الحركة الإسلامية السوادنية من التنظيم إلى الدولة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
حركة الإسلامية السودانية من التنظيم إلى الدولة (19492000)

د. على عيسى عبد الرحمن

مقدمة

ساهمت الحركة الإسلامية السودانية في الحراك الديني السياسي والثقافي بالسودان منذ أن بدأت وهي تتلمس خطاها نحو المسير أن نضجت وهي تتوج مشوارها كبديل.

ألفت المؤلفات عن نشأة الحركة الإسلامية وتكوينها وتطورها وقد كان معظم ما كتب عنها عبارة عن توثيق تاريخي يتناول تطورها عبر التسلسل التاريخي .

ليأتي هذا البحث بالإضافة إلى التاريخ التوثيقي متناولا بعض القضايا والمشكلات التي واجهت الحركة الإسلامية سواء قبل التمكين أو بعده .

كما تناول هذا البحث كيف تم الإعداد للدولة ومشكلات التأمين والتمكين وجهود التأصيل وما قامت به مستشارية التأصيل في هذا المجال .

رجع الباحث إلى ما صدر من رموز قيادية بالحركة وما سطرته الأقلام التي كتبت عن تجربة الحركة الإسلامية منذ نشأتها إلى مرحلة الجبهة الإسلامية القومية وما بعدها لمسيرة حركة أحدثت الأثر الكبير في الحياة السودانية .

لقد كان دافعي من كتابة هذا البحث هو التوثيق لفترة تاريخية مر بها السودان ومرت بها الحركة الإسلامية . وحتى تقف الأجيال القادمة على مجاهدات الحركة الإسلامية بالسودان كان لابد من عمل يوثق لهذه الحركة وقد شجعني على القيام بهذا العمل ما قرأته لمؤلفين غير سودانيين كتبوا عن الحركات الإسلامية ببلدانهم .

أرجو أن يكون هذا البحث مقدمة لبحوث أخري تتناول الحركة لإسلامية السودانية من زوايا مختلفة دفعا للحراك المعرفي .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
د. على عيسي عبد الرحمن
الخرطوم 19/2/2006 م

الفصل الأول:الحركة الإسلامية النشأة والتطور

المبحث الأول:الحركة الإسلامية السودانية (النشأة)

نشأت الحركة الإسلامية السودانية في العام 1949م حيث بدأت بداية متواضعة من عناصر طلابية استفزها الواقع بأطروحاته في ذاك الوقت فرأت أن تتمرد عليه وتطرح البديل الإسلامي وفي ثنايا هذا لظرف وفي وسط الطلاب نشأت الحركة من عناصر طلابية تائبة إلى الدين..

من بعد ما غشيت بعضهم غاشية الشيوعية واستفزت بعضهم أطروحاتها السافرة في التي فرضها التعليم النظامي الذي يسوسه الإنجليز فنبتت النواة الأولي للحركة في صميم البيئة الطلابية بجامعة الخرطوم وفروعها في المدارس الثانوية ولم تتخرج تلك الثلة المسلمة من الطلاب إلا نحو 1955 م.

يوضح هنا الشيخ الترابي نشأة الحركة الإسلامية السودانية وذلك عام 1949م وأما عن دواعي النشأة فهو استفزاز أطروحات الشيوعيين والتي تنافي العقيدة وتعكس وجها ملحدا لا يتماشي وعقيدة السودانيين؛

كما يبين سببا آخر دعا لإنشاء الحركة الإسلامية السودانية وهو المتمثل في غلبة التصور والأنماط التي فرضت من قبل التعليم النظامي الذي يسوسه الإنجليز ليصبح السبب الآخر هو غربة التعليم الذي خطط له الإنجليز لخدمة أهدافهم فهذان السببان وراء نشأة الحركة الإسلامية السودانية والتي تكونت بالجامعة الخرطوم وفروعها من الثانويات؛

ولعل في هذا الإيضاح بيان لمفاهيم ظلت سائدة في أذهان كثير من السودانيين والعالم بأن الحركة الإسلامية السودانية إنما هي امتداد طبيعي ومولود شرعي لحركة الإخوان المسلمين بمصر بينما الحقيقة وكما تروي هنا بأن الحركة الإسلامية السودانية سودانية النشأة والأصل ولا بأس بأن تأثرت بأدبيات الحركات الإسلامية في مصر أو باكستان

وكان هذا المشروع الطلابي الإسلامي موازيا نشأة لرافد شعبي محدود قام فرعا لحركة الإخوان المسلمين المصرية عبأته زيارات من دعاتهم الذين وفدوا في سياق تحرك مصر عامة نحو السودان ووجدوا قبولا خاصا في الدوائر التي كانت أميل للإتحاد مع مصر ويضيف وكانت هاتان الحركتان المتوازيتان تتصلان ولا تتحدان .

ولكن انقطاع المدد الإخواني من مصر بما اعتري لحركة من ابتلاء هناك وقوة الخريجين الصاعدة في قيادة المجتمع السياسي في السودان والصلابة النسبية لحركة الطلاب أمور تناصرت لتجعل للمنظومة التي نشأت في الجامعة وراثة لحركة الإسلامية في السودان .

ذكر هنا الترابي العوامل التي جعلت الحركة الإسلامية التي نشأت في السودان هي الوارثة للعمل الإسلامي بديلا عن الوافدة وما يلبث أن يذكر الشيخ بأن الحركة الوارثة أيضا كانت الحركة في هذه المرحلة أقرب إلى أن تكون عالة في زادها الفكري والتنظيمي على الخارج وكانت تتناول أغلب أدبها من كتب الإخوان المسلمين في مصر أو كتابات المودودي وكذلك كانت أشكال التنظيم السائدة فيها هي تقريبا من التجارب التنظيمية في مصر .

يري د. حسن مكي أن الحركة الإسلامية كانت استجابة لثلاثة تحديات تتمثل:

  1. انحلال المجتمع الإسلامي وابتعاده بالتدرج عن القيم الإسلامية وفقدانه لأسباب الحيوية والنشاط خاصة بعد أن فقدت الخلافة الإسلامية .
  2. الاستعمار الأوروبي الذي أضاف تعقيدا جديدا للوضع المتردي حيث عمل على استئصال الحضارة الإسلامية عمق الشعور بالنقص مما أدي إلى فساد الحياة الفكرية والثقافية لغياب الحرية .
  3. النشاط العلماني والذي تجسد في الإدارات السياسية الموجودة في البلاد وكانت حركته شرسه جدا وعدائية خاصة اليسار العلماني .
  4. تكون هذه الأسباب وغيرها تداخلت واستفزت الشعور الطلابي المسلم في ذلك الوقت وأدي هذا الاستفزاز إلى تكوين الحركة الإسلامية السودانية التي هدفت إلى العودة بالأمة إلى نقاء المجتمع الإسلامي الأول والانتقال بها من التمزق والشتات إلى الوحدة والانسجام ورد الخلق عن كل ما يمكن أن يفتنهم ويبعدهم عن تعاليم الإسلام وعبادة الله

ومن هنا فإن الحركة هي حركة إصلاح وتغيير اجتماعي تتخذ من التربية الإسلامية والسياسية أداة للتغيير الحضاري الذي يؤدي بالمجتمع الإسلامي إلى العودة لمكان الريادة الحضارية في إطار الإسلامية نفسها بأنها جماعة إسلامية مقرها السودان؛

وأنها حركة إسلامية تجديدية شورية تجمع بين الأصالة والمعاصرة وبين السلفية والاجتهاد والثورة والإصلاح فهي إسلامية لأنها تنطلق من الكتاب والسنة وتعتصم بالشريعة الإسلامية وتجاهد لتطبيقها وهي تجديدية لأنها تسعي لتجديد أمر الدين وهي شورية لأنها محكومة في سعيها النظري والعلمي بالشورى والقيادة الجماعية على مستوي الأجهزة وحركة التنظيم عامة لذا فالشورى في أدب الجماعة ملزمة وحاكمة .

المبحث الثاني:جبهة الميثاق الإسلامي

المطلب الأول:التكوين

إن انضمام د. الترابي إلى العمل الإسلامي المنظم وقبل أن يبلغ عمره ثمانية عشر عاما كان له الأثر في أن يتمرس على العمل الدعوي والسياسي فبالإضافة إلى تمكنه من العلوم الشرعية مبكرا فقد ساعده ذلك في أن يكون له مستقبلا واضح المعالم ليقود جبهة الميثاق "وقد كان لوالده أثر قوي على مستقبل ابنه د. حسن الترابي والذي حفظ القرآن على يديه يافعا أطلع على علوم القرآن وتفاسيره وجملة من علوم اللغة والتوحيد مما يدرس في المراكز العلمية الدينية في السودان"

هذه الخلفية العلمية هي التي جعلته لا يتردد في الانضمام إلى العمل الدعوي المنظم حيث انضم إلى مجموعة من الطلاب الإسلاميين في مدرسة حنتوب الثانوية "وفوق ذلك فقد خذ الإبن عن أبيه عاطفة دينية قوية كانت هي الحافز له للإنضام لثلة من الطلاب الإسلاميين في مدرسة حنتوب الثانوية في النصف من عقد الأربعينات ثم ما لبث أن التحق بحركة التحرير الإسلامي التي أنشئت بالجامعة 1949م حيث أصبح من أهم كوادرها واصلب عناصرها مما أهله لولاية أمارتها عام 1954م إبان انعقاد مؤتمر العيد وهو المؤتمر التأسيسي الفعلي للحركة الإسلامية السودانية والذي انطلقت من بعده للمجتمع الواسع بهمة عالية وخطة قاصدة وسعي حثيث"

هكذا وضح أن د. الترابي كان له من الإمكانيات المتوفرة التي تؤهله لقيادة العمل الدعوي منذ فترة مبكرة وقد وجد في العمل الدعوي ضالته المنشودة وواصل عطاءه الثر في هذا المجال في وقت لا يفيد فيه المجهود الفردي للدعوة مهما بلغ بل لابد من عمل جماعي منظم ومؤسس..

حتى تري الدعوة النور فهو لم يكتف بالعمل الدعوي في الثانويات فقد واصل الدعوة إلى الله من خلال التحاقه بحركة التحرير الإسلامي حيث كان من أهم كوادرها واصلب عناصرها مما أهله لأن يصبح أميرا لها اجتمعت عدة أسباب أدت إلى تكوين جبهة الميثاق الإسلامي كما اجتمعت عدة أسباب أدت إلى اختيار د. الترابي أمينا عاما لجبهة الميثاق الإسلامي.

وعلي صعيد ذكر العوامل التي ساهمت في رفع أسهم د. الترابي فبالإضافة إلى علمه الغزير نجد أن حنكته السياسية كانت وراء قيادته لجبهة الميثاق الإسلامي حيث أسهمت ثورة أكتوبر في إظهاره كقائد محنك لعب دورا كبيرا إبان الثورة مما جعله رقما لا يمكن تجاوزه " رفعت أحداث ثورة أكتوبر 1964م من مكانة الإسلاميين لأن الأدوار الرئيسية كانت من نصيبهم كما ارتفعت أسهم الترابي ولمع اسمه ابتداء من الندوات

ثم مؤازرته للطلاب في ظروف الثورة الأولي وإشرافه على نقل الجرحي مرورا بقيادته لهيئة الأساتذة في موكب التشييع والاستقالات الجماعية انتهاء بصلاته مع السياسيين وتحريكه للخيوط حتى سقوط سلطة العساكر مما أدي إلى اتساع فرصة السياسة له لذا فقد فرغه الإخوان وانتخبه المكتب السياسي لجبهة الميثاق كسكرتير عام .

هكذا نري الأسباب التي أدت إلى اختيار د. الترابي أمينا عاما لجبهة الميثاق الإسلامي أما أسباب اختيار هذا المنصب داخل هيكل الحركة الإسلامية فيعود إلى توسيع وظائف المكتب التنفيذي وتحديد اختصاصاته وإيجاد كيان جماهيري وبموجب ذلك تواضع المؤتمرون على اختيار صيغة جبهة الميثاق الإسلامي " في يوم خميس 25 /11/1964م

وفي جلسة مكتملة لمجلس الشوري نوقش التعديل الدستوري الخاص بتوسيع وظائف المكتب التنفيذي وتحديد اختصاصاته وأقرت وظيفة الأمين العام وبعد ذلك نوقشت الترشيحات المقدمة وانتخب حسن الترابي فيما يشبه الإجماع كما اقرأ المجلس خلق كيان جماهيري ورسي الأمر على اختيار صيغة جبهة الميثاق الإسلامي .

لقد تحدث أكثر من مرجع عن أهلية د. الترابي لقيادة جبهة الميثاق الإسلامي لمؤهلاته الدعوية والسياسية الترابي لذي ارتفعت أسهمه ولمع اسمه في ظروف الثورة فكان هو الواجهة القيادية المثلي لتنظيم الإخوان ومن ثم لم يكن هنالك من الناحية العملية وتجاوزا لمقتضيات لظرف السياسي بإعلان حسن الترابي أمينا عاما للإخوان المسلمين .

إذ اجتمع مجلس الشوري يوم الخميس 25/11/1964م ونوقش التعديل الدستوري الخاص بتوسيع وظائف المكتب وتحديد اختصاصه وأقرت وظيفة الأمين العام وبعد ذلك نوقشت الترشيحات المقدمة وانتخب الترابي فيما يشبه الإجماع.

لقد قاد د. الترابي جبهة الميثاق الإسلامي كأول تنظيم دعوي وسياسي في السودان يهدف إلى جعل الإسلام نظاما للحياة والتخلص من كل الأنظمة التي تخالف الإسلام وتروج للإلحاد .

وقد صدر ميثاق الحركة الإسلامية في بداية عام 1965 وهو بمثابة برنامج جبهة الميثاق الإسلامي وهو يتكون من أربعة أبواب حيث يبد الباب الأول بسؤال لماذا تنادي بالإسلام نظاما للحياة وفيه الإجابة عن نظام الإسلام كبديل لسائر الأنظمة التي تنظم الحياة وتناول الباب الثاني النظام الدستوري بينما تناول الباب الثالث المشكلة الاقتصادية وكيفية الخروج منها وتناول الباب الأخير النظام الإجتماعي وفق لما تقره الشريعة الإسلامية .

المطلب الثاني:الحركة الإسلامية في الفترة ما بين 55–1964م

مرت الحركة الإسلامية السودانية بمراحل مختلفة كانت حصاد تفاعلات مع الواقع وقد تباينت المراحل من شدة وقسوة مع الدعاة الإسلاميين إلى مصلحة وعفو إلى تحالف وتنسيق وفي كل هذه المراحل كانت الحركة الإسلامية ثابتة وفق للمبدأ .

تلت مرحلة النشأة والتكوين مرحلة التوسع والانتشار جاءت هذه المرحلة بعد استقلال السودان سياسيا واستمرت من عام 1955-1959م وفي هذه الفترة توسعت الحركة بتخرج روادها الجامعيين وانفتاحهم على المجتمع السوداني؛

كما أنها استوعبت الطلاب السوادنيين الذين تخرجوا من الجامعات المصرية والذين أصبحت لهم تجربة بالعمل الحركي نتيجة لاستيعابهم تجربة الحركة الإسلامية هناك بالإضافة لذلك فقد احتوت الحركة الإسلامية السودانية حركة "الإخوان المسلمون" فرع مصر بالسودان وأصبح اسم الحركة في هذه المرحلة "الإخوان المسلمين"

أخذت الحركة تلعب دور الجماعة الضاغطة من أجل أحداث التحول الإسلامي لذلك فقد ظهرت الدعوة لأول مرة بالصحف وبالخطابات العامة من أجل تحقيق هذا الهدف وأخذت تسهم في مجال التوعية السياسية على أساس إسلامي على كافة المستويات الرسمية وغير الرسمية في السودان ومن ضمن ذلك لفت انتباه القادة والجماهير السودانية لقضايا الدستور الإسلامية وتأسيس الجمهورية الإسلامية والمجتمع الإسلامي في السودان .

المرحلة التالية هي مرحلة الجمود والانكماش حيث استمرت مرحلة الجمود هذه بين الأعوام 1959-1964م في هذه المرحلة كان السودان يرضخ تحت سيطرة الحكم العسكري الذي جاء في أعقاب الانقلاب العسكري الذي قام الفريق إبراهيم عبود ومجموعة من الضباط العسكريين السودانيين في 17 نوفمبر عام 1958 وقد ركز هؤلاء الضباط على إدارة البلاد وتعميرها دون إعلانهم عن إتباع أى مذهب سياسي .

وتعتبر هذه المرحلة مرحلة إنكماش للعمل الحركة العلني خوفا من سياسة القهر العسكرية ولذلك فقد رجعت الحركة جزئيا للعمل السري حفاظا على استمرارية وجودها وسلامة أفرادها وخاصة الطلاب وهذه الفترة كمون لأن الحركة واجهت لأول مرة ما توهمته خطر محنة وابتلاء والحقيقة أن الحركة فزعت إلى حذر بالغ دون أن تلاقي ابتلاء وذلك من فرط اعتبارها بما حدث في مصر فانفعلت انفعالا شديدا بالخوف وكمنت كمونا حادا لأول عهد

تجمدت الدعوة العامة والعلنية في هذه الفترة ولكن في نفس الوقت تفرغت الحركة للعمل الثقافي وتخريج القيادات الطلابية الإسلامية للتعويل عليها في العمل المستقبلي كما طرحت للحوار عدة مسائل تهم الحركة ومستقبلها السياسي مثل القيادة الجماعية ومسألة التربية وماهية الحركة هل هي هيئة للضغط السياسي من حزب يرغب في الوصول إلى حكم البلاد كذلك طرحت للحوار والنقاش مسألة العلاقة بالسياسة وبالتيارات السياسية الأخرى بالسودان.

في نهاية هذه المرحلة وبعد أن ترك الحزب الشيوعي الجبهة المعارضة للسلطة العسكرية أصبحت الحركة الإسلامية هي القوة الأولي التي تقف في وجه هذه السلطة وبذلك قويت شوكتها ولعبت دورا بارزا في القضاء على أول حكم عسكري في السودان فصارت هي التي تبادر في التحريض على الحكم عن طريق المؤتمرات والندوات والمنشورات وشجعت الطلاب الجامعيين على قيادة الثورة في البلاد.

تلت مرحلة جمود الحركة الإسلامية ما عرف بمرحلة التطور والقوة وامتدت هذه المرحلة بين سنوات 19641969م وتعتبر هذه الفترة فترة الاندفاع وعهد الحرية الواسعة والمد الشعبي الذي زلزل الأحزاب السياسية الأخرى.

وتعتبر هذه الفترة عهد النشاط السياسي الواسع للحركة الإسلامية من خلال المؤسسات الشعبية والقوة العامة التي أرست أركانها قويا بين أفراد الشعب السوداني؛

كما أنها تعتبر قبل كل هذا عهد ثورة أكتوبر 1964م والتي قادته الحركة الإسلامية على أكتاف الحركة الطلابية السودانية بتجاوب من قبل قطاعات العمال والموظفين في الدولة والتي شاركت في الأحزاب السياسية ضد السلطة العسكرية لقد نتج عن هذا العمل الثوري للحركة السياسية إن تضاعفت ثقتها وقوتها وسمعتها داخل السودان

مما أدي إلى سرعة انتشارها بين الشعب السوداني فلم تعد الحركة تكتفي بالحملات التعبوية الشعبية العفوية بل أرادت أن تكون المحور الأساسي للولاء الشعبي حيث أسست ما أسمته "جبهة الميثاق الإسلامي" والمؤسسة على منهاج مكتوب وضعه أفراد الحركة؛

حيث استطاعت أن تجمع من حولها الجماعات الإسلامية الأخرى في حركة سياسية موحدة وفي أول اجتماع تأسيس لهذه الجبهة تم اختيار الدكتور حسن الترابي كأمين عام لجبهة الميثاق الإسلامي وكان ذلك في السادس من ديسمبر عام 1964م.

المطلب الثالث:جبهة الميثاق وانتخابات 1965

لقد كانت السياسة بمثابة الواجهة التي أطل بها العمل الدعوي لدي جبهة الميثاق حيث رأت أن تخوض الانتخابات البرلمانية التي أعقبت ثورة أكتوبر 1964م وقد كان دخول جبهة الميثاق الإسلامي انتخابات 1965م مرتبطا بإستراتيجية العمل الإسلامي في مرحلة ما بعد أكتوبر

والتي تبلورت في الآتي:

  1. تحقيق التغيير الإسلامي عن طريف المشاركة السياسية في المؤسسات الدستورية.
  2. تحويل الحركة الإسلامية من جماعة صفوية محدودة إلى كيان جماهيري عريض .

بظهور نتائج الانتخابات فازت جبهة الميثاق الإسلامي في خمس دوائر إقليمية إما دوائر الخريجين فقد فازت في دائرتين وجاء أمين عام الجبهة حسن الترابي على رأس قائمة الخريجين .

رغم ضآلة ما تحصلت عليه جبهة الميثاق الإسلامي في انتخابات 1965م إلا أنه يعد مكسبا لها نسبة لقصر عمرها التنظيمي وبالتالي قصر الممارسة السياسية وقد أثبتت جبهة الميثاق فعاليتها بعد أن تكونت الحكومة الائتلافية برئاسة المحجوب حيث برز دور المعارضة الإسلامية النافذ؛

وبعد أن قدمت الحكومة خطاب دورتها تلا ذلك خطاب جبهة الميثاق الذي قدمه د. الترابي الذي نادي بضرورة الاهتمام بقضايا الأقلية المسلمة المنتشرة على امتداد العالم "تكونت الحكومة الائتلافية في يونيو 1965م برئاسة محمد أحمد محجوب من الحزبين الكبيرين "الأمة والوطني الاتحادي" وقدمت الحكومة خطاب دورتها وتلاه حسن الترابي الذي بسط آراء منبر الإسلاميين " هل نحن عرب أم أفريقيون ؟

إننا ننتمي إلى أفريقيا الوسطى المسلمة خاصة فعلينا أن نؤيد قضايا أفريقيا المختلفة كموزمبيق وانجولا والكونغو وأن نناصر قضايا الشعوب التي تجاورنا بوجه خاص وننتمي كذلك للدول العربية بحكم الدين واللغة والتاريخ ونهتم بقضايا الدول الإسلامية كمشكلة كشمير ومشكلة مسلمي آسيا الوسطي

هكذا كان الخطاب الذي ألقاه د. الترابي الأمين العام لجبهة الميثاق الإسلامي لقد عبر الخطاب عن الهوية السودانية وضرورة مناصرة الشعوب الإسلامية تلك المناصرة التي لم تقف عند حدود كشمير وآسيا الوسطي بل تعدتها لتعلن التضامن الشامل مع قضايا المسلمين أينما وجدوا

وها هي جبهة الميثاق الإسلامي تخرج في مظاهرة بقيادة د. الترابي منددة بعملية اغتيال حمد بيلو وأبا بكر تفاو بيلو داعيتا التضامن الإسلامي بنيجيريا روع العالم الإسلامي باغتيال الشهدين أحمد بيلو وأبا بكر تفاو بيلو داعيتا التضامن الإسلامي كتمهيد لانقلاب عسكري لانتزع السلطة على أثر الفوضي والارتباك اللذين صاحبا الحادث كان للحدث صدي واسعا في السودان..

فخرجت جماهير الإسلاميين يقودها حسن الترابي وهي تهتف "حمد بيلو شهيد خالد" حتى انتهت إلى سفارة نيجيريا حيث رفعت مذكرة استنكار للسفير كما قدمت اللجنة المركزية لجبهة الميثاق الإسلامي بمقابلة سفراء الدول الإسلامية لشرح قضية نيجيريا .إن اهتمام جبهة الميثاق بقضايا المسلمين عالميا يعطي جبهة الميثاق البعد العالمي المطلوب لعالمية الإسلام .

المطلب الرابع:جبهة الميثاق وحل الحزب الشيوعي

لقد بذلن جبهة الميثاق الإسلامي جهودا كبيرة لإسقاط عضوية النواب الشيوعيين بالجمعية التأسيسية وقد تقدم د. الترابي بالاقتراح الذي تم بموجبه إسقاط عضوية الشيوعيين وذلك أثر البذاءات التي وجهها طالب شيوعي بمعهد المعلمين العالي بأم درمان

حيث اتهم بيت الرسول صلي الله عليه وسلم بممارسة الدعارة وافتخر بأنه تحر من خرافة الله:

" في مساء الاثنين الثامن من نوفمبر 1965 م وأثناء ندوة عن قضية الدعارة بمعهد المعلمين العالي بأم درمان وقف طالب بالمعهد يدعي شوقي محمد ليقول من خلال مكبرات الصوت أنني شيوعي وملحد وأفخر بأنني قد تحررت من خرافة الله وغير آسف على فقد الحور والولدان أما عن الدعارة فهي فطرة غريزية في الإنسان وفي بيت الرسول كانت تمارس الدعارة ".

لقد استثمرت جبهة الميثاق الإسلامي هذا الحدث ولم تتركه يعبر دون أن تسجل موقفا مشهودا حيث استطاعت تعبئة الشعب السوداني ضد الحزب الشيوعي مما أدي إلى حله داخل الجمعية التأسيسية "وقد استطاعت جبهة الميثاق الإسلامي أن توجد المد الشعبي المعادي للشيوعية ببياناتها المتلاحقة واتصالاتها مع قادة الأحزاب وهيئة العلماء والمحكمة الشرعية التي أصدرت الفتوى أن هذا الطالب كافر وملحد وأن كل من ينتمي إلي الحزب الشيوعي كافر وملحد"

لقد تقدم د. الترابي بالاقتراح الذي حل بموجبه الحزب الشيوعي في الجمعية التأسيسية "في يوم 29/12/1965 م تقدم د.الترابي بالاقتراح الذي تم بموجبه إسقاط الأعضاء الشيوعيين بالجمعية التأسيسية"

إن تبني د. الترابي لخط إسقاط الشيوعيين من الجمعية التأسيسية يتماشي مع الخط العام الإسلامي الذي يري ضرورة أن يحارب الإلحاد والأفكار المنحرفة عن الشريعة الإسلامية .

المطلب الخامس:جبهة الميثاق والدستور الإسلامي

وقد تقدمت جبهة الميثاق بمشروع تعديل الدستور وقد قدم المشروع حسن الترابي "طرحت جبهة الميثاق الإسلامي رأيها في مسألة تعديل الدستور في 5 يوليو 1965م بالجمعية التأسيسية أثناء مناقشة التعديل الأول للدستور والمتعلق بإضفاء صفة الدوام على رئاسة مجلس السيادة ففي هذه الجلسة قدم الترابي رأي جبهة الميثاق

حيث قال:

" إن مشروع هذا التعديل للدستور يثير قضيتين الأولي دستورية والثانية سياسية فمن الناحية الدستورية فإن الدستور في رأينا قابل للتعديل؛وبما أنه كان لى شرف الاشتراك في تعديل الدستور المؤقت فإن صمت الدستور في هذه الناحية قد قصد به شيئان..
الأول أن يمر الدستور بمرحلتين حكم مجلس الوزراء الانتقالي الذي لم نكن نريد له أن يعدل في الدستور ولذلك تركت مسألة التعديل خارج نصوص الدستور والثانية مرحلة الجمعية التأسيسية فلم نشر إليها فيما لو كانت تملك حق تعديل الدستور وقد كانت هناك وعود سياسية للجنوبيين في كيفية العلاقة بين الشمال والجنوب وعدم الفصل فيها حتى يجئ وقتها "

عندما تأكد لجبهة الميثاق الإسلامي عدم جدية حكومة المحجوب لتعديل الدستور حتى يتماشي مع الدستور الإسلامي طرحت جبهة الميثاق الثقة بحكومة المحجوب واستطاعت أن تسقطها "طرحت جبهة الميثاق الإسلامي الدستور الإسلامي إذ لم يكن المحجوب متحمسا لا للدستور الإسلامي ولا الجمهورية الرئاسية بل كان من أنصار البرلمانية"

لقد أسقطت جبهة الميثاق الإسلامي حكومة المحجوب الأولي فقط لأنها رفضت الدستور الإسلامي وفي ذلك إشارة إلى نفاذ الصوت الإسلامي عبر الجهاز التشريعي بالبلاد إن اهتمام جبهة الميثاق بالدستور الإسلامي جعلها تدخل انتخابات 1968م

وهي ترفع شعار إجازة الدستور الإسلامي الذي نادت به واشترطت أن يتضمن الدستور النقاط الأساسية التالية:

  1. أن تعرف الدولة بأنها جمهورية إسلامية .
  2. أن تكون الشريعة الإسلامية هي مصدر القوانين
  3. أن تبطل كل القوانين المخالفة للشريعة الإسلامية
  4. أن تحرم الدعوة لترويج الشيوعية والإلحاد.
  5. أن توضع فلسفة البلاد التعليمية على أساس من التربية الإسلامية .
  6. أن تهدف الدولة لاقتلاع جذور الفساد والانحلال والأخلاقي .

لقد برز اهتمام الجبهة بمسألة الدستور الإسلامي ونادت باتخاذ الشورى والنظام النيابي ونادي البيان الانتخابي لجبهة الميثاق الإسلامي بربط الحياة والمؤسسات الشورية بالإسلام "إعادة الثقة في النظام النيابي الشوري لأنه أكثر الأنظمة تحقيقا لكرامة الإنسان وسنكون في تطبيقنا للشورى مبتكرين لا مقلدين وفق حاجيات البلاد وظروفها الموضوعية ولا شئ يكسب مؤسسات الشورى احترام الشعب وتقديره أكثر من ربطها بالإسلام والتزامها بحكمه "

كان دور د.الترابي واضحا في الحياة إبان الأحداث التي أعقبت ثورة أكتوبر حيث له دور في مداولات المائدة المستديرة الذي عنى بمشكلة الجنوب كما قام بمجهود واضح في صياغة مشروع الدستور الدائم للبلاد عام 1968م

وبعد ثورة أكتوبر استقال الترابي من عمادة كلية القانون بجامعة الخرطوم حيث تفرغ لزعامة جبهة الميثاق الإسلامي وفي أول انتخابات بعد الثورة حاز على أعلي الأصوات في دوائر المثقفين ودخل الجمعية التأسيسية حيث واصل جهاده لمعالجة مشكلة الجنوب وقد اختارته الأحزاب الشمالية مفاوضا بإسمها في لجنة الاثني عشر المنبثقة عن المؤتمر كذلك اضطلع الترابي بدور مؤثر في إعداد وصياغة مشروع الدستور الدائم للبلاد عام 1968م.

لقد كانت جبهة الميثاق تجسيدا للخط الاستراتيجي الذي تبنته الحركة الإسلامية حيث حققت الانفتاح وتحولت الحركة الإسلامية من صفوية إلى جماهيرية وسعت لتحقيق التغيير الإسلامي عن طريق المشاركة السياسية في الأجهزة الدستورية .

لقد استخدمت جبهة الميثاق الإسلامي شتي وسائل التأثير لتوصيل رسالتها المتمثلة في ضرورة العودة إلى الحياة الإسلامية "لقد كان نجاح جبهة الميثاق الرئيسي هو في عملها كهيئة ضغط فكري داخل الجمعية التأسيسية وفي اللجنة القومية للدستور وخارج المؤسسات وقد تجد أثر الجبهة القوي كجماعة ضاغطة في قضية حل الحزب الشيوعي وفي حملتها من أجل الدستور الإسلامي وفي تأثيرها على البرامج السياسية للأحزاب الأخرى إذ بدأت هذه الأحزاب تتجه نحو المنهجية في سلوكها السياسي وطرحها لقضايا التغيير"

إن تجربة جبهة الميثاق الإسلامي فتحت آفاقا واسعة جديدة في العمل الإسلامي وطرحت تحديات فكرية وثقافية وسياسية جديدة ترددت أصداؤها في الساحة القومية وفي مسيرة الحركة الإسلامية الحديثة .

لقد لعبت جبهة الميثاق الإسلامي دورها المميز في تعريف الشعب السوداني بماهية الدستور الإسلامي حيث صار الشعب مهيئا للنظام الإسلامي وقد كان للدور الذي قام به د الترابي أثره الواضح في تنظيم وترتيب العمل الدعوي داخل الجبهة ولقيادته الرشيدة للعمل أثرها في تماسك أعضاء الجبهة وبذل المزيد من العمل الدعوي وفق رؤى تجديدية مبتكرة

وأما التيار الأغلب في الحركة الإسلامية بالسودان فقد تلقى دعوة التجديد بالتقدير الكبير لدواعيها والفهم العميق لمغازيها فأدرجتها الحركة ضمن منهاجها الفكري بل مرتكزا أصيلا لهذا المنهاج الفكري وقد حركت هذه الدعوة نزعا قويا للرجوع إلى العلوم الأصولية ومذاكرة كتب الفقه والمذاهب وإدارة الحوار .

والمنتديات حول الآراء المتفرغة والمواقف المختلفة وأحيت بين الإسلاميين روحا من حب العلم والمراجعة والمدارسة والمناظرة كما أكسب الحركة العامة للإسلاميين قدرا عاليا من المرونة والتحديث والسماحة وابتعدت بها عن مزالق العصبية والطائفية المغلقة.

المبحث الثالث:الحركة الإسلامية في العهد المايوي

المطلب الأول:مايو والحزب الشيوعي

بقدوم انقلاب مايو في الخامس والعشرين من مايو عام 1969 م وجد معارضة شديدة من الحركة الإسلامية السودانية كما عارضته الأحزاب الوطنية الذي منعها السلطة فإن كانت منطلقات الحركة الإسلامية ومآخذها على مايو لأنه نظام يعمل ضد المشروع الإسلامي.

إلا أن معارضته بقية الأحزاب لمايو إنما تأتي بسبب حرمان النظام للأحزاب الحكم واستيلائه عليه " والتي الحركة الإسلامية معارضة الانقلابيين ومشروعهم لأن مشروع الانقلابيين في إطاره الفكري والثقافي وأهدافه السياسية يعتبر مناقضا لمشروع الحركة الإسلامية في السودان ويؤدي إلى إجهاضه".

استهدف المشروع الانقلابي المؤسسات التي يشع منها نور الإسلام كما استهدف لغة القرآن وكان المشروع الانقلابي تطويرا للمشروع العلماني الذي فرضته الإدارة الاستعمارية حيث راحت ضحية هذا النظام جامعة أم درمان الإسلامية التي اختزلت لمجرد كلية للدراسات العربية والإسلامية

وقد مثل مشروع الانقلابيين مجرد إعطاء قوة دفع جديدة تتمثل في الأطروحات الاشتراكية المبهمة من عربية وأفريقية وماركسية وراحت ضحية ذلك الزخم الثوري الجامعة الإسلامية التي تمت تصفيتها واختزلت في كلية للدراسات العربية والإسلامية كما تم تجفيف المركز الإسلامي الأفريقي واعتقال قيادته بالإضافة إلى تخفيض حصص التربية الإسلامية وإلغاء وجودها في امتحان الشهادة السودانية كما عدلت المناهج وحذف من المقرر كتاب محمد قطب (شبهات حول الإسلام)

لقد كان الحزب الشيوعي جزءا أصيلا في هذا الانقلاب حيث وثائق الحزب هي التي تثبيت ذلك وممارسات الانقلابيين تثبين ذلك أيضا ففي بيان الحزب في 25 /5/1969 م جاء ما يلي :" إن ما جري في ذلك اليوم انقلاب عسكري ليس عملا شعبيا قامت به قوي الجبهة الديمقراطية عن طريق قسمها المسلح "

بالإشارة إلى تورط الحزب مع الانقلابيين نجد تقرير عبد الخالق محجوب أمام المؤتمر التداولي في أغسطس 1970م والذي يستعرض فيه انجازات الحزب " عمل الحزب على تكوين تنظيم شيوعي بين القوات المسلحة واستطاع إقناع رابطة الطلاب الشيوعيين بالانخراط فيه"

استفاد الشيوعيون من وجودهم ضمن سلطة مايو وبدأوا يصفون حساباتهم مع الأحزاب التقليدية والحركة الإسلامية وقد تم لهم ما أرادوا بعد فصل أكثر من عشرين من أساتذة جامعة الخرطوم في مقدمتهم البروفيسور عبد الله الطيب وقد أصدر التنظيم الاشتراكي لأساتذة جامعة الخرطوم بيانه بتاريخ 9/12/1970م مؤيدا لهذا الفصل .

إن ممارسة البطش التعسفية التي يقوم بها النظام الانقلابي لا تدع سبيلا لأى عملا عسكري فكان لابد لمقاومة هذا النظام عبر وسائل أخري غير سياسية وهذا ما اهتدت إليه الحركة الإسلامية بأن رأت أن تحرك العمل الجهادي " توجه نفر من الإخوان بقيادة محمد محمد صادق الكاروري صوب الجزيرة بالمقابلة لمقابلة الإمام الهادي لاستكشاف مدي حماس الإمام الهادي لمشروع مجابهة النظام "

وافق الإمام الهادي على الفكرة ليوجه نداءه إلى جماهير الأنصار بالهجرة إلى الجزيرة آبا وبدأت التجهيزات هناك لمواجهة النظام وقد انتهت المعركة غير المتكافئة بهزيمة الأنصار واستشهاد الإمام الهادي حيث كانت تقديرات شهداء الأنصار بالآلاف وبضعة عشرات من القوات المسلحة .

هال اليوعيون وهم يدكون حصون الرجعية على حد زعمهم ونشرت صحيفة أخبار الأسبوع الكلمات التالية للدكتور على محمد إبراهيم وهو من كوادر الحزب الشيوعي:

" النتيجة التاريخية لدك أقوي حصون الاستعمار والرجعية في بلادنا للانتصار العظيم في آبا هو ما تم من تحول راسخ في ميزان القوي الطبقية والاجتماعية المتصارعة في رحي السياسة السودانية لم يعد بوسع السيد أحمد أحمد المهدي أن يتبجح كما فعل حيث واجهته الصحف إبان مؤامرة حل الحزب الشيوعي سنة 1965م إلى جحافل أنصاره الذي استفزهم وهو وزير داخلية لتهديد أمن الخرطوم بأن له جيشا قوامه مائة ألف من الأنصار المدججين بالسلاح وما عاد ممكنا لأى إمام مقبل للأنصار إن وجد أن يستدعي آلاف بإشارة منه "
سادت فترة أبا وما أعقبها من صولات وجولات للحزب الشيوعي الذي لم يتوا في تصفية حساباته مع القوي الوطنية وقد تغني شعراؤه ورددوا شع الانتقام والتشفي وها هو شاعرهم يقول في قصيدته دفاتر حب لمايو :
وها أنت تعود يا سيدنا حسنا
لك آخ ما في جعبتنا

إن نقتل أصبح أسهل من إلقاء تحية

إن نطلق في الرأس رصاصة

أن نغرز في الصدر الخنجر

أن نشنق أن نخنق أن نبتر

أن نمسح حد السيف بحد اللحية

أصبح يا سيدنا أسهل من إلقاء تحية

هكذا يتلذذ الشيوعيون بسفك الدماء ويسخرون من المظهر الإسلامي المتمثل في اللحية .

لم تدم العلاقة طويلا بين مايو والشيوعيين إذ سرعان ما انقلب عليهم نميري حينما علم نواياهم في احتواء الثورة حيث أوقفت الحكومة السودانية نشاطات الحزب الشيوعي الشبابية واعتقلت بعض قادته وأرسلتهم إلى كدوك في أعالي النيل وفي مايو 25 مايو 71 أعلن نميري قيام الاتحاد الاشتراكي كتنظيم سياسي واحد بدلا عن سلطة تحالف قوي جبهة ثورية .

لم يحتمل الشيوعيون ما لحق بهم ليبادر الرائد هاشم العطا في يوم 19 يوليو ويعلن استيلاءه على السلطة وحل مجلس الثورة وقيام مجلس ثورة حركة يوليو التصحيحية ولكن استطاع نميري عن طريق السند العسكري والشعبي أن يعود لتدور الدائرة على الشيوعيين.

الحركة الإسلامية تعيش هذا الواقع وهذه التقلبات في الحياة السياسية السوادنية البالغة التعقيد. ولو قدر لهذا الانقلاب الشيوعي أن ينجح لتبدلت خريطة السودان السياسي والدينية تبديلا تاما حيث كان من اليسر أن يقضي الشيوعيون على كل ما من شأنه إسلامي بدءا بالحرمة الإسلامية مرورا بالصوفية والأحزاب التقليدية .

لقد استتب الوضع لنميري بعد هذه التصفية لخصومه وكان عليه أن يوطد سلطانه ويراجع حساباته " كان النظام في الخرطوم قد استتبت له مقاليد الأمور بيسر من خلال الرضا عن الجهود التي بدأت تبذل على صعيد المشاريع التنموية والتعمير "

بحلول الذكري الثالثة لانقلاب مايو تم التخلص من الشيوعيين ومن التيار المصري ابتداء من بابكر عوض وانتهاء بالعسكريين الذين استقالوا كما تم إيقاف حرب الجنوب وظهر نميري كأنه القائد الذي حدث حوله إجماع شعبي ورسمي لأول مر في تاريخ السودان الحديث ولم لا ؟

وقد استطاع نظام نميري تصفية قيادة الأنصار "الإمام الهادي" والقضاء على قيادة الحزب الشيوعي " عبد الخالق محجوب " وتركت قيادة الحزب الوطني تموت في السجن " إسماعيل الأزهري " وأودعت القيادة التي أبرزتها ثورة أكتوبر السجن "الصادق المهدي والترابي" فمن يجرؤ على معارضة نظام نميري الذي أطاح برؤوس الكبار والصغار على حد سواء.

المطلب الثاني:تكوين الجبهة الوطنية

بعد شعور النظام بالتمكين بدأ الانفراج في سياسته مع القوي الوطنية والجارة مصر وعزز هذا الانفتاح إقصاؤه للشيوعيين الذين كانوا يعادون الأحزاب التقليدية والحركة الإسلامية وكانت مظاهر هذا الانفراج هو إطلاق سراح المعتقلين الإسلاميين بعد الاعتقال التحفظي ..

عززت الإدارة المصرية مركزها بتوقيع اتفاقية التكامل الاقتصادي والسياسي والثقافي الذي وقعه الرئيسان نميري والسادات 1974م وفي هذه الفترة أخذت تبرز الحركة الإسلامية المصرية وسمح لها السادات بإصدار مجلة الدعوة شهريا أما في السودان فقد أطلق سراح قيادة الإخوان " الترابي ،يس ،صادق ،وآخرون "

بينما كانت القوي الحزبية والتي تعتمد على الدعم السعودي والليبي والأثيوبي في أوج نشاطها تفجع في بداية عام 1975م باغتيال الملك فيصل ملك السعودية مما كان له انعكاسه على مسيرة الجبهة الوطنية .

استفاد د. الترابي من هذا الإفراج وبدأ يرتب لوائح الحركة الإسلامية ووضع تصورا لمستقبل العمل الإسلامي حيث أصدر مذكرة الوحدة الوطنية طريق الإسلام وتسربت المذكرة واعتقل الترابي مرة أخري .

وقع انقلاب حسن حسين الذي قاد العملية نفر من عناصر حزب الأمة "عباس برشم" و" كمال الدين حسين " وكان بين قيادة الانقلابيين القاضي عبد الرحمن إدريس من الحركة الإسلامية أعقب انقلاب حسن حسين محاولة انقلاب العميد أنس عمر في أوائل 1976م وهو انقلاب إسلامي عنصري وطني وبفشل هذا الانقلاب توجه الناجون إلى معسكرات بليبيا وازداد عددهم مما عجل بإجازة ميثاق لجبهة الوطنية..

والذي يتضمن:

  1. الالتزام بالإسلام عقيدة ومنهاجا وتحقيق نظام يحقق مقاصد الإسلام السياسية .
  2. اتحاد القوي السياسية السودانية في إطار الجبهة الوطنية مع عزل العناصر التي لا تؤمن بعقيدة الأمة .

3:#المقاومة الحاسمة للنظام المايوي حتى إسقاطه وتحكم الجبهة الوطنية بعدها لمدة عام يجري استفتاء شعبيا حرا يخير فيه الشعب ما بين استمرار الجبهة الوطنية في الحكم لفترة خمس سنوات أو العودة لإقامة نظام ديمقراطي راشد.

  1. إقامة نظام اقتصادي اشتراكي يحقق الملكية الجماعية لمراكز الثقل الاقتصادي .
  2. تدعيم الحكم الإقليمي بالجنوب وفقا للمصلحة القومية .
  3. تأسيس نظام إداري لا مركزي من أجل تطوي التعليم .
  4. تطوير القوات المسلحة .
  5. سياسة خارجية متحررة في إطار الالتزام بالعروبة والإسلام والإفريقية .

قامت الجبهة الوطنية بانقلاب ضد مايو فيما عرف بحركة 2 يوليو وتمكن نميري من القضاء على الانقلاب الذي استشهد فيه أكثر من ثمانمائة من رجال الجبهة الوطنية ومعظمهم من الأنصار كما أعدم قائد الانقلاب العميد محمد نور سعد.

المطلب الثالث:المصالح الوطنية

بعد فشل الانقلاب دخل نظام مايو في توترات مع القوي الوطنية لما أعقب ذلك من إعدامات واعتقالات وانتهي الأمر باتفاقية سلام عرفت بالمصالحة الوطنية .

كانت الاتفاقية في بورتسودان 7 /7 / 1977 حيث وافق الصادق المهدي في اللقاء على:

  1. الموافقة على الدستور الدائم الراهن مع تعديله.
  2. الموافقة على مبدأ الجمهورية الرئاسية
  3. الموافقة على مشروع الولاية الثانية .
  4. الموافقة على التنظيم السياسي الواحد .
  5. الموافقة على إطار اتفاقية أديس أبابا .

وتلا هذه الاتفاقية إطلاق سراح المعتقلين حيث خرج الترابي وقادة الحركة الإسلاميين من المعتقل لتبدأ مرحلة من مراحل العمل التنظيمي المدروس والمخطط له لتنفتح الدعوة الإسلامية وتجد الحركة الإسلامية أنصار جدد

وتحدث د. الترابي عن هذه الفترة قائلا:

" في جانب آخ تيسر لى بالإذن أحيانا وباستراق الوقت والورق والقلب أحيانا أخري أن أحر بعض أفكاري مما نشر حينئذ أو من بعد وما لم ينشر إلى اليوم أن مرحلة السجن عندي كانت أغني من مرحلة الدراسة الجامعية أو فوق الجامعية لأنها أطول وأفرخ وكانت تلك المرحلة من بعد أكثر مراحل حياتي صلاة وقياما وذكرا ويكفي أنها فترة حفظ القرآن بكل القراءات وتجويده وكانت من بعد فترة صحة جسدية تجاوزت فيها بوزن الجسم في آخر الأمور"

أثر هذه الفترة على فكر الحركة وإداراتها للعمل التنظيمي يتمثل في:

  1. التأكد من عداوة الشيوعيين على كل ما هو إسلامي لذلك فهم العدو الأول للحركة الإسلامية وينبغي تفعيل الآليات لمواجهتهم .
  2. دخول الحركة في تحالفات سياسية وعسكرية أكسبها الانفتاح مع القوي الوطنية وجعلها حركة عصرية تواكب المستجدات .
  3. وجود الشيخ بالمعتقل ولمدة طويلة ساعده على صياغة نفسه فكريا وجهاديا .
  4. قناعة النظام المايوي بأن المصالحة الوطنية هي خير سبيل لكسب قوي المعارضة .
  5. استفادت الحركة الإسلامية من الحية التي أتاحها لها النظام وبدأت تتمكن في مجال التجنيد والمؤسسات الاقتصادية .

مرحلة المصالحة والمشاركة في الحكم والتي أتت بعد المواجهة العنيفة التي تعرضت لها الحركة الإسلامية من قبل النظام الحاكم واستمرت المصالحة من عام 77–1984م.

