الإخوان المسلمون في ريف مصر

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإخوان المسلمون فى ريف مصر
بسم الله الرحمن الرحيم

بقلم :أحمد البس

مقدمة

التاريخ الحقيقى لجماعة الإخوان المسلمون لم يكتب بعد لأنه لازال فى صدور من بقى من رجال الرعيل الأول الذين ( صدقوا ما عاهدوا الله عليه) ولاشك أن صفحات من هذا التاريخ قد طويت مع أصحابها الذين لقوا ربهم على أعواد المشانق.... أو فى ساحات التعذيب أو خلف جدران السجون والمعتقلات قبل أن يسطروا لنا هذه الصفحات .

والأمل كبير فى أن يشرح الله صدور من بقى من رجال هذا الجيل الذين واكبوا مسيرة الجماعة منذ بزوغ فجرها وبقوا على العهد صابرين محتسبين ثابتين على الحق كالرواسى الشم لم توهنهم المحن, ولم تزلزهم الشدائد – ليسطروا صفحات هذا التاريخ لتعرف الأجيال المتعاقبة من شباب الإسلام كيف استطاع هذا الجيل أن يشق لكبرى الحركات الإسلامية المعاصرة – الإخوان المسلمون – طريقها رغم العقبات الكئود التى واجهتهم والتى دبرها الاستعمار الملك.. والحكومات الحزبية الضعيفة التى كانت لعبة فى يد الاستعمار والملك.

ثم الحكم العسكرى الدكتاتورى الذى كان أهم أهداف من دبروه وخططوا له استئصال شأفة هذه الجماعة واقتلاعها من جذورها, وكان أول إنجاز الانقلابيين العسكريين هو ما كالوه للجماعة من ضربات وما أنزلوه بها من محن لم يشهد التاريخ الإسلامى لها مثيلا فأعدم العشرات.. و وشرد المئات..

وغيب خلف جدران السجون عشرات الألوف.. ولكن خاب الظالمون وخاب مسعاهم ورد الله كيدهم إلى نحورهم وأخزاهم وفضحهم وجلل بالعار رءوسهم, وبقيت جماعة الإخوان المسلمين بفضل الله ورعايته وتأييده – طليعة الصحوة الإسلامية التى يشهدها العالم اليوم..

إن كثيرين من رجال هذا الجيل غير راغبين فى تسطير ما لديهم من معلومات مخافة أن يشوب عملهم شبهة عجب أو رياء.. وبعض هؤلاء يعزفون عن تسطير ما شاهدوه وما علموه وفاء لعهد قطعوه على أنفسهم ألا يفشوا سرا لجماعتهم..

ولكن من حق الأجيال المتعاقبة من أبناء الحركة الإسلامية, ومن باب توريث هذه الدعوة لهذه الأجيال أرى لزاما على القادرين من رجال الجيل الأول على الكتابة أن يسطروا لنا مذكراتهم أة ذكرياتهم حتى تسهل المهمة على المؤرخين الذين ستصدون لكتابة تاريخ أكبر حركة إسلامية معاصرة..

إن تاريخ الإخوان المسلمين هو فى حقيقة تاريخ هذا الجيل الذى رافق الإمام الشهيد حسن البنا فى إقامة هذا الصرح الشامخ..

وواصل المسيرة مع الإمام الممتحن حسن الهضيبي وصابر وثبت على الحق حتى جاء فرج الله فخرجوا من السجون والمعتقلات مرفوعى الرءوس لم يحنوا رءوسهم لطاغية أو لجبار وواصلوا السير مع المرشد الثالث الأستاذ عمر التلمساني الذى استطاع على مدى الخمسة عشر عاما الأخيرة أن يعيد للجماعة وجهها الوضاء ويدحض كل ما ألصق بها من تهم وافتراءات وأصبحت جماعة الإخوان المسلمين واقعا فعليا فى الساحة المصرية كأقوى قوة اجتماعية مؤثرة فى المجتمع المصرى..

إن مذكرات أو ذكريات أى من هذا الجيل ليست قيمتها مقتصرة فقط على الجانب التاريخى للجماعة, ولكن لمثل هذه المذكرات قيمة لا تقل أهمية عن هذا الجانب التاريخى وهى أنها ترسم صورة واقعية لأفراد هذا الجيل كيف كانوا جنودا نخلصين لأشرف رسالة, وكيف ترجموا هذا الفهم الشامل للإسلام فى صورة حية وواقعية كيف كانوا بحق إخوانا مسلمين متحابين.. متكافلين.. معتصمين بحبل الله المتين إننا فى هذا الحقبة أحوج ما نكون إلى " الرجل القدوة" وظنى أن هذا الجيل بعد جيل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القدوة الحسنة للأجيال المتعاقبة اللاحقة بركب الدعوة.

والأخ الكبير الأستاذ أحمد البس – جزاه الله خيرا – هو نموذج من رجال هذا الجيل الذى التحق بركب الجماعة منذ عام 1939 فعاش كل محن الجماعة وقضى فى سجون مصر سواء فى العهد الأسود ل إبراهيم عبد الهادى رئيس وزراء مصر فى آواخر الأربعينات ا وفى عهد طاغية العصر جمال عبد الناصر قرابة ربع قرن من الزمان فكان فيها صابرا محتسبا.ز آمنا مطمئنا لم يهن.. ولم يضعف.. ولم يمط الدنية فى دينه.. وبقى على العهد ثابتا حتى اليوم وإلى أن يلقى ربه – إن شاء الله_.

إن هذا المذكرات هى صورة حية لجماعة " الأخ الحاج أحمد البس" وهى فى نفس الوقت صفحة من تاريخ جماعة الإخوان المسلمين فى ريف مصر.

ثبتنى الله وإياه على الحق حتى نلقى ربنا وهو راض عنا آمين آمين.

جابر رزق

النشأة والبيئة

فى إحدى القرى الرابضة وسط الدلتا كان المولد وكانت النشأة " القضابة" إحدى قرى محافظة الغربية على فرع رشيد والتى تبعد مسافة كيلو مترين من " بسيون" التى أصبحت إحدى مراكز لمحافظة الغربية عام 1950. وفى عام 1915 من الميلاد ولدت لأسرة صغيرة تشتغل بالزراعة.

الوالد رحمه الله تربى يتيما مع شقيقه" على " وحفظ القرآن الكريم, تركها والده والذى توفى مسموما وهو لا يزال طالبا بالأزهر الشريف.

واشتغل والدى بالزراعة طوال حياته وكان مثالا للرجل الصادق العابد, وكان محبا للعزلة مستقيم الخطا, عف اللسان, توفى – رحمه الله – فى 9/8/1951م.

والوالدة كذلك من اسرة طيبة بالقرية , وتوفيت – رحمها الله – فى يوم الخميس 14 جمادى الآخر 1394 هـ الموافق 4 يوليو 1974م.

وفى هذه الأسرة نشأت, وعندما وعيت ما حولى وجدت قريتنا – وكان يقطنها حوالى خمسة آلاف نسمة تقريبا فى أوائل الثلاثينات – على مستوى طيب من العيش, أرض خصبة واسعة, محلج للقطن يستوعب عددا لا بأس به من العمال والموظفين, بها صناعة المراكب الشراعية وقوارب الصيد وآلات الزراعة من المحراث والفأس والنورج والساقية والطنبور, وزراعة متقنة وشوارع منظمة وحركة ريفية دائبة.

ومع ذلك الخير وهذه النعم إلا أنها- كغيرها – لا تخلو من المآخذ والتى كانت سائدة فى ذلك الوقت ..

التطاحن الدائر بين العائلات, وهذا التطاحن كان بغيضا وصل إلى حد القتل والثأر الذى أضاع الأرواح والأموال والمن , وظل هذا الوضع عشر سنوات أو أكثر, إلا أن أثاره بقيت عشرات أخرى من السنين..

كما كان يوجد بها عدد من المساجد لا يؤمها غالبا إلا كبار السن, وتلقى بها خطب الجمعة والتى لم تكن على النحو المطلوب..

هذا بالإضافة إلى ما يزيد عن ثلاثين قارئا للقرآن الكريم حفظوا القرآن فى كتاتيب عدة, وكان معظمهم لا يعرف قيمة هذه النعمة التى يحملها, فهو يرتزق بها عندما يدعى للقراءة فى مناسبات الوفاة أو القراءة عند المقابر عندهم حرفة وليست عبادة..

وقد كان لقلة التعليم عامة والتعليم الدينى خاصة أثره فى انتشار البدع والمحرمات بين الناس فالعالمان أو الثلاثة الذين يوجدون فى القرية لا يحضرون إليها إلا فى الأجازات والأعياد,, وما زال التعليم قريب عهد فى البيوت, فانتشرت بعض الطرق الصوفية التى تقيم حلقات الذكر فى المساجد أو فى البيوت أغلبها يحرف النطق بأسماء الله الحسنى ويتمايل تمايلا يخالف الخشوع..

كذلك النساء يخرجن إلى المقابر كل يوم خميس ترتفع أصواتهن بالبكاء والعويل على موتاهن كما يخرجن فى الأعياد والمواسم متزينات ومتعطرات ناهيك عن انتشار الربا والمخدرات وتطاول الناس بعضهم على بعض بالمال والجاه والحسب والنسب.

وعلى العموم فهو خير مختلط بالشر والفصل بينهما متعذر, ولعل كل هذا كان راجعا للإستعمار الانجليزى الذى كان له أثر سئ على كل قرى ومدن مصر.. قصة تعليمى:

لعله كان فى ذهن الوالد –رحمه الله – أن يكون تعليمى مقتصرا على حفظ القرآن الكريم تفسيرا لرؤياه للنبي صلى الله عليه وسلم. فقد رآه يقول له ما معناه:

" حفظ أحمد القرآن". وفعلا حفظت القرآن فى العاشرة من عمرى, ورأى أبى أن أكتفى بذلك, ولذلك عارض أن أدخل مدارس بها لغات أجنبية حتى لا نصرف إليها وأترك تلاوة القرآن, إلا أننى تقدمت للدراسة بالمكتب الراقى ببسيون ثلاث سنوات 1927,1926,1925

ثم سنتين بالمدرسة التحضيرية للمعلمين 1931, 1932 م ثم ثلاث سنوات أخرى فى مدرسة المعلمين الولية 1933, 1934, 1935 ميلادية.

ولما لم أكن قد أكملت طريق التعليم العام حتى نهايته المعهودة عند البشر, إلا أن الله قد عوضنى الكثير بدخولى دعوة القرآن ودعوة الإخوان المسلمين – من عام 1939 إلى الآن – والتى كنت فى مخالطة أعضائها فى كل مكان وفى المحاضرات والكتائب الكثير من المعرفة بالدين والدنيا, وكانت التجارب التى حدثت فيها – رغم شدتها – تجارب مفيدة للغاية فى سبيل نصرة الإسلام والمسلمين الذى خلقنا الله للعمل وتعبدنا به ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون, ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون, إن الله هو الرازق ذو القوة المتين) فعسى الله أن يتم النعمة وينتصر الإسلام والمسلمون وأن يختم لنا بالخير ويجمعنا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

قصة الزواج الأول:

لا أذكر أننى كنت أفكر فى الزواج وأنا فى السابعة عشرة من عمرى إلى العشرين, ولم يشغلنى أيضا هذا الأمر فى كثير أو قليل, فقد كنت منشغلا بالدرس والدروس وكان يشغلنى أيضا فى هذا الوقت بعد المسلمين عن دينهم وانكبابهم على الدنيا فقط, والتفاصيل بينهم بكثرة المال والجاه والسلطان فمن كان عنده شئ من ذلك أكثر من غيره فهو المفضل المبجل ومن حرم من ذلك فهو فى طبقات لا قيمة لها ولا وزن, وكل ذلك كان يتردد فى نفسى ولا اـحدث به إلى أحد..

ووسط انصرافي عن التفكير فى الزواج تماما, وعلى مقربة من الامتحان فى كفاءة المعلمين الأولية أرسل لى والدى رحمه الله بطنطا للحضور للقضابة ولملا وصلت عرض على الزواج من ابنة خالتى رحمها الله, وكان ذلك بالنسبة لشقيقى عبد الرؤوف فقد عقد قرانه على شقيقة زوجتى وعقد قران شقيقا زوجتى على شقيقتى فى وقت واحد.

ولما انتهيت من الامتحان تم زفاف الثمانية فى ليلة واحدة فى صيف عام 1935م وللأسف لم ينقض وقت طويل حتى بدأ الشقاق يتخلل هذه الزيجات بشكل مؤلم ولا أرى لذلك سبيلا معقولا إلا أن يكون عدن تقدير مسئولية الزواج – فقد جاء سهلا ميسورا تحمل الوالد فيه كل شئ ولم يتحمل أحدنا شيئا فكان التفريط فيه سهلا.

ووسط هذا النزاع المستمر توفيت شقيقتى الكبرى أثناء الوضع الثانى لها.

وكان هذا الأمر مسبحة انفرطت بوفاة أختى رحمها الله, ووسط الحزن عليها طلق كل واحد من الباقين زوجاتهم فى هدوء تام وذهب إلى حاله ما عدا شقيقتى الثانية فقد سعى زوجها" ابن خالتى" لإرجاعها وتم ذلك وهى الآن فى حياة زوجية موفقة.

قصة الحاج:

عينت مدرسا عام 1937 بمدرسة كفر الدوار التابعة لمركز دسوق غربية وقد كان بها ناظر صالح تعاهد معى على الحج فى العام المقبل ولتوفير مصاريف الحج فاشترينا عددا من المواشى وأودعناها عند أناس لتربيتها نظير نصف الأرباح, وما كاد موسم الحج يقترب عام 1937 حتى نفقت جميعها إلا قليلا, وقد ضل من كان يقوم على تربيتها وادعى ملكيتها وانه ليس لنا فيها شئ..

وأمام هذا عزم ناظر المدرسة على الحج وحده فقد كان يملك مدخرا من المال, أما العبد الفقير فقد عزمت على الحج فى عام آخر غن شاء الله عندما يتيسر المال اللازم وكنت قد نقلت خطأ إلى مدرسة يتيسر اسديمة مركز كفر الزيات.

وقبل دفع رسوم الحج بقليل جدا حضر والدى رحمه الله إلى اسديمة لزيارتى ودار بينى وبينه الحديث الآتى: الوالد: هل ستسافر للحج هذا العام إن شاء الله؟

قلت:لا

قال: ولماذا؟

قلت: لأنى لا أتمكن من توفير المبلغ اللازم, وقصصت عليه قصة المواشى التى نفقت.

فقال الوالد: وإذا وجد المال؟

قلت: من أين؟

قال : معى ثمن القطن.

قلت: ألست فى حاجة إليه؟

قال: لا.

قلت: وأنت راض؟

قال: نعم

قلت: شكرا وعلى بركة الله.

واتصلت بصاحبى ناظر مدرسة كفر الدوار وخرجنا للحج سويا.

ولكنى كنت طوال أيام الحج فى حال ليست هى الحال التى كنت أتوقعها أرى وأسمع وأمشى وأتعلم وأقوم بالشعائر المطلوبة فى هدوء خال من الحركة التى يتميز بها الشباب المتحمس حتى خفت على حجتى أن تكون غير مقبولة.

وناقشت نفسى مرارا, هل المال حرام الذى تنفقه, كلا بل من زراعتنا وأعطاه لى والدى بقبول, بل هو عرضه على من غير أن أسأله ولم أجد جوابا شافيا لهذا الهدوء, إلى أن وصلنا إلى جبل الطور فى القدوم إلى مصر فى الحجر الصحى".

وفى الليلة التى سنركب فى صباحها الباخرة إلى السويس, جاءنى ناظر المدرسة فى المنام يقول لى هيا فسنقابل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تركنى فإذا بى أمام ثلاثة قبور أحدهما مغطى بالأبيض وكان قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقفت أمامه كما يقف المصلى فى محرابه وقلت له: أطلب الشفاعة لى ولأمى ولأبى" فقال صلى الله عليه وسلم:

والمسلمين".... فقمت من نومى فى غبطة وسرور وذكرت لوالدى كل ما رأيت. هذا ولا أزال إلى الآن متمتعا بهذه الرؤيا التى أراحت قلبى وشرحت صدرى أو فى انتظار غيرها منذ أكرمت بها.

كيف انتسبت للإخوان المسلمين:

فى يوم من ايام عام 1939هـ خرجت من منزلنا بالقضابة سائرا على شاطئ ترعة القرية مع صديق لى " عبد المجيد الخلالى" فقابلنا الأستاذ محمد إسماعيل حتاتة الموظف بطنطا وأعطانا إعلانا صادرا من جماعة الإخوان المسلمين" فرع طنطا" الذى لم نسمع عنها قبل ذلك ولا على منهجها فقرأنا الإعلان ثم جاء بعد ذلك بمدة قصيرة المهندس عبد السلام فهمى والأستاذ محمود العجمى من الإخوان المسلمين بطنطا وصليا الجمعة فى القضابة كل فى مسجد, ودعا إلى الإخوان المسلمين ولم نكن حاضرين مع أحدهما ولكننا سمعنا أنهما أعتليا منبر المسجد وبيد كل كتاب الله فاشتقنا لرؤيتهما فقيل لنا إنهما ذهبا إلى بيت محمد إسماعيل حتاتة فذهبنا إليهما فوجدناهما فرغا من الطعام وأخذا يتهيآن للسفر إلى طنطا وأخذنا نسألهما:

ما الفرق بين الإخوان المسلمين والشبان المسلمين والتى كنا نسمع عنها وما المقصود من دعوة الإخوان المسلمين؟ وفى نهاية الطريق إلى بسيون" مسافة 2كم" التفت أحدهما إلى المودعين لهما وكنا حوالى عشرة أشخاص وقال إذا أحببنا أن نتصل بكم جوابيا فمن يكون منكم, فقال أكثر من واحد منا يكون الاتصال بأحمد البس ووافق الجميع على ذلك وقد كان.

سير الدعوة فى القضابة:

وأحب أن أسجل الأسئلة التى كانت توجه إلينا ونحن فى أول الأمر وكنا أنفسنا نحتاج إلى الإجابة عليها فضلا عن أن نعلمها للناس:

- ما الفرق بين الإخوان المسلمين وعامة المسلمين؟

- هل للإخوان المسلمين إسلام جديد؟

- ما شأن الإسلام وأمور الدنيا؟.

- هل الإسلام أكثر من الأركان الخمسة الصلاة والصوم والحج وأداء الزكاة مع النطق بالشهاديتن. حتى أمى رحمها الله حاولت منعها من الذهاب إلى المقابر, قالت زوجة فلان وزوجة فلان" العالمين" حينها تحضران فى الأجازة مع زوجيهما تخرجان مع النساء إلى المقابر وأردفت هل نزل عليك الوحى؟

وقد سارت الدعوة فى القضابة هكذا:

اخترنا جزءا منفصلا من منزل الأقارب عبارة عن حجرة ودورة مياه وفضاء مناسب حوله استأذنا صاحب المكان فى أن نتخذه مكانا لاجتماعاتنا وأحضرنا من منزلنا بعض الأرائك كانت ملكا لأعمامى ونظرا لأن صاحب المكان لم يكن مهتما بما نعمله وفاجأنا فى يوم من الأيام وأغلق المكان على ما فيه ومنعنا من الدخول, وحاولنا معه حتى سمح بأخذ ما احضرناه وانصرفنا إلى بيتنا وكان به حجرات للضيوف استعملناها لشعبة الإخوان المسلمين وبالمناسبة زارنا الأستاذ عبد الرحمن البنا شقيق الأستاذ حسن البنا..

وفى يوم من الأيام قابلنى عمدة القضابة رحمه الله " محمد زكى الدين حتاتة" وكان شابا وقال إن الإخوان المسلمين جماعة عامة للناس جميعا فلا تحصرها فى بيتكم وخذ لها مكانا عاما يمكننا ويمكن لكل واحد أن يدخله من غير إستئذان ودلنى على مدرسة للقرآن الكريم محطمة الأبواب والشبابيك والسور وهو نفسه يضع فيها كوما من الأتربة فقلت لله خذ أتربتك ودعنا ننظف المكان من الأتربة الأخرى ونصلح الأبواب والشبابيك ونقيم للمبنى سورا جديدا لها ففعل ما طلب منه وبدأنا نجهز المكان لتحفيظ القرآن واجتماعات الإخوان.

وقد كان المال فى أيدينا قليلا والمنضمون قليلون أيضا واحتجنا لعمل سور ولو من الطوب اللبن ولما جاءنا العمال الذين يصنعون هذا الطوب بالشكوى من كثرة الحصى الذى يجدونه فى " المونة" فخلعت جلبابى وأخى عبد المجيد أيضا ونزلنا " المعجنة" بعد صلاة العشاء حيث الظلام الدامس فى القرية ولا يرانا أحد وانتهينا من هذا العمل وغسلنا أيدينا وأرجلنا من مياه الترعة ولبسنا ملابسنا,

وفى الصباح بعد صلاة الصبح مررنا على العمال وهم يصنعون الطوب ونحن نلبس ملابسنا" الجاكت والبنطلون والطربوش" فقلنا لهم كيف الحال؟ فقالوا إن العمال الذين أحضرتموهم لتقليب المونة عندهم ضمير فقلنا لهم سوف نحضرهم كل ليلة وقد كان.

ولما تم بناء سور المدرسة أصبحت فى النهار صالحة لتقبل التلاميذ لحفظ القرآن الكريم, وأحضرنا لها معلما للقرآن يعلم الراغبين, وفى المساء يجتمع الإخوان فى الدار وفى فنائها الواسع الفسيح.

ويبدو أن هذا لم يعجب ابن العمدة الأسبق وابن أحد أعيان عائلة كبيرة يفكر تفكيرا معاديا للإخوان فأحضرا عدة مراكب شراعية ليلا مملوءة بالطمى وأنزلوها فى فناء المدرسة ودخلوا من الباب الذى يطل على الترعة, فأصبحت لا تصلح لجلوس أحد, ومن ذا يمكنه أن يقف أمام ابن العمدة وابن شيخ البلد وهما أكبر شابين فى عائلتيهما وخشيت أن يمتد النزاع فى القرية بعد أن هدأ الأمر وانقطع القتل, ولكنى توكلت على الله وجابهت الأمر وحدى وأحضر عشرين عاملا وعلى رأسهم ريس سلمته أجرا للعامل عشرة قروش فى ساعة واحدة, والريس بعشرين قرشا, وهذا أجر فى هذا الوقت يأخذه العامل لو اشتغل طوال اليوم, بل يومين, ووقفت معهم مشجعا وحارسا وقلت لهم إن المطلوب تسوية هذا الكوم من الأتربة بارتفاع متر على أرض المدرسة غسلوا أنفسهم فى مياه الترعة ولبسوا ملابسهم, وفى الصباح حين علم ابن العمدة وابن شيخ البلد بذلك تقابلا معى وأخذا يهددانى على فعلت ويقول ابن العمدة إن المدرسة مدرستنا وجدى هو الذى بناها, فقلت له:

إن هذه المدرسة ملك الأوقاف وقد كتبت معها عقدا بالإيجار السنوى وأنكما وضعتما الأتربة بغير إذنى معطلين المدرسة والشعبة وأنا سويت الأتربة بغير إذنكم فإذا فعلتم شيئا

ثالثا قمت بمقاومتكم والبادئ أظلم وعليكما أخذ الأتربة, وقد شاء الله أن يلقى فى قلوبهم الرعب بفضله فأمرا أتباعهما من الفلاحين بحمل الأتربة على ظهور الجمال وقد تم ذلك فى أسبوعين.

واستعد الإخوان بالقضابة على قلتهم لاستقبال فضيلة المرشد العام حسن البنا بالقضابة, ودعونا أفرادا من ثمان عشرة قرية حول القضابة من مديرية الغربية ومن مديرية البحيرة ولبى الدعوة عدد وفير من الناس وكنا فى شهر رمضان لعام 1358هـ على وجه التقريب.

وحينما قدم الإمام البنا صلى بالناس العشاء والتروايح وسألهمكم عدد ركعات التراويح تصلون فقالوا:

عشرين فصلى بهم عشرين مع أنه يصلى بالمركز العام بالقاهرة ثمانى ركعات بربع من القرآن, وحضر شاب فى هذه الليلة من أعيان كفر الحمام, محمد زكى الدين أبو طه, ورحب بفضيلة الإمام المرشد, وأذكر أن الإمام قال له أنت بألف رجل يا زكى الدين فكانت هذه الكلمة دافعا له أن يثبت أنه كذلك فاندفع يعمل معنا بقوة وهمة وساندنا مساندة قوية كان لها الأثر الكبير فى إيجاد هيبة الإخوان المسلمون تمنع شباب الأعيان وشيوخها من معاكستنا" رحمه الله رحمة واسعة".

وفى انتهاء الحفل طلب أحد أعيان البلدة من العائلة التى تعادى عائلتى أن يبيت المرشد عندهم فوافقت لعل فى ذلك تطييبا لقلوبهم وجذبا لأخوتهم فبات عندهم وعلمت فى الصباح أنهم وضعوا معه خادما صغيرا فى منزل الضيوف وباتوا هم مع أولادهم وأسرهم فلما حضرت صلاة الصبح أذن المرشد أمام الحجرات التى يبيت فيها وأيقظ الصبى وسأله عن صلاته وضوئه فلم يجده يعف شيئا فعلمه الوضوء وصب على أعضائه الماء وأوقفه على يمينه وصليا الصبح جماعة.

وبعد أيام من سفره ركبت قطارا من بسيون إلى القضابة فوجدت الدكتور أحمد القاضى رحمه الله: رئيس شعبة الإخوان بمدينة دسوق آنذاك وتصادف أنه كان بجانب " محمد يوسف حتاتة" رحمه الله وهو كير عائلة حتاتة وجرى بينهما هذا الحديث:

قال الدكتور القاضى:

أنا علمت يا محمد بك أن الأستاذ البنا حين زار بلدتكم عملتم له حفل " كانت فيه قفه من الملاعق والشوك " يقصد أنه كان حفلا كبيرا وكان به من الإخوان عدد كبير.

فقال محمد يوسف رحمه الله: إن الإخوان فى بلدنا عدد قليل من الشباب لا يحل ولا يحرم يقصد السخرية بهم والتقليل من شأنهم.

فقلت على الفور صدقت فإنهم لا يحرمون ولا يحللون فذلك شأن الله تعالى إنما هم يعملون ما أمر الله به قدر استطاعتهم ويجتنبون ما حرمه الله جل وعلا فسكت وسكتنا.

ولقد فكر الإخوان فى القضابة رغم قلة عددهم فى عمل جمعية تعاونية زراعية وجمعوا المال عن طريق أسهم ودفعوا بها للتسجيل فى مركز الجمعيات التعاونية بطنطا, ولما علم الأعيان تجمعوا لإيقافها أو الإشتراك فيها والسيطرة عليها وقد كان فجمعوا مبلغا وأسهما أكثر مما جمعنا وعقدوا مجلسا لاختيار مجلس الإدارة وصمموا أن يكون رئيس الجمعية وسكرتيرها وأمين الصندوق بها ممن يعملون معهم وقد كان وسارت الجمعية تخدم أغراضهم ومصالحهم وأكثر من ذلك أنهم اشترطوا ألا أكون من أعضائها الذين يديرونها.

سير الدعوة فى بسيون:

سارت الأمور فى القضابة إلى أن صدر لى أمر من إخوان طنطا أن أنتقل إلى شعبة بسيون للإشراف عليها لأن نائب الشعبة بها كتب على إيصال الاشتراك حين قدم له على يد فراش الشعبة[ قد افترينا على الله كذبا إن عدما فى ملتكم بعد إذ نجانا الله منها].

لعله كتب ذلك لأنه كان يرى وهو عالم أن الإخوان يكفيها شرفا أن يتنازل فيكون رئيسا للشعبة وسكرتيرها يطالب بدفع اشتراك 5 قروش أو عشرة فذلك ما لا يكون.

وقد كان أول عمل لى ببسيون هو تكوين مجلس إدارة للشعبة بعد أن سرت أقوم بعمل نائب الشعبة وسكرتيرها وأمين الصندوق بها.

وأذكر أن أول اجتماع لمجلس الإدارة كان لمناقشة شراء " قلل" للشرب أثناء فتح الشعبة فى المساء, ودار الحديث حول نوعها بيضاء حمراء عددها وانتهى الاجتماع على ذلك حتى انتهينا إلى رأى وكلما تذكرت ذلك الاجتماع بعد أن وصل بنا الأمر من القوة والنضج والفهم حتى كان الأخ يأتى ليرجونى السفر إلى فلسطين ليجاهد فى سبيل الله وهو يعلم أنه قد لا يرجع فأقول الحمد لله رب العالمين الذى أنعم علينا بهذا الفهم وهذا الجهاد..

وأحب أن أذكر بعض الوقائع التى صادفتنا فى أول الأمر:

- عالم من بسيون رأى الجوالة تسير فى الشارع وتهتف الله غايتنا والرسول زعيمنا والقرآن دستورنا والجهاد سبيلنا والموت فى سبيل الله أسمى أمانينا فكتب من غير أن يعلما لفضيلة المرشد حسن البنا يقول له إن ذلك لا يليق فكيف تقولون محمد أنه زعيم فكتب إليه فضيلة المرشد العام متلطفا يقول إذا كان الناس عندكم لا يستسيغون ذلك فيمكن أن يكون الهتاف الله ربنا ومحمد رسولنا والقرآن كتابنا فهى تؤدى نفس المعنى, فأطفأ غضبه.

- كنت أسير فى شوراع بسيون ولا يعرفنى منها الكثير فقام أحد " الكونترجية" "

حيث تنتشر صناعة الأحذية فى بسيون" وسار بجانبى واضعا إحدى يديه فى فتحة الجلباب ثم قلت أنت شيخ الإسلام" فاهما أن رئيس الإخوان فى البلد كأنه شيخ الإسلام" قلت : لا

, ولما كررها قلت له ماذا تريد؟

قال : أريد أن أسألك عن أمر يهمنى.

قلت: قل, قال: جارنا غائب عن بيته شهور وبالأمس رأيت رجلا يزنى بامرأته وأنا واقف أراه من بيتى, وأخرج سكينا طويلة كان يخفيها فى فتحة ثوبه, وقال ولما هممت بذبحهما بهذه السكين أرجأت الأمر حتى أستشير شيخ الإسلام" يقصدنى"

, قلت: ما عدد النساء التى فى بلدكم يمكن أن تشبه هذه المرأة, فقال 40 امرأة, فقلت لنفترض أنهن 20 امرأة فقط فإذا تخلصنا من واحدة بواسطتك بقى 19 : تسع عشرة" امرأة من لى بتسعة عشرة مثلك لهم هذه الغيرة الطيبة, ثم سألته عن عدد أولاده

, فقال : سبعة بنين وبنات, فقلت له: حينما تقتل هذه المرأة وزميلها فى الزنا ستشنق حسب القانون المصرى لأنك قتلت اثنين لا علاقة لك بهما ولا بفعلهما وستربى أولادك من غيرا راع يرعاهم وقد تكون بنتا تسلك مسلك هذه المرأة.

