حاضر العالم الإسلامي

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
حاضر العالم الإسلامي


المؤلف: على جريشه ومحمود محمد سالم

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه.

أما بعد

فهذه الكلمات نخطها عن حاضر العالم الإسلامي.. مما رأينا بأعيننا، أو لمسنا بأيدينا, أو رجعنا إليه في مصادره ومظانِّه وإحصاءاته.

على أننا قد استعنا بتقارير مَنْ نثق في صدقهم من أمثال: رجال تحرير جبهة مورو، ورجال تحرير فطاني، وبعض مجاهدي فلسطين، وآخرين لم يشاءوا أن نكشف عنهم, وقد قبلنا تقارير هؤلاء.. كما يقبل القاضي شهادة الشهود بعد تمحصيها والثقة في صدقها، واضطررنا إلى البينة لما عزت المصادر الرسمية، أو شككنا في صدقها.

ونحسب أن هذه الكلمات هي المرجع الأوّل الحالي حول حاضر العالم الإسلامي، فلم نجد -فيما نعلم- شيئًا كُتِبَ بعد ما كتبه الكاتب الأمريكي "لوثروب ستوارد", وترجمه إلى العربية الأستاذ عجاج نويهض, وعلق عليه الأمير شكيب أرسلان.

وهي وإن حاولنا فيها مسح العالم الإسلامي كله, إلّا أن ذلك كان في شأن الخطوط العامَّة حول الواقع الفكري, أو الواقع السياسي, أو الواقع الاجتماعي، أو الواقع الاقتصادي.

لكن ذلك لم يمنعنا من إفراد بحوث خاصَّة للقضايا الإسلامية الراهنة مثل: قضية فلسطين كقضية وطن إسلامي سليب، ومثل قضية الفلبين كقضية وطن إسلامي مجاهد, ومثل قضايا الأقليات وغيرها.

وقد اتسمت دراستنا -بفضل الله- سواء في خطوطها العامَّة, أو في تفصيلاتها, بمناسبة دراسة القضايا الخاصة, اتسمت بفضل الله وحده بالموضوعية والتعمق, بعدًا عن التجريح الشخصي، ثم بلوغًا إلى جذور القضية, وصولًا إلى حلٍّ لها.

ولقد كلَّفنا ذلك أن نرفع الأسماء حتى من المصادر التي نقلنا عنها، إيمانًا منَّا بأنَّ الموضوعية أصلح منهج لبلوغ الإصلاح، فوق أنها اتباع لسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي كان ييتعد عن كل تجريح شخصي, فيرقى المنبر ليقول: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا، وأخيرًا إيمانًا بأنَّ التطبيق على الأشخاص لا يكون إلّا عند عقد المحاكمات، وليس المجال مجال محاكمة ولا الأوان أوانها.

بيد أننا نؤمن في الوقت ذاته أن أولئك الذين خانوا الأمانة، وشاركوا في طعن قضايا العالم الإسلامي, أولئك لن يفلتوا.

فالأمّة الإسلامية بدأت يقظتها، ولن تعود إلى النوم الذي استغلّوا فيه غفلتها, والتاريخ يكتب ويسطر, وما غطَّاه ظلام الأمس سوف يكشفه نهار للغد.

والله سبحانه من قبل هؤلاء ومن بعدهم يسمع ويرى {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ... } .

ونحن نؤمن بعد ذلك أنَّا بإذن الله ورثة هذا العالم، وأننا الأمة الوسط التي جعلها الله على الناس شاهدًا.

{وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ, إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ, وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُون} .

[الصافات 171-173] .

{وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة 56] .


{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ، إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} [الأنبياء 105-106] .

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور: 55] .

والله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم.

الباب التمهيدي

العالم الإسلامي جغرافيًّا

الموقع

ليس العالم الإسلامي كما يصوره الجغرافيون الأجانب نطاقًا صحراويًّا فقيرًا في موارده، متخلفًا في سكانه1.

- بل إنه يقع في "صرة العالم" ممسكًا بأطرافه، متحكمًا في محيطاته وبحاره وخطوط ملاحته، زاخرًا بأهمّ الأنهار، وأخصب الأراضي، وأعظم الثروات.

ومدخلا المحيط الهندي في أرض إسلامية "مضيق ملقا في الشرق بين الملايو وسومطرة، ومضيق باب المندب في الغرب", وبذا يمكن التحكُّم في الملاحة الدولية بين الشرق والغرب, ومدخلا البحر المتوسط في أرض إسلامية "شرقًا قناة السويس, وغربًا مضيق جبل طارق".

والبحر الأبيض كان يومًا كله بحيرة إسلامية, ولا تزال شواطئه الشرقية والجنوبية كذلك, والبحر الأسود والبحر الميت، والبحر الأحمر كذلك بحيرة إسلامية لولا إسرائيل.

وأنهار النيل ودجلة والفرات ونهر السند ونهر النيجر وغيرها تجري في بلاد إسلامية.

- ويبدأ غربًا عند محيط الطول 18 غربًا "بالساحل الإفريقي المطلّ على المحيط الأطلنطي".

1 Boivman mohamadan world. the ceographical Revew ,J, 1944. p. p. 64 - 65

ويمتد شرقًا إلى حدود إقليم سينكيانج أو التركستان الصينية وباكستان الغربية عند خط الطول 90, أي أنه يمتد 108 درجة طولية.

- أمَّا عرضًا فيمتد ما بين خط العرض 50 شمالًا "إقليم تركستان" إلى خط العرض 10 جنوب خط الاستواء "الجزر الإندونيسية في آسيا", أمَّا إفريقيا فيمتد إلى جنوب خط الاستواء حتى حدود الصومال.

ويكفي ما انتهى إليه أحد العلماء، من أنَّ مركز العالم كله -إذا أريد رسم دائرة -جغرافيًّا- أن نقول: إن الأمة الإسلامية أمّة وسط في موقعها، وأمثل الشيء أوسطه في كل شيء.

ومن ثَمَّ فإن العالم الإسلامي جغرافيًّا واستراتيجيًّا يتفوق في موقعه على أيّ بقعة في العالم كله.

الموارد الطبيعية

يقصد بالموارد الطبيعية

الموارد التي يتكوَّن منها الغلاف الصخري أو القشرة الأرضية الصلبة.

والمواد التي يتكون منها الغطاء النباتي أو الحيواني.

والمواد التي يتألَّف منها الغلاف المائي والغلاف الهوائي.

أمَّا الغلاف الصخري فيشمل:

الثروة المعدنية, والتربة, والمياه الجوفية.

أمَّا الغطاء النباتي والحيواني فيشمل:

الثروة النباتية طبيعية كانت أو زراعية، وما يوجد على سطح الأرض من حيوان.

أما الغلاف المائي فيشمل:

الكائنات البحرية الحية ومنها الأسماك، وكذلك الأملاح المعدنية التي يستخلص منها بعض المعادن.

أمَّا الغلاف الجوي يقصد به:

عناصر المناخ اللازمة للإنتاج مثل:

الحرارة والضوء والأمطار.

ولا تعتبر هذه الموارد اقتصادية حتى تستغلّ, أو يعرف الإنسان كيف يستغلّها؛ فالفحم، والبترول، والطاقة الشمسية, وغير ذلك, كلٌّ منها لم يكن موردًا اقتصاديًّا أو موردًا للثروة قبل أن يكتشف كيفية استغلاله.

ويمكن تقسيم الموارد الطبيعية إلى:

1- موارد غير قابلة للنَّفاد مثل: الرماد والصلصال.

2- موارد متجددة مثل: الغطاء النباتي.

3- موارد سريعة النفاد مثل: البترول والمعادن.

أما الموارد غير القابلة للنفاد:

فيملك العالم الإسلامي منها الكثير:

إن الأرض الخصبة الواسعة الممتدة في السودان، وفي ليبيا، وفي العراق, وفي غيرها من بلاد الإسلام، والصحاري الشاسعة الممتدة في جزيرة العرب، ومصر وغيرها من بلاد الإسلام, تعطي قدرة العالم الإسلامي وامتلاكه للموارد غير القابلة للنفاد.

أما الموارد المتجددة, والخاصة بالغطاء النباتي:

فإن ما يعيشه العالم الإسلامي من فقر وفاقة واحتياج للقمح وغيره من موادِّ الغذاء, كل ذلك مصطنع ومفروض, وإلّا فالعالم الإسلامي الذي يملك أنهار العالم وأغناها بالخصب والنماء "نهر النيل، ودجلة، والفرات، والسند.. إلخ" لا يمكن ولا يتصوّر أن يكون بحاجة إلى نبات يستورده من شرق أو غرب.

1 جغرافية العالم الإسلامي, محمود طه أبو العلا, الطبعة الثانية .

إن مساحات من الأفدنة تصل إلى الملايين في السودان والعراق وليبيا وباكستان، بل وفي مصر والجزيرة العربية, وهي صالحة وخصبة تمامًا لا تحتاج غير اليد العاملة، أو أنها كانت كذلك وقصرت الهمم والجهود والعقول عن مدِّها بالماء وإعادتها خصبة كما كانت, ويكفي أن نعلم أنَّ مصر كانت تزرع في عهد الرومان أكثر من 90% من أراضيها, وهو أمر ثابت تاريخيًّا، ظلت تنقرض حتى بلغت في العصر الحديث إلى 5% من أراضيها، وتسعون في المائة معطَّل لا يعمل، ولا ينتج!

أما الموارد سريعة النفاد:

مثل البترول والمعادن

فيكفي أن نعرف هذه الحقائق:

أ- إن البترول وهو المصدر الأول للطاقة اليوم تنتج منه البلاد الإسلامية 30.6% من جملة الإنتاج العالمي، تليها الولايات المتحدة "29.6%".

أما احتياطي العالم الإسلامي فهو 69.3 من جملة الاحتياطي العالم1, فلو أضفنا إلى ما تصر الشركات الأمريكية والأجنبية على عدم كشفه إلّا في الوقت المناسب -لها طبعًا- لارتفع إنتاج البلاد الإسلامية, ولارتفع احتياطها كذلك.

ويكتفي أن نصرِّح -على مسئوليتنا- في هذا المكان أنَّ مصر تسبح في بحيرة من البترول، حيث يوجد البترول على يمينها وعلى شمالها, لولا إصرار الشركات الأمريكية والأجنبية الآخذة امتياز التنقيب عن البترول -لولا إصرار هذه الشركات على عدم الكشف عنه إلا بقدر!

ب- المعادن الأخرى:وفي مقدمتها أهمها في الصناعات: الحديد والصلب, يوجد في البلاد الإسلامية في اتحاد ماليزيا، والجزائر والمغرب، وتونس، وتركيا, ومصر.

ويوجد في بلاد أخرى من بلاد المسلمين نعرفها بكميات أضخم تصر القوى العالمية المحتكرة على عدم الكشف عنها احتفاظًا لنفسها بالسرِّ أو بالثروة!

1 المرجع السابق وذلك وفقًا لإحصاء 1961, ونعتقد أنه زاد.

أما أنفس المعادن مثل الذهب والماس واليورانيوم.

فيوجد منه الكثير في بلاد الإسلام, لولا أنَّا لا نريد أن نصرِّح بما أبت هذه البلاد أن تصرِّح به!

أما الطاقات غير البترول:

فتوجد لدينا مساقط المياه التي تتولّد منها الكهرباء، ولدينا الزيت، والغاز الطبيعي, وتوجد في بلاد الإسلام طاقة لم تستغل بعد، وليس للعالم منها إلّا القليل وهي الطاقة الشمسية, وتدل أبحاث جادَّة وجديدة على أنه يمكن أن تتحوّل إلى أهم الطاقات لو أحسن استغلالها1.

أ- القدرة الإنتاجية:

هي تعتمد على ثلاثة عناصر:

1- العنصر البشري.

2- الخامات.

3- رأس المال.

فإذا قدر العالم الإسلامي أن يسقط -ولو مرة واحدة- الحدود المصطنعة فيما بين بلاده ودوله ودويلاته, فإنه يصير أكبر قوة اقتصادية في العالم كله.

فنحن نملك:

أ- من العنصر البشري: ألف مليون مسلم2 لا يتوافر عددهم لأي دولة في العالم, فإذا أضفت إلى هذا العنصر عنصر الإخلاص الذي يتطلَّبه

1 رسالة دكتوراه للأخ محمد عبد الجواد في ألمانيا الغربية.

2 نشير إلى أنَّ الشعوب الإسلامية من الناحية "الأنتروبولوجية "أي الجنسية" ينتمون إلى ثلاثة أجناس رئيسية: الجنس القوقازي, والجنس الزنجي, والجنس المغولي, كما تمثّل الشعوب الإسلامية الأقسام الفرعية والسلالات الثانوية لهذه الأجناس -ولكن كما قال رب العالمين: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} .

الإسلام من أبنائه، وعنصر الإتقان كذلك, لكانت هذه الثروة البشرية هي أوّل وأكبر ثروات العالم الإسلامي.

ب- الخامات:وقد قدمنا الحديث عنها, ونزيد أنه لا يوجد في العالم كله مكان تتوافر فيه كل المعادن، وكل الطاقات، وكل الخامات إلّا العالم الإسلامي.

ج- رأس المال:والمنطقة الإسلامية الآن أغنى مناطق العالم برأس المال, لولا أنَّها تودعه في بنوك أمريكية وانجلترا، وتدعم بذلك اقتصاد هذه الدول من حيث تدري أو لا تدري.

وفي كل يجري خفض بعض العملات الأجنبية -عمدًا- لتتحقق الخسارة في جانب المسلمين المودعين أموالهم في تلك البنوك، وليتحقق الكسب لأصحاب هذه العملات!

وفي إحصاءٍ أخير تقدَّمت إحدى البلاد الإسلامية من حيث الدخل القومي على الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت حتى عهد قريب أغنى دول العالم!

فإذا أضفنا إلى ذلك وجود الأسواق الاستهلاكية ووفرة طرق الملاحة البرية والجوية والبحرية, وتوسط بلاد العالم الإسلامي بين العالم كله شرقه وغربه؛ لعرفنا كيف يمكن أن نكون أكبر قوة اقتصادية في العالم كله.

ولكن متى ينتبه المسلمون، ويملكون أمورهم في أيديهم؟ 1

1 لا نغض بعد ذلك قيمة "التكنولوجيا الحديثة", وهي التطبيق العلمي لأحدث النظريات, وذلك لازم في مجال الإنتاج لتحسينه كيفًا، وزيادته كمًّا, مع التوفير في التكاليف, وهو ما نندب إليه الأمة الإسلامية ونعتبره فرض كفاية تأثم الأمَّة كلها إن لم تنفر منها طائفة كافية لكفاية حاجة هذه الأمة.

لكننا في الوقت نفسه نشير إلى أن تحصيل أمر "التكنولوجيا" صار سهلًا بفضل الله أولًا ثم بترابط العالم، وبتخطيه-إلى حدٍّ ما- حواجز العصبية في كتمان العلم.

العالم الإسلامي فقهيًّا

يقسِّم الفقهاء1 العالم إلى دار حرب ودار إسلام.

فالعالم الإسلامي -فقهيًّا- هو دار الإسلام, لكن ما هي دار الإسلام؟

يتفق الفقهاء على أن كل بلد يحكم بالإسلام فهو دار إسلام, لكن ما هو حكم الإسلام حتى لا نختلف في التطبيق؟

لا شكَّ أن شروطًا ثلاثة -مأخوذة من الكتاب والسنة- تلزم الشرعية على حكمٍ ما، للقول بأن الحكم فيه حكم الشريعة أو حكم الإسلام.

وهذه هي الشروط:

1_أن يكون لله الشرع ابتداء:

فذاك خالص حق الله, {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْك} ، {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} .

{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه} .

بيد أن مع دائرة شرع الله، دائرة أخرى, قال فيها رب العالمين:

{وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم} ومن ثَمَّ فقد تركت هذه الدائرة لاجتهاد العلماء المجتهدين.

وبهذا يتحقق للتشريع الإسلامي الأصالة الربانية، كما تتحقق له المرونة والقدرة على مواجهة للقضايا، والحاجات المتجددة.

1 راجع بدائع الصنائع جـ7, وما بعدها, والجريمة للإمام أبي زهرة, وما بعدها.

2- أن تكون شريعة الله هي العليا:

فلا ترفع إليها شريعة، ولا تعلو عليها شريعة.

فإذا ذكر ان الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي,

فإن ذلك يعني: إمكان قيام مصادر أخرى إلى جوارها, ومن ثَمَّ فقد ارتفعت هذه المصادر إلى مستواها.

وإذا ذكر أن الشريعة الإسلامية مصدر ثالث, فإن ذلك يعني أن تعلو على شريعة الله شرائع أخرى, وكلا الأمرين خروج على شرط أن تكون شريعة الله هي العليا, ودليله قول الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} , أي: لا يكن لكم رأي ولا شرع فوق قول الله ورسوله.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} .

ولا يتصور أن يحرم رفع صوت فوق صوت النبي وأن يحل رفع شرع أو قانون فوق شرع الله ورسوله.

وأخيرًا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".

وكلمة الله اسم جامع لكلماته، وبكلماته نزلت شرائعه!

فدون أن تكون شريعة الله هي العليا قتل وقتال هو في سبيل الله!

3-أن تطبق شريعة الله كاملة غير مجزأة:

في مجالاتها المختلفة: عقيدة، وأخلاقًا، وشعائر ومعاملات

فإن خلاف مجال من هذه المجالات عمدًا, فليست شريعة الله هي الحاكمة، ووجب القتال ليكون الدين كله لله {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} .

ودليل هذا الشرط قوله سبحانه: {وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} , وتسميته بعد ذلك بالجاهلية.

{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} .

وتسميته في تعطيل حكم واحد حرب الله ورسوله {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} .

وتسميته مضادة ومحادَّة لله ورسوله "من حالت شفاعته دون حدٍّ من حدود الله فقد ضادَّ الله في حكمه" 1.

فإذا لم تسد الشريعة بلدًا فهو دار حرب -في رأي الفقهاء إلّا أبا حنيفة.

أمًَّا أبوحنيفة فهو يرى أنها دار الإسلام إن توافر لها شرطان:

شرط الأمان للمسلمين.

وشرط المتاخمة لغيره من بلاد المسلمين.

والبعض يقسِّم دار الإسلام إلى:

1- دار عدل: إذا سادها حكم الشريعة، وحكمها خليفة.

ومن ثَمَّ وجبت الهجرة إليها -على رأي الغالبية.

2- دار بغي: وهي التي غلب عليها البغاة الخارجون على الخليفة الشرعي, ولا تزال كذلك حتى تستنقذ من أيديهم، ووجبت نصرة الخليفة الشرعي.

3- دار بدعة: وهي التي غلب فيها حكم البدع، واختفى فيهاحكم السنة, وواجب المسلمين محابة البدعة ليكون الحكم لله.

4- دار مسلوبة: وهي التي كانت بيد المسلمين تحكم بالإسلام، ثم غلب عليها الكفارة فسلبوها.

1 رواه الترمذي.

وفرض الجهاد لاسترجاعها.

ويقسِّم البعض دار الحرب إلى:

1- دار كفر: وهي التي يسود فيها حكم الكفار.

2- دار عهد: وهي التي بيننا -نحن المسلمين- وبينهم ميثاق1.

ولكل تقسيم حكمه مما يبحث عادة في مجال أحكام السلم والحرب, أو بالعبارة الحديثة في مجال القانون الدولي!

1 راجع الأخ الأستاذ سعيد حوي: الإسلام, جـ2, والمراجع المشار إليها.

3- العالم الإسلامي بين غيره من العوالم:

العالم الإسلامي سياسيًّا

يتنازع السلطة السياسية على العالم معسكران:

"أ" المعسكر الرأسمالي:

ولئن كانت الرأسمالية مذهبًا اقتصاديًّا، فهو يجد الحماية السياسية؛ بحيث صار علمًا على معسكر بعينه، تسوده الرأسمالية مذهبًا اقتصاديًّا، وتسوده الديمقراطية من الناحية السياسية، وتسوده الوجودية ومذاهب التحرر من الناحية الاجتماعية.

وإلى منتصف هذا القرن -تقريبًا- كانت المملكة المتحدة تتربَّع على عرش الزعامة لهذا المعسكر، لكنها منذ ذلك الحين، وبناءً على رغبتها، طلبت من الولايات المتحدة الأمريكية أن ترث نفوذها في الشرق الأدنى، ومن ثَمَّ قامت الولايات المتحدة بإرث ما سمحت به بريطانيا، وكذلك ما لم تسمح به، وورثت في النهاية زعامة هذا المعسكر.

وقد ناصرت الولايات المتحدة الأمريكية في الظاهر حركات التحرُّر، وأخفت بذلك تسللها إلى هذه المناطق, تفرض عليها الاستعمار الجديد الذي راحت تفرضه في مناطق كثيرة عن طريق "صناعة الزعماء", وصناعة الانقلابات, وصناعة الشعارات.

وبذا امتد نفوذ C.I.A "المخابرات المركزية الأمريكية", ومعها البنتاجون "مبنى وزارة الدفاع الأمريكية", وأخيرًا البيت الأبيض الأمريكي.

امتدَّإلى مساحات واسعة خارج ما يُسَمَّى بالمعسكر الرأسمالي، ومن التناقض "الظاهري" أنَّ بعض هذه المساحات ترفع شعار الاشتراكية، وأن تتبع سياسيًّا المعسكر الرأسمالي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية.

ب- المعسكر الاشتراكي:

ونعني بذلك المعسكر الذي يتَّحذ الاشتراكية العلمية منهجًا اقتصايًّا، وقد صار هذا الشعار الاقتصادي رمزًا لهذا المعسكر مميزًا له عن المعسكر الأول.

وهو يتخذ دكتاتورية البروليتاريا "شعارًا سياسيًّا", كما يتخذ التحلل الأخلاقي والأسري شعارًا اجتماعيًّا. - وهو وإن بدا متناقضًا مع المعسكر الأول, إلّا أن الحقيقة غير ذلك.

فالمسيطرون على المعسكر الأول من اليهود، هم كذلك المسيطرون على الثاني -كما سنشير بإذن لله- هذا من ناحية الحقيقة.

وحتى من ناحية الظاهر, فإن المعسكرين يقتريان؛ فالمعسكر الرأسمالي يطَعِّم رأسماليته الآن بشيء كبير من الاشتراكية، مثل تأميم الصناعات الكبيرة, وقوانين حماية العمال, وتحديد ساعات العمل.

والمعسكر الاشتراكي يطعّم اشتراكيته بشيء كبير من الرأسمالية مثل: إدخال نظام الحوافز, والسماح بالملكيات الصغيرة، والسماح بالنظام الأسري ... إلخ.

هذا من الناحية الاقتصادية.

ومن ناحية السياسية الخارجية, فمنذ أزمة كوبا سنة 1962 بدأت سياسة

الوفاق, وهي شبيهة بما اتفقت عليه انجلترا وفرنسا سنة 1904 من اتفاق ودي, ونعتقد أنه وفقًا لسياسة الوفاق تَمَّ توزيع النفوذ بين القوتين العظميين.

كذلك تَمَّ التقارب بين الولايات المتحدة والمارد الشيوعي الجديد "الصين", بقدر ما تَمَّ التباعد بين الأخيرة وبين الاتحاد السوفيتي.

ولا شكَّ أن الشيوعية تعيش هذه الأيام شبابها فلم يمض عليها غير خمسين عامًا، وهي مدة بسيطة في عمر الأمم، بينما تعيش الرأسمالية شيخوختها، وهو ما يمكن أن نستنتج منه أن الشيوعية هي الوريث الطبيعي للرأسمالية -ما لم ينهض أصحاب المعسكر الثالث- وهو ما بدا من اتساع رقعة الشيوعية يومًا بعد يوم, والتهامها لفيتنام ولاوس، وكمبوديا, واستمرارها في الالتهام.

ج- المعسكر الإسلامي:

ونحن نضعه معسكرًا ثالثًا إلى جوار المعسكر العظيميين.

باعتبار ما سيكون وهو قريب بإذن الله.

وباعتبار ما كان وهو قريب كذلك, لم يمض عليه إلّا قرابة نصف قرن.

لقد كان العالم الإسلامي يومًا هو المعسكر الوحيد الذي لا يناطحه معسكر آخر, ولسوف يكون كذلك بإذن الله.

وهو بمقتضى عدده، وموقعه، وطاقاته، وخبراته، يمكن، بل ينبغي أن يأخذ المقام الأول.

وما يعتريه اليوم من ضعف وتفكك هو وليد مؤامرات المعسكرين ومن وراءهما، وهو بحول الله تعالى وقوته، ثم يقظة أبنائه، ثم بمتضى سنن الله في كونه, سوف ينهض وسوف يعود.

وعلى أعداء الإسلام أن يختارو لأنفسهم ليوم قريب:

إما أن يكفوا عن حربنا في ديننا, وعن إخراجنا من ديارنا؛ ليكونوا

في مقام الأصدقاء, وإلا فليختاروا لأنفسهم موقع الأعداء، ويومئذ سوف ننفذ فيهم قول الله تعالى:

{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} .

ويشير البعض بعد ذلك إلى معسكر أو مجتمع وثني1.

لكننا لا نجد له وجودًا سياسيًّا, وما دام التقسيم أساسه سياسيًّا فلا ينبغي أن يكون المجتمع الوثني معسكرًا مستقلًّا, والله أعلم.

1 الأستاذ محي الدين القغماني في مذكرة "حاضر العالم الإسلامي" وضع تحته الديانات الهندوسية والبوذية والسيخ والكنفوشية والطوطمية.

الباب الأول: واقع العالم الإسلامي

الفصل الأول: الواقع الفكري للعالم اللإسلام

تقدمة

قد يتداخل الحديثي عن الواقع الفكري مع الحديث عن الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي, باعتبار تفاعل هذه العناصر وتأثيرها المتبادل, لكننا نحاول بقدر الإمكان أن نستخلص هذا العنصر من بين تلك العناصر, محيلين إليها عند لزوم التفصيل إن شاء الله.

بيد أننا نقدِّم هذا العنصر على غيره من العناصر باعتبار أن أهمية الفكر من الأمة كأهمية الرأس من الجسد.

ولئن كانت العقيدة مكان القلب من الجسد, فإن السبيل الرئيسي إليها هو الفكر, ولذا كان عنصرا الإيمان: العلم والعمل، علم القلب وعمله, والعلم سبيله الفكر.

ولسوف تؤخر الحديث عن العقيدة إلى الحديث عن الواقع الاجتماعي باعتبار التناسق وليس الأهمية.

والنظرة المتعمقة إلى الواقع الفكري للأمة الإسلامية تؤدي إلى القول بأنَّ الأمة التي كان فكرها مستمدًّا ومصطبغًا بعقيدة التوحيد وشريعة القرآن، لم يعد فكرها كذلك.

والنظرة المتعمقة كذلك تؤدي إلى القول بأن الأفعى اليهودية التي أحنت أو أخفت رأسها حينًا، قد عادت فأطلَّت برأسها شيئًا فشيئًا, ثم راحت تنفث سمومها، سموم الفساد، وتشعل أو تؤجج نيران الفتن، ولا تزال تفعل حتى اليوم.

وشرب الغرب المسيحي سموم الأفعى اليهودية، وتلوَّى كما تلوَّت، وتلوَّن كما تلونث, وتظهر كذلك في شكل نظريات وفلسفات.

وشرب الشرق الشيوعي من السموم أكثر، ونفث بالتالي من الحقد ما هو أشد.

وكان كل ذلك على حساب الإسلام، بعد أن ضاعت أو ضيعت المسيحية في غمضة عين.

ووقف الإسلام، عقيدةً وفكرًا شامخًا؛ لأنه من عند الله الذي قطع العهد على نفسه أن يحفظه, لكن أهل الإسلام اصابهم -فكرًا- ما أصابهم، فإن يعودوا بعد إليهم ما ضاع، وأن يتولوا يستبدل الله بهم قومًا غيرهم ثم لا يكونوا أمثالهم.

ونتحدث بإذن الله على التوالي حول:

1_الأفعى اليهودية تنفث سمومها

2- الفكر الغربي الصليبي في الشرق الإسلامي.

3- الفكر الماركسي اليهودي في الشرق الإسلامي.

والله المستعان، وعليه التكلان, ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم.

الأفعى اليهودية تنفث سمومها

لا نريد أن نقع فريسة التهويل, كما لا نودّ أن نقع فريسة التهوين؛ فكلاهما إفراط وتفريط، بل نكون بين ذلك قوامًا، هو الوسط الأمثل الذي اخترناه منهاجًا لكتاباتنا, كما هو بإذن الله منهاج حياتنا.

وانطلاقًا من ذلك نقول بعون الله:

ليس صحيحًا أنه منذ مؤتمر "بال" 1897 بدأت الأفعى اليهودية تنفث سمومها.

وليس صحيحًا كذلك أن الأمر بدأ قبل ذلك بقرنين, حين دعا الحاخام ليفا "1520-1609م" إلى اتخاذ فلسطين وطنًا قوميًّا لليهود.

لكن الأمر أبعد من ذلك بكثير،

إنه منذ بزوغ فجر الإسلام منذ أربعة عشر قرنًا حين كانوا يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءؤهم ما عرفوا كفروا به.

وإنه من قبل الإسلام منذ بزوغ فجر المسيحية حين ناصبوا المسيح عبد الله ورسوله العداء.

فمنذ ألفي عام "عشرين قرنًا" سجَّل التاريخ قيام الجمعية الخفية التي ناصبت المسيح العداء، واستمرَّت حتى جاء الإسلام فناصبته العداء، حتى تسمَّت في القرن السابع عشر "1717" باسم "الماسونية", ومارست دورها حقدًا على الأديان، وتحطيمًا لكل البشر من الجوييم "غير اليهود".

ثم سلخت جلدها وتلوَّنت بأسماء جديدة لما تكشف أمرها:

بناي برث/ شود يهوه/ المشرق التوراني/ الليونز/ الروتاري/ الكك

ونتحدث في اختصار عن مراحل الأفعى اليهودية بالنسبة للإسلام, لكنَّا قبل ذلك نحاول الكشف عن كنهها أو صفاتها.

أولًا: صفات الأفعى اليهودية

1- ونحن نتلمّسها من أصدق كتاب، من القرآن الكريم, الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

1- وقاحة:

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا} 1

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ... } 2

{قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} 3

{فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} 4

2- فتن وفساد:

{كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} 5

3- قتل وغدر وتحريف:

- {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً} 6

1 المائدة: 64.

2 التوبة: 30.

3 الأعراف: 129.

4 المائدة: 24.

5 المائدة: 64.

6 النساء: 155.

{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} 1

- {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ} 2

{الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ} 3.

{أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} 4.

4- جبن وقسوة وغرور:

- {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا ... } 5.

{لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ... } 6.

{لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ ... } 7.

{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} 8.

{وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً} 9.

{أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} 10.

1 آل عمران: 21.

2 المائدة: 13.

3 الأنفال: 56.

4 البقرة: 100.

5 المائدة: 24.

6، 7 الحشر 13، 14.

8 البقرة: 74.

9 البقرة: 80.

10 البقرة: 87.

{وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} 1.

5- جحدوا فكتبت عليهم الذلة:

- {سَلْ بَنِي إِسْرائيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} 2.

{وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} 3.

- {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ} 4.

ثانيًا: مراحل الأفعى اليهودية

ونحن نبدأ مع الإسلام فهو ما يعينينا في هذا المقام, وإن كان لنا أن نسجِّل أن الأفعى فعلت مع المسيح عليه السلام ودعوته الكثير.

وعندما جاء محمد عليه الصلاة والسلام برسالته، وكانوا من قَبْلُ يظنون أنَّ النبي المرسَل من بعد عيسى سيكون منهم، وكانوا يستفتحون على خصومهم بذلك, فلمَّا جاء من نسل إسماعيل لا إسحق أنكروه وكفروا به, وحاولوا في البداية التخلُّص منه بأكثر من طريق، وفي مقدمتها الاغتيال.

فحاولوا قتله بالسم مرة, لكن الله سبحانه أوحى إليه فتوقَّى الأكل من الشاة المسمومة، وحاولوا قتله بإلقاء الحجر عليه وهو جالس مرتكن إلى الحائط، لكن الله سبحانه كذلك أوحى إليه فتوقَّى القتل مرة أخرى.

ثم حاولوا تجميع الأعداء عليه وتأليبهم, حتى كانت غزوة الأحزاب التي زلزل المؤمنون فيها زلزالًا شديدًا، {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا

1 البقرة 11.

2 البقرة 211.

3 البقرة 51.

4 آل عمران 112.

هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيداً} 1.

ومن ثَمَّ كان إجلاؤهم:

1- بنو قينقاع.. لما غدروا، وكشفوا سوأة المرأة المسلمة، وقتلوا مَنْ دافع عنها.

2- وبنو النضير.. لما غدروا كذلك، وحاولوا إلقاء الحجر على الرسول وهو مسند ظهره إلى حائطهم.

3- وبنو قريظة.. أخيرًا لما تحالفوا مع الأحزاب, فعاد إليهم رسول الله صلى الله عليهوسلم بعد أن أجلى الله الكفَّار من حول الخندق، عاد إليهم وهو يقول للمسلمين: $"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلينَّ العصر إلّا في بني قريظة" وقتل الرجال، وسبى النساء والذرية2.

وأنزل الله فيهم قوله:

{وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً، وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً} .

وطهَّر الله منهم أرض الجزيرة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكان تصريح رسول الله صلى الله عليه وسلم عشيَّة انتقاله إلى الرفيق الأعلى: "لا يجتمع في الجزيرة دينان".

وحملوا الحقد في نفوسهم، وأخفت الأفعى اليهودية رأسها حينًا، حتى أطلَّت على عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه تنفث سمومها، حتى بلغ الأمر حدَّ التآمر على حياته، فقُتِلَ ذو النورين وهو صائم يتلو القرآن.

ثم زاد نفث السموم على عهد عليّ رضي الله عنه حتى تأجَّجت نار

1 الأحزاب10، 11.

2 انظر سيرة النبي لابن هشام, وزاد المعاد لابن قم الجوزية.

3 الأحزاب 26-27.

الفتنة بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، ثم تأجَّجت ضد علي نفسه بما أعلنه الخوارج من كفر علي والذين معه، ومعاوية والذين معه، ثم بظهور الشيعة يعتنقون بعض مبادئ اليهود من رجعة علي، ومن تأليهٍ له، كما ألَّهوا من قبل المسيح ابن مريم.

وزادت الفرق، وزادت محاولات التفرقة الفكرية والعقائدية بين صفوف المسلمين.

وفي القرن الحادي عشر الهجري "السابع عشر الميلادي" تشكَّلت محافل الماسونية تحمل شعار "الإخاء - العدالة - المساواة", وتحمل في الحقيقة حقد اليهود على كل مَنْ عداهم من البشر "الجويجم", ويعتبرونهم حميرًا كلما نفق حمار ركبوا آخر بدلًا منه.

وفي درجات المبتدئين الأولى يكتفون ببث السموم دون الكشف عن حقيقة هدفهم, حتى إذا بلغ العضو "البناء"

الدرجة الثالثة والثلاثين, صار التكريس معه على النحو التالي:

س: على أي شيء أقسمت؟

س: على التوراة.

س: هل علمت بكتاب سواه؟

س: نعم, هناك إنجيل وقرآن, وهذه الشرذمة خارجة عن الإيمان والبشرية.

س: هل تؤمن بهما؟

جـ: كلّا أؤمن بالتوارة فقط, الكتاب الصحيح الذي أنزل على موسى.

س: ما رأيك بالدينين المسيحي والإسلامي؟

جـ- المسيحي أخذ تعاليمه من التوراة, والإسلامي أخذ تعاليمه من التوراة والإنجيل.

س: هل الأصل أفضل أم الفرع؟

جـ: لا شكَّ أن الأصل أفضل! 1.

وتنهض الماسونية بأعبائها الخبيثة لتجنِّد في مجال الفكر أساطينه، تشكيكًا للناس في قيمتهم ومثلهم, ومحاولة لتهويدهم فكرًا أو اقترابهم منه.

وينضمّ لها أمثال: روسو وفولتير، ليمهدا للثورة الفرنسية ويشعلاها, وأمثال كارل مردخاي ماركس، واسحق مونيمر وثبشو وليفي دارون وشيف؛ ليخطط الأول دستور الشيوعية، وليقول الآخرون وكلهم يهود, ثم ليمتطي صهوتها بعد ذلك اليهودي أولياتوف "الملقب بلينين"2.

وأمثال مدحت باشا ومصطفى كمال الشهير بأتاتورك مع حزب الاتحاد والترقي ليمهدوا، ثم ليقضوا على دولة الخلافة الإسلامية؛ لتجد الأفعى اليهودية طريقها إلى فلسطين عبر القسطنطينية؟

وتنفث الماسونية سمومها في مجال الفنون هبوطًا بالناس إلى مستوى حيواني حقير، وإغراقًا لهم في مستنقع الغرائز، حتى ليصير كشف الناس لعوراتهم أداءً للون من الفنون، وممارسة الغريزة الجنسية على الشاشة وعلى خشبة المسرح لونًا مستساغًا كذلك3.

1 حقيقة الماسونية: د. محمد علي الزغبي, مارس 1974, دار العربية للطباعة والنشر والتوزيع.

2 ويكفي لإدراك نفوذ اليهود الحالي في الاتحاد السوفيتي أن نعلم أنَّهم رغم أنَّهم يمثلون أقل من نصف في المائة من تعداد السكان "مليونان من 255 مليون تعداد الاتحاد السوفيتي".

فقد ذكر نكيتا خروشوف في مجال الدفاع عن نفسه أن للواحد في المائة هذه النسب:

4ر 1/ من مجموع المحامين, 14% من مجموع الكُتَّاب, 23% من مجموع المؤلِّفين والموسيقيين, 63% من الفنانين.

7647 يحتلون أكبر المناصب في الدولة.

447000 عالم اقتصادي متخصِّص.

3 في مجلة الدعوة السعودية, العدد رقم 633, الاثنين 3 من محرم سنة 1398, تحت عنوان: وا إسلاماه, بقلم ع. ع. جامعة الرياض, نداءً جاء فيه: أنقذوا الشباب من دمار الأخلاق وانتشار

وفي مجال النصارى حقَّقت الماسونية كسبًا؛ إذ صدر قرار بتبرئة اليهود من دم المسيح، ثم أعلنت الكنيسة الكاثوليكية سماحها بالانتساب إلى المحافل الماسونية, الأمر الذي كان يمنعه من قبل. 1

ب- السيد طه مخلوف أستاذ الماسون.

تحية طيبة وبعد

فأشكر لك أجزل الشكر تهنئتك القلبية وثقتك الغالية بالدستور الجديد الذي استلهم من روحك وبكلمتك!

وبفضل إيمانك يعلو وتصبح موادّه المرجع والغاية.

والله أسأل أن يوفقنا جميعًا لما فيه خير بلادنا العزيزة, والله أكبر والعزة لمصر.

ج- ونشرت مجلة المجتمع الكويتية "العدد 419, الثلاثاء 7 ذي الحجة, الموافق 7 نوفمبر 1978" أنَّ إذاعة العدو الإسرائيلي إذاعت اليوم, الجمعة 25 القعدة 1398, الموافق 27/ 10/ 1978, خبرًا جاء فيه أنه سيعقد في مطلع ديسمبر المقبل في كل من القدس والقاهرة مؤتمر باشتراك رؤساء نوادي الروتاري في مصر وإسرائيل والمغرب وتونس والجزائر والبحرين والكويت وقبرص, وأنه سيبحث في معاهدة السلام بين إسرائيل ومصر, وفي التعاون بين نوادي الروتاري في الشرق الأوسط.

1 راجع المخططات التلمودية الصهيونية, للأستاذ أنور الجندي, دار الاعتصام, في غزو الفكر الإسلامي, الطبعة الثانية, سنة 1397هـ 1977م.

الفكر الغربي الصليبي في الشرق الإسلامي

لا جرم أنَّ انتشار الإسلام قد هدَّد نفوذ المسيحية، بل بدَّد سلطانها في كثير من الأماكن، وتساطقت الإمبراطورية الرومانية أمام الزحف الإسلامي، وسقطت القسطنطينية, ومن بعدها معاقل كثيرة, حتى طرقت جيوش الفتح الإسلامي أبواب فينا في قلب أوربا, وحمل ذلك الغرب على الحقد على الإسلام، وأجَّجت اليهودية ومؤسساتها ونواديها الحقد بين النصارى والمسلمين، حتى اندلعت الحروب الصليبية.

وبدأ مع الحروب الصليبية الغزو الفكري للشرق الإسلامي؛ فقام المستشرقون بحملات التشكيك في العقيدة الإسلامية,

وفي المصادر الإسلامية الأولى: القرآن والسنة، زاعمين أنها من وضع محمد عليه الصلاة والسلام, فعلوا ذلك إمَّا عن سوء نية نيلًا من الإسلام, أو عن جهل بلإسلام راجع إلى عدم القدرة على فهم لغة القرآن واستيعاب مصطلحات العلوم الشرعية.

ونشرت كتب المستشرقين في الشرق الإسلامي مترجمة, وحملها تلاميذهم الذين تلقَّوا على أيديهم السموم في أوربا خلال البعثات التعليمية, حملوها في عقولهم لينقلوها إلى الشرق الإسلامي على أنَّها حقائق علمية يضمِّنونها محاضراتهم وكتبهم وأحاديثهم.

وحمل التبشير بعد الاستشراق ومع الاستشراق سموم الحقد على الإسلام؛ ليحاول كذلك تشكيك المسلمين في عقائدهم هدمًا لها، ونقلًا لأصحابها من الإسلام إلى المسيحية.

ثم في مرحلة متأخرة إخراجًا للمسلمين من الإسلام دون إدخالهم إلى المسيحية, فهو يؤدي نفس النتيجة المرجوَّة. 1

في خطاب زعيم المبشرين زويمر في القدس الشريف قال:

وفي المرحلة الأخيرة يتهذّب الإخراج من الإسلام إلى الإبعاد عن الإسلام، ثم يتهذَّب الأخير تحت أسماء "التمدين" و"التحضُّر" والتغيير الاجتماعي.

ولئن كانت الصيغة التي يمارسها الفكر الصليبي الآن في منطقة الإسلام تهذّب وتنظيم وتتستُّر بشعارات عديدة, تحمل معاني التحضر والتمدن والتغيير الاجتماعي, فإن ذلك هو الأغلب الأعم.

لكن ذلك لم يمنع من استمرار ممارسة التبشير؛ كإخراجٍ من الإسلام وإدخالٍ في المسيحية، ولا تزال مناطق إسلامية تعاني ضراوة التبشير الذي يتَّخذ أسلحة العلم كلها مسخّرة في خدمة تحطيم العقيدة الإسلامية, ونقل المسلمين إلى النصرانية، كما يستخدم فيها أسلحة المال, يجري بغير حساب إغراءً لضعاف النفوس, واستغلالًا للفقر والفاقة التي مُنِيَت بها بعض مناطق المسلمين1.

كذلك وعلى ما سنشير، فإن أنظمة الحكم القائمة في أكثر البلاد الإسلامية متواطئة مع الصهيونية الصليبية في حلفها الجديد، مسخرة أجهزة الحكم -ثمنًا لما تجلس عليه من كراسي- لخدمة أغراض التهويد والتنصير, أو للتمهيد لها.

كذلك فإن الجيوش الوطنية تقوم بدور الحارس لتلك الأنظمة, فيما تنفذ

"ولكن مهمة التبشير التي ندبتكم دول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية, ليست في إدخال المسلمين في المسيحية, فإن في هذا هداية لهم وتكريمًا "!

", وإنما مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقًا لا صلة له بالله,

وفي النهاية قال:"إنكم أعددتم نشئًا في ديار المسلمين لا يعرف الصلة بالله, ولا يريد أن يعرفها, وأخرجتم المسلم من الإسلام، ولم تدخلوه في المسيحية, وبالتالي جاء النشئ الإسلامي طبقًا لما أراده الاستعمار المسيحي؛ لا يهتم بالعظائم, ويحب الراحة والكسل, ولا يعرف همه في دنياه إلّا في الشهوات!.

"راجع أساليب الغزو الفكري, هامش ".

1 مأساة الإسلام في إندونيسيا أعظم من أن يشار إليها في هذا الهامش, فقد تمكنت الصليبية باستخدام وسائل التبشير المختلفة معضَّدة بسلاح المال من أن يرتدَّ عن الإسلام عشرة ملايين مسلم!

وفي عالم الإسلام مناطق يجري فيها المال جريان الأنهار، ولا ندري لم لا يستخدم المال الإسلامي في نصرة المسلمين، ودفع الأخطار عنهم؟!

"راجع القسم الثاني من حاضر العالم الإسلامي, إندونيسيا".

من أغراض -من بينها التهويد والتنصير أو التمهيد لهما, وتحل بذلك محل جيوش الاحتلال التي كانت تؤدي نفس الدور، وإن كان أكثر علانية وأكثر تنفيرًا، ومن هنا ندرك إصرار الكتل الدولية على تقوية جيوش أكثر الدول الإسلامية التي لا تعمل للإسلام.

وفي مجال الحديث عن الغزو الحديث للفكر الصليبي للمنطقة الإسلامية يكفي أن نشير إلى:

1- انتشار الفكر العلماني:

وهو صناعة في الأصل يهودية, قضت على نفوذ الكنيسة في أوربا, واستغلت فيه الماسونية المتغلغلة في الأوساط الفكرية طغيان الكنيسة وبطشها لتؤدي بسلطانها، فرفعت شعار العلمانية تحت شعار "ما لقيصر لقيصر, وما الله لله"؛ لتجعل سلطان الكنيسة داخل جدرانها, لا يغادر إلى المجتمع أو الدولة، وهو ما يسمَّى بفصل الدين عن الدولة، وهو ما عبَّرت عنه الثروة الفرنسية تعبيرًا دمويَّا حين نادت "اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس".

وتصدِّر الصليبية بعد ذلك هذا الفكر إلى المنطقة الإسلامية من خلال الكُتَّاب، ومن خلال عقول الأساتذة الذين يتخرَّجون في جامعات الغرب المسيحي, وينالون أعلى شهاداته، ولم يكن للمسجد في الإسلام ما كان من الكنسية في النصرانية, فلم يصادر حريَّات الناس, ولا اعتدى على عقولهم، ولا زعم لنفسه حق "الغفران" أو حق "الحرمان", وما انزلق علماؤه ورجاله إلى ما انزلق إليه رجال الكنيسة من تحلل وفسق وفجور.

1 العلمانية ترجمة غير أمينة لاصطلاح في اللغة الإنجليزية, وذلك أنَّ الاصطلاح يعني باللغة الإنجليزية: لا ديني, أو غير عقدي, وترجمته قد يوهم باشتقاقه من العلم، لكنَّه في الواقع يعني البعد عن الدين.

راجع تفصيلًا لذلك:

أساليب الغزو الفكر للعالم الإسلامي, للمؤلف بالاشتراك.

ولا قام في تاريخ المسجد ما قام في تاريخ الكنيسة من استغلالٍ لها في المجال السياسي بلغ حدَّ إقامة محاكم التفتيش لمحاكمة الضمائر والقلوب.

ومن أسفٍ أن نقرِّر أنَّ من بأيديهم أمر الفكر بل والحكم في أكثر بلادنا الإسلامية يدينون بالعلمانية ويدينون لها، ويحرصون على كل مظهر يؤيدها ويؤكدها ويبعد عنهم شبهة "الرجعية" و"التدين".

ومن أسفٍ كذلك أن ينتقل الفكر العلماني ليصير دستور العمل، ومنهج الحكم, ومنطلق الحديث، بغير حياء ولا خجل ممن يحملون أسماء إسلامية، وأن يصير العلمانيون من رجال الفكر والحكم هم "النجوم" و"الأبطال" الذين يجري نسج قصص بطولتهم، ويسلّط الضوء عليهم، ليكونوا قدوة للجيل القائم من الشباب, ومن بعده من الأجيال القادمة.

ومن هنا ندرك لم ارتفع ذكر "مصطفى كمال أتاتورك" حتى صار البعض يعلن حتى اليوم أنه مثله الأعلى1.

ولم ارتفع ذكر "طه حسين" حتى صار في نظر البعض فلتةً لم يَجُدْ الزمن بمثلها, رغم فكره العلماني الواضح, والمتأثِّر بأساتذته من اليهود والماسون, ورغم وجود من كان يستحق لقب عميد الأدب العربي في زمنه من أمثال: مصطفى صادق الرافعي وعباس محمود العقاد!

ولم ارتفع ذكر خلفاء مصطفى كمال أتاتورك في بلاد إسلامية أخرى، رغم خيانتهم الواضحة، بل رغم خياناتهم الثابتة التي لا تقل عن خيانة مصطفى كمال أتاتورك!

1 في حديث لإيجال آلون في 22 نيسان 1969 إلى جريدة لوموند الفرنسية: "إن الطريق الوحيد أمام " ليصبح أتاتورك العالم العربي وأمام مصر لتسير في طريق التحرر والاشتراكية، هو التخلِّي عن محاولة القضاء على إسرائيل، والإقدام على إبرام معاهدة صلح من الحكومة الإسرائيلية ... ".

كل هذا ندركه أو ينبغي أن ندركه؛ لندرك مدى تغلغل الفكر الصليبي في شرقنا الإسلامي.

2- انتشار الفكر القومي:

ما كانت القوميّة بالمعيار الإسلامي إلّا دعوة إلى عصبية قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعوها فإنَّها منتنة" , لكن حين أريد الكيد للإسلام والقضاء على دولته التي تتجمَّع تحت العقيدة الإسلامية أصرَّت الجمعيات السرية على الدعوة إلى القومية وإثارة نعرتها في كثير من البلاد2.

فتشكَّلت داخل دول الغرب الصليبي الجمعيات السرية التي تدعو إلى القومية, أو تنادي بها, وراحت تحيك المؤامرات للإحاطة بدولة الخلافة وبنظام الحكم الإسلامي -أيًّا كان ضعفه ودرجة تمسكه,

وقامت على الفكر القومي جماعات وأحزاب، ولا تزال حتى اليوم تمسك بزمام الحكم والفكر بعد أن نجحت مع أعداء الإسلام في إسقاط دولة الخلافة الإسلامية, ولا يكتفي الفكر القومي بغزو العقول والقلوب

عن طريق وسائل

1 نشأت الجمعيات السرية التي تدعوا إلى القومية في أوربا القرن التاسع عشر، مع أنَّ أوربا كانت قد جاوزت الدعوة واعتبرتها دعوة مختلفة.

واقترفت القومية في تاريخنا بحرب الإسلام، فحين أراد التدبير الصليبي الصهيوني سلخ تركيا من الإسلام، والإجهاز على الخلافة الإسلامية، نشطت الدعوة القومية داخل تركيا "القومية الطورانية", وداخل البلاد العربية "القومية العربية", وتحت علم القومية سارت جيوش من المسلمين لتحارب بقيادة "لورانس" الإنجليزي، جيوش الدولة التركية المسلمة.

وحين خشي الاستعمال الجاثم على صدر البلاد الإسلامية أن تتجمَّع مرة أخرى على الإسلام عقب الحرب العالمية الثانية، دعا وزير الخارجية الإنجليزية إلى فكرة الجامعة العربية، بديلًا عن الجامعة الإسلامية!

وفي الخمسينات اشتدت الدعوة إلى القومية العربية بديلًا عن الدعوة الإسلامية القوية التي كانت قد تمكَّنت في مصر وفي غيرها من البلاد العربية, وتحت زعامات عربية "مصنوعة", جرى جرّ الجماهير العربية بعيدًا عن الإسلام.

"راجع تفصيل ذلك تلميحًا في كتاب "العالم العربي اليوم" للكاتب الأمريكي موروبيرجر، وراجع "أساليب للغزو الفكري ".

الإعلام المختلفة من صحافة وإذاعة وتلفاز وكتب ونشرات, بل إنه يجاوز ذلك ليكون منهجًا من مناهج التعليم في مدارسنا وجامعاتنا, ويجد الحماية من أنظمة الحكم القائمة على نفس الكفر والمرتكنة إلى نفس المصدر؛ لأنَّ نظم التعليم ومناهج التربية تعكس آثار السياسة السائدة في مجتمعٍ ما -ولم يعد خافيًا على أحد في العالم الإسلامي ما منيت به نظم التربية والتعليم من فشل ذريع, وفشلهما انعكاس لفشل

السياسة ونظم الحكم في العالم الإسلامي التي تقوم على العلمانية والقومية؛ لأنَّ كلا المرتكزين مستمد من التأثر والخضوع لمخططات الصهيونية والصليبية والإلحاد, تلك المخططات المتغلغلة في بلاد الإسلام.

وفي بلاد إسلامية تحرص على إسلامية تعليمها، تحرص مراكز القوى المتعاونة أو المتجاوبة مع الفكر الصليبي على إدخال مادَّة التربية القومية بديلًا عن مادَّة الثقافة الإسلامية, أو بعض دروس الدين الإسلامي.

ولم يعد خافيًا على كل ذي لبٍّ أنَّ المصدر للفكر القومي هو الصليبية المتعاونة مع الصهيونية، فنشأة هذا الفكر -متآمرًا- كان في البلاد الصليبية.

وصلته كذلك -متآمرًا- في صورة الأحزاب القومية لا تزال كذلك بالبلاد الصليبية, ودورة كذلك -متآمرًا- على الخلافة الإسلامية, ومن بعد ذلك على فكر الجامعة الإسلامية, كان مع الصليبية المتعاونة على الصهيونية.

3- انتشار الفكر الوجودي وما يتبعه:

لا جرم أن فكر سارتر اليهودي وخليلته -لا حليلته- سيمون دي بوفوار, قد جاوز -عن عمد- حدود بلاده؛ ليصدَّر إلى الشرق الإسلامي.

ولا يحتاج الأمر إلى كبير جهد لندرك أن الفكر الوجودي بما يحمل معه من تحلُّل من كل القيود, وبما يغزو ذلك من خنافس وهيبز, وغير ذلك من الأصناف, كل ذلك إنما قامت على تصديره إلى وطن الإسلام الصليبية المتآمرة

مع الصهيونية قضاءً على روح الإسلام, وامتصاصًا لها من قلوب شباب المسلمين, وشغلًا لهم بالغريزة, وإغراقًا لهم في حمأتها الوبيئة، ومن ثَمَّ إبعادٍِ لهم عن الإسلام وذروة سنامة الجهاد؛ فالقلب الذي تشتغل فيه الغريزة, ويلتهب فيه أوارها, لا يمكن أن يفكِّر في الجهاد, ولا أن ينشغل به.