بعد الضغط الذي تعرض له النظام من الإسلاميين رأي أن يسحب البساط من تحت أقدامهم وذلك بإعلانه القوانين الإسلامية والتي تعد كسبا للحركة الإسلامية في هذه الفترة وبمثابة مكافأة لها بعد المحنة التي تعرضت إليها إبان بدايات الحكم المايوي .

تعرض نظام مايو لضغوط خارجية ورأي أن يتراجع عن القوانين الإسلامية وزج بقادة الحركة الإسلامية في المعتقلات في مارس 1985م.

المرحلة التي تلت مرحلة الانتفاضة هي التي شهدت ميلاد الجبهة الإسلامية القومية وهي مرحلة اندياح العمل الإسلامي والتي تمت فيها صياغة التجارب الماضية واستشراف المستقبل حيث تمكنت قيادة الحركة الإسلامية من أن تخرج بتنظيم جامع مانع يستطيع العبور بالعمل الإسلامي إلى أوسع رحاب وكانت الجبهة الإسلامية هي التنظيم الذي استطاعت به الحركة الإسلامية ممارسة العمل الدعوي والسياسي الإسلاميون العمل الدعوى.

المبحث الرابع:الجبهة الإسلامية القومية

ببلوغ الحركة الإسلامية السودانية مرحلة الجبهة القومية وذلك عقب الانتفاضة الشعبية في العام 1985م تكون قد اجتازت الابتلاءات التي تعرضت إليها في آخر العهد المايوي.استطاعت الحركة الإسلامية تجميع صفوفها وتوحيد كلمتها وتكوين تنظيم جديد يحمل اسم الجبهة الإسلامية القومية .

استفادت الجبهة الإسلامية من تطوير خبراتها وخبرات التنظيمات الأخرى لتظهر فيما بعد كحزب دقيق في التنظيم الجبهة الإسلامية وهي تحمل إجابة عن موقفها تجاه الأقليات غير المسلمة كما أنها أكثر وضوحا في طرحها عن العلاقات الخارجية والعلاقة مع الغرب وتملك ما تقوله عن قضية الجنوب وهي بذلك كانت من أكثر الأحزاب في ذاك الوقت استعدادا للانتخابات .

استفادت الجبهة من منظمات المجتمع المدني التي كونتها والمتمثلة في جمعية رائدات النهضة التي تمثل مظلة لعمل المرأة ومنظمة شباب البناء التي تمثل الشباب وتعبر عن تطلعاتهم بالإضافة إلي الجمعيات العلمية والثقافية والنشاط السياسي والدعوي وبذلك كانت الجبهة وبنشاطها هذا تعتبر في طليعة الأحزاب السياسية السودانية في ذلك الوقت .

وقد كان لهيمنتها على الاتحادات الطلابية بالجامعات والمعاهد العليا وثانويات الخرطوم الأثر في السيطرة على مجريات الأحداث بالعاصمة السودانية .

شاركت الجبهة الإسلامية في الحكم مع حزب الأمة لبضعة أشهر وقد استفادت الجبهة الإسلامية من مناخ حيات الديمقراطية الثالثة وتوسع العمل الدعوي والسياسي وقد أفردنا ملحقا لدستور الجبهة وآخر لميثاق السودان ويتبين من الملحقين الطرح الفكري والسياسي للجبهة الإسلامية

الفصل الثاني:الحركة الإسلامية والتحول إلى دولة

المبحث الأول:الموقف من استخدام القوة

مشكلة الصدام مع الأنظمة الحاكمة من أخطر المشكلات التي واجهت الحركات الإسلامية في معظم دول العالم الإسلامي مشكلة الصدام بين الحركات الإسلامية من ناحية والأنظمة الحاكمة من ناحية أخري سمة ثابتة ظلت تعيشها الحركات الإسلامية وهي تعبير عن صراع بين حق وباطل وخير وشر وإن كان الأذى الذي تعرضت إليه هذه الحركات من الأنظمة الحاكمة .

تتفاوت استراتيجيات الحركات الإسلامية من حركة لأخرى حسب الظرف والواقع الذي تعيشه فهنالك حركات تري مواجهة الأنظمة الحاكمة تقتضي عدم المواجهة وأن العاقبة للدين في النهاية .

بدأت الإستراتيجية التي تنطلق منها الحركة الإسلامية في السودان تقضي بعدم المواجهة بينها والنظام الحاكم:

"والأصل في الدين أن تبذل الدعوة للإصلاح بالحسنى واللطف عفوا وطوعا وأن تعد القوة تأمينا وتمكينا وأن يوعظ المؤمن بالاعتصام ويوصي بالاستقامة وأن يصبر المؤمنون ويتربصوا عاقبة الصلاح ولو جاء تثبيتا وتدرجا وأن يسارعوا إليها ما تيسر دون فتنة أو إرباك ولا تبطئه ولا مطل "

فكما تحدث د. الترابي عن الإصلاح في الدين وأنه يتم بالحسنى واللطف على مستوي الأفراد المؤمنين فإنه قد تناول أمر الحسني واللطف على مستوي الأنظمة الحاكمة

" ولم يكن من دعوى الإسلام حتى حين خاطب المجتمع الجاهلي الأول أن ينسخ قيمه كافة ويقوض أركانه ومؤسساته فما كان الإسلام بانقلاب مطلق بل كان إصلاحا استصحب من معروف المجتمع ما كان صالحا وصوب سائر معهوداته وأتم الأخلاق وقوم النظم وكيف الأوضاع بما يوافق الأصول الجديدة .فالدين حين يتحدد في مجتمع مسلم تقليدي اعتراه الفساد أبعد من يتجه لدعوي الثورة المطلقة المقوضة "

وقد تحدث الشيخ عن المدرسة الإخوانية بمصر وكيف أن الحركة السودانية تأثرت بها وبأفكارها حينا لظروف أملتها الضرورة فتؤمن بمنهج القوة لتحقيق الإصلاح ولكن لم يدم الحال لتعود الحركة بالسودان التيارات الإخوانية المتجددة التي عب عنها الشهيد سيد قطب بأثر من ظروف القهر الشديد الواقع عندئذ على الحركة الإسلامية هناك ..

ومن سابقة ثقافية الاشتراكية والأوروبية ذات المضامين الشمولية الجماعية فقد تبلورت عن كتاباته نظرية إصلاحية كلية ثورية وهي تبني على المنهج الابتدائي والفكر الذي اتخذته المدرسة الإخوانية التقليدية والمدرسة الباكستانية؛

لكنها تعتمد التربية الفكرية التعبدية أعدادا لطليعة صالحة تقوم لتقوض نظام الفساد وتمكن الصلاح بالقوة لا بالتكاثر البطئ لأن فتنة النظم الحاكمة الظالمة أشد فعلا بالعامة من التربية الخاصة ولا بالديمقراطية لأن القهر هو المتغلب والجهاد هو الأمضي في تمكين الدين

ولربما تأثرت الحركة الإسلامية السودانية بفقه سيد قطب لتكفكف تعويلها على استصحاب الحرية المأمونة لا سيما أن الحركة تأثرت أيضا بالحركة الشيوعية المنافسة في السودان بمنهجها الثوري وأنها بعد التجربة الديمقراطية في عهد أكتوبر قد تبينت مدي زيف الأشكال الديمقراطية في تمثيل إرادة الأمة ووقوعها تحت نفوذ الإرادة الأجنبية "

تحدث هنا عن الأسباب التي جعلت الحركة الإسلامية السودانية تتأثر بمدرسة سيد قطب الجهادية وذكرها بأنها تتمثل في الحزب الشيوعي السوداني وإيمانها بالقوة للوصول إلى أهدافه

والسبب الثاني هو زيف الديمقراطية ووقوعها في إرادة الأجانب كان لابد من الحركة الإسلامية السودانية أن تتخذ ما اتخذه الحكم من وسائل وأساليب لتصل إلى أهدافها طالما الغاية تبرر الوسيلة وفي ذات الوقت والظرف ولكن لم تستمر الحركة الإسلامية في ذات المنهج بل اختارت طريقا آخر غير القوة

لكن الحركة لم تتقبل تكييف سيد قطب للمجتمع المسلم التقليدي ورميه بالجاهلية وقلة ثقته فيه ولم تتبع الحركة نهج النخبة الانقلابية المستغنية بصدق إيمانها وجهادها عن جماهير الشعب؛

وقد أنكرت الحركة قطعا بعض التطورات اللاحقة للمدرسة القطبية التي أشاعت الاتجاهات الاعتزالية التكفيرية للمجتمع التقليدي اليائسة من كل النظم المتمكنة هنا يظهر موقف الحركة من التطرف والغلو الذي طرأ على مدرسة سيد قطب

حيث أن الحركة أنكرت قطعا كما ورد على لسان أمينها العام الشيخ الترابي فهي تنكر الاتجاهات الاعتزالية التكفيرية في إشارة إلى جماعة التكفير والهجرة الذين يكفرون المجتمع المسلم ويهاجرون طلبا للعزلة وتأكيدا لاختلاف النهج بين الحركة الإسلامية السودانية والإخوان المسلمين بمصر

يضيف الشيخ الترابي قائلا:

" ولئن تمكن الجهاد نظرا وعملا في كسب الحركة بالسودان فإنها لم تتصوره كما تصورته بعض الجماعات الإسلامية التي ورثت عن الإخوان المسلمين بمصر فالحركة لا تقتصر على التكوين الفردي لنخبة محدودة ولا على السرية المطلقة ولا تستهدف بجهادها ضرب أعيان المتغلبين أو مرافق المجتمع الظالم "

ينفي د. الترابي أن تذهب الحركة الإسلامية السودانية مذهب من يسعي لتقويض النظام الحاكم ليعلن بذلك منهج السلم في تمكين الدعوة فهو يعلل ما تؤمن به الحركة الإسلامية السودانية من اتخاذ المنهج السلمي لطبيعة المجتمع السوداني الذي لا يميل إلى العنف وطبيعة الانفتاح السياسيي

ولا غرو أن كان هذا نهج بعض تلك الجماعات فهي بحكم رد الفعل على القهر الوحشي متشددة عنيفة في مقولاتها ومواقفها وبحكم السرية متشرذمة محدودة لا تدبر إلا في نطاق محدود لهدف محدود وبحكم المحاصرة والظلم المطبق قد تتنطح فترفض الإصلاح ترقيعا وتجزئة وتتشبث بشعار

" خذوا الإسلام كله أو دعوه " ولا عجب أن كان المناخ السياسي المنفتح المتسامح في السودان لا يقبل ولا يستلزم عنفا ثوريا غاضبا يخرب المرافق أو يغتال الرموز أو يستنكف عن بعض الإصلاح ويعده مساومة وتخذيلا وخداعا

مما سبق يتضح أن الحركة الإسلامية السودانية في شكل أمينها العام د. الترابي نأت بنفسها عن أسلوب الإكراه وأحدا الثورة والانقلاب واتخاذ القوة وسيلة لإحداث التغيير .

فهي خالفت حركات إسلامية أخري في مصر وباكستان وسوريا وغيرها ولعل هنالك من التبريرات ما جعل الترابي يتخذ مبدأ عدم الإكراه والقوة أساسا في إستراتيجية الدعوية؛

فبالإضافة إلى ما ذكره من أن طبيعة المجتمع السوداني المتسامح الذي لا يعرف العنف وجبل على ثقافة السلام خلافا لبعض المجتمعات المعاصرة نجد أن واقع الحركة الإسلامية السودانية أيضا يختلف عن ظرف بعض الحركات الإسلامية التي تعرضت لحرب ضروس وأذي من بعض النظم الحاكمة في بلادها حيث لم يسجل التاريخ استهداف الحركة الإسلامية السودانية من أى نظام حاكم إلا مؤخرا من قبل النميري والذي انتهي بانتفاضة شعبية أطاحت به .

كما أن استبعاد العنف كوسيلة للتمكين قد أثبت عدم نجاحه حيث فشلت كل الحركات الإسلامية في الوصول إلى الحكم عن طريق القوة وحتى وصول الخميني إلى الحكم لم يكن بالعنف؛

حيث كانت الانتفاضة الشعبية هي التي أتت بالثورة الإسلامية في [[إيران]] إلى الحكم وإدراكا من الشيخ الترابي بعدم فاعلية العنف لخدمة الدين حيث لا إكراه في الدين رأي أن يبني إستراتيجية على عدم الإكراه ؛

كما أن المناخ العالمي ربما لا يساعد على استخدام العنف حيث أصبح مصطلح إرهاب وصمة عار لكل من يتصف بها كما تري وسائل الإعلام العالمية والدوائر الغربية وحتى لا يصنف الإسلام بالإرهاب أراد الشيخ الترابي أن يقدم الدعوة الإسلامية كنموذج لنظام حضاري عنصري لذلك نأي بنفسه عن وسائل العنف وبني إستراتيجية الدعوية على عدم الإكراه هذه الأسباب ربما وغيرها جعلت إستراتيجية الشيخ التراب يختار المهادنة حتى تصل إلى التمكين .

ولابد للحركة الإسلامية أن ترسم خطتها في العمل مع النظم الحاكمة فغالب هذه النظم منفعلة بالمذهب اللاديني تحب السلطة ولذلك لا تقبل أن تسلمها لله.

هذا هو منهج الحركة حتى قبيل يونيو 1989 ولكن تخلت الحركة عن هذا النهج وانقضت على الحكم في 30 يونيو 1989 م وايخفي على أحد بأن الانقلاب العسكري هو قيمة استخدام القوة المفرطة لفرض السيطرة على الآخر فهل كانت مهادنة النظم الحاكمة بالسودان هي مناورة وقد ورد عن الشيخ الترابي مقولته المشهورة " تمكن حتى تتمكن "

المبحث الثاني:الإعداد لمرحلة الدولة

إن غاية ما تطلبه حركات الإسلام في العالم هي بلوغ مرحلة الدولة وتطبيق ما تؤمن به من شعارات دينية وقيم إسلامية لذلك كان هدف الحركة الإسلامية السودانية الأسمى هو أن تبلغ هذه المرحلة وتمكن شرع الله عبر دولة إسلامية ملتزمة بالنهج الإسلامي

"إن الدولة من المجتمع والمجتمع من حال نفوس المؤمنين إن التوبة بالدولة إلى الإسلام بعد فسوتها إنما هي حركة دائبة موصولة فمنهج إقامة النظام السياسي الإسلامي هو إذا حركة دائبة موصولة فمنهج إقامة النظام السياسي الإسلامي هو إذا حركة متاب وتغيير دائب في النفوس والمجتمع والواقع هدفها تغيير الإنسان نحو ما هو أمثل من المذاهب والمواقف الدينية وتغيير الواقع نحو ما هو أبعد من فتنة المؤمن وأقرب إلى تجسيد إيمانه "

إن مرحلة انتقال الحركة الإسلامية السودانية من تنظيم إلى دولة هي عبارة عن حصيلة مجاهدات إستراتيجية ومناورات كللت في خاتمة المطاف بما عرف بالدولة الإسلامية في السودان .

لقد تجاوزت الحركة الإسلامية السودانية اشكالات مختلفة تحدث عنها د. التجاني عبد القادر:

" وقد شملت هذه الإشكالات أشكالا الكيانات الدينية التقليدية وأشكال الطليعة المسلمة التي تتولي عملية القيادة والتغيير وأشكال الدولة الحديثة التي تسعي الطليعة للاستعانة بها في التحول نحو النظام الإسلامي"

جوانب إشكالية الانتقال بالمجتمعات الإسلامية التقليدية نحو الحكم الإسلامي الذي يمكن لنا أن نجزأه بدورنا إلى ثلاث اشكالات هي أشكال الدولة الحديثة التي تسعي الطليعة للاستعانة بها في التحول نحو النظام الإسلامي أشكال الكيانات الدينية التقليدية أشكال الطليعة المسلمة التي تتولي عملية القيادة والتغيير .

وفي ذات الإطار يتحدث د. الترابي عن مشكلات الدولة الإسلامية التي تواجهها وهي تنطلق نحو البناء الكامل للدولة الإسلامية " يلاحظ أن الظروف الخاصة لتطور الأقاليم الإسلامية جعلت العلماء يحاصرون الدولة ويقهرونها وجعلت أهل التصوف يستبعدون الدولة ويحاولون أن يربوا المجتمع بعيدا عنها وأن يوحدوا الأمة بطرق بعيدة عن الوحدة السياسية الرسمية وحدة السلطان "

يتفق هنا د. الترابي مع د. التجاني عبد القادر عن العقبات التي تحول دون قيام الدولة الإسلامية وبالتالي انتقال الحركة الإسلامية من التنظيم إلى الدولة وذلك بعد أن نضج الشكل الحركي للتنظيم المتمثل في الجبهة الإسلامية القومية حيث يشترك هنا العلماء مع الصوفية كل على شاكلته في مقاومة الدولة الإسلامية وإن لم تكن المقاومة مقصودة أو معلنة ولكن من خلال الواقع والممارسة .

إن الحركة الإسلامية في هذا الظرف الذي تحالفت فيه الصوفية مع المثقفين وتشكلت أحزاب سياسية عرفت بحزب الأمة والاتحادي لا تستطيع في مثل هذا الظرف الحركة الإسلامية بلوغ ما تريد إلا عبر تحالفات توصلها إلى العمق الجماهيري؛

لقد وجدت الطليعة المسلمة في السودان نفسها في مثل هذا الموقف فقدرت لأول عهدها السياسي أن الوصول للعمل الجماهيري غير ممكن إلا عبر تحالفات مضادة مع المجموعات الصوفية أو الفئات الاجتماعية المستندة عليها غير أن هذا التكتيك أدي إلى انشقاق داخل الحركة الإسلامية ذاتها .

إذ أن بعض المثاليين في قياداتها أخذ يرتاب في جدوى هذا المنهج باعتبار أنه يتضمن رجعة وتصالحا مع المذهبية التقليدية المحافظة والتي ظلت تسود المجتمع الإسلامي السوداني وتتربع على هرم القيادة فيه طيلة سنوات الانحطاط ورأوا في الجبهة الإسلامية الأول للدستور " 1955م وجبهة الميثاق الإسلامي التالية 1965م"

والتي تكونت جميعها لاستمالة القيادات المجتمعية التقليدية وللتوصل من خلالها إلى القطاع العريض من الجماهير المسلمة لإيقاظها واستيعابها في التنظيم الإسلامي الحديث الذي تغلب عليه النخبة المتعلمة المتمركزة في المدن رأي المثاليون في كل ذلك انتقاصا من المحتوي الفكري للحركة الإسلامية الحديثة.

لقد أشار د. الترابي إلى هذا الظرف ظرف التحالف مع القوي المجتمعية التقليدية ورأي أنه مثل نموا طبيعيا للحركة الإسلامية السودانية غير متسرع لتبلغ الحركة الإسلامية السودانية مستوي من النضج لم يتهيأ لغير ها من الحركات الإسلامية

" إن الظروف المحيطة بالحركات من حيث الخدمة والحرية تضطر الحركات لأن تتخذ نهجا متسرعا ولكن رغم كل شئ فقد تيسر للحركة الإسلامية في السودان أن تنمو نموا طبيعيا نحو مستوي من النضج بما لا يتهيأ لثورة شعبية أو ثورة جماهير وحتى الثورة الإسلامية فقد كانت في مرحلة النظر قبل مرحلة العمل وفي الواقع تحاول أن تتكيف لقيام دولة إسلامية لأن الدولة الإسلامية كانت هي الهدف العام في سبيل ذلك فإنها تجاوزت المركزية الحادة في قيادتها ".

هكذا يتبين المنهج الذي اتخذته الحركة الإسلامية في المرحلة الانتقالية حيث هيا لها الظرف نمو طبيعيا كما هيآت لها المرونة قيادة تتشكل مع كل الظروف كما وازنت بين المثالية العفوية وواقعية المجتمع التقليدي حتى تتمكن من الانتقال إلى مرحلة الدولة

"جمهور الحركة الإسلامية الفاعلة ظل يتمسك بالنظرية القائلة أن التحول الإسلامي الكبير يستحسن أن يأتي عن طريق التدرج وإن داعية الحركة الإسلامية كغيره من أصحاب النظر الاستراتيجي عليه أن يستشرف عالم المثل المطلقة العليا التي يدعو لها الإسلام ولكن من جانب آخر عليه أن لا ينقطع عن أرض الواقع المتعين زمانا ومكانا ونسيجا اجتماعيا إذ أن محاولة التوحيد بين المثال العام المطلق والواقع المخصوص المشوه هي الخطوة الأولي في طريق البعث الإسلامي وتجديد شعاب الحياة الإسلامية "

هذه الواقعية ضمن ما ورد بدستور الجبهة الإسلامية القومية والذي يعقد الأمر أن الدولة الإسلامية لا تأتي في مجتمع مثالي حتى تقيم علاقة مثالية بينها وبين الحركة يمكن أن نقول إن الحركة قد تتحول إلى مجتمع تذوب فيه وتندمس وتكون تنظيماتها هي تنظيمات المجتمع ودورها إزاء الدولة هو دور الذي يختار الحكام وينصحهم ويضبطهم ويؤدي الوظائف التي لا يؤدونها .

إن المؤسسات والهياكل الحركة قد أعدت لتواكب مرحلة الدولة دون تسرع أو عجالة قد تقوض التجربة من أساسها " نظرية التغيير الإجتماعي الذي ظلت تسير عليها الحركة الإسلامية في السودان هي نظرية لا تجنح ابتداء نحو المفاصلة والمصادمة ..

كما لا تجنح ابتداء نحو الثورة الشعبية الهوجاء وإنما تندرج نحو كمالات الدين تدرجا تراعي فيه الظرف الواقعي وتتوسل له بإصلاح واستحداث البني والهياكل والمؤسسات والعلاقات حتى تأزمت المواقف وانفجرت الثورة الإسلامية الشعبية ألفت من خلفها رصيدا من التجربة ووفرة في القيادة المدربة ونسيجا من العلاقات يضمن لها ألا تنتكس ..

كما حدث للثورة المهدية لقد قررت الحركة الإسلامية هذه المعاني في دستورها ونظمها الأساسية منذ السبعينات واستقرت عليها وحينما تحولت إلى جبهة إسلامية عريضة عام (1985م) كان ذلك التحول هو خطوة على ذات الطريق

"إن إقامة العلاقات مع العالم أمر مطلوب لدولة يراد لنا الانفتاح لابد من أن نقدم نماذجا كاملة للعلاقات الدولية والدولة الإسلامية الحديثة إذا نشأت ستجد بؤسا شديدا في قضايا الفقه العام الذي تنزل به أحكام الله على السياسات "

لقد انتقلت الحركة الإسلامية وهي تطور نحو الدولة الإسلامية بالخصائص الإسلامية والشمول والتوحيد والانتقال من الشعار إلى الواقع لتصبح نموذجا للمجتمع والحركة في تطورها أولا انتقلت بالشمول والتوحيد بالكمال الإسلامي من الشعار الذي أسست عليه كل الحركات الإسلامية إلى الواقع أنها قد طورت وظائف تدين لكل جانب من جوانب الحياة

وكادت أن تمثل بعضا من وحدانية الدين وشموله وكماله في صورتها التنظيمية الحركية فهي بذلك أصبحت نموذجا للمجتمع ولكن لما كان من الممكن لقيادتها أن تكون نموذجا لقيادة دولة بالمركزية الوظيفية والمحلية أن توزع هذه السلطة بمعني أن تبعد وظائف من المحور المركزي وتكلف بها من يليها ويتفرغ ليتخصص فيها وأصبحت الحركة في نهاية الأمر كأنها منظمة من المناشط لا منشط واحد يتفرع أى أصبحت وكأنها منظومة من الكيانات العضوية

الحركة الإسلامية السودانية وبعد أن تفككت أجهزتها التنظيمية وأعيد بناء هيكلها لينداح داخل المجتمع لتأخذ بعدها الشعبي والجماهيري تكون بذلك قادرة على استيعاب مرحلة النقلة دون أن يحدث أى خلل في الجسم التنظيمي للحركة أو أن تتشكل داخل المجتمع .

إن عتبة الانتقال إلى الدولة الأخيرة تتمثل في الجانب التطبيقي وكيف يتنزل ما كان نظريا إلي واقع فهذا هو الإشكال الذي تحدث عنه د. التجاني عبد القادر إن الدولة الحديث كجهاز هي في ذاتها كيان تابع في فلسفته وأجهزته وتقاليده للدولة الأوروبية الأم التي أنشأته وهذا هو الجانب الآخر من جوانب إشكالية الانتقال بالمجتمعات الإسلامية نحو الحكم الإسلامي

إذ كيف تستطيع طليعة إسلامية ما أن تدير دولة حديثة إلى أن تسير جهازا بيروقراطيا عريقا يرتبط مفاهيميا ومصلحا بالقوي الأجنبية المعادية وتسخره لتوطيد أركان الإسلام وتربطه بأصوله في الاعتقاد والاجتماع ؟

ويتفرع هذا السؤال بالطبع إلى تساؤلات فرعية لا حص لها ما هي الصورة الإسلامية التي ينبغي أن يتحول إليها العمل الدبلوماسي الحالي ؟ هياكلا ومقاصدا وثقافة ؟ ما هي الصورة التي تنتظم فيها القوة العسكرية تدريبا وعناصر وأهدافا مرجوة ؟

وما هو وضعها في النظام السياسي عموما وفي هرم السلطة على وجه الخصوص؟ ما هي الصور والتنظيمات التي تتخذها القوة العاملة في دولة إسلامية؟ ما هي شكل النظام السياسي الإسلامي الحديث ؟

ما هو نمط التعليم في نظام إسلامي حديث ؟ كيف تدار حركة الاقتصاد في نظام إسلامي معاصر ؟ كل هذه الأسئلة وكثير غيرها لا توجد لها إجابات مثالية جاهزة فالفكر الإسلامي قد توقف عن الاجتهاد في هذه المجالات منذ زمن طويل هذا إذا استثنينا بعض المجهودات النافعة التي حدثت في مجال الاقتصاد الإسلامي وبعض مشروعا القوانين

أمام هذه الأسئلة التي تصعب الإجابة عنها يمتد طريق الدولة الإسلامية الناشئة ليبقي قدر المجتهدين أن يلجوا باب الاجتهاد فإن أصابوا فلهم أجر وتمضي مسيرة الدولة المسلمة وفق ما خطط لها وإن قدر أن لا يصيب الاجتهاد فإن الأجر ثابت وعلى المسلمين استدراك الخطأ وتصحيحه لتمضي المسيرة

على أنه إذا وجدت إجابات جاهزة لكل هذه الأسئلة, فإن الإشكال يظل كما هو إذ كيف يتم الانتقال من الواقع الراهن الذي ارتبطت به مصالح فئات كثيرة وألفه الجميع إلى وضع آخر لم تر صورته من قبل ؟

وعليه فإن رجل الدولة المسلم المعاصر سيجد نفسه في مواجهه واقع معقد ومصالح متضاربة وعلاقات متشابكة ولا يملك إلا أن يلج باب الاجتهاد الواسع فإذا أصاب في اجتهاده فتح بابا واسعا للنهضة الإسلامية العالمية وإذا أخطأ وفر مادة جديدة للمسلمين تعينهم على استدراك أخطائهم واستئناف مشروعهم النهضوي

لقد تحدث د. الترابي عنه بعض الفتن التي قد تتعرض لها الدولة الإسلامية الناشئة والمتمثلة في فتن المناصب العامة فبينما عرف عن عناصر الحركة الإسلامية الزهد في الحياة إبان الزاهد المتجرد ويكون الابتلاء بالمنصب العام الذي يحتاج إلى تربية الفرد ولكن من نوع آخر.

بعض الفتن الأخرى في علاقة المجتمع بالدولة وعلاقة أى حركة بالدولة وهي فتنة المناصب العامة يعني قبل أن تتمكن الحركة في البلد وتصبح دولة إسلامية كانت مجانية للمشروع اللاديني القائم وزاهدة في أن تتخذ فيه مناصب إلا بضرورة الوظيفة الإدارية المعايشة.

أى كانت زاهدة في أن تتخذ فيه مناصب قيادة إلا لضرورات المشاركة في دفع المشروع الإسلامي لكن بعد أن قامت دولة إسلامية يمكن أن ينفتح للناس بابا لتولي المناصب وأن كان ذلك يفتح لهم باب من أبواب الشيطان

إن ذهاب المؤسسين للحركة الإسلامية ومشاركتهم في الحكم قد يعرضهم إلى فتنة المناصب العامة كما يري د. الترابي مع أن وجود هذه العناصر في المجتمع يخدم المجتمع حتى يتمكن من مواصلة التحول في اتجاه المشروع الإسلامي هذا جانب؛

لكن أيضا يضاف إلى ذلك أن فعاليات المجتمع الأخرى التي كانت تنافس الحركة أو كانت تعمل معها في مجال واحد أيضا لها تطلعاتها ووضعها في هذه الدولة الإسلامية الجديدة وقد يقاس إقبالها وتقبلها أو إحجامها وتراجعها عن الدولة الجديدة بإقبال أو إحجام العناصر الأساسية في الحركة فتنشأ هنا مسألة تتعلق بقومية الدولة وانفتاحها لكل ألوان طيف المجتمع؛

مما قد يؤدي إلى احتكاكات بهذه الفعاليات المجتمعية وقد تتطور هذه الفعاليات في اتجاه يبلور مشروع معارضة لهذه الدولة الناشئة حيث يمكن أن تقضي هذه الفعاليات على الدولة بعد أن تمد يدها إلى الخارج

فقطاعات من أهل القديم لا سيما الشرائح القيادية في القديم التي كانت تعمل بوصاية هواهم رضوا به واتخذوهم حقا وإن لم يوافق سيخطوا لا سيما أن هذه الشرائح انتهت في نهاية الأمر إلى غير برامج تؤمن بها الأمر فقط صراع على السلطة إذا ولو أنك نفذت كل الشعارات التي كانوا يرفعونها لما ازدادوا منك إلا غيره؛

نحن نحتاج بعض العناصر التي يمكن أن تستقطب من هذا الكيان التقليدي بما يتفق والصورة القومية للنظام ولكن ربما تدخل عليه ضعفا بالغا حتى ولو كانت متدينة فقد لا تكون متدينة في حياتها العامة أى قد تكون متدينة في صلاتها وأذكارها ولكنها لا تحمل هموم الدين العام مجاهدة وإصلاحا وفقها عاما أو لا تحمل فقهه إن حملت همه؛

ومرحلة التأسيس مرحلة تحتاج لصلابة ولوضع القواعد التأسيسية فلابد لمعادلة تراعي كل هذه الاعتبارات ولابد من فقه مركب جدا واجتهاد مركب تستطيع كل هذه التقديرات أن تضمن للدولة الإسلامية في تأسيسها عناصر فيها صلابة الإيمان وفيها صواب الفقه وفيها إخلاص الذي يقاوم فتنة السلطة وأن يراعي فيها كذلك أن يكون وقعها على المجتمع لا وقع فتنة يدعو الآخرين للمجابهة لأنهم لم يعطوا منها كذلك المقابلة بين الكفاءة والتقوى فلابد من القوي الأمين .

المبحث الثالث الضباط الإسلاميون وقيادة انقلاب يونيو 1989م

يتحدث د. التجاني عبد القادر عن كيفية الانتقال إلى النظام الإسلامي عبر مجموعة من العناصر العسكرية الملتزمة إسلاميا التي كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر بعير العلمانية حيث كان الإعداد سلفا والتهيئة قد تمت عبر المراحل التي مرت بها الحركة الإسلامية

يتساءل بعض الناس ويستغرب بعضهم كيف استطاعت عناصر إسلامية عسكرية أن تصل إلى السلطة في الوسدان مع أن المؤسسة العسكرية كانت إلى عهد قريب تعد أكبر رصيد يعتمد عليه علمانيو ما بعد الاستقلال ويوظفونه لصالح الطائفية وحلفائها في الداخل والخارج ؟

ولكن الإجابة ستكون ميسورة إذا علمنا أن العلمانية قد انحسرت في الشريحة المتعلمة التي تعتمد عليها المؤسسة العسكرية انحسارا عظيما منذ زمن طويل وإن العناصر الإسلامية في السودان لم تتمكن في قطاع اجتماعيP

كما تمكنت في قطاع المتعلمين الذين تخرجوا في المدارس الثانوية والجامعات فلم تعد إذن معضلة أن يصل عنصر الإسلام إلى المؤسسة العسكرية أو أن يلتزم بالإسلام من هو فيها أصلا وإنما المشكلة هي أن أى عناصر إسلامية سوادنية أو غير ذلك تصل لموقع القرار في الدولة الحديثة سوف تقلقها في المقام الأول علاقات التبعية المذكورة ..

أو ستجد نفسها محصورة وبصورة تلقائية بين خيارين إما أن تسفر عن توجهاتها وبرامجها معلنة استقلالها التام ثم تعتمد من بعد الله على قدراتها الذاتية غير عابئة بالقوي الخارجية متدرجا في الإفصاح متدرجا في الاستقلال مترفقا في العلاقات الخارجية؛

ويبدو أن ثورة الإنقاذ السودانية " مستفيدة مما انتهي إليه فقه الحركة الإسلامية في مجال التغيير" قد فضلت الخيار الثاني لأسباب موضوعية كثيرة ومعلومة

هكذا يبين د. التجاني عبد القادر النقلة الحاسمة للحركة الإسلامية السودانية من التنظيم إلى الدولة وكيف أن القوات المسلحة هي التي نفذت الأمر عبر العناصر الإسلامية بها ويكف أسفرت الحركة التي قادت إلى الحكم الإسلامي عن وجهها عبر خطابها الإسلامي؛

كما يذكر حيث كان الأم في أوله تدرجا دون إفصاح عن هوية من قاموا بالانقلاب خشية أن يصطدموا بالمشكلات من الوهلة الأولي؛وقد حصر د. التجاني هذه الإشكالات في الآتي:

" إن الدين قد صار يستغل لإشعال الحرب الأهلية في جنوب البلاد وهي الحرب التي أراد الاستعماريون أن يتمسكوا بها "كفيتو" ينقضون به المشروع الإسلامي في السودان أن مظهر القوة الإسلامية من حيث هو يثير المخاوف في العديد من الدوائر الإقليمية المحيطة بالسودان أن القوة الاقتصادية الذاتية للسودان ليست في وضع يمكنها من الاستقلال الفوري؛
أن الحركة الإسلامية الإقليمية والعالمية ليست من القوة والتمكن بحيث يمكن الاستنصار بها فهي إما مقهورة محصورة أو في حالة هجرة واستجارة ولكن بالرغم من المدارة والترفق والتمسك بشعرة معاوية فإن للإسلام شعائر لابد أن تظهر وحدودا لابد أن تقام ولهجة لابد أن تعرف والقرآن يذكر المسلمين بأن الذين أوتوا الكتاب من قبلهم يعرفون الإسلام كما يعرفون أبناءهم "الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم"

لقد عرفت ثورة الإنقاذ منذ عامها الأول بأنها ذات صيغة إسلامية " وصارت تعامل على هذا الأساس من سائر القوي "

تحدث د. الترابي أيضا عن علاقة عناصر الحركة الإسلامية بما تم في الانقلاب الإسلامي داخل القوات المسلحة والذي جاءت تحت مسمي ثورة الإنقاذ الوطني .

فالحركة الإسلامية لم تقصر علاقتها بالقوات المسلحة على عناصر محددة تجند سريا وتنظم ولا يمكن أن تفلت أبدأ من المراقبة الوثيقة لا سيما أن الحياة العسكرية حياة وثيقة ولا يمكن للمرء أن يفلت من مراقبة الأمن العسكري كان من الممكن أن يحدث ذلك ثم تتعرض الحركة لأن تنكشف وتضرب أو أن تحاول محاولة محدودة ولكنها آثرت أن تخاطب القوات المسلحة خطابا عاما مفتوحا .

منذ بدء تطبيق الشريعة الإسلامية انفتحت الحركة الإسلامية على القوات المسلحة انفتاحا مكشوفا جدا لأنه كان مكشوفا لم يلاحظ على ما يبدو ولم يحذر منه أحد ولو كان سريا لاكتشف ولقدر خطره ولضرب؛

وبهذا الانفتاح دخلت قطاعات كبيرة من القوات المسلحة في الجامعات وتأهلت للدراسات الإسلامية الشرعية وبعد الانتفاضة أصبحت الحركة الإسلامية تدافع عن القوات المسلحة وعن تعزيزها وعدم تخذيلها بتمجيد المتمردين وانحازت الحركة الإسلامية انحيازا واضحا للقوات المسلحة لسنوات طويلة؛

كان الآخرون يمجدون أعداء القوات المسلحة بأخطاء نميري كأنهم يحاسبون نظاما عسكريا سابقا بينما استطاعت الحركة الإسلامية أن تفعل غير ذلك ولم يكن قيام ثورة الإنقاذ تآمرا محدودا لأن القوات المسلحة كانت في حالة استعداد وكانت كل القوات مقيمة بوجه دائم في معسكراتها وما كان لمجموعة صغيرة متآمرة أصلا أن تفعل شيئا في حضور كل القوات المسلحة كان لابد من قاعدة واسعة فعلا وغالبة فعلا.

وطبعا كانت الحركة الإسلامية قد غلبت في القوات المسلحة بسبب آخر أيضا هو أن القوات المسلحة كلها تستمد من المدارس والمدارس غلبت عليها الوطنية في الخمسينات من هذا القرن وطنيين وغلبت عليها اليسارية في الستينات وغلب الإسلام في السبعينات من هذا القرن؛

ولذلك كان الضباط الذين تولوا السلطة إسلاميون بالضرورة لأن المناخ العام كله كان إسلاميا وهذا يظهر في انتخابات الخريجين الوطنية " الأولي اليسارية ثم الأخيرة الإسلامية " ويظهر في اتحادات الطلاب وفي النقابات وفي كل شئ وبذلك لما قامت الثورة كانت فتنة المقارنة والمقابلة بين ما هو عسكري وما هو مدني قد تم تجاوزها لحد كبير جدا.

هكذا انتقلت مآلات الحسم إلى القوة العسكرية في تنظيم الحركة الإسلامية السودانية تمشيا مع إيقاع العصر الذي لا يعرف إلا القوة فقد تحدثت الحركة الإسلامية السودانية بذات لغة العصر؛

ولطالما نادي كثيرا أمينها العام بضرورة اتخاذ أسباب القوة لدك الباطل:

" تكامل في القرآن بداعية الإيمان, والخطاب بواجب المجاهدة لمحق قوة الباطل ودك دولته لئلا تكون فتنة أو تهدم أطر التدين أو تفسد الأرض ولئن حدث التراخي بين عهد الدعوة وحدها في مكة وعهد الدعوة والقتال في المدينة فقد كان في القرآن المكي إعداد للروح الجهادية عند المؤمنين..
وإشارة إلى مآل الدعوة إلى القتال في سبيل الله فلم يكن التراخي انقطاعا بل كانت الدعوة من أول يومها تحمل الجهاد في مضامينها وتهيئ بالقوة والاستعداد النفسي والنظامي لمرحلة يتم فيها الدين وتتحد وسائله الفاعلة لإقامة الحق هكذا كان القرآن يقرع الباطل بشدة تمهد لمقارعته بالقوة ويربي المسلمين على الصبر على الأذى استعدادا لاحتمال مكاره القتال متى لزم ويعلمهم مفاصلة القرابة ومهاجرة الوطن ليوم قد يتبارز فيه الحق والباطل "

لقد كان نهج الحركة الإسلامية في استعمال القوة لتمكين الإسلام واضحا من خطابها وعلى لسان أمينها العام وفي أكثر من مناسبة لذلك كانت مسألة الانقضاض على النظام القائم في السودان هي مسألة زمن.

لم يعد خافيا على أحد أن الحركة الإسلامية هي التي نفذت الانقلاب العسكري في 30 يونيو 1989 وعلى الرغم من أن مجلس قيادة الثورة التي يتكون من خمسة عشر عضوا بعض أعضائه لم يكونوا من المنتسبين إلى الحركة الإسلامية إلا أن هذا لا ينفي أن الحركة الإسلامية هي التي نفذت هذا الانقلاب العسكري وأتت ببعض الضباط بالمجلس العسكري بعد التنفيذ لضرورة الموازنة العسكرية والجهوية وهذا ما يبرر حل مجلس قيادة الثورة في العام 1983 م لضمان تناسق سير العمل وعدم النشاز .

المبحث الرابع:مشكلات الدولة الناشئة

يرى .د الفنجري لنجاح أى تجربة إسلامية لابد من اجتهاد عصري في الفقه والشريعة لمواجهة المشاكل والقضايا التي تثار بين الحين والآخر؛

ويجب أن يكون الاجتهاد عاما وشاملا كما يري أنه لابد من الاستفادة من النظم الغربية المعاصرة وهذا ما تم بالفعل في الدولة الإسلامية الناشئة بالسودان إذا أردنا أن نضع نظاما سليما ودقيقا للحكم بالإسلام يتناسب مع متطلبات هذا العصر؛

فلابد لنا من دعامتين رئيسيتين الأولي الاجتهاد العصري في الفقه والشريعة لمواجهة المشاكل والقضايا التي جدت على المجتمع الإسلامي ويجب أن يكون هذا الاجتهاد عاما وشاملا لكل جوانب الحياة في دولة الإسلام وليس قاصرا على نظام الحكم وحده؛

ويجب أن يكون هذا النظام جاهزا ومعدا من الآن على الأقل في القضايا الرئيسية والمبادئ العامة فلا يجوز أن يصل المسلمون إلى الحكم ثم يبدأون الخلاف بينهم حول التطبيق أو يبدأون في مرحلة التجارب على الناس مما قد يعرض دولة الإسلام إلى هزة عنيفة وهكذا الاجتهاد يجب أن يشمل النظام الاقتصادي والنظام الاجتماعي والنظام التربوي والتعليمي والنظام السياسي ..

وغير ذلك من النظم التي ستطبقها الدولة وترعاها أما الدعامة الثانية الاستفادة من النظم المعاصرة لنا سواء كانت في الشرق أو الغرب واقتباس ما يصلح منها للإسلام فهذه الدول العريقة قد مرت بتجارب عديدة استمرت قرونا إلى أن توصلت إلى النظام الأمثل لهذا العصر والذي يعطيها أقصي قدر من الديمقراطية والتقدم والاستقرار وليس من صالح المسلمين أن يغفلوا هذه النظم العريقة والمجربة بحجة أن لدينا في تعاليم ديننا وفي تجاربنا القديمة ما يغني عن الاقتباس من الغرب

"هاتان الدعامتان كانت المنطلق للدولة الناشئة في السودان حيث نجد أن الاجتهاد أحد المبادئ التي رست عليها الحركة الإسلامية السودانية كما أن الأخذ بالتجربة الغربية أحد الدعامات التي تم البناء عليها انتقالا نحو الدولة كما بين ذلك د. الترابي فقد عبر صراحة عن التجارب الليبرالية وضرورة الأخذ منها لنجاح التجربة الإسلامية السودانية "

لا شك بأن دور الحكومة في الدولة الإسلامية في شكلها النهائي سيقتصر على الحد الأدنى المتعارف عليه باعتبار أنها ستعتمد التقليد الليبرالي الداعي إلى منح الحكومة أقل صلاحيات في حين سيتمتع الأفراد بأوسع الحريات انطلاقا من أن واجب المسلم عبادة الله بالتفكير وبالمساهمة في الشأن العام ولو معارضا؛

وكل ذلك بمعزل عن رضا الحكومة أو سخطها المسلم الحق من يقدم رأيا معارضا في خشية الله لا رأيا مواليا من خشية السلطان هذه هي التعاليم الإسلامية النموذجية التي ستقودنا إن شاء الله إلى بناء مجتمع أكثر حرية على أوسع مساحة ممكنة

"أما فيما يختص بالاجتهاد في النموذج السوداني نجد أن د. الترابي يتحدث عن نماذج اجتهادية في الاقتصاد والقانون والسياسة وكلها لا تتنافي مع الإسلام بل تأصيل لقيم الإسلام مع فتح باب الاجتهاد"

الحكم في النموذج الإسلامي مقيد بوظائف خاصة به في حين أن العديد من الوظائف متروكة للمجتمع تمام الإخفاق في الاضطلاع بها ليعود من ثم إلى وظائفه الخاصة حالما يمسك المجتمع مرة أخري زمام المبادرة والشريعة بذاتها قيد وثيق على الحكم؛

وهي ما دفع الحكم السوداني إلى اعتماد التخصصية في الاقتصاد لا ضغوط صندوق النقد الدولي ولو ان التخصصية أقرت تلبية لرغبة هذا الصندوق لووجهت برد فعل عنيف لقد رفعت المراقبة على الأسعار والدعم عن الوقود والسكر والخبز دفعة واحدة دون تدريج وتم تعويم الجنيه كل ذلك دون استثارة أى رد فعل على عكس ما حصل أيام نميري وفي عهد الصادق كل هذه الأمور منوطة بالإسلام ذي النظام الاقتصادي الحر القائل إن الملك لله؛

وأن الأفراد مؤتمنون عليه ليديروه بشكل صحيح ومحافظة على هذه الأمانة حق لهم وعليهم التملك المباشر لا من طريق الحكومة لقد بلغ السودان درجة عالية من التنظيم وهو يسير نحو مزيد من العدالة والتضامن الاجتماعيين كما نحو مزيد من الديمقراطية؛

فالحكومة تعمل على إرساء نظام فيدرالي أى أنها تعمل على توزيع السلطات وتشجيع سائر المناطق على المشاركة في الحكم من خلال مجالس وبرلمانات محلية تمثل الشريعة جملة المعايير الشاملة التي يتقيد الحكم بأوامرها ووصاياها ليس فقط بالنسبة لما يجب فعله أو ما يجب تركه؛

ولكن في الشريعة العديد من الأمور المستحبة والأمور المكروهة وبذلك فإن الحكم يخضع لقدر كبير من الرقابة على أعماله رقابة تغل يده عن الاستيلاء على وظائف المجتمع فالحكم لا يتسلط ولا يستولي على وظائف المجتمع إلا متى حيدت الشريعة وسحب الاعتراف بها .

لقد تحدث د. الترابي عن الصبغة الإسلامية في الحكم والتي تمثل المرجعية التي يرجع إليها نظام الحكم في السودان وكيف تطور الاجتهاد في الدولة الإسلامية الناشئة .

المبحث الخامس:التأمين والتمكين

ولكن مما لا شك فيه أن هنالك مجموعة مهددات أمنية تحيط بالدولة الناشئة وتحاصرها سواء كانت داخلية أو عالمية حيث قررت الولايات المتحدة الأمريكية أنها لا تساعد أى نظام يأتي عن طريق الانقلاب العسكري وأوقفت كل المساعدات للسودان وتبعتها بريطانيا في ذلك والتي ذهبت إلى أكثر من ذلك باحتضانها لعناصر المعارضة

" لقد عرفت ثورة الإنقاذ منذ عامها الأول بأنها ذات صبغة إسلامية وصارت تعامل على هذا الأساس من سائر القوي فقد قررت الحكومة الأمريكية ودول الاستعمار الأوروبي القديمة "فرنسا وبريطانيا"
أن نظام الحكم الجديد في السودان سيغير عاجلا أو آجلا علاقة التبعية السابقة فالإسلام الحنيف من حيث هو لا يتوقع منه غير أن يتمرد على مثل هذه العلاقة ومن هنا فقد بدأ الحصار الدبلوماسي والاقتصادي والإعلامي وهو أمر متوقع فأعلنت الإدارة الأمريكية أنها وفقا لقرار سابق للكونغرس لا تساعد نظاما عسكريا أتي على أثر نظام ديمقراطي .
وأوقفت بالفعل كل مساعداتها للسودان وتبعتها في ذلك بريطانيا التي راحت إمعانا في المضايقة تحتضن كل العناصر السوادنية المتواطئة معها والمعارضة للنظام الحالي في الخرطوم ثم لحقت الدول العربية بالركب الأمريكي البريطاني وتحركت وفقا لذلك مؤسسات الإعلام العربي والغربي في حملات متواصلة وتحت شعارات متنوعة لإضعاف النظام السوداني تمهيدا لإسقاطه "

لقد تعرض النظام الإسلامي في السودان إلى أشد أنواع الحصار الدبلوماسي والاقتصادي كما تعرض لحملات إعلامية من المؤسسات الإعلامية الغربية استهدفت توجهه واتهمته بالإرهاب وهضم حقوق الإنسان والاتجار بالرق لتزداد عزلته عن العالم تمهيدا لإسقاطه .

