتحام مبنى الأمن الوقائي وبسقوطه سقطت الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة، وهرب القادة إلى مصر.

اتفاق مكة

في هذا الوضع المؤلم الذي كان يعيشه الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة أعلن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز عن دعوته لحركتي فتح وحماس إلى حوار بينهما في مكة فاتصل وزير الخارجية السعودي هاتفيا بخالد مشعل ومحمود عباس ودعاهما لزيارة مكة المكرمة فلبى الطرفان.

كونت حماس وفدا من خمسة عشر عضوا من الخارج والضفة والقطاع وجاءت فتح بوفد يضم ثمانية أشخاص غاب عنه مؤسسون من فتح وضم محمد دحلان وسمير المشهراوى وهما من التيار المتصهين بالإضافة إلى أحد عملائهم ماهر مقداد.

وقد أعدت السعودية استقبالا مميزا للوفود وأحضرت وفد حماس في طائرة خاصة أرسلتها لهم إلى العريش، واستقبلهم الملك بنفسه واستضافهم على العشاء وتحدث إلى الوفود حاثا إياهم على الاتفاق وناشدهم وقف الاقتتال.

"قبل انعقاد الجلسات ، وبعيد وصول الوفود إلى جدة، قام الأخ خالد مشعل مع وفد من الحركة بزيارة عباس في مقره، وصباح اليوم التالي بادر الأخ أبو الوليد(خالد مشعل) إلى الركوب في سيارة محمود عباس التي أقلتهما من جدة إلى مكة وخلالها تحدث عن ضرورة إنجاح الحوار ووقف الفتنة.

ووضع "عباس" أمام مسؤولياته في منع إراقة الدم الفلسطيني وضرورة الوصول إلى تفاهمات، ومن ثم اقترح الأخ أبو الوليد على عباس جدول أعمال اللقاء فوافق رئيس السلطة على ذلك.

وتشكلت إثر الحوار ثلاث لجان هي: لجنة الشراكة الفلسطينية ولجنة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، ولجنة إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينيين، وتوصل المجتمعون إلى الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية ووقف الاقتتال، وتعزيز مبدأ الشراكة السياسية، والمضي قدما في إجراءات تفعيل وتطوير وإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية على أسس سياسية وديمقراطية جديدة، وتسريع إجراءات عمل اللجنة التحضيرية، استنادا لتفاهمات القاهرة ودمشق".

استبشر الفلسطينيون خيرا باتفاق مكة التاريخي الذى تم في رحاب مكة المكرمة برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، فقد وضع هذا الاتفاق حدا لاقتتال استمر عدة أسابيع قتل فيه حوالي 150 شخصا وجرح أكثر من 600 آخرين، ودمر وحرق عددا من المؤسسات المدنية والعسكرية والعلمية وعلى رأسها الجامعة الإسلامية في غزة التي بلغت الخسائر الناجمة عن حرقها أكثر من 15 مليون دولار.

لقد طوي هذا الاتفاق صفحة سوداء مؤلمة من حياة الشعب الفلسطيني، وعبر الفلسطينيون عن فرحتهم بهذا الاتفاق بمظاهرات عارمة، ومسيرات عفوية في شوارع الضفة والقطاع، وتعانق الذين كانوا يقتتلون بالأمس في مشاهد مؤثرة معبرة عن تفاؤلهم باتفاق اعتقدوا أنه سيطوى صفحة حزينة مؤلمة، وطالبوا قيادتي الحركتين فتح وحماس بالعمل على إنجاح الاتفاق والوقوف أمام الذين يحاولون تخريبه.

وقد سمع كاتب هذه السطور المهندس عدنان عبد الواحد- نقيب المهندسين الفلسطينيين- يسأل الطبيب عدنان السعداوى- صديق محمد دحلان- قائلا هل رأيت صاحبك عندما جاء إلى الرياض بعيد انتهاء اجتماعات اتفاق مكة؟ فقال له: رايته لمدة قصيرة، فقال له المهندس عدنان، ما رأيه في الاتفاق؟ فقال السعداوى: لقد أومأ برأسه إلى أعلى معبرا عن عدم رضاه، ثم أردف دحلان قائلا: شهر أو شهرين ثم ينتهي. وهذا يدل على سوء نيته والأذناب الذين يتبعونه.

أمريكا تعترض على اتفاق مكة

" لكن اتفاق مكة رغم كونه مساهما في حقن الدم الفلسطيني، ومبعدا عنه مخاطر شبح الحرب الأهلية، إلا أنه تعرض إلى انتكاسه، وأعاد الفلسطينيين إلى دوامة العنف والاحتراب الداخلي على نحو أشد وأشرس، وذلك بسبب عدم التصدي بشكل حاسم للضغوط الخارجية ، والتي تستهدف دفع الطرف الفلسطيني إلى تقديم المزيد من التنازلات المجانية، فيما يتعلق بالحقوق والثوابت الوطنية.

فالإدارة الأمريكية جددت مرة أخرى ، ومن ورائها اللجنة الرباعية، في بيان أصدرته الخارجية الأمريكية (دعمها حكومة فلسطينية تتعهد بنبذ العنف(المقاومة) وبالاعتراف بـ(إسرائيل) والموافقة على الاتفاقات والالتزامات بما فيها خارطة الطريق) وهو ما يعنى الرفض الأمريكي لاتفاق مكة، والعمل على إفشاله.

الصهاينة يحاولون إضعاف حركة حماس

"لم يخف قادة الكيان الصهيوني حجم الرهانات التي كانوا يعلقونها على الفتنة الداخلية في الساحة الفلسطينية ، ورغبتهم في تحول هذه الفتنة إلأى حرب أهلية، تخرج منها حركة حماس وحكومتها مهزومتين، فهذا هو وزير البني التحتية الصهيوني بنيامين بن أليعازر في مقابلة مع القناة العاشرة في التلفزيون الصهيوني مساء الثلاثاء 3/10/2006م في تعليقه على المواجهات بين حركتي فتح وحماس يقول" إنني أصلى من أجل أن تنتصر حركة فتح في هذه المواجهة ، فمن المهم جدا لـ(إسرائيل) أن تخرج حركة حماس خاسرة بشكل واضح" وأضاف بن أليعازر الذي سبق له أن شغل منصب وزير الحرب، وهو أحد أبرز قادة حزب العمل، أنه "يتوجب على (إسرائيل) أن تمد يد العون لحركة فتح ولأبى مازن الذي يتزعم معسكر الاعتدال في الساحة الفسلطينينة ، واعتبر بن اليعازر أن هذه المواجهات يمكن أن توفر فرصة لتجاوز نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وإيجاد قيادة فلسطينية يمكن أن تشكل عنوانا مناسبا لـ(إسرائيل) .

الفصل الحادي عشر:مواقف دفعت حركة حماس إلى الحسم في قطاع غزة

سبق أن ذكرت أن دحلان لم يكن راضيا عن اتفاق مكة، وأنه حدد لإنهائه شهر أو شهرين، وأن الولايات المتحدة لم تكن راضية عن ذلك الاتفاق وكذلك (إسرائيل).

وقد قام التيار المتصهين في ليلة اتفاق مكة بقتل " محمد أبو كرش" أحد قادة القسام، وكان الأمل أن تنتهي الأمور وتتوقف عمليات القتل والاغتيال ، ولكن للأسف الشديد ظل التيار المتصهين على السياسة نفسها، فواصل استقبال الدعم الصهيوني والأمريكي.

وقد قام ذلك التيار بإدخال السيارات المصفحة بدون علم الحكومة الوطنية ولا الجهات المختصة، وقامت بتشكيل مجموعات خارج حركة "فتح"وخارج الأجهزة الأمنية، وبمتابعة وملاحقة قيادات حركة حماس ورموزها وعناصرها وجمع المعلومات عنها والتنصت على كل وسائل الاتصال ، وكشف أماكن تخزين وصناعة الأدوات والمعدات العسكرية المعدة لمواجهة الاحتلال والكشف عن أماكن العبوات والأنفاق المعدة للاحتلال وأماكن تخزين السلاح.

كما قاموا بتدريب المئات من عناصرهم على حرب الشوارع في دول متعددة ، وحددوا مواعيد للمواجهة مع حركة حماس وهى بعد الانتهاء من امتحانات الثانوية العامة.

قامت حماس بإبلاغ رئيس السلطة محمود عباس بأفعال هؤلاء ، وكذلك قيادة فتح التي مع قيادة حماس، كما أبلغت جهات عربية وأمين عام جامعة الدول العربية ورئيس المخابرات المصرية عمر سليمان، وأترك للقارئ أن يقرأ منشور حركة حماس الذي يلخص الأحداث التي انتهت بعملية الحسم المباركة.