قلا: وماذا أنتم فاعلون فى مثل هذه الأمور وأنتم تدعون للإسلام, قلت له عددنا فى بلدكم مائة رجل وإن شاء الله يزيد العدد حتى يصبح كافيا لأن نرشح واحدا منا فى هذه الدائرة ويكون إخواننا فى جميع دوائر مصر أو أغلبها قد اكتمل العدد الكافى من المؤيدين لترشيحه فإذا كسبنا الانتخابات دعا ملك البلاد مرشد الإخوان لتأليف الوزارة وحينئذ أمكننا تعديل القوانين حسب الشريعة الإسلامية فإذا وقعت جريمة الزنا وكان هناك الشهود والاعتراف أقامت الحكومة الحد على الزانى والزانية ولا يكون هناك احتياج إلى أن تقوم الأفراد بمثل ما أنت عازم عليه, فنظر إلى فى غرابة وقال: وأنا لهذا أنتظركم حتى كبروا وتنجحوا وتحكموا وتقيموا حدود الله.

قلت: عليك أن تفعل الآن حينما ترى هذا المنظر الكئيب أن ترميهم بحجارة صغيرة حتى تفسد عليهم لذتهم الخبيثة الآثمة أو تكتب لزوجها خطابا من غير إمضاء تذكر فيه ما رأيت فإن كان عنده غيرة وضبطها أو حتى قتلها لا تعاقبه الحكومة بمثل العقوبة التى تعاقبك بها وستراعى غيرة الزوج وحقوقه.

أنواع الأنشطة التى تمت بمنطقة بسيون طوال الخمس عشرة عاما

-1939: 1954م:

وسط منطقة من القرى المصرية تضم حوالى عشرين قرية كان عملنا طوال همسة عشرة عاما 19391954 م كنا نعمل فى بيئة انطمست فيها معالم الدين الصحيح واختلط الحابل بالنابل, وأعتقد أن ذلك كان شأن القرى كلها بمصر نتيجة للاستعمار وتفريط العلماء وانحراف الحكام, ومن هذا فإن الله تعالى قد وفقنا إلى التعرف على قلوب طاهرة ونفوس صافية ورجال صادقة, وقد زار المنطقة كل دعاة الإخوان المسلمين وتقريبا وفى مقدمتهم الإمام الشهيد حسن البنا مرتين والإمام حسن الهضيبي مرة, والشيخ محمد الغزالى, والشيخ سيد سابق, والأستاذ عبد الحكيم عابدين, والأستاذ سعيد رمضان, والشيخ عشماوي أحمد سليمان وغيرهم كثير.

وتم بفضل الله تعالى ما يأتى:

1 - عمل مستوصف خيرى به عدد ستة أسرة والكشف بخمسة قروش ويؤدى خدمات ناجحة تناوب العمل به أطباء مسلمون ومسيحيون منهم د. خالد الحديدى, ود زكى شادوبيم.

2- اشتركت الجوالة فى المنطقة فى مكافحة الكوليرا عام 1947.

3- كان للمنطقة مسجد بجوار الدار يؤمه المصلون فى كل الأوقات وتقام فيه الجمعة.

4- دار للسيدات خاصة تلقى فيها المواعظ كل أسبوع وتأتى إليه السيدات والفتيات من مدينة بسيون وما جاورها من البلاد وكانت تحضر هذه المواعظ الأسبوعية والدتى وزوجتى رحمهما الله.

5- درس آخر للسيدات يلقى كل يوم أربعاء قبل صلاة الظهر بمسجد الغمرى ببسيون, وحدث ذات مرة أن أحد الأهالى كان يكره الإخوان المسلمين – وأن زوجته كانت تحضر إلى هذا المسجد مع السيدات عدة مرات وسمعت الدرس أن الزوجة عليها نظافة البيت وإعداد الطعام والشراب وأن تقابل زوجها بسرور وابتسامة عند قدومه من العمل, ففعلت ذلك فقال لها زوجها عندما تكرر منها ذلك وعلى غير عادتها" هل تخشين أن أتزوج غيرك" قالت: لا إنى افعل لأن الشيخ بالمسجد قال لنا ذلك إن من تفعل ذلك يرض الله عنها ويرض عنها زوجها, قال من هذا الشيخ؟ قالت أحمد البس فعزم من هذا الوقت أن يزور الإخوان بدارهم ويشكرهم ويعمل معهم وقد كان.

6- مدارس الجمعة كل يوم جمعة يجتمع الأطفال والصبية بدار الإخوان وتلقى عليهم الدروس المناسبة مع الرياضة المناسبة ويتعلمون الوضوء والصلاة ويقودهم رائد إلى المسجد ليصلوا مع المصلين.

7- مدرسة ليلية للطلاب الذين يريدون الالتحاق بالمدارس الثانوية وقد نجحت هذه فى مساعدة الإخوان الذين فاتهم التعليم فحصلوا على الشهادة الابتدائية وبعضهم دخل التجارة, وبعضهم دخل الثانوية, وأذكر ممن حصل على الابتدائية من المدرسة الأخ إبراهيم محمد الباجورى التاجر بالموسكى, والأخ محمد إبراهيم صبح التاجر ببسيون, كما أذكر من مدرسى هذه المدرسة الأخ الأستاذ كامل قاسم.

8- جوالة فى جميع شعب القرى تتلقى ما يتلقاه الجوال فى أنحاء العالم بالإضافة إلى العقيدة الإسلامية والرحلات المباركة.

9- الاشتراك فى لجنة المصالحات على مستوى المركز كله فى فض المنازعات بين التجار والزراع والأهالى وأغلب أعضاء هذه من الإخوان خاصة الرئيس" فضيلة الواعظ" والسكرتير, وأذكر أننى حينما طلب كم المأمور أن يكتب تقريرا لاعتقالى أخرج من محاضر الصلح التى تمت بمعرفة هذه اللجنة التى أعمل بها سكرتيرا فاضطرت المباحث إلى نقل هذا المأمور من بسيون وإحضار غيره لا يعرف نشاط الإخوان فى المصالحات, وكتب التقرير بأنى خطر على الأمن ويجب اعتقالى وقد كان.

10- إقامة الحفلات والندوات التى تساعد على صلاح الناس فى دينهم ودنياهم.

11- إقامة مشاريع تعاونية كالجمعية التعاونية الزراعية بالقضابة.

12- عمل مشاريع تجارية صغيرة كسيارة أجرة وميكروفون لتشهيل التنقلات وإذاعة الحفلات.

13- إقامة نادى الشباب يمارسون فيه أنواع الرياضة, وقد اشترى الإخوان ثلاثة قراريط لإقامة نادى عليها.

14- جل مشاكل الموظفين القادمين إلى بسيون ومحاولة العمل على راحتهم وإيجاد مساكن لهم.

15- العمل على قضاء مصالح الناس عامة ما أمكن ذلك كإعانة الضعيف ومساعدة المحتاج.

16- توزيع الفطور فى شهر رمضان ابتداء بخمسين صائما كل يوم زادت على ذلك كثيرا فى إدارة المنطقة كلها وكان كثيرا من الشعب يقوم بهذا الأمر الكريم فى رمضان.

17- الاشتراك فى إصلاح المساجد والعمل على إعادتها بالمال والصلاة والدورس.

18- إقامة حفلات تمثيلية توضح الغزوات والفتوحات الإسلامية كغزوة بدر الكبرى, وكانت تجلب لها الملابس من دار الأوبرا بالقاهرة والكهرباء والمسرح من طنطا.

19- كانت هيئة الإخوان واستقامتهم مانعة للشباب وغير الشباب أن يتورط فى أمور معينة كالذى نراه اليوم.

20- نشرة صحفية " دورية" تتحدث عن نشاط الإخوان فى المنطقة مع بعض مقالات نافعة يقوم بها بعض أبناء المنطقة من المثقفين المتدينين الإعلان عن تجارة أو صناعة ومندوب عن الصحافة فيها الأخ جمال بدوى مدير تحرير جريدة الوفد الجديدة.

21- حاولنا عمل معمل للطوب ليعمل به الإخوان بدل أن يعملوا عند غيرهم" وذلك بقرية الفرستق إحدى قرى المنطقة".

22- أرسلت منطقة بسيون كغيرها من المناطق عددا من الأفراد المزودة بالإيمان والسلاح إلى فلسطين, أذكر منهم حسن البخشوان " الطويل" رحمه الله من كفر المنشى أبو احمد, وعبد الحميد بسيوني خطاب الذى استشهد هناك وهو لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره, ومحمد عبد الرحمن عامر, وعباس الطوخي رحمهم الله, والشيخ عزت بسيوني خطاب.

23- والقرى والبلاد التى تم فيها عمل شعب ل لإخوان المسلمين :

1- كفر جعفر.

2- القضابة وكان رئيسها فى وقت من الأوقات الشيخ رزق الفتى رحمه الله. 3- صالحجر.

4- كفر الدوار مركز بسيون.

5- جناح.

6- الفرستق وكان رئيسها فى وقت من الأوقات الشيخ محمد العسال. والدكتور أحمد العسال.

7- كفر ابو حمر.

8- كفر المرازقة.

9- قرنشو.

10- كفر الحمام.

11- بار الحمام وعزبة قاسم.

12- كوم النجار.

13- مشال.

14- شيراتنا.

15- شيراطو.

16- بسيون" الشعبة المركزية – المنطقة".

الفصل الأول

حياة المعتقلات والسجون


المبحث الأول

الاعتقال الأول فى 5/3/1949 إلى 1950:

فى أواخر سنة 1948 م حلت الإخوان المسلمون تمهيدا لسحب الجيوش العربية من فلسطين وإخراج فصائل الإخوان منها أيضا, وكانوا قد دخلوها لمنع اليهود من احتلال فلسطين واتخاذها وطنا لهم, دخلها اولا الإخوان ثم الجيوش.

فى هذا الوقت نقلت من بسيون إلى شربين مدرسا بإحدى المدارس بها.

فى 12 فبراير سنة 1949م اعتقلت" من منزل الشيخ سليم إبراهيم رامون رحمه الله" والد زوجتى رحمها الله من جناح وبت ليلة بمركز كفر الزيات ثم رحلت إلى طنطا حيث مكثت أربعين يوما بقسم ثان طنطا فى حجرة ضيقة مع 17 من الإخوان ببسيون وكفر الزيات, اذكر منهم أحمد النجار رحمه الله, ومحمد صبح من بسيون, ثم رحلت هايكستب فى القاهرة حيث قضينا بها ليلة واحدة,

ومن هايكستب رحلت إلى معسكر جبل الطور" الأماكن التى كان يقضى فيها حجاج بيت الله الحرام أياما للتأكيد من سلامة صحتهم قبل دخول مصر" وكنت ضمن دفعة تملأ السفينة ونزلنا المعتقل وهم يعج بالمعتقلين من الإخوان المسلمين وكان أول اعتقال جماعى لهم وكانوا يضعون فى كل غرفة عددا من الإخوان, والحزى عبارة عن حجرات متلاصقة أو متباعدة ومتوزانة وبينها فضاء من الرمال وبين كل حزى وآخر سور من السلاك الشائكة.

وأذكر ن الحربى الذى اعتقل فيه الأخ الشيخ السيد سابق وكانوا يمارسون فيه لعبة كرة القدم" كرة من الشراب" وكان من ضمنهم فضيلته فدخلت الكرة بجواره وتشكك اللاعبون فى دخولها من عدمة فسألوا فضيلة الشيخ السيد سابق عن ذلك فرد بلغة العلماء" لا ماوردتش" فأصبحت طرفة.

قبل يوم واحد من نزولى معتقل جبل الطور الذى مكثت فيه خمسين يوما حيث طلبت والأخ أحمد إمام" من غير أن تعرف السبب وقد عرف فيما بعد" مر علينا أحد الضباط للتفتيش والتعرف فسأل الإخوان عن أسمائهم حتى وصل إلى فقال لى مثلهم ما اسمك؟ فقلت أحمد البس.

فقال متلهفا تعرف الأستاذ عبد الفتاح حسن؟ قلت عمى, فأظهر ودا غامرا ومجاملة طيبة واستعدادا للخدمة, وتصادف أنه فى اليوم التالى نودى على من قبل الإدارة بالمعتقل بالنزول من جبل الطور للتحقيق فى القضية الأولى الملفقة, وحاولت أن أتحث مع الضباط الذى كان يجاملنى بالأمس لقرابتى من الأستاذ عبد الفتاح حسن رحمه الله فأشاح بوجهه وكأنه لا يعرفنى, وهكذا تكون الرجال أصحاب المصالح!!..

ورحلت بسيارة مكشوفة مع بعض اليهود يرافقنى الأخ الأستاذ أحمد إمام, ومرت السيارة من سيناء فوق قناة السويس ووصلنا القاهرة وطفنا على الأقسام كلها تقريبا فلم يقبلنا أى قسم حتى وصلنا قسم الخليفة وقبلنا سجن الأجانب الذى كان مقاما بالقرب من محطة السكة الحديد وقضيت به مع الأخ أحمد إمام ليلة واحدة ونمنا فيه على الأسرة, وقدم لنا غذاء جيد" لأن هكذا تعامل الأجانب المعتقلة" اما فى جبل الطور فالنوم على ألواح خشب والطعام الردئ ومتكرر الأصناف, فالذى أذكره أنه يصرف لنا يومين فاصوليا حتى كره المرء رؤيتها.

وفى صباح تلك الليلة التى قضيناها بسجن الأجانب توجه بنا الأخ أحمد إمام فى قسم ثان لمدة أيام, وفى الليلة الأولى بقسم أول طنطا استدعانى الضابط سعد الدين السنباطى رئيس القسم المخصوص إلى مكتب مأمور القسم,واستدعانى من زنزانة ضيقة مركب فيها دش كأنها حمام وبها بالوعة مياه, وأخذ يحدثنى بسخرية واشار إلى عدد من المخبرين قاموا بضربى أمامه وأمام مأمور القسم بالعصى والصفعات حتى سقطت على الأرض ووقفوا على بأرجلهم وكان المصحف فى جيب البالطو الذى ألبسه فكانت أرجلهم عليه أيضا وآلمنى ذلك أكثر وأكثر ولما أرجعونى إلى الزنزانة قمت لصلاة العشاء فلم أشعر بآلام الضرب وتحسست الآلام فى الظلام فلم أحس بألم ما ولكنى فى الصباح حينما دخل نور النهار من فروق الباب كشفت عن جسمى فوجدت آثار الضرب واضحة وزرقاء فى كثير من جسمى, وبعد أيام قليلة عرضت على وكيل النيابة ففوجئت أنى متهم فى قضية تسمى " أوكار طنطا" وهى عبارة عن أن هناك إخوة من الغربية والمنوفية يقولون عنهم إنهم كانوا ينوون اغتيال " سعد الدين السنباطى" رئيس القلم المخصوص وهى قضية ملفقة من الألف إلى الياء وأدخلونا سجن طنطا معهم طلا فى زنزانة انفرادى خالية من الجهتين أى بين كل زنزانة بها أخ زنزانة أخرى خالية.

وفى اليوم الذى دخلت فيه سجن طنطا وقرب المغرب والزنازين مغلقة سمعت أحد الحراس يدق على الباب ويقول ما اسمك؟ قلت أحمد البس قال تعرف فلانة قلت نعم زميلتى بالمدرسة التى كنت أعمل بها ببسيون قال هى نقلت للعمل بطنطا وتسكن مع زوجها فى منزل أمام السجن ولما عرفت من حديث الحراس أنك قدمت إلى السجن فى هذا اليوم من معتقل جبل الطور كلفتنى أن أخبرك بأنها ستسافر غدا بإذن الله بعد انتهاء العمل إلى بسيون لتخبر زوجتك وأولادك بقدومك غلى طنطا ويمكنها أن تحضر لك ما يلزمك منهم فاكتب ما تريد منهم فقلت ليس معى قلم ولا ورق فناولنى ورقة وقلم فكتبت أن نقلت من معتقل جبل الطور إلى سجن طنطا فى قضية لا أعرف أصلها من فصلها وهى لم تتبلور بعد وأحتاج إلى مصحف وإلى غذاء من خارج السجن" عامود" كل يوم ثلاث مرات وملا بس داخلية وجلبا إلى آخره,

وسافرت هذه الزميلة فعلا وأحضرت الأشياء التى طلباتها, وأحب أن أسجل أن زميلتى هذه التى قامت بهذا الجميل الطيب لم أجلس معها فى المدرسة أو أتحدث معها إلا نادرا فى أمور المدرسة. فقد كان من عادتى أن أقف يوميا خارج المدرسة حتى يدق جرس ابتداء الحصة فأدخل فصلى الذى أكون قد وضعت فيه كراسة التحضير فى اليوم السابق ثم أضع ثانية كراسة التحضير فى الفصل الذى سأدرس فيه فى اليوم التالى ولا أدخل حجرة المدرسين والمدرسات التى تجمعنا فى أوقات الفراغ بين الحصص وبعضها,

وكنت أظن أن هذا الأسلوب فى التعامل سيدفع المدرسات والناظرة لمقاطعتى وكرهى وانتقادى, ولطن ظهر لى من هذا أننى كنت موضع احترامهم لالتزامى سلوك الإسلام الذى يفرض على المسلم عدم الاختلاط بالنساء إلا للضرورة القصوى والتى يفرضها سير العمل فى المدرسة أو القطار أو السيارة مثلا. كما أننى أسجل فى هذه النقطة أن أول ناظر كان علينا بمدرسة البنات التى عشت بها عشر سنين" الشيخ رزق السيد الفتى" رحمه الله قد وضع نظاما بالمدرسة" قبل دخولنا الإخوان المسلمين" ساعدنا على عدم الاختلاط المفسد هذا ولم يقتصر أمر هذه الزميلة على سفرها إلى زوجتى وأولادى عند حضورى لأول مرة فى السجن فإنها عند خروجى من السجن وذهابى إليها لأشكرها عن طريق زوجها أنها وزعت الشربات على الجيران وأنا واقف مع زوجها وأبى.

وأذكر أننى لما دخلت سجن طنطا وكان ذلك فى 20 شعبان سنة 1369هـ" عشرين من شعبان سنة تسعة وستين وثلاثمائة وألف من الهجرة" وكنت نسيت القرآن الكريم الذى حفظته وأنا فى سن العاشرة من عمره وقد استعدت حفظه فى أربعين يوما أى يوم عيد الفطر فى هذه السنة, وكنت استعدت حفظه تماما وواصلت قراءته فى هذه السنة سبعين مرة ومن هذا اليوم المبارك وأنا اقرأه كل عام خمسين أو ستين مرة وأرجوا ألا يحرمنى الله منه حتى يلازمنى فى قبرى وألقى به ربى.

كما أسجل أن لكل محنة واسترداد حفظ القرآن فى هذه المحنة منحة لا تنسى والحمد لله رب العالمين. كما أذكر أن أحد شرطة الحراسة دخل علىّ فى الزانزنة فوجدنى أجلس فوق دلو المياه وقد حاولت ذلك لأول مرة لأنى تعبت من الجلوس على " البرش" الخشن مدة طويلة, كما أن السير فى حجرة ضيقة متران فى عرض متر ونصف ممل بل يجعل الرأس تدور, فلما رآنى الحارس جالسا نهرنى وأمرنى بالوقوف فقلت له هون على نفسك ما ثمنه" أى ما ثمن الدلو" الذى تخاف عليه من الجلوس, فقال سبعون قرشا, فقلت وما سبعون قرشا أعطيها لكم.

فقال مستخفا بى هل فى بيتكم دلو مثله, قلت طبعا لا فأغلق باب الزانزنة بشدة وطبعا لم يؤلمنى حديثه ولكن آلمنى جهله.

وقد دخلت القضية بعد أن تم التحقيق مع التسعة والعشرين أخا استبعد عشرة ودخل تسعة عشر أخا منهم العالم ومنهم الطالب وصاحب المهنة ومنهم الصغير ومنهم الكبير ومنهم التاجر ومنهم الزارع, وأذكر أن الأستاذ بهى الخولى رحمه الله كان فى مقدمتهم.

وكان عالما فاهما مؤثرا إلا أنه ظهر بيننا كأنه لم يمارس ألاعيب الناس وأدوارهم الملتوية وكان يخشى الاتهام والحوادث أكثر من اللازم مما سبب اهتزاز فى القيم فى نظر أكثر المتهمين, وكان معنا الأخ محمود الديب الترزى الذى أمكن السيطرة عليه من المباحث هو والأخ عبد الفتاح سيد أحمد الحشاش وكان طالبا بالأزهر والآن عالما بالكويت فاعترف بأشياء لم يفعلاها أو يفعلها زملاؤهما فى القضية ولكن الأخ محمود الديب صحح أقواله قبل نظر القضية فى المحكمة بأن دس خطابا فى عمود أكله عثر على هذا الخطاب ضابط السجن أثناء تفتيش عواميد الأكل أثناء خروجها من السجن فاستدعى السجن النيابة التى حققت مع محمود الديب وأثبتت أقواله التى تبرئ الإخوان وتنفى ما أجبر عليه محمود الديب أن يقوله أمام المباحث.

وكان أيضا الشيخ محمد موسى من إخوان المنوفية وهم رقم واحد فى القضية وكان مثال الأخ الشجاع المقدام الراسخ, كما كان معنا نماذج كريمة عالية الهمة فى مقدمتهم الأخ أحمد إمام, وزكى الدين أبو طه رحمه الله.

وقد حددت للقضية الجلسة الأولى ليوم 7/6/ 1950 التى أفرج عنى فيها مع شقيقتى أبو الفضل وعدد سبعة من الإخوان منهم الأستاذ بهى الخولى, وزكى الدين أبو طه رحمه الله.

ومما أذكر أن هذا التاريخ يوافق اليوم ال365"الثلاثمائة وخمسة وستون من خروجى من معتقل الطور, فقد كنت نائما صباحا بعد صلاة الصبح بحجرتى بالمعتقل وإذا من ينهرنى وأنا نائم قم سنة فكانت سنة كبيسة بالتمام كما كان يقول الإخوان يتندرون حين علموا بالرؤية منى.

كان المحامى الذى يترافع عنى وعن شقيقى الأستاذ حسين طلعت رحمه الله والذى سمعته فى المرافعة يقول لرئيس المحكمة جملة واحدة يا سعادة الرئيس المتهم الموكل عنه" يقصدنى" اعتقل فى 5/3/1949, وحوادث القضية أمام سعادتك ابتدأت يوم 25/3/1949م أى والمتهم المذكور بين يدى الحكومة فدهش القاضى وخرج منه صوت يدل على الدهشة من هذا التلفيق وأفرج فورا عن تسعة منا كنت أنا وأخى منهم.

عدت إلى عملى مدرسا بمدرسة بنات بسيون الراقية بعد أن طلبت إرجاعى من مدرسة شربين وقد واصلت حضور ست جلسات آخرها 25/ 11 1951 م حيث كان بعض المتهمين لا يزال بالسجن منهم الأستاذ أحمد إمام, ومحمود الديب, وعبد الفتاح الحشاش, وعبد المقصود المرحومى, وكان رقم القضية 1093 فى 1950 طنطا 109 لسنة 1950 محلى. وقد صدر قانون العفو العام ونشر بالوقائع بتاريخ 8/11/1952 ونشر بالجريدة اليومية فى 9/11/1952م.

ولئن كنت قد رجعت من مدرسة شربين إلى مدرسة البنات ببسيون كما كنت بعد الإفراج من المحكمة يوم 25/3/1949 توجهت فى اليوم التالى إلى مدينة طنطا لأقابل سكرتير مجلس المديرية لأن المدارس التى أعمل بها تابعة له. وهذا السكرتير هو المختص بالنقل وعدمه, ولما وقفت أمام الحاجب " حاجب السكرتير" وكان يعرفنى قال لى إن هذا الرجل " السكرتير" رجل فظ غليظ القلب يشتم من يدخل إيله وأخشى أن يوجه إليك إهانة ما, فقلت له أنا لا أقول له شيئا يغضبه سأطلب فقط الرجوع إلى بلدى فإن أبى انصرفت وطلبت منه أن يأذن لى فدخلت وقلت السلام عليكم ولا أذكر هل رد السلام أم لم يرد ثم قال ما اسمك؟ قلت أحمد البس فقال كنت فى الإخوان المسلمين يقصد تهديدى, قلت ولا أزال فأدار كرسيه الذى يجلس عليه وخرج من الباب الآخر للحجرة الفسيحة التى يجلس فى وسطها بكرسيه ومكتبه الضخم, ووقفت مشدوها حوالى الثلث ساعة حتى دخل علىّ الحاجب فذكرت له ما حصل فقال إن الرجل خاف منك, قلت ولماذا؟ ثم خرجت معه من الحجرة وكتبت خطابا لوزير الداخلية بالنيابة والمشرف على مجالس المديريات" وكان فى هذا الوقت عمى عبد الفتاح حسن رحمه الله"

ذكرت له ما حصل من السكرتير وذهبت إلى بسيون حيث سكنى وبعد يومين وكنت لا أزال أقابل الزوار الذين يحضرون لتهنئتى بالخروج من السجن فإذا بجاويش من المركز يحضر رافعا يده بالتحية حاملا ورقة بيده تقول على أحمد البس أن يتسلم عمله بمدرسة بسيون للبنات والإمضاء سكرتير مجلس المديرية ففهمت أن الوزير اتصل به, وهكذا لا يسير الحق إلا بواسطة.

" فى العشر سنوات فى الأربعينات" وجدتنى فى بيت مستقر ومع زوجة صالحة وعمل مشرف ومدرس بمدرسة البنات أعمارهن بين العاشرة والعشرين أى يمكن صباغتهن صباغة مسلمة ودعوة شاملة تعنى بالإسلام كله "عقيدة وعبادة ومعاملات وقانون وجيش وفكرة" كل هذا توفر لى مع شباب وصحة فأخذت كل المواد لكل الفصول الأربعة التى تتصل بتكوين الفتاة تكوينا إسلاميا, وشرح الله صدرى لإفادتهن فأصبح لى فى بيوت كثيرة وقرى متعددة" فتاة نمن وتعلمت ثم تزوجت" وأذكر أن منهاج المدرسة كان يساعد على تكوين الفتاة الصالحة وتعليمها التطريز والحياكة والطهى وعمل السلات من الخيرزان ورسم لوحات من الورود وغيرها من الأعمال الفنية بجانب الرياضة اليومية الخفيفة التى تقوم بها مدرسة متخصصة وكان لى رعاية بإحدى الشغالات فى المدرسة علمتها كيفية الوضوء والصلاة وكانت تحضر مع البنات الصلاة التى يحين وقتها أثناء اليوم الدراسى, وانتشرت" الإيشاربات" التى تغطى الرأس والعنق, وكانت البنات تنقل القصص والحكايات التى أقصها عليهن إلى بيوتهن وكان آباؤهن عند مقابلتهم يقدمون لى الشكر والثناء.

ونقلت وكان معى توفيق من الله من مدرسة البنات هذه ناظرا لمدرسة تحفيظ القرآن الكريم فى 3/12/1950 والتى بقيت بها حوالى أربع سنوات, والتى كان منهاجها يتضمن أن يكون داخلها حافظا لثلث القرآن الكريم, ويبقى بها ثلاث سنوات يتم حفظ القرآن الكريم ويتعلم قدرا مناسبا من تاريخ المسلمين وفتوحاتهم وقسطا من قواعد التجويد واللغة العربية بجانب الحساب والجغرافيا والأشغال اليدوية والألعاب الرياضية, والذى ينهى دراسته بها يمكنه أن يلتحق بالأزهر الشريف أو مدرسة المعلمين الأولية, والذى يريد أن يدخل المدارس المدنية فقد فتحت له فصلا بشعبة الإخوان ليتعلم اللغة الإنجليزية ليلا ويكون مع منهج مدرسة القرآن الكريم قادرا على دخول امتحان الشهادة الابتدائية التى تجيز له دخول المدارس الثانوية.

كل هذا التوفيق – الالتحاق بالإخوان المسلمين – الزوجة الصالحة – العمل كمدرس لنشء بنين وبنات مع أنشطة الإخوان كان له أكبر الأثر فى انتشار دعوة الإخوان المسلمين فى ثمانى عشرة قرية فى ظرف خمسة عشر عاما والفضل لله وحده ( الذى خلق فسوى والذى قدر فهدى)

المبحث الثانى

الاعتقال الثانى:

فى يوم الأربعاء 13/ 1/1954: الجمعة26/3/1954م:

قضيت أول ليلة بالسجن الحربى والباقى بالعامرية القريبة من الأسكندرية, وكان أحد الإخوة بالأسكندرية يقول نشيدا أوله" ليلة بالسجن الحربى أكلت جنبى", وكنا نجهل ما سيأتى بعد ستة أشهر على يد جمال عبد الناصر من قتل وتعذيب بالسجن الحربى, وكان الاعتقال فى هذه الفترة "شهران ونصف" فى حدود المعقول ولم يصدر من الحكومة قسوة متعمدة أو خروج عن نظم الإنسانية ويظهر أن الحكومة لم تكن قد تمكنت من الحكم تماما فكانت تعامل الناس برفق فلما تمكنت قست وأسرفت فى القسوة حتى جعلت المرء يذكر أيام الملك الفاسد بالخير ويقول هذا المثل " رحمة الله على قراقوش".


بوادر محنة جديدة واعتقالات أخرى:

يوليوو أغسطس, سبتمبر 1954 هذه الأشهر الثلاثة أحسست فيها بأن الحكومة تفكر فى القبض على الإخوان مرة أخرى بعد التى تمت فى يناير وفبراير ومارس 1954, وفى هذه المرة لن يفلتوا منها أبدا فأخذت أنام خارج البيت وطوال اليوم عينى يقظة وسمعى مرهف وكنت أبيت أكثر الأوقات عند الأخ فؤاد محمود وفا ومحمد عبد المجيد وفا من إخوان بسيون إلى أن كنت يوم 1/10/1954 بطنطا أحسست أن الأخ أحمد إمام قد استدعى للقسم وحجز هناك فلما رجعت إلى بسيون علمت أن وكيل مأمور مركز بسيون وضابط المباحث سألوا عنى فأيقنت أن موعد المحنة قد أتى فخرجت وتركت البيت بعد ربع ساعة من دخوله ولم ارجع إليه إلا بعد ثمانية عشرة عاما وثلاثة شهور فكيف ذلك:

  • منها عشرة شهور هروب من1/10/1954. إلى 5/8/1955
  • سجن 19 عاما هجريا من 5/8/1955

إلى 14/1/1973 يوافق 10/12/1393هـ.

