المشاركة في الحكم

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
المشاركة في الحكم


موقع ويكيبيديا الإخوان المسلمين (إخوان ويكي) يقدم في ذكرى رحيل الشيخ فيصل مولوي الأمين العام السابق للجماعة الإسلامية بلبنان بحث بعنوان المشاركة في الحكم.

إعداد/ الشيخ فيصل مولوي

مقدمة

تعتبر قضية مشاركة الحركة الإسلامية المعاصرة في الحكم غير الإسلامي من القضايا الملحّة والتي تشغل بال الكثير من العاملين في ميدان الدعوة الإسلامية، وبالرغم من أنّ القضية طُرحت في بعض كتابات مفكّرينا المعاصرين، إلاّ أنّها لم تأخذ حظّها من العناية الحقّة والدراسة الجادّة الأصيلة، ممّا جعل كثيراً من العاملين يكثرون الجدل حولها ويتجاذبونها بالحوار والنقاش دون أن يصلوا في ذلك إلى رأي حاسم.

ولقد تبنّت هذه الدراسة المذكّرة التي كتبها عدد من أساتذة كلية الشريعة في الكويت في أواخر الثمانينات وأضافت إليها بعض الردود على المناقشات المخالفة لرأيها، وبعض المباحث والتعليقات المتمّمة.

تصوّرنا للقضية

القضية فرع من أصل

إنّ حكم مشاركة الحركة الإسلامية المعاصرة في الحكم غير[الإسلامي الذي يحكم معظم شعوب العالم الإسلامي في العصر الحديث مسألة جزئية تحكمها اعتبارات متعدّدة، ولعلّ أهم هذه الاعتبارات، تصوّرنا للطريق الموصل إلى قيام الدولة الإسلامية وتحكيم شريعة الله، ومن هنا فلا يمكن البتّ في حكم هذه المسألة بعيداً عن هذا التصوّر، ولعلّه من المستحسن أن نعرض الصورة التاريخية التي وصل بها الإسلام إلى الحكم.

الصورة التاريخية لوصول الإسلام إلى الحكم

لقد اختار الله الجزيرة العربية مهداً لرسالة الإسلام (والله أعلم حيث يجعل رسالته) والمتأمّل في هذا الاختيار يلمس جانباً كبيراً من الحكمة الإلهية حيث كانت الجزيرة في ذلك الوقت لا تقع تحت سلطان أيّ من الدولتين الكبيرتين الفرس أو الروم، ورغم أنّهم كانوا على أطرافها قريبين منها كلّ القرب، ومع أنّ الدعوة بدأت في مكّة بعيدة عن سلطان الدولتين، إلاّ أنها حوصرت نظراً لما كان لقريش من سلطان واضح على أمّ القرى.

ولأنّها رأت في هذه الدعوة ما يهدّد مصالحها ونفوذها، ممّا دعا الرسول أن يبحث عن قاعدة أمينة للدعوة تكون منطلقاً للدولة الإسلامية، ومن هنا كان عرضه نفسه على القبائل وهجرة أصحابه إلى الحبشة وذهابه إلى الطائف، ثمّ وجد ما يصبو إليه في المدينة المنوّرة بعد بيعة العقبة الأولى والثانية، ولم يكن في المدينة المنوّرة سلطة مركزية قويّة تتخذ موقفاً موحّداً ومحدّداً من قيام الدولة الإسلامية، حيث كانت فيها قوى شبه متوازنة بين قبيلتي الأوس والخزرج العربيتين، وبين القبائل اليهودية المتعدّدة.

ولم تمض سنتان على بيعة العقبة الأولى حتّى كان الإسلام ينتشر انتشاراً سريعاً بين سكّان المدينة، وقد رأى الرسول الطريق أمامه ممهّداً، فلم يكد يصل إلى المدينة حتّى فُتحت له أبوابها ولم يجد قوّة تقف في طريقه، وبعد أن بنى مسجده أخذ في وضع دستور الحكم للمدينة المنوّرة، والذي عُرف تاريخياً باسم الصحيفة، والتي تضمّنت تحديد العلاقات بين المسلمين في المدينة وقبائل اليهود تحديداً دقيقاً، وبذلك قامت الدولة الإسلامية الأولى دون وجود سلطة مركزية تحول دونها أو تعترض سبيلها. ويمكننا أن نحدّد منهج الرسول في الوصول إلى الحكم بما يلي:

  1. أنّ الرسول بدأ بدعوة الناس إلى الإسلام حتّى تكوّنت له قاعدة صلبة من المسلمين هم الذين أطلق عليهم بعد ذلك: المهاجرون.
  2. أنّ الرسول لم يقبل الملك حينما عُرض عليه من قبل الجاهلية، لأنّه سيكون والياً من قبل الجاهلية، ولن يكون له أيّ نفوذ عليهم لعدم وجود قاعدة مؤمنة يعتمد عليها في تنفيذ شريعة الله، ولن يسمحوا له بذلك بدليل أنّهم رفضوا أن يقولوا «لا إله إلاّ الله» لأنّهم وجدوا فيها إسقاطاً لكل نفوذهم.
  3. لم يخض الرسول مع الجاهلية حرباً عسكرية لقيام الدولة.
  4. اختار الله للرسول على الصدام المباشر مع الجاهلية، المدينة المنوّرة قاعدة يأوي إليها مع أصحابه معتمداً مبدأ الهجرة لإنشاء قوّة حقيقية تكون قادرة على الصدام مع الجاهلية.
  5. تمّ للرسول ما أراد بهجرته إلى المدينة ووصل الإسلام إلى الحكم بهذه الطريقة.

هذه هي الصورة التاريخية التي وصل بها الإسلام إلى الحكم، واستمرّ هذا الحكم بصورة مثالية أو بأخرى غير مثالية، حتّى كانت المؤامرة الدولية الكبرى على الإسلام بإسقاط الخلافة، وتمزيق شعوبها، وإقامة كيانات إقليمية ودويلات قومية وتيّارات وأحزاب معادية للإسلام وعاملة على تقويض ما تبقّى من دعائمه ومراكز القوّة فيه.

وعقب إلغاء الخلافة قامت حركات إسلامية كان لها دور مؤثّر في سبيل استئناف حياة إسلامية جديدة، ثم قامت الحركة الإسلامية المعاصرة بالدعوة إلى العودة للإسلام وتحكيم شريعته، واستطاعت الحركة أن تعيد إلى المسلمين ثقتهم بإسلامهم، وأن تردّ الغزو الفكري المعادي إلى جحوره، بما طرحت من المؤلّفات الإسلامية، وبما أنشأت من الصحف والمجلاّت وبما أقامت من المشروعات النافعة.

وكان أبرز ما قامت به أن أوجدت تيّاراً شعبياً وحركة مطالبة بعودة الإسلام إلى الحكم، ولكنها حتّى الآن ما زالت تعاني في طريق إيصال الإسلام إلى الحكم، ذلك أن أعداء الإسلام في الداخل والخارج ألقوا بكل ثقلهم وكل جهودهم وطاقاتهم للحيلولة دون وصول الحركة الإسلامية إلى الحكم، بما أنشأوا من الأحزاب العلمانية المناهضة للإسلام، وبما أقاموا من أنظمة الحكم العسكرية المستبدّة التي تحدّ من نشاط الحركة وحرّيتها في العمل، وكان من نتيجة ذلك كلّه أن تعرّضت الحركة الإسلامية المعاصرة للاضطهاد فترة طويلة من الزمن وعُزلت عن المشاركة في النشاط الذي كانت قد بدأته في عنفوان شبابها.

وأمام هذا الواقع الذي انتهت إليه تطوّرات الأحداث كان لا بدّ للحركة من أن تعيد النظر في خطواتها، وأن تصوغ أهدافها السياسية ضمن برنامج زمني محدّد، يأخذ في الاعتبار المتغيّرات الكثيرة التي طرأت على ساحة العمل السياسي في العالم الإسلامي، كما يأخذ في الاعتبار الخيارات الممكنة للوصول إلى الحكم في ظلّ الظروف الصعبة التي تحيط بالعمل الإسلامي في كلّ مكان.

إنّ الصورة التاريخية لوصول الإسلام إلى الحكم والتي أشرنا إليها فيما تقدّم تبدو الآن غير ممكنة التحقيق؛ لأن أقطار العالم الإسلامي جميعاً تخضع لسلطات مركزية قوية، تساندها قوى دولية متعدّدة، بما تملك من قوى مادية ومعنوية رهيبة، وهي ترصد تحرّكات العاملين للإسلام في كلّ مكان وتحاول محاصرتهم والحيلولة دون نجاح جهودهم، فالقياس إذن على الصورة التاريخية في الظروف الراهنة يبدو أنّه غير ممكن على الأقلّ في المستقبل المنظور.

هذا بالإضافة إلى الفروق الكثيرة القائمة بين واقع الحركة الإسلامية المعاصرة وواقع الدعوة الإسلامية الأولى من جانب، وبين الواقع التاريخي الجاهلي والواقع الجاهلي المعاصر من جهة أخرى، حيث كانت الدعوة الإسلامية الأولى تنظيماً يضم كلّ المسلمين، في حين تضم الحركة الإسلامية المعاصرة بعض المسلمين، فالأولى كانت جماعة المسلمين والمعاصرة جماعة من المسلمين، وهذا يجعل الدعوة الإسلامية الأولى تتحرّك في مواجهة الجاهلية وحدها، بينما يجعل الحركة الإسلامية المعاصرة في موقف حرج، فهي بالإضافة إلى حركتها في مواجهة الجاهلية المعاصرة مضطرّة أن يكون لها مواقف محرجة مع القاعدة العريضة للشعوب الإسلامية التي لا تخضع لقيادتها، ومثل هذا الوضع تستفيد منه الأنظمة الجاهلية فوائد كثيرة ومتعدّدة.

إنّ عملية إدخال المسلمين جميعاً أو أغلبيّتهم ضمن الحركة الإسلامية المعاصرة يبدو أمراً بعيد المنال، وقد استبعدته الحركة الإسلامية من مجالها حين قبلت لنفسها مضطرّة أن تكون جماعة من المسلمين، وهي بهذا الوضع أصبحت أشبه بالأحزاب السياسية المعاصرة منها بالدعوة الإسلامية الأولى التي كانت تضمّ كلّ المسلمين.

ومنهج الأحزاب السياسية المعاصرة يقوم على أساس أساليب معيّنة تصل الأحزاب من خلالها إلى السلطة السياسية، وهذه الأساليب إمّا أن تكون عن طريق اللعبة الديمقراطية، أو أن تكون عن طريق الانقلاب العسكري، أو عن طريق الثورة الشعبية المسلّحة.