قبيل دعوة مصر للفصائل للحوار الأخير

  1. عقد بعض رموز هذا التيار وهم معروفون بالاسم اجتماعيا مع جهات أجنبية، وتسليمهم معلومات عن قيادات سياسية وعسكرية لحركة حماس ، وبعد هذا الاجتماع بأيام وضعت الأسماء على قائمة المطلوب تصفيتهم من قوات الاحتلال.
  2. بعد الاتفاق الذي جرى بين رئيس الوزراء إسماعيل هنية وأبو مازن على تنفيذ الخطة الأمنية التي أعدتها وزارة الداخلية في عهد الوزير هاني القواسمى، وكان الاتفاق على تغييرات في قيادات أمنية على رأسهم رشيد أبو شباك اجتماعا لبعض القيادات الأمنية وذلك في مقر الأمن الوقائي. وقام يسب الدين والذات الإلهية، ويقسم أنه سيقلب الطاولة على الجميع، وفى تلك الليلة قام بنشر قوات في مدينة غزة دون علم وزير الداخلية ولا الحكومة، واصطدمت هذه القوات بكتائب القسام، وكادت أن تقع مجزرة، وتمت السيطرة على مجموعة من سياراتهم ،وتدخل رئيس الوزراء بنفسه، وأعاد السيارات لجهاز الشرطة، وبعد يوم واحد تم قتل "بهاء أبو جراد" واتهموا حماس في قتله كذبا وبهتانا. ورغم أننا أبدينا الاستعداد لتشكيل لجنة تحقيق مشتركة قاموا بإشعال قطاع غزة، مع العلم أن بهاء أبو جراد له خلافات ومشاكل مع كل من سميح المدهون ومنصور شلايل من قادة التيار الانقلابي في حركة فتح.وللعلم فقد صارحنا ماجد أبو شمالة في حضور الوفد الأمني المصري بهذه المعلومات فلم ينكرها، وعلق على خبر رشيد أبو شباك قائلا: إن رشيد كان غضبان.
  3. قاموا بأبشع الجرائم التي عرفتها البشرية، قتلوا الناس على اللحية والانتماء وأطلقوا النار على الأقدام، وقتلوا الصحفي محمد عبدو وسليمان العشى وعصام الجوجو بعدما أخذوهم وحققوا معهم ، قتلوا التاجر المسن ناهض النمر أمام بيته وأما أعين أبنائه وبناته، والذين قاموا بقتله خرجوا من مندى الرئاسة وعادوا إليه بعد فعلتهم الشنيعة، وكذلك رفعوا الحجاب عن وجه إحدى الأخوات من بنات الكتلة الإسلامية، وأطلقوا النار بين قدميها.
  4. حرقوا البيوت الآمنة والمحلات التجارية.
  5. كل هذه الجرائم كانت تحدث في غرف خاصة في منتدى الرئيس أبو مازن، وضعوا الحواجز، واعتلوا الأبراج، وضيقوا على الناس حياتهم.
  6. هذه الجرائم كان يقوم بها جهاز أمن الرئاسة، ومجموعات من ألأمن الوطني على الحواجز التي كان ينصبها، وتنفيذية حركة فتح التحى شكلها محمد دحلان ليحقق بها طموحاته وأهدافه ومخططاته تحت أعين أبو مازن ، ولم يحرك ساكنا، ولم نسمع عبارة استنكار أو شجب ، لكنه للأسف نشرت صور له مع سميح المدهون، الذي كان أحد رموز القتل والتعذيب في المنتدى ، بل الأخطر أن سميح ومنصور شلايل تلقوا أموالا من حرس الرئاسة، والوثاق بين أيدينا.

اتفاقات أبرموها سرعان ما نقضوه

  1. الاتفاق الأول خرقته مجموعات ماهر مقداد عندما اعتدت على موقع للقسام، وقتل فيه بعض حراس مقداد، وجرح بعض شباب القسام في الاشتباك بينهم.
  2. الاتفاق الثاني بعد ربع ساعة قام الأمن الوطني بقتل القائد إبراهيم منية أبو أسامة. وفى أثناء تشييع جثمانه قاموا بإطلاق النار على الجنازة وقتل القائد محمد أبو الخير ابن الخمسين عاما.
  3. الاتفاق الثالث بعد الاتفاق بساعة وأثناء توجه وفد الفصائل من الوفد الأمني المصري لتنفيذ الاتفاق تمت محاولة اغتيال غازي حمد الناطق الاعلامى باسم الحكومة، وأيمن طه الناطق الاعلامى باسم حركة حماس، على يد مجموعات عرفت نفسها أنها من ألأمن الوقائي. وأصيب على إثرها العميد شريف إسماعيل من الوفد المصري، ولولا أن الوفد كان يستقل سيارة مصفحة لقتلوا جميعا ثم تم إطلاق النار عليهم بغزارة أمام مقر الجوازات.
  4. اتخذنا موقفا من طرف واحد، وأوقفنا إطلاق النار لأن كل الاتفاقات لا نجد من يلزم هذا التيار بالوقوف عن جرائمه وغيه. وقصفت كتائب القسام مواقع الاحتلال بالصواريخ ردا على جرائم الاحتلال وتفويتا على من يريدنا أن ننشغل بالقضايا الداخلية عن مقاومة الاحتلال.
  5. في ليلة الوقف من جانب واحد- على الرغم أن "ابو مازن" أعلن الوقف من جانبه أيضا- قتل من عناصر حركة حماس ثمانية على يد هؤلاء القتلة، وفى مشهد مروع لم تنجح كل الاتصالات مع قيادتهم التي دامت ساعة ونصف في إنقاذ حياة شاب ينزف، فقد كانت مجموعات من الأمن الوطني تطلق النار على سيارة الإسعاف كلما حاولت الاقتراب منه حتى فارق الحياة.
  6. بعد ذلك تم تطويق الأحداث نهائيا، وعندما كنا نجلس لننهى كل جذور وذيول الأحداث تم ضبط أحد عناصر امن الرئاسة وبعد التحقيق معه اعترف بأنه مكلف بمراقبة رئيس الوزراء إسماعيل هنية ومتابعته. واعترافاته مسجلة بالصوت والصورة، وقد أبلغنا "أبو مازن "والوفد الأمني المصري بذلك ، فماذا فعل رئيس السلطة الفلسطينية وكذلك وجدت خارطة في منتدى الرئاسة تشير إلى مداخل ومخارج بيت رئيس الوزراء وطريق خروجه ودخوله إليه.
  7. قاموا بالطلب من شبابهم المغرر بهم ليقوموا بإحصاء وجمع المعلومات عن المؤسسات التابعة للحركة، أو المقرب أصحابها من الحركة أو التي تتعاون مع الحركة، ووضعوا هذه البيانات ونشروها عبر شبكة الانترنت، وروجوا عنها معلومات كاذبة، مما أغرى سلطات الاحتلال باستهدافها وتدميرها ، كما حدث مع محلات أبو عكر للأغذية، ومحل البرعصى وحرز الله والخازندار للصرافة.
  8. قاموا بحملة منظمة ومبرمجة ضد القوة التنفيذية التابعة لوزارة الداخلية، وقدموا معلومات لجهات أمنية متعددة هناك، وعن أماكن وجودها ومدى إمكانياتها، وقال يومها"عزام الأحمد" رئيس كتلة فتح النيابية ليرفع الغطاء عنها:" هذه القوة يجب سحقها وإنهاءها من الوجود".

وبعد يوم واحد من قوله ، يستبيح جيش الاحتلال عشرات المقرات للقوة التنفيذية مما أوقع فيهم عشرات الشهداء والجرحى، ودمرت المواقع بالكامل.

الانفجار الأخير

  1. لقد أوضحنا للشقاء المصريين كل الحقائق الماضية وقلنا لهم ما دام تيار دحلان الدموي- نشبة إلى محمد دحلان أحد قادة التيار الانقلابي في حركة فتح باقيا في وسطنا لن ينعم أحد بالأمن والحقيقة المرة أن غيرنا ممن التقاهم المصريون، قالوا لهم الكلام نفسه، وسألنا المصريين: هل يوجد أحد يمكنه لجم هذا التيار؟ فأفادونا بالإيجاب.
  2. لقد وعدنا الأشقاء المصريين بالالتزام بتهدئة الجبهة الداخلية وتمنينا عليهم إلزام هؤلاء فوعدوا خيرا.