وإشعال نار الغريزة وسعارها لم يقتصر على الشباب من الذكور, بل امتدَّ إلى الجنسين, وساعد على ذلك:

أ- وسائل الإعلام المختلفة:

من إذاعة صوتية أو مرئية, ومن سينما وصحافة وكتب وقصص تدور حول قصص الجنس، بل وتعرض في أفلام بالصوت والصورة أداء العملية الجنسية, بل وصورها الشاذَّة كذلك!

ب- التوسُّع في تعليم البنات وتوظيفهن 1:

مما أعطى فرصة واسعة أمام الفتاة المسلمة لتبعد عن الوقاية، كما أعطاها الفرصة الواسعة للخلوة واللقاء.

ج- الاختلاط:

وكان قمة ما وصل إليه الفكر المنحلّ في شرقنا الإسلامي إشاعة الاختلاط

1 فرق بين المبدأ وبين إساءة استعماله:

فمبدأ تعليم المرأة ليس موضع اعتراض, فالمرأة العالمة بدينها خير ألف مرَّة من الجاهلة, لكن الاعتراض أولًا على عدم مراعاة الفرق البيولوجي "العضوي" والنفسي بين الفتاة والفتى, فتجرى المساواة بينهما مع اختلافهما, والمساواة بين المختلفين ظلم بَيِّنٌ وجهل فاضح!

والاعتراض ثانيًا على إساءة استعمال المبدأ؛ حيث استغلَّ تعليم الفتاة لتحريضها على التجرُّد من قيود الفضيلة والأخلاق, بما يجري به الإعلام الفاجر, ثم بما يسري بين صفوفهن من عدوى أخلاقية، ومن قدوات سيئة.

وذلك بما تعرضه من صور فاجرة, وما تبثه من أحاديث تافهة, وقصص رخيصة يستأجر لها المنحلون، ومن المؤسف أنَّ الإنفاق على وسائل التدمير هذه يتقدَّم على وسائل الإنتاج وعناصر القوى البشرية المنتجة, ومن ثَمَّ تضيع أموال المسلمين لحساب الانحلال الذي يمكِّن للصهيونية والصليبية والإلحاد, ويمكِّن لها في بلاد الإسلام.

في مجال الوظيفة، وقبلها في الجامعة، ثم ما يزال يهبط به حتَّى جعله في المدارس الابتدائية والمتوسطة وأحيانًا الثانوية, وهي قمة سنّ المراهقة الخطير.

وغلَّفوا ذلك بنظريات علم النفس المصدَّرة من الغرب الصليبي، وكانت قمَّة الإطاحة بالقيم أن يكون في بعض المدارس الثانوية للبنين مدرسات في سن الشباب, تهدر معهنّ كرامة القدوة وكرامة العلم في أكثر الأحيان.

كل ذلك وغيره يجري في شرقنا الإسلامي, ويجري السماح له من أكثر الأنظمة الحاكمة, ويجاوز الأمر حدَّ السماح إلى التشجيع والحماية، في الوقت الذي لا يجد الفكر الإسلامي الأصيل نفس الفرص التي تتاح للفكر الصليبي.

ولنقدم الدليل على ذلك, قارن بين ميزانية البرامج الدينية والعلمية والتثقيفية الصحيحة, وميزانيات الأغاني الخليعة والتمثيليات الفاجرة.

ولا أقصد بذلك التشجيع له والحماية, كما يجري للغزو الصليبي المستورد, بل أقصد مجرَّد السماح.

إن العقبات والتضييق توضع أمام الفكر الإسلامي الأصيل، ويجاوز الأمر حدَّ التضييق أن يتخذ الصد عن سبيل الله صورة الفتنة والإرهاب، مما يردّ الفكر الإسلامي الأصيل حبيسًا في الصدور، أو قد يتبخَّر أمام قسوة الفتنة والإرهاب من داخل الصدور الضعيفة, يشكو إلى الله غربته في داره وبين أبنائه.

ويجري مع ذلك محاولات "تمييع" الفكر الإسلامي "أو تهويده" و"تنصيره", أو التقريب بينه وبين الفكر اليهودي أو النصراني، مع ما يحمله الأخير من انحرافٍ وتحريف, وما يحمله -الآن- من عداءٍ سافرٍ أو خفيّ للإسلام.

ويجري تشجيع مثل هذه الاتجاهات وحمايتها، وترويجها عن طريق المؤتمرات ووسائل الإعلام المختلفة، باسم التقريب بين الأديان، أو باسم الوحدة الوطنية, أو غيرها من الشعارات.

تلك كانت كلمات مختصرة عن الغزو الصليبي للشرق الإسلامي، لكنَّها بفضل الله تحمل الحق، وتحمل النذير.

اللهم قد بلغت.

اللهم فاشهد.

الفكر الماركسي اليهودي في الشرق الإسلامي

فكر اليهودي مردخاي ماركس لم يعد خافيًا في بواعثه, ولا في حقيقته على أحد؛ فالماركسية -بمقاييس العلم- ليست بالنظرية المبتدعة التي لم يسبق إليها, بل هي تكرار لأفكار قديمة ترجع إلى ما قبل الميلاد، ثم هي في الحديث سرقة علمية من مجموعة فلسفات قال بها هيجل وفيورباخ, وجرى التوفيق أو التلفيق بين أجزائها، ومع ذلك بقيت تحوي التناقض, وتصطدم بالعلم في سماته الحديثة, كما تصطدكم بالفطرة والطبيعة في حالتها السوية السليمة.

ولا جرم أن بواعثها كثيرة:

منها: الباعث الشخصي فيما تحويه شخصية مردخاي ماركس، من حقدٍ على المجتمع الذي عاش فيه فقيرًا محرومًا عالة، حتى على أفراد عائلته من النساء، مما اضطره في مرحلة من مراحل حياته أن يلجأ إلى "النصب" كوسيلة للكسب1.

وما تحويه بعد ذلك من رغبة في الإتلاف والتحطيم ظهرت عليه في باكورة حياته, واعترف بها والده, وكفى بشهادة الوالد دليلًا على ولده2.

وما تحويه أخيرًا من ميلٍ إلى التدلي والقذارة، ظهرت على مظهره وملبسه, وظهرت في سلوكه الماجن وحياته البعيدة عن القيم، والتي انعكست أو تورَّثت في إحدى بناته التي عاشت تعاشر إنسانًا بغير زواج، فلمَّا اكتشفت أنه متزوج من أخرى انتحرت3.

1 نشير بذلك إلى قيامه ببيع كتابه رأس المال لأكثر من دار نشر في وقت واحد, وقبض ثمن الكتاب أكثر من مرَّة من أكثر من جهة، وهذه بلغة القانون ولغة الواقع: عملية نصب على مستوى التأليف والنشر.

راجع في ذلك كتاب: شريعة الله حاكمة, فصل: الشيوعية شبهة وفتنة.

الدكتور علي جريشة, وراجع كذلك كتاب الأستاذ عباس محمود العقاد: الشيوعية والإنسانية.

ذلك الباعث الشخصي، لا بُدَّ أن يكون له تأثيره على فكر ماركس، حقدًا، وإتلافًا وتدليًّا، فإذا أضفنا إليه أنه يهودي من سلالة يهود, انطبعت كل انحرافات اليهود في نفسه، وغذّت ما فيها من حقد وإتلاف وتدلٍّ.

وكل إناء بما فيه ينضح.

فلا عجب إذا حوت الماركسية الحقد، والإتلاف، والتدلي.

أما البواعث الأخرى:

فقد تكون في البيئة التي شجَّعت على نشأة هذا الفكر وعلى انتشاره:

تلك البيئة التي بلغ فيها طغيان الإقطاع الزراعي, ومن بعده الإقطاع الصناعي, أقصى صنوف الاستغلال, والتي بلغ فيها طغيان الكنيسة وافتئاتها على العقول والقلوب أقصى درجات الطغيان، كما بلغ فيها تحلُّل أكثر رجالها أقصى درجات التحلُّل, واستغلالهم الدين لتحقيق الكسب المادي, وفرض الإتاوات, والتحالف مع الإقطاع الحاكم أقصى الدرجات كذلك.

كل ذلك على حساب شعوب أكثرها فقير ومحروم، ويتطلّع إلى الإنقاذ, فيسمع الصيحة الخادعة:

"يا صعاليك العالم اتحدوا ...

فأمامكم عالم تغنمونه، وليس في أيديكم ما تفقدونه سوى الأغلال، فينخدع العالم المحروم بالصيحة،

ويحسبها صيحة الإنقاذ،تمامًا كما قال رب العالمين:

{فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ 24 تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} [الأحقاف: 24، 25] .

وهكذا تبدو الشيوعية بخداعها عارضًا ممطرًا؛ فإذا حلّت كانت ريحًا فيها عذاب أليم, تدمر كل شيء ... وقد ترون في الأفعى التي تخفي رأسها, وتنفث سمومها؛ لتحقق ما تواصت به

توارتها المحرَّفة، أو فى تلمودها المنحرف، أو فيما أعقب ذلك، تدميرًا للأديان, بل تدميرًا للجنس البشري من الجويم "غير اليهود"؛ لتصل إلى خرافة سيادة الجنس اليهودي وامتلاكه للعالم1.

ولقد يؤكد ذلك:

1- إن صاحب الفكر "مردخاي ماركس" يهودي.

2- إنَّ ممول الشيوعية يهود2.

3- إن صناع الثورة الشيوعية يهود3.

4- إن الذين توارثوا دولتها: لينين، ستالين، كانوا يهودًا.

5- إنها تواصت بالإبقاء على الدين اليهودي وحده، رغم حملتها الساحقة على غيره من الأديان4 "يقول ماركس: الدين أفيون الشعوب, ويقول روجيه جاوردي فيلسوف الحزب الشيوعي الفرنسي السابق: إن الدين انعكاس الشقاء الفعلي, واحتجاج على هذ الشقاء".

أما حقيقة الفكر:

فهو سرقة علمية سَطَا فيها مردخاي ماركس على فِكْرِ هيجل وفورباخ؛ ليشكِّل منها نظرية تقوم على المادة والتناقض.

ثم هي -كما نسجها ماركس- صارت متخلِّفة عن ركب العلم، تتمثَّل فيها الرجعية لمن يصر عليها.

1 يقول ماركس نفسه: إن حل المشكلة اليهودية يستلزم أن يسيطر اليهود على جميع الأديان, وذلك بتطبيق ما أسماه: التحويل الاشتراكي للعالم بأسره، وإذابة الأديان والقوميات في بوتقة الماركسية.

"عن كتاب المخططات التلمودية للأستاذ أنور الجندي ".

2 هم إسحق مونتمر, شبشو ليفي، دارون, وشيث.

3 هم: لينين، بينمانو، بوتوبسوف، تروتسكي، مارثون، أكسلود، تسازوتش، وكانوا يكوّنون مجلسًا للثورة منذ سنة 1900, وسكرتيرته يهودية هي كريسا كابا زوجة لينين.

4 روجيه جارودي: ماركسية القرن العشرين , الطبعة الثالثة سنة 72, تعريب: نزيه حكيم, وعنوانه الأصلي الفرنسي: "التحول الكبير في الاشتراكية".

ذلك أنَّ العلم لم يعد يعترف أنَّ المادة ما تقع عليه الحواس, كما قال بذلك ماركس، ومن خلال نظريات الثقب الأسود وصل العلم إلى أنَّ ما تدركه الحواس من المواد لا يمثل إلّا 7%, أمَّا الـ93% فهي مواد لم تدركها بعد الحراس.

فماذا يصير قول ماركس عن المادة بمعيار العلم؟

وهل يصح بعد ذلك أن يضفي صفة "العلمية" على اشتراكيته؟!

أمَّا حديثة عن أنَّ في كل مادة تناقضًا، فإنه يفتقر كذلك إلى الأساس العلمي؛ إذ أن الملاحظ من الاستقراء والتتبُّع أنَّ ما في المواد هو التزاوج والتكامل, وليس على النحو الذي نرى ونشاهد ابتداءً من الذرة, وانتهاءً إلى الجرم الكبير.

{لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40] .

وإن عنصري السالب والموجب الموجود في المادَّة على اختلاف طبائعها وأنواعها "مثل الذرة والكهرباء والمغناطيس, بل والنبات والحيوان والإنسان".

هذان العنصران ليسا متناقضين، بل هما متكاملان ومتزاوجان، ما دام في حالتهما الطبيعية, وهو الوضع الأغلب الذي تبنى عليه الأحكام.

ومن هنا كان قول الله سبحانه:

{وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الذاريات: 49]

لكن ماركس لم يستطع إدراك هذه الحقيقة, وظنَّ التزاوج والتكامل متناقضًا بني عليه نظريته وتطبيقاتها الخاطئة.

ومن خلال تلك النظرية الخاطئة علميًّا في أساسيها "المادة والتناقض", قال ماركس بالتفسير المادي للتاريخ, وبفائض القيمة "في المجال الاقتصادي".

وبالصراع بين الطبقات في المجال الاجتماعي.

وبدكتاتورية البروليتاريا ودولة الصعاليك "في المجال السياسي".

وكذَّب العلم والتاريخ ماركس.

وكان من أول المكذبين له في القانون الأوَّل صديقه إنجلز؛ إذ أعلن أنَّ عوامل هامَّة تشكل التاريخ غير المادة, ومن بينهما الدين ذاته, وهو ليس بمادة1.

وفي فائض القيمة اعتبر حق العامل الكادح يأخذه الرأسمالي بغير مبرر لم يعد عصر "السبيرتيكا" أو التشغيل الأوتوماتيكي لعمليات الإنتاج، ولم يعد الربح مقابلًا لجهد العامل، بل إنَّ العامل خفَّ أو اختفى في كثير من المواقع؛ ليحلَّ محله المهندس أو المدير الإداري والفني والاقتصادي، وصار الجهد المادي الأكبر هو الآلة التي تمثّل الجانب الأكبر لرأس المال في المشروع2.

وتساقطت "علميًّا" دعاوى ماركس.

وفي المجال الاجتماعي تساقطت كذلك دعاوى الصراع بين الطبقات بتساقط دعوى التناقض نفسها التي قامت عليها دعوى الصراع.

وكذَّب التاريخ كذلك دعاوى الصراع بين الطبقات، بما أثبته من قيام مجتمعات, وعلى مدى طويل ليس فيها الصراع بين الطبقات, وإنما بينها المودة والرحمة, يتمثَّله قول رسول الله عليه الصلاة والسلام: "كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

وفي المجال السياسي سقطت دعاوى دكتاتورية البروليتاريا.

بما قام في الأنظمة الشيوعية الحاكمة من دكتاتورية طبقة لا تمتُّ إلى البروليتاريا بسبب، تعيش عيشة القياصرة أو الأكاسرة, ولا يزال ذهب الكرملين يظلهم، وزادوا عليه أن صارت لهم شوارع خاصة لا يسير فيها غيرهم من أبناء البروليتاريا أو الطبقة الكادحة.

1 شريعة الله حاكمة ليس بالحدود وحدهاد. على جريشة.

2 مقال طيب للدكتور صلاح عدس, عنوانه: السبيرتيكا ضربة علمية الماركسية.

مجلة الثقافة المصرية, السنة الثالثة, العدد 26 نوفمبر سنة 1975م.

وقامت دولة الصعاليك، على صعاليك الفكر والسياسة ولصالحهم, وليس لصالح الطبقات المحرومة الكادحة.

نشأ هذا الفكر كله في أوربا.

وطبّق في روسيا.

لكنه بكل أسف انتقل إلى الشرق الإسلامي, وهو دخيل وغريب على أهله ودياره, نقله اليهود, كما صنعه اليهود.

وهكذا تسامع الناس في مصر بنقلة الشيوعية إليها:

هنري كوريل؟

داؤول كوريل.

ريمون أجيون.

وهم يهود "عاثوا بالشيوعية في مصر في مطلع هذا العصر.

ولا تزال الصهيونية تغذي الشيوعية بالعملاء, وهي تفتح لها في إسرائيل حزبًا شيوعيًّا كان أوَّل من دعا إلى السلام مع دعاة الاشتراكية في الوطن العربي, لكن هذا الفكر اصطدم في الشرق الإسلامي بعقيدته.

لم يقبل الناس دعوى الإلحاد التي تحملها الشيوعية.

ومن ثَمَّ تلوت الأفعى وتلونت, وظهر تكتيك شيوعي جديد يعلن المسالمة مع العقيدة1، والاعتراف

جاء في مجلة العلم والدين التي تصدر في الاتحاد السوفيتي ما يلي:

"إن بين الاشتراكية العلمية والأديان السماوية صراعًا مستمرًّا, لقد أدركنا في الاتحاد السوفيتي منذ البدء خطورة لقاء الميراث الديني على حاله في المجتمعات السوفيتية مسيحية أو إسلامية, ولا زلنا نواجه اليوم تحديات خطيرة, وخصوصًا في المناطق الإسلامية, لذا قرَّر المؤتمر الثاني والعشرون للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي زيادة اليقظة والحذر, وتجديد العزم على قهر البعث الديني في المناطق الإسلامية".

وحين نستخدم الميراث الديني ونظهر الاهتمام به في مرحلة التحويل الاشتراكي, فلنفعل ذلك وبين أعيننا وصية إنجلز التي تقول: "حتى لو كان في الإنجيل والكتب الدينية الأخرى صفحة هنا, وأية هناك, تصلح لتأييد التفسير الاشتراكي للأشياء, فإن علينا دائمًا أن نتذكَّر بأن جوهر الدين معاد للاشتراكية".

"بلشفة الإسلام: الدكتور صلاح الدين المنجد, , الطبعة الثالثة".

بالأديان كمرحلة انتقالية حتى يتحقَّق التمكين للشيوعية, ثم يجري بعد ذلك القضاء على الدين, ومن ثَمَّ أعلنوا أنهم يريدون الشيوعية اقتصاديًّا مع الإبقاء على الإسلام كعقيدة, ونصحوا عملاءهم بألّا يهاجموا الدين, بل نصوحهم بأكثر من ذلك, بأن يؤدوا شعائر الدين؛ كالصلاة والصيام والحج، ليمكنهم من خلال ذلك أن يغزوا قلوب المسلمين "السذج" أو "البسطاء".

ونجح العملاء إلى حدٍّ كبير.

وتسمَّى بعضهم "بالحاج", وأصرَّ آخرون على التردد على بيت الله الحرام معتمرين أو زائرين أو حاجّين.

وهم في التكلييف الشرعي الصحيح كفَّار ليس لهم أن يدنسوا المسجد الحرام {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 28] .

لكنه الخداع من ناحية.

وأعلنَّا في أكثر من مكانٍ أن الصلح بين الإسلام والشيوعية مرفوض1, وأن التعايش بينهما مستحيل؛ لأن الكفر والإيمان لا يتعايشان, والحق والباطل لا يصطلحان.

{بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 18] .

1 راجع أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي, وشريعة الله حاكمة ليس بالحدود وحدها.

للمؤلف دكتور علي جريشة بالاشتراك.

وهي فتنة تُنْهَى الأمة الإسلامية عنها، ونسأل الله أن تنأى بنفسها عنها، فلا تقبل بالشيوعية أو الاشتراكية نظامًا اقتصاديًّا وللإسلام نظامه الاقتصادي.

{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ، أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} .

[المائدة: 49-50] .

الفصل الثاني: الواقع السياسي للعالم الإسلامي

استبشر المسلمون في أواسط هذا القرن بتحرر بلادهم من الاستعمار العسكري الأجنبي، وزادت بشراهم أن أحسوا فترة أنهم -وبخاصة في المنطقة العربية- صاروا يشكلون ثقلًا دوليًّا, بالغ البعض إذ اعتبره القوة السادسة الدولية بعد الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي, والصين, واليابان, وأوروبا.

ونسي الكثيرون حادثًا أليمًا وقع في مطلع هذا القرن، وحيكت من أجله المؤامرات الدولية، وانعقد في سبيله الكثير من المؤتمرات السياسية العالمية، نسوا حادث إلغاء الخلافة الإسلامية، التي وإن بدت ضعيفة في أواخر أيامها, لكنها كانت تجمع شمل المسلمين, وترهب عدو الله وعدوهم.

كذلك لم يفطن الكثيرون إلى أنَّ الاستعمار العسكري حين رحل عن بلاد المسلمين لم يتركها بغير نفوذ، بل إنَّه خلَّف وراءه من كانوا أشد منه على الشعوب ظلمًا وعتوًّا، وإن تَخَفَّوْا وراء شعارات وأردية وأقنعة أخفت حقائقهم عن الشعوب ولا تزال، وأخيرًا فلقد بعدت الأنظمة الحاكمة عن جوهر النظام السياسي الإسلامي كما أراده رب العالمين في كتابه وسنة رسوله، معلنين ذلك صراحة، أو مخفين ذلك وراء شعارات الإيمان والإسلام؛ ليتأكد فيهم قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ، يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 8-9] .

فهذه أمور ثلاثة نتناولها في حديثنا عن واقع العالم الإسلامي السياسي إن شاء الله.

أولًا: غيبة الخلافة الإسلامية

ثانيًا: الاستعمار الجديد.

ثالثًا: مدى البعد عن جوهر النظام السياسي الإسلامي.

غيبة الخلافة الإسلامية

من بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمع المسلمون في سقيفة بني ساعدة ليبحثوا مَنْ يكون إليه الأمر بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، وتسامع الناس أنَّ الأنصار يرون الأمر فيهم، وسارع أبو بكر وعمر رضي الله عنهما لحسم الخلاف، وتأخَّر دفن الجثمان الطاهر -وهو عليهم جَدٌّ عزيز- حتى انتهوا من أمر الخلافة، وكان اجتماع المسلمين، وفي مقدمتهم كبار الصحابة، على ذلك النحو إجماعًا على وجوب الخلافة.

ولفقهٍ أدركه السلف الصالح سمّوا الخلافة الإمامة العظمى بالقياس إلى الإمامة الصغرى إمامة الصلاة، ليتأكَّد بذلك وجوبها، وليتأكَّد مكانها بين سائر الواجبات.

وعرف الفقهاء -من بعد- بأنها خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وأضاف البعض في نهاية العبارة لفظ "به"

لتتأكَّد وظيفتا الخلافة الرئيسيتان:

حراسة الدين.

سياسة الدنيا بهذا الدين.

"وظلَّت خلافة الإسلام تُظِلُّ المسلمين أكثر من ألف عام، تقيم شرع الله وهو أوّل الواجبات وأعلى الضرورات, وتجمع شمل المسلمين وهو كذلك من الواجبات والضرورات.

صحيح أنه أصابها في فترات عديدة ضعف أو انحراف، لكنها بقيت رمزًا للأمرين:

إقامة شرع الله.

جمع شمل المسلمين.

وبقي إصلاحها بين الحين والحين رهينًا بصحوة المسلمين، وبأن يقيِّض الله من يلي أمرها مِمَّن يقدِّرها حتَّى قدرها، وبقاء الشيء ولو ضعيفًا على احتمال قوته وصلاحه خير بلا شكٍّ من القضاء عليه، ولم يقل أحد: إن حلَّ مشكلة المرض تكون بقتل المريض والقضاء عليه، وما ينبغي لعاقل أن يقوله وما يستطيع.

- لكن حين آلت الخلافة إلى آل عثمان وحملوها أكثر من خمسمائة عام، وطرقوا بها أبواب فيينا, وأرهبوا اعداء الله في شرق وغرب، تجمَّع الأعداء وتآمروا, وراحوا يبحثون في أوربا "المسألة الشرقية", وكانت تعني -حينئذ- كيف يوقفوا المدَّ الإسلامي عن اجتياح ما بقي من أوربا.

فلمَّا وهنت قوة الدولة العثمانية طمع الأعداء فانتقلوا في بحث "المسألة الشرقية" إلى كيف يقضون على "الرجل المريض".

ومرَّ حادث إسقاط الخلافة الإسلامية بغير ردِّ الفعل الواجب.

صحيح أنَّ إخواننا مسلمي الهند حملوا وهم فقراء ما يملكون, إلى مَنْ قارف جريمة الإسقاط، وصحيح أن إخواننا في مصر تنادوا بقيام الخلافة ولو في غير تركيا، وأصدر العلماء بيانًا بذلك، لكنَّهم حين اجتمعوا لبحث الأمر انفضَّ المؤتمر بغير قرار، رغم رغبة الملك القائم في الوصول إلى قرار ظنًّا منه أنه سيكون هو الخليفة, لكن الاحتلال البريطاني الذي كان قائمًا في مصر متحكمًا فيها هو الذي حالَ دون صدور هذا القرار.

ولم يعد من ردِّ فعل بعد ذلك غير قصائد الرثاء, وما هطل بعد ذلك من دموع المسلمين1.

1 راجع في تفصيل ذلك: الاتجاهات الوطنية في أدبنا المعاصر, الدكتور محمد حسين.

ونظام الخلافة في الفكر الإسلامي للدكتور مصطفى حلمي.

ولسنا في مقام تحليل أسباب السقوط، فلذلك مكانه1, ولكنَّا في مقام بيان أثر غيبة الخلافة في واقعنا السياسي.

لقد غابت -أولًا- الدولة الحاكمة بشرع الله.

وغابت -ثانيًا- الدولة التي تظل المسلمين وتجمع شملهم في وحدة حقة قائمة على وحدة العقيدة.

وغابت -ثالثًا- الدولة التي كانت ترهب عدو الله وعدوهم، وكانت القوى العالمية تحسب له ألف حسابٍ, حتى بعد ضعفها ومرضها.

وغابت -أخيرًا- الدولة التي عرف اليهود وتأكَّدوا أنه لا سبيل لهم إلى فلسطين إلّا بتحطيمها، وهو ما صرَّح به سرجي نيلوس العالم الروسي الذي نشر البروتوكولات.

صرَّح به قبل قيامها بحوالي خمسين سنة, حين قال: إن الأفعى اليهودية لا بُدَّ أن تمرَّ بالآستانة في طريقها إلى فلسطين.

1 كان في مقدمة أسباب السقوط ما بذله يهود الدونمة "50 ألف يهودي لهم خمس محافل ظاهرت الاتحاد والترقِّي"

وقد ساهموا في:

أ- إسقاط السلطان عبد الحميد.

ب- أوقفوا الصراع والخصومة بين عنصري الأمة: الأتراك والعرب.

ج- نشروا مبادئ العلمانية, أي: فصل الدين عن الدولة.

"راجع المخططات التلمودية اليهودية الصهيونية للأستاذ أنور الجندي".

ثم ما بذله ت. أ. لورنس الذي صرَّح: إنَّ أهدافنا الرئيسية تفتيت الوحدة الإسلامية, ودحر الإمبراطورية العثمانية وتدميرها".

ولورنس ابنٌ غير شرعيّ لتوماس تشابمان، ومع ذلك فقد وصل إلى حد الصداقة مع شريف مكة, وسارت تحت قيادته الجيوش لحرب الأتراك في سوريا, وهو يصرح بذلك في تقريره "سياسات مكة" بقوله: "لو تمكنَّا من تحريض العرب على انتزاع حقوقهم من تركيا فجأة وبالعنف؛ لقضينا على خطر الإسلام إلى الأبد, ودفعنا المسلمين إلى إعلان الحرب على أنفسهم".

ومن بعد سقوط الخلافة:

توزَّعت أسلاب الرجل المريض بين دول الاستعمار، فأخذت فرنسا سوريا ولبنان، وأخذت بريطانيا فلسطين والعراق, وتَمَّ كل ذلك ليجري التمهيد لقيام دولة إسرائيل على ما سنفصِّل في مكان آخر.

ولما ارتأت الصهيونية والصليبية أن ترحل جنود الاحتلال الأجنبي، أحلَّت محلها من يقوم بنفس الدور، بغير خسائر للأجنبي، وبأداءٍ أفضل من الأجنبي, وهو ما نعالجه بإذن الله تحت عنوان: الاستعمار الجديد.

الاستعمار الجديد

ما كان الاستعمار القديم إلّا حلقة من حلقات الاضطهاد الصهيوني الصليبي للعالم الإسلامي، قصدًا إلى إذلاله وتنفيذ مخطَّط لتحطيم عقيدته وقيمه, وأخيرًا سلب خيراته.

وإنما كانت بالدرجة الأولى بثّ "التغريب وإشاعة التقاليد والثقافة الغريبين", وبعبارة أخرى: تحطيم عقيدة الإسلام وإبعاد مُثُلَه وقيمه وتقاليده.

وهو ما صرَّح به قائد الحملة الفرنسية في طريقهما إلى لبنان, حين سأله الصحفيون عن بارجة المومسات التي كانت تسير مع سائر البوارج الحربية، فقال لهم: إن أثر البوارج الحربية قد يزول, أمَّا أثر هذه فلن يزول.

لكن الاستعمار القديم كان يجد المقاومة من أبناء البلاد حين نزوله, وطوال مدة وجوده, وكان وجود البزَّة الصفراء الأجنبية مثيرًا لكل أنواع الحميِّة في عروق الشباب، إن لم يكن حمية الإسلام فحمية الوطنية وحمية الشرف والدفاع عن العرض، ومن ثَمَّ فإن الاستعمار القديم -من حيث لا يريد- كان يستثير المقاومة ويجعلها في حالة استعداد مستمر إن لم يصل إلى درجة الاستعداد الكامل، ولذا كانت خسائره في المال والأرواح كثيرة.

ومن ناحية أخرى, فقد كان يلقي المقاومة "النفسية" إزاء ما يريد من تحطيم عقيدة الإسلام، الأمر الذي حاولته الحروب الصليبية من قبله وفشلت فيه.

فلو أمكن تلافي خسائر المال والأرواح، وتلافي المقاومة النفسية لأوامره, لكان ذلك أفضل!

- واهتدى الاستعمار الصليبي والصهيوني إلى أنَّ "النخبة الوطنية أقدر وأسرع في التغيير المطلوب" وتحوّل الاستعمار القديم إلى أسلوب جديد, هو غزو الشعوب من الداخل, عن طريق طائفة من خونة أهل البلاد.

ومن ثَمَّ جرى الإعداد لذلك بأكثر من سبيل:

صناعة الزعيم

وهي صناعة ابتدعها الغرب الصليبي؛ ليمتصَّ روح المقاومة لدى الشعوب الإسلامية, وليوفِّر على نفسه خسائر الأرواح والأموال، وليصل إلى تحقيق غرضه بأيسر طريق وأفضل وسيلة, دون خسارة عليه في الأرواح, وبأقل قدر من الأموال يشتري بها عشَّاق الزعامات.

إنَّ ما كان الغرب الصليبي يضحي من أجله بأرواح أبنائه وأموالهم، ويلقى المقاومة من جموع الشعوب إما دينيًّا أو وطنيًّا، راح ينفذ على يد الزعيم المصنوع بغير هذا ولا ذاك، بل على العكس بترحيب جموع الشعوب المخدوعة في زعيمها المصنوع.

وكانت أول تجربة لصناعة زعيم في المنطقة مصطفى كمال أتاتورك, حين جرى التخطيط لانسحاب الجيوش المحتلَّة لتركيا أمام جنوده، فبدا مصطفى كمال أنه القائد المظفَّر، ولم يستح أن يطلب لنفسه من البرلمان لقب "الغازي", ولم تضنّ عليه الجموع أن تقول: "يا خالد الترك جدِّد خالد العرب", ونجحت تجربة مصطفى كمال في أداء مهمة عجزت جيوش أوربا كلها عن أدائها، وهي تجربة إسقاط الخلافة الإسلامية, بما ترتَّب عليها من آثار سياسية خطيرة لا نزال نلمسها حتى اليوم بعد نصف قرن من الخيانة.

وأخرجت من بعد مصطفى كمال طبعات جديدة.

أخرجت مع التحسين الذي أشار إليه بعض كتابهم.

وفي ظل طبعتين جديدتين من مصطفى كمال أتاتورك جرى التمكين لدولة اليهود في فلسطين, وجرى توسيعها سبعة أمثال حجمها.

ثم جرى ما كانت تسعى إليه منذ قرن من الزمان -الحصول على شرعيِّة بوجودها من أصحاب الحق نفسه1.

1 يقول مايلزكوبلاند: "إن الهدف الرئيسي من دعمنا " ... " هو رغبتنا في توفير زعيم عربي رئيس, يتمتع بنفوذ قوي على شعبة، وعلى بقية العرب، له من القوة ما يمكِّنه أن يتخذ ما شاء من القرارات الخطيرة وغير المقبولة من الغوغاء, مثل: عقد صلح مع إسرائيل "لعبة الأمم، وراجع، 63-65 كذلك".

وصارت صناعة الزعيم اختراعًا أمريكيًّا اشتهرت به في لعبة الأمم والشعوب، قد يصاحبه تأييد عسكري انقلابي، أو تأييد حزبي أو شعبي حسب الظروف.

وقلَّدها فيه الاتحاد السوفيتي كذلك.

وجرى التنسيق بين القوَّتين زمن الوفاق الذي نجم بعد أن أوشك الصدام أن يقع في أزمة كوبا سنة 1962, وإن توزعت الأدوار ما بين مؤيد ومعارض.

صناعة الانقلابات

وهي صناعة ابتدعتها في صورتها الحالية الولايات المتحدة الأمريكية منذ الخمسينيات, وقد تلتقي بها مع صناعة الزعيم، وقد تكتفي بزعيم واحد أو زعيمين تصنعهما, ثم تصنع من حولهما انقلابات مؤيدة ومعارضة تتوزَّع بينها الأدوار، وبالانقلاب العسكري تصير القوة العسكرية المحلية قوة مساندة للوضع الجديد، وبذلك تحلّ البزة الصفراء المحلية محلّ البزة الصفراء الأجنبية، حمايةً لنفس الغرض مع توفير خسائر المال والأرواح، وتجنُّب المقاومة أو المعارضة، وسحقها إن وجدت خسائر في جانب العدو المستفيد.

وللانقلاب العسكري ميزة أخرى:إنه يأتي بأناس مجهول الهوية، وأحيانًا مجهولي النسب، ويصعب على الناس تتبّع هوياتهم وتتبع أنسابهم، ومن ثَمَّ فلا بأس أن يجلس على رأس شعب مسلم من له نسب باليهود، أو مصاهرة بالنصارى، أو يجمع بين الصنفين؛ ليحقق الوطنية بين الأديان الثلاثة1.

راجع مورو بيرجر: العالم العربي اليوم، .

ومايلز كوبلاند: لعبة الأمم, .

ومقدمة كتاب "الدبلوماسية والمكيافيلية في العلاقات العربية الأمريكية: دكتور محمد صادق, وهو اسم مستعار لكاتب مسلم اضَّطر لإخفاء اسمه إبَّان محنة الإسلام الكبرى في مصر.

ويجري الاتفاق على تلك الصفقات السياسية وراء خطوط الهدنة اليهودية, أو في العواصم الأوربية، أو في أوكار الماسونية، والشعب المسلم الوادع يغطُّ في نوم عميق!

على أنه دائمًا مع هذه الصفقات، فإن الطرف الأقوى يكون على استعداد دائمًا للتضحية بالطرف الضعيف، رغم ما قد يحاط به من مظاهر القوة والأبَّهة والسلطان, كما أنه في كل الأحوال يصنع البديل إذا تَمَّت التضحية بالعميل, أو هلك بأي سبب آخر من الأسباب, وقد يكون البديل شخصًا, وقد يكون نظامًا مغايرًا يحلّ محلَّ النظام القديم؛ ليضعف الربط بين القديم والجديد, وليستمر الخداع مدة أطول حتى يكشف الجديد.

وفي الحقيقة:إنَّ مثل هذه الصفقات وإن بدت بين طرفين، إلَّا أنها أشبه بعقود الإذعان؛ إذ مَنْ رضي لنفسه العمالة ضد دينه أو وطنه لا يستطيع بعد ذلك أن يرفع رأسه, ولا أن يقف من الطرف الآخر موقف الند للند، بل إنّ موقفه دائمًا موقف الإذعان والخذلان.

صناعة وتجارة الشعارات

والشعارات هي الأخرى تصنع كما يصنع الزعماء، وكما تصنع الانقلابات.

ولقد بدأ ذلك منذ الثورة الفرنسية التي رفعت شعار: الحرية والإخاء والمساواة.

وظهر فيما بعد أنَّ الحرية كانت لليهود الذين كانوا يمنعون كثيرًا من الحقوق, وأنَّ الإخاء كذلك لليهود الذين كانوا في درجة دنيا دون درجة المواطنين، والمساواة كذلك لليهود الذين كانت الفوارق بينهم وبين النصارى كبيرة وعديدة.

وتلتها ثورات كثيرة ترفع الشعارات, كما تلتها انقلابات عسكرية كذلك ترفع الشعارات.

وللشعارات -عند صانعيها- فائدة مزدوجة:

إنها أولًا تشغل الشعوب الساذجة الجوعى إلى المثل، العطشى إلى ما يحقق وجودها ويجعل الأمر بيدها.

وإنها ثانيًا تبعد الشعوب العقائدية "مثل الشعوب الإسلامية" عن أن ترجع إلى إسلامها، فتصبح -مرة أخرى- قوة مهددة للصليبية وللصهيونية.

وهكذا أتيح للثورات الشعبية، والانقلابات العسكرية، أن ينحرف بها زعماؤها عن خط الإسلام، وأن يرفعوا من الشعارات ما يتاجرون به, وما يُبْعِدُون به الشعوب عن الإسلام، وأهمَّ هذه الشعارات حديثًا شعار القومية الاشتراكية:

بيد أنَّ الأمر لا يمنع من رفع شعار إسلامي، ما دام سيظل قاصرًا على دائرة الشعارات

على أنه في هذه الحالة يؤدي أكثر من مهمة:

إنه أولًا يمتص المشاعر والطاقات الإسلامية المتفجرة.

إنه ثانيًا يميِّعُها أو ينحرف بها, أو يعيشها على أمل التطبيق الذي لن يكون.

إنه ثالثًا يكسب التأييد لنفسه، ويحقق في الوقت نفسه آمال العدو وأغراضه، بشيء من البطء المحسوب الحركة المضمون النتيجة، وفي بلاد تطبق الإسلام تكون الخطوة الوسطى هي نقلها من التطبيق والالتزام، إلى دائرة الشعار بغير تطبيق, والإعلان والدعاية بغير الفحوى والمضمون؛ ليبدّلوا بعد ذلك نعمة الله كفرًا, ويحلوا قومهم دار البوار.

ضرب الحركات الإسلامية

تفجَّر في العالم الإسلامي بعد إلغاء الخلافة حركات إسلامية كثيرة، حملت أسماء عديدة، والتقى أكثرها على مفهوم الإسلام الشامل، بل وأشار بعضها إلى وجوب إعادة الخلافة, وإن تحفَّظت بأن دون ذلك خطوات وخطوات.

وما إن تعاظم دور هذه الجماعات والحركات1، حتى بدأ ضربها عن بعض الحكام، وكشفت وثائق نشرت أو عرضت أمام القضاء عن وقوف بعض الدول الغربية, ثم بعض الدول الشرقية وراء ضرب هذه الجماعات والحركات2.

ثم كشفت بعض الكتابات عن أنَّ اليهود أنفسهم وراء ضرب الحركات الإسلامية3.

- وكانت طريقة الضرب هو اصطناع القضايا، والإعلان عنها، وتعبئة أجهزة الإعلام المختلفة بالدعاية ضد الجماعة أو الحركات الإسلامية، ثم محاولة استئصالها عن طريق: الإعدام، والتعذيب، والسجن، والتضييق على المسجونين والمعتقلين، وقد بلغت الخسَّة أن صرَّحت إحدى الخطط الموضوعة بأنَّ من بين أهدافها: وهذه المرحلة إن نفذت بدقَّة ستؤدي إلى ما يأتي:

1- بالنسبة للمعتقلين: اهتزاز المثل والأفكار في عقولهم, وانتشار الاضطرابات العصبية والنفسية والعاهات والأمراض فيهم.

2- وبالنسبة لنسائهم: سواء كنَّ زوجات أو أخوات أو بنات, فسوف يتحرَّرن بغياب عائلهن، وحاجتهنَّ المادية قد تؤدي إلى انزلاقهن".

- لكن الذين كانوا وراء عمليات أو خيانات الضرب راجعوا حساباتهم، فرأوا أنَّهم هم الخاسرون.

إن الذين سقطوا على حبال المشانق أو تحت سياط التعذيب لقوا الله

1 راجع دراسة د. ميشل. في رسالته للدكتوراه عن الإخوان المسلمين "معرَّب".

2 راجع في الزنزانة، عندما يحكم الطغاة، شريعة الله حاكمة، أساليب الغزو الفكري.

3 في صحيفة إبدعوت أحرنوت أنَّ إسرائيل مارست ضرب الحركات الإسلامية خلال الثلاثين عامًا الماضية, عن طريق أصدقائها في العالم العربي.

وفي الأمم لمايلزكوبلاند: "إن الانقلاب العسكري في " ... " كان ضرورة لمنع ثورة الشعب التي كانت ستقودها إحدى الجامعات الإسلامية الكبرى".

شهداء فهم رابحون، وإن الدعوة اشتدَّ عودها، وارتوت جذورها بهذه الدماء الطاهرة, فامتدت فروعها وأورقت وأثمرت من كل زوج بهيج.

أمَّا الذين تساقطوا ضعفاء تحت سطوة الإرهاب، فهؤلاء كانوا عبثًا على الدعوة وتخلَّصت وتخفَّفَت منهم.

ومن ثَمَّ فكَّروا في أسلوب جديد يمارسونه الآن:

وهو الفتنة بالخبر بعد الفتنة بالشر.

الفتنة بالجاه والمال والسلطان والدنيا.

ومحاولة شقّ الصف الإسلامي وتعميق الخلافات بين اتجاهاته, وتغذية ذلك بالمساعدات وبغير المساعدات.

- ونجحت الخطَّة الثانية فيما فشلت فيه الخطة الأولى.

فتساقط بعض آخر تحت فتنة المال أو الجاه أو السلطان, أو غير ذلك من أعراض الحياة الدنيا، وكان بعضهم ممن ثبت في الفتنة الأولى.

لكن سبحان مقلِّب القلوب من ناحية, والحمد لله من ناحية ثانية.

فإن هؤلاء كذلك كانوا عبئًا على الدعوة تحفَّفت منهم, وسقوطهم أمام تلك المغريات يعني انطواءهم على ضعف يسقط عنهم الصلاحية للقيادة, بل ويسقط عنهم الصلاحية للدعوة.

ومن ثَمَّ كان خيرًا.

ويبدو أن "الأعداء" لم يكتشفوا بعد خسرانهم الجديد، مبهورين بالنجاح المحدود الذي حققوه فيما فشلوا فيه عندما جرَّبوا سلاح الإرهاب.

- لكن ذلك لا يعني أن سلاح الإرهاب أُغْمِدَ إلى الأبد.

إن وجود السلاح في يد الإنسان قد يغريه باستعماله دون أن تسبق ذلك الحسابات، وإن وجوده يعطيه شيئًا من الغرور قد يعميه عمَّا قدمنا من حقائق

أهمها: أنه في النهاية هو الخاسر.

ومن ثَمَّ فلا يستبعد أن يعود "الأغبياء" إلى استعمال السلاح الذي فشل من قبل سلاح الإرهاب1.

1 فوجئنا بعد كتابة هذه الكلمات بوثيقة نشرتها جريدة المدينة في عددها الصادر في 3 صفر 1399هـ أول يناير 1979، نقلًا عن مجلة الدعوة المصرية "عدد صفر 1399" وكان أهمَّ ما جاء فيها:

ونظرًا لما لمسناه من أنَّ وسائل القمع والإرهاب التي اتبعت في عهد "...." قد أدَّت إلى تعاطف الجماهير المسلمين, وإقبال الشباب عليها, مما أدَّى إلى نتائج عكسية.

فإننا نقترح الوسائل الآتية كحلول بديلة:

أولًا: الاكتفاء بالقمع الجزئي دون القمع الشامل, والاقتصار فيه على الشخصيات القيادية التي لا تصلح معها الوسائل الأخرى المبينة فيما بعد.

ونفضّل التخلص من هذه الشخصيات بطرق أخرى تبدو طبيعية, ولا بأس من الإسراع بالتخلُّص من الشخصيات الإسلامية الموجودة بالمملكة العربية السعودية, نظرًا لأنَّ التخلص من أمثال هؤلاء يحقق المراد من القمع الجزئي, ويعمل على تدهور الثقة بين " ... " وبين الحكومة " ... " مما يحقق أهدافنا في هذه الفترة.

ثانيًا: بالنسبة للشخصيات القيادية التي لا يتقرَّر التخلُّص منها, فننصح باتباع ما يلي:

أ- تعيين من يمكن إغراؤهم بالوظائف العليا؛ حيث يتمّ شغلهم بالمشروعات الفارغة المضمون, وغيرها من الأعمال تستنفد جهدهم، وذلك مع الإغداق عليهم أدبيًّا وماديًّا, وتقديم تسهيلات كبيرة لذويهم، وبذلك يتمّ استهلاكهم محليًّا, وفصلهم عن قواعدهم الجماهيرية.

ب- العمل على جذب ذوي الميول التجارية والاقتصادية إلى المساهمة في المشروعات المصرية الإسرائيلية المزمَع إقامتها بمصر بعد الصلح.

ج- العمل على إيجاد فرص عمل بعقود مجزية في البلاد العربية البترولية, الأمر الذي يؤدي إلى بعدهم عن النشاط الإسلامي.

د- بالنسبة للعناصر الفعَّالة في أوربا وأمريكا نقترح ما يلي:

1- تفريغ طاقاتهم في بذل الجهود مع غير المسلمين, ثم إفسادها بواسطة مؤسساتنا.

2 استنفاذ جهدهم في طبع وإصدار الكتب الإسلامية مع إحباط نتائجها.

3 بث بذور الشك والشقاق بين قياداتهم؛ لينشغلوا بها عن النشاط المثمر.

ثالثًا: بالنسبة للشباب نركِّز على ما يلي:

أ- محاولة تفريغ طاقاتهم المتَّقدة في الطقوس التعبُّدية التي تقوم عليها قيادات كهنوتية متجاوبة مع السياسات المرسومة.

ويومئذ يقال لهم:

{وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ} [إبراهيم: 45] .

ب- تعميق الخلافات المذهبية والفرعية وتضخيمها في أذهانهم.

ج- تشجيع الهجوم على السنَّة المحمدية والتشكيك فيها وفي المصادر الإسلامية الأخرى.

د- تفتيت الجمعيات والجماعات الإسلامية المختلفة, وبث التنازع داخلها وفيما بينهما.

هـ- مواجهة موجة إقبال الشباب من الجنسين على الالتزام بالتعاليم الإسلامية, خاصَّة التزام الفتيات بالزيّ الإسلامي, عن طريق النشاط الإعلامي والثقافي المتجاوب.

و استمرار المؤسسات التعليمية في مختلف مراحلها في حصار الجماعات الإسلامية والتضييق عليها والتقليل من نشاطها.

البعد عن جوهر النظام الإسلامي السياسي

- لا يمكن للقوى المعادية بعد كل ما بذلت أن تسمح بقيام النظام الإسلامي السياسي لا داخليًّا ولا خارجيًّا؛ لأنها إن سمحت كانت كمن نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا، أو كانت كمن بنى لنفسه بيتًا ثم راح يهدمه بغير سبب وبغير بديل، ولا يتصوّر ذلك من عاقل، ولا ينبغي أن نهوّن من ذكاء عدونا.

قد يقال: إن ما يهم العدو هو ألّا يقوم نظام إسلامي يتَّخذ المنهج الإسلامي في سياسته الخارجية، وبالتالي فإنه قام نظام يتَّخذ المنهج الإسلامي في سياسته الداخلية فلا شيء في ذلك، ولا تتدخَّل القوى الدولية فيه؛ لأن ذلك تدخُّل في الشئون الداخلية لدولة أخرى لا يجوز دوليًّا.

وكل هذا صحيح إذا لم يكن الأمر متعلقًا بالإسلام.

فيوم اختارت -أو هكذا بدت- ألبانيا النظام الشيوعي, لم تتدخَّل القوى الغربية, وكذلك يوم اختارت -أو هكذا بدت- كوبا لنفسها النظام الشيوعي، لكن قد يحدث كذلك تدخُّل تغمض عنه القوى الأخرى من باب تجنُّب الصدام المباشر, كما حدث حين سحقت روسيا روح المقاومة في بولندا مقابل سكوت الشيوعية على عملية التأديب التي قامت بها في مصر إنلجلترا وفرنسا وإسرائيل سنة 1956م, ثم ما حدث بعد ذلك في تشيكوسلوفاكيا.

أما بالنسبة للمنطقة الإسلامية: فإنَّ بين جميع القوى المعادية توافقًا بل اتفاقًا على ألَّا تقوم للإسلام دولة، سواء طبَّقت الإسلام في حدودها الداخلية, أو جاوزت ذلك لتطبقه كذلك خارج حدودها.

وما كان الغرب الصليبي ومن ورائه الصهيونية ليضيع جهوده وأمواله وأرواحه التي بذلها ابتداء ليوقف الزحف الإسلامي، ثم ليقضي على دولة الإسلام التي أسماها "الرجل المريض", ثم ليوزِّع تركة ذلك الرجل المريض.

وما كان ليضيِّعَ تلك الجهود بالسماح مرة أخرى بقيام دولة الإسلام؛ لأنها إن قامت داخل حدودها، فإنهم يعلمون أن المارد لن يظلَّ طويلًا داخل القمقم، ومن ثَمَّ فإنهم يحاربون أيَّ قيام لدولة الإسلام.

ويحرِّمون ويحاربون أية خطوات تؤدي إلى ذلك، ولو كانت في صورة تضامن أو جامعة إسلامية، أو تطبيق جدّي للشريعة الإسلامية، أو جماعة يتعاظم أمرها وتنذر بقيام دولة إسلامية1.

والبعد عن النظام الإسلامي يتخذ صورًا عديدة

1- صورة عدم التطبيق للشريعة الإسلامية: أو صورة التطبيق الجزئي لها, والصورة الأولى قد يُكْتَفَى معها بشعار العلم والإيمان, أو غيره من الشعارات الإسلامية, والصورة الثانية قد يُكْتَفَى معها بالتطبيق في مجال الأحوال الشخصية, أوفي بعض الحدود التي يجري فيها التطبيق على الضعيف دون الشريف، مع ترك التعليم والإعلام والمجتمع بعيدًا عن عقيدة الإسلام وخلقه وسائر تعاليمه وأحكامه.

2- صورة البعد بالأمَّة عن أن تكون أمة الإسلام:في وحدتها {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَة} .

أو في استمساكها {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} ومن ثَمَّ رأينا الفرق أو المزق تزعم لنفسها الشرعية, وتدَّعي لنفسها الإسلام.

3- صورة البعد بالسلطة عن شرعية الإسلام.

وأهمها رضا المسلمين بها أيًّا كانت صورة الرضا.

وقبلها إقامتها لشريعة الإسلام.

1 راجع مقالًا عن خطوط عريضة للنظام السياسي الإسلامي, مجلة الوعي الإسلامي, العدد 166, شوال 1398-سبتمبر 1978م.

وراجع كذلك المشروعية الإسلامية العليا, مكتبة وهبة 1395-1975م, رسالة دكتوراه للدكتور علي جريشة.

الفصل الثالث: الواقع الاجتماعي للعالم الإسلامي

للإسلام نظامه الاجتماعي الذي ترى فيه

الفرد المسلم: ذكرًا كان أو أنثى، ملتزمًا بأحكام الإسلام، مقتديًا برسول الله صلى الله عليه وسلم، مؤديًا الواجب قبل أن يطالب بالحق؛ لأن الإسلام يعلّمه ويعوّده ذلك {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} , ولذلك كان أداء الواجب شرطًا للمطالبة بالحق.

وهو ما يرقِّي في الفرد المسلم "الإيجابية"، ويزيده إيجابية شعوره بأنه مسئول, أيًّا كان موقعه في المجتمع $"كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، فالرجل راعٍ في بيته وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها".

وهو في النهاية عابد لله سبحانه, يتقدَّم في قبله حب الله ورسوله, وجهاد في سبيله على كل الدنيا، وترجح في نفسه الآخرة بنعيمها على الدنيا مهما كان زخرفها, ولذا فحرصه على الدنيا لا يجاوز يده إلى قلبه {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص: 77] هذا هو الفرد المسلم، لبنة الأسرة والمجتمع.

أمَّا الأسرة المسلمة: فإنها تقوم على عمودين، رجل وامرأة:

- كلاهما يبحث أول ما يبحث عن الإسلام في صاحبه.

"إذا جاءكم ذو الدين فزوجوه, إلّا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير".

"تنكح المرأة لأربع ... فاظفر بذات الدين تربت يداك".

- وهي تقوم بعد ذلك على السكن، والمودَّة والرحمة.

يكون ذلك بين الزوجين، ويشع فيملأ البيت كله سكنًا ومودة ورحمة.

- يحكم الإسلام علاقتهما، زواجًا واستمرارًا وإنهاءً أو طلاقًا.

ويحكم العلاقات بين الآباء والأبناء، فيوجب على الآباء العطف وحسن الرعاية وتعويدهم الصلاة, ثم ضربهم عليها، والتفرقة بين الذكور والإناث في المضجع،.. إلخ.

ويوجب على الأبناء الإحسان إلى الآباء، وألَّا يقولوا لهما أفٍّ ولا ينهروهما.

وإن جاهداه على الإَشراك بالله فلا يطيعهما, ولكن {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} , ثم يحكم العلاقات بين الإخوة والأخوات, وبين سائر ذوي الرحم.

ويوصي بالرحم خيرًا "الرحم قطعة مني, مَنْ وصلها وصلته، ومَنْ قطعها قطعته" , وينهي نهيًا جازمًا {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} .

"لا يدخل الجنة قاطع رحم".

وينظم في النهاية الأحكام المالية، كالميراث والوصية بما يحقق عدالة عجزت من البلوغ إليها كل الأنظمة، فلا تزال بريطانيا تعطي الإرث للابن الأكبر, ولا تزال الولايات المتحدة تطلق يد المورث في تركته فيوصي بها إلى عشيقته، أو كلبه, ويحرم أبناءه وأسرته.

أما المجتمع المسلم:

فهو مجموع هؤلاء الأفراد، ومجموع هؤلاء الأسر، يقوم كما يقومون على الالتزام وليس مجرد الانتماء.