فالحركة الإسلامية المعاصرة من حيث أرادت أو لم ترد، باعتبارها جماعة من المسلمين، قد وضعت نفسها في الطريق الحزبي الذي تسلكه الأحزاب المعاصرة إذا ما أرادت لنفسها الوصول إلى الحكم.

وقطعاً لطريق الانقلاب العسكري أمام الحركة الإسلامية المعاصرة، فقد سدّت الأبواب أمام الإسلاميين بحيث لا يتمكّنون من الحصول على قوّة عسكرية داخل جيوش دولهم تمكّنهم من القيام بانقلاب عسكري.

والثورة الشعبية المسلّحة مستبعدة في ظلّ مثل أنظمة الحكم المستبدّة القائمة في معظم أنحاء العالم الإسلامي، لأنّها تحتاج إلى إعداد طويل ودقيق وتدريب يصعب القيام به تحت ظل هذه الأنظمة، وكثيراً ما ينكشف ويكون انكشافه كارثة على المسلمين.

فلم يبق أمام الحركة الإسلامية إلاّ الطريق الثالث وهو طريق العمل السياسي الحزبي والذي يؤدّي إلى المشاركة في الحكم غير الإسلامي.

وقد لاحظ أعداء الإسلام في الداخل والخارج أنّ البلاد الإسلامية التي تحكم بالديمقراطية البرلمانية ينتعش فيها الإسلام، وتقوى الحركة الإسلامية، وتفرض وجودها على الساحة كمنافس قوي للأحزاب المناوئة للإسلام، ومن هنا حرص أعداء الإسلام الدوليون أن يحكم العالم الإسلامي بالحديد والنار بدلاً من الديمقراطية النيابية، فقامت الانقلابات العسكرية في معظم بلدان العالم الإسلامي لتخضع البلاد لحكم عسكري مباشر يستوي في ذلك أن يكون الحاكم ديكتاتوراً فرداً، أو ملكاً متوّجاً، أو حزباً قائداً، طالما أنّ هدف الجميع الحيلولة دون وصول الإسلام إلى الحكم، وأصبحت بلدان العالم الإسلامي من جاكرتا إلى طنجة تحكم بالحديد والنار، على تفاوت في درجة حرارة النار وقوّة الطرق بالحديد، مع وجود واحات ديمقراطية صغيرة في صحراء الدكتاتوريّات العسكرية العالمية الشاملة.

وأمام هذا الواقع البائس الذي يعيشه المسلمون المعاصرون، تقف الحركة الإسلامية ومفكّروها:

فمنهم من ينظر إلى الصورة التاريخية للدولة الإسلامية الأولى ويعتبرها المقياس الذي ينبغي أن تسير عليه الحركة الإسلامية المعاصرة، وهو بذلك يسقط كلّ الفروق التي أشرنا إليها بين واقع الحركة الإسلامية المعاصرة، وواقع الدعوة الإسلامية الأولى من جانب، كما يسقط كلّ الفروق بين واقع الجاهلية التاريخية ذات السلطات المحدودة وواقع الجاهلية المعاصرة والتي يغطّي نفوذها كلّ مكان.
كما يسقط كلّ المتغيّرات التي أحدثتها الثورة العلمية والتي تشكّل قوّة هائلة بيد الجاهلية المعاصرة، ويدعو إلى السير في نفس الخطوات، ثمّ هو لا يبيّن كيف يمكن أن تتمّ هذه الخطوات مع هذه الفروق والمتغيّرات. ولا شكّ بأنّ هذه الصورة التاريخية لو كانت ممكنة لا يمكن أن يعدّل بها صورة أخرى، لأنّها الصورة المثالية التي يمكن بها انتقال الإسلام إلى الحكم من أقرب الطرق ودون سلبيّات كثيرة، ولكن الأمنية شيء والواقع شيء آخر.

والذي يقف عند هذه الصورة لا يتعدّاها، قد لا يجيز الصور الأخرى نظراً لما يترتّب عليها من سلبيّات كثيرة، ورغم ما يمكن أن تحقّق من منافع جزئية أو أهداف مرحلية، ومن هنا تكون الفتوى بعدم جواز المشاركة في الحكم غير الإسلامي.

ويرى الآخرون: أنّ الصورة المثالية التاريخية ليس لها فرصة التحقّق في الواقع المعاصر، ومن ثمّ فليس أمامهم إلاّ محاولة الوصول عن طريق الممكن من الصور الأخرى، أو اتخاذ موقف سلبي من الصراع يخرجهم من دائرة التأثير في الواقع وتغيير ما يمكن تغييره، ومن هنا يميلون إلى جواز المشاركة في الحكم غير الإسلامي بحجّة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وتغيير ما يمكن تغييره، ودفع أكبر الشرّين بارتكاب أخفّهما.

إنّ أكبر ضربة وجّهت إلى الإسلام خلال تاريخه الطويل كانت إقصاءه عن مجال الحكم والدولة بإلغاء الخلافة الإسلامية، وإنّ كلّ ما يعانيه المسلمون من مشكلات في شتّى شؤونهم يعود إلى هذه الكارثة الكبرى، فإذا استطاع المسلمون التغلّب على هذه المصيبة الكبرى بإعادة الإسلام إلى الحكم والدولة، استطاعوا أن يحلّوا كلّ مشكلاتهم وأن يوجّهوا سير التاريخ مرّة أخرى وجهته الإسلامية الصحيحة.

وأمام هذا الهدف الكبير الذي قامت الحركة الإسلامية لتحقيقه، لا يمكن الاحتجاج عليه بأمور جزئية تتعارض معه، لأنّه في حالة تعارض الجزئي مع الكلّي يكون الترجيح لجانب الكلّي، والأمثلة على ذلك في الفقه الإسلامي أكثر من أن تُحصى. وإنّ أكثر الأدلّة التي يعترض بها من لا يجيز المشاركة في الحكم غير الإسلامي باعتبارها الصورة المتاحة للوصول إلى الحكم في المرحلة الراهنة، إنّما هي من هذا القبيل.

إنّ مرونة الشريعة الإسلامية وواقعيّتها لا يمكن أن تحول دون تحقيق الأهداف الكبيرة بسبب معارضات جزئية، كما لا يمكن أن توقع المسلمين في الحرج وتقصرهم على صورة واحدة من صور الوصول إلى الحكم رغم استحالتها في بعض الظروف والأوضاع، وذلك لأنّها جاءت لكلّ زمان ومكان ولكلّ الظروف والأحوال.

ومن ثمّ نرى أنّ الأحكام التي جاءت في هذا المجال ليست على إطلاقها، وإنّما هي مرهونة بظروف إمكانية تطبيقها، وبمقدار ما تحقّقه من فوائد وما تدفعه من مضار، وأنّه إذا تعذّر تطبيق الصورة الأولى يمكن الانتقال إلى الثانية والثالثة أو الرابعة، وأنّ ذلك قد يختلف باختلاف الزمان والمكان، وباختلاف ظروف الحركة الإسلامية في كلّ قطر، بل قد يكون من المصلحة في بعض الأحيان السير في هذه الطرق الأربعة بخطوط متوازية في مرحلة من المراحل حتّى تترجّح واحدة منها في النهاية.

المشاركة في الوزارة

لا شكّ في أنّ الأصل عدم جواز المشاركة في الوزارة التي تحكم بشريعة غير شريعة الله تعالى، وذلك لعموم النصوص الواردة في وصف من يحكم بغير ما أنزل الله بالكفر والظلم والفسق (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون).

ولأن الحاكميّة يجب أن تكون لله وحده (إن الحكم إلاّ لله أمر ألاّ تعبدوا إلاّ إيّاه)، وكذلك فقد نهى الله المؤمنين أن يحتكموا إلى شريعة غير شريعة الله وجعل ذلك منافياً للإيمان حينما قال: (فلا وربّك لا يؤمنون حتّى يُحكّموك فيما شجر بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ممّا قضيت ويسلّموا تسليماً) كما نعى على المنافقين موقفهم من الاحتكام إلى غير ما أنزل الله فقال: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنّهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلّهم ضلالاً بعيداً).

هذه النصوص وأمثالها تدلّ على عدم جواز المشاركة في نظام يحكم بغير ما أنزل الله، وأنّ ذلك هو الأصل لأنّه لا يجوز ترك حكم الله إلى حكم غيره، وأنّ من يفعل ذلك يكون مؤثراً لحكم الجاهلية على حكم الله تعالى:(أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يؤمنون).

وتجوز المشاركة استثناءً من الأصل استدلالاً بالأدلّة التالية:

  1. مشاركة يوسف عليه السلام في الوزارة
  2. موقف النجاشي
  3. المصلحة

وفيما يلي تفصيل القول في هذه الأدلّة:

(أ)مشاركة يوسف عليه السلام:

لا شكّ أنّ المجتمع الذي عاش فيه يوسف عليه السلام كان مجتمعاً جاهلياً لم يعرف الإسلام ولم يخضع لقيمه. وأنّ عقيدة الشرك كانت هي المسيطرة عليه، ويظهر لنا ذلك جلياً من كلام يوسف عليه السلام مخاطباً الفتيين اللذين دخلاً معه السجن: (قال لا يأتيكما طعام تُرزقانه إلاّ نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما ممّا علّمني ربّي إنّي تركت ملّة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون.واتبعت ملّة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكنّ أكثر الناس لا يشكرون. يا صاحبي السجن أأرباب متفرّقون خير أم الله الواحد القهّار. ما تعبدون من دونه إلاّ أسماء سمّيتموها أنتم وأباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلاّ لله أمر ألاّ تعبدوا إلاّ إيّاه ذلك الدين القيّم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (سورة يوسف، الآيات: 37 ـ 40).

هذه عقيدة المجتمع كما تبدو من خلال كلام يوسف عليه السلام: مجتمع مشرك غير موحّد لا يعرف شيئاً من الإسلام وتعاليمه، ومن الطبيعي في مثل هذا المجتمع أن ينتشر الفساد الخلقي وأن يتعرّض يوسف عليه السلام للغواية من أكبر البيوتات في ذلك المجتمع من امرأة العزيز، وأن يقف العزيز من هذه المسألة موقف اللامبالاة (يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنّك كنت من الخاطئين) ويبدو ـ والله أعلم- أنّ اعتبار العزيز زوجته مذنبة لأنّها تراود فتاها لا لأنّه يستنكر أصل الفعل، فالجريمة بنظره أن تتطلّع زوجته إلى عبدها الذي هو من أدنى طبقات المجتمع.

