الإخوان المسلمون وأمن مصر القومي

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان المسلمون وأمن مصر القومي


إخوان ويكي

مقدمة

الأمن القومي... مصطلح شاع تداوله وأصبح كالهستيريا في كل أحاديث الحكام والباحثين والإعلاميين، وأصبح يتملك الجميع الفزع حينما يذكر بل حينما تحدث حادثة يتكلم الجميع أنه خطر على الأمن القومي، والمتابع لكل ذلك يستشعر أن مصطلح الأمن القومي قد حصره – خاصة القادة العرب - في العلاقات الخارجية والإرهاب - وتناسوا أن الوضع الداخلي هو أمن قومي إذا اختل، والظلم الاجتماعي هو أمن قومي إذا انفجر، وكبت الحريات وغياب القانون وضياع العدالة هو امن قومي إذا لم يتحقق.

وتقليدياً كان يتم تعريف الأمن القومي على أنه الحماية من الهجوم الخارجي، وبالتالي فقد تم النظر إليه بشكل أساسي على أنه يعني دفاعات عسكرية في مواجهة تهديدات عسكرية. وقد ثبت أن هذه الرؤية ضيقة جيداً، فالأمن القومي يتضمن ما هو أكثر من تجهيز قوات مسلحة واستخدامها.

والأكثر من ذلك، فإن مثل تلك الرؤية قد تجعل المرء يعتقد بأن أفضل طريق لزيادة الأمن هو زيادة القوة العسكرية. وعلى الرغم من أن القوة العسكرية هي مكون مهم جداً في الأمن، فإنها تُعد جانباً واحداً من جوانب الأمن. فالتاريخ ملئ في واقع الأمر بأمثلة لسباقات تسلح تسببت في إضعاف الأمن وليس في تقويته.

غير أن هذا اللفظ لم يكن يعرف في التاريخ القديم أو الوسيط، لكنه شاع كمصطلح بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن جذوره تعود إلى القرن السابع عشر، وبخاصة بعد معاهدة وستفاليا عام 1648 التي أسست لولادة الدولة القومية أو الدولة – الأمة Nation – State وشكلت حقبة الحرب الباردة الإطار والمناخ اللذين تحركت فيهما محاولات صياغة مقاربات نظرية وأطر مؤسساتية وصولاً إلى استخدام تعبير "إستراتيجية الأمن القومي". (1)

وقد عرف والتر ليبمان بأنه (قدرة الدولة على تحقيق أمنها بحيث لا تضطر إلى التضحية بمصالحها المشروعة لتفادي الحرب، والقدرة على حماية تلك المصالح إذا ما اضطرت عن طريق الحرب)، لكن هناك تعريفات متعددة حسب مفهوم الساسة ووجهات نظرهم،لكن الأمن القومي هو مفهوم معقد لتداخله في أشياء كثيرة لكن مفهوم الأمن القومي لا يمكن التوصل إلى تحديد دقيق له خارج نطاق المكان والزمان الذي يتحرك من خلاله، وهو يخضع دائماً للتعديل والتطوير انسجاماً مع المتغيرات والعوامل التي تؤثر في بروزه إلى مسرح التداول.

وقد انتقل الاهتمام بظاهرة الأمن القومي من الغرب إلى دول أخرى، حيث يذكر الباحثين عدة أسباب لزيادة الاهتمام بدراسة الأمن القومي في مختلف دول العالم، بما يمكن اعتباره ظاهرة، ومن أهم تلك الأسباب:

  1. التوسع في مفهوم المصلحة القومية ليشمل مسألة ضمان الرفاهية بما يعنيه ذلك من تأمين لمصادر الموارد، ومن ثم برز مفهوم الأمن القومي كتعبير عن كل من الرفاهية من ناحية، ومحاولة ضمان مصادرها الخارجية من ناحية أخرى، وحماية الترتيبات الداخلية التي تدفع إلى زيادة معدل الرفاهية من ناحية ثالثة.
  2. ازدياد معدل العنف وتصاعد حدة الصراعات المباشرة والتي قد تتطور إلى حروب، ومن ثم سار الاهتمام بالأمن القومي في موجات ارتبطت بتزايد الصراعات على المستويين الإقليمي والدولي.
  3. ازدياد الشعور لدى دول الجنوب بنوعين من التهديدات المتصلة بأمنها القومي. فمن ناحية، تُعد الديون الخارجية المستحقة عليها تهديداً لأمنها السياسي والاقتصادي، وتحد بالضرورة من حرية اتخاذ القرارات الإستراتيجية. ومن ناحية أخرى، تخشى الدول الصغرى من احتمالات قيام الدول الكبرى بإساءة توظيف المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة ليس فقط لتحقيق مصالحها، ولكن للإضرار بمصالح الدول الصغرى وأمنها القومي.
  4. تزايد الإحساس بالقلق والتوتر الداخلي والذي يمكن أن يتحول إلى مظاهر عديدة من عدم الاستقرار وعدم الأمن في الدول الصغرى، فلا تزال تلك الدول تعاني من مشكلات كبرى في عملية الإنتاج وكذلك عملية التوزيع.
  5. يُثار الاهتمام بظاهرة الأمن القومي عند التحول من نظام الدولة القومية إلى نظام أوسع وأكثر شمولاً كالنظام الفيدرالي، أو التجمعات الاقتصادية الدولية.
  6. يُثار موضوع الأمن القومي في حالة تفكك الدول الكبرى وخاصة الفيدرالية إلى دول قومية مستقلة ذات سيادة. (2)

الإخوان والأمن القومي

يَحتاجُ الإنسانُ لأن يَعيشَ في حالةٍ من الأمن والاستقرار كي يَستطيع مُمارسة أنشطته بكلّ أريحيّةٍ، ولأجلِ ذلك فرضت الشّريعة الإسلامية مقاصد وضرورياتٍ يجبُ الحفاظ عليها وهي: النّفس، والدين، والعِرض، والمال، ولا يُمكن لدولةٍ أنْ تتقدّم وتَتطوّر وتُحقّق الرفاهية لمواطنيها إلّا بتحقيق الأمنِ والاستقرار.

وفى ظل الاحتلال الإنجليزي لمصر، لم يكن هناك رؤية محددة لأمنها القومى، فلم يكن همّ الاحتلال إلا بسط سيطرته بأشكالها المختلفة، وإضعاف مقدرات الأمة المصرية داخلياً وخارجيا وتحقيق أهدافه من هذا التواجد العسكري. والمنطقة العربية كلها كانت فى حالة من الضعف والتمزق وظهرت فيها دعوات وحركات عدة تحاول أن تقدم رؤية للبعث العربى وفق أيديولوجيات وفلسفات مختلفة.

لقد اعتبر الإمام البنا ان إخراج المحتل وتحقيق استقلال الوطن وتحريره من كل سلطان أجنبي فى شتى المجالات، هدفاً رئيسياً تعمل عليه الجماعة وتحشد له طاقات الأمة، وهو يمثل المحور الأساسي لهذا الأمن القومي ووضع لذلك مسارات وبرامج وخطوات.

فيقول:

" إن حقوقكم قد اجتمعت عليها كلمتكم، وارتبطت على المطالبة بها قلوبكم، وهى الجلاء التام عن وادى النيل بلا مراوغة ولا تسويف، ووحدة الوادى بلا تردد ولا إمهال، وحل المشاكل الاقتصادية المعلقة بيننا وبين الإنجليز على وجه السرعة، حتى تتنسم البلاد ريح الحرية، ويطمئن الناس على حياتهم ومستقبلهم.
والإخوان المسلمون إذ يضعون هذه الحقوق والأهداف من رسالتهم موضع العقيدة والإيمان أنها ليست مما يصح أن يكون محلا للمساومة على الإطلاق، وكل من حاول ذلك فهو خارج على وطنه متحمل وحده تبعة عمله منبوذ من سائر المواطنين" (3)

وكتب عبد الباري عمر شعرًا تحت عنوان: "الجلاء الجلاء" يقول فيه:

شعب مصر أعز شأنًا، ولولا

حكمة فيه لاستحال أوارا

فالجلاء الجلاء عن أرض مصر

إن لب الحكيم بالمطل طارا

ودعي النيل لا تعبثي بواديه

فقد يستحيل بالعبث نارا (4)