ويعرف التكافل بين أفراده حتى ليصير مثله "مثل المؤمنين في تراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسم بالسهر والحمى".

ويتحقَّق التكافل اجتماعيًّا، كما يتحقق اقتصاديًّا، وأخيرًا يتحقق سياسيًّا متمثلًا في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} , ويشرحه

ويؤكده قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"، قالوا: ننصره يا رسول الله مظلومًا، فكيف ننصره ظالمًا؟ قال: "بحجزه أو قصره عن ظلمه".

وهكذا يتحقَّق تكافل سياسي، يقصر فيه الظالم عن ظلمه، وينتصر فيه للمظلوم من ظالمه، وهو ما حاول العرب الاقتراب منه قبل الإسلام بحلف الفضول الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه لو عرض عليه بعد البعثة لقبله".

ونماذج الفرد المسلم رجالًا ونساء، والأسرة المسلمة، والمجتمع المسلم، نماذج فريدة في التاريخ.

نماذج للفرد المسلم الذي جاهد في ميدان القتال, وضرب أروع مَثَلٍ للتضحية والفداء, والذي جاهد بكلمة الحق يقولها عند مَنْ يخافه أو يرجوه.

والمرأة المسلمة التي شاركت جهادًا في سبيل الله، تضميدًا للجروح, أو حثًّا على الجهاد, وأحيانًا إذا اقتضى الأمر تلثَّمت وقاتلت كما يقاتل الرجل.

وجهادًا في إقامة البيت المسلم والمجتمع المسلم, محققةً قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حسن تبعُّل المرأة لزوجها يعدل الجهاد في سبيل الله".

ونماذج الأسرة المسلمة المترابطة المتحابة التي يحترم فيها الصغير الكبير، ويعطف فيها الكبير على الصغير، والتي تتواصى بالصبر، والتي تخرج أجيالًا من الأبطال، كل هذه نماذج متكررة على مدى التاريخ الإسلامي، ونماذج المجتمع المسلم الذي يحمل الحق ويحمي الحق متكررة كذلك، حتى ليقرِّر المنصفون أن الانحراف وإن أصاب الإمارة في بعض الأحيان, أو أكثر الأحيان, فقد بقيت "العصمة" للأمة لا الإمام، مصدقًا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجتمع أمتي على ضلالة".

وكان ذلك سرًّا من أسرار خلود هذه الشريعة باعتبار الأمة المسلمة هي وعاؤها.

- ترى ماذا بقي من هذه الأحكام؟ وماذا بقي من هذه النماذج؟

- لا شكَّ أن الواقع أليم؛ فالفرد المسلم اليوم في الأغلب الأعمَّ لا يعرف الالتزام بأحكام الإسلام، يفتخر -إلّا من رحم ربي- بجهله بالإسلام, ما دام يعرف بعض الكلمات والأنظمة الغربية، ويتفلت من أحكام الإسلام عقيدةً وخلقًا وتعبدًا فوق تفلُّته من أحكام المعاملات.

والمرأة المسلمة في الأغلب الأعمَّ غزاها الفكر الصليبي أو الصهيوني، قصدًا إلى إخراجها من فضائلها، وفي مقدِّمتها: الستر والعفة والشرف, فتعرض ما صانه الله بغير خجل ولا حياء، وتعرض نفسها بالتصرُّف أو النظرة أو البسمة مبتذلة رخيصة، وتهجر بيتها وأولادها ووظيفتها أو رسالتها الأصلية، زوجًا وأمًّا، وهي تعلم أنها إن أخلصت زوجة فهي كنزر كبير, أو هي بتعبير الحديث الشريف خير ما يكنز المرء, وإن أخلصت أمًّا؛ فالجنة تحت أقدامها، وهي مدرسة أو جامعة يتخرَّج فيها الجيل.

- والأسرة المسلمة دبَّ فيها الوهن بعد ما بعدت عن أحكام الإسلام، فالعلاقات بين الزوجين متوترة, وعلى الأحسن فاترة.

والعلاقات بين أفراد الأسرة الآخرين تفكَّكَت، تقليدًا للغرب الصليبي, ومظاهر قطع الرحم والخصام تزيد عن مظاهر الوئام والسلام.

ومظاهر التظالم بين أفراد الأسرة الواحدة, والتشاحن على الميراث, وعلى غيره من أعراض الحياة الدنيا كثيرة وكبيرة وعميقة.

- والمجتمع المسلم، لم يعد جسدًا واحدًا:

تقطَّعت أوصاله وأجزاؤه على مستوى الأمة الإسلامية، فلم تعد واحدة، وتقطَّعت أوصاله وأجزاؤه داخل البلد الواحد إلى أحزاب

وفرق وعصبيات, وسادة الفكر الصليبي أو الصهيوني، أو ما يريده هذا وذاك أن يسود، وانتفى فيه التكافل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

وانهار فيه الدين

انهار عقيدةً بين تفريط الكافرين والفاجرين والعاصين، وإفراط المسرفين الذين ارتدوا إلى النقيض الآخر, وانهار خلقًا بترك الصدق والأمانة والعِفَّة، وعاون على ذلك إعلامٌ فاجر لا يرعى الله ولا الأخلاق، ولا القيم، ويحقق للصهيونية والصليبية كل ما تبتغيه، عقيدةً وخلقًا وسلوكًا.

كما ساعد على ذلك تعليم تفلّت أو يتفلَّت من قيود الإسلام، ليعلي قيمًا غير إسلامية، وليُقِرّ مناهج غير إسلامية في مجال الطبيعيات والعلوم الإنسانية والاجتماعية, وليزري عن عمد أو عن جهل بالدين ورجاله وعلمائه؛ فيزري بالتالي بقيمه وأحكامه.

وفي النهاية انهارت أحكام الإسلام، فشاع الزنا, وساد الربا, وفشا الظلم، وتعارف الناس على المنكر، وتناهوا عن المعروف، وتعاونوا على الإثم والعدوان, وتعلَّق الناس بالصنفين اللذين ذكرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأمراء والعلماء، فإذا بالأولين أوّل من دبَّ إليهم الفساد، وإذا بالآخرين آخر من دبَّ فيهم الفساد.

كل ذلك إلّا ما رحم ربي.

وإنما ترحمون بضعفائكم, ولولا شيوخ ركّع, وأطفال رضّع, وبهائم رتَّع، لحلَّ بنا العذاب.

الفصل الرابع: الواقع الاقتصادي للعالم الإسلامي

بالمعايير الاقتصادية السائدة

فإن اقتصاد العالم الإسلامي بواقعه الحالي أليم؛ فالدخل القومي في أكثر البلاد الإسلامية يضع الفرد المسلم في أقل من مستوى الآدميين, والواقع المشاهد يؤكد لغة الأرقام, وتزيد الأنظمة الاشتراكية الشعوب الإسلامية ضيقًا وضنكًا، وتعيِّشه في الطوابير, ويقضي فيها نصف يومه بحثًا عن حاجياته, وأحيانًا ضروراته.

هذا إن وجد في جيبه الثمن أو التكاليف.

والإنتاج القومي هو الآخر سيئ, والبلاد الإسلامية تتوزَّع بين أن تكون مزرعة تستجلب منها القوى العالمية موادّها الأولية, أو أن تكون سوقًا استهلاكيةً توزّع القوى العالمية سلعها أو تجارتها! وهي بالتالي محرَّمة من "الصناعات الثقيلة" والإنتاج الكبير.

والبلاد التي آتاها الله بسطة في الرزق -وهي قليلة- تمتص أكثر رزقها القوى العالمية، بإيداع رءوس أموالها في بنوكها، وبتعرضها لتخفيض العملة بين الحين والحين، ثُمَّ بتصدير السلع الاستهلاكية الكمالية والترفيهية التي تمص ما بقي لدى تلك الدول المختلفة من رأس المال.

وميزان المدفوعات مختلٌّ لدى أكثر الدول الإسلامية؛ لأن أكثرها تستورد أكثر مما تصدر!.

هذا باختصار بالمعايير الاقتصادية السائدة.

وبالمعايير الاقتصادية الإسلامية

فإن درجة الابتعاد عن النظام الإسلامي المالي تتفاوت بين الأنظمة المختلفة, ابتداءً من مخالفة أمر الله بترك الربا, وانتهاءً إلى الخروج التامّ عن النظام الإسلامي الذي كفل ملكيةً متوازنة, هي وسط بين الرأسمالية الطاغية والشيوعية الجائرة، كما كفل حرية اقتصادية متوازنة بين المذهب الفردي الذي يطلق إلى حد الخنق أو الاختناق.

والذي يرفض الترف، وتنتفي فيه الندرة مشكلة المشاكل في الأنظمة الاقتصادية, تنتفي الندرة انتفاءً إيمانيًّا باعتقاد قدرة الله على رزق كل مخلوق، كما تنتفي انتفاءً ماديًّا بتحقق التكامل بين بلاد الإسلام زراعيًّا وصناعيًّا وتجاريًّا.

مستقبل الاقتصاد الإسلامي

كنظام: هو الأمثل بين النظامين الرئيسين: الرأسمالية والاشتراكية.

وكواقع: يمكن أن يطبق تتحقق له من الموارد والقدرات في البلاد الإسلامية ما لا يتحقق لاقتصاد آخر.

فالموارد الزراعية والصناعية في المنطقة الإسلامية أغنى من أي منطقة أخرى, واليد العاملة متوافرة ورخيصة، وهي في نفس الوقت إن تحقَّق فيها الإسلام كانت أفضل الأيدي إتقانًا وأكثرها أمانة!.

ورأس المال المتوفِّر لدى الدول الغنية يكفي لإمداد أي مشروع, ولا يلزم إلّا أن تتحقق "الأمة الإسلامية الواحدة"؛ لتكون بإذن الله أغنى أمة اقتصاديًّا, كما هي بإذن الله خير أمة أخرجت للناس, ويومها يمكن للعالم الإسلامي أن يكون أقوى القوى الاقتصادية العالمية, بل يمكنه أن يتحكَّم في الاقتصاد العالمي عن طريق صناعاته وأسواقه ورأس ماله وموقعه الاستراتيجي، وثقل شعبه وأمته!!.

الباب الثاني: قضايا إسلامية معاصرة

الفصل الأول: أوطان سليبة

تقدمة
الأوطان السليبة كثيرة في المشرق والمغرب بدأت بالأندلس وانتهت بفلسطين

بيد أنَّا لا نستطيع أن نلمَّ بها جميعًا, ومن ثَمَّ فإننا نكتفي بفلسطين، ففيها عمل التآمر الصهيوني الصليبي على أحسن ما يكون التخطيط, ولا يزال إلى اليوم يعمل.

الأندلس

تقدمة

في نهاية القرن الأول الهجري، فُتِحَت الأندلس، فردوس الدنيا، فُتِحَت بسواعد المسلمين، ودمائهم، وجهادهم، ومثلت فيها أعظم حضارة عرفتها التاريخ، بينما أوربا تغرق في ظلمات القرون الوسطى.

وبقي حكم الإسلام في الأندلس ثمانية قرون، تغترف فيها أوربا من حضارة الإسلام, وتتلمذ على أساتذته, ثم ضاعت الأندلس، ضاع فردوس الدنيا، ضيَّعها ملوكها، ضيَّعها التَّرَف، ضيَّعها الخلاف، ضيَّعها غزو الفكر قبل غزو السلاح.

وبكى المسلمون الأندلس.

كما بكوا من بعدها أرض بخارى والقرم والقوقاز.

كما بكوا ضياع الخلافة الإسلامية في تركيا.

كما بكوا ضياع مهبط الأديان في فلسطين، وبكوا معها القدس والمسجد الأقصى {الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَه} .

ونحن ندرس في هذه الكلمات الأندلس باعتبارها حاضرًا لا ماضيًا.

باعتبارها حاضرًا سليبًا يذكِّر المسلمين مجدهم, ويذكِّرهم الجهاد لاستعادة فردوسهم المفقود, مع استعادة فلسطين والأقصى, واستعادة مثوى البخاري ومسلم, وغيرهم من علماء المسلمين في أرض الاتحاد السوفيتي.

ثم لنأخذ العبرة.

كيف كانت الأندلس؟

كيف صارت الأندلس؟

كيف ضاعت الأندلس؟

فنأخذ من الضياع كيف نتوقَّى الضياع.

ونأخذ من الضياع كيف نسترد ما ضاع.

والله المستعان وعليه التكلان, ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم.

أولًا: الأندلس قبل الضياع

قبل الضياع فترتان لا بُدَّ من الإشارة لهما:

فترة ما قبل الفتح الإسلامي.

ثم فترة ما بعد الفتح الإسلامي.

ففي الإشارة إليهما عبرة لأولى الألباب.

- الأندلس قبل الفتح الإسلامي:

شبه جزيرة الأندلس "أسبانيا والبرتغال الآن" تقع في الجنوب الغربي من أوربا, وتحيط بها مياه المحيط من غربها, ومياه الأبيض المتوسط من جنوبها وشرقها, ويفصلها عن المغرب الإسلامي مضيق جبل طارق, وتتحصن بالجبال في أماكن عديدة.

وهي بعد موقعها تتميّز بجمال طبيعتها, وباعتدال جوها, وبخصب أرضها.

وقد كانت القرون الوسطى -قبل الفتح الإسلامي- تغرق في ظلمات الجهل والاستبداد، والفوارق الاجتماعية، وتحكُّم الإقطاع والكنيسة, ولنعلم إلى أي حدٍّ انحطَّت الكنيسة، لنا أن نعلم بعد الذي سقناه أنها كانت تحرّم الاغتسال والتطهير، ويعتبرون قذارة البدن تسير طرديًّا مع طهارة الروح، حتى ليفخر أحد رهبانهم بأنه لم يرتبك إثم غسل الرجلين طوال العمر, وحتى ليتندر آخر بأنه كانوا يعدون غسل الوجه حرامًا, حتى جاء الفتح الإسلامي فصاروا يدخلون الحمامات.

ويعتبرون النساء رجسًا ولو كنَّ أمهات أو شقيقات, ومن ثَمَّ لا يقتربون منهن، ولا يتحدثون إليهن، ويفرون منهن فرار الرجل من الجرب.

2- الأندلس بعد الفتح الإسلامي:

استمرَّ الفتح الإسلامي ما بين عامين وأربعة على اختلاف الروايات, وعمَّ نور الإسلام شبه الجزيرة, ودخل الناس طواعية في دين الله أفواجًا ...

وشحذ الإسلام الهمم, وأنار بعد القلوب العقول، حتَّى تفتَّقت عن حضارة لم يعرف لها العالم ولا التاريخ مثيلًا.

ويكفي أن نعرف أنها أنجبت بفضل الله ونوره:

أ- أمثال ابن حبان القرطبي، شيخ المؤرخين، وصاحب أحكام القرآن الشهير بتفسير القرطبي، والمقتبس في أخبار بلاد الأندلس في عشرة أجزاء، أو غيرها من المؤلفات.

ب- ابن خلدون، مؤسس علم الاجتماع، ومؤسس فلسفة التاريخ، وصاحب مقدمة ابن خلدون، وما أعقبها من مجلدات كتاب "المبتدأ والخبر".

ج- ابن حزم "الظاهري" صاحب كتاب المحلَّى "9 أجزاء", والإحكام في أصول الأحكام في أصول الفقه، فضلًا عن أربعمائة مجلة آخر "400".

د- أبو القاسم المجريطي، الفلكي الشهير, الذي تُرْجِمَت كتبه إلى اللاتينية.

وقد كان للمسلمين مراصد في قرطبة وطليطلة, فضلًا عن اختراعهم لأنواعٍ من الساعات سميت "الميقاتة".

هـ- أبو القاسم الزهراوي, الطبيب المسلم الشهير, الذي توصَّل إلى استخراج الحصاة من المثانة أو تفتينها, وإجراء عمليات في العين, فضلًا عن بقية أفراد عائلة زهر التي اشتهرت بالطب رجالًا ونساءً.

وفي مجالات أخرى برز المسلمون من أبناء الأندلس المسلم:

ففي مجالات الكيمياء: كانوا أوَّل من جعلوا البارود مادة متفجرة دافقة قابلة لإطلاق القذائف, كما وضعوا كثيرًا من قواعدها وأصولها التي نقلها عنهم الأوربيون بعد ذلك، وتوصَّلوا إلى كثير من الصناعات باستعمال المواد الكيمياوية في الطباعة والدباغة وصناعة المعادن.

وفي الفيزياء: وضعوا كثيرًا من أسس هذا العلم, كما وضعوا نظرية الجاذبية, وتحدَّثوا عن "المغناطيسية" والبصريات، وغير ذلك.

وفي الجغرافيا والرحلات: ارتادوا البحر والفجاج, واستكشفوا الكثير، وكان لهم إنتاج طيب، وظهر منهم أمثال: "الرازي والبكري، والعذري والإدريسي وابن بطوطة".

وفي التعليم: ظهرت أساليب التعليم, وظهرت الجامعات: "جامعة قرطبة، وجامعة غرناطة، وجامعة إشبيلية", ووقف عليها ليس فقط المسلمون, بل هرع إليها غير المسلمين ينهلون من علمها, ويتعلمون منها كيف يتعلمون وكيف يعلِّمون.

وأخيرًا نسوق بعض ما قاله غير المسلمين, والحق ما شهدت به الأعداء.

يقول ماك كيب:

لم تطلع الشمس على أهنأ وأرغد عيشًا، ولا أكثر رغبةً في التمتُّع بالجمال والعلوم والأعمال المجيدة من عرب الأندلس.

ويقول كذلك:

إن العرب الأندلسيين لو تجمَّعوا في فتح أوربا وبقوا فيها قرنين, وأقاموا فيها مدينتهم, كما فعلوا في الأندلس؛ لكنَّا الآن متقدمين خمسة قرون على ما نحن فيه.

ثم يشير لى إغفال المؤرخين الأوربيين لحضارة الإسلام في الأندلس, ويسوق الأسباب لذلك:

هكذا صارت الأندلس بعد أن فتحها الإسلام تعرف النوم وتمضي في ظلال النور، تقيم أعظم حضارة عرفها التاريخ، في كل مجالات العلم والمعرفة والفن، لولا ما أصابها بعد ذلك, فانتقلت إلى دور الفردوس المفقود.

ثانيًا: الفردوس المفقود

كيف ضاعت الأندلس؟

حديث الضياع حديث أليم, خاصَّة إذا كان عن الأندلس فردوس المسلمين وباب الإسلام إلى أوربا والغرب كله، ثُمَّ منارة حضارية إلى العالمين.

لكن تشخيص الداء لازم لسلامة الدواء وسلامة الاستشفاء, ومن ثَمَّ كان لا بُدَّ من هذا الحديث.

والأندلس ضاعت يوم ضاع الإسلام في قلوب أبنائها؛ ففسد الأمراء, وسكت العلماء, وفسد من بعد هؤلاء وأولئك بقية الناس.

- ودَبَّ الترف وسرى في عروق الحاكمين, وامتدَّ من الحاكمين إلى مَنْ يلهم من الطبقات, ومع الترف يكون الفسق ويكون الفجور، وعرفت الأندلس القيان، والغناء, وارتخت أعصاب المترفين، وترهَّلت أجسادهم, ونعمت أطرافهم، فلم تعد صالحةً للجهاد، ومن ثَمَّ توقَّف الجهاد.

وتنافس الحاكمون في اقتناء الإماء، وفي الشتبيب بالنساء، وفي تشييد القصور, وعرفت قرطبة: الزهراء، والكامل، والمجرَّد, والحائر، والروض، والمعشوق، والمبارك، والرستق، والتاج، وقصر السرور، وانهمك "الناصر" في عمارة الزهراء, حتى ترك الجمعات؛ فوقف الإمام منذر بن سعيد ينذر بالهلاك ويقول:

{أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ، وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ، وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء 128-135] .

ثم نوَّه بالزهراء وتلا قول الله:

{أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 109-110] .

وظهر من الحكام من يجهر بالمعاصي، والجهر بالمعصية إغراء بها, وتحريض عليها, فإن كان الجهر من الحكام فالإغراء أشد, والتحريض أعظم، وهكذا يشير المؤرخون إلى الحكم بن هشام, ثم إلى ولده عبد الرحمن, وإذا كان الأمر كذلك على مستوى أولي الأمر، فإن السقوط أشدّ, والتتابع بين العامَّة أفظع, وهكذا صدق قول الله: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} [الإسراء: 6] .

وفي القراءة الأخرى: "أمَّرْنَا مترفيها" بتشديد الميم, فمع التشديد يكون تشديد الله أشد.

وكان مما صاحب الترف وزكاه على مستوى الجماهير، غزوٌ فكري حمله مبشرون وصلوا إلى الألف, وحملة مدرسون في المدارس وصلوا إلى 485 مدرسًا، وحملته كئوس الخمر ينفق عليها البابا خمسمائة ألف فلورين "سنويًّا".

وكان مما صاحبه على مستوى الأمراء مصاهرة النصارى؛ فنزوج أبو الحسن "الغني بالله" من النصرانية ثريَّا، وكان يستعين بأهلها "ملوك قشتالة" النصارى على ابن أخيه الزعل، وتتابع مَنْ قبله ومَنْ بعده أمراء في هذا الأمر، ولم يصغوا لقول الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} [آل عمران: 118] ولا قوله: {يَا أَيُّهَا

الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [الممتحنة: 1] .

وكان هذا هو عامل الانهيار الأول: الانهيار داخل النفس.

وأعقبه انهيار آخر، انهيار داخل الصف.

بما أصاب المسلمين في الأندلس من خلاف وشقاق، كان سببه الاقتتال على الجاه والمنصب، وبدأ أوّل ما بدأ في صفوف الأمراء والحاكمين، وامتدَّ عصبية مقيتة كريهة بين صفوف الفاتحين من قحطانيين وعدنانيين, ومن عرب وبربر، تفجَّرت القوميات والعصبيات كريهة, تقسم الصف وتفتته, وتطمع عدو الله وعدوه.

وعرفت الأندلس الثورات، وعرفت الحروب الداخلية, ومن أسف أن يستعان فيها بالنصارى ضد المسلمين، فيضعف الأخيرون ويتقوَّى الأولون, يقفون متربصين انهيار الدولة الإسلامية هناك وراء الجبال في الشمال.

ويأتي العامل الثالث والأخير ليجهز على ما بقي:

تأتي حشود النصارى القابعة وراء جبال الشمال؛ لتجهز على ما بقي من قوة المسلمين, فقد فات المسلمون أن يطهروا هذه الجبال مِمَّنْ قبع وراءها من فلول الأسبان, فتقدموا غداة ضعف الدولة وانهيارها؛ ليتلَّمسوا طليطلة من ملكها التافه العاجز المسمَّى خطأ بالقادر "سنة 1086"؛ لتكون هذه أول حملة صليبية يعقبها بثلاثة عشر عامًا نزول الصليبيين في بيت المقدس سنة 1099هـ.

وهكذا المسلمون جسد واحد؛ إذا أصيب في جانب صار عرضة لِأَنْ يُصَابَ في بقية الجوانب، أو هم كالبناء الواحد إذا تداعى في ناحية أمْكَنَ أن يسقط في أخرى.

وفي الخامس عشر من صفر 609هـ "1212م" دارت آخر معركة بين قوات الموحِّدين وقوات قشتالة يقودها ألفنسو الثامن، فيهوي عَلَم الموحدين, ويرتفع عَلَمُ الصليبيين، ويذوق المسلمون الإبادة والنفي والهوان، حتى تستأصَلَ شأفتهم في فردوسهم المفقود.

وما يجدون, بل ما يجيدون بعدها غير البكاء على الأطلال:

تبكي الحنيفية البيضاء من أسف ... كما بكى لفراق الإلف هيمان1

على ديار من الإسلام خالية ... قد أقفرت ولها بالكفر عمران

حيث المساجد قد صارت كنائس مـ ... ـا فيهنّ إلّا نواقيس وصلبان

حتى المحاريب تبكي وهي جامدة ... حتى المنابر ترثى وهي عيدان

أعندكم نبأ من أهل أندلس ... فقد سرى بحديث القوم ركبان

كم يستغيث بنا المستضعفون وهم ... أسرى وقتلى فما يهتز إنسان

ماذا التقاطع في الإسلام بينكم ... وأنتم -يا عباد الله- إخوان

1 مرثية أبي البقاء الرندي في ضياع الأندلس -نهاية الأندلس- عنان .

ثالثًا: الطريق إلى الأندلس

هو الطريق المضاد لطريق الضياع،

هو معنويًّا: من خلال النفس: أن يعمرها الإسلام والإيمان.

وهو إعداد من خلال الصف: أن تعود إليه وحدته، فتعود الأمة الواحدة والدولة مسلَّحة مع الإيمان، بما استطاعت من قوة.

وهو استراتيجيًّا: واجب الصف الإسلامي الأوَّل المرابط هناك في أرض المغرب الإسلامي، فليس بينها وبين الأندلس غير خطوات.

فلا بُدَّ أن تعود الأندلس، فردوس الإسلام المفقود، الذي رفرف عليه علم الإسلام ثمانية قرون.

لا بُدَّ أن تعود الأندلس -أرض المسلمين، والجهاد لعودتها فرض عينٍ تمامًا كالجهاد لاستعادة فلسطين.

فلسطين المسلمة

ونحن نتعرّض لحاضر فلسطين باعتباره جزءًا من حاضر العالم الإسلامي يشكل قضية ومأساة, ولا نتعرض للماضي كتاريخ، وإنما نكتفي بوقائع سريعة في معرض بياننا كيف استُلِبَ الوطن الإسلامي في فلسطين، ثم نعرض لحاضر فلسطين من الناحيتين السياسية والاجتماعية, ثم نظرة إلى مستقبل فلسطين.

أولًا: كيف استُلِبَ الوطن الإسلامي في فلسطين

أ- تاريخ:

البعض يرجع ذلك تاريخيًّا إلى أوّل مؤتمر صهيوني انعقد في بال 1897 بزعامة تيودور هرتزل؛ حيث قرَّر اتخاذ فلسطين وطنًا قوميًّا لليهود، ووضع التخطيط اللازم للتنفيذ؛ فسار في خطَّين: خط دفع اليهود إلى الهجرة إلى فلسطين، وخط البحث عن الشرعية الدولية التي تساند هذا الاغتصاب أو تستره، وفي الوقت نفسه القوة الدولية التي تحمي هذا الاغتصاب بالقوة وبالشرعية معًا.1

وتأسَّس البنك الوطني اليهودي لهذا الغرض, وتأسَّست معه الجمعيات اليهودية العديدة التي تزكي في اليهود روح الصهيونية2, وكان ذلك تنفيذًا للخطِّ الأول, وبدأت الهجرة تسير في خطٍّ بيانيٍّ بدأ بعدة آلاف، وانتهى اليوم بأكثر من ثلاثة ملايين نسمة.

وفي مدينة القدس الإسلامية -على سبيل المثال- كان عدد السكان اليهود

1 أوضح هرتزل الهدف من المؤتمر بقوله: "نحن هنا لكي نضع حجر الأساس للبيت الذي يؤوي الأمة اليهودية".

وتبنَّى المؤتمر بيانًا أكَّد الغرض الصهيوني بقوله: "إن هدف الصهيونية هو خلق وطن في فلسطين للشعب اليهودي يضمنه القانون العام".

وجرى تعيين أربع وسائل لهذا الغرض:

1- تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين.

2- تنظيم يهود العالم كافَّة, وربطهم سويًّا بواسطة الطرق الملائمة.

3- تعزيز الشعور والوجدان القومي اليهودي وتنميتهما.

4- اتخاذ الخطوات الكفيلة بنيل موافقة حكومية على أهداف الصهيونية.

"تصريح بلفور في نظر القانون الدولي -د. ت مالسون "جونيور" من كتاب تهويد فلسطين.

المرجع السابق.

2 راجع مقال جون رودي حركات استلاب الأرض.

تهويد فلسطين .

فيها صفر% سنة 1170م, "القرن الثاني عشر" واحد يهودي, سنة 1750م "القرن السابع عشر" 150 يهوديًّا, سنة 1977م "القرن العشرون" 142000 مائة واثنين وأربعين ألف يهودي.

وبدأ انتزاع الأرض من أيدي أهلها بالإغراء بالمال رغبًا, ثم بالتخويف والبطش بعد ذلك رهبًا

وسار انتزاع الأرض يأخذ الخط البياني التالي:

في العشرينات: تراوحت ما بين 17.497 سنة 1923 إلى 176.124 دونمًا عام 1926.

في الثلاثينات: تراوحت ما بين 18.893 سنة 1932 إلى 36.991 دونمًا عام 1933, إلى 67.114 سنة 1935.

في الأربعينيات: وفي نهاية سنة 1946 قدرت السلطات البريطانية ما يملكه اليهود بمساحة 1.624.000 دونمًا، ومع ذلك فلم تكن تمثل غير 7% من مساحة فلسطين.

وفي سنة 1967: ملكت إسرائيل كل أرض فلسطين وأضعافها, وتحقيقًا للخط الثاني كانت محاولة الشرعية الأولى مع دولة الخلافة,

1 راجع معركة الإسلام -أو وقائعنا في فلسطين بين الأمس واليوم, الأستاذ محمد محمود الصواف, .

وراجع كذلك العرب واليهود في الماضي والحاضر والمستقبل للمستشار محمد عبد الرحمن حسين, وفيه يشير إلى مقابلة هرتزل للسلطان.

وكذلك

وقد كتب هرتزل في مذكراته يقول: "وضُمِّنَ هذا النطاق جند العمليون والسياسيون التدخل الدبلوماسي المباشر لدى السلطان, بقصد الحصول على اتفاقٍ صريح يتسنَّى بموجبه قيام استعمار يهودي بفلسطين على نطاق واسع, ويتمتع باستقلال ذاتي" -يوميات هرتزل- نيويورك 1956,.

ويذكر هرتزل نصّ رد السلطان العثماني عليه في مذكراته فيقول: انصحوا الدكتور هرتزل بألّا يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع؛ لأنني لا أستطيع أن أتخلَّى عن شبر واحد من الأرض، فهي ليست ملك يميني, بل ملك شعبي، ولقد ناضل شعبي في سبيل هذه الأرض ورواها بدمه -وليحتفظ اليهود بملايينهم، وإذا مزقت إمبراطوريتي يومًا فإنهم يستطعيون عندئذ أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن, أمَّا وأنا حيٌّ فإنَّ عمل مشرط الجراح في بدني لأهون عليَّ من أن أرى فلسطين قد بترت من إمبراطوريتي، وهذا أمر لن يكون؛ لأني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة.

مع السلطان عبد الحميد رحمه الله.

قيل: إن هرتزل قابل للسلطان عبد الحميد بنفسه".

وقيل: إنه أوفد إليه وفدًا من ثلاثة هم:

1- مزراحي قرصو "زعيم اليهود في سلانيك".

2- جاك.

3- ليون "وهما كذلك من زعماء اليهود".

وعرضوا على السلطان عبد الحميد "في حضور تحسين باشا رئيس الوزراء":

أ- أن يقوم اليهود بوفاء الديون المستحقَّة على الدولة العثمانية "وقدرها 133 مليون ليرة إنجليزية ذهبية".

ب- بناء أسطول لحماية الإمبراطورية العثمانية "يتكلَّف 120 مليون فرنك فرنسي".

ج- تقديم قرض بدون فائدة "قدره 35 مليون ليرة ذهبية" لإنعاش مالية الدولة ومواردها, وذلك مقابل السماح لليهود بدخول فلسطين للزيارة في أيّ يوم من أيام السنة، والسماح ببناء مستعمرة لهم قرب القدس الشريف؛ وقد رفض الخليفة المفترى على تاريخه

وقيل: إنه بصق في وجه زعيمهم:

ب- أرض بلا شعب إلى شعب بلا أرض "إسرائيل زانغويل".

وكانت المحاولة الثانية في البحث عن الشرعية الدولية والحماية الاستعمارية عن طريق بريطانيا العظمى، واستطاع اليهود خلال الحرب العالمية الأولى والثانية أن ينجحوا في المشاركة في هذه الحرب, مما استمال بريطانيا العظمى إليهم، ثُمَّ كانت صلات هرتزل ووايزمان من بعد استثمارًا لهذه المشاركة, واستفادة منها ... 1.

1 كان ثَمَّة تفكير آخر لبسط حمايتها ولاستمرار الشرعية عن طريقه, ففي أكتوبر سة 1898 كتب هرتزل في مذاكراته "يوميات هرتزل - ترجمة وتحرير مارتن لوفنثال نيويورك سنة 1956, كتب يقول: "إن العيش تحت حماية ألمانيا القوية والعظيمة، الأخلاقية والمحكومة بشكل رائع، ألمانيا في تنظيمها الشامل، سوف يكون من شأنه دون ريب إحداث تأثيرات بالغة الفائدة على الخلق القويم لليهود، وكذلك سوف يتاح لنا بضربة واحدة الحصول على وضع قانوني تام من الناحيتين الداخلية والخارجية ... ".

وفي الوقت الذي كانت بريطانيا "العظمى" قد أعطت العهد للشريف حسين بمنح الاستقلال للدول العربية، والسماح بقيام خلافة "عربية إسلامية" يقوم عليها أحد الأصلاء من مكة أو المدينة -في نفس الوقت كانت الاتصالات باليهود قائمة، وكان التعاطف معهم أشد، وتَمَّ عقد اتفاقيتين سريتين في مارس سنة 1916 بين روسيا وانجلترا وفرنسا، وفي مايو سنة 1916 بين الدولتين الإخيرتين "والتي عرفت بمعاهدة سايكس-بيكو", وتقرَّر وضع أقليم فلسطين تحت حكم دولي يتمتَّع اليهود في ظله "بالمساواة السياسية والدينية والمدنية"1.

ولم يعرف الشريف حسين الذي وثق في شرف بريطانيا "العظمى" بأمر هذه الاتفاقات إلّا بعد ستة شهور, وبعد قيام الثورة البلشفية في روسيا؛ حيث أعلنت عن هذه الاتفاقيات2.

وفي 2 فبراير سنة 1917 أصدر اللورد "بلفور" وزير خارجية بريطانيا "العظمى" للتصريح التالي3:

"إن حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي، وسنبذل جهدنا لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جليًّا أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن يضير الحقوق المدنية والدينية التي تتمتَّع

2 انطونيوس -تغطية العرب- مشار إليه في كتاب العرب واليهود للمستشار محمد عبد الرحمن حسين ، وانظر الخطابات المتبادلة بين الشريف حسين وبريطانيا، وما بعدها من كتاب فلسطين إليكم الحقيقة.

3 وذلك بعد تعديل اتفاقية سايكس بيكو بما يكفل حذف شرط تدويل فلسطين من الاتفاقية3

بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى".

وبهذا أعطي "من لا يملك" لمن لا يستحق أوَّل حماية يتمّ التصريح بها، وأوَّل خطوة على طريق الشرعية الزائفة, ومع ذلك اعتبرها الصهيونيون تصديقًا بريطانيًّا رسميًّا على إنشاء دولة يهودية في فلسطين, وذلك عن طريق الهجرة الجماعية وابتياع الأراضي1، ووافقت على التصريح فرنسا وإيطاليا في فبراير سنة 1918, وأمريكا في أكتوبر سنة 1918 2.

وكانت تتمَّة المؤامرة البريطانية-الغربية, إعلان الانتداب على فلسطين بعد ضمِّها مع شرق الأردن والعراق إلى بريطانيا, واكتشف الشريف حسين ومن وراءه من العرب أنَّ فلسطين قد سُلِّمت لليهود، وأنَّ العرب جرى اقتسامهم بين الدول الحليفة3.

1 انظر Ziomismeand the World peace -1919-369.

2وقد كشف الصهاينة عن شعورهم في مؤتمرهم المنعقد عام 1918 بمدينة بيتنسبورج "بعد إقناع الحكومات القوية لكلٍّ من بريطانيا العظمى وفرنسا وإيطاليا، وبعد الحصول على المصادقة من رئيس الولايات المتحدة، صرنا نشعر بأننا كسبنا قضيتنا أمام العالم، وأنه لا لزوم البتَّة لهدر طاقات ثمينة على محاولة إقناع معارضة تافهة الأهمية، إن الكومنولث اليهودي في فلسطين هو حقيقة قائمة, ونحن الآن نقوم بتعيين حدود الدولة".

Zinoisme the paces Conference, public, XX 11 (february J,1919) 11Z.

3الصهيونية كمرحلة من مراحل الإمبريالية الغربية, ريتشارد ب. ستيفنز, من كتاب تهويد فلسطين لإبراهيم أبو لغد.

وقد جاء في ميثاق عصبة الأمم عن الأهداف الرئيسية لنظام الانتداب:

"إن المستعمرات والأقاليم التي كان من عواقب الحرب الأخيرة أنها لم تعد تحت سيادة الدول التي كانت تحكمها قبلًا، والتي تقطنها شعوب لم تقوَ على الوقوف على قدميها في الظروف الشديدة الوطأة للعالم الحديث، ينبغي أن يطبَّق عليها المبدأ القائل بأن صالح مثل هذه الشعوب وتطورها يمثلان وديعة مقدسة في ذمة المدنية (!!) .

وأن الضمانات الكفيلة بتحقيق هذه الوديعة يجب إدراجها في نص الميثاق".

"الفقرة الأولى من المادة 22.

وفي الفقرة الثالثة من توطئة صك الانتداب:

"ولما كان ذلك اعترافًا "غير تصريح بلفور" بالصلة التاريخية التي تربط الشعب اليهودي بفلسطين، وبالبواعث الأساسية على إعادة تأسيس وطنهم القومي في تلك البلاد".

وكانت المحاولة الثالثة والأخيرة إعلان دولة إسرائيل في 15 مايو سنة 1948 في ظلّ حماية دولية إنجليزية أمريكية فرنسية روسية ...

وسبقتها خطوة خطيرة على طريق الشرعية الدولية, هو قرار التقسيم الذي أصدرته الأمم المتحدة في 29 نوفمبر 1947 قبل الإعلان بشهور ستة.

هذا ما يراه البعض.

ونحن معهم أنَّ هذا التسلسل كان السبيل لتنفيذ المخطَّط عمليًّا.

ج- تاريخ أقدم:

- لكننا مع البعض الآخر الذي يرجع الأمر إلى ما قبل هرتزل بقرنين أو يزيد، حين دعا الحاخام ليفا "1520-1609" من براغ- دعا إلى اتخاذفلسطين وطنًا لليهود1.

وأعقبه مورس هس "1812-1875" الذي بدأ علمانيًّا، ثم صبأ إلى الماركسية مرتبطًا مع ماركس، لكنه أعرض عن الماركسية متجهًا إلى مثالية يهودية مغرقة في حب اليهود، وأصدر كتابه "روما والقدس" سنة 1862 بسط فيه أفكاره، وتحدَّث عن أن اليهود "مدعوون مصيريًّا لتحويل العالم".

وبدأت الصهيونية المنظَّمة، وظهرت حركة "أحباء صهيون" تحت زعامة ليوبنسكر "1821-1891" في مطلع الثمانينات.

وفي أواخر الثمانينات والتسعينات جرت صياغة عقيدة الصهيونية على يد مدارس متعددة2.

1 الرؤيا والقصد في الفكر الصهيوني, آلان ر.

تايلور, المرجع السابق: تهويد فلسطين .

2 المرجع السابق.

فالصهيونية العملية: ومن أشهر زعمائها دافيد غوردون "1856-1922", وقد جدَّد حركة "أحباء صهيون" التي تقوم على العمل في أرض إسرائيل, وإنشاء المستوطنات والمستعمرات.

والصهيونية السياسية: ويقوم على زعمامتها ليوبنسكر في أوربا الشرقية، واليهودي الهنغاري تيودر هرتزل "1860-1904".

ويقال: إن كليهما في البداية لم يكن مقتنعًا باتخاذ فلسطين وطنًا قوميًّا لليهود, وإن هرتزل كان في البداية يفضّل مواقع أخرى مثل: الأرجنتين وقبرص وشبه جزيرة سيناء, لكنه مع المؤتمرات الصهيونية التي انعقدت تغلَّب الاتجاه إلى فلسطين.

وقد يؤكّد القول بأن هرتزل في البداية لم يكن متجهًا إلى فلسطين محادثائه مع الزعماء الإنجليز التي تَمَّ بناءً عليها إيفاد بعثة إلى سيناء سنة 1906؛ لبحث مدى صلاحيتها على الطبيعة, لكنه من ناحية أخرى:

فإن سيناء ملاصقة لفلسطين, وهي من ناحية التقديس عندهم لا تقل عن فلسطين, ففيها كلَّم الله نبيه موسى، وفيها كتبت الألواح, ونزلت الوصايا العشر، ثم هي امتداد طبيعي لدولة إسرائيل الموسَّعة، كما تكشَّفت أطماعهم عنها بعد ذلك "من الفرات إلى النيل، ملكك يا إسرائيل".

أما الصهيونية الثقافية: فقد تزعَّم جناحها أحدها عام "1856-1927", وقد أعلن أن وجود الأمة اليهودية بخصائصها المتأصّلة هو ما يحقق الإنسان الأكثر كمالًا1.

ونحن نرى أن مراحل استلاب الوطن الإسلامي في فلسطين جرت على النحو التالي:

1- قبل القرن السادس عشر الميلادي:

كان الأمر مجرَّد أمل لم يصرح به.

2- منذ القرن السادس عشر الميلادي:

كانت مرحلة التفكير والدعوة.

3- منذ القرن التاسع عشر الميلادي:

كانت مرحلة التخطيط.

4- في القرن العشرين:

كانت مرحلة التنفيذ.

وغني عن الذكر أن لا حقَّ لليهود -تاريخيًّا- في أرض فلسطين, فإنها منذ السنة الخامسة عشرة الهجرية أرض إسلامية, وهي قبل هذا التاريخ أرض عربية، وطوال خمسة آلاف سنة, فإن عمر اليهود على هذه الأرض الطيبة لم يجاوز 140مائة وأربعين سنة على فترتين، الفترة الأولى: بين سنة 1000 قبل الميلاد حتى سنة 927 قبل الميلاد, والفترة الثانية: بين سنة 142 قبل الميلاد حتى سنة 75 قبل الميلاد كذلك.

د- أمَّا الأسباب التي أدَّت إلى نجاح اليهود في استلاب الوطن الإسلامي في فلسطين،

فنحن نرجعها إلى الأسباب الآتية:

1- تخطيط اليهود وصبرهم على إنجاحه.

وقد بدأ التخطيط تفكيرًا من مفكريهم كما أشرنا، ثم انتهى إلى إقرار خطة في مؤتمر بال 1897 ترمي إلى تنمية الهجرة وشراء الأرض من ناحية، والبحث عن الحماية الدولية من دولة عظمى تظلها الشرعية الدولية الزائفة من ناحية أخرى.

ويقال: إن البروتوكولات وضعت في المؤتمر الصهيوني الأول.

وكلتا الخطتين تدلان على معرفة بأغوار النفس الإنسانية، وإدراك بالجو الدولي الموجود, واستغلال لأحداثه.

وصبرهم على تنفيذ ذلك التخطيط رغم الأحداث الجسيمة التي واجهتهم من بعده، فالاضطهاد الذي حدث لهم في مشرق أوربا، ثم الاضطهاد الذي حدث لهم في ألمانيا على يدي هتلر، ثم العقبات التي قامت في طريق إقامتهم دولتهم من مقاومة الشعب الفلسطيني, وانضمام الشعوب العربية الإسلامية إلى هذه المقاومة، ومن قبلها رفض الخلافة العثمانية لوجودهم، وتآمرهم على هذه الخلافة بما صرَّح به هرتزل في مذكراته من أنَّ السلطان عبد الحميد رفض الملايين العديدة لقاء فلسطين، فقبل حزب الاتحاد والترقي مليونين لتنفيذ نفس الغرض1.

كل ذلك وغيره يكشف عن حسن تخطيط, وعن صبر في التنفيذ.

وفي مقابل ذلك -ونقررها بكل أسف: انتفى التخطيط لدى الأمَّة الإسلامية, أو بالأصح لدى اليقظى من الأمة الإسلامية, وتوافر عندهم إخلاص بغير تخطيط، شابه في كثير من الأحيان "قلة الصبر" على التنفيذ، واستجابة لغير المخلصين؛ لإنهاء أوضاع تقلق اليهود2.

2- إبعاد الإسلام عن المعركة:

واضح أن الإسلام كان الخطر الأول في المعركة.

أولًا: بما يحمله لأبنائه من عقيدة تؤثر الموت في سبيل الله على الحياة

1 تروي وثائق الباب العالي في استانبول كيف أوعزت الحركة الصهيونية العالمية إلى جماعات منها بالتسلل إلى تركيا عن طريق طائفة يهود الدونما, التي تظاهر أفرادها بالإسلام, وحمل هؤلاء أسماء تركية حتى يتسنَّى لهم الانضمام إلى الحركات الوطنية.

"راجع مجلة البلاغ الكويتية عدد 431 في 24 ذي الحجة 1397هـ 4 ديسمبر 1977".

2 على سبيل المثال عندما أندلعت الثورة في فلسطين تلقَّت اللجنة العربية العليا من الأمير عبد الله والملك غازي والملك ابن سعود النداء التالي: "إلى أبنائنا عرب فلسطين".

لقد تألَّمنَا كثيرًا للحالة السائدة في فلسطين, فنحن بالاتفاق مع إخواننا ملوك العرب والأمير عبد الله ندعوكم للإخلاد للسكينة حقنًا للدماء, معتمدين على حسن نوايا صيدقتنا الحكومة البريطانية, ورغبتها المعلنة لتحقيق العدل، وثقوا بأننا سنواصل السعي في سبيل مساعدتكم..

في ظلِّ عبودية تفرضها أذل أمة في الأرض، وبما يحمله كذلك دعوة إلى الجهاد, واعتباره فرض عين إذا غزيت ديار الإسلام.

هذه العقيدة من غير سلاحٍ كفيلة -بإذن الله- بتحقيق النصر.

فإذا أضفنا إليها أمر الإسلام:

{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60] .

لو أحسنا فهم الأمر الرباني لوجدنا أن الإسلام يأمر:

أ- بالتخطيط القوي؛ وهو ما يحمله لفظ الإعداد, وما يحمله لفظ القوة.

ب- بالإعداد المعنوي.

ج- بالإعداد العسكري؛ حشدًا، وتدريبًا، وتسليحًا.

د- الإكثار من السلاح الثقيل, وهو ما تعنيه "رباط الخيل" بعد "القوة", فهو تخصيص للأهمية والخطر.

ثانيًا: ما يحمله دخول الإسلام المعركة من دخول ثقل بشري لا قِبَلَ لليهود به, ونعني به الأمة الإسلامة التي تناهز اليوم ألف مليون من البشر.

ثالثًا: ما يحمله دخول الإسلام من ثِقَلٍ سياسي واقتصادي لا قِبَلَ لليهود بمواجهته؛ فمصالح أصدقاء إسرائيل أكثرها في أمم الإسلام.

واحتياجات مناصري اليهود الاقتصادي أكثرها في قبضة المسلمين.

أما عن مظاهر إقصاء الإسلام عن المعركة وكيفيته:

فقد بَدَا بَدْأً بما رتَّبه اليهود داخل دولة الخلافة نفسها, وقام على تنفيذه يهود الدونمة, ومنهم ومعهم حزب الاتحاد والترقي, وحزب تركيا الفتاة،

وهو ما عناه الكاتب الروسي سرجس نيلوس من اقتحام الأفعى للآستانة في طريقها إلى فلسطين1.

ثم تأكَّد ذلك بإقصاء السلطان عبد الحميد الذي رفض عرض اليهود2, ثم بالقضاء على الخلافة نفسها التي ما كان يمكن أن تسلِّم بقيام وطن يهودي وسط وطنها.

واستمرَّت محاولات إقصاء الإسلام عن المعركة بتكوين الجامعة العربية "بدلًا من الجامعة الإسلامية" بفكر وزير الخارجية الإنجليزي, وقبل تمام الكارثة بثلاث سنوات, ويحمّل الجامعة العربية لواء الجهاد من أجل فلسطين, ثم تخدير بقية العالم عن النهوض للمعركة.

وزاد إقصاء الإسلام عن المعركة بدخول جيوش سبع دول عربية إلى المعركة, فما حاجة بقية المسلمين للجهاد وقد تولَّته جيوش سبعة فيها أبطال ومغاوير.

وحين دخل عنصر إسلامي شعبي إلى معركة فلسطين، وحين صرَّح إمامهم الشهيد بإعلان التعبئة الدينية للجهاد في فلسطين, وعزمه دخولها في عشرة آلاف مقاتل فدائي.

وحين ذاق اليهود بأس أولئك المسلمين بما شهدوا هم به, وبما شهد به قادة الجيش المصري أمام القضاء المصري.

1 من ترجمة البروتوكولات لمحمد خليفة التونسي.

2 كتب ريتشارد غوتهايل "رئيس الفرع الأمريكي للمنظمة الصهيونية في ذلك الحين يقول: "بين اليهود ما من أحد يخفق قلبه فرحًا وابتهاجًا مثلما يخفق قلب الصهيونيين "على انقلاب تركيا الفتاة", إن حجر الزاوية في السياسية التي اتبعها تيودور هرتزل خلال معاملاته المختلفة مع السلطان كانت الإقرار الصريح بالحقوق السيدة للباديشاه في الممتلكات الخاضعة لصولجانه، والرغبة في جعل تحقيق المثل الصهيونية مصدر كسب مادي, وتقدم فكري للإمبراطورية العثمانية، هذه هي الفكرة الأساسية في العروض المقدَّمة منه إلى السلطان, وفي الخطب التي ألقاها في المؤتمرات الصهيونية.

حين كان ذلك تَمَّت طعنة الفدائيين المسلمين من الخلف على يد الحكومة الحاكمة في ذلك الحين, فأصدرت قرارًا بحلّ جماعتهم، وقرارًا باعتقالهم، وكانت تتمَّة الخيانة قتل إمامهم في ميدانٍ عام على يد بعض رجال الشرطة السريين1.

وفي كل مرة كان يتم لإسرائيل التوسّع في عامي 1956، 1967 كان يتم إدخال العنصر الإسلامي إلى السجون، ولا يمكن أن يكون هذا الأمر مع تكرره في أعوام 48، 54، 65 من قبيل المصادفات السعيدة.

وتكشف وثيقة تضمنها حكم قضائي صدر في مصر في 30/ 3/ 1975 عمَّا كانت تحمله السلطة الحاكمة وقت التوسُّع من أعداء للإسلام والمسلمين وتخطيط للقضاء عليهم1.

3- إقصاء الشعب الفلسطيني عن المعركة:

منذ ذاق الإنجليز ومن بعدهم اليهود بسالة الشعب الفلسطيني وتضحيته وتصميمه على الدفاع عن وطنه، وإذ عرفوا أنه صاحب المصلحة الأول في الدفاع عن التراب الإسلامي في القدس وفلسطين, ومنذ ظهر منه أمثال الشهيد "عبد القادر الحسيني" قائد منطقة القدس, والشهيد "حسن سلامة" قائد المنطقة الوسطى,

1 راجع الإخوان المسلمون في حرب فسلطين, للوزير الأردني كامل إسماعيل الشريف.

وراجع كتاب "مذابح الإخوان في سجون ناصر" وقد أورد وثيقة بأرقامها تشير إلى اجتماع سفراء انجلترا وأمريكا وفرنسا في فايد في 10/ 11/ 1948, وقرارهم اتخاذ الإجراءات اللازمة بواسطة السفارة البريطانية في القاهرة لحلّ جمعية الإخوان المسلمين", مع تغطية هذا القرار بأنَّ سبب طلبه الانفجارات التي حدثت بالقاهرة, والتي نُسِبَت إلى أعضاء في جماعةالإخوان.

والوثيقة الثانية تشير إلى استجابة السفارة لطلب القيادة العليا للقوات البريطانية في اتخاذ الخطوات الدبلوماسية لإتمام حل الجماعة في أسرع وقت ممكن.

ويشير الكتاب إلى أن إبلاغ رئيس الحكومة بهذا الطلب كان مشفوعًا بتبليغ شفوي بأنَّه في حالة عدم حل الإخوان, ستعود القوات البريطانية إلى احتلال القاهرة والإسكندرية.

" من الكتاب المذكور, تأليف الأستاذجابر رزق, دار الاعتصام, الطبعة الأولى, 1397-1977".

2 الوثيقة نشرت في كتابي: في الزنزانة، عندما يحكم الطغاة, للدكتور على جريشة.

فقد قرروا إقصاءه عن المعركة.

وكانت قمَّة التخطيط والتنفيذ إدخال سبعة جيوش عربية إلى فلسطين؛ لتخوض المعركة مع اليهود "بالنيابة" عن الشعب الفلسطيني.

وسبقها وعاصرها حرمان الشعب الفلسطيني من التدريب ومن التسليح, وتشكيك الجيوش العربية في أمانة الشعب الفلسطيني، واتهامه بالعمل لحساب العدو اليهودي.

وكنا نعجب كيف لجيش عربي يقوده إنجليزي صريح أن يخوض حربًا لصالح المسلمين، وضد اليهود الذين ضمن لهم الإنجليز بالوعد والتخطيط والتنفيذ قيام وطن لهم في فلسطين, وكنا نعجب لجيش, بل جيوش أخرى في بلاد يحتلها الإنجليز, كيف سمحوا لها بالمرور إلى فلسطين.

حتى أدركنا أن المطلوب هو إقصاء الشعب الفلسطيني عن المعركة, وفعلًا نجحت الخطة, وأقصي الشعب الفلسطيني عن المعركة, وسلمت أراضي فلسطين جزءًا جزءًا من الجيوش العربية الباسلة إلى إسرائيل المزعومة.

وبعد أن انتهت حرب فلسطين سنة1948 كان الشعب الفلسطيني قد تَمَّ إقصاؤه حربيًّا من المعركة, وتَمَّ بعد ذلك إقصاؤه سياسيًّا عنها, فتحوَّلت القضية أمام الأمم المتحدة إلى نزاع بين دول ذات سيادة عربية وإسرائيلية.2

1 راجع تفصيلات أليمة في كتاب كامل إسماعيل الشريف صفحة من التاريخ الإسلامي، الإخوان المسلمون في حرب فلسطين.

2 مقدمة كتاب تهويد فلسطين للدكتور إبراهيم أبو لغد, مترجم عن الإنجليزية, منظمة التحرير الفلسطيني, مركز الأبحاث.