المبحث الثالث

قصة الهروب

من 1/10/1954 حتى 5/8/1955م 16/12/1393هـ

أشهد الله أننى كنت خلال هذه الفترة هادئا مطمئنا سليم التفكير إقبالى على الله عظيم, وإن كان هناك انزعاج وخوف فإنما ذلك خوفا على من حولى ومن أتصل بهم خوفا أن ينالهم من جهتى ضرر.

وقد سجلت قصى هروبى بعد ما خرجت من السجن ولكنى دونت خواطرى أثناء الهروب للعبرة والتاريخ فى خمس كراسات قدر الله أن تبقى حتى أخرج من السجن فاقرأها ثانية فأجد فيها نبض قلبى وجميل قصدى ومقدار تعلقى بدعوتى ولولا ما دون فى هذه الكراسات ما فكرت فى كتابة شئ من المذكرات هذه.

وكانت سياحتى أثناء المحنة الأخيرة واضطرارى إلى الجلوس وحدى أوقاتا طويلة بدون عمل" إلا تلاوة القرآن والصلاة والذكر" تدعونى إلى محاولة التنويع فى العبادة فهدانى الله تعالى إلى الكتابة.

ويلاحظ أنه لا يمكن للإنسان أن يكتب إلا عن حالته النفسية وعقله الباطن مهما حاول الابتعاد عن ذلك, وقد كان فكتبت هذه الخواطر ولعلها صورة صادقة لنفسى وللمحنة أثناء هذه السياحة المباركة – إن شاء الله – وقد رأيت أن أضيف إليها الموضوعات القليلة التى كتبتها قبل ذلك فى المجلات وذلك لتسجيل خواطرى فى الماضى أيضا.

(1)آوانى اثنان من الإخوان بشقة بالدور الثانى بطنطا بها حجرتان وصالة وإحدى الحجرتين على الشارع والأخرى فى الداخل بجانبها دورة المياه.

وتغلق الشقى علىّ بالقفل فى الصباح ولا يحضران إلا فى الثانية بعد الظهر.

وأجلس فى الحجرة الداخلية لا أتحرك حتى لا أثير أصحاب البيت الذين يسكنون فى الدور الأول, ولكنى أتألم طوال الوقت من رائحة دورة المياه التى تجاور الحجرة التى أجلس فيها, فطلبت من الأخوين أن يحضرا معهما زجاجة فنيك بعد أن يفرغا من عملهما وكان ذلك أكثر من مرة وهما لا يتذكران.

وبعد عدة أيام دخلا علىّ فى سرور وبهجة يحملان معهما لحما مشويا وزجاجة ملفوفة فى ورقة قالا عنها إنها " بيرة" فتحا للشهية فثرت وغضبت وقلت لهما لا داعى لأن أحبس نفسى إذا كنت سأشرب البيرة لأن من يطاردوننى حينما يتأكدون من شربى للبيرة سوف يكفون عن مطاردتى لأنهم لا يحاربون إلا المتمسكين بدينهم, فقالوا إن شرب البيرة يفتح الشهية وينعش الذهن فاشتد غضبى وهممت أن أترك الشقة ولو إلى قسم الشرطة فانفجرا ضاحكين وقالا إنها زجاجة الفنيك التى طلبتها, وكانت مداعبة هادفة غيرت الجو.

(2)انتقلت إلى فيلا خاصة فى أطراف المدينة جلست فيها ليلا ونهارا أمدة طويلة طال فيها شعرى فخرجت مع أحد الإخوان المتصلين بى وابتعدنا إلى آخر المدينة حيث وجدنا صالونا للحلاقة به اثنان من الزبائن وأطال الحلاق وصبيه فى تزينهما ونحن فى الإنتظار, ثم حلقنا وكانت فرصة أن يعرف كل من الحلاق وصبيه شكلى وأخى وصورتى وصورته.

وبعد أكثر من عشرين يوما احتجت إلى قص شعرى أيضا فعزمنا على أن نغير الحلاق فاتجهنا من الفيلا إلى طريق عكس طريق الحلاق الأول, ودخلنا فى دهشة الأنوار الزائدة إلى ذلك المحل الجديد وكانت المفاجأة حيث وجدنا أن الحلاق هو صبى الحلاق الأول, وقد رحب بنا غاية الترحيب وذكر أنه فتح هذا المحل منذ يومين فقط تاركا الأسطى ومستقلا بهذا المحل الجديد, فهنأناه ووقف يقص شعرنا ببطء زائد محاولا إكرامنا حنى نكون زبونا دائما له وسأل عن مسكننا وذكر له أخى أحد المساكن فى إحدى الشوارع القريبة من المكان لأنه يعرفها تماما, ولم نخرج من المحل إلا بعد أن تلفت أعصابنا من كثرة الأسئلة والحديث الذى لا معنى له.

(3)أعلنت الحكومة أن الساكن الجديد يجب أن يخطر الحكومة بمسكنه فتركنا الفيلا التى أجرناها جديدا إلى منزل أخى المتصل بى, وهو يخرج إلى عمله فى الصباح ويتركنى راقدا فى السرير لا أتحرك إلا إلى الصلاة وكنت مرة أتشهد آخر الصلاة وإذا بابنه الصغير الوحيد يفتح الباب من خلفى وينادينى حج حج حج وفى كل مرة يزيد صوته ارتفاعا حتى بلغ أن يسمعه من يسير فى الشارع وذلك هو الأمر الذى نخفيه, فتنبهت أمه إلى ذلك الخطر, ودخلت الباب من ورائى بسرعة وجذبت ابنها وأسكتته بعد أن كادت تشيب رأسى.

(4)عزمنا على ترك هذا المنزل إلى منزل آخر صاحبه أيضا يتركه فى الصباح ولا يحضر إلا فى المساء عروسه وخادمتها.

وجلست فى حجرة تطل على الشارع فى الدور الأول المرتفع عن الشارع بقدر متر تقريبا, ومن المصادفات أن نفس المنزل الذى تركته قد بحث عنى فيه بعد تركه.

وفى الصباح وفى ساعة هادئة فى الضحى وقف رجل فى الشارع ينادى تحت الفرندة يا حاج أحمد, يا حاج أحمد فأيقنت أنه ينادينى, وأنه قد كشف أمرى وأن صاحب الشقة الجديد " العريس" الذى اختفى عنده سيؤخذ معى وستضار العروس طبعا, وهذا أمر مزعج لنفسى كثيرا فإنى والحمد لله راض بأى نتيجة بالنسبى لنفسى, ولكن لغيرى لا يمكن أن تسمح نفسى بذلك, وقد انفعلت لكل هذه المعانى والرجل ينادى يا حاج أحمد وكادت تنقطع أنفاسى ثم رد من فى الدور الثانى قال من ينادى يا حاج أحمد قال له قابلنى على القهوة, قال ذلك للحاج أحمد الذى فى الدور الثانى فهدأت نفسى على الفور وجلست استريح من هذه المفاجأة؟.

وتكرر الحرج مرتين فى هذه الشقى حيث كان الأطفال يلعبون فى الشارع ونزلت الكورة بالفرندة التى تفتح منها حجرتى فأغلقت الباب على وتركتهم وابنة البواب والأطفال وسيدة المكان يلتقطون الكرة وردها للأطفال بالدخول إلى الفرندة من شباك حجرة مجاورة" حجرة مكتب صاحب الشقة".

والمرة الثالثة أنه تكشف لى ليلا حينما وقفت فى الفرندة أن سيارة المباحث تقف أمام المنزل أمام الحجرة التى أختبىء فيها ولما تساءلت قيل لى إن رئيس المباحث الذى يبحث عنى يسكن فى المنزل المجاور لى وأن حجرته لا يفصلها عن حجرتى إلا الجدار, وبذلك عجلت فى الإنتقال إلى مكان آخر.

(5) صابر عزمت على الخروج من طنطا واتفقنا مع رجل لا يعرف اسمى وإن كان يعرف موقفى على أن يصحبنى إلى بلده لأشتغل عنده خادما فألبسنى جلبابا ممزقا وجاكت قديم وطاقية مثقوبة وجلست بجانبه فى سيارة وكأنه لا يعرفنى ولا أعرفه مجرد ركاب فقط جمعهم السفر, وعند مشرف المدينة وكان الوقت عشاءا, وقفت السيارة التى نركبها وراء حوالى عشر سيارات وتبين لى أنها تفتيش واحدة واحدة, فملت عليه ووضعت فمى على أذنه وقلت له سأنزل فى المزارع وأترك السيارة فقال لا تفعل فجلست مطمئنا حيث إنه غير خائف, وجاء دورنا فى التفتيش ولم يفطن أحد إلى أن فى السيارة أحمد البس الذى يبحث عنه, وسمح للسيارة بالمرور ووصلنا بها إلى نهاية الطريق ثم مشينا على أقدامنا مسافة 2 كيلو متر أو أكثر حتى وصلنا منزل من سأعمل عنده خادما.

فطرق الباب وابتعدت عنه خطوات وسمعته يقول لسيدة البيت " زوجته" هل تعرفى الولد إلى جاءنا يطلب عملا وعمل سفرجى مدة طويلة وكان مثالا الأمانة والنظافة قالت نعم, قال أنا اليوم قابلنى ولد وطلب منى أن يعمل عندنا وأحضرته معى, قالت أدخله.

فنادانى وقال ما اسمك قلت صابر, قال ادخل, وأدخلنى حجرة كبيرة طويلة بها عدد من الكنب العربى يزيد على العشرة وأحضر لى غطاء من أغطية الخدم ذات الرائحة الكريهة فوضعته على رجلى إلى قرب الفجر ثم أبعدته وقمت وخرجت إلى الصالة أبحث عن دورة مياه فى منزل قديم مرتفع الجدران واسع الحجرات حتى وجدتها فتوضأت وصليت وأويت إلى المكان الذى أنام فيه حتى طلعت الشمس وتحرك الناس فى القرية وفى الحقول ولكن صاحب المنزل قد تأخر فى نومه.

وأخير أحضر إلىّ يستعلجنى فى أن أنهض لعمل الشاى وسلق البيض وتقديم الفطور لسائق السيارة التى ستحمل الست إلى بلد أبيها, وقد كان وأوصلت الفطور للسائق ثم حملت الحقائب حتى السيارة ورفعت يدى للتحية للسيدة والسيارة تتحرك بها كما يفعل الجندى للضابط ومع السلامة يا ستى, وقد أتقنت ذلك مع قريب عهد بهذه الوظيفة الجديدة.

بعد ذلك ألقى علىّ صاحب المنزل الأوامر كيف أنظف الحجرات وكيف أمسح البلاط, وكيف أكنس حول المنزل.

وكيف أساعد الطباخة" فلاحة من القرية" فى تقشير الخضار وتنظيفه, كيف أنظف الكلوبات وأملؤها بالغاز وكيف أحضر للطير الغذاء والماء كل يوم وأنظف له المكان, وعملت ذلك كل يوم حتى جاءت سيدة البيت من عند أهلها ولا أنسى أن أسجل أن صاحب البيت دعانى ليلة أن أسهر معه فى حجرة نومه قبل حضور سيدة البيت فدخلت عليه وهو يجلس مع ابنة له صغيرة لم تدخل المدارس بعد, كانا يجلسان على كنبة عربى يأكلان الفول السودانى, فنسيت أن خادم وجلست بجانبه فنظرت الطفلة إلى والدها تستنكر سلوكى , فنظر إلىّ أن أصلح نفسك فنزلت من على الكنبة للأرض تحت قدميها أقشر لها السودانى, وكل يوم أدخل إلى حجرة نومه وطفلته فى الصباح لأنظفها وأنقل الغائط الذى قامت به أثناء الليل داخل الحجرة.

ولنرجع إلى الست حين حضورها نادت علىّ وقالت ما اسمك لقد نسيت؟

قلت لها صابر يا سيدتى.

قالت: من أى البلاد؟

قلت: من كفر الشيخ.

قالت : ما عملك؟

قلت : صبى بقال

قالت : هل أنت متزوج؟

قلت: لا

قالت: ما أجرك؟

قلت : ثلاث جنيهات.

قالت: لا أنا سأعلمك الطبخ فما عليك إلا أن تقف بجانبى وتفتح عينك لما أعمل وبعد شهرين ستصبح طباخا ماهرا لا يقل مرتبك عن عشرة جنيهات.

فدعوت لها بطول العمر وأذكر أنها كانت تأمرنى أن آكل الفضلات من الطعام وأن أنام مع الخدم على الأرض, ومع ذلك ضاق بى صاحب البيت خوفا على نفسه أن أضبط عنده, وطلب منى مغادرتهم وغادرتهم, ولما خرجت من عند الرجل الذى قبلنى كخادم ولم يعرف اسمى ولكنه يعرف ظروفى ولم يطق أن أستمر عنده أكثر من ذلك طلب منى أن أفارقه فخرجت أحمل كيسا من الورق به ملابسى الداخلية, وكنت ألبس جلبابا من الصوف وعلى رأسى طاقية بيضاء فخرجت مخترقا المزارع قاصدا محطة السكة الحديد أو محطة الأتوبيس فقال لى بعض المزراعين من عنده لماذا تركت " البيه " يا صابرز فقلت لم أتركه ولكنه مسافر لمدة وركبت الأتوبيس إلى عاصمة الإقليم ثم ركبت عربة حنطور من المحطة إلى منزل بوسط المدينة وكان ينتظرنى من توسط لى لدى من كنت عنده خادما ونزلنا منزلا يعرفه الوسيط عند قريب له.

وتصادف أن قرأت بعض اللافتات التى مررت بها كعيادة الدكتور فلان المتخصص فى كذا, ومكتب المحامى فلان, وأجزخانة كذا, ووضعنى صاحب البيت بعد أن قضيت عنده ليلة واحدة فى الدور الخامس من المنزل وهو عبارة عن عدة حجرات منفصلة عن بعضها ليس لها صالة تؤجر لمن لبس معهم أسر وبينها مكان أعده صاحب البيت ليكون حماما لم يرمم فى حجم دورة المياه فيه كنبة من شقته واشتريت بطانية بجنيه وفى هذا المكان وقعت فى مأزقين أحدهما أن سكان الحجرات التى بجانبى تحدثوا عنى فيما بينهم ما هذا؟

ساكن أو مريض؟ ولعلهم رجحوا أنى مريض فجاءوا يعودوننى على أننى جارهم, وعلى أننى قريب صاحب البيت وأثناء الحديث معى سألونى عن مرضى, وعن الطبيب الذى أعالج عنده, فقلت لهم على الفور أنه الدكتور فلان الأخصائى فى مرضى الذى كنت قد قرأت لافتته أثناء قدومى إلى المحطة وأنا أركب عربة" الحنطور" وبذلك خرجت من المأزق الأول.

أما المأزق الثانى فكان صاحب البيت يأخذ منى ثمن الجريدة كل يوم وكان يقرأها وتبقى عنده حتى المساء فيحضرها لى وكنت أحب ان تكون معى من أول النهار لأتسلى بقرأءتها خاصة وأنا جالس فى حجرة ضيقة ليلا ونهارا.

وفى يوم نظرت من فوق السطح صباحا على الشارع فوجدت صاحب المنزل قد اشترى الجريدة فنزلت مسرعا إليه وكان يقف فى الجانب الآخر من الشارع, وأخذت منه الجريدة واتجهت إلى الباب لأصعد إلى حجرتى وإذا بمناد ينادى من خلفى عمى الحاج أحمد.. عمى الحاج أحمد, فالتفت إليه فوجدته ممرضا من بلدى" القضابة" يعمل فى هذه المدينة فسلمت عليه وتركته بسرعة وصعدت إلى حجرتى وإذا به يتبعنى إلى السطح ويقول لى لا تخف فسوف لا أذكرك أمام أحد وأنا الآن مسافر إلى القضابة فلو كنت لك حاجة سوف أحضرها لك معى, فشكرته, ولكنى أخذت أجمع حاجاتى القليلة لأرحل من المكان, وقد كان, فتركته من فورى بعد أن أستأذنت صاحب المنزل, ومن العجب أن هذا الممرض سافر إلى البلد فعلا هذه الليلة وسهر كما علمت فيما بعد – حتى الفجر يلعب الورق مع إخوانه ولما نام وأرادوا أن يوقظوه من النوم وجدوه ميتا رحمه الله وقد ذهب بسره, ولكنى لم أعرف ذلك إلا بعد أن تركت المكان فى عجل ومشقة بالغين.

وفى هذا المكان قرأت فى الجرائد الحكم علىّ بالأشغال الشاقة المؤبدة وذكر فى أسباب الحكم أنى رئيس الجهاز السرى بمديرية الغربية وكفر الشيخ.

ولما رأيت أننى أتنقل بلا عمل للدعوة وأنى مهدد بالقبض علىّ وعلى من أكون معهم, فكرت فى أن أتصل باسرتى بسرعة وأخبرهم بعزمى على تسليم نفسى للحكومة وأتركهم يرتبون أحوالهم ويلتفتون إلى معاشهم وتربية الأولاد.

وسرت أقطع المسافة بينى وبينهم راكبا أولا ثم ماشيا على قدمى خصوصا حينما أصبحت على بعد ثلاثين كيلوا مترا من بسيون خوفا من أن يرانى أحد ممن يعرفوننى.

ودخلت بلدا قريبا من بسيون وأرسلت إلى أهلى, فكان رأيهم أن أحاول السفر إلى خارج مصر خوفا علىّ من أن أقع فى يد الحكومة.

ولما اتجهت إلى عدم تسليم نفسى اتصلت بالشهيد الأخ " رزق حسن إسماعيل" رحمه الله فرحب بقدومى عليه وإيوائى رغم أن الموقف شديد وخطر ولكن رحمه الله تعالى كان يتصرف بصدق ووفاء وليس بداخله وخارجه أدنى خوف. ودخلت إلى بلدته ودخلت منزله القديم بالدور الثانى وأغلق على الباب الحجرة" المقعد" ولا يدخل علىّ أحد إلا هو أو ابنته حين يدق الباب دقا أعرفه فأفتح لها فتناولنى الطعام والشراب وتسألنى عن أى شئ أكون محتاجا إليه, وفى الغالب ليس لى طلبات مطلقا وكنت اقضى حاجتى عادة قرب الفجر فى الدور الأول حيث يكون الجميع فى نوم عميق والباب الخارجى للمنزل مغلقا.

والحرج الشديد حيث لا أجد لى رغبة فى قضاء الحاجة فى الوقت لامساك.

فأتوضأ وأصلى وأضطجع فى مكانى قليلا حتى يطلع النهار.

وفى النهار يفتح الباب الخارجى ويمتلىء البيت بالداخل والخارج أجدنى فى رغبة ملحة إلى قضاء الحاجة ولا سبيل لذلك, وهنا أمتنع عن الإفطار والغداء والعشاء حتى يدخل الليل الثانى ويقترب الفجر وأقضى حاجتى, ومثل هذا اليوم من أصعب الأيام على نفسى وصحتى.

هذا وقد كان فى المكان الذى أنام فيه دولاب لأهل المنزل فيه الملابس الخارجية لهم جميعا وكتب الأولاد, وذات يوم جاء " حسن رزق" ابن صاحب البيت وكان بالمدرسة الابتدائية يدفع باب حجرتى بقوة لأنه نسى كتابه أمس والكتاب فى الدولاب من قبل أن أسكن الحجرة, فلما وجد حسن الباب مغلقا من الداخل صاح على أمه مستنجدا بها لفتح الباب فجاءت على عجل وقالت له إن أباك أخذ المفتاح وخرج, فارتمى على الأرض صارخا خائفا من المدرس الذى أمره بإحضار الكتاب فأعطته أمه خمسة قروش واعدة إياه أن نأخذ المفتاح من والده عند حضوره ونخرج له الكتاب وقد طلبت من الحاج رزق " رحمه الله" أن يخلى الدولاب من كل ما فيه فى مكان آخر حتى لا أتعرض مرة أخرى لهذا الحرج وقد كان.

(6) الضيف المستهتر جاءنى الحاج رزق " رحمه الله " ليلا فى رمضان يقول لى إن الأخ عبد الكريم عطية يسأل عنك وهو ضابط بالجيش ومحكوم عليه هارب مثلك, فقلت فى نفسى يأتى ليجلس معى جلستى هذه فيسلينى ولا يكلف صاحب البيت شيئا لأن الأمل والشرب كثير والموقف لن يزيد شيئا, فمن يأوى واحد كمن يأوى اثنين,فقلت للحاج رزق ائتني به فجاء به خفية ودخل معى الحجرة وتناول السحور وصلينا الفجر سويا ثم قال أحب أن أخرج فقلت له إن خروجك معناه أن ينكشف أمرنا ويذهب صاحب البيت معنا غلى السجن فلم يقتنع وأصر.

ونادانى الحاج رزق واسر إلىّ بأن الأخ عبد الكريم ربما كان جاسوسا للحكومة وجاء لفضح أمرنا, وموقفنا مع الآن أن نتخلص منه فقلت له إن كان عبد الكريم مخلصا مع حماقته وتخلصنا منه فإن دمه الطاهر سيكون فى أعناقنا ومهما جاهدنا فى سبيل الله فلن نوفيه حقه يوم القيامة.

وإن كان جاسوسا للحكومة وحضر إلينا اليوم فإنه لم يحضر إلا ومعه مائة جندى على الأقل واقفين الآن خارج البلد ينتظرون الأمر بالهجوم علينا, فكلا الأمرين مر فدعه يخرج فخرج وكأنه ليس هاربا ولا محكوما عليه وتبعه الحاج رزق بحذر إلى المحطة وتركه وجاء مسرعا لندبر الأمر بترك المكان – وكيف نتركه وإلى أى منزل؟ وكان قد سبق أنى أردت أن أحلق شعرى فأتى الحاج رزق بمقص ومشط وأخذ يهذب شعرى فجعله قيعانا ووديانا, واضطررنا إلى أن نحضر حلاقا من الإخوان هذب شعرى وكان هذا هو الأخ الوحيد بعد الحاج رزق الذى يعرف محتبئ عنده فأحضرناه وسألناه أن نبيت عنده يومين أو ثلاثة حتى نختار بلدا آخر فنذهب إليه فوافق.

(7)المنزل عبارة عن حجرة بابها فى الخارج " الشارع" يقابل فيها الزبائن وحجرة قالبتها ينام فيها مع زوجته وأولاده.

وبجانب الدكان الذى يقابل فيه الزبائن" زريبة" يضع فيها حماره, وبجانب الحجرة التى ينام فيها مكان عبارة عن متر فى مترين مظلم للغاية له نافذة صغيرة من السقف مبلل الجدران من أثر البركة التى أمام البيت وكان يضع فيه المخلل والجبن القديم له رائحة كرائحة المقابر تماما.

ووضع لى فى المكان كنبة صغيرة ودخلت المكان وأغلقته علىّ من الداخل تماما خوفا من أن يطرقه طارقا فينفضح أمرى وأمر صاحب المنزل المسكين, ورأت صاحبة المنزل خوفا علىّ أن تسد الفتحة التى فى السقف قليلا حتى لا يرانى منها أحد من الجيران مع أن المكان مظلم ولا يحتاج إلى مثل ذلك فإن الرؤية فيه متعذرة تماما للناظر من السقف, وعالجت السيدة ذلك بروث البهائم, ولما كادت تهتى من عملها الذى لم أخبر به حتى ملأت المكان بهذا الروث ونزل على رأسى وملابسى ما نزل, وجاء الصبح فى اليوم التالى عند أخى الحلاق ومصادفة أن فرن المنزل كان أمام هذا المكان, وحضر عدد من نساء القرية لمساعدة صاحبى المنزل فى الخبيز فدخل الدخان من شقوق الباب وملأ المكان طوال اليوم مع دخول حديث النساء الهابط إلى أذنى حتى فرغن من عملهن عصرا, وقد اشترك مقرئ القرية معهن حين حضر ليقرأ القرآن كعادته كل يوم فكان يقرأ آية ويدخل فى الحديث معهم فكان تصرفا قبيحا اشمأزت له نفسى وازداد ثقله على قلبى, وقلت هل نحن مطالبون بإصلاح كل هذا؟ ومتى يتم؟

إنه يحتاج إلى رقاب كثيرة تطير فى سبيل الله وإلى مجهود مضن عظيم, فقد انطمس الدين فى النفوس وبعدت الأرواح عن الحق المبين, ولما كان هذا المكان لا يطاق أكثر من ذلك فقد حضر الحاج رزق ليلا وأخذنى إلى بلد آخر قريب من طنطا حيث أخ كريم تعهد بإيوائي أسبوعا حتى أجد منفذا للوصول إلى القاهرة, وفى هذا البيت وضعت فى مكان بالدور الثانى مثل مكان الحاج رزق إلا أنه عبارة عن حجرة واحدة لا يحيط بها شئ غير الحطب, حطب صاحب المنزل, وحطب الجيران من كل جهة, ولا يمكن أن أخرج منها إلا ليلا حيث الظلام فإن الخروج منها فى النهار مستحيل.

وجدت فى يوم حار أن علا صراخ النساء من كل جانب حولى وظننت فى بادئ الأمر أن الحكومة علمت بمكانى وحضر جند كثيف هلعت لرؤيته النساء فوقفت خلف الباب منزعجا خائفا على أهل المنزل فقط, أما أنا فأصبحت لا أهتم بذلك كثيرا, فإن ما أنا فيه يشبه السجن وأكثر.

ولم يطل وقوفى حتى لمحت من خلال ثقب الباب صاحبى المنزل صاعدة إلىّ ووقفت وظهرها للباب وقالت لا تنزعج فإن حريقا شب بالبلد وخرجت كل صاحبة بيت لترش حطبها بالماء حتى لا تقع عليه شرارة من الحريق فتهلك البيت.

ووقفت هى خارج الباب ووقفت أنا داخل الحجرة حتى حضرت المطافئ وأسكتت النيران ونزل كل من على سطحه غلى فناء بيته.

وقد جاء العيد علىّ وأنا فى هذا المنزل وكان نم عادة صاحب المنزل وأهله أن يقضوا ليلة العيد ويومه بالمقابر ولوجودى عندهم لم يذهبوا ليلا وذهبوا نهارا وتركونى لا فى الحجرة العليا ولكن فى حجرة بالدور الأول وجلست وباب الحجرة مفتوح والكلاب والفراخ والبط والأوز فى وسط المنزل تهيج وتموج ويرتفع صوتها ويبنح الكلب كلما سمع صوتا عاليا فى الشارع وتدخل على الحجرة فأدفعها بعيدا عنى مرة أو أتركها تقترب منى مرة حتى حضر صاحب النزل وأولاده آخر النهار ففتح الباب ودخل واندهش الأطفال لرؤيتى فأخرجت من جيبى نقودا وأعطيت كل طفل هدية العيد لأخرجهم من دهشتهم وصعدت إلى الحجرة العليا فى غفلة منهم وبقيت بها حتى انتهى الأسبوع.

وأتى إلىّ الحاج رزق الذى صحبنى إلى طنطا لأسافر إلى القاهرة ولكن الأمر لم يتم فى يومه فاضطررنا إلى اللجوء إلى بلد آخر حتى يتهيأ لنا السفر إلى القاهرة, وفى البلد الآخر لم يمكننى أن أقترب من منزل أحد الإخوان , ففكرت فى اللجوء إلى منزل والدة إحدى زميلاتى بالمدارس, وليس لهم صلة بالإخوان مطلقا وإنما كنت قد حضرت عقد زواج زميلتى.

وما كدت أطرق الباب ليلا حتى خرجت أم زميلتى وهى مسنة للغاية ومريضة للغاية" رحمها الله" وقد رحبت بقدومى أيما ترحيب أنسانى كل حيرتى وكل آلامى وكأنى هبطت على أمى فآوتنى أسبوعا وحصلت عندها مفاجآت لا تنسى منها: أننى كنت أجلس فى بناء من الطين" خزنة" ترتقى إليها بعدة درجات من السلم مبنى بالطين أيضا فى أسفله خزنة مثلها مملوءة بأوانى المخلل والجبن القديم, وهى مقامة من تحت أشجار نخيل فى وسط البيت الخزنة العليا التى كنت أجلس فيها طوال اليوم إلى آخر السهرة حتى يخلو البيت من الزوار رفيعة الجدران قريبة السقف مثل الخزانة التى على الأرض, إذا مشى بها الإنسان طأطأ رأسه أو ركع واهتزت بها عدد من الأوانى الفخارية مملوءة باللبن الجديد والخاسر وصفائح مملوءة بالبسكويت.

وفى يوم الجمعة توضأت ونثرت ماء الوضوء على أرض الخزانة ليخف الحر قليلا وفى هذه اللحظة جاءت خادمة لتأخذ الجبن القديم من الخزانة السفلى فوجدت أن المكان يهتز بمن يمشى عليه وأن السقف يسقط منه ماء الوضوء الذى نثرته, ولا تعرف أن أحد بالخزانة العليا فصعدت الدرجات وفتحت الخزانة علىّ فصدرت منها صرخة مزعجة وجرت بسرعة إلى صاحبة البيت حيث اجتمع عدد من النساء مع صاحبة البيت يقمن بالخبيز وقالت إنى رأيت رجلا غريبا بالخزانة العليا, فقالت صاحبة الدار على الفور إنه رجل ممن يكتبون التعاويذ والأحجبة رأيناه ماشيا فى الشارع فأحضرناه ليكتب حجابا لابننا المريض ولم نجد مكانا أهدأ من هذه الخزانة.

كان ذلك حلا لذلك الموقف المحرج لم أعرفه إلا آخر النهار, فقد حضرت ابنة صاحبة البيت شقيقة زميلتى بالمدرسة وقالت لى لا تنزعج فقد ذكرت والدتى ذلك للنساء واقتنعن بذلك وأنت من اليوم لا تدخل عليك هذه الخادمة حتى تجدك منغمسا فى الكتابة.

كان ذلك بعد أن قضيت اليوم على أحر من الجمر أطيل التفكير فى الخلوص من هذا البيت وأتوقع كل دقيقة الهجوم آت لا محالة.

نهاية فترة الهروب

القبض علىّ فى 5/8/1955:

حضر الحاج رزق إلىّ وسافرت معه من هذا لبلد مودعين بالبكاء والشفقة من هذا البيت الكريم الذى أثبتت هذه السيدة وابنها وابنتها التى كانت مطلقة فى هذا الوقت أنهم جميعا خير من أهلى وكانوا رحمه من الله.

سافرت إلى القاهرة مع الحاج رزق وتلقانا الشهيد " محمد يوسف هواش" الذى كانا هاربا مثلى يبحث عنه, ورجع الحاج رزق إلى بلده فى وقتها بعد أن تقابلت بمسجد السيدة زينب رضى الله عنها مع الشهيد محمد هواش وبقيت مع الأخ محمد يوسف هواش بالقاهرة شهرين كاملين.

فى يوم 4/8/1955 قبض على الأخ الشهيد محمد يوسف هواش.

وفترة الشهرين قبل القبض والتى قضيتها بالقاهرة حدث فيها مفاجآت أدخلنى منزلا فى الدور الأول وكان لبعض العمال الذين اعتقل خالهم.