الأمن القومي والحدود الشرقية

نظر حسن البنا لمسألة الأمن القومي منذ نشأة الجماعة وبالرغم من كونه لا يعتد بالحدود بين الدول العربية والإسلامية والتي صنعها المستعمر لأنها قسمت الدول لشيع وكيانات مختلفة ومتعصبة، وقد جاء ذلك في سعر السكرتير العام للإخوان الأستاذ عبد الحكيم عابدين حيث قال:

ولست أدرى سوى الإسلام لى وطنًا

الشام فيه ووادى النيل سيان

وكلمـــا ذكر اسم الله فى بلــد

عددت أرجاءه من لب أوطـانى (5)

ومع ذلك إهتم البنا بحدود مصر الشرقية والتي كانت تهددها الأخطار الصهيونية والتي غرست بأيدي المستعمر لتعمل على زيادة الفرقة بين الكيانات الإسلامية، وحذر من خطورة هذا الجسد الغريب الذي زرع بين البلاد الإسلامية، خاصة أنه لم تقتصر الدعاوي الصهيونية الزائفة على فلسطين فقط بل امتدت أطماع الصهيونية لتشمل العديد من الأقطار العربية، فحدود فلسطين كما تريدها الصهيونية هي من النيل إلى الفرات.

وأطماع الصهيونية في مصر بدأت بصورة مبكرة، وكما قال هرتزل "إن سيناء والعريش هي أرض اليهود العائدين إلى وطنهم". ولذا فطن الأستاذ البنا إلى الخطر الذي تمثله الصهيونية على مصر، وأن نجاح المخططات الصهيونية في فلسطين يشكل تهديداً خطيراً لمصر ليس فقط على المستوى الأمني بل في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، ولذلك نجد الكثير من الكتابات التي تعبر عن هذا الخطر، ومن الواضح أن هذا الإدراك قد جاء مبكراً ويتضح ذلك من تواريخ مقالات كتابات الإخوان.

فيذكر حسن البنا قوله:

إن فلسطين هى خط الدفاع الأول؛ والضربة الأولى نصف المعركة، فالمجاهدون فيها إنما يدافعون عن مستقبل بلادكم وأنفسكم وذراريكم كما يدفعون عن أنفسهم وبلادهم وذراريهم، وليس قضية فلسطين قضية قطر شرقى ولا قضية الأمة العربية وحدها (6)

ويؤكد وكيل الجماعة الأستاذ صالح عشماوي على هذا الأمر فيقول:

إن قيام دولة يهودية على حدود مصر الشرقية لتهددنا في كياننا وفي استقلالنا وفي تجارتنا وفي أخلاقنا وفضائلنا، أليس اليهود أشد الناس عداوة للذين آمنوا؟ أليسوا أصحاب المذاهب الهدامة من شيوعية وإباحية؟ فإلى الذين يؤمنون بأن مصر فرعونية نقول لهم إن استقلال مصر أمسى في خطر الزوال بقيام دولة اليهود في فلسطين (7)

لقد ترسخ هذا الفهم في نفوس جميع أفراد الإخوان المسلمين بأن فلسطين أمن قومي لوطننا الذي نعيش فيه نهيك عن كونه قطعة عزيز في جسد الأمة الإسلامية. فعندما تحركت المظاهرات في الجامعات نصرة لفلسطين قان البوليس بالقبض على بعض طلبة الإخوان سأله وكيل النيابة عن سبب خروجه في المظاهرات وذكر له أن فلسطين دولة غير دولتنا ولا يعنينا أمرهم؟ فأجاب الطالب: بأن فلسطين جارة لنا وهي أقرب إلينا من أسوان ولابد الاهتمام بأمر الجار خوفاً من أن يجاورنا اليهود الذي حذرنا الله منهم.

ولقد حذر حسن البنا المصريين بأن عدم مساندة الثورة في فلسطين يعني أنهم سيضطرون إلى أن يدفعوا عن أنفسهم في المستقبل غائلة الخطر اليهودي الصهيوني بعد أن ترسخ قدمه على بعد خطوات من الحدود المصرية وحينئذ لا تنفع الجهود ويصدق علينا المثل القائل (أكلت يوم أكل الثور الأبيض) . ولابد ألا ننسى أن لليهود في مصر ذكريات كما لهم في فلسطين فإن مكن لهم هنالك رنوا بأعينهم إلى مصر حيث مولد موسى ومهده وحيث بثت رسالته وحيث موعدته ومناجاته (8)

لقد إدراك الإخوان حقيقة ارتباط الأمن القومي المصري ببلاد الشام وأن الأمن القومي المصري من جهة الشرق لن يتحقق إلا بتأمين هذه البلاد، وهو الأمر الذي أكدته حقائق التاريخ فمن الحدود الشرقية لمصر جاءت معظم الغزوات التي تعرضت لها مصر على مدار تاريخها.