وحين بدت بادرة ظهور العنصر الفلسطيني سنة 1967, تَمَّ حشد القادرين منهم فيما سُمِّيَ بجيوش التحرير الفلسطيني؛ ليتمَّ التهامهم في أول ضربة لليهود في يونية سنة 1967, وقامت جيوش أخرى بالواجب في القضاء على العنصر الفلسطيني الثائر.

بعضها في مذبحة "أيلول الأسود" التي قُتِلَ فيها اثنان وعشرون ألفًا على يد جيش عربي, والبعض الآخر في مذابح تل الزعتر وما قبلها وما بعدها, وتدخَّل جيش عربي ليتمَّ النصر ويتوجَّه ويحميه1.

1 لا تزال عمليات الإبادة للعناصر النظيفة تتمّ عن طريق اغتيال بعض القيادات الفلسطينية بأيد فلسطينية عميلة، كما تتمّ عن طريق الإبادة المادية والمعنوية داخل السجون، ويقدَّر عدد المسجونين في سجون إسرائيل -حسب تصريح حاييم حيفي مدير السجون- بـ5852، لكنهم في الواقع يبلغون ضعف هذا العدد أو يزيد, ويتعرض المسجونون لمعاملة قاسية في سجون إسرائيل, وعلى لسان السجين "عمر عبد المنعم" أشار إلى بعض وسائل التعذيب, ومن بينها تكسير الأصابع وخلع الكتفين، وحز الرقبة بالسلاسل الحديدية وتهشيم الوجه ... إلخ.

وفي الوقت الذي سمع العالم عن كبوتشي لم يسمع عن الشيخ محمد أبو طير الذي اعتقل معه.

ثانيًا: الحاضر الأليم في فلسطين من الناحية السياسية

أ- الدولة شعب وإقليم وسيادة:

والشعب الفلسطيني اليوم موزَّع بين الأقطار، ممزَّق بين المنظمات والأحزاب, مما سنزيده تفصيلًا عند الكلام عن الناحية الاجتماعية إن شاء الله.

وإقليم فلسطين اليوم غير موجود على الخريطة السياسية, موجود بدلًا منه دولة إسرائيل, وهي لم تكتف بأراضي فلسطين, بل ابتلعت في توسيع سنة 1976 الجولان من سوريا, والضفة الغربية من الأردن، وشبه جزيرة سيناء من مصر, والأراضي التي ابتلعتها في التوسّع الأخير أضعاف ما امتلكت من قبل بغير حق.

ولا سيادة لشعب فلسطين على أرض فلسطين, بل ولا سيادة له في مكان آخر, والمنظمة التي نشأت في أواخر الستينات نشأت إلى جوارها تيارات أخرى, بل مزَّقها من الداخل تيارات مختلفة, وأشارت أصابع الاتِّهَام إليها في مذبحة أيلول وما لحقها من مذابح.

إنها مهدت، وأحيانًا شاركت.

وهي على أي حال قد احتوتها التيارات التي احتوت كثير من الأنظمة ومن المنظمات في المنطقة, ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم.

ب- الشرعية للغصب الإسرائيلي تتمّ باعتراف أصحاب الحق نفسه:

حرصت إسرائيل منذ قيامها بل ومن قبل قيامها أن تستر غصبها بشرعية رفضها أصحاب الحق يوم أن قالوا:

"إنَّ من لا يملك أعطى من لا يستحق".

لكنها -بكل أسف- اليوم في دور اعتراف أصحاب الحق نفسه.

ومتى تَمَّ ذلك فقد انتفى عن إسرائيل كل ما قيل من اغتصاب وسلب لأرض الإسلام, ومن هنا كانت الخطورة.

وقد سبق هذه الخطوة تمهيد على النحو التالي:

1- تمهيد إعلامي: بأنَّ إسرائيل أمر واقع، وأن لا قِبَلَ للعرب بدفعها عن فلسطين.

2- تمهيد حربي: بإحراز بطولة -ولو جزئية- في جانب العرب، ليبدو قبول "السلام" من موقع القوة، فلا يرفضه الشعب العربي باعتباره استسلامًا.

3- تمهيد اقتصادي: بإحداث خنق اقتصادي للشعب العربي في المنطقة, خصوصًا الجزء منه الذي يصدر للمعركة, حتى يلوّح "السلام" إنقاذًا للشعب مما يعانيه.

4- تمهيد سياسي: وذلك بإحاطة إسرائيل بأنظمة تعمل لحساب الصهيونية -عن قصد أو غير قصد- بتحطيم معنويات الشعوب، وتحطيم قيمهم وأخلاقهم، والتمهيد إعلاميًّا للاعتراف بالغصب, بل وللتعاون مع للغاصب، وحسبنا أن نعرف أن نظامًا ما استطاع يهودي أن يتسلَّل إليه وتسمَّى بغير اسمه، وصار يعدل في الوزارة ويبدل، وقد عرضت عليه هو الوزارة فأبى بنصيحة من كبراته في إسرائيل؛ لأن مكانه أقوى من وزير.

وفي نظام آخر وصل عملاء الصهيونية وأعضاء الماسونية إلى حد تسيير دفة الحكم والجلوس على رأسه، وكان من وزرائهم اليهودي, أو مَنْ هو متزوّج بيهودية, ولا شَكَّ أن ذلك كله لم يحدث إلّا بعد أن قامت دولة إسرائيل, وارتؤي أنَّ الأنظمة الرجعية صارت عاجزة عن تحقيق الهدف, بل هي

حجر عثرة في سبيل تحقيق الهدف, ومن ثَمَّ عرفت المنطقة "مودة" الانقلابات العسكرية1.

ج- المستقبل السياسي لإسرائيل:

المغفَّلون أو الغافلون يعتقدون أن إسرائيل بعد الاعتراف بها والصلح معها, سوف تقنع بما هي عليه, وتاريخ الصهيونية وطبيعتها وأهدافها وكتبها, كل ذلك يأبى عليها ذلك.

وحسبهم أن يقرأوا التلمود، وأن يقرأوا البروتوكولات، بل أن ينظروا إلى ما كتب في الكنيست نفسه, فلم يعد الأمر عندهم حياء.

وبِلُغَةِ أصحاب الحقّ تحدَّث رئيس إسرائيل في يوم أليم2 على أنهم أصحاب حق يستردون أرض الأجداد, وكأنَّ الذين عاشوا عليها أربعة عشر قرنًا ليسوا أصحاب حقٍّ عاشوا تحت راية الإسلام، وكأنهم قبل الإسلام حين عاشوا قرونًا عديدة ليسوا أصحاب حقوق, وتحدث رئيس إسرائيل عن العبقرية اليهودية وعمَّا يمكن أن تفعله في المنطقة.

ولئن كان حديثه عن الناحية الاقتصادية, فإننا نقدم عليها الناحية السياسية، فنقول: إنه إن ظل الوضع المفتوح فبوسع العبقرية اليهودية أن تفعل ما تشاء في المنطقة، ولها أن تحرك الدُّمَى بما ترى، ولها أن تغير

1 راجع ما كتبناه في كتاب أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي.

وراجع كذلك ما كتبه المؤرخ الصهيوني "إيرل برغو" في كتاب العهد والسيف.

عند ذلك شعرت إسرائيل أن القوى التي تغذي شعور العداء ضدها في العالم العربي هي العناصر الرجعية:

رجال الإقطاع، السياسيون القدامى، المشايخ، جميع العناصر التي تخسر كثيرًا إذا سادت في المنطقة اشتراكية إسرائيل النموذجية.

وكان ابن جوريون شديد الإيمان بالقضاء على هؤلاء جميعًا حين طلب في الكنيست قبل ثورة الضباط الأحرار أن تتحلى بالصبر؛ لأن السلام لن يكتب لإسرائيل ما دام العالم العربي في قبضة الرجعيين، وأن الخطوة التي يجب أن تسبق الصلح مع إسرائيل هي إقامة ديمقراطية شعبية في البلدان العربية، لهذا كانت حاجة إسرائيل لثورة الضباط الأحرار أشد من حاجة المصريين

2 هو يوم وقفة عرفات 1397.

الدمى إن ضاقت بها الشعوب, أو أحاطتها الشكوك, ولها أن تمضي في التوسُّع بعد ذلك غير عابثة بالضمانات, فما ضمانات اليوم بأعظم ولا أبقى من وعود الأمس وقرارته.

كل ذلك لأنَّ إسرائيل أسقطت من حساباتها حاليًا الإسلام وأهله, بعد ما نزل على رءوسهم من ضربات تدوّخ وتكسر وتقتل.

لكن عقيدتنا في الله لم تتزعزع، وإيماننا بانتصار الإسلام لم يهن ولن يهون {وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} .

ثانيًا: من الناحية الاجتماعية

أ- شعب تمزَّق:

مزَّقته الخلافات قديمًا وحديثًا1.

ومزَّقه التشريد وحياة الخيام.

ومزَّقة الجوع والعري والمرض.

ب- شعب تحلَّل:

تحلَّل فكريًّا بعد ما مزَّقته تيارات عديدة: علمانية، شيوعية، وجودية، يهودية2, وتحلَّل خلقيًّا بعد ما مزَّقه التشريد والحاجة، وسرى فيه الانحلال3، وتحلَّل أسريًّا بعدما تمزقت الأسرة الواحدة بين بلاد

1 يقول الدكتور إبراهيم أبو لغد: "فالانشقاقات الداخلية في الحركة الوطنية الفلسطينية وهي التي ظهرت بوضوح خلال الثلاثينات ... " المرجع السابق، وتضيف أنه كذلك حديثًا بين المنظمات بتياراتها المختلفة, أو داخل المنظمة الواحدة.

2 حرص اليهود على هذا التحلُّل الفكري في أي اتجاه إلّا اتجاه الإسلام, ومن ثَمَّ فإنك تجد في فلسطين المحتلة:

أ- التبشير يعمل لصالح النصرانية والصليبية: ويجد كل تشجيع, وله هناك مراكز مثل المستشفى المعمداني, وكثير من الكنائس, وهو إذ يعجز عن نقل المسلمين إلى النصرانية, فإنه يكتفي بإبعادهم عن الإسلام.

ب- الشيوعية :وهي نشطة جدًّا في فلسطين المحتلة، وهناك حزب شيوعي عربي يسند عمله مع حزب "راكاح" الإسرائيلي الشيوعي, وإن لم يكن ذلك معلنًا أو ظاهرًا, ومن أهم مراكز الدعوة إلى الشيوعية:

جامعة ببر زيت في قضاء رام الله.

وجامعة بيت لحم الذي يوجد فيها إلى جوار النشاط الشيوعي النشاط التبشيري, ولهم الصحف التالية:

1- الاتحاد.

2- الفجر.

3- الشعب.

3 يساعد على الانحلال في شعب فلسطين طبقًا للتخطيط اليهودي:

أ- حياة اللاجئين في المخيمات.

وأقطار, ولم يعد فيها من ينصت إلّا لنداء البطن وما حوى.

كل ذلك إلّا من رحم ربي.

ج- شعب يهودي:

"إنَّ أمام العرب في إسرائيل ثلاث خيارات:

أ- اعتناق الدين اليهودي.

ب- الطرد خارج البلاد.

ج- الإبادة التامَّة.

"ابن جوريون"

"سنصل إلى وقت تعرف فيه كيف نمنع من لا يضع القلنسوة اليهودية فوق رأسه أن يعيش بيننا" "جولدا مائير".

"إن فرعون أخطأ ولم يصب الغرض؛ حيث سلك ببني إسرائيل الإرهاب والتنكيل فانتصروا عليه, وسجَّل التاريخ عليه لعنات ما اقترفه، ولكنه لو أنشأ مدارس وجامعات يغيِّر فيها أفكارهم، ويقتلهم قتلًا معنويًّا, ويجعلهم ينحرفون عن هدفهم الأصلي، فيعيشون عالة على غيرهم بلا هدف يتفانون في تحصيله، لو فعل ذلك لأراح، ولسجَّل التاريخ مفخرة خدمة العلم بدلًا من لعنات البطش والإرهاب، "الفيلسوف الهندي أكبر إله آبادي".

ب- الاختلاط في المدارس والجامعات.

ج- الاختلاظ في المصانع وجرِّ الفتاة العربية العمل في المصانع تحت ضغط الحاجة المادية.

د- مناظر الفتنة التي تتعمَّدها اليهوديات من ملابس كاشفة حتى داخل حرم المسجد الأقصى.

هـ- ممارسة الدعارة, وتخصيص بعض الفنادق لها، وممارستها في بعض الحدائق العامَّة الكثيفة.

ز- وسائل الإعلام المختلفة وما تدعو إليه, وهو ما يعترفون به في مخططاتهم المعروفة.

ولتحقيق هذه الغاية تمضي برامج الإعلام، ومناهج التعليم لتحقيق هذه الغاية1.

ولتحقيق هذه الغاية تمضي السياسة الاقتصادية نحو تنمية الحاجة لدى العرب القاطنين القانطين داخل إسرائيل.

ولهذه الغاية تمضي سياسة "التهجير" و"الاستيطان" ونزع ملكية العرب المقيمين في فلسطين2.

1 سيطرت إسرائيل على كافة المدارس العربية، وقامت بتغيير المناهج بما يكفل قطع صلة العرب عن ماضيهم, وأدخلت اللغة العبرية بالمدارس، ودرِّس التاريخ اليهودي والحضارة اليهودية, وعدلت سائر المناهج بما يخدم غرض التهويد.

راجع

التحدي الصهيوني - في مناهج التعليم العربي في إسرائيل, ماجد عرسان الكيلاني - الطبعة الأولى 1392-1972م, وجامعة بيرزيت في قضاء رام الله تكاد تكون شيوعية صرفة، وبجامعة بيت لحم كذلك.

وهم يستعدون لإقامة جامعة "يهودية" -وذلك مع النشاط التبشيري في الجامعات وخارجها.

2 في سبيل ذلك, وإلى جوار ما قامت به من قبل, قامت من سنة 1970 بهدم بيوت كثيرة حول المسجد الأقصى, وصادرت أراضي القرى المحيطة بالقدس، وبين سنتي 72، 1975 صادرت مساحات واسعة من قرى أبو ديسن، بكاريا، عرب النعامدة، العبيدية، العنبرية، نحاتا, وأنشأت 12 حيًّا سكنيًّا يهوديًّا، ومنطقتين صناعيتين, ووحدة طلابية، ووحدة عسكرية.

كما أقامت 84 مستوطنة, منها 36 بالضفة الغربية, ولا تزال ماضية في طريقها.

وفي 20/ 9/ 1975 نشرت صحيفة دافار "صرَّح مسئول إسرائيلي كبير أنَّ خارطة القدس الموسَّعة التي تمت الموافقة عليها مؤخَّرًا بالكنيسيت, والتي رسمت بإيعاز من رئيس الحكومة, قد شملت الضواحي التالية: حيّ الخان الأحمر 70.000 دونم شرقًا، وقرية بيت آيل, يعني: بيتين شمال مدينة أسبيرة شمالًا، ومدينة الخليل, أو كريات أربع جنوبًا, "والأخيرة أنشئت سنة 1968وسكانها من اليهود المتدينين"، والطرون بيت شمش غربًا.

- ونشرت جريدة دافار "في 14/ 4/ 1975 اتسمت سنة 1974 بارتفاع وتعزيز الإسكان اليهودي بالقدس في الأحياء الجديدة التي شرع في إقامتها, وأقيمت كحزام من حول المدينة.

وبهذا يكون عدد اليهود الذين سكنوا القدس خلال السنوات العشر الأخيرة 142 ألف شخص.

- وتقدَّر المناطق التي تخطط إسرائيل لاحتوائها بحوالي 30% من مساحة الضفة الغربية, وفيها 25 ألف مواطن.

ثالثًا: مستقبل فلسطين

الحديث عن المستقبل حديث شائك؛ إذ لا يعلم الغيب إلّا الله, لكن الله سبحانه أجاز لنا "الإعداد", وذلك قوله: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} , والإعداد يقتضي "التوقع" بالنسبة للسمتقبل, والعمل على أساسٍ من ذلك التوقع.

والله سبحانه وتعالى جعل لنا كذلك "سننًا كونية" تعيننا على ذلك التوقع، منها ما يؤخذ من قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11] ومن قوله: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140] ومن قوله: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] .

فمن خلال هذا وذاك نستطيع بعون الله -دون رجمٍ بالغيب- أن نرسم صورة المستقبل من خلال الأحداث، ثم نحاول رسمها من خلال الإيمان.

2- المستقبل من خلال الأحداث:

من خلال الأحداث يستطيع المجتهد أن يستنبط ما يلي

أ- لا مستقبل لفلسطين:

ذاك منطق الأحداث وتوقعاتها, إن الصهيونية وضعت أقدامها، وأنَّى لها أن تتزحزح, وإنها في كل جولة تكسب الجديد، فتنقلب مطالبة العرب بالجديد, وتنسي القديم وهو ما نراه، من مطالبة بالجلاء عن الأراضي التي احتلت سنة 1967؛ وكأن الاحتلال الذي تَمَّ قبل سنة 1967 قد صار أمرًا شرعيًّا وحقًّا مقررًا لليهود.

وفي الجولة القادمة -إن بقيت الأوضاع على ما هي عليه- تكون

أراضي 1976 أمرًا شرعيًّا وحقًّا مقررًا لليهود، وتكون المطالبة بالأراضي التي احتلت بعد ذلك.

والمجتمع الدولي -بتأثير الصهيونية والصليبية العالمية- يضفي الشرعية ويحرسها في كل توسّع صهيوني.

فالمجتمع الدولي -بالتأثير السابق- هو الذي قسَّم أرض فلسطين 1947 بين اليهود والعرب, وكانت من قبل خالصة للعرب وحدهم، ولم يكن لليهود فيها أدنى نصيب, والمجتمع الدولي هو الذي عاد بعد ذلك يصدر القرار 242, والقرار المعدَّل له؛ ليعترف بفلسطين كلها لليهود, وليطالبهم فقط بالجلاء عن الأراضي العربية الأخرى التي احتلتها إسرائيل, علاوة على فلسطين 1967.

وغدًا تحتل إسرائيل أراضي أخرى, فيكون قرار المجتمع الدولي الاعتراف بالأراضي القديمة, والمطالبة بالجلاء عن الجديد.

ومَثَلٌ أخير: إن القدس المسلمة قبلة المسلمين الأولى, وثالث الحرمين فيها.

إن إسرائيل تعلن أنها عاصمتها, وأنها لا تتنازل عنها، وتعلن أمريكا تأييدها لها في ذلك.

وهكذا.

ب- المستقبل للصهيونية:

المستقبل للصهيونية إن بقيت الأوضاع على ما هي عليه، فالسنن الكونية تعمل في جانب من يعمل، ولا تعمل في جانب من يتقاعد أو يتكاسل أو يتجابن.

وواضح أن الصهيونية تعمل مخططة, ثم منفذة, وإنَّ العرب والمسلمين يتصايحون ويكتفون بالصياح, ويتسابون

فيما بينهم, ويتقاتلون كذلك فيما بينهم أشداء على المؤمنين رحماء باليهود، أعزة على المؤمنين أذلة على الكافرين.

والصهيونية كما يبين من مخطَّطاتها لا تكتفي بفلسطين..

أنها تحلم بالدولة الكبرى من الفرات إلى النيل..

وتحلم من بعدها بسيادة العالم كله..

وخطواتها التنفيذية تؤكّد أنها تنفِّذ ما تحلم به وما تخطط له..

ونجاحها فيما مضى قد يكون دليلًا على نجاحها فيما بقي..

ويظهر التخطيط والتنفيذ الصهيوني الخبيث فيما كتبه مناحم بيحن في كتابه "التمرُّد" حيث يقول: إذا أنت أخضعت رجلًا للدرجة الأولى من المعاناة, فإنه يظل يكافح لكي يعود إلى نقطة البداية، ولكنك إذا دفعته إلى أسفل السلَّّم, فسوف لا يفكر في العودة إلى حالة اللامعاناة, بل سوف يحلم فقط بالرجوع إلى المرحلة السابقة مباشرة، ولعله يكون قد نسي ما يجري وراء هذه المرحلة الأخيرة من مراحل المعاناة1" وهذا هو التخطيط الذي تقوم به إسرائيل مع العرب أجمعين, وهو أن تدفعهم إلى الهاوية حتى لا يفكروا إلا في المرحلة التي قبلها مباشرة.

وإذن فأرض الكنانة في مصر مهددة..

مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة مهدد كذلك..

هذا كله بشرطين:

أن تبقى أوضاعنا على ما هي عليه.

أن تبقى السنن الكونية تحدث تأثيرها.

لكن حتى يكون تقويمنا صحيحًا لا بُدَّ من النظرة الأخرى.

فلها نعيش..

1 التمرُّد لبيجين , ترجمة اللواء الركن حسن البدري.

طبع الهيئة المصرية للكتاب, .

2- المستقبل من خلال الإيمان:

النظرة الإيمانية تختلف كثيرًا عن النظرة من خلال الأحداث وحدها, وهي في اختلافها تقوم على أسس مغايرة:

1- إن الله سبحانه خالق السنن الكونية قادر على أن يعطِّلها أو يغيرها, فمن السنن الكونية أن النار تحرق, لكن إرادة الله حين شاءت جعلت النار بردًا وسلامًا على إبراهيم..

ومن السنن الكونية أن الماء يغرق, لكن إرادة الله حين شاءت فرقت البحر فرقين، {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: 63] .

2- إنه إلى جوار السنة الكونية في أنَّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم, فإن مفهوم المخالفة أنهم إن غيَّروا ما بأنفسهم غيَّر الله ما بهم, مؤكدًا قوله تعالى: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} .

ومن هنا المنطلق, ومن هنا يبدأ العلاج إن كنا نريد عودة فلسطين.

ونضع بعون الله الشروط:

أ- لا بُدَّ من التغيير من القمة إلى القاعدة, من الرأس إلى القدم.

لا بُدَّ من تغير كلي لما بأنفسنا, حتى يغير الله ما بنا.

ب- لا بُدَّ أن يكون التغيير على أساس الإسلام؛ لأن التغيير من غير إسلام لا يكون معه نصر الله, ولا يكون هو التغيير الذي عناه الله.

وقد رأينا أنهم حين أرادوا سلب فلسطين أبعدوا الإسلام عن المعركة, وتمثَّل ذلك في إنشاء الجامعة العربية "بديلًا وامتصاصًا للجامعة الإسلامية" قبل إعلان دولة اليهود بثلاث سنين.

ثم تمثَّل في دخول الجامعة العربية وجيوشها؛ لتكون حائلًا دون تحرُّك جيوش إسلامية أخرى, ففيها الغناء والكفاءة.

ثم تمثَّل في التآمر على العناصر الإسلامية التي بدأت خوض المعركة؛ للحيلولة دون نزولها بثقلها إلى المعركة.

وقبل ذلك كله تآمرهم على دولة الخلافة الإسلامية تنفيذًا لما قالوه في أنَّ الأفعى اليهودية لا بُدَّ أن تمر بالآستانة في طريقها إلى إسرائيل.

وعلى ذلك, فإذا كانت فلسطين قد استُلِبَت لمَّا أُبْعِد الإسلام عن المعركة, فإنها لن تعود إلّا إذا عاد الإسلام إلى المعركة.

والإسلام فوق ما قدمنا يقدم:

ثقلًا عقيديًّا يغيِّر الكيفية التي تدار بها المعركة وبغير نتجيتها..

ثقلًا بشريًّا, ولهذا أثره في استراتيجية الحروب..

ثقلًا سياسيًّا بوقوف الدول الإسلامية كلها -بدلًا من الدول العربية المحدودة- خلف المعركة..

ثقلًا اقتصاديًّا بوقوف موارد الدول الإسلامية -وهي اليوم أغنى دول العالم- خلف المعركة..

ومن قبل ذلك, ومن بعد ذلك, ما أشرنا إليه من نصر الله الذي لا يتنزَّل إلّا على نوعية معينة

{بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ} .

{وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 125-126] .

ملحق "1":

نموذج من محاولات التهويد من خلال برامج التعليم

"الجامعة العبرية في أورشليم"

رمزي: قل لي من فضلك, أين مكتب التسجيل للجامعة؟

مائير: اس - اس "يهمس" تفضل معي.

أرجو المعذرة لأني طلبت منك السكوت قبل لحظة, فقد كنَّا في غرفة الدرس, وهناك ممنوع التكلُّم، وعلى كل حال فأهلًا وسهلًا بك.. اسمي مائير.

رمزي: تشرفنا.. واسمي رمزي.

مائير: تشرفنا.

رمزي: قل لي يا أخ مائير، أنت طالب قديم هنا في الجامعة؟

مائير: طالب بالسنة الثالثة.. واعتقد أنك أنت طالب جديد.

أليس كذلك؟

رمزي: الحقيقة.. جئت الآن للتسجيل.

مائير: وماذا تريد أن تدرس؟

رمزي: التاريخ واللغة العبرية.

مائير: إذن, فإنك تريد أن تكون معلمًا ثانويًّا.

رمزي: هكذا بالضبط.. فأنا أحب مهنة التدريس.

مائير: تفضل.. سأدلك على مكتب التسجيل.

رمزي: ما هذا؟ كل هؤلاء ينتظرون بالدور؟

مائير: نعم.

فاليوم كما تعلم هو بداية فترة التسجيل, وطلاب كثيرون

1 مقتطف من كتاب مدنيات إسرائيل,

تأليف: سلمان فلاح, نقلًا عن كتاب التحدي الصهيوني في مناهج التعليم العربي في إسرائيل.

من شتى أنحاء البلاد يأتون للتسجيلو ولا تنس يا رمزي أنك تريد التسجيل في كلية الآداب، وهذا الكلية هي أكبر الكليات.

رمزي: لماذا؟ هل السبب هو وجود مواضيع أكثر من باقي الكليات؟

مائير: نعم.. هذا هو السبب.. ما رأيك يا رمزي في أن تتفضل معي لنشرب القهوة هنا في الطابق الأسفل.. أليس ذلك بأفضل من أن نقف ساعة هنا.. اطلب من الطالبة التي تقف أمامك أن تحفظ لك دورك.

رمزي: أنا.. وماذا أقول لها؟

مائير: قل لها أنك ستعود بعد عشر دقائق.

رمزي: هل تسمحي لي من فضلك؟

راحيل: نعم.. أيمكنني أن أؤدي لك شيئًا؟

رمزي: وددت أن أرجوك أن تحفظي لي الدور وراءك.. سأعود بعد عشر دقائق.

راحيل: بكل سرور.. عد متى شئت.

رمزي: قل لي يا مائير.. من أين حضرتك؟

مائير: من تل أبيب.

"ويجلس الطالبان الخياليان لشرب القهوة على حساب مائير اليهودي, ويدور بينهما حديث يقطر ذوقًا ومعرفة من مائير، وجهلًا من رمزي, إلى أن يقول الأول".

مائير: نعم.. وكلية الأداب ليست أكبر هذه الكليات فحسب, بل هي أقدمها, وتعمل في نطاق هذه الكليات عدة معاهد, وأهم هذه المعاهد: معهد العلوم اليهودية.. يمكنك أن تدرس أي موضوع يتعلق بالعلوم اليهودية مثل: اللغة العبرية, أو الأدب العبري، أو علوم التوراة, أو علوم التلمود, أي: الشرع اليهودي, أو تاريخ الشعب الإسرائيلي, أو اليهودي في العصر الحديث, وغيرها من المواضيع.

رمزي: إذن أنا سأكون طالبًا في هذا المعهد، فاللغة العبرية تابعة له.

"ويطول الحديث ويعرِّف خلاله مائير اليهودي رمزي العربي على أقسام الجامعة ودراستها, إلى أن يقول رمزي".

رمزي: الحقيقة يا أخ مائير إنها كانت مناسبة سعيدة للقائك والتعرف عليك.. أظن أن الوقت قد جاء, فلنعد إلى الدور.

أعتقد أن هذا مكاني.. شكرًا يا....

راحيل: راحيل اسمي.

مائير: إلى اللقاء يا رمزي, وآمل أن أراك غدًا.. وعلى كل حال فتفضَّل إلى غرفتي, فأنا في منازل الطلاب.

رمزي: شكرًا.. شكرًا جزيلًا, سآتي إن شاء الله.

أرى أننا سنبقى بالدور هنا نصف ساعة على الأقل.

راحيل: لقد تعبت قدماي, فأنا واقفة هنا منذ أكثر من ساعة.

رمزي: إذا أردت الاستراحة فأذهبي واجلسي هناك على الكرسي.

"ثم ينتقل الحديث بين راحيل "الفتاة اليهودية ورمزي" يقول في نهايته:

رمزي: شكرًا يا راحيل على المعلومات القيمة التي استقيتها منك.

راحيل: لا شكر على واجب.

رمزي: إلى اللقاء في الدرس.

راحيل: إلى اللقاء.

رمزي: "يلتفت إلى زميل عربي" الحقيقة يا محمد أني أشعر بالارتياح, وأني جدّ معجب بالجو هنا في الجامعة.. فتصور أنى في اليوم الأول هنا اكتسبت صديقين مائير وراحيل، ومنهما استفدت الكثير.

الأرض السليبة تحت النفوذ الشيوعي

تقدمة

مساحة العالم العربي ربع مساحة العالم، والمساحة التي يسيطر عليها الشيوعيون خُمْس مساحة العالم الإسلامي، وعدد المسلمين الواقعين تحت الاستعمار الشيوعي يمثلون خُمْس المسلمين1.

وذلك يدعونا إلى رفع الصوت بالنذير للغافلين، والنائمين، واللاهين من أمتنا الإسلامية.

إن ميراث محمد عليه الصلاة والسلام يحتله الكفر البواح الفاجر!

وإن أعراض المسلمات وحرمات المسلمين تعبث بها أيدي الملاحدة الشيوعيين, وإن الفتنة التي يتعرَّض لها هؤلاء وأولئك من الكفر الحاكم أشد من القتل, وأكبر من القتل!

ونكتفي بإذن الله بالإشارة إلى حال المسلمين في الاتحاد السوفييتي, ثم في الصين, ثم في بعض بلاد أخرى تحكمها الشيوعية.

1 راجع المسلمون تحت السيطرة الشيوعية: محمود شاكر, مؤسسة الرسالة, طبعة 1395هـ 1975.

أولًا: المسلمون في الاتحاد السوفيتي

الأرض الإسلامية -ميراث محمد عليه الصلاة والسلام- أضعاف أرض روسيا, فأقاليم الإسلام في الاتحاد السوفيتي تشمل:

1- الأورال.

2- استرخان.

3- سيبيريا.

4- القرم "وهي أغنى المناطق بالحاصلات الزراعية".

5- القوقاز "وهي أغنى المناطق بالبترول وبعض المعادن".

6- التركستان بلاد ما وراء النهر "منها إماما السنة: البخاري ومسلم، والمفسران: الزمخشري والنسفي، وأئمة البلاغة وإعجاز القرآن: عبد القاهر الجرجاني, وسعد الدين التفتازاني, ويوسف السكاكي, ومنها الفارابي وابن سينا، ومن علماء الرياضة والفلك خالد والبلخي, ومن علماء الهندسة: بنو موسى.

ومنها البيروني، والماتوريدي الخوارزمي، والسرخسي والجوهري، وغيرهم.

ومن الثروات المعدنية:

250 منجمًا للذهب، 16 للفضة، 46 الحديد، 32 للرصاص، 344 للبترول، 70 للفحم، 13 للكبريت، 63 للصوديوم, عدا الأورانيوم والفرام والزئبق والنحاس والقصدير والبلاتين.

وهذه الأقاليم تمثّل الشمال الشرقي من العالم الإسلامي.

وهي تمثّل من حيث المساحة تسعة أعشار مساحة الاتحاد السوفيتي "كانت 400 ألف كيلو متر, فصارت بعد ضم البلاد الإسلامية 14 مليون كيلو متر".

- بعد الثورة البلشفية أصدر مجلس قوميسيري الشعب البلشفي نداءً موجهًا إلى شعوب روسيا من المسلمين, كان من بين من وقعه لينين وستالين جاء فيه "مؤرخًا 7 ديسمبر 1917": إن إمبراطورية السلب والعنف الرأسمالية توشك أن تنهار, والأرض التي تستند عليها أقدام اللصوص الاستعماريين تشتعل نارًا..

وفي وجه هذه الأحداث الجسام نتجه بأنظارنا إليكم أنتم يا مسلمي روسيا والشرق، أنتم يا من تشقون وتكدحون, وعلى الرغم من ذلك تحرمون من كل حق أنتم له أهل..

أيها المسلمون في روسيا.. أيها التتر على شواطئ الفولجا وفي القرم.. أيها الكرغيز والسارتيون في سيبيريا والتركستان.

أيها التتر والأتراك في القوقاز.. أيها الجبليون في اتحاد القوقاز..

أنتم يا من انتهكت حرمات مساجدكم، وقبوركم, واعتدي على عقائدكم وعاداتكم، وداس القياصرة والطغاة الروس على مقدساتكم:

سنكون حرية عقائدكم وعاداتكم، وحرية نظمكم القومية, ومنظماتكم الثقافية مكفولة لكم منذ اليوم.. لا يطغى عليها ولا يعتدي عليها معتد..

هبوا إذن فابنوا حياتكم القومية كيف شئتم، فأنتم أحرار, لا يحول بينكم وبين ما تشتهون حائل..

إلى أن قال البيان:

أيها الرفاق.. أيها الإخوان..

لنتقدم سويًّا في عزم وصلابة نحو مسلم عادل ديمقراطي.

إن رايتنا تحمل معها الحرية للشعوب المظلومة في أرجاء العالم..

أيها المسلمون في روسيا..

أيها المسلمون في الشرق..

إننا ونحن نسير في الطريق الذي يؤدي بالعالم إلى بعث جديدٍ نتطلَّع إليكم؛ لنلتمس عندكم العطف والعون..

استجابت البلاد الإسلامية وأعلنت استقلالها "عن الحكم الروسي القديم".

فهل تركها الحكم الذي يحمل الحرية للشعوب المظلومة في أرجاء العالم؟

في إبريل سنة 1917, أي: بعد أربعة شهور من البيان السابق, أصدر لينين أمرًا بالزحف على البلاد الإسلامية, وسارت الجيوش الروسية بالدبابات والطائرات والمدافع تدمر وتحصد ما في طريقها, وفي نهاية العام تَمَّ لها الاستيلاء على جمهورية "إيديل أورال"وشمال القوقاز، وحكومة خوقند، وتأخَّر استيلاؤها على شبه جزيرة القرم لعنف المقاومة فيها.

وفي سنة 919! تَمَّ الاستيلاء على جمهورية الأش ازود.

وفي إبريل سنة 1920 انتهت القرم، واستأنف الهجوم على جمهورية أذربيجان, واستطاعت إخضاعها.

وفي نهاية سنة 1920 استولت على جمهورية خيوة بعد أن ظلَّت تدافع دفاع المستميت.

وفي سنة 1921 استأنف الهجوم على جمهورية بخارى, ودار فيها قتال مرير, ودافع أحفاد الإمام البخاري رضي الله عنه عن ميراث محمد عليه الصلاة والسلام, لكنهم وحدهم لم يستطيعوا الوقوف في وجه الزحف الأحمر الثقيل, فهزمت جيوشهم المنظَّمة، لكنهم ظلوا يحاربون حرب عصابات مدة عشر سنوات دون أن يتلقوا أي معونة من العالم الإسلامي, ونشرت جريدة أزفسيتا في عددها الصادر 15 يولية سنة 1922 تقريرًا للرفيق كالينين عن مجاعة القرم "نتيجة نقل الروس ما في الجزيرة من قوات ليضطروهم للتسليم".

بلغ عدد الذين أصابتهم محنة الجوع في شهر يناير 302.000, مات منها 14.413, ارتفع عددهم في شهر مارس إلى 379.000, مات منهم 19.902, بلغ في إبريل 377.000, مات منهم 1.2754, وفي يونية 392.072, "ولم يذكر كم مات في هذا الشهر".

وقد كان سكان القرم في سنة 1917: 5 ملايين.

فأصبحوا في سنة 1940 400 ألف فقط, أقل من عُشْرِ السكان.

وكانت المساجد 1558 مسجدًا لم يبق منها إلّا العشرات.

لجأت الثورة الشيوعية بعد أن استتبَّ لها الأمر إلى نفي شعوبٍ بأكملها ليحلَّ محلها الروس, وفي بيان لوكيل الجامع الأزهر ورئيس جماعة الكفاح الإسلامي أُرْسِل إلى الأمم المتحدة, قدَّم بعض المهاجرين من الحكم البلشفي

الغاشم بعض الحقائق نذكر منها:

أ- في التركستان وحدها قتل :

الشيوعيون سنة 1934 مائة ألف مسلم, ونفوا ثلاثمائة ألف مسلم, ومات ثلاثة ملايين جوعًا نتيجة استيلاء

الروس على محاصيلهم, وإعطائهم الصليبيين ليحلوا محلهم.

وفيما بين سنة 1937-1939 ألقت القبض على 500 ألف مسلم, أعدمت منهم فريقًا ونفت الباقي.

وقتلوا من علماء الدين: الشيخ برهان البخاري قاضي القضاة, والشيخ خان مروان مفتي بخارى، والشيخ عبد المطلب داملا، والشيخ محسوم متولي، والشيخ عبد الأحد دار خان، والشيخ الحاج ملا يعقوب، والشيخ ملا عبد الكريم، ومولانا ثابت رئيس الوزراء، وشريف حاج قائد مقاطعة ألما أتا، وعطمان

أوراز قائد مقاطعة كاشغر، ويونس بك وزير الدولة, والحاج أبو محسن وزير التجارة، وطاهر بك رئيس مجلس النواب, وعبد الله داملا وزير الأشغال.

وفي سنة 1949 هرب 200 ألفًا شخص, منهم 1200 لقوا حتفهم في الطريق, وفي 1950 هرب 20000 مسلم, وقتلت روسيا منهم سبعة آلاف.

ب- في القرم قتلوا:

سنة 1921 مائة ألف مسلم جوعًا, سنة 1928 قتلوا ولي إبراهيم رئيس الجمهورية مع وزرائه.

سنة 1930 قتلوا محمد قوباشي رئيس الجمهورية وجميع وزرائه.

سنة 1937 قتلوا إلياس طرخان رئيس الجمهورية وجميع وزرائه بعد استدعائهم إلى موسكو أثناء محاكمة المارشال تحاتشنفسكي.

نصوص في دستور الاتحاد السوفيتي:

في دستور سنة 1918 نصَّ على أنَّ حرية الدعاية واللادينية مكفولة للجميع.

عدّل في سنة 1919 إلى حرية إقامة الشعائر الدينية وحرية الدعاية اللادينية مكفولتان لجميع المواطنين.

في دستور سنة 1936 "م. 124": لكي يستمع المواطنون بحرية الضمير تفصل الكنيسة في الاتحاد السوفيتي عن الدولة, والمدرسة عن الكنيسة, ويكفل لجميع المواطنين حرية الدعوة ضد الدين.

وفي المادة 122 من القانون الجنائي السوفيتي تحريم تلقين الأطفال الأحداث العقائد الدينية في مدارس الحكومة, أو المدارس الخاصة, أو المعاهد التعليمية المختلفة.

وواضح من هذه النصوص:

1- التفرقة الظالمة بين حرية التدين وحرية الإلحاد؛ فالأولى قاصرة على مباشرة الشعائر الدينية "إن صدقوا فيها", والثانية ممتدة إلى حرية الدعوة والدعاية ضد الدين.

2- تنتهي حرية التديُّن إلى مجرد شعائر بغير مضمون, ولا تطبيق إذا وعينا النص الجنائي الذي يحرم تلقين الأطفال العقائد الدينية في مدارس الحكومة أو المدارس الخاصة أو المعاهد التعليمية المختلفة, فمن أين يأتي لهم التديُّن الذي يسمح الدستور "المحترم" بممارسة شعائره.

وعن كتاب صدر في موسكو سنة 1967, وأعيد طبعه عام 1974م.

انظر الملحق رقم "2" عن بعض وسائل نشر الإلحاد ومحاربة الدين في الاتحاد السوفيتي.

ملحق رقم "2":

عن وسائل نشر الإلحاد ومحاربة الدين:

عن معهد الإلحاد العلمي بأكاديمية العلوم الاجتماعية للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي1, يشير إلى بعض وسائل نشر الإلحاد ومحاربة الدين.

نقتطف منها جزءًا؛ لنرى أيّ حرب توجَّه ضد الدين, رغم الدعاية الكاذبة بتعايش الشيوعية مع الدين, ولنرى أن وسائل الإلحاد هي وسائل للتبشير القديمة تعيد نفسها مرة أخرى, وإن حاولت أن تتجنَّب أخطاء التبشير, واقتربت من وسائل التغيير الاجتماعي

يقول كتاب نشر الإلحاد الصادر في روسيا:

والآن من ذا الذي يعتبر أهلًا للقيام بنشر الإلحاد بين معتنقي الإسلام؟

ذلكم سؤال هام وخطير.. إذا كان الداعية الملحد الذي سيحاور المسلم لا تربطه بالإسلام أي رابطة مشتركة من الناحية القومية, ففي إمكان المؤمن أن يفترض أنه إنما ينقد الإسلام خاصة ولا يتعرض لدينه هو بشيء, لذلك كان من السهل على الداعية الذي ينتهي والمؤمن إلى قومية واحدة أن يجري معه حوارًا، وخاصة إذا بدأ الحوار بينهما باللغة القومية المشتركة، وإن كان هذا لا يعني أن علاقة المسلم تنتهي إلى قومية أخرى قائمة بالضرورة على عدم الثقة..

وأيًّا كانت قومية الدعاية فلا بُدَّ له من معرفةٍ جيدة بالدين والعادات والتقاليد التي يتمسَّك بها المؤمن، فخلال العمل بين المسلمين تعد مراعاة

  • قام بالترجمة من الروسية الدكتور سعد مصلوح, مدرس عام اللغة الروسية بجامعة القاهرة, ونشرت بمجلة الدعوة السعودية في عددها الصادر في 12 ربيع الثاني 1296, 12 إبريل 1976م, بعض أجزاء اقتطعنا منها الجزء المشار إليه.

1 في كتاب: نحن والشيوعية في الأونة الحاضرة, للدكتور سعدون حجاوي, دار الطليعة للطباعة والنشر, ملحق عن موقف الحزب الشيوعي العراقي -كنموذج- من قضية فلسطين .

السن والجنس عند المؤمنين على جانب كبير من الأهمية، ومن ثَمَّ كان الحديث إلى كبار السن أيسر بالنسبة لداعية متقدِّم في السن، والغالبية العظمى من المسلمات يرفضن الحوار مع الأجنبي, أمَّا مع المرأة التي تقوم بالدعاية فإنهن أفضل سلوكًا إلى حد كبير.

أضف إلى ذلك أن نموذج المرأة النشيطة يؤثر تأثيرًا قويًّاعلى كثير من النساء, فالمؤمنات يتجهن إلى محاكاة الصديقة الأكثر ثقافة, أو ذات الشخصية الأكثر استقلالًا.

ويعين الداعية إلى الإلحاد في عمله الرأي العام الإلحادي الذي هو مدعو لِأَنْ يقوم بتشكيله, ومن المعروف على سبيل المثال أن كبار السن يكتسبون نفوذًا غير عادي بين المسلمين, وهذه الخاصية يستغلها كذلك الداعية حين يلجأ إلى مساعدة الشيوعيين المتقدمين في السن, والذين يكونون موضع الإجلال في المنطقة؛ إذ يصغى الناس في العادة إلى كلماتهم باهتمام خاص, وباستعداد لتنفيذ أي رجاء يصدر منهم.

وتمارس لجان الكبار التي تؤسس في مناطق السكنى والمؤسسات تأثيرًا قوميًّا في تكوين رأي عام إلحادي.

ففي كولخوز "مير" في منطقة إشخاباد "عشق آباد" امتنع والد طالبة بالصف العاشر اسمها جولينا عطاييف عن إرسالها إلى المدرسة, وحاول إرغامها على الزواج, وتكلم أعضاء لجنة الكبار عن الكوخوز مع والدي الفتاة أكثر من مرة, وتوصلوا إلى إعادة الطالبة إلى المدرسة.

وفي كولخوز "كيناس" يقوم أعضاء لجنة الكبار بعمل كبير؛ إذ يزورون البيوت التي يقيم فيها المؤمنون, وقد توصل هؤلاء الأعضاء الذين اضطلعوا بمسئولية دفن الموتى إلى أن جعلوا تأثير الشيوخ الرسميين وغير الرسميين يتضاءل في هذه العلمية إلى حدٍّ كبير, وفي نشر الإلحاد بين المسلمين في دار الإلحاد العلمي بموسكو, يعمل الشيوعيون المتقدمون في السن مثل م. ش. شاجي أحمدوف وس. خ اسماعيلوف وج. م.

اختيافوف، وكثير غيرهم، وهم يزورون مساكن المؤمنين ويحادثونهم ويسدون إليهم النصيحة.

ويساعد الدعاة مساعدة كبيرة في صراعهم ضد التأثير الديني ارتداد

إنسان ذي شهرة في قضايا الدين يصلح مثالًا بالنسبة لبعض المؤمنين.

وقد حقق الملحد قادر برزنيسوف من كولوخو زكيسيل بولدوزاخ.

جمهورية تركمانيا نجاحًا كبيرًا في نشاطه الإلحادي عندما دعا جماعة من أكثر المؤمنين تعصبًا ثم ارتدوا عن الدين ليخطبوا أمام غيرهم من المؤمنين, وصار الذين ارتدوا عن الإسلام في هذا الكولوخو عونًا للداعية يمارسون نشر الإلحاد بين أفراد المؤمنين.

ويكسب العاملون في ميدان الطب نفوذًا كبيرًا بين المسلمين, وفي نقط العلاج الطبي يستقبل الأطباء مرضاهم للعلاج الصحي والاجتماعي، وهكذا يقدِّم الأطباء المساعدة الطبية, ثم يدور الحديث حول موضوعات العلوم الطبيعية, وقد حققت نقط العلاج الطبي هذه فوائد جمة لقضية تربية السكان تربية إلحادية في مدن أوزبكستان وقراها.

ولذا، فإن الطبيب ومساعده من أجود المرشَّحين لممارسة الإلحاد بين أفراد المسلمين.

ويختص المعلمون في المدارس بدور كبير في الدعاية إلى الإلحاد, فالبداية الأولى للتعرّف إلى الطفل تجعل في إمكان المعلم تحديد التأثير الديني للعائلة.

ومهمته الأولى حينئذ هي إقناع الآباء بالامتناع عن تربية الأولاد تربية دينية, ويمكنه في الوقت نفسه أن يؤثر تأثيرًا إلحاديًّا كبيرًا على الآباء أنفسهم بإقامة اتصال مباشر بينه وبين أسرة التلميذ.

كثير من المعلمين لا يقصرون دورهم على تنشئة تلاميذهم؛ بحيث يشبّون غير متدينين, بل إنهم يربون فيهم رسوخ العقيدة في الإلحاد, والقدرة على مساعدة المؤمنين على التحرر من أغلال الدين.

وقد نشرت صحيفة الكوسمولي الأوزبكستاني واقعة طريفة عن رجل عميق الإيمان, اسمه غلام أكا, أحْضرَ إلى طشقند ماءً مقدَّسًا من بخارى, وكم حاول أقاربه أن يقنعوه بأن هذا الماء لا يحوي أي شيء مقدَّس, فلم يقتنع العجوز, غير أنَّ ابنته كانت تلميذة في الصف العاشر وضعت نقطة من الماء المقدَّس تحت الميكروسكوب, ودعت أباها أن يحدق النظر، فقال الرجل في دهشة: ما هذه الديدان؟ إن نقطة الماء أكبر بمئات المرات، يا إلهي, لم أكن أتصور على الإطلاق أن في الماء

المقدس يمكن أن يوجد مثل هذا العدد من الميكروبات, إنها معدية.. ميكروبات, ألقي هذا الماء يا ابنتي على الأرض في الحال.. هذه تجربة بسيطة قامت بها تلميذة أدَّت النتيجة المرجوَّة, ولم تفلح في تحقيقها محاولات الإقناع والشروح المسهبة.

وتؤدي اللجان النسائية دورًا كبيرًا في ممارسة نشر الإلحاد بين الأفراد من النساء المؤمنات, وقد أثّرت تأثيرًا طيبًا في كثير من مناطق سمرقند, حين نظمت اللجان النسائية في نهار رمضان حفلات الشاي للنساء الصائمات في الشقق والنوادي، ولم يكن المؤمنات يرفضن الإفطار في مثل هذه الأحوال, وبذلك كن يخطون الخطوة الأولى في سبيل الانعتاق من الدين.

ومن الأمور التي لها أهمية في نشر الإلحاد بين النساء, تكوين رأي عام ضد الحجاب, وضد تزويج صغار السن من البنات، وضد المعاملة المهينة للمرأة، ففي كولخوزالاتو في جمهورية كيرغيزيا يتحدث الملحدون إلى الرجال أمام الزوار الأخرين قبل بداية أي اجتماع أو عرض سينمائي, يقولون لهم على سبيل المثال: ياحسن قل للناس: لماذا أتيت إلى الحفل بدون زوجتك, وأنت يا موزا أيضًا بيِّن للناس لم فعلت ذلك؟ وهنا كان بعض الرجال يصمتون, ولكن كثيرًا منهم كانوا يخرجون ثم يعودون ومعهم زوجاتهم, وهكذا استطاع الملحدون أن يجعلوا كل الرجال يحضرون إلى أماكن الاجتماعات العامَّة ومعهم زوجاتهم.

وربّما كان عميق الإيمان من المسلمين أكثر عزوفًا عن حضور الأمسيات والمحاضرات والمحادثات الإلحادية من أتباع أيّ نظام ديني آخر, ذلك أن القرآن يستنكر تناول الدين بالنقد.

لذلك كانت المناقشات المضادة للدين, والكلمات العامَّة عنه لا تجدي نفعًا، ذلك أنَّ أي طعن على الإسلام يعتبر إهانة صارخة لإنسان رضع من لبن أمه التصورات الدينية التي يشاركه إياها آبائه وأجداده..

وفي مثل هذه الأحوال نجد مثل هذا الإنسان إمَّا أن ينغلق على نفسه, وإما أن يعبئ كل إرادته وعقله من أجل المقاومة, ولكنه لن يميل إلى قبول حديث عن الإلحاد, فليس سهلًا على الإنسان عن العقيدة التي نشأ عليها..

لهذا كله لا يمس الدعاية المجريون الدين مسًّا مباشرًا في محادثاتهم أثناء ممارستهم نشر الإلحاد بين أفراد المؤمنين, ولكنهم بعد أن يمهدوا بإثارة فضول المؤمن يتحوَّلون إلى نقد الدين.

وها هو ذا مثال نسوقه للمعلمة ب. وليفا, من كولخوز "أكتوبر" في ضواحي سمرقند.. ففي المنزل عندما تجري هذه المعلمة محادثات مع المتدينات حين يفدن عليها كل مساء لشرب الشاي والاسترواح, وذلك دون أن يشعر أيًّا من المشتركات في الحديث أنها دعوة لكي تنبذ دينها, ويدور الحوار في يسر وبلا تكلف عن أحداث العالم وأنباء الكولخوز, لكن ربة المنزل هي التي تحدد لون الحديث, ثم توجه الكلام تدريجيًّا ودون أن تلحظ الأخريات إلى الموضوع المقصود, فتطرح الأسئلة ثم تتولى هي بنفسها الإجابة, وحينما يستولي موضوع الحديث على ألباب المؤمنات؛ حينئذ فقط تبدأ في الكلام بحرارة وإقناعٍ عن ضرر الرواسب الدينية.

وهذه قصة يرويها ملحد من موسكو يسمَّى ل. ح. جوميروف، تمكَّن من إخراج العاملة رحيمة بارنجلوفا من دينها، يقول الملحد: "أخذت بصفتي ملحدًا أزور شقة العاملة المتدينة رحيمة, وكنت أحادثها طويلًا وأقرأ الكتب جهرًا.. وكانت رحيمة تصمت في أكثر الحالات, ولكنها كانت تصغي إلي باهتمام, وكان واضحًا أن هذه القصص تجذب اهتمامها.. من العسير أن تتصور الأمر, لقد سمعت مني لأول مرة عن الأبطال من النساء السوفيت, وعرفت لأول مرة أسماء المشتغلات بالعلم من السوفيت.. وتكلمنا معها عن غزو السوفيت للفضاء.

وقد أزعجها كثيرًا هذا الموضوع وأذهلها على وجه الخصوص أنَّ رجال الفضاء لم يخافوا الله, بل ربما خافهم الله ما دام لم يحل بينهم وبين أن يصعدوا إلى مثل هذا الارتفاع.. وكان على ل. ح جوميروف أن يحادثها طويلًا إلى أن خلعت رحيمة ربقة الدين من عنقها نهائيًّا.

ومن الأيسر على الداعية إلى الإلحاد أن يحقِّق النجاح عندما يكون الرأي العام بين المجموع مكيفًا على نحوٍ لا يفخر فيه الناس بتعليق آيات القرآن في منازلهم, بل يكون مدعاة للخجل أن يعلقوا الآيات, أو أن يقسموا المنزل

نصفين: نصف للرجال ونصف للنساء, أو أن يرفضوا الغذاء في نهار رمضان، أو أن يقوموا بختان أولادهم.. إلخ.

والملحد نفسه يشكل الرأي العام إلى حد كبير, يقص علينا أ، ب. أفكسينتوف, وهو أحد الملحدين في شمال القوقاز, أن "عليمه جاجير زونفا شيزوخوفا" وهي من المشاركات في النشاط الاجتماعي كانت أول من امتنع عن إقامة المراسم الدينية في زواج ابنتها, وقد وجدت لها في الحال أتباعًا, ويدلنا هذا على أن تلك المراسم قد فات أوانها منذ زمن بعيد, وما أسرع ما انتشرت الأنباء في المنطقة عن زيجات جديدة تتمّ بمشاركة الأوساط الاجتماعية وبدون مراسم دينية، وهكذا انتهت مثل هذه الزيجات الدينية في أركينخالكي وغيرها من المناطق.

ولا بُدَّ في العمل على نشر الإلحاد بين المؤمنين المسلمين من أن يستغلّ في براعة اللهفة إلى المعرفة، ذلك أن الإسلام إذ يقوم على أساس القرآن, إنما يضيق اهتمامات معتنقيه ويحددها لكي يثبت الجهل, ولا بُدَّ أن نضع الإسلام من ناحية, والعلم والحضارة من ناحية أخرى؛ كطرفي نقيض؛ إذ أن العلم والحضارة وحدهما هما الكفيلان بحقٍّ بتلبية رغبات السوفيت في المعرفة.