لم تكن الحملات الخارجية بمناي عن الحملات الداخلية بل كانت متناسقة متناغمة وتمثلت الحملات في العصيانات المدنية ومحاولات انقلابية بالإضافة إلى دعم حركة التمرد بالجنوب والتحرشات الأثيوبية الأريترية بالشرق وكلها أرادت الإجهاز على النظام لأنه إسلامي

" لم يكن هذا التحرك الخارجي منقطع الصلة بالداخل بل كان كالمعتاد متناغما مع التحركات المضادة التي تنظمها القوي الداخلية "الطائفية" المناهضة للمشروع الإسلامي والمرتبطة بذات القوي الأجنبية الطامعة في الاحتفاظ بالأوضاع الراهنة مما جعل ثورة الإنقاذ تواجه محاولة للعصيان المدني يقودها الأطباء ومحاولتين إنقلابيتين تدعمهما دول الجوار المتحالفة مع الغرب .

إن حجم التآمر الخارجي الكبير على دولة الإسلام الناشئة في السودان بالإضافة إلى المؤامرات الداخلية كل ذلك كان كافيا لإسقاط النظام الإسلامي في السودان لولا التدابير الاحتياطية التي لجا إليها النظام الإسلامي في السودان وقدرته على المناورة وكسب الزمن حيث أفلح في إرهاق الخصم دون أن ينهار.

وقد اعتصم النظام بقاعدته الشعبية التي يري أنها الأصل في الحفاظ عليه وحمايته ضد المخططات التي تحاك ضده .فعلي صعيد الحراك الجماهيري رأت الحكومة أن تنقل جمهور المسلمين من هامش الحياة إلى داخل حلبة الصراع متجاوزة الأعراف الاستعمارية والأطر النظامية التقليدية التي كانت تمر عبرها السلطة والثروة؛

وهنالك عدة مسافات سارت عليها الثورة لتامين بقائها حيث أقامت قوات مسلحة شعبية تهدف إلى قمع حركة التمرد بالجنوب من ناحية ولتكون بمثابة حرس ثوري لاحتمال الانقلابات الداخلية والتدخلات العسكرية الخارجية..

فهي بذلك قد عبأت الشعب لما عرف بالجهاد الإسلامي لكل من تسول له نفسه النيل من مقدرات الشعب الإسلامية:

" خرجت التجربة السودانية على هذا النمط بإحياء مفهوم الجهاد الإسلامي حيث يكون الدفاع عن الوطن الإسلامي واجبا على كل مسلم قادر على حمل السلاح وعندما فتحت معسكرات التدريب الشعبي واندفع عشرات الألوف نحوها ثم اشترك بعضهم في معارك فعلية ضد القوات المتمردة في جنوب البلاد تأكد للمراقبين أن رقما جديدا قد دخل في حساب القوي في السودان الجديد وهو الشعب المقاتل .
لقد كانت تجربة الدفاع الشعبي إحدى انجح التجارب التي أعادت للشباب المتعطش للجهاد ثقته في نفسه وأعادت للإسلام فكرة أن كل المسلمين جنود مستعدون للجهاد ومتى ما نادي منادي الجهاد فر الجميع لتلبية نداء الجهاد الذي انتظم وفق كتائب وألوية ومنظمات لجمع المال اللازم للجهاد"

ولذلك لما قامت الثورة كانت فتنة المقارنة والمقابلة بين ما هو عسكري وما هو مدني قد تم تجاوزها لحد كبير جدا وطبعا خير ما حدث منذئذ هو فكرة الدفاع الشعبي التي اقترحتها الحركة الإسلامية أيضا كانت تريد أن تتوخي المثال الإسلامي .

إن كل المسلمين جنود مجندون مستعدون للجهاد لا يباشرونه كمهنة ولكن إذا دعا داع حي على الجهاد نفروا جميعا ولم يبق منهم أحد كانت هذه أشواقا لأنهم ما تمكنوا من السلطة ولكن لما تمكنوا من دولة أقرب إلى النفس الإسلامي فتحت الباب للدفاع الشعبي ليكون كل مواطن أو كل مثقف من أهل الصفوة خاصة مؤهلا عسكريا في كل مداخل الصفوة الآن بالوظيفة العامة وبالجامعات أصبح المرء يمر على الحياة العسكرية ويتعرض لصدمة ليتكيف معها ويخرج جنديا؛

ولا يري فرقا بينه وبين الجندي الآخر الذي بقي هناك لأنه يستعدي مرة ليلتحق ويقاتل معه هناك أيضا وهذا واحد من أكبر المشروعات لتوحيد المجتمع السوداني حتى لا ينقسم إلى مدني وعسكري فتتبدد قوته ويضعف ."

كذلك نجد مفاهيم جديدة لجأت إليها الإنقاذ لتعوض عن بعض ما فقدته ويكون التعويض عن طريق الشعوب فيما عرف بالدبلوماسية الشعبية فبينما كان الدبلوماسيون يتحدثون عن عزلة السودان كانت الوفود الشعبية تصلهم ما أن أعلنت أمريكا وبريطانيا حملتهما ضد السودان حتى تمرد عدد من سفراء السودان والعاملين بالسلك الدبلوماسي فيه وطلبوا حق اللجوء السياسي مفضلين البقاء في أمريكا وعواصم أوروبا

فحفز ذلك "ثورة الإنقاذ" لأن تدخل مفهوم الدبلوماسية الشعبية كأداة للاتصال والتفاهم المباشر بين الشعب فصارت الوفود الشعبية والفنية والعلمية والاقتصادية تصل الخرطوم من العراق وتشاد وليبيا والسعودية وإيران واليابان وبريطانيا و غيرها بينما كان الدبلوماسيون يتحدثون عن عزلة السودان وانقطاعه عن العالم .

كذلك فجرت طاقات الشعب للعمل والإنتاج والزراعة ورفع شعار "نأكل مما نزرع" شعار يستفز الشعب ويحفزه على الإنتاج دون أن ينتظر ما تجود به مزارع الآخرين .

كذلك نجد المؤتمرات الشعبية التي انتظمت البلاد وصار الشعب هو الذي يحرك متطلبات حياته الضرورية وبالتالي يشترك هنا الشعب بكافة قطاعاته في إدارة أمرهم في مجال الخدمات الأساسية والضرورية التي يحتاجها .

إن شعبا فجرت طاقاته بهذه الكيفية لا يملك سوي أن يلتف حول قادته وحول الفكر الإسلامي الذي صار هو البديل عن الأطروحات الأخرى المنافية للإسلام وبهذه الطريقة وهذا الأسلوب الذي ابتدعته الحركة الإسلامية السودانية استطاعت أن تحافظ على قوة الاندفاع الشعبي الذي لا ينقطع عنها في كل الخطوات التي تتخذها حكومة الإنقاذ لذلك كان من نافلة القول أن المشروع الذي تطرحه الإنقاذ هو مشروع حضاري يستهدف تغيير الإنسان .

(إن ثورة الإنقاذ " تطرح مشروعا حضاريا مضامينه إسلامية ووسائله إعادة تفعيل الدين وتشغيل ديناميكياته وتحريك سكونه وغايته بناء مجتمع إسلامي معاصر في أمثل صورة ممكنة إن مشروع الإنقاذ يبدأ بالإنسان نواة المجتمع المجال الموضوعي لعمل الدولة والغاية من تغيير الإنسان هي تزكية نوازع الإيمان والخير والصلاح فيه وإضعاف نوازع الشرك والكفر والشر وعدم الفاعلية وتحقيق هذه الغاية منوط ببرامج للترقية الروحية والتأهيل الأخلاقي والمهني فبرنامج التغيير الحضاري لا يمكن أن يتصدي له إنسان فاتر في طاقته الروحية أو الأخلاقية . ولكن الثورة بما استنهضته من همم الرجال والنساء ووهبت الروح مهرا لمشروع التغيير وملحمة عادت بالسودان تاريخيا إلى عهد المهدويين ).

الفصل الثالث:مظاهر تأصيل الحياة في السودان

المبحث الأول:التربية وتزكية النفس

ولما كانت التربية المتكاملة على المستوي الفكري والسلوك وتنمية الروح النقدية والموضوعية ومحبة الحق مهمة نجد أن الحركات الإسلامية تنادي بها ضمن المبادئ الإستراتيجية للعمل الدعوي فهو يراها كغيره من قادة العمل الإسلامي مهمة التربية الروحية توثق صلات الفرد بربه وتفكره في لقائه والاستعداد ليوم الميعاد وهي من أوجب واجبات الحركة الإسلامية في عصر طغت فيه المادية واستفحلت الشهوات مما جعل بناءنا الحركي مهما .

لقد تحدث د. الترابي عن التربية في كتابه الحركة الإسلامية السودانية المنهج الكسب التطور قائلا:

" أسست الجماعة على أساس من التزام الأعضاء بتزكية أنفسهم وبما تتعهدهم به الجماعة من مناهج أو أطر لتربيتهم ولم تكن تستغني عن ذلك بالوعظ والعفو أو الحشد للأعضاء وقد كان نظام التربية الوثيق الذي اتخذته الحركة الإسلامية السودانية من قدوتها في مصر هو من حيث العموم النظام الشائع في التنظيمات الصوفية والمتمكن في التقاليد الدينية .
تحدث عن التربية وذكر أن الحركة الإسلامية تتعهد أفرادها بالتزكية هذا المبدأ الذي كانت الحركة الإسلامية المصرية قدوة فيه متأثرة بالصوفية ليفصل الشيخ الترابي أكثر عن مناهج التربية ذاكرا أنه لا يختلف عن نظام الأسر في تنظيم الإخوان في مصر "

كان منهاج التربية وإطارها لأول العهد نقليا يحاكي نظام الأسر في تنظيم الإخوان المسلمين بمصر ولكنه في سياق تطور الحركة ونضجه تطور تطورا بعيدا .

قسم. الترابي أطوار التربية في الحركة الإسلامية السودانية إلى ثلاث مراحل وهي التزكية الفردية في الأسرة والتربية للدعوة المفتوحة والتربية للإصلاح الإجتماعي المرحلة الأولي التزكية الفردية في الأسرة كانت مناهج التربية في هذه المرحلة تهدف لتزكية تدين الأعضاء الذاتي وولائهم للجماعة وحفظهم من الفتنة من حولهم؛

ولم يكن وراء ذلك قصد التأهيل لأى دور أو تكليف معين إلا كون الالتزام في التدين يضفي مصداقية بادية على دعوة الداعي ويكسبها قوة وقع على الآخرين يتضح من هذا العرض أن أهداف التربية كانت لتعزيز التدين والتبعية مما يجعل المناهج تعليمية تلقينية لترسخ الأفكار الجديدة

كما ذكر الشيخ:

" وقد اقتصرت أغراض التربية على تعزيز التدين وحفظه وتركيز الولاء فقد كانت المناهج تعليمية تحيط العضو بوشيجة وثيقة وتجسد له انتماءه العفوي للمجموعة وكانت الأسر سرية لعزل العضو الجديد من علاقاته القديمة ولملاحظة الحذر الأمني الذي كان عاملا زائدا في تأكيد وحدة المجموعة في وجه المجتمع الخارجي "

كما تحدث د. الترابي عن المرحلة الثانية والتي عبر عنها بمرحلة الدعوة المفتوحة وهي تعبر عن طور الانفتاح بعد العزلة حيث كان لزاما أن يهئ العضو لهذه المرحلة تهيئة تناسب مهامه ورسالته من ناحية دون أن تتجاوز ظرفه وواقعه من ناحية أخري؛

والحركة إذ تتطور في المرحل التربوية إنما تتجاوز الجمود بهذه التربية وتواكب العصر دون أن تقعد أو تركن:

" عندما انفتحت الحركة شيئا ما عن المجتمع بعد عزلتها وتفاعلت مع تياراته بثقة واطمئنان واتسعت وسائل الخطايا من النجوي الخاصة إلى الدعوة العامة بدأت مناهج التربية تراعي من وراء ترقية الدين والولاء تأهيل الأعضاء لمهام الدعوة العامة ليخرجوا على الملأ بالكلمة المبلغة الناهية عن المنكر الآمر بالمعروف وليقوموا بين الناس بالقدوة الصالحة ولذا اتسعت مناهج التربية لتشتمل مادة تبصر الداعية بعد العلم بدينه بأحوال مجتمعه الذي يهتم بإصلاحه حسب معيار الدين .
أما المرحلة الثالثة للتربية وكما عبر عنها د. الترابي فهي مرحلة التربية للإصلاح الاجتماعي وهذه المرحلة هي المرحلة الأخيرة من مراحل تطور التربية في الحركة الإسلامية السودانية والتي يلزم أن يكون منهجها شاملا متسقا مع الأهداف التي يراد تحقيقها "

من وراء أغراض تزكية الأفراد وتقوية ولائهم وتهيئتهم لبسط الدعوة والقدوة تطورت للحركة أغراض في تربية أعضائها من تطور أهدافها الشاملة في المجتمع التي لتعد لها الأعضاء وحينئذ كان لزاما تأهيل الأعضاء ليكونوا أداة تغيير اجتماعي نحو التي هي أمثل فيكونوا صالحين مصلحين طاهرين مطهرين .

سعيا مباشرا في المجتمع لترقية دينه بمحق المنكر وبسط المعروف بالأمر والأسوة والتعبئة والتنظيم أو جهادا كليا مبدلا للأوضاع مقوضا لأركان الباطل ممكنا لسلطان الدين.تحدث في هذه المرحلة الطور الثالث للتربية عن الأهداف الإستراتيجية لها بقوله "حينئذ كان لزاما تأهيل الأعضاء ليكونوا أداة تغيير اجتماعي نحو التي هي أمثل فيكونوا صالحين مصلحين "

حيث يتجلي هنا الهدف الاستراتيجي للتربية وهو تأهيل أعضاء بواصفات تمكنهم من التمكين للدين عبر وسائل مختلفة تبدأ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرورا بالإسوة الحسنة التي تجعل الآخرين يقتدون بهم وقوفا عند التعبئة والتنظيم حيث يمثلان ظاهرة تربوية وانتهاء بوسيلة الجهاد لتغيير المنكر وتقويض أركان الباطل فالتربية هي التي تحقق كل ذلك لذلك كانت ضمن المبادئ الإستراتيجية التي عولت عليها الحركة الإسلامية في السودان .

خلال عرضه للمراحل المختلفة وواقع وسائل التربية يرى الشيخ الترابي أن الوسائل التقليدية ما عادت تفي بمتطلبات التربية التربية وإصلاح المجتمع فلابد من الاستعانة بوسائل إضافية "

وما كان للوسائل التربوية والأطر التقليدية أن تفي بذلك فلزم أن يستعان على التربية بوسائل الاتصال وخطابها الإجمالي البالغ وأن تكثف المؤسسات الإجتماعية التي تحمل أمانة التغيير الصالح وأن تجند بوجه خاص المؤسسات التربوية التقليدية في المجتمع كالمساجد والمراكز والطرق والجماعات الدينية مع تطوير وسائلها وترشيد مناشطها

بل أصبحت وسائل القانون والسياسة والسلطان بقدر ما تتمكن منها الجماعات مسخرة للتربية أما بما فيها من رسالة تخاطب الفرد فتزكية وتلهمه القيم الفاضلة أو بما فيها من إصلاح موضوعي يبدل محيط المجتمع فيرفع الفتنة ويعين على الخير ويحقق المصالح العامة .

يتجاوز الدكتور الترابي في هذا السياق الوسائل التقليدية للتربية إلى حيث المؤسسات التربوية والمنظمات الإصلاحية إلى أجهزة قانونيته وسياسية وحكومة تهتم بهذه التربية .

نصل أخير إلى أن التربية تمثل مبدأ استراتيجي للعمل الإسلامي في فكر الحركة الإسلامية فهي تصقل الفرد وتحفظه من الزلل والفتنة ليصبح بذلك أسوة وقدوة حسنة يتأسي به الناس وكلما اتسعت دائرة هذه القدوة كان ذلك أدعي لنشر القيم والفضيلة وتنتشر الدعوة الإسلامية تباعا وبذلك يتحقق التمكين لدين الله.

المبحث الثاني:الدستور

يمثل دستور 1998 م مظهرا للتأصيل في مواده المختلفة بدءا بالمادة الأولي التي تتحدث عن الإسلام باعتباره دين غالب السكان مرورا بالمادة الثانية التي تحدثت عن الشوري والمادة الثالثة التي اعتمدت لغة القرآن اللغة الرسمية في جمهورية السودان؛

كما تحدثت المادة الرابعة عن الحاكمية في الدولة وأسندتها لله والشعب يمارس السيادة عبادة لله وبسطا لقيم العدل والحرية والشوري, كما تحدثت المادة السابعة عن الجهاد في رمزية إلى تأصيل المفاهيم بينما تناولت المادة الثامنة عن منع الاحتكار وحرمة الربا والغش والمادة العاشرة خصصت للزكاة كفريضة

وتحدثت عن الأوقاف وتحدثت المادة الثانية عشرة عن قيم التدين والتقوى والعمل الصالح وتضمنت المادة السادسة عشرة تطهير المجتمع من الفساد والجنوح والخمر بين المسلمين وتحدثت عن الموالاة والمؤاخاة بحبل الله بينما خصصت المادة الثامنة عشر عن الدين الإسلامي وملازمة الكتاب والسنة .

المادة الخامسة والستون تحدثت عن مصادر التشريع وجعلت الشريعة الإسلامية وإجماع الأمة استفتاء ودستورا وعرفا هي مصادر التشريع بينما تناولت المادة الثلاثون بعد المائة هيئة المظالم والحسبة .

هذه المواد تتضمن الإشارة المباشرة إلى الإسلام وقيمه بينما هنالك مواد يشتم منها رائحة التأصيل لتمهد الإنقاذ بذلك الطريق نحو التمكين لأمر الله باعتبار أن الدستور هو المرجعية العليا لكل القوانين وكل سلوك وممارسة تتنافي مع الدستور فهي رد. وبذلك انفتح الباب واسعا لكل الاجتهادات التي تخدم قضايا الإسلام .

المبحث الثالث:مستشارية التأصيل

أسست مستشارية التأصيل والتخطيط الإستراتيجي عام 1996م بهدف الآتي:

  1. تأصيل مناهج الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية كافة .
  2. تأصيل نظم الدولة ومناهج المجتمع .
  3. تأصيل أدب المناصحة العامة .
  4. التأصيل الفكري لحركة البحوث والدراسات والتأليف والنشر .
  5. إظهار توجه الأمة الحضاري خارجيا من باب الدعوة إلى الله .

الأمانة العامة لمستشارية التأصيل:

جري تأسيس هذه الأمانة بهدف إدارة نشاط المستشارية وفق طبيعتها البحثية والدعوية الخاصة ثم القيام بأدوار التنسيق مع المؤسسات ذات العلاقة وذلك عبر شعب متخصصة جامعة تطور أداء المستشارية عبر المناشط الأساسية التالية:

(1) تنسيق جهود التأصيل:

كانت أولى مهام المستشارية هي تنسيق جهود التأصيل بين مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المشتغلة بشؤون التأصيل أو المتعلقة بقضاياه حيث عقدت تحت رعايتها ندوة " تنسيق جهود التأصيل وإسلام المعرفة" في محرم 1419 هـ الموافق له مايو 1998م وقد شارك فيها ثمان وثلاثون مؤسسة رسمية وأهلية

وقد استهدفت الندوة محورين أساسيين:

(أ‌) بسط الجهود المبذولة في حقل التأصيل والتواصي على إستراتيجية شاملة للتأصيل .
(ب‌) إرساء أسس التنسيق والعمل المشترك بين هذه المؤسسات بمجهوداتها العلمية في حقل التأصيل .
(ت‌) وقد خرجت توصياتها لتضع الآليات والوسائل لتحقيق هذه المقاصد المنهجية وفي سبل التنسيق المنهجي والمؤسسي بين المؤسسات العامة في حقل التأصيل دعت الأمانة العامة للمستشارية سائر هذه المؤسسات إلى اجتماع شوري جامع برئاسة المستشار بتاريخ 21 / 8/ 1421هـ الموافق له 17 /11/ 2000م وذلك للارتقاء بهذا التنسيق نحو مقاصده العليا .

المؤسسات العاملة في حقل التأصيل:

(أ‌) المؤسسات السيادية:
  1. رئاسة الجمهورية .
  2. المجلس الوطني .
  3. الأجهزة العدلية .
(ب) القطاعات الوزارية بوحداتها المتخصصة:
  1. قطاع التوجيه "التعليم العام والعالي ،البحث العلمي ،الإعلام ،الثقافة ،الإرشاد والأوقاف .
  2. القطاع السياسي .
  3. القطاع الاقتصادي .
  4. القطاع الإجتماعي .
(ث‌) المعاهد والمجالس والمراكز الأهلية:
  1. هيئة علماء السودان .
  2. المركز العالمي لأبحاث الإيمان .
  3. جمعية الإصلاح والمواساة .
  4. بيت الثقافة .
  5. منظمة دار الأرقم.
  6. معهد الدراسات الإجتماعية .

(2) النشاط العام للمستشارية:

ويمثل الأنشطة الأساسية التي تقيمها المستشارية أو تشارك فيها لدفع حركة التأصيل ومن ذلك ملتقيات الأعمال التالية:

  1. ندوة الشوري وأبحاثها.
  2. الندوة الأسبوعية التي تقيمها المستشارية حول قضايا التأصيل وقد استهلتها حول تعليم المرأة وعملها وأخري حول مفهوم الحرية في الإسلام ويشارك فيها العلماء والخبراء وأهل الاختصاص والمهتمون .
  3. مشروع التعليم الأصلي وإعمار المساجد بالتنسيق مع المؤسسات التعليمية والدعوية ذات العلاقة .
  4. مؤتمر تأصيل النشاط الاقتصادي بالتنسيق مع وزارة المالية وبنك السودان وقد اتجهت توصياته إلى إسلام المعاملات المالية والمصرفية وتوجيه مناهج الاقتصاد نحو مقاصد الدين وستكون استخلاصات هذا المؤتمر موضع متابعة منهجية مع المستشارية .
  5. المشاركة في مؤتمر المواقيت بالتنسيق مع المستشارية الاقتصادية برئاسة الجمهورية وهو المؤتمر الذي بحث تأصيل مواقيت العمل وآدابه وفضائله وستكون مقرراته موضع تطوير مع مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع .
  6. المشاركة في تأسيس إذاعة القرآن الكريم "إذاعة الفرقان".
  7. مشاركة المستشار في الملتقيات العلمية والدعوية والتعبوية ذات العلاقة بالتأصيل زيادة على تمثيل رئاسة الجمهورية في بعض المناشط والمناسبات الدينية الخاصة والعامة .
  8. وضع تصور منهجي للتعريف بالإسلام في الشبكة العالمية للمعلومات "الإنترنت" استئناس برأي كبار العلماء والدعاة من داخل السودان وخارجه.

المبحث الرابع:العبادات

العودة إلى الكتاب:

عادت الأمة إلى الكتاب واعتنت به إيمانا وتلاوة وحفظا وتدبرا وتفسيرا فشهدت البلاد 20,527 جمعية للقرآن الكريم توزعت على الأحياء ومواقع العمل والجامعات في حين أن للجمعية 23 مكتبا في ولايات السودان و90 مكتبا في المحافظات 353 مكتبا في المحليات وشمل نشاطها 5,948 مسجدا 2,872 زاوية 1059 للمؤمنات و 364 مركزا وأنشأت الجمعية 750 مركزا لتحفيظ القرآن الكريم و21 مدرسة للقرآن و 2872 خلوة للنساء .
نشطت "خلوات" القرآن الشهيرة كخلوات همشكوريب وخلوات الزريبة وخلوا الفادنية وأم ضوا بأن وغيرها نشطت لتحفيظ القرآن وتدريس علومه .وكان لابد لهذا الإقبال على القرآن الكريم من دار لطباعة المصحف فكانت دار "مصحف أفريقيا" ودار الشريعة التي تطبع أجزاءه وأرباعه .
وكانت إذاعة القرآن الكريم والتي تهتم بتلاوته وتفسيره والعلوم التي تدور حوله ودرجت إذاعة الفرقان على الموجة M.F على بثه على مادر الـ 24 ساعة .
أدخل القرآن في مناهج المدارس والجامعات والمعاهد الفنية والمتخصصة والدورات التدريبية ومقررات المناهج العسكرية والشرطية وغيرها ونشط المهرجان السنوي للقرآن الكريم ليصبح منافسة عالمية وأقبلت الإذاعات المرئية والمسموعة على بثه ونشر علومه وتفسيره بحيث أصبح منطلق برامجها ورؤاها سوي البرامج المخصصة له.
وازداد عدد المساجد في السودان ما يفوق 20,000 مسجدا لا يكاد يخلو واحد منها من مدارسة للقرآن الكريم أو تجمع حفظ أو حلقة تلاوة وعبر كل دراسة أو بحث تكميلي أو جامعي كان القرآن الكريم هو الأساس في الاستشهاد والمنطلق وضبط الرؤية بحيث أصبح ذلك أمرا مضطردا وقاعدة ثابتة .
وأقبل أطفال السودان وشبابه على حفظه وتلاوته غير رياض الأطفال والمدارس القرآنية والخلوات الملحقة بالمساجد والتعليم قبل المدرسي ومدارس الأساس ومراحل التعليم العام المختلفة بحيث أصبح الجيل بحق جيل القرآن بإذن الله .

ثانيا:الصلاة:

اهتمت الإنقاذ بالمساجد ولجانها وأئمتها فقامت بافتتاح كثير منها في جميع أنحاء الوطن كما عنيت بأئمتها من حيث التدريب والتأهيل والراتب واللقاءات مع القادة وأصبح المنبر أكثر عافية مما كان عليه في الماضي .

ثالثا:الزكاة:

أخذت الزكاة في السودان شكلا فريدا يختلف عن مجتمعات المسلمين اليوم وذلك لاهتمام الدولة بها ورعايتها لها عن طريق المؤسسة بدلا عن أن تكون صدقة فردية تخرج بغير نظام .
فصار لديوان الزكاة أكثر من مائة فرع في كل بقاع السودان يشرف على جباية الزكاة وتحديد أوجه صرفها وكان ذلك نتيجة لتطور تاريخي كبير مرت به شعيرة الزكاة في السودان فقد كانت في المراحل الأولي طوعية حتى عام 1400هـ العام الذي صدر فيه قانون الزكاة عن الضرائب وفي عام 1406 هـ صدر قانون الزكاة إلي أعيدت صياغته عقب اندلاع ثورة الإنقاذ الوطني؛
فكان هذا القانون الذي لم يتقيد بمذهب فقهي وأوجب الزكاة على كل ما يطلق عليه اسم مال إذا بلغ النصاب وتحويل الزكاة من حاجيات الفرد إلى حاجيات الجماعة والدولة وتأسيس ديوان الزكاة وإنشاء مجالس الزكاة بالولايات ولجان الزكاة على مستوي الأحياء السكنية وتوسيع الموارد من بيوت الزكاة والأفراد على مستوي العالم الإسلامي كذلك الصدقات والهبات من داخل وخارج السودان .
كما حدد القانون المقيد المكان لصرف الزكاة وأوجب الزكاة على السودانيين العاملين بالخارج ومعاقبة من يمتنع عن دفعها .

محور الجباية:

وهو أهم الأسس التي تقوم عليها فريضة الزكاة فقد شهد هذا المحور تطورا كبيرا يظهر من خلال المقارنة بين فترات التطوع والإلزام في الزكاة قبل عام 1990 م حيث كانت الحصيلة في الفترة قبل الإنقاذ الوطني تقدر بحوالي 238,200,00 " مائتان وثمان وثلاثين مليون ومائتي ألف جنيه فقط "
في الوقت الذي بلغت فيه الحصيلة مائتان وسبعة وسبعين مليون جنيه في عام 1410هـ 1990م فظلت الحصيلة في نمو مطرد حتى بلغت سبعة وثمانون مليار جنيه في عام 1998م.
وكانت هذه الزيادة نتيجة لاستحداث أساليب الجباية والتي تمثلت في الزكاة والجباية عن طريق عامل الزكاة مباشرة من المزارع بعد الحصار وبالتدابير السلطانية المختلفة وكذلك لانفعال الناس بأمر الدين واستجابتهم الواسعة لهذه الفريضة العظيمة من فرائض الدين .

محور المصارف:

توسع قانون الزكاة لعام 1990 م في تفسير أوجه مصارف الزكاة خاصة في تفسير مادة الفقراء فأصبحت تشمل من لا يملكون قوت عامهم والطالب المنقطع للدراسة ومادة المساكين شملت المعوزين الذين لا يجدون نفقات العلاج وضحايا الكوارث .
ووفقا لهذا أصبح لديوان الزكاة الحق في إصدار منشور سنوي يبين أسس وضع تقدير واستحقاق وأولويات العمل في جميع مكاتب الزكاة بالولايات على أن تكون الأولوية في تقدير العطاء بالنسبة إلى الأشخاص حسب الترتيب الآتي .
اليتامي والأرامل والمطلقات ممن ليس لديهم عائل والمحجورات والمسنون والمرضى الذين لا يجدون العلاج والطلاب الذين لا يجدون نفقات الدراسة وأى أشخاص تضيفهم لجنة التقدير والاستحقاق .وقد اتخذت عدة طرق لمعرفة المستحقين هي طريقة الإحصاء العلمي وتزكية الأفراد الموثوق بهم.
ومن أهم ما انتهجه ديوان الزكاة من وسائل في صرف الزكاة هو أسلوب تمليك أدوات الإنتاج وهذا الأسلوب تطور من التمليك الفردي للأسر الأكثر فقرا والقادرة على إدارة وتشغيل مشروع استثماري بكفاءة وأدي ذلك إلى تأسيس مراكز إنتاجية متعددة يقوم ديوان الزكاة بتوفير الأصول المتمثلة في توفير وسائل الإنتاج وتشغيل النساء الفقيرات القادرات على العمل وتدار هذه المراكز بواسطة مشرفات ويقسم العمل بين ديوان الزكاة والمستفيدات بالإنتاج.
كما انتهج تجربة رائدة في الولايات الزراعية فقد عمد ديوان الزكاة على شراء المحاريث والتراكتورات لحراسة أرض الفقراء وتمليكهم البذور المحسنة وتوفير مدخلات الزراعة مما كان له الأثر في توفير قوت العام لهم وبعض الأسر تحولت من مستحق للزكاة إلى دافع للزكاة .
كما أنشأ الصيدليات الشعبية والصيدليات البيطرية في الولايات التي تتميز بتجمعات الرعاة والأبقار والحفائر.وكما أنشأ ديوان الزكاة مؤسسة التنمية الإجتماعية بكل الولايات ومصرف الادخار وأصبحت المؤسسة هي المسئولة عن تمليك وسائل الإنتاج بدلا عن البنوك التي اتضح بالتجربة صعوبة تعامل الفقراء معها .
أما في مجال المصارف الدعوية درج ديوان الزكاة على دعم المؤسسات الدعوية مثل منظمة الدعوة الإسلامية ،والخلوات ،وجامعة أفريقيا العالمية ،وكدارس القرآن الكريم والجمعيات الخيرية والمؤسسات الإجتماعية والعلاجية كما دخل ديوان الزكاة في تجربة توفير الدواء للفقراء والمساكين فكانت الصيدليات تصرف الدواء مجانا للفقراء والمساكين وبأسعار أقل من السوق للمواطنين كافة كما امتدت مصارف الزكاة حتى بلغت السودانيين المتحاجين في بعض الدول العربية.
كما انتهج الديوان مشروع الراعي والرعية حيث أخذت الزكاة بعدها السلطاني فأصبحت توزع بواسطة رئيس الدولة والنائب الأول لرئيس المجلس الوطني والوزراء والمحافظين بجانب بعض الولاة وذلك استشعارا لدور المسول في تفقد الرعية .

ومن أهم جهود التأصيل في جانب الزكاة:

  1. إعطاء الجهاز الإداري للزكاة في السودان الاستقلالية والحماية الكاملة حيث يمثل مجلس الأمناء السلطة العليا في الإشراف على الزكاة.
  2. إدخال نظام الجباية والتوزيع اللامركزي كلما كان ذلك عمليا وممكنا .
  3. إدخال الجهاد والترتيبات الأمنية في مصرف في سبيل الله وإشراف الدولة على الصرف في أوجه .
  4. التطبيق الحكومي للزكاة مكن الدولة من التوزيع العادل للزكاة على مستوي الأفراد والمستوي الجغرافي .
  5. العلاج الناجح للظواهر الإجتماعية كالتشرد والتسول وخلافه .
  6. عدم اعتبار الولايات الجنوبية مناطق جباية نسبة للحرب .
وأهم ما في هذه المجهودات هو إنزال الزكاة إلى المحليات لأنها تمثل القرب المكاني إذ أنها أقرب لمعرفة المسؤولين بالمحتاجين وتحديد أوجه الصرف وتمثل البعد التكافلي .
وبهذه المجهودات والمجاهدات أصبحت تجربة تطبيق جباية ومصارف الزكاة في السودان من التجارب التي يشار إليها بالبنان لما تركته من بصمات واضحة في الدعم الإجتماعي في فترة تعتبر من أصعب الفترات التي يمر بها الاقتصاد السوداني وهي مرحلة الانطلاق التي خلقت آثارا سلبية كثيرة على شرائح المجتمع .
كما مثلت هذه المجهودات فاعلية توزيع الثروة وتحقيق مفهوم التكافل الإجتماعي والتراحم الذي نادي به المشروع الحضاري .

رابعا:الصيام:

فقد قامت شعيرة الصيام في هذا العهد المبارك بصورة أدت إلى معاني الصوم والقصد منه حيث برز الإنفاق وظهرت أنواع العبادة فيه أحيت لياليه ومناسباته الدينية بالاحتفاء والاحتفال والتهجد بل وصلت عناية الدولة بالفقراء والمساكين وأسر الشهداء والأيتام أن تصلهم في بيوتهم ليلا بوفود من القيادات في الدولة تخفف عنهم الحزب والفقر والدموع وتولت المنظمات مؤسسات الدولة الإفطار الجماعي للفقراء وقد قامت هذه كلها في جميع الولايات دون استثناء وعني بالقرآن وأهله وأشعلت نيرانه في كل أنحاء البلاد.

خامسا:الحج:

لقد عنيت الدولة بالحج والعمرة وكونت لهما اللجنة التي ترعي شؤونهما في الداخل والخارج ووضعت الخطط والبرامج لإدارة الحج وبما ييسر أداء هاتين الشعيرتين .

سادسا:الجهاد:

أدرك الشعب وحكومته الإسلامية أن ما يواجه به السودان من حصار وحرب مفروضة عليه لابد له أن ينفك من القيد وينطلق فيعيد الإسلام وجهه المشرق وسيرته الحميدة في عودة للتاريخ المماثل ذلك التاريخ العتيد فيظهر الجهاد بوبه القشيب الناصع يتبختر به والعالم ينظر فهو بين مهيبة ومشجع ودافع وحاض؛
حتى أصبح الجهاد سنة مشاهدة يتقدم فيه شهداؤنا من شيوخنا وشبابنا من أصحاب الأسماء والألقاب الذين جددوا فينا السيرة النبوية العطرة والتاريخ الإسلامي في باكورة الإسلام وأيام فجره وضحاه ولم يدفع هؤلاء سوي ما دفع الأقدمين من أهل تلك الأسماء ما عرفوا من القرآن وما رأوا من السنة المطهرة فقد عاشوا مع الله في قوله تعالي (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله علي نصرهم لقدير)
وأحوالهم كحال رسولهم الذي أحبوه أرادوا أن يلحقوا به (من لم يغزو ولم يحدث نفسه بالغزو مات ميتة جاهلية)
لعل هذا الذي حدث في السودان كان فريدا لأن هؤلاء تركوا الوظيفة العالية والشهادة الجامعية والأهل والأبناء والمتاع وخرجوا يرجون لقاء الله فإن دل هذا على شئ فإنما يدل على تربية الإسلام لهم وصدق القيادة في التوجه والأهداف .

سابعا:الأوقاف:

وعنيت الدولة كذلك بالأوقاف نظمت إدارتها ووسعت في فتح الأبواب ولأول مرة تصدر القرار الذي يوجه الولاة بأن يجعلوا للأوقاف نصيبا في كل سوق يفتح في مدينة كما تنظمت أوجه الإنفاق فيها حسب المجتمع والأفراد .
وهناك صندوق دعم تطبيق الشريعة الذي أخذ في النمو والتطور وسلك مسالك الاقتصاد الداعم القائم على المساعدة في حال المجتمع التي تواجه الإنساني السوداني وصندوق التكافل الذي أخذ يدفع بحل مشاكل الوحدات المختلفة في الدولة ويبعث من جديد قيم الإسلام في التعاون والتكاتف بين أفراد الأمة وجماعاتها .
كما عنت الثورة بالشوري فعقدت كل المؤتمرات ذات الشأن وأبرزت فيها الرأي الجماعي الذي يخرج عن قناعة وصدق ووفاق .

المبحث الخامس:القوات المسلحة ومشروع الجندية في الإسلام

أتت توصيات مشروع الجندية في الإسلام الذي عقد أوائل العام 1994م نتيجة نقاش اشترك فيه جمع من العسكريين الذين لديهم اهتمام بأمر التأصيل والعودة بالجندية إلى أصلها الذي كانت عليه في عهد الرسول صلي الله عليه وسلم وقادة الفتح الإسلامي الأول وبالاشتراك مع نفر طيب من العلماء وأهل الدين الذين لهم باع طويل في علوم الدين وفقهه وقد ساعدهم في تفهم هذا الأمر مشاركتهم الفعلية مع القوات المسلحة مجاهدين في مناطق العمليات .

وجاء في التوصيات:

  1. التأسي بقيادة الرسول صلي الله عليه وسلم وصحابته .
  2. الإلمام بآداب القتال في الإسلام .
  3. أسلمة المظاهر العسكرية .
  4. الاهتمام بدورات الدراسات الإسلامية ويتم التركيز عليها من خلال الآتي:
(أ‌) دورات التوجيه المعنوي ذات المنهج الموحد والتي يتم عقدها بمدرسة التوجيه المعنوي دورات تعقد على مستوي المناطق القيادات التشكيلات وتحت إشراف إدارة التوجيه المعنوي .
(ب‌) دورات جامعة أفريقيا العالمية دبلوم دعوة خاص للضباط لمدة عام دراسي 2 دورة دعوة ودراسات إسلامية لضباط الصف والجنود في العام .
(ت‌) دورات جامعة القرآن الكريم والتي تشابه في موضوعاتها ومدتها دورات جامعة أفريقيا العالمية وفي هذه يتم عقد دورات دعوة وتجويد لضباط الصف على مستوي القيادات بالولايات التي بها كليات تتبع لجامعة القرآن الكريم .
(ث‌) الاستفادة من دورات الدعوة التي تعقدها هيئة الدعوة الإسلامية لضباط الصف والجنود .
(ج‌) الاستفادة من خلاوي القرآن الكريم في حفظ وتجويد القرآن وحسب ما يتيسر من شواغر وإمكانيات إدارية لضباط الصف والجنود.
  1. الطباعة والنشر يحقق النشر والمعرفة غايات وآمال مشروع الجندية في الإسلام وذلك من خلال الآتي:
(أ‌) طباعة وتوزيع القرآن الكريم وخاصة المصحف المرتل وتفسير القرآن الكريم وكتب فقه الجهاد وفقه العبادات .
(ب‌) إنشاء مكتبات بجميع الوحدات ودعمها بمختلف مناهج العلوم عبر القيادة العامة والعون الذاتي بواسطة الوحدات المختلفة .
  1. شعار القوات المسلحة . ورد بالتوصيات أن يكون شعار القوات المسلحة " الله غايتنا والرسول قدوتنا والجهاد سبيلنا ".
  2. وسائل إعداد النفوس لاستيعاب التغيير المنشود لإعداد النفوس وتهيئتها استقبالا وبرضاء تام لتقبل التغيير المنشود كان التركيز على الآتي:
(أ‌) عقد السمنارات للقادة.
(ب‌) المحاضرات المركزية .
(ت‌) الندوات الثقافية .
(ث‌) حلقات النقاش حول الجندية في الإسلام .
(ج‌) القيادة في الإسلام " نقاش ،محاضرات، نشرات" .
(ح‌) أو وسائل أخري تساعد في تحقيق الإعداد النفسي وتهيئة المناخ لقبول التغيير المنشود.
  1. تشييد المساجد والمصليات .

وشملت مجالات التأصيل الآتي:

  1. تنزيل شعار القوات المسلحة على واقع الحياة العسكرية " الله غايتنا الرسول قدوتنا .. الجهاد سبيلنا "
  2. تأصيل القانون العسكري .
  3. تأصيل الإدارة والسلوك الإداري الإداري الرسالي .
  4. تأصيل الثقافة والإبداع الفني والأدنى .
  5. تأصيل الرياضة والنشاط الرياضي .
  6. تعميق الدور الرسالي والوطني للقوات المسلحة .
  7. تحديد العقيدة العسكرية الإسلامية لتكون عقيدة رسمية للقوات المسلحة الجهاد .
  8. الاهتداء بالأمر الرباني في إعداد القوة (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)
  9. التوسع في التعليم ومحو الأمية بالقوات المسلحة .
  10. التأصيل لعلاقات الفرد العسكري داخل المجتمع العسكري وغيره من المجتمعات " قوات نظامية– مدنيون " على أساس السلوك الحسن والأخلاق الفاضلة .
  11. العمل على تأصيل النظم والمراسيم العسكرية والأعراف والتقاليد .
  12. تأصيل أدب المناصحة والشورى .
  13. تأصيل المناهج التربوية بالقوات المسلحة .
  14. التأصيل لقيم الضبط والربط من خلال مفهوم الطاعة في الإسلام

المبحث السادس:التأصيل في شؤون المرأة

مشاركة المرأة في الحركة السياسية في فترة الديمقراطية الثالثة 1985 -1989م لم تجد الاهتمام الكافي كما أن الانقسام الحزبي اتسم بالتركيز على استقطاب المرأة بصورة جعلتها تابعة للكيانات الحزبية والتي لم تضع سياسة واضحة لكيفية مشاركة المرآة في العمل السياسي الشئ الذي أثر في دورها الإجتماعي والثقافي. وكان التهميش لغالبية النساء .

أبدت الإنقاذ اهتماما واضحا بالمرأة وعملت على تأكيد مبدأ التكامل والمساواة بينها والرجل في الأهلية حمل الأمانة وأهلية التكاليف .

قال تعالي (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما)

وتأكيدا لرسالتها الفاعلة كان لابد من إستراتيجية تعمل على تعبئة النساء لإحداث تغيير حقيقي للمجتمع عبر أداة فاعل ومشاركة حقيقية للمؤتمر فكان المؤتمر الخاص ببحث قضايا ودور المرأة المنعقد في 31 يناير 1990 م تحت شعار "دور المرأة في ثورة الإنقاذ الوطني " لتوسيع مشاركة المرأة في العمل العام والحركة السياسية شاركت في المؤتمر خمسة آلاف امرأة تمثل كل السودان وكل قطاعاته العرقية والثقافية والدينية .

وفي عام 1992م تم تأسيس اتحاد المرأة السودانية ومن ثم انتخبت لجنة قومية للإتحاد في عام 1993م وبذا تكون المرأة سبقت القطاعات الأخرى في مجال تجربة المؤتمرات وعبر هذا النسق المحكم تم تشكيل 12325 فرع للإتحاد في فترة سنتين فقط.

لأول مرة في تاريخ السودان تكون هناك إستراتيجية قومية شاملة تخطط لمجالات الحياة كافة في السودان مع تضمين جزء خاص بالمرأة .

فلأول مرة تخصص الحكومة السودانية 15% من الميزانية العامة لتنمية برامج المرأة باعتبارها تمثل طاقة هائلة لابد من إشراكها في مسيرة النهضة والبناء وفق موجهات تعزي لتعزيز دور ومكانة المرأة وتفجير طاقاتها في معركة النهوض والتجديد..

وحينما صدر الميثاق القومي للعمل السياسي نصت المادة 45 منه على أن للمرأة رسالة أساسية في المجتمع وتقع عليها مسؤولية تربية النشء وإعداده ويتوجب على المجتمع أن يحفظ للمرأة كرامتها وعزتها وحقوقها الشرعية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية .

أما أهداف إستراتجية دور المرأة فتتلخص في الآتي:

  1. منح أولوية متقدمة لتنمية المرأة وتلبية حاجاتها .
  2. دعم القطاع النسائي وتعبئة طاقاته كمورد بشري هام .
  3. الارتقاء بوظيفة المرأة في المجتمع وتأصيلها في ترقية الحاضر وبناء المستقبل .
  4. فتح آفاق جديدة للمرأة لتكون فاعلة في التغيير السياسي والاجتماعي والثقافي.
  5. تعزيز ما تحقق من حقوق وحماية الحقوق من الانتهاكات والتعدي .
  6. منح المرأة حقوقها الشرعية والتوعية والمستمرة لضرورة احترام هذه الحقوق باعتبارها جزءا من العقيد ة.
  7. محاربة العادات والتقاليد الضارة بالمرأة وذلك بالتربية والتوجيه .
  8. محو أمية المرأة الثقافية والأبجدية بالاهتمام بالتربية الدينية .

شكلت رابطة للمرأة العاملة وزاد عدد النساء العاملات والأعضاء في الاتحادات النقابية المختلفة في السودان وتبلور لذلك أن شهدت الفترة من 1989-1994 م تغيرا إيجابيا فأصبحت ست من النساء وزيرات وامرأة معتمدا للاجئين بدرجة وزير دولة بوزارة الداخلية وأخري واليا .

كما التحقت المرأة بالدفاع الشعبي ومشاريع السلام والتنمية فانتظمت في معسكرات الدفاع الشعبي كل قطاعات المرأة والطالبات والموظفات وكل الدرجات الوظيفية وربات البيوت .

ولمزيد من التواصل بين الريف والحضر قامت المرأة في العامين 1992م1993 بإعداد خمس وعشرين قافلة للمناطق الجنوبية شملت مناشط وبرامج نسوية تحت شعار "السلام للجميع " " الإخاء والتنمية " " صحة البيئة والمجتمع " " بشائر الخيرات "

حيث شملت قوافل صحية وثقافية واجتماعية ومجالات السلام والتنمية فقدر عدد المستفيدات من إخواتنا في جنوب السودان بما لا يقل عن 96,000 امرأة مما تشكل في مجملها مؤشرات نحو بداية لتحول اجتماعي كبير ودفع لدور المرأة في حركة المجتمع والمشاركة الفاعلة في نهضته السياسية والاجتماعية والثقافية .

كما لن ننسى الدور الكبير الذي أداه مشروع زاد المجاهد في تعبئة وتحريك الجماهير للتدافع والتبرع للقوات المسلحة والدفاع الشعبي وفيه مارست المرأة دورا قياديا خاصة أيام الغزو اليوغندي جنوبا وأريتريا وأثيوبيا شرقا .

وهنالك جمعيات نسوية أخري مثل الهيئة الإسلامية بجنوب السودان والمنظمة العالمية للمسلمات التي تعمل لإحياء نشاط المرأة المسلمة من خلال التعاون والمشاركة الفكرية وبذل الجهود المشتركة في سبيل وحدة النساء المسلمات في إطار تنظيمي؛

وقد عقدت المنظمة ملتقيات سنوية في الخرطوم وقفت فيها المسلمات من كل أنحاء العالم على التجربة السودانية ومن ثم تطوير المنظمة لتصبح اتحادا نسائيا إسلاميا عالميا وجعل السودان مقرا له لينطلق دفاعا عن هدف المرأة وصون لعزتها وتمكينا لها لأداء دورها والاضطلاع بمسؤولياتها في سبيل تأسيس المجتمع الإنساني المنشود .

