الإخوان المسلمون والجماعات الإسلامية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإخوان المسلمون والجماعات الإسلامية في الحياة السياسية المصرية 1928-1948
رسالة دكتوراه في التاريخ الحديث
نالت تقدير مرتبة الشرف الأولى كلية الآداب جامعة عين شمس ذو الحجة 1398 هـ نوفمبر 1978م

د. زكريا سليمان بيومي

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

منذ أكثر من ربع قرن أحاطت بالفكر الإسلامي ظروف وملابسات أسهم بعض أتباعه في تهيئة بعضها جعلت أغلب بل كل الباحثين في جامعاتنا يحجمون عن الخوض في الأبحاث الأكاديمية التي تتصل بدور مؤسساته وهيئاته وجماعاته في التاريخ الحديث والمعاصر.

وفي الفترة التي غاب فيها المفكرون المسلمون خلا الميدان لغيرهم من الكتاب والمؤرخين فصدر عديد من الأبحاث والدراسات التي تناولت فيما تناولته الجماعات الدينية ودورها السياسي:

ونظروا إليها من منظور خاص بهم سواء أكان منظورا علمانيا أم منظورا يساريا فرأينا أن نخصص هذه الدراسة بقصد إعادة النظر في النتائج التي توصلوا إليها وقيمناها من منظور مختلف منبثق من داخل هذه الجماعات وحاولنا أن ندافع عن أفكارنا المتعاطفة معها باعتبار أن الرسالة العلمية في الأصل هي الدفاع عن فكرة ونعتقد أننا في هذا الدفاع لم نخرج عن الموضوعية

وخاصة أنه كان للأستاذ المشرف الدكتور صلاح العقاد دور كبير في هذا الجانب على أن ما ينبغي أن يكون واضحا هو أنني لم أكتب هذا البحث بقصد الانتصار لشخص بعينه أو هيئة أو جماعة أو أذم فتلك غاية لا يتفق والبحث العلمي التاريخي

وإنما كان الهدف من وزراء هذه الدراسة هو محاولة توضيح الحقيقة التي أصبحت من خلال تناول المؤرخين والكتاب وعلى اختلاف مذاهبهم متباينة بل متناقضة أحيانا وخلال ما يزيد على أربع سنوات استغرقها هذا البحث تمكنت من الوصول إلى نتائج تضمنتها خطة شملت دراستها التمهيدية استعراضًا سريعا لتطور الفكر الإسلامي خلال القرن التاسع عشر وحتى نهاية الحرب العالمية الأولي ثم ستة فصول هي:

الفصل الأول: عوامل قيام الجماعات الإسلامية.وقد تناولت فيه الحالة السياسية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية منذ نهاية الحرب الأولى وكيف مهدت لقيام الجماعات الإسلامية في نهاية 1928 وأوائل 1928.
الفصل الثاني:وعنوانه نشأة الجماعات الإسلامية وتطورها.وقد تناولت فيه استعراضا سريعا لأهم الجمعيات الإسلامية مركزا على الجماعات التي التزمت بمبدأ الشمول في الفكر الإسلامي فشملت جهودها كافة الميادين بما فيها الميدان السياسي فكان تركيزنا على جماعتي الإخوان المسلمين وشباب محمد. وتتبعنا تطور تاريخ هاتين الجماعتين خلال فترة الدراسة.
الفصل الثالث:وعنوانه: الجماعات الإسلامية والتيارات الفكرية.وقد رأيت أنه لابد بعد تحديد فكر الدعوة عند الجماعتين أن أحدد موقفها من التيارات الفكرية السائدة والتي استطاعت أن تكسب لها أنصارا وأهمها التيار الليبرالي ثم التيار القومي ثم التيار اليساري ثم من النظم الفاشية والنازية.
الفصل الرابع:وعنوانه: الإخوان المسلمين والقوى السياسية.ونحدد فيه دور جماعة الإخوان في الحياة السياسية بعد دخولها هذا المعترك وعلاقتها بالقوى السياسية ممثلة في الإنجليز والقصر ثم مجموعة الأحزاب البرلمانية والتجمعات غير البرلمانية.
الفصل الخامس:وعنوانه: العلاقة بين الجماعات والهيئات الإسلامية.واستعرضنا فيه الفروق الفكرية بين كافة الجماعات والهيئات الإسلامية وتبينا مدى تنافسها على زعامة التيار الإسلامي مع عرض لما تعرضت له بعض هذه الجماعات من هزات وانشقاقات وأثرها.
الفصل السادس:وعنوانه: الإخوان المسلمون والمجتمع المصري.حيث رأينا بعد عرض موقف هذه الجماعة من كافة القوى والتيارات في مصر أن نبين موقفها من قضايا وفئات المجتمع المصري ومدى ما أسهمت به في حل المشكلة الاجتماعية والاقتصادية في مصر في هذه الفترة.

وقد أتبعت هذه الفصول الستة بخاتمة تضمنت أهم النتائج التي توصلت إليها في هذا البحث كما راعيت في هذا البحث التقسيم الزمني والموضوعي من خلال استعراض لتاريخ الجماعات موضوع الدراسة مع عرض لمدى تأثيرها وتأثرها بتاريخ الفترة وموقفها من أحداثها وقضاياها.

أما عن سبب تحديد فترة الدراسة في المدة بين 19281948 فيرجع إلى أن دراستنا ستقتصر على الجماعات التي طبقت مبدأ الشمول في الفكر الإسلامي فشملت جهودها كما سبق التوضيح كافة الميادين بما فيها الميدان السياسي ولما كانت جماعة الإخوان المسلمين هي وحدها التي ينطبق عليها ذلك ثم شاركتها جماعة شباب محمد التي انشقت عنها وكانت أقل حجما وتأثيرا لذلك فإن تحديد الفترة الزمنية لهذا البحث ارتبط بتاريخ نشأة جماعة الإخوان كبداية وبتاريخ حلها الأول كنهاية.

وبقي أن ننوه على المصادر التي اعتمد عليها هذا البحث ونقسمها على النحو التالي:

أولا: مجموعة من الوثائق العربية والإفرنجية المنشورة وغير المنشورة إلى جانب المذكرات الخصية للزعماء والسياسيين في هذه الفترة بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من الصحف والدوريات المصرية ذات الاتجاهات والميول السياسية والاجتماعية المتباينة وفي مقدمتها صحف ومجلات الهيئات والجماعات الإسلامية وقد بلغت جميعها 48 دورية.
ثانيا: البحوث والدراسات والمؤلفات المنشورة باللغة العربية واللغة الأجنبية والتي تناولت جوانب هذا الموضوع.

ولا يفوتني أن أقدم خالص الشكر لأساتذتي الذين اشتركوا في لجنة المناقشة:

  1. الأستاذ الدكتور جلال يحي رئيس قسم التاريخ بآداب المنيا.
  2. الأستاذ الدكتور محمود منسي رئيس قسم التاريخ بكلية اللغة العربية بالأزهر

أما أستاذي الأستاذ الدكتور "صلاح العقاد" المشرف الأولى على هذا البحث فله ثناء خاص وتقدير كبير لما أحاطني به من رعاية وإرشاد وما أعطانيه من وقت وجهد أسهم في الحد من التطرف الذي بدا على بعض جوانب هذا البحث فعلمني كيف يكون البحث العلمي التاريخي وكذلك أستاذي الأستاذ الدكتور عبد العزيز نوار المشرف الثاني الذي لم يأل جهدا في توجيه النصح خلال فترة البحث.

ولا يفوتنا في هذا المجال أن نقدم شكرنا المؤسس مدرسة التاريخ الحديث أستاذنا الدكتور أحمد عزت عبد الكريم.

والله ولي التوفيق،
د. زكريا سليمان بيومي
القاهرة في 19 من ذي الحجة 1398هـ 16/ 11/ 1978

تمهيد

الفكرة الإسلامية في مصر حتى نهاية الحرب العالمية الأولي

ظل الاتجاه الإسلامي يسود مسرح الحياة الفكرية والسياسية في مصر وبلا منازع منذ الفتح الإسلامي حتى مجيء الحملة الفرنسية في نهاية القرن الثامن عشر حيث خلفت وراءها بذور الفكرة الوطنية التي أخذت صورة قومية نافست الاتجاه الإسلامي؛

فعلى الرغم من أن هذه الحملة لم تمكث في مصر سوى سنوات ثلاث (1798- 1801) إلا أن آثارها الفكرية التي تمثلت في طرح الأفكار الوطنية واكتشاف علمائها لحجر رشيد وفك رموز اللفة الفرعونية كان له أكبرا لأثر في ظهور بوادر الفكرة الوطنية ثم القومية؛

وقد أدى ذلك إلى ظهور ما يسمى بالفكر الإسلامي كنوع من رد الفعل للتيارات الفكرية الجديدة، على أن ذلك لا يعني أن ذلك لا يعني أن ايا من الفكرتين الوطنية أو القومية قد أصبحت منافسا قويا للفكرة الإسلامية طوال القرن التاسع عشر؛

فقد بقيت الوطنية محصورة لدى قليل من المثقفين المصريين الذين بعثوا إلى أوربا فتأثروا بها فضلا عن أن أسباب رواج الفكرة الوطنية ترجع نسبيا ,في المقام الأول إلى عدم تعارضها مع المفاهيم الإسلامية التي تعتبر أن حب الوطن من الإيمان وكذلك إلى التشجيع الحكومي التي صادفته في البداية من خلال رغبة أبناء محمد علي في استكمال استقلالهم عن دولة الخلافة العثمانية أما الفكرة القومية فلم تجد لها دعاة أو أنصارا إلا في مطلع القرن العشرين

وإلى جانب هاتين الفكرتين يحاول بعض الكتاب أن يجد بتيار القومية العربية من خلال محاولة إثبات بذور لها في عهد محمد علي، وأنه حاول تكوين وحدة عربية فيقول واحد من هؤلاء الكتاب إن مصر في عهد محمد علي قد حققت وحدة عربية ولولا تدخل أوربا لوقف نشاطها لتمكنت من تمرين العرب على فكرة الوحدة ثم يتدارك الحقيقة ويقول ليس من شك في أننا إذا قلنا الوحدة العربية في هذا المقام نكون قد حملنا الألفاظ أكثر من مدلولها؛

وذلك لأنه لم يكن بين الشعوب العربية في ذلك الوقت وعي قومي يستحق الذكر أو شعور بالحاجة إلى الاتحاد والترابط السياسي بل إنه ليمكن القول بأن الشعور الديني وحده وليس الشعور القومي هو الذي كان يملك على الناس عقولهم ومشاعرهم وأن نجاح مصر في السيطرة على الشعوب العربية حينذاك إنما كان مرده إلى تفوق قواتها حربيا.

وفي الحقيقة إن دور محمد علي لا يعدو أن يكون صراعا لتحقيق مجد شخصي يدفعه في البداية لمحاربة السلطان نفسه لأنه لم يحقق له ما يطمع فيه ولم يجد أمامه من سبيل لتحقيق هذه الأطماع سوى التوسع في جنوب مصر ولقد لقي دوره هوى عند دول أوربا التي كان كل هدفها تحطيم وتفتيت دولة الخلافة الإسلامية؛

ففرنسا تمده بالخبراء وخاصة العسكريين لتقوية قواته وانجلترا تتركه يحطم جيش السلطان العثماني بعد أن حطمته في نوارين البحرية ومندوب النمسا يتقدم له بمشروع مدعوم بالخرائط مبينا عليه حدود الدولة العربية المرتقبةP

وعلى الرغم من ذلك فإن مصر في عهد محمد علي قد تمتعت بالاستقرار والاستقلال والعدالة إلى حد ما وقد كان لذلك أثره في الغفلة التي أصابت علماء الأزهر الذين اكتفوا منه بذلك فلم نجد منهم من يدافع عن مبادئ الإسلام في الحكم والسياسة والاجتماع مما كان له أثره على نمو الأفكار الأخرى على حساب الفكرة الإسلامية.

أما بالنسبة لتطور الفكرة الوطنية فقد كانت أكثر تقدما في مصر عنها في الولايات الخاضعة للدولة العثمانية فبالإضافة إلى ما سبق ذكره من عوامل تقدمها الدور الذي لعبه مجموعة من المثقفين النصرانيين الذي وفدوا إلى مصر من الشام أمثال سيد نفاش وأديب إسحاق بالإضافة إلى الصحفي اليهودي أبو نضاره؛

وقد اتضحت دعواهم في تأسيس دولة على أساس وطني لا على أساس ديني من خلال ما طرحوه من أفكار في صحفهم كما سعوا إلى تأليب الرأي العام المصري ضد الأجانب وخاصة الأتراك رافعين شعار مصر للمصريين الأمر الذي ظهر أثره في برنامج جمعية سرية باسم مصر الفتاة وكذلك في حركة عرابي وصحبه الذين ثاروا على امتيازات الأتراك في مصر.

ومن أول المصريين الذين زاروا فرنسا (1826- 1831) وتأثروا بالفكرة الوطنية فيها ثم عد لنشر كتاباته هو رفاعة الطهطاوي وكان من أول كتباته قصيدة وطنية بدأها بمدح الحاكم سعيد باشا سنة 1855 فحظي منذ البداية بالتشجيع الحكومي الأمر الذي جعله يسرع وفي نفس العام بإصدار مجموعة شعرية أسماها: منظومات وطنية مصرية ثم أصدر مجموعة جديدة باسم وطنيات بعد ذلك بعدة أعوام والذي يتفقد ما كتبه الطهطاوي يدرك أنه قد جنح بالوطنية إلى القومية المصرية؛

وبالرغم من تعرضه لتفصيل مفهوم حب الوطن من الإيمان إلا أن كتاباته قد خلت من النظرة الإسلامية بل وحتى العربية فنجده يطالعنا بترجمة كتبا عن تاريخ مصر الفرعونية ثم يحاول أن يكتب هو نفسه كتابا عن تاريخ مصر قبل الفتح الإسلامي فضلا عن أن كتباته وقصائده قد امتلأت بمشاعر الافتخار بأمجاد المصريين القدماء.

وتبع الطهطاوي شاعر آخر هو: صالح مجدي تعني بالوطنية في قصيدة بدأها بمدح سعيد باشا وضمتها الافتخار وتغني في المحافل والمواسم ومن بين الذين فتنوا بالحضارة الغربية وترجم عن الفرنسية كثيرا من الأعمال الأدبية محمد عثمان جلال الذي لم يقتصر عمله على الترجمة فقطي بل تزعم حركة الكتابة بالعامية المصرية متأثرا بما قام به الفرنسيون والأوربيون عموما بالثورة على اللاتينية إلى اللهجات المحلية لكن هذه الحركة لم يكتب لها النجاح لتصدي أصحاب الفصحى لها وظهور حركة البارودي في إحياء الشعر القديم بالعربية الفصحى.

وكان لذلك أثره على الرأي العام الإسلامي في مصر الذي أثار انتباهه دعوة السيد جمال الدين الأفغاني (1838- 1897) للوحدة الإسلامية وهي الدعوة التي قوبلت بالتشجيع من قبل السلطان عبد الحميد الثاني (1876- 1908م) الذي كان يسعى لتوحيد الشعوب الإسلامية تحت لواء الخلافة العثمانية لا مكان التصدي للغرب؛

ومن هنا يرى البعض أن الباعث لهذه الدعوة الدينية كان سياسيا دون أن يدركوا أن الإسلام لا يفرق بين هذا وذاك وإذا كان هناك من مآخذ على دعوة جمال الدين تمثلت في عدم وجود خطة إيجابية ووسيلة عملية منظمة لدعوته وأنه كان يرى استحالة تحقيق الوحدة الإسلامية من الناحية السياسية واقتصر على أن يكون شكل الوحدة دينيا بحيث يتخذ الجميع سلطانهم القرآن ووجه وحدتهم الإسلامية؛

وأن يسعى كل حاكم لحفظ الآخرين لأن حياته في حياتهم وبقاءه في بقائهم فإنه بالرغم من هذه المآخذ وغيرها لا يجب الوقوع في خطأ المغالاة في الهجوم عليه من جهة وإنكار أثر دعوته من حيث النتيجة وما لاقاه بسببها من اضطهاد يستحق معه الإنصاف من جهة أخرى؛

وفي مصر هاجم الأفغاني الذين يتعصبون للفكرة الوطنية ويحطون من شأن العصبية الدينية فرماهم بالغفلة وبأنهم أبواق المستعمر الذي يحاول توهين العصبية الدينية ليقطع الرابطة التي تجمع بين شعوبها وأن المستعمرين أكثر عصبية لدينيهم في كل ما تجري عليه سياستهم؛

ولقد تأثر به تلميذه الشيخ محمد عبده فبعد أن كتب مقالا في الوقائع المصرية ويحطون من شأن العصبية الدينية فرماهم: بالغفلة وبأنهم أبواق المستعمر الذي يحاول توهين العصبية الدينية ليقطع الرابطة التي تجمع ين شعوبها وأن المستعمرين أكثر عصبية لدينهم في كل ما تجري عليه سياستهم؛

ولقد تأثر به تلميذه الشيخ محمد عبده في كل ما تجري عليه سياستهم ولقد تأثر به تلميذه الشيخ محمد عبده فبعد أن كتب مقالا في الوقائع المصرية في فبراير سنة 1881 م حدد فيه مفهوم الوطن وصلة المواطن بوطنه حيث فيه المواطن على حب الوطن؛

وأنه أي الوطن وحده هو موضع حقوقه وواجباته السياسية وغيرها يعود فيقول إن الفكرة الوطنية قد أثارها الإفرنج ويريدون أن ينتقضوا بناء الملة الإسلامية ويفرقوا بين شعوبها فيسهل عليهم استعمارها وأن المغفلين من المسلمين تبعوا هذه الدعوة الخبيثة وهدموا العصبية الدينية؛

ورغم ذلك لم يستطيعوا أن يقيموا الوطنية وقد كرس الشيخ محمد عبده حياته للسعي من أجل إصلاح الأزهر حيث اعتقد أن إصلاحه خير إصلاح لحال المسلمين الدينية والدنيوية وكان وسيلته إلى ذلك هي أن يهب المسلمون إلى طلب العلوم الصحيحة من أوربا ويطلعوا على علوم الحية ويفهموها على أنها خير عون لهم على تكميل مدنيتهم فيتعارفوا ولا يتناكروا؛

وإذا عارضت السياسية تعارفهم فإنه يسهل عليهم إزالة معارضتها مع التقارب والعلم مالا يسهل عليهم مع التقاطع والجهل وبعد أن اصطدم الشيخ بخديوي مصر عباس حلمي الثاني (1892- 1914) لعدم مساعدته في تحقيق هدفه اتصل بل تعاون بممثل الاحتلال البريطاني فوجد منه ترحيبا وعونا ويرجع ذلك إلى أن الشيخ كان يرى أن مصر لا يكنها أن تحكم نفسها ومن ثم آمن بالتدرج البطيء عن طريق خلق مجالس محلية ثم مجلس استشاري على أن يفضي ذلك إلى قيام مجلس تمثيلي؛

كما آمن بأن نهضة المصريين السياسية يجب أن تقرن بنضج اجتماعي وعلمي وثقافي وكان من الصعب على الرأي العام الإسلامي في مصر أن يتقبل آراء محمد عبده لا لأنه قد طرح مفاهيم ووسائل غريبة تعينه على تحقيق أهدافه أو لتعاونه في سبيلها مع سلطات الاحتلال فحسب بل ولكونه قد حاول إقناع مجموعة العلماء والمثقفين بضرورة فصل الدين عن الدولة؛

وهي آراء يعتبرها كتاب الغرب أكثر قيمة من كراهية المشركين وسراب العودة الخيالية إلى الماضي فنال بذلك اتهام علماء الأزهر له في إيمانه ودينه وعقله ومات دون أن يحقق هدفه ودون التعرض لتقويم آراء الشيخ فإنه لا يجب إنكار ما أدت إليه من صحوة للفكر الإسلامي الأمر الذي كان له أثره على مجموع المصريين فيما بعد؛

فاستحق بذلك أن يكون أحد زعماء الحركة الفكرية الحديثة أما عن موقفه من فكرة الجامعة الإسلامية فكان يرى أن المحافظة على الدولة العلية العثمانية هي ثالثة العقائد بعد الإيمان بالله وبرسول فهي وحدها الحافظة لسلطان الدين الكافلة لبقاء حوزته وليس للدين سلطان في سواها؛

وعلى الرغم من استيائه من الدعوة الطورانية وكذلك تأثره برأي بعض المثقفين في بلاد الشام المعادي للترك والذي جعله يهاجم الإدارة التركية ويشنع بفسادها إلا أنه كان مؤمنا بأن الخلافة بين مصر وتركيا لا يستفيد منه إلا الدول الأوربية وبخاصة انجلترا وكان محمد عبده بذلك معبرا عن حقيقة مشاعر غالبية المصريين الذين ظلوا متمسكين بالارتباط بالدولة العلية وأن سلطانها هو خليفة المسلمين؛

وقد عبر أحمد عرابي في حركته عن هذه المشاعر برغم ثورته على فساد أساليب الحكم وامتيازات الأجانب وفي مقدمتهم الأتراك فلم يخطر بباله أن يخلع طاعة الخليفة أو يخرج عليه فهو يعرض عليه خطواته مستمدا منه السلطة في كل ما يفعل والجمعية العمومية التي تصدر قرارها بتأييد عرابي وعزل توفيق (الخديوي) ترى ضرورة عرض القرار على الأعتاب العالية الشاهانية العثمانية والخديوي توفيق حين أراد أن ينفر عامة المصريين من عرابي سنة 1882م تختفي دعوة الجامعة الإسلامية؛

لكن ذلك الاختفاء لم يدم طويلا حيث دعت إليها صحيفة المؤيد لصاحبها الشيخ علي يوسف منذ العدد الأول لصدورها في ديسمبر سنة 1889 م فناشدت الصحافة المصريين بالاتحاد والمطالبة بجلاء المستعمر والارتباط بالخلافة التركية وإن كان صاحبها قد ذكر المصريين بأمجادهم القديمة؛

فقد كان ذلك من قبيل بث الهمة في نفوسهم ضد الاحتلال وبعد صدور هذه الصحيفة بثلاثة أعوام أصدر عبد الله النديم مجلة الأستاذ التي كان همه الأول فيها مهاجمة سلطات الاحتلال بعنف وحض المصريين على إجلائهم وتنبيه الرأي العام الإسلامي إلى حقيقة ما يدبر لدولة الخلاف

ففي مقاله الذي كتبه بعنوان لو كنتم مثلنا لفعلتم فعلنا يقول:

إننا نرى كثيرا من المغفلين الذي حنكتهم قوابلهم باسم أوربا يذمون الدولة العلية ويرمونها بالعجز وعدم التبصر وسوء الإدارة وقسوة الأحكام ولو أصفوها لقالوا إنها أعظم الدولة ثباتا وأحسنها تبصرا وأقواها عزيمة فإنها في نقطة ينصب إليها تيار أوربا العدواني لأنها دولة واحدة إسلامية بين ثماني عشرة دولة مسيحية غير دول أمريكا؛
وتحت رعايتها جميع الطوائف والأجناس والأديان وكثير من اللغات والفتن متواصلة من رجال أوربا إلى من يماثلهم مذهبا أو يقرب منهم جنسا وكل دولة طامعة في قطعة تحتلها باسم المحافظة على حدودها أو وقاية دينها مع اتساع أراضيها وعدم وجود السكك الحديدية المسهلة للتنقل والتجول وعدم وجود أنهر مستمرة الفيضان في غالب أراضيها ووجودها تحت رحمة الله تعالى؛
وهذه أمور لو ابتليت بها أعظم دول أوربا ما قاومت هذه الصواعق أكثر من عام أو عامين تسقط أو تتلاشى على الرغم من أن الصحف الموالية للاحتلال وأهمها المقطم قد شنت حملة عنيفة على النديم إلا أنهي لم يكن من سبيل لوقف تأثيره إلا بنفيه ولم يكن قد مضى عام كام على صدور مجلته.

ومن أبرز دعاة الجامعة الإسلامية في مصر في مطلع القرن العشرين مصطفى كامل حيث سار في طريق الدعوة للارتباط بالدولة العلية إلى جانب دعوته لإحياء الشعور الوطني لدى المصريين ويبدو تمسكه ببقاء الدولة العليا ودعوته لضرورة الحفاظ عليها في مقدمة كتابه عن المسألة الشرقية الذي ظهر في سنة 1897 م؛

وقال إن بقاءها ضرورة للنوع البشري لأن فيه سلامة أمم الشرق والغرب وأن زوالها مجلبة للأخطار ومنذر بالحروب الواجبة التي تسيل فيها دماء المسيحيين قبل المسلمين في الشرق وقد نجح مصطفى كامل في الدمج بين الدين والوطن، وهو بهذا يعتبر أول مصري أكتمل لديه الوعي الصحيح بالمفهوم الإسلامي للدفاع عن الوطن؛

فيقول في إحدى خطبه قد يظن البعض أن الدين ينافي الوطنية أو أن الدعوة إلى الدين ليست من الوطنية في شيء ولكني أرى أن الدين والوطنية توأمان متلازمان وأن الرجل الذي يتمكن الدين من فؤاده يحب وطنه حبا صادقا ويفديه بروحه وما تملك يداه ويستشهد على صحة رأيه بكلمة لبسمارك أكبر ساسة العصر إذ يقول لو نزعتم العقيدة من فؤادي لنزعتهم معها محبة الأوطان

كما تصدى مصطفى كامل لفكرة الخلافة العربية التي سبق أن طرحها الكواكبي وأيد الدعوة لها مؤتمر المبشرين الذي عقد في مصر سنة 1906 وكتاب بلانت مستقبل الإسلام الذي زكى فيه الفكرة واقترح أن يكون مقر الخليفة مكة على أن تفصل السلطة الدينية عن السلطة الزمنية؛

وكان لموقف مصطفى كامل من هذه الفكرة وتأكيده على التمسك بالارتباط بالخلافة العثمانية تأثير على الحركة الأدبية مصر فقد نظم كثير من الشعراء قصائد تعبر عن تمسك مصر بدولة الخلافة

وفي مقدمتهم الشاعر أحمد شوقي الذي نظم قصيدة رفعها للسلطان عبد الحميد مطالب بتأديب شريف مكة قال فيها:

ضج الحجيج وضج البيت والحرم.
واستصرخت ربها في مكة الأمم.

قد مسها في حماك الضر فأقضى لها

خليفة الله أنت السيد الحكم

لك الربوع التي ريع الحجيج بها

أللشريف عليها أم لك العلم؟

أدبه أدب أمير المؤمنين فما

في العفو عن فاسق فضل ولا كرم

لا ترج فيها وقارا للرسول فما

بين البغاة وبين المصطفى رحم

إلى أن قال:

والأهم أمراء السوء واتفقوا
مع العداة عليهم فالعداة هم

فجرد السيف في وقت يفيد به

فإن للسيف يوما ثم ينصرم

وفي نفس المعنى قال حافظ إبراهيم:

وعلى الأولى سكنوا إلى الحسنى سوى
ذاك الذي يدعو إلى العصيان

وإلى الحجاز الخارجي وما به

إلا اقتناص الأصفر الرنان

وقال أحمد الكاشف موجها قصيدته للسلطان:

المسلمون على اختلاف بقاعهم
في الأرض ما لهم سواك نصير

ومن العوامل الهامة التي زادت من تعاطف الرأي العام في مصر مع الخليفة العثماني تزايد نشاط المبشرين وبخاصة في سنة 1898 سنة 1899 حيث وزعوا نشرات في الإسكندرية ضد الإسلام وبشروا بالمسيحية في شوارع القاهرة بل ونشر أحدهم داخل مساجد طنطا وطبع بعضهم نشرة بعنوان أيهما المسيح أم محمد وأرسلوها بالبريدي للعمد والعلماء وشيخ الأزهر؛

وقد هاجم اللواء هذا النشاط بل واستاء له كرومر نفسه وأراد محاكمة المسئولين لكنه لم يحصل على تصريح بذلك من لندن وفي سنة 1903 وزعت نشرات أخرى تتضمن طعنا شديدا في الإسلام وصدرت مجلة تبشيرية بعنوان (بشائر الإسلام) تطعن في الإسلام والرسول عليه الصلاة والسلام وقد طالب أعضاء مجلس شورى القوانين محاكمة المسئول لكن كرومر أقنعهم بعدم المحاكمة

ومع ذلك فإنه لا ينبغي المغالاة في الدور الإسلام الذي لعبه مصطفى كان وذلك لعدة عوامل أولها أن أغلب كتاباته بل كلها كانت في حب الوطن والحث على الدفاع عنه دون إثارة النعرة الإسلامية وإحياء مبادئ الإسلام في سبيل ذلك ثانيا أن دعوته لإحياء الجامعة الإسلامية والمحافظة على بقاء الدولة العثمانية كان هدفه منها في الغالب الاحتفاظ بالوضع الشرعي لبلاده في ظل هذه الدولة؛

وبالتالي لإثبات عدم شرعية الاحتلال البريطاني وثالثا أنه قد أشرك بعض الأقباط في حزبه فضلا عن استعانته بدول مسيحية أولها فرنسا التي تلقى فيها تعليمه الجامعي، وأخيرا أدرك أنه لن يصيب بدعوته نجاحا بين جماهير المصريين إن لم يراع فيها الشعور الإسلامي السائد عند هذه الجماهير لأن الرأي العام آنذاك كان متمسكا بالخلافة العثمانية.

ولكن بالرغم من كل هذه العوامل فإنه من الإنصاف أن نذكر أنه قد أسهم في إحياء الشعور الديني إلى جانب الشعور الوطني لدى المصريين.وقد سار في طريق مصطفى كامل بعد وفاته (1908) كل من محمد فريد والشيخ عبد العزيز جاويش مطالبين بالجلاء والدستور مع استمرار الارتباط بدولة الخلافة وأن مصلحة مصر تدعو لمؤازرتها؛

وقد ألف محمد فريد كتابا عن تاريخ الدولة العلية العثمانية أرجع فيه أسباب حرب الدول الأوربية لتركيا إلى حمايتها للمسلمين وقد طبع هذا الكتاب ثلاث مرات (1893- 1896- 1912) برغم قلة القراء وقتئذ أما الشيخ الإسلامي وبشكل فاق التزام مؤسس الحزب بذلك الخط أحيانا وليس أدل على ذلك من أنه اختص في نظر أغلب المؤرخين برجل التعصب الديني؛

وإذا كان البعض يرجع ذلك الالتزام عند الرجل بأنه تونسي الأصل فإن سجله في الدفاع عن الوطنية المصرية والقضايا الإسلامية قد نفي عنه ذلك التشكيك المغرض وكان هذا الرجل أيضا معبرا عن رأي غالبية المصريين فاستحق بذلك وسام الشعب الذي منحه الشعب إياه يوم خروجه من السجن في إحدى القضايا الوطنية.

على أنه لا ينبغي إغفال الأثر الذي تركته زيارة أحد دعاة الجامعة الإسلامية فقد زار مصر سنة 1907 المفكر الإسلامي القوقازي عصير نسكي للدعوة لمؤتمر إسلامي يضم جميع أمم العالم الإسلامي على اختلاف أجناسهم لمواجهة الأحداث ومحاولة الاتفاق على خطة موحدة وقد التف حوله بعض المفكرين في مصر ومن بينهم الشيخ علي يوسف ورشيد رضا ولقد جنب هذا المفكر أبحاثه الخوض في الأمور السياسية تفاديا لخصومة الاحتلال مكتفيا بدارسة أسباب تدهور العالم الإسلامي من النواحي الاقتصادية والاجتماعية وكيفية علاجها؛

وفي نفس الظروف ألف واحد من رجال الطرق الصوفية وهو (توفيق البكري) كتابا بعنوان (المستقبل للإسلام) ركز فيه على أثر الصوفية في بناء الجامعة الإسلامية ولكنه فصل بين الجانب الديني والجانب السياسي رافضا الجانب الأخير بل وحذر المسلمين من التفكير في إقامة الجامعة الإسلامية بشكلها السياسي لأن ذلك سيقابله جامعة مسيحية في الغرب الأمر الذي يزيد من خطورة الصراع؛

وكان البكري بهذا الكتاب يساير فكر الاستعمار ويلتقي مع دعاة القومية الفرعونية والعربية وإذا ما قرن ذلك بتأثير الطرق الصوفية على جماهير المصريين ومع ما وصل إليه سلوك أغلب هذه الطرق من بعد عن الحياة العامة بشكل أساء للفكر الإسلامي الصحيح نستطيع أن ندرك لماذا لم يهاجمها الاحتلال وكذلك عدم بروز دورها في الحركة الوطنية ضد هذا الاحتلال

وقد تعرضت الطرق الصوفية لموجة من الهجوم بدأها الشيخ محمد عبده سنة 1880 حيث هاجم مشايخ الطرق في الموالد وصور ما يصحب الأذكار من ضرب بالطبول وهياج الذاكرين الذين يهيمون هيام المعاتبة ويتجردون من ثيابهم ويأتون أعمالا فيها شعوذة بعيدة عن الدين كأكل النار والزجاج وما يحدث في الموالد من اختلاط الفتيات بالفتيان وتابع النديم ذلك فندد بالطوائف التي تبتدع أمورا تضحك السفهاء

وتبكي العقلاء وتحتال لمطامعها البهيمية مما جلب العار على الأمة وسلط عليها الأجنبي يهزأ بديننا ويقبح أعمالنا ظنا منهم أن ذلك من الدين ويعجب النديم لادعاء هؤلاء الجهلة أنهم يعلمون بما أنزل الله عن طريق الفتح والإلهام وهجومهم على تفسير القرآن بما لا يقوله إلا مجنون.ويصفهم الكواكبي بأنهم استولوا على الدين فضيعوا أهله.

ولقد بدأ الشعور الإسلامي المؤيد للجامعة الإسلامية واضحا أثناء الحرب الطرابلسية سنة 191 بين تركيا وإيطاليا، فقد دعت صحف الحزب الوطني لجمع التبرعات للمجاهدين وتطوع كثير من المصريين رغم معارضة الاحتلال وأنشأ الشيخ علي يوسف جمعية الهلال الأحمر في نوفمبر سنة 1911 وخرجت المظاهرات هاتفة بحياة سلطان تركيا كخليفة للمسلمين وقد انتهزت صحف الحزب الوطني الفرصة للدعوة للجامعة الإسلامية.

وعلى الجانب الآخر وقف مناهضو فكرة الجامعة الإسلامية الممثلون في الاحتلال وحزب الأمة وإرهاصات اليسار ودعاة القومية المصرية وعبر كرومر عن موقف الاحتلال في كتابه "MODERN EGYBT" حيث صور أن تمسك المصريين بالعقيدة الإسلامية يمثل حجابا كثيفا من التعصب الديني الذي يقوم بين الإنجليزي الراغب في إصلاح مصر وبين المصريين وأن تمسك المصريين بعقيدتهم متغلب على الوطنية بمعناها الإقليمي واعتبر الترك مستعمرين لمصر وأن عطف المصريين على الخليفة التركي موقوت بالمحن؛

ولا يعدو أن يكون تعاطفا وصور الإسلام بأنه دين رجعي لا صلح لأن يكون أساسا لنظام اجتماعي راق وقد حاول كرومر نشر اللغة الإنجليزية واحتضن باسم الاحتلال الدعوة لإقامة جامعة مصرية وكذلك الدعوة لللافة والعربية التي تصدي لها مصطفى كامل كما أيد الذين يعارضون الخديوي من أمثال محمد عبده ومصطفى فهمي وسعد زغلول وقاسم أمين وغيرهم؛

وهم الذين تكون منهم حزب الأمة أما حزب الأمة ذلك الحزب الذي تكون من بعض كبار الملاك وأبنائهم من المثقفين ثقافة غربية فكان يدعو للتحرر الفكري والاحتفاظ بعلاقة طيبة مع المحتلين وكان الإنجليز أصحاب فضل على مؤسس الحزب لسيطرتهم علي الإدارة الحكومية كما كان كرومر يطلق عليه حزب الشيخ محمد عبده ويعقد عليه الأمل في مستقبل مصر السياسي ويوصي بتقديم العون والتشجيع له.

وليس هناك من غرابة إذن في مواجهة صحيفة الحزب لفكرة الجامعة الإسلامية حيث اتهموا دعاتها بأنهم لا يزالون بعيدين عن الاشتغال بالسياسة والنظر في الأمور العامة بشيء من التدقيق وأنهم يلجئون إليها كلما أحسوا بالخطر من قبل الاحتلال وليس عن قناعة وبالتالي فهمي فكرة ساذجة في نظرهم لا ينبغي أن تتوجس منها أوربا بل وإن تحقيقها مستحيل حيث لا يجتمع الناس إلا على المنافع لا على الدين.

وكتب أحد كتابها من السوريين وهو عبد الحميد الزهراوي مهاجما فكرة الجامعة الإسلامية فيقول إن المسلمين لم يتفقوا سياسيا من عهد عمر ولا دينيا من عهد على فما هي جامعة قوم مختلفين منذ ثلاثة عشر قرنا اختلافا سياسيا ودينيا يقتل بعضهم بعضا؟

ما هي جامعة قوم لم يخل يوم من أيامهم من قتال فئة منهم فئة أخرى منذ مقتل الخليفة الثاني إلى يومنا هذا؟ ما هي جامعة قوم يسر ملوكهم المختلفون بذهاب ممالك ملوك آخرين منهم؟ ما هي جامعة قوم هزمهم هولاكو فلم يجتمعوا لصده، وهاجمهم الصليبيون فلم ينهض منهم سوى فئة قليلة؟

وقد أثارت هذه الآراء ثائرة رجال الحزب الوطني فهاجموها بعنف واتهموا دعاتها بالعمالة للاحتلال وقد رد رجال حزب الأمة عل ذلك باتهام الحزب الوطني بالتطرف وعدم الواقعية والتأخر وبأنهم في دعواتهم للجامعة الإسلامية إنما يريدون استبدال استعمار إنجليزي بآخر تركي.

أما عن أصحاب الأفكار التقدمية فقد طرحوا آراء جديدة لم يكن من السهل قبولها كالدعوة للجمهورية بدلا من النظام الخديوي وكذلك طرح أفكار اشتراكية لمواجهة تسلط أصحاب الأعمال وقد تمثل هذا الاتجاه في الحزب الجمهوري الذي أعلن عن إنشاءه في أواخر عام 1907 وكذا بعض الاتجاهات التي طرحها شبلي شميل ونقولا حداد وآخرون ممن أسسوا الحزب الاشتراكي والذين لم يكونوا يمثلون سوى أنفسهم تقريبا وبالطبع فقد هاجم هذا التيار سواء من خلال مبادئه أو من نادى به فكرة الجامعة الإسلامية والدين الإسلامي:

فيقول شبلي شميل مهاجما رجال الدين من كل دين وملة أنهم علموا الناس حتى اليوم غير ما تأمرهم به الأديان وكم قاموا يبتعون دينهم بدانق وفرطوا بمال الأيتام وكم خدموا به أغراض عتاة حكامهم ليقتسموا معهم ولو داسوا الدين بالأقدام؛

بل ويطالب بأنه لو نسرت الإنسانية لحكم رؤساء الأديان الذين هم وحدهم المسئولون عن كل الفظائع التي ارتكبت ولا تزال ترتكب باسم الدين نسرة نسرة لما وفت حق الانتقام لما جنوه اليوم على الإنسان وكان شميل بذلك يهدف إلى إثارة المشاعر على رجال الدين الإسلامي بالذات وعدم تقبل النصح منهم تمهيدا لنشر فكرة الاشتراكي حيث ركز إلى جانب هجومه على رجال الدين على دراسة حال الفلاحين والعمال.

ومع أن هذا التيار لم يستمر طويلا من حيث الوجود الرسمي إلا أن ما طرحه من أفكار كان كإرهاصات لهذا النوع من الفكر فيما بعد.أما عن دعاة القومية المصرية الذين حاربوا فكرة الجامعة الإسلامية فضلا عن الممثلين منهم في حزب الأمة كان بعضهم في الحزب الوطني الحر الذي تأسس في يوليو 1907 والبعض الآخر مثلته صحيفتا المقطم والمقتطف؛

وقد كان تأييدهم للإنجليز واضحا حيث وصفتهم المقطم أي الإنجليز بأنهم إنما جاءوا إلى مصر لرفع الظلم وإحياء العدل وأنهم أنقذوها من الإفلاس ورفعوا الظلم عن الفلاح المستعبد لباشوات من الأتراك ويحجبون عنه شر الحاكم التركي وهو الخديوي وكان مناوئو فكرة الجامعة الإسلامية؛

وخاصة الذين تلقوا تعليمهم من دول الغرب مقتنعين بالحضارة الغربية من حيث قدرتها على وضع مثل عصرية تحل محل القيم الإسلامية التقليدية التي لم تعد صالحة حسب زعمهم لإقامة مجتمع متقدم وقد بدا أثر هذا الاقتناع فيما نادوا به من أفكار تمثلت في الحرية الشخصية والحياة النيابية؛

كما عرفوها في أوروبا وضرورة فصل الدين عن الدولة أو السلطة الدينية عن السلطة الزمنية باسم حرية الفكر وضرورة السعي لتحقيق حرية المرأة من القيود الدينية والاجتماعية والوصول بها إلى مكانة المرأة الأوربية وقد وصفهم كرومر بأنهم قد عادوا من الغرب متشبعين بروحه ويتنفسون برئته ويفكرون بعقله ويردون في بلدهم صدى أساتذتهم المستشرقين وينشرون أفكارهم ونظرياتهم في إيمان عميق وحماسة زائدة؛

ويصفهم كذلك بأنهم نبذوا التعصب الديني واحتقروا تقاليد آبائهم ويفاخرون بما أسسوه في بلادهم من مدارس عصرية وجرائد ومحاكم وخط حديدي في وقت يؤكد فيه أن المسيحية لها تأثير على الحضارة والفرد في أوربا.وقد قوبلت هذه الآراء بالهجوم من قبل أصحاب الفكر التقليدي من المسلمين وبخاصة الذين يرفضون التعامل مع الحضارة الغربية.

وبين هذين التيارين الإسلامي والغربي وجد تيار ثالث هو التيار التوفيقي أو الذين يريدون التوفيق بين الإسلام وحضارة الغرب وقد هوجم أصحاب هذا التيار من كلا التيارين الآخرين وكان على رأس الفريق الثالث الشيخ محمد عبده الذي دعا الناس لليقظة والهجوم على رجال الدين في البداية؛

ثم أصدر فتاوى تتسم بالجرأة لتهيء له تحقيق ما دعا إليه من التعامل مع الحضارة الغربية وقد لقي هجوما شديدا من قبل التيار التقليدي وتبعه في هذا الجانب الشيخ عبد العزيز جاويش حيث بدت بعض هذه الآراء في جريدة الحزب الوطني اللواء التي كان يرأس تحريرها ثم في مجلة الهداية سنة 1910

ويبدو ذلك من خلال دعوته للدستور والحياة النيابية وهي من بين مبادئ الحزب الوطني وهو الأمر الذي كان يرفضه السلفيون التقليديون على أن المعتدلين من رجال الدين كانوا لا يعارضون في الإصلاح والتعامل مع حضارة الغرب؛

ولكن من خلا ميزان إسلامي يفرق بين المدنية والثقافة وهما ركنا الحضارة وقد دعوا لرفض كل ما يتصل بالعقائد والعادات والتقاليد وآداب المجتمع وأساليب الحياة وأنماط العيش أو بمعنى آخر عارضوا أن تكون الحضارة الإسلامية في مصر صورة من حضارة الغرب أو ثقافته أو سموا بدعاة التجديد قد غالوا في الهجوم لا على الدين الإسلامي فحسب بل وعلى دعاته جميعا واتهامهم بالتطرف والجمود.

وعلى مسرح الأحداث السياسية كان تعيين الخديوي لبطرس غالي رئيسا للوزراء في نوفمبر سنة 1908 خلفا لوزارة مصطفى فهمي تحديا للرأي العام الإسلامي في مصر ولم يكن ذلك لكونه مسيحيا فقط بل ولأنه كان متعاونا مع سلطات الاحتلال كذلك فقد سبق له أن وقع اتفاقية الحكم الثنائي للسودان سنة 1899 م ورأس محكمة دنشواي التي أعدمت بعض المواطنين المصريين؛

وقد أثارت الوزارة البطروسية مشاعر المصريين منذ البداية فبدأت باستخدام أسلوب الشدة ضد الحزب الوطني بالذات بإصدرا قانون المطبوعات في مارس 1909 وهو الذي كان معمولا به أيام الثورة العرابية فنظم الحزب مظاهرات اصطدمت مع البوليس في أبريل سنة 1909 وكان من نصيب الحزب الوطني في أعقاب صدور هذا القانون أن حوكم الشيخ عبد العزيز جاويش ووجه إنذار إلى جريدة اللواء وتبع ذلك تأييد الحكومة البطرسية لمشروع مد امتياز قناة السويس تنفيذا لرغبة الاحتلال؛

وخصصت واحدا من أعضائها وهو سعد زغلول ناظر الحقانية للدفاع عن المشروع في الجمعية العمومية ولولا قوة الرأي العام المصري وتأثير رجال الحزب الوطني فضلا عن معارضة بعض البريطانيين له لخشيتهم ازدياد نفوذ فرنسا في مصر لنجحت الحكومة البطرسية في إقراره.

وأثناء عرض مشروع مد امتياز القناة في الجمعية العمومية أطلق شاب من الحزب الوطني يدعى إبراهيم ناصف الورداني الرصاص في 19 فبراير سنة 1910 على رئيس النظار بطرس غالي فأصابه بجراح خطيرة وأدت بحياته بعد ساعات من الحادث وقد تم القبض على الورداني في مكان الحادث واعترف بارتكابها واستدعى بعض أعضاء الحزب الوطني للتحقيق معهم ومنهم الشيخ جاويش وحكم على الورداني بالإعدام شنقا وتم تنفيذ الحكم في 28 يونيه سنة 1910.

وكان هذه الحادثة فرصة استغلها الاحتلال ملوحا براية التعصب الديني في أوربا فالقاتل مسلم والمقتول مسيحي والرأي العام المصري يؤيد ذلك المسلم فتخرج المظاهرات أثناء محاكمته هاتفة ورداني ورداني اللي قتل النصراني ويرفض المفتي إصدرا فتوى تصدق على الحكم الصادر بإعدام القاتل؛

ويكتب الشيخ جاويش عدة مقالا في اللواء يعتبرها الاحتلال معاديا للأقباط ولم يشر أي من كتاب الغرب ومن تبعهم من الكتاب المصريين إلى سياسة بطرس غالي التي كان لها تأثيرها على الحركة الوطنية والتي كانت من أكبر دوافع قتله لكن واحدا من الغربيين هو روتشتين قد رأى أن اغتيال بطرس غالي أمر طبيعي جدا من خلال استعراضه لسجل خدمته الذي اتضح منه مدى تحالفه مع الاحتلال وعمله على تنفيذ سياسته وكان بذلك يؤيد الرأي العام في مصر الذي اعتبر الورداني شهيدا من شهداء الحركة الوطنية.

وكان الاحتلال يهدف من وراء هذه الضجة إلى تبرير ما يزمع القيام به من اضطهاد الحركة الوطنية وحرمانها من زعمائها فحرر المستر رونالد جراهام مستشار وزارة الداخلية الإنجليزي مذكرة قدمها إلى السير ألدون غورست المندوب السامي البريطاني في مصر في مايو سنة 1910 اقترح فيها نفي الشيخ عبد العزيز جاويش إلى جبل طارق تطبيقا لقانون النفي ورفع غورست المذكرة بموافقته إلى حكومته التي وافقت هي الأخرى وأعدت الإجراءات الكافية بتنفيذ النفي وما أن علم الشيخ جاويش بذلك حتى أخذ حذره وبشكل لم يمكنهم من الفرصة لتنفيذ ما أرادوا لدرجة جعلتهم في النهاية يقلعون عن فكرة النفي إلى فكرة المحاكمة.

ولكن جاءت سلسلة من الأحداث تمثلت في كتابة زعماء الحزب الوطني فريد وجاويش مقدمة لديوان وطنيتي للشيخ علي الغاياتي وتعييني مندوب سامي بريطاني أكثر عنفا من سلفه حيث كان رجلا عسكريا وهو كتشنر فحوكم الزعيمان وحكم عليهما بالسجن، وأغلقت صحف الحزب الوطني مصر الفتاة والعلم فلم يجد كلاهما بدا من ضرورة الرحيل إلى تركيا لمواصلة الكفاح هناك بدلا من البقاء في سجون مصر ولم يأت منتصف عام 1912 حتى خرج كل منهما متخفيا إلى تركيا ولم يقدر لفريد أن يرى مصر ثانية؛

حيث مات في برلين سنة 1919 بعد أن بذلك كل جهده في الدفاع عن قضية بلاده معرضا نفسه خلالها لآلام الفقر والحرمان من الأهل والأحباب والوطن أما الشيخ جاويش فقد عاد إلى مصر مختفيا 1923 ولم يقدر له أن يسهم لتغير الظروف بالقدر المطلوب في الحركة الوطنية والدفاع عن كفرة الجامعة الإسلامية التي كان لا يزال مؤمنا بها؛

وشارك في آخر حياته في نشأة جماعة الشبان المسلمين سنة 1927 حيث كان أول سكرتير لها وبقي بها حتى وافته المنية في يناير سنة 1929 على أن ما ينبغي إلقاء الضوء عليه هو جهود الرجل خلال السنوات التي أمضاها في أوربا فبرغم انجراف حكام تركيا جماعة تركيا الفتاة إلى الوطنية والقومية وبعدهم عن فكرة الجامعة الإسلامية إلا أن جاويش ظل ينادي بفكرة الجامعة على صفحات مجلة العالم الإسلامي التي أنشأها هناك؛

وكان سبب خلافه الأساسي مع فريدي هو استمرار دعوته للارتباط بتركيا رغم وضوح سياستها التي توجب غير ذلك في وقت رفع فيه فريد التركي الأصل شعار مصر للمصريين فأثار به حفيظة رجال تركيا الفتاة الذين كانوا ما زالوا يلوحون بفكرة اتحاد المسلمين كهدف سياسي يرمي إلى مناصرة المسلمين لهم أثناء الحزب الأول واتهم فريد الشيخ جاويش بالعمالة للأتراك حينما اصطحبه.

جمال باشا في حملته على السويس التي كانت ترمي إلى ضرب الإنجليز واستعادة مصر وقد عبر الرأي العام الإسلامي في مصر رغم الأحكام العسكرية أثناء الحرب عن استمرار تمسكه بالارتباط بتركيا حيث كانت هناك بوادر ثورة فعلية نظمها بعض أعضاء الحزب الوطني وساعدهم بعض الجواسيس الألمان بقصد مساندة الحملة التركية لكن الإنجليز تمكنوا من كشفها والقبض على مدبريها من مصريين وألمان؛

وحينما اضطر الحلفاء وعلى رأسهم الإنجليز تمكنوا من كشفها والقبض على مدبرها من مصريين وألمان وحينما اضطر الحلفاء وعلى رأسهم الإنجليز إلى الانسحاب من غليبولي في يناير سنة 1916 نظم أحد الشعراء وهو أحمد محرم قصيدة عبر فيها عن استمرار تمسك المصريين وتأييدهم لدولة الخلافة وكذلك عدم الرضا عن جمع الإنجليز للتبرعات من المصريين رغم سوء حالتهم وتقديمها للصليب الأحمر وفرسان القديس يوحنا وسلب الإنجليز لأموال المصريين

قال فيها:

طرب الحطيم وكبر الحرمان
واعتز دين الله بعد هوان

وعل وجه العموم كانت الحرب العالمية الأولي وما تبعها من أحداث تمثلت في قيامي ثورة سنة 1919 م وتولى حزب الوفد الدور الهام في الحركة الوطنية وانفراد بريطانيا بالسيطرة على مصر بعد تصريح 28 فبراير سنة 1922 ودستور 1923 الذي فصل مصر عن تركيا..

كان لكل هذه العوامل أكبر الأثر في التقليل من شأن دعاة الفكر الإسلامية حيث ساد الفكر القومي بمساعدة الاحتلال مسرح الفكر السياسي في مصر ودخلت الفكرة الإسلامية في طور جديد وهو ما سنتعرض له في الفصل الأول بإذن الله.

الفصل الأول:عوامل قيام الجماعات الإسلامية

شهدت نهاية العقد الثالث من هذا القرن نشأة جمعيتين إسلاميتين من أقوى الجماعات الإسلامية في تاريخ مصر الحديث والمعاصر وهما جمعيتا الشباب المسلمين والإخوان المسلمين؛

ولم تنشأ كلتا الجمعيتين من فراغ فقد تضافرت عدة عوامل وفي هذا العقد بالذات أدت إلى قيام هاتين الجمعيتين على جذور هذه العوامل لم تكن وليدة الفترة بل ترجع جذورها إلى فترات سابقة؛

كما أن نشأة هاتين الجمعيتين لم تكن رد فعل مباشر لهذه العوامل فقد اصطدم أصحبا الفكر الإسلامي الذي تولت الدفاع عنه هاتان الجمعيتان بالتيار الفكرية المضادة وخاصة بعد أن أخذت شكلا مؤثرا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر والتي تمثلت في الفكرة القومية؛

وكذلك ما سمي بحركة التجديد وقد ظهرت هذه التيارات بصورة سافرة منذ نهاية الحرب العالمية الأولي وبفضل الظروف السياسية التي كانت تتحكم في مسارها في الغالب سلطات الاحتلال مما أدى إلى جرح مشاعر غالبية المصريين الدينية والوطنية؛

ويلي ذلك دور العوامل الاجتماعية والاقتصادية وما وصلت إليه حالة غالبية المصريين من الفقر والبطالة الأمر الذي أدى مع كل هذه العوامل إلى تدهور حالة البلاد وتأخرها من جهة وإلى إحساس غالبية المصريين بالحاجة إلى ضرورة أخذ أسلوب جديد بعد إفلاس الأحزاب القائمة فكريا وسياسيا واجتماعيا لمواجهة الاحتلال والعمل على إجلائه وإصلاح حالة البلاد من جهة أخرى.

العوامل السياسية

كان وجود الاحتلال كافيا في حد ذاته لإثارة المشاعر الوطنية والدينية لدى المصريين فلم تخضع منذ الفتح الإسلامي لحاكم مسيحي بل كان مصدر الفخار في تاريخ مصر الإسلامي هو التصدي للغزو الصليبي الأوربي في العصور الوسطى؛

ومن هنا يمكن تفسير أسباب بروز تيار الفكر الإسلامي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وخاصة بعد الاحتلال عنه في نصفه الأول ولم يكن من السهل بالتالي على المصريين تقبل أي لون من ألوان الإصلاح التي يتبناها الاحتلال أو حتى يؤيدها فحين يريد كرومر إصلاح حالة البلاد الاقتصادية فيهتم ببعض الإصلاحات الزراعية يجد أمامه جموع المتشككين الرافضين يتهمونه..

وهم على حق في الغالب بأنه إنما أراد ذلك الإصلاح لمصلحة بلاده ولمد مصانعها بالمواد الخام ولم تجد الأفكار التي نالت تشجيع الاحتلال مثل الفكرة القومية الفرعونية أو فكرة الخلافة العربية وغيرها من الأفكار التي وصفت بالتقدمية التأييد الكافي من جموع المصريين؛

وإذا كان السبب في ذلك يرجع في المقام الأول إلى تعارضها مع الفكر الإسلامي إلا أن وجود الاحتلال وتشجيعه لها قد ضيق نطاق دعاتها الأقباط في أغلبهم ومؤيديها وكذلك وجه أصحاب الفكر الغربي من المصريين والذين أرادوا نشر بعض الأفكار التي اقتنعوا بها في بلادهم واجهوا مقاومة عنيفة من قبل إخوانهم المصريين المثقفين ثقافة دينية فضلا عن عدم الاكتراث والاهتمام بل والاتهام بالإلحاد والكفر من قبل جموع المصريين.

على أن من أهم العوام التي زادت من هذا الشعور المعادي للاحتلال لدى المصريين هو دور الأقباط المصريين الذين أيدوا الاحتلال ومدارس التبشير وقد أدى دورهم هذا إلى اصطدامهم بالمصريين من المسلمين فظهر في تاريخ مصر الحديث ولأول مرة ما سمي بالفتنة الطائفية التي كان من نتيجتها إبداء بعض الأقباط الرغبة في حماية الاحتلال لهم بحكم الوحدة في الدين ولكونهم أقلية الأمر الذي أوجد تأييدا من الاحتلال لمطلبهم لما يتضمنه من تبرير لوجوده يلوح به أمام الرأي العام المسيحي في أوربا.

وقد كان لذلك أثره على الرأي العام الإسلامي المدرك لدور الاحتلال في الزج بهذا التيار يكتب واحد من مؤيدي الحزب الوطني مقالا في اللواء يقول فيه: أيها اللواء الذي طالما بسط علينا ظله ومد إلينا حمايته وكان سيفه دائما مشهورا على الدساسين والمنافين كيف صبرت الآن على قوم من الزعانف لاهم من المسلمين ولا هم من الأقباط ولكنهم يدسون الدسائس بين أهل الوطن الواحد تنفيذا لسياسة معينة يقصد بها إلقاء التفريق وبذور الشقاق.

ويعلق الشيخ جاويش على ذلك قائلا: يسرنا توارد الكتب علينا من مثل هذا الكتاب لأن في ذلك دليلا على أن المسلمين المصريين متألمون تألما شديدا من دس الدسائس بينهم وبين إخوانهم الأقباط ويعتقدون كما نحن تعتقد أن عقلاء إخواننا بريئون من هذه الحركة التي تقوم بها آلات متأثرة بسياسة الاحتلال؛

ونقول في الختام إننا ما سكتنا عن هذه الحركة إلا استهانة بأمرها واحتقارا لشأنها واعتقادا أن الأقباط بريئون منها ثم ينشر اللواء عديدا من المقالات للشيخ عبد العزيز جاويش يحذر فيها من الآثار السيئة التي قد تنتج عن نجاح خطة الاحتلال في استخدام سلاح التعصب الديني سواء قبل الجلاء أو بعده وفي أعقاب اغتيال بطرس غالي كان الاحتلال وراء إرسال قرياقص ميخائيل كمثل للصحافة القبطية إلى لندن لينشر في صحفها مقالات عن الخلاف بين المسلمين والأقباط؛

كما كان وراء سرعة انعقاد مؤتمرين للأقباط والمسلمين في أعقاب الحادثة من الميادين التي برز تأثير الاحتلال فيها وبشكل ملحوظ ميدان التعليم حيث لعب دورا هاما في إهمال التعليم إدراكا منه لتأثير التعليم في تجسيد القيم الدينية وإثارة المشاعر الوطنية فأغلق بعض المدارس الحكومية وخفض حجم بعضها الآخر وجعل التعليم في المدارس الأميرية باللغة الإنجليزية بدلا من اللغة العربية

كما ألغي الإعفاء من المصروفات قاصدا قطع طريق العلم على أولاد الفقراء في غالبية المصريين الأمر الذي دفع واحدا كمصطفى كامل إلى أسلوب جمع التبرعات العامة للاختيارية لإنشاء المدارس الخاصة؛

وحينما تزعم مصطفى كامل الدعوة لإقامة جامعة أهلية ينجح الاحتلال في إرغام الحكومة على أن تسحب مندوبها في المشروع وهو سعد باشا الذي كان يشغل منصب ناظر المعارف بعد أن يعلن تأييده لمشروع الكتاتيب الذي كان يؤيده الاحتلال وفي نفس الوقت كان الاحتلال يعد مجموعة كبيرة من بين أبناء المصريين وخاصة أبناء كبار الملاك من الذين تلقوا تعليمهم في الغرب لتولي المناصب الهامة وخاصة في الأجهزة المصرية..

وفي مقدمتها الجامعة كي يسهموا في نشر هذه الأفكار المعادية في أغلبها للفكر الإسلامي وقد ظهر ذلك جليا حيث تبنت هذه الجامعة الدفاع عن فكرة القومية الفرعونية فضلا عن تشجيع الاحتلال لإصدار عديد من المؤلفات المروجة للفكرة العلمانية مثل عودة الروح وأهل الكهف لتوفيق الحكيم.

ويأتي دور الأحزاب السياسية في المرتبة الثانية بعد دور الاحتلال سواء تلك الأحزاب التي ظلت قائمة بعد الحرب العالمية الأولي والممثلة في الحزب الوطني أو الأحزاب التي أنشئت في أعقاب ثورة الشعب سنة1919 وفي مقدمتها حزب الوفد على أنه بالرغم من التسليم بضعف الحزب الوطني بعد الحرب الأولى بسبب فقده للزعامة بعد موت محمد فريد سنة 1919 في برلين ووجود الشيخ عبد العزيز جاويش خارج مصر وعدم تمكنه من العودة إلى مصر حتى مايو سنة 1923؛

وبالتالي فقده لأغلب أنصاره بالرغم من تسليمنا بضعفه إلا أنه قد سلك أسلوبا في الكفاح ميزه عن مجموعة الأحزاب الجديدة وهو امتداد لأسلوب القديم والمتمثل في تمسكه بمبدأ لا مفاوضة إلا عبد الجلاء فضلا عن تمسك أعضائه بمبدأ عدم الاشتراك في الحكم ولمدة طويلة برغم دخولهم الانتخابات ووجود أعضاء منهم وأنهم كانوا قلة في المجالس النيابية حيث تولوا جانب المعارضة.

أما حزب الوفد وهو أول الأحزاب التي أنشئت بعد الحرب الأولى نتيجة لتشاور رجال السياسة في مصر حيث رأوا ضرورة سفر وفد منهم إلى مؤتمر الصلح للمطالبة بالاستقلال فقد وضح أسلوبه في الكفاح منذ نشأته فمؤسسوه وعلى رأسهم سعد زغلول ينتمون إلى حزب الأمة أو مدرسة الشيخ محمد عبده تلك المدرسة التي عرفت بالاعتدال والواقعية والتدرج في الإصلاح الداخلي الذي يليه الجلاء؛

وبالتالي فقد هادنت الاحتلال ومن ثم نالت تشجيعه فضلا عن أن أبناء هذه المدرسة كما سبق التوضيح قد عارضوا فكرة الجامعة الإسلامية وفضلوا عليها الدعوة المصرية وقد حدد سعد زغلول ورفاقه في الوفدي حجم ونوع الاستقلال الذي يرغبون في الحصول عليه منذ المقابلة الأولى لهم مع ونجت المندوب السامي البريطاني في 13 نوفمبر سنة 1918 ..

حيث قرن سعد طلب الاستقلال بعرض منح بريطانيا ضمانات على مصالحها في مصر من بينها حق احتلال منطقة قناة السويس وأن يكون لانجلترا دون غيرها حق احتلالها عند الاقتضاء وعقد محالفة مع انجلترا دون سواها تقدم مصر بمقتضاها لبريطانيا ما تستلزمه المحالفة من الجنود؛

وأخيرا إبقاء مستشار المالية الإنجليزية في مصر وتخويله سلطات صندوق الدين وكانت هذه التنازلات بمثابة إعلان عن مدى ضعف الجانب المصري في مقابلة كان مقصدها الحصول على إذن بالسفر إلى مؤتمر الصلح..

وكان هناك وفد آخر رسمي مكون من حسين رشدي رئيس الوزراء ومعه عدلي يكن الأمر الذي أسهم في أن يكسب وفد سعد زغلول الصفة الشعبية ولما كان الوفد الشعبي مصرا على السفر لعرض مطالب البلاد وحيث أنه قد قوبل بتسويف واعتراض من قبل السلطات البريطانية؛

فقد لجأ أي الوفد إلى إثارة الرأي العالمي ضد بريطانيا وكذلك إثارة مشاعر الجماهير التي تتابع التطورات عن كثب والتي ربطت مطالبها بمطالب الوفد وأيدته ماديا ومعنويا وقد أدى ذلك إلى إلقاء القبض على رئيس الوفد وثلاثة من أعضائه في 8 مارس سنة 1919 وقامت بترحيلهم إلى مالطة وقد كان هذا العمل بمثابة الشرارة التي فجرت لهيب ثورة مصرية عمت أنحاء البلاد عبر الشعب خلالها عن ضيقه من ألوان السخط والاستغلال التي تعرض لها طيلة عهد الاحتلال البريطاني وأثناء الحرب العالمية الأولي بالذات.

و إذا سلمنا بالتفسير الشمولي للثورة حيث شملت مصر بأسرها ريفها وحضرها وبواديها قراها ومدنها وعواصمها كما شملت أبناء الأمة المصرية بطبقاتها وفئاتها وطوائفها وعناصرها المختلفة الأمر الذي أدى إلى صبغها بالصبغة القومية العلمانية؛

فلا يجب أن نسلم بانحسار المد الإسلامي بالرغم من تسليمنا بانحسار بعض مؤسساته التقليدية الممثلة في الأزهر وغيره من الجمعيات الدينية إن الثورة التي أدت إلى التحام المسلمين بالأقباط ورفعت فيها شعارات مثل الحرية والمساواة والإخاء ليحيا العدل استنتج البعض منها أنها غلبت الفكر العلماني بل واليساري عند بعض الآراء وهذا إن صح فهو لا ينفي أن التيار الإسلامي كان قويا عند كثيرين من رجال الثورة.

وقد استطاعت انجلترا أن تحصل على اعتراف أغلب الدول المجتمعة في مؤتمر السلام بحمايتها على مصر قبل أن تمكن الوفد من عرض مطالبه ثم حاصرت الوفد بظروف جعلته يعود إلى مصر دون أن يحقق الأغراض التي سافر من أجلها وحينما عاد الوفد إلى مصر ارتضى السير في أسلوب المفاوضة التي كانت مستحيلة من قبل بحكم ارتباط مصر مع تركيا بمعاهدة دولية سنة 1841 فوقع بذلك في أول فخ نصبه الاحتلال ونشأت طائفة مصرية تدعو إلى المفاوضة مع الإنجليز..

واعتبرتها السبيل الوحيد المتاح للمصريين وأن ما عداه عبث لا جدوى منه وبالرغم من أن تصريح 28 فبراير سنة 1922 قد نص في بنده الأولى على انتهاء الحماية البريطانية على مصر وتكون مصر دولة مستقلة ذات سيادة؛إلا أن المسائل التي تركها معلقة للبحث وهي ما تسمى بالتحفظات الأربعة لم تغير من حقيقة الاحتلال الأمر الذي يجعل البند الأول وهو إلغاء الحماية والاستقلال حبرا على ورق..