فوجدت الشقة بها ثلاث حجرات كل حجرة بها سرير ولكنها مهملة للغاية فخلعت ملابسى ووضعتها على كرسى ولبست البيجامة ونظفت الحجرات والصالة ووضعت كل الفضلات فى ركن من الصالة ثم دخلت الحمام وخرجت لأصلى العصر وإذا بطارق يطرق الباب طرقا متواصلا فجلست فى إحدى الحجرات لا أنيس ولا جليس وإذا بالطارق امرأة عجوز ومعها صبى أدخلته من شباك فى الشارع فدخل علىّ فقلت له إننى ضيف عندكم وفتح لجدته التى ما رأتنى إلا وأسمعتنى أسوأ الألفاظ وأشدها وأمرتنى أن أخرج فورا من الشقة, وأنا فى هذه الحال لا املك أن أسير فى شوارع القاهرة وأخشى ألا أتمكن من الإتصال بالأخ محمد هواش بعد ذلك ولكنى أمام هذا الموقف لبست ملابسى وخرجت وأنا أخرج نظرت إلىّ العجوز ولعلها وجدت بعد أن لبست ملابسى وخرجت أنى لا أستحق كل هذا السباب ولعل الله أدخل فى نفسها الشفقة والرهبة واللوم, فما مدت أسير فى الشارع حتى رأيت الصبى يعدو خلفى ويقول تعالى إن جدتى تدعوك للرجوع, فرجعت لأنى لا أجد مكانا غير هذا يصلح لى, وما إن دخلت حتى خلعت ملاءتها وأعطتنى إبرة وخيطا وقالت إن ملاءتى قد قطعت وأنا أنزل من الترام فارتقها لى فكان ذلك موضع سرورى, ولما تم ذلك تركتنى بالشقة وذهبت إلى حيث ذهبت.

بحثت مع الأخ هواش رحمه الله عن منزل نستقر فيه فهدينا إلى شقة بحلوان بعد أن وفقنا إلى فيلا بالمعادى وجدناها أعلى مستوى وأرقى مكانا.

وفى يوم الجمعة 5/8/1955 اتفقت مع أخ لى أن يقابلنى على محطة السيدة فى القطار المسافر إلى حلوان الساعة 3 مساء.

ولما لم أجد الأخ على المحطة ظننت أنه نائم فى بيته فذهبت إلى البيت الذى يأويه وطرقت الشقة فإذا أجد عددا من المباحث كانوا قد قبضوا على هذا الأخ فى الليلة السابقة وربطوا فى الشقة لكل من يأتى إليها وقد اتجهت إليها فوجدتهم قد عبثوا بكل شئ فيها من فرش وجلسوا يأكلون ودعونى للأكل معهم فشكرتهم وبعد أن فرغوا من الأكل اصطحبنى اثنان منهم إلى قسم السيدة زينب ومنها إلى السجن الحربى.

المبحث الرابع

قصة السجن الطويل والثمانية عشر عاما

من 5/8/1955 م إلى 14/1/1973

أولا : السجن الحربى من 5/8/1955 حتى 1/10/1955م:

دخلت السجن الحربى يوم الجمعة عصرا5/8/1955 م إثر رؤية رأيتها – رأيت كأننى أدخل مسجدا من المساجد وأن أحدا ممن كانوا فيها يكتب أسماء الداخلين, وقد كان – دخلت عصرا, فما إن دخلت وقربت من المكان حتى جردت مما معى كيس من الورق به ملابس داخلية وعدد من القمصان وبرنيطة وثلاث جنيهات وتزيد قليلا.

رميت فى زنزانة إلى العشاء ثم دعيت إلى نفر من زبانية السجن الحربى فى الخلاء على الخضرة يرأسهم الضابط" أحمد صالح داود" وأجلسونى تحت قدميه وسألنى بعض الأسئلة التقليدية: تعرف فرج النجار.. أين السلاح, ووقتها كان محكوما علىّ غابيا بالأشغال الشاقة المؤبدة" دائرة محفوظ ندا"وبالطبع ليس لدى شئ أقوله, كما أن مهمتهم ليست التحقيق معى ولكنه كان دعوة لحفلة شاى" أول علقة يأخذها الداخل إلى السجن الحربى, مجرد تسخين جسم" وبعد فترة قصيرة جدا من الحديث الهادىء أمرت بخلع ملابسى جميعا وطرحت أرضا على بطنى وأمسك بعضهم بيدى ورجلى والباقى بالكرابيج, وحين أنتزع نفسى منهم وأقف يضعون الكراسى فوق رأسى ويرغموننى على الجلوس وهناك يضربوننى على أفخاذى فأحاول الوقوف والجرى حيث خرطوم المياه لأشرب وأطفئ عطشى فيجرون ورائى ويكررون عملهم هذا حتى عبطت تماما فأتوا بالعروسة الخشب وربطونى بها ونقشوا ظهرى بالكرابيج, ولما فكونى لم أقدر على الوقوف فسقطت على الأرض ولم أقف إلا بعد ضرب شديد, ووقفت بجانب جدار ووجهى إليه مع عدد من الإخوة وكانوا يمرون علينا بالسياخ المحماة بالنار ويلمسون أجسامنا حتى تبرد هذه الأسياخ فيأتون بغيرها محماة, وفى هذا الوقت لا يحس المرء منا بحرارة النار مثل ما يسمع من صوتها وهى تلمس ظهره, أو كتفه أو إليته, واستمر هذا التعذيب طوال الليل . ثم ألبست جلبابا التصق بأكثر من جسمى بواسطة الدماء, وبقيت للصباح ثم أخذت إلى مكتب لأملى عليهم كم من النقود لى عندهم, فأمام هذا المكتب ووسط الزحام وأنا جالس على الأرض شاهدت الشهيد الأخ" رزق حسن إسماعيل" من كفر المرازقة بكفر الشيخ وكان قد قبض عليه قبلى و فجذبته من ردائه فجلس بجانبى وقلت له كم يوما أنى مكثت عندك, فقال خمسة عشر يوما, فقل له خمسة عشر يوما مثل ثمانية شهور أو سنة, فقل عند التحقيق معك أنى دخلت عندك فى يوم كذا وفى وقت كذا من النهار وخرجت من عندك فى يوم كذا بعد ثمانية شهور وفى وقت كذا من الليل, فقال حاضر. وقلت له إذا ذكرت ذلك فإننا سنحمى عشرين أسرة على الاقل من دخول عائلها السجن, فوافق على ذلك رحمه الله.

وقد كان ووفى بما وعد وذكر للمحقق عندما دعى أنه آوانى ثمانية شهور ودخلت عنده فى يوم كذا وفى وقت كذا وخرجت فى يوم كذا وفى وقت كذا. كما ذكرت له تماما.

مستشفى السجن الحربى:

وعند مرور الضابط الطبيب علىّ بالزانزنة أمر بإرسالى إلى مستشفى السجن الحربى فدخلت حجرة خالية من كل شئ قضيت بها عشرين يوما الوضع المريح لى فيها كالساجد على البلاط لأن كل مكان فى جسدى غير ركبتى وكفى لا يطيق أن يلمس الأرض, وكل يوم يدخل علىّ السجان" العسكرى" بطبق فيه طعام أحاول إخراج لسانى لأتناول من الطبق شيئا فلم أقدر لانتفاخ وجهى وشفتى من الضرب. مع المحقق

وقبل دخولى المستشفى دعيت للتحقيق قبيل منتصف الليل على أرض خضراء فى فناء السجن الحربى وجلس المحقق على كرسيه وجلست تحت قدميه وقد أمر الحارس أن يبتعد قليلا. وقد سألنى كثيرا عن كفر الشيخ وعن رجالها من الإخوان والقريبين منهم وسأل هل أنت أخذت ثلاثة آلاف جنيه من شعبة بسيون, قلت إن شعبة بسيون فقيرة وكنا نجمع أحيانا أجرة السكن من جيوب الإخوان الموسرين" وقليل ما هم" وقال لما لم تسافر إلى الخارج هاربا؟ فقلت لم أتمكن, وبعد فراغه من أسئلته قال فجأة لنفرض أن جمال عبد الناصر مثل فاروق ولكن فاروق إذا مات خلفه ابنه وإذا مات جمال عبد الناصر قد يخلفه أحمد البس. فقلت له: من أنت؟ قال لماذا؟ قلت كأنك صديق وليس محققا. فقال بعدين ستعرف.. ولم اعرف للآن. ولكنه أمرنى أن أوقع على ورقة تشير إلى أننى لم أباشر عملا للإخوان طوال هروبى, وترتب على ذلك أننى لم أقدم للمحكمة العلنية.

العنبر رقم (4)

وقد حدث أنى مكثت فى مستشفى السجن الحربى عشرين يوما ثم تدخل الشهيد " محمد يوسف هواش" فى نقلى من المستشفى الذى ليس به أى رعاية إلى عنبر رقم 4 من السجن حيث يسكن معى ويعيننى على الحياة. وفى هذا العنبر سكنت مع 6 من الإخوان فى زنزانة فيهم" محمد يوسف هواش" ولم يعاملنا الحراس كمرضى بل مسجونين ولم يراعوا أننى ألبس فقط البنطلون ولا يمكن أن ألبس على بقية جسمى شيئا آخر أى أن نصفى الأعلى عار ومملوء بالقيح خاصة ظهرى.

رب ضارة نافعة:

وفى يوم من الأيام دعونا غلى الخروج من الزنازين والنزول إلى ساحة العنبر بسرعة وما لبثنا أن أمرنا بالصعود إلى الدور الثانى ثم أمرنا بالنزول ثم الصعود.. كل ذلك فى عجلة ومن يبطئ فى النزول يضرب عشرات الكرابيج, وكنت أنزل مع النازلين وأصعد مع الصاعدين وجسمى مكشوف فى أعلى, وفى مرة ونحن نصعد السلم ظن أحد الإخوان أنى ألبس ملابسى فأمسك ظهرى ليستعين على الصعود بسرعة فجمع جلدى من رقبتى إلى أسفل بين أصابعه وقد كان سهلا لوجود القيح اسفل الجلد فى جميع ظهرى فانكشفت عظامى, فأخذنى أحد الإخوان الأطباء" الدكتور مصطفى أبو العنين" طبيب أمراض نساء بالأسكندرية الآن, وأمرنى أن أنام على بطنى على أرض فناء العنبر وأخذت يرد جلد ظهرى مكانه واحتاج إلى وقت, ولما فرغ من ذلك قال : لقد أنقذك من الموت فإنى حينما أرجعت الجلد مكانه قذفت القيح من تحته ولو بقى هذا القيح يوما آخر لوصل إلى داخل صدرك ومت, ولكن هذا الأخ جمع الجلد وكشف عن القيح كان سببا فى شفائك إن شاء الله.. وقد كان وتم ذلك كله من غير مكركروم أو حتى أسبرينة أو شاش ولكن كل ذلك تم بدائيا كأننا فى عهد آدم عليه السلام.

مع الجاويش عبد المقصود

كان من الأشياء التى حصلت فى السجن الحربى أننا بعد أن تجرى ساعة أو ساعتين أو أكثر يدعونا الجاويش عبد المقصود إلى الجلوس حلقات حول بعضها ويقف هو فى الوسط مركز الدائرة ويدعو احدنا للوقوف بجانبه ليخطب فى الجميع فإن لم يعجبه كلام الخطيب شربه ما شاء له أن يضرب وإذا عجبه الكلام أمر الجميع أن يصفقوا له, وتصورا جاويشا جاهلا كيف يعرف الكلام الجيد من الكلام الغير جيد؟ وما الذى يسره وما الذى لا يسره؟ المهم أننى دعيت للخطابة مرتين وأنا جريح فقلت تصورا معى أن الدنيا كلها مثل أتوبيس يجلس على مقعد القيادة" ترومان – واتلى"

"رئيسا أمريكا وانجلترا فى ذلك الوقت" ويجلس على مقاعد الدرجة الأولى فى الأتوبيش شعوب الكفر, وعلى مقاعد الدرجة الثانية الشعوب الموالية للكفر ويقف على الرفارف أو من هو مسك بيديه وأرجله تزحف على الأرض الشعوب المسلمة.. ومهمتنا التى دخلنا بسببها السجن الحربى ان نجلس على مقعد القيادة أحمد ومحمد وعلى" أى رجال مسلمون:

وأن نجلس الشعوب المسلمة على مقاعد الدرجة الأولى لننفذ الآية الكريمة[ كنتم خير أمة أخرجت للناس] ولا أدرى كيف أعجب ذلك الجاويش الجاهل هذا الكلام فقد أمرهم أن يصفقوا لى.

وفى ليلة من الليالى الأخيرة لى فى السجن الحربى دعانى هذا الجاويش بعد منتصف الليل ومعنى ذلك أنه أخذنى ليدفننى حيا فى الرمال التى هى خارج سور السجن الحربى, وقد خرجت بهذا الخاطر من الزانزنة من غير خوف ولا وجل فقد نزع الله تعالى – فى هذا الوقت – الخوف من قلبى وبت أقوم وأنام لا أرهب موتا ولا أحدا إلا الله, ولعل ما نحن فيه من عذاب الموت أهون بل أحب إلى نفوسنا فقد كان هابطا لا يقوم به نحو مسلم إلا يهودى أو نصرانى أو ملحد, ولا يقوم به إلا جمال عبد الناصر وأعوانه الذين نزعت منهم الإنسانية وأصبحوا شياطين أو فراعنة" أستغفر الله العظيم"

بل أحط من ذلك وأسوأ فليس تعذيبهم له قاعدة أو سبب أو حدود بل خارجا عن كل قاعدة وعن كل سبب وعن كل حد.

خرج بى الجاويش عبد المقصود من الزنزانة ووضع يده تحت إبطى وسار بى فى فناء السجن والسكون يلف الجميع حتى الأنين مكبوت فى الصدور والدعاء لا يسمعه إلا رب العالمين, قلت له بعد أن مشينا قليلا ماذا تقصد يا عبد المقصود؟ فقال : إنى رأيت حلما مزعجا الآن وقلت لا يفسره لى إلا أنت , فقد لمحت فيك الصلاح ونحن نقوم بتعذيبك" ولا أدرى ما هى علامات الصلاح التى شوهدت علىّ" فقلت: ماذا رأيت ؟ فقال : رأيت أنى أسير فى وحل لا أكاد أخرج رجلا حتى تخوص الأخرى. فأحببت أن أفسر له تفسيرا يعجبه فقلت له على الفور وهل خرجت من هذا الوحل؟ فقال: نعم. ولا أدرى إذا كان قد كذب أو صدق, فقلت له منتهزا فرصة قوله نعم أنك ستكون فى شدة ولكن الله سينقذك. فتبسم, وانتهزت الفرصة أيضا وزاولت مهمتى وهى الدعوة إلى الله وقلت له هل أنت تصلى يا عبد المقصود ؟ فقال: لا ... كنت أصلى وأنا فلاح ولكنى هذه الأيام مشغول كما ترانى" مشغول بالضرب والتعذيب طبعا" فقلت له : إذا أردت أن تتوضأ واشترطت أن الذى يعينك على الوضوء أطباء لحضر لك أكثر من عشرين طبيبا أو مهندسين لحضر لك مثل ذلك أو محامين لحضر لك مثل ذلك, فقال: طيب سأصلى, ثم قال أليست لك حاجة؟ قلت: سقطت منى مسبحتى أثناء ضربى فهل لم تجدها؟ فقال ك صباحا سأحضر لك مسبحة, وقد كان فدعانى فى الصباح وأدخلنى حجرة فوجدت مسابح على هيئة كوم تملأ ثلث الحجرة وأمرنى أن آخذ أثمن مسبحة فأخذت أقل مسبحة ثمنا خوفا من أن تكون لأحد الإخوان

ثانيا:" ليمان طره"" من 1/10/1955 إلى 4/6/1957":

بعد مرور شهرين من دخول السجن الحربى دعيت لأن أخرج منه إلى ليمان طرة وكنت وقتها أتلو قوله تعالى:" سلام على إبراهيم كذلك نجزى المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين" فلا زلت كلما مررت بهذه الآية الكريمة وأنا أتلو كتاب الله أتذكر خروجى من السجن الحربى إلى ليمان طره الذى كنا نعتبر دخوله نوعا من الإفراج.

دخلت ليمان طره وجروحى من السجن الحربى لم تندمل تماما ووجدت فيه حوالى مائتين من الإخوان من بينهم الأستاذ منير دله والشهيد سيد قطب والشهيد محمد يوسف هواش – رحمهم الله والأخ حسن أيوب والأخ حسن دوح, ومن المائتين من الإخوان لم أكن أعرف منهم شخصيا سوى خمسة على الأكثر.

وبعد التئام جروحى خرجت مع الإخوان لنحمل الأحجار وكان مقررا علينا أن نشون أربعين مترا مكعبا إلى ثمانين مترا كل يوم ويأتى آخر اليوم فى الجبل فيمر علينا الضابط ليرى كيف العمل فإن وجده تماما وضع علامة بالطين حتى لا يستعمل فى اليوم التالى.

وعندما دخلت ليمان طره ووجدت إخوان الأسكندرية يذهبون إلى الجبل فى الصباح وعليهم الأخ عبد الحميد خطاب من إخوان الأسكندرية يدبر أمرهم ويتصل بالضابط والعساكر لينظم شئون الإخوان ووجدت الشيخ حسن أيوب مسئولا عن الثقافة بمعنى أنه يحاضرهم ويرشدهم إلى ما يتبع لزيادة ثقافتهم ويجيب على أسلئتهم ويصلى بهم إماما إن تيسر ذلك, ورأيت مشكلة فإن الشيخ حسن له رأى فى سكنى الإخوان فى الزنازين حسب ثقافتهم والأخ عبد الحميد يرى أن سكنى الإخوان حسب عملهم فى الجبل, وعلاجا لهذا الخلاف اقترحت أن تكون لجنة مكونة من سبعة إخوان يختار بالانتخاب ويكون فيها أخ مسئول عن العمل بالجبل وأخ مسئول عن الثقافة وأخ مسئول عن صحة الإخوان, وأخ هناك مسئول عام ضمن السبعة ينسق الاختصاصات, وقد وجد ذلك الاقتراح ارتياحا من الجميع ومن الأستاذ سيد قطب وأعضاء المكتب الموجودين معنا وهم الأستاذ منير دله رحمه الله والدكتور كمال خليفة والأستاذ صالح أبو رقيق والذين كانوا يترددون على سجن ليمان طره للعلاج.

وفى الانتخابات اختار الإخوان الأستاذ حسن أيوب, والأخ عبد الحميد خطاب, والأخ حامد قرقر والأخ عبد الرازق أمان الدين والأخ أحمد البس, والأخ عبد الحليم حسين.

ولما اجتمعت اللجنة لاختيار رئيس لها أعطيت صوتى للأخ حسن دوح وأعطى الستة الباقين أصواتهم لى فأصبحت مسئولا عن اللجنة وعن الإخوان جميعا مع اللجنة, فكان لا يبرم أمر إلا بتشاور الجميع وكان علىّ أن أدير العمل الإخوانى وما يمكن أن تقدمه للإخوان. وقد حدث أن الأخ محمد الشيخ من أجهور الرمل نهر أحد العساكر أو ضربه لماذا لا أذكر؟ وكان علاجى فى هذه الحالة أن أمرت الإخوان بمقاطعته ثلاثة أيام أو أسبوع لا أذكر حتى لا نفتح بابا للإخوان يتعاملون بمفردهم ويعملون أعمالا قد تؤدى إلى القضاء علينا, واحتج الأخ محمد الشيخ على هذا وكونت لجنة يرأسها أحد علماء الإخوان الذين بيننا واستمرت عدة أيام تنعقد فى ظل الأحجار تسألنى وتسأله بعض الإخوان ثم أصدرت حكمها فى أن ما فعلته هو الصواب.

والحق أن الأخ محمد الشيح تحول من غاضب علىّ وكاره لتصرفى إلى محب ويتقرب منى دائما ويسر إلىّ بأموره.ولما خرجنا من السجن والتقينا بدار الدعوة وعملنا فى محيط الجمعية التربوية الإسلامية دخل عضوا بمجلس إدارتها الذى أرأسه ونشط فى العمل نشاطا ملحوظا. حادث ليمان طره: 1/6/1957م:

بقينا فى الليمان على تلك الحالة التى أشرت إليها نخرج إلى الجبل فى الصباح ونمشى ما يقرب من ثلاثة كيلو مترات, ونرجع بعد الظهر حوالى الساعة الثانية وملابسنا التى نرتديها مملوءة بالأتربة فندخل الحمام ونغير ملابسنا هذه بملابس أخرى وكذلك نفعل كل يوم.

استمر الأمر كذلك حتى يوم السبت الحزين 1 يونيو 1957 حيث وقعت المجزرة التى لا مثيل لها.. إلا مذبحة دير يس التى أقامها اليهود لقرية دير يس فى فلسطين.

افتعلت مجموعة من الأحداث كانت بمثابة استفزازات للإخوان حتى يوجد المبرر لتنفيذ المذبحة.. أول هذه الاستفزازات حدثت أثناء إحدى الزيارات لعدد من الإخوان.. وأثناء الزيارة أخرجت إحدى الأخوات فرخة وأعطتها لأخيها من بين الأسلاك فثارت ثائرة الضابط عبد الله ماهر أحد ضباط السجن فأنهى الزيارة ووضع القيد الحديدى من الخلف فى ايدى كل أخ من الإخوان الست الذين كانوا فى الزيارة, وأرسلهم إلى زنازين التأديب.. وأرسل أهاليهم الزائرين رجالا ونساءا وأطفالا إلى قسم شرطة طره للتحقيق معهم واتهامهم بإحداثهم الشغب أثناء الزيارة.

عقب هذه الزيارة أمر الإخوان بالدخول إلى الزنازين عصرا وكانوا لا يدخلونها إلا قبيل المغرب.ز أكثر من ذلك حدث أن أحد الإخوان يصلى العصر فدخل الضابط وسحب سجادة الصلاة من تحت قدميه بعنف حتى كاد يوقع الأخ على الأرض.. وأمره بشدة أن يذهب إلى زنزانته.

كل هذه المقدمات أوقعت الإخوان فى حيرة.. وتساءلوا بين أنفسهم ما سبب ذلك؟ وما الدواعى التى تجعل إدارة الليمان تعاملهم هذه المعاملة الجديدة التى لا مبرر لها؟ هل هناك أمر يدبر.. وتعد له الإدارة؟ أحس الإخوان أن هناك شرا مبيتا لهم.

فى هذا الجو.. أعلنت إدارة الليمان أن كل من قضى فى الجبل أربعة وعشرين شهرا عليه أن يقدم ورقة يطلب فيها إعفاءه من العمل بالجبل ويعمل فى الورش داخل الليمان.

تنفس الصعداء.. وانتهزوا الفرصة وأجمعوا على تقديم إعفائهم من العمل فى الجبل لأنهم قضوا أكثر من أربعة وعشرين شهرا يعملون فى قطع الأحجار فى الجبل.. ومن حقهم حسب ما أعلنه الليمان أن يعملوا فى الورش داخل الليمان.. وبذلك يتفادون أن يضربوا بالنار فى الجبل تحت أى زعم أو بأى حجة لأن قوانين السجن لا تبيح ضرب المسجونين بالنار داخل العنبر.. كان هذا الإتفاق يوم الجمعة 31/5/1957.. وجاء يوم السبت 1 يونيو سنة 1957 وعندما فتحت أبواب الزنازين قد كل واحد من الإخوان " الورقة" التى يطلب فيها إعفاءه من العمل فى الجبل كإعلان الليمان. كان المفروض أن يجمع جاويش العنبر هذه الأوراق ويسلمها لضابط العنبر " الملازم عبد العال سلومة" ليعرضها على إدارة الليمان ثم يسمح للإخوان بالخروج للجبل حتى يبيت فى أمر طلباتهم.

ولكن الذى أحدث أنهم جمعوا الأوراق من الإخوان وأمروهم أن يدخلوا إلى زنازينهم وأغلقوها عليهم وبقيت مغلقة حتى الساعة العاشرة صباحا.

وفى الساعة العاشرة, نادوا على حسن دوح, و عبد الرازق أمان الدين, و عبد الحميد خطابى وأنا فخرجنا نحن الأربعة فوجدنا سور العنبر عليه عساكر بين كل عسكرى وعسكرى آخر مسافة 3 أمتار فقط وبيده بندقية" ثم رأينا حول العنبر أكواما من العصى والكرابيج وصناديق الذخيرة ولما خرجنا من العنبر وجدنا ساحة الليمان مملوءة بجنود الكتيبة يقفون على أهبة الإستعداد وكأنهم فى ميدان حرب.

أدخلونا حجرة وكيل العنبر " الضابط محمد صبحى" فوجدنا مدير الليمان" العقيد سيد والى وحوله ضباط الليمان وضباط المزرعة طره وبيد كل واحد منهم مسدسه.." وطلبوا من الأخ حسن دوح أن يتحدث" أى كلام" فتحدث.. ثم الأخ عبد الرازق أمان الدين.. ثم الأخ عبد الحميد خطابى.. ثم طلبوا منى أنا أن أتكلم فقلت:

إننى مندهش لوجود هذا الحشد من الجنود والضباط, وهذه العصى وهذه الذخيرة.. ما سبب ذلك؟ هل للبطش بالإخوان؟ والإخوان عزل ليس بيدهم شئ ولا يحسون أنهم ارتكبوا شيئا " إن إدارة الليمان ذكرت أنها تطلب من المساجين الذين قضوا 24 شهرا فى الجبل أن يقدموا طلبا للعمل بالورش فقدم الإخوان طلباتهم.. فإن كان فى ذلك جريمة فلدى السجن " التأديب".. والتأديب له بنوده.. وإنى لأطمع أن يعالج السيد المدير الأمر بالحكمة والرحمة قبل أن يعالجه بالقوة خاصة وأن الإخوان ليس بيدهم قوة. فاثرت هذه الكلمة فى نفس المدير. وأقسم لى قائلا:

والله العظيم.. والله العظيم.. أنا يا فلان كل حياتى بالشرطة أعالج أمورى بالحكمة والرحمة قبل القوة ودوسيهى يشير إلى ذلك.. وسأفعل ذلك الآن. وقام من فوره وذهب إلى مكتبه فى الليمان وتبعه الضباط وشعرنا نحن الأربعة من الإخوان أن الأمر قد انتهى على خير.

وتركونا نحن الأربعة فى حراسة بعض الجنود أمام باب العنبر المغلق. وبعد مدة تم فيها الاتصال بالمدير العام للسجون.. و زكريا محيى الدين وزير الداخلية.. وقت الحادث وطبعا جمال عبد الناصر. وظهر من نتيجة هذه الاتصالات الرغبة فى التنكيل بالإخوان ومحاولة إبادتهم.. وكاد ينتشر بالليمان فى هذا الوقت من المباحث عرفنا منهم الضابط أحمد صالح داود.

وبعد فترة ليست طويلة فوجئنا بإحضار عدد من السلاسل الحديدية التى يمكن أن يسلسل فى كل واحدة منها عشرون أو ثلاثون أخا.. وبدأوا فعلا فى السلسلة الأولى بالأخ عبد الحميد خطابى ثم بى, ثم عبد الرازق أمان الدين, أما حسن دوح فقد أرسل إلى التأديب لأنه كان يعيش بكلية واحدة. ثم أخذوا يفتحون زنازين الإخوان زنزانتين.. زنزانتين. فيخرج من كل زنزانة ثلاثة من الإخوة يفتشون ثم يسلسلون فى السلسلة. ثم يفتحون زنزانتين أخرتين.. وهكذا تم سلسلة خمسة عشر أخا.ز ثم انقطع مجئ الإخوان من داخل العنبر.. وكان السبب فى توقف مجئ الإخوان أن الإخوة الذين جاءوا من الزنزانة الخامسة والزنزانة السادسة لما جلسوا أمام الضابط ليفتشوا قبل خروجهم من العنبر كان أحدهم واقفا.. فقال له أحد الضباط: اجلس يا ولد:

وهذا اللفظ لم يسمعه أحد من الإخوان فى الليمان أبدا.. بل كان ينادى على أحد الإخوان بياباشمهندس أو يادكتور أو يا أستاذ حسب وظائفهم قبل السجن.. أما كلمة " يا ولد" فلم تسمع حتى تلك اللحظة.. فما إن سمعها الإخوان الخمسة الجالسين حتى قاموا للأخ الواقف لذى وجه إليه الكلام وانسحبوا من أمام الضابط وصعدوا إلى الدور الثالث من العنبر حيث كان الإخوان يقيمون وأبواب الزنازين مغلقة على الإخوان فأخذ أحدهم" الشهيد على حمزة " المفتاح من الجاويش وفتح جميع الزنازين وخرج الإخوان وهنا عجزت إدارة السجن من إكمال الخطة التى رسمتها وهى إخراج جميع الإخوان مسلسين فى السلاسل إلى الجبل وهناك يمكن إنزال ما يريدون بهم..

إما الضرب بالعصى . أو الضرب بالنيران.. وهناك يمكن أن يكون المبرر أقوى, كأن يقال إن الإخوان عملوا ثورة على الحراس واضطر الحراس لإطلاق النار. أو يقال إن الإخوان تمردوا.. أو أرادوا الهروب.

ولكن عندما فتحت أبواب جميع الزنازين على الإخوان فسدت الخطة ففكروا فى حيلة أخرى نفذوها بعد ساعتين من فشل الخطة الأول. أخذونى والإخوة المسلسلين معى وسحبونا إلى عنبر آخر, وكان قد انضم إلينا أحد الإخوان وكان قادما من الواحات للعلاج وكان الذين يؤيدون جمال عبد الناصر فحمل باقى السلسلة وأدخلونا جميعا فى زنزانة واسعة.. وجاء وقت الظهر واضطررنا أن نصلى ونحن مسلسلين فى السلسلة, فصلى بنا إمام الأخ القادم من الواحات... وصلينا معه.. وبعد الظهر بفترة قصيرة حضر المساجين من الجبل وأدخلوا زنازينهم وأغلقت عليهم الأبواب.. وأحضر المساجين الذين يعملون فى الورش داخل الليمان كله داخل الزنازين ما عدا الإخوان الذين شغلوا فى الوضوء استعدادا لصلاة الظهر..

وفجأة دخلت الكتيبة وصعد عدد منهم إلى الدور الرابع أى فوق الدور الذى يسكن فيه الإخوان.. ومن الدور الأول أطلق أحد الضباط طلقة كانت بمثابة إشارة البدء فى المذبحة.. فقال أحد الإخوان.. فشنك..

ولكن توالى إطلاق النار وسقط بعض الإخوان مضرحين فى دمائهم عندئذ صاح أحد الإخوان:

الضرب فى المليان يا إخوان.. أدخلوا زنازنيكم وأغلقوا الأبواب عليكم..