مما لا شك فيه أن اختيار السودان مقرا للإتحاد النسائي الإسلامي العالمي إكبار واعتراف بالدور الرائد للمرأة السودانية داخليا وخارجيا وهكذا تجاوز نشاط المرأة السودانية المحلية إلى النطاق العالمي عبر هذه المنظمات التي تضم نساء من كل أنحاء العالم ليشاركن في ملتقيات دورة الخرطوم وتعمل من أجل رعاية حقوق وواجبات المرأة في العالم وخاصة المسلمة ونشر الوعي الإسلامي في أواسط غير المسلمات وإرشاد المسلمات لتنمية الشخصية المسلمة .

هذا العطاء المتميز وضع المرأة السودانية في مقدمة أبرز نساء أفريقيا من خلال الكتاب الذي أعدته اللجنة الاقتصادية بأفريقيا .

ضم الكتاب تسعا من النساء السودانيات في الوقت الذي وجدت فيه الدول الأفريقية الأخرى "فرصتين فقط لكل دولة" كما أن السودان هو الدولة العربية الوحيدة التي وجدت فرصة داخل هذا الكتاب وكان في مقدمتهن الدكتورة "سمية أبو كشوة" من خلال تخصصها النادر في هندسة الجينات؛

ثم "بدرية سليمان" رئيس نادي صاحبات المهن والأعمال رئيس اللجنة القانونية في مجلس ولاية الخرطوم ومستشار قانوني لحكومة ولاية الخرطوم بدرجة وزير ولائي كما تم اختيار الدكتورة "سمية أبو كشوة" رئيسا لوفد المنظمات الطوعية على المستوي العالمي المشارك في المؤتمر الدولي الرابع في بكين عام 1995م

كما تم اختيار الأستاذة رجاء حسن خليفة الأمين العام المرأة السودانية خلفا للدكتورة "سمية أبو كشوة" مساعدا منسقا لبرامج المرأة العاملة لمنطقة شرق ووسط أفريقيا بمنظمة وحدة النقابات الإفريقية .

ومرة أخري نعود إلى ما استحدثته ثورة الإنقاذ الوطني من نظام سياسي والذي أعطى المرأة نسبة 10% فقط من المقاعد غير أنه فتح لها بابا لزيادة فرصها في المشاركة عبر قنوات أخري من خلال القطاعات "الطلابي الشبابي " الدبلوماسي ،القانوني ... الخ .

وبالنظر إلى الانتخابات التي جرت على المستويات " المحلي ،المحافظة الولاية " فقد شاركت المرأة بفاعلية بل شكلت أغلبية في بعض المناطق وتراوحت ما بين 10% إلى 60% من الناخبين .

كما لا ننسى أنه قد تم إتاحة فرص واسعة في مجال التدريب المهني التقني والإداري لتأهيلها وترقية أدائها ويشتمل التدريب الداخلي والخارجي .

ويترامح ما بين دورات تدريبية قصيرة ومتوسطة إلى دبلوم عال وماجستير وظهر ذلك جليا من وزارة الصناعة حيث خصصت 23% من فرص التدريب للنساء ما بين عام 1990-1993م.

إن الحديث عن رسالة المرأة اليوم ينطوي على بعد ثوري لأن المجتمع الآن في حالة تكون وصيرورة في سياق توجه إسلامي والعمل في هذه المرحلة يأخذ طابع العمل الثوري وبما أن المرأة تشارك في العمل وبفاعلية في دورها الثوري؛

ولمزيد من الوضوح حول الرؤى المستقبلية التي عملت ثورة الإنقاذ الوطني على الاهتمام بمستقبل المرأة السودانية وحقوقها ومركزها في المجتمع من حيث ركزت على أهمية دور المرأة في جميع مجالات الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والعلمية والفكرية كما كانت الخطط لحماية حقوق المرأة كأم وربة بيت وعاملة أكدت على حقها في تولية المناصب في الدولة .

والاهتمام بالمظهر العام للمجتمع المسلم خاصة المرأة بتوضيح متطلبات المظهر الإسلامي للمرأة بارتداء الحجاب وهي ظاهرة جاءت تجاوبا للتمسك بقيم الدين وتعاليم الإسلام .كما دعت المؤسسات الرسمية والمنظمات الجماهيرية للعمل على استئصال العادات الضارة بالمجتمع .

وبجانب مساهمتها في القتال وزاد المجاهد والتعبئة وبث الحماس الجهادي في نفوس المواطنين فها هي تعمل في خلافة المجاهدين في أسرهم وأسر الشهداء كما كانت وما زالت وستظل تشارك في الدعوة إلى السلم ووقف الحرب حتى يتحقق الأمن في كل أرجاء هذا البلد.

عندما تنهض المرأة وهي واعية بدورها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي فإنها تقود ثورة وعندما تصرخ في وجه الأعداء رافضة للذل فهي تقود ثورة وعندما تدفع بابنها للجهاد والاستشهاد في سبيل الله فهي تقود ثورة وعندما ما تمتطي صهوة جواد وتحمل البندقية وتقاتل فهي تقود ثورة .

فالمرأة هي نواة المجتمع وهي صانعة الأجيال ومركز المجتمع إذن لا مبالغة إن قلنا أن المرأة تمثل إحدى أهم دعامات التغيير الثوري الاجتماعي .ولتحقيق ذلك يظل التدريب في مختلف مستوياته هما لحملة آليات العمل النسوي فلابد من توليه الدولة اهتماما وترصد له من المواد بالقدر الذي يحدث تلك الثورة في ذلك الجانب .

المبحث السابع:تأصيل حركة الثقافة والإعلام

(أ) الإذاعة:

استدعي الخطاب إلى أهل السودان تنويع الخطاب بلهجات أهل البلاد الواسعة واستدعى الخطاب إلى العالم وجود برامج باللغات الحية "الإنجليزية ،الفرنسية ،والسواحلية ،والهوسا" .. وهنالك برامج باللهجات ولغة التقراى والصومالية .
بلغت ساعات البرامج العام 24 ساعة وهنالك إذاعات متخصصة " القرآن الكريم " " الوحدة الوطنية " " البرنامج الثابت " " السلام والتنمية " " إذاعة وادي النيل ".أما عن الإذاعات الولائيات فقد أصبحت هنالك 20 إذاعة ولائية ونشطت إذاعات جوبا وواو وملكال .
والإذاعة مدرسة الشعب الكبرى والرابط بين الدولة الحديثة والفئات المختلفة متعلمة وأمية ومن هنا تأتي أهميتها كمصدر قاعدى للمعلومات والمعرفة والثقافة لقطاعات كبيرة لا تمتلك أجهزة التلفاز والمذياع رفيق في السيارة وللمرأة في البيت أثناء عملها وفي كل المواقع .
تقبلت الإذاعة التحول في 30 يونيو وأخبرت به العالم وشرعت تبسط المعلومات عنه وتعبئ الناس له وأخذت تبرز برامج جديدة ورؤى في التأصيل وتبشير بالمشروع الحضاري وتمكن له وتبسط لثقافة الإسلام الأساسية للجماعة؛
ساعد على ذلك تراكم خبرات الإذاعة والتقاليد المهنية الراسخة التي ورثتها وأن نهج الإذاعة القومية كان دوما معبرا عن إنسان السودان غير متأثر بالمادة الغربية الأجنبية ونزقها فكانت برامجها أصلا تنحت في الأصول الشعبية وتعني القضايا المحلية وتهتم بالقرآن والدراسات الإسلامية ولسان العرب واستمرت في ذلك المنوال وتصاعدت وتأثره بعد قدوم الثورة .
واستنت الإذاعة أسلوب الحوار مع المستمع والبرامج التي يستخدم فيها الهاتف لحوار المسؤولين والسؤال عن القضايا المهمة في الدين بحيث أصبحت سنة راسخة وابتداعا جديدا قرب الإذاعة من المستمع وضاعف من تأثير برامجها وكان من سنن الإذاعة البرامج الخاصة بالمناسبات الإسلامية كشهر رمضان وعيد الفطر والأضحى والمولد النبوي والإسراء والمعراج وأول العام الهجري؛
والمناسبات القومية الاستقلال وأعياد الإنقاذ الوطني وتحرير الخرطوم وغيرها مما يعطي المناسبة البعد الفكري والوجداني ويرسخ عظمتها ويؤكد القيم والمفاهيم والمعاني المستمدة منها .
وتجاوزت الإذاعة إطارها الإعلامي لتقوم بواجب التغيير والتحريك الإجتماعي وتؤدي رسالتها في درء آثار الفيضانات والسيول على امتداد الوطن تيقظا للخطر واستقطابا للدعم وتحريكا لقوى المجتمع والدولة.
وعل مدى السنوات العشر غطت الإذاعة التحولات الكبرى وعرضت للمؤتمرات السياسية والثقافية واستضافت المئات من الضيوف بحيث أقامت حول كل مناسبة قبلها وأثناءها وبعدها الأحاديث المعرفة والإستضافات المفيدة وأسهمت في النجاح الكبير لتلك المشاريع .
وأصبحت الإذاعة تقدم 25 برنامجا ثقافيا لمدة 49 ساعة أسبوعيا بنسبة 35% ومعظمها يدور حول التفسير والمواد الإسلامية من سنة وفقه ورقائق وبرامج تعالج الفروض مثل الزكاة والجهاد وهناك برامج تعالج أصول الحضارة السودانية وبرامج تعرض مثل لسان العرب وبرامج تعالج القضايا والمفاهيم ومستجدات الأحداث وتتناولها بالتعليق والحوار .
أما في المجال السياسي فقد تغيرت النظرة للأخبار والتحليل والتعليق عليها إذا أصبح انتقاء الأخبار والتركيز عليها يتم برؤى إسلامية واسعة متيقظة تهتم بأمر المسلمين المستضعفين في الأرض .
وبلغت ساعات المجال السياسي والخبر أسبوعيا 35 ساعة أما إدارة الدراما فقد نحت نحو توظيفها تعليميا مثل " دكان ود البصير " أو معالجات القضايا الإجتماعية والثقافية عبرها لتبلغ 14 ساعة أسبوعيا وتحولت البرامج الفئوية كالأسرة والأطفال والشباب وغيرها لتصبح منابر للتحول الإسلامي هادية له ومثقفة حوله .
واستطاعت الإذاعة أن تستضيف قادة البلاد السياسيين والمفكرين من أهل الرأي وحملة الثقافة والخبراء والمتخصصين بصورة واسعة لإغناء البرامج والتعليق على الأحداث وتوصيل المعرفة الحية بحيث كانت عماد الحياة الفكرية والثقافية في هذا العقد وعصب التحول الثقافي والفكري متعاونة مع شتى مناشط المجتمع ومرافق الإعلام الأخرى .

(ب‌) التلفاز القومي:

أصبح للتلفاز بعد الإنقاذ مرجعية فكرية تعني بقضايا التأصيل وتحولت برامج التلفاز لتصب في معاني التأصيل من اختيار للأنباء وتسليط للضوء عليها وقفز بالبرامج التأصيلية المباشرة كما ونوعا وأصبح برنامج مثل " المنتدى الفقهي " و" ندوة الجمعة" تعالج القضايا العامة للأمة بينما برنامج مل " ديوان الإفتاء " ووجه النهار " تعالج القضايا الخاصة والمسائل التفصيلية التي تهم الجمهور بينما تحث برامج مثل " قطوف " و" الدين النصيحة" إلى تفقيه شتى قطاعات المجتمع وتقوية ملكة الفقة عندهم .
وعولجت قضية الجهاد عبر البرامج المستنفرة عموما وتغير البرمجة كلما جد حدث يستدعي تعبئة أبناء الوطن بينما استمر إيقاع الحماسة والتوثيق للجهاد والمجاهدات والشهادة ثابتا عبر برنامج " ساحات الفداء " وبرامج أخري مثل " دروب العزة " و " قسمات الفجر و" سائحون " وغيرها .

وفتح الباب واسعا لمشاركات العلماء والدعاة وتنوعت أساليب الطرح والتقديم من الحيث والخير والحوار الموضوعي والمسابقات والمداخلات والفواصل كما تخطت البرامج العلماء والدعاة السودانيين لتصل لغيرهم من أبناء العالم الإسلامي في مواقعهم أو التسجيل لهم عند زياراتهم للبلاد ووظف التلفاز السهرات الجماهيرية وسهرات المسابقات ووظف المسابقات الكبرى ذات الجوائز الضخمة لتحقيق أهداف التثقيف الإسلامي واستقطاب المشاركات الواسعة من المشاهدين .

ودرج التلفاز على تخصيص الأيام ذات البرمجة المفتوحة في المناسبات الدينية كالهجرة والإسراء والمعراج والمولد النبوي لتوظيف البرامج بالكامل لمقاصد التأصيل على فقرات متنوعة وجاذبة وقل مثل ذلك عن الدورات الرمضانية .

وضع ميثاق للعمل بالتلفاز وهو ميثاق العمل بتلفزيون السودان "رؤى تأصيلية " هدف إلى إتقان العمل والتوجيه الرائد لبرامج التلفاز والحرص على أخلاق العمل والتعامل ومن ثم وضع ضوابط الإنتاج في مجال المنوعات والموسيقي وفي أدب المدائح وفي مجال البرامج الرياضية وبرامج الفئات والأسرة والأطفال وفي مجال الدراما وارتضاه العاملون بالتلفاز التزاما من قبل أنفسهم واحتسابا .

قدم مشروع الدعاء والتضرع ومشروعات الصوم الجماعي والتهجد والزواج وحملات الكساء ونفير الجهاد وفعاليات التفويح وتخطي هموم البلاد لهموم الوطن الإسلامي الكبير في الاهتمام بنداء كوسوفهم وغيرها .

وتحول أيضا ليدعم العمل الثقافي في البلاد بتشجيع الدراما ومؤسسات الإنتاج البرامجي وشركات تقنية الاتصالات وغيرها مما يدعم البنية الثقافية والإنتاج الإعلامي والبني الهندسية والتقنية.

المبحث الثامن:التأصيل في مجال الفكر

تعمل مستشارية التحرير في محاور شتي تهدف جميعها إلى تأصيل الحياة ومن هذه المحاور:

أولا : محور تأصيل مناشط الحياة العامة الإجتماعية والسياسية والاقتصادية والدفاعية والأمنية .
محور تأصيل نظم الدولة .
محور تأصيل المناصحة العامة .
محور التأصيل الفكري من بحوث ودراسات ونشر .
محور إبراز وجه السودان الحضاري في المؤسسات الدولية .

فكانت عناية المستشارية منصبة على دفع التحولات الفكرية والاجتماعية على خطى الكتاب .وهناك إدارات تعني بالجانب المعرفي كإدارة تأصيل المعرفة بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي وهي تعتمد على التعريب الذي قطع شوطا بعيدا وهنالك مجلة التأصيل فالتعريب وحده لا يفي بأغراض التأصيل في مجال التعليم وهذه المجلة توجه الوعي وفق توجيه الوحى لآيات الأنفس والآفاق وتتناول القضايا المعاصرة في نظر الدين وتهتم بالقضايا اللغوية والثقافية ..

وتشترط التوثيق العلمي وتخضع لتحكيم صارم من أجل إتقان رسالتها الرائدة .وهنالك بإدارة التأصيل لجان للمناهج المتخصصة لبلورة تصورات عامة حول المناهج المتخصصة لتقدم النتائج في كتاب أو مجموعة بحوث تكون لبنة في بناء هذه المناهج .

  • لجنة مناهج اللغة العربية:
وقد أنشئت بالتعاون مع جامعة أفريقيا العالمية التي لها هدف محدد هو ترقية أداء معهد اللغة العربية التي يدرسها غير الناطقين بها .وللإدارة هدف وضع الأسس لتأصيل تدريس اللغة العربية بوجه عام للعرب وغيرهم وللمراحل الجامعية والتعليم العام .
عقدت هذه اللجنة أكثر من ثلاثين اجتماعا واتفق مبدئيا حول الخطوط العريضة لهذا العمل الكبير وتتسع الدائرة لتشمل تعليم الكبار ومحو الأمية كخطة مستقبلية شاملة .
  • لجنة تأصيل الدراسات الإجتماعية:
وهي لجنة مشتركة بين إدارة التأصيل ومعهد إمام بجامعة الجزيرة وهي لجنة تبحث في تحديد منهجية لتناول العلوم الإجتماعية والبحث عن أساليب للإصلاح الاجتماعي .

وهي تضبط مسائل مهمة مثل:

التعامل مع التراث الاجتماعي .
التعامل مع العلوم الغربية الإجتماعية المعاصرة
خصوصية الوحى وغيرها من المسائل المميزة لتفكيرنا ومسلكنا الاجتماعي .
  • كتيبات التأصيل:
تقوم الإدارة بنشر البحوث التي لا تسعها صفحات مجلة التأصيل في صورة كتيبات كما أنشئ مركز منهجية المعرفة القرآنية بجامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية علاوة على الكليات التخصصية في المعارف الإسلامية .

الكتب:

تم توزيع أكثر من 35,000 كتاب تحتوي على أكثر من 30 عنوانا في شتى ضروب المعرفة على الجامعات الحكومية والأهلية والكليات الجامعية وكثير من المؤسسات الخيرية والجهات الأخرى ذات الاهتمام .
  • صندوق دعم تطبيق الشريعة الإسلامية
نشر 83 كتابا ورسالة تشمل قضايا الجهاد والاجتهاد والحكم ومقاييس التدين وقضايا المرأة وغيرها .
  • شركة دار الشريعة:
انشأ الصندوق شركة دار الشريعة للنشر والطباعة أهم أعمالها طبع المصحف الكريم وأجزائه وأرباعه ليسهل تداولها ومن ثم نشر الكتاب الإسلامي .
  • الصحف الحائطية:
خاض الصندوق تجربة الصحافة الحائطية بمختلف مساجد العاصمة بصحيفة المنار التي خلفت أثرا طيبا .
  • الشريط الإسلامي:
أسس مركز الذاكرين للتسجيلات الإسلامية والذي يوزع أشرطة للجمهور عامة وللمجمعات الطلابية ودور المؤمنات ومعسكرات المجاهدين والتي تشمل تسجيلات القرآن والمدائح والأناشيد والمحاضرات وغيرها.
  • الندوات والمحاضرات:
أقام الصندوق محاضرات كثيرة بأنحاء السودان وناقش فيها قضايا مثل أثر الإعلام الدول وقضايا الاستنساخ ومثل تداعيات مؤتمر السكان وغيرها .
وهنالك مجلس السيرة الذي عقد "290 " حلقة موثقة بالصورة والصوت .
  • في مجالات تأصيل الممارسات الإجتماعية
نفذ الصندوق مشروع الأم الرسالية ومشروعات الزواج الجماعي التي طالت أكثر من 48,000 زيجة .
  • مشروع الزي الشرعي
أنشأ مصنع القبس للزي الشرعي وأنجز مشروع كسوة المرأة العاملة ومشروع عباءة الطالبة الجامعية ومشروع كسوة المعلمة ومسابقات تصميم الزي الشرعي .
  • وأنجز كذلك مشروع الكساء:
الذي يقوم على استقطاب الكساء للمناطق المتضررة من الحرب وكذلك مشروعات للعمل في مجال المهتدين .
ومن الجهات المهتمة بالتأصيل معهد إسلام المعرفة بجامعة الجزيرة والذي يهدف للاهتمام بالبحوث الجادة في مجال منهجية المعرفة الإسلامية الجامعة بين العلوم الكونية وعلم الكتاب وتأصيل العلوم الإجتماعية والطبيعية والتقنية المعاصرة وربط أهدافها بالمقاصد الإسلامية النابعة من الوحي وتنظيم مناهج العلم وإعداد أجيال من العلماء المتسلحين بالعلم الإسلامي .
من إدارتها " إدارة البحوث والمناهج والبرامج إدارة المعلومات " ولها أرشيف صحفي يهتم بكل المنشور من بحوث التأصيل وإسلام المعرفة وللمعهد إصدارات كثيرة ومجلة علمية ونداوات جامعة وجهود كثيرة مقدرة
وكذلك ومن الجهات المهتمة بالتأصيل " المركز العالمي لأبحاث الإيمان " وغايته الكبرى توظيف جهود البحث العلمي بوصفها دالة على الإيمان ومعمقة لشعبه في النفوس وتصفية الخلافات في مجتمع المسلمين ودراسة الأديان والمذاهب الفلسفية والفكرية والنظريات العلمية المعاصرة على ضوء رسالة الإسلام وتحرير العلوم الكونية من الرؤى الإلحادية ونزعات الإعراض عن الله .
  • وللمركز مجلة أبحاث الإيمان:
والتي أصدرت عشرة أعداد تناولت قضايا المعرفة الإسلامية والتأصيل وبحوث شتى في نواحي المعرفة المختلفة ويغلب عليها البحث الجاد والدراسة المتعمقة .
  • وكذلك صحيفة " آفاق الإيمان "
والتي تخاطب الجمهور عامة بقضايا الإيمان والعلم ولديها ندوات أسبوعية وشهرية ونداوات عالمية تناولت كثيرا من هموم المجتمع المسلم وقضاياه العالمية والمحلية وسلسلة أبحاث الإيمان والتي أصدرت حوالي 7 رسائل .
  • ومن الجهات العاملة في التأصيل
  • المعهد الإسلامي للترجمة:
وقد نبعث فكرته من منظمة المؤتمر الإسلامي وهو يمثل بعدا استراتيجيا في تبادل العلوم والترجمة والتعريب بوصفها الأسس القاعدية التي يقوم عليها التأصيل وإسلام المعرفة وقد أسهم في الترجمة وفي صنوف العلوم المختلفة وقامت الدفعة الأولي بترجمة 21 مرجعا أساسيا في مختلف المجالات العلمية في البصريات وفن التمريض والتشريح والأشعة وغيرها كما كانت له ترجمات من الإنجليزية إلى العربية ومن العربية إلى الفرنسية .
والكتب التي ترجمت إلى اللغات هذه حوت تعريفا عن الإسلام ومعاني الجهاد وأدب الدفاع الشعبي وغيرها من المجالات .ومن الجهات المهتمة بالتأصيل كذلك المعهد العالي للدراسات المصرفية والذي يدرب الدراسين على الخدمات المصرفية على النظام الإسلامي.
للأمة وكذلك في المجال الاقتصادي هنالك الهيئة العليا للرقابة الشرعية للجهاز المصرفي والمؤسسات المالية وقد صدرت عن قرار وزاري استنادا على قانون تنظيم العمل المصرفي لسنة 1991 م وذلك لإلغاء الصيغة الربوبية في معاملات الدولة المالية وفي إطار إسلام النظام المصرفي علما بأن كثير من المصارف تشرف عليها هيئات للرقابة الشرعية؛
إلا أن هذه أوسع وأشمل هيئة بهذا الخصوص وقد أصدرت عشرات الفتاوى في أمور المعاملات المصرفية واهتمت بالبحوث والدراسات التي غطت عشرات قضايا العمل المصرفي وعقدت حوالي عشر ندوات في هذه المجالات المتخصصة واهتمت بالتأهيل والتدريب لدوراتها المتخصصة التي خرجت خبراء وفنيين في مجال العمل المصرفي الإسلامي .
وفي مجال التأصيل القانوني كان هناك معهد التدريب والإصلاح القانوني ومراجعة النظم العدلية الذي صدر قراره عام 1995 م لإصلاح القوانين السودانية بما يوافق أحكام الشريعة ومبادئها وأعرافها والأعراف السودانية المعتبرة ولتلافي ما يمكن أن ينجم من آثار سلبية من جراء هذا التحول.
  • بيت الثقافة
وهو يهتم بالدور المتميز للثقافة السودانية في أفريقيا بوجهها العربي الإسلامي والأفريقي وتبصير الأمم بمرتكزاتها الحضارية الثقافية .
وقد أسس مركزا لحفظ وتوثيق تراث المديح النبوي في عدد من الأشرطة المسموعة والمرئية وسجل 80 حلقة تلفزيونية وثقت لتراث المديح النبوي بالإضافة لليلة أسبوعية في مقر البيت وقد طافت أيضا ولاية الخرطوم .
وأقام عددا من الندوات حول المسرح السوداني وأصوله وقضاياه واهتم بمجال الشعر وأصدر صحيفة سنابل الثقافية وقد أصدرت منها حتى الآن حوالي 70 عددا كما اهتم بالفنون التشكيلية والغناء والموسيقي والمشاركات الخارجية كمهرجان المسرح العربي بالعراق وندوة حوار الحضارات ببريطانيا ومعرض حضارات السودان بفرنسا وغيرها من المشاركات الخليجية .
  • مؤسسة الفداء للإنتاج الإعلامي
والتي ابتدرت خطا إعلاميا جديدا وهو تأسيس ويقظة الجهاد في التوثيق له والتحريض عليه وإبراز المجاهدات ومعاني الفداء وقد أرسي خطا متميزا في العمل الثقافي والإعلامي وقد بلغت حلقات برنامجه " ساحات الفداء " حوالي 500 حلقة وقد تجاوز أثره المجتمع السوداني ليصبح مترقبا على اتساع العالم الإسلامي .

الفصل الرابع:التحديات التي واجهت الحركة الإسلامية

المبحث الأول:الاختلاف في الأولويات

وحيث نجد للشريعة الإسلامية أعداءها في الخارج غير المسلمين فإن للشريعة الإسلامية في الداخل أنصار لا يسعون ولا يشجعون على تطبيقها وفقا لمبررات يسوقونها لتمثل هذه المبررات في خاتمة المطاف إحدى مشكلات تطبيق الشريعة الإسلامية ومن هذه المشكلات ما يردده البعض عن ضرورة سبق العقيدة الشريعة فهي تعتبر أولويات المجتمع الإسلامي كما يراها أنصار " العقيدة أولا " أن يربي هذا المجتمع ويتم التخلص من جاهليته ومن ثم يمكن أن يكون مهيئا للإسلام وهو يطبق .

ولا شك أن أمثال هؤلاء قد يتأثر بآرائهم المجتمع خاصة لو كانوا من العلماء الثقاة إلا أن د. الترابي يرد لأمثال هؤلاء بأن العقيدة لا تنفك عن الشريعة لأن أعمال المرء هي أصلا من الشريعة التي تغذي عقيدته قد تختلف بالناس المذاهب وقد يزين لبعض المسلمين أن يتخذوا موقفا عقائديا من أمر تطبيق الشريعة يقولون أن العقيدة ينبغي أن تسبق الشريعة لأنها مقدمة عليها في النظر وأن هذا المجتمع مجتمع جاهلي ليس أهلا لأن تقوم فيه أحكام الشريعة وينبغي أن يعكف المصلحون أولا على الرقي بعقيدته حتى يبلغ درجة تحتمل تكاليف الشريعة

وقد يقولون " إن هذا الواقع الجاهلي يشوه القضايا المطروحة فلو اتخذنا لها علاجات بصورتها الماثلة أمامنا لكانت علاجات لقضايا ليست من قضايا المجتمع الإسلامي " وفي كل ذلك بعض الوجاهة ولكن لئن تقدمت العقيدة على الشريعة في النظر فإن الشريعة ليست إلا تعبيرا عن العقيدة ولا خير في عقيدة لا يعبر عنها من خلال الشريعة .

لأن الإيمان المرء هو ما وقر في صدره وصدقه عمله ولا يأتي العمل مصدقا إلا إذا كان ملتزما كذلك بوجوه التعبير التي هدتنا إليها الشريعة فما أن يؤمن المرء حتى يعبر عن عقيدته تعبيرا شرعيا فلا تنفك العقيدة عن الشريعة أبدأ ولا ينفصلان وأعمال المرء التي هي من الشريعة تغذي عقيدته وتزيده إيمانا.

إن فكر د. الترابي ومنهجه في مسألة تطبيق الشريعة الإسلامية يري أن الشريعة هي التي تحدث النقلة للمجتمع الإسلامي . لذلك فهو يري أن تطبق الشريعة الإسلامية بمجرد توفر الظروف دون النظر لحالة المجتمع الإسلامي أهو منحط في تدينه؟ أو مرتق في تدينه ؟ .

بينما نجد أن جماعة الإخوان المسلمين في مصر يرون ضرورة التربية أولا للمجتمع قبل إحداث النقلة نحو تطبيق الشريعة الإسلامية حتى لا يفتتن المجتمع الإسلامي عند تطبيق الشريعة الإسلامية ونلاحظ ابتداء أن الحركات الإسلامية تختلف في الأساليب والوسائل التي تتبناها كما تختلف في تريب أولويات ومراحل العمل .

الأمر الذي يوحى للعجولين في إصدار الأحكام باختلاف أهدافها فحركة الإخوان المسلمين تستخدم المحاضرة والمظاهرة والصحيفة والمجلة والكتاب والتربية والمدرسة والرحلات والمخيمات والأنشطة الإجتماعية من بين ما تستخدمه من وسائل من أجل أسلمة حياة المجتمع في كل جوانبها .

كل هذه الوسائل إنما ته تهدف إلى إحداث التربية في المجتمع ليكون مهيئا لتطبيق الشريعة .يرى د. الترابي أنه من الظلام أن يقال لهذا المجتمع الإسلامي أنه جاهل حيث أنه مجتمع إسلامي فيه شوائب الجاهلية إن وصم المجتمع الإسلامي بالجاهلية لم يكن موفقا حقيقة لأن أركان الإسلام المفروضة هي ضمن معتقدات هذا المجتمع وإن كان ثمة سلوك جاهلي فهو عارض بقليل من الجهد سوف يزول ويعود المجتمع لفطرته

إنه من الجور على هذا المجتمع أن يدعي أنه مجتمع جاهلي وغاية ما يمكن أن يقال عنه أنه مجتمع إسلامي فيه شوائب من الجاهلية وغاية ما يمكن أن يقال عنه أنه مجتمع إسلامي فيه شوائب من الجاهلية تغشاه أحيان وتتكشف حتى تكاد تعمينا عن بقية الدين فيه؛

ففي نفوس هذا الشعب المسلم بقية من الإيمان حفظها الله سبحانه وتعالي ويمكن إذا فتحت أمامها الطرق ورويت بالإرشاد والتوجيه وبتحكيم الشريعة يمكن أن تتفجر مرة أخري عقيدة تملأ الأرض حكمة وعدالة وهداية بإذن الله سبحانه وتعالي وفي مجتمعنا اليوم ألوف مؤلفة من المسلمين يحتاجون ويتطلعون إلى تحرى حكم الشريعة في شؤونهم فإذا ألفوا من يبصرهم بأمر دينهم ويهديهم لشريعة الله سبحانه وتعالي ثم التزموا بها جميعا في معاملاتهم وسلوكهم فإنهم بذلك يبسطون جانبا واسعا من الإسلام حتى إذا كان القانون الرسمي الموضوع من تلقاء الدولة مؤجلا .

وما دام ميسورا أن نبسط الشريعة في معاملات الناس لمدى كبير فلا يمكن باسم العقيدة أن يؤخر ذلك انتظارا لاستكمال العقيدة ومتى نري يتم كمال العقيدة والشريعة معلقة؟ ذلك وهو كوهم من يحسب أن الشريعة يمكن أن تقوم دون رعاية العقيدة .

يوافق د. الفنجري د. الترابي في أن التربية يمكن أن لا تؤثر في قيام الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة الإسلامية بحيث أن قيام الدولة كاف يبحث مواطن الخلل ومعالجة القصور فإذا قامت دولة الإسلام فإن أول واجباتها أن تربي جيلا قياديا وعقائديا من العلماء المسلمين الذين يجمعون بين التفوق في العلم مع الفقه بالدين بحيث يرجع إليهم في كل القضايا التي تجد على المجتمع الإسلامي . يجب أن تفرض الدولة التعليم الديني على الكليات العلمية بالجامعة .

وخاصة تلك التعاليم التي تتعلق بمهنتهم التي يتخصصون فيها . فيدرس طالب الطب التعاليم الطبية في الإسلام ويدرس المهندس والاقتصادي والضابط والشرطي كل تعاليم الإسلام المتعلقة بمهنتهم وبهذا لن يظهر التناقض في دولة الإسلام بين الدين والدنيا وبين الدين والعلم ولن نحتاج لفتاوى تنبع من فراغ.

المبحث الثاني:الاجتهاد الفقهي المعاصر

كذلك من المشكلات التي تواجه تطبيق الشريعة الإسلامية تتمثل في الاجتهاد الفقهي المعاصر حيث نري أن الجمود الفقهي الذي يخيم على العالم الإسلامي بينما يتفجر العالم ويتداعي بكل ما هو حديث في مجال الحياة العلمية والعملية كل ذلك يحتاج إلى فقه معاصر يواكب التطور الذي يشهده العالم بحيث يعالج قضايا تطبيق الشريعة الإسلامية .

إن مواقف الجاهلين بالشريعة سواء منهم الأولياء لتطبيق الشريعة أو الأعداء وما يثور منهم من عقبات تتمثل في استسهال أولياء الشريعة العملية التطبيق دون الوقوف على ما تحتاجه من ثورة فقهية حتى توائم العصر لتباعد المجتمع الإسلامي عن عهد تطبيق الإسلام المذاهب السابقة تطرح مشكلات نظرية حول منهج تطبيق الشريعة في المجتمع القائم ؛

ونلتفت الآن إلى مواقف الجاهلين بالشريعة سواء منهم الأولياء لتطبيق الشريعة أو الأعداء وما يثور من تلقائهم من عقبات ومشكلات ينبغي أن نستبين وجهها ونتجاوزها ونبدأ بالذين هم أولى بنا أهلنا الذين يأخذهم الجهل بمقتضي الشريعة وما يستدعيه تطبيقها في واقع حياتنا إلى اتخاذ بعض المواقف التي تقوم في غاية الأمر عاتقا دون ذلك التطبيق أول تلك المواقف هو فرط استسهال تطبيق الشريعة .

فقد يحسب بعض الناس أن الأحكام الشرعية الواجب تطبيقها في عصرنا اليوم جاهزة وواردة بفروعها وتفاصيلها في الكتب . ولكن الأمر ليس بتلك السهولة لأن المجتمع الإسلامي كما تعلمون قد تباعد عن التطبيق الكامل للشريعة دهورا طويلة .

إن التطورات التي حدثت في العهود السابقة تحتاج إلى رؤية جديدة حيث تطورت الحياة حضاريا وصناعيا ووردت أنماط من الغرب فهذه الثغرات تحتاج إلى فقه اجتهادي حتى يتم التمكن من تطبيق الشريعة الإسلامية حدثت أقضية كثيرة خلال تلك الدهور لا سيما في العصور الأخيرة التي تطورت فيها حياتنا حضاريا وصناعيا ووردت علينا أنماط من الحياة من الغرب لم تكن جزءا من حياتنا القديمة التي عهدها فقهاؤنا واستنبطوا لها الأحكام المناسبة؛

ففي حياتنا ثغرات واسعة ينبغي أن يعكف عليها فقهاء الإسلام المعاصرون باجتهاد جديد ويستنبطوا لها أحكاما جديدة أو يكيفوا لها الأحكام القديمة التي أخذها الفقهاء للحياة السابقة والتي يستدعي الأمر أن تكيف لتناسب المكان والزمان المتطورين .

إن التجديد هو أحد المحاور التي يبني عليها د. الترابي مبادئه في الدعوة الإسلامية لما للتجديد من أهمية في نهضة الفهم والعمل بالإسلام لذلك يري أن أى تطوير للحياة الإسلامية لا يتم إلا إذا جددت الحياة الإسلامية؛

وإذا أردنا أن نقدر ضرورة تطور منهج أصولي في التفكير بحاجات الحركة الإسلامية الحديثة نلقاها اليوم ضرورة شديدة الإلحاح ذلك أن الحركة الإسلامية منذ أن تجاوزت العموميات النظرية التي طرحتها لأول عهد الدعوة لتذكر الناس بأصول الدين وكلياته التي كانت عندئذ منكرة أو مجهولة؛

ومنذ أن تقدمت إلى قضايا أكثر مساسا بالواقع وأقرب إلى تناول الفروع في الأحكام وأصبحت مدعوة إلى أن تعالج مسائل الفقه وأصبح مسيرها لا يتقدم إلا بالتفقه الأدق بمقتضي دين الله سبحانه وتعالي في مجتمعنا المعاصر فالناس قد سلموا أو اقتنعوا بالعموميات وغدوا يطلبون من الدعاة أو يوافوهم بالمناهج لحكم المجتمع وإدارة اقتصاده وتنظيم حياته العامة ولهداية سلوك الفرد المسلم في ذلك المجتمع الحديث .

المبحث الثالث: التدرج في الاستكمال

من المشكلات التي تواجه تطبيق الشريعة الإسلامية مشكلة التدرج في استكمال الشريعة حيث يري بعض المفكرين الإسلاميين إن الإسلام كل لا يتجزأ منذ أن اكتمل الدين في عهد الرسول صلي الله عليه وسلم ووصل إلى المسلمين عبر الأجيال بهذا الكمال لذلك لابد لمن أراد أن يطبق الشريعة الإسلامية أن يضع في الاعتبار ضرورة أن تطبق كاملة دون أن تطبق الحدود مثلا وتترك المعاملات الاقتصادية

ولكن . د. الترابي يري خلافا لما ذهب إليه هؤلاء حيث يحوز أن يطبق جزءا ويلحق بالباقي فيم بعد " في منهج تطبيق الشريعة الإسلامية كذلك مناظرة بين منهج ترقيعي ومنهج إنقلابي.

فالانقلابي يريد أن يستعجل الأمر ويريد أن يسارع إلى الله سبحانه وتعالي وذلك معني وارد في الدين أنه ينبغي أن نسارع إلى الله سبحانه وتعالي ونفر إليه وينبغي ألا تتلكأ وإلا نبطئ ولكن ذلك لا يعني أن الشريعة يمكن أن تقوم بين يوم وليلة وإنما بالطبع إننا نريد تحريم الخمر تحريما متدرجا فإن الله قد فرغ وحرمت الخمر قبل قرون ولكن الذي سنتدرج فيه هو تنفيذ ذلك التحريم بحظر قانوني وجزاءات تأخذ بها الدولة العصاة .

قد يبرر الآخرون أيضا سنة التدرج بحكم غياب الشريعة عن المجتمع الإسلامي وحتى لا يفتن المجتمع الإسلامي بشريعته كان التدرج مطلوبا كما أن التدرج من ناحية عملية ربما يكون أوقع على المجتمع من النقلة الهائلة التي ربما يبتلي بها الفقهاء والقضاة قبل سائر المجتمع الإسلامي والسودان اليوم هو يتقدم نحو الإسلام يبدأ أولا بإلغاء ما مضى لأن الدين يبدأ بالنفي .

ثم يثبت العبادة لله سبحانه وتعالي لأنه قبل الإيمان يكون لإرتهان للمعبودين من دون الله فالبداية هي تنظيف الساحة وطهارتها ونفي خبثها ثم الصيرورة إلى ساحة العبادة والتوحيد والإيمان والسودان يبدأ المشروع بنفس النظم القديمة وبجمع السلطة وسلبها من أهواء البشر وصراعاتهم؛

والمرحلة الثانية هي بسط روح مناخ جديد تربوى يهيئ المسلمين لأن يمارسوا الأدب الإسلامي والنية الإسلامية والالتزام بالنظام الإسلامي وهذا أمر لا تجند له النصوص الشرعية فقط ولا حتى المؤسسات الحكومية ولكن ينبغي أن تجند له التربية الإيمانية

يرى د. الترابي وهو بصدد الحديث عن تأصيل منهج التدرج أن المحرمات نزلت متدرجة كما أن الواجبات الدينية جاءت لأول مرة في صورة مخففة ففي معرض حديثه عن سنة التدرج ومنهجه يقول

"ولكن الذي سنتدرج فيه هو تنفيذ ذلك التحريم بحظر قانوني وجزاءات تأخذ بها الدولة وتلك خطة نستأنس لها بالتدرج الذي اتخذته شريعة الإسلام حينما نزلت متدرجة في تحريم المحرمات متدرجة في إيجاب الواجبات بل كذلك نري واجبات الدين وشعائره جاءت لأول الأمر في صورة مخففة كانت الصلاة ركعتين ثم أتمت وكان الصيام تطوعا ثم فرض؛
وكانت الزكاة مطلقة م قيدت بحدود ومقادير معينة وكذلك المحرمات كره الربا إلى الناس وحدثوا أن الذي يزكوا عند الله هو الزكاة والذي يحسب أنه يربو في أموال الناس لا يربو عند الله ثم حرم الخمر تدرجا , وعظ الناس أن الذي تتخذونه من ثمرات النخيل بصفة رزق حسن وبعضه سكر غير ذلك.. فتأسيأ بهذا التردج في التحريم الذي أصبح محكما نريد أن نطبقه في مجتمعنا على التدرج مؤسسين ذلك على قاعدة فقهية هي الضرورة .
إذ لا يمكن في الواقع العملي أن نطبق الأحكام جملة واحدة بل تحتاج إلى تحضير أجهزة تدرس ظاهرة انتشار لخمر لتتخذ إزاءها لسياسة المناسبة ولنضع لها ضوابط المراقبة وتدبر لها الأحكام والتدابير اللازمة فالتحضير ذاته يحتاج منا لبعض الوقت .
ينبه د. الترابي إلى عدم سوء فهم التدرج والظن بأن الشريعة يمكن أن تؤخذ بمنهج ترقيعي يأخذ جوانب ويترك أخري ولكن ذلك التدرج ينبغي ألا يورطنا في الوهم فنحسب أن الشريعة يمكن أن تؤخذ بمنهج ترقيعي يأخذ جوانب من الشريعة ويترك جوانب لأن هذه الشريعة من الله تعالي وإذا كان وضع البشر يرد عليه التمييز بين ما يصيب فيه البشر أو يخطئون فإن شرع الله سبحانه وتعالي واحد كله حق .
لذلك فإن فعالية الدين نفسها لا تكتمل ونحن نجزئ الإسلام بفهمن الخاطئ للتطبيقات فالدين عري موصولة فلا ينبغي أن نفصل هذه لعري بتحكيم البعض وترك الآخر كتحكيم القانون وترك الاقتصاد أو تحكيم الاثنين وترك أمر السياسة من شوري وإمامة؛
وهذه الملابسات والفهم الخاطئ عن التدرج ينبغي أن لا تحمل الناس على ترك الكل فقط المطلوب هو الأخذ بسنة التدرج مع وضع الاعتبار بأن لتدرج لا يعني إيمان ببعض الشريعة والكفر بالبعض الآخر بقدر ما هو ضرورة عملية اقتضت تطبيق جزء دون آخر لم يأت دوره بعد في سلم التطبيق .
ينادي المفكر الإسلامي أبو الأعلى المودودى بضرورة قيام النظام الإسلامي على اعتبار أنه واجب ديني ليحل محل نظام الباطل وتنعم به البشرية " ولا شك أن قيام الخلافة الإلهية في الدنيا نعمة من نعم الله تعالي ينعم بها على عباده بيد أن السعي لإقامتها كذلك واجب ديني محتوم حتى يحل النظام الصحيح الحق محل سيادة الشيطان هذا النظام لذي يزدهر فيه المعروف ويزيل المنكر"

المبحث الرابع:النظم الحاكمة

من الإشكالات التي تواجه تطبيق الشريعة الإسلامية هو أن الحكام دائما يكونون مستكرهين على تطبيق هذه الشريعة تحت ضغط شعوبهم حيث خطورة هذه المشكلة تكمن في أنه عندما تكون الشريعة صادرة من ضغط الشعب فإنما يطبق منها المشهورات كالحدود؛

حيث لا يعلم عامة الناس أن الشريعة هي أوسع من ذلك فهي نظام متكامل في الأخلاق والسياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة وتحت إلحاح الجماهير يكتفي الحكام بالمشهورات فيقدمها الحكام فينشغل الشعب بها ناسين أن التطبيقات قد تنال الحاكم نفسه فيما إذا طبقت لجوانب لسياسية..

كما يحتال المتسلطون بأن يجوزوا على الناس أوضاعا ليست شرعية بظاهر من تطبيق بعض الشريعة والمشكل الآخر يتأتي من أن الدعوة إلى الإسلام يغلب أن تصدر من تلقاء حملة شعبية يخاطب بها قادة مرتابون مترددون كارهون ..

وحين يكون تطبيق الشريعة صادرا من ضغط شعبي فإنه يجنح دائما نحو المشهورات في الشريعة كالخمور والحدود فعامة الناس لا يعلمون أن الشريعة تشتمل كثيرا على أحكام أوسع بكثير من حد الزنا وحد الخمر وحد السرقة لذلك كثير ما تهمل هذه الحملات الشعبية أحكام الشريعة التي تبسط الحرية بين الحاكم والمحكوم وتبسط العدالة بين الغني والفقير ..

وقد يحتال المتسلطون بأن يجوزوا على الناس أوضاعا ليست شرعية بظاهر من تطبيق بعض الشريعة كان يقولوا لا بأس سنطبق لكم حد السرقة .. ثم يستثنون منه سارق الأموال العامة بحجة درء الحدود بالشبهات بشبهة أن للموظف العام نصيبا في المال العام .

إن الدور الذي تلعبه القوة الشعبية دور متعاظم كعنصر ضاغظ على السلطة وكثيرا ما تزعزع القوة الشعبية الأنظمة الحاكمة لذا كثير ما تلجأ الأنظمة الحاكمة إلى مرضاة الشعوب أصبحت القوة الشعبية قوة فاعلة يمكن أن تمكن الدين إن شاءت حتى وإن لم يرض الحاكم إذا توكل الشعب على الله وحمل على الحاكم يمكن أن يحمله على ذلك أو يقضى عليه..

فأصبح الشعب في أغلب البلاد قادر على إحداث ثورة فقبل خمسين سنة كان الشعب ضعيفا بالنظر للقوة الحاكمة وجيشها وسلاحها ولكن الشعوب الآن بسبب التطور الحضاري الحديث بالاضطرابات بالمظاهرات بالإعلام العالمي أصبحت قوية جدا .

إن الجماهير المسلمة بعاطفتها الإسلامية الجياشة تستطيع أن تؤثر على الأنظمة الحاكمة ولكنها بثورتها هذه قد تنجح في مساعيها الاعتراضية على الحكم ولكنها لا تفلح في أن تقدم البديل الصحيح لعدم وعيها وتفقهها في الدين فهي قد تدرك أن الربا حرام بنص الشرع وتعترض عليه ولكنها لا تعرف كيف تتعامل مع المصارف بالطريقة الإسلامية؟

وكيف تؤسس هذه المصارف الإسلامية؟ ولكن بوجود قيادات واعية تتولي أمر هذه الجماهير تستطيع أن تقدم البديل وينجح ضغط الجماهير وينتفي احتيال الحاكم .

المبحث الخامس:رجال الدين

رجال الدين وفتنة الهوى هي أحد المشكلات التى تواجه التطبيق للشريعة الإسلامية وكما للكنيسة مصلحة في السابق أن تتغول باسم الدين نجد أيضا رجال الدين في الإسلام والذين يتاجرون باسم الدين باحتكاره وجعله ملكا بينهم سواء كانوا في الوظائف الدينية أو بعض الوظائف التعليمية والقضائية هؤلاء يشكلون عقبة أمام تطبيق الشريعة الإسلامية.