وقد عبر اللورد اللني صراحة في مذكرة تفسيرية رفعها إلى السلطان فؤاد مرفقة بنص التصريح حيث قال إن هذه الضمانات قد تجاوزت الحد الذي يتلاءم مع حالة البلاد الحرة وبالرغم من إجماع المؤرخين أن هذا التصريح هادم للاستقلال الذي نص عليه، إلا أن المعتدلين من السياسيين المصريين قد قبلوه باعتباره خطوة في طريق الاستقلال؛

وخاصة أنه أضاف مناصب جديدة لهم تتمثل في منصب وزير الخارجية وما يلحق ذلك من تمثيل دبلوماسي خارجي وعلى أنه أي التصريح كان إعلانا من جانب الاحتلال بقطع صلة مصر بتركيا ولا يعني ذلك قطع الصلة بتركيا الدولة ولكن بتركيا الخلافة والجامعة الإسلامية وأفسح ذلك الطريق أمام دعاة القومية المصرية؛

وحين أعلن عن انعقاد مؤتم لوزان لتحديد علاقة الترك بقيادة كمال أتاتورك مع الحلفاء في أكتوبر سنة 1922 اتفق كل من الحزب الوطني والوفدي على ضرورة توحيد صفوفهما وتمثيل مصر في هذا المؤتمر للدفاع عن حقوق مصر و إبراز صفتها الدولة ويبدو من مذكرة الوفد المصري المشترك التي تقدموا بها إلى المؤتمر أن الانفصال عن تركيا ليس رغبة الاحتلال وحده بل هو رغبة المصريين كذلك؛

وإذا كانت الظروف تقتضي إقرار صحة ذلك المطلب بعد تولي الحكومة الكمالية في تركيا وتغير الأوضاع عن ذي قبل فإن ذلك ليس مبررا كافيا لتخلي الحزب الوطني عن موقفه من فكرة الجماعة الإسلامية التي وصف من خلالها بالتطرف وهجرها إلى سياسة وطنية أكثر اعتدالا كان الوفد قد سبقه فيها الأمر الذي أفقده شعبيه لصالح الوفد وجعله من أحزاب الأقلية.

وفي 19 أبريل سنة 1923صدر الدستور المصري وبه نجح الاحتلال في إقناع ساسة مصر بلعبة جديدة هي لعبة الانتخابات والمجالس النيابية والصراع على كراسة الحكم لكن الدستور في حد ذاته كان منسجما على الورق أو كما قال عنه أحد مشرعيه وهو عبد العزيز فهمي أنه ثوب فضفاض وذلك لكونه منقولا في أغلبه عن الدساتير الغربية التي لا تلائم نصوصها حالة البلاد

وشهدت هذه الفترة صراعا عنيفا بين حزب الوفد وحزب الأحرار الدستوريين كثيرا ما تجاوز مصلحة البلاد في سبيل المصلحة الحزبية فكان كل هم الحزب الذي يتولى الحكم أن يطهر البلاد من خصومه السياسيين الأمر الذي كان يثير آلام الشبان الذين أراقوا دماءهم رخيصة في المظاهرات والاضطرابات؛

والذين لا يجنون من أولئك أو هؤلاء أية منفعة وبرغم تسليم كثير من الكتاب والمؤرخين بهذه الأمور تخرج مجموعة منهم تهلك ما تسمية بالديمقراطية الليبرالية ودون الدخول في تفاصيل هذا النظام لا ندري كيف اقتنع هؤلاء بل وحاولوا إقناع غيرهم بأن هناك نظاما ديمقراطيا من الممكن أن ينشأ في ظل الاحتلال والحقيقة أن طاقات المصريين قدي استهلكت في غير موضعها وكان من الأولى توحيد الجهود لتحقيق الاستقلال ثم تختار البلاد ما يحلو لها وما يتلاءم مع ميول أبنائها من نظم.

وبدلا من أن يسعى الزعماء السياسيون لتوحيد صفوفهم يقوم بعضهم بتأليف حزب جديد هو حزب الاتحاد في يناير سنة 1925 وكان واضحا منذ البداية تبعية هذا الحزب للسراي وذلك لما عرف عن تقرب زعمائه من القصر بل ولم يخف أعضاء الحزب هذه التبعية حيث جعل على رأس الدعاية عند تأسيسه الولاء للعرش ولما كان من بين الأهداف الرئيسية لمؤسس هذا الحزب الاشتراك في الحكم فقد دفعهم ذلك إلى الحرص على تحسين علاقتهم بالإنجليز فكان بذلك أول الأحزاب السياسية التي جمعت بين الولاء للقصر والولاء للاحتلال.

وتمر البلاد بظروف سياسية ينتهك فيها الدستور ويتناوب القصر والإنجليز في التحكم في مسارها وتثور الأحزاب البعيدة عن الحكم على إسناد شيء جديد من السلطة للسراي وتطالب أن تعود إليها كونها تمثل الأمة؛

فإذا ما وصلت إلى الحكم لا ترى لمطالب الأمة صدى في أعمالها وكيف تتحقق مطالب الجماهير على يدي مجموعة من كبار الملاك وأصحاب رؤوس الأموال مهما وصف السياج الذي يعملون في إطاره ومجمل القول أن الأحزاب السياسية التي قامت في أعقاب الحرب الأولى سواء منها من نال تأييد الجماهير أم نال تأييد السراي أو الاحتلال لم تفلح جميعها في تحقيق الاستقلال الحقيق وكذلك في النظر لإصلاح حالة البلاد سواء لخلو مناهجها من برامج إصلاحية أم لعدم اهتمام القائمين عليها بالمطالب الحقيقية وما يعانيه الشعب المصري ومن هنا لا يصدق اتهام العمل السياسي في هذه الفترة بالإفلاس فحسب بل يجبي أن يلصق بها الإفلاس الاجتماعي والاقتصادي.

العوامل الفكرية

أتاحت العوامل السياسية الظروف أمام المصريين الذين تلقوا تعليمهم في الغرب وتأثروا بحضارته أن ينقلوا إلى طبقات المثقفين المصريين إذا جاز استخدام كلمة طبقة إعجابهم وتصوراتهم لهذه الحضارة وقد ساعد على نجاحهم ما أسهمت به نفس الظروف من ضعف علماء الدين واهتزاز منزلتهم ووقوفهم سلبيين أمام حقائق العلوم التجريبية؛

لذلك الذي وجدت فئة من المثقفين تنادي بأن يحل المفهوم العلماني الخاص بالدولة القومية محل الفكرة الإسلامية وتصورت هذه الفئة أن الأخ عن الحضارة الغربية هو المنهج الأمثل للوصول بالبلاد إلى الرقي والنجاح وكان خضوع السلطة لمجموعة من السياسيين المعتقدين في صحة ذلك؛

وما أدى إليه من تسخير أدوات الدولة الهامة كالتشريع والتعليم سبيلا لتطبيق بعض هذه الاتجاهات فطالبوا بمساواة الرجل بالمرأة وإلغاء المحاكم الشرعية وتعديل قوانين الأحوال الشخصية فضلا عن التمادي في تطبيق النظام الديمقراطي؛

ومن العوامل الهامة التي ساعدت على نشاط الفكر العلماني والقومي إلغاء مصطفى كمال أتاتورك للخلافة الإسلامية سنة 1924 وتحويله لتركيا إلى دولة علمانية وقد أدى ذلك إلى ظهور مؤلفات تنتهج نهجا علمانيا في مقدمتها كتاب الإسلام وأصول الحكم الذي ألفه الشيخ على عبد الرازق القاضي بمحكمة المنصورة الشرعية في أغسطس سنة 1925 ولخطورة الأمور التي تناولها هذا الكتاب وما ناله من شهرة بسببها ينبغي إلقاء الضوء عليه؛

وقبل الدخول في تفاصيل هذا الكتاب تقول إن الظروف التي أحاطت بظهوره كان لها إسهام كبير فيما ناله من شهرة فقد كانت عواطف الناس متأججة بسبب إلغاء الخلافة وكانوا يترقبون المساعي المبذولة وهي الدعوة لمؤتمر إسلامي بشأن إعادتها؛

وكان الكتاب صدمة لهذه العواطف وخاصة أن مؤلفه من رجال الأزهر أما عن الكتاب فقد أتى مؤلفه بأدلة تنفي وجوب الخلافة وعدم صلاحيتها للعصر وكان دليله في ذلك هو إهمال القرآن الكريم وكذلك السنة الأمر الذي أفقد العلماء الدليل الكافي على وجوبها؛

ورفض ما جاء به السيد رشيد رضا نقلا عن ابن حزم والتفتازاني في وجوب الخلافة فيقول ثم لا نجد في تلك الأحاديث بعد كل ذلك ما ينهض دليلا لأولئك الذين يتخذون الخلافة عقيدة شرعية وحكما من أحكام الدين تكلم عيسى ابن مريم عليه السلام عن حكومة القياصرة وأمر بأن يعطي ما لقيصر فما كان هذا اعترافا من عيسى بأن الحكومة القيصرية من شرعية الله تعالى ولا مما يعترف به دين المسيحية؛

وما كان لأحد ممن يفهم لغة البشر في تخاطبهم أن يتخذ من كلمة عيسى حجة له على ذلك وكل ما جرى من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم من ذكر الإمامة والخلافة والبيعة لا يدل على شيء مما دل عليه المسيح حينما ذكر بعض الأحكام الشرعية عن حكومة قيصر؛

وفي الفصل الثالث في الكتاب حاول أن يثبت أن الإسلام رسالة لا حكم ودين لا دولة أي فصل الدين عن الدولة وهو الرأي الذي دعا إليه العلمانيون فيقول إن محمد صلى الله عليه وسلم ما كان إلا رسولا لدعوة دينية خالصة للدين لا تشوبها نزعة ملك ولا دعوة لدولة؛

وإنما لم يكن للنبي ملك ولا حكومة وأنه لم يقم بتأسيس مملكة بالمعنى الذي يفهم سياسته من هذه الكلمات ومرادفاتها ما كان إلا رسولا كإخوانه الخالين من الرسل وما كان ملكا ولا مؤسس دولة ولا داعيا إلى ملك

ويصور هو بنفسه أثر ذلك على الرأي العام الإسلامي في مصر فيقول:

قول غير معروف وربما استكره سمع المسلم بيد أن له حظا كبيرا من النظر وقوة الدليل كما نفي الكاتب استخلاف النبي عليه الصلاة والسلام لأبي بكر الصديق وقال إن الزعامة التي وجدت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم هي نوع من الزعامة جديد ليس متصلا بالرسالة ولا قائما على الدين وأنها زعامة سياسية ومدنية وزعامة الحكومة والسلطان لا زعامة الدين؛
وخلص في رأيه أن الدين الإسلامي برئ من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون وأن الواجب هو تركها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة كما أن تدبير الجيوش الإسلامية وعمارة المدن والثغور ونظام الدواوين لا شأن للدين بها وإنما يرجع الأمر فيها إلى العقل والتجريب وأن على المسلمين أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة كلها؛
وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلوا له واستكانوا إليه وأن يبنوا قواعد ملكهم ونظام حكومتهم على أحدث ما أنتجت العقول البشرية ولقد كان لخطورة ما تناوله الكتاب من هدم أحد الأركان الهامة في الدعوة الإسلامية أثر دام حتى اليوم في ظهور عديد من المؤلفات التي راحت تنقب في أصول الدين لإثبات خطأ ما دعا إليه وفي نفس الوقت لقي الكاتب تأييد من جانب الكتاب الذين تأثروا بالفكر لعلماني
والذي عدوا ظهوره وفي هذه الظروف انتصارا لمذهبهم وفي الحقيقة أن الكتاب لم يكن بحثا أكاديميا من أبحاث السياسة أو علم الكلام بل كان سلاحا سياسيا استخدمه صاحبه في معركة سياسية حامية ضد القصر الذي يعاديه الحزب الذي ينتمي إليه من الأحرار الدستوريين وضد الأزهر الذي أشيع في ذلك الوقت أنه يريد الخلافة للملك فؤاد؛

وفي نفس الوقت كان ترويجا للفكر العلماني ولقد كان من نصيب الشيخ من جراء ذلك إصدار حكم من هيئة كبار العلماء بإخراجه من زمرة العلماء في أغسطس سنة 1925 وصدر في العام التالي (1926) كتاب آخر بعنوان في الشعر الجاهلي للدكتور طه حسين أثار فيه المؤلف الشك حول تاريخ العرب قبل الإسلام ولم يقف عند ها الحد بل تطرق شكه لحقائق وردت في القرآن الكريم حيث اعتبر صلة إبراهيم الخليل بالعرب وبناءه وابنه إسماعيل الكعبة أسطورة وليست حقيقة

وقد سبق طه حسين في فكرته هذه واحدة من المستشرقين في كتاب المذهب المحمدي صور فيه النبي عليه الصلاة والسلام بأنه أراد أن ينافس في الزعامة القائمة بمكة وأن يكون صاحب سلطة فيها وبما أن المقدسات الدينية كانت لها صلة وثيقة بالازدهار الاقتصادي الملكي وبسيادة المكيين الروحية على بقية العرب الرحل لم يشأ محمد عليه الصلاة والسلام أن يظهر في منافسته للمكيين في صورة أخرى غير الصورة الدينية لقد تحكمت فيه الرغبة إلى الحكومة الدينية منذ البداية في الصراع؛

ولقد كافح لأن يكون صاحب حكومة دينية حتى أعلن في النهاية وهو في المدينة هذه الحكومة فيما سماه الإسلام والجماعة الإسلامية وكان طه حسين في مؤلفه متأثرا بنظرة المستشرقين إلى حد كبير وقد أسهم بهذا الكتاب في تجسيد مفهوم الثورة على الدين من أجل العلم؛

أو بمعنى آخر تنافر العلم مع الدين وفي نفس العام الذي صدر فيه كتاب الدكتور طه حسين (1926) بدأ سلامة موسى في نشر عدة مقالات عبر فيها عن كرهه للشرق وحبه لأوربا متمنيا أن تصبح كل ظواهر المجتمع المصري كأوربا وأن يقترب الشعب المصري والحضارة المصرية من أوربا؛

وقال إن الأزهر جامعة أوربية أسسه جوهر الصقلي وأنه من الأسف أن تسربت إلى مصر دماء الشرق من الإخشيديين والمماليك والعثمانيين ووصف الذين ينقبون في دراسة اللغة العربية وأعلام العرب من أمثال مصطفى الرافعي والمازني بالمساكين؛

وتمنى لو أصبحت اللغة العربية لغة طقوس دينية كاللغة القبطية بعد أن تسود العامية وهاجم الرابطة الشرقية والجامعة الإسلامية مفضلا عليها القومية في مقال عنوانه الجماعة الدينية وقاحة وقال إن أبناء القرن العشرين أكبر من الاعتماد على الدين كجامعة تربطهم كما ألقى مرقص سميكة محاضرة في الجامعة الأمريكية سنة 1926 شكر فيها وزارة المعارف لعنايتها بتدريس تاريخ الفراعنة لتلاميذ المدارس بعد أن كان مهملا؛

وأبدى فيها كرهه للعرب وكل ما هو عربي واعتبرهم محتلين لمصر كالرومان واليونان كما يخف حقده للحضارة العربية والإسلامية وقد شاركت بعض صحف الفترة وبعض مجلاتها في ذلك التيار العلماني القومي المعادي للفكر الإسلامي وكانت مجلة الهلال في المقدمة ومنذ الشهور الأولى لصدورها فيكتب أميل زيدان مقالا في نوفمبر سنة 1924 بعنوان حرية الفكر دعا فيها إلى الشك حتى في العقائد لأنه منهج مطهر؛

كما دعا في مقال آخر إلى أن الآخرة وهم سيؤدي بالإنسان إلى احتقار الحياة كما أسهمت جريدة السياسة لسان حال حزب الأحرار الدستوريين في هذه الموجه فيكتب رئيس تحريرها الدكتور محمد حسين هيكل مقالا وصل فيه إلى أن تسوية الأديان السماوية شبيه مع الأساطير الوثنية؛

كما تبنت الصحيفة الدعوة إلى الفكرة القومية الفرعونية وتخيلت أن تكون هذه الدعوة دينا جديدا يغزو بمبادئه العالم هاديا ومبشرا ليحقق للناس السعادة والطمأنينة ومن الأمور التي أثارت مشاعر المسلمين الدور الذي لعبه المبشرون فلم يقف دورهم عن دينهم الأمر الذي أدى إلى ذعر واستفزاز الرأي العام الإسلامي؛

وفي الوقت الذي يفسر فيه أصحاب الفكر الإسلامي دور الاحتلال في مساعدة المبشرين أنه نابع من كره للعقيدة الإسلامية ورغبة في تشتيت أبنائها يؤكد فيه تيار آخر أن الاحتلال أراد بذلك إضعاف الحركة الوطنية حيث يوجه الأقليات الدينية إلى الصراع مع الأغلبية لتستنفذ جهدها وتعيدها إلى صورتها الطائفية المتعصبة؛

ويفسر أصحاب ذلك الرأي معارضة حزب الوفد لحركة التبشير من هذه الزاوية حيث أراد سياسيوه أن يقطعوا على الاستعمار الطريق لتحقيق أهدافه في وقت أسهم فيه أصحاب الاتجاه الإسلامي في تحقيقه بالهجوم على المسيحية وإدخال الصراع في زاوية طائفية.

العوامل الاجتماعية

كان من نتيجة الظروف السياسية وما تبعها من صراع فكري بين الذين فتنوا بالحضارة الغربية والمحافظين من عامة الشعب المصري أثر واضح على الحياة الاجتماعية والذي يقارن الحياة العامة في المدن المصرية فترة ما قبل الحرب الأولى وما بعدها يستطيع أن يدرك أبعاد هذا التغيير؛

فقد دخلت إلى المجتمع المصري بعض العادات والتقاليد الغربية التي لم يتقبلها جمهور المصريين مثل انتشار حانات الخمر ودور الملاهي الليلية ودور البغاء وأوراق اليانصيب وزادت دور السينما والمسارح الليلية وامتلأت صفحات المجلات في نقل أخبار الممثلين والممثلات والمغنين والمغنيات والرقص؛

ودخلت الفتاة العارية مدرسة الفنون الجميلة فلقيت ترحيبا زاد عن زميلتها المحجبة وكثرت الترجمة للقصص الخليعة والمذاهب الأدبية الهدامة والمعادية للدين، وكثرت حفلات الرقص في بيوت الأغنياء وبالطبع كان لكل هذه المظاهر أثر على الشباب؛

حيث صادفت هوى في نفوسهم وأغرتهم على التمرد على كل ما هو قديم والاستخفاف بالعادات الموروثة ولقي في هذه العادات إرضاء لنزواته فأقبل على تعليم الرقص مع الفتيات كي يجاري في عاداته أبناء الجاليات الأجنبية وتنافس الأغنياء على استجلاب الأدوات المنزلية الحديث ووسائل الترف من أوربا وعلى إرسال أبنائهم للتعلم في دول الغرب مباهاة بالقدرة على الإنفاق؛

وقد صور المنفلوطي في كتابه النظرات هذه الحياة بقوله: أصبح السيد في بيته يستحي الحياء كله من خادم غرفته الأوربية أن تطلع منه على جهله ببعض عاداتها وعادات قومها حتى في لبس الرداء وخلع الحذاء أكثر مما يستحي من الله وكانت مجلة الهلال وجريدة السياسة على رأس الصحف التي تروج للتيار الجديد؛

ففي الوقت الذي تدعو فيه الهلالي إلى فوائد مذهب العري ونشأته وإلى اختلاط الجنسين في التعلم كتب السياسة الأسبوعية عن الخمر والرقص ونجد الشيخ الذي يكتب على صفحاتها مقالا في أعياد الميلاد دون عيد الهجرة والمولد النبوي وتواصل السياسة حملتها في الدفاع عن دور البغاء تشاركها جريدة البلاغ واشتهر في ذلك الميدان هيكل والعقاد وفكري أباظة وسلامة موسى وغيرهم أما حركة تحرير المرأة ونزولها إلى مجالات العمل ومطالبتها بدخول الجامعة فقد أثار ذلك حفيظة أتباع التيار الديني.

ولم تصب هذه المظاهر طبقة الأغنياء فحسب بل أصاب جزء منها حياة العمال والحرفيين في المدن وكان ما أحاط بهذه الفئة من ظروف جعلها غير قادرة على الانغماس في التيار العام إلى جانب أن أغلب أبنائها ينتمون إلى الريف المحافظ؛

وإذا كانت هذه الفئة قد أصبحت هدفا في هذه الفترة للتيارات اليسارية إلا أن هذه التيارات لم تستطع جذب أغلب العمال إليها حتى الذين جذبتهم لم تفلح إلى حد كبر في نزع القيم الدينية والعادات المتوارثة من أذهانهم وزاد من تدهور حال هذه الفئة خلو مناهج الأحزاب السياسية من بنود إصلاحية الأمر الذي جعل مؤيديها يهجرونها إلى تجمعات جديدة يمينية كانت أم يسارية.

كان الفلاح هو أقل فئات المجتمع تأثيرا بالتيار الجديد، فكان من يهاجر منهم أو يحتك بالمدينة طلبا للعمل أو العلم ينقل ما تقع عينه عليه من مظاهر الترف ووضع المرأة والأسرة لكن ذلك كان يقع من قطاعات عريضة من أهل الريف موقع الخيال أما الفلاح نفسه فقد كان نهبا لكبار الملاك الزراعيين؛

حيث كانت الثروة الزراعية مركزة في أيدي عدد قليل من الملاك الزراعيين حيث كانت الثروة الزراعية مركزة في أيدي عدد قليل من الأفراد بلغت نسبتهم 5% وترتب على ذلك وجود فوارق اجتماعية واضحة بين من يملكون وسائل الإنتاج ومن لا يملكون غير قوة عملهم يبيعونها لأصحاب الثروات مقابل أجور زهيدة لا تتناسب مع مطالب الحياة.

ومن عوامل سخط التيار الديني التوسع في الأخذ عن القوانين الفرنسية حيث كان أتباعه يرون أنها لا تناسب في أغلبها حالة البلاد وإنما جئ بها لخدمة المصالح الأجنبية عن طريق المحاكم المختلطة أما مجموعة القوانين التي أيد بها حماية مجموع الفلاحين من سطوة كبار الملاك فكان كثيرا ما يتخطاها كبار الملاك بحكم سيطرتهم على الأجهزة التشريعية والتنفيذية في الدولة.

أما في الحالة الاقتصادية فقد تعرضت مصر إلى أزمة اقتصادية منذ ما قبل الاحتلال بل وكانت الأزمة الاقتصادية عنصرا هاما من العناصر التي أدت إلى الاحتلال نفسه وقد ازدادت هذه الأزمة خلال الحرب العالمية الأولي ولم يكن أمام الاقتصاديين المصريين من سبيل للإصلاح سوى استعارة نظم ونظريات اقتصادية غربية محاولين تطبيقها فتأسست البنوك والشركات المساهمة على نمط غربي؛

وإذا كان ذلك السبيل قد أدى إلى الإسهام ف الإصلاح الاقتصادي إلى حد ما لكنه أدى إلى مزيد من الفوارق الطبقية كما أنه لم يمس حالة فئة العمال إلا مسا خفيفا ويرجع ذلك إلى عدم تطرق هذه النظم إلى إنصاف فئة العمال في أغلبها كما أن الذين تولوا التطبيق كانوا من فئة الرأسماليين وهم من الأجانب واليهود.

رد الفعل الإسلامي

كان من آثار الحرية المطلقة في الكتابة والسلوك على المستوى الفردي والجماعي أن ظهرت كتب ومقالات لم يرض عنها أتباع التيار الديني وذلك في غياب الرقابة على مثل هذه المطبوعات ومن أبرز المعارك التي دارت متصلة بالحياة الإسلامية في مصر في ذلك الوقت المعركة حول إلغاء الخلافة؛

وهل يجب استمرارها بشكل آخر أو نقلها إلى مصر أو أي بلد إسلامي آخر والمعارك التي دارت حول بعض الكتب سواء للمصريين أم للمستشرقين هجوما على الخلافة الإسلامية الممثلين في علماء الأزهر ودعاة الفكرة الإسلامية ومع تسليمنا بأن دورهم في صد الهجوم كان ضعيفا إلا أنه لا ينبغي مجارات البعض في إهماله أو تشويهه فمما لا شك فيه أن العامل الديني كان عنصرا أساسيا في قيام ثورة 1919 ووجد في الأزهر اتجاه لمناصرة الخديوي عباس حلمي الثاني ومحاولة إعادته للحكم؛

كما وجدت جمعيات لمساندة الحركة السنوسية في ليبيا وحينما حارب الجيش التركي اليوناني في أعقاب الحرب الأولى قامت المظاهرات في مصر تؤد الأتراك وهاجم المتظاهرون طائفة الأرمن بعد أن أطلق أحدهم النار عليهم كما اصطدم المتظاهرون مع الجالية اليونانية لنفس السبب؛

وحينما دخل الإنجليز والإيطاليون والفرنسيون الآستانة بدت ملامح الاستياء على المصريين وتغير هذا الاستياء إلى موجة من الفرح عمت جموع المصريين عندما استردها أتاتورك وقد عبرت قصائد الشعراء عن مشاعر المصريين في قصائد قيلت في المناسبتين وصف فيها أتاتورك بناصر الإسلام.

ومن الأدوار البارزة التي لعبها دعاة الفكر الإسلامي دور السيد رشيد رضا فقد واصل دعوة جمال الدين ومحمد عبده إلى الجامعة الإسلامية ولكن كان يميل إلى السلفية أكثر منه إلى التجديد؛

وقد بدا ذلك فيما دعا إليه فكان يدعو لتوحيد المسلمين والدفاع عن الإسلام وعدم تقليد الغرب تقليدا أعمى، وأعتبر ذلك حماقة لأن فيه القضاء على أمة بتدمير كل ما يشكل أصالتها من معتقدات وغرائز وروح معنوية وأدب وعادات وأنه من الخطورة إحلال عاطفة قومية قائمة على الجنسين محل التضامن الإسلامي؛

وأكد أن الشريعة الإسلامية غنية عن كل القوانين الوضعية وتتمشى مع كل الظروف والأزمنة كما جعل من مجلته المنار منبر للدعوة للجامعة الإسلامية وقد عبر عن ذلك في افتتاحية المجلد الرابع والعشرين 17 يناير سنة 1923

فكتب يقول:

إن المنار إنما أنشئ لإيقاظ الشرق وتجديد الإسلام بإعادة تكوين الأمة وإحياء الملة والدولة ودعا إلى العودة إلى كتاب الله وسنة رسوله والعمل على إحياء الخلافة الإسلامية ونبذ القوانين والعادات والآداب الأوربية.

وفي أعقاب فصل أتاتورك للسلطة الدينية عن السلطة الزمنية كتب رشيد رضا كتابا بعنوان الخلافة أو الإمامة العظمى نشره على ست حلقات في مجلة المنار أكد فيه شرعية الخلافة وأهميتها للمسلمين وصلاحيتها لكل العصور ووجه من خلال ذلك النصح للترك من أن الإسلام قادر على تحقيق الرقي أكثر من المدنية الغربية؛

وأن الإسلام أشمل الديانات ويدعو إلى الفضيلة التي تفتقر إليها حضارة أوربا ودعا إلى تعاون الترك والعرب لإقامة الخلافة وبعد إلغاء أتاتورك للخلافة رسميا في سنة 1924 م اتجه رشيد رضا بمجلته للدعوة للشرق على اختلاف أجناسها وأديانها؛

وقد خلق ذلك الاتجاه نوعا من الخلط بين الشرقية والغربية والإسلامية الأمر الذي دفع مفكرا إسلاميا مثل أبي الحسن الندوي أن يتهم رشيد رضاي وجمعية الرابطة الشرقية أنها تنافي دعوة جمال الدين مؤكدا أنه لا نهضة إلا بالتمسك بالإسلام وقدرد رشيد رضا على ذلك بأن الدعوة للشرقية والإسلامية تعزز إحداهما الأخرى ولا تنافيها؛

وإذا كان البعض قد اعتبر موقف رشيدي رضا هذا تراجعا أمام الظروف فإن ذلك كان تراجعا مرحليا كان المقصود منه تحديد الإطار الذي يجب أن تسير عليه الدعوة للجامعة الإسلامية وسط هذه الظروف.

وقد ظهر كتاب آخر فور إلغاء الخلافة وقبل صدور كتاب الشيخ علي عبد الرازق بعنوان النكير على منكري النعمة من الدين والخلافة والأمة لمصطفى صبري هاجم فيه المؤلف الكماليين ونبه المصريين لسوء نيتهم مظهرا دورهم في محاربة العصبية الإسلامية وتمسكهم بالعصبية التركية وأرجع ذلك إلى صلتهم باليهود والإنجليزي وأظهر المؤلف عدم المبالاة بانتصار الترك لأنه نصر للدين الذي أصبحوا أعداءه.

وبعد صدور كتاب علي عبد الرزاق صدر كتاب للرد عليه من أحد علماء الأزهر وهو الشيخ محمد الخضر حسين بعنوان القيم وأكد المؤلف فرضية الخلافة من خلال ما جاء في القرآن الكريم من أمر بالطاعة لأولى الأمر والحكم بالعدل وما جاء في الأحاديث النبوية مثل كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته وحديث إذا بويع الخليفتان فقتلوا الآخر منهما كانت بنوا إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وأنه لا نبي بعدي وستكون خلفاء فتكثر قالوا فبما تأمرنا قال بيعة الأولى فالأول ثم أكد أن ذلك هو دليل إجماع أئمة المسلمين.

وقد أصدر الأزهر بيانا كنوع من رد الفعل موقعا عليه من سنة عشر عالما وكان ذلك في أعقاب إلغاء الخلافة بأربعة أيام أعلنوا فيه بطلان عزل الخليفة عبد المجيد الذي انعقدت له البيعة من المسلمين جميعا لأن خلعه صادر من فئة قليلة، وفي نفس الوقت وجهت الدعوة للمسلمين لعقد مؤتمر يقررون فيه ما يرونه من أمر الخلافة وحذروا المسلمين من أن التأخر

والخلاف سيضعف الإسلام ويوهنه بالرغم من تحذير البيان للمسلمين من الخلاف إلا أن الأزهر قد أسهم في هذا الخلاف بتزكية مصر كمقر للخلافة المرتقبة وتزكية ملك مصر لمنصب الخلافة؛

وقد بدا ذلك واضحا في عدة مقالات من بينها مقال لوكيل الأزهر السابق محمد حسنيني الذي أكد فيه أن أولى الناس بهذه يقصد الخلافة الأمة المصرية لكثرة ما بها من علماء وطلاب وفيها الأزهر الشريف وأن لمصر في نفوس العالم الإسلامي منزلة تستحق معها السبق إلى هذا الواجب الأكيد وأهل الحل والعقد يجب عليهم النظر في بيعة خليفة وقد حذر الأزهر من تهافت الممالك على منصب الخلافة في أعقاب ما أشيع عن مبايعة الحسين بن علي وقال إن تعدد المناصب سيذهب ريح المسلمين وتضرب عليهم الذلة والمسكنة.

ثم عقد علماء الأزهر مؤتمرا موسعا في 25 مارس 1924 برئاسة شيخ الأزهر وقرروا في مؤتمرهم دعوة المسلمين بعد عام لاختيار خليفة وتكونت لجنة للإعداد للمؤتمر مكن لها القصر وصحفه من الدعوة له في شتى أنحاء مصر؛

كما صدرت مجلة باسم المؤتمر الإسلامي في أكتوبر سنة 1924 أعلن فيها أن المؤتمر لن يقتصر على بحث مسألة الخلافة بل سيتطرق إلى بحث أسس حكومة إسلامية وكذلك منهج تعليمي إسلامي وقد واجه المؤتمر عدة عراقيل لم تؤد إلى تأجيل إلى سنة 1926 فحسب بل وكانت سببا في فشله أيضا؛

ويجب الاعتراف بأن هذه العراقيل ترجع إلى المسلمين أكثر مما ترجع إلى غيرهم فقد كثر عدد الطامعين في الخلافة أمثال شريف مكة الحسين بن علي الذي بايعه بعض الفلسطينيين والملك فؤاد في مصر الذي كان يدعو لنفسه خفية وساعدهم في ذلك علماء الأزهر الشريف والملك أمان الله خان ملك الأفغان ولم تقف معارضة ترشيح فؤاد للخلافة عند حد معارضة بعض مندوبي الدول الإسلامية؛

بل كانت المعارضة داخل مصر أقوى وأشد سواء من جانب حزب الوفد المعارض للقصر وصاحب الجماهيرية الواسعة أم من جانب جماعة الخلافة الإسلامية التي كان يرأسها محمد ماضي أبو العزايم والتي شمل اعتراضها أن تكون مصر مقرا للمؤتمر المزمع عقده بل يجب أن يعقد في مكة المكرمة أما عن موقف الإنجليز؛

فيرى البعض أنهم كانوا وراء تأييد فؤاد للخلافة لإضعاف الحركة الوطنية المصرية إلى جانب إضعاف الخلافة والسيطرة عليها وفي الحقيقة أن هدف الإنجليز هو العمل على عدم ظهور الخلافة الإسلامية ثانية وعلى أي حال كانت ملامح فشل المؤتمر سابقة لانعقاده؛

ولم يكن أمام المجتمعين من سبيل لتغطية فشلهم سوى إصدار قرار بأن تستمر هيئة المجلس الإداري للمؤتمر في مصر وأن ينشأ لها شعب في البلاد الإسلامية تكون على اتصال بها لعقد مؤتمرات متوالية وأمام التنافس الشديد بين ملوك المسلمين وأمرائهم ضاعت كل الجهود التي بذلت لإحياء الخلافة.

ومن بين الذين تصدوا للتيار العلماني ودافعوا عن الفكرة الإسلامية خارج الأزهر مصطفى صادق الرافعي وكان من أبرز ما كتب في هذا الميدان كتاب بعنوان المعركة بين القديم والجديد وصدر هذا الكتاب في أعقاب كتاب الدكتور طه حسين في الشعر الجاهلي؛

وقد حمل بالتالي على الدكتور طه حسين وهاجم الأفكار التي وردت في كتابه كما صور الكتاب معركة بين المحافظين على القيم الدينية وبين الذين فتنتهم الحضارة الغربية أو بمعنى آخر كانت المعركة من زاويته دفاعا عن القرآن والإسلام واللغة العربية وأخذ على المجدين أنهم يهدمون الدين ولم يستحدثوا طريفا أو يبتكروا بديعا وبالتالي فمصيرهم للفناء بفكرهم وأن البقاء للدين والجماعة الإسلامية لأنها الأصلح.

واشتركت مجلة الفتح في الهجوم على طه حسين حيث طالبت بعدم إبقائه في الجامعة المصرية وحذرت من تدريس كتابه على الطلبة بل واتهمت الجامعة بأنها دفعت ثمن الكتاب من ميزانيتها؛

كما حاول كتابها أن ينفوا العداء بين الدين والعلم فكتب أحدهم يقول: إن العلم إذا أطلق في مقابلة الدين كان معناه محصورا في حدود التجربة والاختبار وأن غاية العلم والوقوف على ما تناله التجربة من الكميات والكيفيات التي تقع تحت اختياره واستقرائه؛

أما الدين فغايته إرشاد البشر وهدايتهم إلى ما فيه صلاحهم في الديني والدنيا وليس من نظيفة التعرض للبحث في كميات الأشياء وكيفياتها ولا البحث في مهاياها وطبائعها وبالتالي فغايته لا تواجه غاية العلم مواجهة تنافر أو تضاد كما هاجمت الذين أخذتهم الحضارة الغربية ببريقها من خلال مناقشتها للمعركة بين الطربوش والقبعة.

على أن المجلة قد صورت حالة الضعف التي حلت بالأزهر، وحملته بذلك التبعة لا في تدهور التيار الإسلامي فحسب بل وفي نجاح خصومه كذلك فنشرت مقالا لأحد علماء الأزهر قال فيه: إنه يبكي للمذبوح الذي ليس له نصير وهو الدين الذي بيد أعدائه وأهله معاول هدمه وهجم الجميع عليه وليس له من صديق ولا حميم يقف بجانبه..

أما الأعداء فرأوا أنجح وسيلة للقضاء عليه وعلى أهله وناصريه فقهروا أهله ولما رضي أهله لم يعمل لهم أعداؤهم أي حساب وتطرق المقال إلى حرب المسلمين للإسلام ووصفها بأنها أدهى وأنها تتمثل في إغلاق المعاهد الدينية والقضاء الشرعي والإجهاز على الأوقاف ولبس القبعات.

وقد تعددت المقالات المطالبة بإصلاح الأزهر وعلاجه والتي شارك فيها علماء الأزهر أنفسهم وبدا من خلال هذه المقالات ما يعانيه الأزهر من اضطراب واختلال في جميع شئونه وكذلك ارتماء علمائه في أحضان القصر وخاصة بعد أن أصبح من سلطته بعد صدور دستور سنة 1923 حق تعيين الرؤساء الدينيين بالأوقاف والمعاهد الدينية وبحكم اشتراكهما الأزهر والقصر في موقف العداء من الديمقراطيين وعلى رأسهم سعد زغلول.

وبالنسبة للطرق الصوفية فقد تعرضت كما سبق التوضيح لهجوم من المفكرين المسلمين لما أسهمت به أغلبها من نشر البدع والخرافات وغيرها من المفاهيم التي أدت إلى توشيه الفكر الإسلامي بل والعقيدة الإسلامي؛

ولم يكن لها دور في محاولة درء خطر التيارات المعادية للإسلام بل كان لسيطرة بعض رجالها الذين أطلق عليهم لبنا التيوصوفيين على المجمع الفكري وإلقائهم محاضرات وخطب يهاجمون فيها الديانة القديمة ويبشرون بوحي جديدي أثر في إضعاف الدين في نفوس الناس.

ولم يقف ضعف علماء الدين الإسلامي في مصر في تلك الفترة عند حد فشلهم في صدر التيار العلماني أو تعويقه وإن كان ذلك التيار قد فشل في تحقيق أهدافه فإن مرد ذلك إلى سيادة الفكر الإسلامي على عقول جمهرة المصريين؛

بل امتد فشله إلى الحقل السياسي حيث لم يكن للهيئة الإسلامية الممثلة في الأزهر فكل أو خط سياسي واضح وإن كان من الإنصاف ألا نلقي اللوم عليه أي الأزهر كاملا في هذا الجانب بقدر ما نلقيه على الظروف السياسية التي ألمت بمصر؛

والتي أريد له ألا يكون له دور فيها ولم يتقدم علماء الأزهر أو غيرهم من المفكرين المسلمين بحل اقتصادي ملائم لحالة البلاد إسهاما في حل أزمة البلاد الاقتصادية؛

أما عن الموقف من الناحية الاجتماعية فكان قاصرا على حملات صحيفة ضد بعض الظواهر الاجتماعية السيئة مثل الحملة التي شنها الشيخ محمود أبو العيون على البغاء أو الموقف من قضية القبعة والطربوش ومن سفور المرأة وغير ذلك؛

وقد كان لهذا الموقف الضعيف أثر بالغ في نفوس الشباب المسلم من أمثال حسن البنا الذي كان لهذا الموقف الضعيف أثر بالغ في نفوس الشباب المسلم من أمثال حسن البنا الذي كان متألما أشد الألم لتأرجح الأمة المصرية بين إسلامها العزيز؛

وهذا الغزو الغربي المسلح المجهز بكل الأسلحة الفتاكة من المال والجاه والمظهر والمتعة والقوة ووسائل الدعاية وقد تبادل الشباب المسلم هذه المشاعر الأمر الذي أدى إلى ضرورة التفكير في القيام بعمل إسلامي فراحوا يبحثوني عن الوسيلة عند كبار العلماء ويحضرون مجالسهم فاصطدم حماس الشباب الثائر لدينه باستكانة هؤلاء؛

ويصور ذلك حسن البنا في لقائه مع أحد علماء الأزهر وهو الشيخ يوسف الدجوي فيقول:

تحدثت إلى الشيخ في الأمر فأظهر الألم والأسف وأخذ يعدد مظاهر الداء والآثار السيئة المترتبة على انتشار هذه الظاهرة في الأمة، وخلص من ذلك إلى ضعف المعسكر الإسلامي أمام هؤلاء المتآمرين عليه وكيف أن الأزهر حاول كثيرا أن يصد هذا التيار فلم يستطع وانتهى ذلك كله إلى أنه لا فائدة من كل الجهود وحسب الإنسان أن يعمل لنفسه وأن ينجو بها من هذا البلاء وتمثلت بالبيت القائل:
وما أبالي إذا نفسي تطاوعني
عند النجاة بمن قد مات أو هلكا

وبالآية الكريمة (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) ويرد عليه الشيخ الشاب بما ينم عن عدم رضائه ومجموع الشباب المسلم في مصر فيقول: (إنني أخالفك يا سيدي كل المخالفة في هذا الذي تقول، وأعتقد أن الأمر لا يعدو أن يكون ضعفاي فقط وقعودا عن العمل وهروبا من التبعات من أي شيء تخافون؟ من الحكومة أو الأزهر؟
يكفيكم معاشكم واقعدوا في بيوتكم واعملوا للإسلام فالشعب معكم في الحقيقة لو واجهتموه لأنه شعب مسلم وقد عرفته في القهاوي وفي المساجد وفي الشوارع فرأيته يفيض إيمانا ولكنه قوة مهملة من هؤلاء الملحدين والإباحين وجرائدهم ومجلاتهم لا قيام لها إلا في غفلتكم ولو تنبهتم لدخلوا جحورهم.

ومن هنا كان على هذا الشاب المسلمين من بينه شباب الأزهر نفسه أن يسلك أسلوبا جديدا للعمل بعيدا عن الأزهر فكانت الجماعات الإسلامية الممثلة في جماعة الشبان المسلمين التي نشأت في نهاية عام 1927م، ثم جماعة الإخوان المسلمين في عام 1928 وغيرهما من الجمعيات الدينية وهو ما سيتناوله البحث في الفصل الثاني

الفصل الثاني:نشأة الجماعات الإسلامية وتطورها

كان من آثار ثورة الشباب المسلم وإصراره على القيام بشيء لإنقاذ الإسلام من موجة التيارات المعادية التي اجتاحته أن قام في مصر عدد من الجمعيات الدينية فضلا عن إحياء جمعيات أخرى كانت قائمة من قبل ولم يكن يسمع بها؛

وعلى الرغم من أن هذه الجمعيات قد اختلفت ظاهريا في برامجها ووسائلها إلا أنها التقت في معظم الأمور وفي مقدمتها المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية على أن دورنا في هذه الدراسة سيقتصر على بحث الجمعيات التي لعبت دورا في الحياة السياسية وسيكون تناولنا لهذه الجمعيات من حيث الترتيب التاريخي لظهورها

وهي:

  1. جماعة الإخوان المسلمين
  2. جماعة شباب محمد ولا يتفق مع الباحثين الذين يرون في جماعة الرابطة العربية التي أسسها أمين سعد واحدة من هذه الجماعات وذلك لأن هذه الجماعة كان اتجاهها قوميا أكثر منه دينيا حيث كرست جهودها في الهجوم على الخلافة التركية مؤكدة الدعوة للعروبة بل واستحثت العرب للهجوم على الأتراك من أجل لواء الإسكندرونة.

أما جماعة الشبان المسلمين التي تأسست في ديسمبر 1927 م فقد كانت رد فعل يحقق رغبة الشباب المتحمس لدينه ومعهم الغيورون على الدين من ذوي العلم والوجاهة والمنزلة ليمارسوا من خلالها الوعظ والإرشاد..

وكان على رأس هذه الجمعية في بداية تأسيسها مجموعة من رجال الحزب الوطني وهم:

الدكتور عبد الحميد سعيد والدكتور يحيي الدرديري والشيخ عبد العزيز جاويش كما ضمت كلا من أحمد تيمور ومحب الدين الخطيب ومحمد الخضر حسين وغيرهم؛

وكان من أول مبادئها اقتصار نشاطها على الميدان الاجتماعي بالرغم من أن مؤسسيها من رجال السياسة وقد رأى رجالها أن ما أصاب الأمم الإسلامية في حياتها الاجتماعية من الخلل والانحلال وما طرأ عليها من الضعف والوهن يدعو كل مفكر إلى تعرف الأسباب والبحث عن أنجح الوسائل لعلاج هذه الحالة قبل استفحال الأمر وفوات الفرص؛

وقد حددت الجماعة أسلوبها من خلال حصر المساوئ الاجتماعية التي دعت إلى تجنبها والتي تتمثل في الجهل المنتشر والتقليد لسيئات المدنية الغربية وتقصير الفئة المتعلمة في واجبها نحو محاربة البدع والتدهور الخلقي الذي هدم الأسرة التي هي الركن الأساسي في الأمة ورأت أن العلاج من كل هذا يكمن في القرآن الكريم والسنة النبوية؛

وأكدت أن الإسلام سهل مرن صالح لكل زمان ومكان لا يتمرد على الطبيعة ولا يقف حجر عثرة في سبيل التقدم والحضارة الحقة وقد كان لوجود بعض تلاميذ الشيخ محمد عبده بين رجالها أثر في موقف الجماعة من الحضارة الغربية؛

فبرغم أن الجماعة قد اعتبرت أن الانحلال الاجتماعي راجع أغلبه إلى التقليد الأعمى للنظم الاجتماعية الغربية إلا أنها لم تدع إلى نبذ هذه الحضارة كلية بل دعت إلى الأخذ بالأساليب المستخدمة التي أتت بها المدنية الغربية في المجال العلمي والصناعي وعلى الرغم من أن نشاط الجماعة قد تعدى قليلا الميدان الاجتماعي الأمر الذي يدل عليه إحاطة محاولات ضم الأعضاء وتنظيم الصفوف بسياج من الكتمان في مكان ما بالقاهرة؛

إلا أن أغلب بل كان نشاطها ظل محصورا في الإطار الاجتماعي وفق مبادئها المعلنة التي لم تسع لتعديلها على الرغم من محاولة البعض لتبرير ذلك بأنه مرحلة انتقالية قصد بها عدم لفت انتباه القوى السياسية وعلى رأسها الاحتلال لحقيقة أغراض الجمعية.

وفي يوليو سنة 1930م وبعد تكوين أول مجلس إدارة لها عقدت أول اجتماع بدار سينما كوزمو بدعوة من الشاعر أحمد شوقي من أجل البحث عن كيفية محاربة التبشير والإلحاد ودعى المجتمعون من أجل ذلك لعقد مؤتمر إسلامي لا يقتصر على فروع الجمعية؛

وتضمن ذلك الدعوة إلى ضرورة تكوين لجنة علمية لمحاربة الإلحاد وتنوير الناس في الدين وكذلك تكون مكاتب استعلامات في الأقطار الإسلامية تراقب ما يكتبه المبشرون وتتولى الرد عليهم وتأليف جماعات من العلماء للتبشير الإسلامي ونشر الدين على حقيقته ومطالبة الحكومات الإسلامية بتعديل قوانين العقوبات في المواد الخاصة بحرية الرأي والبحث بحيث يكون هناك فارق واضح بين هذا وبين الطعن في الدين وإرسال مندوبين عن الجمعية للرد على المبشرين في اجتماعاتهم.

وقد استحدثت الجمعية أنشطة لم تكن تهتم بها الجمعيات الدينية القائمة مثل الاهتمام بالنواحي الرياضية والعمل على تكوين فرق كشافة إسلامية؛

ويبدو أنها في ذلك كانت متأثرة بجمعية الشبان المسيحية كما حصر أعضاؤها بين مجموعة من المثقفين وذلك لعدم التعمق في الموضوعات المتعلقة بالعقيدة الإسلامية وهي الأمور التي راعتها جماعة الإخوان المسلمين والتي كسبت بسببها جماهيرية أكبر؛

كما أن النجاح الذي حققته جماعة الإخوان في كل الميادين وخاصة الميدان السياسي قد دفع بجمعية الشبان للخوض في بعض هذه الأساليب الأمر الذي كان له أثره في اتهامها بإخفائها لحقيقة أهدافها وكذلك في ازدياد أنصارها وإن كان قليلا وسنتعرض لذكر ما أسهمت به هذه الجماعة أقصد الشبان في الميدان السياسي عند الحديث عن العلاقة بالقوى السياسية.

وإذا كانت بعض الجمعيات الدينية الأخرى قد تعرضت بشكل عارض للتعليق على بضع القضايا أو الموضوعات السياسية إلا أن مبادئ أغلبها قد خلت من الإشارة إلى شمول نشاطها لهذا الميداني؛

كما أن بعضها قد ضمن مبادئه بندا صريحا بتجنبها بل بعدها عن الاشتغال بالسياسة ومع أننا لم نفرد دراسة لها لعدم أخذها بنظام الشمول الإسلامي في نظر المفكرين المسلمين والجماعات الأخرى، إلا أن ما أدته هذه الجمعيات في الميدانين الفكري والاجتماعي قد أسهم إلى حد ما في استمرار سيادة الفكر الديني وبالتالي أسهم ذلك بدوره في ازدياد جماهيرية الجماعات الدينية موضوع الدراسة التي شملت بنشاطها الميدان السياسي؛

وعلى الرغم من ذلك فإن المفكرين المسلمين الذين يعتبرون أن الإسلام يأمر بالعمل في كل الميادين يأخذون على أي عمل إسلامي فردي أو جماعي الاهتمام بجانب بعينه وإهمال جانب آخر تحت أي ظروف ومن هذا المنطلق قامت دراستنا لجمعيتي الإخوان المسلمين وشباب محمد وبالأخص جماعة الإخوان

حيث شمل نشاطها كافة الميادين وبخاصة السياسي والذي تعرضت بسببه للهجوم لا من التيار الفكرية والقوى السياسية التي تعادي هذه الفكرة فحسب بل ومن الجماعات الإسلامية الأخرى سواء منها المتأثر بمدرسة المجددين أو التي تأثرت بالظروف السياسية والفكرية القائمة.

جماعة الإخوان المسلمين نشأتها وتطورها

الداعية حسن البنا

نشأته:

من الضروري أن تلقي الضوء على حياة الداعية حتى نقف من خلالها بالإضافة إلى الظروف المحيطة على تاريخ الدعوة وقد عرضنا في الفصل السابق الظروف التي مهدت لقيام الجماعات الإسلامية ومن بينها جماعة الإخوان تلك الظروف التي أحاطت بحسن البنا مؤسس الجماعة والتي كان لها أثرها البالغ على نفسه؛

وبالتالي على منهاج الجماعة فالذي تولى تربية حسن البنا هو والده الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا المعروف بالساعاتي وهو من مواليد شمشيرة مركز فوه غربية عرف بسعة علمه وحسن خلقه فهو دارس للفقه والتوحيد والنحو، وقد حفظ القرآن وجوده؛

وقد ألف كتبا منها بدائع المسند في جمع وترتيب مسند الشافعي والسنن وعلق عليه شرحا ورتب جزءا مسانيد الأئمة الأربعة، ورتب مسند أحمد وسماه الفتح الرباني قد ترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني وشرحه باسم بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني وفي هذه البيئة الإسلامية؛

ولد حسن البنا في قرية المحمودية مديرية البحيرة سنة 1906م فوقعت عيناه أول ما وقعت على مكتبة أبيه التي جمعت العديد من الكتب الدينية، وشجعه أبوه على ارتياد هذه العلوم منذ الصغر وأحفظه القرآن كاملا قبل أن يلتحق بالتعليم الابتدائي؛

وفي صناعة الساعات التي شارك فيها والده تعلم الدقة والمهارة والصبر وبعد انتهاء دراسته بمدرسة الرشاد الدينية لصاحبها الشيخ محمد زهران يتأثر التلميذ حسن البنا ومعه زملاؤه بالمجتمع المحيط بهم برغم عدم تجاوزهم سن الثانية عشرة فيكونوا جمعية منع المحرمات التي كان هدفها إقناع الناس بالإقلاع عن هذه المحرمات بوسيلة بسيطة هي المراسلة السرية باليد؛

وفي سن الرابعة عشرة لتحق بمدرسة المعلمين الأولية بدمنهور ليحصل منها على الكفاءة التي كانت تجيز له أن يكون معلما لكنه يؤثر إتمام تعليمه وكان له ذلك حيث التحق بدار العلوم وتخرج منها سنة 1927 وأثناء فترة الدراسة نجد هذا التلميذ متقشفا وداعيا للزهد ومواظبا على حضور حلقات الذكر وزيارة المساجد؛

ودفعه ذلك لحضور جلسات الطريقة الحصافية الصوفية التي تعرف فيها على كثير من الشخصيات من بينهم صديقه أحمد السكري التي ترأس الجمعية الحصافية الخيرية في المحمودية وشغل هو سكرتيرها وتتفاعل الجمعية بهما شأن بقية الجمعيات الدينية مع أحوال المجتمع؛

فيكون على رأس أهدافها الدعوة للخير والقضاء على المفاسد ثم مقاومة الإرساليات التبشيرية الإنجيلية وإذا كان الانخراط البنا في بداية حياته في الجمعيات الصوفية وبالذات الطريقة الحصافية أثر في أسلوب دعوته إلا أنه لا ينبغي مجاراة الذين أرجعوا إليها كل تصرفاته؛

فيفسر البعض على سبيل المثال طاعة أعضاء الجماعة له بأنها طاعة المريدين بشيخهم دون التعرض لتفسير من حيث وجوبها في التشريعي الإسلامية من زاوية صدق الرجل وذكائه وإخلاصه لما يدعو إليه ولا يعني ذلك محاولة دفعي الصوفية عن البنا أو تشويهها

فقد كان هناك أوراد وقراءات إسلامية تستخدمها الطرق الصوفية والدعوات السلفية استخدمها البنا في دعوته كأسلوب من أساليب تهذيب النفوس وتربيتها تربية إسلامية صحيحة وكان يسمى ما يطابق هذا الجانب في التصوف بعلوم التربية والسلوك؛

وأنه من لب الإسلام وصميمه كما يرى أن الصوفية قد بلغت بهذا القسم مرتبة من علاج النفس ودوائها ولكنهم بالغوا في ذلك كالمبالغة في الصمت والجوع والسهر والعزلة وكان يتمنى أن تقف الصوفية عن هذا الحد الذي يحمل خيرا للناس ولكنهم في رأيه خرجوا بعلوم الفلسفة والمنطق فخلطت الدين بما ليس منه وفتحت الثغرات الواسعة لكل زنديق أو ملحد أو فاسد الرأي والعقيدة باسم الدعوة للزهد والتقشف...

وتدخلت السياسية بعد ذلك لتتخذ من هذه الفرق تكأة عند اللزوم ونظمت طوائف على هيئة نظم عسكرية أو جمعيات خاصة حتى انتهت إلى ما انتهت إليه في شكل الصور الأثرية من مشيخة الطرق الصوفية وأتباعها ف مصر وقد اعترف الشيخ بفضل الطرق الصوفية في نشر الدعوة للإسلام في مناطق نائية وتمنى لو تمكن المصلحون من إصلاح هذه الطرق وكان يرى أنها لو صلحت واتحدت مع الأزهر والجماعات الإسلامية لقويت الأمة.

شخصية البنا:

وتنتقل إلى ذكر الملامح البارزة في شخصية البنا وسندع كاتبا أمريكيا يصور لنا بعض هذه الملامح فيقول: زرت هذا الأسبوع رجلا قد يصبح من أبرز الرجال في التاريخ المعاصر وقد يختفي إذا كان الحوادث أكبر منه وذلك هو الشيخ حسن البنا زعيم الإخوان..

كان الرجل خلال المظهر رقيق العبارة بالرغم من أنه لا يعرف لغة أجنبية لقد نظرت إلى هذا الرجل في سمته البسيط ومظهره العادي وثقته التي لا حد لها بنفسه وإيمانه العجيب بفكرته وكنت أتوقع اليوم الذي يسيطر فيه هذا الرجل على الزعامة الشعبية لا في مصر وحدها بل في الشرق كله لقد حمل البنا المصحف ووقف به في طريق رجال الفكر الحديث وكان الرجل القرآني يؤمن بأن الإسلام قوة نفسية قائمة في ضمير الشرق وأنها تستطيع أن تمده بالحيوية التي تمكن له في الأرض.

وعن صبره ومثابرته من أجل دعوته قال آخر:

كان يجوب القرى للدعوة وحتى إذا لم يكن يعرف بها أحدا وكان صبورا وخاصة على رحلاته في الصعيد في فصل الصيف والتي أكسبته معرفة غزيرة بالأسر والعائلات وكان يبعد عن تنافس الأسر فيقصد بيوت الفقراء إذا نزل بلدة وإذا نزل بلدا لا يعرفه أحد فيها قصد مسجدها فإذا انصرف الناس عنه نام على حصيرة المسجد وقد وضع حقبته تحت رأسه ملتفا بعباءته.

أما عن ذكائه فقد فاق فيه أقرانه من التلاميذ فعرف بقوة الذاكرة والبراعة في معالجة المشاكل وألم دون نسيان بقرى القطر وعائلاتها وتقاليدها وعاداتها ومذاهبها الدينية وأحوالها الاجتماعية بل وبعلاقاتها العائلية؛

وفوق ذلك فقد عرف الرجل بفصاحته ونصاعة حجته وملائمة قوله وحسن اختيار لفظه خطيب ممتاز لا يزاحمه مزاحم ولا يرتفع بجواره صوت ولا يباريه في ميدانه أحد من رجال عصره يمتلك ألباب سامعيه ويهز مشاعرهم وله طابعه الخاص وسمته الثابت ووسائله المبتكرة واتجاهاته المستقلة ولا يقلد أو يجاري أحدا من السابقين أو اللاحقين يسنده في هذا علمه الغزير وقدرته الفائقة على جمع شتات أطراف أي موضوع مهما كان متشعبا يجمعه جمعا يدنيه من ذهن السامع ويقربه إليه بلا اقتضاب ولا إخلال وبسعة وإفاضة.

فهو دائرة معارف واسعة كاملة يتحدث في أي موضوع بلا إعداد مهما كان نوع هذا الموضوع ويتخير في أحاديثه الأسلوب السهل والتعابير المناسبة ومن صفاته أيضا أنه كان متواضعا فقد كان يجلس على الحصير وإذا كان المجلس أرضا وفي آخر الصفوف إذا اصطفت المقاعد للجلوس منكمشا فلا يكاد يرى متواضعا فلا يكاد يعرف يلبس في غالب أحيانه الجلباب العادي من أرخص الأقمشة.

وإذا كان حسن البنا بما تحلى به من صفات قد استطاع أن يسيطر على جماعته سيطرة مطلقة بل وتكاد في نظر البعض تدنو من السحر وبقدر ما كان لهذه السيطرة المقبولة لدى معظم أعضاء الجماعة من أثر في تطورها السريع ونجاحها؛

إلا أنها كانت من أهم عوامل ضعف الجماعة لعدم وجود الشخصية الثانية التي تحل محله وإن كنا لا ننكر أن الجماعة كانت مدرسة تخرج منها الكثير إلا أن شخصية البنا وتمسكه بأسلوبه قد حجبت أغلبهم عن الظهور وكذلك عن الإلمام الكامل بأمور الجماعة وبالتالي لم توجد الشخصية البديلة بنفس المستوى والكفاءة ولا ينبغي هنا أن نحمل البنا وحده تبعة هذه الأمور فكم كان يتمنى أن يشاركه رجال جماعته في فكره وتنظيمه.

نشأة الجماعة الدعوة

في سبتمبر سنة 1927 م توجه الشاب حسن البنا إلى الإسماعيلية ليبدأ عمله فيها كمدرس في مدرستها الابتدائية ومنذ الأيام الأولى له في الإسماعيلية بدأ يحقق ما تمناه في سلك طريق التعليم والإرشاد؛

والغريب في الأمر أنه اختار المقاهي لا المساجد ميدانا لدعوته ولم تكن تجربته الأولى التي خرج فيها للوعظ والإرشاد بالمقاهي فقد سبق له أن خاض هذه التجربة في القاهرة حينما كان طالبا بدار العلوم ولقيت نجاحا وإعجابا عزم بعده على الاستمرار في الكفاح بنفس الأسلوب؛

كما أن الوعظ في المساجد قد تأثر بالخلافات الحزبية والفكرية القائمة في وقت كان يريد فيه الشيخ أن يتصل بالجميع وأن يلم شتات الجميع فاختار أن يتحدث إلى رواد المقاهي وكما تميزت الدعوة بخروجها عن المسجد تميزت بأسلوب فريد تحرى فيه الداعية الدقة في اختيار الموضوعات المناسبة العامة التي تذكر الناس بالله واليوم الآخر ولا يتناول المنكرات والآثام التي يعكف عليها هؤلاء الجالسون بلوم أو تعنيف؛

ولكنه يقنع بأن يدع شيئا من التأثير في هذه النفوس وكفى وقد عرض ذلك بأسلوب جذاب وفي وقت قصير لا يؤدي إلى الملل وكان لذلك أثره في مجتمع الإسماعيلية فقد أخذ الناس يتحدثون ويتساءلون وأقبلوا على هذه المقاهي ينتظرون وأخذ بعضهم يفكرون بما يجب أن يفعلوه ليقوموا بحق الله عليهم وليؤدوا واجبهم نحو دينهم وأمتهم وكان يجيهم إجابات غير قاطعة جذابا لانتباههم واسترعاء لقلوبهم وعلل ذلك أنه انتظار للفرصة السانحة وتهيئة للنفوس الجامحة.

وكان من الضروري أن ينتقل البنا بهذه النفوس الجامحة إلى الاستقرار وبدعوته من العمومية إلى التركيز ومن المحاضرات العامة المهيجة للمشاعر وإلى رسم الطريق الذي يجب أن يسلكوه ومن المقاهي إلى مقر جديد اختار له زاوية صغيرة نائية حيث علمهم وبطريقة عملية إقامة الشعائر والابتعاد بالتدريج عن المكيفات ولم يعمد في ذلك إلى نظريات فلسفية أو أقيسة منطقية؛

وإنما كان عماده على الأسلوب السلس الواضح من أجل بناء عقيدة صالحة قبل هدم العقيدة الفاسدة وقد شرع البنا في بث آرائه في مجتمع الإسماعيلية وكان ينتظر ردود الفعل لكي يتبين اتجاهات الناس ثم يكيف خطته مع هذه الظروف؛

وقد استفاد إلى حد كبير من هذه الدراسة التطبيقية كما استطاع بذكائه أن يحدد العوامل المؤثرة في هذا المجتمع والتي حددها بأربعة العلماء أولا ومشايخ الطرق ثنايا والأعيان ثالثا والأندية رابعا والذي يتفحص مجتمع الإسماعيلية كجزء من المجتمع المصري في هذه الفترة ويرى ما كان عليه من انقسام بفعل الظروف السياسية والفكرية؛

وكذا أثر سيطرة فئة قليلة من كبار الملاك والرأسماليين على عامة المصريين يدرك أنه ال يستطيع مدرس داعية كحسن البنا أن يصل بفكره إلى جمهور الناس إلا بالاستعانة بهذه القوى أو مهادنتها وكسب ودها وإلا حاربته وأبعدته عن هدفه أو حدث من نشاطه ..

ولكنه بذكائه قد استطاع لا أن يحدد القوى المؤثرة فحسب بل وأن يكسب ودها وينفذ من خلالها إلى الناس ليجذب انتباههم لدعوته ويضمهم إلى صفوفها أيضا فبالصداقة والتوقير والهدايا يكسب ود العلماء وثنائهم وبمخاطبة رجال الطرق الصوفية بلسان الطريقة والتأدب بآدابها ومحاولة إخراج أتباعها إلى ساحة أوسع من الالتزام بالطريقة ينال تقديرهم وبالتقرب إلى الأعيان والتقريب بينهم ينال إعجابهم بارتياد الأندية ولفت انتباه بل محاولة استقطاب شبابها بالمحاضرات والندوات يهيئهم لتقبل دعوته.

وبالإضافة إلى التأثير الديني البحت على المصريين فقد أسهمت عوامل أخرى في انتشار الدعوة في مجتمع الإسماعيلية كوجود الأجانب سواء في المعسكرات البريطانية المحيطة بالمدنية والذي كان المصريون يحسون تجاهه بالأسى والأسف أم في شركة قناة السويس التي كانت تسيء معاملة العاملين المصريين فيها بالإضافة إلى مستوى معيشتهم المرتفع بين مجموعة الفقراء.

وكان من أثر محاضرات ودروس البنا أن حضر إليه ستة من الذين تأثروا بها من أهالي الإسماعيلية في ذي القعدة 1347 أبريل 1928 هم:

حافظ عبد الحميد (نجار) أحمد الحصري حلاق فؤاد إبراهيم (مكوجي) عبد الرحمن حسب الله (سائق) إسماعيل عز (جنايني) زكي المغربي (عجلاتي) وحدثوه في شأن الطريق العملي الذي يجب أن يسلكوه لعزة الإسلام وخير المسلمين وعرضوا عليه ما يملكون من مال بسيط، وحملوه تبعة أمرهم فكان القسم والبيعة وبعد مشاورة معه على تحديد تسمية أنفسهم قال لهم: نحن إخوة في خدمة الإسلام فنحن إذا الإخوان المسلمون.

الجماعة في الإسماعيلية 1928-1932):

وفي مدرسة التهذيب وهي عبارة عن حجرة واحدة مؤجرة تلقى الرعيل الأول من الإخوان دروسهم في القرآن الكريم تلاوة وحفظا وفي السنة المحمدية فحفظوا الأحاديث وتمرنوا داخلها على الخطابة والتدريس ولم تمض شهور قليلة حتى أصبح عددهم يزيد عن سبعين رجلا ..

وبعد أن عين الأزهر مندوبا له في الإسماعيلية للقيام بمهمة الوعظ والإرشاد وهو الشيخ حامد عسكرية كان من المتوقع أن يزداد نشاط الدعوة الإسلامية وبالتالي عدد أعضاء جماعة الإخوان لذلك فكر الإخوان في جلسة خاصة في بناء دار لهم وليس هناك سبب واضح للكتمان الذي أراد البنا أن يحيط به مشروع بناء هذه الدار؛

لكن ذلك يدل على طبيعته منذ البداية وكان البنا يريد أن يسرع في وضع تنظيم للجماعة تمارس من خلاله دعوتها ويتضح ذلك في عقده لجلسات خاصة لا يجتمع فيها إلا عدد قليل من المنضمين للجماعة وما أن تمكنوا بعد جمع التبرعات ومنها 500 جنيه من شركة قناة السويس من شراء قطعة أرض لبناء الدار ووضعوا حجر الأساس إلا وقد وضع أساس الجماعة من الناحية القانونية؛

وأصبح لها مجلس إدارة وجمعية عمومية وقد اشتملت الدار بعد اكتمال بنائها على مسجد ومدرسة إحداهما للبنين والأخرى للبنات وناد، وقدم البنا بذلك دليلا على رغبته في ألا تقتصر الدعوة الإسلامية على الوعظ والإرشاد وإنما ينبغي أن تطابق فيها بعد مصانع صغيرة ثم شركات كبيرة لا لكي تنفق على سير الدعوة فحسب ولكن لكي تقدم الجماعة من خلالها النموذج التطبيقي للشريعة الإسلامية.