وهو نفس المأخذ الذي أخذته النسوة على امرأة العزيز:

(وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبّاً إنّا لنراها في ضلال مبين) (سورة يوسف، الآية: 30). وأدركت امرأة العزيز وجه الاعتراض وأنّه ليس على الفعل من الناحية الخلقية، وإنّما هو لأنّها (تراود فتاها) وقد عرفت كيف تردّ اعتراضهنّ حينما دعتهن لزيارتها:

(فلمّا سمعت بمكرهنّ أرسلت إليهنّ وأعتدت لهنّ متّكأً وآتت كلّ واحدة منهنّ سكّيناً وقالت اخرج عليهنّ فلمّا رأينه أكبرنه وقطّعن أيديهنّ وقلن حاش لله ما هذا بشراً إن هذا إلاّ ملك كريم) (سورة يوسف، الآية: 31).

(قالت فذلكنّ الذي لمتنّني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليُسجننّ وليكوننّ من الصاغرين) (سورة يوسف، الآية: 32).

ولا شكّ أنّ امرأة العزيز نجحت في إقناع النسوة بصواب تصرّفها، وأنهنّ وقفن إلى جانبها يدعون يوسف عليه السلام للاستجابة لما طلبته امرأة العزيز بدلالة قول يوسف عليه السلام: (قال ربّ السجن أحبّ إليّ ممّا يدعونني إليه وإلاّ تصرف عنّي كيدهنّ أصب إليهنّ وأكن من الجاهلين) لقد أصبحت الدعوة جماعية والكيد جماعياً (يدعونني إليه) (كيدهنّ) (أصب إليهنّ).

فالمجتمع النسائي إذن أقرّ امرأة العزيز على تصرّفها، وأخذ يفيض في الكلام حول هذا الموضوع وانتشرت الشائعات في كلّ مكان تستنكر على امرأة العزيز مراودة فتاها، ولم تجد امرأة العزيز أمامها إلاّ أن تشير على زوجها بسجنه حتّى ينسى الناس القصّة ويكفّوا عن الخوض فيها. (ثمّ بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننّه حتّى حين) (سورة يوسف، الآية: 35).

ويدخل يوسف عليه السلام السجن مظلوماً بعدما رأوا الآيات والدلائل التي تبرّئه، ولكن كلّ شيء يمكن أن يحدث في المجتمع الجاهلي ـ وهذا ينفي قول من قال: إنّ فرعون يوسف كان عادلاً.

وبقي يوسف في السجن يعاني حتّى هيّأ الله له فرصة الخروج ـ كما هو معروف ـ وأعجب الملك بحسن تأويله للرؤيا وتحقّق من نزاهته ودعاه ليستخلصه لنفسه وأخبره بأنّه أصبح عنده مكيناً أميناً، ويرى يوسف عليه السلام الفرصة مواتية لتحمّل المسؤولية في تلك المرحلة المقبلة التي لا يستطيعها غيره، ويقول للملك: (اجعلني على خزائن الأرض إنّي حفيظ عليم) ()سورة يوسف، الآية: 55)، ويُجاب إلى طلبه ويقوم بأعباء الوزارة التي أسندت إليه.

وبذلك يشارك يوسف عليه السلام في حكم ذلك المجتمع الذي لم يكن قائماً على أساس الإسلام كما أشرنا إلى ذلك من قبل، كما يبدو من خلال القصّة أنّ الحكم كان له نظامه وتقاليده المخالفة لما كان معروفاً من شريعة بني إسرائيل، وأنّ يوسف عليه السلام لم يغيّر شيئاً من نظام الملك الذي كان قائماً وأنّه بقي على ذلك حتّى انتهت سنوات الخصب وجاءت سنوات القحط والتي جاء فيها إخوته يطلبون المساعدة، فلم يكن باستطاعته أن يخالف (دين الملك) أي سلطانه وحكمه ليبقي أخاه.

وإنّما لجأ إلى إخوته يسألهم عن الجزاء المناسب ـ في دينهم ـ فأشاروا عليه بما كان في شريعة يعقوب من استرقاق السارق، وبذلك تمكّن يوسف عليه السلام من إبقاء أخيه.

وهذا يشبه ما يقع اليوم حين يحصل التنازع الدولي بين القوانين الجزائية، فبعض الدول تطبّق على المتهم قانون مكان وقوع الجريمة ـ وهو الذي لا يسمح ليوسف باستلام أخيه وبعض الدول تطبّق قانون المتهم الشخصي، وهو الذي طبّقه يوسف عليه السلام حين استبقى أخاه.

بل إنّ هذا المجتمع الجاهلي استمرّ على شركه وشكّه في دعوة التوحيد التي جاءهم بها يوسف عليه السلام ولم يستجب لها، وذلك كما يشير إليه قوله تعالى على لسان مؤمن آل فرعون: (ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبيّنات فما زلتم في شكّ ممّا جاءكم به حتّى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولاً) فكلمة (فما زلتم في شك) تدلّ على الاستمرار، وهذا ينفي قول من قال إنّ يوسف عليه السلام حوّل ذلك المجتمع الجاهلي إلى مجتمع إسلامي بعد أن تسلّم الوزارة وفوضت إليه الأمور، كما يضعف القول الذي انفرد به مجاهد من أنّ الملك أسلم، حيث لا يظهر لهذا القول أيّ أثر كما لا يوجد له أيّ شاهد أو دليل.

ويرى ابن تيمية أنّ هذا المجتمع الجاهلي الكافر لا بدّ أن يكون لهم عادة وسنّة في قبض الأموال وصرفها على حاشية الملك وأهل بيته وجنده ورعيّته. ولا تكون جارية على سنّة الأنبياء وعدلهم ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كلّ ما يريد، وهو ما يراه من دين الله، فإنّ القوم لم يستجيبوا له، لكن فعل الممكن من العدل والإحسان، ونال بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل بيته ما لم يمكن أن يناله بدون ذلك- وهذا كلّه داخل في قوله: (فاتقوا الله ما استطعتم). (الفتاوى لابن تيمية، 56/57).

وكلام ابن تيمية هذا يدفع قول من قال إنّ يوسف عليه السلام فوّض له الأمر في كلّ شيء وأصبح يتصرّف في مصر كما يريد. بل يدفع قول من قال إنّه فوّض له الأمر في شؤون الأموال والاقتصاد لأنّه لا يستطيع الاقتراب من الأموال التي كان يتصرّف فيها الملك فيما يخصّ حاشيته وأهل بيته وجنده ورعيّته، والتي لم تكن جارية على سنّة الأنبياء وعدلهم.

وعلى هذا أيضاً يرجّح ما ذهب إليه الطبري في معنى قوله: (وكذلك مكنّا ليوسف في الأرض يتبوّأ منها حيث يشاء) حيث قال: قال أبو جعفر يقول تعالى ذكره: وهكذا وطأنا ليوسف في الأرض، يعني أرض مصر يبتدأ منها حيث يشاء. يقول يتّخذ من أرض مصر منزلاً حيث يشاء بعد الحبس والضيق، (نصيب برحمتنا من نشاء) من خلقنا كما أصبنا يوسف بها فمكنّا له في الأرض بعد العبودية والأسار وبعد الإلقاء في الجبّ. (تاريخ الطبري، 16/151).

وما رجّحه الطبري من هذه الأقوال هو الذي أخذ به الأستاذ سيد قطب في كتابه «الظلال» حيث قال:

(يتبوّأ منها حيث يشاء) يتخذ منها المنزل الذي يريد والمكان الذي يريد والمكانة التي يريد في مقابل الجبّ وما فيه من مخاوف، والسجن وما فيه من قيود. (في ظلال القرآن، 4/2014).

وأمّا ما قيل: من أنّ مشاركة يوسف عليه السلام في هذا الحكم كان شيئاً خاصّاً به، ولا يمكن الاقتداء به في ذلك، فيُجاب عنه بأنّ الخصوصية تحتاج إلى دليل، وعلى المدّعي أن يثبت دعواه، لأنّ الأصل أنّ كلّ ما يذكر من سير الأنبياء وهديهم إنّما يُراد به التأسّي والاقتداء. قال تعالى: (أولئك الذين هدى الله، فبهداهم اقتده).

وكذلك قول من يقول: بأنّ هذا كان شريعة من قبلنا، والعمل بشريعة من قبلنا فيه خلاف بين العلماء، الجواب عن ذلك بأنّه: لا خلاف بين العلماء في أنّ (شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يخالف شرعنا).

ولتوضيح هذه القاعدة نقول:

  1. إنّ الإسلام عقيدة وشريعة. فالعقيدة هي الإيمان بأركانه المعروفة. والشريعة هي كلّ ما شرعه الله لعباده من عمل أو امتناع. وإنّ التزام الأحكام الشرعية هو الدليل على صحّة العقيدة. «إذ الإيمان ما وقر في القلب ـ وهو العقيدة ـ وصدّقه العمل ـ وهو الشريعة» كما ثبت في الحديث الصحيح.
  2. فأمّا العقيدة فليس فيها خلاف بين جميع الأنبياء والرسل. فعقيدتنا التي تعلّمناها من نبيّنا محمّد عليه الصلاة والسلام هي عقيدة جميع الأنبياء السابقين (شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً، والذي أوحينا إليك، وما وصّينا به إبراهيم وموسى وعيسى، أن أقيموا الدين ولا تتفرّقوا فيه. كبر على المشركين ما تدعوهم إليه، الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب) (سورة الشورى، الآية: 13). والمقصود بالدين هنا العقيدة، لأنّ الشريعة تختلف بين الأنبياء. (لكلّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً) (سورة المائدة، الآية: 48).
  3. وأمّا الشريعة فهي التي يقع فيها الخلاف بين شرائع الأنبياء وبين شريعة سيّدنا محمد النبيّ الخاتم، لذلك قال العلماء: (شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يخالف شرعنا).
  4. والمشاركة في حكم جاهلي من قبل الإسلاميين لا تدخل في نطاق العقيدة أصلاً، إذ لا يشك أحد في أنّ عقيدة الإسلاميين، وعقيدة كلّ مسلم، أنّه لا يجوز التحاكم إلى الطاغوت، ولا الحكم بغير ما أنزل الله. وحين تنتفي هذه العقيدة، أو يدخلها أيّ شكّ، تكون الردّة والكفر، وهذا ما لا يرضى أيّ مسلم أن يقع فيه.أمّا التزام الأحكام العملية التي شرعها الله لعباده فهو الذي يخضع لعوامل كثيرة منها قوّة الإيمان، ومنها اختلاف الأفهام، ومنها الظروف المحيطة، والضرورات النازلة، وقد يقع المسلم في مخالفة لعذر مشروع فلا يأثم، وقد يقع في مخالفة صغيرة للتخلّص من مخالفة أكبر منها، وهذا ما أجازه الفقهاء بناءً على آيات وأحاديث لا ضرورة لذكرها. (يراجع فصل فقه الموازنات وفقه الأولويّات في كتاب أولويّات الحركة الإسلامية، للدكتور يوسف القرضاوي). كما قد يقع المسلم في مخالفة جزئية للوصول إلى تحقيق مقصد كلّي من مقاصد الشريعة.والذين يرون جواز المشاركة في الأنظمة الجاهلية إنّما يبنون ذلك على هذه القواعد الشرعية. فيجيزون المشاركة إذا أمكن من خلالها درء بعض المفاسد وتحقيق بعض المصالح، وإذا كانت المفاسد المبعدة أكبر من مفاسد المشاركة، وإذا كانت المصالح التي يمكن تحقيقها أكبر من المفاسد الناتجة عن المشاركة.كما يجيزون المشاركة إذا تعيّنت وسيلة للوصول إلى الحكم الإسلامي الكامل من باب (ما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب).
  5. وما فعله يوسف عليه السلام من المشاركة في الحكم ضمن نظام كافر، مع بيان عقيدته بوضوح، ومع الاضطرار للوقوع ببعض المخالفات لشرائع بني إسرائيل هو من قبيل العمل بفقه الموازنات وفقه الأولويّات، وهو أمر لا يخالف شرعنا بيقين، بل إنّ شرعنا يأمر بذلك كما يتضح من مراجعة أقوال الفقهاء، وقد نقلنا بعضها في هذه الدراسة.والخلاف في هذه النقطة ليس بين فريقين الأول يجيز الحكم بغير ما أنزل الله والثاني يحرّم ذلك. فالفريقان يحرّمان ذلك من حيث المبدأ، وهذا هو الجانب العقيدي في هذه المسألة.