ثم كانت المفاجأة والمفارقة

  1. قاموا بإطلاق النار على مجموعة من المجاهدين في رفح، ووقعت أحداث مؤسفة قتل فيها أحد قادة القسام في رفح، وهو الشهيد "أحمد أبو حرب" ومع ذلك تم تطويق الأحداث.
  2. بعد يوم واحد من أحداث رفح الأحداث إلى غزة فقاموا بإطلاق النار على أقدام الدكتور / فايز البراوى الذي كان يحضر حفل تخرج أخيه في منتدى الرئاسة، وقاموا بخطف اثنين من حركة حماس في منطقة لزيتون بمدينة الرئاسة، وخطفوا أحد مرافقة رئيس الوزراء واسمه"حسن البزم" وعذبوه عذابا نكرا، وحلقوا حواجبه ونصف شاربه، وحلقوا رأسه بإشارة (17) نسبة إلى القوة الـ17 التي تسمى بحرس الرئاسة.
  3. إطلاق النار على مقر الحكومة أثناء اجتماعاها ، وكذلك إطلاق قذيفة "آر بى جى" على منزل رئيس الوزراء وأصابوا البيت إصابة مباشرة.
  4. ثم قاموا بأبشع جريمة، وهى قتل العالم وإمام مسجد العباس في غزة "الشيخ الدكتور محمد الرفاتى" مما هز مشاعر كل الناس ولم يستطع أحد تحمل هذا المشهد. ومع ذلك ضبط الشباب نفوسهم لأن اليوم التالي كان بداية امتحانات الثانوية العامة وإذا بهم يدفعون أذنابهم ومن يمدونهم بالمال والسلاح من عائلة بكر فحرقوا منجرة عائلة عجور، وقتلوا المجاهد " مازن عجور" أحد كوادر كتائب القسام، فقامت كتائب القسام بمحاصرة عائلة بكر لينال القتلة عقابهم، وإذا بأمن الرئاسة يمدهم بالعتاد والسلاح، وفى اليوم نفسه قام هؤلاء القتلة بإلقاء الشاب" حسام أبو قينص" من البرج من على الطابق الثاني عشر... واسألوا عائلته. ومع ذلك يكذبون ويتهمون حماس أنها هي التي ألقت الناس من فوق الأبراج، كما قامت مجموعاتهم بمهاجمة قناة الأقصى الفضائية ، بعدد من الجيبات والأسلحة الثقيلة ، فاتسعت الأحداث وتدهور الموقف وبالذات لما أعلن سميح المدهون عبر إذاعة الحرية المحلية في قطاع غزة، أنه قتل وحرق أكثر من عشرين بيتا، وقتل العشرات ، وسيفعل ويقتل كل من هو حمساوى، وسيذبحهم كالخراف.. وتواصلت حملة التطهير العرقي لأبناء وقيادات حركة حماس من منطقة تل الإسلام(أي :تل الهوا) فحرقت عشرات البيوت والمؤسسات ، وسمعنا صرخات النساء الحرائر يستغثن من هول ما يتعرضن له في بيوتهن وأماكنهم في هذه المنطقة التي كان يسيطر عليها التيار الخيانى المتصهين.
  5. كانت هذه الأعمال الشرارة والوقود الذي وضع على النيران فتمت مهاجمة رأس الأفعى ومعقلهم الذي تدبر فيه المكائد ووجدت فيه المقبرة الجماعية لثمانية من شبابنا لم يتم التعرف على أغلبهم بسبب تحلل الجثث.
  6. سقط الأمن الوقائي في يد كتائب القسام، وبعده سلمت بقية المواقع مباشرة ، ففر من في مركز المخابرات (ما يسمى بالسفينة) بعدها انهارت المواقع الأمنية أمام كتائب القسام وخرج من فيها، ودخل الناس هذه المواقع قبل وصول القسام إليها، كما حدث في منتدى الرئاسة.
  7. وبعد الأحداث بيوم ، تم السيطرة على كل المواقع ، وتم تأمينها وحراستها، وهى الآن تحت الحراسة ولا يمسها أحد بسوء.
  8. أما الشرطة التي لم تتدخل في الأحداث فلم يمسها أحد بسوء، وتم الاتفاق مع قادتها لتقوم بمهماتها ولكن للأسف الشديد صدرت الأوامر لها من "أبو مازن" على لسان كمال الشيخ الذي عينه رئيس الوزراء مديرا عاما للشرطة الفلسطينية، بالانسحاب من المواقع حتى إنهم تركوا قاعات امتحانات الثانوية دون حراسة، وهو في وسط الامتحانات يوم السبت، ولكن تم ترتيب الأمور يوم الأحد بواسطة القوة التنفيذية، ومن أصر على البقاء من الشرطة، الذين نوجه لهم كل التقدير والاحترام.

وقعت أخطاء عمدنا إلى تصحيحها في الحال

لقد حدثت حوادث لا نقبلها وندينها مثل كسر الجندي المجهول أو جلوس بعض الشباب على كرسي الرئيس أو الاعتداء على بعض البيوت ولكن:

  1. هذه الحوادث إما حدثت من عوام الناس الذين اندفعوا لهذه الأماكن ، ولم يستطع أحد في أول يومين أن يضبط الأمور.
  2. أو حدثت بسلوك فردى من بعض أنصار الحركة ومنتسبيها ، ولكن هذا لا نقره ونرفضه وندينه. ولكن نستغرب من تسليط الضوء عليها، وننسى الجرائم التي حدثت فما الموقف من رمى" حسام أبو قينص" من فوق البرج وهو الحالة الوحيدة التي حدثت؟ وما هو الموقف من قتل الناس داخل منتدى الرئيس والتحقيق معهم؟ ومع هو الموقف من استباحة كل ما هو حمساوى في الضفة الغربية؟ وما هو الموقف من حرق بيت عزيز دويك رئيس المجلس التشريعي المختطف في سجون الاحتلال والاعتداء على بيوت وأبناء وبنات النواب المختطفين أيضا؟ وقبل كل هذه الجرائم ما هو موقف الجميع وفى مقدمتهم "أبو مازن" من حرق الجامعة الإسلامية في غزة وقتل العلماء؟ أم أن هؤلاء دمهم وأموالهم وبيوتهم مستباحة لا حرمة لهم.

الأجهزة الأمنية وقياداتها لم تكن أجهزة وطنية

لقد بنيت الأجهزة الأمنية لا لخدمة الوطن، بل لتكون قاعدة أمنية لكل مخابرات العالم، فقامت بالدور السيئ من التنسيق الأمني مع الاحتلال وملاحقة المجاهدين والمتاجرة بالمعلومات الأمنية لصالح جهات خارجية وهذا تفصيل هذه الجرائم:

  1. محاربة ومطاردة ومتابعة ورصد رجال المقاومة .
  2. البحث الحثيث عن مكان الجندي الصهيوني الأسير"جلعاد شاليط".
  3. التنصت على كل الناس خارج القانون، قيادات سياسية وأمنية وفصائل وتجارا ورجال أعمال رجالا ونساء، حتى لم تسلم منهم ومن تنصتهم البعثات الدبلوماسية العربية وغيرها بما فيها المصرية. حتى ياسر عرفات أبو عمار –رحمه الله- كانوا يتنصتون عليه.
  4. إسقاط الناس في حبائلهم بعد استدراجهم جنسيا وأخلاقيا ، ثم مساومتهم لينفذوا لهم ما يريدون. وقد أسقطوا وزراء ومدراء وسياسيين.
  5. التنسيق الأمني أو قل الخيانة الوطنية وكان المشرف المباشر على ذلك محمد دحلان ورشيد أبو شباك. وهذا باعتراف قيادات هذا التيار الخيانى، وقد أدانت السلطة انحرافاتهم وجرائمهم بعد تحقيق اللجنة التي شكلت لهذا الموضوع.
  6. لقد تحولت قيادات الوقائي من فقراء عالة إلى أصحاب رؤوس أموال وإقطاعيين واسألوا رأس الفتنة محمد دحلان من أين له المليارات في الداخل والخارج ومن أبراج وفلل وعقارات وشركات وغيرها يديرها أزلامه لحسابه، مما هو مسجل باسمه أو بأسماء أخرى معروفة لدينا.
  7. الأمن الوقائي هو من شكل فرق الموت التي ذاق الناس منها الويلات وابتزوا الناس وقتلوهم وبثوا الرعب في صفوفهم. منذ مجزرة فلسطين مرورا بمجزرة الجامعة وجباليا وغزة ..الخ.
  8. العمل لصالح المخابرات الأمريكية والصهيونية ودول أجنبية حيث قاموا بتسليم معلومات تضر بالأمن القومي العربي والإقليمي والاسلامى ولاحقوا قيادات سياسية وعلماء وقيادات للفصائل وأبلغوا عن معلومات خطيرة ، وعملوا ضد دول لحساب دول أخرى تحت ما يسمى بالعلاقات الخارجية داخل الأجهزة الأمنية وخاصة في الأمن الوقائي والمخابرات.
  9. الأمن الوقائي وراء معظم حالات الخطف، خاصة للأجانب.
  10. الأمن الوقائي استطاع أن يسيطر على قيادة الأجهزة الأمنية والمؤسسات والوزارات ليكون الوطن تحت تصرفه. لذلك بث كوادره وقياداته لتكون مستنفذة في القطاع العام.
  11. تهريب المخدرات إلى الضفة الغربية بعدما يتم السيطرة عليها وضبطها من تجار المخدرات في غزة، واستخدام الدولارات المزورة ، حيث ضبطت كميات منها في مقرات الأجهزة الأمنية.

حركة المقاومة الإسلامية- حماس الجمعة 22 حزيران/يونيو2وو7 -7 جمادى الثانية 1428هـ

الحال بعد الحسم

كان للاقتتال الفلسطيني أثر كبير بين الفلسطينيين وبين العرب وبين المسلمين وفى العالم أجمع، حاول الفلسطينيون أن يقفوا بين الطرفين ولكنهم لم يستطيعوا فهذا يقول أنا الرئيس ولابد أن ينصاع الجميع لأمري وهؤلاء يقولون نحن الحكومة التي اختارها الشعب ولابد لنا أن نحقق برنامجنا الذي عرضناه إلى جامعة الدول العربية التي اجتمعت اجتماعا طارئا وقررت إرسال لجنة تقصى الحقائق لمعرفة من الذين تسببوا في كل ما حصل.