وفي المدة من 1930 وهو العام الذي أخذت فيه الجماعة صفتها القانونية إلى 1932 وهو عام انتقاله للعمل بالقاهرة يتضح نشاط الجماعة في عدة نقاط:

أولا: أن البنا قد استطاع أن يوسع دائرة دعوته خاج الإسماعيلية حيث تمكن وبمجهود ذاتي في الغالب أن يؤسس عديدا من الشعب في كل من شبراخيت والمحمودية وأبو صوير وبور سعيد والبحر الصغير والسويس والبلاح وهي كلها قريبة من الإسماعيلية.
ثانيا: أن النزعة السلفية للجماعة قد بدت في اختيار الأسماء التي أطلقت على منشآت الجماعة والتي تأثر فيها البنا بعالم سوري هو الشيخ محمد سعيد المرصفي فقد أطلقوا اسم معهد حراء الإسلام على أول مدرسة للبنين ومدرسة أمهات المؤمنين على أول مدرسة للبنات وكذلك في تشبيه أعضاء الجماعة بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما كما استمر في صلته بمحب الدين الخطيب صاحب مجلة الفتح والمكتبة السلفية.
ثالثا: أن الدعوة قد تعرضت لأول موجة من العداء سواء في صورة شكاوي كيدية مقدمة في شخص البنا أو في إشاعات حول أهداف الجماعة وأسلوبها شارك فيها بعض المسيحيين أوفي محاولة الزج بالجماعة في الخلافات السياسية والحزبية وقد كان لذلك أثرة على الشيخ حسن الذي احتاط لنفسه ولجماعته من مثل هذه الأمور التي تفرض عليهم
رابعا: أن البنا لم يكن يريد زعامة شخصية ولكنه يريد صحوة الأمة من خلال دعوة إسلامية شمولية ويوضح ذلك أن اشتراكه في الشبان المسلمين ومباركة قيامها لم يمنعه من تأسيس جماعته لاقتصار منهج الشبان على الناحية الاجتماعية وكذلك كان استعداده للسفر إلى كل من الحجاز واليمن يؤكد أنه لا يريد سوى الدعوة في حد ذاتها وليس الدعوة التي يتزعمها.
خامسا: أن سرعة انتشار الدعوة يرجع في المقام الأول إلى النموذج التطبيقي للفكر الإسلامي الذي قدمه البنا والذي لم يقدمه الأزهر في هذه الفترة أو الجماعات الإسلامية الأخرى وخاصة بعد تعثر النظام الديمقراطي الليبرالي في مصر وبالتالي فقد أثبت الشعب المصري بتأييده السريع للإخوان استمرار تمسكه لا بالدين الإسلامي من حيث هو عقيدة وتراث وحضارة وتقاليد فحسب وإنما لكونه فكرة سياسية كذلك.

وهكذا فإن البنا ينتقل من الإسماعيلية إلى القاهرة إلا وقد اتضحت ملامح الدعوة وأهدافها وسعيها لتطبيق فكرة شمول الإسلامي فصدق الدين الذي شهد به البنا للشيخ سعيد المرصفي هو لكونه عالما وطبيبا وضابطا وعابدا وهو صوفي في تعبده وتقشفه ورام يرمي فيصيب عشرة في عشرة وكرهه للأجانب الذين يحتلون بلاده ورغبته في العمل على إجلائهم

يتضح في تدوينه للميثاق العربي الذي أصدرته جمعية فرسان الوحدة العربية في الولايات المتحدة واعتباره من ذكرياته الهامة ووضع الاحتلال في الإسماعيلية أوحى له بالكثير من المعاني التي كان لها أثر كبير في تكييف الدعوة والداعية وكان في هذا وغيره الدليل على عدم وقوف دعوته عند حد الميدان الاجتماعي الذي فهم من قانونها الأساسي الأول.

الدعوة في القاهرة:

في أكتوبر سنة 1932م انتقل من الإسماعيلية إلى القاهرة ليزاول عمله كمدرس بمدرسة عباس بالسبتيه وكان ذلك إيذانا بدخول الدعوة في مرحلة جديدة ويبدو أن البنا كان يدرك مدى النجاح الذي ستحققه دعوته في القاهرة لا من حيث كثافتها السكانية فحسب؛

ولكن لكي يقترب من مصدر الأحداث محاولا التأثير فيها لذلك رشح لمركز الإخوان في الإسماعيلية رئيسا ليحل محل قبيل صدور قرار النقل الذي تم بناء على طلبه.

وفي المنزل رقم 24 حارة نافع المتفرعة من حارة عبد الله بك إحدى حواري شارع السروجية كان مقر المركز العام للإخوان المسلمين الذي انتقل مع البنا إلى القاهرة وكان للإخوان قبل انتقال البنا شعبة في القاهرة يرأسها شقيقه عبد الرحمن وكانت من قبل تسمى جمعية الحضارة الإسلامية وكانت هذه الشعبة تتلقى المعونة المالية من الإخوان في الإسماعيلية.

وكان على البنا أن يبذل مزيدا من الجهد حتى يمكن أن يجمع الأنصار لدعوته وقد استطاع بنجاح أن يجذب انتباه الرأي العام في مدينة مليئة بالمنافسات الحزبية فتراه يزور المركز العام في الصباح الباكر ليترك توصيات بإنجاز بعض الأعمال..

ثم يذهب إلى عمله وقبل أن يعود إلى بيته بعد انتهاء العمل يمر على المركز ثم يعود إليه في المساء ليلتقي بالزوار والأعضاء ويلقى المحاضرات والدروس وفي فصل الصيف كان يجوب القرى في الشمال والجنوب وقد تمكن من توسيع دائرة دعوته في هذه القرى في الشمال والجنوب..

وقد تمكن من توسيع دائرة دعوته في هذه القرى حتى انتشرت فما يزيد على خمسين بلدا ولم يكن قد مضى أكثر من عام على انتقاله للقاهرة واقتضى هذا التوسع وما يحيطه من الظروف الجديدة أن يضيف البنا وسائل جديدة للدعوة فكانت رسالة المرشد العام التي صدر العدد الأول منها في يناير 1931

والعدد الثاني في ديسمبر سنة 1932 وقد حددت هذه الرسالة أهداف الإخوان ومبادئهم وهي الأمور التي كانت مبهمة في رأي البنا عند كل الأحزاب السياسية والزعماء الدينين والجمعيات الإسلامية القائمة حينئذ ثم كان تأسيس مجلة الإخوان المسلمون الأسبوعية في مايو 1932م (28 صفر سنة 1352هـ) واختير السيد محب الدين الخطيب مديرا بهدف الاستفادة من خبرته ومطبعته السفلية.

وعقدت الجماعة مؤتمرين متتاليين في عام واحد سنة 1933 خصص الأول لمواجهة نشاط المبشرين ورفعت في هذا الشأن خطابا للملك فؤاد مطالبة بأن تتخذ الحكومة موقفا للرقابة عليهم وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن البنا الذي بدأ احتكاكه بالقوى السياسية بالقصر؛

حيث اعتبره المسئول الأول عن الأمور الدينية سواء لأن التفكير السائد عند أتباع التفكير الديني ومن بينهم البنا يضع الملك في مكان الخليفة أو لإدراكه انشغال الأحزاب السياسية القائمة بخلافاتها حول السلطة عن مثل هذه الأمور وشهد صيف عام 1933 جولة المرشد العام خارج القاهرة في أربع عشرة شعبة استطاع أن ينظمها بحيث تصبح كل منها شبيهة بنظام المركز العام الذي كان قد تم تنظيمه قبيل هذه الجولة..

وفي أول مؤتمر عقدته الجماعة وفي عام 1934م تعددت المؤتمرات في شعب الأقاليم والتي كانت تعبر عن مدى استقرار النظام وزيادة الأنصار وعقد المؤتمر العام الثالث للإخوان في مارس سنة 1935 والذي كانت الغاية منه التفكير في الوسائل العلمية الناجحة التي تمكن الإخوان من الوصول إلى غايتهم واتضحت منه كذلك مبادئ الجماعة والمراحل التي حددتها لتحقيق أهدافها كما أسفر المؤتمر عن تكوين فرق الرحلات الجوالة التي كانت نواة لفكرة الكتائب ثم الجهاز الخاص فيما بعد.

وساعدت أحداث عام 1936 م على إزدياد نشاط الجماعة فكان لعقد معاهدة 1936م التي عارضها الإخوان أثر في الاستقرار المسألة الخارجية مما أدى إلى اتجاه الجماعة للإصلاح الداخلي وأصدروا لذلك عدة رسائل طالبوا فيها بعودة النظام الإسلامي والمناداة بالخلافة وتقوية الروابط بين الشعوب الإسلامية ومن بينها العربية...

ومن ناحية أخرى كانت أحداث فلسطين سنة 1936 سببا في انتشار دعوة الإخوان خارج مصر حيث خرج أعضاء الجماعة وباسم الدعوة لمساعدة فلسطين يدعون لفكرتهم في عديد من الأقطار العربية في مقدمتها فلسطين وسوريا ولبنان وفي نفس العام عقد الإخوان مؤتمرهم الرابع بمناسبة تتويج الملك فاروق خلفا لوالده الملك فؤاد؛

وعلى أثر تصريح رئيس الوزراء الوفدي مصطفى النحاس للصحف الذي أعرب فيه عن إعجابه بمصطفى كمال أتاتورك وبتركيا الجديدة وجه إليه المرشد العام للإخوان خطابا نشرته مجلتهم هاجم من خلاله أتاتورك لإلغائه الخلافة مؤكدا ضرورة العودة للحكم الإسلامي ومطالبا النحاس بإلحاق تصريحه بما يطمئن النفوس ويبدد الأوهام.

وبالرغم من أن دعوة الإخوان كانت ما زالت بمرحلتها الأولى تربية الأمة وتنبيه الشعب وتغيير العرف وتزكية النفوس وتطهير الأرواح هذه الأمة وتنبيه الشعب وتغيير العرف العام وتزكية النفوس وتطهير الأرواح وهذه الأمور لا تسترعي نظر الحكومات؛

إلا أن آراء الإخوان في هذه المرحلة لم تكن غامضة لدرجة يظن معها مصطفى النحاس مثلا أن البنا أحد العمد الذين يتألف منهم الوفد وتدفع محمد محمود لأن يعرض على الشيخ أن يفتح مزيدا من الشعب للإخوان في الصعيد ويقيم حفلات الإخوان في مضيفة الأسرة بأبي تيج؛

وأغلب الظن أن هذه الأمور كانت تعبر عن رغبة رؤساء الحزبين الوفد والأحرار لجذب الإخوان إلى صفوف حزبيتهما وخاصة أن الجماعة قد نعمت بشعبية كبيرة لاهتمامها بالقضايا الاجتماعية سواء لما تضمنته مبادئها أو طبقه رجالها وهي الأمور التي افتقدتها مبادئ الحزبيين الكبيرين.

الإخوان والعمل السياسي

في الذكرى العاشرة لتأسيس الجماعة عقد المؤتمر الخامس يناير 1939 13 ذي الحجة سنة 1357 وكان عقده بمثابة إعلان بانتقال الجماعة للمرحلة الثانية وهي مرحلة التشكيل والاختيار والإعداد للمرحلة الثالثة وهي مرحلة التنفيذ وتم في هذا المؤتمر وضع الأسس التنظيمية للجماعة وإعلان دخولها في الحياة السياسية وحدد المؤتمر الفكر الذي التزمت به الجماعة وعملت من خلاله منذ نشأتها والذي كان أساس عملها للفترة اللاحقة

وتركز هذا الفكر في نقاط ثلاث هي:

  1. أن الإسلام نظام شامل متكامل بذاته وهو السبب النهائي للحياة بكافة نواحيها
  2. أن الإسلام نابع من مصدرين أساسيين هما القرآن الكريم وسنة الرسول عليه السلام وقائم عليهما.
  3. أن الإسلام قابل للتطبيق في كل زمان ومكان.

واتخذت قرارات ستة في أعقاب انتهاء المؤتمر كان في مقدمتها وأهمها القرار الأول الذي ايد فيه المؤتمرون مكتب الإرشاد العام في دخول الميدان السياسي وكانت الخمسة قرارات الباقية تحدد موقف الإخوان من القوى السياسية القصر والأحزاب وإعلان بعدم وقوف دعوة الإخوان عند حد معالجة القضية المصرية بل تعدتها إلى القضايا العربية والإسلامية وبالرغم من أن البنا قد عبر عن حذره من هذه الخطوة من خلال تحذيره لمجموعة من أنصاره من الشباب المتحمس والمعجل للنتائج إلا أنه في تحذيره لهم كان لا يقل عنهم حماسة؛

ويتضح ذلك في قوله:

في الوقت الذي يكون فيه منكم معشر الإخوان المسلمين ثلاثمائة كتيبة قد جهزت كل منها نفسها روحيا بالإيمان والعقيدة وفكريا بالعلم والثقافة وجسميا بالتدريب والرياضة في هذا الوقت طالبوني بأن أخوض بكم لجج البحار وأقتحم بكم عنان السماء وأغزو بكم كل عنيد جبار فإني فاعل إن شاء الله.

أما عن أهداف الإخوان فقد قسمها المرشد العام إلى أهداف عامة وأهداف خاصة وقد تركزت الأهداف العام التي اتضح منها نهج الجماعة السياسية في نقطتين هما:

  1. أن يتحرر الوطن الإسلامي من كل سلطان أجنبي وذلك حق طبيعي لك إنسان لا ينكره إلا ظالم جائر أو مستبد قاهر.
  2. أن تقوم في هذا الوطن الحر دولة إسلامية حرة تعمل بإحكام الإسلام وتطبق نظامه الاجتماعي وتعلن مبادئه القويمة وتبلغ دعوته الحكيمة للناس وما لم تقم هذه الدولة فإن المسلمين جميعا آثمون بين يدي الله العلي الكبير عن تقصيرهم في إقامتها وقعودهم عن إيجادها ومن العقوق للإنسانية في هذه الظروف الحائرة أن تقوم فيها دولة تهتف بالمبادئ الظالمة وتنادي بالدعوات الغاشمة ولا يكون في الناس من يعمل لدولة الحق والعدالة والسلام نريد تحقيق هذين الهدفين في وادي النيل وفي بلاد العروبة وفي كل أرض أسعدها الله بعقيدة الإسلام: دين وجنسية وعقيدة توحيد بين جميع المسلمين.

أما الأهداف الخاصة والتي كان المجتمع لا يصير إسلاميا في رأي الإخوان إلا بتحقيقها فقد عرضها الإخوان من خلال تجسيد ما يعاني منه لمجتمع الإسلام ومصر بالذات اجتماعيا واقتصاديا وفكريا وعسكريا ورأوا أن الدواء الناجع لكل هذا في إقامة الدولة الإسلامية وتطبيق أحكام الإسلام.

ويفهم من ذلك أن الإخوان قد تبنوا مفهوما للقومية يختلف عن مفهوم القومية المصرية وأرادوا أن يربطوا بين قضايا العالم الإسلامي والأكثر من ذلك أنهم اقترحوا حكومة موحدة للعالم الإسلامي وهي التي كان يراها البعض غير واقعية.

والتساؤل الذي ينبغي الإجابة عليه هو لماذا اختار الإخوان هذا الوقت بالذات وزارة محمد محمود لإعلان خطوتهم هذه فمن جهة الإخوان كانت الجماعة قد أصبحت في وضع يمكنها من الانتقال إلى هذه المرحلة حيث ازدادت شعبها واتسعت وسائلها وأصبحت في وضع يمكنها من الانتقال إلى هذه المرحلة؛

حيث ازدادت شعبها واتسعت وسائلها وأصبح لها صحفها الناطقة باسمها جريدة النذير ومجلة المنار لكن حدوث انشقاق في صفوفها وبسبب هذه الخطوة بالذات قد أكد لدى في صفوفها وبسبب هذه الخطوة بالذات قد أكد لدى الأحزاب السياسية القائمة أن قلة قليلة من المقربين للمرشد العام دون بقية أعضاء الجماعة وهذا أمر مبالغ فيه قد شاركوه أو اقتنعوا برأيه وبالتالي أيدوه في العمل في الميدان السياسي؛

وإذا كان الشيخ قد فطن إلى ذلك وأوضحه في فكر الإخوان ومبادئهم وأهدافهم إلا أن الوسائل التي كان على الجماعة أن تسلكها لتحقيق هذه المبادئ والأهداف والتي كانت من بين أسباب الانشقاق قد أحاط بها شيء من الغموض وقسمت الجماعة وسائلها إلى عامة وخاصة تبعا لطبيعة الأهداف والوسائل العامة التي تقف عند حد:

الخطب والأقوال والمكاتبات والدروس والمحاضرات وتشخيص الداء ووصف الدواء فإن ذلك لا يجدي نفعا ولا يحقق غاية ولا يصل بالداعية إلى هدف من الأهداف ولكن للدعوات سائل لابد من الأخذ بها والعمل لها والوسائل العامة للدعوات لا تتغير ولا تتبدل

ولا تعدو هذه الأمور الثلاثة:

  1. الإيمان العميق.
  2. التكوين الدقيق.
  3. العمل المتواصل

أما الوسائل الخاصة وهي ما أطلق عليها الشيخ الوسائل الإضافية والتي كان لابد من الأخذ بها وسلوك سبيلها فمنها السلبي ومنها الإيجابي، ومنها ما يتفق على ما عرف الناس ومنها ما يخرج على هذا العرف ويخالفه ويناقضه ومنها ما فيه لين ومنها ما فيه شدة؛

ولابد أن نروض أنفسنا على تحمل ذلك كله والإعداد لهذا كله حتى نضمن النجاح قد يطلب إلينا أن نخالف عادات ومألوفات وأن نخرج على نظم وأوضاع ألفها النسا وتعارفوا عليها وليست الدعوة في حقيقة أمرها إلا خروجا على المألوفات وتغييرا للعادات والأوضاع فهل أنتم مستعدون لذلك أيها الإخوان..

وإذا كان الشيخ قد أقر أسلوب القوة وسبق أن رفض أسلوب الثورة فكان عليه أن يوضح كيفية الوصول للحكومة الإسلامية وهو الأمر الذي لم يوضحه ومن جهة القوى السياسية فقد حظيت هذه الخطوة من جانب الإخوان بترحيب من القصر الذي كان يريد أن يمسك بزمان المبادرة في صراعه التقليدي مع الوفد؛

ذلك الصراع الذي كان يتأثر من رئيس ديوانه علي ماهر، وفي نفس الوقت فقد حظي القصر (فاروق) بتأييد من الإخوان لما لمسوه من اتجاه ديني عند الملك الشاب منذ اعتلائه العرش في يوليو 1937 نتيجة تأثره بأحد معلميه وهو الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر؛

لكن تأييد الإخوان لفاروق كان على أمل اجتذابه لتأييد الدعوة لما نالت هذه الخطوة من جانب الإخوان تأييدا مماثلا من قبل كافة الأحزاب السياسية ما عدا الوفد سواء منها الأحزاب القريبة من السراي أو التي يجمعها العداء للوفد وفي مقدمة هذه الأحزاب حزب الأحرار الدستوريين المشكلة منه الوزارة القائمة.

وبتشكيل وزارة علي ماهر في أغسطس 1939 خلفا لوزارة محمد محمود المستقيلة ارتفع مد الإخوان وأصبح تاريخهم لا ينفصل بحال من الأحوال عن تاريخ مصر ومما ساعد على ذلك ما عرف عن علي ماهر من كره الوفد

كما أن زارته قد ضمت كلا من محمد صالح حرب رئيس جماعة الشبان المسلمين وزيرا للدفاع الوطني وعبد الرحمن عزام الذي التقى مع الإخوان في الاهتمام بالعروبة وزيرا للأوقاف أولا ثم وزيرا للشئون الاجتماعية ثم قائد للجيش المرابط

وكذلك عزيز المصري الذي كان يتفق مع الإخوان في ميوله العدائية ضد الأحزاب البرلمانية والنظام الديمقراطي رئيسا لأركان القوات المسلحة وقبل أن يرأس علي ماهر وزارته بشهور قليلة كانت علاقته مع الإخوان قد اكتسبت أهمية كبيرة فقد استقبله الإخوان استقبالا حافلا عند عودته من لندن في مارس 1939 بعد حضوره مؤتمر المائدة المستديرة الذي كان قد عقد في لندن لمناقشة الوضع في فلسطين ..

وكانت هذه العلاقة سببا من أسباب الانشقاق في الجماعة حيث رأى المنشقون أن فيها مخالفة صريحة لأحد مبادئ الإخوان الذي يقضي بالبعد عن الكبراء والأعيان وبالتالي عدم عقد محالفات مع أي من القوى السياسية الموجودة في البلاد.

الإخوان خلال الحرب العالمية الثانية:

قبل تتبع تطور الجماعة خلال الحرب العالمية الثانية ينبغي إلقاء الضوء على الأحداث السياسية العامة وموقف القوى السياسية في مصر عند قيام هذه الحرب فقد شبت الحرب في أول سبتمبر سنة 1939 على أثر اجتياح الجيش الألماني حدود بولندا، وفي 3 سبتمبر أعلنت كل من انجلترا وفرنسا الحرب على ألمانيا بعد أن رفض سحب قواتها من الأراضي البولندية، ومن هنا بدأت الحرب.

وقد انحصرت رغبة رجال السفارة الإنجليزية في مصر في جعل مصر جبهة متماسكة تناصر قضية الحفاء في الحرب لضمان عدم استطاعة القوى المعادية لهم انتهاز فرصة الحرب لإثارة القوى المصرية عليهم وكان حادث 4 فبراير أكبر دليل على هذه الحرص الشديد أما القصر فكان يتزعم تعبئة الشعور العام ضد بريطانيا بل وتأييد المحور تأييدا معنويا عن طريق زيادة قوة مصر العسكرية وكانت هذه المحاولة من جانب القصر سببا في استقالة وزارة محمد محمود المعروف بولائه للإنجليز وتولي الوزارة علي ماهر.

وقد بادرت وزارة علي ماهر بناء على طلب السفارة الإنجليزية بإعلان الأحكام العرفية وصدر مرسوم بذلك في أول سبتمبر سنة 1939 وعين علي ماهر حاكما عسكريا وفرضت الرقابة على الصحف والمراسلات وأجهزة الإعلام ودعى البرلمان الذي كان في عطلته الصيفية للتصديق على هذه المراسيم وقد وافق حزب الأحرار الدستوريين الحكومة في إعلان الأحكام العرفية ..

أما الوفد فعلى الرغم من أن صحفه قد أعلنت اعتراضها على الأحكام العرفية إلا أن سلوكه العملي قد ضخع لهذه الأحكام تحاشيا للصدام مع الإنجليز وكان السعديون والحزب الوطني قد أيدوا موقف الحكومة بحكم اشتراكهم في الوزارة ..

كما كان أغلب الرأي العام في مصر يرى الاكتفاء بما تم اتخاذه من إجراءات دون إعلان رسمي بدخول مصر الحرب وقد ازداد المؤيدون لهذه الرأي سبب الدعاية المحورية النشطة فضلا عن تحسن موقف ألمانيا في السنوات الأولى من الحرب؛

وقد كان رأي الإخوان مسايرا لهذا الاتجاه حيث رأوا ضرورة الالتزام بمعاهد سنة 1936 برغم ما فيها من إجحاف وأن مساعدة مصر لانجلترا إنما تكون داخل البلاد المصرية ومحصورة في حدود معينة وأن كل زيادة على ذلك تفريط في حقوق الوطن وجناية على الأمة وفي نفس الوقت أشارت على الحكومة بالاتجاه للإصلاح الداخلي وخلال وزارة علي ماهر ثم وزارة حسن صبري التي خلفتها في يونيه سنة 1940؛

وبداية وزارة حسين سري التي تشكلت بعد وفاة حسن صبري في نوفمبر سنة 1940 طور الإخوان نظامهم وازدادت شعبهم واتسع جناح الكشافة الجوالة وتشكل له مجلس أعلن ترأسه البنا وعين الصاغ محمود لبيب مفتشا عاما للجوالة وأثناء وزارة حسن سري تم نقل إلينا (في 20 مايو سنة 1941) إلى قنا؛

وكان ذلك بناء على إبلاغ بريطانيا لرئيس الوزراء بأن البنا وجماعة يعملون لحساب إيطاليا ويقول الدكتور هيكل وهو زير المعارف الذي أصدر قرار النقل إن نقله أدى إلى ما لم يؤد إليه نقل مدرس غيره حيث طلب أحد نواب الدستوريين راجيا إعادته للقاهرة ووصل الأمر إلى سري باشا ووافق على إعادته؛

ويعلق د. هيكل على ذلك بقوله إن تراع سري باشا قد أشعر حسن البنا بقوته وبالتالي مضاعفة نشاطه من غير أن يخشى مغبة ذلك النشاط وكان لذلك الشعور أثره ف تطور جماعة الإخوان كما أن إجراءات نفس الحكمة ضد الجماعة وبضغط من السفارة الإنجليزية أيضا؛

والممثلة في مصادرة مجلتي التعاون والشعاع الأسبوعيتين ومجلة المنار الشهرية ومنع طبع رسائلهم وإغلاق مطبعتهم ومنع اجتماعاتهم فضلا عن اعتقال البنا والسكري ثم عادت وأفرجت عنهما، كل هذا قد أدى إلى نتيجة عسكرية حيث استرعت الأنظار إليهم وبالتالي كسب الجماعة لعديد من الأنصار والأعضاء.

وبعد حادث 4 فبراير سنة 1942 تشكلت وزارة وفدية برئاسة النحاس وقامت الوزارة الجديدة بحل البرلمان والدعوة إلى انتخابات جديدة وكان المؤتمر السادس للإخوان الذي عقد في مطلع عام 1941 قد قرر إمكانية دخول أعضاء الجماعة في الانتخابات؛

وقد أعلن البنا عن رغبته في ترشيح نفسه في دائرة الإسماعيلية كممثل للإخوان وفور تقدمه بأوراق الترشيح والبدء في الدعاية الانتخابية استدعاه رئيس الوزراء وطلب منه أن يعدل عنه وينسحب وقد استجاب البنا إلى ذلك مقابل بعض المطالب لجماعته وافق عليها النحاس؛

وتتمثل هذه المطالب في السماح للجماعة بعقد الاجتماعات وإصدار المطبوعات واستئناف نشاطها فضلا عن الحصول على وعد من الحكومة باتخاذ إجراءات من شأنها حظر ممارسة الدعارة وبيع المشروبات الكحولية وقد نفذت الحكومة أغلب هذه المطالب لفترة من الوقت؛

كما كان لذلك أثره في بروز شخصية البنا كرجل يضحي بمكاسب سياسية خاصة في سبيل نهضة جماعته وتنفيذ سياسة إصلاحية عامة ولم تقف مكاسب الجماعة أثناء حكومة الوفد عند هذا الحد من المكاسب التي سلم بها بحكم الظروف الجناح الليبرالي الذي يرأسه النحاس بل تعدتها إلى كسب ود الجناح اليميني في الوفد الذي تولاه فؤاد سراج الدين ..

والذي كان في تعيينه وزيرا للزراعة سببا في ازدياد انتشار دعوة الإخوان في الريف على أن عودة وزارة الوفد وبوحي من السفارة الإنجليزية لتضييق النطاق على الجماعة وإعادة اضطهادها وإغلاق بعض شعبها قد دفعت البنا إلى تحذير أتباعه من مشقات قد تواجههم في المستقبل بالسجن أو الاعتقال أو التشريد؛

وكان لذلك أيضا أثره على بروز ما سمي بالنظام الخاص الذي اكتمل بناؤه وتنظيمه وعلى أثر إقالة حكومة الوفد في أكتوبر سنة 1944 تشكلت وزارة برئاسة زعيم الحزب السعدي الدكتور أحمد ماهر واتخذت الوزارة الجديدة الإعداد للانتخابات واستعد الإخوان لخوضها على أساس برنامج إسلامي..

لكن الإخوان أما لزيف الانتخابات أو لأن الرأي العام المصري قد تأثر ببعض الشخصيات التقليدية والتي نافستها شخصيات جديدة لم تكتسب شهرة كافية من الإخوان قد هزموا في كافة الدوائر التي رشحوا أنفسهم فيها على أنت نتيجة الانتخابات لم تكن هي الأساس في معارضة الإخوان لإعلان أحمد ماهر الحرب على ألمانيا ؛

بل كان ذلك استمرار لموقفهم منذ بداية الحرب والتي اتفق معهم فيها معظم القوى الوطنية بما فيها الوفد والتي دفع ماهر بسببها حياته على يد أحد شباب الحزب الوطني وقد تم إلقاء القبض على كل من البنا والسكري وعابدين إثر حادث الاغتيال..

ثم أفرج عنهم وبرأتهم المحكمة بعد القبض على القاتل واعترافه وبالرغم من أن البنا قد بادر بزيارة الزعيم الثاني للحزب السعدي معزيا في الدكتور ماهر وموضحا لرسالة جماعته إلا أن النقراشي لم يستجب لطلبهم بحرية العمل وعقد الاجتماعات والمؤتمرات بل فرض عليهم قيودا مشددة كانت بمثابة إنذار بما ستلاقيه الجماعة في ظل هذه الحكومة وأكد أن حكومة الوفد كانت أقل تعنتا مع الإخوان.

الإخوان بعد الحرب الثانية:

عقب انتهاء الحرب اجتمعت الجماعة في صورة جمعية عمومية في 8 سبتمبر سنة 1945م وأقرت نظامها الأساسي التي سبق أن أقرته في المؤتمر الخامس سنة 1939 مع إدخال بعض التعديلات التي تتمشى مع تطورها المرحلي وتم في هذا النظام توزيع السلطات بين المرشد ومكتب الإرشاد والهيئة التأسيسية وتم إنشاء قسم للخدمات كي تحصل على معونات لهذا القسم من الحكومة يضمن استمراره وبقدر ما كان يعبر ذلك عن اتساع نشاط الجماعة فإنه كان يعبر أيضا عن الخوف والقلق من جراء التقلبات السياسية.

على أن جهود الإخوان منذ إعلان الهدنة خلال وجود حكومة النقراشي قد تركزت في إيقاظ الجماهير في القرى والمدن وإثارتها بالخطب والرسائل والمؤتمرات بغية حصول البلاد على الاستقلال التام ولقد كان لهذا الجهود أثرها في ذيوع فكرة الجلاء ووحدة وادي النيل لدى الجماهير في أول وزارة صدقي فبراير 1946؛

وقد حددت الجماهير يوما رسميا للجلاء هو 21 فبراير سنة 1946 وقبل أن نستطرد في ذكر الأحداث السياسية وموقف الإخوان من حكومة صدقي ينبغي إلقاء الضوء على دور الإخوان في الحركة الطلابية والعمالية والانقسام الذي حدث بداخلها ..

والذي كان له أثره على تاريخ الحركة الوطنية المصرية في هذه الفترة فقد توالت اجتماعات الإخوان قبل بدء العام الدراسي بالجامعات إدراكا منها لأهمية الدور الذي يمكن أن يلعبه الطلاب في الحركة الوطنية وإعداد لكيفية قيادة هذا الدور على أنه كان هناك انقسام في صفوف الطلاب في جامعة فؤاد الأول بين مؤيدي الوفد ومعهم الطلاب الشيوعيون من جانب ومؤيدي الإخوان المسلمين ومعهم طلاب الحزب الوطني ومصر الفتاة وأحزاب الأقلية من جانب آخر؛

ولقد فسرت قيادة الوفد اجتماعات الإخوان المتكررة من أنها محاولا لاحتواء الحركة الطلابية وأن الإخوان لو نجحوا في ذلك لتعرضت قيادة الوفد للحركة الوطنية للاهتزاز والتصدع بعدما منى به الوفد من انشاقات متعددة أدت إلى ضعفه وضياع جمع كبير من مؤيديه فسارعت باستدعاء قياداتها الطلابية وكذا القيادات الشيوعية المتحالفة معها ..

وكونت منهم مجموعة أطلقت على نفسها اسم اللجنة الوطنية ودعت هذه المجموعة إلى مؤتمر عام للطلاب لبحث المطالب الوطنية بعقد في 7 أكتوبر ولم يكن من السهل على طلاب الإخوان ومؤيديهم أن يقبلوا العمل تحت قيادة الطلاب الوفديين أو الشيوعية ووفق آرائها وفي نفس الوقتي كان لابد من حضورهم مؤتمر 7 أكتوبر حتى لا يكون في مقاطعتهم له إضعاف للحركة الطلابية التي تمثل الحركة الوطنية؛

فدعت الجماعة قياداتها الطلابية إلى عقد اجتماع في اليوم السابق للمؤتمر وعقد الاجتماع وقرر فيما قرر إحالة مذكرة للحكومة لكي تحدد الحد الأدنى من مطالب الحركة الوطنية وفي اليوم التالي (7 أكتوبر) حضر ممثلوا الإخوان المؤتمر وبادروا بتقديم قرارات اجتماعهم إلى المؤتمر وطالبوا بالموافقة عليها من الجميع كي تتحقق الوحدة الطلابية ..

إلا أن ممثلي الوفد والشيوعيين قد رفضوا هذا المطلب فانسحب ممثلوا الإخوان مقررين العمل وحدهم على أن طلاب الإخوان قد عادوا مرة أخرى لحضور اجتماعات اللجنة الوطنية في ديسمبر من نفس السنة 1945 سعيا منهم إلى توحيد الصفوف لكنهم ووجهوا بموقف متصلب من جانب خصومهم الذين غيروا اسمهم إلى اللجنة التنفيذية..

وتأجل النزاع بين الفريقين على أثر وصول رد الحكومة البريطانية في 26 يناير 1946 على مذكرة كانت الحكومة المصرية قد قدمتها إلى وزارة الخارجية البريطانية تطلب فيها الدخول في مفاوضات بين الدولتين لإعادة النظر في معاهدة سنة 1936 ؛

وقد تضمن الرد البريطاني عدم الاستجابة لمطلب الحكومة المصرية وأن معاهدة 1936 سليمة في جوهرها مما اعتبر إهانة للحكومة وحشد الطلبة جمعهم صفوفهم للتعبير عن احتجاجهم وقاموا بمظاهرة سلمية يومي 9، 10 فبراير 1946 واتخذوا طريقهم إلى قصر عابدين..

وأثناء وصولهم لكوبري عباس وجدوه مفتوحا لمرور المراكب فأغلقوه وعبروه فتصدى لهم البوليس وأطلق عليهم رصاصه وانهال عليهم بالضرب فأصيب عدد كبير وسميت هذه الحادثة بحادثة كوبري عباس وعلى أثرها استقالت وزارة النقراشي في 15 فبراير لتليها وزارة إسماعيل صدقي.

واستعد الوفد لتنظيم صفوفه فور تولي صدقي للوزارة فوسع جبهته لتضم الطلاب مع العمال الصناعيين وكون منهم اللجنة الوطنية للعمال والطلبة وكان الشيوعيون قد سبقوا الوفد في تشكيل لجنة عمالية باسم لجنة العمال للتحرير الوطني بهدف الإشراف على إضرابات عمال النسيج في القاهرة شبرا الخيمة ودعت اللجنة الوطنية للعمال والطلبة لإضراب عام في 21 فبراير الذي حددته ليكون يوم الجلاء ووحدة وادي النيل؛

ولما كان كل من الوفد والشيوعيين يدركون أن الإخوان لن يعملوا تحت قيادتهم وهو الأمر الذي تحرص عليه قيادة الوفد بالذات التي كانت تحاول مصادرة الحركة الوطنية لحسابها قد اتهموا الإخوان برفض الانضمام إليهم استعداد ليوم الإضراب وأن الوفد قد زار البنا طلبا للمساندة فأجابهم أن الإخوان غير جاهزين وفسروا ذلك بعمالة الإخوان لحكومة صدقي وجاء يوم الإضراب وبرز دور الإخوان واضحا في كل من القاهرة والأقاليم وخاصة في الإسكندرية؛

ولم يجد خصومهم من مخرج لتبرير اتهاماتهم سوى القول أن البنا قد خرج على اتفاقية مع صدقي واشترك في الإضراب تحت ضغط حماس أنصاره وظن الإخوان أن اشتراكهم في الإضراب قد بدد ظنون خصومهم فيهم فوجه البنا نداء لتكوين لجنة موحدة لتنظيم إضراب آخر على مستوى البلاد في الرابع من مارس باسم يوم الحداد الوطني على شهداء 21 فبراير؛

ولم يقف الوفد عند حد عدم الاستجابة للنداء بل تعداه لمواصلة الهجوم على الجماعة وأن البنا يقود حركة مضادة للحركة الوطنية وبتوجيه من حكومة صدقي ومضي الإخوان في طريق الإعداد لهذا اليوم الوطني تشاركهم أحزاب الأقلية حيث تشكلت منهم اللجنة التنفيذية العليا؛

ومر يوم الإضراب بسلام باستثناء ما حدث في الإسكندرية وكان من المتوقع كما يصور الرافعي أن تؤدي الحوادث الدامية التي وقعت في يومي الجلاء والحداد إلى توحيد الصفوف لكن أنانية الأحزاب وبخاصة الوفد قد وقفت حجر عثرة أمام كل المساعي فقد دأب الوفد على رفض كل فكرة ترمي إلى توحيد الصفوف وإزالة الأحقاد من النفوس وكانت سياسته ولم تزل تهدف إلى هدم كل هيئة أو جماعة أو أي شخصية تخالفه في الرأي وتأبى العبودية التي يدين بها أشياعه لبضعة النفر الذي يتسلطون عليه.

وكانت علاقة الشيوعيين بالإخوان متأثرة بعلاقة الوفد بهم بحكم التحالف بين اليسار الوفدي والشيوعي فعلى الرغم من مشاركة عمال الإخوان في إضراب أعد له الشيوعيون في منطقة شبرا إلا أن عدم خضوع القيادة العمالية الإخوانية للقيادة الشيوعية بعد انتهاء الإضراب كان سببا في اتهام الإخوان بشرخ الجبهة المتماسكة المتحدة ومشاركة صدقي مناهضة الحركة الوطنية وأنهم أدوات الإمبريالية ..

وأن اشتراكهم في الإضراب إنما كان التجسس لصالح الحكومة وبالتالي فهم أعداء الطبقة العمالة ويعملون في خدمة الرأسماليين والمشتغلين وبالطبع كان الموقف الوفد والشيوعيين واتهاماتهم لجماعة الإخوان التي بذلك عديدا من المساعي لتوحيد الصفوف أثر في الإجهاز على ما تبقى من علاقة بين الفريقين.

وقد استطاعت جماعة الإخوان الحصول على بعض التسهيلات من انب حكومة صدقي من أهمها ترخيص بإصدار صحيفة يومية في مايو 1946 وامتيازات في شراء ورق الطباعة بالأسعار الرسمية وتسهيلات خاصة بالجوالة تتمثل في تخفيض سعر زيها الرسمي وحرية استخدام المعسكرات منح قطع من الأرض لإقامة المناطق اللازمة في المناطق الريفية؛

كما ضمت الحكومة محمد حسن العشماوي كوزير للمعارف وهو معروف بميوله الدينية، وكذلك تمتعت الجماعة ببعض المساعدات غيرا لمباشرة من وزارتي التعليم والشئون الاجتماعية وإذا كانت هذه التسهيلات قد فسرت من جانب الحكومة على أنها محاولة لمناهضة الوفد والشيوعيين؛

إلا أن الإخوان قد أثبتوا من خلال سير الأحداث أنهم ليسوا أداة للحكومة وأنهم لا يتحركون إلا وفق مبادئهم، وإذا كان من حق الوفديين أن يرتابوا لمواقف صدقي المعروفة بعدائه لهم، فإن هذا الارتياب والعداء ما كان ينبغي أن يشمل الإخوان لمجرد حصولهم على تسهيلات منه؛

بل كان يجب عليهم التأني للحكم على الإخوان من خلال موقعهم من الأحداث التي أثبتوا من خلالها عدم اتفاقهم مع صدقي مثل الوفد وقد ضيع الوفد بلك فرصا كان من الممكن أن تؤدي إلى الوحدة الوطنية ودلل بذلك على حرصه على القيادة أكثر من حرصه على المصلحة العامة.

وحينما أعلن صدقي عن عزمه بدء المفاوضات مع بريطانيا ووصل الوفد البريطاني المفاوض، طالبه الإخوان بأن يلتزم بما أعلنه من قبل في أن يدخل هذه المفاوضات حرا من كل قيد غير متأثر بمذكرة الحكومة المصرية السابقة ولا بالرد البريطاني عليها ولا بقيود معاهدة 1936 التي عقدت في ظروف خاصة تغيرت الآن تغيرا كاملا جعلها غير ذات موضوع .

وحدد الإخوان هدفهم من هذه المفاوضات في تحقيق الجلاء التام الذي تعقبه نهضة شاملة وطالبوا بألا يطول وقت المفاوضة حتى لا يفلت فرصة عرض القضية على مجلس الأمن، وأن يبلغ صدقي المفاوض البريطاني أن الأمة لن تجرب المفاوضات إلا هذه المرة فإما نجاح وإما كفاح والإخوان يعرفون واجبهم وعلى استعداد لتنفيذه؛

كما دعا الإخوان في مقال وجه إلى الملك فاروق والأحزاب السياسية إلى تضافر الجهود والتفكير في برنامج عمل للمستقبل القريب وكيفية تنفيذه على كل الفروض استعداد لمواجهة نتائج المفاوضات وحتى في القيام بمظاهرات بصفة دورية لتذكير صدقي بتعهداته للأمة؛

ونشرت مجلتهم عديدا من المقالات التي تهاجم أسلوب المفاوضة وتفضل عليها الجهاد وتتهم بريطانيا بنكثها لعهودها كما كانت تهاجم كل تصريح يصدر حول الصداقة المصرية البريطانية وتوالت اجتماعاتها لدراسة الموقف عقب كل مرحلة من مراحل المحادثات، وقد نتج عن كل هذه الأمور دخان كثيف جعل الجو المحيط بالمفاوضات خانقا

  1. توقفت المفاوضات لالتقاط الأنفاس وخيم السكون، والحكومة تنتظر وتتلمس ثغرة تنقذها من هذا الموقف ولم يرض الإخوان هذا الانتظار فألقى المرشد العام بيانا دعا فيه إلى عدم جدوى استمرار المفاوضات وضرورة الاستعداد للقوة لأن الحقوق تؤخذ ولا تعطي وكان هذا البيان تعبئة للجماهير والهيئات السياسية ضد الحكومة
  2. وكان ذلك الموقف من جانب الإخوان كفلا بإثارة الحكومة عليهم، فقامت بحملة اعتقالات واسعة لأعضائها كما ضيقت
  3. الحصار على اجتماعاتها لدرجة وصلت إلى وضع المصلين داخل المساجد تحت المراقبة

ولم تثن هذه المضايقات من جانب الحكومة الإخوان عن موقفهم واستمرار هجومهم عليها وعلى المفاوضات الأمر الذي كان له أثره على استمرار الحكومة في أعمالها الانتقامية ضد الجماعة والتي انتهت بوقف نشاط الجوالة وكان رد البنا على كل هذه الأعمال بأن ما جمعه الله لا يستطيع العبد أن يفرقه.

ولم تؤد هذه المواقف إلى تغير علاقة الوفد بالجماعة فقد واصل هجومه على الإخوان المسلمين متهما إياهم بعدة اتهامات تدور معظمها حول محور واحد هو العلاقة الودية بينهم وبين حكومة صدقي وقد حشي البنا من صدى ما قد تحدثه هذه الحملة داخل جماعته؛

فعقد اجتماعات متعددة رد فيها على كل هذه الاتهامات كما أن تطور الأحداث ووضوح موقف الإخوان منها قد أكد بطلان ما اتهموا به ومن ناحية أخرى حاولت الجماعة التخفيف من حدة الخلافات مع الوفد إدراكا منها لما يمكن أن تكون عليه الحركة الوطنية من قوة في حالة اتحادهما؛

وحدثت سرية بين أحمد السكري النائب الأول للجماعة وفؤاد سراج الدين زعيم الجناح اليمني في الوفد، ولكن هذه الاجتماعات لم تسفر عن شيء في تقديم العلاقة بينهما على أن تطور الأحداث وما نتج عنها من توافق المواقف بين الإخوان والوفد قد أتاحت فرصة للقاء بينهما فحينما ذهب صدقي إلى لندن لاستكمال المفاوضات بعيدا عن جو القاهرة؛

أعلن الإخوان رفضهم الكامل لأسلوب المفاوضات قبل إتمام الجلاء ودعا البنا كلا من الملك وصدقي إلى دعوة الأمة إلى الجهاد ومقاطعة انجلترا اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا؛

كما أعلنوا أن صدقي لا يمثل إرادة الأمة إذا ما استمر في طريق المفاوضات، وأن ما يسفر عنها قبل تحقيق الجلاء لن يلتزم الأمة وفي اليوم السابق لرحيل صدقي دعا الإخوان إلى مظاهرات عمت جميع أنحاء البلاد وعندما عاد صدقي بعد التوقيع بالأحرف الأولى على المعاهدة التي توصل إليها الجانبان صدقي بيفن ووجه بمعارضة شديدة؛

وكان أول الرافضين للمعاهدة سبعة من أعضاء الوفدي الرسمي المفاوض وم يمضي شهر على وصول صدقي عند بدء العام الدراسي في الجامعة إلا وقد عمت موجة الاجتماعات والمظاهرات كل أنحاء مصر حرقت خلالها المحلات التجارية والكتب الإنجليزية وقد ردت الحكومة على ذلك بإغلاق الجامعة والصحف؛

وقامت بحملة اعتقالات شملت الوفديين والشيوعيين والإخوان المسلمين وللمرة الثانية تم القبض على أحمد السكري الذي كان قائدا لجماعة لوجود البنا في الأراضي الحجازية للحج وقد أدت هذه الإجراءات إلى نتيجة عكسية حيث زادت حدة الانتفاضات المعادية للحكومة رغم حالة الطوارئ وما كان على صدقي أمام هذه التطورات إلا أن يقدم استقالته فقدمها بالفعل في 8 ديسمبر 1946.

ولم يتغير موقف الإخوان من المفاوضات في بداية عهد الوزارة الجديدة التي ألفها النقراشي في 9 ديسمبر 1946 والتي تقاسمها السعديون والدستوريون، ففي يوم تأليفها نشر البنا مقالا دعا فيه الحكومة الجديدة إلى اختصار الطريق واحترام إرادة الأمة وإنهاء المفاوضات والسير في طريق الجهاد؛

كما نشرت مجلتهم عديدا من المقالات التي تهاجم الوزارة والأحزاب والهيئات السياسية ووصفتهم بأنهم لا هم لهم إلا تشكيل الوزارات فإذا خرجوا منها أسقطوها وأن السياسة عندهم احتراف بل وذهبت إلى أكثر من ذلك حيث رأت أن الوضع الصحيح لقضية الأمة الآن ليس في إنهاء المفاوضات القائمة أو عقد المعاهدة المنتظرة أو تشكيل وزارة وإجراء انتخابات ولو في هذا الجلاء أو البقاء؛

فهذه القضايا مفروغ منها والطريق الصحيح لحلها معروف يعرفه المؤمنون بحقوقهم المتربصون للموت فيها وأن الوضع الصحيح لقضية الأمة هو دستورية القرآن وإنقاذ نظام الإسلام وكان واضحا أنهم يلوحون باستخدام القوى التي يدعون إلهيا قد حذروا بأهم لن يغضوا الطرف بعد على هذه القضية الحقيقية بينهم وبين الناس؛

ولن يهدأ لهم شعور إلا أن يروا القرآن دستورا في مصر وغير مصر وكان هذا الموقف نذيرا ببداية حرب بين الحكومة وبين الإخوان وقد أحس الإخوان أنهم مقبلون على محنة جديدة وحينما ألقي النقراشي بيانا في مجلس النواب يشرح فيه المطالب الوطنية وما وصلت إليه المفاوضات هاجم الإخوان البيان لأنه لم يشف الغلة ولم يروا الظمأ ووصفوا بيانه بالغموض ودعوا الحكومة إلى إلغاء معاهدة 1936 وعرض القضية على مجلس الأمن فإن فشل ذلك الطريق فلا يبقى سوى الجهاد.

وحينما قرر مجلس الوزراء برئاسة النقراشي في 25 يناير 1947 عرض القضية على مجلس الأمن وهو الذي دعاء إليه الإخوان أرسل البنا برقيات تأييد للنقراشي كما استنكر بشدة موقف زعيم الوفد الذي أبرق لمجلس الأمن موضحا أن النقراشي ليس صوتا شرعيا يتحدث باسم مصر؛

وقد أدى ذلك إلى دعوة الوفد لاتهام الإخوان بالعمالة للحكومة وخيانة قضية الأمة ويرد الإخوان على موقف الوفد باتهام زعمائه بتفريق كلمة لأمة وأنهم بذلك يسارعون الإنجليز في وقت يجب فيه غرس الكره والسخط عليهم في نفوس الشباب والشيوخ وتأليب العالم عليهم لأنهم:

(أسوأ أمة عرفها التاريخ) ويقف الإخوان من زعيم الكتلة مكرم عبيد نفس موقفهم من الوفد حينما وقف في مجلس النواب معارضا عرض القضية على مجلس الأمن ومطالبا بعودة المفاوضات بعد أن كان من الداعين إلى قطعها واللجوء إلى الهيئات الدولية؛

ومن ناحية أخرى أرسل الإخوان مندوبا عنهم مع النقراشي إلى الأمم المتحدة وهو مصطفى مؤمن في 26 يوليو وعندما عرض اقتراح في مجلس الأمن بشأن عودة المفاوضات ألقي مندوب الإخوان خطبة قوية تستنكر ذلك وقدم وثيقة موقعة بدماء الطلاب وجدد الدعوة للجلاء التام ووحدة وادي النيل وقاد مظاهرة أمام مبنى الأمم المتحدة، وقد أدى ذلك إلى طرده من مبنى الأمم المتحدة فعادة متخفيا قبل انتهاء جلسات مجلس الأمن إلى مصر.

وفي مصر انتهزت قوى المعارضة وعلى رأسها الوفد الغموض الذي أحاط بالقضية في مجلس الأمن لتشتد في الهجوم على الحكومة من خلال دعوتها بعودة المفاوضات وعدم جدوى عرض القضية على مجلس الأمن وبالرغم من أن الإخوان قد ساروا في خط تأييد الحكومة إلا أنهم قد اتهموها بالإسهام في هذا الغموض لأن فيه ضياعا لمصلحة الأمة وأن ينبغي إثارة الجماهير استعدادا للكفاح؛

وحينما أحس الإخوان بأن الحكومة تراوغ في عرض القضية على مجلس الأمن وتؤخر عرضها حفاظا على البقاء في الحكم تغير موقفهم وصاروا يهاجمونها وأعلنوا أن من واجبهم إثارة الحماس بين الناس وإثارة روح البذل والتضحية لأن القضية في مصر وليست في أمريكا وأن الاحتكام هو استنفاذ للوسائل السلمية وامتحان للضمير العالمي ومبادئ الحرية والعدل.

لكن موقف الإخوان المؤيد للحكومة عاد مرة ثانية حينما تقدم سفير مصر في الولايات المتحدة محمود حسن بمذكرة من النقراشي أوضح فيها القضية المصرية ومطالب المصريين الوطنية المشروعة في 8- 7- 1947 وقد أنكر الوفد على الحكومة حق تمثيل الأمة فشنت مجلة الإخوان هجوما على حزب الوفد متهمة إياه بتحقيق أغراض الإنجليز في تحقيق الفرقة والانقسام ..

وأنه بهذا يقوم بدور الطابور الخامس الذي يعتمد عليه الاحتلال ودعا الإخوان إلى مظاهرة قادها البنا بنفسه لتأييد موقف الحكومة مع تأكيد على عدم العودة للمفاوضات ونقلت مجلتهم فقرات من بيان النقراشي في مجلس الأمن وأطرت هذا البيان ولم يمنع فشل القضية في مجلس الأمن الإخوان من استقبال النقراشي استقبالا حماسيا آملين أن يعينهم على الخطوة التالية وهي تعبئة الجماهير وتهيئتها لاستخدام القوة ضد الإنجليز؛

ونشروا بيانا تركز أغلبه في عودة الدول العربية والإسلامية لمقاطعة الهيئة الدولية والدول الأوربية التي عارضت القضية المصرية في مجلس الأمن، على أن صمت الحكومة قد جر عليها هجوم الإخوان ثانية وإذا كان هذا التحول كفيلا بتعكير الجو بين الحكومة وبين الإخوان..

فقد جاء عامل آخر أسهم في زيادة الخلاف بينهما بل وأدى إلى قرار حل الإخوان على يد الحكومة ذلك هو قرار تقسيم فلسطين الذي أصدره مجلس الأمن في 29/ 11/ 47 والذي أدى إلى تطور لا في تاريخ مصر فحسب بل وفي تاريخ الإخوان كذلك فضلا عن حدوث انقسام داخل الجماعة أدى إلى فصل نائب الجماعة أحمد السكري وخروج شخصيات أخرى وسنتعرض لذلك في فصل قادم.

أما عن موقف الإخوان في أحداث فلسطين فقد تطورت في حقل الدعاية ونشر الدعوة إلى صورة عملية تمثلت في البداية في إرسال نائب الجماعة للشئون العسكرية الصاغ محمود لبيب لتدريب الفلسطينيين تدريبا عسكريا وبقي هناك حتى طلبت السلطات البريطانية ومن أعضاء آخرين مغادرة فلسطين وعندما وصل أمين الحسيني المفتي الفلسطيني إلى مصر عام 1946 كان الإخوان وراء الحملة الخاصة بمنحة حق اللجوء السياسي؛

وعندما صدر قرار التقسيم في نوفمبر سنة 1946 اشترك البنا مع صالح حرب رئيس جمعية الشبان المسلمين ومحمد علي علوبة في تشكيل لجنة وادي النيل لجمع المال والسلاح للمتطوعين وفي داخل الجماعة تولى المرشد العام إعداد الترتيبات اللازمة لإرسال للمتطوعين وفي داخل الجماعة تولي المرشد العام إعداد الترتيبات اللازمة لإرسال المتطوعين من جوالة الإخوان والذين دربوا لمثل هذه الظروف؛

وقد استطاع الإخوان إقناع الجماعة العربية بقصر الاشتراك في المشكلة الفلسطينية على إرسال المتطوعين إلى جانب الدعم السياسي والديبلوماسي وقد نجحت الجماعة بدورها في إقناع النقراشي بهذا الرأي فوافق بشرط أن يتولى أحد ضباط الجيش تدريب المتطوعين وبدأت كتائب متطوعي الإخوان في الوصول إلى الميدان والاشتراك الفعلي من أبريل سنة 1948

قرار حل الإخوان المسلمين:

في الفترة من سنة 1945 نهاية الرب العالمية الثانية وديسمبر سنة 1948 قرار حل الإخوان تكونت عديد من العوامل رأت الحكومة أنها كافية لإصدار قرار بحل الجماعة وقد ساعد خصوم الإخوان على الرغم من عدائهم لها في تبرير قرار الحل من خلال التشهير بالإخوان وكيل مزيد م الاتهامات لهم أما الإخوان فكانوا يرون أن قرار الحل تقف وراءه الدول الغربية المعادية للإسلام تساعدهم القوى المحلية المعروفة بولائها للاحتلال؛

ويستندون في ذلك إلى مؤتمر يقولون إنه قد عقد في فايد في نوفمبر سنة 1948 بين قناصل بعض الدول الغربية انجلترا وفرنسا وأمريكا وطلبوا من السفير البريطاني أن يطلب من النقراشي إصدارا قرار الحل من خلال التشهير بالإخوان وكيل مزيد من الاتهامات لهم أما الإخوان؛

فكانوا يرون أن قرار الحل تقف وراءه الدول الغربية المعادية للإسلام تساعدهم القوى المحلية المعروفة بولائها للاحتلال ويستندون في ذلك إلى مؤتمر يقولون إنه قد عقد في فايد في نوفمبر سنة 1948 بين قناصل بعض الدول الغربية انجلترا وفرنسا وأمريكا وطلبوا من السفير البريطاني أن يطلب من النقراشي إصدار قرار بحل جماعة الإخوان

وأن المأجور ج. أو برايان السكرتير السياسي للقائد العام للقوات البرية البريطانية في الشرق الأوسط ومقره فايد أرسل خطابا إلى إدارة المخابرات التابعة للقيادة العامة للقوات البريطانية في مصر وشرق البحر المتوسط يخطره فيها بما دار في اجتماع السفراء والنتيجة التي انتهى إلها وأخطرهم أنه سيتخذ الإجراءات اللازمة بواسطة السفارة البريطانية في القاهرة لحل جمعية الإخوان التي فهم أن حوادث الانفجارات الأخيرة قام بها أعضاؤها؛

وقد جاء الرد بإقناع السلطة المصرية بحل الإخوان في أقرب وقت مستطاع وإذا كانت سير الأحداث لا يؤكد حدوث مثل هذا المؤتمر وكذلك عدم وجود وثائق تثبت انعقاده في غير صحف الإخوان إلا أن البعض يرى أن الإخوان محقون إلى حد كبير في افتراضهم ودليلهم على ذلك قائم على استنتاجات وربما وثائق لم تظهر بعد من خلال تطور الأحداث ؛

ويتساءل الإخوان: لماذا انصب عليهم وحدهم قرار الحل مع أن هيئات أخرى كالوفد والحزب والوطني والشيوعيين شاركت معهم في أعمال العنف ويردون على ذلك أنهم هم الذين يمثلون أكبر خطر على الاحتلال والحكومات الضالعة معه وحقيقة الأمر هي أن الإخوان أصبحوا في 1948 أكبر جماعة مسلحة خاصة بعد حرب فلسطين يخشى منها على النظام القائم؛

ولم تكن الحكومة بحاجة إلى حل الوفد لعدم لجوئه إلى النشاط العسكري، والحزب الوطني كان قد لجأ إلى هذا النشاط ولكن في نطاق ضيق جدا، أما الشيوعيون فلم يكونوا في حاجة إلى قرار حل لأنهم لم يتمتعوا بشرعية وجودهم.

على أي حال لقد شهدت مصر بعد الحرب الثانية صراعا واضطرابا شديدا بين الهيئات والتكتلات السياسية والجماهيرية لم يدفع ثمنه الإخوان وحدهم بل شاركهم شعب مصر بأسره ولم يكن للحكومة القائمة ظهير من التأييد الشعبي مما اضطرها إلى اللجوء إلى جماعة الإخوان في محاولة لتطويعها كأداة في محاربة الوفد والاستناد إلى جماهيريتها ؛

لكن الحكومة أدركت أنها لن تحقق هدفها بالإخوان إلا إذا طوعت هي سياستها لهم وهذا أمر لا تملكه حكومة إذا رغبت في ظل احتلال يكاد يسيطر سيطرة كاملة على السلطة الفعلية في البلاد، وأحست الحكومة بالخطر الحقيقي بعد أن تبين لها حقيقة موقف الإخوان وازداد ذلك الإحساس بعد ظهور قوة الإخوان ومدى استعدادهم الحربي ومدى نفوذهم الذي ازداد في النصف الثاني من عام 1947

مما أكد الاعتقاد بأن الإخوان يخططون سرا لقلب الأوضاع ومع تسليمنا بأن الإخوان قد ارتكبوا كثيرا من حوادث العنف عام 1948 إلا أن قامت به الحكومة من ضغوط واضطهاد ضدهم كان وراء اندفاع شبابها لارتكاب هذه الحوادث؛

ففي يناير 1948 أعلنت الحكومة عن اكتشاف 165 قنبلة مع مجموعة من الأسلحة مع بعض من شباب الإخوان كانت مختفية في بقعة منعزلة في تلال جبل المقطم، وقد أقر شباب الإخوان أنهم قد اشتروها من البدو استعدادا لفلسطين؛

ومما يدفعنا لتصديق تبريرهم أنهم لم يسبق أن استخدموها ضد أي من القوى في مصر في وقت قام فيه غيرهم كالحزب الوطني بعدة اغتيالات بدأت باغتيال أحمد ماهر سنة 1945 وأمين عثمان 1946؛

ومن هنا كان اقتناع القضاء ببراءتهم وصدق تبريرهم وفي 22 مارس 1948 اغتال شبان من الإخوان أحد القضاة أحمد الخازندار لإصداره حكما بالسجن على أخ لهم في الجماعة لمهاجمة مجموعة من الجنود البريطانيين في إحدى الملاهي الليلية بالإسكندرية

وقد دل هذا الحادث على أمرين هامين: الأول أن هناك ضغطا قد وقع من القضاة من قبل الحكومة بالنسبة للإخوان بالذات حيث برءوا من قبل المجموعة التي قبض عليها في ينار بتهمة حيازة الأسلحة والقنابل فضلا عن موقفهم من حادثين لاغتيال النحاس زعيم الوفد اتهم فيها السعديون والأمر الثاني أن الحماس الزائد عند شباب الجماعة وخاصة في الجهاز لسري قد قلل من سيطرة المرشد العام بسياسته المتعلقة عليهم.

الأمر الذي دفعهم لارتكاب حادث الخازندار دون علمه مما جلب السخط على الجماعة حتى من القوى التي سبق أن أيدتها والتي كانت ما تزال تؤمن بالكفاح السلبي وكتأثير مباشر للأحداث في فلسطين بدأت الحكومة حملة ضد بعض اليهود المقيمين في مصر والمشتبه في صلتهم أو انتمائهم للصهاينة أو الشيوعيين فصادرت أملاكهم بقرار صدر في نهاية مايو سنة 1948؛

كما قامت ضدهم بحملة اعتقالات واسعة النطاق وفي أعقاب ذلك تعرض اليهود لعديد من حوادث التدمير والحريق، ففي يونيو اشتعلت النيران في الحي اليهودي وقيل أنه اشتعال غير مقصود وحينما ألقت إحدى الطائرات الإسرائيلية قنبلة على أحد أحياء القاهرة الآهلة بالسكان في يوليو وقع انفجار بعده بيومين فقط (19 يوليو) في محلين تجاريين مملوكين لليهود شيكوريل وأوركو وتبع ذلك حوادث مماثلة في محلات يهودية مثل جاتينيو وبنزايون وغيرها ولم تقم الحكمة بالتحقيق في كل هذه الحوادث.

ومن أكتوبر وبعد اكتشاف الحكومة لمخبأ من الأسلحة والمعدات في عزبة الشيخ محمد فرغلي قائد كتائب الإخوان في فلسطين بدأ التركيز من جانب الحكومة لوقف نشاط الإخوان بعد أن تكونت لديها المعلومات الكافية من خلال سير الأحداث عن مدى قوتهم على اكتشاف ما تنطوي عليه النية ضد الجماعة؛

فالأسلحة في منطقة الإسماعيلية القريبة من ميدان عمل كتائب الإخوان في فلسطين واكتشفت في عزبة قائد هذه الكتائب ولم تجمع هذه الأسلحة إلا لمواجهة اليهود والإنجليز؛

كما أن الحكومة كانت في أغلب الظن على علم بمكان هذه الأسلحة قبل اكتشافها وعلى الرغم من كل هذه المبررات فإن الإخوان قد أسهموا في توفير شعور سوء النية لدى خصومهم تجاههم وكان عليهم أن ينتظروا بمرحلة التنفيذ إلى وقت تزداد فيه شعبيتهم فيصبحوا معها الممثلين للأغلبية في مصر ولكن يبدو أن الحوادث كانت قد سبقتهم.

وفي منتصف نوفمبر تمكن البوليس من القبض على سيارة جيب اتضح أنها خاصة بالجهاز السري للإخوان وألقي القبض على من فيها وبتفتيش مساكنهم تم القبض على آخرين من رفاقهم كما تم العثور معهم على عديد من المعلومات والوثائق استكملت الحكمة بها معرفة كاملة بالجهاز السري للجماعة وبدأت بذلك الإعداد لإصدار قرار الحل.

وحينما عاد المرشد العام إلى البلاد بعد أداءه فريضة الحج، ألقي القبض عليه في 28 نوفمبر ثم أفرج عنه فورا لعد ثبوت الأدلة ضده وبدأ من فوره ببذلك مساع متعددة لتخفيف حدة التوتر بين جماعته وبين الحكمة؛

ولكن سبق السيف العذل حيث كان قد فات الأوان ففي خلال معركة بين طلاب الجامعة الذين اجتمعوا ليعربوا عن تذمرهم لإعلان الهدنة في فلسطين وبين البوليس لقي حكمدار القاهرة سليم زكي مصرعه من جراء انفجار قنبلة ألقاها تجاهه أحد الطلاب وعلى الرغم من عدم معرفة الطالب الذي ألقي القنبلة وبالتالي عدم إمكانية تحديد انتمائه أصدرت الحكومة قرار اتهام بقتل الحكمدار ضد الإخوان المسلمين وأعقب قرار الاتهام صدور الأوامر بإغلاق صحيفة الجماعة؛

وتهيأ المرشد العام بعد فشل مساعيه لإنقاذ الموقف لانتظار ما ستفسر عنه الأحداث إلى أن أعلن الراديو نبأ الأمر الصادر من وزارة الداخلية بحل الجماعة بكل فروعها ونشرته الصحف في اليوم التالي بمبررات أغلبها ملفق، واعتقل البوليس الذي كان يحيط بالمركز العام كل المجتمعين فيه باستثناء البنا وصودرت أموال الجماعة وصفيت شركاتهم حيث وضعت تحت إشراف وصفيت شركاتهم حيث وضعت تحت إشراف مندوب من وزارة الداخلية للإنفاق منها على الأعمال الخيرية وفق قوانين وزارة الشئون الاجتماعية؛

وصرحت مصادر الحكومة أنها قد تخلصت بهذا من ألد خصومها التي كانت دولة داخل الدولة وقد أرجع البنا عوامل صدور هذا القرار إلى ضغط أجنبي دولي وقع على الحكومة وخاصة من بريطانيا التي كانت تعتبر الإخوان قوة وطنية متطرفة كانت السبب في عدم الوصول إلى معاهدة تحدد علاقتها بمصر كما أن الحكومات العربية كانت تريد إنهاء قضية فلسطين؛

وعلى الرغم من إلقاء الحكومة القبض على عديد من أعضاء الجهاز السري والجماعة لتفادي حدوث اضطرابات كبيرة إلا أن أفراد الجهاز الذين انقطعت صلة البنا وصلة رؤسائهم المعتقلين بهم كانوا قد أعدوا أنفسهم للانتقام، وكان البنا يدرك أبعاد هذه الاضطرابات..