أسرع الإخوان إلى الزنازين وأغلقوا الأبواب عليهم واستطاع بعض الإخوان أن يسمكروا الأبواب عليهم بالمسامير ولم ينتبه البعض إلى إحكام غلق الباب.. وعندما دخل الإخوان الزنازين صعد أحد الضباط ومعه جاويشا فكان الجاويش يفتح باب الزانزنة التى لم يحكم غلق بابها ويدخل ويدخل الضابط فيطلق النار على من فيها من مسدسه.. أما الزنزانة المغلقة فيضع فى فتحة الزانزنة " النضارة" فوهة مدفعه ويطلق على من فى داخل الزانزنة فيصاب من يكون فى مواجهة الباب.. أما الذين استتروا بالجدار فقد نجوا بأعجوبة.

استمر إطلاق النار ساعة أو اقل قليلا بعدها خيم صمت رهيب على الليمان والجميع فى ذهول.. واستمر هذا الصمت الرهيب والإخوان فى ذهولهم.. بين قتيل مضرح فى دمائه ومصاب جرحه ينزف.. وثالث ذهب عقله .. ورابع لا يدرى هل هو ميت أو حى.. وبقيت هذه الحالة حتى جاء الليل وبدأت حركة داخل العنبر دخل الحراس فى أيديهم الشموع يبحثون عن حصاد المذبحة.. فيجمعون الذين قتلوا معا.. والذين جرحوا معا. وكان الحصاد 21 قتيلا.. و22 جريحا..

ووصل الغدر والخيانة إلى أسفل الدركات حين وقف الأنذال من الحراس.. والضباط فى الطريق الموصل إلى المستشفى يجهزون على المصابين ضربا بالعصى الغليظة حتى انضم عدد من الجرحى إلى القتلى.. وكان أحد هؤلاء الأنذال حارس مسيحى يسمى " متى".

وفكر المنفذون للمذبحة سريعا.. ماذا سيقولون للنيابة التى لابد من أن تأتى وتحقق فى الحادث؟ لقد اتجه تفكيرهم فى تصوير الحادث على أنه اشتباك بين الإخوان بعضهم البعض وأن البعض قتل البعض الآخر بالسكاكين.. والمدى.

وبناء على هذا التفكير أخذوا يوسعون مكان الطلقة حتى تكون كالطعنة بالسكين... أو يوصلون مكان طلقتين ببعضهما.

ولكنهم لم يستسيغوا هذا التفكير فأرادوا أن يصورا المذبحة على أنها اعتداء من الإخوان على الحراس ولكن لم يكن بين الحراس حارسا واحدا مصابا .. ولكن وكلاء النيابة لم يستسيغوا أيا من هذين التصورين للحادث مما اضطر المسئولين إلى استبدال وكلاء النيابة بوكلاء نيابة آخرين حفظوا التحقيق فى المذبحة.

وهنا لابد من أنسجل موقفا كريما لأطباء الليمان الذين بذلوا كل جهدهم فى سبيل إنقاذ ما يمكن إنقاذهم من المصابين وطالبوا بإرسال بعض الإخوان المصابين بإصابات خطيرة إلى مستشفى القصر العينى حيث الاستعداد أكبر ولكن " المباحث العامة" لم توافق على ذلك... وقالت: من يموت.... يموت.

وفى الثانى من الحادث خرج 21 نعشا ليلا تحت حراسى المشددة وسلمت الجثث إلى أهليهم ليدفنوهم ليلا بحضور أحد الأقارب... والد.. أو ابن... أو ابنة... أو ابنة فقط... وبقيت المقابر فى الحراسة مدة لا يقترب منها أحد.

وكان من بين ضباط المذبحة ضابط اسمه" عبد اللطيف رشدى" قتل على يديه أكثر الإخوان فى أثناء المذبحة ولم يمهله الله تعالى.. فقد قتل بعد الحادث بشهور قليلة فى حادث بعيد عن الإخوان. وأثناء التحقيق دخل صلاح دسوقى على المحققين فى الحادث وقال موجها الكلام لمدير الليمان السيد والى. برافوا يا أبو السيد.. أنا كنت متأكد أن مفيش حد يقوم بهذا الأمر إلا أنت.. أنتم مخلصتوش عليهم ليه...

وقد تنفس الضابط الصعداء وعلت على وجوههم الابتسامات واطمأنوا على أنفسهم.

وقد قال ضابط المباحث ط أحمد صالح داود" الذى شوهد فى الليمان يوم المذبحة – لأحد الإخوان وهو محمد الشيخ إن سبب المذبحة هو ان الإخوان المسلمين بالأردن بالأردن وقفوا ضد جمال عبد الناصر بأن أفسدوا انقلابا دبره ضد الملك حسين فانتقم جمال عبد الناصر من إخوان الأردن بضربكم هنا فى مصر. كيف كان يعامل أبناء الوطن والأجانب داخل ليمان طره:

لقد جاء على لسان الأخ حسن عبد الستار الشاهد الثالث فى كتاب مذبحة الإخوان فى ليمان طره للأستاذ جابر رزق ونشر دار الإعتصام حول هذا الموضوع ما يأتى: كان معنا بالليمان جماعة من أخطر الجواسيس اليهود, وهم أصحاب أكبر قضية تجسس لحساب إسرائيل والتى كانت تسمى " بفضيحة لافون" وقد انتحر رئيس شبكة التجسس هذه فى السجن الحربى.. وكان ألمانى الجنسية وقد حكم على الباقين بالأشغال الشاقة المؤبدة (25 سنة) والمؤقتة"15".

وهم على التوالى:

- ماير مايوحاس... يهودى من حار اليهود.

- ماير زعفران... بكالوريس زراعة يهودى مصرى

- فكتور.. كان طالبا بكلية الهندسة أمه إنجليزيه.

- فيليب.. خبير مفرقعات أمه فرنسية.

- روبير.. يهودى مصرى أيضا.

- راشيل . وكانت سادسة المتهمين وتقيم بسجن القناطر.

- وكانوا معنا فى نفس " الفرقة""2 جمالة" بالجبل. ولعلك تسألنى ما معنى " 2جمالة" وأنا أجيبك.

- العمل بالجبل فى الليمان كان يقسم إلى أقسام هى:

- " الحجارة.. وهم الذين يحفرون للبارود ويضعون الألغام التى تنفجر وتحول الجبل إلى كتل كبيرة من الأحجار.

- الكسارة... وهم الذين يقومون بتكسير هذه الكتل الكبيرة من الحجارة إلى قطع يستطيع" الجمال" أن يحملها على ظهره بمساعدة اثنين أو ثلاثة وهذه الكسارة مقسمة إلى سبع فرق.

"أما الجمالة.. فهم الذين يحملون الأحجار على ظهورهم وهم أيضا سبع فرق.

فكنا نحن الإخوان المسلمين واليهود وبعض الشيوعيين الذين حوكموا فى قضايا انقلابات نكون معا الفرقة " 2 جمالة".

وأريد أن أضع لك صورة للمعاملة التى كان يعامل بها اليهود الجواسيس والصورة التى كنا نتعامل بها نحن أبناء الوطن.. كان اليهود خمسة أشخاص مقيمين معنا كما سبق أن ذكرت لك فكانوا يقسمون زيارتهم بحيث كل أسبوع واحد منهم يزار, وبذلك كانوا على صلة بالخارج كل أسبوع على الأكثر أما طريقة الزيارة والكيفية التى تتم بها ففيها كثير من الريبة والشك.... فبينما كانت زيارات جميع المساجين بما فهيم نحن – الإخوان المسلمين – تتم فى المكان المخصص للزيارة والذى كان يفصل بين المساجين وأهليهم الزائرين سلك سميك لا يسمح بمرور أى شئ من المأكولات أو الملابس الداخلية أو الأحذية أو الأدوية إلا بعد عناء شديد ورجاء كثير وكان أهلونا يعودون بما أحضروا لنا من أشياء ضرورية بعد أن تعييهم الحيل وبعد أن يصم الضباط آذانهم أمام رجائهم وإلحاحهم.

أما اليهود الخمسة... بل الجواسيس الخمسة فكانت زياراتهم تختلف تماما عن تلك الصورة كانوا دائما محل عناية ورعاية السادة ضباط السجن وبصفة خاصة النقيب عبد الله ماهر, والملازم أول عبد العال سلومة.

لذلك كانت زياراتهم دائما" خاصة" وفى مكتب حضرة الضابط وكانت كافية لأن يقال فيها مل ما يريد اليهود أن يقولوه فهم يتكلمون اللغة العبرية التى يجهلها الضابط, أما بخصوص ما يحضره زوارهم معهم منكل شئ فكانوا لا يتكلفون حتى حمله من مكان الزيارة إلى العنبر بل كان سيادة الضابط يأمر أحد الحراس السجانة ليحمله عنهم على مرأى ومسمع من جميع المسجونين المحرومين من مثل تلك المعاملة بل أكثر من ذلك كان الضابط يحضر إلى هؤلاء الجواسيس الخمسة ويجلس معهم فى زنزانتهم بالساعة وأكثر حتى أثار ذلك انتباه الجميع لدرجة أنه لما كان أحد المسجونين يسأل أحد اليهود عن العلاقة التى تربطهم بالضابط عبد الله ماهر كان يجيبه الجاسوس" فكتور" بأنه صديق أختى...

كان يقول ذلك بلا خوف ولا حياء. ولما كثر الهمس فى هذا الموضوع اتهمنا اليهود والجواسيس أننا وراء هذا الأمر وقالوا لعبد الله ماهر أننا الذين نبهنا أنظار المسجونين إلى هذه الصلة المريبة فأسرها فى نفسه وعقد النية على الإنتقام منا حين تحين الفرصة.. وجاءته الفرصة من أوسع الأبواب حين دبرت المؤامرة لإبادة لإخوان فى الليمان.

على هامش مذبحة ليمان طره:

اطلعت على ما نشر فى العدد السابق من مجلة الدعوة تحت عنوان " مذبحة الإخوان فى ليمان طره" ونظرا لأننى على علم ببعض المعلومات التى تتعلق بتلك المأساة الرهيبة بحكم صلتى ببعض ضباط الشرطة الذين شاركوا فى أحداث ذلك اليوم – أول يونيه سنة 1957, فقد رأيت من الواجب على إبراء للذمة وأداء للأمانة أن أنقل إليكم تلك الصورة التى وصلت إلى علمى عن طريق أحد الضباط الذين عملوا معى فى مأمورية معتقل الطور فى صيف سنة 1962.

وخلاصة تلك المعلومات – أننى فى شهر مايو سنة 1962 انتدبت من مديرية أمن البحيرة لأعمل فى معتقل الطور نائبا لقائد المعتقل, وكان معى فى تلك المأمورية الضابط محمد صبحى الذى يقوم بأعمال أركان حرب المعتقل. وقد حدث ذات يوم أن أراد ذلك الضابط أن يقوم ببعض الأعمال التكدير بالنسبة لبعض المعتقلين فأهمته أن هذه الأعمال مخالفة للوائح المعتقلات والسجون, وأنه لا داعى لها على الإطلاق, وعلينا أن ننفذ اللوائح بدقة دون خروج عليها فأبدى استياءه من هذه النصيحة قائلا لى إن هؤلاء المعتقلين يريدون أن يقوموا بما قام به الإخوان من قبل فى ليمان طره سنة 1957 فاستفسرت منه عن حقيقة أحداث ليمان طره وموقف المسجونين من الإخوان من تلك المذبحة فاسترسل فى الحديث دون أن يعرف من قريب أو بعيد أية صلة لى بالإخوان.

وقد ذكر أثناء حديثه أنه كان المفروض أن يقوم المسجونون من الإخوان المسلمين بأ‘مال قطع الحجارة بالجبل إلا أنهم رفضوا أن يقموا بتلك الأعمال وأن إدارة الليمان أرادت أن تحملهم على القيام بالعمل فى الجبل إلا أنهم أصروا على الرفض, فما كان من إدارة الليمان إلا أن قامت بإطلاق بعض الأعيرة النارية" الفشنك" للإرهاب ولما لم يتمثلوا للأوامر أطلق الضباط أعيرة نارية عليهم فقتل من قتل منهم وأصيب من أصيب..

وقد ذكر أنه شارك فى تلك الأعمال تنفيذا للأوامر الصادرة من مدير الليمان العقيد سيد والى وقد أبديت استيائى من تلك النهاية المفجعة التى انتهت بقتل الأبرياء فذكر لى أنه هو والضباط الآخرون كانوا ينفذون الأوامر, ولم يكن واجب التنفيذ إلا أن يكون فيه ارتكاب جريمة, وأنه لا طاعة لرئيس فى معصية القانون.

-فذكر لى أنه هو وزملاؤه من الضباط كانوا فى حالة خوف شديد من المسئولية المترتبة على تلك الأعمال لأنه رأى المحققين من رجال النيابة قد حضروا لمباشرة التحقيق, إلا أنه لم يطل عليهم موقف الخوف والفزع.

إذ دخل عليهم صوت سيده" صلاح الدسوقى الششتاوى" الذى كان فى تلك الحين أركان حرب وزارة الداخلية – وشد على يد العقيد سيد والى واشاد بموقفه مثنيا عليه ومهنئا, وقائلا له بالحرف الواحد:" أنا قلت يا أبو السيد مافيش شخص يقدر يعمل هذا العمل العظيم إلا أنت وليتك خلصتنا من البقية الباقية" أى أن صلاح الدسوقى كان يريد أن يتسع نطاق المأساة فيقضى على جميع الأبرياء العزل من الإخوان المسلمين – لأنه صوت سيده ومنفذ أوامره.

وقد ذكر لى الضابط محمد صبحى – أنه بعد أن قال صلاح الدسوقى ما قال أمام المحقق من رجال النيابة تحول التحقيق وجهة آخرى, لحفظ التحقيق وإهدار تلك الدماء حتى لا يرى تحقيق جدى فى الحادث.. وقد قرر أنه عندئذ فقط شعرنا بالاطمئنان وأنه يسأل أحد من الضباط عما حدث لأن هذه عى رغبة المسئول الأول" الرئيس الراحل" الذى يمثله صلاح الدسوقى الششتاوى".

وقد قلت له إن النجاة من مسئولية الدنيا شئ هين وأن المسئولية الكبرى بين يدى الله يوم يقوم النا لرب العالمين.

هذه شهادة أؤديها بأمانة كما سمعتها ليعرف الرأى العام فى مصر والعالم الإسلامى كله أنها كانت مؤامرة لإبادة العناصر المؤمنة الصادقة حتى يخلو الجو للمنافقين النفعيين, ,حنى يخلو المجتمع ممن يقول الحق حتى يستطيع الحاكم المتربع على كرسى السلطة أن يحكم حكما فرديا استبداديا.. وقد كان ما كان من المصائب والنكبات التى ترتبت على ذلك الحكم الانفرادي مما لا نزال نعانى من آثاره الرهيبة حتى الآن نسأل الله مزيدا من الحرية لتنطلق الدعوة الإسلامية لتؤدى دورها لإصلاح المجتمع والآخذ بيده إلى طريق الفوز والفلاح.

المحامى لواء عبد اللطيف راشد</

center> 7 رجب 1397هـ.

24 يونيو 1977 م.

أسماء الإخوان حسب تواجدهم فى الزنازين وقت المذبحة

غرفة 99:

1- عباب أيوب حجازى

2- عبد القادر أحمد دواد

3- عبد الملك السيد حسن الشافعى

4- محمد على جنيدى.

غرفة 100:

5- الحاج أحمد البس.

6- أحمد شاكر الأنصارى.

7- أنور محمد مصطفى

8- عبد الله يس علام.

9- عبد العظيم دوح.

غرفة 101:

10- عثمان حسن محمد.

11- عامر عبد القوى عامر.

12- محمد يوسف.

غرفة 102

13- السيد على.

14- زكريا السيد على.

15- مصطفى أحمد صادق

16- مختار سليمان جابر.

غرفة 103

17- كمال الصادق

غرفة104

18- محمد عبد المجيد البلتاجى.

19- محمد البكار.

20- محمود فتحى زغلول.

غرفة 105

21- عبد الرحيم عبد الخلاق.

22- على عبده عمر.

23- فوزى شحاته عبد العزيز

24- مرسى صادق محمد.


غرفة 106 25- أمين الشالى.

26- عبد الرحيم على سعيد

27- عبد العليم أحمد حسن.

28- محمد عبد العال أبو مدينة.

غرفة 107

29- عبد الله عبد العزيز الجندى

30- محمد خيرى محمد.

31- محمد جاد سليمان.

غرفة 108

32- أحمد حسنين أبو شنبر

33- حسين أحمد عمر.

34- عبد العال على جبل.

غرفة 109

35- محمود سليمان.

36- أحمد السيد حنفى.

37- عبد الفتاح الطحان.

غرفة 110

38- أحمد محمود عبد العزيز

39- عبد الكريم أحمد على

40- عثمان صديق

41- عميرة محسب.

غرفة 111 المخزن 1:

42- أحمد الحافظ

43- أحمد صبرى جودت

44- أحمد محمد عطية.

45- حسن عبد العظيم مرسى

46- سعد زغلول عبد الفتاح

47- عبد الرحمن محمد صبيح

48- عوض الله على إبراهيم

49- محمد عبد المجيد خطاب.

غرفة 112 –غرفة113

50- أحمد يوسف.

51- رجب محمود فرج.

52- فكرى حسين كريم.

53- محمود عبد الجواد العطار.

غرفة 114

54- عبده عبد الرحمن بدر.

55- عبد الغنى عبد الحكيم محجوب.

56- على إبراهيم.

غرفة 115 عيادة:

غرفة116:

57- حسن محمد أيوب.

غرفة 117 مخزن:

غرفة 118:

58- السيد عبد الجليل فراج

59- عبد الله السيد فودة

60- عبد اللطيف محمد عبد العظيم

61- محمد إبراهيم الليثى.

غرفة 119

62- إسماعيل عبد المجيد رجب.

63- إمام حنفى عبد السميع

64- حسين سويدان

65- محمد عبد العزيز عثمان.

غرفة 120

66- إمام السيد إمام

67- حسن صالح العنانى

68- حسام الدين عبد الوهاب

69- عبد الحليم محمد حسين

غرفة 121

70- الحسينى يونس

71- عبد الحميد محمد مرسى.

72- محمد أحمد مرسى.

غرفة 122 73- أحمد حامد قرقر

74- السيد عبد الكريم رشوان

75- عبد الخالق الشامى

76- عبد المجيد الفحام

غرفة 123

77- سليمان حجر

78- محمود الشامى

79- محيى عطية

غرفة 124

80- شكرى عبد النبى صالح

81- عبد المنعم أحمد بيومى

82- عبد الرءوف عبد الوهاب

83- عبد المحسن الهوارى

غرفة 125

84- أحمد محمد حسين

85- [[عبد السلام على محروس ]] 86- على محمد عرابى

87- فوزى محروس

غرفة 126

88- بدر الدين عبد اللطيف

89- جودة محمود شعبان

90- عبد الحميد عطية السيد

91- محمود سيد أحمد شحاته.

غرفة 127

92- إبراهيم محمود الطنابى

93- حسن عبد الستار

94- حسن على حسن

95- حسين على حسن.

غرفة 128

96- حسين الترساوى

97- محمد إمام نور الدين

98- محمد المصرى عثمان

99- وجيه حسنين الفخرى

غرفة129

100- السيد عبد السلام

101- [[عبد الجواد إبراهيم مراد ]] 102- مصطفى أحمد سعد

غرفة 130

103- معوض أبو زهرة

104- محمد إبراهيم منصور

105- محمد جمال إبراهيم رزق

106- محمد الشيخ

غرفة 131

107- أحمد طه إسماعيل

108- السيد عبد الحليم

109- على محمد يوسف

110- محمد مصطفى أبو السعود

غرفة 132

111- صابر محمد سالم

112- عبد الحليم السيد شحاته

113- محمد أحمد حسن عمر

114- محمد مرسى شقير

غرفة 133 115- إبراهيم عرفة السبع

116- إبراهيم محمود أبو الدهب

117- جابر بيومى خليل

118- محمد عبد الغنى بركات

119- محمد عمر داراز

غرفة 134

120- عبد المنعم سليم

121- عصمت عزت عثمان

122- لطفى محسن

123- نبيل حسيب محمد حسيب

124- أحمد محمود الشناوى

غرفة 135

125- إسماعيل عبد العليم

126- رضوان محمد أحمد أبو توبة

127- عبد الفتاح أحمد عبد الله

128- عنانى حسن عنانى

غرفة 136 المخزن 2

129- حمدى عبده متولى

130- أمين إبراهيم

131- خير الدين إبراهيم عطية

132- رشدى البيطار.

133- عثمان محمد عيد

134- مصطفى حامد على

135- مصطفى مصطفى على.

غرفة 137

136- إسماعيل النجار

137- عبد الفتاح أحمد على

138- عيد إسماعيل متولى

139- محمد توفيق مصطفى التركى

غرفة 138

140- أحمد الحسينى

141- الصادق على حجازى

142- حسين محمد أبو السعود

غرفة139

143- رزق إسماعيل

144- أمين صدقى عبد الصمد

145- عبد المجيد حسن الخطابى

146- 146 عبد الرحمن الفيومى

147- مجد الدين إسماعيل زهدى

148- محمد عفيفى

غرفة 140

149- صديق سيد جمعة

150- عباس أحمد فتح الله

151- على إبراهيم حمزة

152- محمد أبو الفتوح معوض

غرفة 141

153- صلاح الأنوار

154- محمد الفالح

155- مرسى محمد مرسى

156- فهمى عبد الرحمن إبراهيم نصر

غرفة 142

157- السيد عزب صوان

158- على محمد على.

159- محمود جمعة إبراهيم

160- محمد عوض عبد القادر

غرفة 143

161- سعد على الحكيم

162- سعد الدين محمد شوقى

163- عبد الكريم عطية

164- محمد مهنى شهاب.

غرفة 144

165- أحمد عبيد أحمد عيسوى

166- إسماعيل محمد عيد

167- محمد رسلان عبد الرسول

168- مصطفى السيد المصلحى

غرفة 145

169- حسين محمد عبد الدايم

170- حمدى إبراهيم حسن

171- محمد على حسن

غرفة146

172- حسن ممدوح دوح

173- عبد الغفار محمود السيد

174- محمد السيد عفيفى قاسم

175- هاشم محمد متولى

غرفة 147

176- جبر عبد الغنى

177- عبد الرازق أمان الدين

178- على جمال الدين هويدى

179- عطية محمد عقل

غرفة 148

180- رشدى عفيفى

181- رفعت محمد على حجازى

182- كامل سليمان

183- عبد المنعم سعيد

أسماء شهداء المذبحة وعناوينهم

1- أنور مصطفى أحمد, قبض عليه 30/3/55, دباغ وعنوانه: حارة الأميرة شارع أبو سفين مصر القديمة

2- السيد على محمد, قبض عليه فى 8/5/54, تاجر متزوج وله أربعة أولاد, عنوانه: شارع الجداوى قسم المنشية – الأسكندرية.

3- محمود محمد سليمان, قبض عليه فى 12/1/55 مهندس متزوج وله ولد, عنوانه 30 شارع جنينة القادرية العباسية – القاهرة

4- أحمد حامد على قرقر, قبض عليه فى 10/8/55 محاسب, متزوج وله ولد, عنوانه : دناط مركز ميت غمر – دقهلية

5- محمود عبد الجواد العطار, قبض عليه فى 8/11/54 خياط, متزوج وله ولدان, عنوانه: 33 شارع وكالة الليمون – الجمرك – الأسكندرية.

6- إبراهيم محمد أبو الدهب – لم يعرف عنوانه بعد

7- رزق حسن إسماعيل, قبض عليه فى 4/8/55, مزراع متزوج وله سبعة أولاد عنوانه: كفر المرزاقة مركز قلين – كفر الشيخ

8- عبد الله عبد العزيز الجندى قبض عليه فى 3/3/55 عامل متزوج وله ثلاثة أولاد عنوانه: 10 شارع الوايلى الكبي العباسية – القاهرة

9- عصمت عزت عثمان, قبض عليه فى 27/2/55 موظف أعزب, عنوانه: 23 شارع المنشية القديمة بالسويس.

10- عبد الفتاح محمود عطا الله, قبض عليه فى 27/2/55 خياط متزوج وله ولد, من كفر وهب, مركز قويسنا منوفية

11- أحمد محمود الشناوى قبض عليه فى 13/ 5/55 براد " حداد" أعزب يعول والديه, عنوانه: 30 شارع غرب القشلاق العباسية – القاهرة

12- خير الدين إبراهيم عطية, فبض عليه فى 3/3م1955, طالب بالأزهر, أعزب , عنوانه : باب الوزير رقم 20 قسم الدرب الأحمر – القاهرة.

13- مصطفى حامد على , قبض عليه فى 4/3/55 طالب ثانوى, أعزب عنوانه: 9 شارع لحاج إسحاق, إمبابة- القاهرة

14- أحمد عبد متولى قبض عليه فى 15/5/55 بكالوريس زراعة أعزب عنوانه: أبو الشقوق – كفر صقر – الشرقية

15- عثمان حسن عيد قبض عليه فى 17/3/55 طالب ليسانس دار علوم أعزب يعول والديه, عنوانه: ابن طولون – القاهرة

16- محمد أبو الفتح معوض قبض عليه فى 25/2/55 مطبعجى أعزب من عزبة ناسف بمنوف, المنوفية.

17- على إبراهيم حمزة ,قبض عليه فى 16/12/54, ترزى" خياط" أعزب عنوانه: شارع أبو الفضل – المحلة الكبرى

18- فهمى إبراهيم نصر, قبض عليه فى 12/9/54 طالب ثانوى, أعزب عنوانه: رملة الأنجب هواش , منوفية

19- السيد عزب صوان: قبض عليه فى 24/11/54, موظف متزوج وله 3 أولاد عنوانه: شارع محمد على – المحلة الكبرى

20- سعد الدين محمد شوقى: قبض عليه فى 2/3/55 موظف أعزب, عنوانه: شارع سماحة عطفة نصار رقم 2 – إمبابة

21- محمد السيد عفيفى , قبض عليه فى 17/3/55, موظف أعزب,عنوانه: شارع محمد على بين السرايات – جيزة.

أما الجرحى فقد بلغ عددهم خمسة وثلاثين جريحا منهم ثلاثة عشر حالة خطرة وقد أودعوا جميعا المستشفيات العسكرية تحت حراسة مشددة حتى لا يعرف أحد أسماءهم.

أيها الشعب الكريم

إن هذه المجزرة الوحشية – فوق انها انتهاك لحقوق الإنسان واستهتار بتالنفوس البشرية فى الحياة وعدوان على الأبرياء لم يسبق له مثيل فى تاريخ بلادنا وأمتنا التى عرفت بالرحمة وتميزت عن غيرها بالمروءة, كما أنها تمنح خصومنا المستعمرين والصهيونيين حجة قوية يردون بها علينا كلما حاولنا أن نفضح أساليبهم الوحشية التى يقمون بها ضد إخواننا العرب فى الجزائر والمجازر البشرية ضد إخواننا العرب فى كفر قاسم وغزة إبان الإعتداء الثلاثى على مصر حينما يرون الأعمال البربرية التعسفية التى يقوم بها النظام الناصرى ضد الشباب المصرى البرئ؟ بل ماذا نقول إذا قيل لنا إن السلطة اليهودية تحاكم جنودها وضباطها الذين تسببوا فى مذبحة كفر قاسم.

من بيان الإخوان المسلمين خارج مصر

تعليق على هذا الحادث الأثيم

لقد سطر هذا الحادث البشع مؤامرة دنيئة وغير منتظرة ويعد أسوأ حادث فى تاريخ الإخوان المسلمين غدر بهم ونكل بهم من غير رحمة وشفقة وفى دناءة وعدم مبالاة بالشباب والرواح والقيم والأخلاق إنها لمذبحة بأبى أن يرتكبها عتاة الإجرام والتاريخ ضد أعدائهم.

إن كا كتب عن الحادث هنا قليل من كثير سيكون الزمن وحده كفيلا بأن يكشف كل أعمال ارتكبها الطغاة والزبانية وعلى رأسهم الزعيم الدكتاتور جمال عبد الناصر ووزير داخليته فى ذلك الوقت زكريا محيى الدين وسكرتير مجلس الوزراء ورئيس أركان حرب وزارة الداخلية اللواء صلاح الدسوقى الششتاوى ومدير ليمان طره العقيد سيد والى والضباط الذين نفذوا المخطط بأيديهم وهم الملازم أول عبد العال سلومة,واليوزباشى عبد الله ماهر والضباط عبد اللطيف رشدى, وضابط المباحث أحمد صالح داود... الذى طرد فى مايو1971 م.

هذا يسير من كثير ليعلم كل داعية وكل مسلم كل عربى وكل مصرى عن حقيقة زعماء العصر الحديث وحقيقة ما يتعرض له كل من يقول الحق ويصدع بأمر هذا الدين ويعمل على تحكيمه فى كل مناحى الحياة كما أمرنا ربنا جل وعلا, ربنا تقبل شهداءنا فى أعلى درجات الجنان وتقبل من لا يزال على الطريق وأيدهم بتثبيتك ونصرك المؤزر....

المؤلف

ثالثا: إلى سجن القناطر من 4/6/1957

حتى 16/7/1958م:

اليوم الثالث على المذبحة البشعة وبعد أن سلمت الجثث إلى أهاليهم لدفنهم ومن بقى من الإخوان أحياء أخرجوا من الزنازين.... وأمروا بخلع ملابسهم جميعا حتى الداخلية وأعطيت لهم ملابس قذرة جاكيت وينطلون ممزق وحشروا كل خمسة عشر أخا فى زنزانة لا تتسع إلا لثلاثة فقط واضطر الإخوان أن يظلوا واقفين فى هذه الزنازين مدة 24 ساعة حتى أخرجوا من الليمان فى ليوم الرابع..

وسلسلوا عصر هذا اليوم كل عشرين أخ فى سلسلة وأجلسوا على الأرض حتى جاء الليل ثم أخرجوا من باب الليمان الذى أضيئت الأنوار أمامه وأحيط الميدان بالجنود وأدخل الإخوان فى السيارات بطريقة مفزعة... وكان منظرا شديد الهول.. بعض الإخوان صعد إلى السيارة والبعض الآخر لا يزال على الأرض والجميع مسلسلون فى سلسلة واحدة وعملية الجذب مستمرة فالتوت الأيادى.

وكسرت المعاصم وانطلقت الصرخات والآهات حتى تم ركوب الجميع. وسار موكب المظلومين وحوله موتسيكلات الحراسة واصطف الحراس على طول الطريق على كورنيش النيل الذى أخلى من المارة من الليمان وحتى سجن القناطر.. ولم يكن الإخوان يعرفون إلى أين يذهبون حتى السيارات أمام سجن القناطر وفتشونا مرة ثانية فى حين أن ملابسنا لا نحتاج إلى التفتيش لأنها لا تكاد تستر أجسادنا.. وأدخلونا واحدا.. واحدا من الباب الجانبى للعنبر المظلم..