وليس في قبيل المصادفة تلك النتائج الإيجابية التي حققتها أحاديث الملحد قادر بير تييسوف, وهو من كولخوز كيزيل يولدوز في جمهورية تركمانيا مع المتدينين.

لقد استطاع أن يستخدم إنجازات العلم في تفنيد التصورات الدينية.

أمَّا الملحد "رحمن خوجا ميرديف" وهو مدير الكولخوز, واسمه رسول جمعاييف يقول في حوار معه: "لا قدر الله علينا بنزول البرد, وهكذا تبين مدير المدرسة أنَّ المتحدث إليه رجل مؤمن.

إدراك هذا ولكنه لم يعر الأمر اهتمامًا وأجرى الحديث معه لا عن الله, بل عن ظواهر الطبيعة وعن ماهية المطر والبرد, وكان يتكلم بطريقة مشوقة جذبت انتباه عامل المزرعة, فأخذ هذا يرجو أن يزوره ضيفًا, وشرع الملحد يزور عائلة جمعاييف، وكان يبرهن للعائلة باستعمال أمثلة من الحياة بسيطة سهلة الفهم

على عدم وجود قوة ما فوق الطبيعة تمنح الإنسان خيرات الحياة, وأن الإنسان نفسه هو خالق سعادته, وهكذا قطع "رسول" علائقه بالدين, وقد أجرى ب. خوجا ميرديف أحاديث مع أحد المشايخ واسمه "تور", كانا يتقابلان عشرات المرات, وفي هذه اللقاءات كان يحدثه عن سفن الفضاء, كما كان يحدثه عن المجتمع الشيوعي, ثم إن الملحد أطلعه على الجوهر الطبقي للإسلام, وفي مصلحة من كانت عقيدة القضاء والقدر.. وهنا أعلن الشيخ "تور" في اجتماع عام لعمَّال الكولخوز أنه لا يريد بعد الآن أن يعيش هذه الحياة الطفيلية, وأنه بالرغم من كبر سنِّه يود أن يعمل في الكولخوز.

وهكذا تعمل الماركسية ضد الدين في روسيا وفي خارج روسيا, وإن زعمت غير ذلك.

ثانيًا: المسلمون في الصين

كانوا يسكنون التركستان الشرقية, ومساحتها عشرة أمثال مساحة سوريا "أكثر من مليون ونصف كم2", وكانت اللغة العربية هي السائدة فيها أيام الفتح الإسلامي, ثم سادتها الفارسية, ثم التركية, والآن تفرض عليهم اللغة الصينية.

ويمثل المسلمون فيها الآن أكثر من 75% من سكانها.

ويمثلون في الصين كلها أكثر من 75 مليونًا, يتوزعون بعد ذلك في المناطق الساحلية, خاصَّة المراكز الكبرى مثل: كلتتون وشانغهاي ومدن شانتونج1.

وفي حديث لرئيس وزراء الصين الشيوعية لأحد وزراء العرب عام 1385هـ أنَّ في الصين عشرات الملايين من المسلمين، وبرغم جهلهم بالإسلام فإنهم أقرب إليكم منا".

ولنعرف حال المسلمين هناك:

ونأخذ منها مثلًا واحدًا, ما نشرته صحيفة "تمد بات باد" في هونج كونج, في عددها الصادر في 11 أكتوبر سنة 1966م, وهو منشور موجَّه إلى الحرس الأحمر, جاء فيه: "يا رجال الحرس الأحمر" لا يمكن أن ندع عدوًا من أعدائنا يهرب, وعلينا من الآن فصاعدًا أن نهاجم أكثر الأعداء تخفيًّا -المسلمين- الذين يقومون بنشاط ضد الحزب وضد الصينية تحت قناع الدين المزعوم..

من الآن فصاعدًا لن يسمح لكم بأن تضعوا قناعكم الديني على وجوهكم, سنطردكم وندمركم..

ومن الآن فصاعدًا لن يسمح لكم بأن تأكلوا لحم الأبقار؛ لأن الأبقار تخدم الشعب, يجب أن تاكلوا لحم الخنازير..

ولا يمكنكم من الآن فصاعدًا أن تضيعوا وقتكم في الصلاة..

1 راجع كتاب "المسلمون تحت السيطرة الشيوعية" .

يجب ألّا تتكلموا اللغة العربية التي هي ضد اللغة الصنيية.

ولن يسمح لكم بأن تقرأوا ما يسمَّى بالكتاب المقدَّس "القرآن".

اسمعوا أيها المسلمون.

- دمروا جوامعكم - حلوا المنظمات الإسلامية - احرقوا القرآن.

- الغوا الحظر الذي وضعتموه على الزواج المشترك.

- كفّوا عن الصلاة.

- ادرسوا أفكار ماو.

- إذا لم تندمجوا سنطردكم وندمركم, يجب أن تسكنوا جحور الجرذان وندمرها معكم.

- فلتحيا الثورة الثقافية الكبرى.

- فليحيا طويلًا طويلًا الرئيس ماو1.

هذا ما بلغنا, ونحسب أن ما لم يبلغنا أعظم, ولنا أن نتصور بعد ذلك حياة أخوتنا المسلمين هناك، تحت جحيم الحكم الشيوعي الكافر.

1 مجلة الوعي الإسلامي عدد أكتوبر سنة 1966م, وأشار إليه كذلك الشيخ محمد الغزالي في كتابه القيم: "الإسلام في وجه الزحف الأحمر".

ثالثًا: المسلمون في بلاد شيوعية أخرى

مثل: بلغاريا،ألبانيا، اليمن الجنوبية، الصومال، أفغانستان.

ففي كل هذه البلاد حكم شيوعي، يكتم أنفاس المسلمين، ويستذلهم, ويحاول سلب ما بقي لديهم من مقومات الدين والعفة والشرف.

ونكتفي بالإشارة إلى بلغاريا, ثم ألبانيا.

انظر الملحق رقم 3, 4.

ملحق رقم "3": المسلمون في بلغاريا

أولًا: بلغاريا

جاء في بيان موجَّه من هؤلاء المسلمين إلى أخوتهم في العالم الإسلامي، وأشار إليه خطاب اتحاد الطلبة المسلمين في شرق أوربا إلى كلٍّ من وزير الخارجية السعودي، وإلى الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة بالمملكة العربية السعودية سنة 1936 1.

نحن المسلمين البلغار نتقدَّم بالشكر لكل من عمل على نشر قضيتنا للرأي العام, سواء كان ذلك بالإذاعة أم بالصحف، وقد كان لذلك أثر عميق في نفوسنا، ونودّ أن نوضِّح حقائق أخرى عن تلك القضية.

بعد أن شعر المسئولون البلغار بنشر القضية خارج القطر, أذاع راديو صوفيا بيانًا باللغة العربية رادًّا فيه بأنَّ المسلمين في بلغاريا بكل حرية ومساواة مع الآخرين.

لا شكَّ أنَّ هذا الرد غير صحيح, وبعيد كل البعد عن الحقيقة, كما سنوضح ذلك، ونلفت نظر العالم بأجمعه بأنَّ الدستور البغاري يذكر في المادة "33":

البند "ب" لكل مواطن بلغاري الحق في أن يعتنق أي دين يرتضيه.

البند "و" لكل مواطن بلغاري يحمل اسمًا غير بلغاريٍّ الحقَّ في رفع قضايا جنائية في حالة تعرضه للأذى أو الإهانة لمجرَّد حمله لهذا الاسم.

وبالرغم من ذلك, فإن الحكومة البلغارية مصمِّمة في تنفيذ مخطَّط التنصير الماركسي ضد المسلمين.

فقط طلب من جميع المعلمين المسلمين أن يغيِّروا أسماءهم الإسلامية, أو أن يُطْرَدوا من أعمالهم, وألا يسمح لهم بممارسة أي عمل في أيّ جهاز من أجهزة

1 الأول برقم 42 في 15 جمادى الأول سنة 1396, والثاني في 5 جمادى الأولى سنة 1396.

الدولة الرسمية, ورفض 165 معلمًا مسلمًا أن يغيروا أسماءهم, ولذلك طردوا من وظائفهم, ومنعوا من حق العمل في بلغاريا موطنهم ومسقط رأسهم.

وعند بدء العام الدراسي 1971- 1972 طُلِبَ من جميع تلاميذ المدارس المسلمين أن يغيروا أسماءهم الإسلامية كشرط استمرارهم كتلاميذ, وإلا يطردوا من المدارس، ورفضوا جميعهم, وطردوا من المدارس.

صدرت أوامر في المؤسسات الحكومة لجميع المسئولين الإداريين أن يقوموا بإجراءات حازمة لتغير أسماء المسملين العاملين في المؤسسات، وكوّنت جماعات بوليسية مسلَّحة من قِبَل وزارة الداخلية لمراقبة تنفيذ هذه الأوامر ومتابعتها حتى النهاية.

تَمَّ القبض على مجموعات كبيرة من المسلمين, ووضعوا في معسكرات أُعِدَّت خصيصًا لهذا الغرض, وساموهم أمرَّ أنواع العذاب, ومن عاد منهم فبرجل مسكورة, أو يد أو أضلع مكسورات.

تَمَّ حصار بعض القرى, وقاموا بانتهاك حرمات المنازل بعد أن حطَّموا الأبواب والنوافذ، واقتحموها عنوة, وقذفوا بأصحابها في الخارج، وقد لقي عدد كبير من النساء والأطفال حتفهم, وكذلك الشيوخ, من جرَّاء الرصاص الذي أصلاهم به رجال الأمن الذين من واجبهم حفظ المواطنين، وقد تعرَّض الكثير من النساء والأطفال لنهش الكلاب البوليسية, وقد عارض كل المسملين تلك الأوامر حتى الفتيات منهم, مما أدَّى إلى إرسالهن إلى السجون، ولإخفاء تلك الجرائم تَمَّ القبض على بعض المسلمين واتهموهم زورًا وبهتانًا بارتكاب جرائم قتل المسملين, وحكم عليهم بالإعدام, ونُفِّذَ فيهم حكم الإعدام.

في يوم 10 مايو 1972 تحرَّك حوالي 5.000 مسلم من منطقة بازرجيك, ومنطقة بارقويفقراء, وسمولن قراد, في مظاهرة احتجاجٍ متَّجهين إلى صوفيا "العاصمة", وكان ذلك في جوف الليل؛ لكي لا يعلم بهم البوليس, وقد ضَمَّ الموكب كل فئات المسلمين من الذين أعمارهم من 15 إلى 75 عامًا, وكان تحرك الموكب تحت ظروف قاسية وسط الأمطار الغزيرة والوحل, وعلى بعد

أميال قليلة من صوفيا, وبالتحديد في محطة أسكار, علمت بهم السلطات, وأرسلت لهم قوة ضخمة من الجيش والبوليس, وحاصروهم بالدبابات والعربات المصفَّحة, ونقلوهم إلى مدينة بيلو؛ حيث وضعوا في السجون حتى الآن.

وفي 12 مايو 1972 حوصرت قرية إيلانسكو برجال البوليس تصحبهم الكلاب البوليسية, فتصدَّى لهم المسلمون بشجاعة وبسالة, وقتلوا أحد رجال البوليس, وكإجراء انتقامي تَمَّ القبض على 31 مسلمًا وقُدِّمُوا إلى محاكمات عسكرية أصدرت أحكامها بالإعدام على ثلاثة من المسلمين, وبالسجن على عدد آخر.

في يوم 13 مايو 1972حوصرت باكردوا؛ حيث يشكل المسلمون نسبة 80% من عدد السكان, واقتحم الجيش منازل المسلمين عنوة, واقتادو المسلمين مكبلين بالسلاسل, واقتيدوا إلى مراكز الشرطة؛ حيث طلب منهم أن يوقِّعوا على طلبٍ بتغيير أسمائهم تحت جوٍّ من الإرهاب والضرب, والتهديد بالسجن, والطرد من العمل, وفي هذه الظروف القاسية تمكَّن الشهيد أمين محمد وفتسرنكوف من الهرب, ولكن قوات الجيش طاردته وأطقلت عليه الرصاص فاستشهد, وهو أب لطفلين في 32 عامًا من عمره.

أوقفت جميع المعاشات عن العجزة الذين تقاعدوا عن العمل, وأغلقوا أبواب العمل أمام كل الذين رفضوا تغيير أسمائهم, وحرموهم حقَّ العلاج وهم الذين أفنوا شبابهم في خدمة بلغاريا.

حدث في مدينة مدان أن وضعت امرأة مسلمة في أحد المستشفيات الحكومية, وطلب منها رسميًّا أن تختار لطفلها اسمًا غير إسلامي, فرفضت أن تستجيب لطلبهم, فأخبروها أنَّ هذا أمر حكومي, ولا بُدَّ أن تنفذه, فعند ذلك رمت طفلها بين أيديهم وتركته لهم.

في كثير من مناطق المسلمين حطَّموا المساجد, وكانوا في الماضي قد منعوا الشباب من دخول المساجد, والآن قد منعوا الشيوخ, وكانوا ينتظرون موت أئمة المساجد فيقفوها بحجة أن إمام المسجد قد توفي.

إلى غير ذلك من الحوادث الشنيعة في المسلمين وإذلالهم.

ويختتم البيان بما يلي:

إننا نناشد إخواننا المسلمين والعرب أن يمدوا لنا يد العون, وأن لا يكتفوا فقط بالاحتجاج؛ إذ أن هذا الأمر يحدث على سمع العالم ومرآه, إننا نطالب وقف هذه الحملة ضدنا دون ذنب ارتكبناه, ونطلب من الدول العربية التي لها علاقات اقتصادية مع بلغاريا أن تتدخَّل في الأمر, وكذلك مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية, ونرجو أن يرفع هذا الأمر للأمم المتحدة ولجنة حقوق الإنسان؛ إذ أننا لا نستطيع الاتصال بهم.

ونسأل الله أن يشدّ من أزرنا.

وموعدنا الصبح, أليس الصبح بقريب.

ملحق رقم "4" عن المسلمين في ألبانيا:

وننقل هنا عن اتحاد الطلبة المسلمين في شرق أوربا:

إذا كانت هنالك معانٍ كثيرة ومختلفة توصف بها حالة شعب من الشعوب؛ لكي تترجم معاني التضحية والصبر ومعاناة الاضطهاد, وتحمل كل ذلك بنوع كبير من التحدي لكل شيء، وإنَّ شعب ألبانيا المسلم الجدير بأن تطلق عليه تلك المعاني والصفات.

وهنا نبدأ بنظرة سريعة مختصرة لتاريخ ألبانيا القريب, وذلك إلى ما قبل خمسين عامًا كانت ألبانيا في حوالي العشرينات من هذا القرن تحكم بواسطة أحمد زوقو؛ حيث كان ملكًا عليها، وكان الشعب في ذلك الوقت يمارس طقوسه الدينية بحرية, سواء المسلمين أو المسيحيين، وفي هذا التاريخ بدأت عواصف الشر تهبُّ من بعد؛ حيث وقعت ألبانيا تحت الحكم الإيطالي في عهد "فكتور أمناولي", وانتدب "دوتشه موسيليني" ليحكم ألبانيا, أما الملك أحمد زوقو فقد نُقِلَ إلى إيطاليا.

ثم بدأت الحرب العالمية الثانية, وكانت ألبانيا مثل جارتها يوغسلاوفيا ترزح تحت السيطرة الألمانية، ولأسباب الحرب مع الألمان فقد اندمجت كلٌّ من يوغوسلافيا وألبانيا تحت قيادة واحدة برئاسة "تيتو", وكان من ضمن القادة البارزين في حرب العصابات كل من "أنور خوجه" و"محمد شيخو" الألبانيين اللذين هما الآن يسيطران على الحكم في ألبانيا.

استمر الاتحاد الائتلافي بين يوغسلافيا وألبانيا من عام 1944 إلى 1948، حيث ظهرت سياسة تيتو المعتدلة مع الشيوعيين، والتي لم ترق للقادة الألبانيين, فانفصلوا عن يوغسلافيا, وتبنَّوا الحكم الشيوعي الماركسي المتطرف.

تلك نظرة سريعة، الهدف منها الوصول إلى معرفة الوسائل التي أوصلت الحكم إلى ما هو عليه الآن.

ألبانيا يبلغ تعداد سكانها المليونين، نسبة المسلمين فيها من 80 إلى 90%, وباقي السكان مسيحيون، ويتركَّز السكان المسلمون في وسط ألبانيا، ورغم أن المسلمين نسبتهم كبيرة, إلّا أنهم يلاقون أشد المصاعب والاضطهاد من عنت الحكم الشيوعي.

حيث قام الحكام الحاقدون بهدم المساجد ومنع المسلمين من أداء شعائر دينهم، كما أنَّ مواليدهم الجدد لا يتم تسجيلهم وإعطاؤهم الجنسية إلّا بأسماء غير إسلامية, وكذلك الموتى لا يتركونهم لأهليهم ليمارسوا عليهم الشعائر الإسلامية من غسل وكفن وصلاة, كذا لا يدعونهم يدفنوهم في مقابرهم الخاصة, بل يجبرونهم على دفنهم في المقابر العامَّة مع الشيوعيين، أمَّا عند الزواج فيستحيل ذكر الديانة, ويتم العقد تحت اسم مواطن ألباني فقط، وأمَّا بالنسبة للمناهج الدراسية فهي حقلهم الخصب في زرع الإلحاد في نفوس الأطفال الصغار منذ نعومة أظفارهم, إلى أن يستوي عودهم, ذلك بمختلف الوسائل التعليمية، والإعلامية.. وقد حدَّثنا أحد أولئك الذين اشتغلوا بمهنة التدريس؛ حيث يقول بأن الوزارة أمرت المدرسين بأن يهتمّوا بغرس فكرة عدم وجود الله في عقول الأطفال, وقد حدث مرَّة أن سأل طالب عن الله: هل هو موجود؟ فأجاب الأستاذ, نعم.

إن الله موجود، وبسبب هذه الإجابة قضى الأستاذ ستة أشهر في السجن، ثُمَّ طُرِدَ من مهنة التدريس بتهمة أنَّه يعلم الأطفال أشياء تضر بمستقبلهم، ويذكر الأستاذ بأنَّ الإجابة المتعارف عليها عن الله ورسوله هي أن الله والعياذ بالله هو "أنور خوجة" ربهم ومالك نعمتهم، وأنَّ "محمد شيخو" رسوله والمتصرف بأمره.

هذا جزء بسيط, وقطرة من بحر عميق مما يلاقيه المسلمون في ألبانيا المسلمة.

خاتمة

وبعد الحديث عن الأرض السليبة في:

الأندلس, وفلسطين.

والأراضي الخاضعة للنفوذ الشيوعي..

نجد أن الأعداء الثلاثة: الصليبية والصهيونية والشيوعية, قد أنشبت أظافرها في رقاب العالم الإسلامي، واحتلت ترابه، وطردت أهله, ومارست معهم حروب الإبادة، ومن بقي يعيش تحت سلطانهم عيش الذليل الكسير! والأراضي السليبة الآن تمثّل أكثر من ربع مساحة العالم الإسلامي، والعالم الإسلامي لا يزال يغط في نومه الذي غطَّ فيه منذ قرنين أو يزيد ... !

واستلاب الأرض لا يوقظه..

وحمامات الدم لا تستثيره..

وانتهاك الحرمات والمقدَّسات لا تحركه..

وأدعياء الوطنية والقومية يتاجرون بالشعارات، ودعاة الصلح والاستكانة يتربَّعون على كراسي الحكم, ويتصدَّرون مواقع الزعامة", والشعوب لاهثة وراء لقمة العيش، أو لاهية في الترف الداعر!

والذين اغتصبوا والذين ساعدوا على الاغتصاب مطمئنون إلى مستقبلهم فوق أرض الإسلام، فوق جماجم الشهداء ودماء الضحايا وزفرات المستضعفين!

وإلى الله وحده المشتكي..

وفي كتائب الإسلام التي نراها حينًا بعين الخيال, وحينًا بعين الواقع، فيها وحدها، بعد الله الأمل!

الفصل الثاني: أوطان تجاهد

بسم الله الرحمن الرحيم
أفغانستان المجاهدة

موقع وخطورة:

تقع أفغانستان في شرق آسيا، ولها حدود مع إيران وباكستان، وأراضي المسلمين في الصين, وأراضي المسلمين في الاتحاد السوفيتي, في موقع جبلياستراتيجي, ومساحتها 650 ألف كيلو متر مربع, وحدودها مع الاتحاد السوفيتي بامتداد أكثر من ألف كيلو, وتعداد السكان يصل إلى حوالي ثمانية عشر مليون, ونسبة المسلمين منهم 99%.

وإذا كانت جريدةإزفيسيتاالروسية قد قالت سنة 1947 غداة إنشاء جمهورية باكستان الإسلامية "إن القضاء على هذه الدولة التي أنشئت على العقيدة الإسلامية واجب من واجبات الحزب الشيوعي الروسي؛ لأنها تشكِّل خطرًا على الجمهوريات الإسلامية بالاتحاد السوفيتي", الأمر الذي نُفِّذَ بعد ذلك بالتعاون مع الهند لتقسيم باكستان إلى باكستان وبنجلاديش؛ لإضعاف هذه الدولة الإسلامية التي تشكِّل خطرًا على حدود روسيا.

- فإن وجود دولة أفغانستان كذلك على حدود روسيا, وبالمتاخمة لأقاليم المسلمين هناك, يشكل نفس الخطورة، وتتصوّر معه نفس التصرف لتحقيق نفس الغاية.. قد يختلف الأسلوب أو الوسيلة, ولكن تبقى الغاية.. دفع الخطر الإسلامي عن حدود روسيا في أقاليمها الإسلامية التي خضعت بالحديد والنار للحكم الشيوعي الكافر.

لمحة عن تاريخ قديم:

- كانت الديانة البوذية تسود أفغانستان قبل الإسلام, حتى إنهم نحتوا

تمثالًا لبوذا في جبلٍ بارتفاع خمسين مترًا، ولا يزال التمثال حتى الآن في مدينة بامبسان, وكانت اللغة السائدة هي اللغة السنسكريتية.

وكانت الديانة البوذية تقوم على "الكاوما", أي: قانون الجزاء الذي يفترض الجزاء في الدنيا, وينكر الآخرة وجزاءها، كما تقوم على تناسخ الأرواح حتى يتحقَّق الجزاء في الدنيا بانتقال الروح الخبيثة إلى نفس شريرة، والعكس، كما تقوم كذلك على تحبيذ البطالة والكسل, وتفضيل مد اليد للتسول والاستجداء على كل سبيل آخر.

- وكان فتح فارس على عهد عمر بن الخطاب فتحًا مبينًا امتدَّ إلى أراضي أفغانستان, ووصل إلى كابل "العاصمة" على عهد عثمان رضي الله عنه، ثم حدثت ردة بعد ذلك, عاد بعدها الشعب الأفغاني إلى الإسلام في أواخر القرن الأول الهجري؛ ليبقي منذ ذلك اليوم على إسلامه مستمسكًا ومضحيًا..

ومن أفغانستان امتدَّ الفتح إلى الهند، كما امتدَّ إلى بخارى وما جاورها، إلى الصين حتى جدار الصين العظيم.

وانتشرت مع الفتح الإسلامي اللغة العربية، وفي أواخر الدولة الغزنوية عادت اللغة الفارسية إلى الانتشار "وهي تزيد على العربية أربعة حروف", ثم انتشرت اللغة الأفغانية "وهي تزيد على الفارسية ستة حروف", وكلتاهما يكتبان بحروف عربية.

- وظهر في أفغانستان علماء أجلاء في جميع المجالات..

فالأمام أبو حنيفة رضي الله عنه من كابل "العاصمة", واٌلإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه من مرو "شمال أفغانستان", وكذلك الفخر الرازي، والبيروني، والفارابي، وابن سينا، والفردوسي مؤلف الشاهناما، وهي ملحمة تاريخية تحكي تاريخ فارس.. إلخ.

أفغانستان في التاريخ الحديث:

- عرف الشعب الأفغاني بشدة التمسك بدينه, كما عُرِفَ ببسالته في لجهاد، وبرفضه لكل أنواع الاستعمار والاحتلال.

وهو الذي ثار على ملكه وخلعه "هو أمان الله" حين حاول إدخال السفور إلى أفغانستان، بظهور زوجته سافرة خالعة عنها الزي الشرعي الإسلامي.

- وقد حاول الإنجليز احتلال أفغانستان واستعمارها بعد استيلائهم على الهند، فكانت محاولاتهم:

في 1838-1848م, 1878-1881م, 1919-1921م.

وفي كل مرة كان يباد الجيش الإنجليزي بكامله، بعد أن يهب الشعب الأفغاني للقتال تحت راية الإسلام.

- كما حاولت أفغانستان أن تمد نفوذها الإسلامي في بلاد ما وراء النهر "بخارى وطشقند وسمرقند وتركستان وأزبكستان وأذربيجان", لكن كان القضاء قد حم.. وفي عهد أمان الله ملك أفغانستان حاولت الشيوعية أن تتسلَّلَ إلى صفوف الشعب الأفغاني, بما حاول لينين أن يعقد من صداقة بينه وبين أمان الله, وتنبَّه الشعب الأفغاني، وكان هذا هو ميلاد الحركات الإسلامية التي تعاظم شأنها فيما بعد مع تعاظم الأحداث.

الشيوعية في أفغانستان:

- وفي عهد شاه محمود خان تولَّى رئاسة الوزراء داود خان سنة 1952, الذي وضع نواة الأحزاب الشيوعية في عهده, فظهر حزب "حلق" وحزب "برجم" الشيوعيان التابعان لموسكو.

وبدأ داود خان ينفِّذ المخطط الروسي في إبعاد الخطر الإسلامي عن حدود روسيا، بدأ به في داخل أفغانستان بتنشيط التيار الشيوعي، ثم بتمكين الاتحاد السوفيتي من السيطرة على التجارة الخارجية "65% من القروض تلقتها من الاتحاد السوفيتي", ودخلوا قطاع التعليم والتربية والتخطيط وغير ذلك..

ثم راح ينفذ المخطط خارج أفغانستان في الدول الإسلامية المجاورة.

ونترك الحديث لأحد أعضاء المخابرات الروسية k. G. B. في كتابه "مذكرات نيوفسكي".

"اتصلت وعدد من العاملين بالجهاز "k. g. b." والجهاز الآخر "g. r. u" بداود خان عندما كان رئيسًا للوزراء، واتفقنا على طريقة بثَّ الفوضى في باكستان, وتسميم خزانات ومصب مياه الشرب فيها, وتفجير القنابل, وتدمير المنشأت وغيرها من الأعمال، وتَمَّت حينذاك الموافقة على تسليح الجيش الأفغاني، وتدريبه في الاتحاد السوفيتي استعدادًا للهجوم على باكستان ... ".

وقد بلغ الأمر حدَّ عقد معاهدة سرية مع الروس لإعطائهم قاعدة جوية بمنطقة شيندند التي تشرف على الحدود الإيرانية والباكستانية.

- وفي الوقت نفسه راح يهاجم الدين وعلماءه، ويفرض السفور, ويأمر بالاختلاط في الجامعة, وينشئ المدارس المختلطة بين الشباب من الجنسين.

ثم أُعْفِيَ من منصبه بعد أن افتضح أمره، وطفح كيله، ومع ذلك لم يستح أن يسيِّر المظاهرات من أنصاره تنادي بعودة "السفاح الخائن" إلى منصبه..!

الانقلاب الشيوعي الأول:

في 17 إبريل سنة 1973 انقضَّ الرجل الخسيس على ابن عمه فخلعه من الملك, وشاركه في الانقلاب الحزبان الشيوعيان برجم، وخلق، وساعدته القوى الأجنبية الشيوعية..

- وبدأ بمحاربة النشاط الإسلامي ومحاولة شله، فأوقف مركز البحوث الإسلامي بالجامعة، ومنع نشر المجلات والصحف الإسلامية مثل: مجلة شرعيات، وخفض عدد الحجاج من سبعة عشر ألف إلى أربعة آلاف، فلما تذمَّر الناس زادهم ألفًا، وأصدرت وزارة العدل عنده تعليمات تؤكّد أن الكشف عن مساوئ الشيوعية والمساس بزعمائها جريمة يعاقب عليها.

- وراح ينفِّذ أهداف روسيا التي كشف عنها الإسلاميون في أفغانستان وهي:

1- القضاء على موجات الزحف الإسلامي بإشاعة الإلحاد وتطبيق العلمانية.

2- الوصول إلى المياه الدافئة.

3- سبق أمريكا في السطرة على قارة إفريقيا وأوربا.

4- منع الصين من أن تصبح قوة كبرى.

5- تطويق الجزيرة العربية من الشمال والجنوب للسيطرة على آبار النفط.

- ومن دراسة خُطَبِه, وبالأخص خطابه في عيد الثورة عام 1975, يبين أن ثورته مبنية على:

1- القضاء على الرجعية "شعار يخفي القضاء على الإسلام".

2- إحياء الحضارة القديمة "أي: الوثنية والمجوسية".

3- الاهتمام بالفن وتنمية الفنون الشعبية "لإشاعة الإباحية".

4- إنشاء مذهب جديد باسم الإيدلوجية القديمة "للقضاء على أيدلوجية الإسلام وعقيدته".

5- تطبيق الاشتراكية "لاستبعاد تطبيق الإسلام".

- وفي سبيل تحقيق هذه الغايات ارتكب الانقلاب الشيوعي الأول:

أ- الإرهاب والبطش:

وما حدث لحبيب الرحمن مدرس بكلية الشريعة وأسرته، وعطا محمد الطالب بكلية العلوم وأسرته، والدكتور محمد عمر، وغلام محمد نيازي, وغيرهم من أبناء الجمعية الإسلامية, أو "جمعيات إسلامي أفغانستان", وقد ترتَّب على ذلك هجرة حوالي مليونين من البلاد إلى الجبال أو الدول المجاورة, وقيل: إن عدد السجناء السياسيين بلغ ثلاثين ألفًا, كل ذلك دليل على ما اتَّسم به العهد من طغيان.

ب- استعان الثوريون بالفتيات والفتيان الفرنسيين للتبشير, ولنشر

الإباحية والفجور, وكان مما يقدم هؤلاء كهدايا شكل الصليب مصنوعًا من الذهب؛ ليعلقه الشاب في عنقه, أو يربطه على معصمه.

ج- الاستعانة بالخبراء الأجانب من الروس, حتى بلغ عددهم أربعة آلاف, وبعضهم أعضاء في الـKGB.

الانقلاب الشيوعي الثاني:

كان الفساد الذي دبَّ في الجهاز الإداري, والانهيار الذي أصاب الاقتصاد الأفغاني, والكبت السياسي الذي بلغ ذروته في ظل انقلاب محمد داود, وأخيرًا الخلاف الذي دبَّ بينه وبين الحزبين الشيوعيين الرئيسيين "خلق وبرجم", كان كل ذلك دافعًا لتدبير الانقلاب الثاني؛ لتعلن الشيوعية عن وجهها الكالح مستغلة معاناة الجماهير.

وسبق ذلك اتحاد الحزبين الشيوعيين تحت زعامة نور محمد تراقي.

وفي ليلة الانقلاب اتصل بعض ضباطهم بمحمد داود, وأخبروه يقيام مظاهرة في الغد, واستاذنوه لخروج بعض الدبابات لحماية القصر فأذن.

واتجهت الدبابات إلى القصر لتجعل فواهاتها موجهة للخارج, حتى إذا جاء الموعد المحدد "الثانية عشرة وأربع دقائق" تحوَّلت المدافع تجاه القصر لتدكَّ بنيانه على رءوس من فيه, وليشهد يوم 27 إبريل 1978 نجيعًا من الدماء ضجَّت له أرض أفغانستان..

فقد روي أنَّ من قُتِلَ من الرجال والنساء والولدان بلغ ثمانين ألفًا في مقدمتهم الكثير من المجاهدين، والعلماء، وأعضاء الجماعات الإسلامية المجاهدة منذ عهد محمد داود.

الانقلاب الشيوعي الثالث:

كان ذلك في 16 سبتمبر 1979, حين أطاح رئيس الوزراء حفيظ الله أمين برئيس الدولة "محمد نور تراقي" وحاول أن يخطب ودَّ المجاهدين ليوقفوا القتال، لكن المجاهدين استمروا في جهادهم, وقائد هذا الانقلاب درس

في الولايات المتحدة الأمريكية, وحصل منها على الليسانس "عام 1957", الدكتواره "1962" , وتزعم منظَّمة يسارية للطلبة الأفغان في أمريكا، وشارك بعد ذلك في تأسيس حزب خلق الماركسي, الذي كان يتزعمه محمد نور تراقي.

الانقلاب الشيوعي الرابع:

وفي يوم 27 ديسمبر 1979, وبعد أقلّ من ثلاثة شهور ونصف وقع الانقلاب الشيوعي الرابع, وبدعم عسكري سافر من الاتحاد السوفيتي, أكَّدته بعد أيام أنباء صرَّحت بها المصادر الرسمية في الولايات المتحدة، ولم تكذّبها مصارد الاتحاد السوفيتي, هذه الأنباء تفيد نصب جسر جوي بين الاتحاد السوفيتي وكابول عاصمة أفغانستان، وتَمَّ نقل جنود ومعدات سوفيتية عبر أكثر من مائة وخمسين طلعة جوية لطائرات الأنتينوف الضخمة, وتكامل للاتحاد السوفيتي من الجنود والضباط والخبراء قرابة عشرة آلاف، وتحت درع المدافع الكافرة تَمَّ إقصاء حفيظ الله أمين؛ ليحلَّ محله أحد عملاء روسيا, وزعيم حزب "برجم الشيوعي", ونائب رئيس الوزراء, ورئيس مجلس الثورة في انقلاب محمد نور تراقي.

وكان المذكور "بايراك كارمل" قد أقصي وعُيِّنَ سفيرا في تشيكوسلوفاكيا يوليو عام 1978, عقب الخلاف الذي دبَّ بين الحزبين الشيوعيين "خلق وبرجم", والذي أدَّى إلى انفصام التحالف غير المقدَّس عام 1977, بعد أن كان قد تَمَّ عام 1965 اتحاد الحزبين, وتسمَّيَا باسم حزب الشعب الديمقراطي, وعزل بايراك بعد ثلاثة شهور تقريبًا, ولكنه ظل مختفيًا في أوربا الشرقية حتى استقدمه الروس ليتزعَّم الانقلاب الأخير, وكان نفي بايراك كارمل بتأثير من حفيظ الله أمين إبَّان حكم تراقي، وما إن تَمَّ انقلاب كارمل تحت حراب السوفييت, حتى عقدت لحفيظ الله أمين محاكمة قضت بإعدامه, ونفِّذَ فيه حكم الإعدام في اليوم التالي ليوم الانقلاب, وتزايدت محاكمة قوات روسيا حتى جاوزت مائة ألف جندي توزَّعوا على أرض أفغانستان في المناطق التي كانت تحتلُّها جنود الجيش الأفغاني الرسمي.

وأعلن المجاهدون استمرارهم في جهاد الكفر الحاكم في كابول, مدعمًا من الكفر الحاكم في موسكو.

ماذا تعني هذه الانقلابات:

1- تعني أولًا: اهتزاز قاعدة الحكم الشيوعي في كابول؛ إذ لو لم تكن كذلك لما لجأ الاتحاد السوفيتي إلى تغيير محمد نور تراقي عام 79, ثم إلى تغيير حفيظ الله أمين في نفس العام, ولكن بعد ثلاثة أشهر.

ولو لم تكن قاعدة الحكم مهزوزةً لما لجأ الاتحاد السوفيتي إلى المغامرة الثالثة في تاريخه الحديث "بعد مغامرة بولندا عام 1956, وتشيكوسلوفاكيا عام 1968"، بنقل جنوده خارج أراضيه للدفاع عن نظام شيوعي.

2- تعني: أن الاتحاد السوفيتي قد استيأس من إمكان قيام حكم شيوعي وطني مثل الكثير من البلاد الشيوعية، وذلك راجع بلا شكٍّ إلى صلابة العقيدة الإسلامية، وإلى تصميم الشعب الأفغاني المسلم على الجهاد..

3- تعني: إمكان التغيير القريب لنفس القيادة الجديدة إذا لم يتحقَّق لها النجاح السريع الذي يصبو إليه الاتحاد السوفيتي.

الشعب المسلم يجاهد الشيوعية الفاجرة:

- ولم بجد الشعب المسلم منطقًا مع الشيوعية غير حمل السلاح، وما تفهم الشيوعية منطقًا دون ذلك، واعتصم الشعب المسلم بالجبال "حوالي100 ألف مجاهد حتى الآن" تقوده قيادات إسلامية مختلفة؛ لسحق الغزاة الشيوعيين, ويحلو للنظام الحاكم أن يطلق على المجاهدين اسم "الإخوان المسلمين" 1 إشارة إلى ارتباطهم بمجاهدي مصر المعروفين في المنهج والغاية، وإثارةً للتافهين من الحكام ضد هذه الجماعة في بلادهم..

1 أول ما أطلق اسم "الإخوان المسلمون" عام 1910 على أتباع الحركة الوهَّابية في الجزيرة العربية؛ حيث يقول باول شمتز في كتابه "الإسلام قوة الغد العالمية": كان عام 1910 بدء مرحلة فكرية جديدة في تاريخ الوهَّابية, بدأ فيها انتشار المذهب بطريقة شاملة, ففي هذه السنة أسَّس ابن سعود حركة الإخوان التي حاول بها أن يدفع من طريقه القبائل العربية التي وقفت تزاحمه, وتعترض بناء دولة كبرى مركزية, فأحيت هذه الحركة شعور الانتماء الديني.

والحركات التي تلتها في العالم الإسلامي امتداد لها.

ويحمل المجاهدون الراية في أمانة وصبر وثبات, ويتقدَّم خيرة الشباب فداءً للإسلام, فداءً لتراب الإسلام أن تدسنه أقدام الكفرة الشيوعيين، فداءً لأعراض الطاهيرات المسلمات، وفداءً لدين الأمَّة وقيمها ومثلها.

ويسقط الشهيد تلو الشهيد، وأنغام الدم تثير الدماء في العروق, ويُقْدِمُ الشعب المسلم على التضحية بكل ما يملك، حتى ليبلغنا أن المجاهدين باعوا أثاث بيوتهم ليشتروا السلاح, ولم يجدوا في الجبال قوت يومهم فحاربوا وهم جياع, وبطون البعض من المسلمين ترهقها التخمة، ومرضها كثرة الطعام، وقمامات المترفين من المسلمين تكفي المجاهدين, وتكفي معهم شعوبًا يجري تنصيرها؛ لأنها لا تجد حفنات من الأرز تقتات بها، وإنا لله وإن إليه راجعون.

- وبرغم العون الضخم الذي كانت تقدمه الشيوعية الدولية للحكم الفاشي في كابول, فإن المجاهدين -برغم قلة عدهم وعدتهم- قد انتزعوا الأرض الإسلامية الحبيبة من تحت أقدام الشيوعيين، وبرغم الدعاية الضخمة التي يبذلها الإعلام الفاجر ضد المجاهدين, من أنهم متعاونون مع الإنجليز والأمريكان، فإن كثيرًا من ضباط الجيش الأفغاني تنضم إلى المجاهدين، وزادت نسبة الانضمام بعد الغزو الروسي الفاجر.

وحتى دخول القوات الروسية تَمَّ للمجاهدين -بفضل الله ورحمته- تحرير حوالي ثلثي أفغانستان, وسقط في أيديهم بعض المدن الهامة, منها: ثالث مدن أفغانستان, واستسلم للمجاهدين أعداد ضخمة غير التي أعلنت انضمامها قبل الاستسلام.

طوائف المجاهدين:

قد يبدوا للسياسي "العادي" أو المحترف أنها طوائف مختلفة بينها تنافر وتناقض، ومن ثَمَّ يغريه ذلك بالصيد في الماء العكر, لكن الأمر غير ذلك، كما سنشير بعد قليل.

وأثقل هذه الطوائف في ميدان الجهاد الحزب الإسلامي الذي يتأمَّر عليه الشاب المسلم "كولبدين حكمتيار", ومعنى الإسم الأول في لغتهم: زهر الدين.

ويتميز أمير الحزب بصلابته وذكائه، ويشارك في الميدان بنفسه, ويأتي بعد الحزب الإسلامي "جماعة إسلامي أفغانستان"، ويترأَّسها الأستاذ

برهن الدين رباني, ويتميز برجاحة عقله، وسعة صدره، وحلمه وذكائه, وجماعته لها شعبية كبيرة.

ويأتي بعد ذلك "حزب الانقلاب الإسلامي", وهو تحت قيادة عالم جليل "محمد نبي"، وقد شارك ويشارك في عمليات جهادية واسعة.

ويأتي بعد ذلك جماعة أخرى تحت نفس اسم "الحزب الإسلامي" ويترأسها عالم جليل يسمَّى محمد نبي خالص، شارك بنفسه في الجهاد، رغم أنه يربو على الستين، ويبدي عزوفًا عن التنازع حول الإمارة والرياسة.

وتأتي بعد ذلك جماعات وأحزاب أخرى أقل أهمية مثل جماعة "الأفندي" الصوفية.

"وهناك طائفة لها ثقل كبير في الميدان، وإن لم تكن منظمة، وهي القبايل، وهي تُكِنُّ للعلماء استجابة سريعة وقوية، وتبدي استبسالًا وتضحية في ميدان الجهاد, وفي النهاية تأتي بعض الشخصيات المعروفة مثل "صبغة الله المجددي"، أحمد سيرت، وآخرون يتناثرون بين قارات أوربا وأمريكا، وآسيا.

2- ترابط المجاهدين:

عندما ينظر المسلم إلى خريطة المجاهدين قد يأخذه الإشفاق على حركة الجهاد الإسلامي إن لم يجاوزه إلى التشاؤم في مستقبل الجهاد، وفي مستقبل [أفغانستان], ومن ناحية أخرى فقد يغري ذلك القوى المعنية بشئون أفغانستان بسهولة إجهاض أو إحباط، أو على الأقل تحويل مجراه عن هدفه في إقامة "حكم إسلامي" كما سوف نشير بإذن الله.

لكن النظرة الإسلامية المتعمَّقة تتنفس التفاؤل وتحسه إذا اعتبرت ما يلي:

1- إن الاختلاف القائم على السطح وليس في الأعماق، وهو في القمَّة ولا يصل إلى القاعدة.

بل إنَّ هذه القاعدة تترابط -بفضل الله وحمده- ترابطًا قويًّا، وتتعاون تعاونًا جليًّا, وتصلي عدو الله وعدوها نارًا حامية، تسحقه بإذن الله وتمحقه, وعندما يلتقي المجاهدون من كافَّة الطوائف يختارون من بينهم أصلحهم للقيادة؛ ليمضوا في جهادهم، يبيعون أموالهم في سبيل الله.

بل إنَّ القاعدة جاوزت ذلك إلى الضغط على القيادة لتتحد في مواجهة العدو الواحد الكافر.

2- وإن قادة هذه الطوائف -جلهم إن لم يكن كلهم- يتحلَّون بخلق إسلامي رفيع، ويتنافسون في الجهاد, ويتسابقون في الخيرات, ويختلفون في الاجتهادات والأساليب, لكنهم يتَّفقون في الغاية، ويلتقون على نفس الراية, ومن ثَمَّ فهم أقرب إلى الائتلاف منهم إلى الاختلاف.

ويوم يحسّون باستفادة العدو من اختلافهم -فلسوف- بإذن الله تجدهم على قلب رجل واحد.

3- وإن ألوانًا من الائتلاف والاتحاد تَمَّت وتتمّ، وهي وإن تبدَّل بعضها، لكن وقوعها ينبئ عن إمكان الوقوع وليس استحالته.

4- وإنه لا قدَّر الله إذا ركب الشيطان رءوس بعض القيادات للانحراف عن خط الجهاد, أو لجعل اليأس بين المجاهدين بدلًا من أن يكون مع الكافرين الظالمين, فإنَّ القاعدة القوية الفاهمة الواعية سوف تلفظ هذه القيادات، ويومئذ لن يكون رد الفعل رحيمًا, بل سوف يكون أليمًا شديدًا؛ ليكونوا عبرة لكل قيادة تتسلَّق على جماجم الشهداء, وتخون أمانة ربها وأمانة شعبها.

الخونة الحاكمون:

أما الخونة الحاكمون ابتداءً من داود, ومرورًا بتراقي وحفيظ الله أمين, وانتهاءً بكارمل, فقد انتهوا -بحمد الله- حقيقةً لا حكمًا.

انتهوا سياسيًّا:

بانفضاض الناس عنهم, وبانحيازهم للجانب الآخر انحيازًا بلغ

أوج القوة في المعارضة، وليس بعد دوي القنابل ما هو أقوى في التعبير!

وانتهى الحزب الحاكم "الشيوعي" سياسيًّا بعد أن تعرَّى إسلاميًّا، وتعرًّى شعبيًّا, وانتهى معه كذلك الحزب الشيوعي الآخر, الذي وإن لم يكن مشاركًا في الحكم, ففشل رفيقه حكم عليه كذلك بالفشل المؤبَّد!

وانتهوا حربيًّا:

فبرغم الحقن الدائم من الاتحاد السوفيتي الرابض على ألف ميل من الحدود, والمشارك بآلاف الخبراء والمستشارين, والأسلحة المتطورة التي لم تستعمل بعد في أي ميدان حرب, فنزيف الحكومة الشديد في ميدان القتال لم يعد يفلح معه الحقن, بل لا يفلح معه نقل الدم كذلك, إن كان لدى الشيوعية دم تستطيع أن تنقله, ويوم تحاول ذلك فلسوف تجد الدم الإسلامي أقوى وأوفى -بإذن الله!

ويكفي أن يعرف الناس أنه برغم كل ما قدَّمنا ذكره, فالمجاهدون قد سحبوا من تحت أقدام الشيوعية الكافرة الغاصبة ثلثي أرض أفغانستان، ولم يبق إلّا الثلث, وذلك في عام أو حول عام.

ويكفي أن يعرف الناس أن المجاهدين يحيطون بكابول، يطرقون أبوبها, بل يقتحمون أسوارها.

وإن الحاكمين بأمر روسيا قد رحَّلوا عائلاتهم إلى الدولة الأم في موسكو, بعد أن أحسّوا قرب نهايتهم، ورحَّلَ قبلهم المستشارون والخبراء الروس عائلاتهم استعدادًا, بل عودة إن شاء الله.

وانتهوا شعبيًّا:

فلم يعد الشعب الأفغاني الأصيل الذي قدَّم آلاف الشهداء في معركة الشرف والحرية والإسلام, لم يعد هذا الشعب يقبل أن تحكمه الشيوعية, أو أن يوجد بين صفوفه شيوعي, ويوم يتم التمكين الكامل فلسوف تجد الشيوعية في أفغانستان تصفيةً لها لم تحدث في أي مكان أو زمان آخر, ويظهر من الآن في السياسة التي تجمَّع عليها كل الطوائف المحاربة, وهو أنَّ

الأسير إن كان روسيًّا أو شيوعيًّا فلا شيء له إلّا القتل، أمَّا إن كان غير ذلك فإطلاق سراحه.

إن الشعب الأفغاني الذي قتل منه الانقلاب الشيوعي العسكري في إبريل 1978 ثمانين ألف مسلم، والذي يفقد أعزَّ أبنائه برصاص المجرمين, وداخل السجون والمعتقلات, لا يمكن أن تنسيه آلامه آلامَ إخوانه في بخارى وسمرقند والقوقاز, الذين استأصل منهم حكام روسيا عشرين مليونًا على الأقل في أعوام الثورة الشيوعية الأولى.

القوى الكبرى مقتنعة بنهاية كارمل:

والقوى الكبرى جميعًا، فيما نعلم ونؤكّد مقتنعة بنهاية كارمل؛ لكنها مترددة خوفًا من البديل, أو بحثًا عن البديل!

والبديل في نظرها لا يمكن أن يكون إسلاميًّا, أو على الأقل إسلاميًّا شكلًا وموضوعًا، إنما يمكن أن تقبل بالبديل الشكلي إذا وجدته، وأحسَّت بإمكان بقائه, أو على الأقل صموده.

وقد تكون البدائل كذلك موجودة، لكنها تتردد؛ لأنها تعترف أنها ستكون مبتوتة عن القاعدة القوية الواعية، إنها مع ذلك لن تستمتع طويلًا بكراسي الحكم, بل إنها متأكدة أنها يوم تجلس على كراسي الحكم فإنها تكون قد حفرت بظلفها قبرها, ولم يبق إلّا أن يهال عليها التراب.

أفغانستان قضية من:

قد يقال: إنها قضية الشعب الأفغاني.

قد يقال: إن أمرها يهمّ جيرانها المسلمين بباكستان وإيران.

قد يقال: إن أمرها يهم دول الخليج باعتبار قربها.

قد يقال: إن أمرها يهم أمريكا باعتبار غزو روسيا تحديًّا لها.

قد يقال: إن أمرها يهمّ الأمم المتحدة باعتبارها الغزو انتهاكًا لميثاقها.

قضية الشعب الأفغاني

لا شكَّ أن الفرض الأول صحيح, ولكن ليس من وجهة نظر الوطنية أو الإقليمية أو العصبية، وإنما باعتبار العدوان الآثم واقعًا على أرض شعب أفغانستان المسلم, فهو الصف الأوَّل للجهاد, وهو الطليعة المكلَّفة بصد هذا العدوان.

ولم يقصِّر شعب أفغانستان.

لقد قدَّم من الضحايا 300 ألف مجاهد قتلوا.

- وقدّم معهم 80 ألف مسلم قتلوا في أول انقلاب شيوعي صريح على يد نور ترافي.

- وقدَّم معهم 17 ألف مسلم مجاهد كانوا أسرى في أيدي الشيوعيين، وقتلهم حفيظ الله أمين داخل السجون, بعد أن كلفوا بحفر قبورهم داخل السجون بأيديهم.

- وقدَّم معهم 100 ألف مسلم قتلوا في الغزو الأخير جهادًا ضد جنود السوفيت الكافرين.

- وقدَّم بعد ذلك كله ربع مليون لاجئ من النساء والأطفال والشيوخ لا يجدون المأوى ولا يجدون الطعام, وماذا يراد من الشعب الأفغاني البطل أكثر من ذلك أو أبعد من ذلك.

2- قضية باكستان وإيران:

قضية أفغانستان هي قضية باكستان وإيران كذلك.

أولًا: من وجهة النظر الإسلامية

فالمسلمون كالجسد الواحد إذا أصيب عضو تداعى له سائر الجسد, وأفغانستان عضو عزيز، وأقرب الجسد الإسلامي إليه باكستان وإيران.

وإذا كان الجهاد فرض عين إذا غُزِيَت أرض المسلمين، فهو بالنسبة لمن كان أقرب أكثر فرضية وأشد وجوبًا.

ومن ثَمَّ فالجهاد من إيران وباكستان فرض حتم وواجب, وتخليها عنه هو تخلٍّ عن فرضية إسلامية سوف يسألان عنها أمام الله, ثم أمام الأمة الإسلامية.

ثانيًا: من وجهة النظر الاستراتيجية

فباكستان وإيران تأتيان في الدرجة الثانية بعد أفغانستان في أطماع الاتحاد السوفيتي:

فقد بدأ الاتحاد السوفيتي بهذا الغزو مرحلة جديدة تنكَّر فيها لدعايته وادِّعائه طوال ثلاثين عامًا مضت أنه محبٌّ للسلام، وناصر لحركات التحرّر، ومعادٍ للإمبريالية والاستعمار.

نعم بدأ الاتحاد السوفيتي مرحلة جديدة يسفر فيها عن وجهه الاستعماري الكالح، ويظهر فيه نواياه العدوانية ضد بلاد الإسلام التي كان يضمرها ويخفيها طوال الفترة السابقة.

أعاد للأذهان ما فعله من قبل بإخوتنا في الجمهوريات الإسلامية داخل الاتحاد السوفيتي, والتي تمثّل 9/ 10 مساحة ما فعله من قتل وتشريد وتجويع, حتى هبط تعداد المسلمين إلى النصف, وهم يتزايدون في كل مكان.

والاتحاد السوفيتي في هذه المرحلة لن يكتفي بغزو أفغانستان لأنَّه يريد تحقيق أهداف ثلاثة:

الهدف الأول:

القضاء على الثورة الإسلامية في أفغانستان حتى لا تمتدّ إلى الجمهوريات الإسلامية في أرضه.

الهدف الثاني:

الوصول إلى المياه الدافئة؛ لأنه إذا ابتلع أفغانستان فلن يبقى بينه وبين المياه الدافئة في الخيلج العربي غير مائتي كيلو متر, يمكن أن يقطعها في ساعتين أو ثلاث ساعات بلوغًا إلى المياه الدافئة, وهذه موجودة في أرض باكستان.

الهدف الثالث:

الوصول إلى منابع البترول إمَّا في المنطقة العربية أو في إيران؛ فإيران هي الدولة الثانية من ناحية تصدير البترول, والمنطقة العربية هي المنطقة الأولى, وفيها ثلث مخزون البترول, ومن ثَمَّ فقد يتَّجه إلى إحداهما أو إلى كليهما؛ لأن بتروله سوف يجف عام 1985م.

وإذا كان الاتحاد السوفيتي طامعًا في باكستان وإيران، فسوف يوجّه لهما بالتأكيد الضربة الثانية, أو بالتعبير الدارج: سوف يتعشَّى بهما بعد أن يتغذى بأفغانستان, فهل ينتظران في مكانهما حتى يحضر لأكلهما؟

إن الرجال يفضلون الموت في معركة عقيدة وشرف عن الموت على فراشهم, فلا نامت أعين الجبناء.

وعلى ذلك فالاستراتيجية الصحيحة للدفاع توجب مبادرة الدولتين الإسلاميتين إلى إخوانهم في أفغانستان، بل إلى خوض الحرب الحقيقية معهم قبل أن ينتهي الاتحاد السوفيتي من أفغانستان, ثم يتوجه لهما الواحدة تلو الأخرى, وفي القديم قالوا: أكلنا يوم أُكِلَ الثور الأبيض, وبهذه المناسبة فلنا عتاب مرير على كلٍّ من الدولتين.

فإيران: التي أرسلت متطوعين إلى لبنان، لم ترسل حتى الآن شيئًا إلى جارتها الملاصقة لها أفغانستان, وأظنَّ أن إسلام أفغانستان أقوى من إسلام لبنان, أوبعبارة أدق: إن المسلمين في أفغانستان أكثرية كبيرة عنهم في لبنان.