فحاول الالتقاء بالنقراشي لتهدئة الموقف دون جدوى وفي الثامن والعشرين من ديسمبر أطلق شاب من شباب الجماعة هو عبد الحميد أحمد حسن (طالب طب بيطري) الرصاص على النقراشي أثناء دخوله وزارة الداخلية بعد أن تخفى في زي ضابط شرطة فأراده قتيلا..

وبمقتله باءت كل محاولات كان من الممكن أن تبذل لإنقاذ الموقف بالفشل ونادى أتباع النقراشي الذين خرجوا ليشيعوه بقتل البنا وقد كان نداؤهم ستارا اختفت وراءه القوى التي دبرت لاغتيال البنا بعد مرور أقل من شهرين على اغتيال النقراشي.

الإخوان والتنظيم السري

اتجهت جماعة الإخوان المسلمين مثلها مثل جميع المنظمات والأحزاب التي لم تعتق النظام لليبرالي إلى الدستوري حسب دستور سنة 1923 إلى إنشاء تنظيم سري له صفة شبه عسكرية ليعمل إلى جانب التنظيم العلني على أن الفرق بين الإخوان وبين غيرهم هو أنهم قد استندوا في تنظيمهم إلى مبدأ عقائدي ديني وهو مبدأ الجهاد؛

فقد كانوا يرون أن الجهاد واجب على كل مسلم ضد أعداء الله من غير المسلمين وبالذات الذين يغيرون أو يحتلون ديار الإسلام أما عن وجوب جهاد المسلم للمسلم المرتد أو الذي يستر خلفه الأعداء راضيا أو مرغما فهذه أمور من الصعب تحديدها ولم تخط بإجماع فقهاء المسلمين ودود الدخول في تفاصيل فقهية؛

فإن الشريعة الإسلامية لا تبيح قتل المسلم للمسلم، فقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن كل المسلم على المسلم حرام ماله ودمه وعرضه إذا تقابل المؤمنان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار وقد أقر الإخوان الشعار القائل إن القوة أضمن طريق إلى الحق وقالت إن الأمم الحديثة قد بنت نفسها عليه مثل فاشستية موسوليني ونازية هتلر وشيوعية ستالين وفرقت بن هذه النظم وبين الإسلام الذي آثر السلم على الحرب مع عنايته بالقوة.

أما عن النشأة التاريخية للتنظيم فقد اختلف الباحثون في تحديدها وكان أقربهم للصواب في رأينا من رأي أن الفكرة قد ولدت مع الدعوة وفي السنة الأولى منها ويرجع ذلك إلى أن البنا كان يرى أن الاستعداد بالتسلح والتدريب أمر ضروري لاكتمال دعوته وتنفيذا لأمر الإسلام؛

وتحرج مما جاء في الحديث الشريف: من مات ولم يغز ولم ينو الغزو مات ميتة جاهلية وقد تطور هذا التنظيم في مراحل كما كانت الدعوة في كل شعبها وكان البنا قد ألف أول شعبتها وتولى تدريبها بنفسه وبعد ازديادها أوكل أمر التدريب لمدرس رياضة متصوف هو محمد مختار إسماعيل؛

ثم عين علي خليل مدرب فرقة أبو صوير مدربا عاما للإخوان ومع انتقال المركز العام للإخوان إلى القاهرة وما صحبه من تطور في الجماعة تطورت فرق الرحلات وتعددت أغراضها وأصبح من أول هذه الأغراض التدريب العسكري ثم التعارف ونشر الدعوة في ضواحي القاهرة وتغير اسم فرق الرحلات إلى الجوالة وزاد الاهتمام بها في أعقاب المؤتمر الثالث سنة 1935 حيث أصبحت تنظيما مستقلا ذات هيكل مستقل يتبع المركز العام مباشرة؛

وقد كان لظهور تشكيلات القمصان الخضراء مصر الفتاة والقمصان الزرقاء الوفد أثر في اهتمام المرشد العام بتشكيلات الجوالة في جماعته وقد ظهرت فرق الجوالة في بعض المناسبات ..

كان أولها المشاركة في شكل استعراض عند تنصيب الملك فاروق على عرش مصر سنة 1937 كما تولت حماية مؤتمرات الإخوان وكذلك استقبال المرشد العام وحمايته أثناء زيارته لإحدى قرى الصعيد سنة 1939 وعلى الرغم من أن تنظيم الكتائب قد ظهر بعد فرق الجوالة الأمر الذي يوحي لدى البعض أنه مرحلة متطورة للتنظيم؛

كما أن بعض المراجع تعتبر كلا منهما مرادفا للآخر إلا أن الكتائب قد أسست لتدريب أعضاء الجماعة ومن يتم تدريبه يصبح فردا من أفراد الجوالة وكان التدريب يشمل ثلاث كتائب في الأسبوع واحدة للعمال، والثانية للطلاب والثالثة تجمع الموظفين والتجار ويرتبط تطور تشكيلات الجوالة بالظروف السياسية في مصر وبتطور الجماعة ذاتها؛

فكان أول ظهور لها في شكل استعراضي هو يوم تولي فاروق سلطته في البلاد الأمر الذي أحاطها مع الجماعة بتشجيع السراي، كما أن هذه البداية قد واءمت ظهور تشكيلات الوفد القمصان الزرقاء ولما كانت بطانة الملك المقربة إليه وعلى رأسها علي ماهر تكن كرها للوفد الذي كان في صراع دائم من أجل السلطة مع السراي؛

فقد فسر بذلك التشجيع لتشكيلات الإخوان أنه نكاية في الوفد ومحاولة للقضاء عليه وقد تأكد ذلك حينما أصدرت وزارة محمد محمود سنة 1938 قانونا يقضي بإلغاء التشكيلات شبه العسكرية طبق على تشكيلات الوفد ومصر الفتاة دون الإخوان ومع تولي وزارة علي ماهر وبداية الحرب العالمية وظهور ميول السراي نحو المحور سمح ببقاء تشكيلات الإخوان فترة الحرب دون التشكيلات الأخرى، كما تلقت عديدا من المساعدات تساعد على نموها وتطورها وبخاصة في الميدان الاجتماعي الذي شاركت فيه الجوالة.

أما عن نشأة الجهاز الخاص أو الجهاز السري فتشر بعض المراجع إلى أنه قد نشأ قبل الحرب الثانية ويدلل أصحاب هذا الرأي على ذلك بقصة ذكرها أنور السادات مؤداها أن أحد جنود الإخوان المتطوعين قد دخل على البنا ومعه صندوقان مغلقان فأمره البنا بفتحهما فإذا بهما مملوءان بالسلاح.

ويذكر مرجع آخر نقلا عن أنور السادات أن البنا كان يجمع السلاح سنة 1940 ولا تأتي هاتان الروايتان المتضاربتان بدليل واضح يؤكد البداية الحقيقية لبداية الجهاز الخاص فجمع السلاح لا يقيم ذلك الدليل كما أنه أمر تقتضيه ضرورة تدريب الكتائب أو نظام الجوالة..

كما أن بعض الضباط الذين انضموا للإخوان قد شاركوا في شراء هذه الأسلحة استعداد لمواجهة الإنجليز مما يجعل تحديد ظهور ذلك الجهاز سنة 1942 هو أقرب إلى الصواب من غيره ويسوق أصحاب هذا الرأي عدة أدلة منها تغير نظام الكتائب بعد اكتماله إلى نظام الأسر التعاوني؛

وهو أكثر سرية وأدق تنظيما من نظام الكتائب كما أنه قد ورد تحديد ذلك التاريخ على لسان خميس حميدة الذي تولى رئاسة ذلك الجهاز في رئاسة الهضيبي للجماعة؛

كذلك ظهر في البداية كنظام استخبارات لجمع معلومات عن التنظيمات الشيوعية والاستعداد لمحاربتها فضلا عن أن البنا قد فسر سرية تكوينه داخل الجماعة بالاستعداد للتخلص من الجيش البريطاني العائد من العالمين ونصيف عاملا آخر هو أن البنا قد استغل شعور الاستياء العام في الشعب المصري بعد حادث 4 فبراير ليستقطب لجهازه بعض ضباط الجيش من بينهم جمال عبد الناصر وكمال الدين حسين والبغدادي الأمر الذي قد أوحى لبعضهم أن الوقت قد حان للتخلص من الاحتلال؛

وقد تكون لذلك علاقة بمحاولات هروب عزيز المصري للوصول إلى الألمان الذي ربما كان يحمل معه خطة لمساعدة القوى المحلية وعلى رأسها الإخوان في ضرب الجيش البريطاني المتقهقر ومما يرجح هذا الاحتمال ما تشير إليه بعض المراجع على لسان خميس حميده أنه قد تم الاستعانة ببعض الألمان عند نشأة التنظيم أما فكرة النظام؛

فكانت قائمة على مبدأ الجهاد الذي يبدأ بجهاد النفس وأن يبيعها لله إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ويهون بعدها الاستشهاد في سبيل الله وقد حقق البنا نجاحا كبيرا في غرس هذه المبادئ في نفوس الجماعة الأمر الذي يدل عليه لإنجاح الجهاز الخاص وسرعة نموه فحسب ولكن نجاح التشكيلات الأخرى التي تمثل مرحلة سابقة لهذا الجهاز سواء في نظام الأسر أو في الجوالة.

وكان الجهاز مكونا من ثلاث شعب: الجهاز المدني، وجهاز الجيش وجهاز البوليس وكان بكل جهاز رئيس يتصل بالمرشد العام للجماعة الذي كان بمثابة الرئيس العام له وينقسم كل جهاز من الأجهزة الثلاثة إلى عدة شعب أو خلايا عدد أعضاء الخلية خمسة وكان لكل جهاز أركان حرب ومخابرات ولجان ومواصلات وتموين وبريد...

وكان لا ينحل بحل الجماعة أما أعضاؤه فكانوا يختارون من شباب الصف الأول في شعب الكتائب الأسر ثم ينتقلون إلى الجوالة لاستكمال تدريبهم حيث يتلقون تدريبا عسكريا عنيفا على استخدام البنادق والمسدسات والقنابل وبث الألغام؛

ويشترط في العضو كذلك أن يكون ممن فهموا الإسلام فهما شموليا صحيحا وأن يكون عاقلا قد تجاوز العشرين من عمره وإذا ما تم اختيار الأخ للجهاز الخاص بعد ذلك فعليه أن يقسم القسم الأمر الذي يجعله على دارية بانتقاله إلى نوع آخر من الجهاد (أقسم بالله أن أكون حارسا لمبادئ الإخوان مجاهدا في سبيل الله على السمع والطاعة في المعروف وأن أجاهد في ذلك نفسي ما استطعت وقد كان القسم يتم في بداية نشأة الجاهز في غرفة شبه مظلمة مفروشة بالحصير وعلى مصحف ومسدس، وغالبا ما كان يتم على يد البنا الأمر الذي كان يتباهى به البعض لما يكتسبه العضو من مذاق خاص.

على أن بالرغم من تسليمنا بسيطرة البنا بشخصيته على الجهاز مثل سيطرته على الجماعة وكذلك بالسرية التامة التي أحاطت به مما أدى إلى عدم التوصل إلى عدد أعضائه إلا أننا لا نميل إلى الرأي القائل أن مكتب الإرشاد وأعضاء الجماعة لم يكونوا على علم بالجهاز صحيح أن الأغلبية لم تكن على علم به..

لكن المقربين إلى المرشد العام كانوا على دراية تامة بهذا التنظيم فالمشرف العام على نظام الجوالة الصاغ محمود لبيب الذي يجهز الأعضاء للدخول في الجهاز الخاص كان على دراية تامة بتشكيلاته بل ويرى البعض أنه هو الذي أشار على البنا بإنشائه ويشارك محمود لبيب مجلس الجوالة الأعلى المكون من سبعة أفراد؛

كما وضع البنا على رأس الجهاز المدني كلا من حسين كمال الدين وصالح عشماوي وإبراهيم الطيب وعبد الرحمن السندي، ومن هنا فإن مسئولة الجهاز واقعة على كثير من أعضاء الجماعة لا على حسن البنا وحده.

وقد كان ارتياب القوى السياسية من تطور تنظيمات الإخوان وبخاصة الجهاز الخاص الذي كان كل ما تعلمه عنه هو مجرد الإشاعة يعبر عن مدى حرصها على بقاء الأوضاع في مصر والتي تحمل الحفاظ على مكاسبهم على ما هي عليه كما أن استمرار سيطرة البنا على الجهاز قد حفظه من زلات كان من الممكن أن تحدث في صراع الجماعة مع الوفد والشيوعيين.

في أعقاب الحرب الثانية، فضلا عن أن البنا العارف بأحكام الشريعة الإسلامية قد حافظ على عدم استخدامه ضد المسلمين أو غيرهم من أهل مصر وأنه قد انتهز فرصة الحرب في فلسطيني ليرسل بكتائبه وسلاحه إلى هناك وإذا أخذ البعض على أعضاء الجهاز قتل كل من القاضي أحمد الخازندار ومحمود فهمي النقراشي ولم يثبت قانونا قتل أعضاء الإخوان لغيرهما فإن القتل كان في الحادثين حالة فردية لا ينبغي معها إلصاق تهمة امتهان القتل بالجهاز أو الجماعة؛

وإذا كان هناك إجماع على الدور البطولي الذي قام به متطوعو الإخوان وهم من أعضاء هذا الجهاز في أغلبهم في حرب فلسطين فإن هناك خلافا في الآراء حول أعمال هذا الجهاز الأخرى وبخاصة التي تتعلق بالأعداد للوصول إلى الحكم وهل كان ذلك لأعضاء الجماعة أم أنه كان علما غير مشروع يتطلب مناهضة الدول كما هو رأي خصوم الإخوان؟

والحقيقة أن التنظيم لم يحظ بتأييد الرأي العام حيث لم يحدث أي رد فعل جماهيري على قرار النقراشي بحل الجماعة والذي استند فيه إلى أعمال هذا التنظيم وهنا كان ينبغي على الإخوان أن يعرضوا منهاجا محددا للحكم الذي يريدونه حتى يستطيعوا جذب تأييد الرأي العام على تنظيم العلني وحتى السري، لكن خشيتهم من حدوث خلافات فقهية من قبل الجماعات والهيئات الدينية حول هذا المنهاج قد حرمهم من هذا التأييد.

جماعة شباب محمد

على أثر انشقاق حدث في صفوف الإخوان المسلمين تكونت جماعة شباب محمد في 9 ذي الحجة سنة 1358 هـ يناير 1940 وهي تمثل التيار المتطرف بين صفوف الإخوان واتخذت من جريدة ([[مجلة النذير|النذير]) لسان حال لها حيث كان من بين المنشقين صاحبها ومدير تحريرها محمود أبو زيد عثماني

وقد اتضح من منهاج هذه الجماعة أن انشقاقها كان سبب ما اسمته: باعتدال وتساهل الإخوان والذي كان وراء فسادها وأن جماعة الإخوان قد جمعت المتناقضات حيث انضم إليها من دعا إلى الأديان كلها ومن تعصب للقومية المحلية ثم الوحدة العربية ثم الجامعة الإسلامية وبين المؤمن الصادق والمملي والمنافق وبين دعاة التمسك بالتقاليد وبين دعاة السفور؛

وقد فرحتي لكل من هب ودب كما أخذت على الإخوان عزمها على دخول المعارك الانتخابية واعتبرت أن ذلك سعي للرياسة والسلطان والشهرة والإسلام لا يقر الولاية لطالبها وإنما هي فرض على الأكفاء والمطالبة بها مظهر من مظاهر حب الحياة والعلو في الدنيا وهو من الآفات التي تحيطي صالح الأعمال ولا يليق أن يتصف بها المؤمنون الصادقون وتمثلوا بقوله تعالى:

(تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين)

فضلا عن اعتراضها على قبول الإخوان معونة مالية من وزارة الشئون الاجتماعية وهي تعلم أنها مجموعة من ضرائب الملاهي والحانات والمراقص بل واتهمت الإخوان بقبول أموال سرية من الحكومات ذات الأهواء الحزبية والمناورات السياسية؛

وأن صحفها تنشر إعلانات السينما والمسارح لذلك عدت هذه الجماعة للتطرف واعتبرته صفة لازمة للمجاهد الصادق والدعوة الصادقة حيث لا يخشى في الحق لومة لائم ودللت من خلال آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول أن الإسلام يدعو إلى التطرف؛

وكانت تعني من دعوتها هذه التعصب لله وللوطن وللحق والاستعداد للجهاد والتحرير الذي يعتبر السبيل الوحيد لتحقيق الإمبراطورية الإسلامية وبالتالي لم يكن سبب الانشقاق هو إعلان الإخوان الدخول في ميدان العمل السياسي؛

كما رأى البعض الذين استندوا في رأيهم إلى توافق وقت ذلك الإعلان مع الانشقاق فنجد الجماعة ترحب بترشيح اللواء صالح حرب رئيسا لجمعية الشبان المسلمين خلفا للدكتور عبد الحميد سعيد الذي توفي في يونيو سنة 1940 وتهاجم الصحف التي تعارض هذا الترشيح بحجة أن صالح حرب سيزج بالجماعة في الميدان السياسي وتعلق على ذلك بأن الإسلام هو السياسة وليس دين أديرة وصوامع وأن من يرى غير ذلك يخالف تعاليم الإسلام؛

ولم يكن هناك ما يميز منهاج الجماعة عن جماعة الإخوان فمطالب التحرير الشامل للأمة الإسلامية ووحدتها والسعي لإعادة الخلافة مشتركة بين الجماعتين وكذلك المطالبة بإحلال الشريعة الإسلامية محل القوانين الوضعية ونظرات الإصلاح الداخلي تكاد تكون متفقة تماما؛

ومن هنا نستطيع حصر الخلاف الذي هو السبب الحقيقي في الانشقاق في رفض المجموعة التي تكونت منها جماعة شباب محمد للتقسيم المرحلي الذي وضعته جماعة الإخوان لدعوتها وأنهم من الذين تعجلوا النتائج وكان البنا يحذرهم خشية منع القوى السياسية من جراء هذه العجلة إلى جانب الاعتراض على وسائل الدعوة وهي أمور أصابوا الحقيقة في أغلبها؛

وعلى الرغم من اعتدال منهاجهم إلا أنهم قد سلكوا الأسلوب المتطرف الذي دعوا إليه:

فهاجموا وزير الأوقاف وشيخ الأزهر بسبب السماح للمرأة بالصلاة في المساجد حتى ولو في مكان مخصص لهن كما هاجموا لسبب نفسه جمعية السيدات المسلمات وحينما نشر الأهرام مقالا لمدير الجامعة أحمد لطفي السيد حول اختلاط الفتاة في الجامعة أعلنت النذير أن ذلك مناف لتعاليم الإسلام وأن فيه اعتداء على الأعراض وشرف الأشر؛

وعندما نشر الشيخ على القاياتي تهنئة لجريدة الصباح في مجلة منير الشرق استنكرت النذير هذه التهنئة لجريد تنشر أخبار التحلل، وهاجم حسين يوسف رئيس الجماعة الشيخ القاياتي ومجلته ولم يعرف عن جماعة شباب محمد أنها قد اتصلت بالأحزاب السياسية التقليدية؛

إلا أنها سارت كالإخوان وبقية الجماعات والهيئات الدينية في طريق تأييد القصر على ضوء ما سنوضحه في الفصل القادم وقد ركزت هجومها على الأصل الذي خرجت منه وهي جماعة الإخوان شأنها في ذلك شأن المنشقين على الهيئات والأحزاب السياسية.

أما عن وقف الجماعة من الحرب الثانية فقد كان متفقا مع موقف الإخوان حيث رأت الجماعة ضرورة تجنب مصر ويلات الحرب والحياد التام وقالوا إن ذلك الموقف ليس أمرا أوحاه الخوف أو الفزع أو الاطمئنان إلى نوايا الدول الأخرى، ولكن ليس على البلاد المستقلة أن تدخل حربا في سبيل خدمة الأغراض الاستعمارية وأن تكتفي بتنفيذ ما ورد عليها من التزام في معاهدة سنة 1936 وأيدت لذلك إخراج الوزراء السعديين من وزارة حسن صبري والذين كانوا يريدون إدخال مصر في هذه الحرب لجانب الحلفاء.

وعقب انتهاء الحرب الثانية أعلنت الجماعة رفضها لأية مفاوضات إلا بعد الجلاء عن وادي النيل بأسره، وكانت في ذلك متفقة مع موقف الإخوان والحزب الوطني الذي نادت صراحة مبدئه لا مفاوضة إلا بعد الجلاء ولكنها في الوقت نفسه دعت إلى إباحة حمل السلاح والاكتتاب في مشروع جهاد عام ضد الإنجليز وطالبت شيخ الأزهر بإعلان الجهاد الديني ضد الغاصب ودعوة الأمة إلى مقاطعة كل ما هو أجنبي وكانت ترى أن الإنجليز لن يخرجوا إلا في حالتين الأولى حسن النية منهم، وهذا أمر مستحيل ولا يبقى بعدها سوى الثورة الشاملة عليهم وهذا أمر يجب الإعداد له.

وعلى أثر أحداث فلسطين سنة 1947 اجتمع مجلس شورى الجماعة وأصدر عدة قرارات أهمها تكوين كتائب تدريب على الجندية للاشتراك في الجهاد تحت إشراف جامعة الدول العربية وافتتحت مركزا للتطوع في المركز العام لهذا الغرض وكونت لجنة لجمع التبرعات لتمويل ما أسموه بصندوق الجهاد، ومطالبة الحكومة بإلغاء معاهدة 1936 واتفاقية سنة 1899 بشأن السودان وقطع العلاقات السياسية مع انجلترا؛

ولنفس الأسباب شنت صحيفتها حملة واسعة على اليهود المقيمين في مصر حيث طالبت بمقاطعتهم بل باعتقالهم جميعا بعد أن ثبت أنهم تبرعوا للدولة اليهودية واتهمتهم بالعمل على هدم كيان الدول في مصر وأنهم وراء انتشار وباء الكوليرا حيث يسممون المياه بالميكروبات، وطالبت الدول العربية باتخاذ إجراء مماثل ضد اليهود المقيمين فيها، وهاجمت جامعة الدول العربية وأمينها الذي يضلل الشعوب العربية ويغرر بها.

على أن نشاط الجماعة كان في جملته محددا وربما كان تطرفها هو السبب الرئيسي في ذلك فتعرضت للتوقف منذ بدايتها وذلك بسبب قلة الأنصار وبالتالي قلة الاشتراكات التي أدت إلى الأزمة المادية، فقد بلغ إيرادها في شهر من الشهور واستمر كذلك فترة ليست بالقصيرة 26 جنيها وإذا كان الحماس الشعبي لفلسطين قد مكنها من تكوين كتيبة أو كتيبتين للاشتراك في الجهاد وفي بعض المظاهرات إلا أن المدى الذي أثرت به في الحركة الوطنية لم يعد المشاركة الإعلامية إلا بقدر ضئيل وغير مؤثر.

ويتضح لنا بعد عرض نشأة وتطور الجماعات الإسلامية التي لعبت دورا في الحية السياسية في الفترة موضوع الدراسة أن جماعة الإخوان المسلمين قد لعبت الدور الأساسي والبارز بين هذه الجماعات التي بلغت عددا كبيرا ومع ذلك فلا ينبغي إهمال جهود الجماعات الأخرى وما أدت إليه من ازدياد جماهيرية الإخوان ومشاركتها في مهاجمة القوى المعارضة وتقوية موقفها في كثر من الأحداث ويبق تساؤل عن فكر الدعوة الذي التزمت به هذه الجماعات وما كان موقف التيارات الفكرية الأخرى منها وموقفها من هذه التيارات وهذا ما سنحاول الإجابة عليه في الفصل القادم بإذن الله.

الفصل الثالث:الجماعات الإسلامية والتيارات الفكرية

فكرة الدعوة عند الإخوان المسلمين

لم يكن مبدأ شمول الإسلام لكافة جوانب الحياة الذي أخذت به كافة التيارات الإسلامية في حاجة إلى إبراز أو تأكيد طوال فترة سيادة الفكر الإسلامي التي كان الإسلام مسيطرا فيها سيطرة كاملة على كل تصرفات الشعوب الإسلامية؛

إلا أن ظهور تيارات علمية جديدة ومنافستها للتيارات الدينية قد جعل من الضروري للجماعة الإسلامية تأكيد التزامها بهذا المبدأ في محاولة لاستعادة السيطرة على الرأي العام الذي بهرته الحقائق العلمية الحديثة والتي سببت له نوعا من الاضطراب والقلق النفسي لا في مصر وحدها بل في كافة أنحاء العالم الإسلامي.

وكانت جماعة الإخوان المسلمين وبعدها جماعة شباب محمد من ببين الجماعات التي دأبت منذ بدايتها وعلى مدى تاريخها على توضيح هذا المبدأ فقد أوضحت مرشدها أن أحكام الإسلام تعني تنظيم شئون الناس في الدنيا والآخرة، والإسلام عنده دولة ووطن وحكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون وعلم وقضاء وهو مادة وثورة وكسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة كما هو عقيدة صادقة وعبادة وقال حسن البنا في إحدى خطبه كان من نتيجة الفهم الشامل عند الإخوان المسلمين أن شملت فكرتهم كل نواحي الإصلاح في الأمة وتمثلت فيها كل عناصر غيرها أن الفكر الإصلاحية؛

وتستطيع أن تقول ولا حرج عليك إن الإخوان المسلمين دعوة سلفية وطريقة سنية وحقيقة صوفية وهيئة سياسية وجماعة رياضية ورابطة علمية وثقافية وشركة اقتصادية وفكرة اجتماعية وكان على البنا في التزامه وتأكيده لهذا المبدأ أن يقدم برامج تطبيقية سياسية واجتماعية واقتصادية حتى يكون منافسا قويا للتيارات الجديدة

لكن خشيته من وقوع خلافات مذهبية داخل جماعته التي جمعت الدعوة السلفية، والطريقة السنية الحقيقية الصوفية قد جعله يؤجل أغلب برامج التي لم يطرح منها سوى القليل فلم يحفظ بتأييد مختلف الآراء داخل جماعة أو خارجها؛

وكان إدراك البنا لذلك من أهم العوامل التي جعلته يتوقع ما سيواجهه وصحبه من محاربة في أرزاقهم وأقواتهم وفتح باب السجون لإيوائهم واستضافتهم كما كان وراء ما حدث في الجماعة من انشقاق معلن أو غير معلن؛

حيث هجرها بعض الأعضاء وعادوا إلى أسلوبهم الذي اعتنقوه قبل دخولها وظل فريق كبير من الرأي العام المصري يعد وجود المسلم في المسجد مصليا ثم رؤيته بعد ذلك سياسيا أو رياضيا ضربا من التناقض وكان ذلك يتطلب من الجماعة مزيدا من الجهد والوضوح حتى يصبح أمرا مقبولا

وكما سبق التوضيح لم يكن البنا في فكرة هذا مجددا بل كانت دعوته في فكرها امتدادا لدعوات إسلامية سابقة، فدعوته تشبه إلى حد كبير دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والدعوة السنوسية ودعوة السيد رشيد رضا، وأغلب هذه الدعوات امتداد لمدرسة ابن تيمية المتوفى 728هـ 1327م والمستمدة من مدرسة الإمام أحمد بن حنبل التي وجدت في العراق في القرن الثالث الهجري؛

ويبدو ارتباط دعوة الإخوان بهذه الدعوات والمدارس من إيمانها بوحدة النظام الإسلامي وتكامله أو بمبدأ الشمول في الفكرة الإسلامية، وهي المبادئ التي تربط الدين بالدولة وتطبق أحكام الشريعة الإسلامية والعودة إلى القرآن والحديث دون سواهما والإمساك عن الخوض في علم الكلام، ومحاربة بدع المتصوفة، وتقليد السلف الصالح؛

وإذا كان البنا قد أضاف إليها من فرضته عليه ظروف العصر والبيئة إلا أن لم يخرج في الإطار العام عن هذه القواعد وإن كانت هذه الظروف قد ميزت دعوة البنا بطابع خاص عما سبقها من دعوات، السابقة الأمر الذي جعل أتباعه وغيرهم من الكتاب والمؤرخين يلقبونه بالداعية في وقت اكتفوا فيه بتلقيب من سبقوه كجمال الدين ومحمد عبده بالمجتهدين أو المصلحين؛

وكان ذلك لأن البنا قد خلف وراءه دعوة تطبيقية نسبيا ذات منهج ومراحل ومبادئ وبرامج ووسائل ولم يكتف بعرض الأفكار فقط مثلما كان غيره على أن مدرسة المنار التي تبلورت فيها مبادئ السلفية للدعوات السابقة كانت الأكثر تأثرا على دعوة البنا أو مدرسه إذا جاز استخدام ذلك؛

ويرجع ذلك في الغالب إلى معاصرة البنا لرشيد رضا وتأثره بالدور الذي لعبه في الدعوة لفكرة الجماعة الإسلامية تصديه للأفكار الجديدة وتأكيده من خلالها على أنه لا نجاة بغير العودة لتعاليم الإسلام ويتضح ذلك التأثير فيما ورد عن البنا من حضوره بعض مجالس رشيد رضا وقراءته لكثير من أعداد مجلته المنار واعتزامه على إصدار مجلة شهرية شبيهة بها؛

وفي نفس الوقت فقد استفاد البنا من تجربة الإخوان الوهابيين الذين رفضوا المخترعات الأوربية الحديثة، فكان عليه أن يثبت عدم وقوف الإسلام عند حد هذه الآراء المتزمتة كما أنه قد انتقل من الفكر إلى التطبيق في بعض جوانب دعوته وما سمحت به الظروف؛

وهذا ما افتقدته دعوة السيد رشيد رضا، فضلا عن أنه استفاد من قراءته عن قيام الدولة العباسية في وضع منهج كامل لدعوته لكل هذه الجوانب الإيجابية وجدت دعوته طريقها خارج مصر في أغلب الأقطار الإسلامية تلك الجوانب التي وصفها البروفسور كانتول سميث بالأسلوب التالي من الخطأ في نظري اعتبار الإخوان المسلمين حركة رجعية محضة؛

فلقد قام فيها مجهودات إيجابية بناءة محمودة لبناء مجتمع جديد مؤسس على العدالة ولقد مثلت حركة الإخوان جزئيا العزم على التخلص من الانحلال والتفسخ اللذين أغرقا المجتمع العربي، وخصوصا الانتهازية الاجتماعية غير الأخلاقية التي امتزجت بالفساد الفردي؛

وأرادت العودة بالمجتمع إلى مقاييس خلقية مقبولة وتوحيد النظرة إلى هذه المقاييس والسير قدما في برامج التطبيق وتنفيذ الأهداف الشعبية بواسطة منظمة منتخبة حسنة السلوك وهبت نفسها للمثل العليا وحركة الإخوان تمثل جزيئا العزم على التخلص من الانحلال والتفسخ اللذين أغرقا المجتمع العربي، وخصوصا الانتهازية الاجتماعية غير الأخلاقية التي امتزجت بالفساد الفردي؛

وأرادت العودة بالمجتمع إلى مقاييس خلقية مقبولة وتوحيد النظرة إلى هذه المقاييس والسير قدما في برامج التطبيق وتنفيذ الأهداف الشعبية بواسطة منظمة منتخبة حسنة السلوك وهبت نفسها للمثل العليا وحركة الإخوان تمثل جزئيا التخلص من الاحترام السلبي لقيم ميتة تافهة متوارثة، ومحاولة تحويل الإسلام من عاطفة حماسية في قلوب المعجبين الكسالى إلى عمل وتحويل التقليديين المحترفين محدودي الفكر والتنفيذ الذين يشدون أنفسهم إلى عصور الانحطاط إلى قوة عاملة نشطة فاعلة تحمل مشاكل العصر.

أما عن موقف الإخوان المسلمين من قضية الخلافة أو ما يسميه البعض بالحكومة الدينية فإن كانوا قد اتفقوا مع الدعوات السلفية السابقة في طلب الخلافة والسعي لتحقيقها لكونها الإطار الطبيعي لتطبق الشريعة الإسلامية؛

كما أنها مطلب شرعي واجب على كل مسلم، فضلا عن أن تحقيقها يمكن المسلم من تطبيق كافة جوانب الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي إلا أنهم لم يوضحوا تصورهم الكامل لهذه الحكومة على أنهم قد أدركوا أن الإنسان هو المسيطر على القانون أي قانون؛

وبالتالي فهو مصدر كل سلطة فهو الذي يستطيع أن يمتنع عن شرب الخمر إذا أجازها قانون وضعي إذا التزم بحدود دينية وإذا جهل بها لا يفيد المنع بحكم القانون وهذا يتضح في ظاهرة انتشار المخدرات فسار الإخوان في طريق الدعوة الروحية التي تجعل من المسلم حاكما على نفسه لكنهم مع هذا سعوا لتطبيق الشريعة الإسلامية لما بها من زجر يحد من خطر الإنسان؛

ويستطيع الباحث أن يستدل على شكل الحكومة الإسلامية التي رغب الإخوان في تحقيقها من خلال التطور التنظيمي للجماعة فقد أعلن البنا أنه تولى أمر الجماعة بالبيعة وكانت تجدد وتزداد مع فتح الشعب الجديدة؛

كما كان دائم الحديث عن مجلس الشورى وأهل الحل والعقد، دون توضيح وتحديد لدورهما أو كيفية تكوينهما ولهذا فإن الذين أرادوا أن يصنفوا الفكر السياسي لدى الإخوان انتهوا إلى أن فكر غامض وإذا كانت السمة الغالبة على هذه الحكومة هي الصفة الدينية؛

كما أنها تلتقي في أغلب النقاط مع النظم الديمقراطية فإن الإخوان قد اعتبروا أنه من الخطأ وصفها بالثيوقراطية أو الديمقراطية ولكن بالحكومة الإسلامية وقد كان السبيل إلى تحقيق هذه الحكومة في رأي الإخوان هو استخدام القوى العملية وفي الوقت الذي كان فريق من الكتاب من خصوم الإخوان يأخذ عليهم اتجاههم إلى القوى كان فريق آخر يقر ذلك الأسلوب بحجة السعي لتطبيق مبادئ سماوية سامية؛

وتساءل أحد هؤلاء وهو محمد الغزالي هل سلك كتاب ومفكرو الثورة الفرنسية أسلوب المهادنة والاستسماح مع حكام فرنسا الطغاة من أجل تطبيق مبادئهم التي انحصرت في العدل والإخاء أم أنهم سلكوا طريق القوة من أجل تطبيقها وكيف يصف المؤرخون هذه الثورة بعد نجاحها في تطبيق هذه الأفكار وهل لا يحق للحركات الإسلامية أن تسلك أسلوب القوى ضد الاستعمار ولتحقيق مبادئ تفوق بكثير مبادئ هذه الثورة؛

ومع نجاح الإخوان في إثبات عدم التناقض في دعوة الإسلام إلى التسامح ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وإلى القوى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل إلا أنهم لم يشيروا إلى وقت أو كيفية استخدام القوة سواء لتحقيق الحكومة الإسلامية التي يسعون إليها أو حتى ضد قوات الاحتلال البريطاني التي لم يثبت استخدامهم القوة ضدها.

التيار الليبرالي

كانت حرية الكتابة التي شهدتها مصر في العشرينات والثلاثينات في ظل النظام الديمقراطي الليبرالي من أهم العوامل التي أدت إلى مهاجمة ذلك النظام من قبل أتباع التيار الديني وقد قوي جانبهم في المهاجمة ما تخلل النظام من ثغرات أدت إلى فشله فأضاف ذلك رصيدا اعتبر من مقومات نجاح التيار الديني.

وفي الحقيقة إنه لم يكن بوسع نظام سياسي منقول ليس من بلد مختلفة فحسب ولكن من حضارة مختلفة كذلك طرح من قبل قلة من المثقفين ثقافة غربية سواء منهم من رأى نفعا عامًا أو من رأى في تطبيقه منفعة شخصية، أن يستحوذ على مفاهيم مجموع المصريين مما ترك فراغا للتيارات الأخرى وأولها التيار الديني؛

ومن الطبيعي إذن ضياع هيبة الدستور باعتباره الوليد الأول لذلك النظام بسبب سيادة الفكر الإسلامي على السواد الأعظم من المصريين ومن بينهم واضعوه، ففي الوقت الذي اعتبر فيه الدين الإسلامي ديناي رسميا للدولة أخذ من الغرب المسيحي نظمه وأسلوب حياته بما فيها من أفكار اعتبرها أتباع التيار الديني تحديا للقيم والتقاليد الإسلامية السائدة كمساواة الرجل بالمرة وإلغاء المحاكم الشرعية وتعديل قوانيني الأحوال الشخصية وغيرها؛

وكان من الواجب على الديمقراطيين مراعاة الظروف المحلية في الدستور وغيره ثم السر في طريق تطويرها بعد التمهيد الكافي لها حتى لا يواجهوا عوامل الفشل منذ البداية.

وكانت النتيجة غير فشل النظام مزيدا من الكره للأفكار والنظم الغربية المناسب منها وغير المناسب فازداد الإقبال على الجماعات الدينية التي رأت البديل المناسب لها وللرأي العام المصري في المطالبة بإحلال الشريعة الإسلامية والعودة إلى نظام الحكم الإسلامي وعلى رأسه الخلافة بل إن هذه الجماعات قد استطاعت أن تستقطب كثيرا من الشباب المصري ذوي الميول الغربية حينما أوضحت شمول الإسلام لنظم ومبادئ الغرب من مساواة وشورى.

ووسط هذه الظروف حاول أتباع التيار العلماني نشر أفكارهم الداعية إلى رفض تعاليم الدين كسلطة لا تعقيب عليها والاحتفاظ بالحرية الإنسانية في تقرير الأشياء أو بمعنى آخر سيادة العقل وأن يكون وحده الفيصل في الحكم على الأمور وكان إلغاء الخلافة الإسلامية على يد أتاتورك سنة 1924 وما أعقبها من تساؤلات عن نظام الحكم المقترح من أهم العوامل التي أيدت هذا التيار في دعوته..

ثم كان ظهور كتاب علي عبد الرازق ودعوته بأن الخلافة ليست واجبا دينيا شرعيا من أهم العوامل التي جعلت أغلب الكتاب يحتسبونه وكتابه على التيار العلماني على أنه قد تبع على عبد الرازق كتاب دعوا إلى الأفكار العلمانية كطه حسين وسلامة موسى وغيرهم كما أن افتتاح الجماعة المصرية سنة 1925 كان الفرصة الأرحب التي انتهزها العلمانيون لنشر أفكارهم في محاولة لحمل المصريين على أخذ الطابع الغربي والأسلوب الغربي سواء في التعبير عن الدين أو في تحديهم لمفاهيمه التي كانت مفاهيم حياتهم.

وبدت هذه الأمور واضحة في الثلاثينات عندما أصدر طه حسين كتاب مستقبل الثقافة في مصر الذي صدر سنة 1938 والذي حاول فيه أن يجب على تساؤلات المصريين عن المستقبل بعد توقيع معاهدة 1936 وألقى المؤلف في هذا الكتاب معولا كبيرا على إدخال تعديلات في مناهج التعليم فضلا عن الدور الذي تؤديه الجماعة المصرية وخريجوها؛

وقد دلل بذلك على استمرار سيادة الفكر الديني على غالبية الشعب المصري ودعا إلى ضرورة تعليم اللغتين اللاتينية واليونانية باعتبارهما أساسا للتعليم العالي الصحيح وأن يسير المصريون سر الأوربيين وأن يسلكوا طريقهم ليكونوا لهم أندادا وشركاء في الحضارة خيرها وشرها، وحلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يعاب؛

كما حاول أن يثبت أن مصر بعيدة عن العقلية الشرقية وأنها لم تتأثر بالفرس أو الرومان أن العرب أو الإسلام وأن العقل المصري عقل يتأثر بالبحر الأبيض المتوسط كما دعا إلى تطوير اللغة العربية لأنها تحتاج إلى كثير من العناية لتصبح ملائمة لما ظفرنا به في التعليم المدني وأن الأزهر لا يستطيع القيام بهذه المهمة بل يجب أن تتولاها كلية الآداب التي يجب أن تعني كذلك بالدراسات الإسلامية على نحو علمي صحيح.

على أن طه حسين لم يكن يستهدف في رأي البعض في هذا الكتاب مواجهة تيار الجماعات الدينية وإنما انصبت دعوته لإصلاح الدين كما كان يرى على تقليص دور الأزهر ونقل الزعامة الثقافية إلى الجامعة المصرية اعتبرت جماعة الإخوان أن ذلك يمسها بطريق غير مباشر فأنبرت ترد عليه في محاولة للدفاع عن الأزهر والاحتفاظ له بتلك الزعامة؛

وكذلك عن التعليم الديني الذي كان من أهم قضاياها ومع أننا لا نميل إلى تفسير دعوة طه حسين في هذا الكتاب للأخذ بالعلوم الغربية على أنها دعوة لتقليد أوربا بقدر ما كانت دعوة لتحكيم العقل فقط، إلا أننا نرى أنه قد غالى في الهجوم على الاتجاه للشرق بنفس قدر مغالاته في الاتجاه للغرب، وقد أدى ذلك إلى اصطدامه بالتيار الديني، فضلا عن أنه قد مس المشاعر الوطنية الإسلامية.

وننتقل بعد ذلك للحديث عن موقف الجماعات الإسلامية وعلى رأسهم جماعة الإخوان من التيار العلماني فيقول حسن البنا إن الإسلام الحنيف قد ألزم العقل البشري لونا من ألوان التفكير هو أكملها وأتمها وأكثرها انطباقا على واقع الحياة ومنطق الكون وأعظمها نفعا لبني الإنسان ذلك هو الجمع بين الإيمان بالغيب والانتفاع بالعقل ..

فنحن نعيش في عالمين فعلا لا في علم واحد ونحن عاجزون عن تفسير كثير من ظواهر الكون فعلا، عاجزون عن إجراء كل الحقائق الأولية التي تحيط بنا ونحن في إدراكها ننتقل من مجهول إلى مجهول حتى ينتهي بنا العجز إلى الإقرار، بعظمة الله ونحن نشعر من أعماق قلوبنا بعاطفة الإيمان قوية؛

ومن هنا كان لزاما على الناس أن يعودوا إلى الإيمان بالله وبالنبوات وبالروح وبالحياة الآخرة وبالجزاء فيها على الأعمال فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره كل هذا في الوقت الذي يجب عليهم فيه أن يطلقوا لعقولهم العنان لتعلم وتعرف وتخترع وتكتشف وتسخر هذه المادة الصماء وتنتفع بما في الوجود من خيرات وميزات؛

وإلى هذا اللون من التفكير الذي يجمع بين العقليتين الغيبية والعلمية ندعو الناس ويقول في موضع آخر وقد يتناول كل من النظر الشرعي والنظر العقلي مالا يدخل في دائرة الآخر ولكنهما لن يختلفا في القطعي فلن تصطدم حقيقة علمية صحيحة بقاعدة شرعية ثابتة ويؤول الظني منهما ليتفق مع القطعي؛

فإن كانا ظنيين فالنظر الشرعي أولى بالاتباع حتى يثبت العقلي أو ينهار إذا علم المسلم كل هذا فسيعلم معنى هتافه دائما القرآن دستورنا والرسول قدوتنا وتصدت صحف الإخوان لاتباع التيار العلماني فنشرت جريدتهم مقالا عن الصلح بين هتلر والفاتيكان..

وعلقت عليه بأن أوربا لا تحارب الأديان والعقائد بل تؤيدها وتثبتها في نفوس الأمة وأن حكوماتها تعتني بالتعليم الديني يجعل المذاهب الغالبية إجبارية والمذاهب الأقلية اختيارية وأن ممثلي الحكومة مغتبطون بالوحدة بين الدين والدولة؛

وطالبت الحكومة إلى العناية بكل هذه الأمور وصورت الصحيفة أن السبب في هذه الموجة السائدة هي الرغبة في القضاء على الدين الإسلامي وليس الموقف من الديانات ككل؛

ومن ثم فقد هاجمت فريقا من العلمانيين المسلمين الذين جعلوا من المدينة الغرب أساسا يشكلون الإسلام على غرارها ويطوعون قواعده ونظراته وأحكامه في قوالبها فما وافق هذه المدينة من الإسلام شادوا به وحينما صدر كتاب (مستقبل الثقافة في مصر) رفع الإخوان مذكرة إلى كل من وزارة المعارف وشيخ الأزهر صوروا فيه خطورة ما يدعو إليه الكتاب وألا يكون ما دعا إليه من تطور مناهج التعليم على حساب الفكرة الإسلامية والعدول عن الفكر الديني إلى العلمانية البحتة بالتدرج؛

وأن يكون المقصود هو تكوين الطالب في أدوار فعلية تكوينا صالحا تكافأ فيه معلوماته الدينية ومشاعره الروحية وتربيته الخلقية مع ثقافته العلمية وفي نفس الوقت وجهوا تحذيرا لشباب الجامعة من قبولهم المطلق للفكر الغربي والبعد عن الإسلام موضحين أن سياسة التفريق بين التعليم المدني والتعليم الديني هي سياسة انجليزية استعمارية؛

كما شنت صحف الإخوان هجوما على توفيق الحكيم الذي أبدى إعجابه بكتابين يطعنان في الدين لم تذكرهما ووصفهما بأنهما قيمان وأبدى دهشته لمظاهرة الطلاب ضدها واتهمته جريدة النذير بالتقرب لطه حسين الذي وصفته ببابا الآداب؛

وأرجعت الصحيفة هذه الخطة التي تريد النيل من الدين والتي تدرس في كلية الآداب إلى الاستعمار كذلك وحددت الصحيفة موقف الإخوان من مسألة التأمين على الحياة نشرته في صورة استفسار وارد إليها من أحد الإخوان؛

وقد رد المرشد العام بأن شروط التعاقد لا تتفق وتعاليم الإسلام ونشرت في نفس العدد رد السائل بأنه قد رد البوليصة للشركة متكبدا الخسارة في الأقساط السابقة ممثلا لأوامر المرشد العام وضاربا المثل لكافة الناس على ألا يتبعوا هذا الطريق؛

وحينما أثيرت مسألة التعليم الديني في مجلس النواب حملت النذير على المعارضين لتدريسه وهم عباس العقاد وفكري أباظة في وقت أعلنت فيه تأييدها لمن طالبوا بتدريسه من النواب وهم الدكتور عبد الحميد سعيد والشيخ دراز والشيخ رضوان والشيخ عبد الوهاب وغيرهم؛

واستقبلت صحيفة الإخوان تعيين الدكتور طه حسين مراقبا عاما لإدارة الثقافة في وزارة المعارف بالاستياء والاستنكار وأرجعت موقفها ذلك لمنهجه العلماني في التفكير وأيدت جماعة شباب محمد النواب الذين طالبوا بإقصائه عن منصبه.

وفي أعقاب صدور كتاب في القانون الدستوري للدكتور وحيد رأفت الذي تعرض فيه عن النظام الديمقراطي وقال إن بعض الأديان قد تحدثت عنه ومن بينها الإسلام في نظام الشورى؛

لكن ذلك بقي نظريا ولم يطبق إلا بعد الثورتين الفرنسية والأمريكية ردت جماعة شباب محمد على ذلك بأن الإسلام قد طبق نظام الشورى في عصر الخلفاء الراشدين وخاصة في اختيار أبي بكر وعمر رضي الله عنهما حيث أقر بذلك أهل الحل والعقد واشتركت معها جماعة الإخوان في مهاجمة النظام الديمقراطي مفصلة عليه النظام الإسلامي وكأن هذه الجماعات اعتبرت مجرد الأخذ بالدساتير أو القوانين المقتبسة هو اتجاه معارض للدين؛

ولما كان كثيرون ممن أيدوا النظام ليسوا ضد الدين لذلك اعتبر فريق منهم أن تصور هذه الجماعات للعلمانية فيه تزمت كثير وحول جهود بعض النواب في إلغاء المحاكم الشرعية وسيادة المحاكم الأهلية وتوحيد التعليم تحت إشراف وزارة المعارف، ردت صحيفة جماعة شباب محمد النذير على هذه المحاولات بالمعارضة وطالبت بتوحيد التعليم تحت إشراف الأزهر وعلى أساس شريعة الإسلام.

على أنه مما يستلفت النظر أن موجة الهجوم التي شنتها الجماعات الإسلامية على أنصار التجديد من العلمانيين لم تقترن بمقترحات عملية التجديد سواء وقت قوة الجماعات الدينية أو بعد ضربها في اقتباس الأنظمة العصرية مع تطويرها أحيانا وقد اعتبر البعض أن ذلك كان عاملا في تراجع قوة هذه الجماعات؛

كما أنه لا ينبغي قبول الرأي القائل إن الإخوان في هجومهم على الغرب قد هاجموا كل ما هو غربي سواء في الفكر أو الحضارة أو الثقافة أو غيرها وأن خوفهم من علوم الغرب قد جعلهم يتمسكون بالجامعة الإسلامية فقد قرر البنا أن الشعوب العربية قد وصلت من حيث العلم والمعرفة واستخدام قوى الطبيعية والرقي بالعقل الإنساني إلى درجة سامية عالية يجب أن يؤخذ عنها؛

كما ينبغي أن يؤخذ عنها التنظيم والترتيب وتنسيق شئون الحياة العامة تنسيقا بديعا والحضارة الغربية والحياة الغربية قامت على العلم والنظام فأوصلها المصنع والآلة إلى جني الأموال والثمرات وملكها نواصي الأمم الغافلة وأرجع الإخوان نظرة العداء الغربية إلى الإسلام إلى أن المسيحية في حالتها التي آلت إليها ومعها الحضارة الأوربية محرفة ومنسوخة تخالف المسيحية الأولى المعروفة بالتسامح والتساهل؛

ورأي البنا أنه من الضروري والشرعي كذلك الاستعانة بغير المسلمين عند الضرورة وطلب من جماعته أن يتعلموا من الغرب فنون الدعاية وغيرها كما استعان بوسائل المدنية الغربية في تكوين مطبعة ومجلة وفي تأسيسي بعض مؤسساته وبوسائل متقدمة في حقل العمل الشعبي والسياسي وغيره؛

وقد ذهب البنا إلى أبعد من ذلك حينما دعا إلى ضرورة الجلاء وعودة العلاقات الودية على ما كانت عليه من صفاء قبل الاستعمار وطالب الدول الغربية بإزالة الوهم الناتج من أن تطبيق الإسلام يباعد بين البلاد الإسلامية والبلاد الغربية المسيحية ويعكر صفو العلائق السياسية بينها

لكن الجانب الذي رفضه الإخوان من الحضارة الغربية هو ذلك الجانب الذي روج له العلمانيون والقاضي بضرورة فضل الدين عن الدولة وكذلك موجة العادات والتقاليد والإلحاد والإباحية التي صاحبت بعض الأفكار الغربية والتي حملت على الإسلام وانخدعت بها بعض العقول والدول دون أن تدري ما يراد بها فارتفعت تنادي بالتخلص مما بقي من الإسلام وآثار الإسلام ؛

وكان من الطبيعي أن يلقى اللوم في هذا الجانب على المسلمين قبل الغربيين لكن الإخوان رأوا وهم مصيبون أن وجود الاستعمار هو السبب الأساسي في تشجيع هذه الأفكار وانتشارها ودعا البنا إلى ضرورة التفريق بين الإسلام كدين وبين سلوك بعض رجاله الذين ناوءوا النهضة الوطنية ومالئوا الاستعمار وآثروا المنافع الخاصة والمطامع الدنيوية على مصلحة البلد والأمة؛

وقال أن سلوكهم لا ينبغي أن يكون سببا يتعلل به الين تشبعوا بالحضارة الغربية ونادوا بها لأنه سلوك ليس من الدين في شيء وكان الإخوان يدركون أن الهدف من راء ما يسمى بحركة التجديد والتي يقف وراءها المستشرقون هو مناهضة الإسلام والقضاء عليه وقد وجدوا في كتابات بعض المتطرفين من الأوربيين ما يؤيدهم في ذلك أمثال هانوتو وجب وغيرهم وكذلك عنا بعض القادة العسكريين الذين حاولوا القضاء على روح الإسلام والحركات الإسلامية في البلاد التي استعمروها.

إلا أن البنا حينما أراد أ، يحدد مهمة جماعة أمام هذه التيارات لم يستطع أن يخفف روح العداء للغرب أو يقلل من مخاوف شعوبه تجاه الشعوب الإسلامية فأعلن أنه لن يقف عند حد التصدي لهذه الموجة في بلاده والتي كان السبب في ابتعاد المسلمين عن دينهم بل سيلاحقها في أرضها وسيغزوها في عقر دارها حتى يهتف العالم كله باسم النبي صلى الله عليه وسلم وتوقن الدنيا كلها بتعاليم القرآن وينتشر ظل الإسلام الوارف على الأرض (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله)

وكان على البنا أن ينتظر في إعلان ذلك إلى وقت يصبح فيه قادرا على تحقيقه كما حدد أهداف جماعته في السعي إلى الفرد المسلم والبيت والشعب المسلم والحكومة المسلمة والدولة التي تقود الدول الإسلامية وتضم شتات المسلمين وتستعيد مجدهم وترد عليهم أرضهم المفقودة وأوطانهم المسلوبة وبلادهم المغصوبة تم تحمل علم الجهاد ولواء الدعوة إلى الله حتى تسعد العالم بتعاليم الإسلام.

التيار القومي

في أعقاب الحرب العالمية الأولي بعد أن تمكنت فئة قليلة من المصريين من تولي السلطة حاولت هذه الفئة تطبيق النظام الديمقراطي اللبرالي لقناعتها بصحته شهد التيار القومي رواجا عن ذي قبل ولم يكن ذلك الرواج الذي يعده البعض انتصارا وليد الحظ؛

فقد وجدت عدة عوامل كانت وراء ذلك الرواج وكان من أهم هذه العوامل في نظر أتباع التيار الديني الدور الذي لعبته بريطانيا في تشجيع المؤلفات التي تبرز شخصية مصر القومية كما كانت وراء اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون سنة 1922؛

وقد كان لذلك أثره في اشتداد دعوة بعض الأقباط للفرعونية وتمثل ذلك في تيار سلامة موسى الذي تعدى الدعوة للفرعونية للهجوم على الحضارة الإسلامية ومما ساعد على نجاح ذلك التيار الدور السلبي الذي وقفه علماء الأزهر ورجال الطرق الصوفية؛

ففي الغالب لم يكن لهم دور فعال حتى في عرقلة ذلك التيار وإن كان من الإنصاف أن نذكر أن قلة من هؤلاء قد حاولت أن تلعب دورا في التصدي ولكنها لم تلقى التأييد المطلوب كما أنها اعتمد على أسلوب تقليدي في مواجهة موجة الفكر الجديد لم يكن ليستوعبه أذهان الشباب؛

ويرى البعض أن إنشاء الجامعة المصرية كان من أهم عوامل دعم التيار القومي في مواجهة الدعوتين الإسلامية والعربية وذلك لانتقال مركز التعليم العالي من الأزهر إلى الجامعة وحقيقة الأمر أن الجماعة ممثلة في كلية الآداب لم تعارض إحياء الثقافة العربية ودراسة التاريخ الإسلامي بل على العكس فقد شجعت ذلك ولكن في إطار منهج جديد والذين لمسوا هذه الحقيقة من أتباع التيار الإسلامي قد ساورهم الشك حيال ذلك المنهج.

ومن ناحية أخرى فقد عادت الدعوة العربية في أعقاب إلغاء أتاتورك للخلافة سنة 1924 كرد فعل مؤقت لكنها عادت في ثوب ديني أدى إلى تغيير أسلوب دعاتها من الوحدة العربية بمفهومها القومي السياسي إلى الوحدة العربية بمفهومها الفكري من خلال الدعوة للوحدة الإسلامية.

وعلى صفحات مجلة الرابطة الشرقية ومنذ عددها الأول الذي صدر في مصر في أكتوبر سنة 1928 عادت الدعوة للفكرة العربية والخلافة الإسلامية، ويرجع ذلك إلى أن أعضاء جمعية الرابطة الشرقية كانوا من المسلمين المعروفين بإخلاصهم للفكرة الإسلامية فرئيسها هو السيد عبد الحميد البكري شيخ مشايخ الطرق الصوفية ونائبها أحمد شفيق باشا رئيس ديوان الخديوي عباس حلمي الثاني ونائبها الثاني رشيد رضا وكانت السر أحمد زكي المعروف بشيخ العروبة ..

وضمت في عضويتها الشيخ محمد بخيت شيخ الجامع الأزهر وعبد المحسن الكاظمي الشاعر العراقي لكن الغرض الذي أعلنت المجلة أنها قامت من أجله، وهو نشر المعارف والآداب والفنون الشرقية على اختلاف أجناسها وأديانها قد خلق نوعا من الخلط بين الشرقية والعربية والإسلامية الأمر الذي دفع مفكرا إسلاميا مثل أبي الحسن الندوي أن يتهم الجمعية في خطاب أرسله إلى رشيد رضا بأنها تنافي دعوة جمال الدين الأفغاني مؤكدا له أنه لا نهضة إلا بالتمسك بالإسلام...

ويرد رشيد رضا بأن الدعوة للشرقية والإسلامية تعزز إحداهما الأخرى وتنافيها ودفعت آخر للتساؤل عن تحديد المقصود بالعربي والبلاد العربية ولكن المجلة قد سارت في فكرتها مؤكدة أن المقصود بالشرق هم العرب والمسلمون وأن الحضارة العربية هي الحضارة الإسلامية فكان ذلك تمهيدا لنمو محدود ومؤقت لفكرة الاتحاد الإسلامي العربي الذي تتزعمه مصر ولم يكن مفكرو الإسلام على استعداد لقبول اتحاد إسلامي في إطار قومي.

وفي الثلاثينيات تولت الجماعات الإسلامية وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين الدفاع عن الفكر الإسلامي والدعوة لفكرة القومية الإسلامية تلك القومية التي استندت إلي مقومات عقائدية والتي ترفض مقومات الجنس أو الأرض وكانت بذلك صورة جديدة لفكرة الجامعة الإسلامية.

فقد آمن حسن البنا بأن الإسلام يقدم نظرية متكاملة لبناء المجتمع اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا ومن ذلك الإيمان قدم تصورات وآراء جماعته في التيارات الفكرية التي كانت مطروحة ومن منظور إسلامي تلك التيارات التي كانت تهدف إلى تحديد ملامح شخصية مصر وهل تكون قومية عرقية فرعونية أم عربية أم إسلامية؛

كما أدلى برأيه في الرابطة الشرقية ووحدة وادي النيل وفي الجملة فإني هذه التيارات كانت تدور حول نظرية واحدة هي نظرية القومية التي تهدف تحديد الانتماء الفكري للشخصية السياسية للمجتمع وكانت التصورات والآراء المطروحة من قبل الجماعة تنطلق من مفهوم إسلامي اتخذته أساس لنقد مختلف التيارات القومية؛

فالقومية عند الشيخ حسن البنا مبدأ خطير لا ينتج إلا الشرور والآثام والحروب والتخاصم والتنافس والتزاحم فإذا كانت كل أمة تدعى أنها سيدة الجميع وتعمل للوصول إلى هذه السيادة فمتى تهدأ الثورات أو يسود السلام؛

ولعله استوحى هذا الرأي من مؤثرين أولهما قديم ويتمثل في نقد المفكرين المسلمين للشعوبية التي ظهرت في العصر العباسي والثاني حديث ويتمثل في رؤيته للتطرف القومي عند النازيين والفاشست والقومية التي تقوم على عصبية الدم وعنصرية الجنس مرفوضة عند الإخوان لأن أصحابها ينسون أن الناس لآدم وآدم من تراب فضلا عن أن الله تعالى قال (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا..)

أما إذا كانت تقوم على الحدود الجغرافية فإن أصحابها قد ارتبطوا بغير رباط فما كانت الأرض إلى عرضة للمد والجزر تتسع وتضيق مع الظروف مع الظروف والحادثات (فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين)

ولقد حاول الإخوان أن يجردوا مفهوم القومية المصرية من العصبية والعنصرية وبدا ذلك من محاولتهم تقريب معناها أو توحيده مع الوطنية على أن ذلك لم يكن نابعا من عدم الفهم بل هو خلط مقصود ربما أرادت به الجماعة قطع الطريق على دعاة القومية أو استقطابهم لصفوفها مستغلة عدم الفهم الذي ألم بالدعوة للقومية عند بعض الذين نادوا بها.

فيكتب الشيخ حسن البنا في ذلك قائلا فالمصرية أو القومية لها في دعوتنا مكانها ومنزلتها وحقها من الكفاح والنضال ولكن هذه النظرية كانت من خلال المنظور الإسلامي فيقول إننا مصريون بهذه القومية في البقعة الكريمة في الأرض نبتنا فيها ونشأنا عليها..

ومصر بلد مؤمن تلقى الإسلام تلقيا كريما وذاد عنه ورد عنه العدوان في كثير من أدوار التاريخ وأخلص في اعتناقه وطوي عليه أعطف المشاعر وأنبل العواطف وهو لا يصلح إلا بالإسلامي ولا يداوي إلا بعقاقيره ولا يطلب له إلا بعلاجه وقد انتهت إليه بحكم الظروف الكثيرة حضانة الفكرة الإسلامية والقيام عليها؛

فكيف لا نعمل لمصر ولخير مصر وليس يضيرنا في هذا كله أن نعني بتاريخ مصر القديم وبما ترك قدماء المصريين من آثار الحضارة والعمران وبما سبقوا إليه الناس من المعارف والعلوم والفنون فنحن نرحب بمصر القديمة كتاريخ فيه مجد وفيه عزة وفيه علم ومعرفة ونحارب هذه النظرية بكل قوانا كمنهاج عملي يراد صبغ مصر به ودعوتها إليه بعد أن هداها الله بتعاليم الإسلام وخلصها بذلك مما لا حق هذا التاريخ من أوضار الوثنية وأدران الشرك وعادات الجاهلية.

وانطلاقا من نفس المنظور الإسلامي عالج البنا مفهوم الوطنية إثباتا منه على القدرة في معالجة القضايا المرحلية فيقول: إن الإخوان أشد الناس تطرفا في وطنيتهم فهم لا يطيقون أن يكون في أرض [[الإسلام[[ مستعمر واحد ويعملون بالنفس والمال في سبيل تحرير الوطن الإسلامي العام والله في ذلك غايتهم لأن الله هو الذي فرض ذلك عليهم وهو الذي أمرهم به؛

وقد تقوم الدعوة للوطنية المجردة من الحافز الإلهي وقد تقوم للإصلاح في أية ناحية من نواحي الأمة وهي خالية كذلك من هذا الوازع فما أسرع ما تنحرف بالدعاة الطريق وتلتوي عليهم المقاصد وتخدعهم زخارف الحياة الدنيا أما تلك الوطنية التي ترتفع في نفس صاحبها إلى مرتبة القداسة إذ يراها فريضة من الملأ الأعلى وذلك الإصلاح الذي يسمو في نفس صاحبه حتى أنه ليراه من تعاليم الله فذلك ما يتأبى على الأهواء والخدع ويستعصي على الشهوات والمطامع ويرفع صاحبه عن مستوى النفس العادية فيعيش سعيدا ويموت شهيدا.

ولم تقف الجماعة الإسلامية عند حد المواجهة النظرية مع دعاة القومية بل تعدته إلى تحديد العلاقة مع كافة القوى في مصر، فتشن مجلة النذير حملة هجومية على الصحف التي امتدحت كمال أتاتورك في وفاته وفي مقدمتها صحف الوفد وذكرت أن من أول سيئات أتاتورك إحلال القومية محل الإسلام؛

ووصفت الذين يمدحونه بأنهم ينفخون في بوق القومية وهي نفس بوق المبشر الاستعماري وواصلت النذير هجومها على الأحزاب السياسية مطالبة بدمجها وخصت بالهجوم الأحزاب التي تدعو للفكرة القومية كما هاجمت الجامعة المصرية لأنها فكرت في اتخاذ شارة خاصة لكل كلية فاتخذوها من آلهة الفراعنة برغم أنهم في أمة مسلمة.

وردت على مقال نشرته صحيفة الأهرام بعنوان ما قال ودل لأحمد الصاوي محمد أخذ فيه كاتبه على الإخوان نقدهم لفريق رياضي مصري لاعب فريقا من اليهود المصريين بحجة أن هذه نظرة سقيمة لا تتفق والروح القومية وأكدت النذير في ردها صلة يهود مصر بيهود فلسطين وأنهم يمدونهم بالمال ويرفعون أعلامهم على متاجرهم ومستشفاتهم

وبالرغم من أن جماعة شباب محمد قد خرجت من صفوف الإخوان إلا أنها واصلت وبنفس الأسلوب مواجهة الدعوة للقومية التي كانت ترى أنها قد فتكت بالدولة الإسلامية فتكا ذريعا فقطعت أوصالها وتفرقت إلى دويلات صغيرة لم يجد أعداء الإسلام صعوبة في السيطرة عليها مما أدى في النهاية إلى انحلال عروة المسلمين وضياع الخلافة بينهم بعد أن ظلت ثلاثة عشر قرنا؛

كما نجد كلا من الجماعتين الإخوان وشباب محمد تمتد حان مواقف مؤسس الحزب الوطني مصطفى كامل وتشارك حزبه في الاحتفال بذكراه باعتباره الوطني الذي لم يقبل منصبا ولا تكريما ويصفونه بالمجاهد الإسلامي لأنه فهم أن الإسلام أمة واحدة فلم تأخذ بلبه فكرة القومية المحلية التي قطعت أوصال العالم الإسلامي؛

فكان حريصا في دعوته على القومية الإسلامية وكان مجاهدا عن حقوق مصر باعتبارها جزءا من الوطن الإسلامي الأكبر ويردون عنه أي مصطفى كامل تهمة التطرف بامتداح التطرف وذكر مميزاته وكما سبق التوضيح فإن تأييد مصطفى كامل لفكرة الجماعة الإسلامية وإحياء الخلافة العثمانية لم يدفعه لنقد القومية المصرية بل على العكس يعتبر من باعثي هذه القومية التي لم تكن تتعارض في رأيه مع وجود رابطة إسلامية.