رحبت حركة حماس باللجنة واستعدت أن تقدم لها كل الحقائق التي عندها، أما الجناح المتصهين في فتح فرفض رفضا باتا أن يسمح لتلك اللجنة أن تدخل عندهم أو أن يتعاونوا معها وقال "ياسر عبد ربه" الذي سقط في الانتخابات أمين سر التحرير الفلسطينية:" نحن لا نسمح لأحد أن يتدخل بيننا ولن نسمح لـ"عمرو موسى" أن يكون مندوبا ساميا علينا(انظر) ولن نسمح لجامعة الدول العربية أن تقضى بيننا. وبهذا منعت لجنة تقصى الحقائق من التدخل وبقيت الخلافات وبدأ مستشارو عباس يشيرون عليه أحيانا بحل المجلس التشريعي، وأحيانا بإعادة الانتخابات وأحيانا بمحاولة إعادة الحياة لمنظمة التحرير الفلسطينية التي كانت قد لفظت أنفاسها قبل عشر سنوات.

وفى يوم 28/6/200م بادرت (إسرائيل) باعتقال 36 عضوا من المجلس التشريعي من أعضاء حماس حتى تفقد أغلبيتها في المجلس وتمكن عباس اعتمادا على أعضاء فتح أن تصبح له الأغلبية في المجلس فأقال الأستاذ إسماعيل هنية وكلف سلام فياض بتكوين الحكومة ولكن أكثر السياسيين رفضوا المشاركة فيها فكون حكومة غير شرعية، وقد كان في تلك الحكومة ثلاثة وزراء من عائلة واحدة ولم يجرؤ سلام فياض على عرض وزرائه على المجلس التشريعي، فبقيت حكومة غير شرعية إلا أن (إسرائيل) والولايات المتحدة أعطتها الشرعية ثم الدول الأوربية بعد تردد. وبهذا أصبح في فلسطين حكومتان، حكومة تسيير أعمال شرعية برئاسة الأستاذ إسماعيل هنية، وحكومة غير شرعية في الضفة الغربية برئاسة سلام فياض.

قامت محاولات عديدة من دول عربية وشخصيات فلسطينية وكلما قارب الفريقان من الاتفاق تدخلت الامتلاءات الخارجية من الكيان الصهيوني أو من دولة الاستكبار والإرهاب الدولي الولايات المتحدة الأمريكية فتفسد ما اتفقوا عليه وفرضت عليهم الفرقة والشقاق.

حركة حماس تريد أن تكون مهمة الأمن الفلسطيني حماية أمن الفلسطينيين وليس غير ذلك. وأما (إسرائيل) والدولة التي تدعم إرهابها وتحمى أخطاءها وتشرع خروجها على كل القوانين الدولية فتريدان من الأمن الفلسطيني أن تحمى أمن (إسرائيل) وأن يسحق كل شخص أو تنظيم يفكر في محاربة (إسرائيل) أو لا يقبل بما فرضته الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية على الوطن العربي أن (إسرائيل)وجدت لتبقى وقد طورت الولايات المتحدة هذه العبارة.

حتى أصبحت (إسرائيل) وجدت لتبقى الشرطي الذي يؤدب أي دولة تخرج على طاعة (إسرائيل) في الشرق العربي وقد اتضح لحماس وفصائل المقاومة الأخرى ان المصالحة الفلسطينية يجب أن تتم عندما يوافق الجميع عن التخلي عن مقاومة الاحتلال الصهيوني بتحطيم سلاحهم وترك المقاومة وإعطاء التيار المتصهين في فلسطين الفرصة لسحق كل من قاوم أو لا يزال يؤمن بمقاومة المحتل وهذا معناه أن الصلح سيكون بذبح كل أفراد حماس وجميع الفصائل المقاومة.

حرب الفرقان

حاولت سلطة رام الله إسقاط حكومة حماس في قطاع غزة تارة بإقامة المشاكل كمشكلة أداء صلاة الجمعة في الهواء الطلق وانطلاق المصلين- الذين كانوا يدخنون ويشربون الشراب أثناء الصلاة- بعد انتهاء الصلاة إلى المحلات التجارية وتكسير أبوابها وسرقة محتوياتها ، وتارة بقطع الرواتب عن الموظفين،ومنع دخول النقود إلى القطاع.

وأخيرا أصدروا أمرا لجميع الموظفين بعدم الذهاب إلى العمل، وهددوا بقطع راتب كل موظف يذهب إلى العمل، فشل العمل في كثير من الوزارات خاصة في الأسبوع الأول الذي تلا تهديدهم، استطاعت حماس أن تسير الأعمال بعد أسبوع في جميع الوزارات ما عدا وزارة الصحة، فقد طلبت من ألأطباء المتقاعدين أن يتطوعوا للعمل، ووظفوا جميع الأطباء الخريجين، وطلبت من أنصار حماس مضاعفة ساعات العمل.

واتخذت إجراءا تأديبيا بمنع الأطباء المستنكفين من فتح عياداتهم الخاصة، وكان كلما زاد عدد المرضى ولم يستطع الأطباء الموجودون علاجهم أرشدهم موظفو المستشفى إلى عناوين الأطباء المستنكفين ، فينطلق المرضى إلى بيوت الأطباء وينادونهم"أخرجوا يا خونة اخرجوا يا عملاء" ، وأحيانا يرجمونهم بالحجارة، فاضطروا أخيرا إلى العودة إلى العمل خاصة عندما تقوم(إسرائيل) بالهجوم على القطاع ، ويقع عدد كبير من المواطنين بين شهيد وجريح.

وبهذا فشلت حكومة رام الله في إخضاع القطاع إلى سلطتها، وأخيرا أرادت (إسرائيل) أن تقوم بالقضاء على حركة حماس، فقامت ستين طائرة نفاثة صهيونية بضرب مقار الشرطة، لتقضى على رجال الأمن ، فتنشر الفوضى، ويتمكن المتصهينون وأعوانهم من دخول القطاع، واستلام موقع حماس والقضاء عليها، ولكن الأمور لم تكن على هواهم.

فقد باشر الشرطة عملهم بثياب مدنية وحفظوا النظام، ولم يستطع أحد من المتصهينين الظهور ، فاضطرت (إسرائيل) إلى استئناف الهجوم برا وبحرا وجوا، وظنت أن القطاع سيرفع الراية البيضاء ويستسلم في يومين أو ثلاثة أو أسبوع، ولم يحصل ذلك، فاستدعت نصف الاحتياط، وتقدمت بقوات مدرعة، بالإضافة إلى الطائرات والصواريخ، واستمرت أسبوعا آخر، ثم استدعت الاحتياط كله، واستعملت جميع ألأسلحة العنقودية والفسفورية، ولم تستطع إخضاع الشعب وبعد اثنين وعشرين يوما لم تستطع أن تحقق أي هدف من أهدافها، وقد واجهت مقاومة شرسة لم تكن تتصورها.

لم تترك (إسرائيل) سلاحا محرما إلا استعملته، وقد أمدتها الولايات المتحدة بكل ما لديها من سلاح، حتى السلاح الذي لم يستعمله الجيش الأمريكي، واضطرت إلى وقف القتال من جانب واحد، وانسحبت تجر ذيول الخيبة والهوان، وقد أطلقت حماس سبعة صواريخ على (إسرائيل) في اليوم الثالث والعشرين، حتى يعلم العالم أن (إسرائيل) لم تحقق هدفها، وبقيت حماس وصورايخها بخير وعافية.

إن (إسرائيل) لم تترك وسيلة محرمة إلا استعملتها، ولم تترك مكانا محرما هدمه إلا دمرته، دمرت المدارس، دمرت المساجد، دمرت المستشفيات ، دمرت سيارات الإسعاف، قتلت المسعفين، قتلت الصحفيين كانوا يقتلون الأطفال الرضع عن قرب، وبشكل متعمد، حتى مؤسسات وكالة الغوث الدولية دمروها وحرقوها وهى ترفع علم الأمم المتحدة وبهذا كله نال قادتها السياسيون والعسكريون لقب مجرمي حرب بجدارة.

حالة القطاع بعد حرب الفرقان

حاولت (إسرائيل) عن طريق الحصار أن تصل إلى تحقيق أهدافها التي فشلت في الوصول إليها عن طريق الحرب، فأوقفت إمداد القطاع بجميع المواد اللازمة للصناعة والزراعة والكهرباء ، وفرضت حصارا بحريا قاتلا، حتى جعلت منطقة الصيد في بحر غزة حوالي ثلاث كيلو مترات بدل اثنى عشر ميلا هي المياه الإقليمية لكل بلد تقع حدوده على البحر ، وقد تطوعت فرنسا وألمانيا بالمشاركة في جريمة حصار قطاع غزة بفرقاطتين حربيتين لكل منهما ، هذا في أعقاب الحرب التي شنتها(إسرائيل) على قطاع غزة، والتي شهد العالم على أنها ارتكبت خلالها أفظع جرائم الحرب.

لقد وقفت الشعوب العربية والإسلامية وجميع شعوب العالم كما وقف بعض الحكام العرب إلى جانب الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وقدموا لهم الأموال لإعمار ما خربت (إسرائيل) إلا أن هذه الأموال لم تصل إلى الآن بعد مضى عامين كاملين على الجريمة الصهيونية.

وانطلق العلمانيون العرب والليبراليون يؤكدون أن حماس لم تنتصر بل (إسرائيل) هي التي انتصرت بدليل القتل والدمار والخراب الذي حل في القطاع، ونسى هؤلاء الجهلة أن إعصارا أو زلزالا يحدث من الموت والدمار أكثر بكثير مما أحدث هؤلاء، وأن الكوليرا في إحدى الدول الأفريقية أحدثت من الموت في الحقبة نفسها أكثر بكثير مما حدث في قطاع غزة، فالأعمار بيد الله إذا انتهى اجل الإنسان جاءه الموت أينما كان.