ولكن نقطة الخلاف:

- أنّ المجيزين يرون جواز الوقوع في الحرام في ظروف معيّنة، بل يرون تحوّل الحرام إلى مباح في ظروف خاصّة، وهو أمر توافقت عليه أكثرية الفقهاء في مختلف العصور. ويرى المجيزون للمشاركة أنّ الظروف المعاصرة للعمل الإسلامي تبرّر أو توجب ذلك.

- بينما يرى المانعون أنّ هذه الظروف لا تبرّر ذلك ولا تجيزه.

فالخلاف إذاً في تصوّر الواقع لإنزال الحكم الشرعي عليه.

فالمــانعون

ـ يرون أنّ مفسدة المشاركة أكبر من أيّة مصلحة يمكن أن تتحقّق.

ـ ويرون أنّ المشاركة ليست وسيلة متعيّنة للوصول إلى الحكم الإسلامي.

والمجيزون

ـ يرون أن المشاركة قد تحقّق مصالح كثيرة وتدرأ مفاسد كثيرة، ولا يجيزونها إلاّ إذا كانت المصالح المتوقعة منها أكبر من مفاسدها.

ـ ويرون أنّها قد تتعيّن وسيلة لإقامة الحكم الإسلامي لأنّ الظروف المعاصرة يستبعد معها الوصول إلى ذلك بالانقلابات العسكرية أو الثورات الشعبية، فلم يبق إلاّ العمل السياسي والمشاركة جزء أساسي منه.

وخلاصة الكلام في قضية يوسف عليه السلام:

  1. أنّ يوسف عليه السلام شارك في الحكم في مجتمع مشرك لا يقوم الحكم فيه على قواعد الإسلام.
  2. وأنّ مشاركته كانت بطلب منه لمّا رأى من نفسه الأهليّة الكاملة لعمل معيّن محدّد (قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) فهو لم يطلب الملك الكامل وإنّما طلب وزارة الخزانة أو المالية نظراً لما يرجوه من دفع شرّ القحط الذي سيرهق العباد لسنوات عدّة.
  3. أنّه كان للملك نظام وقانون معيّن بدلالة قوله (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك).
  4. وأنّه لا بدّ للملك من أن يكون له نظام معيّن في التصرّف في الأموال التي تخصّه وتخصّ حاشيته وأنّ يوسف عليه السلام لا يملك التدخّل في تحديد صلاحيّاته في ذلك.
  5. وأنّ نظام الملك لم يكن قائماً على أساس العدل بدلالة أنّ يوسف عليه السلام أُلقي في السجن مظلوماً من بعد ما رأوا الآيات الدالّة على براءته.
  6. وأنّ هذا المجتمع المشرك استمرّ على شركه بعد يوسف عليه السلام (فما زلتم في شكّ ممّا جاءكم به).

وبناءً علي ذلك كلّه يظهر لنا جواز المشاركة في الحكم غير الإسلامي من خلال عرض قصّة يوسف عليه السلام إذا كان يترتّب على ذلك مصلحة كبرى أو دفع شرّ مستطير، ولو لم يكن بإمكان المشارك أن يغيّر في الأوضاع تغييراً جذرياً. وما ذكر من اعتراضات على ذلك لا ينهض أمام الأدلّة الواضحة التي قدّمنا.

(ب)موقف النجاشي:

الاستدلال على جواز اشتراك المسلمين في الحكومات غير الإسلامية بموقف النجاشي يقوم على أمرين:

الأول: أنّ النجاشي كان مسلماً.
الثاني: أنّه كان يقوم على نظام يحكم بغير شرع الله.

أمّا إثبات الأمر الأول فلا يحتاج إلى كبير عناء، فقد دلّت عليه أحاديث صحيحة كثيرة رواها أصحاب الصحاح والسنن والمجاميع والمسانيد، نذكر بعضاً منها:

  1. حديث جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال النبي حين مات النجاشي: «مات اليوم رجل صالح، فقوموا على أخيكم أصحمة» (رواه البخاري)
  2. وفي رواية أخرى رواها البخاري عن جابر أيضاً «أنّ نبي الله صلّى على النجاشي فصفّنا وراءه، فكنت في الصفّ الثاني أو الثالث».
  3. وفي رواية أخرى عند البخاري عن جابر «أنّ النبي صلّى على أصحمة النجاشي فكبّر أربعاً».
  4. وفي البخاري أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله نعى لهم النجاشي صاحب الحبشة في اليوم الذي مات فيه، وقال: «استغفروا لأخيكم».
  5. وفي رواية أخرى للبخاري عن أبي هريرة «أنّ رسول الله صفّ بهم في المصلّى فصلّى عليه وكبّر أربعاً».
  6. وفي رواية أخرى أخرجها البخاري عن أبي هريرة في كتاب الجنائز «أنّ رسول الله نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلّى، فصفّ بهم وكبّر عليه أربع تكبيرات».
  7. كتاب النجاشي إلى الرسول الذي يصرّح فيه بإسلامه، واستعداده للمجيء إلى الرسول إذا أمره بذلك.
ونصّ الرسالة يقول

«بسم الله الرحمن الرحيم: إلى محمد رسول الله من النجاشي الأصحم بن أبجر.

سلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وبركاته، من الله الذي لا إله إلاّ هو الذي هداني للإسلام، أمّا بعد: فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى. فوربّ السماء والأرض إنّ عيسى ما يزيد على ما قلت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقد قرينا ابن عمّك وأصحابه فأشهد أنّك رسول الله صادقاً مصدّقاً، وقد بايعتك وبايعت ابن عمّك وأصحابه، وأسلمت على يديه لله ربّ العالمين.

وقد بعثت إليك بابني أرها بن الأصحم بن أبجر، فإنّي لا أملك إلاّ نفسي، وإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول الله، فإنّي أشهد أنّ ما تقول حقّ. والسلام عليك يا رسول الله».

(أورد محمد حميد الله هذه الوثيقة في كتابه : «الوثائق السياسية للعهد النبوي» ص 72، وعزاها إلى الطبري في تاريخه ص 1569، القلقشندي 6/466، وابن كثير 3/84، وزاد المعاد 3/60، والزيلعي 10/2، وإمتاع الأسماع (خطية) 1026).

وهناك رسالة ثانية كتبها النجاشي إلى الرسول بعد هجرته مع العائدين من أصحاب الرسول إلى المدينة:

«إلى محمد من النجاشي أصحمة.سلام عليك يا رسول الله من الله ورحمة الله وبركاته، أمّا بعد ـ فقد أرسلت إليك يا رسول الله من كان عندي من أصحابك المهاجرين من مكّة إلى بلادي، وها أنا أرسلت ابني أريحا في ستين رجلاً من أهل الحبشة، وإن شئت أن آتيك بنفسي فعلت يا رسول الله، فإنّي أشهد أنّ ما تقوله حقّ.والسلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته».

(ذكرها محمد حميد الله في كتابه: «الوثائق السياسية للعهد النبوي» ص 79).

ورسالة النجاشي الأولى إجابة لرسالة أرسلها إليه الرسول ويدعوه فيها إلى الإسلام ورعاية حقّ أصحابه المهاجرين بعد أن علم أن أهل مكّة أرسلوا إليه من يحثّه على طرد المهاجرين إليه. (انظرها في المصدر السابق ص 77).

أمّا الأمر الثاني، كونه لم يحكم بشريعة الله فإنّه ظاهر من الحال التي كانت سائدة في دياره ومن العقبات التي كانت تعترض طريقه.

فإنّه يقول في رسالته إلى الرسول :

«فإني لا أملك إلاّ نفسي»، وعندما اعترف بصدق ما جاء به الرسول  بعد المحاورة التي جرت بينه وبين جعفر بن أبي طالب أمام رسل قريش الذين دعوا النجاشي إلى طرد المسلمين، قال الخلّص من أصحابه الذين حضروا الجلسة: «والله لئن سمعت الحبشة لتخلعُنا» وفي مجلس آخر عندما اعترف بأنّ ما جاء به حقّ وقال: «ما عدا عيسى بن مريم ممّا قلت ـ والخطاب لجعفر ـ هذا العويد، فتناخرت بطارقته». (البداية والنهاية لابن كثير 3/73 مكتبة المعارف ـ بيروت ـ الطبعة الثانية).