وإذا كان الإخوان والجماعات الإسلامية قد اتسم بشيء من المرونة حيث اعتبروها وسيلة لحقيق الوحدة الإسلامية والعربي في نظر الإخوان هول كل من تكلم العربية وهو مستمد من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس إن الرب واحد والأب واحد وإن الدين واحد وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم وإنما هي اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي أما عن مكان العربية في دعوتهم؛

فيقول البنا إن العروبة أو الجماعة العربية لها في دعوتنا مكانها البارز وحظها الوافر فالعرب هم أمة الإسلام الأولى وشعبها المتميز ويحق ما قاله صلى الله عليه وسلم إذا ذل العرب ذل الإسلام ولن ينهض الإسلام بغير اجتماع كلمة الشعوب العربية ونهضتها؛

وإن كل شبر أرض في أرض وطن عربي نعتبره من صميم أرضنا ومن لباب وطننا وقد أبرز البنا مقومات القومية العربية بقوله إن الأمة تتكون قوميتها من لغتها ودينها وعاداتها وثقافتها وما إلى ذلك من مظاهر الحياة؛

وأوضح أن هذه المقومات متوفرة في مصر وتساءل وهل لمصر لغة غير العربية ودين غير دين العرب ولم يكن تأييد البنا للدعوة العربية مناقضا موقفه من الفكرة القومية التي لفظها كما يرى البعض ذلك لأنه قرن دعوته للعربية بالإسلام ولم تكن العروبة هدفا استراتيجيا أو غاية نهائية عنده وأنه لم يتخل بها أو بأية دعوة أخرى عن قومية الإسلام ولكن من الواضح أن تأييده لها كان من نوع رد الفعل لتيار الفرعونية فضلا عن أهميتها في دعوته

ويتضح ذلك فيما كتبه فيقول:

وأما عن خطأ الفكرة من ناحية القومية المصرية فلأن تمسكنا بالقومية العربية يجعلنا أمة تمتد حدودها من الخليج الفارسي إلى المحيط الأطلسي بل إلى أبعد من ذلك ويبلغ عددها أضعاف أضعاف الملايين المحصورة في وادي النيل فأي مصري يكره أن تشاطره هذه الشعوب التي تظلها العربية شعوره وآماله وأفراحه وآلامه إن من يحاول سلخ قطر عربي من الجسم العام للأمة العربية يعين الخصوم الغاصبين على خفض شوكة وطنه وإضعاف قوة بلاده ويصوب معهم الرصاص إلى مقتل هذه الأوطان المتحدة في قوميتها ولغتها ودينها وآدابها ومشاعرها ومطامحها؛

وحين يعتبر أحد دعاة القومية المصرية وهو الدكتور طه حسين العرب ضمن الغزاة على المصريين وأن ثقافة مصر متأثرة بالحضارة الغربية وتثير الصحافة المصرية مناقشات حول إقامة تمثال نهضة مصر وضريح سعد زغلول على الطراز الفرعوني يرد حسن البنا قائلا إن محاولة جعل الأمة العربية ضمن الأمم التي غزت مصر فأذاقتها صنوفا من العدوان فكرة حمل لواءها كل من يحمل ضعفنا على العروبة وحفيظة على الإسلام...

فالاستعمار العربي لا يقاس بغيره من استعمار الأمم الذي يهدف إلى الفتح والغنيمة لأنه استعمار ثقافي إرشادي روحي مهمته تمثيل الشعوب وصبغتها بالصبغة العربية الإسلامية وقال إن سلامة موسى قد سبق الدكتور (طه حسين) في هذه الدعوة كما أثبت أن التاريخ يؤكد وحدة شعوب الجزيرة العربية والمصريين من حيث الجنس والدم وأن أغلب سكان جنود مصر ينتمون إلى أصول عربية.

وعن موقف الإخوان من الذين دعوا للبدء بالوحدة الاقتصادية بين الشعوب العربية كسبيل لتحقيق الوحدة الشاملة وهي النظرة التي تجد رواجا عند اليساريين فقد رأت الجماعة أنه لا سبيل إلى الوحدة الحقيقية إلا بوحدة سياسية بعد تحرير أوطانها من المستعمر وإحلال حكومة إسلامية تعمل بأحكام الإسلام وتطابق نظامه الاجتماعي ويتضح من ذلك أن الإخوان حينما صبوا انتقادهم على القومية المصرية دون العربية إنما فعلوا ذلك لأن بعض دعاة المصرية قد جعلوا الفرعونية هي القاعدة التاريخية لهم في حين أن كثيرين ممن نادوا بالقومية العربية جعلوا قاعدتهم هي الإسلام.

وقد التقت الجماعات والهيئات الإسلامية وعلى رأسها الأزهر عند مفهوم الإخوان من الفكرة العربية فنجد شيخ الأزهر يرفض لبس القبعة في الجيش ويؤيده الإخوان في استبدالها بالعمامة لأنها تيجان العرب كما أن جماعة الشبان المسلمين قد خصصت معظم نشاطها للعالم العربي فأسست لها فروعا في فلسطين وسوريا والعراق؛

وأسهمت كذلك جماعة مصر الفتاة الحزب الوطني الإسلامي في تنشيط الفكرة خلال الحرب العالمية الثانية كما وجدت جماعة خلال فترة الحرب الثانية اهتمت بالفكرة العربية من وجهة نظر إسلامية هي جماعة الأنصار التي حددت أهدافها في تحرير العقلية العربية من استعباد الثقافة الوثنية وتوطيد الفكرة العربية وأنها من الثقافة الإسلامية؛

وقد ألف رئيس تحرير مجلتها الأنصار وهو الأستاذ (أحمد صبري) كتابين أولهما سنة 1943 بعنوان قناع الفرعونية والثاني سنة 1945 بعنوان ضوء في تاريخ التوحيد وكانت الجمعية تؤمن بأن مجتمع البادية أكثر قدرة في الحفاظ على التراث والقيم من المجتمع الحضري ووجدت اثنى عشرة أسرة تعيش في بادية الشرقية والسويس والشلوفة وجنوب سيناء.

وحينما عاد أصحاب الدعوة للوحدة العربية من خلال تضامن دولها مع الحفاظ على الكيانات القومية يدعون لفكرتهم بعد تصريح إيدن وكان ذلك بمناسبة انعقاد المؤتمر الطبي العربي نشرت جريدة الإخوان مقالا أيدت فيه المؤتمر وجددت الدعوة للوحدة العربية بمفهوم إسلامي؛

وحذرت بعدم صبغها بالعصبية الطائشة الجارفة التي تجرح شعور الامم الحية التي وحد بيننا وبينها الإسلام ومع بداية الحكومات الإخوان تأييدها الكامل حيث كانت تأمل أن تستيقظ الشعوب العربية من غفوتها وأن تعمل لإعادة مجدها التليد وعظمتها القديمة فتحتل مكانها اللائق في قيادة العالم وأن تتحقق أماني البلاد العربية في الاتحاد والقوة والنهوض لمجابهة الأحداث والتطورات المقبلة كتلة واحدة؛

لكنها كانت ترى ضرورة اتحاد السياسة الخارجية والعمل على توحيد السياسة الداخلية حتى تسير البلاد إلى أهدافها وأصدرت الجماعة منشورا انتخابيا للمرشحين أثناء وزارة أحمد ماهر التي أعقبت وزارة الوفد في نهاية سنة 1944 دعت فيه إلى توثيق الروابط الكاملة بالأمم العربية والإسلامية ومساعدة هذه الأقطار على استكمال حريتها واستقلالها فهم جيراننا في الوطن وإخواننا في الدين وبنو عمنا في النسب وشركاؤنا في اللغة والمصالح والآلام والآمال.

وبعد قيام جامعة الدول العربية تفاءلت جماعة الإخوان بها خيرا لأنها توسع دائرة الوطنية أمام المصريين وتجمع لهم قلوب بني عمومتهم وتضم شتات جنسهم وتحيط وطنهم الخاص بقلاع من القلوب المحبة المخلصة وعن المثل الأعلى للقومية العربية قالت جريدة الإخوان أنه ليس كمثل الجرمان أو الفرنسيين أو اليابان لكنه العدالة والصداقة لجميع الأمم والأديان والديمقراطية المسالمة ...

وكتب حسن البنا يقول من أول يوم ارتفع صوت الإخوان هاتفا بتحية الجامعة العربية والأخوة الإسلامية إلى جانب الرابطة القومية والحقوق الوطنية وكان الإخوان يشعرون بأنه ليست في الدنيا جامعة واحدة والآمال واحدة والتاريخ واحد؛

وهكذا تحقق الأمل رسميا بتكوين الجامعة لعربية وذهبت جماعة الإخوان شوطا كبيرا في تفاؤلها بقيام الجامعة العربية حين قالت أنها ليست فكرة انجليزية كما ادعى المغرضون وإذا كان الإنجليز قد ظنوا أنها تصلح مطية لمآربهم فإن ظنهم فيها قد زال بعد ما لمسوا أ،هم رجال جادون لا هازلون وأنهم طراز آخر من الزعماء غير من عرفهم الإنجليز.

وإذا كانت جامعة الدول العربية قد قامت على أساس وحدات سياسية قومية الأمر الذي يتعارض وفكر الجماعات الإسلامية وعلى رأسها جماعة الإخوان، فلنا أن نتساءل لم كان هذا التفاؤل وهذا التأييد؟

وعلاوة على ما أوضحته جماعة الإخوان من أسباب وتفاؤلها فإنها كانت ترى في الجامعة عدة الحاضر وأمل المستقبل وأن على رجالها أن يقدروا هذه التبعية بجمع كلمة العرب لتحقيق رسالتهم في المثل العليا بعد لم شتاتهم وتوحيد قوتهم؛

وكانت ترى أن أهم وأول تبعة على الجامعة هو العمل على تحرير أجزاء الوطن العري لتيمكن من أداء واجب الجهاد في سبيل تحقيق الرسالة وتمكين المثل بين البلاد العربية وربط بعضها ببعض اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ودفاعيا وفضلا عن تأييدها للحركات الوطنية داخل الأمة العربية وأهمها فلسطين؛

وقد أيد صلاح حرب رئيس جماعة الشبان المسلمين الدعوة لقيام جامعة عربية شعبية ورأى أن تحقيق هذه الفكرة يأتي عن طريق عقد مؤتمر يمثل الهيئات الشعبية في جميع البلاد العربية لوضع دستور لهذه الجامعة يكفل تحقيق فكرتها ويخطو بها نحو الوحدة الكاملة التي تنشدها الشعوب العربية وتتمنى تحقيقها؛

وحين أعلنت الجامعة العربية قراراتها بشأن فلسطين امتدح الإخوان هذه القرارات لأنهم رأوا فيها دفاعا للوحدة العربية والإسلامية وأن إيران والهند الإسلامية وأفغانستان تستعد لتنزل الميدان إلى جانب العرب في سبيل فلسطين ويبدو أن ذلك كله من سبيل بث الهمة في نفوس كتائب المتطوعين التي تحارب ضد اليهود في فلسطين والتي تشكل متطوعو الإخوان الجزء الأكبر منها ..

تلك الكتائب التي استطاعت أن تستولي على بعض معسكرات ومستعمرات اليهود وأن تساعد الجيش المصري النظامي المحاصر في الفالوجا وقد أثارت قوة الإخوان في الميدان مخاوف الحكومة المصرية التي كانت تعد لحل الجماعة مما أدى إلى اعتقال متطوعي الإخوان في الميدان وتجريدهم من سلاحهم؛

ويبدو أنها أي الكتائب قد أثارت مخاوف الجامعة العربية كذلك حيث فترت لدى مسئوليها الدعوة لمواصلة الجهاد ودعم حركة التطوع ضد اليهود، ومنع متطوعي ليبيا من الوصول إلى الميدان بحجة أن عرب فلسطين ليسوا في حجة إلى المساعدة، لم تهتم بإرسال الأدوية إلى عرب فلسطين وقد رأى البنا أن كل هذه الأمور تعبر عن رغبة الجامعة والحكومات العربية في تصفية الفلسطينية؛

وأن هذه الرغبة كانت من أهم أسباب حل جماعتهم ولما كانت الجامعة تضم حكومات تعادي في معظمها الحركات شبه العسكرية فإن ذلك قد دفع رجلا مثل البنا أن يربط بين تصفية قضية فلسطين وحل جماعته، حيث كانت هذه الدول تهيئ نفسها لقبول نظام هدنة مع اليهود وكانت تدرك أن المتطوعين وبخاصة متطوعي الإخوان لن يلتزموا بقرارات وقف القتال أو قبول هذه الهدنة على أن هجوم البنا على الجامعة لا يختلف عن كثير من الكتاب والمؤرخين الذين أكدوا بحق دورها السلبي الذي أطاح بما كان يؤمل منها.

وعقب إعلان اليهود دولة إسرائيل في فلسطين مايو 1948 ما تلاه من استعداد من جانب الدول العربية لدخول حرب مع اليهود أعلنت جماعة الإخوان أن قضية فلسطين ساعدت على حشد الدول العربية لجيوشها لمهاجمة اليهود بعد إعلان الدول وأن ذلك تحقيق للوحدة العربية..

بل إنها ستحقق أيضا الوحدة الإسلامية فإن مقدسات الإسلام في هذه البقعة المباركة من الأرض توجب على كل مسلم أن يقوم بنصيبه من الجهاد في سبيلها كما وجه البنا نداء إلى كل من أمريكا وروسيا وغيرها من الدول التي اعترفت بإسرائيل بأن هذا الموقف يعني تحدي أمة تعدادها سبعون مليونا من العرب معها ثلاثمائة مليون من المسلمين ودعت الجماعة إلى عدم قبول العرب للهدنة الثانية ورفض المفاوضات واستئناف القتال دون خشية تألب الدول لأن الهزيمة أمام القوات الدولية خير منها أمام اليهود وأعوانهم وأنه لابد من النصر أو الشهادة.

ولم يظهر موقف جماعة شباب محمد من الجامعة العربية في بدايتها وأغلب الظن أنهم كانوا لا يرضون بغير نظام الحكم الإسلامي بديلا، فما ظهر تقاعس الجامعة في قضية فلسطين أفسح ذلك المجال للجماعة لكي تشن هجوما شديدا عليها اتهمت فيه رجالها فيه بالنفاق وتضليل الشعوب العربية ووصفتها بأنها كسراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا؛

كما هاجمت أمين الجامعة لأنه وعد بالسلاح ولم يف بوعده ثم وعد بإعداد العدة لمواجهة أمريكا لكنه لم يعد العدة حتى لمواجهة اليهود وأنه أي أمين الجامعة رضي بوصاية هيئة الأمم وقبل ثلاثين ألف مهاجر يهودي من قبرص ..

كما اتهمته بجهله للإسلام وعدم إيمانه بقضية فلسطين وقالت أن الجامعة قد وعدت بمقاطعة اليهود ولم تنفذ وعدها حيث ينزل رجالها في فنادقهم ويتعاملون مع محلاتهم وتسمح لبواخرهم المحملة بالسلاح بالوقوف في المواني المصرية وأنها بذلك جامعة بريطانية لا عربية تسير على إرشادات إيدان.

ومن ذلك المنظور الإسلامي كان تأييد جماعة الإخوان لوحدة وادي النيل ولم يكن ذلك موقفا انفصاليا تلفظه القومية الإسلامية فقد اعتبر الإخوان أن أي نوع من الوحدة بين شعوب يربطها الدين وتربطها اللغة مقدمة لوحدة أكبر منها تنتهي بالهدف الاستراتيجي الأول وهو وحدة المسلمين؛

وبالتالي لم يكن هذا التأييد محاولة لركوب الأحداث والقيام بدور سياسي لاكتساب زعامة شعبية وجماهيرية كما يرى البعض ولم تكن معارضة الإخوان للوحدة الأفريقية بسبب موقف الأقباط منها ولكنهم كانوا لا يرون توفر المقوم الهام لقيامها وهو الدين ولذلك كانت في رأيهم ليس لها أقل أمل في النجاح وإذا كانت من دور لمصر في نهضة أفريقيا من وجهة نظرهم فكان دور الدعوة للإسلام.

ووضع الإخوان إطارا نظريا مستندا على شواهد تاريخية وهو (قومية الإسلام) أي القومية التي تستند إلى عقيدة لا إلى جنس أو أرض أو دم، وهو نظرية وسط بين العالمية القومية وتأخذ من كل فكرة فائدتها وكان ذلك يعني في نظرهم (الأخوة الإسلامية) التي كان السبيل إلى تحقيقها هو أن الفرد إذا أخذ القرآن بيمينه والسنة المطهرة بيساره ووضع سيئة السلف أمام عينية لرأيت من كل ذلك أن للإسلام قومية جامعة ووحدة ورابطة حول العقيدة والمبدأ؛

وقد استدل مرشد الإخوان على نظريته من القرآن الكريم كما في قوله تعالى (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون) ومن السنة المطهرة قول الرسول صلى الله عليه وسلم "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره كل المسلم على المسلم حرام ماله ودمه وعرضه"

وقال البنا إن هدفه من ذلك هو تربية النشء على مبدأ يضمن لنا حب الخير العام والسلام والعمل لفائدة الأمم جميعا ذلك كل ما في العالمية من جمال ويضمن لنا مع هذا التمسك بعزتنا والدفاع عن حوزتنا والذود عن أوطاننا ومقدساتنا وذلك كل ما في القومية من فائدة.

وفي تقرير البعض أن الأديان وبخاصة الإسلام بخاصة الإسلام وباستثناء اليهودية عالمية بطبيعة فلسفتها وبالتالي فإنها تحث على الانتشار دون الاعتراف بالقومية ولكن ما كانت القومية قد أصبحت هي الطراز الغالب على الفكر السياسي في ذلك الوقت؛

فإن البنا قد تحير بين فلسفة الإسلام العالمية وبين هذا الطراز الغالب لذلك فإن البنا قد تحير بين فلسفة الإسلام العالمية وبين هذا الطراز الغالب لذلك فإنه قد استخدم تعبير القومية الإسلامية في غير موضعه وكذلك الأسلوب الذي استخدمه في الدفاع عن هذه القومية لم يكن من السهل فهمه.

ويرى البعض أنه أقرب للدعوة الدينية منه للفكر السياسي والعالمية كمبدأ لم يرفضها الإخوان بل هي رسالة دينهم المتمثلة في قول الله تعالى (وما أرسلناك إلا للناس كافة) وقوله تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ولكنهم يرفضون الدعوة العالمية المطروحة من قبل الغرب تحت شعار أنها نقيض للقومية وكنوع أوسع من تجاوز الحدود الإقليمية والارتفاع بالبشرية إلى مستوى أرحب من العلاقات الإنسانية ويرفضون كذلك هذه الدعوة في ظل مبادئ بشرية مادية من قبل اليساريين

ويقول البنا ردا على ذلك إن أمم الغرب وحكومات الاستعمار جعلته شبكة تصاد بها العقول وتكسر بها حدة المقاومة عند الشعوب المظلومة حتى تكون لقمة سائغة وهذا رغم ما في العالمية من جمال وما تشتمل عليه من الإنسانية والسلام والخير العام.

ولم تكن الجماعة تعتبر ومن منظور إسلامي بالحدود الجغرافية ولا بالفوارق الجنسية لأنها تعتبر المسلمين جميعا أمة واحدة الوطن الإسلامي وطنا واحدا مهما تباعدت أقطاره حيث كانت القومية الإسلامية في نظرهم تجاوزا للقوميات الجنسية؛

كما أن القومية الإسلامية لم تكن تؤدي إلى ما تهدف إليه العالمية بمفهومها الغربي أو اليساري من حيث إماتة الشعور وكسر حدة مقاومة الشعوب للاستعمار لأن الإسلام يحث كل مسلم أن يعمل لوطنه وأن يقدمه على ما سواه وأن المسلم مدين لوطنين، وطن ولادي جسدي ووطن إسلامي روحي وكلاهما له حقوق على المسلم يجب أداؤها ورعايتها.

ولما كانت هذه النظرية تدور في نفس إطار دعوة الوحدة الإسلامية أو الجامعة الإسلامية فقد اتهمها المعارضون بإثارة التعصب الديني وأن ذلك يؤدي إلى تفكك لرابطة الأمة وإيذاء الأقليات غير المسلمة في البلاد الإسلامية .

كما يؤدي إلى التفكك أيضا في البلاد غير المسلمة والموجود بها أقلية مسلمة فتشتت عناصر الولاء الأمر الذي يضعف لا مقاومة الاستعمار في بلد واحد فحسب بل يضعف كذلك حركة التحرير ضد الاستعمار في العالم ؛

وبالطبع فإن أغلب هؤلاء المعارضين وهم من اليساريين لم يلموا إلماما كافيا بالشريعة الإسلامية على سبيل المعرفة لا الإيمان التي خصصت بابا من أهم أبوابها لحقوق أهل الذمة وهم الأقليات غير المسلمة في الدولة الإسلامية وهو الأمر الذي كان ملما به بالطبع داعية كحسن البنا

ويرد البنا على ذلك بقوله إن سماحة الإسلام تجعل بره وصلته تتسع لأنباء قومنا وإن كانوا على غير ديننا كما قال تعالى (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين)

وعلى الرغم من ذلك فإن البنا لم يوضح وبشكل مفضل ما تضمنته الشريعة الإسلامية من حقوق أهل الذمة التي لم تساو كلمة مواطن في العصر الحديث في رأي البعض مكتفيا بمجرد الإشارة إلى عموميات جاء بها القرآن الكريم والسنة وفي مناسبات قليلة الأمر الذي لم يطمئن الأقليات غير المسلمة على وضعهم إذا ما نجحت دعوته وألجأتهم إلى التشبث بدعوات مضادة حتى ولو لم يؤمنوا بها كنوع من السعي لتوفير هذا الاطمئنان؛

كما أن الجماعة قد أعطت لنفسها الحق في حماية الأقليات المسلمة التي تعيش في البلاد غير المسلمة ولم تسمح في الوقت نفسه بحماية الأقليات غير المسلمة في الدول الإسلامية وإذا كان ذلك قد فسر من جانب الإخوان بشمول الشريعة الإسلامية وهو الذي لم تتمتع به أية عقائد أو نظم غير الدين الإسلامي فإن بذلك لم يكن كافيا لإقناع هذه الأقليات أو الدول التي لا تؤمن بدينهم من جانب وأن هذا الأمر كان سابقا لأوانه حيث كان يجب تأجيله حتى تتحقق فكرة الخلافة من جانب آخر.

التيار اليساري

على الرغم من أن الجماعات الإسلامية قد هاجمت كافة التيارات الغربية إلا أنها كانت تدرك أن أعداءها تجاه التيار الشيوعي كان مزدوجا لأنه مقتبس من مفكرين أجانب من جهة ولكونه يجاهر بعدائه للأديان من جهة أخرى وبالتالي فقد نال هذا التيار القسط الأكبر من الهجوم من قبل هذه الجماعات؛

بل إن هذه الجماعات قد اشتركت مع بعض القوى والتيارات المعارضة لها في مناهضة اليسار المصري على أن هجوم أتباع التيار الديني على اليسار لم يقف عند حد مهاجمة اليسار في مصر بل تعداه إلى مهاجمة الفكر اليساري بصفة عامة وفي روسيا بالذات موضحين مدى خطورته على الدين والعلاقات داخل المجتمع المصري وكان ذلك من أهم أسباب اتهام اليساريين لهم بمساندة الرأسمالية.

أما عن نشأة اليسار في مصر فترجع نشأته إلى نهاية العقد الثاني من القرن العشرين وعلى وجه التحديد في أعقاب ثورة سنة 1919 حيث نشأ الحزب الشيوعي المصري الذي تملك من ضم مجموعات من العمال الذين أسهموا في هذه الثورة وقد تنبهت القوى السياسية آنذاك والممثلة في الأحزاب التي ضمت طبقة كبار الملاك والسراي والاحتلال إلى خطورة ذلك الحزب من خلال ما أسهم فيه من إضرابات عمالية؛

فتمكنت بسهولة من القضاء عليه لضعفه وقلة عدده على أن قيام العمال بهذه الإضرابات لم يكن يتم بالضرورة عن اعتناق العمال لمبادئ هذا الحزب أو حتى الاعتقاد في سلامة وصحة هذه المبادئ بقدر ما كانت تعبر عن مدى ضيقها من الأوضاع الاقتصادية والسياسية؛

وكان العامل الأكبر في القضاء على أفكار الحزب ووجوده هو الدين الذي كان مسيطرا على مفاهيم الطبقة العامة والذي ارتكنت القوى السياسية عليه في محاربة هذه الأفكار.

وقد برز في هذا الميدان سعد زغلول ومساعده عبد الرحمن فهمي اللذان تمكنا من اجتثاث جذور الحزب وتصحيح مسار الحركة العمالية المصرية ذلك التصحيح الذي يعده اليساريون محاولة (لوي عنق)؛

كذلك أسهمت مجلة السياسة لسان حال حزب الدستوريين ومجلة اللطائف المصورة وبعض مجلات الأزهر في الحملة على الأفكار الإشتراكية وضربت أمثلة من حياة المجتمع الروسي لتجسيد خطورة ما تدعو إليه هذه الأفكار الإشتراكية وضربة أمثلة من حياة المجتمع الروسي لتجسيد خطورة ما تدعو إليه هذه الأفكار؛

وفي العقد الثالث عادت الإضرابات بين عامي 1931، 1936 وقد عبرت هذه الإضرابات عن وجود عناصر يسارية وإن كانت قليلة متسللة بين العمال تستغل الأحداث التي تثير بها هذه الإضرابات وكانت أغلب هذه العناصر من الأجانب الأمر الذي يفسر وقوع أغلبها بين عمال الإسكندرية؛

وقد تمكنت هذه العناصر من الانضمام في صفوف الحركة النقابية على أثر التنافس الذي وقع بين السراي ممثلة في شخص النبيل عباس حليم والوفد في محاولة من كليهما للسيطرة على الحركة النقابية، وحاولت هذه العناصر تحويل مسار الحركة إلى الاتجاه الاشتراكي الماركسي.

وظهرت بوادر الحركة الشيوعية خلال الحرب العالمية الثانية وبسبب ظروفها في شكل حلقات ماركسية بين عامي 1940، 1942 في كل من القاهرة والإسكندرية وأسفرت هذه الحركات عن تكوين منظمات يسارية سرية منها منظمة تحرير الشعب منظمة الحركة المصرية للتحرر الوطني اتحاد أنصار السلام منظمة إيسكرا منظمة القلعة انضمت إلى إيسكرا العصبة الماركسية الطليعة الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني حدتو وغيرها

وكان على رأس المنظمتين الكبيرتين بالنسبة لبقية التنظيمات وهما الحركة المصرية للتحرر الوطني وإيسكرا اثنان من اليهود هما هنري كورييل (هليل شفارتز) ولم يزد مجموع أعضائهما معا عن الثلاثين.

وبمتابعة تطور هذه التنظيمات ونشاطاتها نجد أن عدة عوامل قد تضافرت على إضعاف تيار اليسار وهي:

أولا: إن الأجانب وخاصة اليهود هم الذين حاولوا تكوينها ولا يقتصر دور اليهود في هذا الجانب على مصر وحدها بل وفي أغلب بلدان العالم العربي الأمر الذي يوحي بأن نشاطهم موجه لخدمة الحركة الصهيونية رغم انتقاد اليهود الماركسيين للصهيونيه في الظاهر ومهاجمة الدين الإسلامي وقد ظل الأجانب يشكلون غالبية هذه التنظيمات فقد بلغ عددهم في منظمة إيسكرا كبرى المنظمات اليسارية 400 من المجموع الكلي 900 مع أن الرقم الأخير مبالغ فيه.
ثانيا: إن أغلب هذه المنظمات بل كلها وحسب اعتراف أحد كتابها نقلا عن أحد مؤسسها كانت سطحية لأنها كانت تفتقر إلى تراث مصري فكري حر وأن هذه ا التراث لن يوجد ما داموا مكتفين بترجمة الأفكار ونقلا لآراء الصادرة في بلاد تختلف وضعيتها عل وضعيتنا
ويقرر هذه الحقيقة كاتب آخر من كتاب اليسار فيقول: كان الخلاف الأساسي بين هنري كورييل و (هليل شفارتز) يدور حول ما إذا كان الهدف العجل للحركة الشيوعية أن تنتشر بين الجماهير وتتوسع في تجنيد المصريين فيها على حساب درجة النضجي السياسي للأعضاء أم ينبغي أن توجه جهدها لتربية أعضائها المختارين بدقة ويدل ذلك عدم إمكانية هذه المنظمات التغلغل حتى في طبقات العمال اللهم إلا القليل منهم والذي يذكر بالاسم فضلا عن مجموعة قليلة من المثقفين.
ثالثا: إن أغلب المنضمين إلى هذه التنظيمات من المصريين المسلمين قد أعجبوا بالجوانب الاجتماعية والاقتصادية التي دعا إليها الماركسيون ولكنهم لم يؤمنوا بالفكر المادي ودعوا إلى التمسك بتعاليم الإسلام وقد انفض أغلبهم عن هذه التنظيمات التي لم تنجح في التقليل من تمسكهم بدينهم كما أن وجود الأجانب قد أدخل الشك في نفوس هؤلاء الأمر الذي جعل بعضهم ينقلب على هذه التنظيمات بعد إدراكه لمراميها.
رابعا: إن مجمل نشاط هذه المنظمات وما استطاعت أن تقدمه لجماهير المصريين الكادحين يتمثل في فكر نظري منقول تمت ترجمته إلى العربية من مؤلفات لينين وماركسي وانجلز وستالين وروجيه جارودي وبعض المنشورات التي لا تخرج أفكارها عن أفكار هذه المؤلفات.

على أنه أثناء الحرب العالمية الثانية جدت ظروف شجعت على نمو نسبي لليسار المصري كان من أهمها وجود الاتحاد السوفيتي كحليف لبريطانيا في الحرب مما جعل السلطات البريطانية تغض الطرف عن الدعاية السوفيتية ونشاط اليسار المصري في هذه الفترة بالإضافة إلى سياسة الوفد بزعامة مصطفى النحاس تلك السياسة التي أدت إلى تسرب بعض العناصر اليسارية إلى صفوف الحركة العمالية التي يقودها الوفد؛

وكذلك فقد كان لحادث 4 فبراير سنة 1942 أثر في فقد الوفد لبعض مؤيديه والتي استطاعت المنظمات اليسارية أن تستقطب بعضها ومن بين العوامل العامة التي ساعدت على نمو التيار اليساري الدور السلبي الذي وقفه الأزهر وأتباع التيار الديني حيث لم يقدموا نظرية إسلامية اقتصادية تلائم حالة البلاد وتتفق مع تطور الحياة الاقتصادية بما مكتفين بمجرد إثارة الشعور الديني..

وبالتالي فإن الأفكار الاقتصادي التي طرحها اليساريون للإسهام في إيجاد حل للوضع الاقتصادي المتدهور قد وجدت صدى عند الطبقات الكادحة وقلة من المثقفين المصريين ومن بينهم بعض شباب الأزهر نفسه حيث تشير المراجعة إلى وجود خلية شيوعية في الأزهر مكونة من 22عضوا عل ثلاث خلايا في كلية الشريعة وكلية أصول الدين معهد القاهرة الديني.

وقد اختلف الرأي داخل المنظمات اليسارية حول الموقف من الدين حيث رأى البعض مهاجمة الدين بلاد هوادة في وقت رأى البعض الآخر ضرورة مراعاة مشاعر جماهير المصريين الدينية واتباع سياسة مرنة أو سياسة المهادنة وقد وجد انقسام مشابه حول كيفية التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين.

أما موقف جماعة الإخوان من هذه المنظمات فقد كان ينم عن عداء كامل وبالتالي إصرار على ضرورة محاربة هذا التيار وكانوا يعتبرونه أشد خطرا من حركة التبشير وأن خطره يهدد كيان المجتمعات حيث إنه إذا نجح سيهدم المساجد ويعطل العبادة ويبيح الأعراض ويذل الأديان بعد عزة على أن الإخوان في هجومهم على الشيوعية والإشتراكية قد هاجموا النظام الرأسمالي فضلا عن مهاجمتهم للأنظمة التي مهدت لهذه الدعوات من خلال تخدير أعصاب المصريين بالوعود الباطلة وكانوا يقصدون بها الأحزاب السياسية وربما الأزهر أيضا؛

ومع أن الجماعات الإسلامية قد هاجمت الإشتراكية والشيوعية لأنها تجر الإباحية والتحلل والفجور ومشاركة المرأة للرجل واستباحة الزنا إلا أنها أقرت اقتناع الناس بمزايا هذه الأنظمة لكونها تكافح الرأسمالية وتدعو لمشاركة الفقراء للأغنياء في أموالهم ولنزع الملكيات الزراعية من أصحابها لتوزيعها على الناس؛

وأوضحت أن في الإسلام ما ينظم هذه الأمور مثل الزكاة وطالبت الحكومة بتطبيقها كأسلوب لمحاربة الشيوعية ولكن من جهة أخرى وقف الإخوان ضد نزع الملكيات الزراعية واتفقوا في ذلك مع الأحزاب السياسية القائمة حينذاك حيث عارضوا الإصلاح الزراعي الذي اقترحه أحد النواب 1946 بحجة أنه يتنافى ونظام الوراثة الإسلامي إلا أنهم طالبوا بتحديد الملكية الكبيرة وذلك بعدم السماح بإضافة ملكيات جديدة.

وقد أرجع الإخوان انتشار الشيوعية في مصر إلى عاملين أولهما فساد النظام الاجتماعي والثاني فساد النظام السياسي فقد أوضحوا أن فساد النظام الاجتماعي كان نتيجة لانقسام الشعب إلى طبقتين رأسمالية متطرفة أنانية لا يتجاوز عدد أفرادها أحد عشر ألف شخص يملكون مليونين ونصف مليون فدان بمعدل مائتين وسبعة وعشرين فدانا للشخص للواحد وطبقة فقيرة منها 2 مليون شخص يملكون نصف مليون فدان بمعدل أقل من ربع فدان للشخص الواحد والباقي وهم السواد الأعظم من الأمة معدومون لا يملكون شبرا واحدا أراضي بلادهم؛

كما أوضحوا كيف أدى ذلك إلى انحسار مستوى التعليم وكذا اقتصار السلطتين التشريعية والتنفيذية في يد طبقة كبار الملاك التي اهتمت بمصالحها دون مصالح الشعب الأمر الذي أدى إلى انتفاء العدالة وإثارة التذمر العام بين صفوف الشعب واتخاذه مظاهر شتى من بينها الشيوعية اللاشعورية التي يهتذي بها اليوم رجل الشارع في غير ما علم أو دراسة لا عن إيمان وإنما عن رغبة في التخلص من وضعه الشاذ الحالي ولو إلى أسوأ ..

وعددت الجماهير مظاهر هذا الفساد في غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار وضعف الرقابة الحكومية وانخفاض مستوى أجور العمال الزراعيين والصناعيين إلى حد لا يتناسب مع تفاقم غلاء المعيشة ونقص تشريع العمال الذي لا يكفل لهم توفر وسائل التأمين الاجتماعي والصحي الضرورية لصيانة كيانهم ومستقبلهم؛

وأمام ذلك طالب الإخوان الحكومة بفرض ضرائب على رؤوس الأموال المتجمدة وزيادة الضرائب على الكماليات مثل السيارات وأدوات الزينة وملابس السهرة أما العامل الثاني وهو فساد النظام السياسي فقد أرجعته الجماعة إلى خلو مناهج كافة الأحزاب من برامج وأهداف محددة مثلما هو في الأحزاب الموجودة في البلاد الديمقراطية وتضيقها الخناق على الاتجاهات التي تتضمن مناهجها مثل هذه البرامج فتتيح الفرصة لظهور المبادئ المتطرفة.

وقد طرح الإخوان نظرية وسطا تجمع بين مزايا الإشتراكية والديمقراطية ومستمدة من تعاليم الإسلام وسنن الرسول أسموها الديمقراطية الإسلامية أو الإشتراكية الإسلامية والنظام الاجتماعي الذي أتت به هذه النظرية هو نظام فردي لا اشتراكي يسعى الفرد فيه لرزقه وله الحق في امتلاك ما يحوزه لقاء عمله وسعيه؛

فحرمان الفرد من كل ملكية شخصية وتركيز الثروة في يد الجماعات يقضي على أبسط مبادئ الحرية الشخصية ويمحو الاستقلال الفردي أما تحريم الملكية الفردية وتحمل الدولة حق كل فرد في الاسترزاق فإنه نظام عقيم لا يحل المشاكل الاجتماعية؛

وقالوا إن هذا النظام في ظل الشرائع الإسلامية يكفل العدالة الاجتماعية ويحد من طغيان الرأسمالية ويحدد مسئولة الحاكم وواجب المحكوم ويحمي حقوق الفقراء ويطهر الأمة من الفساد وقد رأوا أن ذلك يستوجب قوانين وتشريعات جديدة لسد النقص في القانون والدستور بحيث تقام الدول على أسس ديمقراطية سليمة؛

ومع أن هذه النظرية التي طرحها الإخوان مستمدة من الإسلام أكثر من أي نظام آخر إلا أن لجوءهم لوصفها بالإشتراكية والديمقراطية يعتبر عجزا عن تقديم نظرية إسلامية خالصة مستمدة من النظام الإسلام الغني في هذا الجانب؛

ومع ذلك فقد أثبتوا عدم تزمتهم ضد مزايا الأنظمة المعاصرة وقد بدا ذلك في محاولتهم تطبيق نظريتهم داخل مؤسساتهم الاقتصادية حيث استعانوا بالوسائل الحديثة للمدنية الغربية فضلا عن مزاولتهم لبعض الأساليب الإشتراكية داخل هذه المؤسسات على أنها لا ينبغي أن نتهم محاولة الإخوان لعلاج النظام الاجتماعي والاقتصادي بالفشل بل ينبغي إرجاعها للظروف التي أسهمت في إيجاد هذا النظام والتي كانت ما زالت قائمة في وقت لم يمكن فيه الإخوان إلا بقدر ضئيل من الإسهام الفعلي في الحل بل وحتى تهيئة الظروف لانتقال نظريتهم إلى التطبيق الكامل داخل المجتمع الأمر الذي جعلها في الغالب مجرد فكر مطروح.

ونتقل إلى العلاقة بين الجماعات الإسلامية والمنظمات اليسارية في مصر تلك العلاقة التي تركت بصماتها على مسيرة الحركة الوطنية المصرية فلم تكتف الجماعات الإسلامية بمهاجمة المنظمات اليسارية في مصر فقط بل هاجمت مصادرها الفكرية في روسيا وكذلك مؤيديها ومؤسسها من اليهود في مصر؛

فقد نشرت مجلة الإخوان حديثا لبعض حجاج روسيا أثناء زيارتهم لإدارة المعاهدة الدينية في مصر صورت فيه اضطهاد المسلمين هناك ولم تعلق صحف الإخوان فيما بعد عما إذا كان قد أصاب هؤلاء الحجاج أذى في بلادهم من جراء تصريحهم وذهب الإخوان في عدائهم للشيوعية إلى حد قبول التحالف مع الغرب بشرط الاستقلال أولا؛

قد نشرت صحفهم حديثا للمرشد العام أجاب فيه على أسئلة مراسل أمريكي تدور حول مدى إمكانية التصدي لثورة بلشفية قد توجدها روسيا في الشرقي الأوسط وأجاب بضرورة الارتباط بمحالفات مع دول الغرب بعد الاستقلال تسهم بمقتضاها هذه الدول في تكوين جيوش محلية وصناعات عسكرية تمكن أهل المنطقة من التصدي لمثل هذه الثورة؛

وحتى يتدخل الغرب للاشتراك في صدها على ألا يجب اتخاذ دول الغرب من هذا الاحتمال تكأة للمماطلة في الجلاء وظلت الجماعة على هذا الرأي ما دفع إحدى الصحف اليسارية إلى اتهامها بالخيانة والتآمر على كفاح الشعوب وأنها بذلك تعاون الاستعمار ولكن بدلا من الحوار حول هذا الموضوع في هذا الوقت كان الإخوان يركزون على جوانب أخرى يصورون أنها جزء من حياة المجتمع الشيوعي بقصد تنبيه الرأي العام المصري لها عند تقويم النظام الشيوعي؛

فقد نشرت صحفهم عدة مقالات عن أبعاد النظام الشيوعي في روسيا في موقفه من الأخلاق وفوضى الزواج وجواز تعدد الزوجات والأزواج واستعداد روسيا لفرض هذه المبادئ على شعوب العالم بالقوة.

وروج الإخوان لربط الشيوعية بالنشاط اليهودي العالمي فحذروا من خطر اليهودي بل ووصفوا الشيوعي بأنه مذهب يهودي ويبدو أن ذلك راجع إلى اشتراك كثير من اليهود في الثورة البلشفية سنة 1917 لكن الإخوان لم يدققوا في إلصاق وصف يهود بجميع قادة الشيوعية مثل ينين وستالين وقالوا إن هدف اليهود من نشر هذه المذاهب الهدامة كالماسونية والشيوعية هو محاربة الإسلام وأن هدفهم القريب هو سلب فلسطين وجعلها دولة يهودية لطريدي الأمم.

وأما ازدياد التنظيمات اليسارية السرية في أغلبها خلال الحرب العالمية الثانية تولت جوالة الإخوان تعقب أعضاء هذه التنظيمات ونشاطاتها وتولت إبلاغ الحكومات بما تجمعه عنهم من معلومات بل إن الإخوان كانوا يعدون أنفسهم للدخول في حرب مع هذه المنظمات حيث برر البنا جمعه للسلاح خلال فترة الحرب بالاستعداد لمحاربة الشيوعية.

وعقب انتهاء الحرب وفور تشكيل وزارة إسماعيل صدقي بدأ الصراع بين الجانين فقد تظاهر القصر في بداية حكم صدقي بأنه يريد أن يترك الحريات لمحو آثار حادث كوبري عباس فمنح ذلك الفرصة للأحزاب السياسية والجماعات الأخرى لكي تتسابق على كسب الجماهير في تنظيم المظاهرات وغير ذلك لذلك فقد قام الوفد بتوسع جبهته فضم العمال والطلاب في لجنة واحدة هي اللجنة الوطنية للعمال والطلبة على غرار اللجنة المماثلة التي سبق أن شكلتها المنظمات الشيوعية؛

وحدث تحالف وفدي شيوعي ضد ما توهموه من تحالف بين صدقي والإخوان وقد ناقشنا هذه القضية في فصل سابق وانتهينا إلى أن إسماعيل صدق قد قدم بالفعل بعض المساعدات للإخوان ولكن ذلك لم يكن يعني وجود تحالف بينهما حيث اشترك الإخوان في المظاهرات المعادية لحكومته.

كما رفض الإخوان العمل تحت قيادة التحالف المضاد الذي يضم الشيوعيين مع الوفديين برغم أنهم قد نظموا فيه المظاهرات والإضرابات المعادية للحكومة والتي اتهموا على أثرها بإحداث انشقاق في الحركة الوطنية.

وحينما بدأ صدقي حملة على الشيوعيين حيث قبض على أكثر من مائتي رجل وامرأة وأغلق جميع الأندية والمكاتب والمجلات التابعة لهم، ارتفع صوت الإخوان مؤيدا للحكومة وردت صحيفتهم على الذين استنكروا تصرف الحكومة لما فيه من اعتداء على حرية الصحافة والرأي العام؛

وقالت إن كل الظروف كانت تحتم ذلك لأن سلامة المجتمع وحرية الأمة فوق كل شيء وشاركت الجماعة الحكومة في حملتها على الشيوعية موضحة خطرها ومساوئها وتشكيلاتها وكيف أنها تلقى تعليمات من روسيا وأنها تقوم على نفس نظام الخلايا الروسي وتضم كل خلية عشرة أشخاص سبعة منهم من الشبان أو الرجال وثلاثة من الفتيات؛

ولهذه النسبة هدف محدد هو أن تتحقق شيوعية النساء بين الرجال في كل خلية وثبت أن بيني الشيوعيين خمسين فتاة مصرية أكثرهن من خريجات الجامعة أو من طالباتها وقالوا إن هدف الشيوعية وفق التعليمات الواردة لمنظماتها من روسيا هو إثارة الفتنة بين الأقباط والمسلمين؛

وقد قام بهذه المهمة من حيث إثارة الفتنة سلامة موسى في جريدة مصر ومحاربة الإخوان وتولي ذلك محمد مندور في جريدة الوفد المصري ومحاربة رجال الدين وإثارة التذمر في صفوف العمال كل ذلك من أجل إخضاع الشعب بعد القضاء على الروح القومية لروسيا؛

ومن هنا ينبغي إدراك كل ذلك وتقويم الشيوعية على أساسها لا على الأساس الاقتصادي وحده ولم يقف عداء الإخوان للشيوعية داخل مصر بل تعداه إلى تنبيه الرأي العام العربي على انتشارها في كل من سوريا والعراق وأن ذلك في رأيهم يتعارض مع القومية العربية؛

وقد التقوا في ذلك مع بعض الأحزاب القومية مثل حزب الاستقلال في العراق تمهيد الضم أقطار العرب لروسيا فضلا عن خطره على الإسلام في هذه البلاد كما أنها قد طالبت بالتصدي لهذا الخطر في أقطار العالم الإسلامي وتقهقر الصراع بين الإخوان والشيوعيين قليلا في ظل حكومة النقراشي..

حيث طغت عليه أحداث فلسطين والصراع بين الإخوان والنقراشي وكان الشيوعيون من بين القوى التي جعلت الأزمة تتفاقم بين الإخوان والحكومة وشاركوا الوفد في كيل الاتهامات للإخوان والتي كان على رأسها خيانة الحركة الوطنية وتضليل الشعب والتحالف مع الاستعمار الغربي؛

وكانت صحيفة الجماهير اليسارية هي أسبق الصحف التي طالبت بحل جماعة الإخوان وكان من بين المبررات التي ساقتها لذلك هو لجوء الجماعة لأسلوب العنف وأعمال التخريب ومما يستلفت النظر هنا هو أن الإخوان والحركة الشيوعية المحظورة كانت تتهم كل منهما الأخر باللجوء إلى هذا الأسلوب وتنتقده عليها.

الإخوان والنظم الفاشية والنازية

ظهرت في مصر قبيل الحرب العالمية الثانية وخلالها تيارات محدودة متعاطفة مع المحور وقد كان بعضها يتعاطف لمجرد أن الألمان خصوم الإنجليز وأن خصوم خصومنا هم أصدقاؤنا ولكن وجدت أيضا تيارات وجماعات أبدت إعجابها بالنازية والفاشستية كنظام واعتقدت من خلال هذا الإعجاب أن إصلاح مصر يحتاج إلى مثل هذا النظام الذي كان يقوم على فكرة الزعيم المصلح؛

ومن بين هذه الجماعات جماعة الإخوان المسلمين التي لا تخف إعجابها بهذا النظام فيصف البنا كلا من هتلر وموسليني بقادة النهضات الحديثة وبررت الجماعة ذلك الإعجاب بموقف هذه الأنظمة من الدين الذي ارتكزت عليه في محاربة الشيوعية دون أن توضح كيف طوع هتلر الكنيسة للدولة وألزمها بإدخال تعاليم العنصرية؛

وأن الكاثوليك قد قاموموه في ذلك وكذلك لمعاداة هذه الأنظمة للنظام البرلماني الذي ان يعارض البنا بأسلوبه القائم حينئذ في مصر فيقول البنا إن الأمم المجاهدة في مسيس الحاجة إل ى بناء النفوس وتشييد الأخلاق وطبع أبناءها على خلق الرجولة الصحيحة حتى يصمدوا لما يقف في طريقهم من عقبات ويتغلبوا على ما يعترضهم من مصاعب إن الرجل سر حياة الأمم ومصدر نهضتها؛

وإن تاريخ الأمم جميعا إنما هو تاريخ من ظهر بها من الرجال النابغين الأقوياء النفوس والإرادة وإن قوة الأمم أو ضعفها إنما تقاس بخصوبتها في إنتاج الرجال الذين تتوفر فيهم شرائط الرجولة الصحيحة وإني أعتقد والتاريخ يؤيدني ن الرجل الواحد في وسعه أن يبني أمة إن صحت رجولته وفي وسعه أن يهدمها؛

كذلك إذا توجهت هذه الرجولة إلى ناحية الهدم لا ناحية البناء ويقول في موضع آخر: تحتاج الأمم الناهضة إلى القوة وطبع أبنائها بطابع الجندية ولا سيما في هذه العصور التي لا يضمن فيها السلم إلا الاستعداد للحرب والتي صار شعار أبنائها جميعا القوة أضمن طريق عنيت بذلك الأمم الحديثة فبنت نفسها على هذه القواعد؛

ورأينا أساس فاشستية موسليني ونازية هتلر وشيوعية ستالين أساس عسكريا بحتا ويؤكد البنا إعجابه بهذه الأنظمة في مذكرة رفعها إلى محمد محمود باشا رئيس الوزراء يقول فيها: يا صاحب الرفعة ليس للاتهام قيمة في هذه الأيام ولا ينفع فيها ولا يضر الكلام ولكن العمل هو كل شيء وما يضير العامل أن يتكلم عن الناس لقد أجمعت الدول على إدانة موسليني فماذا فعلتي له؟ ولقد تهكمت أوربا بهتلر حينا من الدهر نالت منه لا قيمة للكلام يا سيدي الباش والأم أمر عمل قبل كل شيء.

ويتضح من ذلك أن البنا يؤيد نظام الزعامة الفردية لكنه أبرز جانبا واحدا من النظام الفاشيستي أو النازي وترك جوانب أخرى تتعارض مع الإسلام وخاصة في النازية ذلك هو جانب العنصرية ومبدأ تفاوت الأجناس الذي وضع فيه هتلر العرب في مكانة دنيا بين هذه الأجناس.

ومن الأمور التي التقت فيها دعوة الإخوان مع النظام الفاشي النازي أخذ الجماعة بنظام القوة والتشكيلات العسكرية وقد سبق التوضيح أن ذلك من صميم دعوة الإخوان وكذا الدعوة لتوحيد القوى وإلغاء الأحزاب السياسية وتركيز الحكم في يد فرد واحد يدين له الجميع بالولاء والطاعة ونسب الإخوان هذه النظريات في الحكم إلى النظام الإسلامي.

ومن العوامل التي أدت إلى التعاطف بين الإخوان ودولتي المحور وضع الإخوان لقضية فلسطين محكا لتحديد علاقاتهم بالدول وهم في ذلك يتفقون مع بعض التيارات القومية العربية التي أيدت المحور ذلك أن فريقا من الساسة العرب كان إذا وازن بين الحلفاء وبين المحور يجد أن كلا المعسكرين يؤيد الاستعمار ويمارسه في العالم العربي ولذلك مال هذه الفريق وهو يمثل الأغلبية إلى مبدأ الحياد أما الذين بنوا علاقاتهم مع الدول الأخرى من منظور قضية فلسطين وحدها؛

فقد وجدوا أن المصالح متفقة مع المحور الذي يرفض مبدأ الوطن القومي اليهودي فضلا عن لدولة اليهودية في فلسطين ولا تخلو هذه من مبررات صحيحة ذلك لأن ألوان الاستعمار الأخرى يمكن أن تزول مع الزمن أما إنشاء دولة يهودية وسط العالم العربي والإسلامي فإنها كانت في نظر جماعة مثل الإخوان تشكل خطرا مستديما فضلا عن أنها تمس المشاعر الدينية.

وقد أتاح موقف الإخوان ومعها جماعة مصر الفتاة المعادي للإنجليزي وموقف دول المحور من القضية الفلسطينية الظروف للدعاية المحورية الأمر الذي أثار بعض الموالين للنظام الديمقراطي فقد كتب العقاد مقالا أتهم فيه الإخوان ومصر الفتاة بأنها دعوة دكتاتورية تقبض المال من أصحابها لتشن الغارة على النظام الديمقراطي ويثيرون الشعور على الدول الديمقراطية باسم الدين وباسم سوريا وفلسطين ولا يثيرون الشعور على الدول الأخرى باسم الدين وباسم ألبانيا وبرقة وطرابلس والصومال

وقال إن لم تكن هذه هي الدعوة الدكتاتورية فليس في مصر ولا في الشرق دعوة دكتاتورية ويسير علينا أن نعرف بعد ما تقدم من أين تتلقى هذه الجماعات المتدينة أزوادها ونفقاتها؟

ولماذا تتوجه بالدعوة المزيفة إلى هذه الوجهة التي لا وجهة غيرها أمام تلك الجماعات لخدمة المطامع الدكتاتورية ووصف العقاد هذه الجماعات بأنها جاسوسية ومأجورة تتوارى بالإسلام للإيقاع ببلاد الإسلام لأن نجاح الدعوة الدكتاتورية لن ينتهي إلى مصلحة المسلمين ولا إلى سيادة المسلمين وإنما ينتهي إلى ضياع بلاد المسلمين وتساءل من الذي يستفيد من إفساد علاقات مصر بحلفائها؟ ومن الذي يستفيد من تضعيف الدفاع عنها؟

وأجاب لا تستفيد بذلك الوطنية ولا يستفيد بذلك الإسلام ولا تستفيد بذلك فلسطين بل تستفيد الدول الديكتاتورية دون غيرهم ويستفيد المستغلون من وراء ذلك باسم التشنج الوطني المصطنع وباسم الحماسة الإسلامية المزجاة وباسم الجاسوسية الممقوتة والإجرام الشنيع.

وعندما قامت الحرب العالمية الثانية اتفق موقف الإخوان مع القوى المؤيدة للمحور والتي رأت عدم إعلان الحرب على ألمانيا وحلفائها لتجنيب مصر ويلاتها كما أن الإخوان قد استعانوا ببعض الألمان في تنظيم جهازهم لضرب الجيش البريطاني المتقهقر من العلمين وقد كان ذلك من أهم الأسباب التي دفعت الوفد والصحف اليسارية لمهاجمة واتهامها بالفاشيستة على أن إعجاب جماعة الإخوان وتأييدهم لهذه الأنظمة لم يكن مطلقا كما يصور البعض

فقد كان البنا يراقب مجرى الحوادث ويتفاعل بها ويستفيد منها في دعم دعوته وإذا كان قد أيد موقف هذه الدول من الدين والعداء للشيوعية فقد كان ذلك أمرا من صميم دعوته ولم يقتصر استشهاده بها في موقفها من إلغاء الأحزاب؛

حيث استشهد بذلك في بلاد أخرى وذلك لإقناع الحكومة المصرية بدعوته لإلغائها في مصر كما هاجمت الجماعة الدعاية الألمانية التي لم تتفق ومصالح مصر كدعوتها لاحتكار قناة السويس في الوقت الذي ازداد فيه دخل مصر من هذه القناة؛

وكذلك موقفها من إيطاليا الذي يتم عن علاقة طيبة في وقتي تستنكر فيه حربها في الحبشة ولبيا وحينما أراد موسليني تكوين فرقة الشباب العربي الطرابلس الفاشستي هاجمته صحيفة الإخوان بقولها: يا سينيور موسليني لك أن تفعل ما تريد وأنت في نشوة انتصارك المؤقت وكن تذكر أن هؤلاء الطرابلسيين العرب البواسل الأمجاد لن يكونوا من جنودك يوما من الأيام فهؤلاء من جنود الإسلام لا من جنود روما؛

كما أوضحت صحيفة الجماعة الفرق بين النظم العسكرية في الإسلام وعند الفاشية والنازيين فقالت إن الإسلام الذي قدس القوة هذا التقديس هو الذي آثر عليها السلم ووصف القوة في ظل هذه الأنظمة بأنها قائمة على الغدر ووصف الجماعة ما أشيع عن إسلام إيطاليا وألمانيا وتدريسهما للغة العربية في المدارس كلغة إجبارية بأنها محاولات سياسية تتستر وراءها أغراض استعمارية واسعة النطاق.

وأن ذلك ليس للعرب ولا للإسلام إنما لمواجهة المقاصد الاستعمارية والآمال والأماني تطمح إليها هذه الدول ورأت الجماعة بأن هذه فرص يجب أن يستغلها المسلمون وفي تعليق للبنا على نبأ لمراسل رويتر من أن الإخوان هيئة فاشيستية قال: إن هذا نبأ صحيح وأن التبعة في ذلك تقع على واضح نظام الكشافة وعلى القانون الدولي الذي اعترف بهذا النظام وقرره؛

ومجمل القول أن نظام الإخوان لم يكن منقولا في أي من مراحله من أي نظام غربي وأن مجرد إبداء الإعجاب مهما تزايد لا يعد دليلا على مجرد التأثر به وقد سبقت دعوة الإخوان دعوات دينية سلكت أسلوب القوة والتنظيمات السرية وقامت على الطاعة التامة لقيادتها وإذا كانت دعوة الإخوان قد صادفت من حيث النشأة تاريخ نشأة هذه الأنظمة والتقت معها في العداء للشيوعية والديمقراطية معا فذلك الالتقاء كان وليد الظروف.

الفصل الرابع:الإخوان المسلمون والقوى السياسي

بعد أن أوضحنا النهج السياسي والفكري لجماعة الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية الأخرى في الفصلين السابقين، ننتقل إلى توضيح علاقة هذه الجماعة انطلاقا من هذا المنهج بالقوى السياسية الممثلة في الإنجليز والقصر ومجموعة الأحزاب البرلمانية وهي الوفد والأحرار الدستوريين والحزب الوطني وبقية الأحزاب الصغيرة التي أطلق عليها أحزاب الأقلية ثم التجمعات غير البرلمانية وهي مصر الفتاة والضباط الأحرار.

الإخوان والإنجليز

من المعروف أن جماعة الإخوان قد اتجه نشاطها في المراحل الأولى إلى الإصلاح الديني والاجتماعي وكان من الطبيعي بعد أن دخلت المعترك السياسي أن تدلي بدلوها في القضية الوطنية فلم تجد حرجا في مهاجمة الاحتلال البريطاني فقد رأت في مظاهر التدهور في مصر في كافة نواحيها ترجع إلى تدبير الإنجليز؛

وأن سياستهم في ذلك تنبع من كره دفين للإسلام والحضارة الإسلامية فأسرفت انجلترا في الترويج لمذاهب الشك والإلحاد ومحاولة مسخ التاريخ المصري والإسلامي حتى لا يجد المسلمون في تاريخهم ما يدفعهم إلى الاعتزاز والرفعة فضلا عن محاولة تأكيد فصل الدين عن الدول وتصوير الإسلام بصورة الدين الروحي والتعبدي وشغل الناس بأوهام الصوفية وخلافات البيزنطيين وأساليب التواكل والذلة وطاعة الحاكمين والمستعمرين.

بل إن الجماعة لم تقف عند حد إعلان العداء عليهم في مصر بل تعدته إلى محاولة إثارة العرب والمسلمين ضدهم حيث اعتبرتهم أي الإنجليز وغيرهم من دول الغرب الاستعمارية العدو الأول للعرب والمسلمين وأنهم رأس البلاء ومصدر الشقاء وأنه لن يعود للإسلام مجده ولن تقوم للعرب قائمة إلا إذا تحررت الشعوب الإسلامية وعلى أن الفرقة بين معارضة الاحتلال عند الإخوان وبين الأحزاب السياسية الأخرى هو أن الإخوان اعتبروا ذلك جزءا من الجهاد لأنه أي الاستعمار كالكفر ملة واحدة وشر واحد؛

كما أن الإخوان لم يركزوا على قضية الجلاء بالنسبة لمصر وحدها بل كانوا يربطون بين الاحتلال البريطاني في مصر وبين الاستعمار في العالمي الإسلامي على مختلف أشكاله وجنسياته؛

وكانت خطتهم تهدف إلى توحيد الجهود فالاستعمار الإنجليزي في مصر والسودان والعراق وشرق الأردن والإيطالي في ليبيا والاستعمار الفرنسي والأسباني في تونس والجزائر ومراكش والهولندي في أندونيسيا كل ذلك لون واحد من العذاب وهم واحد نزل بساحة العرب والمسلمين فاستذلهم بعد عزة وأضعفهم بعد قوة وفرقهم بعد وحدة وأفقرهم بعد غنى وجهلهم بعد علم وأمرضهم بعد صحة ودنسهم بعد طهر وعفة.

وعن الاستعمار الإنجليزي كانت ترى أن الذين يحكمون في العراق هم الإنجليز والذين خانوا في فلسطين هم الإنجليز والذين يوقدون نار الخلاف بين الباكستان وأفغانستان هم الإنجليز والذين كانوا يعارضون في تأميم البترول في إيران هم الإنجليز والذي يجعل عزام باشا يبكي ولا يعمل والذي يجعل النحاس باشا يتحرك ثم يسكن ويتحمس ثم يفتر والذي يجعل ممثلي دول الجامعة العربية يجتمعون ثم يتفرقون على لا شيء إلا مذكرة هزيلة من أجل مراكش هم الإنجليز؛

وأن الذين يهدرون الحقوق الوطنية ويسوفون في الجلاء عن مصر ويهدفون إلى حل جماعة الإخوان المسلمين هم الإنجليز وفي أعقاب توقيع معاهدة سنة 1936 التي اعتبرت فيها الأحزاب الموقعة على المعاهدة أن الإنجليز حلفاء وأصدقاء دعت الجماعة إلى وجوب تصحيح ذلك المفهوم لدى جماهير المصريين واعتبارهم أعداء ومحتلين وأن لا سبيل لإخراجهم إلا السلاح.

ومع بداية الحرب العالمية الثانية أخذت جماعة الإخوان وبقية الهيئات والجماعات الإسلامية جانب العداء للإنجليز متفقة بذلك مع ميول القصر التي عبرت عنها الوزارة القائمة حينئذ وهي وزارة علي ماهر وبدأ الإنجليز يشعرون بخطر اشتراك الإخوان من القوى الموالية للمحور الأمر الذي دفع السفارة الإنجليزية لمراقبة تصرفات البنا؛

وبخاصة بعد أن تمكنوا من إقالة وزارة علي ماهر في يونيه سنة 1940 وشنت وزارة حسين سري بوحي من الإنجليز حملة ضد الجماعة صودرت فيها مجلة التعارف والشعاع الأسبوعيتان ومجلة المنار الشهرية ومنع طبع أو إعادة طبع رسائل الإخوان؛

وأغلقت مطبعتهم وحرم على الجرائد أن تذكر شيئا عنهم ومنعت اجتماعاتهم وعلى أثر قيام ثورة رشيد الكيلاني في العراق ضد الإنجليز كشف البوليس محاولة للقيام بثورة ضدهم في مصر دعا لها مجموعة من طلاب الأزهر وبخاصة العراقيين حيث وجدت عبارات لإثارة العمال إلى جانب طلاب الأزهر؛

كما ضبطت منشورات مع أحد الطلاب تحث الناس على الثورة وإعلان الجهاد ضدهم وقد وجد الإنجليزي في هذه الأعمال مبررا لكي طلب من وزارة حسين سري الحد من نشاط الإخوان واتهمت البنا بأنه يعمل لحساب إيطاليا فقامت الوزارة بنقل البنا إلى الصعيد لكي السراي عن طريق النواب الدستوريين قد مكنت من إعادته إلى القاهرة ثانيا وقد عادت بريطانيا وطلبت اعتقاله وأحمد السكري وعبد الحكيم عابدين وكثيرين وتتدخل السراي ثانيا بواسطة السعديين وربما كان ذلك لرغبة السعديين في احتوائهم وتم الإفراج عنهم بعد أيام .

وقد أدرك الإنجليز دور القصر في الوقوف بجانب الإخوان الذين كانوا يزدادون قوة وأن في ذلك تدعما للدعاية للمحور وكان ذلك من الأسباب الهامة التي أدت إلى حادث 4 فبراير سنة 1942 والمجيء بوزارة وفدية معادية للسراي يأمن الإنجليزي جانبها ويتولى أحمد ماهر رئاسة الوزارة عند نهاية الحرب واعتقل قيادات الإخوان لمعارضتهم له في سياسته الرامية لإدخال مصر في الحرب وإعلان الحرب على المحور، ولم يفر الإخوان لذلك من دائرة الاتهام في التدبير لقتل أحمد ماهر.

وعقب انتهاء الحرب العالمية الثانية كانت جماعة الإخوان في مقدمة القوى المطالبة بالجلاء فاشتركوا في المظاهرات وطالبوا بإعداد الجماهير للكفاح المسلح ضد الإنجليز ومن أجل ذلك أيدوا المفاوضات التي كانوا يدركون عدم جدواها ثم عادوا وعارضوها ووصفوا الذين يسيرون في طريقها من زاوية الثقة بنوايا الإنجليزي بأنهم مخدوعون كما وصفوا سياسة الإنجليزي بأنها تقوم على الغدر والخداع.

على أنه إذا كان هناك ما يدعو للتأكيد بأن الإخوان قد اصطدموا أبرز العناصر المعادية له وهناك شواهد كثيرة على وجود اتصالات بين زعماء الإخوان وبين الإنجليزي وإن كان هذا لا يغني بالضرورة التعاون بين الفريقين وأكثر ما يرد في هذا المجال يتردد في صحف اليسار؛

فقد نقلت صحيفة الجماهير على لسان الدكتور إبراهيم حسن وكيل الجماعة بعد فصله منها سنة 1947 أن البنا ومعه أحمد السكري كانا على اتصال بالمستر كلايتون وغيره من أعضاء السفارة الإنجليزية في مصر لدراسة المصالح المشتركة بينهم وبين الإنجليز وبدأت هذه الاتصالات سنة 1941؛

واستمر البنا في صلته بهم وخاصة المستر كلايتون الذي كان ملما باللغة العربية وأن السفارة الإنجليزية قد اتصلت به عند وقوع حادث 4 فبراير سنة 1943 وعلى أثر زيارة عبد الحكيم عابدين سكرتير عام الجماعة لشرق الأردن في صيف سنة 1947 بناء على دعوة من الملك عبد الله علقت صحيفة الجماهير على ذلك بأن الغرض من الزيارة هو إجراء اتصالات مع البريطانيين.

على أن الجماعة ظلت على عدائها للإنجليزي وقد وضع البنا دعاء يتلي عقب كل صلاة يبين منه مدى هذا العداء اللهم رب العالمين وأمان الخائفين ومذل المتكبرين وقاصم الجبارين تقبل دعائنا وأجب نداءنا وأنلنا حقنا ورد علينا حريتنا واستقلالنا اللهم إن هؤلاء الغاصبين من البريطانيين قد احتلوا أرضنا وجحدوا حقنا وطغوا في البلاد وأكثروا فيها الفساد اللهم فرد عنا كيدهم وفرق جمعهم وخذهم ومن ناصرهم أو أعانهم أو هادنهم أخذ عزيز مقتدر اللهم واجعل الدائرة عليهم وسق الوبال عليهم وأذل دولتهم وأذهب عن أرضك سلطانهم ولا تدع لهم سبيلا على أحد من المؤمنين.