يقول تعالى" ... يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك، يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا ، قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم.." وقال تعالى" الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا ، قل فادرءوا عن أنفسكن الموت إن كنتم صادقين".

والذي حصل أن (إسرائيل) أحكمت الحصار على قطاع غزةـ ولم يطالب العرب بفك الحصار إلا مرة واحدة، في قرار اتخذوه في جلسة لجامعة الدول العربية، لكنهم لم يتابعوا تطبيق القرار، وقد شارك بعضهم في إحكام الحصار، كرها في حماس التي رفضت الاعتراف بـ(إسرائيل).

تقرير غولدستن

ريتشارد غولدستن قاض ورجل جنوب أفريقي ذو أصل يهودي، من مواليد 1938م وله بنتان وخمسة أحفاد، وهو من خريجي جامعة ويتووتر صراند في جوهانسبورغ عام 1962م شغل مناصب عدة، إذ عمل قاضيا بالمحكمة الدستورية لجنوب أفريقا من 1994م حتى 2003، وتراس جمعية أصدقاء الجامعة العبرية في القدس بجنوب أفريقيا، وشغل منصب رئيس لجنة التحقيق الدولية في كوسوفو، من سنة 1999 حتى سنة 2001م، ثم عينه الأمين العام للأمم المتحدة السابق كوفي عنان للإشراف على التحقيق في فساد مرتبط ببرنامج النفط مقابل الغذاء في العراق، وفى إبريل/نيسان 2009 م .

عين غولدستن رئيس للجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة في انتهاكات الجيش الصهيوني خلال حربه على غزة في الفترة من 27 ديسمبر كانون أول 2008 حتى 18 يناير/كانون الثاني 2009م، وقد صرح عقب تعيينه أنه صدم باعتباره يهوديا من تعيينه رئيسا لهذه اللجنة. وقد رفضت (إسرائيل) التعاون معه، مما أجبره على الدخول إلى قطاع غزة عبر مصر ، في المقابل لقي تعاونا من قبل حركة حماس.

أعد جولدستون تقريره، الذي تطرق إلى حصار قطاع غزة ،مؤكدا أنه شمل منع دخول البضائع والخدمات إلى القطاع، وإغلاق المعابر أما تنقل الناس والبضائع والخدمات، وفى بعض الأحيان ولأيام قطع إمدادات الوقود والكهرباء عن القطاع، وأشار إلى أن الحصار أدى إلى تردى الأوضاع الاقتصادية في غزة وخلق حالة طارئة نتيجة إضعاف قطاعات الصحة والمياه والخدمات الأخرى أثناء الحرب. كما أشار التقرير إلى عدد ضحايا الحرب على غزة، وقال إن عددهم تراوح بين 1387 و 1417 مشيرا إلى أن السلطات في غزة أوردت استشهاد 1444 بينما الحكومة(الإسرائيلية) قالت إن عددهم 1166.

وذكر التقرير أن (إسرائيل) شنت هجمات عدة على مبان وأفراد، وأشار إلى اهتمام اللجنة خاصة بقصف مبنى المجلس التشريعي والسجن الرئيسي في غزة، وأكد أن اللجنة ترفض الموقف (الإسرائيلي ) الذي يرى في هذه المنشآت جزءا من البنية التحتية الإرهابية لحركة حماس مؤكدا أنه لا وجد دليل على أن هذه المنشآت استخدمت في العمليات العسكرية.

وأشار التقرير إلى القصف الصهيوني لمراكز الشرطة الفلسطينية في القطاع التي أدت لاستشهاد نحو 240 شرطيا، وقال إنه بغض النظر عن وجود عدد كبير من أنصار الحركة أو الجماعات المسلحة بين الشرطة، تبقى شرطة غزة وكالة مدينة لتعزيز القانون، وأما قصفهم فيشكل انتهاكا للقانون الانسانى الدولي.

وبرأ التقرير ساحة المقاومة الفلسطينية في غزة من مزاعم اتخاذ المدنيين دروعا بشرية ، وقال إنه ربما لم ينجح المقاتلون الفلسطينيون في جميع الأوقات بعزل أنفسهم عن السكان المدنيين، أي أن اللجنة لم تجد دليلا على أن الجماعات الفلسطينية المسلحة قادت المدنيين إلى المناطق التي تشن منها الهجمات أو أجبروهم على البقاء في المكان الذي تنطلق منه.

من ناحية ثانية أشار التقرير إلى أنه تحقق من أربع حالات استخدم فيها الجيش الصهيوني المدنيين الفلسطينيين دروعا بشرية، منبها إلى أن مثل هذا السلوك يعد انتهاكا للقانون الانسانى الدولي ويشكل جريمة حرب.

كما قال التقرير إن اللجنة لم تجد دليلا على مزاعم بأن المقاتلين الفلسطينيين شنوا هجمات على المستشفيات أو أنهم اتخذوا سيارات الإسعاف وسائل لنقل المقاتلين، كما استثنى أن يكون المقاتلون لجأوا للاختباء في مقار الأمم المتحدة أثناء العمليات العسكرية، رغم إشارته إلى أنهم نفذوا هجمات في محيط هذه المقار أو المستشفيات.

كما أشار التقرير آلة القصف الصهيوني لمقر الأونروا ، رغم أنه كان ملجأ لما بين 600 و700 مدني، وقال إن تصرف القوات المسلحة (الإسرائيلية) هذا ينتهك متطلبات القانون الدولة العرفي باتخاذ كل الاحتياطات لتجنب مقتل المدنيين.

كما انتقد الهجوم الصهيوني على مستشفى الوفاء في مدينة غزة وتقاطع الفاخورة قرب مدرسة للأنروا في جباليا كانت تؤوى الفسفور الأبيض والقذائف المسمارية، وقال إنه رغم أن القانون الدولي لا يجرم حتى الآن استخدام الفسفور الأبيض وجدت اللجنة أن استخدامها في المناطق المأهولة كان متهورا بشكل منهجي. كما أشار إلى مزاعم باستخدام الجيش لقنابل اليورانيوم المنضب وغير المنضب، لكن التقرير قال إن للجنة لم تواصل تحقيقاتها حول هذه المزاعم.

وقد قرر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تأجيل التصويت على تقرير القاضي ريتشارد غولدستن الخاص بالحرب (الإسرائيلية) الأخيرة على قطاع غزة إلى الدورة المقبلة، وذلك بطلب من وفد السلطة الفلسطينية، حسب ما أكدته مصادر دبلوماسية وصحفية عربية وغربية.

وكانت مصادر صهيونية أعلنت أن السلطة الفلسطينية بزعامة رئيسها محمود عباس سحبت مشروع قرارها المقدم إلى مجلس حقوق الإنسان الدولي والداعي إلى تبنى توصيات لجنة تقصى الحقائق للحرب (الإسرائيلية) الأخيرة على غزة التي شكلتها الأم المتحدة برئاسة ريتشارد "غولدستون" إثر ضغط صهيوني أمريكي.

ويعد تقرير غولدستون ضربة موجهة (لإسرائيل) وحاولت جاهدة لمنع تمريره حيث إنه في أكثر من فقرة انتهاك جيشها للقانون الانسانى الدولي وارتكاب جرائم حرب أثناء العدوان على قطاع غزة.

وقد استنكرت معظم التنظيمات والأحزاب والشخصيات السياسية والفكرية والحقوقية الفلسطينية والعربية وسحب التقرير وعدته جريمة سياسية ، تصب في صالح العدو، وتعطيه شرعية لممارسة حرب جديدة أشد إجراما ضد الشعب الفلسطنيى.

موقف سلطة فتح في رام الله من حرب الفرقان

وقفت سلطة فتح في رام الله إلى جانب دولة العدو الصهيوني في حربها على الشعب الفلسطيني فى قطاع غزة، بل إن بعض قادة فتح هم الذين شجعوا الصهاينة على الحرب ووعدوهم بالمساعدة، وهذا ما شهد به قادة العدو، إذ نشر موقع "فيلكا إسرائيل" في 18/1/2009م تقريرا يفيد بأن قائد الجيش الصهيوني في جنوب إسرائيل، وأثناء جولة مع الصحفيين ، أوصاهم بعدم نشر تفاصيلها، لأنه يحدثهم للتاريخ وليس للنشر قال " أحسن ضابط استخبارات في جيش الدفاع الاسرائيلى هو محمد دحلان"أبو فادى) وأفضل جهاز استخبارات "يعمل على الأرض في قلعة غزة الإسبارطية هو جهاز الأمن الوقائي وجهاز المخابرات العامة وجهاز حركة فتح فرع مئيئر عباس رئيس السلطة الإسرائيلية بالوكالة في ربع الضفة الغربية .