ولمّا أسلم النجاشي وقعت واقعتان:

الأولى : خرج رجل عليه يريد أن يسلبه ملكه، ولا شكّ أنّه كان يحتجّ فيما يحتجّ به بإسلامه وتركه دين الآباء والأجداد، يدلّك على هذا أن النجاشي وضع المسلمين في مكان بعيد عن ميدان القتال وأمرهم بالخروج من أرضه إن انتصر خصمه، ممّا يدلّ على أنّ انتصاره سيقوّض مكانة المسلمين في تلك الديار فلماّ انتصر النجاشي فرح المسلمون وعادوا إلى الحال التي كانوا عليها من التكريم والإعزاز. (المصدر السابق 3/74).
والثانية : أنّ الحبشة اجتمعت إلى النجاشي فقالوا له: إنّك فارقت ديننا وخرجوا عليه فأرسل إلى جعفر وأصحابه مهيئاً لهم سفناً، وقال اركبوا فيها وكونوا كما أنتم فإن هزمت فامضوا حتّى تلحقوا بحيث شئتم، وإن ظفرت فاثبتوا، ثمّ عمد إلى كتاب فكتب فيه هو يشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله عبده ورسوله ويشهد أنّ عيسى عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم، ثم جعله في قبائه عند المنكب الأيمن، وخرج إلى الحبشة وصفّوا له.
فقال: يا معشر الحبشة ألست أحقّ الناس بكم؟ قالوا: بلى، قال: فكيف أنتم بسيرتي فيكم؟ قالوا: خير سيرة. قال: فما بكم؟ قالوا: فارقت ديننا، وزعمت أنّ عيسى عبد الله ورسوله. قال: فما تقولون أنتم في عيسى؟ قالوا: نقول هو ابن الله، فقال النجاشي ووضع يده على صدره وقبائه: وهو يشهد أنّ عيسى لم يزد على هذا، وإنّما يعني على ما كتب، فرضوا وانصرفوا، فبلغ ذلك رسول، فلمّا مات النجاشي صلّى عليه واستغفر له. (أنظر المصدر السابق 3/75).

وقد تكون هاتان الواقعتان واقعة واحدة رضي بعض الحبشة فيها بكلام النجاشي، وقاتل ذلك الذي يريد الملك واتخذ إسلام النجاشي ستاراً لأغراضه، وقد تكونان واقعتين مختلفتين.

فإذا كان هذا حال المجتمع الذي كان يحكمه النجاشي فلا يجوز أن يطالب بأكثر ممّا يطيق. لقد كان النجاشي صادقاً في إيمانه، وقد استغلّ مركزه لحماية العصبة المهاجرة من أذى قريش من جانب، واستغلّه في الدعوة إلى الله من جانب آخر، فآمن على يده جمع كبير، يدلّنا على هذا أن وفداً تعداده ستّون رجلاً من الحبشة وفدوا على الرسول إلى المدينة، ولكنّ الكثرة الكاثرة بقيت على نصرانيّتها، وقد ثاروا على النجاشي عندما علموا بإسلامه ولكنّ الله ثبّت ملكه.

ولقد نوقش الاستدلال على جواز المشاركة بموقف النجاشي بما يلي:

  1. أنّ النجاشي كان حاكماً وملكاً، ولم يكن تحت وصاية أحد.
  2. أنّ فترة حكمه بعد إسلامه كانت قصيرة جداً لا تعدو شهوراً قليلة.
أنّ الشعب الذي كان يحكمه كان يدين بالنصرانية وليس فيها تشريعات فكان يحكم بالقواعد العامّة في العدل والمساواة وتأمين الحريّات ومحاربة الظلم وهي مبادئ إسلامية، وأيّامه القليلة لا تتسع لأكثر من هذه المبادئ.

والأحكام الشرعية لم تكن قد اكتملت بعد، ولا يمكن تطبيق الإسلام على شعب نصراني. بينما الشعوب الآن مسلمة توّاقة للحكم الإسلامي والأنظمة تأبى ذلك.

والجواب:

  1. أنّ النجاشي كان حاكماً صحيح. ولكن هذا يزيد مسؤوليّته في تطبيق الشريعة أو ما نزل منها. ولكن الرسول لم يأمره بذلك، ولم يطلب منه التخلّي عن الملك والهجرة إلى المدينة، ورضي منه بإسلامه ومساعدته للمسلمين بما يستطيع وذلك لا يصحّ إلاّ إذا أخذنا بفقه الموازنات. فالرسول رجّح بالموازنة أنّ بقاءه حاكماً على شعب نصراني يحقّق بعض المصالح ويدرأ بعض المفاسد، ولم يطالبه بتطبيق ما نزل من الأحكام الشرعية ـ وقد توفّي في السنة السابعة للهجرة وكان قد نزل كثير من الأحكام ـ ولم يعتبره كافراً ولا مخطئاً لعدم تطبيق هذه الأحكام، بل عذره لأنّه غير قادر و(لا يكلّف الله نفساً إلاّ وسعها) وصلّى عليه مع أصحابه يوم بلغه موته.
  2. مهما كانت فترة حكمه قصيرة لعدّة شهور أو أطول من ذلك فإنّ الدليل فيها واضح والحجّة بيّنة.فإذا كانت المسألة تتعلّق بالعقيدة فلا يمكن السكوت عنها لحظات.وإذا كانت تتعلّق بالعمل فعدّة شهور كافية للدلالة على أنّ الظروف لها تأثيرها على العمل، وأنّ الموازنة بين المصالح والمفاسد تبرّر أحياناً الوقوع في مفسدة لدرء أكبر منها، أو لتحقيق مصلحة راجحة.
  3. ليس صحيحاً أنّ النصرانية لم يكن فيها تشريعات بل هي تتبنّى شرائع بني إسرائيل وفيها الكثير الذي يخالف شرائعنا. وعدم اكتمال الأحكام الشرعية ليس حجّة تبيح عدم تطبيق المنزّل منها. وإذا كان لا يمكن تطبيق الإسلام على شعب نصراني، فأيضاً لا يمكن تطبيق الإسلام على شعب مسلم مسلوب الإرادة ومحكوم بأنظمة طاغوتية عميلة، إلاّ بعد انتزاع الحكم منها، وقد تساعد المشاركة على ذلك، وهذا مبرّر جوازها.

(جـ)دلالة المصلحة على جواز المشاركة في الحكم:

مما يستدلّ به على جواز المشاركة في الحكم المصلحة، وقبل أن نبيّن طريقة الاستدلال بالمصلحة على موضوعنا، نقدّم بمقدّمة موجزة نعرّف بها المصلحة.

تعريف المصلحة:

المصلحة في لغة العرب الخير والصلاح، وهي خلاف الشرّ والفساد (المصباح المنير للرافعي، ص 345)، وعرفّها الطوفي بقوله: «المصلحة مفعلة من الصلاح، وهي كون الشيء على هيئة كاملة، بحسب ما يرد ذلك الشيء له كالقلم يكون على هيئة كاملة للكتابة به، والسيف على هيئته الصالحة للضرب به، وأمّا حدّها بحسب العرف فهي السبب المؤدّي إلى الصلاح والنفع، كالتجارة المؤدّية إلى الربح. وبحسب الشرع هي السبب المؤدّي إلى مقصود الشارع عبادة أو عادة، ثمّ هي تنقسم إلى ما يقصده الشارع لحقّه كالعبادات، وإلى ما يقصده لنفع المخلوقين وانتظام أحوالهم كالعادات» (رسالة الطوفي في المصالح، نقل بعضها الشيخ عبد الوهاب خلاف في كتابه: مصادر التشريع فيما لا نصّ فيه، ص 12).

والذي حقّقه إبن عاشور أنّ «المصلحة كاسمها شيء فيه صلاح قوي، ولذلك اشتقّ من صيغة مفعلة الدالّة على اسم المكان الذي يكثر فيه ما منها اشتقاقه، وهو هنا مجازي» وختم بحثه في تعريفها بقوله «ويظهر لي أن نعرّفها بأنّها وصف للفعل يحصل به الصلاح، أي النفع منه دائماً أو غالباً للجمهور أو للآحاد» (مقاصد الشريعة لابن عاشور، ص 6).

وقد استقرأ العلماء الشريعة فهداهم استقراؤهم إلى أنّ الشريعة وضعت لمصالح العباد في المعاش والمعاد، كما يقول الشاطبي (الموافقات، ص 142)، وقد صدرت عن العلماء في مختلف العصور كلمات مضيئة تعبّر عن هذه الحقيقة، يقول سلطان العلماء العز بن عبد السلام: «الشريعة مصالح كلّها إمّا تدرأ مفاسد أو تجلب مصالح» (قواعد الأحكام، ص 1/11).

وقول شيخ الإسلام ابن تيمية «الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها» (مجموع الفتاوى، ص 48). وقول تلميذه ابن القيّم «الشريعة مبناها في الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلّها، ورحمة ومصالح كلّها» (الطرق الحكمية، ص 7).

وقد انتهى البحث بعلماء الأصول إلى أنّ المصالح التي عليها مدار التشريع على ثلاث مراتب:

الأولى:الضروريّات: وهي المصالح التي تكون الأمّة بمجموعها وآحادها في ضرورة إلى تحصيلها بحيث لا يستقيم النظام بالإخلال بها، وبحيث إذا انخرمت تؤول حال الأمّة إلى فساد وتلاشي (مقاصد الشريعة، ص 78)، والمراد بهذا الفساد والتلاشي أن تصير أحوال الأمّة شبيهة بأحوال الأنعام، بحيث لا تكون على الحالة التي أرادها الشارع منها.والمصالح الضرورية خمس: الدين والنفس والعقل والنسل والمال وزاد بعضهم سادساً وهو العرض.

الثانية:الحاجيات: ومعناها أنّه مفتقد إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدّي في الغالب إلى الحرج والمشقّة (الموافقات، ص 2/5)، كتشريع البيوع والقراض والإجارة والمساقات.

الثالثة: التحسينات: ومعناها الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنّب الأحوال المدنسات التي نالتها العقول الراجحات ويجمع ذلك كلّه قسم مكارم الأخلاق (الموافقات، ص 2/6).

حكم الاحتجاج بالمصالح

قسّم الأصوليون المصالح من حيث اعتبار الشرع وعدم اعتباره لها إلى ثلاثة أقسام:

الأول: ما شهد الشرع باعتبارها كالصغر بالنسبة إلى الولاية على المال.

الثاني: ما دلّ به دليل على إلغائها وعدم اعتبارها فقد ألغى الشارع المصالح التي في الربا والخمر وأوجب قطع يد السارق وقتل الزاني أو رجمه ولم يلتفت إلى المفاسد التي تترتّب على ذلك بل ألغاها وأهدرها.

الثالث: ما لم يشهد الشارع باعتبارها ولا بإلغائها، وهي المصلحة المرسلة.

وقد نازع بعض العلماء في وجود مثل هذا النوع من المصالح، ونازع آخرون في الاحتجاج بالمصالح المرسلة، ويرجع في تحقيق القول في حجّيتها إلى كتب الأصول (الروضة لابن قدامة، ص 86 ـ 87، المستصفى للغزالي، ص 250، الأحكام للآمدي، ص 3/202).