الإخوان والقصر

كان اتصال الإخوان المسلمين بالقصر هو بداية اتصالها بالقوى السياسية ومن هنا يعتبر مشابها لتيار علماء الأزهر الذين لوحوا بالخلافة للملك فؤاد، فعلى الرغم من أنها لم تلوح بها إلى الملك فؤاد حيث كانت مازالت في بدايتها إلا أنها نادت بها لفاروق في محاولة استغلال ما بدا من ميل لديه للدين لصالح دعوتها.

وعن بداية هذه العلاقة يذكر الشيخ البنا في مذكراته أنه فترة وجود الجماعة بالإسماعيلية وشيء به البعض لدى السلطات واتهموه بالسب في الذات الملكية وثبت من التحقيق بطلان التهمة وأن البنا كان يملي على طلبته موضوعات يثني فيها على الملك ويعدد مآثره؛

كما أنه دفع العمال يوم مرور الملك بالإسماعيلية إلى تحيته وقال لهم لازم تذهبوا إلى الأرصفة وتحيوا الملك حتى يفهم الأجانب في هذا البلد أننا نحترم ملكنا ونحبه فيزد احترامنا عندهم وكان ذلك دافعا لأن يكتب أحد رجال البولي تقريرا بهذه المناسبة يقترح فيه تشجيع الحكومة للجماعة وتعميم فروعها في البلاد لأن في ذلك خدمة للأمن والإصلاح.

وأمام ازدياد نشاط المبشرين رفع الجماعة خطابا إلى الملك فؤاد سنة 1933 تطلب فيه وضع حد لهذا النشاط واختتمت نداءها بكلمة لا زلتم للإسلام ذخرا وللمسلمين حصنا وعندما مات فؤاد رثته صحيفة الإخوان بمقال كان الغرض من ورائه هو جب عطف ولي عهده الملك الجديد فاروق الذي كان يتولى رايته رجل ديني هو الشيخ المراغي على أسلوب الجماعة ودعوته للتمسك بالتقاليد الإسلامية التي كان كما ذكر المقال يتحلى بها والده كما وزالت الصحيفة نشر عدة مقالات تدور حول هذا الغرض تصف فيها فاروق بسمو النفس وعلو الهمة وأداء فرائض الله واتباع أوامره واجتناب نواهيه وبالمربي والأستاذ والمثل الأعلى؛

وكتب البنا يقول إن 300 مليون مسلم في العالم تهفو أرواحهم إلى الملك الفاضل الذي يبايعهم على أن يكون حاميا للمصحف فيبايعونه على أن يموتوا بين يديه جنودا للمصحف وأكبر الظن أن الله قد اختار لهذه الهداية العامة الفاروق فعلي بركة الله يا جلالة الملك ومن وراءك أخلص جنودك

وفي التاسع والعشرين من يوليو 1937 انتهت الوصاية على فاروق حيث بلغت سنة ثمانية عشر عاما قمرية وأصبح ملكا رسميا على البلاد وعقد الإخوان مؤتمرهم الرابع للاحتفال بهذه الذكرى وحشدوا عشرين ألفا أو يزيد تشاركهم جماعة الشبان المسلمين من فرق الرحالة الجوالة ووفود شعبهم في الأقاليم وهتفوا بمبايعتهم للملك المعظم مع هتافات إسلامية ولم يحدث ما يعكر صفو المظاهرات؛

ويبدو أن هذه الأمور قد لقيت استحسانا عند الملك الشاب بتزكية من المقربين إليه والممثلين في المراغي وعلي ماهر يتضح ذلك من اقتراح الأمير محمد على إقامة حفل ديني بهذه المناسبة وقد أيدت صحيفة البلاغ هذه الدعوة حيث رأت أن من فوائدها تثبيت مكانة مصر في البلاد الإسلامية وهي مكانة نحب أن نرى وزرائنا حريصين عليها متمسكين بأهدابها ساعين إلى تقويتها لمصلحة مصر والإسلام؛

ومن الواضح أن المقربين من الملك قد أقنعوه بإمكانية الاعتماد على الجماعات الدينية والجماعات المعادية للوفد كمصر الفتاة التي تطورت تطورا سريعا بشكل ينافس أغلبية الوفد في الصراع التقليدي على السلطة بين القصر والوفد؛

وكان ذلك هو السبب الذي دفع مصطفى النحاس زعيم الوفد إلى الاعتراض على هذه الحفلة بحجة أن ذلك إقحام للدين فيما ليس من شئون وأن قبول الملك البيعة من الجماعات الدينية يعني أنه يتلقى سلطته أو بعضها من غير البرلمان وخرجت مظاهرات وفدية تهتف الشعب مع النحاس فرد عليها الإخوان بمظاهرات تهتف الله مع الملك.

وجاء زواج الملك سنة 1938 ليحدث ما يعكر صفو العلاقات بين جماعة الإخوان والملك فقد اعتكفت عن المشاركة في حفل الزواج لما حدث به من اختلاط ورقص وخمور في وقت ينادونه فيه بأمير المؤمنين وألقت اللوم في ذلك على الشيخ المراغي وطالبته بالحرص على اللقب وحض الملك والحكومة على تطبيق شريعة الإسلامي لكن الجماعة مع ذلك أعلنت عن عدم تخليها عن تأييد الملك والسعي معه لتحقيق أمنية الخلافة.

وقد بدت من فاروق عدة مظاهر فسرت بمساعيه للخلافة كان من أهمها دعوة الزعماء العرب الذين جاءوا للقاهرة لحضور مؤتمر فلسطين وخاطبته الشعوب الإسلامية في الراديو بمناسبة شهر رمضان وإرساله لرئيس ديوانه علي ماهر إلى لندن لحضور مؤتمر فلسطين وإمامته للناس في صلاة الجمعة في يوم كان فيه ولي عهد كل من الحجاز واليمن، وهتف الناس عقب الصلاة به خليفة للمسلمين وقد لقيت هذه المظاهر ترحيبا لدى كل من جماعة الإخوان ومصر الفتاة.

أما عن المحيطين بالملك والذين كان على رأسهم علي ماهر وعبد الرحمن عزام فكانوا يهدفون إلى تقوية السراي باستقطاب هذه القوى المضادة للوفد وليكسبا منها دعما لهما في ميدان الدعوة للفكرة العربية والتي لم تكن لتتنافى وفكر هذه الجماعات وقد استغل البنا هذه الميول وسار في طريق تقوية جماعته ونشرت جريدة الإخوان في هذه الفترة عدة مقالات لكتاب تابعين لديوان الملك وقد لقب أحدهم نفسه بالمحرر العربي بالديوان الملكي الإسلامي.

وأثناء وجود علي ماهر في مؤتمر لندن تمكن البنداري من تأكيد مركزه في الديوان الملكي بتأييد من جماعة مصر الفتاة وقد وقفت جماعة الإخوان مع علي ماهر في صراعه مع البنداري وكان انتصار علي ماهر انتصارا للإخوان وهزيمة لمصر الفتاة؛

وكان تولي علي ماهر لرئاسة الوزارة تتويجا لهذا الانتصار فقد نعم الإخوان بعديد من الامتيازات وحرية الحركة والتوسع في ظل هذه الوزارة الأمر الذي دفعهم لأن يعرضوا على علي ماهر إمكانية اشتراكهم في أعمال الجيش المرابط والشئون الاجتماعية وهما المنصبان اللذان استحدثهما علي ماهر في وزارته؛

وكان الإخوان قريبي عهد بالخروج إلى المعترك السياسي فدعوا إلى إلغاء الأحزاب السياسية واستعدوا لخصومتها لكنهم في الوقت نفسه أكدوا استمرار علاقتهم بالقصر الذي لقي في دعوتهم استحسانا لما ستؤدي إليه من توسع سلطانه فتنشر جريدة النذير في عددها الأول ما يؤكد ذلك حيث يقول البنا في نهاية المقال الافتتاحي وإن لنا في جلالة الملك المسلم أيده الله أملا محققا.

وكان من الطبيعي أن تثير هذه الأمور حفيظة الأحزاب السياسية وعلى رأسها الوفد حيث اعتبروا أن موقف الإخوان كان دفاعا لفاروق للاعتداء على الدستور والذي بدا في التعديل الوزاري في وزارة محمد محمود وكلك بإعلان فاروق في الإذاعة بمناسبة عيد الهجرة توليه لزمان الأمور وقد كتب العقاد مقالا في جريدة الدستور قال فيه إن الاعتداء على الدستور والديمقراطية هي عمالة من جانب جماعات دينية للمحور والقصر وأن ذلك هدم للإسلام.

واستمرت جماعة الإخوان في محاولة استغلال ما يبدو في سياستها من ولاء للقصر في محاولة لتحقيق بعض أهدافها ففي الوقت الذي تظهر فيه العداء للوفد لاعتراضه على تخليد ذكرى الملك فؤاد، وكذلك في تأييدها فكرة وقف الدستور والبرلمان وهو أمر يتفق وسياستها وكذلك في اشتراكها بجوالتها في استقبال الملك على محطات القطار لتحيه نجدها تعترض على اشتراك الجيش الإنجليزي مع الجيش المصري في الاحتفال بمقدم مولود للملك وتهاجم قيادة الجيش وتنتقد المظاهر التي تتنافى مع تعاليم الإسلام وتطالب الملك بإلغائها.

وقد سبقت الإشارة إلى تأييد الإخوان لموقف القصر وعلي ماهر في عدم اشتراك مصر في الحرب الثانية وكذلك في الميل تجاه المحور وكذلك موقف السراي إلى جانب البنا في السعي لإعادته إلى القاهرة بعد أن نقلته وزارة حسين سري بوحي من الإنجليز إلى الصعيد فضلا عن تدخلها للإفراج عنه ووكيله بعد اعتقالها سنة 1941؛

وفي الوقت الذي واجهت فيه الجماعة هذه المحنة في ظل هذه الوزارة كان علي ماهر قد أبعد عن القصر وعزام باشا فصل من منصبه وعزيز المصري أحيل للتقاعد، ويدل ذلك على أن بريطانيا كانت وراء هذه الأحداث لإضعاف الجناح الموالي للمحور كما يدل على أنه كان هناك توافق بين سياسة الإخوان وهؤلاء ورغم هذه الضغوط من جانب بريطانيا؛

فقد استمرت علاقة الإخوان بالقصر على ما هي عليه فتنشر مجلة الإخوان المسلمين التي أعيد نشرها في أغسطس 1942 صورة الملك على غلاف عددها الأول وتنشر في عددها الثاني نبأ عن ذهاب وفد من الجماعة إلى الملك على رأسه المرشد العام ليقدم العدد الأول من المجلة إلى صاحب الجلالة الملك المحبوب أيده الله وكررت المجلة نشر صورة فاروق بلحيته وإلى جانبه شيخ الأزهر .

وسارت جماعة شباب محمد المنشقة في نفس تيار الإخوان من حيث العلاقة بالقصر فنشرت جريدة النذير لسان حال هذه الجماعة بمناسبة الاحتفال بذكرى الفاروق عمر بن الخطاب ما يعتبر عن أملها في أن يعيد الفاروق الملك عهد ابن الخطاب ولقبته بأمير المؤمنين كما دعت الجماعة الملك لحل الأحزاب السياسية وفرض الزكاة وإقامة الحدود الشرعية وإعادة المرأة إلى البيت وجعل التعليم الديني أساسا للتربية.

ويبدو أني البنا بهذه السياسة كان بهدف إلى تجنيب جماعته أي عمل عدائي من قبل القصر كما أنه كان يهدف إلى تحقيق بعض أهدافه المرحلية الأمر الذي يدل عليه عدم توضيحه لأبعاد وتفاصيل نظام الحكم الإسلامي الذي تهدف إليه جماعته؛

والذي كان يثير الريبة لدى الملك كما أدرك الملك أن الإخوان يستغلون تقربهم إليه لتحقيق أهدافهم وأنهم يخدعونه وتؤكد رواية السادات عن يوسف رشاد الذي حاول تصفية العلاقة بين الملك والبنا ونقله أي يوسف رشاد للملك ما يؤكد إخلاص البنا له فعلق الملك على ذلك بقوله لقد خدعك حسن البنا.


وعن علاقة الإخوان بالملك بعد الحرب الثانية يقول البنا في رسالته نحو النور والآن وقد وضع النضال السياسي أو زاره إلى حين وأصبحتم تستقبلون بالأمة عهدا جديدا فإنكم سترون أمامكم طريقين كل منهما يهيب بكم أن توجهوا الأمة وجهته وتسلكوا بها سبيله ولكن منهما خواصه ومميزاته وأثاره ونتائجه ودعاته ومروجوه؛

فأما الأول فطريق الإسلامي وأصوله وقواعده وحضارته ومدنيته وأما الثاني فطريق الغرب ومظاهر حياته ونظمها ومناهجها وعقيدتنا أن الطريق الأول طريق الإسلام وقواعده وأصوله هو الطريق الوحيد الذي يجب أن يسلك وأن توجه إليه الأمة الحاضرة والمستقبلة وفي الوقت الذي استمر فيه علاقة الإخوان بالقصر الأمر الذي يدل عليه احتفالهم بعيد جلوسه لقيت سياستهم تجاه حكومتي صدقي والنقراشي استحسانا لدى القصر فيدعي البنا لأول مرة على وليمة ملكية في القصر.

على أن هذه العلاقة الحسنة لم تستمر طويلا بعد الحرب حيث كان الملك يدرك دهاء البنا قد كان فاروق أحرص على ملكه من أن يترك هذه الجماعة تقوى حتى تصبح خطرا عليه وكان من الواضح أن فاروق قد حسن علاقته بهم كي يضرب بهم الوفديين لما لهم من شعبية تنافس شعبية الوفدي؛

فلما رأى الإخوان يكسبون شعبية ويملكون قوة عسكرية خاصة بهم أخذت العلاقات تتوتر بين الفريقين وبلغ التوتر ذروته أثناء حرب فلسطين وما ظهر خلالها من أن للإخوان قوة عسكرية يخشى بأسها لذلك أيد سياسة النقراشي الرامية إلى حلهم كما أعرب عن ارتياحه لاغتيال الشيخ حسن البنا.

الإخوان والأحزاب البرلمانية

على الرغم من أن الاتجاه العام لجماعة الإخوان المسلمين كان لا يتمشى مع دستور سنة 1923 إلا أنهم أرادوا أن يوفقوا بين المبادئ العامة التي جاء بها هذا الدستور وبين المبادئ الإسلامية قائلين بوجود تطابق بين هذه المبادئ وبين روح الدستور وليس في تفاصيله

فيقول البنا إن مبادئ الحكم الدستوري تنطبق انطباقا كاملا على تعاليم الإسلام ونظمه وقواعده في شكل الحكم لكونهما يهدفان إلى المحافظة على الحرية الشخصية بكل أنواعها وعلى الشورى واستمداد السلطة من الأمة وعلى مسئولية الحكام أمام الشعب ومحاسبتهم على ما يعملون من أعمال وبيان حدود كل سلطة من السلطات .

وأن نظام الحكم الدستوري هو أقرب نظم الحكم القائمة في العالم كله إلى الإسلام وهم لا يعدلون به نظاما آخر ومع ذلك فقد أعلن الإخوان اعتراضهم على نصوص الدستور المصري لأنها كانت في نظرهم غامضة مبهمة تحتاج إلى وضوح وتحديد وبيان وكذلك طريقة تنفيذه التي جنت منها الأمة الأضرار لا المنافع وأنها في حاجة إلى تحوير وتعديل يحقق المقصود ويفي بالغاية.

وكذلك فقد شمل اعتراضهم القانون الوضعي فأعلنوا أنهم لا يوافقون عليه ولا يرضونه بحال وسيعملون بكل سبيل على أ، يحل محله التشريع الإسلامي وفسروا ذلك بأن هذا القانون يصطدم بتعاليم الدين بل ويصطدم بالدستور الوضعي نفسه الذي قرر أن دين الدولة هو الإسلام

وضرب البنا مثلا على ذلك الصدام بأن الإسلام يحرم الزنا والربا والخمور وهي أمور يبيحها هذا القانون فهل يطيع المسلم الرسول صلى الله عليه وسلم أم يطيع قانون الحكومة ويرى البعض في ذلك أن الإخوان قد فهموا من نص الدستور الذي يقر أن دين الدولة هو الإسلام فهما خاصا يلزم بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية وهذا ليس صحيحا؛

كما أن البعض الآخر كان يرى أن المسلم بإمكانه أن يمتنع إذا آمن بدينه عن المحرمات حتى ولو كان القانون السائد يبيحها وأنه يقبل عليها إذا ضعف إيمانه ولو حرمها القانون لكن الإخوان كانوا يرون ضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية حتى يكون في حدودها زجر للنفوس الضعيفة فتحقق التكامل بين إيمان الفرد وشريعة الدولة.

أما عن موقفهم أي الإخوان من الحياة النيابية فقالوا إنهم لا يعترضون على حكم الشورى النيابي من حيث فإن الإسلام قد وضع الأساس للشورى وللتناصح ولحرية الرأي ولسلطة الأمة ولتبعة الحكام وهي أركان الدساتير العصرية؛

ولكن الذي نعترض عليه هذه الشكليات الفارغة التقليدية التي جربناها عشرين عاما فلم نجد منها إلا الفرقة والخلاف نريد تعديلات في النصوص توفق بين تعاليم الإسلام وما نحن عليه وتخلصنا من هذا البلاء الداهم الذي وقعنا فيه من جراء تقليد الغرب من غير تبصر ولا تقدير لعواقب الأمور نسأل الفقهاء الدستورين هلا يكون المعنى النيابي قائما صحيحا إذا وضع للانتخابات ولمحاسبة الحكام غير هذه الحزبية المفرقة ووضع للبرلمان نظام غير المجلسين؟

وهل البلاد التي فيها الأحزاب والمجالس وتغيير نظام الانتخاب ليست بلادا دستورية نيابية وسنسألهم أيضا: هل لو عدلنا المادة الثانية في الدستور المصري مادة حرية الاعتقاد فأضفنا إلى ذلك ما أضفناه لمادة حرية الرأي من أن ذلك مقيد بالقوانين والنظم الموضوعة حتى يخرج منها المرتد فهلا يكون محميا بالدستور هل إذا فعلنا ذلك يكون ذلك تغييرا لنظام الحكم النيابي وقلبا له؟

وبذلك حدد الإخوان موقفهم من الدستور والقانون والحياة النيابية فحينما عرض الإخوان مطالبهم الخمسين كمناهج للإصلاح سنة 1937 طالبوا بعد القضاء على الحزبية بإصلاح القانون حتى يتفق مع التشريع الإسلامي وخصوصا في الجنايات والحدود وأعلنوا أنهم سيظلون يطالبون بذلك حتى يتحقق أو يموتوا دونه ووصفت النذير الدستور المصري بأنه ثوب أجنبي لا ثوب فضفاض وأنه لا يناسب عادات وتقاليد المصريين ولا ينسجم مع ميولهم ..

وطالبوا باقتباس نظام دستور غيره من الإسلام وأرجعوا ذلك إلى أسلوب التطبيق في مصر حيث إن مطبقته ليسوا جادين في الالتزام بما نص عليه في المادة (149) والتي تنص على أن دين الدولة هو الإسلام وأنهم بذلك يعبثون ويلهون ويخدعون الشعب بمثل هذا النص؛

وبالتالي فإن مهمتهم هي إيقاظ الفكرة الإسلامية النائمة في نفس الشعب المسلم حتى يعرف حقه ويحرص على دينه وعلى إرادته على حكامه فينزلون عليها ولا يجدون مناصا من تحقيقها فيكون الدين الرسمي للدولة هو الإسلام وحينما وعد رئيس الوزراء محمد محمود باشا نقابة المحامين بالنظر في إعلان الشريعة الإسلامية قالت النذير إن الشريعة الإسلامية لا تحتل المقام الأول عنده وأن الوزراء أقرب الناس إلى الفساد وبالتالي اعتبرت وعده كلاما لا عملا؛

وعارض البنا وجود عنصر أجنبي وهو المستر لامبير في لجنة تعديل القانون وأيدت الإخوان الآراء المطالبة بوضع عنصر أزهري وأكدت أن الشريعة الإسلامية لن تضير الأجانب وحتى إذا لم ينل ذلك رضاهم فلا يجب أن يغير من شريعتنا شيء.

ورغم اعتراف الجماعة بأن الدستور المصري ثوب أجنبي فقد أعربت عنه أنها لا تنكر الاحترام الواجب له باعتباره نظام الحكم المقرر في مصر ولا أن تحاول الطعن عليه أو إثارة الناس ضده وحضهم على كراهيته وما كان لها أن تفعل ذلك وهي جماعة مؤمنة مخلصة تعلم أن إهاجة العامة ثورة وأن الثورة فتنة وأن كل فتنة في النار؛

ولكنها أعلنت أنها ستسعى بالطريقة لإلغاء البغاء وإغلاق حانات الخمور ومحال الميسر وغيرها من كل ما يحرمه الشرع الحنيف ولم يكن موقف الإخوان من الدستور مناورة تتقي بها خصومة الأحزاب السياسية حيث كان عداؤهم ونقدهم لهذه الأحزاب في الحكم وخارجه واضحا كما سنوضح فيما بعد؛

وإنما كان أسلوب علاج مرحلي يصل بالدستور إلى روحه السليم الذي أعلنوا أنه لا يتعارض وروح النظام الإسلامي ولهذا قرر الإخوان في المؤتمر السادس المنعقد في القاهرة سنة 1361 هـ اشتراكهم في انتخابات مجلس النواب حيث اعتبروا أن البرلمان ليس وقفا على أصوات دعاة السياسة الحزبية لكنه منبر الأمة يسمع فيه كل فكرة صالحة ويصدر عنه كل توجيه سليم يعبر عن رغبات الشعب أو يؤدي إلى توجيهه توجيها صالحا نافعا؛

وأنه لا يجب أن يخفت صوت دعوتهم في وقت تعلو فيه الأصوات حيث لا قيام للباطل إلا في غفلة الحق وبذلك نستطيع القول إن سلوك الإخوان العملي كان ينم عن عدم الرضا عن الدستور فضلا عن رفضهم للنظام البرلماني والقانون الوضعي والحياة الحزبية.

وننتقل إلى علاقة الجماعة بالأحزاب البرلمانية ونقصد بها الوفديين الدستوريين السعديين الكتلة والحزب الوطني فتحتل الخصومة بين الإخوان والوفد صدارة الصراع الذي قام بين هذه الجماعة والأحزاب السياسية في مصر؛

وينحصر جوهر هذا الصراع في عدة نقاط هي:

أولا: إن الوفد والأحزاب البرلمانية المتفرعة عنه قام لتطبيق تجربة النظام الديمقراطي الليبرالي وهو النظام الذي عارضته كافة الجماعات الإسلامية والقوى الدينية وعلى رأسها جماعة الإخوان وتحمل النظام ومطبقية مسئولية الفساد العام الذي حل بالمجتمع المصري سنة 1919 وما بعدها؛
واعتبرتهم زعماء خلقتهم الظروف أرادوا أن يستعجلوا النتائج قبل الوسائل وخدعتهم غرارتهم بقيادة الشعوب ومكائد السياسة فظنوا السراب ماء وجروا وراءه حتى إذا جاءوه لم يجدوا شيئا بعد إنفاق الجهد وتضحية الوقت وفناء الزاد فاضطروا إلى الرجوع من حيث بدءوا وتقهقروا ولم يتقدموا وخسروا ولم يربحوا وبالتالي لم تعر أي اهتمام للمكاسب الدستورية التي ناضلت من أجلها هذه الأحزاب.
ثانيا: إن الوفدي والأحرار الدستوريين قد أيدوا الدعوة للقومية المصرية دون العربية أو الإسلامية وهو التيار الذي تصدت له الهيئات والجماعات الإسلامية.
ثالثا: إن الإخوان مع إيمانهم بالدستور والحياة النيابية كانوا يؤمنون بنظام الحزب الواحد في ذلك الوقت وبالتالي كان أول مطلب من مطالبهم من أجل الإصلاح هو إلغاء الأحزاب لتوحيد الجهود وإذا كان ذلك المطلب قد التقى مع رغبة السراي والقوى المعادية للوفد؛
بل وكان من أهم وعوامل التقارب بين الجماعة والقصر وهذه القوى إلا أنه مطلب نابع من مبادئ الجماعة التي أيدت النظام الديمقراطي واقتصر هجومها على التجربة الديمقراطية في مصر حينئذ لما تخللها من ثغرات في الدستور والتطبيق كما أن عداءها لم يكن موجها للوفد بعينه بل إلى كافة الأحزاب السياسية

وقد رد حسن البنا على ذلك بقوله:

يظنه رجال بعض الأحزاب أننا إنما نقصد بهذه التعاليم هدم حزبهم خدمة لغيره من الأحزاب وجريا وراء منفعة خاصة، وليس أدل على خطأ هذه النظرة من أن هذا الوهم قد سرى إلى نفوس الأحزاب جميعا فكثير من رجال الوفد يتهم الإخوان المسلمين بأنهم يعملون لمحاربته وبأنه هو وحده المقصود بهذه النعوت والأوصاف وبأن الإخوان إنما يحملون النسا على محاربته والانفضاض عنه ..

وبأنهم إنما يقصدون بذلك خدمة الحكومة وتقوية الأحزاب الممثلة فيها في الوقت الذي نسمع فيه هذه التهمة بعينها من أحزاب الحكومة أيضا فهل هناك دليل أصدق من هذا على أن الإخوان يقفون من الجميع موقفا واحدا يصدرون فيه عن عقيدتهم ويعملون فيه بوحي من ضمائرهم وإيمانهم ومن هنا ينبغي تفسير ما تشير إليه بعض الكتب من أن الإخوان قد بدأ تأييدهم لإلغاء وزارة صدقي الأولى للدستور من مطلق موقفهم من الدستور الذي يدافع عنه الوفد لا من الوفد كحزب.

وعلى العموم فقد بدأ الجماعة علاقتها المهادنة بحكومات الوفد سنة 1936 حينما أملت أن تقوم حكومة النحاس بوقف مشروع ترجمة القرآن الذي بدأته وزارة علي ماهر السابقة لها كما طالبت الحكومة الوفدية يجعل التعليم الديني أساسا لمناهج التعليم؛

وكان أول لوم من جانب الجماعة للوفد على أثر تصريحي النحاس باشا لوكالة الأناضلول التلغرافية بالقاهرة والتي أبدى فيها إعجابه بكمال أتاتورك وطالبته الجماعة بإصدار تصريح آخر يعدل فيه عن هذا الإعجاب وأتبعت الجماعة ذلك بهجوم على الوفد على أثر التوقيع على معاهدة سنة 1936؛

وأعربت صحيفة الجماعة عن رغبتها في تعديل بل تبديل هذه المعاهدة وقالوا إن الوفد بهذه المعاهدة قد خدع المصرين وأن مصر لم تستقل حقيقة وأن على أبنائها أن يجاهدوا من أجل استقلال حقيقي كما هاجمت الجماعة حزب الوفد حينما اعترض قادته على تطبيق الشريعة الإسلامية لأنها لا ترضى الأجانب؛

وأن المطالبة بها في هذا الوقت تعويق لسير مؤتمر إلغاء الامتيازات الأجنبية واحتدت الجماعة في هجومها على الوفد حينما طالب مصطفى النحاس الأمة بمزيد من التضحية لمواجهة أحداث المستقبل فطالبته الجماعة بتحديد موضع التضحية قبل المطالبة بها وقالت إن التضحية إذا كانت ستبذل في الخصومة الحزبية فهي جريمة وتصبح في صالح الاحتلال.

كما أن الجماعة قد وقفت بجانب السراي حينما هاجمها رئيس الوفد أثناء وزارة محمد محمود مما جلب عليها حملة شديدة قامت بها جريدة الوفد المصري وفجرت قضية تعتبر من أهم ملامح الخلاف بن الوفد والجماعة تلك هي قضية الفصل بين الدين والدولة وأن الدين لا حق له في الدخول في السياسة؛

وشملت الجريدة بهجومها شيخ الأزهر المراغي واتهمته بأنه بإدخاله الدين في السياسة لا يفهم شيئا من أمور الدين ولا يراعي وجود الأقباط ويريد تفريق كلمة الأمة وقد ردت جريدة الإخوان النذير على هذه الحملة ووصفت زعماء الوفدي بأقذع الأوصاف التي يصورها بيت من الشعر جاء في مقال رئيس تحرير الجريدة.

قوم إذا صفع النعال وجوههم
شكت النعال لأي ذنب تصفع

وكانت هذه المعركة الصحفية إعلانا بعدم إمكانية حدوث صلح بين الفريقين وإن كان البنا بدهائه قد حاول تهدئة الموقف بإعلن استنكاره لمقال رئيس تحرير جريدته تعمد نشر ذلك الاستنكار في العدد التالي وسار البنا في طريق تهدئة الموقف مع الوفد حينما أعرب عن شكره على قراري الوفد الخاصين بفلسطين وأعرب في نفس المقال أنه وجماعته لا يضمرون الشر لأحد وليس بينه وبين الوفد أية خصومة وقال إن الوفد بصفته حزب الأغلبية ينبغي أن ينتصر لمبادئ الإسلام.

وتعود الجماعة لتقف بجانب السراي ضد الوفد مرحبة بفكرة وقف الدستور وفض البرلمان معلنة بذلك الهجوم على الوفد وعلى رئيس الحزب السعدي الدكتور أحمد ماهر الذي أعلن أنه سينضم للنحاس إذا حدث ذلك ورفعت الجماعة مذكرة إلى رؤساء الأحزاب السياسية تطالبها بالوحدة إذا كانت جميعها متفقة على تحقيق مصلحة البلاد وأنها ستتغلب على الخصومة والخلاف إذا قبلت هذا الاقتراح؛

وقد ردت جريدة المصري على هذه الدعوة ووصفتها بأنها دعوة فاجرة إلى الخيانة وقتل شخصية الإنسان وردت جريدة النذير عليها بضرب أمثلة عن الوحدة في الحياة النيابية في عصر صدر الإسلام وتقف الجماعة مع وزارة الدستوريين برئاسة محمد محمود نفس موقفها من الوفد وهو موقف يتأرجح بين الهجوم والمهادنة يعبر عنه حسن البنا بقوله أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما وابغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما.

على أن ذلك لا ينم عن اللا مبدئية بقدر ما كان دلالة على حنكة سياسية وعلى عدم ثقة بالوعود التي أسرف فيها الوزراء والتي كانت سرعان ما تتبخر بانتهاء المواقف والأحداث ويتضح ذلك فيما نشرته جريدة الإخوان عن محمد محمود أنه كان قبل الحكم مسلما متطرفا يقسم جهد أيمانه أن لو ألقيت إليه مقاليد الأمور ليخدمن الإسلام وليرفعن شأن المسلمين..

وبعد أن تولى الوزارة خلع رداء الإسلام وخيب ظن الناس وتقرب إلى الإنجليز واليهود ووحدت الجماعة بين الدستوريين والوفد في المنهج ووصفت الزعماء في الحزبين بأنهم تربوا في أحضان الاستعمار وتعودوا الخضوع والاستسلام؛

وفي نفس الوقت الذي تمتدح فيه صحف الإخوان كلمة محمد محمود بشأن فلسطين في مؤتمر لندن تعود لتمتدح علي ماهر باشا الذي لاح في الأفق السياسي سعيه لرئاسة الحكومة مطالبة رئيس الوزراء الدستوري بالتخلي له عن الحكم وكان ذلك دافعا للحكومة أن تحاول تحديد نشاط الجماعة؛

واستمرت علاقة الجماعة بالوزارة متأرجحة بين الهجوم والمهادنة إلى أن سقطت الوزارة فودعتها صحيفة الجماعة بمقال أوضحت فيه ما لها وما عليها ولكنه أقرت أن عهدها كان فيه خير كثير للاتجاه الإسلامي على أن مما لا شك فيه أن الحكومة الدستورية قد تركت للجماعة العنان في تقوية كيانها بقصد استخدامها بطريق مباشر أو غير مباشر ضد الوفد؛

وما أدل على ذلك من أنها قد تركت جوالة الجماعة رغم صدور قانون يحرم التشكيلات شبه العسكرية أو الكشافة في وقت طبقته على كل من تشكيلات الوفد ومصر الفتاة على أن ذلك لا ينبغي أن يفهم أن عداء الجماعة للوفد كان لإرضاء الحكومة؛

ولكنه كان عداء مستمدا من مبادئها استغلته الوزارة فتركت للجماعة العنان في تقوية كيانها بقصد استخدامها بطريق مباشر أو غير مباشر ضدي الوفد وما أدل على ذلك من أنها تركت جوالة الجماعة رغم صدور قانون يحرم التشكيلات شبه العسكرية أو الكشافة في وقت طبقته لى كل من تشكيلات الوفد ومصر الفتاة..

على أن ذلك لا ينبغي أن يفهم أن عداء الجماعة للوفد كان لإرضاء الحكومة لكنه كان عداء مستمدا من مبادئها استغلته الوزارة فتركت العنان للجماعة للتعبير عن هذا العداء وكان في ذلك تقوية لمركزها كما استغلته كل من وزارة علي ماهر التي تلت وزارة محمد محمود ووزارتا حسن صبري وحين سري لصالح السراي كما سبق التوضيح.

على أنه بالرغم من توافق موقف الوفد والإخوان حول تجنب مصر ويلات الحرب وعدم إشراكها في الحرب العالمية الثانية إلا أن سياستها كانت مختلفة تمام الاختلاف فقد اشتركت جماعة الإخوان مع السراي وبعض القوى المؤيدة للمحور في وقت دعت فيه لكراهية الإنجليز..

فمهدت بذلك مع غيرها إلى حادث 4 فبراير 1942 وإذا كان نواب الوفد قد اشتركوا مع غيرهم من النواب في المطالبة بعودة البناي بعد نقله إلى الصعيد في وزارة حسن سري فإن هدفهم لم يكن مساعدة الجماعة أو مرشدها وإنما كان إحراج الحكومة

وتولى الوفد الوزارة بعد حادث 4 فبراير سنة 1942 ذلك الحادث الذي كان من أهم نتائجه تدهور قيادة الوفد للحركة الوطنية وفقده لكثر من أنصاره الذين انضم أغلبهم إلى جماعة الإخوان وقد أكد ذلك الحادث حقيقة أن معاهدة 1936 وما حملته من استقلال هو حبر على ورق وأن لبريطانيا السلطة الكاملة في مصر.

ولم تكن حكومة الوفد على استعداد للدخول في مصادمات مع خصومها وعلى رأسهم جماعة الإخوان ليس فقط لأنها قد فقدت كثيرا من أنصارها في وقت ازدادت فيه قوة هذه الجماعة ولكن لأنها قد جاءت لتهدئة الموقف الداخلي الذي كان يسعى إليه الإنجليز والذي فرضوا من أجله الحكومة الوفدية؛

وقد استغلت جماعة الإخوان هذا الموقف لتحقق كسبا جديدا سواء في الانتشار بين الجماهير الساخطة على الوفد أو في علاقتها بحكومة الوفد ذاتها فحينما قرر حسن البنا الاشتراك في الانتخابات استدعاه النحاس وطلب منه العدول عن ذلك فوافق بشروط وعد الوفد بتنفيذها؛

وقد أدى ذلك إلى هدنة بين الطرفين عبرت عنها صحيفة الإخوان بترحيبها لخطوات الحكومة لاهتمامها بمشروع فرض الزكاة ومشروع تحسين الصحة والقرار العسكري الخاص بإلغاء الدعارة ويقوم وزير وفدي ولأول مرة بزيارة للمركز العم للإخوان ويبدي رغبته في التعاون معهم؛

وبرغم أن الحكومة قد أغلقت شعب الإخوان دون المركز الرئيسي يقوم وفد من وزرائها يضم فؤاد سراج الدين وعبد الحميد عبد الحق وأحمد حمزة ومحمود سلميان غنام وصلاح الدين ومعهم مجموعة من نواب الوفد بزيارة لدار الإخوان ويعلن زعيم هذا الوفد أنه يعتبر نفسه جنديا في جيش الإخوان الجرار؛

ويقول عبد الحميد عبد الحق أنه يعتقد أن دعوة الإخوان سيكون لها شأن عظيم في المستقبل حيث سيلتقي عندها الجميع وتكون الوسيلة الوحيدة لإنقاذ المجتمع المصري ويعد الجميع بتنفيذ مطالب الإخوان وطالبوا الحكمة بمنح الجماعة قطعة أرض لبناء دار لها وبمد صحفها بالورقية اللازمة ويتلو هذه الزيارة زيارة أخرى من فؤاد سراج الدين إلى شعبة الإخوان بالمنصورة وقد دلت هذه السياسة غير المستقرة على تسليم الوفد بقوة الإخوان

وكان موقف الإخوان المعارض لحكومة النقراشي بعد انتهاء الحرب يساير موقف الوفدي من هذه الحكومة وظلت العلاقة بينهما في شبهي هدنة طوال عام 1945 ومطلع عام 1946 فنجد صحف الجماعة تمنع عن مشاركة صحف الأحزاب السياسية في مهاجمة الوفد بسب حادث 4 فبراير

بل تهاجم هذه الصحف مكرم عبيد زعيم الكتلة لموقفه من الوفد بسبب هذا الحادث إلا أن تصاعد الأحداث ضد الحكومة وما صحبها من محاولة من جانب الوفد لتزعم المظاهرات وانضمامه مع الشيوعيين ورفض الإخوان العمل تحت زعامة الوفد برغم اشتراكهم في الأحداث قد أدى إلى انتهاء الهدنة بين الوفد والجماعة والعودة للصراع الذي استمر حتى انحلت الجماعة في نهاية سنة 1948؛

فقد بدأت جريدة الوفد المصري حملتها على الإخوان حينما نشرت بيانا هاجمت فيه الجماعة واتهمتها بالسعي لتفريق صفوف الشعب ومحاولة القضاء على الحركة الوطنية كما أسندت الصحيفة حدوث عدة حوادث وصفها بالجرائم إلى شباب بلطجية الإخوان؛

وأن الشيخ حسن البنا هو الذي يحرضهم وأن الجماعة تعادي العمال والحركة النقابية وطالبت الصحيفة بحل هذه الجماعة وقد أدى ذلك إلى وقوع عديد من حوادث العنف بينهما وبخاصة في بور سعيد التي قتل فيها وفدي وأصب 35، وحرق مركز الإخوان كانتقام لذلك فضلا عن وحادث الطلاب والعمال؛

وردت صحف الإخوان على الصحف الوفدية بحملة شديدة بدأها صالح عشماوي بمقال بعنوان الوفديون في مصر والصهيونية في فلسطين كال فيها الاتهامات للوفد وقال إن من واجب جماعته مواجهة الصهيونية في فلسطين والوفد في مصر؛

وذكر المقال عديدا من حوادث الاعتداء ومن بينها حادث بور سعيد التي قام بها شباب الوفد ضد شباب الجماعة وفي الوقت الذي طالبت فيه الجماعة بالوقوف خلف صدقي لنجاح المفاوضات ف مقابل أن يتعهد صدقي بالإعداد للجهاد العام في حالة فشلها كان الوفد يعارض مفاوضات صدقي لا لأنه يرفضها كوسيلة للكفاح بل لكونه يرى في صدقي أنه لا يمثل الأغلبية ويسعى لإخراجه من الحكم ثم عادت الجماعة وأعلنت رفضها التام للمفاوضات واعتبرته وسيلة الضعفاء داعية إلى عرض القضية على مجلس الأمن.

وانتهز الوفد فرصة حدوث انشاق داخل جماعة الإخوان أدى إلى فصل أحمد السكري والدكتور إبراهيم حسن وغيرهما وأثار حملة إعلامية كان لها تأثيرها على الجماعة وقد ردت صحف الإخوان بحملة مماثلة وصفت فيها الوفد بأنه الطابور الخامس الذي ينفذ أوامر الاحتلال.

كما اتهمته بالخيانة ووصفت رئيسه بالوقاحة والحقد والعمل لحساب الإنجليز وفي هذه الظروف حاول حزب الكتلة كسب ود الإخوان وبالابتعاد وعدم إبداء الرأي عن ميدان الصراع الذي كان لصالحه سواء بين الجماعة والوفد أو الجماعة والحكومة؛

وأخذت جريدة الكتلة تلمح من بعيد إلى بعض الآراء التي تتفق وفكر الإخوان فكتبت بعض المقالات التي تحض على الحفاظ على التقاليد المتوارثة وضرورة إعلان الحرب على التقليد الأعمى وهي الأمور التي كانت تدعو لها صحف الإخوان لكنها سرعان ما غيرت موقفها السياسي معلنة عزمها على التحالف مع الوفد والشيوعيين ضد ما أسموه بتحالف الرجعية الذي يضم مصر الفتاة والسعديين والدستوريين والإخوان وجبهة مصر التي يرأسها علي ماهر بعد أن بدأ تأييد هذه الجبهة للنقراشي في عرض القضية على مجلس الأمن؛

وعلى الرغم من توافق موقف الجماعة وهذه الأحزاب في إعلان العداء لحكومة النقراشي بعد فشل مفاوضات مجلس الأمن إلا أنه لم يكن هناك من أمل في حدوث هدنة جديدة بينهما الإخوان والوفد وظل ذلك العداء محتدما حتى قامت الحكومة بإصدار قرار حل الجماعة؛

وقد اشتركت هذه الأحزاب في التمهيد لصدور هذا القرار وتأييده بعد صدوره فقد نشرته صحف الوفد والشيوعيين والدستوريين إلى جانب صحف الحكومة ونشرت عدة بيانات لاتهامات الحكومة للجماعة ومبرراتها لقرار الحل كما اشتركت في الحملة التي وجهت للجماعة بعد مقتل النقراشي واتهمتها بالجرم والغيبة وغيرها.

أم عن العلاقة بين الإخوان والحزب الوطني فعلى الرغم من أن الحزب الوطني هو أحد الأحزاب البرلمانية سواء لاشتراك أعضائه في المجالس النيابية أو في الحكومات التي ظلوا يرفضون الاشتراك فيها لمدة طويلة إلا أن موقف جماعة الإخوان المسلمين ومعها جماعة شباب محمد من هذا الحزب يختلف عن موقفها من بقية الأحزاب السياسية

ويرجع ذلك على أسباب هي:

أولا: أن الحزب الوطني هو الحزب السياسي الوحيد الذي دعا إلى الخلافة الإسلامية وظل يدعو هلا حتى بعد إلغائها وقد تصدى بالتالي لتياري الخلافة العربية والقومية المصرية كما دعا إلى الحفاظ على التقاليد المتوارثة والتصدي لموجة الإلحاد والإباحية والدعوة لسفور المرأة وهذا ما دعا إليه الإخوان المسلمون.
ثانيا: عارض الحزب الوطني أسلوب المفاوضة واعتبرها سبيلا مضيعا للجهود ولا يحقق الكسب إلا للجانب القوي وهو الاحتلال واستمر يعادي الأحزاب السياسية التي ارتضت هذا الأسلوب وعلى رأسها حزب الوفد والأحرار الدستوريين انطلاقا من مفهومه لا مفاوضة إلا بعد الجلاء وظل نوابه رغم قلة عدده يحرجون الساسة الواقفين على مسرح السياسة والحكم فضلا عهن أن الحزب قد سلك أسلوب النضال السري وظل محتفظا بتنظيمه السري حتى 1952.
ثالثا: كان الحزب الوطني هو الحزب السياسي الوحيد الذي رفض معاهدة سنة 1936 وأصدر رجاله كتابا يفند بنود هذه المعاهدة ويظهر عيوبها وزعه أعضاؤه مجانا وقد اتفقت معه جماعة الإخوان في موقفها من المعاهدة.
رابعا: إن بعض الأعضاء من ذوي الشعبية والمكانة في الحزب الوطني قد أسسوا جماعة الشباب المسلمين التي بقي البنا عضوا رسميا بها حتى وفاته.

وتطالعنا مذكرات حسن البنا برأيه في زعامة هذا الحزب الممثلة في كل من مصطفى كامل ومحمد فريد وغيرهم الذين وصفهم بأنهم زعماء تربوا وبنوا نهضة مصر وأن البلاد لو سارت في طريقهم ولم تنحرف عنه لو صلت إلى بغيتها أو على الأقل لتقدمت ولم تتقهقر وكسبت ولم تخسر؛

أما جماعة شباب محمد فكانت ترى أن مصطفى كامل صاحب دعوة صادقة وأن مصر في حاجة إلى مواصلة خطته وضربت أمثلة من حياته كان أبرزها رفضه لعرض الاحتلال عليه لتأليف الوزارة طالما بقي الاحتلال وظل مديح هذه الجماعة للحزب الوطني قاصرا على ماضيه أثناء زعامة مصطفى وفريد في وقت انتقدت فيه أسلوبه وما آل إليه من ضعف لخروجه على مبادئه في حاضره؛

فعلى أثر انعقادي اللجنة التنفيذية للحزب الوطني عند بداية الحرب الثانية لبحث الأحداث العامة وتحديد موقف الحزب منها علقت النذير بقولها إذن فليطمئن الجميع وليناموا ملء جفونهم؛

فقد قام الحزب الوطني وبحث الموقف الحاضر في ثلاث جلسات بمثل هذه الوسائل يظن القوم أن أمور الوطن تعالج اجتماعات فقرارات فعرائض وكفى الله المؤمنين القتال، يمثل هذا التهريج يتلاعب القوم بعقول الأمة ويسخرون من أمانيها القومية يا من نكبت الأمة بقيادتكم ورزئت بزعامتكم اتقوا الله وأفسحوا الطريق لمن هم أصدق منكم عهدا وأعمق إيمانا وأطهر روحا؛

وحينما احتفل الحزب الوطني بذكرى فريد سنة 1940 نشرت النذير مديحا لفريد في وقت اتهمت فيه أعضاء الحزب بالفجور وقالت: عز علينا أن يهان فريد في جمع كان الأولى به أن يدافع عن فريد مثل هذا الهوان وعز علينا مبادئ شريفة تداس بالأقدام من قوم يحملون اسمها ويحاولون أن يراهم الناس تحت لوائها..

ويبدو أن هذا النقد اسمها ويحاولون أن يراهم الناس تحت لوائها ويبدو أن هذا النقد من جانب جماعة شباب محمد للحزب الوطني كان يروق لبعض أعضائه من تلاميذ مصطفى كامل وفريد سواء الذين انشقوا عليه أو استمروا في عضويته فنجد اثنين من أعضائه يسعون لدى رئيس الوزراء حسين سري لنقل الأستاذ حسين يوسف رئيس شباب محمد إلى القاهرة على غرار سعي غيرهم لنقل البنا

أما جماعة الإخوان فكانت قريبة من الحزب الوطني وخاصة بعد انتقال مقرها إلى القاهرة وقد اتضح هذا التقارب في حفلة تأبين أقامتها الجماعة لأحد أعضائها حيث صرح الشيخ حسن البنا بأن المذكور كان يدين بمبادئ الحزب الوطني وكان يلتهب غيره وحماسة لكفرته وقال إن هذا العضو قد حاول أن يضمه أي حسن البنا إلى الحزب الوطني فرد عليه الشيخ بأن العمل بجماعة الإخوان المسلمين كالعمل بالحزب الوطني وقد حملت خطبة الشيخ كثيرا من العبارات التي تدل على وحدة أسلوب وفكر الاتجاهين.

وحينما ازداد نشاط جماعة الإخوان وشاركت في العمل السياسي اشتركت مع الحزب الوطني وبعض التنظيمات الأخرى في الهجوم على الوفد والتنظيمات الماركسية فضلا عن أن الجماعة قد شاركت الحزب الوطني في الإعداد لحركة مقاومة عامة ضد البريطانيين.

وعند نهاية الحرب العالمية الثانية ظهر تشكيل شبابي جديد للحزب الوطني باسم اللجنة العليا لشباب الحزب الوطني برئاسة فتحي رضوان الذي كان سكرتيرا لجمعية مصر الفتاة ثم انشق عليها قبل بداية الحرب؛

وقد حاول هذا التنظيم توحيد عمله مع رجال الحزب القديم لكن المحاولة لم تنجح لاختلاف أسلوب الجيلين ولا يعني ذلك أن التنظيم الجيد قد التزم بمبادئ الحزب القديمة في الغالب وكان فتحي رضوان يعمل وكيلا لعزيز المصري الذي كان على علاقة طيبة مع جماعة الإخوان كما ظهرت له مؤلفات دلت على ميله للفاشية والنازية فكتب عن موسوليني وهتلر وغيرهم

فكان هذا يتفق مع مبادئ التنظيم التي تنادي بإلغاء الأحزاب مع الحفاظ على الحياة الدستورية والدعوة إلى إعلان الجهاد المسلح ضد البريطانيين والتي اتهم بسببها بالفاشية والنازية، وكان من أهم عوامل التقارب بينهم وبين الإخوان المسلمين فيشارك الحزب الوطني الجديد الإخوان وغيرها في موقفها من حكومة النقراشي ويدعو لتدويل القضية المصرية ويشترك كذلك في المظاهرات التي كانت تدعو إليها الجماعة

وعندما أصدر النقراشي قرار حل جماعة الإخوان ديسمبر 1948 وأعلن الحزب الوطني القديم الذي كان يرأسه حافظ رمضان وكذلك اللجنة العليا لشباب الحزب برئاسة فتحي رضوان احتجاجهم على هذا القرار وأصدرت لجنة الشباب منشورا سريا بهذا الاحتجاج وبتوقعي رئيسها بعد أن رفضت الصحف نشر احتجاجها كما وصف الرافعي القرار بقوله ولعمري إن النقراشي لم يكن موفقا في إصدار هذا الأمر.

وقد اتخذ البنا من مكتب رئيس اللجنة العليا لشباب الحزب الوطني مركزا يستقبل فيه أنصاره بعد إغلاق مركز الإخوان نتيجة قرار الحل بل إن مباحثات قد دارت بين البنا وفتحي رضوان من أجل الوصول إلى اتفاق لاتحاد تنظيمهما في أعقاب حل الجماعة يتولى بموجبه فتحي رضوان إدارة لنشاط السياسي ويتولى قادة الإخوان متابعة الدعوة الدينية؛

وبعد اغتيال البنا حدث خلاف في أسلوب العمل بين الحزب والجماعة ولكن على الرغم من ذلك كان الحزب الوطني أول الأصوات التي نادت بعودة الإخوان المسلمين لمواصلة النضال في سبيل قضية البلاد وقد كانت الصلة بين الإخوان ولجنة شباب الحزب الوطني دافعا لأن يقول فاروق في مذكراته أنهم هم الذين تآمروا على عرشه.

الجماعات الإسلامية والتجمعات غير البرلمانية

ونقصد بالتجمعات غير البرلمانية (مصر الفتاة ،الضباط الأحرار ،التنظيمات اليسارية) وقد تناولنا في الفصل السابق بحث علاقة الإخوان بالمنظمات اليسارية في إطار علاجنا لليسار كتيار فكري وبقي أن نعرض لعلاقة الإخوان مع كل من مصر الفتاة والضباط الأحرار.

الإخوان ومصر الفتاة

تكونت جماعة مصر الفتاة 1933 من مجموعة من الشباب الجامعي وكان تأسيسها في هذه الفترة تعبيرا عن اعتقاد الشباب بأن مصر في حاجة إلى زعامة تتولى الإصلاح بعد أن أنحسوا بخيبة الأمل إزاء النظام الدستوري سواء لما فيه من عيوب أو لكثرة انتهاكاته فدفعهم حماسهم للتعبير عن أنفسهم في هذه الجماعة وكان أول رئيس لهذه الجماعة شاب لا يتعدى اثنين وعشرين عاما هو أحمد حسين شاركه فيها بعض زملائه من خريجي كلية الحقوق على رأسهم مصطفى الوكيل نائبه وفتحي رضوان سكرتيرا لجماعته.

وقد مهد أحمد حسن لنفسه بالاشتراك في لجنة مشروع القرش التي كان يرأسها الدكتور علي باشا إبراهيم وهو طبيب مشهور والتي دعا لها أحمد حسين وفتحي رضوان حتى يكتسب وزملاؤه خبرة في العمل السياسي ويلفت أنظار الجماهير إلى جماعته.

وتتبلور أفكار هذه الجماعة في بداية صدورها في الدعوة للفكرة العربية كوسيلة لتحقيق الجامعة الإسلامية التي تعد نهاية للتطور وأنه لتحقيق ذلك لابد من أن تخلق وحدات عربية قادرة تنصهر في وحدة عربية قوية وعلى مصر التي تتألف من وحدة مصر والسودان التحالف مع الدول العربية الأخرى وبعد ذلك تتزعم الإسلامي ومن هنا جعل أحمد حسين دعوة مصر الفتاة عامة لجميع الأقطار العربية والإسلامية.

كما أعلنت رفضها للنظام البرلماني والديمقراطي وقبولها للنظامي الدكتاتوري وقد دعا رئيسها من أجل ذلك بوحدة الأحزاب السياسية في حزب واحد يلتف حول العرش ومن هنا وجهت إليه وجماعته تهمة الفاشية كما رفض أسلوب المفاوضات لأنه أسلوب لا فائدة منه وكذلك الاشتراك في الحكم.

وقد كانت دعوة أحمد حسين لزعامة مصر للعالم الإسلامي أو ما سمى بفكرة الإمبراطورية المصرية من أهم الأسباب التي دعت لاتهامه بالإقليمية التي تتنافى والدعوة للإسلام الأمر الذي جعله يعدل عنها أو يعدلها ويبرز الاتجاه الإسلامي في برنامج جماعته، وربما كان من الأسباب التي دفعته إلى ذلك النجاح الذي أصابته جماعة الإخوان المسلمين وقد ظل أحمد حسين يسر في نفس هذا التيار بل وحول الاندماج فيه وغير اسم جماعته إلى الحزب الوطني الإسلامي.

ولم يقف الحزب الجديد في برنامجه عند حد المناداة بالخلافة لفاروق بل تعداه إلى الدفاع عن النظام نفسه مبينا مدى فائدته للمسلمين ودعا إلى تكوين حزب للخلافة يضم كافة الجماعات الإسلامية كما دعا إلى الجهاد في سبيل الله وفي بدايتها بعث الجيش المصري وغرس الجهاد في نفوس أبنائه؛

كما نص على ضرورة السعي لتحقيق الجامعة الإسلامية ونشر رسالة الإسلام وتحقيق مجده وأن الوسيلة إلى ذلك هي الوصول إلى الحكم بالطرق المشروعة بتأييد الرأي العام في الانتخابات والحصول على ثقة الملك وطالب بسن تشريع إسلامي أو أي تشريع لا يتعارض معه وأن يكون الحكم دستوريا مستمدا من الإسلام وتتمثل فيه جميع مذاهب المسلمين وفي مصر دعا إلى نشر الروح العسكرية بين الشباب وتوحيد زي الموظفين وخضوع المصالح لنظام شبه عسكري؛

وقد اتهم زعماء الجماعة شأنهم شأن جماعة الإخوان بأنهم قد تأثروا تأثرا واضحا بالأسلوب الفاشي في الحكم، واستند أصحاب هذا الرأي على ما جاء في خطب هؤلاء الزعماء في عدة مناسبات بإعجابهم بكل من موسوليني وهتلر بل وحتى أتاتورك كما تضمن برنامج الجماعة الدعوة إلى ضرورة رقي المرأة وتعليمها وأن مكانها في بيتها لتربية الأولاد، وكذلك الدعوة لإصلاح حالة الفلاح والعامل.

أما عن موقف القوى السياسية من هذه الجماعة فقد حاربتها منذ اليوم الأول لصدورها فقد اعتبرها الوفد دسيسة وستسلبه شعبيته كما اعتبرها القصر رافدا من روافد الحزب الوطني فلم يعرها أي اهتمام، أما الإنجليز فقد أجهضوها بكثرة القضايا والمشاكل.

وعلى الرغم من أن عدد أعضاء الجمعية العمومية للجماعة لم يتعد الثلاثين بعد مرور عام كامل على إنشائها إلا أنها سارعت بإعلان عدائها السافر للوفدي فتنشر الصرخة لسان حال الجماعة نص خطاب وجهة رئيسها إلى رئيس الوفد مصطفى النحاس في يوليو 1934 يقول فيه وبعد يا صحاب الدولة إننا جيل جديد نفهم الكفاح بأسلوب جديد ونتخذ لأنفسنا مثلا أعلى يبدو بالنسبة للشيوخ أنه جديد أيضا إنكم تفهمون الكفاح على أنه مسايرة للإنجليز..

والتفاهم معهم إلى أن يقول أطالبك باسم الشعب الذي يؤيدك إلى حد العبودية ولكنه حائر واجم، أطالبك باسم الله أن تدعو دعوة الإيمان والتطهر ويصل به الأمر إلى حد إنذار الوفد بسوء العاقبة إذا هو لم يسلك الأسلوب الصحيح فيقول في موضع آخر: فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض .

وقد رد الوفد بمحاصرة نشاط الجماعة وبخاصة في الأقاليم كما راقب تحركات أحمد حسين ورفاقه واتهمهم بأنهم يعملون لحساب دولة أجنبية هي إيطاليا وأثار هذه التهمة في مجلس النواب.

وقد ركزت مصر الفتاة منذ نشأتها هجومها على الامتيازات الأجنبية والأجانب ودعت إلى إخراجهم بالقوة تمهيدا لإظهار عدائها للإنجليز كما شنت هجوما على المحاكم المختلطة وقد أرسلت إلى وزير خارجية اليونان تطلب منه إلغاء الامتيازات ورد بالترحيب بهذا إذا سعت الحكومة المصرية وقد كانت الجماعة في هذه الناحية متفقة مع الحزب الوطني فنشرت في صحيفتها حديثين أجريا مع حافظ رمضان رئيس الحزب وعبد الرحمن الرافعي سكرتيره يطالبان فيهما بإلغاء هذه الامتيازات ويدعوان إلى البحث عن عمل إيجابي لتنفيذ ذلك.

أما من حيث علاقتها بالقصر فقد ظل القصر لا يبالي بنشاطها حتى أدرك تأييدها له فأمن جانبها واعتبرها من القوى المساندة له واتضح دورها المساند للقصر في وزارة محمد محمود حث اعتمد عليها علي ماهر في إسقاط وزارة الوفد أو على الأقل في تقوية موقفه الساعي إلى ذلك.

وبعد استعراض سريع لعلاقة هذه الجماعة بالقوى السياسية نستطيع أن ندرك علاقتها بجماعة الإخوان المسلمين تلك العلاقة التي حددها البنا بقوله:

"لم ينضج في نفوس كثير من أعضائها يقصد مصر الفتاة بعد المعنى الإسلامي الصحيح نضجا يؤهلها للمناداة بالدعوة الإسلامية خالصة سليمة فلنترك للزمن أداء مهمته وإصدار حكمه وهو خير كفيل بالصقل والتميز وليس معنى هذا أن الإخوان سيحاربون مصر الفتاة بل إنه ليسرنا أن يوفق كل عامل للخير وإلى الخير ولا يجب الإخوان أن يخلطوا البنا بهدم وفي ميدان الجهاد متسع للجميع" وقد اعتبر الإخوان أن نجاح مصر الفتاة انتصار لمبادئهم.

إلا أن صداما مبكرا قد وقع بين الإخوان ومصر الفتاة حينما علقت جريدة الإخوان على هتافات شباب مصر الفتاة في استقبالهم لوفود فلسطين اله أكبر والمجد لمصر بأن فيها تناقضا بين الإسلام والدعوة للقومية وكذلك بسبب إدخال أحمد حسين لعناصر الأقباط في جماعته وقد رد أحمد حسين في العدد 77 من جريدته مصر الفتاة بمقال هاجم فيه الإخوان ومرشدهم واتهمهم بالانحراف عن منهاجهم وغايتهم وأنهم قد ملأت صدورهم بعض المطامع في أنهم أحق الناس بقيادة هذه البلاد وفرض إرادتهم عليها؛

وأن البنا حاد عن الجادة في استعماله أسلحة غير شريفة تتناقض ووصفه بالورع والتقوى وخلص أحمد حسين في هجومه إلى أن الإخوان يتاجرون بالدين وقد رد الإخوان على هذه الاتهامات واتهموا أحمد حسين بأنه لا عقيدة له وأنه يظهر غير ما يبطن أو يبطن غير ما يظهر واعتبروا أن مصر الفتاة أول خصوم الإخوان ودعوا الناس للانفضاض عن هذه الجماعة.

وسرعان ما تغير الموقف بين الجماعتين حيث لم يمض أقل من شهرين ويقف الإخوان مع أحمد حسين حينما استدعته النيابة للتحقيق مع بتهمة محاولة قلب نظام الحكم لأنه كتب عدة مقالات دعا فيها الناس إلى التمسك بالدين والقرآن وإلى جعل نظام الحكم في مصر مرتكزا على الإسلام وطالب الإخوان أن توجه إليهم هم أيضا هذه التهمة لأنهم دعوا إلى نفس هذه الدعوة وأعلنوا أنهم يحمدون لأحمد حسن موقفه ويتمنون أن يتابع السير في هذه الطريق التي اختطتها لنفسه من جديد.

إلا أن الإخوان قد وقفوا موقفا أقل حماسة مع مصر الفتاة على أثر قيام بعض شبابها بتحطيم الحانات حيث طالبت هؤلاء الشباب أن يكفوا على هذه الوسيلة وأن يعملوا على تحقيق أغراضهم في حدود القانون على أن ذلك الموقف من جانب الإخوان لم يكن لخشيتهم من أن تكسب مصر الفتاة أنصارا أكثر كما يرى البعض ولكنه كان التزاما بأسلوبهم في التخطيط المرحلي لتنفيذ الأهداف وتجنب الصدام مع القوى المعادية؛

وقد عبرت عن ذلك جريدة الخلود الإخوانية بقولها:

بقيتي حصتكم أنتم يا فتيان مصر الفتاة فانتظروها اسمعوا يا أبنائي إني غير مرتاب في إخلاصكم ولكن هل فقهتم الجزء الأول من الدرس وهل عرفتم الضرر الذي قد يعود على أمتكم التي تعملون لإسعادها؟ إني لا ألومكم ولكن اعملوا بروية وتعقل.

وحينما روجت صحيفة مصر الفتاة لفكرة الوحدة بينها وبين جماعة الإخوان أعربت صحف الإخوان عن رفضها لهذه الفكرة وذلك لاختلاف بعض مبادئ الجماعتين مركزة على النزعة القومية عند مصر الفتاة؛

وكذلك في موقفها من مصطفى عبد الرازق وزير الأوقاف وهدى شعراوي وأن مصر الفتاة لا تتفق والتخطيطي المرحلي لجماعة الإخوان كما أن خروج البنداري الذي كانت تناصره مصر الفتاة ضد علي ماهر من القصر قد جعل الجماعة تميل إلى الديمقراطية وخاصة بعد أني فشلت محاولتها في الوحدة مع الإخوان وكان ذلك لكسب مهادنة الوفد والأحزاب البرلمانية ولكن تغير الموقف لظروف الحرب.

وتعود فكرة الوحدة مرة ثانية أثناء الحرب حيث أوحى عزيز المصري لعلي ماهر أن يؤلف حزبا من القوى المساندة للقصر والمحور عماده الإخوان ومصر الفتاة ولم يراع عزيز المصري في هذا العرض الأسباب الجوهرية التي ستجعل جماعة الإخوان تعود لترفض هذه الفكرة؛

كما أن إحباط محاولة وصول المصري للألمان وما أعقبه من محاصرة نشاط هذه الجماعات وبالذات مصر الفتاة طوال فترة الحرب قد أرجأ الفكرة إلى ما بعد انتهاء الحرب وقد أشارت صحف الإخوان إلى اجتماع بين رئيس شباب محمد ومصر الفتاة والمرشد العام للإخوان المسلمين للبحث في إمكانية تحقيق الوحدة بينهم؛

ولكن المرشد العام للإخوان رأى إرجاء ذلك التزاما بقرار مكتب إرشاد الجماعة الذي صوت بأغلبية 22 صوتا ضد ثلاثة أصوات ولم تطرح قضية الوحدة بين الإخوان ومصر الفتاة بعد ذلك بل إن مصر الفتاة قد اشتركت مع الوفد في الهجوم على الإخوان ورئيسها أثناء وزارة صدقي ووصفته بأنه أداة في يد الرجعية والرأسمالية اليهودية والإنجليز وصدقي

وعلى أية حال فإن رغم بعض التشابه بين مصر الفتاة والإخوان وخاصة في نزعة الدعوة لفكرة الجامعة الإسلامية فإن محور برنامجها كان قوميا متطرفا وشعارها هو مصر فوق الجميع وهو شعار لا يتمشى ومبادئ الإخوان ذات الطابع الإسلامي العالمي.

أما عن علاقة جماعة شباب محمد بمصر الفتاة فقد طالبت بالنذير أحمد حسين أن يحدد موقفه من بعض القضايا وخاصة المعلقة بسفور المرأة وحقها في الانتخابات والبرلمان واختلاط الجنسين وغيرها وشاركت شباب محمد الإخوان في موقفها المهاجم لمصر الفتاة لتقربها من الحزب النسائي وهدى شعراوي وظلت هذه الأمور هي المحور الذي هاجمت منه جماعة شباب محمد مصر الفتاة كما هاجمت الإخوان للسبب نفسه حيث اتهمتها بالتشجيع على سفور المرأة وبأنها تقع فيما تتهم فهي مصر الفتاة وأن العلاقة بينهما (شيلني واشيلك)

على أنه حينما أعلن أحمد حسين دعوة حزبه للجهاد في فلسطين امتدحت جماعة شباب محمد هذا الموقف له مما دفعها للدفاع عنه في تهمة حوادث إلقاء القنابل واعتبرت هذه التهمة غير صحيحة.

الإخوان والجيش (الضباط الأحرار)

تمكنت الجماعة العقائدية والممثلة في جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات الماركسية من اجتذاب بعض الشباب من ضباط الجيش إلى الاهتمام بالقضايا العامة من خلال هذه الجماعات ولذلك فإن اتجاهات مجموعة الضباط التي كونت تنظما مستقلا لها باسم الضباط الأحرار في أعقاب حرب فلسطين كانت متباينة

حيث سبق أن انضم بعضهم وهم الأغلبية إلى جماعة الإخوان المسلمين مثل عبد المنعم عبد الرؤوف وأنور السادات وكمال الدين حسين وانضم البعض الآخر إلى اليسار مثل عبد اللطيف البغدادي وأحمد حمروش وخالد محي الدين.