ثمة ظاهرة أخري في جبهة أولياء الإسلام ربما تعوق الانتقال المعتدل إلى الشريعة ذلك هو نشوء طبقة من المتدينين أصبحوا هم أهل الحكر للدين تقريبا واحتكروا باسم الدين إليهم بعض الوظائف في التعليم أو القضاء وما يسمى بالشؤون الدينية؛

وأصبح عيشهم مترتبا على الفصل بين هذه الوظائف لدينية الخالصة لهم والوظائف الأخرى التي تركت حكرا للمتعلمين المدنيين وأصبحت الحياة قسمة مرضية بين رجال الدين ونصيبهم من التعليم الديني ورجال الدنيا ونصيبهم من التعليم المدني وهو النصيب الأكبر بالطبع وبين رجال القضاء الشرعي ونصيبهم من القضاء ورجال القضاء المدني ونصيبهم ؛

وأصبح لكل فريق مصلحة في أن يحفظ له هذا النصيب قسمة فرز لأن توحيد المدارس أو القضاء ربما يتهدد الوضع المطمئن للطبقة الدينية بأهليتها وإمكاناتها المحدودة ولذلك أصبح لبعض رجال الدين في بعض البلاد هوى في استدامة الأوضاع الثنائية المخالفة لنظام الشريعة التوحيدى.

طبقة رجال الدين من أصحاب الهوى الذين يقفون ضد تطبيق الشريعة الإسلامية على الرغم من قلتهم إلا أن وضعهم على المؤسسات الدينية يتطلب تعاونهم لإنجاح التجربة الإسلامية كما أن أى تعويق منهم يكون كافيا لإجهاض التجربة؛

حيث هنالك فئة من المتربصين ومن ناحية أخري فإن قيام هؤلاء الذين عرفوا بدينهم بأى عمل ضد التطبيق يكون له صداه عند عامة الناس وعند أصحاب الهوى من المتربصين بالإسلام مم يكون له أثره على تطبيق الشريعة الإسلامية وهذا يعنى أن هؤلاء المتدينين على الرغم من قلتهم إلا أن أثرهم بالغ في التشكيك بالتطبيق وتعويق مسيرة التطبيق.

التيجاني عبد القادر تعرض لرجال الدين هؤلاء واعتبرهم أحد الإشكالات التي تواجه المشروع الإسلامي السوداني ولكنه يقصد برجال الدين هنا رجال " الطرق الصوفية " التي دخلت في تحالف مع "القبيلة" جانب من جوانب إشكالية الانتقال بالمجتمعات الإسلامية التقليدية نحو الحكم الإسلامي أشكال الكيانات الدينية التقليدية؛

إن المعضلة الداخلية الأساسية أمام الحركة الإسلامية الحديثة في السودان هي كيف يمكن لها أن تحول الوجدان الصوفي السالب إلى رصيد ثورى موجب على أنه ينبغي أن نضيف هنا أن الوجدان الصوفي لا يوجد في حالة منعزلة وإنما توجد الطريقة الصوفية محمولة على "القبيلة" وملتحمة معه عضويا في بعض الأحيان .

ليس ذلك فحسب بل ن التحام الطريقة بالقبيلة يتطور ويتعقد حتى تتولد عنه لطائفية "ومن ذلك يذكر د. الترابي كيف تكونت في تركيا طبقة جمعت بين رجل الدين والرسميين الدينيين حيث شكلت كتلة في مواجهة حركة الإصلاح الديني التي قامت في تركيا فيما بعد لذلك يرى د. الترابي أن رجال الدين من أصحاب الهوى يشكلون أحد الإشكالات التي تواجه تطبيق الشريعة الإسلامية "

يمكن الاعتبار بما جرى في تركيا إذ قامت طبقة من رجال الدين تتشكل من رجال الطرق والطوائف الدينية المعترف بها ومن الرسميين الدينيين وأصبح لهذه الطبقة مصالح وعصبية في زى معين وفي نمط معين من الحياة ليس هو مقتضي الدين الثابت بل هو العرف التاريخي به ارتبطت مصالحهم وأمزجتهم رباطا جامدا وعندما قامت حركة إصلاحية تريد أن تبدل هذه الأوضاع أصابت رجال الدين خشية من أن تنحل القيادة التي تقوم عليها هذه المصالح فوقفوا ضد تلك الإصلاحات وانحازوا للجمود.

إن رجال الدين الذين يميلون إلى الهوى هم أعداء الدين في المقام الأول لأنهم يريدون للدين أن يسير وفق هواهم فيقضوا على الدين بسلوكهم الذي ينافي الدين .

المبحث السادس:الأعداء من غير المسلمين

هنالك أعداء الدين يمثلون الملل الأخرى والذين لا يريدون للشريعة الإسلامية أن تطبق في أى دولة إسلامية لأنها تتنافي مع ما يعتقدون كما تتنافي مع مصالحهم الدنيوية وهم كما يذكر د. الترابي أن أعداء الدين من الغربيين يمثلون الخطر الأكبر على تطبيق الشريعة الإسلامية؛

ويسعون ما وسعهم للصد عن التطبيق لننقلب الآن على جبهة أعداء الدين المتحاملين عليه عن جهل أو غرض والعنصر الأخطر في تلك الجبهة يتشكل من جهات خارجية ذلك أن العالم اليوم قد توثقت صلاته وأصبح لكل دولة من الدول؛

ولكل جهة من الجهات مصلحة في كل بلد آخر وأيما ظاهرة تنشأ في السودان من اتجاه نحو الإسلام لابد من أن تعني بوجه من أصحاب المذاهب ومدراء السياسات العالمية والإستراتيجيات الإمبريالية وسيحرضون بغير شك على أن يدرسوا تلك الظاهرة ويقدروا خطرها على حضارتهم وعلى مصالحهم وأن يتخذوا التدابير التي يمكن أن تصدها أو تردها .

إن حرص الغرب على وأد أى تحرك إسلامي لدولة هو ضمن المخطط المرسوم للدول الإسلامية لذلك يري د. الترابي أنه كلما كانت هنالك دول إسلامية كثيرة تطبق الإسلام تشتت جهود الغرب

وكلما كان هناك دولة واحدة كانت عرضة لضغوط الغرب حيث يحرص الغرب على القضاء على أى دولة تطبق الإسلام:

" إن توجه المزيد من الدول التي تبني الأسلمة كما في أفغانستان أو الجزائر سيخدم الغاية التي نسعى إليها من حيث أن الضغوطات لن تكون مسلطة بشكل مركز على السودان فقط وعندما يتجه المزيد من الدول الإسلامية نحو تعميم الأسلمة سيعى الغرب أن لا جدوى من محاولة وقف هذا التيار الجارف وسيدع هذه الدول وشأنها ولكن في حال كانت الحالة السودانية وحيدة في العالم الإسلامي فإن ذلك سيغري الغرب بالقضاء عليها في مهدها للحيلولة دون توسعها"

إن نظرة الغرب إلى الإسلام تجعلهم لا يركنون إليه بل ينفرون عن كل شئ له علاقة بالإسلام .والمسلم في نظرهم شخص مرفوض فهو المتهم بالإرهاب وإهانة المرأة وجهله بحقوق الإنسان وهو الذي عارض العلمنة لذلك فلا حاجة لهم في أن يتعاطفوا مجرد التعاطف مع تطبيق ل الشريعة الإسلامية في أى دولة إسلامية؛

فالمسلم في نظرهم أى مسلم شخص مرفوض ومرمى في دائرة عقائده الغريبة ودينه الخاص وجهاده المقدس وقمعه للمرأة وجهله بحقوق الإنسان وقيم الديمقراطية ومعارضته الأزلية والجوهرية للعلمنة هذا هو المسلم ولا يمكنه أن يكون إلا هكذا .

إن عداء الغرب للإسلام نابع من اختلاف الحضارتين الإسلامية والغربية بالإضافة إلى أن الإسلام يهدد المصالح الغربية التي تريد لكل الدول أن تكون تابعة لحضارتها وقافتها وهؤلاء الغربيون أصحاب مذهب إشراكي لا يؤمن بوحدة الحياة بل يعتقد أن الحياة شركة بين الله سبحانه وتعالي وتعالي الله سبحانه أن يكون له شريك .

وبين أهواء البشر وبئس ما يحكمون فهم لا يجعلون لله نصف الحياة وإنما يخصونه من الأرض الواسعة بأرض الكنائس وحدها ويريدون لنا أن نحصه بالمساجد وحدها وأن نتخذ بقية الأرض السوق والمحاكم ومعارض الفنون وميادين الرياضة والمساكن وكل ذلك مسرحا يعربد فيه الهوى والشيطان .

المبحث السابع:الأقليات غير المسلمة

من المشكلات التي تواجه تطبيق الشريعة الإسلامية وجود قلية غير مسلمة ومرد ذلك أن هؤلاء سوف يتعرضون للاضطهاد الديني وهي من الشبهات التي تثار ضد السودان على وجه الخصوص حيث يتهمه الغرب باضطهاد الأقلية المسيحية حيث تعكس لهم ثقافتهم هذا الاضطهاد بينما تؤكد حضارة الإسلام أن الإخوة المسيحيين على وجه التحديد تبوأوا مقامات رفيعة في الدولة الإسلامية "

ولما كان اختلاف الدين في تاريخ الغرب أدى إلى تحمل الأغلبية المتدينة بالمذهب الرسمي على الأقلية بالاضطهاد والإبعاد حسبوا أن ذلك ما سيؤول إليه الأمر في السودان وحسبوا أن الكلمات العذبة التي نحدثهم بها عن سماحة الإسلام وعن البر والقسط الذي ينبغي أن نصلهم به ما هي إلا دعاية حتى يتمكن الإسلام سياسيا وبعدئذ سيواجههم ما يواجه الأقليات الدينية في أوروبا؛

ولما كان ذلك هو المعهود في التاريخ الغربي وكان التاريخ الغربي هو التاريخ المقروء لكن مهما كان من ذلك فإننا نريد أن نؤكد من حيث المبدأ أن قيام الإسلام في الحياة العامة لا يعنى أن يكرهوا على اعتناق ملة الإسلام ولا أن يحرموا من ممارسة شعائرهم الدينية أو من الإعلان عن دينهم بل ومجادلتنا في ديننا دفاعا عن دينهم ونقدا لديننا بالتي هي أحسن

مما يثار عن قيام حكم إسلامي في دولة ذات أقلية غير مسلمة خسارة هذه الأقلية بالإضافة إلى ضياع حقوق هذه الأقلية غير المسلمة ويقول هؤلاء أن قيام أى حكم إسلامي في أى دولة في عصرنا هذا فمعناه خسارة ولاء غير المسلمين فيها وعدم رضاهم وهذه نقطة يجب أن تكون واضحة ومحددة فدولة الإسلام تقوم على العدالة مع الجميع

وهي لا تتعرض لأصحاب الديانات السماوية الأخرى ولا تجبرهم على شئ يخالف دينهم وهم أمام القانون متساوون في الحقوق والواجبات مع المسلمين والشرع يسميهم أهل الذمة أى أنهم في ذمة الحكومة الإسلامية .

أما قضية الجزية التي كانت تفرض على الذمي في الدولة الإسلامية فهي تعتبر موقوفة في عصرنا الحاضر لأن الجزية ضريبة بدلا من الإعفاء عن التجنيد وقد أصبحت الجيوش الإسلامية اليوم تضم جميع المواطنين من مسلمين وغير مسلمين من هذه الحقائق مجتمعة؛

يمكننا أن نقول بحزم أنه ليس من المفروض أن يكون هناك عدم ولاء من الأقليات غير المسلمة في الدولة الإسلامية لأن عدم الولاء لا ينشأ إلا عند الشعور بعدم المساواة أو فقدان العدل والأمان أو ضياع بعض الحقوق وهذا غير موجود في ظل الإسلام .

إن القرآن هو الذي أثبتت فيه حقوق أهل الذمة وبعد ذلك يمكن أن يستأنسوا بالتاريخ حيث قامت دولة المسلمين الأولي على مجتمع ليس كله مسلمون فعومل أهل الذمة خير معاملة وبعد أن نقرر لهم هذه المبادئ المؤسسة على أحكام القرآن الثابتة ابدأ الملزمة لنا مطلقا؛

يمكن أن نصدقها بشواهد من تاريخ الإسلام ونبدأ بالإشارة إلى النظام الدستوري والسياسي الذي قامت عليه أول دولة في الإسلام فقد قامت على مجتمع لم يكن كله من المسلمين بل كان ضمن مواطنيها طوائف من غير المسلمين وجدوا ما هو أرقي من معاملة أهل الذمة من الأفراد المقيمين في كنف الإسلام وجدوا معاملة أهل العهد .

"الجماعة المنظمة من غير المسلمين " التي ينعقد بينها وبين الأغلبية المسلمة عهد يترك لهم فيه من بعد حرية الدين والعبادة حرية التعليم الديني لأبنائهم وحرية الأحكام التي تحكم الحياة الأسرية الخاصة ومن بعد الحصانة من سريان الأحكام ذات الطبيعة التعبدية البحتة كالخمر والخنزير..

إلى جانب ذلك كله يترك لهم ويفوض إليهم حكما ذاتيا كما فوض الرسول صلي الله عليه وسلم إلى طوائف من اليهود حكما يقومون فيه ببعض الشؤون المحلية يستقلون بها عن الدولة ثم يشتركون مع جماعة المسلمين في دولة سماها الرسول صلي الله عليه وسلم أمة واحدة من دون الناس حربها واحد وسلمها واحد.

لقد اهتم الإسلام بالذمة وجعلها عهد وعقد أبدى دائم مبرم دون تحديد زمنى لمفعوله وعند موت الموقعين تنتقل موجبات العقد إلى الأبناء وهذا العقد ليس معاهدة بالمعني الصحيح ولكنه رابطة لا تنعقد بين دولتين بل بين دولة من جهة ورؤساء مجموعة شعبية من الكتابيين من جهة أخري.

وهذه الرابطة تنشئ واجبات ليس فقط تجاه الدولة الإسلامية ولكن تجاه كل مسلم على حده وكل ذمي أو كتابي . من هنا يتضح أن لها مفعول القانون لأنه عندما يخالفها الذمي يتحمل وحده نتيجة المخالفة وليس طائفته كلها .

هكذا تتضافر الجهود والضمانات القانونية والأخلاقية لتؤكد حق الأقليات غير المسلمة في الدولة الإسلامية لتقفل بذلك ثغرة أولئك الذين ينادون باضطهاد غير المسلمين في الدولة الإسلامية عندما تطبق الشريعة .

غير أن د. الترابي يري أن التجربة السودانية في تطبيق الشريعة الإسلامية من المشكلات التي تواجهها هي التحريض الخارجي للجنوب غير المسلم من مغبة تطبيق الشريعة الإسلامية وما يقال عن جنوب السودان يمكن أن يقال في أى تجربة إسلامية في أى دولة يوجد بها أقليات غير مسلمة

ولو أننا تركنا لنجادل إخواننا في الجنوب لأقنعناهم بما يزيل هذه المخاوف يكن يتصدي دائما بيننا وبينهم محرضون من خراج السودان يحذرونهم من مغبة تطبيق الإسلام أو منافقون مارقون من بين صفوف المسلمين لا يستطيعون الجهر بمعارضتهم للإسلام؛

بل يتصنعون الغيرة على حقوق المواطنة السوية ويحتالون بحماية الأقلية غير المسلمة في الجنوب يريدون أن يلقنوا تلك الأقلية لتعبر عن أهوائهم التي لا يستطيعون أن يفصحوا عنها هم وكان هؤلاء دائما أشق علينا من الجنوبيين أنفسهم الذين ما لمسنا منهم في جدلنا القديم حول دستور إسلامي أهم شأنا من القوانين الفرعية إلا استعدادا بعد التخوف الأول لأن يتفهموا ثم لأن يطمئنوا.

المبحث الثامن:النخبة العلمانية وأصحاب الهوى

ضمن من ذكرهم د. التجاني عبد القادر والذين يشكلون عقبة أمام الانتقال إلى الدولة الإسلامية فقد تحدث عن الطليعة المسلمة في السودان والذين ينتمون إلى النخبة الفوقية العلمانية المتحكمة التي أفرزتها المؤسسة الاستعمارية لذلك فهو يري ضرورة الصبر مع هؤلاء العلمانيين حتى يتمكن الدين .

يذكر د. التجاني عبد القادر:

" إن أساس إشكال الطليعة المسلمة الحديثة في السودان هو أنها تنتمي بحكم وضعها الإجتماعي وتكوينها الثقافي إلى ذات النخبة الفوقية العلمانية المتحكمة التي أفرزتها المؤسسة الاستعمارية والمؤسسات الحديثة التابعة لها وأن الصبر على القطاع المجتمعي التقليدي بغرض إصلاحه " مهما بلغ به الجهل والغلو والفساد خير من التبرم به أو الرفق له أو الاستغناء عنه .

لقد اشتهر الدكتور حسن الترابي زعيم الحركة الإسلامية الحديثة بمثل هذه النزعة "الواقعية " ولعل ذلك هو السبب وراء الانتقادات المريرة التي وجهت ضده من قبل "المثاليين " في الحركة الإسلامية ومن قبل لعلمانيين من خارجها .

الواقعية التي تحدث عنها د. التجاني عبد القادر كمنهج لدكتور الترابي في إطار تعامله في الدعوة إلى الله إنما قصد بها منهجه في كسب العلمانيين مما اعتبره المثاليين في الحركة الإسلامية تنازل عن مبادئ بينما اعتبره العلمانيون أسلوبا يضعضع صفوفهم ويسهل اصطيادهم .

إن أصحاب الشهوات يشكلون عائقا يواجه تطبيق الشريعة الإسلامية فقد وصفهم د. الترابي بالمنافقين والمرتابين حيث أصبحوا يقلدون الغرب داخل الدولة الإسلامية ويعتقدون أن ما سري على المسيحية يسري على الإسلام وهذا بحكم ما اعتقدوا أما بحكم مصالحهم فيعتقدون أن مجئ الشريعة إنما هو الإعلان بذهاب مصالحهم وما دام الحديث قد جرنا إلى المنافقين والمرتابين فلابد من أن نتحدث عنهم وما يحول بينهم وبين القبول .

المخلص للإسلام وذلك أما أنهم أصبحوا مقلدة للغربيين يتوهمون أن الدين كله واحد وأن التجربة الأوروبية تجربة عامة وأن ما يسري على المسيحية يسري كذلك على الإسلام هذا من جانب عقيدتهم أو يأتيهم الصدود من جانب مصالحهم الخاصة والواقع أن وجدت الذين يحول بينهم وبين الإسلام شك أو ارتياب حقيقي في حكمه الشريعة أقل من الذين يحول بينهم وبين الإسلام شهوات شخصية يرون أن الإسلام إذا قام سيكدر صفوها .

إن المجموعة الشهوانية والتي تشكل بدورها صدأ لمنع تطبيق الشريعة الإسلامية إنما تمثل موقف الأناني المعتوه الذي يرضي بتنفيس شهواته ولو على حساب الآخرين حيث لا يعنيه أن يشرب خمرا ولو على حساب سلامة وأمن الآخرين فهؤلاء أجدر بالنكير من سواهم

والنكير أجدر بالذين يحكمون شهواتهم ومتاعهم العاجل وأهواءهم الشخصية في الأمور ولا يكترثون أن تكون الخمر هي أم الخبائث أو تكون هي سببا في حوادث الحركة التي تؤدى بأرواح كثيرين وتشوه كثيرين ومن يؤثر هواه وشهوته الشخصية على كل هذه التقديرات العامة ومن لا تسعفه عقيدته أن يؤمن بأن الذي حرمه الله سبحانه وتعالي ينبغي ألا يتخذ منه المسلم سببا للشهوة التي تحجبه عن ذكر ربه وتغريه بمعصيته؛

مثل هذا الذي يؤثر شهوته ومصلحة دنياه على مصلحة آخرته ومرضاة ربه وعلى مرضاة مجتمعه وأمنه وما دام بموقفه هذا ظالما فإن علينا أن نكفه عن هذه الآفة التي حجبته عن ربه ولا يبالي وحجبته عن مصلحة يمكن أن يقدرها بالعقل الرشيد ولا يبالي هذا رجل مريض والمريض ينبغي أن نعينه ولو كره الدواء .

إن أصحاب الشهوات مهما تطاولوا ليصدوا عن سبيل الله ويبغونها عوجا إلا أنهم في نهاية الأمر أوهن من أن يصمدوا في مقاومتهم لأن الباطل حتما سيذهب جفاء ويبقي ما ينفع الناس .

المبحث التاسع:الفكر الجمهوري

على صعيد التحديات في مجال العقيدة داخليا نجد أن الفكر الجمهوري وبما يحمل من فهم يخالف به العقيدة الصحيحة لأنه وبالإضافة إلى أنه ينطلق من المنطلقات الإسلامية وهي ذات منطلقات الحركة الإسلامية نجد أن الفكر الجمهوري يستخدم ذات الميدان الذي تستخدمه الحركة الإسلامية وهو قطاع الطلاب.

وبينما انشغل الصوفيون بأذكارهم التي غيبتهم عن الواقع وما يدور من صراع بين الشيوعيين والقوى الوطنية بما فيها الحركة الإسلامية نجد أن الجمهوريون وبعيدا عن الصراعات الفكرية والمسلحة كانوا يعملون بنشاط تحت مسمى الإخوان الجمهوريون "وفي السودان الشقيق توجد جماعة تثير التساؤل تلكم هي " جماعة الإخوان الجمهوريون ويرأس الجماعة رجل حاد الذكاء واسع الثقافة المدنية والإسلامية هو الأستاذ محمود محمد طه

ويضيف:

" وقد أصدرت الجماعة عدد من الرسائل مثل الصلاة . الإسلام طريق محمد. تعلموا كيف تصلون ورسائل عن المرأة وأهم كتاب من كتب الجماعة كتاب "الرسالة الثانية " من تأليف قائدهم محمود محمد طه .

توصل الجمهوريون إلى أن عددا كبيرا من الأحكام التي لها قداسة تقليدية عظمى وتعد من أركان الإسلام ليست أصلا في الإسلام ومنن هذه القضايا التي ترونها ليست أصلا في الإسلام كالجهاد والرق وعدم المساواة بين الرجل والمرأة وتعدد الزوجات والطلاق والحجاب والمجتمع المنعزل رجاله عن نسائه.

الجمهوريون اهتموا بالسياسة حيث بدأوا نشاطهم أول ما بدأوه كحزب سياسي نشأ الحزب الجمهورية كحزب سياسي في عهد الاستعمار مثلما نشأت الأحزاب السياسية السودانية ومؤسس هذا الحزب هو محمود محمد طه الذي ظل على رئاسته .

تتلخص أهداف الحزب الجمهوري كما أعلنها في منشوراته وكتاباته في الآتي:

  1. إيجاد الفرد البشري الحر وهو الذي يفكر كما يريد ويقولوا كما يفكر ويعمل كما يقول "أسس دستور السودان لمحمود محمد طه"
  2. إقامة المجتمع الصالح وهو المجتمع الذي يقوم على متساويات ثلاثة .المساواة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية "أسس الدستور السوداني "
  3. محاربة الخوف "المصدر السابق"

يتبين مما سبق أن الفكر الجمهوري له طرحه السياسي وقد نشأ منذ الاستعمار وله شعاراته البراقة التي تستهدف أفئدة المتطلعين .

وفي الوقت الذي لا نكاد نجد فيه كتابا واحدا من كتب الجمهوريين يهتم بقضايا الشعب ومشاكله أو يهتم بهدف من أهداف الحزب الجمهوري نفسه من إقامة دولة اشتراكية متطورة نحو الشيوعية نجد العديد من كتب الجمهوريين موظفة لهدم أركان الإسلام ويكفي أن نشير هنا إلى أن محمود كتب أكثر من سبعة كتب لهدم شعيرة الصلاة وحدها كما خصص أكثر من ثلاثة مؤتمرات كاملة لحزبه لهذا الغرض .

ضمن أطروحاته محاربة الخوف ففي كتاب رسالة الصلاة يتحدث عن نشأة الدين فيقول:

" ولما كان الإنسان الأول قد وجد نفسه في البيئة الطبيعية التي خلقه الله فيها محاطا بالعداوات من جميع أقطاره فإنه قد سار في طريق الفكر والعمل من أجل الاحتفاظ بحياته وقد هداه الله بعقله وقلبه إلى تقسيم القوة التي تحيط به إلى أصدقاء وإلى أعداء ثم قسم الأعداء إلى أعداء يطيقهم وتنالهم قدرته وأعداء يفوقون طوقه ويعجزون قدرته؛
فأما الأعداء الذين يطيقهم وتنالهم قدرته : مثل الحيوان المفترس والإنسان العدو فقد عمد في أمرهم إلى المنازلة والمعاولة وأما الأصدقاء الكبار والأعداء الكبار فقد هدته حيلته إلى التزلف إليهم بتقريب القرابين وبإظهار الخضوع وبالتملق أما الأصدقاء فبدافع من الرجاء وأما الأعداء فبدافع من الخوف وبدأت من يومئذ مراسيم العبادة ونشأت الدين"

فهو يتحدث عن نشأة الدين وأنها مجرد عملية اجتهادية من البشر وجاءت بدافع الخوف ناسيا كيف اهتدى آدم أبو البشرية ليجعل من الخوف أحد ثلاثة محاور من منطلقاته الفكرية والسياسية .

وقد بذل محمود محمد طه جهدا كبيرا للنيل من أركان الإسلام ففي كتابه الرسالة الثانية جاء ما يلي الرسالة الأولي "الإسلام" فهو حين يدخل من مدخل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله يجاهد ليرقي بإتقان هذا التقليد حتى يرقي بشهادة التوحيد إلى مرتبة يتخلى فيها عن الشهادة ولا يرى إلا أن الشاهد هو المشهود ..وعندئذ يقف على الأعتاب ويخاطب كفاحا بغير حجاب "قل الله ثم ذرهم في خوفهم يلعبون "

وقل هنا تعني كن فالأخ الجمهوري يخرج من الإسلام "الرسالة الأولي ويدخل إلى الرسالة الثانية " الدعوة الجمهورية " وعندها يتخلى عن الشهادة ولا يرى إلا أن الشاهد هو المشهود " أى يكون هو الله "فالتخلي عن الشهادة جواز المرور إلى الدعوة الجمهورية"

كما عمد محمود محمد طه إلى هدم الركن الأول من أركان الإسلام نجده أيضا ينتقل إلى الركن الثاني وهو الصلاة في كتابه " رسالة الصلاة يقول محمود " الصلاة لها معنى بعيد ومعنى قريب وفي نفس المصدر يقو معنى الصلاة القريب هي الصلاة الشرعية ذات الحركات المعروفة والصلاة بالمعنى البعيد هي الصلة مع الله بلا واسطة أو ما يسميها محمود بصلاة الأصالة .

إذا فعند محمود صلاتان الصلاة الإسلامية التي جاءنا بها محمد صلي الله عليه وسلم من عند الله تعالي وفي مقابلها وعلى النقيض منها تماما الصلاة الجمهورية صلاة الأصالة حيث يذكر في ص 78 من نفس المرجع يقول محمود لقد تحدثنا في آيات سورة والنجم التي أوردناها آنفا عند سدرة المنتهى

حيث تخلف جبريل عن المعصوم وسار النبي بلا واسطة لحضرة الشهود الذاتي لأن الشهود الذاتي لا يتم بواسطة والنبي الذي هو جبريلنا يرقى بنا إلى سدرة المنتهى كل منا ويقف هناك كما وقف جبريل

حتى يتم اللقاء بين العابد المجرد وبين الله بلا واسطة " يقصد بلا واسطة النبي " فيأخذ كل عابد مجرد من الأمة الإسلامية المقبلة شريعته الفردية بلا واسطة فتكون له شهادته وتكون له صلاته وصيامه وزكاته وحجة ويكون في كل أولئك أصيلا .

وبذلك يكون لكل أخ جمهوري شهادته الخاصة به والتي يقلد فيها أحدا وبالأخص لا يقلد الرسول عليه السلام وهذا هو المطلوب وتكون له صلاته وصيامه وحجه وزكاته على أن لا يكون مقلدا لأحد وعلى وجه الخصوص لا يقلد الرسول عليه السلام ولا يتبعه وبذلك يهدم الحزب الجمهورية الإسلام يهدم أركانه .

يري محمود محمد طه أ، كرامة الإنسان عند الله في أنه لم يجعل له وصيا على الحرية الفردية حتى ولو كانه ذلك الوصي هو النبي صلي الله عليه وسلم قال تعالي (فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر) فالديمقراطية كأسلوب للحكم هى أقدر الأساليب لإتاحة الفرص للإنسان ليبلغ منازل كرامته وشرفه .

لم يتوقف محمود محمد طه عن دعواته التي تنافي الإسلام بل كان جريئا في تأويله الذي يستخدم فيه المذاهب الباطنية " لقد كان مدخل محمود للتجديد مدخلا باطنيا أى أنه اعتمد على النهج الصوفي الذي يقوم على التفريق بين الشريعة والحقيقة "

يري محمود أن الشريعة بدون تطوير لا تصلح لإنسان القرن العشرين لأنها خالية من الديمقراطية والاشتراكية " إن من يتحدث عن الديمقراطية والاشتراكية في الإسلام من غير أن يتحدث عن تطوير الشريعة السلفية من مستوى آيات الفروع إلى مستوي آيات الأصول إنما يرى باطلا ويتحدث فيما لا يعلم .

إن المبادئ التي توصل إليها محمود بتطوير الشريعة فإن كان يعنى التجديد فإن باب التجديد مفتوحا وإن كان يعنى تأويل الآيات تأويلا باطنيا يجعل من القرآن ميدانا للاجتهادات الشخصية والفوضى النصية .

إن مصادمة محمود لنصوص قرآنية حول الشهادة والميراث والطلاق وتعدد الزوجات كان لها دور كبير في التضييق على محمود وتعريضه لمحاكمات دينية فقد حوكم بتهمة الردة في نوفمبر 1968 م وكان محمود من المؤيدين لنميري عند مجيئه وبالتالي سمح له النظام بالحركة للاستفادة من أطروحاته المناقضة لأفكار القوى السياسية الدينية .

وقد حوصر الجمهوريون مرة أخري حيث تم تكفيرهم من قبل وزارة الشؤون الدينية وتقدم 99 عضو بمجلس الشعب ببيان مستعجل من وزير الداخلية للوقوف على ترتيبات استئصال الجمهوريين كما أرسل من الأزهر الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية خطابا إلى وزير الشؤون الدينية بتاريخ 5 يونيو يصف فيها أفكار محمود بالكفر كما كتب أمين عام رابطة العالم الإسلامي بمكة خطابا إلى وزير الشؤون الدينية مبينا فيه أن المجلس أصدر حكما بارتداد محمود محمد طه.

لقد كانت الحملة الإقليمية عنيفة ضد الفكر الجمهوري وقد ساعدت الظروف الداخلية في القضاء نهائيا على الفكر الجمهوري وذلك بعد إعلان القوانين الإسلامية في سبتمبر 1983م حيث كان الجمهوريون من أوائل المعارضين لتطبيق الشريعة بحجة مخالفة القوانين للدستور .

قدم محمود للمحاكمة وحكمت عليه المحكمة بالإعدام بتهمة الردة وصدق رئيس الجمهورية على الحكم وجاء في تأييده أن الفكر الجمهوري فكر شيطاني الحادي كافر وقال إن استمرار هذا الدعى في دعواه سيعرض الأمة لعقاب الله إذا هي سكتت عن فجوره الفكري والسياسي وهى تحتكم لكتاب الله المبين وقد أعدم محمود محمد طه في 18 يناير 1985م.

تكمن خطورة دعوة محمود محمد طه الجمهورية في أنها تتخذ من الإسلام منطلقا تنطلق منه كفكر منحرف يستطيع أعداء الإسلام استغلاله للنيل من الإسلام والمسلمين كما استغله نظام نميري في بداياته .

تمثل خطورة أفكار محمود في أنها تجهض المشروع الإسلامي الذي تقوم به الحركة الإسلامية وذلك بالتشويه المتعمد لمعاني الإسلام وهدم أركانه .إن الفكر الجمهوري يمثل أكبر التحديات الفكرية التي واجهت الحركة الإسلامية وبالقضاء على الفكر الجمهوري يكون جو الدعوة قد خلا للحركة الإسلامية السودانية .

الفصل الخامس:الحركة الإسلامية والقضايا المعاصرة

المبحث الأول:الموقف من التراث

الموقف من التراث من القضايا التي تؤرق المفكرين الإسلاميين حيث انقسم المسلمون حوله منهم من يقدسه ويجله ومنهم من لا يرجع إليه لحساسية التعامل معه مصطلح تراث يعنى ما ورثته الأمة من علوم وآداب من أسلافها شاع استعمال كلمة تراث في الأوساط العربية الأدبية الحديثة للدلالة على ما ورثته الأمة من أسلافها من علوم وآداب .

ورغم أن مصطلح التراث في الحضارة الغربية المعاصرة يطلق أيضا على المخلفات الحضارية والثقافية والدينية فإن الروح العلمانية المهيمنة على الفكر الغربي الحديث جعلته لا يميز بين الدين وبقية الإرث الحضاري بل هو يتعامل مع التراث على سواء بين ما مصدره الإنسان المخلوق وما مصدره الإله الخالق فالكل يتعرض لعملية النقد والانتقاء والقبول والرفض ويخضع الدين لهذا المنهج دون آية قداسة

فإن كان مفهوم التراث عند الغرب لا يفرق بين الدين في نصوصه الأصلية وما هو كسب بشري إلا أن هذا المفهوم يختلف لدى المسلمين الذين يحفظون لكتاب الله وسنة نبيه قدسيتها دون أن يكون تراثا لينصب التراث على الاجتهادات البشرية وبالطبع فإن الاحتراز يقتصر على الوحى الإلهي " الكتاب والسنة " ولا يتعداهما إلى الفقه أو الاجتهادات الفكرية التي أثمرها العقل المسلم من خلال تفاعله مع الوحى الإلهي ومحاولته فهم الكتاب والسنة والاستنباط منهما.

يمثل التراث أحد المبادئ الإستراتيجية في فكر الحركة الإسلامية ويري أن يبني عليه الانطلاق . تتمثل أهمية التراث باعتباره الهوية الثقافية للأمة والتي من دونها تضمحل وتتفكك داخليا وقد تندمج ثقافيا في أحد التيارات الحضارية والثقافية العالمية القوية لذلك عندما تلاعبت الحضارة الغريبة بتراثها عانت من الخواء الروحي والإخلاص القيمى " فلا غرابة إذا ما عانت حضارة الغرب من الخواء الروحى والإفلاس القيمي مما يعرضها للسقوط"

من المبادئ الأساسية في إستراتيجية العمل الإسلامي تحديد الموقف من التراث ماذا نأخذ منه وماذا نترك ما هي القيم الإيجابية التي ينبغي أن نحافظ عليها ونتفهمها فهما متكاملا وفي المقابل ما هي التي تتخلص منها .

مهما يكن من مدى حرية الخلف في أخذ التراث الفقهي والعلمي وتصريفه وتطويره فإن الواجب عليهم أن يحفظوه أيضا ولا يهدروه لأنه يمثل وحدة الأمة عبر التاريخ أولها وآخرها ولأنه ذخيرة تجاربها المتباركة فما كان فيه من عناصر ذات قيمة يبقي لينير طريق الأمة مستقبلا .

وما كان فيه من اجتهاد خاطئ في الرأي أو التطبيق كشفه النظر أو الاعتبار اللاحق يبقي عظة للأمة من أن تتورط فيه مرة أخري . إن تحديد الموقف من التراث يجعل الطريق واضحا والنظرة الموضوعية للتراث هي الأصل الذي ينبغي أن يبني عليه فلا ينظر إلى التراث نظرة تقديس كما لا ينبغي أن ينظر إليه نظرة إحتقار .

هذه النظرة الإستراتيجية للتراث اتفق فيها د. الترابي مع الشيخ راشد الغنوشي زعيم الحركة الإسلامية بتونس حيث يقول:

" لابد من تحدي موقفنا من التراث ماذا نأخذ منه وماذا نترك ما هو ملزم لنا وما هو غير ملزم ؟ ما هى القيم الإيجابية الباقية من تراثنا لنحتفظ بها ؟ وما هي القيم السلبية بعيدا عن موقف التقديس والاحتقار .إن البناء الإسلامي الذي لا يستصحب معه التراث يظل مبتورا "

أما التراث الديني الذي حفظه التاريخ من بعد عهد التنزيل من كسب فقها مكتوبا أو تمثيلا عمليا فذلك مما يتنوع في الزمن الواحد ويتطور مع الأزمان تبعا لاختلاف البيئات الثقافية والاجتماعية والمادية وذلك مما يجوز فيه لخلف المسلمين بل ينبغي تصريف المذاهب السالفة تبعا لتشابه الأحوال أو نسخها تبعا لتباين الأحوال أو استدراك الخطأ فالفقه والتراث التاريخي في ذلك خلاف منقول الشريعة الأصل لأنه كسب دينى بشرى يهتدي بهدى الله ولكن لا يضمنه الوحى المتنزل أو الرسول المعصوم.

ولما كان التراث كسبا بشريا خلافا للقرآن المتنزل أو سنة المصطفي كما يري الدكتور فإن مجرد استيعاب وفهم هذا التراث يؤدى إلى الاستفادة منه بعد أن يتطور لأنه يدخل ضمن منظومة التفعيل الحركى للعمل الإسلامي الإستراتيجي .

تأتي الصوفية ضمن التراث الذي يعتز به الشيخ الترابي ومهما يؤخذ على واقع الصوفية من بدعيات وجهالة في الاعتقاد والعمل ومن كثافة طقوس تكاد تستنفد طاقات التدين في المراسم والأشكال ومن رخاوة شرعية تقعد بصاحبها ساكنا عاجزا ومن فرط ولاء وإتباع يكاد يحجب عن الله

مهما يكن ذلك فإن في التصرف أصل زهادة وتجدد ونظام وتطبيق ومن وراء الواقع الصوفي الشعبي بمراسمه وتشكيلاته تكمن في تراث التصوف أصول ومناهج تربية لأعمار الباطن بالإيمان الغيبي العميق ولتطيب العلاقات بالإخاء الوثيق .

كما فيه تجارب لتنزيل هدى الدين إلى واقع الناس كافة فهو يري أن الصوفية كتراث يمكن أن تجنب الجوانب السلبية التي تسئ إلى الإسلام الحق ويتم التعامل مع الجوانب المشرفة التي لا تتنافى مع قيم الإسلام .

فطقوسها التي تستنفد الطاقات ورخاوتها التي تجعل المتصوف ساكنا عاجزا وفرط ولائها الذي يحجب عن الله يتم تجاوز كل هذه الأشكال وننتقي من التراث الصوفي أصول ومناهج التربية من تجرد وزهد.

المبحث الثاني:القومية

القومية تحتل موقعا متقدما في المبادئ الإستراتيجية في الدعوة الإسلامية لدى الحركة الإسلامية ولما كانت هنالك أطروحات لقوميات مختلفة في العالم الإسلامي منها قوميات عربية وأخري غير عربية فهي تفيد العمل الإسلامي

بل وكما يري د. الترابي أنها تمثل قاعدة يمكن أن ينطلق منها العمل الإسلامي:

" وكما كانت الرسالات الأولي المتعاقبة ضرورة تحقق وتمكن بخصوصيتها وضرورة ديمومة بتعاقبها كانت القومية فيها تمهيد للعاملية في الرسالة الخاتمة .فهو يري أن القومية أساس يمكن الاعتماد عليه لتحقيق عالمية الرسالة وهي هدف استراتيجي ولا بأس بالتحالفات مع القوميات الأخرى ما دام الحركة الإسلامية تنطلق من ثوابتها التي تعصمها من الذوبان الانصهار في أهداف القوميات الضيقة "

ولعل القوميين يلاحظون انحسار الدعوات وبوار المخططات الوحدوية وتفاقم الإخفاق والإحباط الراهن فيدركون أنها أعراض لحالة مرضية جذرية لا يجدي فيها إلا علاج حضاري أصيل شامل تلتمس الأمة في حق قيمتها وعبره تراثها الإسلامي

ولعل الإسلاميين يدركون وحدة العرب مهما اختلطت دوافعها الأولية بل حتى لو انطوت على نكسة لحرية الصحوة فهي ذات مغزى تاريخي كبير للإسلام فسيذهب الزبد جفاء ويبقي العرب للإسلام وإذا عزوا بالوحدة فسيصب عزهم عاجلا أم آجلا في عز الإسلام .

الترابي لا يمانع إجراء حوار مع القوي القومية لأنه يراهن على كسب الحركة الإسلامية للجولة وهو بطرحه هذا يخالف كثيرا من قادة الحركات الإسلامية الذين يرفضون أى إعتراف أو تعاون مع الحركات القومية إن الإخوان المسلمين لا يؤمنون بالقومية " قومية الجاهلية وقومية العدوان " ولا بأسبابهما

ولا يقولون فرعونية وعربية وفينيقية وسورية ولا شيئا من هذه الألقاب والأسماء التي يتنابز بها الناس ولكنهم يؤمنون بما قاله رسول الله صلي الله عليه وسلم " إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء الناس لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى".

فالإخوان المسلمون بمصر يرون أن العرب ينقسمون إلى قسمين:

" قسم اعتقد ما اعتقدوه من دين الله وكتابه وآمن ببيعة رسوله وما جاء به وهؤلاء تربطنا بهم أقدس الروابط رابطة العقيدة وهي عندنا أقدم من رابطة الدم ورابطة الأرض فهؤلاء هم قومنا الأقربون الذين نحن إليهم ونعمل في سبيلهم ونذود عن حماهم في أى أرض كانوا ومن أى سلالة انحدروا وقوم ليسوا كذلك ولم نرتبط معهم بعد هذا الرباط فهؤلاء نسالمهم ما سالمونا ونكن لهم الخير ما كفوا عداونهم عنا "

ويذهب سيد قطب مذهب حسن البنا في نظرته للقومية حيث يقول إن الإسلام جاء ليرفع الإنسان ويخلصه من وشائج الأرض والطين ومن وشائج اللحم والدم فلا وطن للمسلم إلا الذي تقام فيه شريعة فنقوم الروابط بينه وبين سكانه على أساس الارتباط بالله .

ولا جنسية للمسلم إلا عقيدته التي تجعله عضوا في الأمة المسلمة وفي دار الإسلام ولا قرابة للمسلم إلا تلك التي تنبثق من العقيدة في الله .

ويضيف سيد قطب:

" وإن هناك دار واحدة هي دار الإسلام تلك التي تقوم فيه الدولة المسلمة فتهيمن عليها شريعة الله وتقام فيها حدوده ويتولي المسلمون فيها بعضهم للبعض وما عداها فهو دار حرب علاقة المسلم بها إما القتال وإما المهادنة على عهد أمان .

يتبين هنا الاختلاف بين الشيخ الترابي ومؤسسي "الإخوان المسلمون" بمصر في التعامل مع القوميات فهم لا يعترفون بالقومية ولو كانت عربية ويعتبرونها جاهلية فهي بالنسبة إليهم عدو بينما يرى أمين عام الحركة الإسلامية بالسودان أن القومية يمكن أن تكون قاعدة ينطلق منها العمل الإسلامي؛

فالإسلام كما بين سابقا أنه اعتمد القومية ليصل إلى العالمية ولعل منطلق الشيخ الترابي عن القومية إنما هو تعبير عن الواقعية التي لا تنكر وجود قوميات مختلفة بالدول الإسلامية؛

كما أن موقفه الذي يعترف فيه بالقومية وينفعل به وهو بذلك أيضا يخالف أبو الأعلي المودودي الذي لا يعترف بالقومية:

" قوض الله ورسوله أسس الجاهلية المادية والحسية والوهمية التي كانت تبني عليها مختلف القوميات في العالم ومحوا ما بين البشر من فروق أساسها اللون أو الجنس أو الوطن أو اللغة أو الاقتصاد أو السياسة وما إليها من الأسس التي تستند إلى عقل والتي اتخذها الإنسان جهلا وحماقة ذريعة لتقسيم الإنسانية وتفريق البشرية "

ويضيف شارحا الجهد الإسلامي لتقويض هذه الدعائم وتأسيس دعائم أخري:

"ومع تقويض هذه الدعائم كلها بين الإسلام قومية جديدة على أسس عقلية تعمد في أصلها على الاختلاف الروحي الجوهري لا على الفرق المادى الأرضي فوضع أمام الإنسان حقيقة فطرية اسمها الإسلام .
ونظرة الحركة الإسلامية السودانية للقومية والتي خالفت فيها كثير من الحركات الإسلامية إنما تأتي من منظارها الإستراتيجي الذي يري أن القومية يمكن الاستفادة منهما حيث تمثل واقعا لا يمكن تجاوزه من ناحية؛
ومن ناحية ثانية نجد أن معاداتهم قد تعود بالضرر للعمل الدعوي حيث يمكنهم التنسيق مع بقية أعداء العمل الإسلامي لذلك كان الأوفق تحييدهم على الأقل في مرحلة من مراحل العمل الإسلامي والدخول معهم في تحالفات وفق ثوابت الدين تكون الغلبة فيها للإسلام؛
وقد أثبتت حرب الخليج الثانية التي دارت رحاها بين الحلفاء الغربيين والعراق الذي يحكمه حزب البعث العربي أن القوميين يمكن أن يدخلوا في تحالف قوى مع الحركات الإسلامية ضد العدو المشترك حيث أدانت الحركات الإسلامية على امتداد العالم ضرب العراق وخرجت في مظاهرات؛
ولعل تبني الحركة الإسلامية السودانية لمشروع المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي والذي اتخذ مقرا له بالخرطوم واختيار أمين عام الحركة الإسلامية السوادنية أمينا عاما له لدليل على بلورة هذه الرؤية فقد جمع الكيان الإسلاميين والقوميين العرب والشيوعيين وشتى قبائل اليسار وكان بإمكانه أن يصبح أداة ضغط عالمي بيد الحركة الإسلامية والشعوب العربية لولا الضغوط العالمية على السودان ودعوى أنه كيان يضم الإرهابيين.

المبحث الثالث:التنظيم الدولي للإخوان المسلمين

طرحت فكرة التنظيم الدولي من قبل الإخوان المسلمين المصريين وذلك للم شمل الحركات الإسلامية على مستوي العالم لتكون قاعدة إسلامية دولية يخطط فيها للعمل الإسلامي وينفذه وذلك ضمن النظام العام للإخوان المسلمين .

يرى د. عبد الله النفيس أن الأهداف من تكوين التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين يتمثل في إنعاش تحرك الجماعة داخل مصر وخارجها واستعادة المبادرة في قيادة النشاط الإسلامي على المستوى الدولي

وفي رأيي أن الإخوان المسلمين المصريين الذين طرحوا هذه الفكرة إنما أرادوا تحقيق أهدافا معين بالتحديد أولها إنعاش تحرك الجماعة داخل مصر من إخوان الخارج أفرادا وتنظيمات ثانيها استعادة المبادرة في قيادة النشاط الإسلامي على المستوي الدولي عن طريق القانون العام الأساسي للإخوان بعد أن فقد إخوان مصر تلك القيادة نظرا للمحن التي مروا بها خلال الحقبة الناصرية .

أيا كان السبب وراء طرح فكرة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين إلا أن الواقع يؤكد عدم انضمام الحركة الإسلامية السودانية إلى هذا التنظيم وإلى ذلك يشير د. النفيس حيث تحدث عن غياب د. الترابي عن التنظيم الدولي ورفضه للفكرة بحجة أن لكل قطر خصوصيته؛

ويمكن أن يكون هنالك تنسيقا بين الحركات الإسلامية كما يذكر د. النفيسي أن التنظيم الدولي شن حملة شخصية ضد د. الترابي وفصلوا كل التنظيمات السودانية المشابهة له في أمريكا وأوروبا

يقول د. النفيسي:

" يلاحظ غياب د. الترابي زعيم الجبهة القومية الإسلامية في السودان بما يمثله من ثقل فكري وسياسي عربي وأفريقي عن عضوية مكتب الإرشاد العام ومجلس الشورى العام لأن د. الترابي رفض مبايعة التنظيم الدولى للإخوان
وذلك لأنه يعتقد حسب قراءتنا لموقفه أن لكل قطر خصوصيته ولا يجب أن تخضع كل الأقطار لتوجيه سياسي وفكري واحد وأن خير من يصوغ نظرية العمل والحركة في القطر هو أهله وليس أى طرف خارجى؛
وأن هذا لا يمنع التنسيق والتشاور في الإطار العام للعمل الإسلامي ودون أى صورة من صور الإلزام والالتزام أو الطاعة والأمر " البيعة المنصوص عليها في النظام العام للإخوان "

لقد شن التنظيم الدولي للإخوان حملة واسعة ضد رأي د. الترابي وفصلوا كل التنظيمات السودانية المشابهة له في أمريكا وأوروبا وحاولوا عزلها عن المؤسسات والمراكز الإسلامية هناك وشككوا في توجهاته وحتى في شخصه .