فتحدث الأستاذ البنا في مؤتمر رؤساء المناطق والشعب ومراكز جهاد الإخوان المسلمين على مستوى القطر المصرى، المنعقد في 2شوال 1364ه- 8 سبتمبر 1945م يقول: نريد أن تؤمن حدودنا الشرقية بحل قضية فلسطين حلاً يحقق وجهة النظر العربية أيضاً يحول دون تغلب اليهود علي مرافق هذه البلاد. (9)

ويؤكد حسن البنا على هذا المعنى بصورة أكثر وضوحاُ في سبتمبر 1945

" نريد أن نؤمن حدودنا الشرقية بحل قضية فلسطين حلاً يحقق وجهة النظر العربية، ويحول دون تغلب اليهود على مرافق هذه البلاد. نحن نطالب بهذا لأنه تأمين لحدودنا ومصلحة مباشرة لنا".

كما حذر حسن البنا الحكومة المصرية عام 1946 من الأطماع الصهيونية في سيناء وطالب بالإسراع بنقل الجمرك من القنطرة إلى رفح وإقامة منطقة صناعية على الحدود بالإضافة إلى إنشاء جامعة مصرية عربية بجوار العريش كما اعتقد الإخوان أن قيام دولة يهودية في فلسطين سيهدد موقف مصر الاقتصادي وسيغرق الأسواق المصرية بالمنتجات اليهودية، هذا بالإضافة إلى سيطرة اليهود المصريين على الحياة الاقتصادية في مصر، مما سيؤدي بالتالي إلى أننا "سنفقد استقلالنا الاقتصادي".

تعمير سيناء والأمن القومي

نظر حسن البنا إلى سيناء وتعميرها كخطوة أساسية ومهمة في حفظ المن القومي لمصر، وقد سبق كل من تحدث عن الأمن القومي للبلاد فنكتب يحذر الحكومة من تجاهل سيناء وعدم الاهتمام بها فقال:

إن سيناء المصرية تبلغ ثلاثة عشر مليونا من الأفدنة أى ضعف مساحة الأرض المنزرعة فى مصر، وقد كشفت البحوث الفنية فى هذه المساحات الواسعة أنواعا من المعادن والكنوز فوق ما كان يتصور الناس، واكتشف فيها البترول حديثا، ويذهب الخبراء فى هذا الفن إلى أنه فى الإمكان أن يستنبط من سيناء من البترول أكثر مما يستنبط من آبار العراق الغالية النفيسة، وأرض سيناء فى غاية الخصوبة وهى عظيمة القابلية للزراعة.

ويطالب الحكومة بنقل الجمرك على الحدود وإنشاء جامعة لتعزيز الأمن القومي للبلاد فيقول:

فمن واجب الحكومة إذن أن تعرف لسيناء قدرها وبركتها ولا تدعها فريسة فى يد الشركات الأجنبية واللصوص والسراق من اليهود، وأن تسرع بمشروع نقل الجمرك من القنطرة إلى رفح، وأن تقيم هناك منطقة صناعية على الحدود. فلعل هذا من أصلح المواطن للصناعة، ويرى بعض المفكرين العقلاء أن من الواجب إنشاء جامعة مصرية عربية بجوار العريش تضم من شاء من المصريين، ومن وفد من فلسطين وسورية والعراق ولبنان وشرق الأردن وغيرها من سائر أوطان العروبة والإسلام، ويرون فى هذه البقعة أفضل مكان للتربية البدنية والروحية والعقلية على السواء.
وحرام بعد اليوم أن تظن الحكومة أو يتخيل أحد من الشعب أن سيناء برية قاحلة لا نبات فيها ولا ماء فهي فلذة كبد هذا الوطن ومجاله الحيوي ومصدر الخير والبركة والثراء، ونرجو أن يكون ذلك كله بأيدينا لا بأيدي غيرنا. كما نريد أن تؤمن حدودنا الشرقية بحل قضية فلسطين حلاً يحقق وجهة النظر العربية أيضًا، ويحول دون تغلب اليهود على مرافق هذه البلاد، نحن نطالب بهذا؛ لأنه تأمين لحدودنا، ومصلحة مباشرة لنا (10)
لقد أدرك الإخوان أن إنشاء كيان صهيوني في فلسطين يعني تنفيذ المخططات الاستعمارية في البلاد العربية، وأن هذا الكيان سيشكل قاعدة للدول الاستعمارية ويعمل على فصل الدول العربية عن بعضها ويهدد كيان العرب فقضية فلسطين "كارثة خطيرة تهدد كيان العرب ووجودهم لا في فلسطين وحدها بل في جميع البلاد العربية إذ لم يعد خافياً أن الصهيونيين لا يطمعون في فلسطين وحدها بل في جميع البلاد العربية" وأن مصلحة أمريكا وانجلترا السياسة أن يثبتوا شوكة يهودية في جسم الدول العربية حتى يأمنوا جانبها وحتى يهددوا هذا الجسم العربي بالانحلال السريع" (11)