ويرجع أحد الكتاب انضمام أغلب ضباط الجيش لجماعة الإخوان على عدة أسباب منها معاداة الجماعة للحزبية على اختلاف اتجاهاتها وأفكارها وكذا ما اتسم به نظام الجماعة من دقة حيث كانت أكثر انضباطا من كافة الأحزاب وفي مقدمتها الوفد وهي أمور كانت أكثر جاذبية للضباط ومع ذلك كان من الصعب إخضاع مجموعة الضباط لأي من هذه الجماعات لكي يعملوا لحسابها وظلت العلاقة الضباط وبينهم في إطار التعاون حتى كون الضباط تنظيمهم وإن كان ذلك لم يمنع تعاون الفريقين.

والذي يهمنا هنا هو علاقة الإخوان المسلمين بهذه المجموعة من الضباط لما لها من تأثير كبير في دفع الضباط للتفكير في إقامة تنظيم سري على غرار ما خبروه من هذا الأسلوب خلال فترة انتمائهم للجماعة.

وتبدأ الحلقة بعزيز المصري الذي عين في وزارة علي ماهر قائدا للجيش المرابط ثم أقيل بناء على أمر الإنجليز الذين تأكدوا من اتصاله بالمحور حيث عثروا في مقر القيادة الإيطالية على الخطة الدفاعية البريطانية عن صحراء مصر الغربية والتي كانوا قد سلموها له وقد هيأ له خروجه من الجيش الفرصة لكي يبدأ بعض الاتصالات السرية مع القوى المتعاطفة مع المحور في محاولة لتوحيدها.

وتشير المراجع إلى أن صلة الإخوان بعزيز المصري كانت سباقة لصلتهم بالجيش وكذلك لصلة ضباط الجيش به فقد قام وفد من الإخوان مكون من ثلاثة أشخاص على رأسهم البنا باستقبال المصري في المطار أثر عودته من لندن سنة 1937 وتوطدت الصلة من هذا التاريخ بينه وبين الجماعة بشكل دفعه إلى العمل على توحيدها مع مصر الفتاة ورغم عدم نجاح هذه المحاولة إلا أن الجماعتين ظلتا على علاقة طيبة به بل وتسير أن في فلك سياسته الرامية إلى تكوين جبهة معارضة للإنجليز.

أما من حيث علاقة الإخوان بالجيش فجاءت نتيجة لمحاولة الإخوان توسيع نفوذهم ليشمل هذا القطاع الذي كان محرما على الأحزاب السياسية وقد تمكنوا من النفاذ إليه عن طريق مناقشة صحيفتهم لبعض قضايا الجنود بأسلوب مثير فقد وجهت الجماعة نداء نشرته صحيفتها لوزير الحربية لوضح حد لظاهرة خدمة الجنود لكبار الضباط في منازلهم..

جاء فيه يا وزير الحربية إن الشباب الذي اغتصبت حريته باسم الدفاع عن الوطن ثم أرسلنه خدما في البيوت ورقيقا للضباط والموظفين أخوك روحه من روحك ودمه من دمك فكيف ترضى له مالا ترضاه لنفسك وولدك وهناك وسيلة ثانية سلكها البنا لنشر دعوته في صفوف الجيش تلك هي استغلال المناسبات الدينية والتي يذكر السادات أنه تعرف على البنا في أحداها؛

حيث كان ألقى خطبة بمناسبة الرسول سنة 1940 وعلى الرغم من اختلاف الروايات حول اللقاء بين البنا والسادات حيث يشير البعض إلى أن وجيه أباظة هو الذي رتب هذا اللقاء في عيادة أحد الأطباء بالسيدة زينب تنفيذا لرغبة الضباط وهذا يثبت أن الضباط هم الذين سعوا للإخوان؛

ويشير السادات إلى أن البنا هو الذي عاه لزيارة الجماعة بعد المناسبة الدينية على الرغم من ذلك فالثابت هو أن اللقاء قد تم بين السادات والبنا 1940 وأن البنا قد حاول بعد هذا اللقاء كسب مزيد من الأنصار من خلال صلته بالسادات.

وبقيت العلاقة بين السادات والبنا مشوبة بالحذر في بدايتها إلى أن أفصح كل منهما للآخر عن نواياه فتوطدت هذه العلاقة إلى الحد الذي جعل السادات وبعض رفاقه من الضباط ينضمون كأعضاء في الإخوان وفي جهازهم الخاص.

ومما يستلفت النظر أن يكون البنا هو الوسيط بين عزيز المصري من جهة والضباط الذين انضموا للإخوان من جهة أخرى حيث رتب لهم لقاء في عيادة طبيب من الإخوان هو الدكتور إبراهيم حسن 1940؛

وتناول البحث في هذا اللقاء محنة مصر وما تعانيه من الاحتلال وتوصلوا على ضرورة القيام بعمل عسكري تسانده الإخوان ومصر الفتاة وإذا كان تحفظ البنا على المسارعة بعمل عسكري قد بدا في قلة السلاح ونوعه وأنه لا يصلح لمواجهة أسلحة البريطانيين؛

فإن ذلك يدفعنا للتأكيد بأن تجهيز السلاح كان مهمة المصري ووراء محاولة هروبه الفاشلة للاتصال بالألمان في العراق أو ليبيا والتي كان يرافقه فيها واحد من مجموعة الضباط هو عبد المنعم عبد الرؤوف الذي كان في نفس الوقت أكثر الضباط ميلا للإخوان؛

وتؤكد الدلائل أن مجموعة الضباط قد اكتسبت خبرة وأصبحت أكثر قدرة على مزاولة نشاطها بعد لقائها مع المصري كما أن التأثر بالروح الدينية قد بدا واضحا على أول نشاط لها فترفع لجنة الجنود الأحرار بالجيش ولأول مرة تقريرا إلى الملك في ديسمبر 1941 يعبر عن مدى تأثرهم بفساد الحياة الاجتماعية والأخلاقية وعن ثورتهم على انتهاك الجنود البريطانيين لحرمة الفتاة المصرية وأن ذلك مخل للدين الإسلامي

وطالبت في تقريرها بتنفيذ الآتي:

  1. بث الروح في أفراد الجيش المصري ضد الجيش البريطاني.
  2. مقابلة الاعتداء بالاعتداء ومن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم.
  3. القبض على أي فتاة مصري تسير مع أي جندي بريطاني وخاصة الاسترالي.

وحددوا مطالبهم في:

  1. الإفراج عن عزيز المصري.
  2. الإفراج عن اثنين من الطيارين
  3. إلغاء معاهدة سنة 1936
  4. منح الجندي حق محاربة ما يخل بالقانون.

ومن الواضح أن هذا التقرير ينم عن تأثير الإخوان من خلال اللمسة الدينية كما ينم عن عدم واقعية بعض المطالب كأن يترك للجندي حق محاربة ما يخل بالقانون.

ويأتي حادث 4 فبراير سنة 1942 ليزيد من سخط مجموعة الضباط على البريطانيين ويزيد من حماسهم للثورة عليهم وكان ذلك الإحساس وراء عرض الضباط على البنا لخطة ترمي إلى إبادة الجيش البريطاني العائد من العلمين وإذا كان ما رواه السادات في أن البنا لم يعد بشيء من أجل تنفيذ هذه الخطة وأنه أجهش بالبكاء فإن ذلك دليل على تأكد البنا من عدم وجود القوى الكافية لتنفيذ الخطة.

وفي أغسطس 1942 ألقى القبض على السادات ومعه زميله حسن عزت بسبب اتصاله المستمر بعملاء الألمان وكان قبل القبض عليه قد تقابل مع البنا وأدى إليه بكل ما ما يعرف عن الضباط والأهداف التي يطمعون في تحقيقها ويدل ذلك على استمرار الثقة في البناء لكن تحفظ الرجل وكتمانه اللذين منعاه من إفشاء أسرار جماعته وأهدافها قد جعل السادات؛

كما ذكر لا يطمئن تماما مع استمرار الثقة إلى حجم الدور الذي يمكن أن يلعبه في مساندة عملية التحرير التي كانت تدور في أذهان بعضهم واستمرت لقاءات البنا مع الضباط عن طريق عبد المنعم عبد الرؤوف إلى أن تمكن السادات من الهرب من السجن في نوفمبر 1944 فاستأنف اتصالاته بالبنا ويبدو أن السادات كان قد ارتاب من صلة البنا بالقصر ولكن بعد لقائهما أوضح له البنا ما يهدف إليه من وراء هذه الصلة بشكل بدد ارتيابه.

ويؤكد ذلك أن السادات نفسه قد قام بدور الوسيط بين البنا والقصر عن طريق يوسف رشاد طبيب الملك الخاص والذي كان على علاقة معه وقد عاد الارتياب إلى نفس السادات من البنا لاستمرار علاقة الأخير بالقصر عن طريق غير يوسف رشاد بل إن هذا الإحساس قد ازداد لدى السادات من موقف الإخوان من حكومة صدقي؛

ويدل ذلك على أن الثقة بينهما السادات والبنا قد اهتزت وأن السادات قد تأثر بالدعاية التي أحاطت بموقف الإخوان من هذه الحكومة الأمر الذي أدى إلى توقف الصلة بينهما قرابة العامين على أنه في الوقت الذي تذبذبت فيه العلاقة بين السادات والبنا نجد ضباطا آخرين قد انضموا للجماعة مثل كمال الدين حسين؛

حيث أرخ هذا الحادث في سنة 1945 وقال إن العلاقة قد استمرت بين مجموعة الضباط والجماعة بعد الحرب الثانية وجاءت حرب فلسطين لتزيد العلاقة بين الإخوان والضباط بعد الحرب الثانية وجاءت حرب فلسطين لتزيد العلاقة بين الإخوان والضباط توثقا فقد توجهت الكتيبة الأولى من متطوعي الإخوان إلى الميدان في أكتوبر 1947 وتبعتها كتائب أخرى ..

وما أن دخل متطوعو الإخوان إلى القتال سنة 1948 حتى تمكنت من ضم مجموعة من الضباط بعد أقررت الحكومة تخصيص ضباط لتدريب المتطوعين إلى صفوفها على رأسهم عبد المنعم عبد الرؤوف وأبو المكارم إسماعيل ومعروف الحضري وكمال الدين حسين وصلاح سالم وهناك لمس الضباط ما قام به متطوعو الإخوان من دور أبرز كفاءتهم القتالية حيث تولوا حماية الجيش من هجمات اليهود؛

وكذلك الاشتراك في فك حصار الفالوجا فعادت الاتصال بينهم وقد بدأ شعور التعاطف والاستياء من جانب الضباط لقرار النقراشي بحل جماعة الإخوان وكذلك لاغتيال الشيخ حسن البنا وبوفاة البنا وتولى الهضيبي رئاسة الجماعة ونجاح حركة الضباط سنة 1952 تدخل العلاقة بينهما في طور جديد.

الفصل الخامس:العلاقة بين الجماعات والهيئات الإسلامية

الفروق الفكرية

تعددت القوى والجمعيات والصحف التي حملت اسم الإسلام سواء منها من التزم بالفكر الإسلامي الصحيح أو التزم بجوانب علمية أو اجتماعية فقط كما أن بعضها قد استقر في بعض القوى كي يضمن لنفسه الاستمرار وهناك جماعات أخرى كان السبب في وجودها المساندة أو الترويج لبعض القوى السياسية وغيرها قد اكتفت بمبادئ تتمشى والوضع السياسي القائم خشية الاصطدام بالقوى السياسية متبعة مبدأ المداراة فأساءت بذلك إلى غيرها ممن نهج نهجا إسلاميا سليما فضلا عن إساءاتها للفكر الإسلامي نفسه؛

ولكل هذه الأساليب مجتمعة أو لبعضها برزت فروق فكرية بين هذه القوى والجمعيات كان لها أسوأ الأثر على العلاقات بينها والتي بدا أغلبها ف كل تنافس على زعامة التيار الإسلامي الأمر الذي أدى إلى فشل المحاولات التي بذلت لتوحيدها؛

وكذلك على علاقاتها أو بعضها بالقوى الفكرية والسياسية الأخرى فنجد جمعية الرابطة العربية تدعو إلى قيام المجلس الإسلامي الأعلى بمصر بهدف تقوية روابط الإخاء بين المسلمين في جميع أنحاء العالم وفي الوقت نفسه تحث العرب على الدخول في حرب مع الأتراك؛

ويصدر أحد رجال الأزهر مجلة علمية باسم التشريع الإسلامي تعلن ولاءها من العدد الأول للقصر والأحرار الدستوريين ويسهم السعديون في تأسيس مجلة الرابطة الإسلامية فينحصر اهتمامها في إعلان الولاء لهذا الحزب إلى جانب قضايا بلاد النوبة منطقة صدورها مهملة كافة القضايا الإسلامية؛

وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية تصدر مجلة الأنوار الإسلامية وتتبنى منذ الأعداد الأولى الدعوة إلى عدم الزج بالشباب في السياسة ملوحة إلى أن مهمتها دينية وليست سياسية فتعارضت بذلك مع المفهوم الإسلامي عند الجماعات الأخرى الذي لا يفرق بين الدين والدولة كما أن الظروف التي أحاطت بنشأتها أثناء وزارة صدقي قد جعلتها أحد الأصوات المناوئة للتيار الإسلامي.

وظهرت مجموعة أخرى من الجمعيات اهتمت بالمسائل العقائدية والفكرية كرد فعل للتيارات الفكرية المناوئة للجماعات الدينية الأخرى ومع أننا لا نقلل من الدور الذي قامت به إلا أنها لم تقدم نموذجا إسلاميا تطبيقيا في أي من مجالات الحياة العامة فلم تحظ بتأييد كبير؛

وبالتالي لم يسمع بها إلا في حدود ضيقة فضلا عن أن أغلبها قد ابتعد عن حلبة العمل السياسي فكانت حجة يستشهد بها المناوئون لجماعة الإخوان المسلمين وأول هذه الجمعيات جمعية الهداية الإسلامية التي دعت في عددها الأولى إلى ضرورة الصلة بين الدين والدولة وهاجمت تمصير الأدب وضرورة الحفاظ على اللغة العربية وهي لغة الدين ثم دعت إلى توثيق الروابط بين الشعوب الإسلامية؛

ومع هذا لم تتأثر بأي من الأحداث السياسية ولم تحد موقفها من القوى السياسية القائمة وتقوم بنفس الدور جمعية نشر الفضائل والآداب الإسلامية وجمعية مكارم الأخلاق الإسلامية فضلا عن مجموعة من الصحف والمجلات كمجلة الأزهر نور الإسلام والجهاد الإسلامي والحياة الإسلامية (الإسلام) (لواء الإسلام)

وقد سبقت الإشارة إلى أن جمعية الإخوان المسلمين كانت نموذجا متكاملا سواء في سلامة وصحة وتكامل مبادئها أو لكونها قد انتقلت بهذه المبادئ من النظرية إلى التطبيق وقد حاولت هذه الجمعية ومنذ بداية صدورها توحيد كافة الجماعات الإسلامية فتضمنت مبادئها الدعوة إلى تقريب وجهات النظر بين الفرق الإسلامية والبعد عن مواطن الخلاف الفقهي؛

وأعلن الإخوان أنهم لا ينتسبون إلى طائفة خاصة وإنما يتوجهون إلى صميم الدين ولبه ويرغبون في أن تتوحد الأنظار والهمم حتى يكون العمل أجدى والإنتاج أعظم وأكبر وهي تحب الإجماع وتكره الشذوذ ونبذ الفرقة والخلاف ولن يصلح آخر هذه الآمة إلى بما صلح به أولها؛

ومع ذلك كان الإخوان يدركون أن الخلاف في وجهة النظر بين هذه الجمعيات أمر لابد منه لاختلاف المدارس وسعة العلم وضيقه واختلاف البيئات وأن الإجماع على أمر فرعي متعذر ويتنافى مع طيعة الدين بل هو سر من أسرار استمرار هذا الدين ومسايرته للعصور والأزمان؛

لكنهم كانوا يرون ضرورة التغاضي عن الخلافات البسيطة والعمل على توحيد الجهود لتحقيق الأهداف المشتركة فيقول البنا كان المسلمون في الخلاف يرجعون إلى الخليفة فأين هو الآن لابد أن نعمل جميعا على إيجاده وكان الإخوان يرون أن تعد الهيئات الإسلامية مدعاة للخجل والأس ومن الواجب اتحادها ولاسيما وأن خلافاتها التي تمنع اتحادها خلافات سطحية وضربوا مثلا بالخلاف بين الجمعية الشرعية وجمعية أنصار السنة المحمدية والذي كان مداره آية واحدة من آيات الله وهي "الرحمن على العرش استوى"

كما أخذوا على جماعة إحياء مجد الإسلام الوقوف عند حد إحياء ذكرى الأيام اللامعة في تاريخ الإسلام دون مقارنة الأمس باليوم وأن يكون إحياء ذكرى انتصارات الإسلام قتالا لا كلاما أما رأي الإخوان في جمعية الهداية الإسلامية كان يرأسها محمد الخضر حسين؛

فكانت ترى أن اهتماماتها لا تعدو حدود البحوث العلمية البعيدة عن ضوضاء الحياة وثوراتها وإذا كان المضلون من حزب الشيطان قد توغلوا في صميم الحياة فإلى متى يظل الهداة من حزب الله قابعين في أمكنتهم منتظرين مجيء الجماهير إليهم ليتناولوا من أيديهم جرعات العلم والهداية أما أهل السنة فقد ألفوا نوعا من العصبيان الحية الجريئة ولابد لها من المرونة والتسامح.

أما عن جماعة الشبان المسلمين فعلى الرغم من أن البنا قد ظل عضوا بها حتى وفاته كما أنها قد شاركت جماعة الإخوان في بعض المواقف كلجنة إعانة منكوبي فلسطين وكذلك في الاحتفال بتسليم الملك فاروق مقاليد الحكم وغير ذلك إلا أنها كانت في نظر البعض جماعة مريضة على الرغم من ضخامة اسمها ومظهرها وشكلها وأن بناءها ما قام إلا على أساس غير إسلامي على اليانصيب وما هو إلا ضرب من ضرورة القمار الذي كان من واجب الشبان أن يقاوموه فكان كالمرض في صورة الأطباء.

وليس بنافع أبدا دواء
إذا كان الطبيب هو السقيم.

أما رأي الإخوان في هذه الجماعة فكانوا يرون أن اهتمامها بالرياضة البدنية قد جعل من أعضائها شبانا لكنهم لم يصبحوا مسلمين أقوياء ويجب أن يفهموا أن هذا الشباب المملوء حيوية وهذه الأجسام القوية والسواعد المفتولة لم تخلق لتمشي في الأرض مرحا (إن الله لا يحب كل مختال فخور) وإنما يجب أن يبيعوا الحياة ويهبوا الشباب لله.

وحينما بذلك مساع لتوحيد الجماعيتين أثناء وزارة علي ماهر رد حسن البنا في رسالة المؤتمر الخامس يقول كثيرا ما يرد على أذهان الناس هذا السؤال ما الفرق بين جماعة الإخوان وجماعة الشبان ولماذا لا يكونان هيئة واحدة ويعملان على منهاج واحدا؟

وأحب قبل الجواب على هذا السؤال أن أؤكد للذين يسرهم وحدة الجهود وتعاون العاملين أن الإخوان والشبان وبخاصة هنا في القاهرة لا يشعرون بأنهم في ميدان مناقشة ولكن في ميدان تعاون قوي وثيق وأن كثيرا من القضايا الإسلامية العامة يظهر فيها الإخوان والشبان شيئا واحدا وجماعة واحدة؛

إذ أن الغاية العامة مشتركة وهي العمل لما فيه إعزاز وإسعاد المسلمين وإنما تقع فروق يسيرة في أسلوب الدعوة وفي خطة القائمين بها وتوجيه جهودهم في كلتا الجماعتين وأن الوقت الذي ستظهر فيه الجماعات الإسلامية كلها جبهة موحدة غير بعيدة على ما أعتقد.

على أن تولى صالح حرب رئاسة جمعية الشبان بعد وفاة الدكتور عبد الحميد سعيد قد أدى إلى مزيد من النشاط في الجماعة وتفاعلها مع الأحداث العامة وهو الأمر الذي كان يخشاه الوفد وكان ذلك كفيلا بتحقيق مزيد من التعاون والتقارب بين الجماعة والإخوان؛

فيحضر صالح حرب المؤتمر الدوري السادس للإخوان سنة 1941 ويخطب في جمع من الإخوان جاء يستفسر عن اعتقال البنا في نفس السنة وتعقد الهيئة التأسيسية للإخوان المنعقدة في سبتمبر 1945 اجتماعها في دار المركز العام للشبان المسلمين وتفتح الإخوان صحفها لمقالات الشبان المسلمين وتتفق آراء الجماعتين ومواقفهما في أعقاب الحرب العالمية الثانية؛

وعلى الرغم من ذلك لم تنجح أي من محاولات الوحدة بين الجماعتين وذلك لاستمرار وجود نقاط الخلاف بينهما والتي أشار إليها البنا والتي كان الإخوان يرفضون الوحدة بسببها فنجد على سبيل المثال ثناء من صالح حرب على مصطفى كمال أتاتورك وعصمت أينونو في خطبة عامة وكان هذا مما يغضب الإخوان والذي كان مثار خلاف بينهم وبين الوفد حينما أشاد النحاس بالزعيم التركي في مناسبة أخرى.

ومما ينبغي ملاحظته هو أن دعوة الإخوان للوحدة بين الجمعيات والهيئات الإسلامية كانت فرص تحقيقها ضعيفة وذلك لإصرار الإخوان على فرض أسلوبهم كشرط لتحقيق الاتحاد فعن الوحدة مع الجمعية الشرعية مثلا يقول البنا: إذا كان في القرآن وأقيموا الصلاة وففيه (كتب عليكم القتال) (جاهدوا في الله حق جهاده)؛

فإذا أدركوا هذه الحقيقة وعقلوها فماذا يفضلهم علن الإخوان وكان ينبغي على الإخوان أن يدركوا تمسك هذه الهيئات والجماعات بأسلوبها والتقليدي بنفس درجة تمسكهم بأسلوبهم على أن ما ينبغي ملاحظته كذلك هو أن مساعي بعض زعماء هذه الهيئات والجماعات للوحدة كان سعيا لتوسيع دائرة زعامتهم أكثر منه لتوحيد الجهود فضلا عن أن أغلب هؤلاء الزعماء قد نجنب مقتنعا أو مرغما الاندماج في الحياة السياسية ومن هنا تتضح حقيقة موقف الإخوان.

الأزهر والجماعات الإسلامية

في الوقت الذي برزت فيه الجماعات الإسلامية وحاولت أن تشق طريقها للتدخل في الشئون العامة ظل دور الأزهر جامدا لذلك يجدر بنا أن نتساءل عن الدور الذي لعبه الأزهر وقد سبقت الإشارة إلى أن جمود علماء الأزهر وعجزهم عن التأثير في الحياة العامة كان من أهم الأسباب التي أدت إلى نشأة هذه الجماعات؛

ومع أن بعض علماء الأزهر قد تصدروا خلال هذه الفترة فترة الدراسة الجماعات الإسلامية التي انحصر نشاطها في الغالب في الأمور الدينية إلا أنه كان تعبيرا منهم عن عدم جدوى العمل داخل هذه المؤسسة كما أن جهود بعض هؤلاء العلماء في التصدي للتيارات المعادية للتيار الإسلامي كانت جهودا فريدة في أغلبها ولا تتصل بالأزهر إلا من خلال انتماء هؤلاء العلماء.

وإذا كان البعض يرجع ضعف الأزهر إلى أن إضعافه كان هدفا لعديد من القوى والتيارات سواء كان ذلك في صورة الإساءة إلى رجال الدين في القصص والمسارح وغيرها أو في تضييق المجالات على خريجيه فإن بعض علمائه قد أتاحوا بجمودهم وتقاعسهم عديدا من الفرص لإنجاح خصومهم؛

وإن كان ذلك قد بدا من جراء تملك حق تعيين رئيسية السراي التي حافظت على تعيين من يسير في ركابها ولا ينازعها الحقوق فارتبط دوره في الغالب بدور السراي المعادي للحركة الوطنية في وقت كان ينظر فيه الناس إليه كرمز للجامعة الإسلامية بعد إلغاء الخلافة؛

وعلى العموم فقد توفرت الأسباب لكي يصبح الأزهر كيانا ضعيفا مهملا لا يحسب حسابه وكان ذلك دافعا لكي يقول البنا لأحد علمائه إن قيام قوة مهملة من الملحدين والإباحيين ورواج صحفهم كان لغفلتكم ولو تنبهتم لدخلوا جحورهم لذلك كان كل ما عملت له جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها أكبر الجماعات الإسلامية منذ بداية تأسيسها هو السعي لعودة الأزهر إلى دوره القيادي في الدفاع عن القضايا الإسلامية؛

فقد ابتهجت الجماعة بتأسيسي قسم للوعظ والإرشاد بالأزهر حينما تولى الشيخ المراغي مشيخته وسبقت الإشارة إلى التعاون بين مرشد الإخوان ومندوب الأزهر للوعظ والإرشاد في الإسماعيلية وهو الشيخ حامد عسكرية واعتبر البنا أنه سيصبح عونا له في أداء مهمة الدعوة؛

وحينما أصدر شيخ الأزهر بيانا سنة 1930 للرد على حملة فرنسا ضد مسلمي شمال أفريقا احتج فيه على ما أشيع من إرسال ألف راهب لتشجيع حركة التبشير وإلغاء المكاتب القرآنية والمحاكم الشرعية ونظام الإرث والأحوال الشخصية لقي هذا البيان ارتياحا لدى الجماعات الإسلامية؛

وأمام ازدياد موجة الإلحاد وجه البنا نداء إلى الشيخ المراغي شيخ الجامع الأزهر أعرب فيه عن تمنيه لتولي الأزهر مسئوليته في صد هذا التيار فيقول: إن الشرق الناهض يتجه بنهضته إلى أخطر النواحي على كيانه القومي والروحي وأن الأزهر وحده هو الذي يستطيع أن يحول هذه الوجهة إلى أفضل الاتجاهات إذا سلمت عقيدة أبنائه وصحت أفكارهم وقويت نفوسهم ..

وأن المسئول الأول عن ذلك هو شيخ الأزهر وكل راع مسئول عن رعيته وأن الأزهريين والعالم الإسلامي من بعدهم يترقب من الأستاذ الأكبر أن يقود الأزهر حثيثا إلى هذه الغاية ولرقابة الله أدق وأعظم والله أحق أن تخشاه فإلى الأمام والله ولي التوفيق.

ويرفع البنا مذكرة أخرى إلى شيخ الأزهر يضمنها مقترحات لإصلاح حال الأزهر يركز فيها على التعليم الديني وضرورة المحافظة على الزي الأزهري والمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية وفي نفس الوقت تنتقد جريدة الإخوان أسلوب الأزهر السياسي وتطالبه بتصحيح هذا الأسلوب باتباع سياسة مستقلة من كتاب الله وسنة رسوله.

وعندما أقيلت وزارة الوفد وشكلت وزارة محمد محمود كان الإخوان يدركون أن دور الأزهر قد أسهم في تقوية جانب المعارضة للوفد وكان من عوامل إحراج وزارته لذلك طالبت صحف الإخوان شيخ الأزهر بأن يغتنم قوة نفوذه ويحقق بعض المكاسب للإسلام؛

والتي كان من أهمها إغلاق الحانات ودور البغاء والمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية وأنه إذا لم يسع إلى تحقيق ذلك فإن عمله يكون لغير وجه الله وينتهز الإخوان فرصة حضور شيخ الأزهر لحفل زواج الملك وهي الحفلة التي رفض الإخوان حضورها لما جرى بها من سفور واختلاط عدوه من الفضائح ووجهوا نصحا إلى شيخ الأزهر لتوثيق صلته بالملك حتى يسير به إلى ما يجعله يستحق لقب أمير المؤمنين الذي أسيئ إليه في هذا الاحتفال.

وحينما شنت صحف الوفد هجوما على الشيخ المراغي بسبب تصريحه بأن الإسلام دين كل شيء واتهمته بأنه لا يفهم الإسلام وأنه مغتبط بثورات طلاب الأزهر من أجل العمل السياسي وأنهم يعملون للملك باسم الإسلام وأن المراغي بذلك لا يراعي وجود الأقباط ويريد تفريق كلمة الأمة وجهت إليها صحيفة الإخوان حملة شديدة ؛

فكتب رئيس تحرير النذير مقالا جاءا فيه صبر الإخوان المسلمون على حملة جائرة تقوم بها جريدة داعرة موقنين أن الحكم على أعمالهم إنما هو لله وحده فتساموا عن تلك الصغائر وقالت إن القائم بهذه الحملة هو مكرم عبيد المصري الإنجليزي والمسلم المسيحي وحبيب المسلمين اللدود فغضب النحاس باشا لغضب مستشاره ومصدر وحيه وقد تعود أن يغضب لغضبه ولا يسأله عما أغضبه فكانت تلك المحاولة المجرمة وكانت بقية الجماعات الإسلامية قد نشرت احتجاجها على صحف الوفد في جريدة الدستور الناطقة بلسان السعديين.

ويسير الإخوان في طريق توجيه النصح للأزهر متمنين أن يحقق كسبا للتيار الإسلامي من خلال نفوذ شيخه في محاولة من الجماعة لاستقطاب شباب الأزهر وتوحيده مع الجماعات الإسلامية فتوجه إلى صحيفتهم مقالا تقول فيه على الأزهر الشريف أن يخرج من عزلته وعلى رجاله من وعاظ وعلماء أن يتعاونوا مع أعضاء الجماعات الإسلامية الأخرى ألم تتحد الغاية ويتوحد الهدف إن هذه الفرقة ليست من الإسلام في شيء وأول من يدرك هذه الحقيقة هم رجال الدين وعلماء الإسلام؛

وإذا كان الشباب في 1935 قد استطاع أن يوحد بين النحاس ومحمد محمود وصدقي وأن يكون الجبهة والوطنية فإني أدعو شباب محمد صلى الله عليه وسلم من مختلف الهيئات والجماعات أن يعمل على إيجاد تعارف بين المراغي وعبد الحميد سعيد وحسن البنا وخطاب والفقي وخضر وغيرهم حتى تتكون جبهة إسلامية

واعتبرت جماعة الإخوان أن صمت المراغي عن اعتداء وزارة محمد محمود علي شعائر الله وذلك بمناسبة حفل زواج الملك مأخذا يعرضه للقال والقيل وخصوصا أنه قد كان له مع وزارة الوفد السابقة موقف آخر فهل يتغير الإسلام بتغير الوزارات؟ وهل ترتفع الحماسة للدين وتهبط تبعا لتغيير الوزراء؟

وحينما ثارت قضية تدريس الأزهريين للغة العربية والدين في مدارس الحكومة أثناء وزارة محمد محمود والتي وقف فيها وزير المعارف بجانب خريجي دار العلوم مما أدى إلى إضراب طلبة الأزهر ووقوع صدام بينهم وبين خريجي دار العلوم والبوليس وقف الإخوان بجانب طلاب الأزهر وطالبوا المراغي بألا يجامل الحكومة على حسابهم وإلا فلت الزمام من يده فإما أن يدافع عن طلاب الأزهر أو يستقيل وللأزهر رب يحميه وهاجمت صحفهم وزير المعارف الدكتور هيكل لهذا الموقف؛

كما استغلت زيارته لجمعية الشباب المسيحية لتثير طلاب الأزهر ضده الأمر الذي أدى إلى مزيد من الهتافات التي تطالبه بالاستقالة على أن حدة الإخوان في هذا الموقف كانت لاستقطاب طلاب الأزهر لصوفها خشية أن ينجح الوفد في استمالتهم إليه من خلال مناصرة قضيتهم ضد الوزارة القائمة؛

وقد حدث بالفعل أن خرجت مظاهرة من الأزهر تهتف بالوفد نصير الأزهر أما الوفد فلم يكن يريد أكثر من إحراج الحكومة وإثارة مؤيديها ضدها والفصل بين المراغي وبين قاعدته في الأزهر وعلى ذلك واصل الإخوان أسلوب التودد لطلاب ورجال الأزهر فيعلنون وقوفهم إلى جانب رجال القضاء الشرعي بشأن تسويتهم برجال القضاء المدني في أحقيتهم في الفصل في الأحوال المدنية والجرائم وإقامة الحدود وتوجه صحيفة القلم الصريح نداء إلى طلاب الأزهر ودار العلوم لكي يتحدوا وينهوا الخلاف بينهم؛

وتكتب النذير مقالا تقول فيه أن الإخوان لا يرون أنفسهم ولا رسالتهم شيئا غير الأزهر ورسالة الأزهر وإن يهتموا بشئونه اهتمامهم بشئون مكتب الإرشاد العام وشعب الإخوان وفروعهم

كما يكتب حسن البنا في رسائل المؤتمر الخامس عن علاقة الإخوان بالأزهر فيقول:

والأزهر بطبيعته معقل الدعوة الإسلامية وموئل الإسلام فلس غريبا عليه أن يعتبر دعوة الإخوان دعوته وأن يعد غايتها غايته، وأن تمتلئ الصفوف الإخوانيه بشبابه الناهض وعلمائه الفضلاء ومدرسيه ووعاظه وأن يكون لهم جميعا أكبر الأثر في نشر الدعوة وتأييدها والمناداة بها في كل مكان.

وقد ظهرت في بداية الحرب الثانية دعوة لتآلف الجماعات الإسلامية والأزهر ويرجع ذلك إلى بعض زعماء هذه الجماعات قد تصوروا أن وقو ع الخلاف بين معسكرين أو أوروبا المسيحية يتيح الفرصة لكي يتخلص المسلمون من الاستعمار الأوروبي وفي بعض الأحيان تصور آخرون أن ألمانيا التي هي خصم لبريطانيا وفرنسا ستساعد المسلمين على الاستقلال ولا سما أن ألمانيا لم يكن لها مستعمرات في العالم الإسلامي؛

ومن هنا كان هناك ميل لا شعوري إلى المحور ظهر بين أتباع الجماعات الإسلامية بصورة أوضح من قطاعات أخرى وكانت هذه نزعة مؤقتة في السنوات الأولى من الحرب التي شهدت تصاعدا في قوة المحور وقد مهد الإخوان لربط الأزهر بهذا التيار فطالبوا الشيخ المراغي بانتهاز فرصة تقرب إيطاليا وألمانيا واليابان من الإسلام وأن يبعث بالدعاة إلى هناك مهما كان غرضهم من هذه الدعوة وأن الإخوان مستعدون لإرسال شبابهم لتلك المهمة ولو بطريق غير رسمي؛

وعلى شيخ الأزهر فتح الباب الرسمي وقد حقق الإخوان نجاحا في ربط الأزهر بهذا الاتجاه برغم تحذير إحدى الصحف الإسلامية من التورط في هذه المنازعات وبرغم التهديد بالإطاحة بشيخ الأزهر نفسه فتخرج المظاهرات المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية معلنة عداءها للإنجليز ..

وأخرى تدعو للثورة ضدهم والوقوف بجانب رشيد عالي الكيلاني في العراق وتعلق اللافتات من قبلهم التي تحض العمال على الثورة ضد الإنجليز على أن جماعة الإخوان ومصر الفتاة كانت وراء كل هذه الأعمال من خلال التأثير على طلبة الأزهر؛

وقد أثبتت بها نجاحا كبيرا في السيطرة على جزء كبير من هؤلاء الطلاب وكذا علماء الأزهر فيحضر العلماء والطلاب الاحتفالات التي كانت تقيمها الجماعة وكان الهدف الذي يلي ذلك عند الجماعة هو التقليل من جماهيرية الوفد وبقية الأحزاب بين طلاب الأزهر فمهدت له بهذه السياسة؛

حتى جاء حادث 4 فبراير 1942 فوجدت فيه الفرصة السانحة لتحقيق هدفها فيخرج ثلاثة آلاف طالب أزهري في مظاهرات للاحتجاج على السفارة البريطانية لتدخلها في تعيين وزارة معينة بالقوة المسحة وترسل صور الاحتجاج للمفوضيات الأجنبية الأمر الذي أثار زعيم الوفد فأسرع بالاتصال بشيخ الأزهر في محاولة لإنقاذ الموقف؛

ومع أن جماعة الإخوان قد خرجت برصيد كبير في صوفها من طلاب الأزهر في أعقاب الحرب العالمية الثانية إلا أن جهودها في سبيل إيجاد الشخصية المستقلة للأزهر لم تحقق نجاحا كما أن علماء الأزهر أنفسهم لم يحققوا الأمل المنشود الذي كانت ترجوه الجماعات الإسلامية؛

فقد ظلوا على جمودهم فتفرق عنهم طلابهم إلى الأحزاب والجماعات الإسلامية تعلق عليه أملا كبيرا وابتهجت به جماعة الإخوان عند تأسيسه لم يؤد وظيفته المرجوة حيث تحول إلى شبه ديوان حكومي وعالج وعاظه القضايا المفردة دون النظر إلى الروحي العامة ومحاولة معالجتها؛

وقد كان ذلك سببا في هجوم جماعة شباب محمد علي الأزهر وشيخه حيث لم يظهر لهم أثر في المجتمع الموبوء بل (وود منهم من يناصر أهل البدع والأهواء بدلا من أن يقوم بواجبه ويؤدي رسالته) ورأت أن الأزهر يحتاج إلى تقويم وأن الأزهريين يحتاجون إلى جهاد شاق وأن الله لا يرضى عن جمود الأزهر وجنوحه ولا يرضى عن الفساد ينتشر بين أرجائه وشيوخه لا هون وفي أعقاب وفاة الشيخ المراغي؛

وقبل تعيين شيخ جديد وجهت صحيفة جماعة شباب محمد هجوما على الأزهر وقالت فيه إن تهاون الأزهريين وعلى رأسهم كبار علمائهم في أداء واجبهم الديني هو السبب في انهيار الأزهر وضياع مهابته وتطاول الحكام عليه والتدخل في شئونه؛

وأن علماء الأزهر قد فرطوا في كرامتهم فأحبوا الدنيا وحرصوا على المال والمناصب فسكتوا عن تطبيق الشريعة وتغاضوا عن انتهاك حرمات الإسلام وأقبلوا على الحكام يستجدون رضاهم وحينما تواترت الأنباء عن اختيار الشيخ مصطفى عبد الرازق شيخا للأزهر هاجمته الجماعة شباب محمد..

وقالت إن له ماضيا لا يؤهله لذلك المنصب وأن للإنجليزي يدا في ترشيحه وأن سيرتقي هذا المنصب بقوة الحراب الإنجليزية وأن توليه هذا المنصب هو من علامات الساعة حيث أسند الأمر لغير أهله وعلى الرغم من أن أحد علماء الأزهر قد حاول الدفاع عنه فأرجع ضعفه وجموده للظروف السياسية وإلى الحكومات المتعاقبة التي لا تمكنه من أداء مهمته؛

إلا أنه قد أقر هذا الضعف والجمود وقد استحق الأزهر بهذا هجوم أحد علمائه عليه وهو الشيخ خالد محمد خالد الذي أصدر كتاب من هنا نبدأ والذي نال به شهرة على عبد الرازق في كتابه عن الخلافة ومع أننا لا نقر ما جاء في الكتاب من هجوم على الدين إلا أنه قد عبر فيه عن مدى التحلل الذي أصاب الأزهر وعلماءه؛

بل وإن من تولى الرد على هذا الكتاب وهو من علماء الأزهر أيضا محمد الغزالي كان أكثر منه هجوما على الأزهر فقسم علماءه إلى هواة ومجترفين وأن قصة صدور هذا الكتاب ليست إلا مأساة لرجل من علماء الأزهر رزق فضل حياة في عقله وضميره فكانت ثورته الجامحة على الدراسات الميتة والأعمال البليدة والكهانات الفارغة التي كانت السبب في شططه؛

وأن العلة الأولى لشرور هذا الكتاب هي انهيار هذه الجبهة التي تزعم العمل للإسلام وهي تغرس للناس الكفر وقال الغزالي إن محاولة العلماء خدمة الدين عن طريق الكلام الكثير خطة تسيء إلا الدين ويسيئون بها إلى أنفسهم لأن الرسول صلى اله عليه وسلم لم يلجأ إلى الوعظ إلا لماما؛

وبقدر ما يعينه على وظيفته الأولى وهي التربية وإعداد النفوس بالعمل والتربية والخلق القومي والأسوة الحسنة ومن ثم فإن الواجب هو العناية بالتنظيمات الشعبية وتأليف الجماعات التي تتعارف على العبادة وتتعاون على الخير وتتواصي بالحق وتتربص للعدو وتستعد للجهاد وهذا المسلك يفرض على العلماء تحديد موقفهم من الحكومة فيها حموها إذا تهجمت على الدين ويبصروا الأمة بحقيقتها إذا كانت منافية للدين.

ويصور الغزالي في كتاب آخر مدى الضعف الذي وصل إليه الأزهر وارتمائه في أحضان السراي ويضرب مثلا بحديث لشيخه عن أن فاروق يعلم من شئون الأزهر الكثير وكذلك بحديث لوكيله الذي قال: (اللهم إنك تعلم أن جلالة الملك فاروق بذل ماله في سبيلك ولم يدخر وسعا في خدمة دينك

ونستنتج من ذلك أمرين:

الأول: أن الأزهر قد خرج خاسرا من المعركة التي دارت بين اثنين من علمائه وهما الشيخ خالد محمد خالد ومحمد الغزالي وهو من علمائه المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين
والأمر الثاني: هو أن هذا الخلاف قد أدى إلى قلة إقبال الأزهريين على جماعة الإخوان إذا ما قورن بطلاب الجامعة المصرية وإذا ما أدركنا أن قرار حل جماعة الإخوان قد صدر في هذه الفترة نستطيع أن نلم بمدى الضعف الذي أصبحت عليه الجبهة المدافعة عن التيار الإسلامي بحيث لم تصبح قادرة على القيام بدورها كاملا حتى قبل أحداث سنة 1952.

الإخوان والطرق الصوفية

سبق أن تعرضنا لموقف البنا من التصوف ورأينا كيف أنه رغم نشأته الصوفية قد نأى بجماعته بعيدا عن أساليبها فيما اعتبر خروجا عن الإسلام الصحيح

فإذا ما أدركنا الانتشار الواسع لهذه الطرق ومدى سيطرتها على عقول السواد الأعظم من الناس لوجدنا أن أغلبها كان عونا للتيارات المعادية للإسلام بشكل جعلها حجة على الإسلام لا له.

ومع أن البنا قد اعتبر التصوف هو لباب الإسلام وأن الصوفية الصادقين من خيار رجاله الذين عملوا على نشره وإعزازه وتربية النفوس على مبادئه إلا أن خلافه مع الطرق الصوفية كان خلافا جوهريا حيث كان يعتبرها وسيلة لا غاية وتربية لا دروشة على أن هذا الخلاف كان ينصب على وسائل الطرق الصوفية المتبعة في الأذكار والموالد وغير بذلك أما الجانب الأصلي في التصوف وهو تربية النفس فلم يعارضه وإنما فسره تفسيرا جديدا وهو عدم الاستكانة والقبول بالأوضاع القائمة.

وقد اتبع البنا في علاقته مع الطرق الصوفية أسلوب المهادنة في البداية وكان يرمي من وراء هذا الأسلوب إلى تحقيق هدفين:

الأول: مراعاة منهج الذين انضموا لجماعته من الصوفية من أمثال صديقه أحمد السكري الذي كان رئيسا للجمعية الحصافية الصوفية بالمحمودية والتي شغل هو سكرتيرها ومصطفي الطير نائب الجماعة بالمنزلة والذي أصبح نائبا للإخوان في القاهرة وغيرهما كما أنه قد عمل على استقطاب أغلب المنضمين إلى هذه الطرق لذلك جعل من دعوته دعوة لا تعادي الطرق الأخرى ووسيلة للإصلاحي الشامل كما ضمن مبادئها أنها حقيقة وليست طريقة صوفية
أما الهدف الثاني: فكان محاولة إصلاح هذه الطرق وتصحيح مسارها وتنبيهها إلى حقيقة الأحداث وبالتالي مشاركتها في صد الهجوم على الإسلام أو بمعنى آخر إقناعها بمبادئ جماعته؛

وهذا الجانب قد استنفد منه جهدا ليس بالقليل وقد نشر العدد الثاني من مجلة الإخوان مقالا للبنا قسم فيه التصوف إلى ثلاثة تغيرات أولها يقصد به تطهير النفس من أدران البشرة حتى تصفو وتشرق وتكون مرآة للحقائق الربانية والأسرار الإلهية وثانيا أن التصوف يطلق ويراد به الأذواق والمواجد ونتائج الكشف التي تعرض للسالكين وتلوح للسائرين وهذا خاص بصاحبه لا يظهره ولا يكتبه ولا يصح أن يتخذ حكما شرعيا أو حجة لأحد؛

وهذا هو علم المكاشفة والمعنى الثالث الذي يطلق علي التصوف مأخوذ من المذاهب الفلسفة والآراء النظرية وهو هنا لا صلة له بالإسلام ولم يتحدث فيه الصوفية وقد كان النظر في التصوف بهذا المعنى سببا لبلاء كثير من المسلمين حيث تستروا في نيل شهواتهم تحت ستار من العقائد وقد نهى البنا عن التمسك بالنوع الثالث فقط.

ولتحقيق الهدف الثاني وهو إصلاح الطرق الصوفية نشرت صحيفة الإخوان المسلمين توجيها إلى كل من وزير الأوقاف وشيخ الأزهر كي يتعاونا في تنظيم الحركة الصوفية وتنقيتها من عيوبها وتوجيها إلى خير ما يجب أن توجه إليه جيوشها الجرارة في الحواضر والقرى؛

حيث إن التصوف قد أضر بالدين اليوم على هذه الصورة الدخيلة فأصبح شرا لا يطاق ولا يغتفر وكذلك لأن يعملا جهدهما لصيانة سمعة النبي صلى الله عليه وسلم في مولده الذي تواجد فيه داعي الرحمن إلى جوار داعي الشيطان وأقيمت مواخر الفسق وبيوت اللهو إلى جانب سرادقات الذكر وأروقة الصدق؛

ولا تكون ساحات المولد شباكا للصيد فالنبي قد بعث ليتمم مكارم الأخلاق كما أعربت جريدة الإخوان عن امتنانها لاختيار أحد رجالات الصوفية وهو السيد التفتازاني رئيسا لجمعية مكارم الأخلاق السلفية متمنية أن يحقق ذلك تقربا بين السلفية والصوفية ووجهت الصحيفة دعوة إلى الطرق الصوفية للوقوف بجانب جماعة الإخوان من أجل نصرة الحق وكانت هذه الدعوة سعيا من جماعة الإخوان لتوحيد أغلب الرأي العام قبل إعلانها الدخول في المرحلة الثانية وهي التي دخلت بعدها الميدان السياسي.

وعلى الرغم من أن البنا وصحبه من أعضاء جماعته قد حققوا نجاحا كبيرا في استقطاب أعداد كبيرة من الطرق الصوفية وضمهم إلى الجماعة إلا أنهم لم يحققوا نجاحا مماثلا في سبيل تحقيق هدفهم الآخر وهو محاولة إصلاح هذه الطرق ومن ثم لم يكن أمامه البنا سوى اتباع أسلوب آخر لتحقيق هذا الهدف وهو مهاجمتها؛

وخاصة أن جماعته قد أصبحت من القوة بحيث لا يمكن لهذه الطرق مجتمعة أو لإحداها أن تحاربها فضلا عن أنه لم يصبح في حاجة إلى ضم البقية منهم والذين جمدوا داخل هذه الطرق والذين قد يحركهم أسلوب المهاجمة فيتركوا الطريقة إلى الجماعة

وقد بدأت جماعة شباب محمد هذا الهجوم على أعقاب الحرب العالمية الثانية فنشرت جريدة النذير مقالا هجوميا جاء فيه أما آن لهذه الطرق أن ترجع لصوابها وتهتدي بهدى نبيها وآداب دينها أما آن لها أن تحل أحزابها وسجاداتها وتعتصم بحبل الله فيما تصنع وتسلك الصراط المستقيم ما الفائدة للمسلمين من وجود هذه الطرق؟

وأي خدمة إنسانية قام بها هؤلاء سواء للوطن أو للدين سوء تضليل الناس وإفساح المجال للخرافات وتقسيم هذه الأمة إلى شيع وأحزاب وتابعت جريدة الإخوان هذا الهجوم فنشرت عديدا من المقالات أبرزت فيها المساوئ التي تحدث في الموالد والاحتفالات؛

وكيف أنها تتيح الفرصة لعلاقات غير شريفة يرتكب تحت ستارها وهي مساوئ اعتادت على إبرازها وطالبت بضرورة العمل من قبل الحكومة للقضاء على هذه البدع والخرافات كما نشرت سلسلة من المقالات بعنوان أسياد سيكولوجية الزار عددت فيها المظاهر السيئة لهذه الطرق محذرة الناس من اتباعها وداعيا لإصلاحها وقد أدى هذا الهجوم إلى خروج بعض الصوفية من أعضاء الإخوان عن الجماعة مثل مصطفي الطير وربما كان ذلك من أسباب خروج السكري أيضا وإن كان هذا مجرد افتراض.

الإخوان وشباب محمد والانشقاقات

سبقت الإشارة إلى جماعة شباب محمد تكونت نتيجة لانشقاق حدث في صفوف الإخوان المسلمين وعلى الرغم من أن الجماعة المنشقة لم تخرج في الغالب عن مبادئ الإخوان إلا أن خصومة شديدة قد وقعت بين الجماعتين وشنت جماعة شباب محمد هجوما قويا على الإخوان وقبل الدخول في تفاصيل هذه العلاقة نستعرض ما حدث من انشقاقات في جماعة الإخوان

ويشير البنا في مذكراته إلى أول شقاق خلاف حدث داخل جماعه وهي مازالت بعد في الإسماعيلية فحينما أراد أن يرشح من يحل محله في قيادةة الجماعة قبل انتقاله إلى القاهرة وقع اختياره على نجار يدعى الشيخ الجداوي وحسب رواية البنا اعترض أحد أعضاء الجماعة ممن يحملون شهادة العالمية؛

حيث كان يرى في نفسه أكثر كفاءة وعلما وأقدر وأكبر أهلية لهذا المنصب من هذا النجار ولهذا دبر عملا محكما مرسوما حيث استعان بأصدقائه في الجماعة ووسوس لهم وأوضح لهم أن هذا ظلم مبين لكونه أكثر إنفاقا وجهدا وإخلاصا للبنا كما أنه سيقوم بمتطلبات الإمامة وتطوعا في وقت يحصل فيه المرشح على أجر؛

وقد اعترف البنا بدور الرجل في الدعوة وأراد أن يقضي على هذه الفتنة فأعاد الانتخاب ونجح مرشحه ثانيا النجار ولم تقف الفتنة عند هذا الحدث حيث أشاع المعارضون عن أن اختيار البنا لمن يحل محله يرجع إلى خشيته من ديون الجماعة؛

وتمكن البنا من القضاء على ما أشيع بكتابه الديون على نفسه واستمر هؤلاء القلة من المنفصلين بعد استقالتهم يناوشون الجماعة في شكل تقديم شكاوي كيدية للتشكيك في أهدافها وركزوا في أغلب شكاواهم على فقدان نظام الجماعة للشورى الحقيقة وسيطرة البنا عليها؛

وهي نفس النقطة التي ركز عليها كافة المنشقين عن الجماعة وكذلك المناوئين لها كما أن اعتداء بعض أعضاء الجماعة على المنشقين بالضرب قد دفع أحد المناوئين لأن يعتبر أن البنا وجماعته قد تعودوا هذا الأسلوب في معالجة قضاياهم والتعامل مع خصومهم على أن ذلك كان حادثا فرديا لم يؤثر على خط سير الجماعة.

وتعرضت الجماعة لانفصال مماثل حينما انفصل عنها مندوب شعبيتها بالقليوبية ويدعي محمد أفندي عزت حيث نشر بيانا حمل فيه على الجماعة وشاركه في هذا البيان ثلاثة من طلاب الحقوق كانوا من أعضاء الكتائب في الجماعة وقد اكتفى مكت إرشاد الجماعة بفصلهم من عضويته.

ويلي ذلك انشقاق المجموعة التي كونت جماعة شباب محمد في سنة 1939 ونضيف إلى ما سبق ذكره من عوامل الانفصال عوامل أخرى تضمنها بيان نشر في العدد الأول للنذير بعد أن آلت ملكيتها لجماعة شباب محمد

وقد حصر هذا البيان أوجه الخلاف بين الجماعتين في أربع نقاط نوردها بالنص وهي:

  1. الشوري: ويرى المرشد العام للإخوان المسلمين أنه لا شورى في الدعة وأن الدعوة إنما ينهض بها فرد واحد له أن يأمر وعلى الجميع أن يطيع وقد خالفاه في هذا الرأي وأصررنا على موقفنا لأن في رأي فضيلته مخالفة للنظام السياسي للإسلام وتحديا لمصدرية العظيمين الكتاب والسنة (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاروهم في الأمر) وقد حاولنا أن نتفاهم مع فضيلته كثيرا فأبى إلا أن يكون رأيه الفصل ولو كان في ذلك إقصاء للمخلصين من الإخوان المسلمين ثم عاد إلى التعلل أخيرا بأنه لم يجد في الإخوان من هو أهل للشورى وهذا ما لا نقره عليه
  2. العمل تحت لواء الحاكمين بغير ما أنزل الله:من مبادئ الإخوان المسلمين أنه لا نجاح للدعوة إلا بقوة الشعب الذاتية وتوجيه الرأي العام توجيها إسلاميا خالصا دون الاعتماد على الحكام ولكن الأستاذ يقصد النبا حاد عن هذا المبدأ القويم معلنا أن نجاح الدعوة مرهون بإرضاء الحكام والعمل تحت ألويتهم الحزبية وأخذ يسلك سبلا متفرقة ما بايعنا الله عليها وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله متناسيا ألا أملا للإسلام فيهم وأنهم يحكمون بغير ما أنزل الله (لا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون) عارضنا هذا بكل قوة مردين أقوال فضيلته بأننا إسلاميون غير حزبيين وأننا نعمل لله ولرسوله لا لزعيم ولا لحزب فأبى إلا العمل برأيه وأصر على المضي فيه (أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكما)
  3. التلاعب المالي: طلبت من فضيلته تكوين هيئة قوية لمراقبة المال والمحافظة عليه لتكون مسئولة أمام الإخوان فأعرض فضيلته وأصم أذنيه عن هذا القول الذي نعده طلبا عادلا يتفق مع أبسط مبادئ الإدارة وكان نتيجة عدم الأخذ بهذا الرأي أن أنفقت أموال كثيرة لا نقول في أغراض شخصية ولكن على الأقل في غير الأغراض التي جمعت من أجلها فأولا: جمع سنة 1939 (300 جنيه) كان يجب الاحتفاظ بنصفها في الخزينة ولم يبق منها شيء ثانيا: جمع لفلسطين (570 جنيها) لم يسدد منها سوى 465 جنيها وأنفق الباقي على شئون الجمعية الخاصة ولما رد بعض الإخوان عليه ردا شرعيا أبدى استعداه لجمعه وإرساله.
  4. تطهير الدعوة: ألححنا على فضيلته ورجوناه غير مرة أن يحرص على طهارة الدعوة بإقصاء كل الأعضاء الذين تشوب أخلاقهم الشوائب ليسلم هذا البناء الذي كنا وما زلنا نفتديه بأنفسنا وحتى يسمو عن المظان والشبهات وكان من بين هؤلاء الأعضاء أشخاص اعترف فضيلته في أحاديث متعددة بعد أن تبين من تحقيقات أجراها بنفسه بأن في وجودهم إضرار بسمعة الدعوة من الناحية الخلقية ولكنه أصر على بقائهم فضلا عن أنه أسند إليهم أعمالا رئيسية وأخذ يشيد بذكرهم في رحلاته إلى الصعيد وغيره.

وتشير أغلب نقاط الخلاف في هذا البياني إن لم تكن جميعها إلى سيطرة البنا على الجماعة سيطرة كاملة لما منحه قانونها له من سلطات طغت على مبدأ الشوري مما جعل المنشقين يتهمونه بالديكتاتورية ويضربون مثلا بتعطيله مكتب الشوري العام المقرر عقده كل شهر لمدة عام ولم يكن للجان حق الشوري سوى في الإجراءات الإدارية أما سياسة الجماعة فكانت متروكة لتصرفه وحده؛

وقال المنشقون إن استمرار ذلك ينبئ بمزيد من الانشقاقات فضلا عن توقف الانضمام للجماعة ونشرت النذير عديدا من المقالات التي تدين البنا في هذا الجانب وذكروا قوله لنفر من جماعته في خطبة عامة إنه تسلم الراية من رسوله الله وإنه بهذا يريد أن يفهم أعضاء جماعته أنه مؤيد من قبل الرسول وليس لأحد أن يحاسبه أو يراقبه وأنه بهذا يريد أن يحتكر الدعوة الإسلامية وأن ذلك استغلال للسلطة باسم الدين وهدم لمبادئ الإسلام في الإمامة والسياسة والحكم وأنه بهذا لا يجب أن يعاونه أحد على ظلمه.

وقد رد البنا على تهمة صرف جزء من الأموال المجموعة لمساعدة فلسطين بأن ذلك يجعل الجماعة أكثر فعالية وأن ذلك ليس من الأمور التي تلحق الضرر بالفلسطينيين بل تساعدهم وقد قبل معظم أعضاء الجماعة بوجهة نظره.

أما بخصوص علاقة الجماعة بالقوى السياسية وبالأخص بعلي ماهر فقد رفض البنا بقبولها من زاوية أنه أداة للحكومة في وقت كانت فيه العلاقة قائمة بالفعل بحكم تلاقى الأهداف وقد طالب المنشقون بفصل أحمد السكري صديق الشيخ والي نقل إلى القاهرة خصيصا لكي يقوم بدور الوسيط بين الجماعة وعلي ماهر وبالطبع؛

فقد قوبل ذلك بالرفض من قبل البنا كما طالبوه بالالتزام بما أقرته الجماعة على لسان البنا في عدم التورط مع الأكابر والأعيان والأحزاب والجماعات السياسية وكان رفض البنا دليلا على رغبته في دخول المعترك السياسي مرتضيا ما يصحبه من خصومات بدت في أولها ضد الوفد فاتفقت مع ميول الحكومة القائمة فمنحت الجماعة مزيدا من الامتيازات وكان هذا هو السبب الرئيس في الانشقاق وكتب رئيس الجماعة المنشقة عدة مقالات تتهم البنا بممالأة الحكام؛

وأنه في ذلك لا يختلف عن هؤلاء الحكام الذين جمعوا بين الدعوة للاستقلال والرضا بالاحتلال وكان من بين عوامل الانشقاق كذلك هو أن المجموعة المنشقة كانت لا توافق البنا في سياسته المرحلية فمالت إلى التطرف وأرادت أن تتعجل النتائج دون الإعداد لها وغرها ما رأته من قوة نظام الكتائب في الجماعة؛

فأرادت أن تطبق حديث رسول الله (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فوجه البنا تحذيرا إلى هؤلاء المتعجلين وكان يرى الالتزام في هذه المرحلة بقول الله تعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) وقد لقي تحذير البنا ومن خلال الثقة في تصرفه صدى في صفوف الجماعة سوى هذه القلة من المنشقين التي قيل إن واحدا منها قد حاول الاعتداء على حياته سنة 1939 لهذا السبب.

وعلى الرغم من أن هذا الانشقاق لم يؤثر في تطور جماعة الإخوان ولم تتوقف بالتالي برامجها إلا أن الجماعة قد تأثرت به في بعض الجوانب حيث أصبحت بلا جريدة بعد أن آلت النذير إلى جماعة المنشقين؛

كما تأثر برنامج تنظيم وتدريب الكتائب الذي أعيد في شكل نظام الأسر فضلا عن أن الجماعة قد رأت نفسها في حاجة إلى موقف حاسم وفعلي وهذا ما حاولت القيام به خلال سنوات الحرب العالمية الثانية أما عن العلاقة بين الجماعتين فقد وجهت جماعة شباب محمد حملة شديدة على جماعة الإخوان كان أغلبها مركزا على شخص البنا وقد بدأت النذير حملتها على أثر صدور بيان من الإخوان المسلمين يوضح أن الخلاف بينهما خلاف شخصي وليس خلافا على مبدأ فاتهمت الجريدة البيان بالضعف؛

كما اتهمت البنا بحبه وسعيه لألقاب التقديس والزعامة والقيادة وأنه نفسه تحدثه بالجاه والسطوة والسلطان قبل أن تحدثه بالجهاد والتضحية والصبر على المكاره وأنه لا يرضى أن يعمل بجانبه من يحس منه المنافسة في الزعامة والإمامة وقالوا إن لديهم تفاصيل كافية لهدمة ووصفت النذر زعماء الإخوان بأنصاف الرجال وبالتذلل والمجاملة للحكم؛

وأن شباب محمد برئيون من هؤلاء الزعماء وأنهم ضد من يركز أمله حول هدف واحد هو أن الحكم والأمانة والإصلاح وقف عليه ومن يكرس جهوده لكتابة المذكرات وإلقاء الخطب وفي مقال للنذير عما يجب أن يعتصم به المسلمون أشادت بأسلوب التطرف في الدعوات وهاجمت جماعة الإخوان التي أفسدها الاعتدال والتسامح بعد أن اشتد ساعدها وحينما؛

أشيع عن محاولة نقل حسين يوسف رئيس شباب محمد إلى خارج القاهرة اتهمت النذير الأوكار الرجعية مشيرة إلى الإخوان المسلمين في التدبير لذلك وقالت إنه كان يعمل منذ ثلاث سنوات في جماعة ضالة مهرجة وكان ظنه بها حسنا وكان يحتل المكان الأول في صفوفها.

وقد نشرت النذير بيانا لشعبة قالت إنها قد انشقت على الإخوان وهي شعبة الإخوان بأسيوط وكان البنا يحمل هجوما لاذعا على مرشد الإخوان حيث يتهمه بخيانة العهود ونقض المواثيق وارتكاب الآثام وأن أعماله قد فرقت بين الإخوان وشتت شملهم وقد أعلنت النذير عدم صلة شباب محمد بهذه الشعبة المنشقة ولم تؤكد الوثائق وجود مثل هذه الانشقاق الأمر الذي يدل على أنه فرصة قد اختلقتها الجماعة المنشقة للهجوم على الإخوان ومرشدهم؛

وحينما قامت جماعة شباب محمد بترشيح من ينوب عنها في دائرة مصر القديمة في انتخابات مجلس النواب قبيل نهاية الحرب الثانية قام الإخوان بترشيح مندوب لهم في نفس الدائرة الأمر الذي أغضب شباب محمد حيث لم يكن لهم سوى هذا المرشح وطلبوا من الإخوان إعادة النظر وترك الدائرة لمرشحهم ونشرت النذير تأييدا لوجهة نظرها من رئيس جمعية الجهاد الإسلامي.

ووجهت جماعة الإخوان تهمة الخيانة لجماعة شباب محمد كما اتهمت زعماءها بأنهم مأجورون وأنهم أخذوا بعض الأموال من جهة أجنبية للوقوف ضد الإخوان وردت النذير بتوجيه نفس التهم للإخوان وقالت لو كان ذلك حقيقة لا فتتح شباب محمد مئات الشعب ولأقاموا الاجتماعات الضخمة ذات المكبرات العديدة ولاشتروا القصور الفخمة العالية بل إن دارهم لا تساوي في أثاثها شعبة من شعب الإخوان.

وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية خفت حدة التراشق بين الجماعتين بل حدثت محاولات للتوحيد بينهما وبدأ ذلك بوساطة قام بها شيخ يدعى سعيد نافع لتحقيق التضامن والوحدة ووقف سلسلة الهجوم بينهما وعقبت النذير على ذلك باستعداد عند الإخوان؛

كما نشرت نداء من الجمعيات الإسلامية تدعو فيه لتوثيق الجهود بينهما إلا أن هجوم شباب محمد على الإخوان قد عاد حينما تكونت لجنة قومية ضمت الإخوان ومصر الفتاة وعرب الأنصار والأحرار الدستوريين والسعديين وحزب الفلاح والكتلة والعمال والتجار وغيرها وعاتبت النذير هذه اللجنة المكونة من هيئات غير متجانسة ورأت أن الواجب اقتصارها على جماعات إسلامية تضم شباب محمد ومصر الفتاة والإخوان؛

وقالت إن اللجنة المشكلة تكونت بناء على رغبة الحكومة لكبح جماح الحركة الوطنية وأبدت ارتياحها لخروج الإخوان منها حيث حل محلهم الحزب النسائي كما وجهت النذير عتابا آخر لجريدة الإخوان اليومية حيث غلبت فيها المقالات السياسية على مقالات الدعوة؛

وأن بهائيا شترك في إداراتها وطالبتها بالعودة إلى التوجيهات الإسلامية والحملة على الفساد والاستعمار والمطالبة بالحكم الإسلامي وكذلك لأنها تنشر إعلانات لمحلات يهودية ويعب ذلك اجتماع لمجلس شورى شباب محمد للبحث عن وسيلة لتحقيق الوحدة مع الإخوان فانتدب وفد لمقابلة المرشد العام ليوجه إليه أسئلة لاستيضاح أبعاد هذه العلاقة ثم يحدث لقاء بين رئيسي الجماعتين

وتقف النذر إلى جانب صحف الإخوان في التصدي لحملة سلامة موسى ضد الإخوان ولكنها في نفس الوقت تعتب على مرشد الإخوان لجوءه إلى بطريرك الأقباط لأن ذلك أسلوب فيه استعطاف وترج ولأن البطريرك لا يمثل سلطة تنفيذية وكان الأجدى الشكوى لحكومة مسلمة ليأخذ الظالم جزاءه.

وشهد عام 1947 انشقاقا آخر في صفوف الإخوان المسلمين ومع أن هذا الانشقاق كان أقل حجما من انشقاق 1939 الذي أسفر عن تكوين جماعة شباب محمد إلا أنه كان أخطر انشقاق شهدته الجماعة سواء لأهمية المنشقين الذي كان على رأسهم نائب الجماعة أحمد السكري أو لخطورة أحداث هذا العام حيث كان له تأثيره الكبير على الدور الذي لعبته الجماعة في هذه الأحداث وقد أدى بالتالي إلى إضعاف الجماعة داخليا فضلا عن إسهامه في زيادة حدة الهجوم من مناوئيها.