والاشتراك في الحكم ليس من قبيل المصالح المرسلة، لأنّ النصوص الصريحة جاءت قاطعة في تأثيم المشارك في الحكم الجاهلي، والاستدلال هنا عائد ـ كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ـ الى «ترجيح خير الخيرين، وشرّ الشرّين، وتحصيل أعظم المصلحتين، بتفويت أدناهما، ودفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناها»

هذا مسلك في الشريعة واضح المعالم فالإسلام حرّم الخمر والميسر مع نصّه على أنّ فيهما للعباد نفع ولكنّه نفع قليل ترجّح به المفسدة العظيمة التي في الخمر والميسر. (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) وأوجب الشارع القتال على الرغم ممّا فيه من إزهاق لنفوس المؤمنين وإذهاب لأموالهم، لأنّ القتال فيه مصالح عظيمة محبوبة للربّ تبارك وتعالى وفيه مصالح عظيمة تحصل للعباد (كُتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبّوا شيئاً وهو شرّ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون).

وفي السيرة الإسلامية كان النبيّ والخلفاء من بعده والعلماء يراعون هذا المنهج أثناء حركتهم بالإسلام، فالرسول ترك هدم الكعبة وإعادة بنائها على قواعد إبراهيم على الرغم ممّا في ذلك من المصالح الدينية، لأنّ المفسدة التي ستترتّب على ذلك أكبر من المصلحة التي ستترتّب على تصحيح بناء الكعبة، وقد قال لزوجه عائشة: «لولا أنّ قومك حديثو عهد بكفر لهدمت الكعبة وبنيتها على قواعد إبراهيم».

وترك الرسول قتل المنافقين وفي قتلهم مصالح عظيمة، ولكن المفسدة التي ستترتّب على ذلك كبيرة، ومن هذه المفاسد ما نصّ عليه الرسول:

«لا تتحدّث العرب أنّ محمّداً يقتل أصحابه» ومن هذا ترك إقامة الحدود في الغزو خشية أن يلحق من سيقام عليهم الحدّ بالكفّار، وفي ضوء هذا الفقه يمكن أن نفهم نهي عمر بن الخطّاب صحابة رسول الله عن التزوّج من الكتابيّات، بل وأمره من فعل ذلك منهم بطلاقهنّ، وقد كان فشوّ الزواج من الكتابيّات في الخلافة العثمانية واحداً من الأسباب التي أدّت إلى انهيار الخلافة.

وقد قرّر كثير من الفقهاء أنه يجوز رمي جيش الكفّار ولو أدّى هذا إلى قتل أسرى المسلمين الذين تترّس بهم ذلك الجيش، إذا خشينا من اجتياح ذلك الجيش الكافر لجيش الإسلام. ولم يرض ابن تيمية إنكار من أنكر على التتار شرب الخمر، وعلّل ذلك بأن شرب الخمر إنّما حرّم لأنّها تصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، وشرب التتار الخمر يصدّهم عن الإفساد في الأرض بقتل النفوس ونهب الأموال. ومن تأمّل فيما أباحه الإسلام من محرّمات حال الضرورة فإنّه يجده من هذا الباب، فإنّ في أكل الميتة والخنزير مفاسد عظيمة، ولكن في ترك الأكل مفسدة أعظم ألا وهي فوت الحياة، وفي الحفاظ على النفوس مصلحة أعظم.

يقول المعارضون إنّ للمشاركة في الحكم الجاهلي مفاسد عظيمة، فهذه الحكومات إنّما تقيم حكم الطاغوت وتحادّ الله في أمره وتنازعه في حكمه (إن الحكم إلاّ لله) (ولا يشرك في حكمه أحداً) فكيف يشارك المسلم في هذا النوع من الحكم؟

إنّ مشاركة المسلم هؤلاء في الحكم يوقعه في تناقض كبير، فالمسلم مطالب بأن يحارب هذه الدول الطاغوتية التي تمرّدت على شريعة الله، فكيف يكون هو المقيم لهذا الحكم الطاغوتي، وقد قال تعالى: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنّهم آمنوا بما أُنزل إليك وما أُنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلّهم ضلالاً بعيداً).

إنّ طاعة الطواغيت فيما يشرعونه مخالفين أمر الله تعني اتخاذ المطيع لهم أرباباً من دون الله، كما قال تعالىّ في شأن أهل الكتاب: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أُمروا إلاّ ليعبدوا إلهاً واحداً) وقد بيّن الرسول لعدي بن حاتم أنّ معنى هذا الاتخاذ، هو طاعتهم في تحليلهم ما حرّم الله وتحريمهم ما أحلّ الله، وطاعتهم في تشريع ما شرعوه مخالفين شرع الله.

وقد عهدنا حكّام اليوم يتخذون من يستوزرونهم من المسلمين الصالحين زينة يجمّلون بها حكمهم القبيح، ويدلّسون بذلك على السذّج والعوام، فيقولون لو كنّا على الباطل لما قبل فلان مشاركتنا في الحكم، ويزداد الطين بلّة عندما يمرّرون من خلال الوزير المسلم القوانين الجائرة الظالمة، وبعد أن يحقّقوا من ورائه أهدافهم الخبيثة ينبذونه نبذ النواة.

وفي المشاركة في الحكم ركون إلى الذين ظلموا وقد حذّرنا الحقّ من الركون إليهم (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار).

وفي المشاركة في الحكم إطالة لأمد الحكم الجاهلي، وإمداد في عمره في بعض الأحوال.كلّ ذلك غير خاف على روّاد الحركة ودعاتها، وصراحة الآيات ودلالاتها لا تخفى على ناظر، ومع ذلك نقول:

إنّ الحركة قد ترى في بعض الأحوال والأوقات أن المشاركة في الحكم تحقّق للإسلام والمسلمين والحركة الإسلامية نفعاً كبيراً، بل قد تؤدّي إلى إزاحة الطاغوت وإقرار الحقّ، وقد كان صلاح الدين الأيوبي عاملاً في إمرة الحاكم العبيدي، وقد تمكّن من خلال موقعه أن يُنهي حكم العبيديين ويقضي على سلطانهم ويعيد الحقّ إلى نصابه.

ويمكننا أن نلخّص المصالح التي قد تترتّب على مشاركة الحركة في الحكم في النقاط التالية:

  1. درء المفاسد والمؤامرات والمكائد عن الحركة الإسلامية إلى درجة ما، بالاطلاع على ما يجري في الخفاء والعمل على إفشال ذلك.
  2. إعطاء النموذج الإسلامي للناس وإفهامهم أنّ الجماعة ليست مجموعة من الدراويش وإنّما هي قادرة على قيادة الناس وإدارة نظامهم.
  3. إعادة الثقة بالإسلام والمسلمين وأنّه دين قادر على تنظيم شؤون الحياة الخاصّة والعامّة ولا يكون ذلك إلاّ بما يقوم به المشاركون من تحقيق للعدل وإزهاق للباطل.
  4. زيادة خبرة الجماعة الإسلامية في طرق إدارة الحكم وبدون ممارسة لا تحصل هذه الخبرة.
  5. تعرّف الحركة على النظام القائم اتّقاءً لشرّه.
  6. تدريب وتعليم الكوادر الإسلامية المتخصّصة وذلك عن طريق البعثات التي تنظّمها الوزارات.
  7. إيجاد مجموعة من أفراد الجماعة الإسلامية من أصحاب الجاه عند الناس نتيجة لمراكزهم السابقة، وهؤلاء يفيدون في كثير من المواقع، ويحلّون كثيراً من الإشكالات للجماعة وأفرادها.
  8. زيادة المراكز الإسلامية ومحاربة المراكز الكافرة بهيمنة السلطة القائمة.
  9. تدريب الكوادر الإسلامية على السياسة ودفع ألاعيبها.
  10. الاستفادة من هيبة السلطة لمصلحة الجماعة.
  11. وقد يكون البديل للحركة الإسلامية إذا هي امتنعت عن المشاركة في الحكم أعداءؤها من الشيوعيين أو الصليبيين الذين إذا تسلّموا مراكز الحكم فإنهم يسخّرون كل الإمكانات لمحاربة الحركة الإسلامية، بل يسخّرونها في القضاء على الإسلام والمسلمين.

التكييف الشرعي للاستدلال بالمصلحة على جواز المشاركة

واضح ممّا تقدّم أنّ المشاركة في الأنظمة غير الإسلامية ليست من المصالح المرسلة، بل هي بلا شكّ مفسدة، للنصوص الكثيرة الدالّة على ذلك، أو هي مصلحة ملغاة، لمن يتوهّم أنّها مصلحة.

ولكن المشاركة رغم ذلك قد تحقّق بعض المصالح التي تغلب ما فيها من مفاسد، فتكون جائزة في مثل هذا الظرف فقط، ولم يقل أحد أنّها مباحة من حيث الأصل، والمطلق، وفي جميع المظروف.

وعند الموازنة بين المصالح والمفاسد في موضوع المشاركة يختلف الناس، فما يعتبره أحدهم مصلحة قوية قد يعتبره غيره مصلحة ضعيفة أو موهومة. وما يعتبره أحدهم مفسدة قوية قد يعتبره غيره مفسدة ضعيفة، فيكون الخلاف هنا في تقدير المصالح والمفاسد. وهذا أمر يتوقّف على فقه دقيق للأحكام الشرعية، وعلى معرفة واسعة بالواقع، وفي هاتين المسألتين تختلف الأنظار والفهوم، نسأله تعالى أن يفتح علينا بنوره، وأن يسدّد أفهامنا بتوفيقه.

ونسارع هنا إلى القول:

إنّ مفسدة المشاركة هي في الحقيقة أقوى من جميع المصالح المتحقّقة فضلاً عن الموهومة. لأنّها تتعلّق بمسألة عقائدية، وبمسألة تعتبر من الكليّات وليس من الجزئيات، وهي وجوب الحكم بما أنزل الله.

والموازنة لو كانت مجرّدة بين مفاسد المشاركة والمصالح التي قد تنجم عنها لقلنا بلا تردّد إنّ المفاسد هنا أقوى من المصالح. والمعروف عند الأصوليين أنّه إذا تعارض الحرام مع الحلال غلب الحلال. ولكن الموازنة الدقيقة هنا هي بين:

نتائج المشاركة:

  1. بقاء الحكم بغير ما أنزل الله.
  2. درء بعض المفاسد ولو بنسبة 1 %.
  3. تحقيق بعض المصالح ولنقدّرها بنسبة 2 %.

نتائج عدم المشاركة :

  1. بقاء الحكم بغير ما أنزل الله.
  2. بقاء المفاسد كاملة.
  3. ضياع بعض المصالح الممكنة.

فالموازنة الحقيقية إذاً ليست بين حكم جاهلي وحكم إسلامي، إنّما هي بين حكم جاهلي مع مشاركة الإسلاميين، وحكم جاهلي بدون مشاركتهم.