وإيران كذلك التي احتلت السفارة الأمريكية وجعلتها معركة وقضية، أَبَتْ أن يحتلَّ أحد السفارة السوفيتية أو الأفغانية, بل أطلق الحرس الثوري على من احتلوا الرصاص.

كنا ننتظر من إيران الكثير ... ولا نزال..وباكستان

التي أعلنت الحكم الإسلامي فيها, تعرف بالتاكيد أن الجهاد فرض عين لإنقاذ أفغانستان، وتعرف بالتأكيد حق الجوار الإسلامي، وحق الأخوة الإسلامية.

لكنَّها تتنكَّر لذلك كله -حتى الآن- وتكتفي بموقفين سلبيين:

- موقف الاستنكار الكلامي, ثم موقف إيواء اللاجئين.

ونحن ننتظر منها وفيها شعب مسلم قوي وجيش إسلامي قوي كذلك, ننتظر منها الكثير وقوفًا إلى جانب إخوتها في أفغانستان.

قضية الخليج

البعض يرى أن الخليج بخير ... لاعتبارين:

أولهما: أنه لا يزال هناك فاصل بين الخليج وبين الخطر الشيوعي هو باكستان وإيران.

ثانيهما: أنَّ المصالح الغربية في الخليج كثيرة ومؤكدة, ومن ثَمَّ لن يسكت الغرب على أي عدوان على الخليج.

ونحن نخالف هؤلاء المتعقلين، ونرى أن الخطر على الخليج وارد بل داهم.

وسندنا في ذلك أن ما دام الحصول على النفط أحد أغراض الاتحاد السوفيتي, وما دام من المؤكد أن الاتحاد السوفيتي سوف يلتهم إحدى الدولتين الإسلاميتين بعد أفغانستان وباكستان أو إيران, فإنه إذا التهم

باكستان, يكون قد وصل إلى الخليج العربي أولًا، ويكون بحاجة إلى البترول

ثانيًا: ويكون الخليج كله مرمى المدفع السوفيتي ثالثًا.

أمَّا إذا التهم إيران فقد يُقَالُ: إن عندها بترول, وسوف يكفي الاتحاد السوفيتي وكل طامع عنده نهم أشبه بنهم جنَّهم حين يُقَالُ لها: {هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيد} وما الذي يحول دون الاتحاد السوفيتي إذا وصل إلى مياه الخليج ألَّا يأخذ الخليج أو بعض الخليج, وفيه الذهب الأسود الذي يطمع فيه على ما يزيد عن حاجته من البترول، ويتولَّى هو التصدير إلى الدول الغربية, ويستفيد هو من المكسب العائد.

قد يُقَالُ: إنه يخاف الصدام العسكري مع الولايات المتحدة, لكن ما نراه هو أنَّ الولايات المتحدة من بعد درس فيتنام تؤثِر عدم المخاطرة بقوتاتها خارج حدودها، كما أنها تكتفي إزاء عدوان الاتحاد السوفيتي بالاستنكار وبوسائل الرَّدْع غير الحربية، والاتحاد السوفيتي لا يهمه ذلك كله, ويستمر في وضع الولايات المتحدة الأمريكية أمام الأمر الواقع.

وهذا ما حدث من قبل في:

أنجولا، اليمن الجنوبية، أثيوبيا، ويحدث الآن في أفغانستان.

ويممن أن يحدث غدًا في إيران وباكستان، وفي الخليج ...

وعلى ذلك, فالخطر وارد بل داهم.

وواجب الاستراتيجية الصحيحة للدفاع يقتضينا المسارعة إلى نجدة إخواننا في أفغانستان قبل أن يصل الخطر إلينا قريبًا في دول الخليج.

وقد قلت في الكويت وفي دولة الإمارات العربية: أنفقوا من أموالكم قبل أن تنتزع أموالكم.

أنفقوا من أرواحكم قبل أن تنتزع أرواحكم.

أشعلو جزءًا من البترول حرقًا للشيوعية والاتحاد السوفيتي, قبل أن يحضروا إليكم فيشعلوه حرقًا لكم ولحرماتكم ولأعراضكم ولأرواحكم.

ليس أمامنا اليوم خيار:إن الزحف التتري الأحمر بدأ ولن يتوقف، إلّا أن نستيقظ ونحاول نحن إيقافه بجهادنا بأموالنا وأنفسنا في سبيل الله، وما تركت أمة الجهاد إلّا ذُلَّت, هذا بالنسبة للخليج.

قضية الأمة الإسلامية

ونخرج من هذا بغير عناء أنَّ القضية بالدرجة الأولى قضية الأمة الإسلامية.

أفغانستان فيها خط أول، وباكستان وإيران خط ثان، والخليج خط ثالث.

والأمة الإسلامية ينبغي أن تكون مع هذه الخطوط الثلاثة في كلِّ تحرُّكاتها وزحفها إمدادًا بالسلاح وإمدادًا بالرجال وإمدادًا بالمال.

القضية اليوم: أن توجد الأمة الإسلامية أو لا توجد.

ذلك أن الاستعمار الروسي الشرس لم يترك وطنًا احتلَّه من قبل كما فعل الاستعمار الغربي, وهو لا يكتفي بمصِّ دماء أهل البلد اقتصاديًّا, ولا بالسيطرة عليهم عسكريًّا وسياسيًّا، إنه لا يعرف غير الإبادة والاستيعاب.. يبيد البلد، يبيد دينه وعقديته وأهله, ولا يسمح بخلاص وطن من هذا الاستعمار البغيض، وأسألوا بولندا.. ماذا فعلوا فيها عام 1956 حين تململت تريد الخلاص.

واسألوا تشيكوسلوفاكيا.. ماذ فعلوا عام 1968 حين تملمت كذلك تريد الخلاص.

وأسألوا من قبلها جمهوريات المسلمين داخل الاتحاد السوفيتي, وهي تمثل تسعة أعشار الاتحاد السوفيتي, هل رجع منها شيء إلى المسلمين بعد نصف قرن من احتلال الروس لها؟

إن الاستعمار الروسي هو أقسى أنواع الاستعمار الاستيطاني وأشدها, أنه شبيه بالاستعمار اليهودي وربما أشدّ منه.

فلتستيقظ الأمة الإسلامية, وليمت منها ربعها أو ثلثها في معركة شرف, بدلًا من أن تموت جميعًا على الفراش, فلا نامت أعين الجبناء.

أخيرًا هل هي قضية الولايات المتحدة أو الأمم المتحدة؟

أمَّا الولايات المتحدة: فإن القضية -بكل تأكيد- تهمها.

لكننا لا نستطيع أن نتخلَّى عن الواجب ونقول: إن المعركة معركة الولايات المتحدة، إن المعركة معركتنا بالدرجة الأولى، ولا ينبغي أن نطلب من الولايات المتحدة أن تحارب معركتنا, لكننا نطلب منها إيجابيةً أكثر في مواجهة الغزو السوفيتي, وفي مجال الردع لا يكفي -لردع عدو غبي شرس كالاتحاد السوفيتي- بعض الإجراءات الثقافية والاقتصادية, أو حتَّى قطع العلاقات الدبلوماسية.

صحيح أن ذلك يؤثر, لكنه ليس التأثير الذي يوقف عدوًّا انطلق إلى هدف يريد أن يحققه على النحو الذي أشرنا.

ومن ثَمَّ فنحن ننتظر من الولايات المتحدة أن تتخذ إجراءات أشد قسوة, وإن كنَّا لا ننتظر منها أن تحارب معركتنا.

أما الأمم المتحدة: فحسبنا منها الشجب والاستنكار؛ لأنها لا تملك أكثر من ذلك, ولا تستطيع أكثر من ذلك.

وأخيرًا: بالنسبة للاتحاد السوفيتي:

مرَّت علاقات الاتحاد السوفيتي بالبلاد الإسلامية, سواء منها ما تحتله روسيا داخل أراضيها أو خارجها,

مرت بمراحل عدة:

- فالمرحلة الأولى: عقب انتصار الثورة الشيوعية المشئومة عام 1917, كانت مرحلة "سحق" للبلاد الإسلامية المحيطة بروسيا، مارست فيها أقسى أنواع الاستعمار وأخسَّها، فقتلت من المسلمين الملايين سحقًا بالسلاح أو حصارًا وتجويعًا، وعلَّقت العلماء والرؤساء على أعواد المشانق ليكونوا عبرة لغيرهم, وتسامع الناس في العشرينات والثلاثينات بالغزو الفاجر لبلاد الإسلام في

تركستان ووإزبكستان وبشكريا وأذربيجان وكازاخستان, وقاوم المسلمون العُزَّل في مواجهة الزحف المدعَّم بأثقل السلاح, ودافع أحفاد البخاري ومسلم عن ميراث -محمد عليه الصلاة والسلام, واستمرَّ جهاد بعض المناطق عشر سنوات بغير انقطاع، والشيوعية المستعمرة الزاحفة لا تمل ولا تتراجع ولا تستحي، وأصوات المسلمين يسمع صداها داخل الستار الحديدي, ولا تجاوزه أنينًا وصراخًا وحشرجةً, والذين استطاعوا الفرار من الجحيم الروسي يحكون عن إجرام الروس وبشاعتهم وخِسَّتهم ما هو أقرب إلى الخيال أو أغرب من الخيال.

وبرغم المقاومة العنيفة التي دامت سنوات، فلقد استطاع الروس بكل وسائل الاستعمار التقليدي, وبما هو أشد منها قسوة وضراوة, أن يضمَّ إلى أراضيه تسعة أمثالها من أراضي المسلمين.

أما المرحلة الثانية:فقد جاءت بعد الحرب العالمية الثانية, حين حاول الاستعمار الشيوعي أن يبثَّ الشيوعية كفكرة داخل العالم الإسلامي, فغطَّى على جرائمه السابقة ليتحدث عن جرائم الاستعمار الغربي، وليدغدغ عواطف أبناء العالم الإسلامي التوَّاقين إلى التحرُّر من احتلال بريطانيا وفرنسا وهولندا.

ضرب على هذا الوتر ليمنِّي الكثير من المستضعفين أنه الأمل للتحرر، وأن مبادئه هي النقمة على الإمبريالية والاستعمار.

كل ذلك إلى جوار ما حمله من خداع المحرومين والمسحوقين اجتماعيًّا أنَّ الشيوعية أمل الإنقاذ من الفقر والبؤس والجوع

ورفع الصيحة الكاذبة إلى صاليك العالم:

يا صعاليك العالم اتحدوا, فأمامكم عالم تغنمونه, وليس في أيديكم ما تفقدونه سوى الأغلال، واستجاب لصعاليك روسيا كثير من الصعاليك.

بضعهم عمالة وخيانة لدينهم ووطنهم, والبعض الأخر انخداعًا بما رفع الاتحاد السوفيتي من شعارات العدالة الاجتماعية، والتحرُّر من الإمبريالية والاستعمار.

- ووجد الاتحاد السوفيتي في هذه المرحلة أنَّ العقيدة الإسلامية "تقف حجر عثرة في طريق انتشار المبادئ الشيوعية، ومن ثَمَّ أعلن "تكتيكًا جديدًا", هو معايشة المبادئ الإسلامية، بل والظهور بالشعائر الإسلامية خداعًا لجماهير المسلمين، فحرَّض كوادر الشيوعية وزعماءها على الظهور بمظهرٍ إسلامي بين المساجد يصلون، وعلى الأرض الطاهر يحجون أو يعتمرون، وهم يحملون في حناياهم الدمار لأمَّتهم ودينهم.

ونجح التكتيك الجديد في خداع واجتذاب البسطاء, وقالوا: لا بأس أن نتَّخذ الإسلام عقيدة، والشيوعية مذهبًا، حتى إنَّ أحدهم كتب إلى أحد زعماء الشيوعية يقول: "إلى الرجل الذي استطاع في وقت واحد أن يجمع بين الشيوعية والإسلام".

- ومارس الاتحاد السوفيتي في نفس الوقت اللعبة التِي مارستها بنجاح الولايات المتحدة الأمريكية منذ بداية الخمسينات "لعبة الانقلابات العسكرية", بلوغًا إلى التغيير من القمة بدلًا من انتظار التغيير من القاعدة، فلذلك أيسر وأقل تكلفة، ثم هو يوقِّر جيوش الاحتلال وأمواله، وردود فعله الدينية والوطنية والعصبية.

وتسامع الناس أن الشيوعية التي تتحدث عن الثورة الشعبية "أو ثورة البروليتاريا" قبلت بثورة العساكر؛ ليتغير النظام بأقل ضحايا إلى نظام شيوعي يسير في فللك روسيا ويحقق لها الأهداف المنشودة.

ورضي العساكر المتقلِّبون أن يكونوا -كأخوة لهم سبقوا- خدَّامًا للاستعمار الجديد، خوَّانًا لدينهم وأوطانهم، بل رضوا أن يكونوا أحذية تلبسها القوة الكبرى وتغيرها إذا "بليت", أو حتى إذا لم تبلى وأرتأى اللابسون التغيير.

ولم تعتبر الأحذية الجديدة بمصير الأحذية القديمة, ما دامت تنال شرف أن تلبسها الأقدام "العظيمة", وما دامت تنال شيئًا من عرض الحياة الدنيا منصبًا أو مالًا أو جاهًا.

ولقيت الأحذية الجديدة مصير الأحذية القديمة, فما بكت عليهم السماء والأرض, بل ما بكاهم يوم سقوطهم أحد.

وانتهت هذه المرحلة بمظاهرها المخلفة بالتخطيط الجديد للمرحلة الثالثة.

المرحلة الثالثة: رجعية الاستعمار الروسي

بدأت هذه المرحلة في ملامحها كمؤشرات بغزو بولندا عام 1956, ثم بغزو تشيكوسلوفاكيا عام 1968, لكن الاتحاد السوفيتي كان يجد المبرر والدفاع.

إن هذه دول شيوعية, وإن ما يحدث فيه ردة عن النظام الشيوعي, وإنها تريد أن تحقق الأمن باعتبارها الدولة الأم, ثم هي لا تعدم بعد ذلك اتفاقات.

لكن المرحلة اتضحت بعد الغزو الأخير لأفغانستان في ظلِّ تمثيلية مضحكة؛ إذ تدَّعي أنَّ حكومة البلاد طلبت العون, فاستجابت روسيا وفاءً لمعاهدة الصداقة والتعاون المعقودة بين البلدين؟

وتساءل الناس:

من الذي طلب العون؟ الرئيس الذي أُعْدِمَ بعد العون، أم الرئيس الذي لم يكن موجودًا وقت تدفق العون؟ ويظن الاتحاد السوفيتي أنه كسب أو يكسب بهذا التدخل, فهو يستطيع في ظنه أن يكبت المقاومة التي عجز عنها عملاؤه "محمد داود, محمد نور تراقي, حفيظ الله أمين".

وهو في ظنه سوف يمنع إمكان انتقال العدوى إلى مسلمي الاتحاد السوفيتي فيما لو قُدِّر للمجاهدين الانتصار. وهو في ظنه قد يجاوز أرض أفغانستان إلى أرض باكستان ليكون له منفذ

على المياه الدافئة، ثم ليطلَّ من قريب على آبار النفط في الخليج, وفيها ثلثا احتياطيّ العالم في وقت قاربت آبار نفطة على النفاذ.

ثم هو يحدِّث نفسه بقبلة المسلمين الحبيبة، كما يحدِّث اليهود أنفسهم من قبل بقبلة المسلمين الأولى.

كل هذه آمال وأطماع قد يضعها الاتحاد السوفيتي في كفَّة المكاسب, ولكن ليضع أمامها في كفة الخسائر:

1- إنه نسف بالغزو -نهائيًّا- كل رصيد شعبي كان له في المنطقة الإسلامية.

2- إنه بالغزو صار حجر عثرة أمام انتشار مبادئه سلميًّا وسط الشعوب.

3- إنه بالغزو عجَّل بكشف أطماعه، ومن ثَمَّ حذر القواعد والقمم على السواء من أهدافه الخبيثة.

4- إنه بالغزو أثار المقاومة بكل صفوفها وسط صفوف المسلمين.

للدين.

للعرض.

للوطن ...

ولئن لم تتبلور بعد، فإننا نحسها جمرًا تحت الرماد، عمَّا قريب -بإذن الله- يصير نارًا تحرق, ونورًا يضيء.

5- إن كثيرًا من المكاسب المظنونة أوهام, فلا المقاومة سوف تُكْبَت، بل بإذن الله سوف تزيد, ولا العدوى إلى مسلمي الاتحاد السوفيتي سوف تتوقَّف، بل إنَّ غزو إخوانهم قد يوقظهم وقد يحركهم، بعدما يرون بأعينهم ما يحدث لإخوانهم بغير حقٍّ إلّا أن يقولوا ربنا الله.

أمَّا ما بعد ذلك فأوهام عملت لها القيصرية من قبل الشيوعية على مدى أربعة قرون، ولم تبلغ شيئًا منها، وسوف يكون مصير الشيوعية بإذن الله أن تدفن على أيدي المسلمين قبل أن تقترب من قبلتهم الحبيبة في بيت الله الحرام.

ماذا تعني الهزيمة؟ وماذا يعني النصر؟

وانتكاس الجهاد في أفغانستان لن يكون إلّا أن تسقط الراية الإسلامية, أو أن يدبَّ الخلاف في صفوف المجاهدين, كما هي محاولات الاستعمار في كل مكان، ومع كل ثورة يقوم بها أبناء بلد يحاولون تحريره من أيدي المستعمرين.

وانتكاس الجهاد -لا قدَّر الله- في أفغانستان يعني: استيلاء الشيوعية على هذا البلد المسلم الذي تأبَّى على كل غزو أجنبي، وقاتله وانتصر عليه، والذي عاش قرونًا يُضْرَبُ به المثل في استمساكه بالإسلام رجالًا ونساءً, والذي عزل ملكه لما حاول أن يغزو السفور بلده, فأخرج أمرأته سافرة.

وهو يعني بعد ذلك: امتداد السرطان الشيوعي إلى البلاد الإسلامية المجاورة: باكستان، إيران، ثم الجزيرة العربية.

وهو يعني: تهديد الحرمين الشريفين بخطرٍ من الصعب أن يزول أو يزال إن تحقق!

وانتصار الجهاد في أفغانستان يعني أولًا: تحريرها من الغزو الشيوعي الفاجر وخلوصها للإسلام، وهي إن أخصلت وتعاونت مع الحركة الإسلامية المنتصرة في باكستان وإيران, فإن تحرير أقاليم الإسلام في روسيا، وإغاثة المستضعفين من الرجال والنساء والولدان فيها, يكون أمرًا وشيك الوقوع, محقق الوقوع إن شاء الله, ولهذا اليوم نعدُّ كل ما نملك لترتفع راية الإسلام مرة أخرى على أرض الإمام البخاري والإمام مسلم؛ لتهدأ العظام الطاهرة، ولتهدأ الأرواح العزيزة الغالية {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ, بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الروم 4, 5] .

إرتريا

اختيار وأهمية:

وحديثنا هذه المرة عن جزء عزيز من أراضي الإسلام في أفريقيا، القارَّة الإسلامية السوداء, التي تتعرض لغزو رهيب يستهدف استئصال الإسلام فيها, ابتداءً من حرب العقيدة والفكرة, وانتهاء إلى حرب السفك والإبادة.

وتدليلًا على ذلك نقول:

إن المبشرين قد انتهزوا فرصة ما تتعرَّض له أفريقيا من جفاف في غربها, بعد أن توقَّفت الأمطار عن النزول خمس سنوات متتاليات، ومن تسلُّط الجراد على شرقها, مع زحف كثبان الرمال تغطي الأراضي المستصلحة للزراعة.

انتهزوا هذا وذاك ليقدموا المساعدات والأطعمة المقرونة بالدعوة إلى اعتناق النصرانية؛ لأنها دين إغاثة الملهوف وإطعام الجائع، وتجاوزوا ذلك إلى إقامة المستشفيات والمدارس وغير ذلك من الوسائل المستخدمة للدعوة إلى اعتناق النصرانية, وذلك كله في الوقت الذي تقاعست فيه الحكومات الإسلامية, وتخبَّطت فيه المنظمات الإسلامية, وتفرقت بسياسات مرتجلة؛ لتقدِّم للجائعين المصاحف والنشرات 1, فلا تجد إلا نظرات التعجُّب والسخرية والانصراف.

وذلك بالإضافة إلى الغزو الصهيوني الرهيب الذي تتعرَّض له أفريقيا, وقد تَمَّ ذلك بوسائل ثلاثة:

1- الإكثار من دعوة القادة الأفريقيين.

2- عرض خدماتها في المشاريع المختلفة.

1 ليس ذلك استهانة بالمصحف وقدره, وإنما تأكيد لقدره، وإذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدلنا على أنَّه إذا جمع بين العِشَاءِ والعَشَاءِ فليبدأ بالعَشَاءِ, فليس من المعقول أن نطلب من بطون أضناها الجوع أن تقرأ المصاحف وتستغني بها عن الطعام.

3- الإكثار من دعوة المبعوثين من أهل البلاد الأفريقية.

وتدليلًا على ذلك نقول:

إن مذابح المسلمين في تشاد على أيدي الحكومة النصرانية الحاكمة، ومذابح المسلمين قبلها في "تنجانيقا" لتكرهها زائير النصرانية على الوحدة، ومذابح المسلمين في الحبشة، وهجمتهم الأثيمة على إرتريا "وفيها أكثرية مسلمة", كل ذلك وغيره دليل على حرب السفك والإبادة التي لم يعدل عنها بعد أعداء الإسلام في أفريقيا, ظنًّا منهم أن العالم لا يسمع بما جرى في أفريقيا، ولئن سمع لا يتحرك, فإنها بلاد الملوَّنين غير المتحضِّرين.

- واختيار الحديث عن إرتريا راجع إلى أكثر من سبب:

إنه بلد تتمثّل فيه حرب السفك والإبادة للمسلمين هناك.

إنه رغم ذلك يجاهد.. يجاهد دولة متعصبة دينيًّا، كثيفة سكانية، مستندة إلى الصليبية والصهيونية والشيوعية دوليًّا.

إنها كذلك صورة لتدخل التيارات العالمية لتفسد عليها جهادها، ولتجهض ضربة أبناء إرتريا لجيش الحبشة الصليبية المستعمر.

وأخيرًا فإن إرتريا بموقعها الاستراتيجي على امتداد ألف كليو متر على شاطئ البحر الأحمر، وعلى مسافة عشرة أميال من الجزيرة العربية، ثم بما تحوي من ثروات في باطنها, تمثل أهمية للمسلمين2 وخطرًا على أعداء الإسلام.

ولنبدأ القصة من أولها إن شاء الله.

1 راجع: مأساتنا في إفريقيا, للدكتور عماد الدين خليل, نقلًا عن تقرير للدكتور زهير عابدين.

2 الثروة الحيوانية متوفرة, وكذلك الزراعية؛ حيث تشتغل بها أغلبية الشعب الإرتري, كذلك الثروة البحرية من خلال شاطئها الطويل على البحر الأحمر، إمَّا الثروة المعدنية فتشمل: الذهب، الحديد، المنجنيز، كما تشمل البترول التي أشارت إليه خرائط الجيولوجيين إبَّان الاحتلال الإيطالي في جزر دهلك وشرقي ميناء مصوع.

أولًا: إسلام إرتريا

دخل الإسلام إرتريا مع شعاعه الأول, حين هاجر إليها المسلمون فارِّين بدينهم نازلين على نصيحة نبيهم "صلى الله عليه وسلم" أنَّ بها ملكًا لا يُظْلَم عنده أحد.

وانتشر الإسلام على أيدي صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الفطرة السائدة في المكان, وتوالت هجرات المسلمين، ورحلات التجار إلى موانئ إرتريا على شاطئ البحر الأحمر في مواجهة الجزيرة العربية التي عمَّها الإسلام، وظلَّ الشعب مستمسكًا بإسلامه رغم ما تعرَّض إليه من غزوٍ دحر أكثره.

ثانيًا: إرتريا في وجه الغزو

- خضعت إرتريا لسلطان الخلافة الإسلامية العثمانية التي انتقلت بعد ذلك إلى خديوي مصر سنة 1866 "على سبيل الحكم المحلي المعروف في هذا العصر" بموجب الاتفاقية التي وقَّعها الخديوي مع السلطان العثماني في 3/ 5/ 1865, وكثر طمع الأوربيين فيها, وبدأ التخطيط لاحتلال إرتريا.

- وبدأ الاحتلال الإيطالي بمسرحية طريفة, اشترى فيها المبشِّر الإيطالي الدكتور جزيبي سابيتو قطعة أرض من السلطان إبراهيم بن أحمد, سلطان عصب، باسم الشركة روبا تينو للملاحة, وذلك لتحتمي فيها السفن وتتزوَّد بالفحم في رحلتها إلى الهند، كان ذلك في عام 1869, وعلى مدى أربع وثلاثين عامًا تَمَّ الاحتلال للأراضي الإرترية "1869-1903", وأعلن في حينه "تصريحاتنا وتتاكيداتنا بصدد الطابع الوقتي لاحتلالنا, وكذلك احترام العلم وسيادة السلطات, وقد كانت واضحة.

إن هدفنا ليس سوى الإسهام في الحفاظ على الأمن في هذه الأماكن1".

1 وثائق الخارجية الإيطالية حول احتلال إرتريا -المجلد الثاني- إشراف كار كارلو جوليو, أستاذ التاريخ والسياسة الاستعمارية في جامعات باقيا, ترجمة البعثة الخارجية لجبهة التحرير الإرترية "قوات التحرير الشعبية".

ووضح التواطؤ بين الاستعمار الإيطالي والاستعمار البريطاني الجاثم على صدر مصر فيما كتبه وزير الخارجية الإيطالي ماتتشيني إلى وزير الحربية ريكوتي:

"بإمكان القائد الأعلى لقواتنا العسكرية في مصوع الاستفادة من خدمات "السيد نشير مسايد" الحاكم المصري في مصوع, وهو ضابط برتبة مقدِّم في الجيش الإنجليزي, سيحتجّ المذكور في البداية على احتلالنا لمصوع, إلّا أن لديه التعليمات من حكومته باستقبالنا هناك, وتقديم المعونة التي تلزمنا1".

وانتهى الأمر بتشكيل "مستعمرة إرتريا الإيطالية بالمعاهدة الإنجليزية-الإيطالية-الأثيوبية2, وفي ظل الاحتلال مُورست إجراءات القمع الشديد ضد الشعب الإرتري؛ فنصبت المشانق، وارتبكت المجازر، وأعدَّ سجن تخرة في دهلك؛ لاستقبال المطالبين بالحرية والاستقلال3.

- وعلى أثر تمكين قوات الحلفاء من إنزال هزيمة نهائية بالقوات الإيطالية في شرق أفريقيا عام 1941, قامت إدارة عسكرية على إرتريا من قِبَل الاحتلال البريطاني, ثم بدأ التسلل الأثيوبي إلى إرتريا, على النحو الذي نفرد له الكلمات التالية:

ثالثًا: الغزو الأثيوبي لإرتريا

كان ذلك في البداية من خلال جمعية حب الوطن, التي تأسست عام 1938 تضم المسلمين والنصارى "بعدد متساوٍ", وأدت دورًا وطنيًّا في ظل الاستعمار البريطاني, إلى أن تمكَّنت أثيوبيا من احتوائها والإحاطة بها, والانحراف بها عن أهدافها، فأصبح شعار الجمعية منذ 1943 "أثيوبيا أو الموت".

وتأسَّس حزب الوحدة الإرترية الأثيوبية في 5/ 5/ 1941, واتخذ شكلًا منظَّمًا في إبريل 1946, بعد أن اندمجت معه جمعية حب الوطن إثر انحرافها عن مبادئها الأولى.

1، 2، 3 المرجع السابق من مقدمة عثمان صالح سبي -رئيس العسكرية لجبهة التحرير الإرترتية- قوات التحرير الشعبية.

وفي نفس العام 1946 أسَّس المسلمون والنصارى حزبين: حزب الرابطة الإسلامية، وحزب الأحرار والتقدّم، ثم اندمجا تحت اسم "وحدة إرتريا للإرتريين", ثم انضمَّت إليه أحزاب أخرى, وتكوَّنت "الكتلة الاستقلالية" لتنادي باستقلال إرتريا التامّ مع احتفاظ كل حزب بكيانه المستقل.

ثم تأسَّست أحزاب أخرى موالية لإيطاليا "رابطة المحاربين القدماء الإرترية، الرابطة الإيطالية الإرترية", ثم حدث انشقاق داخل الرابطة الإسلامية تشترط الوصاية البريطانية بعد فترة أو بعد عشر سنوات.

وفي 2/ 12/ 1950 تَمَّت مصادقة الجمعية العامَّة على مشروع قرار بإنشاء اتحاد فيدرالي أثيوبيا وإرتريا نصَّ على:

1- تتمتع الحكومة الإرترية بسلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية في ميدان الشئون الداخلية.

2- اعتبار إرتريا وحدة تتمتع بحكم ذاتي في اتحاد فيدرالي مع أثيوبيا تحت التاج الأثيوبي.

3- حصر اختصاصات الحكومة الفيدرالية بشئون الدفاع والخارجية والعملة والمالية والتجارة والمواصلات الخارجيتين وبين البلدين1.

وفي مارس سنة 1952 تَمَّ انتخاب أول برلمان "68 عضوًا", وانتخب البرلمان حكومته في أغسطس 1952, وأزيل العلم البريطاني في 15/ 9/ 1952 ليرتفع علم أثيوبيا.

ومارست أثيوبيا إغراءها وتهديدها لأعضاء البرلمان الأثيوبي، وفي ظلّ تعاون من رئيس الحكومة الإرترية ورئيس البرلمان الجديد, بدأ تنفيذ المخطَّط الجديد الرامي إلى ضم إرتريا إلى أثيوبيا، وتَمَّ إجراء انتخابات جديدة؛ لتعلن الجمعية الوطنية المزيفة في 14/ 11/ 1962 دمج إرتريا في أثيوبيا.

1 راجع تفصيلًا: إرتريا والتحديدات المصيرية, لحامد صالح تركي, أحد المسئولين في جبهة إرتريا.

رابعًا: إعلان الجهاد ضد أثيوبيا

في عام 1958 نشأت حركة تحرير إرتريا لتنظيم الشعب وتوعيته لنيل الاستقلال التام، وفي عام 1960 تكوَّنت جبهة التحرير الإرترية من أعضاء الأوساط المثقَّفة وخاصَّة من الطلبة.

- وفي الفاتح من سبتمبر سنة 1961 أعلنت الجبهة ثورتها المسلحة, ولم تكن تملك غير بندقية إنجليزية واحدة عيار "303", وخمس بنادق إيطالية ماركة قديمة, ومجموعة من السلاح الأبيض، لكنها لم تلبت أن جذبت إلى الساحة شباب إرتريا, وطوَّرت سلاحها, وراحت تنتزع تراب إرتريا من أيدي المستعمرين الأثيوبيين.

- وكانت أهم أهداف الجبهة طبقًا لميثاقها الأول:

1- استقلال إرتريا استقلالًا كاملًا.

2- وضع سياسة اقتصادية سليمة.

3- وضع سياسة تعليمية تتفق والتراث القومي.

4- الداخل والخارج.

وابتداء من السبعينات بدأ الشقاق ثم الانشقاق داخل الجبهة.

وفي عام 1965 حدثت أول خيانة للثورة الإرترية؛ إذ أعلن قائد المنطقة الخامسة "في محافظة حماس" المدعو ولداي -وهو نصراني- أعلن الانضمام إلى حكومة هيلاسلاسي مسلِّمًا نفسه ومن معه من القيادة إلى حكومة هيلاسلاسي, وكان ينوي تقديم جميع الأسلحة لولا أن تنبَّه نائب القائد المسلم.

خامسًا: جهاد إرتريا يتهدده الفناء

بعد ثماني عشرة سنة من الكفاح المسلَّح ضد أثيوبيا, ومنذ بضع سنين دبَّ الخلاف والشقاق بين أبناء إرتريا, حتى لقد انشقَّت الجبهة الواحدة إلى ثلاث جبهات رئيسية دبَّ بينها الشقاق, وجرت فيما بينها التصفية التي لجأت إلى العنف

والاعتقال والتعذيب, ووقفت أثيوبيا تترقَّب الثورة الناشئة أن تهلك نفسها بنفسها, وتخرِّب بيتها بأيديها.

وتحوَّلت قوات الحبشة من الدفاع إلى الهجوم لاسترداد الأراضي التي كسبتها الثورة الإرترية, يساندها في ذلك قوات الاستعمار الجديد من كوبا وروسيا المساندة للحكم الشيوعي القائم في أديس أبابا.

وبدأت مع هذا محاولات الالتفاف السياسية لتصفية الثورة الإرترية, وللانتكاس بها إلى ما قبل سبعة عشر عامًا أو يزيد.

بدأت القوى الدولية وفي مقدمتها الاتحاد السوفيتي تطرح فكرة الحل السلمي للمشكلة, وتجاوبت مع الاتحاد السوفيتي بعض البلاد العربية التي رأت في ذلك التجاوب مصلحة سياسية لها, وبدأت الضغط على الجبهات المتنافرة لقبول الحل السلمي.

والحلّ السلمي يقترح إقامة اتحاد "كونفدرالي" بين الحبشة وإرتريا واليمن الجنوبي والصومال, وبذا تضمن الكتلة الحمراء قيام حزام آخر محيط بمدخل البحر الأحمر.

فإذا كان لنا من تقويم للثورة الإرترية فإننا نقول بعون الله:

1- إنها بدأت خاطئة.

شأن غيرها من الثورات التي كُتِبَ لها الفشل في المنطقة الإسلامية؛ إذ تصوَّرت أن البداية الوطنية خير بداية، فكانت أوَّل خيانة من هذه البداية الوطنية من جمعية حب الوطن إرتريا إلى حب إثيوبيا لترفع شعاره: إثيوبيا أو الموت, واستمرَّ الخطأ بعد ذلك حين قبلت الرابطة الإسلامية الانضواء مع الحزب النصراني تحت لواء واحد، ثم حين راحت تنقسم على نفسها إلى قسمين آخرين يطالبان بالوصاية البريطانية على إرتريا.

2- إنها بدأت خاطئة, وانتهت نهاية أشد خطأً, حين راحت تنقسم على نفسها إلى جبهات ثلاث يحارب بعضها بعضًا أكثر مما يحاربون الأعداء, ويهدد بعضهم بعضًا بالفناء والإفناء, وهي النذر التي أشار إليها رب العالمين حين حدَّثنا عن عوامل النصر في مواجهة أي فئة:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ 45 وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 44, 45] .

فجعل ربنا أحد عوامل النصر الخمسة ألّا تتنازع، وجعل عاقبة التنازع المباشر الفشل، وذهاب الريح وضياع القوة والسطان.

3- لا مخرج للثورة الإرترية من الفشل والضياع المحقَّقَيْن إلّا أن تصحِّح مسيرتها, وتفصح عن هويتها، وترجع إلى إسلامها، فتضيف إلى قوة النجاح قوة هائلة يرهبها الأعداء.

وإلّا فحتَّى إذا نجحت ثورة إرتريا في طرد أثيوبيا, وهو أمر مستبعد بعد التنازع الحالي, فلسوف يكون فيها ما كان في ثورات أخرى انحرفت عن طريق الإسلام, سوف يصير من أبناء البلد نفسه من يسلك سلوك أثيوبيا, ويحقق نفس أهدافها بغير خسارة لأثيوبيا, وبكل الخسارة لإرتريا, وفي التاريخ المعاصر شواهد كثيرة.

مراجع البحث:

1- وثائق الخارجية الإيطالية حول احتلال إرتريا, إشراف: كالرو جوليو, ترجمة ونشر البعثة الخارجية لجبهة التحرير الإرترية.

2- إرتريا مستعمرة في مرحلة الانتقال 1941-52, ج ك ن ترففا سكيس, ترجمة جوزيف صغير, دار المسيرة, بيروت.

3- إرتريا والتحديات المصيرية, لحامد صالح تركي, أحد المسئولين في جبهة إرتريا.

4- مجلة المجتمع الكويتية, العدد 398, 30 جمادى الأخرة-6 يونيو 1987, وأعداد أخرى.

5- نشرات جبهات التحرير الإرترية.

6- مأساتنا في أفريقيا, الحصار القاسي وثائق من تاريخنا المعاصر, عماد الدين خليل, مؤسسة الرسالة.

7- معلومات شخصية عن الشخصيات الإرترية الثقات.

عذراء ماليزيا

الفلبين:

تقدمة

وهذه مأساة أخرى:

لأكثر من خمسة ملايين مسلم2, كانت لهم كل الأرض فزحزحوا عن أكثرها, وقبعوا بالجنوب من تلك الجزر الغنية الواقعة في الجنوب الشرقي من آسيا بين المحيط الهادي وبحر جنوب الصين.

وهم في هذا الجنوب يقاتلون قتالًا خسيسًا مريرًا لإخراجهم مما بقي من أرضهم, ولاستئصال شأفتهم من قِبَلِ صليبية محلية يترأسَّها فردينان ماركوس، تساندها صليبية عالمية تحمل لواءها اليوم الولايات المتحدة الأمريكية.

وقبل أن نعرض لما يصيبهم اليوم، وما ينتظرهم في الغد, نعرض في إيجاز إلى حالهم في الماضي, كيف دخل الإسلام أرضهم، وكيف صارت لهم فيه دولة

1 أسماها العرب المسلمون "عذراء ماليزيا" وأسماها الأسبان المسيحيون: جزر الفلبين, نسبة إلى فليب الثاني ملك أسبانيا منذ "1556-1588م" وفليب الثالث ملك أسبانيا منذ:1598م-1621".

- وعدد سكانها في 15 فبراير سنة 1960 "685 و086 و27", وفي سنة 1970 "37.158.000" وينقسمون إلى إندونيسيين، ووثنيين، وملاويين. ومساحتها "أي: الجزر كلها" 296.460 كليو مترًا مربعًا, وتشغل اثنتي عشرة جزيرة أكثر من 85% من المساحة الكلية.

- ولغتها القومية أساسها لهجة "الناجالرج الملاويين, وتستعمل الآن اللغة الفلبينية الجديدة, والإنجليزية والإسبانية, فوق 70 لغة ولهجة يتحدث بها سكان الجزيرة, وأوسعها انتشارًا لغات تسع يتكلمها أهل الملايو.

- وهي غنية بثرواتها المعدنية "الذهب والفضة والرصاص والزنك والنحاس والمنجنيز والكروم والحديد والأسمنت والفحم, فوق ثرواتها الزراعية والحيوانية والتجارية" نقلًا عن بحث قيِّم للطالب الماليزي ماهي يوسف بدو".

2 في خطاب رئيس جبهة تحرير مورو الإسلامية -نور مسواري- قدّر عدد المسلمين بخمسة ملايين ونصف، لكن الجهات النصرانية تهبط به إلى النصف "2.5 مليونًا", وقد كانوا إلى قرن مضي يمثلون 55% من تعداد السكان، لكنهم اليوم يهبطون إلى حوالي 12% من عدد السكان, بعد ما تعرَّضوا له من إبادة عن طريق الحروب الصريحة مع الأسبان, ثم مع الاستعماريين الياباني الأمريكي, ثم مع الاستعمار الفلبيني.

- راجع خطاب رئيس تحرير جبهة مورو بالمؤتمر الثامن لوزراء الخارجية الإسلامية مايو 1977م، عذارء ماليزيا لمصطفى مؤمن.

أولًا: كيف دخل الإسلام عذراء ماليزي

لم يغتصب الإسلام عذراء ماليزيا, إنما دخلها برضاها1, ذلك ما يعترف به المؤرخون حتى الأسبان منهم والهولنديون, لكنهم يختلفون فيما وراء ذلك حول العامل الأساسي لانتشار الإسلام؟

أ- فمن قائلٍ بالنظرية التجارية1 القائمة على أنَّ الإسلام حمله تجار المسلمين خلال القرن التاسع الميلادي أثناء تجارتهم مع هذه البلاد.

وإن انقسم أصحاب النظرية إلى فريقين: فريق يغلّب الدعوة على التجارة3، وفريق يغلّب التجارة على الدعوة4.

وأيًّا ما كان العنصر الغالب, فإن الجامع بينهما أن تجار المسلمين حملوا

1 يقول هو ركرد نجي: لقد دخل الإسلام أرض الشرق الأقصى عن طريق الإقناع ولم يدخل بحد السيف - مجلد2, -279 Hungorge the Achirce. snouk.

راجع كذلك vqn leun .

وراجع كذلك ابن بطوطة أسفاره في آسيا وأفريقيا 1325-1354, ترجمها للإنجليزية هـ - أجيب.

2 من أقدم القائلين بها توسي بيرس toce pires بحث في الشرق, مجلد رقم1 .

3 من هذا الرأي Nicolos Krom.

راجع جاكوب كوينلس, فإن مور "التجارة والمجتمع في إندونيسيا من دراسات أسيا الاجتماعي والاقتصادي , وكذلك هذا الرأي Hendrick kcrm مجلد 4, باللغة الهولندية.

Tholnas. Arnold Gainza

4من هذا الرأي The Actienses snour Hwsgsonriye مجلد 2.

معهم الإسلام خلال القرن التاسع إلى هذه البلاد، وفتحوا بحسن أخلاقهم وحسن معاملتهم قلوب أهلها للإسلام، ودعموا ذلك بالزواج من بنات هذه البلاد، وأعقب ذلك دخول حكام الولايات في هذا الإسلام الحنيف.

ب- ومن قائل بالنظرية التبشيرية:

بمعنى أن الدين حملوا الإسلام إلى هذه البلاد هم دعاة قَدِمُوا مع التجار أو قدموا بعد التجار، ويؤكد صحة هذا القول أنه مع سقوط الخلافة العباسية سنة 1258م هاجر كثير من العلماء، واتجه بعضهم إلى أرخبيل الشرق الأقصى؛ حيث كان قد سبقهم إليه إخوتهم التجار.1

جـ- ومن قائل بدور الحركة الصوفية:

إذ كان الدعاة الصهيونية دعاة متجولين قادمين من أنحاء العالم الإسلامي, ولم يكونوا -كما يشير المؤرخون- دعاة زهد، وإنما كانوا يتجاوبون مع روح العصر، ويمثلون الحضارة الإسلامية السائدة في ذلك الحين3.

د- ومن قائل بالنظرية السياسية:

بمعنى أن الدافع وراء انتشار الإسلام هو اعتناق الزعماء المحلين له، وأنَّ الدافع وراء اعتناق هؤلاء للإسلام دافع سياسي هو اتخاذ الإسلام سلاحًا في وجه الهندوكية التي كانوا يصارعونها4.

ويربطون ذلك بعامل اقتصادي هو ارتباط مصالح أولئك الحكام

1 يقول Vanleur: كان نشاط الدعاة الإسلاميين في شرق إندونسيا حوالي عام 1600م من أهم الأحداث في تلك المنطقة.

2 راجع A. H. Jones في الصوفية, باب: من أبواب الأدب والتاريخ في إندونيسيا, مجلد تاريخ جنوب شرق آسيا -مجلد رقم 2, سنة 1961,.

3 المرجع السابق.

4 المرجع السابق.

4 صرح بذلك Van Leaur.

المحلين مع التجار المسلمين، بل مشاركتهم في كثير من أنشطتهم التجارية.

ويؤكِّد على ذلك أن التجار المسلمين كانوا قادرين على إحياء أو خنق أي ميناء بحري1.

هـ- ومن قائل بالنظرية العقائدية:

ويشير أصحاب هذا الرأي إلى ما للإسلام من ذاتية داخلية، وما له من تأثير عقيدي في النفوس، وإلى أنه -وإن لم تطبق الشريعة الإسلامية في ماليزيا "وهي تشمل: جاوة, إندونيسيا, عذراء ماليزيا" تطبيقًا كاملًا شاملًا, إلّا أنها بقيت المثل الأعلى، وأن المذهب الشافعي الذي ساد هناك هو نسبيًّا أكثر صلابة في موقفه المعارض للعادات الجاهلية.

ويمكن أن نضيف إلى هذه النظرية نظرية أخرى سردت تحت اسم النظرية الصليبيبة؛ إذ يذهب أصحابها إلى أن انتشار الإسلام كان من رد فعل لمحاولة الصليبية السيطرة على تلك المنطقة, وأنه بذلك يُعَدُّ لونًا من استمرار الحروب الصليبية التي بدأت في المنطقة العربية، ثم انتقلت إلى الأندلس، ثم عرجت على جنوب شرق آسيا.

وإذ نجعل هذه النظرية العقائدية, فإنَّ ذلك بالنظر إلى رد الفعل العقائدي لدى المسلمين نتيجة الغزو الصليبي الآثم لبلاد المسلمين، بينما الذين يسمونها بالصليبية ينظرون إلى الفعل نفسه لا إلى رد الفعل، والنظر إلى رد الفعل أصوب؛ إذ هو السبب المباشر لانتشار الإسلام.

وبهذه النظريات يجري تصوير الطريق الذي دخل به الإسلام إلى هذا الجزء العزير من الوطن الإسلامي.

وأيًّا كان خلاف المؤرخين، فإنهم مجمعون -كما قدمنا- على أن

1 من كتاب الإسلام في الشرق الأقصى, الدكتور قيصر أديب, عميد الكلية الجامعية, وأستاذ الفسلفة في جامعة الفلبين, وهو دراسة مقدَّمة في المؤتمر الثاني للمؤرخين الآسيويين الذي انعقد في تايبس -اب, سنة 1962 Tome price مجلد2, .

الإسلام دخل إلى هذه الأرض الطيبة طوعًا واختيارًا, وما كان ثَمَّة إكراه لأحد على اعتناقه.

لكن يبقي بعد ذلك أن نقول: إن النظر إلى عامل واحد من هذه العوامل ظلمٌ للإسلام وظلم للتاريخ, فلا يستطيع دارس للإسلام فاقِهٌ له أن ينكر أثر العقيدة الإسلامية السهلة البسيطة في نفوس الناس، وما تحمله من توحيد يرقى بهم عن كل عبودية لبشر أو حجر، وما تفرضه من مساواة لا يتميز فيها الأبيض على الأسود، ولا الأحمر على الأصفر, ولا الشريف على الضعيف.

كذلك لا يستطيع مؤرِّخ أن يغفل دور التجار المسلمين، وقد كانت معاملاتهم وأخلاقهم خير سبيل للدعوة بين الناس، كما لا يستطيع مؤرِّخ منصف أن يسقط دور الدعاة المسلمين -ومن بينهم بعض الصوفيين الفاقهين- في نشر الإسلام، ولا يستطيع كذلك أن يسقط العوامل السياسية والاقتصادية التي ساعدت على نشر الإسلام.

فالعوامل السابقة مجتمعةً ساعدت على نشر الإسلام في هذا الجزء العزيز من وطن الإسلام, لكن يتقدمها في التاريخ وفي الأهمية دور التجار المسلمين، وهي إشارة هامة لرجال الدعوة الإسلامية المحدثين؛ ليجعلوا من أخلاقهم وسلوكهم ومعاملاتهم خير سبيل للدعوة بين الناس.

ثانيًا: حاضر عذراء ماليزيا

جهاد أربعمائة عام:

يواصل إخواننا المسلمون في عذراء ماليزيا جهادًا دام أربعمائة عام, ثلاثمائة عام يجاهدون الأسبان الذين وفدوا عليهم منذ القرن السادس عشر, ينافسونهم التجارة, ويدعون إلى النصرانية، ويريدون أن تتكرر في عذراء ماليزيا مأساة الأندلس, ويصلون بذلك الحروب الصليبية التي اندلعت لقرون في المشرق وفشلت، فانتقلت إلى الأندلس المسلمين في المغرب ونجحت, ثم انحرفت إلى جنوبي شرق آسيا تحقق حلمًا جديدًا, ثم ينتقلون بعد ثلاثمائة عام من جهاد الإسبان, إلى جهاد الوثنيين من أبناء اليابان، والصليبيين من أبناء أمريكا, ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية تتوطد أقدام الصليبيين في الفلبين, وتنهك المسلمين اثنتا عشرة ثورة تفجَّرت منذ انتهاء الحرب العالمية حتى الآن, لكنهم يعاودون الجهاد من جديد.

جبهة تحرير مورو 1 ترفع علم الجهاد:

وخلال نصف عقد من الجهاد يسقط في ساحة الشهادة خمسون ألفًا من المسلمين, ويضرب شباب الإسلام مثلًا في التضحية والجهاد تعيد ذكرت الرعيل الأول، ويقود أمثال الشهيد عبد الباقي عبد الرازق خريج الجامعة الإسلامية معارك القتال، ويستشهد في معركة يقتل فيها ويجرح من الكفار ثلاثمائة, ويستولي على جميع أسلحة الجيش المحارب, بينما تكون خسائر المسلمين تسعة من الجرحى وأربعمائة من الشهداء, ربحت الصفقة بموازين الدنيا, وهي أكثر ربحًا بموازين الآخرة.

وفي مقابل مثل الجهاد مثل من الوحشية, في 19 يونية 1971 يهجم جيش الصليبيين على المسلمين في مسجد في قرية مانيلي, ببلدة كارمن, مقاطعة

1 يقال: إن ليكاس سمَّى مسلمي الفلبين moros قياسًا على مسلمي موريتانيا - Victor. n. orcas. y. palau.

كوتاياتو, فيقتلون 61, ويجرحون 32, ويدفن القتلى في أرض المسجد, فترتفع ثلاثة أقدام عن منسوبها الأصلي, ويضعون تسعيرًا لأوصال المسلمين.1

وفي 21 يوليه 1971 يقف محافظ مانيلا في مؤتمر مديري الجامعات ليقول: إنها مناسبة أو مصادفة أن يتوافق انعقاد مؤتمركم مع الذكرى الأربعمائة على تنصير مانيلَّا، بعد أن اجتاح الأسبان آخر سلاطين المسلمين في إمارة "تونسدد" التي كان يحكمها "راجا سليمان", وأمارة "ياسيج" التي كان يحكها "راجالا كندولا" المجاهدون ينقصهم المال والسلاح:

لا ينقص المجاهدين إيمانٌ ولا عقيدة, فنحسبهم ممن يؤْثِرُون الموت في سبيل الله على حياة الذلة تحت حكم الصليبيين، ولقد قدَّموا من دمائهم خمسين ألف شهيد، هي خير شهيد على ذلك, لكن ينقصهم بكل أسف المال الذي يسيل على موائد القمار وفي الليالي الحمراء, والذي تلف به أجساد البغايا في أوربا من سلاطين المال المسلمين, والذي لم يجد بعضهم ما لا ينفق فيه مالًا فسار بالسيارة مسرعًا, وبيِّنَ رزمة من الأوراق النقدية من العملة الصعبة تتطاير أوراقها من شباك السيارة؛ لينعم السائرون بسفه ذلك العربي المخمور2.

وتنهار المفاوضات في 6 أبريل 1977 بعد أن يدرك المسلمون المفاوضون أن الحكومة الفلبينية تصر على إفشال المفاوضات؛ لتطبيق مخططاتها المعادية للمسلمين في جنوب الفلبين", وتعلن حكومة الفلبين في 30 ابريل 1977

1 يذكر إخواننا في عذراء ماليزيا أن تسعيرة أعضاء المسلمين تجري على النحو التالي

أ- أذن المسلم 100 بيزوس.

ب- أنف المسلم 100 بيزوس.

ج- إصبح المسلم 50 بيزوس.

د- كف المسلم 250 بيزوس.

"هـ" عين المسلم 1000 بيزوس.

2 تواترت هذه الأنباء في الصحف والمجلات الأجنبية, وفي الإنجليزية على وجه التحديد خلال عام 1397هـ 1977م.

وقف المفاوضات وتخلِّيها عن جميع التزاماتها السابقة.1

ويعرض الأمر على المؤتمر الثامن لوزراء خارجية الدولة الإسلامية المنعقدة في طرابلس "27 جمادى الأولى - 3 جمادى الثانية 1397هـ "16-22 مايو 1977م".

ويتحدَّث رئيس تحرير جبهة مورو "نور مسواري" فيعلن أنَّه بالرغم أنَّ هدف المجاهدين كان الاستقلال التام، ولكنَّها قبلت بما انتهى إليه وزراء خارجية الدول الإسلامية بالاكتفاء بالحكم الذاتي بدلًا من الاستقلال التامّ، وأنَّه خلال وقف إطلاق النار حدث أكثر من 200 مائتي انتهاك لإطلاق النار، كما رفضت الحكومة الإفراج عن المجاهدين المسجونين في سجونها، ورفضت إعادة الأرض المغتصبة إلى أصحابها، وزادت قواتها في الجنوب، كما قررت رفع عدد جيشها من مائة ألف إلى 56.000 2..2 وهكذا تكرَّرت مأساة فسلطين مرة أخرى.

الهدنة دائمًا للعدو.

في ظلّ التدخل الدولي من الدول الصديقة والحبيبة, ومرَّة ثانية أعرب المؤتمر عن اهتمامه البالغ بتطورات قضية المسلمين في الفلبين, وأسف للموقف السلبي لحكومة الفلبين، وأعلن مسئوليتها عن فشل المفاوضات, ومع ذلك ...

وأهم قرار:

"يكلف اللجنة الرباعية باستئناف الوساطة على الجانبين تمشيًا مع القرارات السابقة التي اتخذها المؤتمر.

ومن هنا نتحدث عن مستقبل الفلبين".

1 راجع الملحق المرفق.

2 وفي مجلة الدعوة المصرية, العدد العشرون, السنة السادسة والعشرون, 394, غرة صفر 1378 - يناير 1978, تفصيل دقيق عن حاضر الفلبين.

ثالثًا: مستقبل العذراء "ماليزيا"

نقولها في كلمات نبغي بها وجه الله: إنه إذا ألقي السلاح, وتخلَّى المجاهدون عن هدفهم الأصيل، ورضوا أن ينوب عنهم في قضيتهم غيرهم، ورضوا أن تقوم الدبلوماسية مقام الجهاد, فإنه ينتظرهم ما أصاب شعب فلسطين يوم ألُقْي سلاح الجهاد ليلبس روب الدبلوماسية, ويوم أناب عنه غيره, فحلَّت به النوائب من كل جانب.

أمَّا إن عادت إلى الجهاد وحملت السلاح واستثارات حمية غير الرسميين من المسلمين, فإن النصر بيد الله، وإن العون من الله، ولينصرنَّ الله من ينصره, إن الله لقوي عزيز.