وتمتد جذور هذا الانشقاق إلى نهاية عام 1945 حيث نقل البعض ومنهم أربعة من أعضاء مكتب الإرشاد إلى البنا أن سكرتيره العام وزوج شقيقته عبد الحكيم عابدين يشتغل سلطته في انتهاك حرمة البيوت وأعراض الإخوان وظلت هذه التهم محصورة بين البنا وبين المبلغين حتى منتصف عام 1946؛

وقد كلف البنا سريا أحد نواب الجماعة وهو الدكتور إبراهيم حسن بالتحقيق وقبل الوصول إلى نهاية التحقيق كانت أخبار قد تواترت حول هذه المسألة إلى غالبية أعضاء الجماعة الأمر الذي أدى إلى حدوث اضطراب في صفوفها..

فتقدم الدكتور إبراهيم حسن باقتراح يقضي بفصل عبد الحكيم عابدين من الجماعة لكن اقتراحه لم يوافق عليه وقد أمر البنا بتكوين لجنة من كبار أعضاء الجماعة لتقصي الحقائق حول هذه القضية واستمر علم اللجنة عدة شهور فتقدم بعض الشاكين باقتراح آخر شبيه بالاقتراح السابق ويقضي بفصل عابدين كإجراء تطهيري ولدرء خطر الخلاف داخل الجماعة وخاصة أن أحد الشاكين قد وصفوا عابدين براسبوتين الجماعة؛

وكان ينبغي على البنا أن يرضخ لرأي أغلب أعضاء الجماعة وعلى رأسهم أعضاء مكتب الإرشاد ويقوم بفصل صهره عابدين وخاصة بعد أن صوت مكتب الإرادة ويقوم بفصل صهره عابدين وخاصة بعد أن صوت مكتب الإرشاد بثمانية أصوات مقابل صوت واحد لصالح قرار الفصل لكن البنا لم يدرك حساسية موقفه وأعاد عرض الأمر على الهيئة التأسيسية لإعادة التحقيق وكان من الطبيعي أمام ذلك أن يتهم البنا بمحاولة التأثير على هذه الهيئة.

وعلى الرغم من أن هذه الهيئة قد أقرت ببراءة عابدين وأعقبها رفض مكتب الإرشاد لقراره إلا أن البنا عاد لتيدارك موقفه ويعد بإبعاده عن كافة الأنشطة ثم إقناعه بعد فترة بتقديم استقالته ولم يرض ذلك الموقف من البنا بعض أعضاء الجماعة فقدم الدكتور إبراهيم حسن استقالته احتجاجا في 27 أبريل 1947؛

وكان قد سبق هذه الاستقالة قرار من المرشد العام بإيقاف كل من أحمد السكري وكمال عبد النبي والدكتور إبراهيم حسن عن مزاولة حقوق عضوية الهيئة التأسيسية وقد كان لموقف البنا أثر بالغ في نفوس أعضاء الجماعة جعل الموقف لم ينته عند هذا الحد؛

بل هيأ هذه النفوس لانشقاق جديد حيث أعقب خروج الدكتور إبراهيم حسن خروج أحمد السكري وترجع أسباب خروج السكري إلى علاقة الجماعة بالوفد وخاصة بعد أعمال العنف وانفصال عمل كل نهما أثناء وزارة صدقي مما أدى إلى إضعاف الحركة الوطنية وكان السكري يتزعم فكرة توحيد العمل بين جماعته والوفد؛

إلا أن البنا كان يشترط لتحقيق ذلك أن يتبنى الوفد مبادئ الجماعة في وقت كان يرى فيه السكري أن اندماجهما سيحقق التكامل الروحي للوفد وأنه سيفسح المجال للجماعة كي تدخل الانتخابات بثقل أكبر وتستطيع أن تتولى سلطة الحكم؛

كما كان يرى في نفسه الزعيم السياسي للجماعة وللبنا جانب النهوض بالدعوة ويمكن القول بأن كلا الرجلين البنا والسكري كانا يوافقان على دخول المعترك السياسي ولكنهما اختلفا على استئثار كل منهما بالزعامة حيث شعر السكري أن منصب نائب رئيس الجماعة لا يجعله يأخذ المكانة الكافية؛

وكان أدنى ما يسعى إليه هو تقسيم السلطة بينه وبين المرشد حتى يتمكن من كسر حدة التأييد الكامل له في الجماعة والحد من سلطاته أما البنا فقد أحال هذا الخلاف للهيئة التأسيسية لمساءلة السكري وإصدار قرار بفصله من قبلها؛

والذي يراجع مذكرات البنا ويرى ما كان يكنه للسكري من محبة يدرك أن ذلك القرار كان عسيرا على نفسية البنا في وقت كان ينتظر منه مشاركته في أعباء الدعوة لكن هذه الأحداث قد جعلت البنا أكثر اعتمادا على نفسه في إدارة أمور جماعته وأكثر دقة في اختيار شركائه الضروريين فيها.

وفي الوقت الذي كان فيه البنا يجمع جهوده في مقاومة خصومه ومواجهة الأحداث يلجأ السكري ومعه الدكتور إبراهيم حسن إلى صحيفة الجماهير اليسارية لينشر فيها مقالات هجومية ضد وضد جماعته ويتهمانه بالعمالة لصدقي والنقراشي وهي نفس التهم التي توجهها التنظيمات اليسارية والوفد؛

ويتهم السكري البنا بالغدر به ويلوح بأنه قد تقاضى أموالا من الإنجليز وعلى الرغم من أن الوثائق وسير الأحداث لم يؤكدا صدق هذه التهم إلا أن ذلك قد ترك تأثيره على الجماعة وكان من العوامل التي مهدت لإصدار قرار حلها في نهاية عام 1948

وهكذا نجد أنه باستثناء انشقاق شباب محمد كانت عوامل التفتت الأخرى منبثقة عن صراعات شخصية ويرجع بعضها إلى السلوك الشخصي الذي هو لب الدعوة وبدا آخرها في شكل الطموح على الزعامة الذي كان حالة فردية.

الفصل السادس:الإخوان المسلمون والمجتمع المصري

تحت عنوان الإخوان المسلمون والمجتمع المصري صدر أول بحث كتب عن الجماعة وعلى الرغم من أن هذا البحث قد تناول العديد من جوانب الدور الذي أدته الجماعة في المجتمع إلا أنه كان قاصرا في النظر إلى جوانب أخرى لا تقل أهمية عن نظيرتها التي تناولها البحث كموقف الجماعة من فئات المجتمع المصري وعلى رأسها الفلاحون والعمال وهما الفئتان اللتان تشكلان الأساس الهام للمشكلة الاجتماعية والاقتصادية وكذلك موقف الجماعة من الأقباط والجاليات الأجنبية وهم يمثلون جزءا هاما في إطار هذه المشكلة سواء من حيث وضعهم الاجتماعي أو من حيث دورهم في المجتمع.

لهذا فإن دراستنا ستشمل موقف الجماعة من أهم القضايا الاجتماعية كقضية المرأة وقضية التعليم وكذلك موقفها من الفئات الاجتماعية حتى يتضح من خلال الموقف مدى إسهام الجماعة في حل المشكلة الاجتماعية والاقتصادية.

وينبغي أولا أني نوضح الأساس الفكري للجماعة والذي حدد موقفها من المشكلة الاجتماعية والاقتصادية في مصر فمن منطلق إيمانها بفكرة شمول الإسلام رأت أن من أهم واجباتها محاولة وضع الحلول التطبيقية لإصلاح المجتمع وعلاج أمراضه.

وكان محور الفكر الإصلاحي الذي قدمته الجماعة لمناقشة المشكلة يكمن في احترام قواعد الإسلام وتعاليمه والسعي لتطبيق هذه القواعد والتعاليم لإصلاح لا لتغيير هيكل النظام القائم لتحقيق العدالة الاجتماعية التي تعني كسر حدة الحرية الفردية المطلقة كما هي عند الرأسماليين وكذلك الجماعية التي يدعو لها التيار الاشتراكي ومن هنا يرى البعض أن برنامجها قد نال في الإصلاح تأييد كبار الملاك وأصحاب رؤوس الأموال.

فبالنسبة لموقفها من الرأسمالية طالبت باستقلال النقد وتدعيم الغطاء الذهبي له وتأميم البنوك وتمصير الشركات وإحلال رؤوس الأموال الوطنية محل رؤوس الأموال الأجنبية وتخليص المرافق العامة والتحول للتصنيع إن الله يحب المؤمن المحترف؛

وفسر البنا كيف أن الإسلامي قد فرض ضريبة على رأس المال كله وليس على الربح وحده وهي ضريبة الزكاة حتى تكثر الأموال وتتداول فتتحقق المصلحة الخاصة والعامة ويسهم ذلك في رفع مستوى المعيشة كما أوضح الفائدة الاجتماعية من تحريم الربا وضرب مثلا بتحريمه في روسيا بعد أن تبينت هذه الفائدة؛

ولو أننا نلفت النظر إلى أن الربا سقط تلقائيا مع سقوط النظام الرأسمالي في روسيا وقد تضمن القانون الأساسي للجماعة العمل على تنمية الثروة القومية وحمايتها وتحريرها ورفع مستوى المعيشة وطالبت الجماعة كذلك بتشجيع الصناعات المنزلية واليدوية كالغزل والنسيج بالأنوال الصغيرة وصناعة الصابون والعطور لشغل وقت سيدات البيوت فضلا عن موقف الجماعة إلى جانب العمال حيث عملت على تحويل مسار حركتها حتى لا تكون أرضا لانتشار الفكر اليساري وهذا ما سنلقي الضوء عليه في جزء لاحق من هذا الفصل.

أما عن موقفها من كبار الملاك فكان لها السبق في الدعوة إلى تحديد الملكية فقد كان البنا أول مصري يرتفع صوته في أحد دروس الثلاثاء كم تملك الأسرة المالكة في مصر وطالب بإعادة النظر في نظام الملكيات في مصر وحصر الملكيات الكبيرة وتعويض أصحابها عن حقهم بما هو أجدى عليهم وعلى المجتمع وتشجيع الملكيات الصغيرة حتى يشعر الفقراء المعدمون بأنه قد أصبح لهم في هذا الوطن ما يعنيهم أمره ويهمهم شأنه وأن توزع أملاك الحكومة حالا على هؤلاء الصغار حتى يكبروا؛

وقد رأت الجماعة أن مصر لا تشكو من قلة الموارد بقدر ما تشكو من سوء توزيع الثروة وأن ذلك لو تحقق كفيل بالقضاء على أغلب المشاكل الاجتماعية فضلا عن مساهمته في تخفيف حدة الفوارق الطبقية فيعيش الجميع فقراء وأغنياء في يسر وتصبح مشكلة كمشكلة تحديد النسل ليست بالقضية الهامة أو الرئيسية في المجتمع كما حاربت الجماعة ما يبدو من مظاهر الترف والإسراف وإقامة حفلات البذخ في بيوت الأغنياء من رأسماليين وكبار ملاك.

وقد سعت الجماعة إلى أسلوب تطبيقي في بعض مؤسساتها الاجتماعية والاقتصادية بل إنها قد تحولت بفروعها في أعقاب الحرب الثانية إلى مؤسسات اجتماعية وسلمت سجلاتها لوزارة الشئون الاجتماعية حتى توسع ميادين عملها في ظل القوانين القائمة وأصدرت لائحة لتنظيم أقسام البر والخدمة الاجتماعية.

الإخوان وقضايا المجتمع المصري

قضية المرأة

لما كانت مسائل السلوك الشخصي تدخل في صميم اهتمامات جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من الجماعات الإسلامية فقد كانت التغيرات التي دخلت على حياة المرأة المصرية مثيرة لردود فعل بين أعضاء الجماعة لذلك رأينا أن نضع هذه القضية في بداية موقف الإخوان في قضايا المجتمع المصري.

ولهذه القضية وحسب تطورها جوانب مختلفة ففي البداية ظهرت في صورة الحجاب والسفور ثم تطورت إلى مسألة تعليم المرأة والمطالبة بدخولها الجامعة اختلاطها بالشباب ثم انتهت في شكل الحقوق السياسية للمرأة.

وقد طرحت قضية الحجاب حينما اصدر قاسم أمين كتابه الأول تحرير المرأة سنة 1899 وكتابه الثاني المرأة الجديدة سنة 1901 وقد ذهب المؤلف في كتابة الأول إلى أن الحجاب ليس من الإسلام في شيء وأن الشريعة كليات وحدود عامة ولو تعرضت لجزئيات لما أخذت صبغة الدوام في كل أمة في كل زمان وأن الأحكام المبنية في المعاملات والعادات تتغير حسب أحوال الزمان والمجتمعات على ألا يخل بالشريعة في أي من أحكامها؛

وقد تناول في كتابه مسائل أربع وهي الحجاب واشتغال المرأة بالشئون العامة وتعدد الزوجات والطلاق وناقش هذه المسائل من زاوية المتأثر بالحضارة الغربية وقد بدا في كتابه الثاني أكثر وضوحا في الدعوة للأخذ بأساليب هذه الحضارة وخاصة فيما يتعلق بما وصلت إليه المرأة الأوربية؛

وما حصلت عليه من حقوق وتبع صدور هذين الكتابين ضجة في الرأي العام المصري كان مؤيدوه فيها قلة من المثقفين أما معارضوه فكانوا يمثلون الواقع المصري وكان على رأس المعارضين لهذه الدعوة مصطفى كامل الذي كان يرى أنها لا تتفق وتقاليد المجتمع المصري والدين الإسلامي؛

كما راعه ما لمسه من شقاء المجتمع الأوروبي بسبب سفور المرأة وكيف حرمت البيوت الأوربية وآبائهم وأخواتهم فأبت عليه نفسه أن تكون المرأة المصرية معذبة محرومة كالمرأة الأوربية وراح يلح في أن تصان في البيت كريمة معززة ولكن بعد أن تأخذ حقها كاملا من التربية والتعليم في المدارس؛

وقد ظل أتباع مصطفى كامل يعارضون هذه الدعوة وكان ذلك من أهم الأسباب التي جلبت مزيدا من التأييد الجماهيري للحزب وزعمائه على أن دعوة قاسم أمين قد لقيت رواجا في أسر كبار الملاك وأصحاب رؤوس الأموال فضلا عن تأثر بعض الأسرار المرتبطة مصالحها بمصالح هذه الأسر.

وكان اشتراك المرأة في ثورة سنة 1919 من أهم عوامل اشتداد هذه الدعوة وظهر لأول مرة ما سمى بالحركة النسائية بزعامة زوجة واحدة من الباشوات الأعيان وهي هدى شعراوي زوجة علي باشا شعراوي فسافرة إلى باريس وأمريكا لدراسة شئون المرأة وأحاطها المجددون بضجيج إعلامي حيث نشروا تصريحاتها وأحاديثها في صحفهم بالإضافة إلى المقالات التي نشرتها هذه الصحف مصورة وضع المرأة الأوربية داعية إلى ضرورة مطالبة المرأة المصرية بنفس الحقوق.

وكان على رأس الذين تصدوا لهذه الدعوة في أعقاب الحرب الأولى مصطفى صادق الرافعي فقد نشر قصة مسلسلة بعنوان: الطائشة رد فيها على قاسم أمين وسخر من وضع الفتاة التي سارت في طريق السفور والتحرر، كما وجه اللوم إلى مناهج التعليم لا تقدم للفتاة ما ينفعها في دينها ودنياها وكذلك إلى الحكومة التي قصرت في توجيه الناس وإرشادهم.

وقد حظيت هذه القضية باهتمام كبير عند كافة الجماعات الإسلامية فنشرت مجلة الشبان المسلمين منذ الأعداد الأولى لصدورها عديدا من الأبحاث والمقالات التي تهاجم السفور وزخرت هذه الأبحاث والمقالات بآراء كتاب الغرب الذين دعوا إلى ضرورة بقاء المرأة في بيتها بعد أن تنال حظها من التعليم الذي يساعدها على أداء مهمتها في تربية جيل صالح وأوضحت أن هذه الدعوة لا تخرج عن دعوة الإسلام.

على أن جماعة الإخوان المسلمين لم تقف عند حد مناهضة الدعوة نظريا بل انتقلت بدعوتها إلى أسو تطبيقي وهي مازالت بعد في الإسماعيلية فأنشأت مدرسة للنبات أطلق عليها مدرسة أمهات المؤمنين ووضع لها منهاج عصري يجمع بين آداب الإسلام ومفاهيم العصر؛

وقد آلت ملكية هذه المدرسة فيما بعد لوزارة المعارف كما ألحق بها قسم الأخوات المسلمات يتألف من نساء الإخوان وأقربائهم يدرس فيه مدرسات المدرسة وقبيل انتقال مركز الجماعة من الإسماعيلية إلى القاهرة تألفت فرقة الأخوات المسلمات أعلن أن الغرض منها التمسك بالآداب الإسلامية والدعوة إلى الفضيلة وبيان أضرار الخرافات الشائعة بين المسلمات؛

واتخذت من الدروس والمحاضرات في المجتمعات الخاصة بالسيدات والنصح الشخصي والكتابة والنشر لتحقيق هذا الغرض وقبلت الفرقة في عضويتها كل مسلمة تود العمل على مبادئها وتقسم قسمها على عهد الله وميثاقه أن أتمسك بآداب الإسلام وأدعو إلى الفضيلة ما استطعت وقد عين المرشد العام باعتباره رئيس الفرقة وكيلة عنه تكون همزة الوصل بين الفرقة وبينه واعتبر جميع أعضائها أخوات في الدرجة والمبدأ وكانت تبرعاتهن إحدى المصادر المالية للجماعة.

وباركت الجماعة قيام فريق من سيدات الأسر الكريمة بتأليف جماعة منهن للدفاع عن الإسلام بالعمل عن إيواء البنات الفقيرات وتوفير العمل الشريف لهن في مستقبلهن وزيارة بيوت الفقيرات وبث التعاليم الإسلامية في نفوسهن حتى يدرأن عنهن خطر المبشرات وإن كانت الجماعة قد أعلنت تحفظها في مسألة تشغيل المرأة.

وتولت الجماعة الرد على الموجة السائد والتي تدعو للاختلاط والسفور وكذلك حظ المرأة في التعليم وأعلنت أن تعليم البنت وتثقيفها وتهذيبها وتربيتها أمر لا محل للنزاع فيه أما وظيفتها في الحياة فهي إدارة المنزل وتربية الأولاد وأعلنت رفضها لدعوة الاختلاط الجنسين في التعليم

وعلى الرغام من أن الإخوان قد عارضوا معاهدة 1936 إلا أنهم انتهزوا فرصة الاستقرار المسألة الخارجية وأصدروا عدة نشرات توضح مطالبهم كان من أهمها علاج قضية المرأة علاجا يجمع بين الرقي والمحافظة ومقامة التبرج والخلاعة وإعادة النظر في منهج تعليم البنات وتحريم اختلاط الجنسين وقد لقيت هذه الدعوة ترحيبا في الأوساط العمالية والطلابية؛

حيث رأى فيها العمال الحل الأمثل لمشكلة البطالة بينهم الأمر الذي تؤكده أغراض جمعية تأسيس سنة 1936 باسم الجمعية الأهلية للباحثين عن العمل كما تقدم بعض طلبة الكليات بالتماس لإدارة الجامعة في 1937 بإدخال التعليم الديني في الجامعة والفصل بين الطلبة والطالبات وقد علق الرافعي على ذلك بمقال شكر فيه الطلاب وأكد أن مطالبهم تتمشى وتعاليم الإسلام.

وقد قوبلت هذه الدعوات بحملة مضادة تزعمتها مجلة الهلال بل وطالبت المجلة بظهور المرأة واختلاطها في المجتمعات البيتية أسوة بنساء أوروبا واشتركت جريدة المصري والمصرية في هذه الحملة فنشرت عدة مقالات للدكتور طه حسيني وتوفيق الحكيم وهدى شعراوي وغيرهم تطالب باختلاط الجنسين في الجامعة وعدم تقرير التعليم الديني

وقد قوبلت هذه الآراء بمعارضة من المجلات الإسلامية وعلى رأسها صحف الإخوان وكذلك من طلاب الجماعة أنفسهم حيث قامت مظاهرات من طلبة الحقوق وبعض الكليات الأخرى تعلن رفضها لهذا التيار وكان لهذا الخلاف أثر في انتقال الدعوة لمجلس النواب فقد طالب بعض النواب بإلغاء السفور ووقف الفساد وعدم تدريس الدين وألقوا المسئولية على هيكل باشا وزير المعارف وبالطبع فقد أيدت صحف الإخوان هذه الآراء

كما طالبت هذه الصحف شركة ترام القاهرة بتخصيص عربات للسيدات حفاظ على كرامتهن وهاجمت مجلة القلم الصريح الجماعات النسائية وهدى شعراوي والقوى المؤيدة لها وحينما عينت بنت الشاطئ عائشة عبد الرحمن في أحد مناصب وزارة الشئون الاجتماعية هاجمتها النذير؛

وأرجعت ذلك لتدخل طه حسين وأنه يواصل موقف المناهض للشريعة الإسلامية وقالت إن المرأة لا تصلح لأي عمل وقد خصصت صحف الإخوان بابا ثابتا بعنوان البيت المسلم ركزت فيه على حقوق المرأة في الإسلام وكيف أن الإسلام قد حفظ هذه الحقوق وصانها ونظمها بعد أن كانت مهضومة قبله، وأن التيار الجديد الذي يحاول أتباعه مساواة المرأة بمثيلتها في أوروبا سيرجع المرأة إلى عصر الجاهلية.

ومع أن جماعة الإخوان لم يوافقوا على السفور إلا أنها كانت في نظر الجماعات الأكثر تزمتا متساهلين في هذه القضية الأمر الذي أثار عليها بعض هذه الجماعات وعلى رأسها جماعة شباب محمد وقد عابت جماعة الإخوان على غيرها معاملة المرأة من خلال تقاليد بالية سقيمة تجعل من الرجل سجانا للمرأة يحبسها في بيته للمتعة والتوالد لا تعرف من دنياها إلا هذين الغرضين العظيمين وتظل كذلك إلى أن تنتقل من ظلام حياتها إلى ظلام القبور ورأت الجماعة أن الدين لا يقر ذلك وأن من الواجب أن نشفق على دين الله من أن تستبد به الآراء المتشائمة والأمزجة السوداوية.

وقد جاء ذلك للرد على الهجوم الذي وجه لشعب الأخوات المسلمات والمطالبة بإلغائها في أعقاب الحرب الثانية فأوضحت جماعة الإخوان أن الدين لم ينزل للرجال فقط وأن على المرأة واجب خدمة الإسلام والمساهمة الكاملة في كل ما يعود بالخير عليه وعلى أبنائه (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض..)

وقالت إنه على الرغم من ذلك فلا ينبغي أن يفهم بأن الإسلام قد دعا إلى مساواة الرجل بالمرأة مساواة كلية بل نظم حقوق كلا الجنسين لما بينهما من فروق في الخلق وتفاوت في الاستعداد وأن المساواة بينهما من حيث الدين والعقيدة والثواب والعقاب والحقوق الزوجية والمعاملات المالية؛

وطالب العلم أما تولي المرأة مناصب قيادية فهذا أمر مرفوض دينيا بما ورد في الحديث الشريف لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة كما عارضت الجماعة وشاركتها شباب محمد وكذلك علماء الأزهر الرأي الذي أدلى به محمد علي علوبة والذي طالب فيه للمرأة بحق الانتخاب؛

حيث اعتبروا ذلك إدخالا لما لم يأمر به الدين بل هو ثورة عليه واعتبروا كذلك أن ترشيح المرأة منكر لا يرضي الله وخلاصة القول إن الإخوان والجماعات الإسلامية عموما واجهوا تيارا قويا فرضته ظروف سياسية اقتصادية واجتماعية سرعة التغير وساندته تيارات أخرى فساد تيار المرأة في طريقه بحيث بدا أن مشكلة الحجاب والتعليم وغيرها قد انتهت تماما.

التعليم

تعرض نظام التعليم في مصر في عهد الاحتلال لانتقادات كثيرة ليست هنا موضع مناقشتها على أن انتقاد جماعة الإخوان المسلمين لهذا النظام انطلق من رؤيا خاصة هي تقويم ذلك التعليم بالأثر الذي يحدثه في التكوين الديني للنشء فلم يجد البنا لأي من الأنظمة التعليمية القائمة ذلك التأثير الذي توخاه لذلك فقد هاجمت الجماعات الإسلامية وفي مقدمتها جماعة الإخوان هذه السياسية لما أدركته من أنها تخفي وراءها منهجا غربيا يراد منه النيل من الثقافة والعقيدة الإسلامية لدى المصريين.

وكان البنا يرى أن التعليم كل أنواعه ومراحله بما في ذلك الجامعة الأزهرية مفكك الروابط متباعد الحلقات غير واضح في غاية وأن ذلك التفكك والتباين في مناهج التعليم قد أدى إلى تباعد ثقافي بين طبقات الأمة الذي جعل التفاهم متعذرا واقترح توحيد المناهج في المراحل الأولى في كل أنواع التعليم وإعادة النظر في وضع المناهج واختيار المواد الملائمة؛

ولم يرق لجماعة الإخوان كذلك الحالة التي أصبح عليها التعليم الديني في الأزهر حيث اقتصر على حفظ موضوعات دينية دون الاهتمام بالناحية الروحية والوجدانية ولكن على الرغم من انتقاد الجماعة لنظام التعليم في الأزهر إلا أنها كانت ترجو أن يكون له وزنه في الإشراف بعد تعديل مناهج التعليم على الحركة التعليمية فرفع البنا مذكرة في هذا الخصوص إلى شيخ الأزهر 1935 طالب فيها بضم مراقبة التعليم الأولى إلى الأزهر وإلغاء مدارس المعلمين الأولية والاستعاضة عنها بشهادات أزهرية لتخريج المعلمين؛

وضم كافة الشعب التي تدرس فيها اللغة العربية بما في ذلك قسم اللغة العربية بكلية الآداب بالجامعة المصرية إلى الأزهر وتدريس الدين كمادة أساسية في كل مراحل التعليم وقد دعت بعض الجماعات الدينية الأخرى بضرورة الاهتمام بالتربية قبل التعليم حيث إن إهمالها قد جعل الغاية من التعليم قاصرة على تولي الوظائف وأنه بذلك قد أسهم في تخريج أجيال ليست جديرة بتحمل أعباء الحياة.

وعلى أثر هجوم بعض المتشددين من أتباع التيار الديني على الذين طالبوا بتعميم التعليم المدني وقفت جماعة الإخوان موقفا معتدلا حيث طالبت بمزج الفكرتين واستندت في موقفها إلى أن الإسلام دين مرن يحض على التعليم ويأخذ الحكمة وهي ضالة ولا يبالي من أي وعاء خرجت ودعت إلى ضرورة الأخذ عن علوم الغرب مع الاحتفاظ بالتعليم الديني لكي يتكون الفرد والأمة بل والأكثر من ذلك أن الإخوان قد جربوا في مدارسهم طريقة وست الإنجليزية في محو الأمية وأشادوا بما حققته هذه الطريقة من نجاح.

ومن ناحية أخرى فقد تكون في الجامعة 1946 لجنة تأسيس المدارس الابتدائية والثانوية للبنين والبنات ثم لجنة الشئون الثقافية وقد دعم محمد حسن العشماوي الذي كان يشغل منصب وزير المعارف 946 مدارس الجماعة في مشاريع الوزارة لمحو الأمية بكافة المساعدات الأمر الذي أدى إلى تغطية نفقات ميزانية التعليم في الجماعة؛

كما حققت فكرة البنا في تأسيس شركة مساهمة لتأسيس المدارس نجاحا كبيرا مما أدى إلى تأسيس مدرسة أو أكثر ف كل شعبة من شعب الإخوان والذي يعد أكثر نجاحا هو تمكن الإخوان من تقديم منهج خاص بهم في المدارس التابعة لهم فقدموا بذلك نموذجا تطبيقيا لم تقدمه أي من الهيئات والجماعات الإسلامية الأخرى وإن كانت الجماعة قد استطاعت أن تطوع بعض جوانب هذا المنهج في نشر آرائها.

ومن بين القضايا التي اهتمت جماعة الإخوان بها قضية الدفاع عن اللغة العربية ومع أن موقفها من هذه القضية كان أكثر اعتدالا عن أغلب الجماعات الدينية التي كانت تربط بين تدريس اللغات غير العربية والعداء للإسلام في وقت كان الإخوان يرون فيه ضرورة تعليم اللغات الحية إلى جانب اللغة العربية إلا أنها أي جماعة الإخوان قد اتفقت مع هذه الجماعات في أن الترويج للغات الأجنبية وخاصة الإنجليزية يساعد المبشرين من جهة ويمهد للفرقة الثقافية بين المصرين من جهة أخرى.

وتؤكد جماعة الإخوان اعتدالها في قضية أخرى وهي قضية العلاقة بين الدين والفني وبالذات التمثيل الذي عارضته كافة الجماعات الدينية الأخرى حيث رأت أن معالجة القضايا الذي عارضته كافة الجماعات الدينية الأخرى حيث رأت أن معالجة القضايا الواقعة والقصص التي تغلب الخير على الشر من خلال هذا الفن عمل سام يحافظ على أصول دين الإسلام على أن الإخوان لم يقدموا خطة متكاملة للتعليم في تلك الفترة غاية الأمر أنهم طالبوا مع تعديل مناهج التعليم أن توجد الأنظمة في المرحلة الابتدائية كما كان الحال في مدارس الجماعة وإن كنا نسلم أن الظروف العامة قد أسهمت في ذلك.

ولم يكن هناك موقف واضح للإخوان أو أي من الجماعات الإسلامية من التعليم إزاء مدارس المبشرين سواء منها المدارس العلمانية أو المدارس القاصر في مهمتها على تعليم الديانة المسيحية وكان كثير من أبناء الأغنياء من المسلمين يلتحقون بالمدارس الأجنبية لتعليم اللغات الأجنبية وبعض العلوم العصرية؛

كما كان القائمون على هذه المدارس يحاولوا أن يقدموا هذه العلوم بصورة أكثر إتقانا حتى تسهم في كسبها لتأييد طبقة الأغنياء فضلا عن أنها لم تبرأ من غرض ديني وهو عرض هذه العلوم في ثوب الفلسفة المسيحية للحياة في وقت تعرض فيه مناهج الدين الإسلامي والتاريخ الإسلامي عرضا منفرا وتجعلها على هامش المنهج الدراسي.

وحينما نشرت النذير مقالا تطلب فيه إغلاق المدارس التبشيرية التي تدرس المسيحية أوضحت أن السبب في ذلك هو نشر هذه المدارس لعادات اجتماعية خبيثة دون أن تركز على مهمتها التعليمية.

وظلت الجماعة تعالج قضية التبشير كحركة سياسية مرتبطة بالاستعمار وتسعى لتحقيق أهدافه سواء أكان ذلك في نشر الأفكار والعادات الغربية أم في محاولة بر بذور الشقاق بين الطوائف المصرية سواء بين المسلمين والأقباط أو بين الأقباط أنفسهم حيث كانت هذه الحركة لا صلة لها بالكنيسة المصرية؛

وأن أغلب القائمين بها من طائفة البروتستانت التي تعارض المذهب الأرثوذكسي الذي يدين به غالبية الأقباط المصريين على أن ما بدا من تعاطف على الحركة من قبل قلة من الأقباط كان له تأثيره على العلاقة بين الأقباط والجماعات الإسلامية وقد دفع ذلك البعض لأن يعتبر التبشير شبيها بالحروب الصليبية.

وقد اتهمت بعض الجماعات الإسلامية حركة التبشير بأنها تهدف للنيل من القيم الإسلامية لذلك جعلت في مقدمة أهدافها مقاومة هذه الحركة وشاركتها في ذلك بعض الأحزاب السياسية كالوفد والأحرار الدستوريين وإن كانت مقاومة هذه الأحزاب لحركة التبشير ترجع في المقام الأولى لصلة هذه الحركة بالأهداف الاستعمارية؛

على أنه في الوقت الذي اكتفت فيه مجلة الفتح السلفية وجمعية الشبان المسلمين بإظهار خطورة الحركة ومطالبة الحكومات باتخاذ التدابير اللازمة للحد منها من خلال مقالات صحفية وقفت جماعة الإخوان المسلمين موقفا إيجابيا حيث تعقبت شعبها وفروعها الحركة وحاولت إنقاذ الذين تضطرهم ظروفهم لمسايرة تعاليم المبشرين كما حاولت التصدي لهم بالقوة في بعض البلاد فضلا عن تنبيه السراي والحكومات المتعاقبة لخطرها والمطالبة بإغلاق مدارسها.

العمال

كان قيام ستة من عمال الإسماعيلية بتأسيس جماعة الإخوان من أهم العوامل التي جعلت اهتمام الجماعة بقضايا هذه الفئة اهتماما مبكرا وقد ازداد هذا الاهتمام بعد انضمام عدد من عمال شركة قناة السويس إلى صفوف الجماعة على أنه إذا كانت مبادئ الجماعة في مرحلتها الأولى قد خلت من الإشارة إلى حقوق العمال؛

فإن مرد ذلك إلى اقتصار هذه المرحلة على نشر الدعوة وجلب الأنصار لها مع تحاشي الدخول في معارك جانبية مع الهيئات والقوى السياسية والفكرية وكذلك لأني الجماعة قد التزمت بالفكر الاجتماعي الشمولي الذي يرفض التحليل الطبقي لذلك فقد اقتصر اهتمامها على إظهار شعور لاستياء على ما تعانيه هذه الفئة من الفقر والمرض وما تلاقيه من اضطهاد من جانب أصحاب الأعمال واكتفت بالمطالبة بتحسين أحوالهم وتشغيل العاطلين منهم؛

وحث الرأسمالية والوطنية بافتتاح شركات لهذا الغرض ونشرت صحيفة الجماعة مقالا لأحد العمال صور فيه أن انضمام الجماعة يرجع إلى خلو مناهج الأحزاب السياسية من الاهتمام بقضاياهم مما جعلهم نهبا للرأسماليين والسياسيين؛

وعلى أثر قيام ثمانية من العمال بإضراب هاجمت صحيفة الجماعة الحكومات المصرية التي لم تف إحداها بوعودها تجاه العمال وطالبت الوزارة بسن تشريعات تتضمن إنصافهم لكنها في الوقت نفسه هاجمت الإضراب كوسيلة بحجة أنها تتنافى وتعاليم الإسلام واتهمت في مقال آخر طبقة الرأسماليين بأنها تقف وراء الحكومات الجائرة على العمال وطالبت بالاعتراف بهم كطبقة لها شخصيتها الاجتماعية وكذلك بحمايتهم بضمانات اجتماعية في الشيخوخة والعجز والضعف.

وقد أسهمت ظروف الحرب العالمية الثانية في انضمام عديد من العمال إلى صفوف الإخوان وكذلك نشأ بعض المنظمات اليسارية لنفس الظروف لذلك أولت جماعة الإخوان اهتماما زائدا بالعمال لخشيتها من استقطاب المنظمات اليسارية لهذه الطبقة سواء منهم الموجودون في صفوفها؛

والذي سيؤثر بالتالي على شعبيتها أم من خارجها فيؤدي إلى تقوية هذه المنظمات وهذا ما تحاربه الجماعة فضلا عن إدراكها لمدى تأثير هذه الطبقة في الحياة السياسية والاجتماعية لذلك نجد الجماعة توجه نقدا لقانون النقابات الذي صدر سنة 1940 لكونه قد حرم تكوين اتحادات عمالية كما حرمها من حق الإضراب الذي سبق أن حرمته هي الذي هو سلاحهم الوحيد في مواجهة بطش الرأسماليين بهم وبحقوقهم ويفسر البعض تأييدهم للإضراب في هذا الوقت أنه كان لأغراض سياسية.

وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية نشط قسم العمال في الجماعة نشاطا كبيرا حيث أنشئ قسم للعمال بالمركز العام يعمل وفق لائحة معلنة وأعلنت صحف الجماعة أن الغرض من إنشاء هذا القسم ليس التدخل في شئون العمال النقابية ولا التنافس مع الهيئات العمالية أو التعرض لهم في مصانعهم أو شركاتهم؛

ولكن أنشئ بغرض توصيل الدعوة إلى نفوسهم وحتى تكون دافعا لتمسكهم بتعاليم الدين وكان ذلك تعبيرا عن مخاوفهم من تسرب المفاهيم اليسارية إلى هذه الفئة على أن الإخوان قد حاولوا إقامة نقابة عمالية تستوحي أفكارها من دعوتهم وقد حققوا نجاحا نسبيا في ذلك؛

حيث نشرت صحيفتهم أن عمال النقل قد قرروا تأسيسي نقابة تعمل على هدى رسالة الإخوان وكذلك أصبح لهم تأثير فعال على عمال البترول في السويس ومجموعات من عمال النسيج في المحلة وشبرا الخيمة وقد بدا ذلك واضحا في دورهم أثناء حكومة صدقي وفي سنة 1947 خصصت مجلة الإخوان بابا ثابتا للعمال ناقشت فيه عديدا من قضاياهم فطالبت الحكومة بتشجيع الصناعات الصغيرة ومدها بالمعونات لسكر احتكار الرأسماليين؛

وبالتالي زيادة أجور العمال أو الحد من البطالة وكانت الجماعة تسعى من وراء ذلك إلى تكوين شعبة عمالية تتولى تشكيل جبهة من نقابات العمال بمعاونة رؤساء النقابات من أعضائها ولكن ما أحاطها من ظروف سياسية وكذلك للحملة الشديدة التي شنتها صحف الوفد والشيوعيين على الجماعة وبخاصة في هذا المجال قد أدى إلى إحباط ما سعت إليه نسبيا وإلى أن صدر قرار حل الجماعة في عام 1948.

الفلاحون

كان من أهم مظاهر فساد النظام الاجتماعي في نظر الإخوان انقسام الشعب إلى قلة مستغلة مالكة وكثرة مظلومة معظمها لا يملك شيئا من فلاحي مصري لذلك فقد اهتمت صحيفة الجماعة ومنذ عدها الأول بقضية هذه الفئة في محاولة منها للفت أنظار المسئولين لما يعانيه الفلاح من الجهل والفقر والمرض وطالبت بمده بأساليب ووسائل الزراعة الحديثة؛

كما نبهت إلى خطورة الاعتماد على المحصول الواحد على أن الجماعة في ذلك كانت تدرك عدم جدوى هذه المطالب لسيطرة كبار الملاك على أجهزة الدولة التشريعية والتنفيذية لذلك فإني تفسير موقفها في البداية لا يخرج عن رغبتها في نشر دعوتها ومد نفوذها بين أبناء هذه الطبقة.

وقد اعتمد الإخوان في نشر دعوتهم في الريف على عدة وسائل تمثلت في إلقاء المحاضرات وتأسيس جماعة للعناية بنهضة القرى المصرية والإصلاح الريفي وتشييد المدافن للفقراء وإطعام الفقراء على مستوى الشعب وإنارة القرى وتوزيع زكاة رمضان ومصالحة المتخاصمين وحماية الأطفال من التشرد بتشغيلهم وإنشاء المساجد والمستشفيات والمستوصفات ودأب أعضاء الجماعة وعلى رأسهم البنا على القيام برحلات أسبوعية إلى الريف بل إن البنا كان يمضي أغلب أجازته الصيفية للدعوة بين الفلاحين؛

وقد تمكن [[البنا] من خلال هذه الزيارات وبهذه الوسائل أن يفتح شعبا عديدة لجماعة في القري المصرية وكان من أهم عوامل الدعوة في الريف إسهام أعضاء الجماعة في محو الأمية في هذه القرى فضلا عن بروز دور الجوالة في مكافحة الكوليرا والملاريا.

على أن الإخوان في مطالبتهم بتحديد الملكية الزراعية وتشجيع الملكيات الصغيرة كانوا في ذلك أسبق من غيرهم إلا أنهم لم يشيروا إلى الحد الذي يجب تحديد الملكية عنده كما أنهم كانوا يرون ضرورة تعويض الملاك عن أي أملاك تؤخذ منهم.

وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية أولت الجماعة اهتماما كبيرا بالريف فأنشأ الشيخ عيادة طبية وأجزاخانة ومستشفى صغير لعلاج الفقراء من أهل الريف وبلغ عدد المترددين عليه سنة 1947 51، 300 مريض ووصلت ميزانية القسم الطبي سنة 1948 23 ألف جنيه كما واصلت صحيفة الجماعة تنبيه الحكومات إلى حقيقة وضع الفلاح وما يعانيه وواجب الدول تجاهه ومدى تأثير وضعه على الحركة الوطنية؛

ووضعت تصورا كاملا لما يجب أن تكون عليه حالة الفلاح المصري والقرية المصرية موضحة مدى الاستفادة منهم في تحرير البلاد سياسيا واقتصاديا ومع ذلك لم تتعرض لوضع كبار الملاك أو الدور الذي يمكن أن يؤدوه من خلال هذا التصور أو الوسيلة الواجب اتخاذها حيالهم إذا ما عارضوا في تنفيذه؛

ويفسر البعض ذلك بانضمام بعض كبار الملاك إلى الجماعة وأن إصلاح حال الفلاحين كان يدخل في نظر الجماعة في باب البر والتقوى وهو مفهمو يختلف عن مفاهيم الحركات الإشتراكية وإذا كان البعض يرجع عوامل انتشار دعوة الإخوان بين الفلاحين إلى إهمال الأحزاب السياسية وحتى المنظمات اليسارية لهذه الفئة في حين ركزت اهتمامها على العمال والطلاب إلا أن النجاح الذي حققته جماعة الإخوان بين العمال والطلاب قد جعل هذه العوامل المطروحة غير جديرة بالاهتمام

إذا كان البعض قد فسر قدرة انتشار الإخوان بين الفلاحين والعمال بأن هذه الطبقات خاضعة للتأثير الديني فإن كسب أنصار لهم بين طلبة الجامعة المصرية كان ظاهرة جديدة غير متوقعة حيث إن بعض المفكرين الذين وجهوا الدراسات النظرية في الجامعة المصرية في الثلاثينات من أمثال أحمد لطفي السيد وطه حسين قد تركوا أثرا في التكوين العقلاني بين الشبان؛

وعلقوا عليهم أملا كبيرا في مستقبل البلاد على أن غزو الإخوان للجامعة وتمكنهم من ضم طلابها كان من أعقاب انتقال مركز الجماعة للقاهرة ولم ينضم للجماعة سنيها الأولى من الطلاب إلا القليل فلم يزد عدد الطلاب المنضمين إليها قبيل الحرب العالمية الثانية على خمسمائة كان أكثرهم من جامعة الأزهر ومعاهدة الدينية.

وقد خصصت الجماعة مندوبا لها في كل كلية من كليات الجامعة المصرية بالذات وبين طلابها ودربتهم على أمور الدعوة كما خصصت قسما لهم في مجلتها واستحثتهم على الثورة على كل ما يمس الإسلام في المناهج المدرسية لهم في نفس الوقت الذي طالبت فيه بضرورة بعث نظم اقتصادية وسياسية إسلامية تلائم العصور في شكل أبحاث يسهم فيها الطلاب ووعدت بطبع وترجمة الممتاز من هذه الأبحاث

وفي أعقاب حادث 4 فبراير سنة 1942 وسعت صحيفة الإخوان باب الطلبة فور عودتها للصدور في محاولة لاستقطاب طلاب الوفد الذين انفضوا عنه وكونت ثلاثة لجان لهذا الغرض إحداهما للجماعة والمعاهدة العليا والثانية للجماعة والمعاهد العليا والثانية للجماعة الأزهرية والثالثة للمدارس الثانوية والخاصة وخصصت يوم الخميس من كل أسبوع لاجتماع الطلبة في المركز العام للجماعة حيث تلقى عليهم المحاضرات وقد أصدر البنا تعليماته بتنظيم الطلبة واختار لهذا الشأن مندوبا من مجلس إدارة الجماعة.

وازداد اهتمام الجماعة بالطلبة في أعقاب الحرب الثانية وبخاصة بعد أن برز دورهم في الأحداث العامة وخصصت لهم مكانا مستقلا وقسما خاصا في المركز العام للإخوان وأصدرت صحيفة الإخوان عددا خاصا للجامعيين استحثتهم فيه على ضرورة الجهاد وفقا لمبادئ الجماعة وبخاصة لتحقيق الجامعة الإسلامية.

على أنه قد سبق التوضيح أن العلاقة بين الجماعة والأزهر قد جعل نصيب المؤيدين للجماعة من طلاب الأزهر أقل من مؤيديهم من طلبة الجامعة المصرية وبخاصة بعد الحرب الثانية.

ولا شك أن نشاط الإخوان في الجامعة كان من أبرز الملامح التي أكدت الصفة السياسية للجماعة وأدخلتها في المعترك العنيفة حتى أنه ليمكن القول بأن نشاط الإخوان في الجامعة من جهة وتكوين كتائب فلسطين من جهة أخرى قد أبرز قوة الجماعة وكانا العاملين الرئيسيين اللذين دفعا النقراشي لحلها بعد أن طوق الجهاز السري الكتائب دون جهاز الطلبة فقتل على يد أحدهم وهو عبد المجيد أحمد حسن.

الإخوان وفئات المجتمع المصري

الأقباط

يلائم النظام الليبرالي عادة الأقليات الدينية لذلك فإن غالبية أقباط مصر قد وجدوا في حزب الوفد أداة للمشاركة في الحياة السياسية وربما كان رد فعل الأقباط على ظهور جماعة الإخوان المسلمين والخوف من احتمال سيطرتهم على البلاد من أسباب وقوع الجفاء بين الإخوان والأقباط ولم يطرح هذا الجفاء من منظور ديني مباشر

وإنما طرح من خلال تيارات فكرية وسياسية اختص بها كل فريق فبينما أيد أتباع التيار الإسلامي فكرة الجامعة الإسلامية والعربية أحيا المثقفون الأقباط تيار الدعوة الفرعونية الذي كان يعني عندهم أن مصر "egept" تعني قبط أي أنهم أصحاب مصر الأصليون وعبرت صحفهم في عدة مناسبات كما صدرت لبعضهم مؤلفات تدعو إلى هذا الاتجاه.

كما كان اتجاه الأقباط إلى الوحدة الأفريقية محاولة من جانبهم لطرح نوع من الوحدة أوسع من الإقليمية المحدودة كبديل عن فكرة الجامعة الإسلامية والفكرة العربية وكان واضحا أنهم ينفرون من الفكرتين لأن المسلمين يشكلون الأغلبية فيهما ورأى بعض الكتاب المسلمين أن هدف الأقباط من دعوتهم للمصرية أو الإفريقية هو سلخ مصر من مسلمي العالم.

أما موقف جماعة الإخوان من الأقباط فقد اتسم في عمومه بالاعتدال وكان البنا يدرك أن تطرف بعض الأقباط في مهاجمة الفكر الإسلامي لا يعبر عن رأي مجموعة الأقباط في مصر كما كان يخشى عودة الفتنة الطائفية التي لا يستفيد منها سوى الاحتلال فضلا عن تهمة التعصب الديني والعمل على تفريق أبناء الأمة الواحدة التي كانت توجه له وجماعته منذ أن بدأت الدعوة في الإسماعيلية؛

فيذكر البنا أن أحد المسيحيين قدم عريضة فيه تتهمه بالتعصب ومعاكسة الطلاب المسيحيين وأن وفدا مسيحيا برئاسة راعي الكنيسة الأرثوذكسية بالإسماعيلية قد رد عنه هذه التهمة وأعلن استنكاره لما حدث؛

وعندما نشر القمص سرجيوس مقالا أساء فيه إلى الإسلام هاجمت صحيفة الإخوان شخصه دون مجاراته والطعن في المسيحية وحتى حينما عارضت الجماعة قرار تعين مدرس مسيحي لكل عشرة تلاميذ كانت معارضتها على النسبة وليس على تدريس الدين في حد ذاته.

على أن صحف الجماعة قد نشرت بعض المقالات المثيرة في مضمونها للأقباط وكان ذلك رد فعل لتطرف بعض صحف الأقباط فقد هاجمت مجلة القلم الصريح وزير المعارف الدكتور هيكل لقيامه بزيارة جمعية الشبان المسيحية ووعده بمساعدتها كما هاجمت صحيفة النذير وزير الأوقاف الشيخ مصطفى عبد الرازق لنفس السبب؛

واعتبرت أن ذلك مخالف لتعاليم الإسلام ووالت النذير نشر المقالات عن الحروب الصليبية في قالب مثير للمسيحيين كما نشرت نبأ إسلام أحد المسيحيين بعد أن قارن بين الأديان وكان كل ذلك كفيلا بارتياب الأقباط من هذه الدعوة وتأييدهم وربما عن غير إيمان لدعوات أخرى مضادة.

وقد بدا ذلك الارتياب واضحا في الصحف القبطية التي ركزت على انتشار دعوة الإخوان في مصر سيؤدي إلى تمزيق وحدة الأمة وضربت عديدا من الأمثلة على سوء معاملة الإخوان للأقباط في الريف لا تخلو في أغلبها من المبالغة كما كتب سلامة موسى عديدا من المقالات أبرز فيها مدى اضطهاد الأقباط في مصر وطالب بتعديل الدستور وفصل الدين عن الدولة وإلغاء المحاكم الشرعية صونا لحقوق الأقباط؛

وأعلن أن السبب في تمسك الأقباط في مصر بالقوانين الأوروبية يرجع إلى أن أوربا مسيحية وليست مسلمة وأن تطبيق الشريعة الإسلامية يعني العودة لفرض الجزية على الأقباط واستبقاء المحاكم الشرعية ولهذا يعارضونها كما نشرت مجلة الأنوار القبطية عدة مقالات ركزت فيها على ربط مسيحي مصر بمسيحي العالم ودعت الأقباط في مصر إلى ضرورة الدعوة للمسيحية ومن ناحية أخرى نشرت في أحد أعدادها صورة لبطرس غالي أشادت فيه بجهود لصلاح مصر والأقباط ولمحت إلى حادث قتله وأنه كان نتيجة التعصب والاضطهاد

وأرجعت صحف الإخوان أسباب هذه الحملة إلى تدبير السياسة الإنجليزية التي تريد تفريق كلمة الأمة وضربت أمثلة على حرية الأقباط في ظل النظام الإسلامي مع ذكر الآيات القرآنية التي تظهر مدى الود بين المسيحيين والمسلمين وعلى أثر وقوع حادث اعتداء على كنيسة في الزقازيق 1947 اتهم فيه الإخوان والشبان أعلنت الجماعتان عدم صلتهما بالحادث وأسندته إلى تدبير الإنجليز واليهود.

كما حاولت صحف الإخوان كسب ود الأقباط على عدم المعارضة في الدعوة لتطبيق النظام الإسلامي وقالت إن النظام الإسلامي نظام اجتماعي ينبغي طرحه بين الأنظمة المطروحة كالإشتراكية والرأسمالية والشيوعية وأنه إذا وجد نظام اجتماعي في المسيحية فينبغي على المسيحيين طرحه وليس في ذلك ما يضير المسلمين ودعا أحد كتاب الإخوان إلى عدم إقحام المناظرات الدينية في مجال الحياة العامة؛

وأن يكون محور التفاهم قائما على الاحترام المتبادل لا الاستهانة والهضم ولكنه في الوقت نفسه دعا إلى حق الكثرة المسلمة في تنفيذ برامجها وإعلان سيادتها طبقا لقواعد الديمقراطية الحديثة وبالطبع لم يحظ ذلك الرأي بموافقة الأقباط وبقية الأقليات وأتباع التيار العلماني الذين رأوا أنه يفسر الديمقراطية من زاوية التجمع الديني لا يضمن للمسيحيين المشاركة في مجالات الحياة العامة.

وفي الوقت الذي سارت فيه جماعة الإخوان في السير في أسلوب الاعتدال في علاقتها مع الأقباط سلكت جماعة شباب محمد أسلوبا متطرفا في هذه العلاقة فتهاجم صحيفتها أسلوب سلامة موسى وتربط بينه وبين أسلوب عموم الأقباط في مصر وأنهم يرتبطون بمسيحي العالم ضد المسلمين في مصر وغيرها وأخذت على مرشد الإخوان لجوءه لبطريرك الأقباط لوقف حملة سلامة موسى على الجماعة واعتبرت موقفه هذا مهينا للإسلام والمسلمين وانتقدت الآراء المنادية بمراعاة حقوق الأجانب والأقليات عند طلب تطبيق الشريعة الإسلامية بحجة أنهم أقلية لا رأي لها.

اليهود

برزت مشكلة اليهود المصريين كرد فعل لأحداث فلسطين وفي الوقت الذي رأى فيه بعض المفكرين ضرورة معاملة هؤلاء اليهود كمواطنين مصريين لا صلة لهم بيهود فلسطين كانت الجماعات الإسلامية التي نظرت للمشكلة الفلسطينية من زاوية دينية تعارض وجهة النظر هذه؛

كما أن التعاطف الذي أبداه بعض هؤلاء اليهود على يهود فلسطين قد جعل قطاعا كبيرا من الرأي العام المصري يقتنع بأن يتعذر الفصل بين اليهودي مهما كانت جنسيته وعقيدته وبين التأثير الصهيوني وبالتالي أيد اتجاه الجماعات الإسلامية.

وبدأت النذير حملته على اليهود بمقال انتقدت فيه موقفهم السلبي تجاه أحداث فلسطين حيث لم يشترك أحدهم في مظاهرة من أجل فلسطين أو ينشر استنكارا على موقف اليهود هناك أو يتبرع بجزء من أمواله للفلسطينيين وطالبت أن يظهر اليهود موقفهم بصراحة من هذه الأمور وأن يبلغوه للسلطات المصرية والإنجليزية واليهودية وقالت الصحيفة إن اليهود في مصر قد أسسوا جمعية للشبان لغرض جمع التبرعات وإرسالها ليهود فلسطين؛

فإن لم يكف اليهود ويظهروا موقفهم فستعلن الجماعة الجهاد ضدي الإنجليز وضدهم وواصلت الصحيفة مهاجمة اليهود في مصر في باب دائم خصصته لهذا الغرض بعنوان خطر اليهود في مصر أظهرت فيه مدى هذا الخطر وبالذات على الشريعة الإسلامية من خلال سيطرتها على تجارة الجملة وأغلب الصحف والمجلات وسيطرتهم على صناعة السينما ونشر الأفلام السينمائية وغيرها ولم تستجيب جماعة الإخوان للحملة التي قامت بها صحيفة يهودية بقصد التفريق بين اليهودية والصهيونية؛

وأقرت جماعة شباب محمد أن مساعدة يهد مصر ليهود فلسطين يؤكد أنه لا فرق بين التيارين وينبغي توحيد التعامل معهما ككيان واحد كما اتهمت اليهود في مصر بالعمل على هدم كيان الدولة المصرية لأنهم يسممون المياه بالميكروبات لينتشر مرض الكوليرا؛

وكذلك اتهمتهم جماعة الإخوان بتهريب سلاح من منطقة القنال عن طريق الموظفين اليهود الذين يعلمون في القاعدة البريطانية وتوصيلها إلى يهود فلسطين وقد سبقت الإشارة إلى اشتراك الإخوان في مهاجمة المنشآت التجارية اليهودية وإشعال النيران فيها أثناء حكومة صدقي والنقراشي والي كان رد فعل لأحداث حرب اليهود في فلسطين.

الأقليات الأجنبية

كان على البنا وهو يحدد موقف جماعته من فئات المجتمع المصري أن يحدد موقفها من الأقليات الأجنبية التي كانت رغم قلتها لها تأثيرها على الاقتصاد العام من خلال تملكها لكثير من مؤسساته؛

وكان البنا يدرك ما يحسه أغب الأجانب من أن نمو دعوته وانتشارها قد أخذ في نفوس كثير من عامة الشعب المصري لونا من التعصب الديني مما كان يقلقهم لا على مصالحهم الاقتصادية فحسب بل وعلى وجودهم أيضا فضلا عن أن اعتراض الحكومات على مطالبة الإخوان والجماعات الإسلامية بتطبيق الشريعة الإسلامية في الثلاثينات كان بسبب أن ذلك يعطل مفاوضات إلغاء الامتيازات الأجنبية؛

كما أنهم لم يطمئنوا إلى وضعهم إذا ما نجحت أي من القوى في إعلان الجهاد المسلح على الإنجليز ومن هنا فقد حاول البنا أن يضمن دعوته ما يظمئن هذه الأقليات فأوضح في رسالة نحو النور وتحت عنوان (الإسلام يحمي الأقليات ويصون حقوق الأجانب) كيف أن الإسلام يوحد بينهم بل ويأمر المسلمين بأن يبروهم ويحسنوا إليهم (لا ينهاكم لله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم أن الله يحب المقسطين)

ونفت صحف الإخوان أية صلة للقضية بين المصريين والأجانب بالدين أو الجنس وقالت إن القضية اجتماعية اقتصادية قبل كل شيء كما أقرت أن الشعب المصري لا يمكن له أن يستغني في نهضته عن رؤوس الأموال والخبرة الفنية الأجنبية وأن ذلك يستوجب على المصريين التعاون معهم؛

ولكن على الأجانب أن يراعوا مستوى معيشة غالبية المصريين المنخفضة والتي جاءت نتيجة لزيادة السكان وأني على الجميع البحث عن علاج للمشكلة حتى يعيش الأجانب في طمأنينة وكانت الجماعة ترى أن العلاج يكمن في فتح الباب أمام الموظفين المصريين دون الأجانب إلا في حدود ضيقة وعدم إتاحة فرصة تحكم هؤلاء الأجانب في الموظفين المصريين وإتاحة الفرصة كذلك للرأسمالية المحلية وفرض ضرائب على المصالح التي يملكها الأجانب للمساهمة في رفع مستوى معيشة المصريين.

على أنه بالرغم من استمرار صحف الإخوان في ضرب الأمثلة على حسن معاملة الإسلام مبادئه والمسلمين في تاريخهم للأجانب إلا أن الرأي العام للأجانب كان لا يطمئن إلى هذه الدعوة مما يوحي أنه يفضل أي نظام يكفل لهم مصالحهم إذا لم يكن الاحتلال نفسه؛

كما أن استمرا بعض الجماعات الدينية في التركيز على بيان عداوة هذه الأقليات للإسلام فضلا عن عدم تقديم كافة هذه الجماعات بما فيها الإخوان نظاما مفصلا للحكم الإسلامي الذي يسعون لتحقيقه مبينا فيه كيفية معاملة الأجانب قد جعلهم أكثر خوفا من احتمال تحقيق هذا الحكم.

خاتمة

نستطيع القول بأن جماعة الإخوان المسلمين قد لعبت دورا هاما في الحياة الفكرية والسياسية في مصر في الفترة موضوع الدراسة فقد نجحت في أن تستغل الفراغ الذي نتج عن الضعف الذي ألم بالأحزاب السياسية وكذا تعثر النظام الديمقراطي كما نجحت أيضا في سد الفراغ الذي خلقه ضعف التيار الإسلامي ممثلا في مؤسساته وجماعاته التقليدية.

ويرجع ذلك النجاح إلى التزام الجماعة بمبدأ الشمول في الفكر الإسلامي والذي استطاعت من خلاله أن تقدم نظرياتي راعت فيها ظروف العصر فنالت بذلك تأييد قطاع كبير من الرأي العام المصري بل إنها استطاعت من خلال التزامها بذلك المبدأ وما طرحته من أفكار ونظريات أن تتولى الدور القيادي للتيار الإسلامي طوال هذه الفترة؛

فقد سار بها مرشدها في طريق الاعتدال الذي لم يرتض السلبية التي أريد للأزهر أن يصبح عليها والتي كانت عليها الطرق الصوفية ولم يصل إلى حد التطرف أو التزمت الذي سلكته جماعة شباب محمد فكان قيامها تعبيرا عن الثورة على السلبية كما أن عدم مسايرتها للآراء المتطرفة التي تمثلت في جماعة شباب محمد المنشقة عنها دليل على عدم رغبتها في نهج ذلك السبيل.

أما جماعة شباب محمد فعلى الرغم من أنها قد التزمت بنفس المبدأ الشمول إلا تطرفها قد جعلها محصورة بين قلة من الأنصار كما جعل تأثيرها في مجريات الأحداث تأثيرا ضعيفا الأمر الذي دفعها للسعي للاتحاد مع جماعة الإخوان ثانيا، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن أسلوب ومنهج الإخوان كان أكثر تجاوبا الواقع المصري.

ويمكن أن نلخص أهم النتائج التي توصلنا إليها في هذا البحث ومن خلال تقويم دور هذه الجماعات في:

  1. إن عداء الجماعات الإسلامية للأحزاب السياسية كان مستمدا من عدم الرضا عن التجربة الديمقراطية بأسلوبها الذي كانت عليه في هذه الفترة لما تخللها من ثغرات في التطبيق وفي الدستور إلا أن هذه الجماعات قد أكدت حقيقة التقاء النظام الديمقراطي مع النظام الإسلامي وبالتالي فإنه يفهم من موقفهم أن المطالبة بالحزب الواحد كانت لتوحيد الجهود ضد الاحتلال وقد أكدوا ذلك من خلال النظرية التي طرحوها والتي أسموها بالديمقراطية الإسلامية.
  2. إن جماعة الإخوان المسلمين قد وضحي أسلوبها الشامل منذ بداية الدعوة والذي يرى البعض أنه قد اقتصر على دور الدعوة الدينية في العشر سنوات الأولى منها وقد بدا ذلك في تحديدها لموقفها من التجربة الديمقراطية والنظام الليبرالي والأحزاب الممثلة له وإن كان ذلك قد بدا من خلال دعوتها الدينية وكذلك في مؤسساتها الأولى التي بدت في شمول بناء أول مسجد لها على مدرسة ومصنع صغير ودار اجتماعات وغير ذلك.
  3. إن حسن البنا لم يكن يطمع في زعامة شخصية بقدر ما كان يطمع في إنجاح دعوته وقد تأكد ذلك من خلال إبداء رغبته بل سعيه في السفر إلى السعودية وإلى اليمني أثنا وجوده في الإسماعيلية
  4. إن جماعة الإخوان المسلمين ومعها جماعة شباب محمد وشاركتهما مصر الفتاة أحيانا قد تولوا جانب المعارضة الشعبية للأحزاب الديمقراطية وعلى رأسها الوفد حيث ظل موقفهم واضحا في رفض النظام الديمقراطي ومؤسساته وكذلك رفض أسلوب المفاوضات الذي سلكته هذه الأحزاب وساروا في تهيئة الشعب لسلك طريق القوة الجهاد فكان ذلك مقدمة لأحداث سنة 1952.
  5. إن الجماعات الإسلامية ممثلة في جماعتي الإخوان وشباب محمد قد هادنت القصر بل مالأته أحيانا ونادت له بالخلافة رغم معاداة سلوكه في الغالب للحركة الوطنية والشريعة الإسلامية مما اعتبر جنوحا من هذه الجماعات إلى طريق معاداة الحركة الوطنية فضلا عن إسهامها في الإساءة إلى منصب الخلافة نفسه كما أن جماعة الإخوان لم تتمكن بسبب صلتها بالسراي وهو من أهم العوامل أن تطرح نظاما مفصلا للحكم الإسلامي الذي تسعى لتحقيقه ما دفع البعض لاتهامها بالغموض في وقت اتجه فيه البعض الآخر كالأقليات لتأييد دعوات مضادة.
  6. أوضحت المصادر الدور الذي لعبته الجماعات الإسلامية وعلى رأسها جماعة الإخوان خلال حكومتي صدقي والنقراشي في أعقاب الحرب العالمية الثانية وكيف أنهم قد اشتركوا في كافة الأعمال المعادية للحكومتين وفي الأحداث الهامة خلالها وأن صدقي لم يتمكن بما منحه لجماعة الإخوان من مساعدات أن يضرب بها الحركة الوطنية كما أن رفضها للعمل تحت زعامة الوفد أو الشيوعيين كان وراء الحملة التي وجهت إليها في هذه الفترة تلك الحملة التي لم تكن تقويما حقيقيا لدورها بقدر ما كانت تعبر عن حرص الوفد على زعامة الحركة الوطنية.
  7. إن الجماعات الإسلامية برغم نشاطها في المجالات الاجتماعية والاقتصادية لم تقدم نظرية تطبيقية عصرية لمؤسسة اقتصادية أو اجتماعية أو منهج تعليمي متكامل مما جعل القائمين على هذه المؤسسات يسيرون في طريق الاقتباس وربما حتى الآن مع إيمانهم القيم الروحية التي تدعو إليها هذه الجماعات ولم تستطع هذه الجماعات بذلك أن تمحو من الأذهان كلية أن الاجتهاد في القانون الإسلامي قد توقف وإن كنا الهيئات الإسلامية كانت من أهم أسباب ذلك فحينما أتيحت الظروف الإسلامي والنظم المعاصرة وكذلك بعض الجمعيات الخيرية وبعض المدارس التابعة لها وإن كان ذلك في حدود ضيقة.
  8. كان تمسك الجماعات الإسلامية وبالأخص جماعة الإخوان بحكم الفرد والدعوة له من أهم المآخذ عليها ومع إقرارنا لهذا النظام في المراحل التأسيسية فإننا لا نوافق على التمادي فيه وكان من أثار ذلك في جماعة الإخوان أن تعرضت بسببه لعديد من الانشقاقات التي أضعفتها من جانب كما أن قوة شخصية البنا وقوة سيطرته على الجماعة قد حجب الشخصية الثانية التي تحل محله وهو ما عانت منه الجماعة في أعقاب اغتياله
  9. إن الجماعة الإسلامية وفي مقدمتها الإخوان قد اهتمت بفئات المجتمع المصري من فلاحين وعمال وطلبة وتجار وموظفين وهي فئات في أغلبها لم تحظ بمثل هذا الاهتمام من الأحزاب السياسية الأخرى التي كانت تضم كبار الملاك والرأسماليين ولم يقف دفاع جماعة كالإخوان عن حقوق هذه الفئات عند حد النظرية بل شارك أعضاؤها في خدمات متعددة صحية وزراعية وتعليمية مما أدى إلى تأييد وانضمام كثير من أبناء هذه الفئات إلى صفوفها.

وإذا كنت قد تمكنت من الوصول إلى هذه النتائج من خلال ما أتيح لي من وثائق ومصادر وبقدر إمكاناتي فقد ظهر فيما بعد وثائق تضيف أو تغير بعض هذه النتائج لذلك فإني أوجه الدعوة إلى ضرورة إعداد دراسات متخصصة للتيارات الإسلامية في مصر والعالم العربي بل والإسلامي في التاريخ الحديث والمعاصر وبخاصة أن هذا التيار كان وما زال له تأثير كبير على مشاعر غالية المصريين.

ولله ولي التوفيق، تم بحمد الله.