مهما يكن من أمر فإن علاقة الحركة الإسلامية السودانية مع تنظيم الإخوان المسلمين مرت بمراحل مختلفة كما يري د. الترابي حيث يرى أن العلاقة في مراحلها الأولي في الخمسينات من هذا القرن قد كانت عفوية بين قيادات مصرية وسودانية

مهما يكن فالعلاقات في مراحلها الأولي حوالي السنة الخمسين تمثلت في اتصالات عفوية بين قيادات مصرية وسودانية أغلبها بغير تدبير نظامي أو صيغة مرسومة فمن جانب تمثلت في مجموعة الأستاذ على طالب الله رحمه الله التي كانت تنتسب إلى الجماعة الأم في مصر وفي طلاب سودانيين وفدوا إلى مصر والتحقوا بالإخوان المسلمين..

وفي جانب آخر تمثلت في التزاور بين الحركة الطلابية بالسودان والحركة بمصر وفي مشاعر انفعال بالإخوة الواحدة دون أدني وعى بالاستقلال من جانب السودان أو الاستتباع من جانب مصر وكانت العلاقة الأوثق في اعتماد الأدب الإخواني المصري مرجعا والتجربة نموذجا فمصطلح الدعوة والتنظيم بفعالية كان على المثال المصري؛

وهكذا يبين د. الترابي أن العلاقة بدأت بين الحركة الإسلامية السودانية وتنظيم الإخوان بمصر عفوية وذلك في مرحلتها الأولي حيث كانت العلاقة خالية من أى نوع من الوصايا والاستتباع وكل ما في الأمر هو أن الحركة السودانية قد استفادت من التجربة المصرية من حيث هيكل الإدارة والأدبيات الدعوية التي عند الإخوان المصريين .

تحدث د. الترابي عن المرحلة الثانية في علاقات الحركة الإسلامية السودانية والإخوان المسلمون في مصر والتي ربطها بتجمد الحركة الإسلامية المصرية وغالب البلاد العربية من جراء عوامل سياسية وأخري ذاتية في الوقت الذي كانت تنمو فيه الحركة الإسلامية السودانية

وذكر أنه حينما طرحت نظريات العلاقة العالمية بين الحركات الإسلامية انتبه الإسلاميون لمدى التباين بين التجارب والكسب وخلال السنوات الخمسين والستين تجمدت الحركة الإسلامية في مصر وغالب البلاد العربية من جراء عوامل سياسية وذاتية وتخلفت الحركة في مواقع عالمية أخري لصالح تيارات يسارية ووطنية؛

بينما ظلت الحركة الإسلامية في السودان حية تنمو وحينما طرحت فيما بعد وثارت في وعى الحركة عالميا مسائل التميز المحلى والتوحيد العالمي أو نظريات العلاقة العالمية انتبه الإسلاميون للمدى الواسع من التباين بين التجارب القطرية في المقولات النظرية والصور التنظيمية والمناهج الحركية..

وعرضت شتى صيغ لنظام العلاقات بين دعاة المحلية من أجل فاعلية تمكن الدين ودعاة العالمية من أجل وحدة الدين وبين شبهة العصبية والتفريق للأمة بالمحلية المنغلقة وشبهة التسطيح للدين والتهميش لأهله بالعالمية المهيمنة وكانت المناظرة متوترة ومشوبة برواسب قومية بين المركزية المصرية العربية والمحلية السودانية .

المرحلة الثالثة في علاقة الحركة الإسلامية السودانية مع حركة الإخوان المسلمين كانت مرحلة تمحيص وفحص عبر عنها د. الترابي بمرحلة الوعى حيث كانت نظرية التنظيم العالمي للحركات الإسلامية هي السائدة ولابد أن تتخذ الحركة الإسلامية السودانية موقفها عن بينة وهذه البينة هي التي عبر عنها د. الترابي بمرحلة خلاف وذلك بعد إصرار الإخوان المسلمين في مصر على ضرورة انتظام كل الحركات الإسلامية في تنظيم دولي.

يقول د. الترابي:

" ولئن كانت المرحلة الأولي في العلاقات عفوا والمرحلة الثانية وعيا بنظام العلاقة فقد جاءت المرحلة الثالثة للسنوات السبعين مرحلة خلاف إذ خرج القادة الإخوان المصريون وعرضوا على السودان وسواه الرجوع إلى علاقة توحيدية تضع التنظيمات في مختلف الأقطار بل الأمصار موضع الشعب التابعة رأسا للقيادة بمصر وفقا للائحة تنظيمية متقادمة؛
ومهما كان المرشد المرحوم الهضيبي مبديا زهده وعجزه أن يتمكن من ولاية أمر عالمي فقد رفضت القيادة المصرية مشروع تأطير للعلاقة صدر بعد موسم الحج عام 1972م وجاء بنهج توفيقي بين نظرية الإلزام العالمي والاستقلال القطري بما يحفظ أصل الاستقلال المحلي الواسع ويوحد وظائف مركزية محدودة ويجعل شؤونا أخري رهن التشاور المسبق "

إن صدور مرسوم العلاقة التوفيقية قصد به تعزيز العلاقة وفقا لمعطيات التجربة والواقع وإكسابا لإعطاء كل تجربة كينونتها الخاصة والمستقلة بها مع مراعاة التوحد في الهموم العامة للعمل الإسلامي العالمي .

لذلك يوضح د. الترابي وجهة الحركة الإسلامية السودانية في جانب العلاقات التوفيقية بقوله:

" رجاء أن يتعزز التوجه نحو معادلة أوثق توحيدا في المستقبل ولقد اعتمد فيما بعد مشروعات أخري أحفظ للكينونة القطرية من اللائحة المتقادمة ودون ما كان يتطلبه الإخوان السودانيون
ومن أسف أن ذلك التطور إذن بعهد من المفارقة إذ أخذ التنظيم العالمي للإخوان المسلمين بالقيادة المصرية يشترط البيعة والإندراج التنظيمي الكامل ويعبر عن ضيق شديد جدا بالتباين بينه وبين السودان إلى شم المنشقين وبذلك تأسست القطيعة بل تطورت من بعد في الثمانين بالإصرار على عزل السودانيين من التنظيمات المنسقة والموحدة في موطن الاغتراب بالبلاد العربية وأوروبا.
هكذا يتبين مدى القطيعة التي لحقت بين الحركة الإسلامية السودانية والتنظيم العالمى للإخوان المسلمين هذه القطيعة والتي ما من شك ألقت بظلالها على الحركات الإسلامية وأظهرتها ربما أمام التيارات التي تعمل ضد الإسلام بمظهر التشرذم واستحالة التوحد فإن كانت المنهجية القطرية لكل حركة هي أدعي لاستقرار وتطور العمل الدعوي إلا أن مجرد ظهور تناحر الحركات الإسلامية فيما بينها هو وجه مؤسف للعمل الإسلامي الدعوى .
لقد برر. د الترابي موقف الحركة وعدم دخولها التنظيم العالمي للإخوان المسلمين بأن هذا الموقف مؤصل من سنة تدرج الرسالات ومؤصل من مرحلية تدرج رسالة محمد صلي الله عليه وسلم حيث بدأ بعشيرته ثم انتقل إلى الإطار المحلي ومن ثم العالمية؛
فهو يري أن نجاح الدعوة الإسلامية يجب أن يسير على نفس المنهج الذي سار عليه الرسول صلي الله عليه وسلم لأنه لا معنى أن نرتبط عالميا بينما داخل البيت مفككا كأنما الأمر لا يخرج عن الدعاية الإعلامية التي يكذبها الواقع لذلك كان أمر ترتيب البيت من الداخل هو الأصل

وكلما كان البيت مرتبا ترتيبا كاملا في الداخل كان انعكاس هذا الترتيب في الخارج له السمعة الطيبة وهو ما توصلت إليه الحركة الإسلامية السودانية بعد أخذ ورد حول نظرية العالمية لتنظيم الإخوان بمصر "

لما طرحت بوعى قضية العلاقات الحركية العالمية اتخذت فيها الحركة موقفا فلما دار حوله الجدل تحررت حيثياته الفقهية وكانت الحركة تؤصل موقفها بما سبق من سنة تدرج الرسالات من القومية إلى العالمية ومن مرحلية تطور رسالة محمد صلي الله عليه وسلم الذي بعث للناس كافة ولكنه لم يؤمر بالسياحة في البسيطة قاطبة لينشر الدعوة فيها رقيقة وإنما أوصى في بسط الدعوة بخطاب الإطار المحلى الأقرب فالأقرب دون تجوز ولا تحيز عشيرته فأهل مكة؛

فالعرب فمن حولهم وأوصى في تطبيق نظام الدين ببناء المركز الأماكن في المدينة تقتصر ولايته على المؤمنين المهاجرين إليه دون العرب قاطبة ثم تنداح بالدعوة المرسلة سباقة إلى سائر تخوم الأرض تتلوها الفتوح والدولة المتمكنة وتتابع تحت لوائها وولائها الأقوام والأقاليم .

ما ذهب إليه د. الترابي وهو يدافع عن موقف الحركة الإسلامية السودانية من التنظيم العالمي ويؤصل لموقف السودان من السنة النبوية وسنة الرسالات نجد أن ذات الموقف هو الذي تحدث عنه الأستاذ أمين حسن عمر أحد قادة الحركة الإسلامية السودانية حيث يرى ضرورة توحيد المفاهيم قبل توحيد الكيان التنظيمي.

فليست البيعة هي شكل مقصود في ذاته كطقس من طقوس الدين بل هى وسيلة لتوحيد الجماعة العابدة المجاهدة وهذه الوحدة هي نتاج مجاهدة مستمرة ونسق متطور لا يتأتي بالتمنى بل ببذل الجهد في ذات الحواجز ورفع المعوقات والسعى نحو توحيد المفاهيم قبل توحيد الكيان التنظيمي؛

أما إذا طغى على هذا التعاقد بين الحركات الإسلامية شكل البيعة التامة للإمام الواحد في واقع لم تؤسس فيه كيانات قيادية فعالة في الأقاليم المعنية ولم تتهيأ لها إمكانات اتصال وثيق مأمون فإنها لم تعدو أن تكون رمزا مثل بيعة الخلفاء في أواخر العهد العباسي ليس لهم من الأمر إلا الدعاء على المنابر .

إن المنحى الذي ذهب إليه الأستاذ أمين حسن عمر في نقده للتنظيم الدولي إنما هو نقد نابع من حيث الواقع بعدم جدوى مثل هذا التنظيم الدولي عمليا ولا سيما إذا علم أن التنظيم عبارة عقد على البيعة لأمير هو في الواقع ليس له سلطات على الدولة التي هو فيها؛

حيث تقتصر سلطاته على التنظيم الإسلامي فإن قدر أن يغدر به نظام الدولة تكون هنا الإمارة مشلولة لا تستطيع بسط سلطانها على الدولة المعنية ناهيك عن بقية الحركات الإسلامية الممتدة عبر الدول العربية والإسلامية لذلك يرى الأستاذ أمين أن الإمارة هنا تكون أشبه بالخلافة العباسية في أواخر أيامها فهي عبارة عن سلطات رمزية بما تحمله الكلمة من معنى .

في معرض دفاعه عن لا مركزية التنظيم الحركي يقول د. الترابي أن دار الإسلام الممتدة لم تؤسس عن مركزية مطلقة وقد كان مبدأ رعاية خصوصية الأقاليم هو السائد حيث استقلت الأمصار بمذاهبها الفقهية وبولاتها وزكواتها ..

مما يستوجب الأخذ بهذا الاعتبار فإن كانت الأقاليم في العهود السابقة للخلافة الإسلامية ورغم باسطة الحياة وبعدها عن التعقيدات الإدارية والقوميات وقرب أقاليمها النسبى عن ما هو عليه الآن قد طبقت اللامركزية في الحكم فإنه من باب أولى تطبيق اللامركزية وأن تبتعد الحركات الإسلامية عن التنظيم الدولي إذا أرادت النجاح في دعوتها " دار الإسلام الوسيعة الموحدة لم تؤسس عن مركزية مطلقة .

وإنما روعي فيها تباعد الأقاليم وتباينها وتركت الأمصار تستقل بمذهبها الفقهي دون نمطية رسمية قاهرة وباستغلال ولاتها وزكواتها مع حفظ مركز الوحدة والإمامة بل دعت ضرورات الواقع الإقليمي والسياسي أحيانا إلى الاعتراف بمشروعية تعدد الأئمة .

يرى الأستاذ أمين حسن عمر أن شكل العلاقة القائم على التنظيم الدولي يعود بالضرر على الحركات الإسلامية أكثر من عودته بالمنفعة عليها فهو يرى أن تكون العلاقة قائمة على التنسيق ولم يكن هذا رأيه فحسب بل هو رأى مجلس الشوري للحركة الإسلامية السوادنية والذي اقتبس منه في كتابه أصول فقه الحركة

حيث أشار في كتاب " الأصول الفكرية والعلمية لوحدة العمل الإسلامي " يقول:

هذا الشكل من العلاقة قد يكون ضرره المحذور أكثر من نفعه المأمول لأنه يوهم بوجود وحدة ليست هي بكائنة في الواقع فينام الإسلاميون على حلم الوحدة عن بذل الجهد في سبيل تطوي الوحدة الفعلية وتوطيدها على قاعدة من الوعى العلمي الدقيق بالتباين في الاجتهادات في أنماط التنظيم؛
والاختلاف في ظروف البلدان والأقاليم التي تقوم فيها الحركات الإسلامية وتأثير هذه الملابسات على سرية الدعوة أو علانيتها وعلى نهجها الجهادي أو الإصلاحي ومقتضي ذلك كله على معادلة في علاقة عالمية بين الحركات الإسلامية تكفل أعلى مستوي من المناصرة وأقرب طريق إلى الوحدة التامة .
يرى د. الترابي أن الوحدة الإسلامية في حد ذاتها وسيلة لتمكين دين الله وليست غاية في حد ذاتها ومتى ما وجدت وسيلة أخري تمكن الإيمان في نفوس المسلمين وتمكن لهم دينهم فهي أفضل من وحدة تدعو إلى الفتنة وتفرق بين الجماعات الإسلامية؛
لذلك فهو يرى أن المحكمة تتمثل في التوفيق المرحلى بين التمكن الواقعي والوحدة المثالية حيث يشير هنا إلى الانفعال بالواقع مع التنسيق مع الحركات الإسلامية العالمية الأخرى حيث يمثل هذا الإطار العملي للعمل الإسلامي العالمي لا وحدة مثالية لا يسندها الواقع العملي هكذا نجد أن الإيمان الفاعل هو الهدف مقدم على الوحدة التامة وهي وسيلة موقوفة عليه

وقد يلزم أن ينشق لأجل الإيمان ما كان متحدا قبله بين الناس والوحدة ثمرة من الإيمان فبفضله يتحد ما كان قبله مفرقا ولأنها وسيلة وثمرة للإيمان كانت فرضة وسمة للمؤمنين والحكمة كلها في التوفيق المرحلي بين التمكن الواقعي والوحدة المثالية فتصويب الخطاب الدينى أولا إلى واقع محلي معين أبلغ في الدعوة وتكوين الجماعة الدينية أولا في محيط محدود أحكم في التنظيم والبدء بأساس من الدعوة المؤثرة والجماعة القوية شرط ضرورة البناء الإسلامي الممتد .

إلى هذا التوفيق والوسطية يشير الأستاذ أمين حسن عمر حيث يري أن التعاون والتنسيق هو الأفضل من خيار البيعة لأى إمام تقعد به ظروف الفتن وبحركته ليشل بقية الحركات الإسلامية هذا هو منطق خيار التعاون والتنسيق المتطور الذي تطرحه الحركة الإسلامية في السودان بديلا عن مذهب البيعة لأى إمام في حركة إسلامية مغلوبة تقعد بها ظروف مجتمع الفتنة المحيطة بها عن أن تحيط بأسباب الاتصال..

والحركة اللازمة بالقيادة الفعالة أو لأى إمام في كيان إسلامي غالب نشأت فيه سلطة شرعية إسلامية يمكن أن تكون محورا لانطلاق كل حركات التحرر الإسلامي في كافة أنحاء العالم الإسلامي فإن خيار التنسيق المتطور حتى في الحالة الأخيرة يظل فقها وعملا أولى وأجدى.

لقد أشار د. محمد عمارة إلى الخلل في علاقة الطاعة بالحرية حيث يربط هنا الخلل في وجود أمير ومرشد قابض بكل الأمور دون أن يمكن بقية الأعضاء من التحرك بحرية فهذا أن كان على مستوي وحدة حركية صغيرة فهو خلل كما يراه د. محمد عمارة

فما بالك إن كان الأمر على مستوي تنظيم عالمي إن الكثير من الحركات الإسلامية المعاصرة قد بالغت في ترويض أعضائها على طاعة القيادات أكثر مما دربتهم على محاسبة ونقد وتقويم هذه القيادة وليس يكفى أن يقال أنها طاعة في غير معصية ذلك أن الخلل في علاقة " الطاعة " بالحرية على النحو الذي لا ينمى في الأعضاء ملكاته النقد والفحص وشجاعة الاعتراض عند توفر دواعيه .

أن هذا النمط في تربية أعضاء هذه الحركات هو بالقطع معصية من معاصي التربية في هذه الحركات لأنها تثمر ولقد أثمرت وحدانية الرأي رأى المرشد والأمير والإمام .. بل وأثمرت العديد من ألوان التفكك والقصور والتشرذم التي أصابت العديد من هذه الحركات عندما غاب المرشد فغاب عنها المرشد.

التنسيق والذي دعا إليه د. الترابي يحمل في طياته المعنى الأوفق للوحدة فمن خلاله كما يرى د. الترابي يتحقق التعارف والتناصح ويتم تبادل التجارب ويمكن أن يبذل أقصي أنواع التعاون التي ربما لا تحققها لوائح الوحدة ومراسمها.

اقترحت الحركة منهجا للعدل بين التركيز المحلي تمكينا وتأمينا بغير تعصب والامتداد نحو الوحدة الإسلامية العالمية بغير تسيب وإرادته تنسيقا وسطا بين الانقطاع والاندماج الفوري وأعلى من مجرد التعاون العفوى الوارد بين أى جهتين لخصوص علاقة الحركات الإسلامية فمن خلال المنهج التنسيقي يتحقق التعارف والتناصح الوثيق ويتم تبادل التجارب الحركية وتنعقد أسباب التعاون والتناصر .

إن إصرار د. الترابي على منهج التنسيق بين الحركات الإسلامية العالمية لا البيعة هو الذي جعله يرفض دعوات الإخوان المسلمين بمصر المتكررة للبيعة لقد أرسل التنظيم الدولي للإخوان عدة رسل للقاء الترابي وإقناعه بالبيعة غير أن الرجل أصر على موقفه " التنسيق لا البيعة "

لقد كان الغالب في علاقة الحركة الإسلامية السودانية مع بقية الحركات الإسلامية على مستوى العالم هو التنسيق والذي تطور من مستوى التفاهم العارض إلى الاتفاق الثنائي مع الحركة المعنية

وقد طورت الحركة الإسلامية بالسودان علاقة التنسيق من مستوى التفاهم العارض إلى الاتفاق الثنائي الموثق مع حركات كثيرة , مما يشتمل على عهد ملزم يهدف لتوثيق الصلة وتعزيز التعاون في مجالات شتى .

ويتوسل إلى ذلك بالإتصالات النظامية تراسلا أو تزاورا وباللقاءات الدورية بين القيادات أو القطاعات المتضاهية أو اللجان المشتركة أو بتأسيس ما تيسر من الأعمال والمرافق الموحدة وذلك كله بقنوات اتصال حر دون وحدة عضوية تنظيمية أو مبايعة مركزية .

لم يكتف د. الترابي في سبيل بحث النموذج الأفضل للعلاقة بين الحركات الإسلامية حيث نجدده ينتقل بالتنسيق إلى مرحلة هي أقرب ما تكون للوحدة وهو ما عرفه "بمعادلة التنسيق الثنائي المرحلى المرن"

إن الفهم الحركى والقدرة على الاستفادة من كافة التجارب هي التي مكنت الحركة الإسلامية من اختيار أفضل الصيغ في علاقة الحركات الإسلامية لذلك كلما أجاد فن التمكن من نموذج انتقل إلى الآخر حتى يصل إلى النموذج المثالي.

على أن الحركة تؤمن بأن ترتفع بمعادلة التنسيق الثنائي المرحلى المرن نحو مثال أقرب إلي الوحدة كلما واتت الظروف وتقدمت المراحل دون تبطئة يثقلها التدابر بالعصبية والتخاذل عن حق الإخوة الإيمانية ودون تعجل يجر إلى التوتر والشقاق والإضرار بواقع التدين.

يذكر د. الترابي أن النجاح الذي تحقق عبر علاقات الحركة الإسلامية السودانية بالحركات الإسلامية دعا الحركة الإسلامية بالسودان أن تخطو خطوة أوسع للإمام وذلك بدعوتها لإقامة مؤتمر عالمي دائم للحركة الإسلامية؛

حيث تري في ذلك تطوير لمفهوم التنسيق , وحين عمرت علاقة الحركة الثنائية بالحركات الإسلامية وتعاظم هم الحركة العالمي دعت الحركة وسعت لإقامة مؤتمر عالمي دائم للحركة الإسلامية وقدرت أن ذلك المشروع تجسيد وتطوير لمفهوم التنسيق لأنه ينبني بتدبير نظامي ثابت على صعيد جامع ينتظم العالم متجاوزا للدائرة الإقليمية العربية وغيرها .

وتصورته الحركة توفيقا بين شتى الاعتبارات إذ يراعي تعدد صور الاستجابة الإسلامية . في العالم اجتهادات رأى وأنماط تنظيم وتشكيل بسبب اختلاف الرؤى أو تباين واقع البلاد .

كما يحاصر دواعي الانقطاع والتباعد الإقليمي والتجافي بعصبية الو لاءات التنظيمية ومهما كان الإئتمار نظاميا راتبا يتيح محورا للتعارف والتعاون والتفاعل في شتى الأطر والمجالات فإنه غير الزامى لا يؤسس على علاقة رئاسية مجبرة كابتة إلا أن يتمخض التشاور الإئتماري عن إجماع والتزام .

ويرى د. الترابي أن لا يكتفي المؤتمر بالتنظيمات والحركات الإسلامية فقط بل لا بأس بدخول الشخصيات الإسلامية والحركات العامة والتنظيمات الوظيفية وقد اقترحت الحركة أن يضم المؤتمر الحركات العامة والتنظيمات الوظيفية المتخصصة والشخصيات من كل إقليم بكل لغة عالمية .

ولو تعدد وتمايز المشاركون من البلد الواحد. فلا بأس بالتعددية ما دامت الأسرة المؤتمرة كلها تجديدية النزعة جهادية المسعى شمولية التصور تؤمن بالتزكية الفردية الصادقة والتنظيم والعمل الجماعى الملتزم هذه صورة تنسيقية جماعية سمحة لرؤى الحركات الإسلامية كافة ولا تكلف أيا منها مالا تقبله أو تطيقه وتنفتح نحو علاقة توحيدية مرجوة بين الأمة الإسلامية .

يرى د. عبد الله النفيس أن البيعة التي يفرضها التنظيم الدولي على الحركات الإسلامية لا أساس لها من الصحة وأن رفض الحركة الإسلامية السودانية الانضمام إلى التنظيم الدولي هو الذي دعا الإخوان في مصر أن يراجعوا أمر البيعة؛

وهل له سند شرعي وكونوا اللجان لهذا الأمر ولكنها في نهاية الأمر لم تصل إلى السند الشرعي لمثل هذه البيعة وأن البيعة المعمول بها في الكتاب والسنة متعلقة " بالإمامة " للمسلمين لقد أرسل التنظيم الدولي للإخوان عدة رسل للقاء الترابي وإقناعه بالبيعة غير أن الرجل أصر على موقفه "التنسيق لا البيعة"

من هنا أثيرت قضية "البيعة" من حيث المبدأ في تنظيمات "اللجان الشرعية" لدراسة الأسانيد الشرعية إن وجدت لها وخرجت معظم هذه اللجان بأنه لا سند شرعي للبيعة المعمول بها في تنظيمات الإخوان وأن البيعة المنصوص عليها في الكتاب والسنة متعلقة "بالإمامة" للمسلمين وهذا أمر لا يزعمه حتى المرشد العام للإخوان المسلمين نفسه .

غير أن تنظيمات الإخوان لم تعلن ما توصلت إليه هذه اللجان الشرعية مخافة انفراط العقد لغياب الأحوال الموضوعية الإيجابية التي تحقق الوحدة الداخلية في تلك التنظيمات فأصبحت بذلك "البيعة" وسيلة فعالة لتثبيط أى محاولة للإصلاح في الداخل ولضبط تحركات المتململين من الإخوان .

بمراجعة متأنية لما ذكره د. النفيسي عن البيعة ومستلزماتها وعدم شرعيتها في التنظيم الدولي للإخوان المسلمين نصل إلى حقيقة رفض د. الترابي لهذه البيعة فلو كانت شرعية وملزمة ما تردد في المبايعة للتنظيم العالمي ولو كانت عملية وتخدم الحركة الإسلامية ما تردد في ذلك ولكن كل ذلك لم يكن وكان ذلك سببا في رفض صيغة البيعة من قبل الحركة الإسلامية في السودان كإطار في علاقة الحركات الإسلامية .

لقد أشار الشيخ محمد الغزالي إلى موضوع البيعة وذكر أن نقض البيعة يعنى الخروج المسلح عن دولة الخلافة ولكن تحول هذا المفهوم الآن وصار يعني مفارقة إحدى الجماعات العاملة في الميدان الإسلامي حيث صدرت بعض الأحكام الفقهية كما يرى الشيخ الغزالي مصدرها هذا الإطلاع الطائش

كان نقض البيعة في تاريخنا القديم يعنى الخروج المسلح على دولة الخلافة فإذا به يتحول اليوم في أذهان بعض الشباب إلى مفارقة إحدى الجماعات العاملة في الميدان الإسلامي ورفض الولاء لشاب تعين أميرا على هذه الجماعة وقد شاعت أحكام فقهية كثيرة مصدرها هذا الإطلاع الطائش.

هكذا يبين الشيخ محمد الغزالي أن مثل هذه البيعة لا سند لها شرعا بل هي من أعمال الطيش التى لا تجوز أن تقرن بالإسلام .وهذا المفهوم أيضا تطرق إليه الأستاذ أمين حسن عمر بعد أن ساق الأسانيد التي لا تلزم الآخرين بمثل هذه البيعة حيث يقول إن بيعة الترابي والتناصر بين الجماعات الإسلامية ليست ذات صورة قاطعة واحدة هي حكم إلزام التعامل مع المسلمين خارج النطاق الإقليمي .

لقد ذهب د . فتحى عثمان إلى ما ذهب إليه الأستاذ أمين حسن عمر وما ذهب إليه د. الترابي في أمر التدرج إلى وحدة العمل الإسلامي وعلى الرغم من أن د. فتحى ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين بمصر إلا أنه يتحفظ عن فكرة التنظيم العالمي..حيث يطرح طرحا مقاربا لما طرحه د. الترابي

أما محاولة إقامة الحركة الإسلامية المعاصرة كجبهة متأزورة وفتح قنوات التشاور والتعاون بين تنظيماتها المتعددة ومع غيرها من التنظيمات والشخصيات التي يمكن اجتماعها مع ممثلي الحركة الإسلامية بحكم وحدة الأهداف النهائية أو المرحلية فأمر لابد من الجد في إقناع تنظيمات الحركة الإسلامية المتعددة نفسها به .

هكذا ينحى د. عثمان منحى د. الترابي عن ضرورة قيام هذا التنظيم كجبهة متأزرة وفتح قنوات التشاور والتعاون وهو ما عبر عنه د. التراقبي بالتنسيق كما اتفق مع د. الترابي في عملية اشتراك شخصيات إسلامية عامة خارج التنظيمات الإسلامية؛

حيث يضيف د. فتحى عثمان ويمكن أن يبدأ بجبهة للإسلاميين على نطاق غير محلى ثم جبهة للإسلاميين مع غيرهم في نطاق محلى فقد يكونون أدرى بمن هم في بلدهم وأقدر على الحكم عليهم وبذلك نتوقي الاتهامات والتناقضات التي تدمر الجبهة وتجعلها تولد ميتة ؟

هكذا يبرر د. فتحي عثمان كيف تكون البداية بالمحلية وأن تكون بين الإسلاميين مع غيرهم بحكم معرفتهم لواقع بلدهم حتى لا يقع الدعاة في تناقضات من شأنها أن تقضى على الجبهة الداخلية بكاملها .

إن معرفة الواقع والحركة وفقا لمعطيات هذا الواقع هي التي جعلت د. الترابي ينأى عن التنظيم الدولي للإخوان المصريين وهكذا يتأكد هذا المعني والمفهوم ومن أكثر من مفكر إسلامي كما هو الحال مع د. فتحي عثمان ود. عبد الله النفيسى.

يقدم د. فتحي عثمان مقترحا لقيام هيئة شورية تمثل فيها الجماعات الإسلامية التي تقبل العضوية لا عن طريق فرض البيعة كما هو الحال في التنظيم الدول للإخوان المسلمين حيث أوضح في هذا التصور شروط العضوية وكيفية التصويت والتوصيات غير الملزمة كما يمكن أن تكون للهيئة أمانة عامة .

وأعتقد أنه يمكن مع وضوح الرؤية والصبر قيام "هيئة شورية" على نطاق عالمي تجتمع سنويا أو مرتين في العام وتمثل فيها الجماعات الإسلامية التي تقبل العضوية كما ينضم لعضويتها الأفراد القابلون المقبولون للمشاركة ويكون هؤلاء أول الأمر في صورة "مؤسسين"

ثم يضمون إليهم من يرون من تنظيمات أو أفراد بأكثر من فرد في الاجتماع مع تحديد حد أقصى على أن يكون لها صوت واحد عند التصويت أما الأفراد من أعضاء تلك الهيئة فيكون تصويتهم فرديا بطبيعة الحال ويذكر عدد أصوات الأفراد على حده وتصدر الهيئة " توصيات " لا قرارات ملزمة؛

وتصدر هذه التوصيات بالأغلبية مع بيان رأى أو آراء الأقلية ويمكن أن تتفرع عن الهيئة لجان مختصة دائمة إيديولوجية وتنظيمية لائحية سياسية ،اقتصادية ،تعليمية،إعلامية .. الخ أو مؤقتة لبحث مسائل مهمة معينة كما يمكن أن يكون للهيئة أمانة عامة لها موظفوها الدائمون ،وإن يكون لها مجلس تنفيذي إن رؤى ذلك.

وليس لهذه لهيئة أى صلاحيات إدارية بالنسبة للتنظيمات المنضمة إليها ويجوز أن تنظم ندوات علمية مقفلة أو مفتوحة وتمويل مثل هذه الهيئة ليس باليسير وعليها أن تعتمد على التمويل الذاتي من أعضائها وتنظيمات وأفراد بصفة أساسية ويمكن أن تقبل الهبات والتبرعات على أن يتقرر القبول بالإجماع .

لقد كان لتصور الذي تقدم به د. فتحى متكاملا حيث اشتمل على لوائح تنظيم العمل بالإضاءة إلى الميزانية وشروط قبول العضوية وكما أن المرونة التي تتمتع بها هيئة الشورى هي ذات المرونة التي تحدث عنها د. الترابي ولخضها في مفردة التنسيق والتعاون دون إلزام حركة ما بما لا تستطيع مم يعنى الحرج والتمرد.

إن الحركة الإسلامية السودانية والتي يمثل د. الترابي أمينها العام لم تكن لتنضم إلى التنظيم الدول للإخوان المسلمين والذي يمثل من وجهة نظره قفز إلى الرأس فلابد من التوازن بين المحلية والعالمية كما يرى د. الترابي لذي أوضح رفض الحركة الإسلامية السودانية نظام التبعية المركزية منهجا أوليا لعلاقات الحركات الإسلامية..

لأن البيعة كما يرى د. الترابي يمكن أن تقاس على البيعة السياسية للإمام يقول د. الترابي:

" هكذا ذهبت الحركة إلى مذهب التوازن بين لمحلية والعالمية أو الخصوصية والعموم وإلى أن الوحدة المتمثلة في العالمية والعموم هدف لا يبلغ بالقفز إليه رأسا بل يقارب بالمجاهدة المتقدمة في المراحل المترقية في المقامات بدء من المحلية والخصوصية على مثل ما يبدأ الدين في كل شأنه من المبتدأ القاصر ..
ثم يتقدم ويترقى تدرجا نحو الكمال ولذلك لم تقبل الحركة نظام التبعية المركزية منهجا أوليا لعلاقات الحركات الإسلامية ولئن كان في مصطلح البيعة بأصله سعة ونسبية فإنه حين يطلق في هذا السياق إنما يستعمل قياسا على البيعة السياسية التامة لإمام متمكن السلطان وذلك مر غير متحقق بالطبع إلا أن يعدل بالقياس إلى تقاليد بيعة الهيئات الصوفية والحركات الجهادية غير المتمكنة".

لذلك يري د. الترابي أن بيعة التنظيم الدولي للإخوان المصريين لا تحقق مكاسب على أرض لواقع الدعوى فهي أشبه ما تكون ببيعة الخليفة الذي أصبح رمزا منصبا على خواء؛

ولم يبق له إلا أن يدعى له على المنابر وتضرب العملة بإسمه وقد انتهت البيعة الكبرى ذاتها إلى وضع اختلت فيه عناصر الوحدة بين صور الدين الفعلي والمثالي فأصبح الخليفة المبايع رمزا منصبا على خواء عاضلا من أسباب الوحدة المؤثرة؛

ولم يبق له إلا أن تضرب بإسمه السكه ويدعي له على المنابر ولقد بدأت سنة البيعة في الحركات الإسلامية الحديثة تقليدية ومحدودة ثم تقوم من بعد بالشورى لكنها حين طمحت نحو العالمية عوقها تباعد الواقع وتباينه وخذلها الحجز عن التمكن فعادت في بعدها العالمي رمزية لا تمثل محور توحيدى فكرى أو عملي فعال .

في معض تبريره لاستخدام الحركة الإسلامية السودانية لمصطلح " الالتزام " لا " البيعة " ذكر د. الترابي بأن لسبب يعود إلى أن مصطلح البيعة تكتنفه ظلال المعاني التقليدية ولما تستوفي الحركة بعد شروط التمكن؛

حيث يرى ضرورة أن تبقي الحركة الإسلامية في العلم فكرا واحدا مشتركا دون إلزام الحركة الإسلامية بالسودان آثرت العدول إلى مصطلح " الالتزام " لا " البيعة " لاتقاء ظلال لمعاني التقليدية ولحين استيفاء شروط التمكن ورأت الالتزام المركزي الشامل اليوم إعتسافا للمراحل وجنوحا بالتوازن بين الوحدة والفعالية إلى ما يوقع خللا ويحدث ضررا بالتدين المحلي فالحركة الإسلامية في العالم أولي في هذه المرحلة بأن تبقي فكرا واحدا مشتركا دون إلزام وتجربة واحدة تتجاوب دون تقليد وجبهة تناصر دون رهق أو حرج.

مما لا شك فيه أن تكسب الذي حققته الحركة الإسلامية السودانية وهى خارج إطار التنظيم الدولي للإخوان المسلمين كان مباركا ولو قدر لهذه الحركة أن تكون داخل التنظيم الدولي لكان كسبها أقل استنتاجا بم تؤول إليه حركاتها وسكناتها والبيروقراطية التي يمكن أن تتعرض إليها الحركة داخل التنظيم؛

لذلك فقد وجدت الحركة التهنئة والإستحسان من مؤسسات إسلامية وأفراد وصارت النموذج الذي يضرب به المثل في نجاح الحركات الإسلامية في العالم " ولا شك في أن تجارب الحركة الإسلامية السودانية وما تمر فيه من أحداث وما تحققه من تطوير سيكون ذا فائدة محققة للحركات الإسلامية الأخرى في مستقبل جهادها .

هذه الإشادة هي من أحد كوادر الإخوان المسلمين بمصر والذين عاصروا الشهيد حسن البنا مؤسس الحركة بمصر وكان الشهيد البنا يستشيره وكان سفيره في بعض الاتصالات كما خص الهضيبي الذي تولى أمر الإخوان بعد الشهيد حسن البنا خص د. محمود برعايته الدائمة واستشارته في جل مره .

وقد كان د. عبد الله النفيسي ضمن الذين تحدثوا عن الحركة الإسلامية السودانية وبإعجاب حيث كان مدخل حديثه عن الحركة الإسلامية السودانية هو رفض د. الترابي الانضمام إلى التنظيم الدولي للإخوان المسلمين ذاكرا عدم شرعية البيعة لمثل هذا التنظيم؛

وتحدث عن دواعي الإخوان بمصر وتحركهم لهذه البيعة ليخلص د. النفيسي في آخر حديثه ويقارن بين الحركة الإسلامية بالسودان والإخوان بمصر ويخلص إلى أن كسب الحركة الإسلامية بالسودان كان الأوفر وخطاب الحركة السودانية كان الأوقع يقول

"والحقيقة من يتأمل موقف الحركة الإسلامية في السودان ممثلة في "الجبهة القومية الإسلامية" بزعامة الترابي ويقارنها بالحركة الإسلامية في مصر ممثلة في "الإخوان المسلمون" بزعامة أبو النصر لا يملك إلا أن يتوصل لجملة من المستخلصات " استطاعت الحركة في السودان أن تبلور تكنيك الانتقال من حركة صفوية حزبية تنظيمية مغلقة تمثلت بـ "الإخوان المسلمون" هناك ما بين الأربعينات والستينات إلى حركة جماهيرية جبهوية مفتوحة ..

في المقابل نجد جماعة "الإخوان المسلمون" في مصر لم تزل تتمسك بالصيغة الصفوية الحزبية التنظيمية المغلقة من خلال نفس التشكيل الإداري لهيئاته منذ الثلاثينات حتى الآن .. استطاعت الحركة الإسلامية في القطر وتوظفها المناهج الجبهة بينما نجد أن جماعة الإخوان في مصر كقوة محجوبة عن الشرعية لم تستطع ذلك؛

بل أن معظم التنظيمات الإسلامية الشابة الجديدة ليس على وفاق مع لإخوان لهجة الخطاب السياسي والاجتماعي للحركة في السودان لا يقف عند حد البث العقائدي أو الديني المحض بل يوظف ذلك في القضية السياسية والاجتماعية ولا يطرحه كشرط للاسترشاد النظري ومن يقرأ كلمة الترابي والمطولة زعيم الجبهة التي ألقاها في المؤتمر الثاني للجبهة يجد فيها شمولا سياسيا ودوليا ..

من جهة ثانية من يقرأ تصريحات أو كلمات أبو النصر – المرشد العام للإخوان المسلمين في مصر لا يجد فيها تلك الأبعاد والآفاق ذلك أنها تقف عند حدود البث الديني المحض ولا تخاطب إلا من ينتمي لجماعة الإخوان .

لقد عدد الدكتور عبد الله النفيسي أوجه الكسب الكثيرة التي تفوقت بها الحركة الإسلامية السودانية على جماعة الإخوان المسلمين بمصر ..

إن الرؤية الثاقبة التي تمكنت بموجبها الحركة الإسلامية السودانية باختيار الناى عن التنظيم الدولي للحركات الإسلامية كانت موفقة حيث استطاعت أن توجد للحركة الإسلامية السودانية محيطا مرنا تتحرك فيه هذا المحيط الذي يرتسم من تلقاء واقعها بعيدا عن المؤثرات التي ربما لا تتوافق مع الواقع ليصبح للحركة الإسلامية السودانية كيانها المستقل ومدرستها المنفصلة؛

والتي دون شك إضافة لمدارس الدعوة الإسلامية بها استطاعت تحقيق المكاسب والانفتاح مع الحركات الإسلامية العالمية ولكن ليس عن طريق البيعة الملزمة بل عن طريق الالتزام الذي يستوجب التناصر والتأزر والتنسيق والتعاون على البر والتقوى.

المبحث الرابع:الحوار مع الغرب

انقسم المسلمون حيال الغرب إلى ثلاثة أقسام منهم من يرى أن السلامة تكمن في إتباع الغرب ولو دخل جحر ضب يجب الدخول وقسم يكفر بالغرب جملة وتفصيلا وقسم يرى أن الغرب واقع وفيه ما يفيد وآخر ما يضر فعلينا أن نأخذ ما يفيدنا ونترك ما يتنافي وديننا وهو قسم الوسطية؛

وحيال ذلك انقسمت الاتجاهات الفكرية إلى ثلاثة فرق فرقة اتجهت بكليتها إلى المدنية الغربية وحضارة الغرب ومناهج حياته والإنحياز له والأخذ منه دون نظر إلى الإسلام وترى أن ذلك هو الطريق إلى الإصلاح المنشود ومن أمثال هذا الاتجاه " قاسم أمين وطه حسين "

وفرقة أدارت ظهرها للغرب وعكفت على الاتجاه السلفى التقليدي متمسكة بوجوب العودة إلى القديم جل هذا الفريق من علماء الدين وأما الفرقة الثالثة فهي التي حملت الاتجاه التجديدي في إطار الإسلام دون الخروج على أصوله وأحكامه مع القبول بمبدأ الحوار بين الفكرين الإسلامي والغربي والإفادة من علوم الغرب وثقافته وأنظمته السياسية الديمقراطية وكل ما يقوم به نفع الأمة ولا يعارض أصول الدين .

اختارت الحركة الإسلامية موقف المدرسة الوسطية التي ترى الاستفادة من الغرب بما يتماشى مع عقيدة المسلم وترك ما يجافي العقيدة وقد حاور أمين عامة الحركة الإسلامية بالسودان الغرب عبر مناظراته ورحلاته إليهم آخرها الرحلة التي تعرض فيها لمحاولة اغتيال في الولايات المتحدة الأمريكية وهو في كل رحلاته هذه يحاول أن يفتح بابا للحوار مع الغرب ولكنهم ربما لم يعجبهم هذا الحوار الذي ينتهي بغلبة الإسلام ومشروعه الحضاري على الحضارة الغربية .

حرصت الحركة الإسلامية على حوار الغرب ضمن إستراتجية وينبغي للحركة إدراك وظيفتها العالمية فلا تقتصر على قطر ولا على ما نسميه نحن العالم الإسلامي هذا تاريخا فقط ولكن نحن مسؤوليتنا أن نخرج إلى أوروبا كذلك ونهديهم للإسلام .

يبين الشيخ الترابي أن هدف الانفتاح نحو الغرب هو هداية هذا الغرب إلى دين الإسلام حيث يعبر عن الوسيلة التي يمكن تحقيق التبليغ بها وهى وسيلة الحوار فالخواء الفكري الذي يعيشه الغرب بالإمكان أن يملأه الإسلام لقرب زوال النصرانية والاشتراكية والليبرالية

" لابد كذلك من الاتصال بالغرب عبر الحوار والدعوة قصد هدايتهم أن الغرب اليوم في خواء فكرى كامل ولو اجتهد عدد من الإسلاميين الذين يتحدثون اللغة الأوروبية ويعرفون الثقافة الغربية لنشروا الإسلام لأن النصرانية والاشتراكية والليبرالية كادت أن تزول هناك".

يبرر أيضا د. الترابي دواعى الحوار مع الغرب بالتجربة التاريخية التي تمت بين المسلمين وأوروبا لذلك لا ضرر يعود على المسلمين بهذا الحوار وإذا لم يبادرنا الغرب بالشر يمكننا أن نتعامل معه بالبر والقسط ولقد ضرب المسلمون المثالي في التعامل مع الدول الأوروبية وهم الذين أسسوا القانون الدولي خاصة في العلاقة مع جنوب أوروبا حول حوض البحر المتوسط.

فما دام الغرب لم يبادر المسلمين بالعداء والانطباع السئ فلا بأس بأن نبادله الود كما يرى الشيخ الترابي ولعله ينطلق في ذلك من المنهج الإسلامي الذي يأمر بأن لا يعتدي إلا على المعتدي وأن يسود حسن الظن بين البشر .

يرى الشيخ الترابي أن الانفتاح والحوار مع الغرب قد يفيد في تقديم الإسلام كنموذج للعالم ويمكن أن نقدم للعالم اليوم نموذج النظام العالمي العادل فنظام الأمم المتحدة مؤسس على غير العدل ولا يراعيه.يتضح مما سبق أن أمين عام الحركة الإسلامية بالسودان لا يمانع في الحوار مع الغرب بل يدعو لمثل هذا الحوار الذي يفضى لمصلحة الغرب والإسلام معا .

قد تكون هنالك رؤية إستراتيجية لمثل هذا النوع من الحوار حيث يعكس مثل هذا النوع من الحوار طبيعة الإسلام السمحة وتقليده القائم على " لا إكراه في الدين " و" ولكم دينكم ولى دين " فمجرد أن يفهم الغرب أن الإسلام لا يكره أحد على إعتناقه وأن فيه قيم ومعاني تفيد البشرية هذا الفهم في حد ذاته رسالة دعوية مطلوبة استراتيجيا ومن هنا ينتفي الفهم المغلوط للإسلام ووصمة بالإرهاب تفسيرا لبعض الظواهر المحسوبة على الإسلام ولها مبرراتها .

كما تنبع أهمية الحوار مع الغرب من منطلقات واقعية حيث لا تخفى سيادة الغرب على أحد فهم امتلكوا الأرض والبحار والفضاء وما من بيت مسلم إلا كان للغرب وجود فيه بطريقة أو بأخرى ومسألة تفاعل المسلم مع هذا الواقع إنما تجسده طبيعة هذا الدين الذي يدعو للتفاعل مع الكون ومظاهره المختلفة ولعل الغرب أكبر هذه المظاهر والواقعية تقتضي التعامل معه بحكمة الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن .

تصبح مسألة تبليغ الرسالة الخاتمة هي الأصل لهذا الحوار إذ يستطيع المسلمون عبر الحوار مع الغرب أن يبلغوا رسالة الإسلام ويقدموا البديل للحضارة المادية المتداعية .

ولما كانت الحكمة ضالة المسلم أينما وجدها فهو أولي الناس بها كان هذا الحوار هو الرسول الذي يمكن أن يتم عبره تبادل المنافع مع الغرب المتفوق في التكنولوجيا وفي القوة العسكرية والإعلامية ولابد للمسلم أن يستفيد من كل هذه الأشياء يكون الحوار مع الغرب في شكل مبادرات فردية من بعض الدعاة كما هو الحال في مبادرات ومناظرات العالم المفكر بجنوب أفريقيا أحمد ديدات أو مبادرة الشيخ الترابي نفسه؛

وقد يكون في شكل اتصالات دولة تطبق الإسلام شريعة ومنهاجا كما فعل الرئيس الإيراني الذي فتح حوارا مع الغرب زار بموجبه الفاتيكان ويمكن أن يكون في شكل حوار مع حركات إسلامية ومؤسسات وجمعية إسلامية تنظم هذا الحوار " هكذا أدارت الحركة الإسلامية السودانية اتصالا وحوارا واسعا بالدوائر العلمية والإعلامية والسياسية في العالم حول أحوال الإسلام الناهضة ..