وقال : يقوم محمد دحلان وأجهزة محمود عباس في هذه الحرب بدور كبير جدا وكان من المفترض أن يقوموا بدور أهم لولا أن الإرهابيين لا يزالون يحتمون بالمدنيين مما منع جيش الدفاع من القضاء على آخر فلولهم. وكشف الجنرال غالانت بن أكثر من مائة وثلاثين عضوا في أجهزة فتح من التابعين لعباس ودحلان تم قتلهم بسبب اكتشاف الإرهابيين لهم وهم يضعون إشارات خاصة على حيطان ومداخل أنفاق الإرهابيين ومخازن الأسلحة ومقرات سرية لحركة حماس والجهاد والإرهابيين ليتم قصفها من قبل سلاح الطيران الاسرائيلى الذي يكشف عن الأهداف بطرق تكنولوجية بناء على تلك الإشارات . وأكد ما قاله يوفال ديسكين مدير جهاز الأمن الداخلي قبل أسبوع من أن فتح وعناصر محمد دحلان لعبوا دورا حاسما في هذه المعركة على الإرهاب.

وكشف قائد المنطقة الجنوبية خطة تتضمن حركة اقتحام كان من المفروض أن يقوم بها ألف وخمسمائة عنصر من عناصر دحلان المعسكرين في العريش داخل الحدود المصرية بانتظار انهيار حركتي حماس والجهاد ومناصريهما من ألوية النصر واللجان الشعبية.

ونقلت وكالة شهاب الفلسطينية للأنباء عن مصادر وصفتها بالمطلعة في واشنطن قولها إن شريط فيديو كان وراء ما قالت إنه قرار السلطة الفلسطينية سحب تأييدها لمشروع قرار في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة يدعم تقرير ريتشارد غولد ستون حول الانتهاكات في الحرب (الإسرائيلية) الأخيرة على قطاع غزة.

وقالت الوكالة إن اجتماعا جرى في واشنطن في الأيام الماضية بين ممثلين عن السلطة الفلسطينية ووفد إسرائيلي حول الموقف من التقرير ، وأشارت المصادر إلى أن ممثلي السلطة رفضوا في البداية بشدة الطلب الاسرائيلى بعدم تمرير التقرير، وتمسكوا بموقفهم، إلى أن جاء العقيد إيلى أفراهام وعرض على جهاز الحاسوب ملف فيديو يعرض لقاء وحوارا بين رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ووزير الدفاع الاسرائيلى إيهود باراك بحضور وزيرة الخارجية السابقة تسيبى ليفنى .

ووفقا للمصدر نفسه ظهر عباس في التسجيل المصور وهو يحاول لإقناع باراك بضرورة استمرار الحرب على غزة، فيما بدا باراك مترددا أمام حماسة عباس وتأييد ليفنى لاستمرار الحرب.

وأشار المصدر إلى أن أفراهام عرض أيضا على وفد السلطة تسجيلا لمكالمة هاتفية بين مدير مكتب رئاسة الأركان الإسرائيلية دوف فايسغلاس والطيب عبد الرحيم الأمين العام للرئاسة الفلسطينية، الذي قال فيها إن الظروف مواتية ومهيأة لدخول الجيش (الإسرائيلي) لمخيمي جباليا والشاطئ مؤكدا أن سقوط المخيمين سينهى حكم حركة المقاومة الإسلامية حماس في قطاع غزة، وسيدفعها لرفع الراية البيضاء وحسب تسجيل المكالمة فإن فايسغلاس قال للطيب عبد الرحيم

" إن هذا سيتسبب في سقوط آلاف المدنيين فرد عليه عبد الرحيم:" بأن جميعهم انتخبوا حماس، وهم الذين اختاروا مصيرهم وليس نحن" وقال المصدر إن الوفد 0الإسرائيلى) هدد ممثلي السلطة بعرض المواد المسجلة أمام الأمم المتحدة وعلى وسائل الإعلام، مما دفع السلطة للموافقة على الطلب (الإسرائيلي) وقام بكتابة تعهد خطى يقر فيه إعطاء تصريح لأي دولة لاعتماد تقرير غولدستن.

الخاتمة

نحن نؤمن بالله، ونؤمن بقوته، ونؤمن أن الله مالك هذا الكون، يديره بإرادته سبحانه وتعالى، وإذا كان هذا هو إيماننا بالله، فإننا سنجد من كرمه في قلوبنا ينبوع سعادة لا ينضب ، بل يتدفق عذبا سلسبيلا ينبت الورد والبساتين ، لا شك في ذلك، وأن الله سبحانه سيكون جارا لنا ، وتالله لقد عز جار الله، وما دام ذلك كذلك، فليكن ما يكون ، وليس بكائن إلا ما يشاء ربنا.

فقد نصر الله موسى على فرعون في مواطن كثيرة، فعندما ولدته أمه وكانت خائفة عليه أوحى إليها ربها:" أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم، فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له، وألقيت عليك محبة منى" فقوة القذف ضد طفل في المهد وأخذ عدوه له، وهو العدو المجرم الجبار الظالم كل هذه الأخطار يهزمها، "وألقيت عليك محبة منى" ،و"ما يعلم جنود ربك إلا هو "، " والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون". وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ملحق النتائج التي توصلت إليها لجنة تقصى الحقائق في مشكلة الاعتداء على الكتلة الإسلامية في جامعة بير زيت:

لقد استعرضت اللجنة أقوال الشهود والوثائق التي قدمكن لها من ذوى العلاقة بما حدث يومي 4و 5/6/1983 وقد تبين للجنة ما يلي:

أولا : مسيرة الكتلة الإسلامية يوم 4/6/83

- قامت الكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت يوم 4/6/83 بمسيرة سليمة بمناسبة ذكرى 5 حزيران 67، 4 حزيران 82، وذلك استنكارا لما أصاب شعبنا واحتجاجا على الذين تسببوا فيما حصل لشعب فلسطين.

إن مسيرة الكتلة الإسلامية لا تتعارض مع سياسة جامعة بير زيت المعلنة والتي تنص على "أن لكل فرد في الجسم الطلابي الحق في التعبير بحرية عن رأيه ولا يحق لأي فرد أن يمنع أي فرد آخر في الحرم الجامعي من حرية الرأي والتصرف" وقد ثبت للجنة تقصى الحقائق أن الكتلة الإسلامية كانت حريصة على إنجاح المسيرة بإتمام برنامجها المرسوم لتحقيق هدفها المتمثل في التعبير عن رأيها. وحتى يتحقق نجاح المسيرة فقد قامت الكتلة الاسلاميةبما يلي:

- اختارت وقت القيام بالمسيرة خلال حقبة متفق ومتعارف عليها في الجامعة إنها حقبة مخصصة للنشاط الطلابي وليس فيها محاضرات تدريس.

- حرصت على تجنب الاستفزاز أو الاشتباك مع الفئات لطلابية الأخرى وذلك لتتم المسيرة بسلام.

- حددت مكان نشاط المسيرة بأن يكون داخل الحرم الجامعي حتى لا يحصل مضاعفات قد تعود بالضرر على الجامعة. كانت المسيرة سلمية المضمون والمظهر ، وإن ما وجه لها من اتهامات من قبل الآخرين بعيد عن الواقع

وذلك لما يلي:

  1. إن اللافتات التي حملتها المسيرة تتعلق بمناسبتي حزيران 67،82 فقط ولم ترفع المسيرة أي لافتة ضد منظمة التحرير الفلسطينية.
  2. لم تهتف المسيرة ولم ترفع شعارا ضد منظمة التحرير الفلسطينية أو ضد رئيسها ولم تهتف المسيرة ضد أحد.
  3. لم يلاحظ على المسيرة أي مظهر يوحى بالعنف ولم يشاهد أحد على المسيرة استعدادا للعنف.
  4. ومما يؤكد سلمية المسيرة هو توزيع بيان الكتلة الإسلامية أيام لا تنسى 5 حزيران 67 ، 4 82 على الطلاب في الجامعة قبل بدء المسيرة وأثناءها وبعدها، وفيه بيان لهدف وحقيقة ما ترمى إليه الكتلة من المسيرة.
  5. ومما زاد في بيان سلمية المسيرة وحرص الكتلة الإسلامية على ذلك، هو انضباط المسيرة وعدم ردها على الفئات الأخرى عندما تعرضوا لها وضربوها وخاصة بعد إصابة أحد أفرادها إصابة بالغة.

ومنعا لأي التباس قد يحدث عند الإدارة، قامت الكتلة بإبلاغ الإدارة خطيا بنيتها القيام بالمسيرة مبينة المناسبة والهدف ومكان قيام المسيرة ولم يتعرض رئيس لجامعة على ذلك في حينه عندما أبلغه عميد شئون الطلبة بأمر المسيرة وكل ما طلبه هو الانضباط التام كما ورد في أقوال الرئيس 13/12.

بالرغم من كل هذه الأمور والتوضيح المسبق إلا أن مجلس الطلبة والفئات الأخرى قاموا وعارضوا المسيرة ومنعوها ، وقاموا بالتصدي للمسيرة وضربها بالحجارة والزجاجات الفارغة والتحريض ضدها.

ولم تقف عند هذا الحد، بل قام مجلس الطلبة مع نقابة العاملين بتمويه حقيقة الأمور وأصدروا بيانات في بعض الصحف المحلية اتهموا فيها مسيرة الكتلة الإسلامية بأنها حملت لافتات تندد بمنظمة التحرير وبصمود الشعب الفلسطيني وتوضيحا للحقيقة فقد ثبت للجنة تقصى الحقائق إن ما قامت به الكتلة الإسلامية هو من باب حق حرية التعبير خاصة وأن المسيرة قامت ضد الاحتلال وضد من ساهموا في نكبة شعبنا وأمتنا، وهذا حق طبيعي لكل فرد من أبناء الشعب الفسلطينى لا يجوز كبته أو منعه.