العنبر المظلم:

هذا العنبر يقف على بابه حارس يمسك بيده كرباجين يهوى بهما كل أخ يدخل من الباب المظلم ولا يكاد الأخ يتأوه من الضربة حتى ينزل عليه الحارس آخر بكرباجه ثم حارس ثالث ورابع...

وهكذا فيعلو صراخ الإخوان فى الظلام ولا يدرى الواحد منهم أين يتجه حتى يصل إلى سلم فى وسط العنبر فيجد حارسا ممسكا بكرباجه يهوى به عليه آمرا إياه بالصعود فيصعد إلى الدور الثانى حيث يجد حارسا آخر على آخر السلم يهوى عليه بالكرباج ويأمره أن يتجه إلى إحدى الزنازين...

ويستمر فى ضربه بالكرباج حتى يدخل داخل الزنزانة حتى إذا خل الزنزانة ثلاثة من الإخوان أغلق عليهم الباب..

ويتحسس الإخوان داخل الزنزانة فيجدون ثلاثة " أبراش" من حبال الليف وجردل للبول وزمزمية من القماش انساب منها الماء على ارض الزنزانة فأغرقها.

لقد فقد ستة من الإخوان عقولهم أثناء عملية الدخول هذه إلى سكنهم الجديد فى سجن القناطر, وانضموا إلى القتلى والجرحى فأصبح حصار المذبحة خمسين, وبقينا حوالى ثمانية شهور لا يخرج من هذه الزنازين إلا واحد من كل زنزانة ليقلى بفضلات البطون ويملأ زمزمية الماء حتى أصبح الإخوان كالأشباح... مجرد هياكل غائرة العيون.. الوجوه شاحبة ومصفرة.

الإستحمام فى السجن:

وبعد الثمانية شهور قدم علينا طبيب اسمه" مصطفى النحاس" وكان كريما معنا يقابلنا بابتسامة عذبة ونظرة رحيمة... وكان ذلك هو كل ما يملكه ليخفف عنا ما بنا من آلام.

وعندما سمح لنا بالاستحمام وكان ذلك فى أيام الشتاء القارسة البرد وكنا نؤمر بخلع ملابسنا كل ستى من الإخوان يمسك كل منا ملابسه فى يده ويقف عريانا ثم يقال لنا... اجروا للحمام....فنجرى..فنجد أمام الحمام حارسا..

نعطيه ما مهنا من ملابس ونأخذ غيرها أقذر منها, ويدخل كل من الستة تحت " الأدشاش" كل فى عين يفتح الجاويش الماء البارد علينا دفعة واحدة ولمدة دقيقتين ثم يدخل على كل واحد منا حارسا يضربه وهو عريات ويأمره بلبس ملابسه بسرعة فكان الواحد منا لشدة كربه يلبس الجاكيت فى رجليه والبنطلون فى رأسه ويخرج مسرعا مخافة الإيذاء.

بقيت فى سجن القناطر ثلاثة عشر شهرا وبعدها كنت ممن تم اختيارهم لإرسالهم إلى سجن الواحات لينفى هناك مع من سبقوه من الإخوان بقية العقوبة وترك الباقون وترك الباقون تحت سلطة الضابط عبد العال سلومة.. حجر الزاوية فى حادث ليمان طره وفاتن الإخوان عن دعوتهم..

ولا أعرف ضابطا حمل من الوزر ومن الحقد ومن المكر والكيد ومحاربة الإخوان وسفك الدماء مثل ما حمل هذا الضابط الذى أصابه من المرض ما أصابه.. ,من الغريب أنه كان يقال إنه كان من الإخوان كما كان يقال أيضا عن سيده جمال عبد الناصر.

رابعا: الواحات الخارجة:

إلى جناح: 16 / 7 /1958 م

إلى المحاريق من 23/8/1958 م حتى 23/5/1963م

قضيت بالواحات حوالى خمس سنوات, شهر تقريبا فى جناح"فى الخيام" والباقى فى سجن المحاريق وهو سجن بنى لنا خصيصا لما قدمنا على جناح وكنا حوالى مائتين من الإخوان من جميع السجون, وجدنا أن حوالى مائتين قد أيدوا الحكومة ورحلوا إلى سجن مصر بالقاهرة, وقد حضرنا لنملأ الفراغ الذى تركوه ولخطة الحكومة فى تقريب من يؤيدها وإبعاد من هو ثابت على دعوته لعل ذلك يفت فى عضد الإخوان.

ويحضرنى أنى فى مساء اليوم الذى وصلنا فيه إلى السجن الواحات " جناح" عمل لنا حفل استقبال من الإخوان, وكانت فى غاية الروعة, وقد مثل فيها الإخوان تمثيلية " إنزل با باشا" وقام كذلك الأخ على معروف يذكر بعض النكات فق4ال : إن الأخ أحمد البس كتب على قبقابه: اسمه:"البس" حتى يعرف من القباقيب التى يلبسها جميع الإخوان وهى من الخشب ومرتفعة السطح حتى لا تغو صفى الرمال فجاء الأخ أحمد رمزى الضابط بالبحرية ولبسه عند خروجه من المسجد" والمسجد عبارة عن خيمتين متصلان ببعضهم" ولقد كان المعتقل كله خيام, فملا قال أحمد البس للأخ أحمد رمزى أنت لبست قبقابى قال أحمد رمزى أنت كاتب عليه البس وأنا لبسته وكانت أجود نكتة ملأت الحفلة بالضحك.

نعود إلى وصف الحال فى سجن الواحات فقد وجدت أم مجتمع ذلك السجن من الإخوة لم يكونوا على رجل واحد منهم من تطلع إلى الخروج من السجن ووثق فى كلام الحكومة ولو على أشلاء إخوانه ومنهم من صمم على الثبات على الحق حتى يأذن الله وكان الجو مملوء بالتمزق والأسف والألم وكانت أشد الفترات على نفسى. كيف السبيل:

فكرت كثيرا ومع أن حادث ليمان طره لم يفارق ذهنى وكأنه شريط سينمائى عندما يتحرك يذكرنى – وحتى الآن – بأحاديث شهداء طره وحسن عشرتهم وكمال خلتهم..ز وأذكر كلمات كل واحد وحركاته. وسلوكه فتدمع العين ويخشع القلب.. أذكر حادث طره بكل بشاعته وأقارن بينه وبين ما أنا فيه الآن فى الواحات فأجد أن ما فى الواحات أبشع وأفظع وأشق على نفسى ولما طال تفكيرى فقدت أسنانى واحدة بعد الأخرى حتى انتهت كلها بعد أن لانت اللثة وازداد تفكيرى وحزنى على ما أرى.

فلا الحريق الذى قامت به إدارة السجن فحرقت فيه كل ملابسنا وأخذت منا حوالى 70 ساعة كسرت بعضها وأهدت بعضها للجنود ولا لأن إدارة السجن أبدلتنا شيل الحجارة فى الليمان بفتح المصارف فى الوادى الجديد فقد كانت تركبنا السيارات قبل طلوع الشمس وتذهب بنا إلى حيث الأرض الممهدة للزراعة والرى لتفتح فيها المصارف وذلك لمدة سنتين تامتين انتهت بأن الرياح والعواصف أرجعت الأرض بالآلات الحديثة والمهندسين والعمال إلى مرتفعات ومنخفضات مع ظهور الأشواك كما كانت الأرض أسوأ وتنظر إلى الساحة على أبعاد النظر فنجد المحاريث والعربات مبعثرة فى الأرض كأنها ساحة معركة انتهت ولم يبق فيها إلا الشئ المعطل والخرب.

أقول ليس ذلك هو الذى أثر على صحتى وتساقط أسنانى إنما الذى أثر فى نفسى تساقط الإخوان وبعض الكبار منهم واحدا بعد الآخر كالفراش يسقط فى نار الانهيار وتأييد الحكومة, ولكن كانت هناك صورا مشرقة ومشرفة ممن ثبتهم الله وتحملوا كل الضغوط وصنوف الإعنات دون أن تلين لهم قناة وعلى رأسهم مجموعة من إخوان مكتب الإرشاد منهم الأستاذ عبد العزيز عطية والأستاذ عمر التلمسانى وفضيلة الشيخ أحمد شريف رحمهم الله والسيد محمد حامد أبو النصر أمد الله فى عمره.

ذبحة صدرية:

بعد أن سقطت أسنانى لما رأيت وفجأة سقط جسمى كله على الأرض إثر ذبحة صدرية نقلت بعدها إلى أسيوط ومنها إلى القاهرة للعلاج ولم أرجع إلى الواحات فقد صفيت بعد ذلك ووزع من كان فيها على قنا وأسيوط, وكان اسمى مدرجا مع أصحاب المؤبد وال15 سنة فرجعت إلى قنا فى عام 1965م.

خامسا: سجن القاهرة 1963 -1965م:

نقلت إلى سجن القاهرة من سجن أسيوط فى أواخر عام 1963 وبقيت 19 شهرا قضيتها داخل المستشفى بالسجن وكانت فترة لها طابعها الخاص وفى أولها أصبت بنوبة قلبية حادة فى 1/2/1964 أغمى علىّ فيها وحضر طبيب بالليل غلى المستشفى وكتب عفو صحى عوقب عليه من الإدارة الطبية فإن مثلنا يترك حتى يموت وقد أنقذنى الله تعالى من هذه النوبة وتصادف وجودى بالمستشفى وجود عدد من المثقفين منهم الدكتور عبد الوهاب العشماوى بالجامعة العربية" قضية وزراء الحكم"وزميلة الأستاذ حسن السمرة و جمال فؤاد شقيق حرم علي صبرى رئيس الوزراء فى هذا الوقت,و إبراهيم أبو ذكرى " موظف كبير وأكثر من عشرة " تسمى التصدير والاستيراد"

ونزلنا فى يوم الجمعة إلى عنبر المساجين لنصلى الجمعة فكانت أشبه بسوق.. لا الخطيب صوته مسموع... ولا المساجين جلسة الخاشعين... ولا المكان نظيف مهيأ للصلاة.

فتشاورنا واستأذنا من إدارة السجن أن نصلى الجمعة فى مكاننا داخل عنبر المستشفى بالدور الثانى وأن أقوم بالإمامة والخطابة ولو جالسا أثناء الخطابة على كرسى, وقد كان طوال التسعة عشر شهرا أخاطب عقولا مصقولة فاهمة للحياة متطلعة لمعرفة دينها" بعد فوات الأوان" وليس معى غير المصحف, فكنت أراجع الموضوع الذى سأتحدث عنه طوال الأسبوع من عصر يوم الجمعة إلى قبيل الجمعة القادمة أرتب الآيات التى سأستدل بها وأستعيد الأحاديث الشريفة التى سأذكرها فكان ذلك بركة لى وفتحا لأنى فى كل جمعة كنت أطرق, موضوعا جديدا ولكنى اكتشفت مع السف الشديد أن الحاصلين على البكالوريس وعلى الليسانس لا يحسنون الوضوء وقد صلى بعضهم لأول مرة فى حياته,وقد كان السجن له الفضل الأكبر فى جمعهم على ربهم.

ولما جمعتهم حول الحوض لمعرفة من يحسن الوضوء لم أجد واحدا من قضية التصدير والإستيراد يتم وضوءه, وقد توضأت أمام أحدهم وتركته يتم وضوءه واسرعت لأقوم بإمامة الصلاة للباقين, فإذا به يحضر فى الركعة الثالثة ويجلس على السرير القريب منى وأنا اصلى ولما انتهت الصلاة قلت" يا يحيى بك" لماذا لم تدخل فى الصلاة؟ ألست متفقا معى أن تنتهى من الوضوء وتحضر الصلاة؟ قال نعم ولكنى لما حضرت وجدت أنكم قد قطعتم فى الصلاة شوطا أى ركعتين ولم أعرف كيف أدخل فى الصلاة وخفت أن يضحك منى من سأقف بجانبه, فقلت له كان عليك أن تدخل الصلاة فتصلى معنا الركعتين الباقيتين ولا تسلم حين يسلم الإمام وتقوم فتصلى الركعتين اللتين فاتتك, فقال لم يسبق لى أن عرفت ذلك, وكان " يحيى بك" مرشحا قبل الإتهام فى القضية أن يكون وكيلا للوزارة. تأملوا معى كيف يكون التعليم فى مصر فى غير الأزهر بعيدا عن تعليم الدين وعن ممارسته.

ثم رحلت بعد 19 شهرا إلى قنا من غير أن يتم علاجى شأنهم فى كل مرة بعد ذلك وقبل ذلك.

سادسا:سجن قنا :"1965 حتى 7/10/1971م":

قضيت فيها حوالى ست سنوات ترددت فيها على القاهرة مرتين, فى المرة الأول 9 قضيت 9 شهور بخصوص تركيب طاقم أسنان والمرة الأخرى قضيت شهرين من مايو حتى يوليو 1970 بسبب الامتحان للإعدادية الأزهرية وكنت مريضا بأزمة قلبية ومع ذلك رحلت إلى قنا لأن اللواء عباس المفايش أخرج من السجون فرحلت لسببه بحجة أنه بلدياتى.

وفى سجن قنا مرضت بالتيفود عام 1965 وذهبت إلى مستشفى الحميات بقنا, وعقب مرضى جاءت محنة 1965 حيث أعلن جمال عبد الناصر فى عاصمة روسيا أنه قبض على الإخوان وقلبت لنا إدارة سجن قنا المعاملة أو على الأصح زادتها سوءا فحرمتنا من الخطابات والزيارات والتعامل مع الكنتين حوالى ثلاث سنوات توفى فى آخرها ابنى خالد رحمه الله , ولم أعلم بوفاته إلا بعد 6 شهور حيث رحلت إلى القاهرة 1967, وفى فترة وجودى فى قنا رحل إلينا عدد من الإخوان الذين قبض عليهم عام 1965 وتم الحكم عليهم 1967.

وكان إخوة 1965 فى حماس واضح للدعوة ونصرتها وكان حماسهم يدعوهم للحكم على بعض الأشياء حكما يحتاج إلى رؤية وإحكام ودراسة للموضوع من جميع الوجوه ونشأ عند ذلك حوار حاد وغير حاد من إخوان 1954 وبين إخوان 1965 واستمر هذا الحوار فترة, وكنت فى هذا الأمر أقف على الحياد أحب هؤلاء وأحب هؤلاء وأجد فى الجميع كل الخير لأن الكل حريص على الدعوة محب لها يفتديها بكل غال ونفيس.

وقد شاء الله تعالى أن تجتمع القلوب واتفقوا على كل مختلف عليه وفى الحقيقة أنه كان لا يوجد شئ يختلف عليه اللهم إلا أمورا فرعية.

الفصل الثانى

خواطر وتأملات


مقدمة

لقد دونت خواطرى أثناء الهروب والإعتقال للعبرة والتاريخ, وكلما أقرأها الآن أجد فيها نبض قلبى وجميل قصدى ومقدار تعلقى بدعوتى وللأمانة فإن المائة يوم وليلة من فترة الهروب من 1/10/1954 كانت كلها بركة إلا هنات يسيرة" غفرها الله بكرمه" تلوت فيها القرآن الكريم وحاولت تفهم أحكام تجويده وتذكرت الماضى ونظرت إلى لمستقبل بعين الأمل الواثق بربه جل جلاله, وتذوقت غيها حلاوة الوفاء وكرم العشرة, ونقاء الطوية وجمال الصحبة صام فيها البدن عن الطعام والشهوات وترعرعت فيها الروح فنعمت بذكر الله تعالى والصلاة على خير خلقه صلى الله عليه وسلم وتنسمت فيها برد الراحة وتزودت فيها بفيض من الخير والإشراق, مائة يوم وليلة كانت نقطة تحول وصفاء وطريق نجاة ما أبركها.. ما أجملها .. ما أحسنها .. ما أفضلها.... ما اسكنها... ما أهداها.

اللهم تقبلها وتجاوز عن لممها.. آمين.

خواطر

1- 23 مارس 1955م:

مر بى اليوم تمام الأربعين, مرت بى هذه الذكرى وأنا فى حال شديدة من الألم غربة وكربة وكما أنه لم يمر بى ألم كهذا أبدا, فإنه أيضا لم يغمرنى أمل حلو كالذى أجده اليوم وكيف لا ؟ وقد تركت كل مما عند الناس والناس كلها تركتنى فلم يبق لى غير ربى وفضله ورحمته وإحسانه وعفوه وكرمه ( أليس الله بكاف عبده) فأصبح كل هذا لدى نقيا لا تشوبه شائبة صافيا لا يكدره تعلق بمخلوق لهذا فأنا عظيم الأمل فى تفريج هذه الكروب وزوال هذه الغمة والله المستعان.

2- الأحباب والأعداء:


بسم الله الرحمن الرحيم:

(وفرعون ذى الأوتاد الذين طغوا فى البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد)

(وما أمر فرعون برشيد . يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار)

هذه الآيات الكريمة من سورتى الفجر وهود تنطق بغضب الله تعالى على فرعون جزءا ما اقترف من الطغيان والفساد.

ومفروض فى المسلمين أن يكونوا ربانيين دائما فيغضبون مما يغضب منه الله ولو كانوا آباءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم [أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان]

3- التسليم:

قال الله تعالى:

[ومن يهن الله فما له مكرم إن الله يفعل ما يشاء]

[ قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا]

[ قل اللهم مالك الملك]

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول  : يا فاطمة لا أغنى عنك من الله شيئا

وقال خليل الله إبراهيم عليه السلام حين سأله جبريل وهو فى النار ألك حاجة؟ قال أما إليك فلا. وعلى هذا فكل مخلوق مهما علت منزلته وسمعت مكانته ليس له مع الله شىء فى ملكه وحكمه وقضائه وقدره[ ليس لك من الأمر شئ] وقد انطبع هذا اليقين فى قلوب الأنبياء والمرسلين ومن تبعهم فى صدق من المؤمنين, فلم يروا لأنفسهم أو لغيرهم شيئا إلا بإذن الله.

[ قل لا أملك لنفسى نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله]

ومن هنا وجب على المسلم أن يعالج حياته وان يطبعها على هذا الأساس المتين فلا تأخذه الحسرة لفوات شئ ولا يتملكه الفرح لحصوله على شئ فإن ذلك كله أو بعضه لا قدرة له على منعه أو جلبه [ ما أصاب من مصيبة فى الأرض ولا فى أنفسكم إلا فى كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير]

فإلى ساحة الرضا والتسليم

4- أبى:

قال الله تعالى على لسان سيدنا يعقوب عليه السلام بسم الله الرحمن الرحيم[ عسى الله أن يأتينى بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم. وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم).

إن يعقوب عليه السلام مثل طيب لكل أب طيب بار يغيب عنه ابن أو أكثر مدة من الوقت فهو شديد الأسف لغيابهم عظيم الحزن لفراقهم كثير البكاء لبعدهم.

وقد كان والدى – رحمه الله – بارا بأولاده كذلك فحينما اعتقلت مع أخى فى حياته اشتد به الوجد وفاضت به الأحزان وناله الكثير من الألم لهذا الفراق.وقد سرد على سمعى شيئا من ذلك حين التقينا بعد الاعتقال رأيت معه رأى العين أن الله تعالى حكيم صادق حين قرن الإحسان إلى الوالدين بعبادته فقال تعالى)وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا)

5- قبرى

قبرى إنك تمر بخاطرى كثيرا وكيف أنساك وأنت آخر دنياى المتوقع حصولها فى أى وقت, وأول آخرتى. فيك يوضع جسمى ويوضع ما نسب إليه من أعمال فى ناحية من نواحيك الحسنات وفى آخرى السيئات. قبرى:

هل ستكون ضيقا فلا يمكننى التحرك؟

هل سيكون جوك حارا أم باردا؟

هل ستكون قريبا من سطح الأرض أم بعيدا عنه؟

هل سيؤثر فيك وقع الأقدام وهل ستطؤك نعال الأعداء أم ستكون بعيدا أو حفرة أو جبل؟.

ما مكانك هل أنت فى الصين أم فى اليمن أم فى قرية أم فى مدينة أم فى الصحراء أم فى مزارع؟.

هل سيجتمع حولك الأهل والأحباب يقرءون القرآن ويذكرون من فى الأكفان؟

هل سيشاركنى فيك أحد؟ أم أنت خاص لى وحدى؟

بلغنى أن بعض الأجسام يبلى وبعضها يحتفظ بتماسكه إلى يوم الدين فأنا من أيهما؟

هل ستحنو علىّ فتتسع رقعتك ويفوح عطرك وتضاء جوانبك ويكثر وزارك من الحور والملائكة والمؤمنين أن ستضيق جوانبك وتسوء أركانك وينتن جوفك؟ ستكون من الحجارة أم ستكون حفرة من التراب؟ ستكون مزركشا أم مغبر السطح والجدران؟ كما امر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كن كيفما شئت فليست العبرة بطولك أو عرضك أو ارتفاعك أو لونك أو ضيق أو اتساعك إنما العبرة برفيقى الذى سيسكن معى فى داخلك المهم " عملى" الذى سيجلس بجانبى فإن كان خيرا فكن على ربوة أو كن فى قاع البحر فأنا منّعم فيك مسرور مستبشر.

وإن كان "عملى" شرا فلا قبة تمنع عذابى ولو كانت قدر السماء ولا فراش يرحنى من الألم ولو كان من الحناء.

ومجمل القول فيك كما اخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنك روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار.

أناجيك يا قبرى ولا أدرى هل سيجود علىّ ربى بأشبار من الأرض تأوى إليها عظامى أم ستأكلنى السباع أو الطيور أو الأسماك.

6- عبرة

تطع إلى السماء فترة من الوقت تجد أن السحاب لا يثبت فى مكان بل ينتقل دائما وترى رقعة السماء التى تنظر إليها يتغير شكلها فهى تارة صافية وتارة عبوسا وتارة منقوشة بالسحاب كذلك الحال مع كل شئ من المخلوقات جميعا. فأنت ترى الثوب – مثلا نظيفا مطرزا ثم تراه بعد ذلك ممزقا مهملا. وترى هذه الأسرة مسموعة الكلمة مرفوعة الراية ثم تراها بعد ذلك أو يراها غيرك فقيرة ضعيفة وكذلك الحيوان وكذلك الطير وحتى الجماد ترى البيت عاليا مزركشا تنبعث منه الأنوار ويغدو إليه الزوار وإذا به قد انقطع زواره وانطفأت أنواره , والعكس جائز أيضا.

وأن الله تعالى الممسك بالكون كله يغير ويبدل ويرفع ويخفض ويعز ويذل" كل يوم هو فى شأن" كما يشاء ولكن مشيئته متعلقة دوما بالحكمة سائرة دائما بالرأفة والرحمة, نعم... لا يتغير شئ ما صغيرا كان أم كبيرا من حال إلى حال إلا بحكمة وإن خفيت علينا أحيانا وكل شئ عنده بمقدار أليس الله بأحكم الحاكمين. فاحذروا الشقاء أيها السعداء إذا انحرفتم وأبشروا بالسعادة أيها المعذبون إذا صبرتم. ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم

رأيى....رأيى:

المشكل كثيرة والذين يتعرضون لحلها كثيرون وإبداء الرأى فى حل المشاكل واجب مشكور وعمل مبرور ولكن المؤلم أن الكثيرين بحلولهم يبدون آراءهم فى حل كل مشكلة حتى المشاكل التى سبق حلها ممن يعلم مل شئ وخلق كل شئ وهو بكل شئ عليم[ ألا يعلم من خلق] [ أليس الله بأحكم الحاكمين].

لا بأس طبعا من إبداء الآراء فى مسائل أحدثها التطور الإنسانى والتقدم الاجتماعى والعمرانى على شرط أن يتلمس المتعرض للحل ما سبق من النصوص الربانية وأن يستند فى فتواه إلى الآداب والعلوم القرآنية والأحاديث المحمدية والحقائق العملية.

أما أن يتعرض لمسألة حلت صراحة من عند رب العالمين وقام بها سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام ونفذها الصحابة الأكابر – رضوان الله عليهم – وعمل بها السلف الصالح من المؤمنين وتبين حسن نتائجها ثم يأتى بعد ذلك عالم أو كاتب أو قائد أو أمير فيقول هذا رأيى.. هذا رأيى فى هذه المسألة ويضرب عرض الحائط بكل هؤلاء فذلك ما لا يقبله مؤمن ولا يقره موحد ولا يجيزه عاقل.

[ ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن]

إن الرجوع إلى الله تعالى فى حل الأمور, والإستناد إلى شريعة الله تعالى فى الفصل فى المسائل لجدير أن يوفر على كل سالك العناء والتعب ويوصله فى سهولة ويسر إلى المقصود والطلب ويوفر على الناس أوقاتهم ويريحهم من تجارب فاشلة وآراء خاطئة ويعينهم على السير فى الطريق المستقيم ويخصهم برضا رب العالمين كان هذا هو الواجب ولكن...!!

[ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور]

[ إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم]

7- الذكاء والتقوى

قلما يجد الداعى إلى الله تعالى فى الناس ذكاءا وتقوى تجتمعان لكن كثيرا ما يجد ذكاءا يتجه نحو الشر. أو يجد تقوى يسهل خداع صاحبها. والداعى – مع هذا- لا ييأس ويأمل الخير فهو يوجه الذكى غلى الخير ويبغض له الشر ويوجه التقى إلى اليقظة وإلى الإهتمام إلى ما يدور حوله حتى لا يخدع ولا يجرح. وقد مرت فترات طويلة على المسلمين حسبوا فيها أن الدين يحتاج إلى رجل يترك دنياه ويهمل شئونه ويلغى عقله ويمزق ثوبه ويترك أهله وبيته مختارا.

وقد دعا ذلك الأذكياء – الخبثاء – إلى أن يهملوا دينا هذا شأنه وأخذوا يتحللون من الآداب ويكبون أنفسهم على الشهوات والملاذ والظلم والطغيان.

فانقسم المسلمون إلى فريقين فريق للدنيا وسلطانها ومتعها وفريق للدين وزهده وتقواه, ويعلم الله تعالى أنى برئ من الفريقين وأن الإسلام يكره الصنفين, وأن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لا يرضى عن الملتين. وإنما الله ورسوله والإسلام وتعاليمه قد دعونا إلى دين كامل ينظم الدنيا وشئونها كافة ويوصل إلى السعادة فى الآخرة. [ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ] فهيا إلى دينكم الصحيح أيها المسلمون من جديد.

8- مكتبتى:

كان لى مكتبة صغيرة وأوراق خاصة, وقد أمر أبى – رحمه الله – حين اعتقالى أن تحرق خوفا من أن يكون بها مكتوب يزيد مسئوليتى ويضاعف تعذيبى فحرقت ولما حضرت إليهم أعدت تكوينها من جديد واخترت لها من أنفس الكتب وضممت إليها مذكراتى وأوراقي وأوراق أولادى الخاصة,وأبعدتها عن متناول أيدى العابثين, وضمنت فى هذه المرة عدم ضياعها ولكن الحذر لا يمنع القدر فإنها فى هذه المرة حرقت أيضا مع المكان الذى أودعتها فيه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.

9- رحمة الله:

10- التقى بى وتعرف علىّ وتعرفت عليه وعرفت منه الكثير النافع وسرت معه إلى السائرين إلى الله تعالى حتى جاءت المحنة الأولى تلقى الكثير من العذاب ثم خرج من المحنة قليل الثقة بغيره عظيم التجارب, فأهمل مسائل كان متعلقا بها متفانيا فيها واهتم بأمور كان تاركا لها قليل العناية بها وأخذ يشق طريقه فى الحياة حسب تجاربه الجديدة التى صادفها أثناء البلاء.

ثم جاءت مقدمات المحنة الثانية واعتقل مع المعتقلين وكان جلوسه ونومه قريبا منى واشهد أنى ما قمت فى ليلة من ليالى البرد الشديد إلا وأحسست فى الظلام بأنفاسه الهامسة وحركاته الخافتة وهو يصلى لربه فإذا ابتدأ النائمون منا يتحركون لصلاة الفجر أنهى صلاته وتسلل تحت غطائه حتى لا يشعر به أحد وهو يؤدى واجبه نحو ربه من تهجد وقيام, ثم فترات المحنة الثانية قليلا وخرجنا من المعتقلات كل يعمل فى عمله إلا هو فقد جاءه مرض خبيث تخبط فى معرفته الأطباء وقاسى منه ما قاسى واستمر على ذلك شهورا عديدة واشتدت علينا المحنة واشتد به المرض وبينما نحن بعيدين عنه وبعيدين عن بعضنا بعدا لا يمكن لأحدنا أن يقترب فيه من الآخر جاءه الموت ولقى ربه بعد مرضه الطويل وقرأت نعيه وأنا لا أملك إلا الترحم عليه.

وها هى الأوقات واللحظات تمر بى وهى تحمل إلى قلبى الحزن عليه والألم لفراقه والعبرة بحياته ومماته – إنا لله وإنا إليه راجعون.

11- صابر:

كانت تجربة ضرورية جدا لى , فقد أذاقتنى طعم التجرد من مكانه المخدوم إلى مكانة الخادم, وقد تذوقت هذه التجربة النافعة إن شاء الله كما يتذوق الحى تماما طعم الموت ليرى نفسه وقد فقد كل شئ إلا كفنه وحضرته فينتبه من غفلته, ولو أتيح لميت أن يرجع ليقص علينا ما رآه من سؤال الملكين وعجزه وضعفه لأمكنك أن تتصور حالى أيها القارىء وقد أصبحت لأول مرة فى حياتى خادما أسمع لغة الأمر آكل ما تبقى من الطعام وألبس ما يبلى من الثياب واجلس حذاء الأقدام وأنام أسفل السرير والأرائك ,اخضع لصغار الأطفال وأتفه الآراء وأن أعبس وأبتسم كما يشاءون, وأوقف أما سيدى أو سيدتى كما يقف العبد أمام ربه ويزيد, ومن هنا كانت التجربى ضرورية لأرى بعينى كيف يكفر الإنسان بربه, وكيف ينالى من أخيه ما ليس من حقه.

12- مكروه ونعيم:

وشاءت الأقدار أن أغترب وأن أكون فى مكان عبارة عن أمتار قليلة لا يرانى فيها أحد غير الله تعالى إلا لضرورة, وطال بى ذلك حتى استبد بى الشوق والحنين وتطلعت إلى الإنطلاق, وقد مرت بى أوقات فى هذا المكان اجتمع لى فيها غير الشوق وألأم الغربة والقعود الممل والحبس المضنى شدة الحزن والخوف المفزع, ومعالجة حصر البول والفضلات ساعات طويلة حتى تحين فرصة التخلص منها.

ومع كل هذا لم يفارقنى الرضا لحظة واحدة فيقينى بجميل الله تعالى قوى ثابت متصل ووفاء صاحب المكان مثلج لقلبى شاق ثم هذا النعيم الذى يحوطنى من كل جانب فهذه هى الخلوة وهذه هى الجلوة, هذه هى الفرصة فالمصحف الكريم أمامى والميضاة" المطهرة" بجانبى وما يكفى من الكتب النافعة فى متناول يدى فالحمد لله على كل حال والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات.