وضاعفت الحركة اتصالها وتعاملها وتعاونها مع الحركات والشعوب الإسلامية ومع الشعوب والحركات والدول الأخرى عربية وأفريقية وآسيوية وأوروبية من أجل التعريف بالحركة ومحيطها الوطني والسعي في مصالح السودان تبادلا ثقافيا وتجاريا وتعاونا فنيا وسياسيا في سبيل ذلك تعددت زيارات وفود الحركة الخاصة والرسمية إلى دول غربية وآسيوية وأوروبية وأفريقية .

المبحث الخامس:المرأة

تحدثت الفلسفات الوضعية كثير عن المرأة وجارت كثير من الأوضاع الإجتماعية السائدة في العالم المرأة حيث خرجت المرأة من ميلاد الحياة الإجتماعية بلا شئ وقد قامت مؤخرا جمعيات تنادى بحقوق المرأة وعقدت المؤتمرات في هذا الشأن منها الإقليمية والدولية؛

ولكن للإسلام شأن آخر في رؤيته للمرأة " إن الكرامة التي يقررها الإسلام للمرأة جزء لا يتجزأ من الكرامة التي قررها وأعلن عنها لبنى الإنسان أجمع وذلك عندما قال الله عزوجل (ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا)

إذ الرجل والمرأة كلاهما من ولد آدم ثم إن الإسلام أكد هذه الكرامة القائمة على أساس من الإنسانية المجردة والشاملة لكل من الرجل والمرأة على السواء عندما حصنها بحصن التقوى والعمل الصالح وجعل من التقوى دون غيرها ميزان تفاوت الناس في العلو والمكانة عند الله وذلك عندما قال الله عزوجل (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)

فإن كانت هذه هي رؤية الإسلام وتكريمه للمرأة فإن الحركة الإسلامية تنطلق من ذات المنطلق ومن رؤية تجديدية في فقه المرأة وقد أفرد في ذلك أمينها العام كتاب " المرأة بين تعاليم الدين وتقاليد المجتمع " وهو بمثابة رسالة تتضمن الفقه التجديدي في مجال المرأة وما ينبغي أن تكون عليه المرأة .

تحدث د. الترابي في كتابه الحركة الإسلامية السودانية التطور الكسب المنهج عن اهتمام الحركة الإسلامية السودانية بالمرأة حيث تطور هذا الاهتمام إلى أن دمجت العضوية بين الرجال والنساء في الحركة أول ما بدأ الإصلاح أن دمجت العضوية ووحدت مشاركتها في التنظيم فيما سوي الحلقات الأساسية الوثيقة أو الأجهزة المتخصصة في تكييف المناهج بما يناسب العضوات؛

وفي رعاية العمل ذي الوجه النسوى الخالص فأصبح النساء في الجماعة يتمتعن بالعضوية يحتملن تكاليفها على سواء فيما يليهن من أصعدة بحقوق التنظيم يتضج أن الاهتمام بالمرأة لم يكن اهتمام عمل دعوى يوجه إلى قطاع النساء العريض بل تعداه ليصبح عملا مؤسسا منظما دخلت بموجبه المرأة في الأجهزة التنظيمية للحركة الإسلامية السودانية لتساهم بفكرها وتخطط للعمل الإسلامي نحو الإنطاق .

ذكر الشيخ الترابي أن خطوة استيعاب المرأة في الأجهزة التنظيمية أتت أكلها وثمارها لصالح العمل الإسلامي وفي بضع سنوات أتى التوجه الجديد ثماره وانقشعت الشكوك التي كانت تراود البعض في صحة الفقه وحكمته إذ رأوا تأويله خيرا عظيما فنهض العمل النسوي في حساب الجماعة إذا أصبح عداد النساء أو عطاؤهن يوازي شأن الذكور ويضاهيه فشاركن في الدعوة والمجاهدة ونافسن في عمل الخير وأخذن يستدركن كثير مما سبق به واجتازه الرجال

تظهر هنا الحكمة الإستراتيجية في انفتاح الدعوة نحو المرأة حتى لا تصبح المرأة كما مهملا يسهل اختراقها من قبل الأعداء كان لابد من استيعابها تماما حيث استوعبتها رسالة الإسلام الأولي في الغرب أصبحوا يوظفون المرأة حتى عندما حرروها كما يدعون للدعاية التجارية وأصبح المسلمون يعزلون المرأة عن المسجد وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويعزلونها عن الجهاد وعن الهجرة بالرغم من آيات القرآن الكريم الصريحة وبالرغم من نموذج الرسول صلي الله عليه وسلم وهذه قضية دينية قبل أن تكون قضية فقهية . قضية إيمان ورد للذكورة والأنوثة إلى وحدة البشر ووحدة النفس الواحدة وتساوي الذكور والإناث

يري الشيخ الترابي أن أخطر القضايا الإجتماعية التي ضاعت فيها معاني التوحيد الديني هى ظلم المرأة وعزلها لذلك فهو يري أن لا تظلم المرأة وذلك بأن تعطي حقوقها وأن لا تعزل المرأة وذلك بأن تترك تنفتح نحو الحياة وهو أم الدين أن من أخطر القضايا الإجتماعية التي ضاعت فيها معاني التوحيد الديني هي ظلم المرأة وعزلها عن الحياة أن القرآن الكريم رد البشرية إلى زوجين وقبل الزوجين ردهما إلى نفس واحدة وهذه الأخيرة هي التي أخرجت نفسا أخري .

تحدث الترابي عن خطاب الحركة الإسلامية السودانية وكيف دعا النساء إلى الدين وإلي العمل في الإصلاح الديني وكيف كان خطاب الحركة الإسلامية السودانية دعوة إلى تحرير المرأة أما في حساب الإصلاح الإجتماعي فقد أصبح خطاب الحركة الإسلامية للمرأة تبشيريا تحريريا في مغزاه بمعني أنه دعا وادي إلى أن تتوب النساء إلى الدين وما كان قبلا ذوات دين بل أن يدخلن في نمط التدين الغريب الجديد وأن يقمن عاملات للإصلاح الديني .

ولعلها تلك أخطر ظاهرة دينية في تاريخ المرأة السودانية القديم والجديد ثم دعا الخطاب أيضا وأدى إلى تحرير النساء من أسر العرف التقليدي الظالم وصحيح أنه صادف نزعا في تطور المجتمع نحو التحرير ولكنه كان أفضل وقعا لأنه تأيد بذات الشرعية الدينية التي كان ينتسب إليها العرف القديم زيفا فإذا الدين كما طرحه الخطاب حجة لإباحة المحظورات العرفية غير المشروعة فلا حرج ولا جناح وحافظ لقيم الفضيلة والإحصان الجنسي المركزة في فطرة المجتمع .

ويري الترابي خطاب الحركة الإسلامية السودانية نحو المرأة كان خطابا منهجيا غير تقليدي وأن المبادرة التي قامت بها الحركة الإسلامية السودانية كانت موفقة لأنها لم تنطلق من موقع الدفاع عن الإسلام وأنه لم يظلم المرأة بل كانت المبادرة والاقتحام المباشر الذي تم بموجبه دخول المرأة العمل الخاص في التنظيمات الإسلامية والعمل العام على مستوى الجمعيات النسوية وغيرها .

"ولو جمدت الحركة الإسلامية في مرحلة الفقه الإعتزاري " أن الإسلام لم يظلم المرأة وراحت تدار الشبهات التاريخية والفقهية وتتولي الدفاع وتترك المبادرة لغيرها ليقود حركة التحرير لما عصمت المرأة من الفتنة اللادينية أو لربما تأخر ذلك التحرير؛

ولو أن اقتصرت على الفقه الناقد للتقاليد أو على دعوة التحرر لما بلغت بحركة المرأة الإجتماعية الدينية ما بلغت ولما دخلت النساء في دين الله أفواجا وانفعلن وانشغلن بقضاياه بأقدار ثورية تاريخية ولما مرقن من ذل التباعة للرجال ولو في الضلال ولما خلصن من قيود الأعراف ولو منكره ولما خلصن من الولاء الطائفي الخرفي ليدخلن في بيعة حركة الإسلام .

اهتمام الحركة الإسلامية بالمرأة لأن المرأة هي الأم التي تنشئ الأجيال وتشرف على تربيتهم وكلما كانت التربية إسلامية يكون الأطفال صالحين ويكون ذلك بمثابة الرصيد للعمل الدعوي حيث يتولون القيام بأعباء الدعوة الإسلامية مستقبلا ..

نظرة الحركة الإسلامية الإستراتيجية للمرأة ناتجة أيضا لأخذ أسباب الحذر حيث يمكن اختراق العمل الإسلامي عن طريق المرأة من قبل الأعداء الذين يتربصون بالإسلام وكلما كانت المرأة عضوا فاعلا في العمل الإسلامي كان ذلك أدعى لاستمرار يته واستقراره .

تحدث الشيخ الترابي عن هذا التحول الذي أحدثته الحركة الإسلامية السودانية في مجال المرأة والذي أذهل المراقبين الغربيين لقد كان هذا التحول الإجتماعي أبلغ آية لأثر الدين في التحرر والنهضة لمقاصد الدنيا والآخرة..

وقد أفحم المراقين الغربيين الذين لا يصدقون إلا أن يكون الدين لزيما لتخلف المرأة وظلمها كما شرحت هذه الظاهرة صدورا من التقليديين الذين كانوا في حرج لما سمعوا بالتوجه لأول العهد حتى اطمأنوا لما شهدوا صورته وعاقبته

الملاحق

ملحق (1) الميثاق الوطني

المكتب السياسي للجبهة الوطنية

مقدمة

في هذه الأيام الحاسمة من جهاد الشعب السوداني العظيم تتقدم الجبهة الوطنية لجميع الشرفاء من أبناء وطننا الحبيب بهذا الميثاق وثيقة وعهدا وبرنامج عمل عاهدنا الله والشعب على العمل من أجل تحقيقه والوفاء بكل التزاماته مهما كلف ذلك من جهد وتضحيات .

إن نصوص هذا الميثاق ومعانيه كانت محل الدراسة الجادة والتمحيص الدقيق من جميع القيادات الوطنية والفئوية طيلة السنوات الماضية داخل مدن وأقاليم السودان وفي المعتقلات والسجون والمنفي وخارج السودان في مكة المكرمة والقاهرة وطرابلس وبيروت وأديس أبابا وروما ولندن والجبهة الوطنية بوصفها الممثلة الشرعية للشعب السوداني وقائدة نضاله استلهمت نصوص هذا الميثاق من خبرات الشعب العريقة وجهاده المتواصل وقيمه الأصيلة؛

واعتبرته بحق البرنامج الوطني والعهد الوثيق الذي يفجر طاقات الأمة ويمكنها من الإطاحة بعهد التسلط والاستبداد العسكري ويبوئها مكانها اللائق بها بين الأمم المتقدمة .إننا عقدنا العزم لتطهير السودان من كل المفاسد والعقبات التي عطلت مسيرته ونحن بإذن الله وتوفيقه مصممون على المضى وكفاحنا حتى النصر والله ولى التوفيق .

الميثاق الوطنى

عبرة بواقع الحكم القاهرى المايوى وبتجارب التسلط الشيوعي والنفوذ الأجنبي وما جره ذلك على البلاد من انتهاك للحرية والشرعية السياسية وتدمير للإرادة والاقتصاد وتقويض للقيم والأخلاق وتمكين لعامل الفوضى والتردي وتعطيل شامل لكل أوجه التقدم في حياة البلاد .

وعظة بويلات التفرق والاختلاف .وإيمانا بضرورة العمل الموحد في سبيل تأكيد أصالة الشعب السوداني وذاتيته الحضارية ووضع الأسس القويمة للنهضة الفكرية والمادية والأخلاقية لمواجهة التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للوفاء بمتطلبات التخطيط والتنفيذ لبناء المجتمع الحديث.

واستلهاما لميراث شعبنا الجهادي منذ تفجير الثورة المهدية إلى نضال مؤتمر الخريجين ومعارك الجلاء والاستقلال ثم إلى ثورة الحرية في أكتوبر .

وبناء على المجاهدات المتصلة للقوى السياسية السودانية التي قامت في وجه الانقلاب المايوي منذ أول يوم فخاضت معارك الفداء والاستشهاد في أبا ودنوباوي ووقفت مواقف التحدي الباسل في معاهد العلم ومجالات العمل وقادت أعمال التعبئة والمقاومة الشعبية وفجرت انتفاضة شعبان الكبرى؛

فإننا نحن قوي الشعب السوداني نعلن لجميع مواطنينا الذين صابروا ورابطوا لسنوات كوالح ولإخواننا العرب والأفارقة الذين تصلهم بهمومنا أواصر الدين والثقافة والجوار ولكل المجاهدين في العالم الذين يحاربون الظلم والاستبداد ويناضلون لتحرير شعوبهم نعلن أننا قد عقدنا العزم والعهد على هذا الميثاق الوطني التزاما بوحدة الفكر والصف والعمل التي يقتضيها .

وإقبالا على الأعمال الجسام التي يستدعيها تنفيذ عهوده وتقبلا للتبعات التي تستلزمها علينا المجاهدة في سبيل ذلك:

  1. إننا نعلن الالتزام بالإسلام عقيدة ومنهاجا نستمد منه المبادئ والأحكام التي تنظم الحياة الخاصة والعامة وفق اجتهاد جديد يحقق مقاصد الإسلام فيتدرج حثيث لمواجهة تحديات المجتمع العصري .
  2. إننا نعلن اتحاد القوي السياسية السودانية في إطار الجبهة الوطنية كيانا جامعا لكل قطاعات الشعب المؤمنة بمبادئ هذا الميثاق عازلا لكل العناصر التي لا تؤمن بعقيدة الأمة وقيمها في الحق والعدل والتي تتنكر لوحدتها ومصالحها الوطنية وروابطها الإسلامية والعربية والإفريقية .
  3. إننا نعلن الرفض الحازم والمقاومة الحاسمة للنظام المايوى الغاضب ولكل أشكال التسلط المدني والعسكري .

التحرير والبناء:

  1. إننا نسعى لتأسيس نظام يحقق مقاصد الإسلام السياسية في الدولة الديمقراطية الحديثة فيكفل حرية العقيدة والعبادة ويوفر الحقوق الأساسية للمواطنين تعبيرا وتنظيما ومشاركة ويكفل المساواة وحكم القانون والقضاء الحر المستقل العادل .ونرفض نظاما جبروتيا دستوره يحتكر السلطة للفرد ويحشر المواطنين في تنظيمات رسمية تؤسس على القهر والنفاق وتجوز الطغيان وتزيف التمثيل الشعبي وقانونه يحجر حريات التعبير الديني والسياسي والتنظيم النقابي من أجل تأمين الطاغوت ويسخر الصحافة والإذاعة لأغراض الدعاية وعبادة الأشخاص ويمكن للاستبداد السياسي والظلم تجسسا وحبسا ومصادرات للحقوق ومحاكمات جائرة .
  2. نسعى لإقامة نظام اقتصادي اشتراكي يحقق الملكية الجماعية لمراكز الثقل الاقتصادي ويمكن السلطة من التخطيط الاقتصادي الشامل للإسراع بالتنمية ويتوخى العدالة في توزيع عائداتها مع تحرير القطاع العام من التسيب والخمول وترشيد القطاع الخاص للقيام بدوره مبرأ من الاحتكار والربا والاستغلال .
  3. إننا نسعى لإقامة مجتمع مؤمن تؤسس سياسته التعليمية على التخطيط المستقر المرتبط بمتطلبات التنمية الاقتصادية للبلاد وتستلهم تراث الأمة الروحي والحضاري وتهدف لنشر المعارف الإنسانية وغرس العقيدة والهداية الرشيدة وتربية الأخلاق والمهارات وتزكي سياسته التعليمية والتوجيهية دوافع الصلاح وضوابط الأخلاق في الحياة الخاصة والعامة وترفض نظاما اضطربت فيه نظم التعليم ومناهجه وضعفت مستوياته وضلت أهدافه التربوية يتعرض فيه الأساتذة والطلاب للاضطهاد والتشريد ويصادر فيه كيان المعاهد العليا والجامعات ونظاما أصبح توجيه الإعلام فيه بأيد فاسدة مفسدة .
  4. إننا نسعى لمجتمع راشد الأوضاع والعلاقات يحرر المرأة من ربقة التقاليد الظالمة ومن فتنة الإباحية العابثة ويرشد مشاركتها في الحياة عنصرا مكملا للرجل ونفسا إنسانية سوية لا تابعا ضائع الحقوق يوجه طاقات الشباب نحو الخير والبناء ويشيع الأخلاق الفاضلة في معاملا الحياة ويطهرها من الآفات الإجتماعية .ونرفض نظاما يسخر المؤسسات الإجتماعية لخدمة أغراضه السياسية وينصب القدوة السيئة ويضع السياسات الفاسدة في المجتمع حتى أشاع فيه مظاهر التسيب والتراخي في العمل والرشوة وفساد الضمائر واستغلال النفوذ في الإدارة والسفه والانحلال في الحياة الخاصة والعامة .

تدعيم الحكم الإقليمي بالجنوب وفقا للمصلحة القومية:

إننا نسعى لإنشاء كيان قومي تقوم العلاقات فيه بين شمال البلاد وجنوبها على مبدأ التسوية السلمية والوفاق السياسي الذي تتبناه الأمة عن وعي تام وبإرادة جماعية ويقر في الوضع الدستوري الثابت ويؤسس فيه الحكم الإقليمي الذاتي للجنوب والشمال في إطار سودان موحد ويتم فيه تشاور سوى مع الحركة السياسية بالجنوب لتحديد معالم النظام السياسي الذي يلائمها ويصون مصالح البلاد عامة وتتضاعف فيه المجهودات التنموية بالجنوب لرفع مستوى الخدمات والقضاء على التخلف .

اللامركزية من أجل تطوير الأقاليم:

إننا نسعى لتأسيس نظام إداري يتجاوز التسلط المركزي الذي يهمل الأقاليم نحو نظام توزع فيه السلطة ويجعل لأبناء الأقاليم حق تصريف سياستها وإدارتها المحلية ويصفى الحكم المحلى المايوى الفاشل الذي فتت الإدارة وأصبح مطية لإرهاق المواطنين بالضرائب المتضاعفة والنفقات الباهظة والتوجيهات المركزية المغرضة من أجل نظام ديمقراطي يكون للمواطنين لا عليهم .وإننا نسعى لنظام يجعل الخدمة العامة مدنية وقضائية وعسكرية مؤسسة على الأهلية الأخلاقية والفنية ويحمى العاملين فيها من الظلم والتشريد ويطور نظمها للوفاء بحاجات البلاد المتجددة ونرفض نظاما يجعل أوضاعها مرهونة لأهواء الأشخاص وأغراض الأمن السياسي لتمكين الطغيان .

تطوير القوات المسلحة لخدمة القضايا القومية

إننا نسعى لدعم القوات المسلحة وتحديثها باعتبارها درع الشعب وحامية البلاد المحافظة على حدودها واستقلالها والحارس الأمين لقيم الشعب ومثله وأخلاقه والمشاركة في مسيرة البلاد القومية فنعنى بإعداد القوات المسلحة وتدريبها ورفع كفاءة الضباط والجنود وتكفل شرف الجندية لكافة العناصر الوطنية حتى يصبح الشعب بأسره الإحتياطي الضخم للقوات المسلحة والمدد المتجدد المؤهل بالتربية والتدريب والاستعداد القتالي.
ونرفض نظاما يسخر القوات المسلحة لخدمة قيم وأهداف غريبة على الأمة ويشيع فيها ألوانا من التكتل البغيض والتناحر المدمر الذي أفقدها خيرة العناصر الوطنية وقضى على مقومات النظام والضبط والربط والأسس القويمة للجندية والقيادة .

انتهاج سياسة خارجية متحررة لخدمة قضايا الاستقلال والحرية

إننا نسعى في السياسة الخارجية لجعل السودان كيانا كريم الذات حى الصلات يستشعر جزئيته اللازمة بالأمة العربية التي توحده معها وتشده للعمل على وحدتها أواصر الدين واللغة والمصلحة وصلته الوثيقة بأفريقيا التي تربطه بشعوبها روابط الجوار والثقافة والتطلعات المشتركة وانتسابه للعالم الإسلامي الذي شده إليه الدين والتاريخ والتضامن والمصير؛
ويستشعر دوره في العالم الثالث الذي تربطه به تطلعات التنمية والنهضة والتحرر من الاستعمار الثقافي والاقتصادي وضرورة التكتل والتعاون في المجال الدولي لتحقيق المصالح المشتركة ثم يستشعر دوره في العالم دحضا لإمبريالية الدول الكبرى ودعما للتعاون والسلام بين الشعوب وإننا نعمل لتبديل نظام مطموس الذات معزول عن العالم العربي والإفريقي والإسلامي تحكمه نزوات التهافت المتقلب على ولاء الدول الكبرى وسيره الدبلوماسية من أجل ذلك كله تعاهدنا على .

الاستمرار في المقاومة

الاستمرار بحكم الجبهة الوطنية بعد الاستفتاء:

  1. تعاهدنا على المضى في مقاومة النظام المايوي بكافة الوسائل حتى تتم الإطاحة وتصفيته ومراجعة كل التشريعات وتعديلها ووضع تشريع جديد يتماشى مع فلسفة الحكم وأهدافه وحل جميع الأجهزة السياسية التي يقوم عليها وعزل جميع العناصر المنحرفة التي دعمته وشاركت فيه ورد المظالم التي صودرت فيها الحقوق سلبا وتشريدا واعتقالا وتقتيلا .
  2. تعاهدنا على المضي في الجبهة الوطنية بعد إسقاط النظام كيانا موحدا لقيادة البلاد السياسية مؤسسا على إرادة اتحاد حرة بين القوى السياسية الوطنية مهتديا بمبادئ هذا الميثاق سليما من التحزب والشقاق والتخبط والاختلاف مبرأ من مساوئ نظام حزب السلطة الواحد.
  3. وعلى أن تنجز سلطة الجبهة الوطنية الحاكمة مهام تصفية أثار القهر والتسلط وترد للشعب حريته وسيادته وتباشر إجراءات الإنقاذ والإصلاح العاجلة في فترة لا تتجاوز عاما واحدا بعد سقوط النظام المايوي ثم يجري استفتاء شعبيا حرا يخير فيه الشعب ما بين تحويل الجبهة الوطنية من الاستمرار في الحكم لفترة خمس سنوات لإقامة نظام ديمقراطي راشد وفق بنود الميثاق المعلنة وملحقاته أو العودة إلى النظام الديمقراطي الذي يسمح فيه بتعدد الأحزاب بعد إدخال كل الضمانات والمقاومات التي تؤمن فعالية الحكم وسلامته لقد تم التفاهم بين ممثلي قوى الشعب السوداني وانعقد التعاهد على هذا الميثاق.

وها نحن اليوم نتنادي : مدنا تطلب مجتمعا موفور الخدمات مطهرا من الفوضى والعلل الإجتماعية وريفا ينشد النهضة والعمران وبادية أقعدها الجوع والعطش منحرفة للاستقرار من حياة التنقل والترحل نتنادى اليوم فئات ضاعت حقوقها النقابية وافتقدت مشاركتها الديمقراطية في بناء وطنها وتحديد مصيره .

وعمالا يطلبون سعة مجالات العمل وعدالة علاقات وحرية الحركة النقابية وطلابا يبتغون إباحة التعليم واستقراره وحريته ومزارعين يرجون ترقية الإنتاج واستيفاء الحقوق فتعوقهم سياسات الجور والفشل وموظفين وجنودا ينشدون ظروف عمل منظمة مقننة توضح الحقوق والواجبات وتوفر لهم المشاركة في مسيرة البلاد وكرامة الوظيفة وتجارا يريدون نظاما للأعمال لا فسادا ولا ارتباكا .

هنا نحن جميعا من أجل ذلك كله ومن أجل حياة فضلى ومثل عليا نتنادى إلى عهد صدق وإخلاص وفق هذا الميثاق الوطني.جهادا لباطل النظام المايوي وسعيا نحو المجتمع الإسلامي الرشيد والله ولى التوفيق .

أجازة المكتب السياسي للجبهة الوطنية
في يوم الجمعة 2 فبراير 1976م

ملحق (ب) دستور الجبهة الإسلامية

ديباجة:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الخاتم وعلى سائر المرسلين قال تعالي (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) آل عمران .

وقال تعالي : (الذين إن مكانهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور) الحج.

إن ثورة الخامس عشر من رجب الأغر المباركة جاءت تأكيدا مجددا على قوة إرادة هذا الشعب وعزمه وعلى حرصه أن يحيا حياة حرة كريمة يسود فيها حكم الشوري إذ خرج في ثورة شعبية سلمية وفي إجماع بديع يطيح بحكم الفرد الذي بسط التسلط والقهر وفرط في مصالح البلاد واستقلالها وخرب كيانها الإجتماعي والاقتصادي والذي رفع راية الإسلام ليخونها من بعد ويبطش بأهلها .

وقد كانت تلك الثورة نموذجا رائعا في توكل الشعب على الله وثقته بنصره وعبرة بالغة في إهلاك الله للظالمين واستخلاف من بعدهم في الأرض لينظر كيف يعملون .

واليوم وقد أتم الله نصره وجاءنا الفتح إن الناظر إلى أحوال الواقع يجد تركة مثقلة يشكل ملامحها اقتصادا منهارا وفسادا منتشرا وحريا في الجنوب وأوضاع سياسية واهية فالأحزاب القديمة خففت رموزها وانقطعت صلتها بالجماهير وتقلص ولاؤها منحسرا عن أقاليم السودان لاسيما الجنوب؛

وأصبحت البلاد عرضة لغزو التيارات الشاذة المنحرفة والتدخل الخارجي الخبيث واعتبارا بمصائر التجربتين الديمقراطيتين منذ الاستقلال وحتى لا تتبدد طاقات الشعب الواحد في شعاب الحزبية الضيقة وحتى لا تزيغ به الأهواء الذاتية والمصالح الشخصية أو تؤدي به مكائد قوي الشر المتربصة أو تتكالب عليه المطامع الدولية؛

وحتى لا يرتد إلى حكم استبدادي جديد فإننا نرفع الصوت عاليا ونطرح الدعوة حارة لقيام جبهة إسلامية قومية تتسع لكل أبناء السودان رجالا ونساء وشبابا مهما كانت ولاءاتهم التاريخية أو أوضاعهم الفئوية أو أقاليمهم إعلاء لقيم الفضيلة والاستقامة والطهر والعدل والشوري والأصالة والجهاد وإعمار للأرض بالخير العميم والحياة الطيبة .

من خصائص الجبهة

أولا: إنها جبهة إسلامية تقوم على أساس الإيمان الديني الذي يوحد حركة الإنسان في الحياة ويرد الأمر كله إلى الله فهي لا تصدر عن حمية قوم لا مصلحة طبقة ولا عصبية تراث ولا طاغوت قوة عادية كما لا تصدر عن شئ من شهوات الدنيا وزينتها أو من ضلالات أهواء البشر إنما هي استهداء بالوحي واعتبار بسنن الله في الطبيعة والمجتمع وخطاب للإنسان حيث كان بدواعي الإيمان ليعبد الله وحده ويرجو لقاء يوم الدين.
ثانيا: إنها جبهة شاملة تؤم أهداف الدين في مجال العلم والاعتقاد والسلوك وفي مجال الاجتماع والسياسة والاقتصاد فهي تهتم بشؤون الحياة كافة إثراء لآفاق الإنسان الثقافية وتطهيرا لعقيدته من الشرك والإلحاد وتزكية لوجدانه الروحي وتعبدا له بالشعائر والتذكير وتقويما للأخلاق والعاملات في المجتمع وترقية لأحوال المعاش وقياما بالمجاهدات السياسية في سبيل الرشد والعدل
ولا تقتصر الحركة عن شئ من ذلك بل تعني به كثيرا وتتجاوزه إلى رحاب أوسع في الاستنهاض الحضاري الشامل لأمة الإسلام لتقوم بأمانة الخلافة في الأرض وتستمد الحركة شمول أهدافها من شمول الدين التوحيدي الذي يأبي فلسفة الحضارة الغربية القائمة على عقيدة الشرك وتفتيت الحياة وحصر وظيفة الدين وتستمد من منهج الشريعة الأصيل الذي يأبي كذلك واقع مجتمعات المسلمين المتأخرين حيث تقاصر الفقه عن حركة المجتمع وحاجاته وتقلص معنى التدين .
ثالثا: أنها جبهة مترفقة في دعوتها تسعى لأهدافها بالإقناع والحسنى بالتعبئة الطوعية في حرية وسماحة وتؤمن بالإصلاح المطرد المتدرج في الأطر والمؤسسات الإجتماعية حيث يتم التحول إلى الإسلام دونما فتنة أو ضر قد يترتب على تغيير خطير مفاجئ لم تتهيأ له النفوس أو تتيسر له الأسباب ولكنها في ذلك تسعى للإصلاح الشامل المتكامل الذي يتجاوز التبعيض والترقيع ويتحلى بالالتزام الصادق الذي لا يقبل التسويف والتزييف كما تدعو بالتي هي أحسن وتؤمن بالجهاد الصابر الثائر في وجه الاستبداد الذي يريد أن يطفئ نور الله يمنع الإصلاح والخير ويكبت إرادة الشعب المسلم ويفرض الظلم والعلو والفساد في الأرض .
رابعا: أنها جبهة شورية جماعية تدعو كل عضو فيها أن يكسب كسبه من العلم والرأي ويؤدى دوره في النصح والمشاركة وتتسع لتباين المذاهب الفقهية والمشارب النفسية وألوان التعبد ودرجاته ولا تضيق بالرأي والاجتهاد الذي يثرى حركة الإسلام ولا يبدد طاقاتها ولا تحتكر الأمر لفرد أو فئة دون الجمهور .

الأهداف السياسية والدستورية:

المادة (1) تهدف الجبهة إلى سيادة الإسلام عقيدة وشريعة عقيدة تجعل السياسة عبادة لله فتحررها بالإخلاص من الصراع والطغيان وتطهرها بالمسؤولية من الإخفاق والفساد وشريعة ومنهاجا لتربية الفرد وتنظيم المجتمع وتأسيس الدولة .
المادة (2) تعمل الجبهة على الانتقال بالمجتمع حتى يستكمل كيانه السياسي الشرعي بإطراح النظم والقوانين المخالفة لنص الشريعة وروحها وتطبق تعاليمها المعطلة حتى يعلو حكم الله في منهح الأحكام ويصبح الفقه الإسلامي أم الأصول القانونية .
المادة (3) تسعى الجبهة لإقامة الحكم الإسلامي الهادف لرعاية مقاصد الدين وكفاية مصالح الناس والمؤسس على الشورى والمساواة وحق الجمهور في تقرير الشؤون العامة وفي اختيار ممثلهم من أهل الحل والعقد والقيادة والتنفيذ في ممارسة النصيحة والمحاسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تتوالى الأمة بحرية وفعالية وإخلاص .
المادة (4) من مبادئ الجبهة ألا إكراه في الدين وأن تضمن طلاقة التعبير عن الرأي وحرية الحركة والاجتماع وحصانة الدم والمال والعرض وحرمة المنزل والحياة الخاصة إلا بالحق
المادة (5) تتطلع الجبهة لتحقيق الوحدة الأكمل للشعب السوداني في ظل الإيمان بالله والاعتصام بحبله وذلك بتنظيم التفاعل والبناء بين القوى والاتجاهات وترقية الوعى السياسي حتى يتم التحرر من العصبية والعنصرية ومن ظلم الاستغلال السياسي وشطط الصراع الحزبي وحتى يرعى إخاء الإسلام وعهد المواطنة.
المادة (6) من مبادئ الجبهة ألا تتركز السلطات السياسية وذلك منعا للاستبداد ونشدانا للاستقامة والاستقرار وأن تتوخى أهلية أصحاب السلطة أمانة وكفاية وتتأكد مسؤوليتهم عن كسبهم الشخصي والرسمي مسؤولية دينية وسياسية وقضائية وذلك درءا للقصور والفساد والبغي كما يتأكد واجبهم في القيام بالأمر العام بإحسان وإخلاص وحقهم في الطاعة ما التزموا حدود المشروعية .
المادة (7) تسعى الجبهة لإشاعة العدل في علاقات الناس وتوفير المساواة أمام القانون وضمان استقلال القضاة ونزاهتهم وتيسير الإجراءات الناجزة التقاضي والتحاكم بالقسط للمواطنين على سواء .
المادة (8) تؤكد الجبهة أن القوات المسلحة والقوات النظامية جزء من صميم الشعب وتدعو الجبهة إلى أن يحسن إعدادها بالتربية الدينية إشاعة لروح الجهاد والفداء والمسؤولية وبالتثقيف والتأهيل ترقية لمستوى أفرادها وبالقوة المادية كفاية لحاجات أمن البلاد وطمأنينة المجتمع وتمكينا لها من الذود عن كرامة الأمة والدفاع عن أرضها والانتصار لعقيدتها وحتى يغدو الانتماء إليها شرفا وفخرا والموت بين صفوفها شهادة وفوزا .
المادة (9) من سياسة الجبهة ترسيخ النظام اللامركزي في حكم البلاد حتى تدار أطرافها المترامية بفعالية وحرية وشورى مبسوطة بينما يتأكد كيانها القومي في عدل ووحدة فتتناهض البلاد يثريها التباين وتوحدها الأهداف والسياسات والثقافة الجامعة .
المادة (10) من مبادئ الجبهة صيانة حقوق الكيانات الدينية غير المسلمة بما لها للبر والقسط والسماحة في المعاملات الخاصة والمساواة في الحقوق السياسية والمدنية وحرية الاعتقاد والعبادة واستقلال نظم الأحوال الشخصية والتعليم الديني.
المادة (11) تسعى الجبهة لاتخاذ سياسة خارجية تقوم على عز البلاد ووحدتها واستقلالها عن كل نفوذ وعلى عدم الانحياز إلى محاور القوى العظمي عسكريا أو سياسيا أو الخضوع لحمايتها الثقافية أو الاقتصادية وعلى حفظ المواثيق الدولية العادلة ورعاية حسن الجوار من الشعوب وحل المشكلات بالحسنى وتأسيس العلاقات والمنظمات الدولية على مبادئ العدل والتعاون والسلام .
المادة (12) تعمل الجبهة لدعم التعاون والتعاضد مع الدول المجتمعات والكيانات العربية الإسلامية في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية من جل الدفاع عن المستضعفين من المسلمين وحماية بلادهم من العدوان الصهيوني والشيوعى والغربي وتبليغ الرسالة الإسلامية ونشر اللغة العربية ودعم قوة المسلمين والعمل على تكافلهم ووحدتهم ..
المادة (13) تعمل الجبهة لتأكيد التضامن مع شعوب القارة الإفريقية ودول العالم الثالث وسائر الشعوب المستضعفة من أجل التحرر من الاستعمار والاستكبار ومكافحة الأوضاع المؤسسة على الظلم والاضطهاد السياسي من أجل العزة والنهضة للبلاد النامية .

الأهداف الاقتصادية

المادة (14) من مبادئ الجبهة تأكيد قوامة المجتمع على نظام الاقتصاد توجيها ومراقبة بما يحقق العدالة الإجتماعية بسطا للثروة بالقسط حتى لا يكون المال دولة بين الأغنياء وترشيدا للاستهلاك حتى لا يكون ترفا أو سفها .
المادة (15) تسعى الجبهة للانتقال بنظم المعاملات الاقتصادية والمالية نحو ما تهدى إليه الشريعة إبطالا للربا والاحتكار والاستغلال والضرر وسائر المعاملات المخالفة للإسلام وتطوير للبديل الإسلامي في المصارف ونظم التمويل والتأمين وأحكام التعامل التجاري والاقتصادي .
المادة (16) تهدف الجبهة إلى أن يشعر المجتمع تضامن المؤمنين وأن تكون الغاية من الإنتاج كفاية الحاجات الضرورية من العيش الكريم والصحة والمأوى والتعليم والأمن والطمأنينة من مغبة العجز والفقر والمصيبة .
المادة (17) تجتهد الجبهة لدفع النهضة بالاقتصاد الوطني بتهيئة طاقات الشعب الروحية وقوته الجماعية وتسخير العلم والتقنية حتى تكفل مصالح المجتمع العامة وصالح الأفراد في المستوى المعاشي المتبارك وذلك تحقيقا لأهداف التنمية العادلة بين الأقاليم والفئات الوافدة بحاجات الحياة المادية الحافظة لقيم الحق والخير في المجتمع والجمال في بيئة الحياة .
المادة (18) تهدف الجبهة لتوحيد حركة الاقتصاد بالتناسق في الأهداف والنظم التي يتوخاها الجهد الخاص والعام وبالحكمة في توزيع العمل الاقتصادي حيث يكون للدولة الولاية على الثروات العامة والمشروعات الإستراتيجية والمرافق الحيوية ويكون عليها رعاية سائر وجوه النشاط الاقتصادي بدعم البحوث والدراسات وتوطيد البني الأساسية وحفز الادخار والاستثمار وإشاعة نظم التعاون والاشتراك وضبط العلاقات بالكفاءة والعدل بحيث تتكامل قطاعات الاقتصاد وسياساته وتتفاعل بإيجاب واتساق ومرونة .
المادة (19) تعنى الجبهة بوجه خاص بتطوير الزراعة والصناعة وترشيد علاقات الإنتاج وحوافزه واستغلال الموارد الطبيعية للبلاد أرضها ومائها وطاقاتها وركازها حتى تؤمن حاجات الغذاء وتتبارك الطيبات وترقى الأحوال المادية والمعنوية للشعب وحتى تتحرر البلاد من أزمات الحاجات وخطر التبعية والاعتماد على الآخرين .
المادة (20) تؤكد الجبهة أن العمل أصل الكسب في الدنيا والآخرة وأنه في المجال الاقتصادي شرط لنهضة الأمة فهو واجب على كل قادر على أن لا تكلف نفسا إلا وسعها وحق لكل طالب فيما هو أهل له وتسعى الجبهة لبسط القيم والآداب الإسلامية في العمل وتنظيم علاقاته بما يضمن قوة دواعيه وإخلاص مقاصده إتقانا للأداء ورقيا للإنتاج بما يكفل الحقوق المجزية والأحوال الملائمة والشروط العادلة للعاملين .

الأهداف الإجتماعية

المادة (21) تسعى الجبهة لبث روح الدين وشعائره وآدابه ولتطهير أعراف التدين من البدع السيئة في أنماط السلوك والأوضاع الإجتماعية ولإزالة الدواعي النفسية والاجتماعية للشقاق والعصبية والمادية ولنشر دواعي التحاب والتسامح والتراحم بين الناس ولحماية تماسك البنية الإجتماعية من القطيعة والتناكر ورعاية روابط الجوار والقربي كما تسعى الجبهة لترسيخ أصول الأخلاق والقيم الفاضلة حتى تسود سنن الإسلام وآدابه العامة ويتزكى المجتمع من الإجرام والفساد والتحلل وسائر الآفات الناشئة من موروث التخلف عن الإسلام أو مجلوب الفتنة بالحضارات اللادينية .
المادة(22) تهتم الجبهة بحفظ كيان الأسرة قواما للمجتمع المعافى وذلك بتسهيل الزواج وتسير الحياة الأسرية وتقوية أصول النسب ورعاية الأمومة والطفولة وتقويم قوانين الأسرة وآدابها حتى تقوم على المعروف من الرحمة والتكافل وحسن المعشر .
المادة (23) تعنى الجبهة بأوضاع المرأة والنهوض بها ورفع الظلم الإجتماعي عنها وتمكينها من استشعار مسؤوليتها الدينية من أداء دورها العام في بناء المجتمع المسلم ووظيفتها الخاصة في إطار الأسرة ومن ممارسة حقوقها وواجباتها الشرعية وصون شخصيتها الأصيلة عما يجافى الدين في وقع الممارسات الموروثة والتقاليد الحضارية الدخيلة .
المادة (24) تهتم الجبهة برعاية الشباب وحسن إعدادهم لمهام النهضة والبناء وتربيتهم بمعاني التدين الواعى وبشتى وسائل التوجيه والرياضة والترويح حتى ينشأوا على حب الخير ويتعودوا على الإقدام والمبادرة على العمل الطوعى والجماعي .
المادة (25) تعمل الجبهة على ترشيد السياسات وتوفير الخدمات الإجتماعية بما يكفل استقرار المجتمع في ظروف حضري يسودها الأمن والطمأنينة وتكفل فيها المرافق العامة وبما يرقى حياة الأفراد تماما لصحة الإنسان وبيئته وتأمينا لسكنه ووسائل معاشه وتحقيقا لليسر والسعد في سائر أحواله كما تعمل على بث روح التعاون والتكافل في المجتمع وتكثيف النظم الصارفة لعون المحتاج والعناية بالمرضي والشيوخ ورعاية الأيتام .

الأهداف الثقافية:

المادة (26) تهدف الجبهة إلى رفع مكانة العلم وتوقير حملته وطلبته في المجتمع وإلى نشر الثقافة وبسط العلم فريضة على العباد فتتسع القدرات العقلية تفقها في الدين وإدراكا لسنن الله في الكون وتعرفا لأحوال العالم حتى يقوم الناس بتكاليف العبادة المثلى لرب العالمين .
وتتوخى الجبهة ترقية التربية وتوجيهها على أساس من الإيمان بتوحيد الله ومن وحدة أصول المعرفة حتى لا ينشأ فصام بين العلم والإيمان ولا بين العلم الشرعي والوضعي ولا بين العلم النظري وحركة الحياة وحتى يكون طلب العلم رسالة حياة شاملة من المهد إلى اللحد ويتجلى ذلك في سلوك المجتمع وواقعه .
المادة (27) تعمل الجبهة من أجل تعميم التعليم الأساسي وتوسيع مجال التدريب والتخصص وتأهيل المعلم وتطوير المنهج والوسيلة ومن أجل ثورة جادة للقضاء على الأمية والجهل ولكى يكون التعليم حرا متاحا مشاعا موصولا بحاجات المجتمع المادية وبمقاصد حياته المعنوية ومثله العليا وتعمل الجبهة للعناية بمراكز القرآن الكريم وإعمار المساجد وإحياء رسالتها .
المادة (28) تسعى الجبهة لإحداث نهضة علمية شاملة تبدل واقع التخلف والجهل بعثا لتراث الإسلام المتجدد وتكيفا لعلوم الطبيعة والاجتماع بالمنظور الديني الراشد وإشاعة لروح علمية خلقية تدعو لجلب المعرفة والتدبر ومنهجية الفكر واستغلاله والصدع بالحق والعدل وتسعى الجبهة لدفع حركة التأليف والترجمة والبحث والنشر وتيسير الإطلاع والمعرفة بكل الوسائل المتاحة ولتشجيع التبادل الثقافي تعاونا وحوارا وبلاغا إلى الإنسانية .
المادة (29) تهدف الجبهة لجعل العربية لغة التعليم في كل مراحله ولغة الخطاب في كل البلاد ولغة العلوم والحياة عامة وتعمل على إحياء تراثها وترقية دراساتها الأصولية لتكون أداة التعبير لنهضة ضارية يتوحد فيها المسلمون كافة يتفاعلون بإيجاب مع ثقافات العالم .
المادة (30) تسعى الجبهة لتطوير وسائل الاتصال العامة ولترشيد مادة الإعلام ووقعه حتى تتأكد وظيفته الإجتماعية فيؤدى دوره في التعليم وفي التربية وفي توجيه الشعب وتوحيده ونشر إشعاعه الثقافي في العالم وحتى تتأكد مسؤوليته الأخلاقية فينأى بأدائه عن الإثارة في الأخبار والزيف في الدعاية ويتوخى الجد الهداف والترويج الطاهر والعرض الأمين .
المادة (31) تعمل الجبهة على تشجيع الآداب والفنون وتفجير الطاقات والمواهب في مجالات الابتكار والإبداع المعنوي وتوجيه الأدب والفن حتى يتصل كلاهما بمقاصد الحياة المتدنية ويلتزم بمنهاجها فيؤدي دوره التربوي والاجتماعي والإنساني .

الباب الثاني

الوسائط:

المادة (32) تتوسل الجبهة بولاية السلطة السياسية والاشتراك في مؤسسات الحكم التشريعية والتنفيذية ترشيحا وانتخابا وباتخاذ القوانين والسياسات وسائر تدابير الحكم لبسط الضوابط الفاعلة حافزا ووازعا لتوجيه المجتمع وتنظيم حياته فيما يجوز ويناسب استعمال قوة السلطان .
المادة (33) تتخذ الجبهة أسلوب المبادرات الشعبية والحفلات العامة وتستعمل وسائط التعبير العام وتشارك في المؤتمرات والحشود تبليغا وبيانا للدعوة وتمكينا للحركة وسط الجماهير وتنفيذا لبرامجها في الإصلاح وفي توجيه السلطة العامة وتستعين الجبهة بعلاقات الموالاة السياسية لتحقيق المقاصد الإسلامية في الحياة العامة وتصبر الجبهة على مجاهدة القهر السياسي حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله .
المادة (34) تستعين الجبهة في خدمة أهدافها بتأسيس شتى المنظمات والمشاركة فيها وذلك كالمنظمات الشبابية والنسائية والجماعات العلمية والفنية والمساجد والمنتديات الثقافية والرياضية ومراكز الخير والتعاون والخدمة الإجتماعية ومؤسسات المال والتجارة والإنتاج الاقتصادي وسائر التنظيمات المناسبة لوظائف العمل والتعاون الإسلامي في المجتمع .
المادة (35) تتخذ الجبهة كل طرق التعبير والتأثير في سبيل البلاغ والإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سواء كان ذلك بوسائل الخطاب والمنتديات ووسائل التدوين المكتوبة والمسجلة أو وسائل العرض والفن وسائر النقل والنشر والاتصال .
المادة (36) تباشر الجبهة الدعوة إلى ملة المسلمين وتحث المسلمين على تبليغها والتبشير بهال والتعاون على ذلك إخراجا للناس من الظلمات إلى النور وبسطا لأصول الوحدة الإجتماعية في السودان مع مراعاة عهود البر والمواطنة مع غير المسلمين ومجادلتهم بالتي هي أحسن والتعاون معهم على شؤون الحياة في ظل الإيمان بالله .

الباب الثالث

الفصل الأول التنظيم

التنظيم المركزي

المادة (37) يتكون هيكل التنظيم المركزي من الأجهزة التالية
  1. المؤتمر العام.
  2. هيئة الشوري العامة.
  3. القيادة التنفيذية.
  4. الأمين العام.

المؤتمر العام:

المادة (38) يتكون المؤتمر العام بالتمثيل النسبى لعضوية الجبهة في كل أقاليم السودان وبين السودانيين بالخارج مع مراعاة تمثيل الأهليات الخاصة في العلم والعمل وذلك وفقا للائحة تصدرها هيئة الشورى العامة ويعتبر أعضاء هيئة الشورى العامة والقيادة التنفيذية أعضاء في المؤتمر .
المادة (29) ينعقد المؤتمر العام مرة كل سنتين أو كل ما دعته هيئة الشورى العامة .
المادة (40) تكون للمؤتمر السلطة العليا في الجبهة ويقر دستورها وسياستها ويوجه نظامها وعملها ويتولي انتخاب هيئة الشورى العامة كما يتولى انتخاب الأمين العام ويجوز له عزله وتكون قراراته ملزمة لجهاز الجبهة وأعضائها كافة .
(ب) يراجع المؤتمر العام نشاط الجبهة في الفترة السابقة لانعقاده في ضوء تقرير مكتوب يقدمه الأمين العام كما ينظر في موجهات السياسة العامة للدورة المقبلة .