تنبه الإخوان للأخطار الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية التي تهدد العالم العربي والإسلامي من جراء المشروع الصهيوني وقد ركز الإخوان على الخطر الاقتصادي على الشرق الأوسط نتيجة صغر مساحة فلسطين مما سيدفع كبار الممولين اليهود المهاجرين إلى فلسطين إلى محاولة استثمار أموالهم في البلاد العربية المجاورة وتصريف منتجاتهم في دول الشرق الأوسط مما سيؤدي إلى "خراب اقتصاد واضطراب مالي"

كما حذر الإخوان من الخطر الاجتماعي المترتب على قيام الكيان الصهيوني حيث ستلجأ الصهيونية إلى نشر الإباحية والإلحاد وقد عبر البنا عن هذه الأخطار بقوله "أنه لن تقوم في أي دولة صناعة ناجحة ولا تجارة رابحة وستقضي المنافسة الصناعية والتجارية على كل أمل لهذه الأمة العربية والإسلامية في التقدم والنهوض هذا فضلاً عن الفساد الاجتماعي الذي تحمله جراثيم هذه الرؤوس اليهودية الطريدة من كل دولة مما يشيع في هذه المجتمعات الكريمة أسوأ ما في الإباحية والإلحاد والتحلل، وكل خلق فاسد مرذول. (12)

أمننا القومي وحدودنا الغربية

نظر حسن البنا إلى جميع حدود الوطن وطالب بتأمينه حيث رأى أن صيانة الحقوق الوطنية لوادي النيل تتطلب تأمين حدود مصر من جميع الجهات فمن الجهة الغربية رأى أن الأمر يتحقق بأن تصبح ليبيا دولة حرة مستقلة ويقوم على شأنها أهلها الكرام، وأن تامين الجهة الشرقية بان تكون دولة فلسطين دولة ذات سيادة وأن يعمل المسلمون على عدم تسليم أي جزء منها للصهاينة

كما أكد على وحدة وادي النيل وأن مصر والسودان وطن واحد لا يتجزأ وأنها امتداد لأمن مصر القومي فيقول:

ونريد بعد ذلك تأمينًا لحدودنا: حدودنا الغربية، لا بأن نحتل برقة، ولا بأن نستعمر طرابلس، فنحن أكرم على أنفسنا والحق أكرم علينا من أن نذهب هذا المذهب الظالم، ولكنا إنما نأمن على حدودنا الغربية يوم تسلم ليبيا لأهلها العرب الذين جاهدوا فى سبيلها عشرات السنين جهاد الأبطال، فتقوم فيها حكومة عربية مستقلة، وتظل وطنًا موحدًا حرًّا مستقلاً. نحن نريد أن تؤمن حدودنا الغربية باستقلال ليبيا ووحدتها، وقيام حكومة عربية صديقة فيها، ورد ما أخذ منا ظلمًا وعدوانًا فتعود إلينا جغبوب مصرية كما كانت من قبل. (13)

أمننا القومي بتأمين منابع النيل

أدرك الإمام البنا ومن خلفه الإخوان في وقت مبكر أهمية قضية المياه وضرورة تأمين الدولة المصرية لمنابعه، فقد أدرك أنه إذا فقدت مصر لهذا التأمين فسيتعرض أمنها القومي للخطر، ويهدد شعبها