13- الدين والدنيا:

إذا عرفت أن تدرك كيف يمتزج الدين والدنيا؟ وما هى العلاقة بينهما وما هى الصورة وجودهما متلازمين مقترنين لا يبعد أحدهما عن الآخر قيد أنملة فى كل صغيرة وكبيرة, إذا أحبت أن تعرف كل هذا فاعلم أن الدين للدنيا كلها كالماء للشجرة يحمل الرى والغذاء إلى كل أجزائها فإن انقطع عن غصن أو ورقة من أوراقها أو ثمرة من ثمارها جف هذا الغصن وذبلت هذه الورقة وسقطت هذه الثمرة وما دام الماء يجرى فى الشجرة فهى مورقة مخضرة مثمرة, واعلم أيضا أن الدين لا يعجز وهو المتكفل أن يصاحب الدنيا أينما تكون ليطهرها وينقيها يوجهها ويهديها.

ورب قائل يقول: إننا نرى دنيا ليس فيها دين فإنها مع ذلك مزدهرة بالحياة والنمو!! وللإجابة على ذلك يجب أن نفهم حكمة الحياة وماهية الدنيا قبل الإجابة على هذا السؤال. فالدنيا مرتبطة بالآخرة تمام الارتباط, وهى مزرعة الآخرة, وهى مكان عبادة الله تعالى لذى خلق الدنيا والآخرة. فإذا رأيت دنيا مزدهرة من غير دين فهى شجرة ليس لها ثمر طيب متصل بل متاع قليل منقطع ينتهى فى الدنيا[قل متاع الدنيا قليل] وعادة تنتهى هذه الحياة أهلها أنهم اللادينية إلى كارثة مروعة[ حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس]

[ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم فى الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون].

ويسأل آخر فيقول: كيف ندخل الدين فى عمل الدنيا وما علاقته بالشوارع التى يسير فيها الناس والعلم الذى يتعلمونه والمخترعات التى يخترعونها؟ والإجابة على ذلك ميسورة فإن الدين إذا فهمه الناس على حقيقته جعلهم ينظمون دنياهم على هداه وتوجيهاته, فرسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بإبعاد الأذى عن الطريق, وعمر رضى الله عنه يقول "لو عثرت بغلة فى العراق لخفت أن يسألنى الله عنها لما لم تسوا لها الطريق" وبهذا التوجيه الطيب تتهيأ الحياة الطيبة للناس فى الدنيا والثواب فى الآخرة[ فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة]

وكذلك العلم – كل العلم – تعلم الطيران مثلا إذا لازمه الدين أنهاه عن تدمير القرى المنشآت وإهلاك الحرث والنسل ثم بعد ذلك له أن ينتقل فى جميع البلدان ويحمل الخير ويسهل التجارة والسفر.

وكذلك الرياضة الجسمانية فالدين يشجعها ويلازمها ما دامت تهدى إلى صحة الجسم والعقول.

أما الرقص مثلا فهو وإن كان نوعا من أنواع الرياضة والفن إلا أنه يثير الغريزة ويدعو إلى الفجور والإثم, وفى غيره من الرياضة والفن ما يغنى عنه ويؤدى غرضه بالهدى فما من غير معصية وهلاك. ولا يمنع من أن تراقص المرأة زوجها إن كان لابد من الرقص فى بيتها وحدها. كذلك الحال فى كل موضوع الدنيا التى تعرفها والتى تعرض لنا.

والقاعدة أن كل شئ يكسب الناس قوة ويزيدهم خيرا فالدين يباركه ويؤيده وهذا تفسير لمن يريدون حياة طيبة ويموتون ميتة طيبة. أما الذين يريدون أن يبعدوا الدين عن الدنيا ليجنوا ثمرة عاجلة ويقضوا متعة رخيصة فهم[أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار. ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا فى الكتاب لفى شقاق بعيد] والله أعلم.

14- الغيب:

هو عجز الإنسان التام عن معرفة الأشياء الآتية قبل وقوعها:

1- الوقت الذى ستنتهى فيه الدنيا " قيام الساعة"

2- مكان ووقت وكمية نزول الأمطار من السماء.

3- نوع ما يخلق فى الأرحام ذكر أو انثى, الوقت الذى سيخرج فيه هذا المخلوق من مكانه حيا أو ميتا كاملا أو ناقصا.

4- الأشياء أو الشئ الذى سيحدث لكل مخلوق فورا" بعد الآن" شرا كان أم خيرا مكسبا أو خسارة.

5- المكان والزمان الذى سيموت فيها كل مخلوق أو يتحول.

وهذا الغيب لا يمكن لكائن مهما كان أن يعرفه قبل وقوعه, بل هو ملك لله تعالى ولا يتأتى لأحد مهما كان علمه ومكانته وعقله وحكمته.. [ ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسنى السوء إن أنا إلا نذير وبشير]

وجهلنا بالغيب إذ عليه مدار عمل الحياة ولإيضاح ذلك قليلا تقسم الناس إلى قسمين:

الأول : سعداء – أغبياء – أصحاء – أقوياء – مسرورن.

الثانى: أشقياء – فقراء – مرضى – ضعفاء – محزونون.

فلو تكشف للقسم الأول استمرار سعادته لكف عن العجلة ولو تكشف للقسم الثانى شقائه لكف عن العمل ولكن كلا القسمين يجهل المستقبل فالأول يعمل لتبقى له قوته وصحته وسروره وغناه والثانى يعمل ليزول شقاؤه وفقره ومرضه وحزنه فليس الجهل بالغيب نعمة فقط بل ضرورة من ضرورات العمران فلولا يلازمه هذا الجهل الكريم من الإنسان ما أصاب أحدنا من الآخر خيرا ولا نال عدو من عدوه شيئا ولا محارب من محارب نصرا إذا كان من الطبيعى أن يبذل جهده فى هذا الغيب المجهول.

وكثير من الناس – كما ذكرت سابقا – يتحرق شوقا لمعرفة الغيب خوفا على حياتهم ان تنقص أو إشفاقا على سعادتهم أن تنتهى لكن المؤمنين مطمئنون تمام الاطمئنان لا يرهبون غيبا ولا يهتمون لمعرفة الغيب فإنهم مستعدون متوقعون [ قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنين].

15- صححوا العقائد:

اعتاد كثير من الناس أن يمتدحوا أنفسهم بغير حياء فيذكرون مثلا أنه لم يتم الصلح إلا بهم ولم تربح التجارة إلا بجهودهم, ولم تثمر الحديقة إلا بعملهم وهكذا من غير أن يذكروا ربهم, فإذا خسرت التجارة زم يتم الصلح ولم ينبت الزرع نسبوا هذا الشئ إلى الله تعالى فى وقاحة أو فجور أو غفلة وكان الأولى بهم أن يصححوا عقائدهم فيفهمون قول الله تعالى : [ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك] فيشكرون الله تعالى على معونته ومدده وتوفيقه حين يصادفهم الخير وأن يتهموا أنفسهم بالتقصير والخطأ حين يصادفهم الشر وبذلك يرجعون الأمور إلى أصولها والأسباب إلى مسبباتها ومن الأمثلة الطيبة لذلك: سئل عربى عن شاة يمتلكها لمن هى؟ فقال : هى لله فى يدى.

16- نفسى على حقيقتها:

عرفت من كتاب الله تعالى أن هناك نفسى أمارة بالسوء, ونفس لوامة ونفس مطمئنة:

1-[ وما أبرئ نفسى إن النفس لأمارة بالسوء]

2- [ لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة]

3- [ يا أيتها النفس المطمئنة ارجعى إلى ربك راضية مرضية].

وكما عرفت أنواع النفوس كذلك عرفت نفسى على حقيقتها من التجارب العديدة عرفتها فى الغنى والفقر والصحة والمرض, والأمن والخوف, والرضا والغضب, ,عرفتها فى وحدتها ومع الناس, ومقدار طاعتها لبارئها وخالقها ومقيمها وعرفتها مع عدوها وحبيبها, ومع مكرمها ومهنتها.

وإنى أعترف أن لها هنات وعيوبا وثغرات وجيوبا – وقد أحببت أن أعدد ذلك وأحصيه عليها من باب حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا حتى ترجع عن أخطائها وتلتزم حدودها " كالثلاثة الذين خلفوا":" كعب بن مالك, مرارة بن الربيع, هلال بن أمية" رضى الله عنهم, ولكنها راجعتنى كثيرا وذكرت لى أن الله حليم ستار لا يحب كشف السوءات, وأنها عازمة على مراجعة نفسها والإبتعاد عن عيوبها ومعالجة أمورها حتى تستقيم على الجادة تماما.

كما ذكرت لى أنها تطمع أن تعمل حتى تصل إلى أن تكون من الذين سيحاسبون حسابا بينهم وبين ربهم فقط يوم القيامة, فلا تعلن لهم عيوب ولا يفضح لهم أمرا فضلا من ربهم وجزاءا لما مارسوه من خلق الحياء فى دنياهم فتركت – إلى حين – نشر عيويها آملا فى صدقها مراقبا لسيرها فإن عادت عدما وإن سارت سرنا.. والله الموفق.

17- المرأى:

كثر الكلام حول المرأة وقام لها أنصار كما قام لها أعداء وقد أصاب بعضهم فى الدفاع عنها وقد أخطأ وقد تجنى بعضهم فى عدائها وقد أصاب وليس لى أو لغيرى أن يقول فى ذلك رأيا غير ما ذكره القرآن الكريم وطبقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته.

وعلى هذا فإنها مشكلة قد تم بحثها ولم يبق إلا تنفيذها كما نفذها من سبق من المسلمين الفاهمين.

فالمرأة مسئولة تماما كالرجل وستحاسب يوم القيامة كما يحاسب ولها عقل كعقله ولها حريتها وكرامتها وإرادتها لا ينازعها فى ذلك منازع إلا أن للرجل اختصاصه وللمرأة اختصاصها, كل منهما يناسبه العمل الذى سيباشره وليس لأحد منهما أن يحيط بالاختصاصات كلها أو أن يغتصب اختصاصات غيره فإن ذلك قد ينافى طبيعة الرجل كما ينافى طبيعة المرأة.

فالرجل له ميدانه خارج البيت من سعى على الرزق ودفاع عن الوطن وما يشبه ذلك وليس فى هذا تمييز له.

وعلى المرأة تربية الأولاد وطهى الطعام وكل ما يلزم داخل المنزل من نظافة وتربية وكذا كل عمل يشبه ذلك كالتمريض والتعليم مثلا وأيضا ليس فى هذا نقص لها.

وإذا لابد أن يلتقى الرجل بالمرأة بالرجل فى هذه الميادين و الإسلام كما أعرف لا يمنع هذا اللقاء ولكن بشروطه وأركانه حتى لا ينفذ الشيطان إليهما.

فاللقاء يكون لضرورة العمل وأن يتم فى غضن للبصر من الطرفين, وفى ستر العورة وفى جد للحديث وفى حضور محرم للمرأة فى بعض الأمور كالسفر وألا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان.

وهذه الشروط ممكن حصولها لمن يسر الله له ذلك[ وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين] أما ان يختلط الرجال بالنساء والنساء بالرجال من غير ضابط يضبطهم ومن غير شروط وفى أى مكان, وفى أى عمل, ومن غير عمل فهذه هى الفوضى الأخلاقية التى لا تبقى على عرض ولا على فضيلة.

وهذا ما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم الفاهمون لدينهم الحريصون على كرامتهم وعلى نسائهم وبناتهم.

وقد تم فعلا تعليم المرأة وتهذيبها واحترام رأيها ولقائها وسفرها وإقامتها وقيامها ببعض الأعمال كالتمريض فى ميدان الحرب والذهاب للمسجد فى صدر الإسلام من غير أن يهمل هذه الشروط الكريمة التى شرعها الإسلام وإذا اضطرت المرأى لعمل ما لا يمكن أن تتوفر فيه المحافظة على دينا فعلى الدولة أن تقوم بسد حاجتها من غير أن تضطرها إلى التعرض لمواجهة هذه المهالك أو إشاعتها وأن تعمل الدولة على أن يقوم مع هذا مجتمع فاضل كريم ليعين الناس على طاعة الله تعالى فإن البيئة لها اثر كبير فى أخلاق الناس وتصرفاتهم.

18- فن الحكم:

ربما كان لكل إنسان القدرة على الحكم غن لم يكن باللين كان بالشدة لا أقصد ذلك الحكم بل أقصد الحكم الصالح الذى تتوفر فيه الإستقامة والنظافة والكرامة والحرية والمساواة والعدل ورضاء الله تعالى. فلا تقيم فيه رأسها معصية ولا تخفض فيها رأسها طاعة, ولا يتميز حاكم – رغم ما يبذل من جهد – بل ولا يتميز تابع لحكم – رغم قربه من الحاكم – عن أى فرد من أفراد الشعب فى مأكل أو ملبس أو حرية أو شفاعة.

والوصول إلى ذلك ليس بالأمر الهين أبدا ولا حتى المحافظة على هذا – إن وجد – ليس بالأمر الهين بل هو أمر خطير كثير المزالق إلا من عصم الله.

ولكن يقربه إلى الصواب ويعين على أمرين:

أولا: حاكم بصير بأخلاق الناس وطباعهم ينتقل بهم من القبيح إلى الحسن فى رفق وهوادة ويتدرج بهم من الحسن إلى الأحسن فى سرعة وحزم وأن يكون مع هذا مخلصا تمام الإخلاص لربه ثم أهله ووطنه, وأن يكون فاهما لرسالته, وأن يكون قدوة فى عمل الخير وترك الشر, وأن يكون يقظا عفيفا رحيما منشرح الصدر. ثانيا: قوانين عادلة تحفظ للمجتمع طهره ونظافته وتضمن له رقته وتقدمه وتعين الحاكم على الصواب والسداد, وقد كفل الله بما سن من القوانين وما شرع من الأحكام, ففى الكتاب والسنة وسيرة الصحابة ما يغنى.

وصدق الله العظيم [ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ]

19- منزلتان فقط:

منزلتان فى الآخرة لا ثالث لهما, من لم يسكن الجنة سقط فى النار

1- [ ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم فى روضة يحبرون, وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك فى العذاب محضرون].

2- [ وفى الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان].

3- [ يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقى وسعيد]

وما دامت الآخرة ثمرة الدنيا ونتيجة لها فإن أهل الدنيا مذلك أهل الخير وأهل شر صالحين وغير صالحين فقط منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة] وقد يكون كل من الصنفين واضحا كل الوضوح يمكن معرفته بتجاربنا وعقولنا, فأهل الخير رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم فى وجوههم من اثر السجود, وإذا ذكر الله وجلت قلوبهم....

وأهل الشر لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم استحبوا الكفر على الإيمان يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم.

ولكننا قد نشاهد أناسا يجمعون بين الخير والشر ويمارسون الحسنات والسيئات ويأتون أفضل الطاعات ويقترفون فى الوقت نفسه أفحش المنكرات.

فمن أى الصنفين يكون هؤلاء؟

الجواب: إن كان الخير متأصلا فى نفوسهم والشر أمر عارض لهم يقترفونه وهم نادمون ويعملونه وهم له كارهون فهم من أهل الجنة, وإن كان الشر متأصلا فى نفوسهم والخير أمر عارض لهم, يعملون وهم منافقون ويمارسونه وهم به كافرون فهم من أهل النار.

وقد يخفون علينا ولكن الله تعالى بهم عليم, قال تعالى فى كتابه الكريم مخاطبا رسول الله صلى الله عليه وسلم [ لا تعلمهم نحن نعلمهم]

20- لا أدرى:

بسم الله الرحمن الرحيم( يوم لا تملك نفس لنفس شيئا] معنى الآية الكريمة ظاهر جدا وهو انه لا يمكن لنفس أن تقدم لنفس أخرى معونة ما يوم القيامة بل الكل بنفسه ولو كان من أقرب الأقربين ويوضح ذلك آيات أخرى.

1- [ يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه]

2- [يبصرونهم يود المجرم لو يفتدى من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التى تؤيه ومن فى الأرض جميعا ثم ينجيه]

3- [ يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب اله شديد).

أقول إن المعنى ظاهر جدا, ولكن لا يمكن لأي معنى أن يستقر فى النفس تماما حتى يشاهد عيانا – ولذا كانت الرؤيا أثبت من السماع وتذوق الشئ أهم من رؤيته بالعين ولذلك قال سيدنا ابراهيم عليه السلام [ رب أرنى كيف تحيى الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى] ولما أراد الله تعالى أن يملأ قلب النبى صلى الله عليه وسلم اطمئنانا[ أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذى باركنا حوله لنريه من آياتنا]

وأراه صلى الله عليه وسلم فى رحلته الكثير المطمئن.

وهل نطمع أن تقوم القيامة قبل وقتها لغرض رؤيتها ورؤية ما يحصل فيها قبل أن تقع ليستقر فى نفوسنا تماما معنى قول الله تعالى:

[ يوم لا تملك نفس لنفس شيئا]

ومن غير أن نطمع فى قيام القيامة لأننا مؤمنين تماما جاء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

قام فينا ما يشبه القيامة حتى تبرأ الأخ من أخيه والأب من ابنه والأبن من والده وتذوقنا تماما قول الله الكريم[ يوم لا تملك نفس لنفس شيئا] رغم حب هذه النفوس بعضها وافتدائها لبعضها.

ولا أدرى هل حدث ما حدث تذكيرا بيوم القيامة وتنبيها لخطرها حتى نأخذ الأهبة لها؟ أم حدث ما حدث تكفيرا ل1نوبنا وسيئاتنا, أم حدث ما حدث لنستوفى الفزع والخوف فى الدنيا فلا نفزع ثانية فى الآخرة فنستثنى من الفازعين[ ويوم ينفخ فى الصور ففزع من فى السموات ومن فى الأرض إلا ما شاء الله ] لا أدرى.

21- لا تيأس:

أويت أثناء- اغترابى – إلى بيت تحيط به بيوت كثيرة صغيرة فى شارع ضيق من شوارع ريفنا, يسكنه عدد كبير من الناس رجالا ونساء صغارا وكبارا وكان لا يمكن أن يرونى أو أراهم لأنى قعيد حجرة لا أخرج منها ولا يدخل إلى فيها أحد إلا نادرا لمناولتى طعامى وشرابى.

ولكن أصوات كل هؤلاء وأحاديثهم وغناءهم وأفكارهم وبكاهم وضجيجهم بل وأنفاسهم وحركاتهم, كل هذا كان يصل إلىّ واضحا متخللا نافذة الحجرة المغلقة التى آوى إليها.

ولما تعددت الأيام خطر لى أن أدرس العقيدة وطريق الاتجاه فى النفوس هذه البيئة من خلال ما يصل إلىّ من أصوات.

وهالنى أن أجدهم لا يتحدثون إلا عن بعضهم بعضا مدحا أو ذما وكثرة الغناء الركيك المتصل بالغرام والجمال والزواج والهجر واللقاء, وقليل من الكلام عن معاشهم وأسواقهم ومزارعهم وأصوات البيع والشراء التى يتبادلها التجار الذين يحملون تجارتهم على ظهورهم مع هؤلاء الذين يسكنون هذه المساكن. وكان كل هذا خال تماما من المعنى الطيب واللفظ الطيب ولما تأكد لى هذا الاتجاه الهزيل المعوج وهذه الغفلة السادرة وهذا الظلام المطبق فى الأفكار وفى العقائد زاد همى على حبسى وأشفقت مستقبلى الذى سأتنافس فيه مع المتنافسين. ليؤمن الناس بحديث ربهم" جل وعلا" وحديث نبيهم صلى الله عليه وسلم إيمانا يظهر فى أحاديثهم وأعمالههم ونواياهم وغاياتهم.

أقول تضاعف بى الكرب وثقلت المهمة واشتدت وطأة اليأس وكرهت البقاء عنا. إلا أنى راجعت نفسى تدريجيا بأن الذى أسمعه لابد هو القائم – بصور متشابهة أو مختلفة – فى كل القرى والمدن الإسلامية – وقد تكشف لى فقط فى هذه القرية وفى هذا الوقت لأنى مرهف الحس مركز الفكر فى دراسة هذا الموضوع.

ثم أنى تذكرت أنى قرأت مرة أن الله تعالى أراد أن يهلك قرية فأمر ملكا أن يضع جناحه تحتها ثم يطير بها إلى السماء فيقبلها, وقد كان هذا الأمر قبيل الفجر فى ليلة ما, وتصادف قيام امرأة من هذه القرية لتجهز خبزها أثناء قيام الملك بحمل القرية والاتجاه بها نحو السماء وليس معها أحد إلا رضيعها الذى يبكى بحرقة طالبا أمه لترضعه وهى مشغولة بعملها فضجرت الأم منه وخرج من فمها" اسكت يا بنى إن الله صبور رحيم" فما أن ذكرت المرأة ربها بالرحمة وحدها دون القرية مرة واحدة حتى أمر الله تعالى الملك بالهبوط فورا إلى الأرض وأن يضع القرية كما كانت, وقال سبحانه ما معناه " ما دام لا يزال هنالك نفس واحدة تذكرنى بالرحمة فلن أهلك القرية" وإنى لأسمع مع ما اسمع وأنا فى مكانى هذا الأذان فى كل وقت وسمعت مرة امرأة تستغفر ربها فى تضرع وسمعت رجلا يذكر ربه ستار كريم, وسمعت الأطفال مرات يقولون الله أكبر ولله الحمد الله غايتنا...

فهذه قرية – بالمقارنة – لا شك أفضل بكثير من القرية التى كان الله تعالى يريد أن يهلكها, وتذكرت أيضا أن الهادى هو الله تعالى وحده [ إنك لا تهدى من أحببت] وما علينا إلا دوام التذكير [ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير] [ إن عليك إلا البلاغ] تذكرت كل هذا فطار اليأس من نفسى وتضاءل الكرب, وعدت انطوى على الانتظار لأهتف بقوة هلموا إلى الله.

22- درجات:

الجنة درجات والنار دركات, والدنيا كذلك درجات فبعد أن يقسم الناس فى الدنيا إلى قسمين قسم مخلصا للدنيا وقسم مخلص للآخرة { منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة] نجد أن القسم الذى يحب الدنيا على ثلاث درجات:

الأولى: درجة هينة فهو يحبها من طريق الحلال فقط.

الثانية: يزداد حبه لها فيسلك إلى طريق الحلال وطريق الحرام.

الثالثة: يشتد حبه لها فيستخدم الأخرة ليرضيها فهو يصلى ويصوم ويحج ويجاهد لدنياه فقط" وهذا أخبث إنسان على ظهر الأرض."

والقسم الذى يحب الآخرة على ثلاث درجات:

الأولى: يقوم بالفرائض التى عليه.

الثانية: يزداد حبه لها فيتلمس " بعد الفرائض" النوافل ما وسعه جهده.

الثالثة: يشتد حبه لها فلا يكتفى بالفرائض والنوافل بل يستخدم الدنيا للوصول إلى آخرته فهو يربى ولده ويبنى بيته ويحرث حقله, كل ذلك ليوجهه إلى الله " وهذا أرقى إنسان على وجه الأرض".

والدرجات التى فى الدنيا لها صلة وثيقة بدرجات الجنة وبدرجات النار فأنت يا سيدى – بينك وبين نفسك – فى أى درجة؟.

23- عدو أبيك عدوك:

علاقة الإنسان بالشيطان على ثلاثة أحوال:

الأولى : علاقة القرين بقرينه" أعوذ بالله" فهناك إنسان لا يعمل عملا إلا والشيطان قرينه فهما دائما متلازمان متفقان كالعلاقة التى بين فرعون والشيطان" إنا جعلنا الشياطين أولياء لا يؤمنون" الثانية: علاقة ط بين بين" فتارة معه وتارة يهجره كالعلاقة بين الشيطان وكل من خلط عملا صالحا وآخر سيئا.

الثالثة: علاقة العدواة المستمرة التى لا يحب أحدهما أن يرى الآخر إطلاقا بل يفر منه كالعلاقة التى كانت بين سيدنا عمر والشيطان – فإنه ما سلك عمر فجأ من فجاج الأرض إلا سلك الشيطان فجا غيره.

ومن الحقائق الثابتة أنه لا يوجد عدو للإنسان غير الشيطان أخرج أبوينا من الجنة [ يا بنى آدم لا يفتتنكم الشيطان كما اخرج أبويكم من الجنة] وهو يحاول جهده ألا يدع أحدا من الناس يدخلها, وقد أقسم بعزة الله على ذلك [ قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين]

وهو مخلص فى قسمه وفى رسالته هذه تمام الإخلاص – اتخذ الأعوان والجنود واستعمل الوسائل المغرية والطرق الملتوية وتعرض للعابدين وتفنن فى إغوائهم فلم يترك سهما من سهامه إلا أطلقه ولا قوة إلا بذلها, ولا مجهودا إلا فعله, ولا يزال على ذلك إلى يوم الدين.

وقد وضع الله تعالى لحربه أسلحة ماضية وأهداها للناس.

ومن ألقى سلاحه فلا يلومن إلا نفسه, ومن استعملها وحرص على أن يشهرها دائما فى وجه الشيطان كلما اعترضه نجا وانتصر وهذا السلاح هو ذكر الله تعالى باللسان والقلب والفرار إلى الله دائما من مواطن لمعصية وأماكن الفجور وتتبع أماكن العلم والحكمة والعمل الصالح وكثيرة الاستغفار من الذنوب, وإحاطة الطاعات بالإستعانة بالله والتعوذ به من الشيطان.

[ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم] وإذا انتهيت من الحج فارمه بعدد من الحصى. وأعلم أن النجاة منه هى أن تكون عبدا مخلصا لله ليتولى ربك جل جلاله إبعاده عنك. إن عبادى ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا].

وأخيرا ما علاقتك بعدوك وعدو أبويك من قبلك؟

24- لا تظلموا أنفسكم:

دأب الكتاب والموجهون وشددوا الضغط بالكلام القارص حول تأخرنا سابقا وتأخر آبائنا وأجدادنا ولابد لنا من أن نتقدم لأن الدنيا كلها تقدمت ونحن جامدون فى مكاننا فالطائرات والسيارات والكهرباء والراديو والسينما والقنابل الذرية والهيدرجينية وكل اختراع حديث جاء غلينا من بعيد, أما نحن فقانعون للأسف بالقديم ويلمح الكاتبون والموجهون أو يصرحون أحيانا أن سبب التأخذ المزرى هو تمسكنا بالقديم ويقصدون بالقديم " الدين" ويفخرون بعبارة" ليس فى الإمكان أبدع مما كان" على أنها من صنع الدين وعبارات أخرى تدعو للكسل والخمول والذل والخنوع.

ونحن معهم وأشد منهم وأغير فى أننا تأخرنا مسافات طويلة ويجب أن نتقدم وأن نسرع ولكننا لسنا معهم أبدا فى أن سبب تأخرنا هو الدين الصحيح أو أن التمسك ب الإسلام النقى الواعى يمنع تقدمنا أو يعوقه بل العكس صحيح وقد يكون هؤلاء الكتاب والموجهون معذورين فى هذا الفهم الخاطئ لأنهم لم يباشروا الدين الصحيح ولم يروه بأعينهم فى بلد من البلاد فقد انطمس منذ عهد بعيد وشوهه المغرضون والمضللون ولم يشاهدوا أمامهم إلا طقوسا مصنوعة ابتدعها الجهال وذمما خربة ثقبها الشيطان فأيقنوا أن هذا هو الدين" والدين منه برئ".

ولكن ليس لهؤلاء الكتاب والموجهين عذر أبدا فى دراسة الإسلام من منبعه الصافى " القرآن الكريم والسنة المطهرة والسيرة العطرة للخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان" وسيرون" متى أنصفوا" أنه يدعو بكل قوة إلى التقدم وإلى العلم وإلى النظافة وإلى النظر والتبصير فى الأمور وما يحيط بنا, وإلى التنافس فى كل ما يخفف عن الناس متاعب الحياة ويجلب كل هناءة.

ولقد سبق الإسلام جميع المبادئ القائمة الآن" والتى ستقوم بعيدة عنه" بل جمع كل محاسنها وتبرأ من نقائصها فتراه – حفظه الله – أرسى قواعد المجتمع على أسس كريمة.

1- فأبان علاقة الحاكم بالمحكوم فى كلمات قصار شافيات [ وشاورهم فى الأمر]

2- وثبت قواعد الأسرة فقال:[ ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة].

3- وشفى علة للفقراء وكبرياء الأغنياء بقوله:[ والذين فى أموالهم حق للسائل والمحروم]

4- وحارب الجرائم والمنكرات ووضع التشريعات العادلة.

5- و.....و......و...

فلا تظلموا الدين أيها الموجهون بل لا تظلموا الناس – بل لا تظلموا أنفسكم. 25-الشجاع:

الخوف من الله تعالى ليس معناه أن يسير الإنسان مطاطا الرأس أو يقف تصطك أسنانه وترتجف أعضاؤه دون قلبه. بل هى ملكة وطبيعة وسجية تتملك المرء السعيد فلا يجد فى المعصية إلا كل قبح وبشاعة منظر ونتانة رائحة وسوء منقلب. ولا يجد فى طاعة ربه إلا راحة قلب وجمال منظر وعطر رائحة وحسن مآب.

وقد رأى سيدنا عمر رضى الله عنه رجل يسير مطأطأ الرأس فوكزه وقال له ارفع راسك فإن الخشوع فى القلب والخوف من الله يلزم صاحبه ألا يرهب مخلوقا وألا يجد نفسه محتاجا لإنسان قط ليؤنسه أو يرهبه.

أصر أبو محجن رضى الله عنه على شرب الخمر وأصر عمر رضى الله عنه على أن يجلده كلما شرب الخمر وأخيرا نفاه عمر, واستمر الأمر على ذلك حتى وهب الله تعالى أبا محجن فضيلة الخوف منه بكمية وافرة فقال والله لن أذوقها بعد الساعة لقد كنت اشربها خشية أن يقولوا خاف الحد فأنا اليوم أتركها رغبة فى أن يقولوا خاف الله, ولما ترك سيدنا إبراهيم عليه السلام هاجر مكان مكة" قبل أن توجد" ومشى نادته آلله أمرك بهذا؟ قال : نعم, قالت إذن لن يضعنى فطاعة الله عندها هى النجاة, ومعصيته هى الهلكة, ولذا قالت آلله أمرك بهذا وفلما تأكدت أمره تأكدت عونه.

فالخوف من الله تعالى إذن يبعث الثقة فى النفس والطمأنينة فى الفؤاد فيرد الجبان شجاعا والجازع ساكنا. وبعد هل تريد أن تكون شجاعا؟

عليك بالخوف من الله على حقيقته.