الفصل الثالث: أوطان يتهددها الخطر

في الفصل الأول ضربنا مثلًا لقضايا الأوطان السليبة, وفي الفصل الثاني ضربنا مثلًا للأوطان المجاهدة, وفي هذا الفصل نضرب المثل لأوطان يتهددها الخطر.

ولئن كان الجهاد فرض عين لاسترداد الأرض السليبة, وفرض كفاية لمساعدة الأوطان المجاهدة, فهو فرض عين لدفع الخطر عن أوطان إسلامية يتهددها الخطر, وإلّا فلسوف تئول هذه الأوطان إلى الصنف الأول, إلى الأوطان السليبة ولات يومئذ ندم, ولسوف نشير في البداية إلى إندونيسيا.

أكبر دولة إسلامية يتهددها خطران: خطر الشيوعية وخطر النصرانية, ثم نشير إلى أخطر دول الإسلام موقعًا وتأثيرًا وسط شقيقاتها العربية والإسلامية وهي مصر, وما يتهددها من أخطار, ثم نشير أخيرًا إلى لبنان إشارة موجزة.

والله المستعان وعليه التكلان, ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم.

إندونيسيا

أهميتها:

تمثل من ناحية التعداد: أكبر دولة إسلامية, وخامس دولة بعد الصين والهند والاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية, فتعدادها بجاوز 120 مليون, وهو أكثر من عشر عدد مسلمي العالم.

ومن ناحية الموقع: تقع بين قارتي آسيا واستراليا, وتطل على المحيطين الهندي والهادي, ومساحتها 735.865 ميلًا مربعًا, متوزعة بين 13 ألف جزيرة, منها ستة آلاف آهلة بالسكان, وتجاور بلادًا حكمتها الشيوعية مثل كمبوديا وفيتنام ولاوس، وأخرى تتهددها الشيوعية مثل ماليزيا وفطاني.

ولها أهمية أخيرة من ناحية ما يتهدَّدها من تيارات تكاد تعصف بإسلامها, وهو ما نتناوله بإذن الله في هذا البحث.

إسلامها:

وصلها نور الإسلام مع فجره الأول, حين حمله تجار المسلمين الذاهبون إلى جنوب شرق آسيا, فدخل إخوتنا في إندونيسيا الإسلامية طواعية حبًّا واختيارًا.

وبقي الإسلام هو الدين -بحمد الله- وإن وجدت أقلية مسيحية تصل إلى حوالي العشر "5 مليون حاليًا".

وبقي دين الإسلام هو حافز الجهاد ضد الأعداء الذين استعمروا بلاد إندونيسيا, وتصاعدت موجة الإسلام حتى بلغت ذروتها في سنة 1906 بتشكيل "شركت إسلام" مما دفع الاستعمار الهولندي إلى التفكير في اتجاهين لحرب الإسلام, غرسهما وجنى المسلمون ثمارهما المُرَّةَ بعد الاستقلال, ومع ذلك تشكَّل في 7 نوفمبر سنة 1945 حزب سياسي إسلامي "ماشومي"

ليمارس السلطات والحقوق السياسية في إندونسيا, لكنه تعرَّض بعد ذلك لاضطهاد سوكارنو.

الماركسية تهدد الشعب المسلم:

وكَّلت هولندا المستعمرة إلى المستشرق "ستوك" وضع مخطَّط لوقف التيار الإسلامي الزاحف، فاقترح أن يسير تيار القومية مع تيار الماركسية لتحطيم تيار الدين، ولحق بستوك المهندس "ستيفليت" الذي وقف نشاطه على نشر الماركسية بين الشعب الإندونيسي المسلم, وقدَّمت له السطان الهولندية المحتلة تسهيلات هائلة.

وفي 13 مايو سنة 1920 أُعْلِنَ عن تشكيل الحزب الشيوعي الإندونيسي, وكان قد سبقه في سنة 1917 تشكيل الحزب الاشتراكي الديمقراطي الهولندي "كفرع للحزب الاشتراكي الهولندي في هولندا", وكان الشيوعيون الأندونيسيون يعتبرن إندونسيا جزءًا من هولندا.

وفي 24 ديسمبر سنة 1920 أُعْلِنَ انضمام الحزب الشيوعي الإندونيسي إلى الكومنترن "منظمة الشيوعية العالمية", وبدءًا من سنة 1926 أُعْلِنَ استقلال إندونسيا, وانتخبت سوكارنو رئيسًا للجمهورية, وفي أول أكتوبر من نفس العام بعث الرئيس الجديد تهنئة إلى ستالين بمناسبة ذكرى ثورة أكتوبر, جاء فيها:

إننا نؤيد الاتحاد السوفيتي؛ لأنه يحارب من أجل العدالة والسلم العالميين, ومن أجل الإنسانية.

وبقي سوكارنو في الحكم عشرين عامًا يحارب التيار الإسلامي, ويحل حزب ماشومي الإسلامي, ويمكِّن للشيوعية في بلاد المسلمين.

فضلًا عن انحلاله الظاهر الذي لم يكن يخفيه, بل كان "يفلسفه", وهو ما دعا الشيوعيون إلى محاولة الانقضاض للإمساك بزمام الحكم مرتين: مرة في سبتمبر سنة 1948, والأخرى في سبتمبر 1965.

وفي كل مرة كان سوكارنو يحاول تبرير ما حدث, ويقف موقف المتفرج ظاهرًا والمؤيد باطنًا.

وفي المرة الأولى جهَّزَ الشيوعيون جيشًا قوامه خمسة وثلاثون ألفًا، وقتلوا من العلماء والمدرسين والمناهضين لحركتهم ألفًا وخمسمائة في الفترة التالية لإعلان جمهوريتهم الشيوعية تحت اسم دولة إندونيسيا السوفيتية، وأعلن الشعب الجهاد المقدَّس ضد الشيوعية الكافرة, ودوَّت كلمة الله أكبر في كل مكان, وتحرك الجيش الإندونيسي تحت قيادة الحارث ناسوغلتون للقضاء على عملاء الكرملين.

وفي 8 سبتمبر 1957 انعقد مؤتمر إسلامي ضمَّ 629 عضوًا في مدينة بالمبانغ, بينهم 325 من كبار العلماء والأعماد، 284 من الساسة والمدرسين, وقرر المؤتمر في 10 سبتمبر سنة 1957م:

1- يحرَّم على المسلمين أن يحكمهم شيوعي أو شيوعيون.

2- المؤتمر يطالب بحل الوزارة الحالية, وتأليف وزارة جديدة لا يشترك فيها شيوعي واحد.

3- إن المؤتمر ليأسف جدَّ الأسف؛ حيث أصبح الرئيس سوكارنو حصن الشيوعية الحصين, وأعطاهم المجال الواسع لمشاركتهم في أمور الدولة والحكم.

أمَّا المحاولة الثانية سنة 1965م:

فقد سبقها تمهيدات كان آخرها خطاب الرئيس سوكارنو في اليوم السابق مباشرة في مهرجان الشباب الشيوعي بالملعب الرياضي بحاكرتا؛ حيث قال:

"إن الاستقرار لن يكون إلّا بإراقة الكثير من الدماء, فالطريق نحو هذه الغاية صعب جدًّا, ولكننا يجب ألّا تأخذنا الرحمة أو الشفقة ...

وفي ليلة المؤامرة تَمَّ اختطاف ستة جنرالات وذبحهم, وأفلت منهم اثنان آخران, ثُمَّ تلا ذلك إذاعة بيانات في أول أكتوبر عن الانقلاب العسكري المشئوم, وعرف كيف ساهمت السفارة الصينية في الانقلاب.

ولكن الله قيَّضَ لهذا الانقلاب كذلك من أحبطه.

وانطلق الشعب يقاوم ويتظاهر ويحرق ويطالب بإسقاط سوكارنو الذي اتخذ شعاره المشئوم "ناسا كوم" لتوطيد دعائم الشيوعية, وهو اشتقاق من الكلمات الثلاث:

القومية: Na Tional الدين: Agama الشيوعية: Komunis

والذي لم يستح أن يعلن: "إني ماركسي وافتخر بذلك، إنني أؤمن بالفسلفة المادية التاريخية1", والذي لم يستح كذلك أن يعلن عن انحلاله وفجوره "وحياتي الغرامية التي أخذها المؤلف عليَّ مأخذًا لا هوادة فيه, فإني أقول بكل صراحة "والأحرى أن يقول: بكل وقاحة" إن الرجل الذي لا يدري ما الغرام, ولا يعرف ما هو الحب, ولا يذوق طعم الهوى والغرام, ولا يفتتن بالجمال.. فهو إمَّا مخنَّث أو فاقد الرجولة, أو جماد في صورة إنسان, ولا شعور له ولا إحساس"2.

ثم نُحِّيَ سوكارنو عن الحكم أولًا بقرار المجلس الاستشاري الأعلى, بإلغاء قرار رئاسته مدى الحياة، ثم بقرار سوكارنو في 20 فبراير سنة 1967 بتسليم الجنرال سورهارتو مقاليد السلطة؛ ليتولاها الأخير منذ 12 مارس 1967 وليقصي الشيسوعيين عن الحكم, ويشرك فيه ثمانية أحزابٍ من بينها ثلاثة أحزاب إسلامية.

لكن بكل أسف نقرر: إنه إذا كان سوكارنو قد مكَّن للشيوعية, فإنَّ خلفاءه اليوم يمكِّنون للنصرانية, وكأنها هي البديل، أوكأنها كانت ثمن التمكين.

النصرانية تهدد إندونسيا

لا تحمل العهد القائم كبر التمكين للنصرانية في إندونيسيا، لكنَّا نحمّله كبر السكوت، والسكوت ممن كان في موضع موضع المسئولية مشاركة, وأي مشاركة؟ ونمسك عمَّا وراء السكوت فليس لدينا علمه، ولئن أمكننا علمه فلا نملك الدليل عليه.

ونكتفي بأن نسوق الحقائق التالية:

1- إن النصارى قد نجحوا في التسلل إلى السلطة عن طريق السيطرة

1 من خطابة يوم 16 سبتمبر سنة 1965 في الحفل الختامي للمؤتمر الشيوعي بجاكرتا.

2 في رده على كتاب الأخ محمد أسد شهاب "إندونسيا المعاصرة" .

على منظمة الحرفيين "طائفة الجوليكار", سواء في ذلك السلطة التنفيذية أو التشريعية, كما سيطروا على إدارة ومحافظات تتمتع بميزة الحكم اللامركزي.

كما استطاعوا السيطرة الكاملة على الهيئة المركزية للحزب الديمقرطي.

2- استطاعوا بالاشتراك مع الصينيين السيطرة على القطاع الاقتصادي.

3- كل ذلك مع أنَّهم لا يجاوزون من بين 120 مليونًا أكثر من خمسة عشر مليونًا.

4- لهم 8 آلاف كنيسة، 3500 قسيسًا، 8000 مبشر يسيطرون على وسائل الإعلام, ولهم خمسون مطارًا، ولم مدارس ومستشفيات ومستوصفات.

5- استطاعوا وهذه خاتمة هذه المآسي -استطاعوا أن ينصِّروا ثلاثة ملايين مسلم خلال عامين, على ما تشهد به الندوة العالمية للشباب الإسلامي, وخمسة ملايين على ما يشهد به أبناؤنا من طلاب إندونيسيا المسلمة.

وهم يستغلون في ذلك حالة الفقر المدقع الذي تعيشه غالبية المسلمين هناك, إلى جوار ما يشيع بينهم من جهل بالغزو الفكري الخطير الذي تتعرَّض له إندونيسيا, ويتعرض معها كذلك العالم الإسلامي كله.

مستقبل إندونيسيا

إندونيسيا في مستقبلها يتهددها خطران:

خطر الشيوعية الزاحف من حولها والذي لا يزال -رغم محاولة الاستئصال- كالسرطان متمكنًا من جسد الأمة الإندونيسية المسلمة.

ثم خطر النصرانية الزاحف الماثل أمام كل ذي عينين، والذي توصَّل حتى الآن إلى تنصير حوالي عشرة ملايين مسلم, على ما يذكر الثقات من أبناء إندونيسيا.

ولئن كان حماس الحاكمين واضحًا في مواجهة التيار الشيوعي, فإنه غير واضح في مواجهة التيار النصراني, بل إن الواضح هو السكوت على ذلك التيار, إن لم نقل: تشجيعه, وهو ما يدل عليه تنصير ثلاثة ملايين خلال عامين,

الأمر الذي لم يحدث خلال تاريخ الإسلام كله, ولا في أي مكان من بلاد الإسلام كلها, ولا نستطيع أن نقول: إن الجهود الفردية, بل والشعبية, كافية وحدها لصدِّ تيار التنصير العالمي.

بل لا بُدَّ من وقفة واضحة من الحاكمين, وإلّا فوقفة معهم, ولا بُدَّ مع ذلك من وقفة واضحة من بلاد الإسلام حكومات وشعوبًا ومنظمات تقدم فيها:

أولًا: العون المادي لأبناء إندونيسيا الجائعين, حتى لا يتمَّ تنصير الأسرة بحفنات من الأرز تقدَّم إليهم من المبشرين.

وقد قلنا في مناسبة: إن ما يلقى في القمامات, وما يتساقط من الموائد في الدول الغنية, تسد رَمَقَ شعب إندونيسيا ويكفيه.

ثانيًا: العون المعنون والأدبي: بما يقدَّم من كتب ومؤلفات ونشرات وتوعية, دعوة تقوم بها حكومات العالم الإسلامي ومنظماته.

ثالثًا: لا بُدَّ من صحوة شعب إندونيسيا, يضيق بها على خطر النصرانية المحدق, كما أفاق من قبل على خطر الشيوعية المحدق, فمزَّقه وداسه -رغم عنفه- مرتين.

وصيحة الإسلام في إندونيسيا سوف يسمع صداها فطاني والفلبين, بل وفي الأندلس وفلسطين.

والله غالب على أمره, ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

سوريا

مقدمة

جزء من بلاد الشام التي قسَّمها الاستعمار إلى: سوريا، ولبنان، وفلسطين، والأردن, تقع في شمال غرب أسيا، وتحيط بها لبنان والعراق والأردن وفلسطين وتركيا.

تعداد أبنائها 7 ملايين، منهم 10% من الفئة النصيرية، وكانوا يسكنون الجبال، ثم هبطوا إلى المدن مع المؤامرة الكبرى على الإسلام في سوريا.

دخلها الإسلام مع الصدر الأوَّل, ثم صارت مهدًا لأول دولة إسلامية بعد عهد الراشدين.

شاركت في دفع التتار وفي دفع الصليبين، وإن تحرَّكت بالخيانة فيها طائفة النصيريين, وفي حرب فلسطين عام 1948 انطلقت منها كتائب مؤمنة لحرب اليهود تحت قيادة الدكتور مصطفى السباعي,

بعيدًا عن الجيوش الرسمية, وفي الحديث عن حاضر سوريا نتحدث عن:

1- البعث.

2- النصيرية.

3- معارك ضد الإسلام.

البعث

أ- نشأة الحزب:

نشأ منذ حوالي ثلث قرن، على كتف اثنين؛ أحدهما نصيري من سواعد اسكندرون "زكي الأرسوزي", وآخر نصراني من نصارى اليونان "ميشيل عفلق", وضمَّ منذ نشأته طوائف غير إسلامية: نصيرية ونصارى ودرزية, وإسماعيلية.

على هذا الترتيب في الثِّقَل, ولم يضم من أهل السنة إلّا العاجز التافه "من أمثال صلاح البيطار وأمين الحافظ".

- وقد وُلِدَ حزب البعث في أحضان الاستعمار الفرنسي, وكانت فرنسا الصليبية هي التي احتضنته وغذَّته وغرست في نفوس أعضائه الحقد على

الإسلام, والكيد للمسلمين.

ومن حقائق الواقع المعاصر أنَّ نصارى الشام كانوا هم المبشرين بدعوة القومية العربية لتحلَّ محل دعوة المجتمع الإسلامي.

وقد ترعرع الحزب في جوِّ الإرهاب والانقلابات العسكرية, تلك السلسلة التي بدأتها المخابرات الأمريكية بانقلاب حسني الزعيم في 30 مايو 1949 على يد مهندس الانقلابات العسكرية في المنطقة العربية "كيرميت روزقلت" رجل المخابرات الأمريكية المركزية, الذي دبَّر معظم هذه الانقلابات1.

يصف الأستاذ جلال السيد, وهو عضو قديم في حزب البعث, انقلاب الثامن من آذار 1963 بقوله:

"سلك حكام ثورة الثامن من آذار مسالك أعطت عنها بعض الحق ليقول الناس فيها أقوالًا تصف ظواهر الأمور البادية للعيان, فهي في نظر الناس ثورة الأقليات الطائفية على الأكثرية, وهي ثورة الجهل على العلم, وذلك برفع الجهلاء من الحزبين, وخفض العلماء سواهم, وهي ثورة التحلُّل وقطع الأواصر الاجتماعية على المروءات والأخلاق العربية, ثم هي فوق ذلك ثورة الإلحاد والمروق على الدين ومناخه الروحي, وهي ثورة المصالح المادية على المعاني السامية والمصطلحات الإنسانية, وثورة الماركسية على القومية وتراثها العربي الثمين2.

وبانقلاب مارس 1963 كانت المرحلة الثانية من مراحل حزب البعث؛ حيث بدأ الانقسام داخل الحزب, وبدأ طغيان الطائفة النصيرية بالحزب, وألقى ميشيل عفلق بيانًا في القيادتين القومية والقطرية, أشار إلى طغيان الطائفة النصيرية وتعاظم الجناح العسكري.

حيث قامت ما سُمِّيَ بالحركة التصحيحيِّة الأولى, برز فيها صلاح جديد "نصيري" وسليم حاطوم "درزي" وعبد الكريم الجندي "إسماعيلي".

ووراءهم حافظ الأسد "نصيري", ولجأ ميشيل عفلق إلى العراق, وخاضوا

1 جابر رزق: الإخوان المسلمون والمؤامرة على سوريا,.

2 المرجع السابق نقلًا عن كتاب البعث لجلال السيد.

حرب الجولان, وشهدوا النكسة أو شاركوا في الخيانة.

وحاول جناح سليم حاطوم وبدر جمعة استغلال خوض ما بعد الهزيمة, لكنهما اعتُقِلَا وأُعْدِمَا.

- واستمرَّ الصراع، فأزيح الدروز، ثم الإسماعيلية "ممثَّلين في عبد الكريم الجندي الذي قُتِلَ, وقامت الحركة التصحيحية الثانية "بقيادة حافظ الأسد وجماعته" ليتمَّ تصفية الحزب مما بقي منه من أهل السنة والدروز، ولتتمَّ السيطرة الكاملة للطائفة النصيرية 16/ 11/ 1970م.

"ومن يتأمَّل تاريخ الشعب السوري منذ انقلاب حسني الزعيم الذي دبَّرته المخابرات الأمريكية, وحتى تمكين الطائفة النصيرية من حكم سوريا, يجد أن التمكين لإسرائل وضمان أمنها هو الهدف من كل ما جرى ويجري في سوريا من خلال تلك الحقبة السوداء.

لقد كان حسني الزعيم يؤكّد لسادته الأمريكان أنه ينوي اتخاذ بعض الإجراءات الإيجابية لإنهاء النزاع العربي الإسرائيلي, وكان الإنجاز الوحيد الذي أنجزه حسني الزعيم هو عقد اتفاقية الهدنة مع إسرائيل عقب نكسة 1948 1.

"كما أنَّ سلسلة الانقلابات العسكرية التي أعقبت انقلاب حسني الزعيم, كانت كلها صناعة أمريكية, وسارت في نفس الطريق الذي سار فيه حسني الزعيم, وكان الهدف من كل ذلك هو النيل من قوة الجيش السوري؛ حيث أدَّت هذه الانقلابات المتوالية إلى تفريغ ذلك الجيش العربي الإسلامي من كل العناصر الشريفة بالتسريح أو الطرد أو السجن أو الإعدام؛ لأن الجيش السوري كان بمثابة القلعة الحصينة التي تقف عقبة كئودًا في طريق المخطَّط الإمبريالي الصليبي الصهيوني, وخاصَّة أن الشعب السوري كان هو الشعب الذي لم يفلح الحكم التركي والفرنسي في إذلاله وترويضه2.

مبادئ الحزب:

يرفع الحزب شعار: الوحدة الحرية - الاشتراكية, ويقوم على مفهوم

1 جابر رزق: الإخوان المسلمون والمؤامرة على سوريا, نقلًا عن لعبة الأمم لمسايلز كوبلاند .

2 المرجع السابق.

علماني بعيدًا عن أية قيم دينية.

ويلاحظ أن ميلاده كان مع ميلاد التدخُّل الأمريكي في المنطقة وريثًا للنفوذين البريطاني والفرنسي، ومع ميلاد الانقلابات العسكرية، وصناعة الأعماد، وصياغة الشعارات، وحرب الجماعات الإسلامية, وبعبارة أخرى: مع ميلاد الاستعمار الجديد في المنطقة الإسلامية.

وقد حدث تحالف بين حزب البعث، والنظام الناصري فترةً ما، واعتُبِرَ ميشيل عفلق إبَّان فترة وحدة سوريا مع مصر مستشارًا سياسيًّا للرئيس السابق، وفليسوفًا للنظام, وقد أنشأ الأخير بعد لجوئه إلى العراق جناح حزب البعث العراقي، واحتَدَمَ الصراع بين الجناحين.

الحزب فيسوريا في الوقت الحاضر:

بعد ثلث قرن من قيام الحزب، وخمسة عشر عامًا من حكمه في سوريا, صدر قانون يسمَّى: قانون أمن الحزب, ينص في مادته الأولى على أنَّه الحزب القائد في المجتمع والدولة "1" "م1".

وينص على اعتبار أموال الحزب أموالًا عامَّة.

ويقضي بالعقاب على كل من يجمع بين عضوية الحزب والانتماء إلى أي تنظيم سياسي آخر "1/ م5", ويرفع العقوبة إلى الإعدام إذا حصل اعتداء على أحد أنصار الحزب اقترن بالقتل, أو ثبت معه اتصال بجهة أجنبية.

"م10/ ب".

وهكذا تجري حماية الحزب ومساندته بسيف القانون القاطع، وإن دلَّ ذلك على شيء فإنما يدل على الوهن الذي أصاب الحزب، والانهيار الداخلي فيه, الأمر الذي يحاول تداركه ومقاومته بسيف القانون.

وإلّا فلا يوجد حزب في العالم يحمي نفسه على هذا النحو, وكان آخر ما أصدره النظام الحاكم في سوريا لقهر كل القوى الإسلامية, هو إصدار قانون صدَّق عليه البرلمان السوري, يقضي بإعدام كل من يثبت انتماؤه لجماعة الإخوان المسلمين, والهدف من ذلك تصفية كل القوى العربية الإسلامية القادرة على مقاومة

الطغيان والإرهاب, الذي يسعى للقضاء على الإسلام في قلب بلاد الإسلام.

النصرانية لا تزال تسند النصيرية:

قد يرى البعض في إبعاد ميشيل عفلق والتجائه إلى العراق تصفيةً للعنصر النصراني, إلّا أن من يرى أنه لا يزال في القيادة القطرية "جورج صدقي، وجوزيف صباغ", ومن مستشاري رئيس الجمهورية "جورج جبور، وإسكندر لوقا وأنطون مقدسي", ومن رجال الإعلام "جبران كورية", ومن رجال الجيش "إلياس بيرركور" يعلم أن النصرانية لا تزال تدعم النصيرية، وأنها على طريقتها إذا افتقدت السلطان الكامل أو المباشر تلوَّت وتلوَّنَت.

النصيرية

نشأة هذه الطائفة:

توفي الحسن العسكري عام 260 هـ لم يعقب.

فاحتال محمد بن نصير وزعم أنّ للحسن العسكري ولد اسمه محمد، وأنَّ الإمامة انتقلت إليه, وأنه اختفى في سرداب أبيه في سن الخامسة, ولم يخرج حتى الآن, وزعم أنه المهدي المنتظر، واختلف في ذلك مع الشيعة الإمامية الذين أعطوا هذا الشرف لرجل يبيع الزيت أمام بيت الحسن العسكري, فهرب ابن نصير وأنشأ فرقة النصيرية.

مبادئ الفرقة:

مستمدة من السبئية والخطابية والمجوسية والنصرانية والشيعة الإثني عشرية, وهم يزعمون:

1- أن عليًّا -رضي الله عنه- هو إله السماوات والأرض، وأن البرق صوته والرعد سوطه.

2- وقالوا بتناسخ الأرواح.

3- وأحيوا أعياد المجوس والنصارى.

4- وأسقطوا التكليف عن المرأة، وزعموا صلوت غير التي عرفها المسلمون, يتجهون فيها إلى عليّ بن أبي طالب "إله السماوات والأرض الغفور الرحيم", وقد قال عنهم الإمام ابن تيمية: "هؤلاء القوم المسمَّون بالنصيرية هم وسائر أصناف القرامطة والباطنية أكفر من اليهود والنصارى, بل وأكفر من كثير من المشركين, وضررهم على أمَّة محمد -صلى الله عليه وسلم- أعظم من ضرر الكفار المحاربين, مثل كفر التتار والفرنج وغيرهم, فإن هؤلاء يتظاهرون عند جهَّال المسلمين بالتشيع وموالاة أهل البيت, وهم في الحقيقة لا يؤمنون بالله ولا برسوله ولا بكتابه, ولا بأمر ولا نهي ولا ثواب ولا عقاب, ولا جنة ولا نار, ولا بأحد من المسلمين قبل محمد -صلى الله عليه وسلم، ولا بملة من الملل, ولا بدين من الأديان السالفة.

خيانات الفرقة النصيرية في الماضي والحاضر:

تعدَّدت خيانات الفرقة النصيرية ضد العروبة والإسلام منذ مهَّدوا الطريق أمام التتار الذين قضوا على الخلافة العباسية في بغداد, وكانوا طلائع الغزو الصليبي لبلاد الشام ومصر على يد فرنسا التي لا تزال تبارك جرائم النصيريين في كلٍّ من سوريا ولبنان، "وإذا كان النصيريون ركائز للصليبية والتتار في الماضي, فبمساعداتهم احتلَّ الصليبيون القدس, ونكَّلوا بالمسلمين, وهم الذين حملوا السلاح مع التتار أثناء عدوانهم على بلاد المسلمين.

وإذا كانوا بالأمس قد جنَّدوا أنفسهم مع جيوش الصليبين والتتار, فها هم اليوم يحملون السلاح مع الموارنة الصليبيين في لبنان ضد المسلمين, وحقيقة تعاونهم مع الموارنة تعود إلى زمن الانتداب الفرنسي لبلاد الشام في مطلع هذا القرن, فقد أقامت لهم دولة, وصنعت منهم إلهًا عبده جميع النصيريين, وجنَّدتهم في جيشها, وكانت أمًّا حنونًا لهم وللموارنة.

وقد وجدت الطائفة النصيرية فرصتها الذهبية في الدعوة إلى القومية العربية, تلك التي أوحى بها الاستعمار الصليبي والصهيوني إلى عملائه من ذراري المسلمين والحاقدين من أبناء الطوائف الأخرى "النصارى - الدروز - والإسماعيليين النصيريين", وكان حزب البعث هو التجسيد لهذه الفكرة, أو

هو التنظيم الذي احتوى كل هؤلاء الحاقدين"1:

الفُرْقَة في الحكم:

امتطت النصيرية حزب البعث, وتسلَّقت عليه حتى تمكَّنت من رقاب الشعب السوري, رغم أنها تمثل 10% من هذا الشعب.

وأذاقت الشعب الذي يخالفها في العقيدة ألوان الخسف والهوان, على ما سنشير, واستعملت التقية لتضليل الشعب.

ويزعم المتسلط باسمها اليوم أنه مسلم, ويعلن على مسامع الناس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ، َفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة: 9 و10] .

1 جابر رزق: [الإخوان المسلمون] والمؤامرة على سوريا, .

2 نقل الأستاذ جابر رزق في كتابه صورًا بشعة من صور التعذيب الوحشي الذي لقيه مروان حديد على أيدي النظام النصيري الحاكم في سوريا, نقلًا عن الوثائق وشهود العيان، وفيه الأدلة الكافية لاشتراك العناصر الحاكمة في جرائم التعذيب لتصفية الدعاة إلى الله, ولكنَّ الله غالب على أمره, ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون.

2- في نفس العام قُتِلَت غفران أنيس -فتاة مسلمة داعية, وألقيت جثتها بطريق المطار, وتبيِّنَ أن اعتداءً على عرضها تَمَّ قبل قتلها, ومثْلُهَا أخرى تُسَمَّى ليلى.

3- اصطُنِعَ حادث مدرسة المدفعية بحلب؛ حيث قام ضابط بعثي يُدْعَى "إبراهيم يوسف" بقتل مجموعة من الطلاب النصريين لثأر خاص.

ومع ذلك ألصقت التهمة بجماعة إسلامية ليتمَّ القبض على مئات بل آلاف من أعضائها, وليعلّق منهم على أعواد المشانق ثمانية عشر شابًّا.

4- تطورت الأحداث بعد ذلك، واضطر شباب الإسلام إلى حمل السلاح، وخاض معارك ضد الميليشيات "سرايا الدفاع، سرايا الصراع - القوات الخاصة" أعادت إلى الأذهان معارك الصدر الأول للإسلام, وتنزَّلت فيها ملائكة السماء تحارب على جوار المؤمنين ذلك الكفر البواح المتحدي لله ولرسوله وللمؤمنين.

5- في ميدان التربية والتعليم جرى نقل وتحويل 500 من المدرسين والمدرسات المعروفين بغيرتهم على الإسلام إلى وظائف كتابية وإدارية بعيدًا عن تخصصهم.

6- في الجيش: منعت إقامة الصلوات، وصفِّي من العناصر الإسلامية، وجُعِلَت قياداته من النصيرية الكافرة، ووصل التنكيل بشعائر الله والسخرية منها حدَّ صب الخمر على المصلِّّي وتجريده من ثيابه أثناء الصلاة "كما حدث للرقيب على الزير, وللضابط الملازم الحوراني".

7- في المجال الاقتصادي: هبطت قيمة الليرة السورية نتيجة التخريب المتعمَّد في اقتصاد البلاد, وحولت عوائد البترول إلى أرصدة الحكام, ولم تنزل في الميزانيات.

8- في المجال السياسي: لا تزال خيانة الجولان الذي كوفئ عليها وزير الحربية بمنصب رئيس الجمهورية", ولا يزال الإعلان عن

سقوط القنيطرة قبل دخول اليهود بواحد وعشرين ساعة, ولا تزال الاتصالات المشبوهة بشاوسيكو في مجال البحث عن الصلح، ولا يزال إعلانهم عن قبول الصلح الشامل دون الصلح المنفرد, كل ذلك يدل على حقيقتهم التي يحاولون إخفاءها تحت شعار "الرفض".

المستقبل في سوريا

نحسب أنه بعد أن بدأ شعب سوريا المسلم يحسّ خيانة البعث وافتراءه وعمالة النصيرية وتآمرها المتصل.. نسحب أنه بعد هذا, وبعد أن عرف طريق الجهاد الصحيح لهذا الكفر البواح.. نحسب أن الله ناصره" ومحق الحق ولو كره الكافرون.

مصر

وأهمية وخطر:

لمصر أكثر من أهمية؛ لذا يتهددها أكثر من خطر.

فلئن نظرنا إلى موقعها فهي تتوسَّط قارات العالم الثلاث.. أوربا.. أفريقيا.. آسيا، وتطل عن شمالها على أوربا لا يفصل بينهما سوى مياه البحر الأبيض المتوسط، وتطل من شرقها على آسيا، وتطل عن شمالها على أوربا, لا يفصل بينهما سوى مياه البحر الأبيض المتوسط، وتطل من شرقها على آسيا؛ إذ تدخل شبه جزيرة سيناء في حدود آسيا, ويفصلها عن الجزيرة العربية خليج العقبة ومياه البحر الأحمر، وتطل من جنوبها وغربها على أفريقيا القارة السوداء التي يتهددها أكثر من خطر.. وهي إلى جانب ذلك تتحكم في تجارة أوربا إلى أفريقيا وآسيا عن طريق قناة السويس التي تمر في أرضها، فضلًا عن شواطئها الطويلة شمالًا على البحر الأبيض المتوسط وشرقًا على البحر الأحمر..

مع اعتدال جوها بين البرودة والحرارة، فضلًا عن أنها تجمع بين المصايف في شمالها والمشاتي في جنوبها وشرقها.. ولئن نظرنا إلى ثرواتها.. فإنها إذا رزق الله مسئوليها الإخلاص

وإنها من أخصب بقاع العالم زراعيًّا؛ حيث تتوفر لها التربة، ومع التربة الماء؛ إذ يجري فيها أحد أطول الأنهار في العالم "نهل النيل" ويمدها مع الماء بالخصب والنماء؛ حيث يحمل مع مياهه "الغرين" الذي يمثل سمادًا طبيعيًّا للأرض يزيدها قوة وخصبًا1 ويذكر أنه من الناحية التاريخية كانت أرض مصر على عهد الرومان يزرع منها 95% من مساحتها.

ومصر ليست زراعية فحسب, إنها يمكن أن تكون بلدًا صناعيًّا من الدرجة الأولى بالنظر إلى وفرة المواد الخام من جميع أنواع المعادن، وأكثرها تتركِّز في شبه جزيرة سيناء2.

فضلًا عن توفُّر الأيدي العاملة بسعر أرخص بكثير من المستوى العالمي للأجور, مع اعتدال الجو الذي يساعد على قيام كثير من الصناعات.

أما رأس المال وما يلزمه.. فإنه يمكن أن يتوقَّف لو كفَّت الأيدي العابثة التي تمتص عرق الشعب، وتدفع إلى جيوبها وتريفه على موائد القمار وعلى أقدام الراقصات والعاهرات.

ولئن نظرنا إلى شعبها إننا نجده يتميز بما يلي:

1- إقباله السهل على الإسلام فيمالو وجد القدوة الصالحة، وعدم إصراره على المعصية أو الكبيرة كما تفعل شعوب أخرى {أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} .

2- وقوفه السريع والعاطفي والمتكتل ورء الحاكم إن وجد فيه الصلاح، وانصرافه عنه في سلبية قاتلة إن وجد فيه الخداع، مع النكتة اللاذعة يطلقها تقض مضجع الظالم، وتكشف عن ذكاء الشعب المظلوم.

3- استعداده للتضحية بالمال والنفس لو وجد سبيله إلى الاقتناع.

1 منذ نهاية بناء السد العالي احتجَزت خلفه الكمية الضخمة من الغرين التي كانت تسبب خصوبة الأرض، وهو ما يتهدَّد السد العالي نفسه لعلوِّ الأرض خلفه.

2 أشرنا من قبل إلى أنَّ مصر تسبح في بحيرة من البترول تحرص المصالح اليهودية والصليبية على عدم الكشف عنها الآن.

العاطفي والعقلي, مع استعداد للصبر الطويل على كل الأوضاع.

والجندي المصري من أكفأ جنود العالم، وقد قيل إبَّان الحرب العالمية الثانية: إن الجندي الألماني يساوي ثمانية من الجنود الإنجليز، والجندي المصري يتفوَّق بالضعف على الجندي الألماني، ومعنى ذلك أنَّ الجندي المصري يساوي ستة عشر جنديًّا إنجليزيًّا.

ولقد أثبت جهاد شباب مصر المسلم إبَّان حرب القتال وفلسطين أنَّ الواحد منهم بخمسين أو مائة من الأعداء1.

4- الوفرة العددية لشعب مصر "40 مليون" مع الاستعداد للاستمرار والمزيد، فبرغم دعاوى تحديد النسل التي تشكَّلت تحت أسماء عديدة، وقامت على تشجيعها وزارات وهيئات رسمية، فلا يزال تناسل الشعب المصري يتكاثر، ولو أطلق له حرية التناسل، وكان مع ذلك شيء من الرخاء الاقتصادي، فضلًا عن مبادئ الإسلام وخلقه؛ لأقبل الشباب على الزواج في سنٍّ مبكِّر, ولتضاعف عدد الشعب أضعافًا كثيرة, وهذه لها أكثر من فائدة.

فهي تعطي الشعب القدرة على الاستمرار في الحروب, مع إحاطة الأعداء بها من كل جانب.

وهي تعطي عاملًا اقتصاديًّا ضخمًا يساعد على وفرة الإنتاج ورخصه, فضلًا عمَّا تعطيه من الأهمية الأدبية للشعب المصري وسط شعوب المنطقة.

ومما لا شك فيه أن زيادة السكان تعتبر من أقوى أسس القوة والنماء في العالم الإسلامي عامَّة وفي مصر خاصة.

وهذه الزيادة تخيف أعداء الإسلام, ومما يقدِّم لنا صورة عن زيادة السكان في مصر وتأثيرها في موقف الدول المعادية للإسلام منها, الرجوع إلى ما ذكره باول شمتز إذ يقول: "بعد ثلثمائة سنة سيصبح سكان مصر حوالي 500 مليونًا, وبعد 425 حوالي 2 مليارًا, أي: إنه سيكون في مصر أعداد من البشر تساوي ما هو موجود

3 راجع مذكرات كامل الشريف عن حرب فلسطين تحت عنوان: "الإخوان المسلمون في حرب فسلطين", ومذكرات الأخ حسن روح عن حرب القتال.

الآن على ظهر الأرض.

وسيصبح في مصر في مدى 968, أي: أقل من ألف عام بقليل, أمَّة تعدادها 973 مليارًا من البشر, أي: إنها ستنمو بشريًّا إلى درجة لا تمكنها فقط من استعمار الكرة الأرضية, بل من استعمار أعداد من الكواكب الأخرى"1.

ودعاوى الندرة الاقتصادية وعدم قدرة الموارد الموجودة على مواجهة الانفجار السكاني، هذه الدعاوى ساقطة علميًّا بما قدَّمنا من وفرة الموارد, لولا أنها لا تستعمل وتستغل وتذهب إلى غير الشعب.

كل هذه العوامل أو بعضها يعطي مصر خطورة وأهمية لا تتوفَّر لغيرها من شعوب المنطقة, ولذا كانت هدفًا لكل أنواع الاستعمار التي عرفها العالم, ابتداءً من استعمار الهكسوس والرومان، والفرنسيين، والإنجليز، واليهود ...

لكن برغم ذلك، فقد ثبت أن مصر مقبرة الغزاة، وأنها -كما قيل: كنانة الله في أرضه, فقد خرجت من ذلك كله سليمة العقيدة في مجموعها، حريصة وفيِّةً لدينها ومُثُلِهَا، وعرف الناس -وإن لم يدرك بعض الحكام- أن الخداع وإن انطلى على الشعب فترة، فإنه لا يطول، وأنَّ الاستبداد وإن عاش حينًا فإنه لا يدوم، وأنَّ الكفر والفسوق وإن تمكَّن دهرًا فإن الشعب لا يلبث أن يلفظه ويدوسه.. وفي الفراعين القدامى والجدد، وفي الغزاة المستعمرين قديمًا وحديثًا، عِبَرٌ لمن أراد العبرة، وتذكرة لمن تنفعه الذكرى.

تاريخ قديم وحديث:

وعمر الشعب المصري، أو عمر حضارته -كما يحلو للبعض أن يتشدق- ثلاثة آلاف سنة بالنظر إلى أجداده الفراعين، والمعروف البديهي أنَّ التفاخر بالفراعنة وغيرها من النعرات الإقليمية كانت إحدى النعرات التي أطلقها الاستعمار الصليبي في مصر بعد الحرب العالمية الأولى, وهي دعوى باطلة قصد بها باطل, لكنَّا نعتبر ما قبل الإسلام جاهلية بلغت حد

1 الإسلام قوة الغد العالمية: تأليف باول شمتز.

ترجمة الدكتور/ محمد شامة.

عبادة الفراعين، وحدّ استخفاف الفراعين أن يقولوا.. {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} أو {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} أو {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} الأمر الذي تجدَّد في العصر الحديث حين ارتدت مصر إلى شيء من الجاهلية، فقال أحد فراعينها الجدد "أنا خلقت فيكم الحرية وخلقت فيكم الكرامة" ذلك المخلوق التافه يخلق، فماذا ترك للخالق؟.

ونعتبر بميزان الله أنَّ الميلاد الحق لهذا الشعب منذ الفتح الإسلامي على عهد عمر بن الخطاب, حين توجَّه جيش عمرو بن العاص المظفَّر إلى أرض مصر, ففتح القلوب بالقرآن قبل أن يفتح البلاد بالسيف، ودخل شعب مصر -طواعية واختيارًا- في دين الله أفواجًا، ورأى الفارق الضخم بين حكم الرومان وتعسُّفهم، وحكم الإسلام وعدله ورحمته, حتى لقد كان النَّصارى يفرّون من حكم الرومان -وهم أهل دينهم- إلى حكم الإسلام، وهو ليس بدينهم؛ لما وجدوه في ظلِّه من رحمة وعدلة وأمان ...

وبقي من بقي من قبط مصر على مسيحيته, لم يكرهه أحد على ترك دينه، بل لم يلق القبط في مصر ما تلقاه أية أقلية في وطن آخر، والمثل الذي ضربه عمر -رضي الله عنه- غداة فتح مصر, حين شكا إليه أحد أقباط مصر أنَّه تسابق مع ابن عمرو بن العاص, فلمَّا سبقه ضربه ابن عمرو بن العاص، فاستدعى عمر الحاكم المسلم العدل عمرو وابنه، وعلى ملأ من الناس قال للقبطي: اضرب ابن الأكرمين، وقال عمر الخليفة لواليه عمرو: لو فعلها ابنك مرة أخرى لضربتك أنت ... إشارة إلى أنه ما شجع الابن على ذلك إلّا وجاهة أبيه ومكانته.

ووعى الشعب المصري هذا الحادث, ووعى معه قول الله: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} ووعى أيضًا واجب المسلمين في حماية الذمِّيين بما فعله جند الإسلام قبل معركة اليرموك, عندما استعدوا لملاقاة هرقل فانشغلوا عن أهل حمص فردوا

ما كانوا أخذوه منهم من الخراج قائلين لهم: "قد شغلنا عن نصرتكم والدفاع عنكم, فأنتم على أمركم" فقال أهل حمص: "لولايتكم أحبّ إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم, ولندفعنَّ جند هرقل عن المدينة مع عاملكم".

وتعرَّض الشعب المصري لألوان الغزو قديمًا وحديثًا طمعًا في خيرات مصر وجوِّها، أو حربًا لدينها وعقيدتها، وكانت كذلك هدفًا لحملات الصليب عليها خلال قرون من الزمان.. أعطت فيها مصر نماذج التضحية والاستبسال حتى هُزِمَ الصليبيون على أرضها في المنصورة، ثم هزموا على يد أبنائها في حطين بقيادة صلاح الدين الأيوبي.

ووضعت مصر بذلك نهاية الحروب الصليبية العسكرية؛ لتتعرَّض بعد ذلك لألوان من الحروب الأخرى.

وقبلها وضعت مصر نهاية حروب التتار في عين جالوت، ووضعت مثلًا من البسالة والذكاء الحربي كبيرة..

وبعدها كانت معارك مصر مع الاستعمار الفرنسي, رغم أنها حاربت عزلاء من السلاح، ومن العون من دولة الخلافة وغيرها من بلاد الإسلام, ثم معاركها مع الاستعمار الإنجليزي المتقدم.. كانت كلها نماذج لإخلاص الشعب وحرصه على دينه واستجابة لعلمائه.

وثورة القاهرة على الفرنسيين مَثَل، ووقفهم الزحف الإنجليزي القادم من الغرب وهزيمة الإنجليز أكثر من مرة في رشيد وفي كفر الدوار مَثَلٌ آخر، ولولا الخيانة من الحكم القائم, ومن بعض العناصر الأخرى في الجيش المصري؛ لاستطاع القائد المسلم أحمد عرابي أن يصدَّ الغزو الإنجليزي الفاجر عن أن يطأ أرض مصر.

ولقد بدأ تاريخ الاستعمار الإنجليزي سنة 1882، وأعقبه بعد دخوله بسنة واحدة إقصاء الشريعة الإسلامية عن التطبيق، وظلَّ الاستعمار الإنجليزي يحاول تغريب مصر في لغتها، وفي قيمتها ومثلها، فكان نصيبه على العموم الفشل, وإن خلَّف وراءه عملاء يؤدون نفس دوره, وسوف نشير إليهم

بعد قليل.

ورحل الاستعمار الإنجليزي عن أرض مصر سنة 1956 بعد أكثر من سبعين عامًا من الاحتلال العسكري المصحوب بحرب العقيدة والفكر في مصر.

صناعة الانقلاب العسكري والخط اليهودي النصراني:

لم يعد خافيًا بعد ما نشر من كتابات رجال المخابرات الأمريكية المركزية, ومن الوثائق الأخرى التي صدَّقتها الأحداث1, وبعد ما شهد به رجال ثقات نثق في أمانتهم وصدقهم3، لم يعد خافيًا أن الانقلاب العسكري الذي تَمَّ في مصر سنة 1952 كان انقلابًا لصالح اليهود والنصارى في مصر.

وبيان ذلك: إن اليهود أدركوا منذ قدموا أرض فلسطين أنَّ الخطر الأكبر عليهم هو من أكبر قوة في المنطقة.. قوة الشعب المصري الملاصق لأرض فلسطين، فلو استطاعوا أن يخضعوا هذا الشعب وأن يطوعوه للنفوذ اليهودي؛ لتخلَّصوا بذلك من أكبر خطر على وجودهم في فلسطين.

وتأكَّد الخط اليهودي في الانقلاب المصري بأكثر من دليل:

1- ما صرَّح به اللواء معروف الحضري -رحمة الله- من أنه شاهد جمال عبد الناصر يخرج من خطوط الحصار في الفالوجة -أكثر من مرة في منتصف الليل؛ ليدلف في سيارة يهودية داخل الخطوط اليهودية؛ ليجتمع مع اليهود بغير علم قيادته، ثم يعود مع خيوط الفجر.

3- ما احتفظ به اللواء معروف الحضري -رحمه الله- من مستند بخطِّ جمال عبد الناصر كان قد وجَّهه إليه أثناء أسر الحضري يطلب فيه التعاون

1 راجع كتاب مايلز كوبلاند "لعبة الشعوب", وكتاب هيئة المخابرات المركزية لمؤلفه "أندو توللي", فكلاهما يدل على أن الولايات المتحدة الأمريكية جماعة من الضباط ذوي الطموح إلى تدبير انقلابات عسكرية بالبلاد العربية مقابل تعهدهم بمهادنة إسرائيل.

2 راجع الوثائق التي أشرنا إليها سابقًا.

3 منهم اللواء معروف الحضري -أحد أبطال حرب فلسطين عام 1948- رحمة الله.

مع ضابط المخابرات اليهودي "كوهين", الأمر الذي رفضه معروف الحضري -أسكنه الله فسيح جناته1.

3- ما صرَّح به مؤسس إسرائيل -بن جوريون- في الكنيست، قبل وقوع الانقلاب العسكري المصري من أنَّ انقلاب سوف يحدث في مصر, ولن نكون -أي: اليهود- أقلّ فرحًا به من المصريين2.

4- ما ذكره مايلز كوبلاند من اتصال المخابرات المركزية بجمال عبد الناصر قبل الانقلاب، وما ركَّز عليه من أنَّ الانقلاب العسكري

1 مذكرات اللواء معروف الحضري تحت الطبع, وبها الوثيقة المشار إليها بخطِّ يد عبد الناصر المعروف لكثيرين، فقد أعطى عبد الناصر وهو محاصر بالفالوجة لضابط المخابرات الإسرائيل "كوهين" خطاب توصية يتقدَّم به الكابتن كوهين لمعروف الحضري الأسير وقتئذ, آملًا منه التعاون معه.

وقد أسر معروف الحضري وهو في طريقه لتوصيل الإمدادات للفالوجة بقافلة عَبَر بها خطوط الأعداء.

2 ذكر هاري هوبكنز في كتابه المنشور في بريطانيا عام 1969م, أن ناصر كلَّف اثنين بترتيب لقاء بينه وبين موسى شاريت رئيس جمهورية مالطة, وزعيم حزب العمل بها.

كما أعطى ناصر في نفس العام أيضًا خطابا بخطِّه إلى عضو البرلمان موريس أورباخ لتوصيله لموسى شاريت, وفي نفس العام أيضًا أصدر عبد الناصر كتاب:

فلسفة الثورة, الذي جاء خاليًا من الدعوة لحمل السلاح ضد إسرائيل.

كما ألَّف دافيد هولدن الصحفي البريطاني كتابين عن عبد الناصر, ذكر في أحدهما أنَّه كان وسيطًا بين عبد الناصر وبن جوريون, وكان يتنقل بين منزل كلٍّ منهما حاملًا الرسائل والرد عليها.

وقد قتل هولدن بمجرد وصوله للقاهرة قادمًا من القدس بعد أن حضر زيارة السادات لها في نوفمبر 1977م, وتَمَّ العثور على جثته في مدينة نصر بالقاهرة, تنفيذًا لمبدأ الموتى لا يتكلمون، ذلك أنَّ الرجل كان يعلم أكثر من اللازم عن صلات ثورة 23 يوليو باليهودية العالمية التي أثمرت فيما بعد كلًّا من كامب دافيد واتفاقية واشنطن.

هذا وقد صرَّح أمين شاكر -وزير السياحة المصري السابق ومدير مكتب عبد الناصر في أول الثورة, في أهرام الجمعة 16 ديسمبر 1977م, أن عبد الناصر قام باتصالات سرية مع إسرائيل دون علم مجلس الثورة, وأن لديه وثائق هامَّة في هذا الشأن, وأن الصحفي المعروف حسنين هيكل كان وسيطًا في بعض هذه الاتصالات, وقد أدلى أمين شاكر بهذه التصريحات للأهرام في معرض دفاعه عن زيارة السادات للقدس عام 1977م, بذكره أنَّ لديه وثائق بخطِّ عبد الناصر توضِّح أنه فعل سرًّا ما فعله خليفته علنًا.

لا يعتبر اليهود عدوه الأول, بل يعتبر المصريين من رجعين وملكيين وأحزاب هم عدوه الأول.

وهذا أمر تأكَّد عندما صدر البيان الأول للانقلاب خاليًا من الحديث عن فلسطين أو اليهود.

5- ما مارسه الانقلاب العسكري المصري من حرب السحق والإبادة للجماعة الإسلامية التي حملت على عاتقها عبء الدعوة في مصر منذ نصف قرن، والتي جعلت عبء الجهاد الحق في فلسطين ضد اليهود؛ ليبقي الشعب المصري -بعد القضاء على هذه الجماعة- بغير حصانة إسلامية جدية تستطيع الوقوف في وجه الزحف اليهودي.

فلقد ذاقت الجماعة المذكورة في عهد الانقلاب العسكري المشئوم القتل والتعذيب والتشريد، وحرب السحق والإبادة بلا رحمة ولا هوادة مرتين، مرة سنة 1954، 1955م قبل الهجوم اليهودي سنة 1956م بسنة واحدة، ومرةً سنة 1965، 1966م قبل الهجوم اليهودي سنة 1967م كذلك بسنة واحدة.

1 وجَّهت صحيفة "ايدعوت أحرنوت" الإسرائيلية اللوم للتليفزيون الإسرائيلي لتسرُّعه في إظهار عواطفه المؤيدة للمسيحيين في لبنان ضد المسلمين, فقد حذَّرت الصحيفة من انعكاس هذا الأمر على المسلمين؛ بحيث يعودون لإسلامهم.

واعترفت الصحيفة أنَّ إسرائيل مارست ضرب الحركة الإسلامية خلال الثلاثين عامًا الماضية عن طريق أصدقائها في العالم العربي.

وأضافت الصحيفة أنَّه إذا لم تنجح إسرائيل في هذه العملية "تعني القضاء على الجماعات الإسلامية في بلدان المواجهة بالذات, فإنها ستواجه عدوّا حقيقيًّا لا وهميًّا.. عدوًا يعتقد أنه يدخل الجنة إذا قتل يهوديًّا أو قتله يهودي".

"مجلة المجتمع الكويتية العدد 49 الصادر في الثلاثاء 7 ذي الحجة 1398هـ الموافق 7 نوفمبر 1978م 19".

واعترافات صحيفة ايدعوت أحرنوت يقدِّم تفسيرًا واضحًا, ليس في حاجة إلى تعليق لما حدث للجماعات الإسلامية في كلٍّ من مصر وسوريا والأردن, ولما ينتظرهم حاليًا على أيدي أصدقاء إسرائيل في دول المواجهة، فقد كشفت ايدعوت أحرنوت الخطَّة وهي: حارب الإسلام في بلدك تكسب صداقة اليهود.

هذا بالإضافة إلى اعتراف محمد حسن حسن التهامي نائب رئيس الوزراء برئاسة الجمهورية حاليًا

1- ما وضح من خلال الحربين اللتين خاضهما الانقلاب ضد اليهود, وصاحب كلًّا من هاتين الحربين كل مرة الانسحاب، ومع الانسحاب الهزيمة لأكبر قوة ضاربة في الشرق الأوسط, مع الانسحاب والهزيمة كسبت إسرائيل سبعة أَضعاف مساحتها سنة 1948م.

ما وضح خلال ذلك كله، وبالرغم من أنَّ القيادة كانت تجمع بين كونها سياسية وعسكرية بخلاف الوضع في عهد الملك السابق.

نقول: إن ما وضح من خلال ذلك كله هو أنَّ الحرب لم تكن جدية، وأنها يشوبها شك كبير في خيانة مقصودة لتمكين اليهود من الأرض، وإضفاء شرعية الكسب عن طريق الحرب لليهود, ثم ما ينتج عن ذلك كله من فقدان العرب الأمل في كسب حربي لهم إذا كانت أكبر قوة ضاربة عاجزة عنه1.

وأحد أعضاء خلية عبد الناصر ذاته في تنظيم الضباط الأحرار, في عدد روز اليوسف رقم 2603 صفحة 7, بأنَّ خبيرًا أمريكيًّا اقترح اختلاق محاولة لإطلاق الرصاص على عبد الناصر, الأمر الذي يثبت أن حادث المنشية الذي اتَّخذه عبد الناصر ذريعة للفتك بالإخوان المسلمين عام 1954م كان حادثًا مفتعلًا على نمط حريق الريغستاغ الذي تذرَّع به هتلر للبطش بسائر الأحزاب السياسية في ألمانيا.

وبذلك شهد شاهد من أهلها.