فيعرج في حديثة عن الأخطار التي تهدد امن مصر القومي بقوله:

ونريد بعد ذلك أن نؤمن حدودنا الجنوبية بأن نحفظ حقوقنا فى الإريتريا ثم زيلع ومصوع وهرر وأعالى النيل.. تلك المناطق التى اختلط بتربتها دم الفاتح المصرى، وعمرتها اليد المصرية، ورفرف فى سمائها العلم المصرى الخفاق. ثم اغتصبت من جسم الوطن ظلمًا وعدوانًا، وليس هناك اتفاق دولى أو وضع قانونى يجعل الحق فيها لغير مصر، وإن أبى علينا ذلك الناس
ومن واجبنا ألا نتلقى حدود بلدنا عن غيرنا، وأن نرجع فى ذلك إلى تاريخنا، ولنرى أى ثمن غال دفعناه من الدماء والأرواح فى سبيل تأمين حدودنا، لا لمطامع استعمارية، ولا لمغانم جغرافية، ولكن لضرورات حيوية لا محيص منها، ولا معدى عنها، والفرصة الآن سانحة لتطالب مصر برد ما أخذ منها فى غفلة من الزمن وإهمال من الحكومات، وذلك ما نطلب لوادى النيل - أولاً (14)

ويؤكد على ذلك بقوله:

فإن مصر إذا كانت تحتاج السودان لتطمئن على ماء النيل وهو حياتها، فإن السودان أحوج ما يكون إلى مصر فى كل مقومات الحياة كذلك، وكلاهما جزء يتمم الآخر ولا شك. (15)

وحينما درس مخططات الصهيانة واختيارهم العديد من الأماكن لقيام وطنهم خاصة في أوغندا أو كينيا أدرك البنا أن الصهاينة يريدون أن يسيطروا على منابع النيل ويضعفوا الدولة المصرية غير أن الانجليز اعترضوا وصرفوا وجهتهم لفلسطين، ومن ثم وضعوا الخطط للسيطرة على منابع النيل وهذا ما تحقق لهم الآن.

ويؤكد عمر التلمسانيالمرشد العام للإخوان- ذلك بقوله:

"إننا لو تركنا الضفة الغربية والجولان وسيناء لليهود حفاظًا منا على الأمن والسلام فإن هذا لا يكفيهم ولن يقتنعوا به.. والدليل القاطع قائم على جدران الكنيست في تلك الخرائط التي ألصقت عليه تنادي بإسرائيل من الفرات إلى النيل .. فاليهود إذن أقاموا لهم دولة على أرض المسلمين وإنها لحقيقة لا تخفى حتى على البلهاء .. فمتى يؤمن بها أصحاب الحق ويدركون خطرها ويعملون لمواجهتها؟! (16)
لقد كان من ضمن المشاريع الاستيطانية الصهيونية مشروع توطين اليهود في أوغندا، وهو المشروع الذي أعقب فشل مشروع الاستيطان الصهيوني في العريش وسيناء، وتقع الأراضي التي وقع عليها الاختيار لتوطين اليهود فيها في كينيا وإن عرف المشروع خطأ بمشروع أوغندا، والنقطة المهمة في هذا المشروع
والتي أشارت إليه بعض الآراء أن الهدف من محاولة الاستيطان في هذه المنطقة هو العمل على التحكم في منابع نهر النيل، واستغلال ذلك للضغط على جميع الأطراف التي عارضت محاولة الاستيطان الصهيونية في العريش وسيناء لإرغامهم على التخلي عن معارضتها". (17)

كانت نظرة الأستاذ البنا شاملة لكل حدود مصر بما في ذلك أمن مصر القومي في البحار فكتب يحض الحكومة على إعادة السيطرة على البحرين الأحمر والمتوسط ليكونا تحت سيطرة الدول الإسلامية فلا يتحكم فيهم عدو، فقال: ويجب أن يعود البحر الأبيض والبحر الأحمر بحيرتين إسلاميتين كما كانتا من قبل. (18)

الأمن القومي العربي

لم يكتف حسن البنا بالحديث عن الأمن القومي لمصر فحسب ولا المحافظة على حدودها ومساعدة الدول المتاخمة لها لكن تحدث أيضا عن أهمية أمن الدول العربية، فيقول:

إن العرب حين يذودون عن فلسطين ويطالبون بحقها، يشعرون من أعماق قلوبهم أن صميم وحدتهم وسلامة أوطانهم وحقيقة استقلالهم كل ذلك مرهون بهذا الجزء من أرضهم، وبأن يظل لهم فلا تقوم فيه دولة لسواهم، فدفاعهم عن فلسطين دفاع عن صميم كيانهم، فضلا عن الاعتبارات الدينية والاقتصادية والخلقية الأخرى، والعرب يدركون هذه الحقيقة فهم لا يجاملون أهل فلسطين ولكنهم يحافظون على وجودهم وعلى أرضهم. (19)

جهود عملية للحفاظ على الأمن القومي

لقد أدرك الإخوان البعد الأمنى لحدود البلاد ولذا كتب الإمام البنا وغيره من كتاب الإخوان محذرا الحكومات من التفريط في البلاد المتاخمة لحدود مصر لأنها تعد امتداد طبيعي للأمن القومي للبلاد.

وحينما وضعت بريطانيا تمكين اليهود موضع الجد عمد الإخوان لتدريب شبابهم على المواجهة مع الصهاينة، وبالفعل اندفعت هذه الجموع لتكبد الصهاينة الهزائم في حرب فلسطين بدافع تحرير البلاد وتمكين أهلها الفلسطينيين من بلادهم ولحماية الأمن القومي لمصر بحماية حدودها واستقرار البلاد المتاخمة لها.

قبل ان ننهى نؤكد أن الأمن القومي ليس الحدود فقط أو العلاقات الدولية لكن كل ما يهدد الوطن يعتبر أمن قومي للبلاد، سواء في الداخل أو الخارج.

المراجع

  1. عبد الله بلقزيز، الأمن القومي العربي (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب) ، 1989.
  2. د. عبد المنعم المشاط، "الإطار النظري للأمن القومي العربي" (القاهرة: معهد البحوث والدراسات العربية، 1993)، ص 14- 17.
  3. جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (89)، السنة الرابعة، 7 ربيع أول 1365 - 9 فبراير 1946، ص(3- 5).
  4. مجلة الإخوان المسلمين النصف شهرية، العدد (73)، السنة الثالثة، 7 ذو القعدة 1364ه - 13 أكتوبر 1945م، ص(19).
  5. البيتان للأستاذ عبد الحكيم عابدين فى ديوان "البواكير"، ص(31)، من قصيدة بعنوان: "بين القاهرة وبغداد".
  6. مجلة النذير، العدد (18)، السنة الأولى، 2 شعبان 1357ه- 26 سبتمبر 1938م، ص(3-5).
  7. النذير – العدد (18) – 2 شعبان 1357هـ - 1938م.
  8. مجلة النذير، العدد (9)، السنة الأولى، 27 جمادى الأولى 1357ه- 25 يوليو 1938م، (ص3-5).
  9. مجلة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (70)، السنة الثالثة، 14شوال 1364ه- 20 سبتمبر 1945م، ص(3-15).
  10. جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (137)، السنة الأولى، 18 ذو القعدة سنة 1365هـ/ 13 أكتوبر 1946م، ص(1، 4).
  11. إبراهيم البيومي غانم: الفكر السياسي للإمام حسن البنا ، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، 1992م، صـ478- 479.
  12. جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد "497" ، السنة الثانية، 2 صفر 1367هـ- 15 ديسمبر 1947م.
  13. مجلة الإخوان المسلمين الأسبوعية، العدد (70)، السنة الثالثة، 14شوال 1364ه- 20 سبتمبر 1945م، ص(3-15).
  14. المرجع السابق
  15. المرجع السابق
  16. مجلة الدعوة – العدد (21) – ربيع الأول - فبراير 1978م.
  17. محمود شيت خطاب: أهداف إسرائيل التوسعية في البلاد العربية، سلسلة البحوث الإسلامية، القاهرة، 1970.، ص15، 27- 34.
  18. رسالة الى الشباب، من رسائل حسن البنا
  19. مجلة الإخوان المسلمين، العدد (76)، السنة الثالثة، 28 ذو القعدة 1364ه- 3 نوفمبر 1945م، ص(3).