فعدم المشاركة لن يحوّل الحكم من الجاهلية للإسلام. والمشاركة قد تنقص من مفاسد الحكم الجاهلي وقد تحقّق بعض المصالح المشروعة للمسلمين. أمّا أنّ المشاركة تموّه الدعوة لإقامة حكم الله فهو قد يقع وقد لا يقع، ولا يجوز في كل حال لمن يقول بجواز المشاركة أن يسكت عن المطالبة بتطبيق الشريعة، إلاّ إذا كانت هذه المطالبة تعرّضه لضرر أكيد كبير كما هو الحال في تركيا. وفي الحالتين تبقى المشاركة هي الأرجح لأنّ المسألة الأهمّ واقعة سواء مع المشاركة أو بدونها، وهي الحكم بغير ما أنزل الله.

وتزيد إيجابيّات المشاركة بأنّها تدرأ بعض المفاسد وتحقّق بعض المصالح.أمّا الدعوة للحكم بما أنزل الله فهي الواجب في جميع الأحوال قدر المستطاع. وهي مبرّر وجود الحركة الإسلامية المعاصرة وهدفها الأهمّ. والمشاركة ليست هدفاً بديلاً، وإنّما هي حالة تعرض على الطريق يتعامل معها الناس بفقه الموازنات كما يتعاملون مع الحالات الأخرى.

فالاستدلال الشرعي بالمصلحة على جواز المشاركة، لا يعني جواز الوقوع في الحرام من أجل تحقيق بعض المصالح، وإنّما يقوم هذا الاستدلال على أنّ الحرام واقع في الحالتين، وأنّ المسلم مخيّر بينهما، فهو يختار الحرام الذي يترافق مع تحقيق بعض المصالح، على الحرام الآخر الذي لا توجد فيه هذه المصالح.

ولا يُقال هنا إنّ الحكم بغير ما أنزل الله يقوم به غيري ولست مسؤولاً عنه في الحكم الجاهلي، بينما أقوم به أنا وأكون مسؤولاً عنه في حال المشاركة.

لا يُقال ذلك لأنّ الحكم بغير ما أنزل الله قضية الأمّة كلّها وليست قضية الأفراد، ولأنّ الفرد المسلم يمكنه أن يحكم بما أنزل الله في شؤونه الخاصّة، وهذا هو الذي يحاسب عليه، أمّا شؤون المجتمع فالأمّة كلّها محاسبة عليها. والمطلوب من المسلم هنا إنقاذ الأمّة لا إنقاذ نفسه فقط.

وإنقاذ الأمّة يكون شاملاً حين تطبّق الشريعة، وإلاّ فيكون جزئياً بالمشاركة، وحين يتعذّر التطبيق الكامل يسأل الإنسان عمّا يستطيع، وهو بالمشاركة قد يستطيع القليل، وهو غير آثم هنا لأنّه لم يشارك من أجل تطبيق حكم جاهلي، وإنّما شارك ليطبّق ما يستطيع من الإسلام، والأعمال بالنيّات. وقديماً قيل: المفتي مفتيان: مفت ينقذ نفسه من النار، ومفت ينقذ سائله من النار.

والحركة الإسلامية المعاصرة تريد إنقاذ المسلمين من النار في الدنيا والآخرة. فهي تقدّم لهم الفتوى التي تناسب المجتمع لا الفرد. والمجتمع الإسلامي بلا شكّ يرجّح عند الموازنة حكماً جاهلياً يحقّق له بعض المصالح ويدرأ عنه بعض المفاسد، على حكم جاهلي آخر تقلّ فيه المصالح أو تنعدم، وتزيد فيه المفاسد أو تطغى.

ضوابط المشاركة في الأنظمة التي لا تحكم بالشرع

أولاً:ضابط المقصد

استفاضت النصوص على أنّ ولاية أمر الناس من التكاليف العظيمة، إذ لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، إذ أنّ بني آدم لا تتم مصلحتهم إلاّ بالاجتماع، لحاجة بعضهم البعض، ولا بدّ لهم عند الاجتماع من رأس .. إلى أن قال «فالواجب اتخاذ الإمارة ديناً وقربة يتقرّب بها إلى الله، فإن التقرّب إليه بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات».

ثم ذكر رحمه الله أنّ فساد حال الناس في باب الإمارة إنّما هو من الحرص على الرئاسة والمال .. وأنّ أهل الصلاح من المسلمين هم الذين يريدون المال والإمارة، لا من أجل العلو والفساد في الأرض، وإنّما من أجل التقرّب إلى الله سبحانه وتعالى، وجعل الدين له، وإنفاق المال في سبيله، وذلك صلاح الدين والدنيا.

قال رحمه الله: «ولمّا غلب على كثير من ولاة الأمور إرادة المال والشرف وصاروا بمعزل عن حقيقة الإيمان في ولايتهم، رأى كثير من الناس أنّ الإمارة تنافي الإيمان وكمال الدين» .. إلى قوله «فالواجب على المسلم أن يجتهد في ذلك حسب وسعه، فمن وَلِيَ ولاية يقصد بها طاعة الله، وإقامة ما يمكنه من دينه، ومصالح المسلمين، وأقام فيها ما يمكنه من الواجبات، واجتنب ما يمكنه من المحرّمات، لا يؤاخذ بما يعجز عنه، فإنّ تولية الأبرار خير للأمّة من تولية الفجّار».

بهذا يتبيّن أنّ من يشارك في الولاية بقصد تخفيف الظلم، وتقليل الفساد، ومناصرة الحقّ، ومراغمة الباطل، بحسب إمكانه فهو موفق صالح، وأمّا من أخذها إشباعاً لهواه ،ورغبة في العاجلة فلا شكّ في أنّه يفسد بها «وإنّما الأعمال بالنيّات» (والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا) وفساد من فسد بتولّي الوظائف العامّة في الدولة الكافرة أو الظالمة، لا يبطل مشروعية تولّيها، فإنّ عناصر من المسلمين قد يفسدون بالمال أو بالعلم الشرعي لكنّ ذلك لم يقم دليلاً على تحريم طلب المال أو العلم الشرعي.

ثانياً:ضابط الموازنة بين المصالح والمفاسد

ولقد اتفقت كلمة المحقّقين من أهل الأصول، من أنّ مبنى الشريعة على تحصيل المصالح وتكميلها، وعلى درء الفاسد وتقليلها، فكلّ مسألة خرجت من المفسدة إلى المصلحة فهي من لبّ الشريعة .. وإذا كان ترك الولاية العامّة للظلمة والفسقة ضرراً محقّقاً، فتولّي هذه الولايات للمسلم المريد للخير، الذي يستطيع أن يخفّف الظلم ضرره أقلّ، فيجب عند ذلك ارتكاب أخفّ الضررين.

قال العزّ بن عبد السلام:

«ولو استولى الكفّار على إقليم عظيم فولوا القضاء لمن يقوم بمصالح المسلمين العامّة، فالذي يظهر إنفاذ ذلك كله، جلباً للمصالح العامة، ودفعاً للمفاسد الشاملة، إذ يبعد عن رحمة الشرع ورعايته لمصالح عباده تعطيل المصالح العامّة، وتحمل المفاسد الشاملة، لفوات الكمال فيمن يتعاطى توليتها لمن هو أهل لها».

وننقل فيما يلي مقتطفات من أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ذكرها في فتاويه، وهي تدلّ على فقه دقيق يجدر بالعاملين للإسلام أن يهتدوا به:

من أقوال ابن تيمية:

«الولايات إذا كانت من الواجبات التي يجب تحصيل مصالحها من جهاد العدو، وقسم الفيء، وإقامة الحدود، وأمن السبيل، كان فعلها واجباً، فإذا كان ذلك مستلزماً لتولية بعض من لا يستحق،ّ ولا يمكنه ذلك، صار هذا من باب ما لا يتمّ الواجب أو المستحبّ إلاّ به فيكون واجباً أو مستحبّاً، إذا كانت مفسدته دون مصلحة ذلك الواجب أو المستحب. بل لو كانت الولاية غير واجبة، وهي مشتملة على ظلم، ومن تولاّها أقام الظلم، حتّى تولاّها رجل قصده تخفيف الظلم فيها، ودفع أكثره باحتمال أيسره، كان ذلك حسناً مع هذه النية».

وليس ما حرره ابن تيمية آنفاً مقصوراً على المشاركة في ظلّ دولة يقع فيها الجور، لكنّها تنفذ شريعة الله، بل هو أوسع من ذلك، فقد ضرب المثل بالنجاشي، حيث قام بما أمكنه بعد إسلامه، ولم يكن في استطاعته أن يقيم كثيراً من شرع الله، وكان بذلك ناجياً عند الله، إذ فعل ما هو مقدور له. وكذلك الشأن في يوسف الصدّيق حيث قال ابن تيمية: «ومن هذا الباب تولّي يوسف الصدّيق على خزائن الأرض، لملك مصر، بل ومسألته أن يجعله على خزائن الأرض وكان هو وقومه كفاراً كما قال الله تعالى: (ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبيّنات، فما زلتم في شكّ ممّا جاءكم به...) وقال (يا صاحبي السجن أأربـاب متفرّقون خير أم الله الواحد القهّار...).

ومعلوم أنّه مع كفرهم، لا بدّ أن تكون لهم عادة وسنّة في قبض الأموال وصرفها على حاشية الملك وأهل بيته وجنده ورعيّته، ولا تكون تلك جارية على سنّة الأنبياء وعدلهم، ولم يكن يمكنه أن يفعل كلّ ما يريد، وهو ما يراه من دين الله، فإنّ القوم لم يستجيبوا له، لكن فعل الممكن من العدل والإحسان، ونال بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل بيته، ما لا يمكن أن يناله بدون ذلك، وهذا كلّه داخل في قوله (فاتقوا الله ما استطعتم).

«ونقول: إذا ثبت أنّ الحسنات لها منافع، وإن كانت واجبة كان في تركها مضار، والسيّئات فيها مضار، وفي المكروه بعض الحسنات. فالتعارض إمّا بين حسنتين لا يمكن الجمع بينهما؛ فتقدم أحسنهما بتفويت المرجوح. وإمّا بين سيّئتين لا يمكن الخلوّ منهما؛ فيدفع أسوأهما باحتمال أدناهما. وإمّا بين حسنة وسيّئة لا يمكن التفريق بينهما؛ بل فعل الحسنة مستلزم لوقوع السيئة؛ وترك السيّئة مستلزم لترك الحسنة؛ فيرجّح الأرجح من منفعة الحسنة ومضرّة السيّئة.

فتبيّن أنّ السيئة تحتمل في موضعين: دفع ما هو أسوأ منها إذا لم تدفع إلاّ بها، وتحصل بما هو أنفع من تركها إذا لم تحصل إلاّ بها.

والحسنة تترك في موضوعين: إذا كانت مفوِّتة لما هو أحسن منها؛ أو مستلزمة لسيئة تزيد مضرّتها على منفعة الحسنة. هذا فيما يتعلّق بالموازنات الدينية.