1 ثبت تاريخيًّا من شهود العيان الذين مازال بعضهم أحياء يرزقون أنَّ الذي أصدر الأمر بانسحاب القوات المصرية في سيناء في حربي 1956، 1967 هو عبد الناصر شخصيًّا، وقد عارضه اللواء عبد الحكيم في حرب 1956 في إصدار أمر الانسحاب, فلمَّا أمر عبد الناصر بعث عامر ببرقية الانسحاب إلى قيادات الوحدات بالصيغة

التالية:

"بناء على أوامر الرئيس جمال عبد الناصر تنسحب....".

أما في حرب 1967م فقد شهد التهامي وهو شاهد من أهلها كما أوضحنا آنفًا بما نشر في عدد الأهرام رقم 33110 بتاريخ 5/ 8/ 1977م, كمذكرات تاريخية له, أنَّ عبد الناصر اعترف له شخصيًّا بأن أمر المشير عبد الحكيم عامر بالطيران صباح 5 يونيو "حزيران" 1967م ومعه طاقم القيادة ليتوجه إلى الميدان ليتفقَّد القوات رغم توفّر معلومات شبه مؤكدة لديه بأن الطيران الإسرائيلي سيضرب ضربته في هذا الوقت بالذات، فنجم عن ذلك تعطيل شبكات الدفاع الجوي بأوامر من القيادة خوفًا على طائرة المشير، كما اعترف عبد الناصر أيضًا لنفس الشاهد بأنّه هو الذي أمر بانسحاب القوات من سيناء مثلما فعل في حرب 1956م.

وقد فسَّر رائد عطار في عموده اليومي بالأهرام الصادر في 17/ 12/ 1977م تصرف

الأمر الذي يشيع اليأس في قلوب العرب والمسلمين، ويدفعهم إلى التسليم بالأمر الواقع في قبول وجود إسرائيل في المنطقة رغم عدوانها وغصبها لأرض فلسطين.

7- ما مارسه الانقلاب العسكري لقبول الأسر الواقع بوجود إسرائيل في المنطقة وجودًا شرعيًّا معترفًا به من أصحاب الحق نفسه، ويتَّضِح التمهيد الاقتصادي بإجراءات التخريب في هذا الميدان التي لم تعد خافيةً طوال ثلاثين عامًا من هذا الانقلاب العسكري, الأمر الذي أدَّى إلى فراغ الخزينة المصرية، ونزول الاقتصاد المصري إلى تحت الصفر, كما صرَّح بذلك رئيس الدولة الحالي بعد الحرب الأخيرة, مما جعل الصفر- عامَّة الناس- يسلمون بعد الخنق الاقتصادي المذكور بوجوب الصلح مع إسرائيل, والتسليم بالأمر الواقع ظنًّا منهم أن ما هم فيه من الخنق الاقتصادي سببه الحرب مع إسرائيل, والحق أنَّ ما وصل إليه الشعب المصري من ضيق اقتصادي ومشاكل اجتماعية يرجع في المقام الأول إلى فساد نظام الحكم, وخراب ذمم القائمين على مقدَّرات شعب مصر.

- أمَّا التمهيد الإعلامي: فقد مَرَّ بأكثر من طريق, طريق الدعاية بأنَّ مصر حاربت وهي أكبر قوة ضاربة في الشرق الأوسط، ثم وقعت معها الهزيمة فوقع معها اليأس من النصر.

ثم ما أعقب ذلك من ادِّعاء أنَّ كلَّ مشاكل مصر هي بسبب حربها مع إسرائيل، وأنَّ الرخاء ينتظر مصر مع الصلح والسلام، وكلٌّ من السلام

عبد الناصر المريب في حرب 1967م, بأنَّ عبد الناصر دبَّر هذه المذبحة لجيش مصر بعد اطِّلاعه على تقارير أمنية تفيد القوات المسلحة المصرية على عزله من منصبه نتيجة لتورطه في اليمن, وبعد فقدانه السيطرة على مجموعة المشير عامر التي سيطرت على الجيش سيطرة كاملة، وكان العقيد شمس بدران من أبرز شخصيات مجموعة المشير؛ إذ كان له تنظيم أمني داخل جميع الوحدات المقاتلة بعلم المشير, وقد انكشف المخطَّط الناصري بعد الهزيمة النكراء, فكان لا بُدَّ من التخلُّص من المشير بقتله؛ لأنه إذا حوكم سيروي للتاريخ المسئول الحقيقي عن ضياع الجيش المصري في صحراء سيناء في يونيو 1967م.

وجدير بالذكر أنَّه كان من ضمن المخطَّط مقال افتتاحي نشره هيكل رئيس تحرير الأهرام, ومستشار عبد الناصر في الصفحة الأولى بالأهرام, أنَّ مصر لن تضرب الضربة الأولى, فكان دعوة الجيش للاسترخاء.

والرخاء من الأوهام التي ستثبت الأيام أنهما كانا من خرافات الصهيونية التي خدَّرت بها السذج والأغبياء.

- أما التمهيد السياسي: فقد كان تمهيدًا خارجيًّا, بما مُورِسَ من خيانة وتآمر مع القوى اليهودية المتعاونة مع القوى الصليبية الدولية، وتمهيدًا داخليًّا بما مورس من إجراءات القمع الشديد الذي أفقد الشعب كثيرًا من نخوته، وجعله يتخلَّى عن كثير من شجاعته، مما جعله غير قادر وغير راغب في مواجهة حرب مع العدو.

ذلك بعض ما مارسه الانقلاب العسكري في مصر خدمةً للخطِّ اليهودي، وتحقيقًا لمخطَّطِه، ونقول: "بعض"؛ لأنه هو ما تكشَّف لنا مع الدليل, وما خفي لا بُدَّ أنه أعظم، ولعلَّ معاهدة الصلح الأخيرة قد أكَّدت كل ما سبق، ولعلَّ ما سوف يعانيه الشعب المصري من غزو فكري واقتصادي على قيمه ومقوماته من قِبَلِ اليهود سوف يكون تأكيدًا آخر.

هذا عن الخطِّ اليهودي الذي يعمل متعمقًا، والذي صار له -كما أشار بيجين- من الأصدقاء في مصر، أكثر من أصدقائه في إسرائيل، ويكفي أنْ تعرف أن وزير خارجية مصر الحالي متزوج من يهودية، وأنَّ أحد الكبار قد رزق ابنه من سلالة يهودية, وأن حاخام مصر الذي سوف يترأس يهودها "140 فردًا حتى الآن" سوف يقدم إليها من إسرائيل, وسوف تدفع الدولة له راتبه ونفقاته.

أما عن الخط النصراني: فإنَّ بينه وبين الخط اليهودي وفاقًا "مصداقًا لقوله تعالى: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض}

إن لم يكن اتفاقًا, سوف يظهر من تسلسل الأحداث على النحو التالي:

1- منذ تولي رئاسة القبط في مصر المدعو "شنودة" بدأ تخطيط النصارى يتجه إلى التنفيذ، بلوغًا إلى جعل مصر "دولة قبطية", بالاستناد إلى مزاعم أنها كانت للأقباط قبل "الاستعمار الإسلامي", وتأكَّد ذلك بما ألقى المذكور من خطب فيما سماه: بالشعب الفلسطيني أو الأمة القبطية, تمييزًا لها عن بقية الشعب، وبما زعمه من أن تعداد النصارى في مصر صار

"ثمانية ملايين", وليس ثلاثة كما دلَّ على ذلك التعداد الرسمي، ثم ما دعا إليه من محاولة زيادة هذا العدد أضعافًا كثيرة عن طريق تشجيع التزاوج والتناسل في الوقت الذي يجري بين المسلمين تحديد النسل.

2- صدور جريدة للنَّصارى في مصر تحت اسم "وطني", وهي بذلك تشير إلى أنَّ مصر وطنهم, فوق ما يتأكَّد من كتيبات ضمنية أو صريحة في الجريدة المذكورة أو في النشرت الخاصة.

3- إقامة كاتدرائية كبيرة في القاهرة, يمكن رؤيتها من كل الجهات على بعد شديد، على موقع استراتيجي في قلب القاهرة، بحيث تصير مركز الإشعاع والتخطيط للنصرانية في مصر.

4- الإكثار من إقامة الكنائس، حتى لقد صدر في الفترة الأخيرة قرار بإنشاء خمسين كنيسة في قرار واحد، ويجري تصميم الكنائس وإنشاؤها على نحوٍ يجعل منها معاقل وحصنًا يصعب إن لم يستحل اقتحامها.

5- جمع السلاح وتكديسه في الكنائس والأديرة والأماكن الأخرى، ويجري جمع السلاح ليس فقط من الداخل عن طريق الشراء، وليس فقط عن طريق السرقة من مخازن القوات المسحلة المصرية, وتأتي في شكل طرود لا تعرف السلطات محتوياتها, أو تعرف وتغمض العين عن ذلك.. ويجري الآن إعداد أماكن بعيدة عن الموانئ الرسمية وعن أعين المسلمين صالحة لرسوّ السفن الحاملة للذخيرة والسلاح، وفي الوقت نفسه تشتد حملات للسلطة المحلية من شرطة ومباحث ومخابرات لضبط السلاح لدى المسلمين وحرمانهم منه.

6- شراء العقارات والأراضي بشكل فيه توسّع كبير، يعتمد على الموارد الضخمة للنصارى في مصر1, ويضاهي ما فعله اليهود في فلسطين، وقد بلغ الأمر حدَّ شراء أماكن العبادة الإسلامية بالتواطؤ أو التغفيل للجهات الرسمية.

1 اعترف الأنبا شنودة أن المعونات تصلهم من أمريكا والحبشة وجهات أخرى في حديثه بالأسكندرية.

وقد استطاع النصارى أخيرًا أن يأخذوا في منطقة وادي النطرون حوالي ألف فدان من وزارة التعمير قاموا بتسويرها، ويجري داخل هذه المساحة الضخمة تدريب شباب النصارى على السلاح أفواجًا أفواجًا ... استعدادًا لمعركة مع المسلمين.

ويبدو في تخطيط اليهود أن تصير لهم حماية نصرانية من الشمال والجنوب, من الشمال في لبنان ومن الجنوب في مصر, وأن التوسُّع القادم سوف يمتد شرقًا إلى أراضي الأردن والعراق وسوريا، ثم جنوبًا في أرض الحجاز, بلوغًا إلى ما يدَّعيه اليهود من حقٍّ في أراضي "بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع", وتمام إخراجهم في عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه.

مستقبل الإسلام في مصر

الحديث عن المستقبل رجم بالغيب، لكن من خلال أمر الله لنا أن "أعدوا", فإن التخطيط جزء الإعداد, بل هو رأس الإعداد كله، ومع التخطيط لا بُدَّ من التوقع من خلال ما يجري من أحداث, وما حولنا من الشواهد وتوقعنا من خلال الأحداث وما حولنا من شواهد هو أنَّ الصليبية متحالفة, فيقوم في مصر حكم صليبي نصراني متحالف مع الحكم اليهودي القائم في شمالها, وله في ذلك أحد السبيلين.

1- إما أن يستأصل شأفة المسلمين, ويأخذ أرضهم وديارهم كما فعل النصارى في الأندلس قديمًا, وفي الفلبين حديثًا, وكما فعل اليهود في فلسطين حديثًا.

2- وإمَّا أن يكتفي بإذلال المسلمين وإبعادهم عن السلطة, وجعل السلطة في يد النصارى كما حدث في تنجانيقا التي اتحدت مع زنجبار تحت إسم تنزانيا؛ ليحكم النصارى 85% من السكان المسلمين، وكما حدث لأثيوبيا؛ إذ مكَّن للنصارى رغم أن الأغلبية الإسلامية تجاوز 75% من التعداد الحقيقي للسكان.

لكن ماذا نتوقع من الجانب الآخر:

من الأغلبية الإسلامية التي تصل إلى أكثر من 95% من تعداد السكان -إن بقيت هذه الأغلبية بعيدة عن الوعي، بعيدة عن الجهاد، بعيدة عن الالتفاف حول قيادتها الإسلامية- فإنَّه يمكن أن يكون مصيرها مثل مصير الأغلبية المسلمة التي عاشت في الأندلس، أو الأغلبية الإسلامية التي تعيش في تنزانيا "على أحسن تقدير".

وإن أنعم الله عليها بالوعي، وعافاها من الغفلة، وعرفت الطريق إلى الجهاد تحت راية الإسلام, وتحت قيادة جماعية إسلامية, فإنها سوف تُلَقِّن "الشياه" أنَّ تراب الإسلام لا يباع للنصارى واليهود, وأن مصر التي قبرت غزاة الأمس سوف تعبر بإذن الله غزاة اليوم، وأن الله غالب على أمره ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون، ومُتِمُّ نوره ولوكره الكافرون، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون.

ملحق رقم 5: الحركة النصرانية في مصر

في الاجتماع الذي تَمَّ في الكنسية المرقسية بالأسكندرية برئاسة الأنبا شنودة الثالث بتاريخ 25/ 3/ 1972م1.

بعد أداء الصلاة والترتيلات طلب الأنبا شنودة من عامَّة الحاضرين الانصراف فانصرفوا, ومكث رجال الدِّين وبعض أثرياء وأعيان المسيحيين بالإسكندرية "وفي مستهلَِّ الاجتماع بدأ شنودة كلمته بأن بشَّرهم بأنَّ كل شيء يسير على ما يرام، وحسب الخطة الموضوعة والتخطيط المرسوم لكل جانب من جوانب العمل على حدة في إظهار الهدف الموحَّد, نتحدث عن موضوعات تشمل عدة نشاطات كالآتي:

أولًا: عدد شعب الكنيسة

- صرَّح بأن مصادرهم في إدارة التعبئة والإحصاء أبلغتهم بأنَّ عدد المسيحيين في مصر يقارب ثمانية ملايين نسمة، وواجب أن يعلم ذلك شعب الكنيسة, كما يجب عليهم أن ينشروا ذلك ويؤكِّدوه بين أفراد وفئات المسلمين؛ لأنه سيكون عندنا في المطالب التي سنطالبها من الحكومة, وسنذكرها لكم اليوم, والتخطيط العام الذي تَمَّ الاتفاق عليه بالإجماع, والذي صدرت بشأنه التعليمات الخاصَّة بتفنيذه, هذا التخطيط وضع أساس بلوغ شعب الكنيسة إلى نصف الشعب المصري؛ حيث يتساوى عدد شعب الكنيسة مع عدد المسلمين لأوّل مرة منذ ثلاثة قرون من الزمان "أي: منذ الاستعمار العربي أو الغزو الإسلامي لبلادنا" على حدِّ قوله، والمدَّة المحددة في التخطيط للوصول إلى هذه النسبة هي من 12-15 سنة منذ الآن, ولذلك فإنَّ الكنيسة تحرِّم تحريمًا باتًّا

1 اعتمدنا في هذه الوثيقة على ما تفعله المخابرات المصرية من تسجيلات الاجتماع.

وقاطعًا تحديد النسل أو تنظيمه, ويعتبر كل من يفعل ذلك خارجًا على تعليمات الكنيسة, ومضيِّعًا لمجده, وذلك باستثناء الحالات التي يقرر فيها أطباء الكنيسة خطر الحمل أو الولادة على حياة المرأة, وقد اتخذت الكنيسة عدة قرارات لتحقيق هذه الخطة بالنسبة لزيادة عدد المسيحيين:

1- تحريم تحديد النسل وتنظيمه بين شعب الكنيسة.

2- تشجيع تحديد النسل وتنظيمه بين المسلمين, خاصَّة وأن أكثر من 65% من الأطباء وبعض الخدمات الصحية في شعب الكنيسة.

3- تشجيع الإكثار من النسل بين شعب الكنيسة, ووضع حوافز ومساعدات معنوية ومادية للأسر الفقيرة من شعبنا.

4- التنبيه على العاملين بالخدمات الصحية على المستوى الحكومي وغير الحكومي بمضاعفة الخدمات الصحية بين شعبنا المسيحي, وبذل العناية والجهد الوافرين, وذلك من شأنه تقليل نسبة الوفيات بين شعبنا, على أن تكون تصرفاتهم غير ذلك مع المسلمين.

5- تشجيع الزواج في السنِّ المبكر بتخفيض تكاليفه, وذلك بتخفيض رسم فتح الكنائس ورسوم الإكليل بالكنائس الكائنة بالأحياء الشعبية والفقيرة.

6- تحرّم الكنيسة تحريمًا باتًّا على أصحاب العمارات والمساكن المسيحية تأجير أيَّ مسكن أو شقة أو محل تجاري للمسلمين، ويعتبر من يفعل ذلك من الآن مطرودًا من رحمة الرب ورعاية الكنيسة, كما يجب العمل بشتَّى الطرق والوسائل على إخراج السكان المسلمين من العمارات والبيوت المملوكة لشعب الكنيسة، وهذه السياسة الإسكانية إذا استطعنا تنفيذها بقدر الإمكان, فإن من شأنها تشجيع وتسهيل الزواج بين الشباب المسيحيين وتصعيبه وتضييقه بين شباب المسلمين, مما يكون له أثره الفعَّال في الوصول إلى الهدف؛ حيث لا يخفى أن الغرض من هذه القرارات هو انخفاض معدل الزيادة بين المسلمين, وارتفاع هذا المعدل بين شعب الكنيسة.

ثانيًا: اقتصاد شعب الكنيسة

- قال: إن المال يأتينا كما نطلب وأكثر مما نطلب من ثلاثة مصادر: أمريكا والحبشة والفاتيكان, ولكن يجب أيضًا أن يكون الاعتماد في تخطيطنا الاقتصادي على مالِنَا الخاصِّ الذي نجمعه من الداخل, وعلى التعاون والزيادة من حقل الخير بين أفراد شعبنا شعب الكنيسة، كذلك يجب الاهتمام أكثر بشراء الأرض، وتنفيذ نظام القروض والمساعدات لمن يقومون بذلك لمساعدتهم على البناء، وقد ثبت بالإحصاءات الرسمية أن أكثر من 60% من تجارة مصر الداخلية بأيدي المسيحيين، ويجب العمل على زيادة هذه النسبة, وتخطيطها الاقتصادي للمستقبل يركّز على إفقار المسلمين, ونزع الثروة من أيديهم ما أمكن بالقدر الذي يعمل به هذا التخطيط على ثراء شعبنا، لذلك يلزم المداومة على تذكير شعب الكنيسة والتنبيه عليهم مشددًا من حينٍ لآخر لمقاطعة المسلمين الاقتصادية, والنهي عن التعامل المادي معهم نهائيًّا إلّا في الحالات المستحيلة, وذلك يعني: مقاطعة المحامين المسلمين والمحاسبين والمدرسين والأطباء والصيادلة والمستشفيات الخاصَّة التي يملكونها, والمحلات التجارية الكبيرة, وكذلك الجمعيات الاستهلاكية ما أمكن ذلك, ما دام يمكن التعامل مع إخوانهم من شعب الكنيسة لسدِّ حاجتهم, كما يجب التنبيه والتذكير الدائم على مقاطعة صنَّاع المسلمين وحرفيهم تمامًا, والتعامل مع الصنَّاع والحرفيين المسيحيين, ولو كلَّف ذلك الفرد المسيحي الانتقال والجهد والمشقة, ثم قال: إن هذا الأمر مهم جدًّا وخطير بالنسبة للتخطيط المالي والتخطيط العام على المدى القريب والبعيد.

ثالثا:الجانب التعليمي

29- قال: إنه يجب بالنسبة للتعليم العام للشعب المسيحي الاستمرار في السياسة التعليمية المتَّبَعة حاليًا في الكنائس, مع مضاعفة الجهد في ذلك, خاصَّة وأن بعض المساجد بدأت تقوم بمهام تعليمية كالتي تقوم بها الكنيسة, وذلك سيجعل مضاعفة الجهد المبذول حاليًا أمرًا حتميًّا حتى تستمر النسبة التي نحصل عليها في مقاعد الجامعات, وخاصة في الكليات العلمية.

ثم قال: "إني أهنئ شعب الكنيسة, وخاصَّة المدرسين منهم بهذه النتائج؛ حيث وصلت نسبة بعض الوظائف الهامَّة والخطيرة مثل: الطب والصيدلة والهندسة وغيرها, إلى أكثر من 60% في أيدي شعب الكنيسة المسيحي, فإني أدعو لهم المسيح الرب يسوع المخلّص أن يمنحهم بركاته وتوفيقه حتى يواصلوا الجهد لزيادة هذه النسبة في المستقبل القريب.

رابعًا- التبشير

40- قال: إنه يجب مضاعفة الجهود التبشيرية على أنَّ الخطة التبشيرية التي وضعت قد بنيت على أساس التركيز في التبشير بين الفئات والجماعات, أكثر من التبشير بين الأفراد, وذلك على أساس أن الهدف الذي اتفق عليه من التبشير في المرحلة القادمة هو زحزحة أكبر عدد من المسلمين عن دينهم والتمسك به, على ألَّا يكون من الضروري دخولهم في المسيحية، ويكون المقصود من التركيز على بعض الحالات والأفراد لدخولهم في المسيحية هو زعزعة الدين في نفوس المسلمين, وتشكيك الجموع الفقيرة منهم في كتابهم وفي صدق محمد؛ لذلك يجب عمل جميع الوسائل وشتَّى السبل واستغلال كل إمكانيات الكنيسة للتشكيك في القرآن وإثبات بطلانه, وفي صدق محمد, وإذا نجحنا في تنفيذ المطلوب من هذا المخطَّط التبشيري في المرحلة المقبلة فإننا نكون قد نجحنا في إزاحة هذه

الفئات عن طريقنا, وفي هذه الحالة فهي وإن لم تكن معنا, فلن تكون علينا، على أن يراعى في تنفيذ المخطَّط التبشيري بالذات أن يتم بطريقة هائة لبقة وذكية، حتى لا يكون ذلك سببًا في إثارة حفيظة المسلمين ويقظتهم, والخطأ الذي حدث في المحاولات التبشيرية السابقة بنجاح المبشرين في هداية بعض المسلمين لإيمانهم بالخلاص على يد الرب يسوع المخلص, الخطأ الذي حدث هو تسرُّب أنبائها الناجحة إلى المسلمين؛ لأن ذلك من شأنه تنبيه المسلمين وصحوتهم, وهو أمر قد ثبت من تاريخهم الطويل معنا أنَّه ليس بالأمر الهيِّن, وهذه اليقظة من شأنها أن تفسد علينا مخططاتنا المدروسة, وتؤخر نتائجها وثمارها, وتضيع جهودنا هباء، ولذلك قد أصدرت التعليمات بهذا الخصوص, وتنشر على جميع الكنائس لكي يتعرَّف

الجميع من شعبنا على المسلمين بطريقة ودية لامتصاص غضبهم, وإقناعهم بكذب هذه الأنباء, كما تَمَّ التنبيه على رعاة الكنيسة والأباء والقساوسة بمشاركة المسلمين احتفالاتهم الدينية وتهنئتهم بأعيادهم, وإظهار المودَّة والمحبَّة لهم, وعلى شعب الكنيسة في المصالح والوزرات والمؤسَّسات وكل أماكن الاحتفال إظهار هذه الروح بين المسلمين، ثم قال بالحرف الواحد: "إننا يجب أن ننتهز ما هم فيه من نكسة ومحنة؛ لأن ذلك في صالحنا, ولن نستطيع إحراز أية مكاسب, وأي تقدُّم نحو هدفنا إذا انتهت المشكلة مع إسرائيل؛ سواء بالسلم أو

بالحروب"، ثم هاجم من أسماءهم بضعاف النفوس والقلوب الذين يقدمون مصالحهم الخاصة على مجد شعب الكنيسة, وتحقيق الهدف الذي يعمل له الشعب المسيحي منذ زمن بعيد في التاريخ، وقال: إنه لا يلتفت لعملهم، وأصرَّ أن يتقدم إلى الحكومة رسميًّا بالمطالب الواردة بعد؛ حيث إنه إذا لم يكسب شعب الكنيسة في مصر في هذه المرحلة أيَّة مكاسب على المستوى الرسمي, فربما لا يستطيعون أحراز أيّ تقدُّم بعد ذلك، ثم قال بالحرف الواحد:

"وليعلم الجميع وخاصَّة ضعاف القلوب أنَّ القوى الكبرى في العالم تقف ورائنا, ولسنا نعمل وحدنا, ولا بُدَّ أن نحقق الهدف، ولكنَّ العامل الأول والخطير في الوصول إلى ما يزيد هو وحدة شعب الكنيسة وتماسكه وترابطه, ولكن إذا تبدَّدت هذه الوحدة وذلك التماسك, فلن تكون هناك قوة ما على الأرض مهما عَظُمَ شأنها في إمكانها ومقدورها أن تساعدنا", ثم قال: "وسوف لا أنسى موقف هؤلاء الذين يريدون أن يفتنوا وحدة شعب الكنيسة, وعليهم أن يبادرون فورًا بالتوبة وطلب الغفران والصفح, وألّا يعودوا لمخالفة ومناقشة تشريعنا وأوامرنا، والرب يغفر لهم"

"يشير إلى الخلاف الذي وقع بين بعض المسئولين منهم؛ حيث كان رأي البعض التريّث وتأجيل المطالب المزعومة إلى الحكومة".

خامسًا: المطالب

41- ثم عدَّدَ الباب شنودة المطالب التي صرَّح بأنه سيقوم بتقديمها رسميًّا قريبًا إلى الحكومة, وهي:

1- أن يصبح مركز البابا الرسمي في البروتوكول السياسي للدولة بعد رئيس الجمورية, وقبل رئيس الوزراء.

2- أن يخصص لهم ثماني وزارات في الوزراة.

3- أن تحدد لهم ربع القيادات العليا في الجيش والبوليس.

4- أن يخصَّص لهم ربع المراكز القيادية المدنية؛ كرؤساء مجالس المؤسسات والشركات والمحافظين ووكلاء الوزارات والمديرين العمومين ورؤساء مجالس المدن.

5- أن يؤخذ رأي البابا عند شغل هذه النسبة في الوزارات والمراكز العسكرية والمدنية الرئيسية, ويكون له حق ترشيح بعض العناصر والتعديل.

6- أن يسمح لهم بإنشاء جامعة خاصَّة بهم، وقد وضعت الكنيسة بالفعل تخطيط هذه الجامعة, وهي تضم المعاهد اللاهوتية والكليات العملية والنظرية، وتموّل من مالهم الخاص.

7- أن يسمح لهم بإقامة إذاعة خاصَّة من تمويلهم الخاص.

وأخيرًا اختتم حديثه بتبشير الحاضرين, وطلب منهم نقل هذه البشرى إلى شعب الكنيسة؛ حيث إن أملهم الأكبر في عودة البلاد والأرض إلى أصحابها من أيدي الغزاة العرب -على حدِّ تعبيره- قد بات وشيكًا, وليس في ذلك آية غرابة في زعمه، وضرب لهم مثلًا بأسبانيا النصرانية في أيدي المسلمين والمستعمرين قرابة سبعة قرون, ثم قال بالنص: "في التاريخ المعاصر أكثر من بلد عادت إلى ذمتها منذ قرون طويلة جدًّا".

ولعله يقصد من هذه الدول إسرائيل، وفي ختام الكلمة والاجتماع أنهى حديثه ببعض الأدعية الدينية للمسيح الرب الذي يحميكم ويبارك خطواتكم

-على حد تعبيره.

لبنان

تقدمة

تقع جمهورية لبنان شرقي البحر الأبيض المتوسط.

يحدها شرقًا وشمالًا سوريا, ويحدها جنوبًا فلسطين المحتلة، وغربًا البحر الأبيض، وكانت قبل لعبة الاستعمار الحديث في تقسيم بلاد الإسلام, وتفتيت وحدتها جزءًا من بلاد الشام, فخضع لبنان عبر التاريخ لكل ما أصاب الشام من أحداث وظروف, ودخل أهله الإسلام مع الفتح الإسلامي في زمن عمر بن الخطاب, وتمتَّع سكانه على اختلاف أديانهم وطوائفهم بكل ما تمتَّع به سكان الدولة الإسلامية من عدالة وأمن ورخاء.

وقد حَلَّ به عبر التاريخ كثير من الأمم القديمة مثل: الأكاديين والكنعانيين والأموريين والفينيقيين ثم الفرس والهكسوس, والروم الذين كانوا يتَّخذون من عرب الغساسنة أعوانًا لهم, وبالفتح الإسلامي للشام صار لبنان وبقية بلاد الشام جزءًا من دولة الإسلام, ولطبيعة لبنان الجغرافية بحكم إطلاله على ساحل البحر

الأبيض تهيأ لسكانه كثرة الاتصال بالمؤثرات الخارجية، ولكن لم تنقطع صلة أهله بالإسلام, حتى كانت الحملات الصليبية على بلاد الشام, فاستعان الصليبيون بموارنة لبنان والشيعة الباطنية ليكونوا لهم عونًا وأعوانًا ضد المسلمين, وحين هزم الصليبيون وطهَّر صلاح الدين الأيوبي الأرض من أعداء الإسلام, عادت لبنان جزءًا من بلاد الشام.

وباستيلاء العثمانيين على مصر والشام 1517 صارت لبنان مع بقية الشام ولاية عثمانية حتى قيام الحرب العالمية الأولى "1914-1918", وحين ضعفت سلطة الخلافة العثمانية على ولايتها انتهزت دول الصليب فرضتها لخلق الطائفية الدينية في لبنان, حتى ضمِّن بروتوكول 1860 إعطاء الحرية

المطلقة لكل طائفة دينية في تنظيم شئونها التعليمية والإدارية, فأصبح رئيس كل طائفة يدير أمورها على النحو الذي يرتضيه, ويخدم مصالح الدولة الأجنبية التي تحميه.

فتقلّص النفوذ العثماني بالتدرج على لبنان, حتى أصبح أثرًا بعد عين بهزيمة الأتراك في الحرب الأولى 1918, ثم وافق مؤتمر سان ريمو 1920 على انتداب فرنسا على سوريا ولبنان, وحتى عام 1941 وبالرغم من قيام حكومة لبنانية مستقلّة إلّا أن سيطرة الصليبية المتعاونة مع الصهيونية العالمية, وحركة الإلحاد العالمي, لم ينقطع تأثيرها على لبنان منذ ذلك التاريخ.

مأساة حديثة وتدبير قديم:

إن لبنان أكثر بلاد الإسلام والعروبة تعرضًا للأخطار التي يتهددها من الثالوث غير المقدَّس "الصليبية والصهيونية والإلحاد", فعلى أرضها تمارس الآن لعبة الصراع الدولي متَّخِذَة من ظروف لبنان والطائفية فيه وسيلةً لتحقيق الأطماع التي تتلخّص في شيء جوهري واحد, هو سلخه من دائرة العروبة والإسلام.

وقد برزت خيوط هذه المأساة باندلاع الحرب الأهلية في لبنان في 13 أبريل 1975, تلك الحرب التي يحاول العقلاء حصر نيرانها حتى لا يأتي لهيبها على كل شيء، ويمتد شرها وويلاتها على كل بقعة في أقطار العرب والإسلام، وما تزال تنجلي كل يوم عن مزيد من الضحايا الذين يتساقطون في غير ميدان جهاد, وفي غير حرب للدنيا أو الآخرة.

ولا يمكن للدارس الإلمام بأطراف المشكلة اللبنانية, ودوافع الحرب الأهلية فيها, إلّا بمعرفة مدى الأطماع الصليبية في لبنان قديمًا وحديثًا, وبالإحاطة التامَّة بطبيعة الطائفية الدينية في لبنان, والإلمام بنظام الحكم الذي وضعته القوى العالمية المتصارعة الآن على لبنان, وسنتحدث بإيجاز عن هذه الجوانب؛ لأنَّ كل جانب منها يحتاج إلى مجلدات.

أطماع صليبية قديمة وحديثة في لبنان

تتركّز هذه الأطماع في شيء واحد, هو سلخ لبنان من عروبته وإسلامه, وإدخاله في حظيرة "المسيحية" التي تتعاون الآن مرحليًّا مع الصهيونية, فقد انتفعت الحركة الصليبية "قديمًا" بمعرفة موارنة لبنان في القرن الثالث عشر, وجعلت منهم أعوانًا ساعدوا على التمكن للإمارات الصليبية في بلاد الشام, وكانت فرنسا هي التي تذكي هذا الصراع, ولذلك أعلن ملوكها منذ القديم بسط الحماية المسيحية على موارنة لبنان, ودعوتهم إلى المطالبة بالانفصال عن كلِّ ما هو عربي, وكل ما هو إسلامي, والتعلق دائمًا بطلب إقامة دولة مسيحية مستقلة لا صلة لها بقضايا العروبة والإسلام، وقد خُيِّلَ لبعض القيادات يومًا أنهم قادرون على ذلك.

ولو أدركت القيادات العربية والإسلامية، أو أنهم اعترفوا بهذه الحقيقة وأقاموا سياستهم على ضوئها؛ لكان لهم من أحداث لبنان موقف آخر, ولوقفوا من الدول الصليبية التي تخلق هذه الأحداث موقفًا إسلاميًّا موحدًا، ولنقرأ تلك الرسالة التي أرسل بها لويس التاسع ملك فرنسا في 21 مايو سنة 1250 من عكَّا إلى موارنة لبنان, جاء فيها:

"إننا موقنون أن هذه الأمة التي قامت تحت اسم القديس مارون, هي قسم من الأمة الفرنسية؛ لأن محبَّتها للفرنسيين تشبه محبة الفرنسيين بعضهم لبعض, وعليه من قبيل العدل أن تتمتَّعوا أنتم وجميع الموارنة بنفس الحماية التي يتمتع بها الفرنسيون من جانبنا، وأن تقبلوا في الوظائف كما هم يقبلون, أمَّا نحن وجميع الذين يخلفوننا على عرش فرنسا، فنعد بأننا نوليكم أنتم وجميع شعبكم حمايتنا الخاصة كما نوليها للفرنسيين بعينهم"1.

1 سياسة الحكم في لبنان: للدكتور حمدي الطاهري , نقلا عن تاريخ الطائفة المارونية للنويهي.

وظلت هذه العلاقة تتجدد جيلًا بعد جيل.

ففي القرن السابع عشر أرسل ملك فرنسا لويس الرابع عشر في 28 إبريل 1649 بالرسالة الآتية إلى الطائفة المارونية, وفيها:

"نحن لويس بعناية الله ملك فرنسا إلى كل من تصله, هذا ليكن معلومًا أننا بنصيحة الملكة الوصية أمنا الشريفة, نضع حمايتنا ورعايتنا الخاصة من ساعة توقيع هذا بطريك ورعاية وإكليروس المارونية المسيحية, الذين يعيشون ويعملون في جبل لبنان, وإننا لنرغب إليهم أن يعرفوا ذلك في كل الأوقات" وأكد فيها أمره لمن دونه من الفرنسيين أن يظهروا لهم كل عناية وحماية أمام كل جهة, ومساعدتهم بما يمنع عنهم الضرر, وأن تكون لهم الحرية لممارسة شعائر دينهم وأعمالهم، ومساعدتهم على السفر للدراسة, ومعاملتهم بمنتهى الرقة والاحترام"1.

وكما استعانت فرنسا بالموارنة استعانت إنجلترا بالدروز, واستعانت روسيا القيصرية بالروم الأرثوذكس, وعملت هذه الدول المسيحية على إذكاء نار الفتنة الطائفية حتى انجلت عن مذبحة دير القمر 1860, التي انتهت بمذابح دامية شملت كل لبنان.

وانتهت بعقد مؤتمر حضرته كل من انجلترا وفرنسا وروسيا والنمسا وتركيا في أغسطس 1860, أسفر عن قرار بشرعية التدخل الأجنبي في شئون لبنان, وأعقبه وضع مشروع عُرِفَ باسم بروتوكول لبنان, الذي كان من نتيجة سلخ بعض الأجزاء عن لبنان, ومعظمها مناطق إسلامية مثل: صيدا وطرابلس وبيروت, وقصد بذلك أن يكون وجه لبنان مسيحيًّا2.

وفي عهد الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان أعطت معاهدة لوزان بسويسرا سنة 1926 فرنسا حق التصرف المطلق في كل منهما, فعملت على توسيع رقعة لبنان على حساب سوريا, فضمَّت إلى لبنان معظم المدن

1 المرجع السابق نقلًا عن مجموعة الوثائق التي أصدرها معهد دراسات الشرق الأوسط بجامعة كولومبيا عام 1956.

2 المرجع السابق .

الكبرى حاليًا, وهي بيروت وصيدا وطرابلس وسهل البقاع وبعلبك وراشيا ومرجعيون.

وعملت فرنسا على تدعيم الطائفية بتوزيع الرئاسة الكبرى بين الطوائف, فجعلت رئاسة الجمهورية من نصيب الموارنة، ورئاسة مجلس الوزراء للشيعة, ورئاسة الخارجية من نصيب المسلمين أهل السنة.

ونجحت فيما قصدت إليه من سلخ كثير من البلاد التي كانت تحكمها من وجهها العربي والإسلامي, كما نجحت في اتخاذ ركائز وأعوان غرست في نفوسهم أنَّ بقائهم وعزَّهم في تحويل لبنان إلى بلد مسيحي, وغرسوا بكل الوسائل روح الاحتقار والتهوين لكل ما هو عربي أو إسلامي, وأصبحت دعوة الوحدة العربية عندهم مرادفة للإسلام.

وأدَّى كثير من رؤساء الجمهوريات ما عهد إليهم من تنفيذ هذه السياسة المسيحية, وأدوا رسالتهم في تبنِّي كل سياسة محالفة للغرب, حتى إنَّ رئيس جمهورية لبنان أعلن قبول مشروع أيزنهاور, فخرج على إجماع الدول العربية.

وكان هذا القبول وأسباب أخرى سببًا في ثورة لبنان الأهلية 1958, تلك الثورة التي انتهت باستعانة كميل شمعون بحماية أمريكا, ودخل الأسطول الأمريكي شواطئ لبنان متحديًا إرادة شعب لبنان من جهة, منتصرًا لرئيس الجمهورية وسلطة المارونية من جهة أخرى, وحاميًا لنظام الحكم الذي يرعى مصالح المسيحية ويهدر مصالح المسلمين.

وقد برَّرت أمريكا يومئذ تدخلها السافر بدعوة لبنان له للتدخل, ولم تكن لبنان يومئذ إلّا شخص رئيس الجمهورية الذي يعمل لحماية مصالح الصليبية العالمية.

الطائفية في لبنان

الطائفية في لبنان هي المسئولة عن كلِّ ما يتعرض له لبنان داخليًّا وخارجيًّا, وهي السبب في الحرب الأهلية الدائرة منذ ست سنوات, ومن المؤكَّد أن المحرِّك لوقودها والمستفيد منها هم أعداء العروبة والإسلام؛ لأنه باستقراء التاريخ نجد أن التركيب الطائفي للسكَّان لم يؤثر أثره إلّا عقب الاستعمار الغربي الذي فرض على لبنان منذ منتصف القرن التاسع عشر.

ونلقي نظرة على الطوائف الدينية في لبنان؛ لندرك مدى تأثيرها في صنع الأحداث, تنقسم الطوائف إلى قسمين رئيسيين: الطوائف المسيحية والطوائف الإسلامية, ثم يتفرَّع عن كلٍّ منها عدة مذاهب مختلفة.

وينطبق على كلٍّ منها ما قاله الله في شأن اليهود {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ} .

أما الطوائف المسيحية فتشمل الموارنة والروم الأرثوذكس، والروم الكاثوليك والأرمن, ثم أقليات أخرى من البروتستانت والإنجيليين.

وأكثر هذه الطوائف تأثيرًا وأكثرها عددًا هي طائفة الموارنة, فهم الذين يحتكرون أهمّ مناصب الدولة الرئيسية, فلهم منصب رئاسة الجمهورية ومدير المن العام, ولهم أكبر عدد من الوزراء, من وزارات السيادة، ولهم أكبر مقاعد مجلس النواب.

والحق أن ذلك التفوق والامتياز عن غيرهم من الطوائف يرجع إلى مغالطة مكشوفة هي الادِّعاء بأنهم أكثر الطوائف عددًا, والواقع يكذِّب هذا الادعاء؛ لأن المسلمين بيقين يفوقونهم عددًا, ولذا فلم تسمح الحكومات المتعاقبة بعمل إحصاء دقيق؛ لأن نتائج هذه الإحصائية ستسقط الادِّعاء بأكثرية الموارنة، ومن ثَمَّ يسقط حقهم في أغلب المناصب التي يتميزون بها.

لقد بلغت دعوى التميز إلى حدِّ القول من رئيس حزب الكتائب, وكان وزيرًا سنة 1960 بأن الموارنة لهم حقوق أكثر, وبخاصَّة من الناحية الاقتصادية؛ لسبب بسيط: هو ما ادَّعاه من أنَّ الإحصاءات تثبت أن 83% من الواردات إلى لبنان يشتريها المسيحيون, ومعنى ذلك في نظره أنَّ لبنان يعيش على المسيحيين, ولولاهم لأغلقت الأسواق أبوابها.

هكذا يكذبون على الواقع الذي لم يشهد أيّ لون من ألوان الإحصاء.

أما الروم الأرثوذكس فإنهم كانوا في حماية روسيا القيصرية إلى قيام

الشيوعية التي أعلنت عداءها للأديان, فلم يجدوا من الحماية الأجنبية ما يلقي غيرهم, مما دفع بهم إلى الانضمام

لحركة القومية العربية التي كانت تتبناها الطائفة في سوريا1.

أما الروم الكاثوليك فإنهم يتميزون عن بقية الطوائف بالثراء الفاحش من جهة, وباحتلالهم المراكز الحسَّاسة مثل: منصب وزير الخارجية, فمنذ عام 1960 ومنصب وزير الخارجية لا يشغله إلّا كاثوليكي.

وطائفة الأرمن من بين الطوائف المسيحية هي التي تكون أغلبية أعضاء الحزب الشيوعي في لبنان, ويمتازون بشدة اختلاطهم بأغلب الأوساط اللبنانية دعاةً لنشر مذهب الشيوعية, ولا يبالون بما تعلنه الشيوعية من عداوة الأديان, وكثير من الأنشطة الثقافية التي تمارس بإدارة الأرمن كلها أنشطة شيوعية2.

وبالرغم من محاربة الحكومة اللبنانية للشيوعية, واعتبار القانون اللبناني عدم شرعية الحزب الشيوعي, إلّا أنها تصرّح له بإصدار صحيفة ناطقة باسمه, هي صحيفة النداء, التي تدعو صراحة إلى الشيوعية وتندد بخصومها.

وإذا كان لمثل هذا الوضع أكثر من دلالة إلّا أنه في رأينا يمثّل التعاون بين الطوائف المسيحية على ضرب كل محاولة لجعل لبنان ذا طابع عربي أو إسلامي.

أما الطوائف الإسلامية: فينقسمون إلى السُّنَّة والشيعة والدروز, وهم يزيدون عن نصف عدد السكان.

ويتركَّز المسلمون السُّنَّة في بيروت وطرابلس, وقد خضع مسلمو بيروت

1 سياسة الحكم في لبنان للدكتورحمدي الظاهري .

2 المرجع السابق.

للأمر الواقع في الرضا بسياسة الانتداب, وظل مسلمو طرابلس يطالبون بالوحدة مع سوريا، ولهذا تعاون الفرنسيون مع الأسر الأستقراطية من مسلمي بيروت, فأسندوا إليهم بعض المناصب التافهة، وحقَّق قبول بعض الأسر الإسلامية للتعاون مع حكومة الانتداب ما قصدوا إليه من إظهار رضا المسلمين بالوضع السياسي, وإظهار أنهم يشاركون في بناء الدولة اللبنانية، ولكن مسلمي طرابلس ظلوا بحكم مصالحهم الاقتصادية ووضعهم الجغرافي الذي يربطهم بسوريا دعاة للوحدة العربية عامَّة ومع سوريا خاصة.

وأدَّى ذلك بهم إلى إعلانهم

نار التعصُّب والكراهية ضد الموارنة.

أما الشيعة فهم أقل عددًا من أهل السنة, وقد عمل هذا الانتداب على إذكاء نار الفرقة بين الشيعة والسنة حتى أصبح العداء بينهما أشد مع العداوة بين المسلمين وبقية الطوائف الأخرى، ولا يخفى الدور الذي تلعبه الشيعة منذ القديم, ويمكن القول بأن مَيْل الشيعة وتأييدهم للمسيحيين أكثر من ميلهم وتأييدهم للمسلمين, ويكفي القول بأنَّ أعدادًا كبيرة من الشيعة ينتظم في حزب الكتائب الماروني"1.

أما الدروز فهم فرع من الشيعة أصبحت مستقلة بمبادئها, وتتركز قوتهم في محافظة جبل لبنان, ويمثلهم سياسيًّا أسرتان كبيرتان هما:

أسرة آل أرسلان وآل جنبلاط.

ولكن الطائفية في لبنان لا يظهر تأثيرها السياسي في لبنان إلّا إذا عرفنا تعدّد الأحزاب السياسية التي توزع هذه الطوائف, وفي لبنان ستة عشر حزبًا سياسيًّا لكلٍّ منها أنصاره ومبادئه, ومن ثَمَّ تختلف الاتجهاهات والآراء التي تعمل على تفريق الكلمة وبثّ أسباب الفرقة هو مقصود الاستعمار عامة في الأوطان التي حكمها بسياسته المشهورة "فرِّق تَسُد" ومن أشهر هذه الأحزاب: حزب الكتائب الذي يقوم على المراونة, ثم حزب النجادة الذي يقوم على

1 سياسة الحكم في لبنان الدكتور حمدي الطاهري .

طائفة السُّنة وترجع قوته إلى أنَّه يضم الطبقات العاملة من المسلمين في لبنان, ومن المؤسِف أن كثيرًا من المثقَّفين المسلمين يأنفون من الانضمام إلى عضويته, لما يرونه في أنفسهم من تفوق اجتماعي يزيد عن مستوى الطبقات المنضمَّة للحزب، وعن حزب النجادة تصدر صحيفة "صوت العروبة".

نظام الحكم في لبنان

ينصّ الدستور اللبناني على أنَّ نظام الحكم في لبنان جمهوري برلماني, وأن السلطة التنفيذية يتولَّاها رئيس الجمهورية بمعاونة الوزراء, وقد أعطي شخص رئيس الجمهورية حق عقد المعاهدات الدولية وإبرامها, ويطلع مجلس النواب حينما تمكنه من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة.

كما أعطي حق إعلان الحرب وحالة الطوارئ, وتعيين الوزراء, ويسمى منهم رئيسًا ويقيلهم ويولي الموظفين مناصب الدولة ما خلا تلك التي يحدد القانون شكل التعيين لها بأساليب معينة, كما أعطي حق فتح اعتمادات استثنائية, وحقه في نشر الميزانية.

وعليه من الواجبات احترام الدستور والقوانين, والتزامه بالمحافظة على استقلال الوطن وسلامة أراضيه.

ومع خلوّ مواد الدستور من أيّ نص يتعلّق بالديانة التي يجب أن يدين بها رئيس الجمهورية أو الطائفة التي ينتمي إليها, إلّا أن الواقع الذي فرضه الانتداب الفرنسي جعل الموارنة يتمسَّكون -في زعمهم حفاظًا على سلامة لبنان وتأمين حقوقه وتنفيذ التسوية- بأن تبقى رئاسة الجمهورية ومديرية الأمن العام في يد

المسيحيين الموارنة، بينما يؤكد المسلمون أنه لا وجود مطلقًا لهذا البند, ولعل ما نشر في صوت العروبة في العدد 692 في 29/ 12/ 60 يلقي ضوءًا على ما تراه المعارضة اللبنانية التي تقوم أغلبها من المسلمون؛ إذ جاء فيها: "إن رئيس الجمهورية طبقًا للدستور حاكم غير مسئول" م17.

ومعنى ذلك أن الوزراء محرومون من هذه السلطة الإجرائية, بل هم مجرَّد موظَّفين تابعين لرئيس الجمهورية, وكذا المادة 53 تؤكِّد بأن مجلس الوزراء

رئيسًا وأعضاءً لا يستمدون سلطتهم الحقيقية من ثقة ممثلي الشعب في الأساس, بل يستمدونها من إدارة رئيس الجمهورية فقط, وهم بالتالي لا يتمتَّعون بأي حصانة, بينما موظفو الدولة يتمتعون بهذه الحصانة, والدستور "م60" يؤكِّد أن رئيس الجمهورية حاكم فعلي للبلاد غير مسئول عن تبعاته، ومما يزيد الوضع غرابة أنَّ الوزراء الذين يعينهم رئيس الجمهورية دون أن يسأل عن نتائج أعمالهم هم المسئولون عن كل إجراء في الحكومة, وهم في الحقيقة لا يملكون من أمرهم شيئًا، فهم مسئولون غير حاكمين.

وقد أثبت الواقع اللبناني أهمية منصب رئاسة الجمهورية, وهي الرئاسة الأولى, وعجز ما عداها من الرئاسات عن التأثير في توجيه مقدرات البلاد.

لقد كان للسلطات التي أعطاها الدستور لشخص رئيس الجمهورية من إطلاق يده في عقد المعاهدات, هي السبب في تصرفات كميل شمعون, الذي استغلَّ هذه الحقوق استغلالًا سيئًا باستدعاء الأسطول السادس الأمريكي لاحتلال البلاد سنة 1958، ولكن يقظة الشعب اللبناني يومذاك أسقطت شمعون وحافظة قليلًا على استقلال لبنان, حتى وقع فريسة الحرب الأهلية التي تصطلي بنارها منذ سنوات؛ لتحقق ما عجز عنه الأسطول الأمريكي, أمَّا رئاسة الوزراء فقد جرت العادة بإسنادها إلى أحد أعضاء المجلس النيابي وفقًا لاختيار رئيس الجمهورية, ولم يحدد الدستور قيودًا أو شروطًا معينة لهذا المنصب, سواء في الحقوق أو الواجبات, ويكاد ينحصر في النواحي الإدارية لا الإنشائية.

وقد جرى العرب على جعل منصب رئاسة الوزراء لطائفة المسلمين السُّنَّة, حتى تكاد تكون وقفًا على عدد محدود من أبناء هذه الطائفة, تنتقل من أحدهم إلى الآخر دوريًّا.

وغالبًا ما يكون رئيس الوزراء على علم بالمدة التي سيقضيها, أو على اتفاق مع رئيس الجمهورية عليها, مما يجعل رئيس الوزراء إذا رغب البقاء في الحكم أداة طيِّعة في يد رئيس الجمهورية, الذي يملك وحده حق الاستغناء عن خدماته في الوقت الذي يراه.. وقد تأثَّرت علاقات كلٍّ من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء بمركز كل من الطائفتين

اللتين ينتميان إليها؛ إذ تحاول كلاهما إظهار شخصيتها وإثبات وجودها عن طريق التصرفات الصادرة، ولما كان الدستور يحمي رئيس الجمهورية من الخسارة في معركة الصراع بينه وبين رئيس الوزراء, فإن رئيس الوزراء يلعب لعبة مزدوجة, فهو يسترضي رئيس الجمهورية ليبقى في منصبه, ويوهم الجماهير التي يمثلها بعدم رضاه عن تصرفات الجمهورية حتى يكسب تأييدها1.

أما الوزراء: فإن الدستور أعطى رئيس الجمهورية وحده حق تعيين الوزراء, وله حق التصرف بمفرده في اخيتارهم, ولكن العرف جرى على استدعاء رئيس الجمهورية لجميع النواب أو الكتل النيابية كل على حدة عند تشكيل وزارة جديدة؛ لاستطلاع رأيهم في شأن اختيار الأشخاص بقصد حصول الوزارة الجديدة على ثقة مجلس النواب.

ويتضح من استقراء تاريخ الحكم في لبنان أنَّ رئيس الجمهورية له ثبات في منصبه, بينهما تهتز مناصب رئاسة الوزارة والوزراء ومجلس النواب, وعلة ذلك كما قال بشار الخوري: "إن تغيير الوجوه في الوزارات ضرورة ماسَّة ولا سيما في بلد صغير الحجم كثير المستوزرين, ومن الملائم أن يجربوا كفاءتهم2.

إن طريقة الحكم -كما قال عنها الشيخ بشارة الخوري: تختلف عنها في العالم بأسره, قد تأثَّرت إلى حد كبير بالطائفية الدينية وبالأحزاب, كما لعبت فيها القوى الأجنبية دورها؛ لأنَّ هذه السياسة وضعت بمعرفة الأجانب الذين رسموا خطتهم لتفريق كلمة أبناء الوطن الواحد مستغلين النعرات الطائفية ومحرضين بعضهم على بعض

1 سياسة الحكم في لبنان: الدكتور حمدي الطاهري, , نقلًا عن حقائق لبنانية الشيخ بشارة الخوري جـ3 ط بيروت 161.

2 نفس المرجع السابق نقلًا عن حقائق لبنانية جـ3 .

مستقبل لبنان

يؤسفنا القول بأنَّ الحاضر مؤلم والمستقبل أشد للنفس ألمًا في هذا القطر العربي الإسلامي الشقيق.

إنه يراد به أن يقسَّم إلى أجزاء أصغر, فتقام فيه دويلة صغيرة للعلويين والدروز، وتقام في الجنوب دويلة مسيحية تعمل لحساب دولة العدو الإسرائيلي الذي يرسم خططه في المستقبل القريب على ضم هذا الجنوب إلى الأرض العربية التي استولى عليها.

ويدَّعي أنها أرض محررة، وذلك ليحقق ما تحلم به الصهيونية من استغلال مياه نهر الليطاني وغيره من الأنهار, والإفادة من سهل البقاع في الإنتاج الزراعي والحيواني.

فإذا لم تفق القوى العربية الإسلامية من غفلة خلافاتها الصغيرة، فإن لبنان ستضيع وتلحق بغيره مما ضاع وحينئذ ستجد من يبكي عليه, كما بكوا على الأندلس وفلسطين, فهل هناك من يستمع إلى الحق, ويصغي إلى قول الله -عز وجل: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105] ويومئذ لا ينفع الندم {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} , فهل يدرك القادة المسلمون أنَّ الحرب الصليبية التي اندلعت في القرن الثالث عشر ما تزال محتدمة الآوار, ووسائل النصر لمن آمن واتقى ونصر دين الله وشرعه الحكيم, ولمن أعد العدة من التسليح والتدريب والتخطيط, وللمعسكر الذي تطهر قادته وجنوده من الذنوب والمعاصي, كما قال عمر بن الخطاب في وصيته إلى سعد بن أبي وقاص: "إنما تنصرون بذنوب أعدائكم".