وكانت المسيرة سلمية ولم تكن موجهة ضد أي طرف من الجامعة سواء على مستوى الطلاب أو الإدارة أو العاملين ولم ترفع لافتة أو شعارا أو هتافا ضد منظمة التحرير الفلسطينية.

ثانيا : حول موقف مجلس الطلبة

بعدما تبينت حقيقة مسيرة الكتلة الإسلامية فإن لجنة تقصى الحقائق ترى ما يلي:

إن مهمة مجلس الطلبة هي خدمة مجموع الطلبة والمحافظة على حقوقهم دونما تمييز بين فريق وآخر وذلك لتوفير جو الألفة والمحبة والتعاون بين الطلبة في الجامعة لبث روح التفوق والإبداع ، وعلى مجلس الطلبة أن يتجاوز ما تعكسه أجواء الانتخابات بين الكتل الانتخابية وأن يعمل على إعادة الوحدة بين الطلبة.

إن تعرض مجلس الطلبة لمسيرة الكتلة الإسلامية ومحاولة منعها من الدخول إلى الجامعة ، يعتبر تعديا منه على الكتلة وتجاوزا لحدود صلاحياته، خاصة وأن المسيرة لم تتعرض له أو لأنصاره، وإن إدارة الجامعة فقط هي المسئولة عما يقوم به طلبة الجامعة ولا يجوز لفريق طلابي أن يتسلط على فريق آخر .

إن قيام مجلس الطلبة وأنصاره بمهاجمة مسيرة الكتلة الإسلامية قد أدى إلى كل المضاعفات والسلبيات التي حصلت فيما بعد وكان أخطرها هو احتجاز فتيات الكتلة الإسلامية في مطعم الجامعة.

إن لجنة تقصى الحقائق تأسف لموقف مجلس الطلبة من عملية احتجاز طالبات الكتلة الإسلامية، إضافة إلى قيام المجلس بفرض شروط إدارة الجامعة على المحتجزين قبل أن يوافق على الإفراج عنه، ولقد كان لموقف مجلس الطلبة مردود سلبي على نفوس المحتجزين وأهليهم، وأنه من لطف الله سبحانه وتعالى أنه أمكن السيطرة على مضاعفات احتجاز الفتيات كما وأن لجنة تقصى الحقائق تأسف لما ألقى على مسامع المحتجزات من كلام لا مسئول لا يقدر متلفظوه أبعاده الخطيرة من تأجيج لنار الفتنة وخلق الأحقاد في نفوس المواطنين.

إن أعضاء مجلس الطلبة وأنصار المجلس وهم من أبناء شعبنا يعرفون جيدا عقيدة هذا الشعب وعاداته وتقاليده وتركيبته الاجتماعية، وأن لجنة تقصى الحقائق لا تقبل لهم ولا تتوقع منهم خلاف ذلك.

ليس لمجلس الطلبة سلطة حق التحكم في سلوك وأفكار فريق من الطلاب أن إدارة الجامعة فقط هي المسئولة عن سلوك الطلبة داخل الجامعة، ولجنة تقصى الحقائق ترى أنه على مجلس الطلبة أن يحافظ على حرية الرأي والتعبير لزملائه الطلاب لا أن يكون أداة كبت وقمع.

إن لجنة تقصى الحقائق لا تقبل إشاعة الروح العدائية ضد الكتلة الإسلامية على مستوى الإعلام من صحافة ونشرات وحفلات وغيره، والكتلة الإسلامية تمثل والى الثلاثين في المائة من مجموع الطلبة في بير زيت، وأن مجلس الطلبة يمثل مجموعة الطلبة كما هو متعارف عليه، وهو مكلف باحتواء أي مسبب عدائي يثيره فريق ضد فريق ومن المفروض أن يكون هو الحكم العادل في وحدة الطلبة. وإن وضعنا في الأرض المحتلة يحتم على مجلس الطلبة في السير على هذا الطريق.

إن لجنة تقصى الحقائق تأمل بأن يكون نظام مجلس الطلبة في جامعة بير زيت قادرا على أن يخدم مجموع الطلبة وأن تحافظ تشريعاته على الوحدة بين الطلبة بعيدا عن إثارة الصراع والخلاف وأن تكفل تشريعاته حرية الرأي والتعبير وفق ما ورد في سياسة الجامعة المعلنة.

ثالثا: موقف إدارة الجامعة

إن لجنة تقصى الحقائق تأسف لموقف إدارة الجامعة وبعض أعضاء من مجلس الأمناء وهيئة التدريس والعاملين ممن وجدوا يوم الأحداث 4/6/83 من موضوع احتجاز الفتيات من الساعة الحادية عشرة والنصف صباحا وحتى الساعة السادسة مساء وما أسمعن من كلام شائن، ولجنة تقصى الحقائق تربا بالإدارة أن لا تحسم الموقف، وأن تقف ومن معها عاجزين عندما أصر مجلس الطلبة على فرض شروطه قبل الإفراج، الأمر الذي ساعد على تفاقم الأحداث خاصة وأنه لا تغيب عنهم أبعاد احتجاز الفتيات وانعكاساته وما قد يترتب عليه من نتائج.

ومن المعروف أن إدارة الجامعة هي المسئولة عما يحصل في الجامعة، وأن ما يحصل بين الطلبة من خلاف فهو أمر غير مستغرب، وهنا يأتي دور الإدارة الناجحة في السيطرة على الخلاف بالحيلولة دون تطوره وبالتوفيق بين الطلبة.

إضافة إلى ما ذكر آنفا فإن لجنة تقصى الحقائق تود أن تبين ما يلي:

  1. اتهمت الإدارة دون دليل طلبة الكتلة الإسلامية بكسر البوابة الغربية للجامعة.
  2. لم تقتنع لجنة تقصى الحقائق بما أوردته الإدارة عن كيفية صعود الفئات الأخرى إلى سطح أبنية الإدارة لضرب الكتلة الإسلامية في ساحة المطعم.
  3. صمتت الإدارة تجاه موقف الفئات الأخرى الذين أعطوا لأنفسهم حق التحقيق من هويات أفراد المسيرة مع أن هذا الأمر يخص إدارة الجامعة فقط، وليس للطلبة شأن فيه.
  4. أصدرت نقابة العاملين مع مجلس الطلبة بيانا مشتركا ضد الكتلة الإسلامية دون دليل ونقابة العاملين تضم موظفين ومدرسين في الجامعة.
  5. تركت الإدارة المجال أمام الفئات الأخرى في فرض شروطهم للإفراج عن المحتجزين ، وسعت الإدارة لإخراج المحتجزين من الباب الخلفي للمطعم وهى تعلم ما في هذا الأمر من إذلال معنوي للمحتجزين، خاصة وأن الفئات الأخرى كانت تحيط بالجامعة للتصدي للمحتجزين.
  6. لم تتقد الإدارة بسياسة الجامعة المعلنة في حرية الرأي والتعبير والتصرف، وقد تأكد هذا عندما قام عميد شئون الطلبة بإصدار أمر بمنع المسيرة بعد أن دخلت الحرم الجامعي الذي يعتبر ملاذا ومأوى لحماية الجميع.
  7. لم تقم إدارة الجامعة بواجبها في حماية طلبة الكتلة الإسلامية وهم محاصرون في ساحة المطعم بالرغم من طلبهم من الإدارة أن تتدخل، فأغلقت الإدارة أبوابها فى وجوههم في حين أنه من البديهيات أن القائد الناجح يتقدم شجاعا للحفاظ على سلامة رعيته.
  8. أجابت الإدارة رئيس بلدية بير زيت السيد إبراهيم عوض الله بمعلومات غير صحيحة عن الوضع في الجامعة عصر يوم 4/6/83، الأمر الذي حال دون مساهمته في الإفراج عن المحتجزين من طلاب وطالبات، لا سيما وأنه يقدر مسئولية وأبعاد احتجاز الفتيات.

وبالرغم مما سبق وما تعرضت له الكتلة الإسلامية وهى محصورة في ساحة المطعم من ضرب وخلافه، وبالرغم مما كان عليه أفراد الكتلة الإسلامية من انفعال في ساحة المطعم، فإن لجنة تقصى الحقائق تأسف لما صدر عن بعض أفراد الكتلة الإسلامية من كلمات أو هتافات ضد إدارة الجامعة أثناء حصار الكتلة في ساحة المطعم.

- بعد هذا كله كانت لجنة تقصى الحقائق تتمنى أن يستمر رئيس مجلس أمناء جامعة بير زيت السيد الدكتور سعدي الفقيه في عضوية لجنة التقصي حتى تنتهي مهمتها، أما وقد استقال بعد أن شارك في تسع جلسات من جلساتها، فإن لجنة تقصى الحقائق كانت تأمل أن يجاب سماحة رئيس الهيئة الإسلامية العليا على كتابه الموجه إلى رئيس الجامعة بترشيح بديل عن الدكتور/الفقيه الأمر الذي لم يحصل.