وأمّا سقوط الواجب لمضرّة في الدنيا؛ وإباحة المحرّم لحاجة في الدنيا؛ كسقوط الصيام لأجل السفر؛ وسقوط محظورات الإحرام وأركان الصلاة لأجل المرض، فهذا باب آخر يدخل في سعة الدين ورفع الحرج الذي قد تختلف فيه الشرائع؛ بخلاف الباب الأول؛ فإنّ جنسه ممّا لا يمكن اختلاف الشرائع فيه وإن اختلفت في أعيانه، بل ذلك ثابت في العقل، كما يقال: ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشرّ، وإنّما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشرّ الشرّين، وينشد :

إنّ اللبيب إذا بدى من جسمه
مرضان مختلفان داوى الأخطرا»

«فإذا ازدحم واجبان لا يمكن جمعهما فقدّم أوكدهما، لم يكن الآخر في هذه الحال واجباً، ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوكد تارك واجب في الحقيقة.

وكذلك إذا اجتمع محرّمان لا يمكن ترك أعظمهما إلاّ بفعل أدناهما، لم يكن فعل الأدنى في هذه الحال محرّماً في الحقيقة، وإن سمّي ذلك ترك واجب، وسمّي هذا فعل محرّم باعتبار الإطلاق لم يضر. ويقال في مثل هذا: ترك الواجب لعذر، وفعل المحرّم للمصلحة الراجحة، أو للضرورة، أو لدفع ما هو أحرم.

وهذا باب التعارض باب واسع جداً، لا سيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوّة وخلافة النبوّة.فأقوام قد ينظرون إلى الحسنات فيرجّحون هذا الجانب وإن تضمّن سيّئات عظيمة، وأقوام قد ينظرون إلى السيئات فيرجّحون الجانب الآخر وإن ترك حسنات عظيمة، والمتوسطون الذين ينظرون الأمرين، قد لا يتبيّن لهم أو لأكثرهم مقدار المنفعة والمضرّة، أو يتبيّن لهم فلا يجدون من يعنيهم العمل بالحسنات وترك السيّئات، لكون الأهواء قارنت الآراء، ولهذا جاء الحديث : «إنّ الله يحبّ البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحبّ العقل الكامل عند حلول الشهوات».

«والحجّة على العباد إنّما تقوم بشيئين: بشرط التمكّن من العلم بما أنزل الله، والقدرة على العمل به. فأمّا العاجز عن العلم كالمجنون، أو العاجز عن العمل، فلا أمر عليه ولا نهي. وإذا انقطع العلم ببعض الدين، أو حصل العجز عن بعضه، كان ذلك في حقّ العاجز عن العلم أو العمل بقوله، كمن انقطع عن العلم بجميع الدين أو عجز عن جميعه كالمجنون مثلاً، وهذه أوقات الفترات، فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما كان بيانه لما جاء به الرسول شيئاً فشيئاً، بمنزلة بيان الرسول لما بعث به شيئاً فشيئاً، ومعلوم أنّ الرسول لا يبلّغ إلاّ ما أمكن علمه والعمل به، ولم تأت الشريعة جملة، كما يقال: إذا أردت أن تُطاع فأمر بما يُستطاع.

فكذلك المجدّد لدينه والمحيي لسنّته، لا يبلّغ إلاّ ما أمكن علمه والعمل به، كما أنّ الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يلقّن جميع شرائعه، ويؤمر بها كلّها». انتهت أقوال ابن تيمية.

الخلاصة

إنّ مقصود العمل السياسي هو السعي ليكون الحكم بما أنزل الله، ولتكون كلمة الله هي العليا. وقد تضافرت على ذلك قواطع النصوص ومحكمات الشرع، الدالّة على وجوب تحكيم شرع الله وإرساء قواعد البناء الاجتماعي على مقتضاه.

أمّا الوسائل المفضية إلى تحقيق هذه الغاية فهي متنوّعة بحسب مناسباتها، ومقتضياتها المرحلية التي تتكيّف مع ظروف الزمان والمكان والحال .. وعامّتها يندرج تحت مقاصد الشريعة العامّة وقواعدها الكليّة ..

والضابط العام في ذلك أنّها تدور في فلك السياسة الشرعية، ويتقرّر الحكم فيها في ضوء الموازنة بين المفاسد والمصالح، فما رجحت مصلحته على مفسدته أجيز، وما غلبت مفسدته على مصلحته منع، والفتوى تتغيّر بتغيّر الزمان والمكان والعوائد والنيّات.

وهذا الأصل يعمّ سائر المواقف التي تسلكها الحركة الإسلامية من عقد التحالفات، والمشاركة في المجالس النيابية، أو تولّي الوظائف العامّة في الدولة التي لا تحكم بشرع الله، وهذه ليست من مسائل الاعتقاد التي يقوم عليها الولاء والبراء، بل هي من مسائل العمل التي يتراوح الاجتهاد فيها بين أجرين وأجر واحد، إذا صدرت من أهل النظر المدركين لمراميها، المستفرغين لوسعهم في تحقيق شروطها وانتفاء موانعها، والجامعين بين محكمات الشرع ومقتضيات الواقع ومؤهّلات القدرة المعينة على تحقيق تلك المقاصد. ولقد كان إقصاء الإسلام عن الحكم بإلغاء الخلافة، وقيام أنظمة التجزئة العلمانية، التي

أثمرت الدكتاتورية والفقر والفساد والتخلّف وولادة المشروع الصهيوني، كان ذلك أكبر ضربة وجّهت للإسلام في تاريخه، وللعرب والمسلمين بل والإنسانية قاطبة. وما لم يضع المسلمون حداً لهذا الفصام النكد بين ضمائرهم المؤمنة، وأنظمتهم المنحرفة عن نهج الإسلام، فلن تقوم لهم قائمة ولن يعرفوا طريقاً إلى المجد والحضارة، فضلاً عمّا ينالهم من غضب الله.

والحركة الإسلامية المعاصرة منذ نشأت وهي دائبة على نهجها في الإصلاح الفردي والجماعي، وإعداد الأمّة لحكم الإسلام وعودة الخلافة الراشدة الموعودة. ولم يزدها ما لاقت من صنوف البلاء في طريق الدعوة والإصلاح والجهاد لإعلاء كلمة الله إلاّ مزيداً من الثبات، وموالاة البذل والعطاء.

ولأنّنا دعوة عالمية وسطية، تنبذ الغلو والتشدّد من حيث أتيا، وتدعو إلى الاستمساك بشرائع الإسلام، والعضّ عليها بالنواجذ، والتفاعل بها في اعتزاز مع تيّار الحياة المتجدّد، ومع اختلاف أحوال الشعوب والبلدان الإسلامية، فإنّ نظرها إلى مناهج الإصلاح أوسع من أن يستغرقه نهج واحد.فذلك تشدّد ينافي طبيعة الرسالة، وأحوال الشعوب المختلفة.

فما استمسك المؤمنون بشرائع دينهم، وصحّ منهم العزم على إقامتها في أنفسهم وواقعهم، إنفاذاً لأمر الله وتقرّباً إليه، ومنها ولا شكّ التزامهم بالشورى في كلّ أمرهم، فلا ضير عليهم بعد ذلك أن تتعدّد طرقهم إلى الله، ويبقى أحبّها إلى أنفسهم سبيل التدرّج في الإصلاح، ورعاية مصالح العباد وما يطيقون من التكاليف.

ومن ذلك أنّه إذا تعذّر عليهم إنفاذ الواجب من أمر الله بإقامة حكمه في ظرف معيّن، اختلّت فيه موازين القوى لصالح عدوّهم، بسبب قلّة عددهم، أو بسبب فشوّ الجهل بين أغلب المسلمين، أو بسبب تسلّط عدوّ خارجي أو داخلي، وأفضت شوراهم إلى أنه ممّا تدرأ به المفاسد، وتتحقّق به بعض المصالح، أو ممّا تدرأ به المفسدة الأعظم كالدكتاتورية، ومنع حرّية الدعوة أو تسلّط الأجنبي على الوطن الإسلامي، أو فشوّ المجاعة أو تعرّض الجماعة للتنكيل، أن يشاركوا في إدارة أو حتّى في تأسيس حكم غير إسلامي، فليس عليهم من ذلك بأس، بل هم مأجورون عند الله ما أخلصوا النيّة وأصلحوا العمل.

ذلك أن حكم الإسلام قد يكون متعذّراً، لا سيّما وأن حوالي ثلث الأمّة الإسلامية اليوم هم أقليّات مقيمة في بلاد غير إسلامية معرّضة للتهميش، وحتّى الاستئصال، ولا يستطيعون فرض حكم الإسلام، وليس من مصلحتهم اعتزال الحياة السياسية جملة.

ودعوتهم إلى هجرة أوطانهم ليس ممكناً ولا هو صالح. وأكثر المسلمين اليوم مستضعفون في بلادهم الإسلامية، وقد يكون مبلغ طموحهم توفّر قدر من العدالة والحرّيات العامّة وحقوق الإنسان، ومنها حرّية الدعوة إلى الإسلام، والمشاركة في تكوين الجمعيّات والنقابات والأحزاب، والتنافس على إدارتها مع الجماعات العلمانية، والمشاركة في إدارة الشؤون العامّة عبر الصحافة والمشاركة في الانتخابات. فإذا طمحوا إلى ما هو أبعد من ذلك تعرّضوا للسحق والإبادة، وتعرّض الإسلام حتّى في شعائره إلى المطاردة والإقصاء.

إن ما يفهمه الإخوان من رسالة الإسلام لا يمنع، في حال تعذّر قيام حكم الإسلام، من المشاركة في إقامة أو إدارة سلطة تتوفّر على أقدار من العدالة وحقوق الإنسان، حتّى وإن لم تتأسس تلك القيم الإنسانية التي هي جزء من الإسلام على عقائد الإسلام. فإن السياسة الشرعية كما عرّفها إبن عقيل: «فعل يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يصفه الرسول ولا نزل به وحي» (ابن القيّم، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، ص 13).

مع تأكيد أنّ ذلك هو خلاف الأصل الذي هو وجوب الاحتكام إلى شريعة الإسلام وإقامة دولته، وهو ما يجب أن يكون ديدن كلّ مسلم، وحلم يقظته ومنامه، والمقصد الأسنى للحركة الإسلامية الذي ينبغي أن يبذل فيه الوسع، وتسترخص الأنفس والأموال، وتقدح العقول وتحرض الأمّة وتجمع صفوفها، من أجل العمل المنظّم الدائب لتغيير موازين القوى في العالم، مرضاة للربّ وعزّة للأمّة وخيراً للإنسانية.