هيئة الشوري العامة:

المادة (41) تتكون هيئة الشوري العامة من ثلاثمائة عضو من بينهم الأمين العام .
(ت‌) تتولى المؤتمرات الإقليمية اختيار ممثلي الأقاليم والعاصمة والمغتربين.
(ث‌) يعتمد المؤتمر العام عضوية ممثلى الأقاليم والعاصمة والمغتربين ويتولى اختيار الأعضاء القوميين وذلك في حدود الثلثين .
(ج‌) يتولي الأعضاء المنتخبون ضم الثلث الباقي بالانتخاب .
المادة (42) تكون دورة هيئة الشورى العامة سنتان .
(ت‌) تنعقد اجتماعات هيئة الشورى العامة مرة كل 3 أشهر أو بدعوة من القيادة التنفيذية .
(ث‌) المادة (43) تكون هيئة الشورى العامة السلطة العليا في قيادة وتوجيه الجبهة بعد المؤتمر العامة ولها صلاحية إجازة خطط الجبهة وسياستها ولوائحها .
(ج‌) تتولي هيئة الشورى العامة انتخاب القيادة التنفيذية .
المادة (44) القيادة التنفيذية تتكون القيادة التنفيذية من المكتب السياسي ومكتب الدعوة والمكتب الإداري ويرأسها الأمين العام وتعمل هذه المكاتب مستقلة وتكون دورتها سنتان .
المادة (45) المكتب السياسي يتكون المكتب السياسي من الأمين العام وما لا يزيد عن ثلاثين عضوا تنتخبهم هيئة الشورى العامة .
(ت‌) يتولى المكتب السياسي اقتراح الخطط السياسية والاقتصادية وتنفيذ المواقف الجارية وفقا للنهج السياسي الذي تجيزه الأجهزة الأعلى ويكون مسئولا عن رعاية علاقات الجبهة بالقوى السياسية الأخرى وبمؤسسات الحكم بالداخل والعلاقات الخارجية .
المادة (46) مكتب الدعوة:
(أ‌) يتكون مكتب الدعوة من الأمين العام وما لا يزيد عن عشرين عضوا تنتخبهم هيئة الشورى العامة .
(ب‌) يتولي مكتب الدعوة مهام التخطيط والتنفيذ لبرامج الجبهة الثقافية والاجتماعية ومناشطها في أواسط الشباب والنساء .
المادة (47) المكتب الإداري:
(أ‌) يتكون المكتب الإداري من أمين عام وما لا يزيد عن عشرين عضوا تنتخبهم هيئة الشورى العامة .
(ب) يتولى المكتب الإداري إنشاء ورعاية تنظيمات الجبهة الدينية وشؤون عضويتها العامة وسائر الشؤون المالية والإدارية .
المادة (48) الأمين العام
(أ‌) يتولي المؤتمر انتخاب الأمين العام وتكون دورته سنتان .
(ب‌) يقوم الأمين العام على القيادة التنفيذية ويكون الممثل والناطق الرسمي باسم الجبهة وله أن يشكل مكتبا فنيا لمعاونته في أداء مهامه .

التنظيم اللامركزى:

المادة (49) تقوم تنظيمات لا مركزية للجبهة على مستوى العاصمة والأقاليم فالمناطق فالمدن فالأرياف فالأحياء والقرى .
المادة (50) تتكون قيادة الجبهة بالعاصمة والأقاليم على النحو التالي .
(أ‌) مؤتمر العاصمة أو الأقاليم ويضم ممثلين لتنظيمات الجبهة الأدنى وفروعها ومنظماتها على مستوى العاصمة أو الأقاليم .
(ب‌) هيئة شورى العاصمة والأقاليم ينتخب المؤتمر ثلثيها ويضم الأعضاء المنتخبون الثلث الباقي عن طريق الانتخاب التكميلي .
(ت‌) القيادة التنفيذية للعاصمة أو الأقاليم يتم انتخابها بواسطة هيئة الشورى وتتولي مجتمعة كل وظائف السياسة والدعوة والتنظيم والإدارة على مستوى العاصمة والأقاليم .
(ث‌) تتولى هذه الأجهزة على مستوى العاصمة أو الأقاليم السلطات أو الصلاحيات التي تباشرها الأجهزة المركزية للجبهة .
المادة (51) تتكون تنظيمات الجبهة وفروعها في المناطق والمدن والأرياف والأحياء والقرى وفقا للوائح التي يصدرها مؤتمر العاصمة أو الأقاليم باقتراح من هيئة الشورى تتولى الوظائف والمهام حسبما تبينها تلك اللوائح.
المادة (52) تقوم تنظيمات الجبهة بين المغتربين السودانيين حسبما تقرره المؤتمرات الفرعية التي تنعقد وفق لائحة تصدرها القيادة التنفيذية للجبهة .
المادة (53) العضوية.
(أ‌) يدعى إلى عضوية الجبهة ويقبل كل فرد أو هيئة أو جماعة توافق على الأهداف والوسائل المقررة في هذا الدستور وتلتزم بالخطط والبرامج والمقررات الصادرة من أجهزة الجبهة .
(ب‌) تضع أجهزة الجبهة المختصة نظما للعضوية تحدد الالتزام المقرر على العضو في الدعوة أو المجاهدة أو التربية أو الإسهام المالى ويتعين على العضو أن يؤدي واجبه في دفع العمل الإسلامي وأن يعمر صلته بالجبهة ويرعى أمانته وعهدها ويلتزم بنظمها وقراراتها .
(ت‌) لا يشترط في الحصول على عضوية الجبهة أن يتخلى الفرد أو الجماعة طالبة العضوية في أى مناهج تربوية أو آداب في السلوك أو الذكر أو الولاء الخاص ما دام ذلك يوافق الكتاب والسنة ويندرج في الولاء العام لحركة الإسلام في الجبهة .
(ث‌) يمكن لغير المسلم أن يشترك في مناشط الجبهة وفقا لالتزامه لأهداف الجبهة ووسائلها العملية كما هو مقرر في هذا الدستور.
المادة (54) المالية تتكون مالية الجبهة من الموارد التالية.
(أ‌) اشتراكات الأعضاء .
(ب‌) التبرعات والهبات والصدقات .
(ت‌) عائد الاستثمارات .
(ث‌) أى موارد أخرى موافقة للشرع وغير مخالفة لقوانين البلاد المادة (55) اللوائح:
(ج‌) أن عدا ما هو منصوص عليه في مواد هذا الدستور تختص القيادة التنفيذية بوضع لوائح تضبط حركة الجبهة وتفعل هيكلها وعلاقاتها وشروط الأهلية لتولى الأمر فيها .
(ح‌) تنفذ أحكام تلك اللوائح بإجازتها في هيئة الشورى العامة.
المادة (56) تعديل الدستور تعدل نصوص هذا الدستور بموافقة أغلبية الأعضاء الحاضرين في المؤتمر العام باقتراح من هيئة الشورى العامة .

ملحق (ج) الجبهة الإسلامية القومية ميثاق السودان

الوطن:الوحدة والتباين

أولا:الملة الدينية والوطن

الشعب:

(أ‌) السوادنيون شعب واحد
شعب يتحد بقيم التدين والإنسانية الجامعة وبروابط التعايش والتوالي والمواطنة .
ويتباين بتعدد ملله وثقافاته الدينية .
(ب‌) السواد الأعظم لأهل السودان متدينون فتراعى في السودان المبادئ التالية من أجل كرامتهم ووحدتهم:
توفير الاعتقاد الديني وحق التعبير عن التدين في مجالات الحياة كافة فلا كبت لأصل التدين ولا عزل للدين في أى جانب من الحياة .
حرية اختيار الدين والعبادة وحمة الشعائر والمرافق الدينية فلا إكراه في خيار الملة الدينية ولا حظر لأى صورة من العبادة الدينية .
البر والقسط والمساواة والسلام بين مختلف المتدينين فلا يتكايدون و لا يتظالمون بالأقوال أو الأعمال ولا ضرار في الدين فلا تثار الشحناء أو يفرض الطغيان أو يبسط العدوان بين أفراد المتدينين أو طوائفهم .
(ج‌) المسلمون هم العدد الأغلب لسكان السودان:
المسلمون دينهم هو التوحيد في الحياة ولا يرضون دينا بمذهب العلمانية اللادينية السياسية ولا يقبلون ذلك المذهب سياسة ولا يرونه مذهب مساواة أو جيرة إذ يضربهم ويحرمهم من التعبير الكامل عن شرعيتهم في الحياة العامة بينما لا يضر بأصحاب العقائد الدينية التي تقصر الدين على الحياة الخاصة أو الأخلاق وحدها ولا يعرفون ذلك المذهب تاريخيا لأنه ثمرة تجربة أوروبية غربية خالصة ونتيجة صراع بين الكنيسة المسيحية واللادينيين في السياسة والعلم والاقتصاد فهو من ثم لا يناسب عبرة تطورات تاريخهم أو اتجاه تراثهم الحضاري
فللمسلمين إذا حق مشروع يحكم خيارهم الدينى وبمقتضي وزنهم الديمقراطي أو بموجب العدالة الطبيعية أن يعبروا عن أحكام دينهم وقيمه لكل مداهة في شؤون الشخص والأسرة والمجتمع والدولة .
(خ‌) في السودان عدد كبير من أولي الديانات الأفريقية وعدد مقدر من المسيحيين وعدد قليل من اليهود .
هؤلاء لهم مللهم الخاصة ولا يؤمنون بالإسلام فلا ينبغي أن يكرهوا أو يضاروا في دينهم لمجرد كونهم أقل عددا ذلك بحكم ملتهم الدينية وبموافقة الشريعة الإسلامية وبمقتضي الحقوق الأساسية للناس كافة في الحرية والمساواة فلغير المسلمين إذا أن يعبروا عن قيم دينهم لأى مدى تقتضي بهم ملتهم في حياة الفرد أو الأسرة أو المجتمع .

(1) الدولة:

الدولة شأن مشترك لكل المتدينين والمواطنين في السودان فهى تراعى المبادئ التالية:

(أ‌) في مجال الحرية والمساواة:
  1. أن تتاح حرية العقيدة والعبادة للجميع في إطار من سيادة الحرية جميعا وعلوية الدستور وحكم القانون والحكومة النيابية المسؤولية قضائيا وسياسيا ودينيا .
  2. تكفل خصوصية الإنسان وحرمة شؤونه الشخصية غير الظاهرة فلا تمسه السلطة العامة يتدين من شاء بما شاء .
  3. لا يجرم شخص عن فعل أو ترك يقضي دينه بأن ذلك الفعل أو الترك من الواجبات أو الشعائر الدينية المقررة .
  4. لا يحرم شخص قانونا من تولي منصب عام لمجرد إنتمائه لملة دينية معينة على أن التدين عامة من حيث هو عنصر استقامة شخصية يمكن أن يراعى في الاختيار .
  5. تكفل حرية الحوار والدعوة والتبشير الديني وفق تنظيم يضمن السلام الاجتماعي والتوقير لمشاعر التدين عند الآخرين .

في مجال القانون:

تطبق الدولة نظاما قانونيا عاما يراعى اتجاه الأغلبية المسلمة كاملا كما يراعى اتجاه غير المسلمين فحينما اتسقت الاتجاهات الشعبية كان ذلك الإجماع الوطني هو قاعدة القوانين والسياسات وحينما تباينت يحاول الإفساح للتعبير عنها جميعا على منهج من المؤازرة والمساواة أما في الشؤون المشتركة
حيث لا يمكن إلا اعتماد خيار أو نظام واحد فيحتكم إلى اتجاه الأغلبية الديمقراطية مع احترام حق الأقلية في التعبير فلا يلتزم السودان بمبدأ مركزية القانون أو شموله المطلق (فقد ظل أهله محكومين بنظم شتى شرعية ومدنية وعرقية تطبق حسب الشخص أو الموضوع أو المحل) ويمكن ضبط سيران بعض القوانين حسب المكان أو الشخص المعنى بحيث يقوم نظام عام بتناسخ معه نظام شخصى ونظام لا مركزي .
(1) تكون الشريعة مصدر التشريع بوجه عام
  1. فهي التعبير عن إرادة الأغلبية الديمقراطية .
  2. وهي موافقة لقيم الملل الكتابية عموما وتكاد تكون كل أحكامها القانونية مطابقة للقيم الشرعية الأخلاقية التي وردت في تلك الملل .
  3. وهي تراعى أصولها مبادئ العدالة الفطرية وأعراف المجتمع السليمة .
  4. وهي تراعى تعيينيا مبادئ الحرية والمساواة الدينية على الوجه الذي تقدم ذكره وتسع بالتباين القانوني الجزئي بحسب ملة الأشخاص أو غلبة وجودهم في إقليم ما على التفصيل الذي يتلو ذكره .
(2) تكون أحكام الأسرة شخصية لأنها نظم سلوك وثيقة الصلة بخصوصية الاعتقاد الدينى الشخصي ولأنه يمكن عمليا فيها أن يطبق نظام قانوني تعددى بالرجوع إلى خصوص ملة الأطراف في وحدة اجتماعية محدودة مستقرة هكذا تكفل خصوصية الأسرة وحرمتها الدينية والثقافية .
  1. فلكل والد أن ينشئ ولده على الدين الذي يرتضيه وتكفل حرية التعليم الدينى ومؤسساته الخاصة .
  2. تستنبط أحكام الزواج والعشرة والطلاق والوالدية والبنوة والميراث من تعاليم ملة الزوجين فتطبق على المسلمين أحكام الشريعة الإسلامية وتطبق على ذوى الملل الكتابية أحكام دينهم حسب طائفتهم وتطبق على ذوى الملل المحلية الأعراف الخاصة بهم ويخير من يريد أن يحتكم إلى قوانين الشريعة في ذلك من هؤلاء وغيرهم .
(3) تكون بعض الأحكام القانونية محلية السريان اعتبارا لإرادة دينية غالبة في منطقة الإرادة الدينية الغالبة في الوطن إجمالا وفي أمور يمكن أن يرد فيها الاستثناء من السريان العام للنظام القانوني لا نزولا على الإرادة الشخصية للفرد أو الأسرة بل تغليبا فيها للاتجاه العام في المنطقة ففي هذه الأمور يمكن أن تنشأ أحكام محلية خلافا للقانون العام ووفق إرادة الأغلبية المحلية وتخضع أى أقلية هناك لحكم الديمقراطية .
فلكل سلطة تشريعية في إقليم غالب سكانه من غير المسلمين أن يستثنى الإقليم من السريان العام للقوانين القومية بالنسبة لأى حكم تجريمي أو عقابي يكون مصدره المباشر الوحيد هو نص في الشريعة الإسلامية يخالف الثقافة المحلية وأن يسن مكانه أو قانون يراعي العرف أو الدين الغالب في الإقليم .
(4) يكون الأصل في سائر القوانين أن تسري عبر الوطن عموما على الأشخاص والأقاليم إلا قيدا يرد من نظام العلاقات الدستورية اللامركزية أو من وجه آخر في نص القانون .

ثانيا:الأصل والوطن

السودان وطن واحد.

يتحدث شعبه بولاء وطنى قومي .

لكنه يتباين بأصوله العرقية وكياناته العرفية والثقافية والمحلية ويختلط فيه عرق عربي وعرق أفريقي تتمازج ثقافة عربية وأخرى أفريقية وفيه تداخلات من عروق وثقافات أخري .

تحترم الأصول والوشائج العرقية والقبلية وترعى أعراف التعامل والتعاون الخاص في الإطار القبلي والمحلي لكن العروق أوضاع طبيعية لا كسب للإنسان فيها فلا تصلح أساسا للتمييز بين الناس أو المواطنين في المعاملات السياسية والاجتماعية أو القانونية العامة كما لا يسمح بالتعبير عن التقاصر أو التعصب أو الشقاق على أساس العنصر .

تحترم الثقافات المحلية المتباينة لغات ،تراث ،أنماط حياة ،ويتاح لها حرية التعبير والتطوير بغير جنوح لإثارة الشقاق بين المواطنين ولا تعويق لحركة الحوار والتفاعل العفوى بين الثقافات الفرعية نحو بناء أصول ثقافية إنسانية ولا مساس بمناهج التعليم القومي أو بمكانة اللغة القومية أو الرسمية .

تراعي الدولة في تعبيرها وسياستها الداخلية والخارجية اعتبار ثقافاتها المختلفة وتلاحظ في علاقاتها الخارجية مشاعر الانتماء الثقافي والجوار الجغرافي لمختلف سكان السودان فلا تسمح مثلا في التعبير الإعلامي أو السياسة الإسكانية بالتمييز بين المواطنين لأصولهم المختلفة ولا تجنح في سياستها الخارجية لإعمار العلاقات العربية دون الأفريقية

ثالثا:الإقليم والوطن:

السودان دولة واحدة .
ويتحد شعبها في ولاء سياسي مركزي
تستقل بسيادتها الوطنية .
لكنها تتباين بأقاليمها المتباعدة التي تسكنها كيانات اجتماعية متباينة وتقوم فيها محليا حاجات وظروف ومستويات من الحياة مختلفة .
تستعدى طبيعة السودان عموما مزيد جهد قومي لتركيز وحدة البلاد وتعزيز الولاء القومي الواحد كما تستدعى في إدارة الحكم مراعاة التباعد الإقليمي والتباين الاقتصادي والاجتماعي فاعتبار لذاتية الأقاليم وسكانها ذوى الحاجات والحالات والثقافات الخاصة ولعسر إدارة الأقاليم وتنميته من مركز واحد تقوم في السودان أقاليم شتى متمايزة تحكم ذاتيا في بعض شؤونها وتندرج بسوى ذلك في حكم البلاد القومي .
وتقديرا لذات الاعتبارات ينبغي أن تضم قيادات الحكم المركزية عناصر من كل الأقاليم وأن تشكل أجهزة الحكم على أساس التركيب والتعددية لاستيعاب هذا التمثيل ويلاحظ بقدر الإمكان بعض التوازن الجهوى في مرافق الخدمة العامة وفي شتى مؤسسات الحكم والإدارة القومية
واعتبارا لوحدة البلاد يحفظ النظام الدستوري القومي وحدة السلطات الوطنية التي لا قوام للوطن الواحد المستقل إلا بها والتي تلزم لدفع نهضة الوطن التنموية أو لمواجهة حالات الأزمات الوطنية وتحفظ القوانين والسياسات العامة وحدة الساحة الوطنية بتيسير الاتصال والنقل وحرية سريان الأشخاص والمعلومات والسلع عبر الأقاليم من أجل تلاحم أوثق ووحدة أتم بين الشعب كله.
يقوم نظام الحكم الذاتي الإقليمي الذي ساد في الجنوب بمقتضي اتفاقية الحكم الذاتي أوائل السبعين وبالنص الدستوري وفي الشمال منذ تطبيقه لأوائل الثمانين على تخويل السلطات الإقليمية حق المبادرة التشريعية والاستقلال التنفيذي في مجال شؤون معينة ولكن دون كف السلطات المركزية عن ذات المجال بل أن تشريعاتها ذات المدى المطلق تسود على أى تشريعات إقليمية .
أما النظام الاتحادي الفدرالي فإنه يخول للأقاليم المتحدة شؤونا أوسع من حيث المدى لتدابيرها وهذا هو الأهم حصانة من تدخل السلطات المركزية بالمشاركة أو النسخ إلا في أى شأن ينص على كونه مشتركا .
ونظرا لمدى الاستقلال الذاتي ودرجته في النظام الاتحادي فإنه يستلزم تهيئة بنى أساسية وافية من مرافق مادية وفعاليات بشرية ويستصحب ترتيب مقومات مالية كافة تتحول أو تحول للأقاليم وقد لا يتم ذلك إلا عبر مراحل تمهيد وتدرج وانتقال تقدر تقديرا .
وقد يدعو التقدير المفصل لشتى سلطات الحكم وعلاقاته في السودان إلى اختيار نظام مركب من عناصر إقليمية وأخرى يضاف إلى اللامركزية قدر من نظام اللاتركيز وهو نهج إداري يوسع فقط التفويض الإداري إلى فروع مصلحية إقليمية مع مركزية تامة في الإشراف السياسي .
ومن الوظائف الأساسية التي تحتفظ عادة للمركز ليباشرها بتركيز أو بلا تركيز إداري الدفاع والأمن الوطني والعلاقات الخارجية والجنسية والهجرة والأجانب وسائل الاتصال النظام القضائي والتشريعات الجنائية والمدنية العامة النظام والمؤسسات المالية التجارة الخارجية والعابرة الثروات الطبيعية والنهرية والجوفية ،الفضائية والخطوط والسياسات التعليمية والاقتصادية العامة ... الخ .
من الوظائف التي تحفظ للأقاليم لتبادر بتنظيمها على النظام الإقليمي او لتستقل بها على النظام الاتحادي الإدارة والأمن المحلي الحكم المحلي الثقافة والشؤون الإجتماعية ،السياحة ،التعليم والصحة ،والخدمات الإقليمية ،الزراعة ،الصناعة ،التجارة بالإقليم ... الخ ويمكن أن تكون بعض هذه الوظائف أو سائر ما تبقي من سلطات موردا يشترك فيه المركز والإقليم .
على أن يرتب نظام قسمة للأراضي بين المركز والإقليم وللضرائب الداخلية ونظام اشتراك في المشروعات الكبرى الاقتصادية وفي تنظيم المهن والمعاهد العليا ونحو ذلك.
وعلى أن تضمن حرية الحركة والاتصال والانتقال للمعلومات والأشخاص والسلع عبر الأقاليم وحصانة الأراضي والمشروعات والمرافق والعاملين مما يتبع لأى سلطة من تدخل سلطة أخري .
وعلى أن يتخذ نظاما مضبوطا للطوارئ يسمح للسلطات القومية بتجاوز الحدود والمعادلات المعتادة للسلطة بقدر الضرورة " الحروب ،الكوارث ،الانهيارات الدستورية" .
وعلى أن يتخذ نظام المشاركة الأقاليم في تعديل الدستور في أى شأن يتصل بأوضاعها القانونية .
ويمكن تأكيد مراعاة الإقليمية في بناء الأجهزة المركزية التي تضع السياسات القومية وقد لا يناسب تقاليد السودان السياسية وقدراته المالية ازدواج الهيئة التشريعية لا سيما أن النواب القوميين يمثلون بالفعل دوائر إقليمية .
أما القيادة التنفيذية فقد يفضل النظام البرلماني لأنه يقوم على التعددية في السلطة التنفيذية ويسمح بمراعاة أى أعراف يتعارف عليها في التمثيل أو التوازن الإقليمي ويمكن مراعاة توازن الحضور الإقليمي في أى مجالس استشارية أو لجان دائمة تؤسس في كنف السلطة التنفيذية بل في الخدمة العامة أيضا .
الجبهة الإسلامية تري أن يتخذ النظام الاتحادي دستورا للعلاقات اللامركزية في السودان بالنسبة لكل الأقاليم مع أى معادلات فرعية فيه بالنسبة لبعضها وعبر برنامج انتقالي متدرج .

(ب) قسمة الثروة :

نظرا لواقع التفاوت البعيد في مستوى الأقاليم الاقتصادي ومن أجل تكامل النهضة الاقتصادية في البلاد بحيث لا ينبغي لإقليم أن يستأثر بالثروات الطبيعية فيه أو أن يحرم الحكم القومي من مستلزمات القيام بالشأن الوطني العام أو يترك إقليما متخلفا جدا عن سائر القطر وبحيث لا ينهض إقليم إلا انبسطت آثار نهضته على الوطن عامة دعما لإيرادات الدولة القومية وتجنبا للهجرة وتكثيفا للتبادل عبر الساحة والسوق الوطني .
  1. تتخذ الدولة خطة شاملة للتنمية الاقتصادية تدفع التقدم عامة وتستدرك التوازن التنموى والإقليمي من خلال توجيه المشروعات الاقتصادية وتشجيعها وتوزيعها نحو القطاعات والمناطق المتخلفة .
  2. تراعى الدولة في تحويلات الموارد القومية لدعم الأقاليم عدد السكان النسبي وقابلية التوظيف وتراعى أيضا إيثار الأقاليم الأكثر تخلفا حتى تلحق بركب النمو.
  3. يراعى في تكوين الأجهزة الاقتصادية والتخطيطية تمثيل الأقاليم أو التوازن الإقليمي .
  4. يشجع أفراد القطاع الخاص ومؤسساته لتكثيف المبادرات الاقتصادية في المناطق الأكثر تخلفا ويراعي ذلك في نظم التسهيلات الإدارية والتمويلية والضرائبية .

تجتهد الدولة لوصل أقاليم السودان جميعا بالطرق ووسائل النقل والاتصال لتنبسط الحركة الاقتصادية في الساحة الوطنية بطلاقة واستواء .يحفظ لكل منطق تكون موقعا لمشروع قومي حظا مناسبا من الفرص العائدات التي يتيحها المشروع دون إضرار بالحظ العادل للدولة عامة في الفرص والثروات القومية .

رابعا:السلام والانتقال والدستور:

في سبيل السلم والاستقرار يحسن أن نقدم أولا القضايا الموضوعية التي هى محور الخلاف التاريخي بين أهل السودان وتحسم حوارا وجهادا ووفاقا ثم يعرج من بعد على التدابير الإجرائية اللازمة لإخراج الوفاق السياسي في الواقع وأهم ما في هذه التدابير التواضع على منهج انتقالي ينظم مصير المؤسسات السياسية الحالية ومصير شتى القوى الوطنية من حيث المشاركة في نظام الحياة العامة .
يتبلور الوفاق السياسي ويتقرر منهج تنفيذه من خلال مؤتمر دستوري جامع توضع مقرراته القانونية بين يدى السلطة التأسيسية لاعتمادها في صلب الدستور الدائم أو صياغتها في قوانين مناسبة وتعتمد سائر مقرراته السياسية في ميثاق وطني .
يقوم كيان قومي مرضي من جميع الأطراف يتولي التحضير للمؤتمر بإعداد الدراسات والأوراق وبتوجيه الدعوة للمؤتمر والإشراف على تدابير إخراجه وتتولي إدارة حكومية إدارة الأعمال الفنية والتنفيذية اللازمة تحت إشراف الكيان القومي المذكور.
تقوم شتى القوى السياسية بإجراء المشاورات والاتصالات التمهيدية اللازمة لتقريب المواقف ووجهات النظر ولتهيئة المناخ السياسي لتأمين نجاح المؤتمر .
تشارك في المؤتمر كل قوة سياسية وطنية مهما كان وزنها النسبي وسواء كانت أو لم تكن مشاركة أو قابلة للحكومة أو لنظام الحكم القائم وتعمل داخل البلاد أو خارجه ويمكن أن يدعى لحضور المؤتمر مراقبون من الدول الأفريقية والمنظمات الإقليمية والأمم المتحدة.
يفصل المؤتمر في كل القضايا الجوهرية المتعلقة بنظام الحياة العامة في السودان وخاصة عدالته باعتبار اختلاف الملة الدينية والهوية الثقافية

ملحق (د) البيان الأول للإنقاذ

أيها الشعب السوداني الكريم إن قواتكم المسلحة المنتشرة في طول البلاد وعرضها ظلت تقدم النفس والنفيس حماية للتراب السوداني وصونا للعرض والكرامة وتترقب بكل أسي وحرقة التدهور المريع الذي تعيشه البلاد في شتى أوجه الحياة؛

وقد كان من أبرز صوره فشل الأحزاب السياسية بقيادة الأمة لتحقيق أدنى تطلعاتها في الأرض والعيش الكريم والاستقرار السياسي حيث عبرت على البلاد عدة حكومات خلال فترة وجيزة وما يكاد وزراء الحكومة يؤدون القسم حتى تهتز السياسية زلزل الاستقرار وضيع هيبة الحكم والقانون والنظام.

أيها المواطنون الكرام لقد عايشنا في الفترة السابقة ديمقراطية مزيفة ومؤسسات دستورية فاشلة وإرادة المواطنين قد تم تزييفها بشعارات براقة مضللة وبشراء الذمم والتهريج السياسي ومؤسسات الحكم الرسمية لم تكن إلا مسرحا لإخراج قرارات إساءة ومشهدا للصراعات والفوضى الحزبية وحتى مجلس رأس الدولة لم يكن إلا مسخا مشوها أما رئيس الوزراء قد أضاع وقت البلاد وبدد طاقاتها في كثرة الكلام والتردد في السياسات والتقلب في المواقف حتى فقد مصداقيته .

أيها المواطنون الشرفاء

إن الشعب مسنود بانحياز قواته المسلحة قد أسس ديمقراطية بنضال ثورته في سبيل الوحدة والحرية ولكن العبث السياسي قد أفشل التجربة الديمقراطية وأضاع الوحدة الوطنية بإثارة النعرات العنصرية والقبلية حتى أبناء الوطن الواحد السلاح ضد إخوانهم في دار فور وجنوب كردفان علاوة على ما يجرى في الجنوب من مأساة وطنية وإنسانية .

مواطنة الأوفياء ..

إن عداوات القائمين على الأمر في البلاد في الفترة المنصرمة ضد القوات المسلحة جعلتهم يهملون عن قصد إعدادها لكى تقوم بواجبها في حماية البلاد قد ظلت قواتكم المسلحة تقدم إرتالا من الشهداء كل يوم دون أن تجد من هؤلاء المسؤولين أدني الاهتمام في الاحتياجات أو حتى الدعم المعنوى لتضحياتها مما أدي إلى فقدان العديد من المواقع والأرواح حتى أضحت البلاد عرضة للاختراقات والأنسلاب من أطرافها العزيزة هذا في الوقت الذي تشهد فيه اهتماما ملحوظا بالمليشيات الحزبية .

أيها المواطنون الكرام ..

وكما فشلت حكومات الأحزاب السياسية في تجهيز القوات المسلحة لمواجهة التمرد فقد فشلت أيضا في تحقيق السلام الذي رفعته الأحزاب شعارا للكيد والكسب الحزبي الرخيص حتى اختلط حابل المخلصين بنابل المنافقين والخونة وكل ذلك يؤثر سلبا على قوتكم المسلحة في مواقع القتال وهي تقوم بأشرف المعارك ضد المتمردين ولا تجد من الحكومة عونا على الحرب أو السلام هذا وقد لعبت الحكومات بشعارات التعبئة العامة دون جد أو فعالية .

مواطنى الشرفاء ..

لقد تدهور الوضع الاقتصادي بصورة مزرية وفشلت كل السياسات الرعناء في إيقاف هذا التدهور ناهيك عن تحقيق أى قدر من التنمية فازدادت حدة التضخم وارتفعت الأسعار بصورة لم يسبق لها مثيل واستحال على المواطنين الحصول على ضرورياتهم إما لانعدامها أو الارتفاع أسعارها مما جعل كثيرا من أبناء الوطن يعيشون في حافة المجاعة
وقد أدى التدهور الاقتصادي إلى خراب المؤسسات العامة وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية وتعطل الإنتاج وبعد أن كنا نطمح أن تكون بلادنا سلة غذاء العالم أصبحنا أمة متسولة تستجدي غذاءها وضرورياتها من الخارج الحدود
وانشغل المسئولون بجمع المال الحرام حتى عم الفساد كل مرافق الدولة وكل هذا مع استشراء التهريب والسوق الأسود مما جعل الطبقات الإجتماعية من الطفيليين تزداد ثراء يوما بعد يوم بسبب فساد المسؤولين وتهاونهم في ضبط الحياة والنظام . أيها المواطنون الشرفاء
لقد امتدت يد الحزبية والفساد السياسي إلى الشرفاء فشردتهم تحت مظلة الصالح العام مما أدى إلى انهيار الخدمة المدنية وقد أصبح الولاء الحزبي والمحسوبية والفساد سببا في تقدم الفاشلين في قيادة الخدمة المدنية وأفسدوا العمل الإداري وضاعت على أيديهم هيبة الحكم وسلطان الدولة وصالح القطاع العام .

مواطني الكرام...

إن إهمال الحكومات المتعاقبة على الأقاليم أدى إلى عزلها عن العاصمة القومية وعن بعضها في انهيار المواصلات وغياب السياسات القومية وانفراط عقد الأمن حتى افتقد المواطنون ما يحميهم ولجأوا إلى تكوين المليشيات وكما انعدمت المواد التموينية في الأقاليم إلا في السوق الأسود وبالأسعار الخرافية ...

أيها المواطنون ..

لقد كان السودان دائما محل احترام وتأييد من كل الشعوب والدول الصديقة كما أنه اليوم أصبح في عزلة تامة والعلاقات مع الدول العربية أضحت مجالا للصراع الحزبي وكادت البلاد تفقد كل أصدقائها على الساحة الأفريقية؛
وقد فرطت الحكومات في بلاد الجوار الأفريقي حتى تضررت العلاقات مع أغلبها وتركت لحركة التمرد تتحرك فيها بحرية مكنتها من إيجاد وضع متميز أتاح لها عمقا استراتيجيا تنطلق منه لضرب الأمن والاستقرار في البلاد حتى أنها أصبحت تتطلع إلى احتلال موقع السودان المنظمات الإقليمية والعالمية وهكذا انتهت علاقات السودان من العزلة مع العرب والتوتر مع أفريقيا إزاء الدول الأخرى ..

أيها المواطنون الأوفياء ..

إن قواتكم المسلحة ظلت تراقب كل هذه التطورات بصبر وانضباط ولكن شرفها الوطني دفعها لموقف إيجابي من التدهور الشديد الذي يهدد الوطن واجتمعت كلمتها خلف مذكراتها الشهيرة التي رفعتها منبهة من المخاطر ومطالبة بتكوين الحكم وتجهيز المقاتلين للقيام بواجبهم ولكن هيئة القيادة السابقة فشلت في حمل الحكومة على توفير الحد الأدنى لتجهيز المقاتلين؛
واليوم يخاطبكم أبناؤكم في القوات المسلحة وهم الذين أدوا قسم الجندية الشريفة ألا يفرطوا في شبر من أرض الوطن وأن يصونوا عزتهم وكرامتهم وأن يحفظوا للبلاد مكانتها واستقلالها المجيد وقد تحركت قواتكم المسلحة اليوم لإنقاذ بلادنا العزيزة ن أيدي الخونة والمفسدين لا طمعا في مكاسب السلطة بل تلبى لنداء الواجب الوطني الأكبر في إيقاف التدهور المدمر ولصون الوحدة الوطنية من الفتنة السياسية وتأمين الوطن وانهيار كيانه وتمزق أرضه ومن أجل إبعاد المواطنون من الخوف والتشرد والجوع والشقاء والمرض .
قواتكم المسلحة تدعوكم أيها المواطنين الشرفاء للالتفاف حول رايتها القومية ونبذ الخلافات الحزبية والإقليمية الضيقة تدعوكم للثورة معها ضد الفوضى والفساد واليأس من أجل إنقاذ الوطن من أجل استمراره وطنا موحدا حرا كريما .. عاشت القوات المسلحة حامية كرامة البلاد.. عاشت ثورة الإنقاذ الوطني .. عاش السودان حرا مستقلا ..والله أكبر والعزة للشعب السوداني الأبي .

ملحق (هـ) تأصيل علاقة الدين بالدولة

رؤية مستشارية التأصيل

مقدمة

لقد انطلقت الحكومة في محادثاتها مع حركة التمرد في ظل وساطة الإيقاد من رؤية تأصيلية راشدة حول علاقة الدين بالدولة فلم تفرط في خيارها الحضاري الإسلامي بمبادئه وأصوله ثم كفلت حقوق المواطنة كاملة للمواطنين من غير المسلمين فأقامت بهذا الموقف الراشد الوزن بالقسط
وذلك وفق اجتهاد جماعي يستمد من أصول الإسلام المعالجة العلمية لمستجدات الواقع وهذا هو المقصد الأساسي لحركة التأصيل التي امتدت آفاقها إلى شؤون الحياة العامة وإلى مناشط الدولة والمجتمع كافة وبهذه الرؤية التأصيلية تشارك مستشارية التأصيل في دعم رؤية الحكومة لهذه القضية الحيوية الماثلة ..

رؤية الحكومة في علاقة الدين بالدولة:

وفيما يلى المبادئ العامة لرؤية الحكومة التأصيلية لعلاقة الدين بالدولة في إطار العلاقة بين الشمال والجنوب في ظل الحكم الاتحادي أخذا عن الوثائق الأساسية الدستور والإعلانات والاتفاقات بين الحكومة والأطراف الأخرى في المعارضة وحركة التمرد.
  1. على الرغم من أن الإسلام هو دين الأغلبية وأن للمسيحية والمعتقدات الأفريقية نسبة مقدرة من الأتباع فإن المواطنين يشاركون في الحياة العامة على قدم المساواة سواء في حقوق المواطنة السياسية والمدنية والاقتصادية ،والاجتماعية ،والثقافية علاوة على المساواة أمام القانون .
  2. الشريعة والعرف هما مصدر التشريع العام على أنه يحق للولايات ذات الخصوصية الدينية إصدار التشريعات التكميلية الخاصة بها.
  3. لا إكراه في الدين فلا يكره أحد على اعتقاد معتقد أو دين .
  4. كفالة الحرية الدينية في العبادة والدعوة والتبشير .
  5. تطوير النظام الاتحادي بما يحقق المشاركة في السلطة والشراكة في الثروة .
  6. مواجهة العلاقة الجدلية بين الدين والدولة ودعوى فصل الدين عن الدولة بهذه النظرة العلمية الواقعية التي تجمع بين التأصيل المستنير والتحديث الرشيد .
  7. استدعاء المفهوم المصطلحي للدين والدولة بحسبان أن الدين قواعد أخلاقية وقواعد قانونية كلاهما منبثقة من العقيدة مما لا تقر العقيدة الفصل بينهما بحسبان أن مفهوم الدولة في العلوم السياسية والفقه الدستوري إنما هو بيئة سكانية ومحيط جغرافي وسلطة حكمة وذلك مما يستحيل فصل أى من عناصره عن هذا المفهوم فلا يمكن في الدين فصل القواعد الأخلاقية عن القواعد القانونية ولا يمكن في الدولة فصل السكان عن السلطة .
  8. ومن لوازم النظام الديمقراطي الغربي أن تعبر الأغلبية الغالبة عن إرادتها الحرة التي تشكلها مقتضيات قيمتها الدينية وبخاصة في الحياة العامة وبصورة أخص إذا كانت هذه القيم قائمة على قواعد أخلاقية وأخرى قانونية مجتمعة ومتداخلة على أن هذه القيم الدينية نفسها تحفظ حقوق الأقلية على قدم المساواة مع الأغلبية في إطار الدولة ومن ذلك .
(أ‌) قيام الحقوق والواجبات العامة على أساس المواطنة دون تمييز بسبب الانتماء الديني والثقافي .
(ب‌) المشاركة في السلطة والشراكة في الثروة مركزيا ولا مركزية دون تمييز بسبب الانتماء الديني أو الثقافي .
(ت‌) كفالة الحرية الدينية كحرية العبادة والدعوة والتبشير وحقوق الأحوال الشخصية .
(ث‌) منع الإكراه في الدين .
(ج‌) استمداد التشريع العام من المرجعيات العامة للأمة كالشريعة والعرف مع إتاحة التشريع الخاص للمجموعات الدينية في المسائل ذات الخصوصية في محيطها السكاني الجغرافي المشكل لأغلبيتها .
(ح‌) رعاية حرمة الخصوصية الثقافية في الحياة العامة والخاصة .

أولا : تأصيل المساواة في حقوق المواطنة وأمام القانون بين المسلمين وغير المسلمين:

وحدة النشأة البشرية وأصل الدين:

النشأة البشرية في لإسلام ذات أصل واحد منه يصدر الناس وإليه يرجعون على اختلاف مللهم ونحلهم وعلى تباين معتقداتهم وثقافاتهم هذا الأصل هو مبدأ الخلق من طين "وبدأ خلق الإنسان من طين" ثم من نفس واحدة (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساءا واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا)
أما ما لحق ذلك من التنوع بين الذكر والأنثى والتباين بين الشعوب والقبائل فهو مراد به إلى حصول الحكمة من التعارف والتواصل والتي تذك الناس بوحدة البشرية (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)
وقد وضع الإسلام ميزان القيم الذي يقاس بله التفاضل بين الناس وهو التقوى حيث لا تفاضل إلا بها لقول النبي صلي الله عليه وسلم في خطبة (يا أيها الناس إن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم خلق من تراب لا فضل لعربي على أعجمي ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى) وهي قاعدة أصولية تقرر المساواة بين الناس وتمنع التمييز بينهم بسبب التباين الطبيعي سواء في الثقافات أو الألوان .
وبنفس القدر فإن أصل الدين واحد حيث أرسل رسله الكرام مبشرين ومنذرين يدعون إلى دين التوحيد ولذلك فالإيمان بهم جميعا واجب دون تفرقة بينهم قال تعالي (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسي وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون)

الاختلاف وحرية الاعتقاد:

أما الاختلاف في الدين فقد قضت به الإرادة الإلهية لحكمة الحرية في الفكرة والعقيدة (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم)
ولذلك أعطى الإنسان الحق في حرية العقيدة وحرية الفكرة (وقل الحق من ربك فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) وليس لأحد ولا سلطة أن تكره فردا أو جماعة على الدين (لا إكراه في الدين) وهي مشيئة الله المفضية بأن يترك الناس لاختيارهم الحر فيما يدينون حتى تترتب على حرية اختيارهم مسؤوليتهم عن مصيرهم ثوابا أو عقابا .

حرية الفكر:

الإسلام هو الدين الذي يدعو إلى التفكر ويبسط بما يشبه الأمر الملزم بممارسة التفكر والتدبر ومزاولة البحث والنظر ولذلك أتاح المنهاج الإسلامي حرية الفكر وحرية التعبير عن الرأي وحرية الحوار وفق أدب الاختلاف ما لم تكن هذه الممارسة افتراء على الحق أو إثارة جانحة للفتنة مما يخرج بالحرية عن مقاصده العليا (ادع إلى سبيل بك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك اعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين)
ووقائع التاريخ في الدعوة الإسلامية تثبت أنه على توالي القرون لم يحدث أن أكره المسلمون غيرهم على الدين وإلا لما بقيت في البلاد الإسلامية بقية من هل الكتاب فلم يعرف التاريخ القديم أو الحديث اضطهاد لغير المسلمين أو تضييقا عليهم أو إرغاما لهم وإنما هي الحرية الدينية سواء في أداء الشعائر أو التبشير وقد شهد بذلك كبار المؤرخين الغربيين سواء للدعوة الإسلامية أو للحضارة الإنسانية مثل السير تومماس آرنولد وول ديورنت .
بل إن المسلمين منهيون عن مجادلة هل الكتاب إلا بالتي هي أحسن وذلك على أساس الأصل المشترك معهم من الإيمان بم أنزل عليهم من كتب ومن وحدانية الإله المعبود (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن مسلمون)

شواهد الحرية الدينية في البعثة والخلافة:

ومن الشواهد التاريخية على الالتزام الإسلامي بهذه الأصول في الحرية الدينية عهد النبي صلي الله عليه وسلم لأهل نحران , والذي ضمن لهم الأمان لأنفسهم وأموالهم وعشيرتهم ودور عبادتهم وبسبيل من ذلك عهد الخليفة أبي بكر لأهل نجران أيضا وعهد الخليفة عمر بن الخطاب لأهل إيلياء .

المساواة أمام القانون:

ويتمتع المواطنون في الدولة الإسلامية بالمساواة أمام القانون بلا تمييز بسبب اختلاف الدين أو العنصر (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) فهو أمر بأداء الأمانات بكل أشكالها إلى أهلها مسلمين وغير مسلمين كما هي أمر بإقامة العدل في الحكم بين الناس كلهم مسلمين وغير مسلمين .
وعهد الذمة هو عهد حماية قانونية كاملة لغير المسلمين وبموجبه يصيرون كالمسلمين في حركة الدماء والأموال لقوله صلي الله عليه وسلم (من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة) ويقول أيضا : (إلا من ظلم معاهدا،أو انتقصه،أو كلفه فوق طاقته،أو أخذ شيئا منه بغير طيب نفس،فأنا حجيجه يوم القيامة )

ثانيا : تأصيل علاقة الدين بالدولة في الحكم الاتحادي

وقد اجتهدت الرؤية التأصيلية للدولة في استخلاص المرتكزات التالية عن صحيفة المدنية:

  1. كانت الوثيقة نواة لأول دستور لدولة اتحادية متعددة الأديان والثقافات في التاريخ .
  2. وفي دستور هذه الدولة تجئ المساواة في حقوق المواطنة رغما عن الاختلاف في الدين أو الثقافة .
  3. وفي قسمة السلطة والثروة لدى التأصيل للحكم الاتحادي تعطي الوثيقة كل مجموعة دينية إدارتها ورئاستها المحلية علاوة على الاستقلال في شؤونها الاقتصادية الخاصة .
  4. وفي ظل هذا العهد تتاح التعددية القانونية للمجموعات الدينية حيث تحتكم كل منها إلى أصول دينها .
  5. وتلتقي هذه المجموعات وفي إطار هذا التعاقد حول الحفاظ على كيان الأمة الواحدة بمهامها الكلية المتحدة كالدفاع والأمن والمصالح العليا المشتركة.

النموذج الإسلامي للحكم الإتحادى:

وصحيفة المدنية هي النواة الأولي للدستور الاتحادي في التاريخ وهي عقد بحقوق المواطنة في الدولة الإسلامية الناشئة وذلك بين المجموعات الدينية والعرقية التي كان يضمها ذلك المجتمع فبجانب الاختلاف العرقي الأساسي للمجموعة العربية والمجموعة اليهودية كان هناك اختلاف عرقي ثانوى حتى بين المجموعة العربية مهاجري مكة الذين ينتمون إلى عرب الشمال العدنانيين وأنصار يثرب الذين ينتمون إلى عرب الجنوب القحطانيين " وهناك اختلاف بين أوس وخزرج "

كما كانت المجموعة اليهودية تنقسم هي الأخرى إلى وحدات أصغر يتحالف بعضها مع الأوس وبعضها الآخر مع الخزرج أما الاختلاف الديني فقد كان قائما بين اليهود وسائر المسلمين من مهاجرين وأنصار من جهة وبين المسلمين والمشركين من جهة أخرى .

وقد وحد الإسلام بين المسلمين كافة كاملة دينية يشتركون مع غير المسلمين في حقوق المواطنة كأمة سياسية وكنت تلك الصحيفة تحقق قدرا كبيرا من السلام الاجتماعي والاستقلال القومي لدولة المدينة الناشئة .

وقد أخلت لصحيفة مفهوم الأمة فجعلت المسلمين من قريش يثرب كيانا دينيا متميزا من حيث التجانس الثقافي والاجتماعي ولكن الصحيفة قد جعلت هذا الكيان مفتوحا ينضم إليه من يشاء في إطار كتاب العهد الشامل " هذا كتاب بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم إنهم أمة واحدة من دون الناس .."

وأدخلت الصحيفة أول مفهوم للحكم الاتحادي بأن أبقت على التراتيب لإدارية والرئاسية المحلية لكل مجموعة على ما كانت عليه وعبره عن ذلك بصيغة " المهاجرون من قريش على ربعتهم .. الخ " ثم جعلت هذا التنظيم الإداري الداخلي في كل مجموعة مستقلا عن التنظيمات الداخلية للمجموعات الأخرى ومستقلا بصورة جزئية عن التنظيم المركزي وقد أناطت بكل تنظيم إداري داخلي وظائف تتعلق بالنظام القانوني والنظام الاقتصادي الحربي كتحصيل الديات ومفاداة الأسري ..

ثم حددت الصحيفة السلطة المركزية "وإنكم مهما اختلفتم في شئ فإن مرده إلى الله عزوجل وإلى محمد صلي الله عليه وسلم" .

وذهبت الصحيفة لتحدد القانون الجنائي بين المسلمين وتضمنت ما يمكن أن يوصف بالتعددية القانونية فجعلت للعشائر صلاحية أن تطبق قانونا عرفيا محليا على المواطن ثم جعلت لليهود قانونا خاصا بهم في بعض الأمور ثم جعلت للسلطة المركزية قانونا مركزيا ينفذ إلى ذات المواطن بغض لنظر عن عشيرته وملته .

وقد جعلت الصحيفة الدفاع عن دولة المدينة حقا وواجبا على سائر المجموعات فالمواطنون يد واحدة على من "دهم المدينة " من عدوان .وهكذا استطاعت تلك الدولة الإسلامية الناشئة أن تطبق المبادئ الكلية للحرية الدينية والمساواة في حقوق المواطنة على أول اتحادية في التاريخ .