- وأنه لا يغيب عن إدارة الجامعة الظروف التي نعشيها وتستدعى أن يتقدم أصحاب النيات الحسنة في راب صدع ما قد ينشأ من خلافات ومشاكل سواء كانت في هذه الجامعة، أو في غيرها من المؤسسات وحتى بين الأفراد للعمل على تضييق شقة الخلاف التي قد تنشأ في هذا المجتمع الذي لم يبق له سوى هذه الفئات المصلحة التي تأخذ على عاتقها تحمل مسئولية الإصلاح، وبناء عليه لم تكن لجنة تقصى الحقائق تتوقع أن يصدر البيان الذي صدر عن مجلس الأمناء يوم 1/8/1983 م الذي يقطع الطريق أما كل مصلح يحاول أن ينهى خلافا قبل استفحاله.

- إن لجنة تقصى الحقائق تدعو إدارة الجامعة إلى التمسك بسياسة الجامعة المعلنة والخاصة بحرية الرأي والتعبير نصا وروحا، وأن تضع اللوائح التنظيمية لتنفيذ هذه السياسة لتحول دون الاجتهادات الشخصية، كما وتدعو إدارة الجامعة إلى ضبط العاملين فيها ليكونوا عاملا في الحفاظ على أبناء شعبنا، لا أن يكونوا منحازين ضد فريق من تلاميذهم، ويحرضوهم على بعضهم تحت تأثير عامل التنظير الحزبي، وأنه لمن المؤسف أن ينضم فريق من العاملين في الجامعة مع فريق طلابي ضد فريق آخر من طلابهم الأمر الذي يتعارض مع القواعد التربوية في العلاقة بين المربى وتلميذه.

أما بخصوص الطالب عبد الله السعافين ، رئيس الكتلة الإسلامية فقد كان بود لجنة تقصى الحقائق أن تتريث إدارة الجامعة في اتخاذ أي إجراء بشأن غيره بخصوص ما حدث حتى تنتهي هذه اللجنة من أعمالها، وتقدم تقريرها وما توصلت إليه من نتائج.

رابعا: الصحافة والإعلام

تعرضت بعض الصحف والمجلات المحلية لأحداث جامعة بير زيت وكانت منحازة بوضوح ضد الكتلة الإسلامية سواء على مستوى نقل الخبر أو تحليله أو التعليق عليه. بل أكثر من هذا كانت حملات تحريضية لا تستند إلى حقيقة. ومثالا على ذلك ما نشرته مجلة الشراع في القدس عدد 58 تاريخ 15/6 مما دعا مدير الأوقاف الإسلامية رام الله إلى تكذيب ما أوردته المجلة المذكورة ونشر التكذيب في الصحف.

هذا بالإضافة إلى أن بعض الصحف المحلية تبنت وجهة نظر مجلس الطلبة ونقابة العاملين وصبت جام غضبها على الكتلة الإسلامية ناشرة الاستنكارات والبيانات متهمة الكتلة الإسلامية بالخروج عن الصف الوطني.

إن حقيقة ما حصل في الجامعة تنفى ما ورد في هذه الصحف من اتهامات ضد الكتلة الإسلامية. وعليه فإن لجنة تقصى الحقائق تدعو صحافتنا المحلية إلى تحرى الحقيقة قبل النشر وتوخي العدالة والعمل على تضييق شقة الخلاف بإيجابية وموضوعية تستدعيها الظروف والأوضاع التي نعيشها.

خامسا: موقف أهالي بير زيت

من منطلق حقيقة ما حصل يوم 4/6/83 فإن لجنة تقصى الحقائق تستغرب اشتراك بعض أهالي بير زيت في الصراع الذي دار في الجامعة ولم يكن من الحكمة اندفاع مجموعات منهم في الصراع ضد الكتلة الإسلامية وهم المضيقون والحماة لكل من يقيم في بير زيت، وإن دورهم الأساسي هو الإصلاح وليس سواه.

إن أهالة بير زيت يعرفون جيدا عادات وتقاليد شعبنا، وخاصة موضوع احتجاز الفتيات، ومعرفتهم هذه كانت تلقى على عاتقهم واجبا كبيرا في العمل على الإفراج عن الفتيات المحتجزات، وأنهم يعرفون أبعاد هذا الأمر ونتائجه وانعكاساته.

لقد سمع وجهاء بير زيت وعرفوا بأن كثيرا من أهالي بير زيت قد جددوا نظرتهم العدائية لأفراد الكتلة الإسلامية وخاصة بعد ظهر يوم ألأحد 5/6/93 أي بعد انقضاء يوم كامل على الأحداث. وأن أناسا قد ساهموا في خلق التوتر بعد عصر يوم الأحد 5/6 واندفعوا في سلوك عدواني تجاه الذين كانوا في المسجد بعد صلاة المغرب.

إن لجنة تقصى الحقائق كانت تتمنى على وجهاء أهالي بير زيت أن يردعوا المندفعين ويوقفوهم عند حدهم، حتى يشعر أفراد الكتلة الإسلامية أنهم في أمان، ولإبعاد شبح الخوف العالق في نفوسهم.

إن مطالبة بعض أهالي بير زيت بترحيل الكتلة الإسلامية من بير زيت لم يساهم في تهدئة النفوس، وليت بعض هؤلاء راجعوا أنفسهم ولكنهم مع الأسف استمروا حتى آخر الطريق، وقاموا بترحيل 210 طلاب من الكتلة الإسلامية عن بيوتهم في بير زيت بعد منتصف ليلة 6/6/83 والقوا بهم في رام الله ليعترضوا الجيش الصهيوني ويوقفهم ويفتشهم ويتأكد من هوياتهم ، وبعدها يهيمون على وجوههم وهم ليسوا من سكان رام الله بل من مدن الضفة والقطاع، الأمر الذي ألجأهم للمبيت في مسجد مدينة رام الله.

إن لجنة تقصى الحقائق تمنت لو تحمل وجهاء بير زيت مسئولية حمايتهم واعتبارهم ضيوفا عندهم وإشعارهم بالأمان حتى الصباح وهم قادرون على ذلك وقادرون على إيقاف المندفعين من ألأهالي عند حدهم، لا سيما وأن الجميع شهد بحسن سلوك أفراد الكتلة الإسلامية في سنوات تواجدهم وسكانهم في بير زيت.

لقد كان الصواب في أن يرفض وجهاء بير زيت طرد هؤلاء الشباب من بير زيت ويفوتوا الفرصة على الذين سعوا في الفتنة وكانوا ساعتها هناك. ولجنة تقصى الحقائق أيضا ى تقبل ولا توافق على البيان الذي نشر في الصحف المحلية في حينه آنذاك يشكر ناشروه أهالي بير زيت على ما قدموا به ضد أفراد الكتلة الإسلامية.

سادسا: البيانات التي صدرت حول الأحداث

إن لجنة تقصى الحقائق ترى أن البيانات التي صدرت حول الأحداث لم تساهم في تطويق الأحداث المؤسفة بل كانت عامل هدم وفرقة لا عامل بناء ووحدة، ولجنة تقصى الحقائق تذكر بهذه المناسبة أن هذا الأسلوب لا يمكن اعتباره عاملا مساعدا في إنهاء الخلافات التي نشأت وقد تنشأ في مؤسساتنا في المستقبل .

سابعا: الخلاصة

استعرضت لجنة تقصى الحقائق جميع الأقوال والإفادات التي سمعتها ودرستها بتمعن وعمق، فتوصلت إلى القناعات التالية:

  1. لو أن مسيرة الكتلة الإسلامية تمت في ذلك اليوم دون أن يعترضها أحد لما حصل ما حصل.
  2. ما كان لمجلس الطلبة أن يعمل على منع المسيرة، وبخاصة أن تطبيق النظام في الجامعة هو من مسئولية إدارة الجامعة فقط.
  3. لو أن إدارة الجامعة أعطت الأمر ما يستحقه من العناية والاهتمام، لما تطورت الأمور إلى الحد المؤسف الذي وصلت إليه.
  4. لقد كانت لجنة تقصى الحقائق تأمل من أهالي بير زيت، بما عرف عنهم من كرم الضيافة وحسن المعاملة، أن يطوقوا الأحداث ويحولوا دون تفاقمها.

وختما فإن لجنة تقصى الحقائق التي قبلت تحمل مسئولية ما كلفت به، وهى مؤمنة بأن المهمة التي كلفت بها ليست بالمهمة السهلة ، مدركة أنه تتطلب جهدا كبيرا وتفرغا واستقصاءا، تؤكد أنها قامت بهذه المهمة بكل تجرد وإخلاص هادفة إظهار الحقائق التي كانت كلفت بالتقصي عنها، وهى إذ ترفع هذا التقرير إلى سماحة رئيس الهيئة الإسلامية العليا، لا يفوتها أن تتقدم له بوافر الاحترام للثقة التي أولاها سماحته إياها، كما تتقدم بالشكر الجزيل لجميع الذين استمعت إليهم لما أبدوه من تعاون في تيسير مهمتها وساعدوا على بيان الحقيقة التي كانت وما زالت هدف.

هذه اللجنة المنشودة آملين أن نكون قد وفقنا فيما توصلنا إليه من حقائق داعين الله سبحانه وتعالى أن يجنب شعبنا ومؤسساته كل مكروه، وأن يوثق عرى المحبة والألفة بين أفراد.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. القدس في 11 محرم 1404هـ