26- للذكرى:

قضينا رمضان فى العام الماضى " 1954م" كالآتى:

نعمل فى عملنا الذى نتعيش منه غلى الظهر ثم نصليه ثم نضطجع أو نقضى بعض المصالح الضرورية ثم نصلة العصر ثم نقوم بإعداد أو نشترك فى توزيع الغذاء على الفقراء حتى يجئ المغرب فنأكل من غير امتلاء نصلى المغرب فورا ونستمع إلى الدرس حتى العشاء فنصليها ومعها التراويح والوتر, وذلك فى مسجد مبسط مقام بالخشب والبوص, وقد اعتدنا فى صلاة التراويح أن يقرأ الإمام جزءا من القرآن الكريم كل ليلة فى ثمان ركعات غير الوتر, ثم نتذاكر أحوالنا وأحوال الإسلام أو نقوم ببعض الزيارات فى القرية أو فى القرى المجاورة أو نستقبل الزوار أو أصحاب القضايا. ثم نتوجه لبيوتنا فنتناول السحور, ثم نذهب إلى المسجد فنستمع إلى درس آخر, ونصلى الصباح ثم نضجع قليلا ثم نقوم إلى أعمالنا. وهكذا انتهى رمضان موفور الخير والبركة.

ونحن الآن على مقربة منه فى عامنا الذى نمتحن فيه بما نمتحن وعلى بضع ساعات قليلة من وجهة المشرق" إن شاء الله " نرقبه" فى شوق ولسان حالنا يقول:

أقبل فدتك طرائفى وتلادى

نور المسرة فى جبينك بادى

ولكن هل ستفك الأغلال فى هذه الساعات الباقية فتقضيه كما قضيناه فى العام الماضى معا, أم أن الله تعالى يدخر لنا فى الغيب خيرا أوفر وحظا من القرب أسعد, وعملا من العبادة أمجد ونورا من العرفان أوضح أو جزاءا من فضله أعم وأحسن – علم ذلك عند الله.

27- فعسى وعسى:

المرء منا فى ملكوت الله تعالى عبارة عن شئ بسيط قد يكون أقل من ذرة تسير فى الهواء وهو يعمل فى دائرة مهما اتسعت " حتى تسع الأرض بأجمعها" فهى بسيطة كذلك, ومعرفة المرء بالأمور قد لا تتعدى الدائرة التى يعمل فيها, وقد تكون هذه المعرفة – بل غالبا ما يكون – ناقصة لأنه مهما عرفنا من الأشياء فقد غابت عنا أشياء والمرء رغم هذه الحقائق مصر على تنفيذ أفكاره وآرائه بلا قيد ولا شرط. لذلك هتف الله تعالى به فى رفق فقال :"

وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خيرا لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شرا لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون". فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا فليس كل حبيب نافع وليس كل عدو ضار, وليس كل ولد بار, وليست كل بنت عار, لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا.

حدثنى صديق: فقال طالبت بالنقل إلى بلد ما وأسرفت فى الرجاء والإلحاح حتى أجيب طلبى بعد ثلاث سنوات قضيتها فى شوق إلى هذا البلد مضنى وأمل واسع يدفعنى, وما كدت أستقر بها حتى تكشف لى ما جعلنى لا أطيق المكث بها ساعات وانقلب سعيى إلى النقل منها مئات المرات عن سعيى إلى النقل إليها وقد تم ذلك بعد ست شهور من نقلى إليها كادت فيها روحى تزهق ورأسى تفلق – وقد تعاهدت بينى وبين ربى بعد هذه الحادثة" ألا أختار لنفسى أو ألح فى طلبى لأمر من أمور الدنيا ,وقد كان العهد نافذا إلى الآن" إن العهد كان مسئولا".

ولما قامت الفتنة فى المرة السابقة واعتقلنا بلغنى أن والدى رحمه الله كان يقابل آباء زملائنا فى المعتقل فيقول لهم لا تجزعوا فقد يكون داخل المعتقل بالنسبة لأبنائنا أمنا وسلاما عن خارجه الآن – وهذا ما كان.

وسيدنا يوسف عليه السلام رأى بنور بصيرته أن السجن على ضيقه وظلمته أأمن على دينه من القصر ورحابته فهتف من أعماق قلبه [رب السجن أحب إلىّ مما يدعوننى إليه] [فاستجاب له ربه]. فعسى ما نحن فيه الآن يزداد به الإيمان ومن يدرى.

عسى الكرب الذى أمسيت فيه

يكون وراءه فرج قريب

28- ما نحب وما نكره:

لا يتم عمل ما صغيرا كان أو كبيرا سهلا أو صعبا حتى يتفتح له القلب وينشرح له الصدر فالأعمال البغيضة إلى القلب يتناولها الإنسان فى بطء وكسل, ويتذوقها فى كره وغضب وهيهات أن تتم مهما كانت سهلة وبسيطة أو حلوة وجميلة.

والأعمال المحببة إلى القلب يتناولها الإنسان فى سرعة وقوة ويتذوقها فى شوق ولهفة وهيهات أن يتركها حتى تتم بها كانت صعبة ومرة أو ثقيلة وهائلة[ وكأين من نبى قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم فى سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا]

لذلك لما أراد الله سبحانه وتعالى الخير للمؤمنين حبب إليهم الإيمان وزينه فى قلوبهم – رغم تكاليفه الشاقة ووسائله المريرة.

[ ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه فى قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا من الله ونعمة].

ولما وجه الله تعالى سيدنا موسى عليه السلام لفرعون الطاغى العنيد المظلم القلب المتأله المستند إلى الجند والمال والعز والآثم والجاه الكاذب قال موسى لما أمره الله تعالى أن يواجه كل هذه الظلمات[ رب اشرح لى صدرى] وقد قال الله تعالى لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مذكرا بنعمه [ألم نشرح لك صدرك] فمتى شرح الله صدر عبد من عبيده لأثقل مهمة – ولو كانت ستكلفه روحه – هانت وسهلت " اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن سهلا".لذلك ابتسم المصلحون وهم يواجهون الموت وتهلل المجاهدون وهم فى

ساحة الاستشهاد:

ولست أبالى حين أقتل مسلما

على أى جنب كان فى الله مصرعى

وأنفق المؤمنون أموالهم فى حب ورغبة [ ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا].

[ وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفى الرقاب].

وقد يشرح الصدر لأشياء ويضيق لأشياء.

والموفق من شرح الله صدره للإسلام وضاق صدره لغيره.

[ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه].

[فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام].

29- ورد الرابطة:

يقرأ هذا الورد ساعة الغروب تماما من كل ليلة وفيه يتلو القارئ هذه الآية الكريمة فى تدبر كامل [قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير, تولج الليل فى النهار وتولج النهار فى الليل وتخرج الحى من الميت وتخرج الميت من الحى, وترزق من تشاء بغير حساب".

يم يتلو الدعاء المأثور بعد ذلك:

اللهم إن هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك فاغفر لى"

ثم يستحضر صورة من يعرف من إخوانه فى ذهنه ويستشعر الصلة الروحية بينه وبين من لم يعرفه منهم ثم يدعو لهم بمثل هذا الدعاء.

اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت على محبتك والتقت على طاعتك وتوحدت على دعوتك, وتعاهدت على نصرة شريعتك, فوثق اللهم رابطتها وأدم ودها, واهدها سبلها, واملأها بنورك الذى لا يخبو, واشرح صدروها بفيض الإيمان بك وجميل التوكل عليك,وأحيها بمعرفتك وأمتها على الشهادة فى سبيلك إنك نعم المولى ونعم النصير اللهم آمين وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

وقد أخذت فى قراءة هذا الورد فى اليوم الأول من شهر رمضان المبارك وعندما أخذت أستحضر صور من أعرفهم فى ذهنى فوجدتهم إما... وإما... فهتفت فى لهفة يا حى يا قيوم برحمتك أستغيث لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين.

ثم هممت بأن أتمم الورد بالدعاء المذكور سابقا ولكنى توقفت فجأة فقد قفز إلى ذهنى صور أخرى ممن أعرفهم منهم الو... والم... فازداد هاتفى:

يا حى يا قيوم برحمتك أستغيث لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين. ثم أتممت وردى بدعاء أملاه علىّ وجدانى وعقلى وهتف به لسانى مع قلبى.. اللهم أعطنا حتى نرضى, ونقنا حتى نطهر واهدنا حتى لا نضل.. واغننا حتى لا نحتاج... واحرسنا حتى لا نفتن, وثبتنا حتى لا نجزع, ومدنا حتى لا ننقطع, وأعنا حتى نصل, وكن مع إخواننا بتوفيقك حتى نسر, وكن مع أهلينا وذرياتنا بكرمك حتى نطمئن وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

30- أوامر عسكرية:

العبادة على أنواع:

1- عبادة تؤخر" أعوذ بالله" وهى المبنية على الجهل والبدع والنفاق, والخداع وهو تشبه" خطوة للخلف".

2- عبادة لا تؤخر ولا تقدم وهى العبادة الصحيحة القليلة التى تستهلك فى دفع السيئات وليس لها القدرة على إضافة شئ جديد من التقدم وهى تشبه " خطوة تنظيم".

3- عبادة تدفع دائما للتقدم, وهى تشبه" خطوة للإمام".

والمرء منا قد يقدر موقفه من ربه " لو حاسب نفسه" فإذا وجد أنه كان فى شبابه نشطا فى أداء الفرائض غيورا على الأعراض والفضائل مقداما فى الخير ثم الآن فترت همته وتلاشت عزيمته فليعلم أن عبادته من النوع الذى يؤخر.

وإذا وجد أنه يمر العام ثم العام وهو لا يكتسب فضيلة عظيمة أو نافلة جديدة أو يزداد علما نافعا غير أنه مواظب فقط على ما اعتاده من الخير لا يزيد ولا ينقص فليعلم أنه " محلك سر".

وإذا وجد أن نفسه على مرور الأيام تزداد إيمانا وقلبه يزداد من ربه وجلا, وأن عينه تزداد بكاءا خشية من الله, وأن عقله يزداد حكمه وفؤاده يزداد شجاعة وجسمه يزداد قوة, فليعلم أن عبادته مثمرو من نوع " خطوة للأمام".

ورمضان فرصة كريمة ومقياس صادق يمكن للإنسان " البصير" أن يقف فى أوله ليحصى تركته من العبادة وأن يقف فى آخرة ليتبين هذه التركة:

هل نقصت؟

هل بقيت كما كانت؟

هل ازدادت؟

وهنا يعرف جهده.

[يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون]. وفى الحديث القدسى الذى رواه البخارى ومسلم:".... وإن تقرب إلىّ شبرا تقربت إليه ذراعا, وإن اقترب إلى ذراعا اقتربت إليه باعا, وإن أتانى يمشى أتيته هرولا".

31- اللهم رضنا:

كل ثمر له وأن ينضح فيه, كما أن كل طعام مدة ينضح فيها, وقطف الثمار قبل أن ينضح عبث, تناول الطعام قبل نضوجه سفه.

ومعظمنا دخل الدعوة قبل أن ينضج لينضج, ولا يتم النضوج بالموعظة الحسنة إلا نادرا, لذلك كان من سنة الله تعالى فى الدعوات أن تمر بأصحابها المحن حتى ينضح الأفراد ويتميزوا.

ومن يوم أن جاءت المحنة الأخيرة والنفس قوامة إلى انتهائها لأنها شديدة الحرارة عظيمة اللهب, والمرء منا فى وسطها أة فى طرفها أو قريبا منها يتقلب ذات اليمين وذات الشمال محاولا إطاقتها حتى تمر ومعالجتها حتى تنتهى. ولقد خيل لى كثيرا أنها قاربت الانتهاء أو انتهت, وذلك حين يمر بى شئ من راحة القلب أو أسمع خبرا سارا ولكنى لا ألبث أن أحس بلدغها الشديد وأنفاسها الكريهة.

وقد جلست مرة مع عقيدتى نتذاكر أطوارها ونتلمس نهايتها حتى أضع حدا لهذا الفلق فقلت لها هل من آخر لهذه المحنة؟ فقالت كل شئ له أول

لابد له من آخر. فقلت إنها شديدة على البعض. قالت: أشدكم بلاءا الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل.قلت: قد عطب البعض لطول المدة وانتشار الفتنة قالت: ليس لك من الأمر شئ قلت: كثير من الناس كأنه لا يهمه شئ.

قالت من ضيع الدنيا كبى فى الآخرة, ومن وفىّ نجى فاختر ما تشاء.

قالت: هل من الممكن تحديد نهايتها على وجه التقريب. قالت : حتى تنضج ثمارها. قلت: صدقتى لأنى ألمس فى كل يوم" قبل نهايتها" خيرا جديدا.

قالت:"هو كذلك" وعسى الله أن يرعاكم حتى تبلغ الأمور غايتها [ إن الله بالغ أمره] قلت آمين: روى ابن السنى عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم:".... اللهم رضنى بقضائك وقدرك وبارك لى فيما قدر حتى لا أحب تعجيل ما أخرت,

ولا تأخير ما عجلت".

32- وجاء:

مرت ثلاثة أيام من رمضان فسررت لنتائجها فقد هدأت أصوات الصائمين واتأدت حركاتهم, خف ضجيجهم, وقل شجارهم – وتذكرت أنه تعرض الآن على صفحات الجرائد والمجلات أسئلة لشبان يناقشون مسألة إلغاء أو إرجاعه لأنهم وأمثالهم يحاولون كبح جماحهم فلا يقدرون, وتهدئه شهواتهم فيعجزون, ولا سبيل لهم إلى الزواج الآن.

ومن العجيب أن الموجهين والمجيبين على أسئلة هؤلاء يجيبونهم بكل شئ إلا الدواء وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم لمثل هذه الحالة" لأنهم يخافون أن يتهموا بالرجعية- قاتلهم الله – أو جهلا بنتائجه لأنهم لم يجربوه أو إعجابا برأيهم"

مع أن دواء رسول الله صلى الله عليه وسلم هو البلسم كما ترى فى الصوم, فقد قال ما معناه : أيها الشباب: من لم يستطع تكاليف الزواج فعليه بالصوم فإنه له وجاء. 33- الإشارة والعبارة:

حضر إلىّ صبى يريد الصوم ولم يجد أمامه عقبة تمنعه من ذلك إلا ريقة وكيف يتخلص منه. فذكرت له أن ابتلاع الريق لا يفسد صوما فاستسهل الصوم وصام. وقد وجدت أنه محافظ تمام المحافظة على ألا يدخل شيئا فى جوفه غير ريقه ولكنه لم يتمكن من أن يغمض عينيه عن الحرام أو يمسك لسانه عن اللغو. فقلت له: إن الصوم كما تفعل سهل ميسور جدا.

أما الصوم الصحيح فهو صوم الجوارح كلها عما حرم الله. فقال : هذا ما لا أقدر عليه. فقلت: حاول: فقال . لا. قلت له: أفطر فإنه لا فائدة من الجوع والعطش فلم يلتفت وتمسك بالصوم على وضعه الهزيل.

ذكرنى ذلك بمن يتمسك بالشئ وهو لا يفهم جوهره ولا يحسن استعماله, ولا يمكنه أن يقاوم مزالقه, ورددت قول الرسول صلى الله عليه وسلم:" من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة فى أن يدع طعامه وشرابه"." وفى الإشارة ما يغنى عن العبارة".

34—ترى ما هذا؟

ألقيت بها عصا التيار على أساس أن اقفز منها إلى مكان آخر بعد أن أقضى بها وقتا مناسبا ولكنى بعد أن قضيت بها الوقت المناسب وأضعاف الوقت المناسب لم أجد مكانا آخر أقفز إليه فأنا أطرق الأبواب وأتلمس جميع المسالك, وأستعمل جميع الحيل وأدير الرأى ولكنى لا أجد بعد كل هذا إلا أن أقضى بها وقتا آخر.

وهأنذا كما أصف لك لا تتسع لى أشبار أخرى غير الذى أنا فيها ولا أرى وجها آخر غير الوجه الذى يطالعنى كل يوم مرة.

وقد ألححت على ربى بالدعاء فلم أترك ما أعرف من جوامع الدعاء الطيب والكلام الطيب إلا دعوته به وأخير ترتبت عندى صفة لم تكن عندى من قبل فترانى دائما كأنى:

مترقب فى كل لحظة غيبا مجهولا فأنا باستمرار لست بالمطمئن, كما أنى لست بالجازع ولكن ربما ينطبق علىّ وصف واحد هو اليقظة لكل ما يأتى وذلك بعد أن فقدت الأمل كما فقدت اليأس. فقدت الأمل لأنه ليس فى مقدورى شئ وفقدت اليأس لأن الله تعالى لا يعجزه شئ.

ترى ما هذا؟

35 – لماذا كل هذا؟

سهر طويل وسفر كثير, ومقابلات متعددة ومحافظة على الصلوات وصيام لرمضان وإطعام للفقراء, إصلاح ذات البين, وعرق ودموع, وإجهاد بالليل والنهار, وكتابة وقراءة وتدريس ومطالعة, وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر.

كل هذا والمجتمع فى بلادة ظاهرة وإنكار للمعروف وإحجاد للحق ولم ينته الأمر عند هذا الحد, بل اعتقالات متكررة, واضطهادات مستمرة بل وتعذيب وتشريد – وأخيرا تكرار هذا كله لفت نظر ابنتى الصغيرة أحست غيابى ورأت آثار التعذيب. فقالت فى براءة طاهرو وغرابة واضحة لماذا كل هذا؟

فقلت لها وقد سررت من سؤالها... كل هذا للإسلام والمسلمين فهل فهمت الجواب كما فهمت السؤال؟ إذا لم تفهميه الآن فستفهمينه حتما بعد الآن, شأنها شأن أغلب الناس[ يقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا]

36 – برهان ربه:

كل بنى آدم خطاء وخير الخطاءين التوابون, وعوامل الفتنة منتشرة فى كل مكان تدعو الناس إلى المعصية وإلى الفجور.

وعوامل الخير منتشرة كذلك فى كل مكان تحذر الناس من الوقوع فى الخطيئة وتدعوهم إلى رحاب الفضيلة. ويزين الشيطان والهوى والنفس الأمارة بالسوء سهولة الرذيلة وبساطة الخطيئة حتى إذا أراد الله تعالى الخير لإنسان بزرت له الموعظة الحسنة فيذكر ربه فيخنس الشيطان ويتلاشى الهوى, وتنفطم النفس ويعود للمرء عقله وإيمانه فإذا به متبتل نادم:[ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون).

هذا هو المنطق الذى يمكن أن يقال إنه منطق طبيعى.

وملخصه , إنسان يهم بالمعصية فيبرز له شئ من الحق يذكره بربه, فإذا به تائب أواب [ ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين].

وبصيغة أخرى إن دواء البعد عن المعصية هو ذكر الله تعالى وتذكره ولكننا نشاهد الآن عجبا من الفجور, نشاهد وضعا مقلوبا يكاد يكون سريعا, نشاهد من يستعمل دواء البعد عن المعصية مفتاحا للدخول فيها.

فتسمع إنسانا يشرب الخمر ويعبر عن إعجابه بها وبمذاقها فى فمه الخبيث فيقول" الله" فى وقاحة. وترى آخر يلتهم وجه امرأة أجنبية بنظراته الشرهة وهو يتمتم بالصلاة على النبى.

وتقرا أن جماعة يضعون ماركة بسم الله الرحمن الرحيم على النوع الجيد من الحشيش. ويكتبون شارع عماد الدين على مكان يحارب الدين. ولا بأس عندهم أن يسموا فاجرا بناصر الدين, وخاسرا بصلاح الدين.

هل وصلنا إلى درجات السقوط أن هناك تأويلات تسكتنا من الذين يدعون الناس بالرجعية. اللهم باعد بيننا وبين معصيتك كما باعدت بين المشرق والمغرب.

37- ثم تاب عليهم:

أتضرع إلى الله تعالى ألا يفضح أمرى فى الآخرة بين أناس – رغم كثرتهم – كل مشغول بنفسه تقريبا. ويتضاعف تضرعى إلى الله تعالى فى ألا يفضح أمرى فى الدنيا لأن الناس فيها كل مشغول بغيره تقريبا. وليس معنى هذا أننى أفضل فضيحة الآخرة على فضيحة الدنيا. أو أن يؤجل خزيى فى الدنيا إلى خزيى فى الآخرة فكلاهما لا شك مر قبيح لا يرضاه المؤمن لنفسه ولا يرضاه المؤمن لغيره, ولا يرضاه الله تعالى للناس. ومن أدب الله تعالى فى الدعاء الذى علمه لنا [ ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وقنا عذاب النار] وإنى لموقن أن التضرع وحده ليس كافيا لاستجابة الله تعالى للدعاء فإن هناك ركنان آخران غير الدعاء الحار.

ثانى الركنين : توبة نصوحا تتوفر فيها شروط التوبة وهى:

1- نفض يد الإنسان من كل معصية.

2- ندم ملازم كالجرح الدامى الذى يقع فى أدق وأحس أجزاء الجسم.

3- عمل متواصل فى تكتم تام لاسترداد ما فات من الخير.

4- رد الحقوق فى سرعة تفوق سرعة البرق.

وهذا ما أعالجه الآن, وعلى الله قصد السبيل.

وأول الركنين فضل الله تعالى فى كل شئ فى إقالة العثرات ومحو السيئات والعصمة من لزلات والمعونة على فعل الخيرات.

[ ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم]

[ ربنا أتمم لنا نورنا, واغفر لنا , إنك على كل شئ قدير]

38- من عند الله:

لقد بلغ العرب مبلغ الإتقان فى التحدث بلغتهم والتخاطب والتعبير بها عن مشاعرهم وعواطفهم حتى ضرب بذلك المثل.

ولكن مع هذا فقد بهرهم القرآن لكريم – عالجه البلغاء والحكماء والعلماء والفصحاء فلم يجدوا فيه منفذا لغامز ولا مطعنا لطاعن:

[ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه]

[ كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير]

أما كلام العرب فهو مهما كان من البلاغة والرصافة والإتقان فغن من الممكن إيجاد فيه يمكن أن يكتشفه عربى آخر أفصح ممن قاله, مثال ذلك قول القائل:

ألا كل شئ ما خلا الله باطل وكل نهيم لا محالة زائل

بين غاية فى العظم معناه يقطر حلاوة فى تمجيد وتنزيهه ولكنك تجد من يقول له – وهو على حق – إن معنى الشطر الثانى من البيت يخالف الحق لأن نعيم الآخرة لا يزول كذا امثل العربى القائل:" القتل أنفى للقتل" وهو مثل حكيم يدل على رجاحة عقل قائله لأنه إذا قمنا بقتل القاتل خاف لناس أن يقدموا على القتل – ولكن الله تعالى [ ولكم فى القصاص حياة]

يؤدى المعنى بأسلوب أحكم ومعنى أوضح, فالقصاص معناه غير القتل لمطلق, وكلمة الحياة أوقع بكثير من كلمة أنفى.

لم أكتب هذا تزكية للقرآن الكريم فهو بقوة معناه ليس فى حاجة لذلك ولا أكتب هذا انتقصا لفصاحة العرب, فهم لاشك كنوا أفصح أهل الأرض.

ولكن أقوله لأنى تذكرت أنى قرأت لأحد الكتاب أنه كتب يقول" كلما قرأت ما كتبته من مدة وجدت أنه يحتاح إلى صلاح". ولأنى شخصا كلما كتبت موضوعا وقرأته على نفسى بعد فترة وجدت أن بعض الأخطاء فأيقنت عمليا أن كل كلام يحتمل فيه الصدق والكذب إلا الذى جاء من عند الله فكله حق.

[ ومن أصدق من الله قيلا]

ومن اصدق من الله حديث]

39- تذكرة

عدد من الأصدقاء من واجب الوفاء علىّ أن أذكرهم وأن أدعو لهم, وأن أعتبر بسيرتهم وبما اصابهم حتى أكون دائما على بينة من أمرى, وحتى لا تأخذنى غفلة أو أتهم بتقصير فى حق أناس تبادلت معهم الود والمحبة والصداقة والإخلاص ولكل منهم قصة:

1- فالأول " رحمه الله :" كان وحيد والديه وهو ينتقل بين سنى الدراسة فى جد واجتهاد, وفى شباب وفتوة, وديع الأخلاق, مهذب الطباع وإذا به يصاب فجأة بالحمى الشوكية وهو مكان العلم قريبا من مدرسته فلا يلبث أن يقابل ربه, ويترك والديه على أحر من الجمر حزنا على فراقه.

2- وأما الثانى" رحمه الله" فقد فقد والدته صغيرا وتربى فى ظل والده وخالقه, وقد تعثر أثناء الدراسة فأصابه حياء جارف وخجل واضح ومع ذلك كافح كفاحا مرا حتى اجتاز المرحلة التى كان يريد أن يصل إليها بعد جهد كثير. وعين ناظرا لمدرسة ابتدائية وتزوج وأنجب بنتا وولدا وبينما هو فى أسعد أيامه إذا به فى الصباح وهو يغسل وجهه يحس بألم فى إحدى عينيه فيبادر بالذهاب إلى الطبيب ويستمر فى علاج عينيه مدة طويلة تنتهى بعدة عمليات خطيرة يفقد بعدها بصره, ثم يقابل ربه فى أعقاب مرضه.

3- أما الثالث" رحمه الله: فقد تحدثت عنه فى مقال سابق, وقد توفى عقب مرضه الطويل تاركا أطفالا صغارا.

4- وأما الرابع" رحمه الله" فقد بلغ من المجد أرفعه, ومن الصحة اجودها, ومن الإقدام أشرفه, كان مرموقا فى بلده مهابا فى غير بلده, قضى معنا فترة فى السجن, ثم خرج فصام رمضان وفى آخره مرض, وفى شوال توفى تاركا أصدقاءه وزوجه ووالده وأهله.

5- أما الخامس" رحمه الله " فقد كان سخى يبذل فى سبيل الله أكثر مما يبذله غيره مع أنه ليس بأغناهم, له أولاد وزوجة ولكنه أصر على الزواج مرة أخرى ولما أصبح ذا زوجتين قهره عنادهما وأرهقه أمرهما فمرض بعد قليل وترك الجميع.

هؤلاء الخمسة وغيرهم أسأل الله الكريم لى ولهم وللمسلمين أجمعين الغفران والنجاة يوم الحساب ولى فى تذكرهم ما يكفى لأن أزهد الدنيا وأن أتركها وراء ظهرى. وفى سيرتهم عبرة تدعونى بأن أرقب دائما مصيرى, وأن أستعد له فالدوام لله وحده.

[ ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار]

40- هذا من المستحيل:

لم أشاهد فى الدنيا أو أسمع أو أقرأ عن رجل اجتمع له كل شئ. فهذا " مثلا" له أولاد لديه مال, وهذا له مالى وليس له أولاد. وهذا عاقل وليس له عمل, وهذا عامل وليس له عقل,وهذا مسرور من عمله ولكنه متألم فى بيته, وهذا مطمئن فى أسرته ولكنه منغص فى وظيفته, وهذا اجتمع له المال والأولاد والسلطان والصحة والجاه والقوت والنفوذ ولكنه حرم من الإيمان, وهذا مؤمن يفيض توحيدا وشكرا يمشى هونا ويتكلم حياء ويتسامح حلما ولمن القوت عليه عسير والفقر له رفيق.

وأخيرا فالحظوظ مقسمة والأرزاق بنوعيها موزعة وليس لها أن تجتمع كلها عند أحد فى الدنيا. إنما ذلك إن شاء الله فى ألاخرة دار النعيم لكامل.

41- هذا من الحكمة:

لو تتبعت رجلا يطلب الدنيا لرأيته فى غاية التعب يسهر الليل, ويقطع الفيافى والقفاز ويتعرض للأخطار, عرق مستديم وهم غزير غارق فى بحر من المشاكل متورط فى كثير من الأمور يقتله الحرص عليها وربما سكت قلبه من ثقل المشاغل.

ولا يقل عنه أخوة" طالب الآخرة" ولا يزيد فهو متعب الجسم متورم الأقدام كثير الأسفار, مغبر الوجه, أشعث معرض للأخطار فى كل حين يموت غالبا شهيدا.

صحيح لكل منهما وجهه هو موليها, ولكن كلاهما له قسطه الوافر من الألم والمشاغل لذلك كان من العقل والحكمة أن يختار أولوا الألباب الآخرة

ويرفضون حب الدنيا, لأن نعيا يعقبه شقاء لا يساوى تعبا تعقبه شهادة إلا فى أذهان المجانين.

42- ثمرة الكفر:

تقوم بعض الأمم بحرق جثث موتاها, ولا أدرى ما الذى أوحى إليهم بهذه اللعنة لعله الكفر, ولعله الشوق والتلهف على المصير الذى ينتظرهم.

ومن الغريب أن كثيرا من عظمائهم يوصى قبل موتته بحرق جثته كأن هذا سنة طيبة يحبون أن يعلنوها للناس وأن يحرصوا عليها وأن يتمتعون بها فى آخر حياتهم الدنيا.

يقولون إن الإيمان إذا حل بشخص حدثت منه عجائب تدهش العقول كالشجاعة والصراحة والصبر,والتضحية – ولماذا أيضا لا ينافس الإيمان فى إحداث العجائب,وقد كان فأنتج الكفر " حرق جثث الموتى".

وإن حرق الجثث عجيبة العجائب, أو رأس العجائب التى أتى بها الكفر واقترحها الضلال فبدلا من أن ينتظروا بميتهم حتى تتلقفه ملائكة النار ليوسدوه مكانه المنتظر يتعجلون هم بفطرتهم إلى مصيره فيوقدون فيه النار ويقفون حوله حتى تطق رأسه. وصدق الله العظيم[ ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق].

والقبر كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إما روضة من رياض الجنة, وإما حفرة من حفر النار". ولن يكون لهؤلاء الضالين إلا ما اختاروه لأنفسهم من عذاب الحريق فبئس ما يصنعون.

نعم إنه الكفر الذى صور لهم أنهم بحرق الجثة وتحويلها إلى رماد يصعب إعادة خلقها وبعثها من جديد, ذلك هو الضلال البعيد.

43- الرفيق الحبيب:

لا أحب أن يفارقنى الحزن لحظة لأنه فضيلة من الفضائل الغالية. يكسر الكبر, ويهذب النفس, ويحد من الشهوة,ويعلم البكاء والخشية من الله تعالى, ويرقق الوجدان, ويصد المرء عن المعصية وهو سلاح من أسلحة الموحدين وهو مظلة تقى المرء النكبات يكسب الرجل هيبة يزيد المرأة جمالا,ويكسى الفتن قوة, يتفتق فى ظله العقل ويزداد فى رحابه الإيمان ويتسع معه العلم ولذلك كان النبى صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان لثقل الرسالة عليه ولخوفه على نفسه وعلى أمته من الهلكة لو انحرف أو انحرفوا قليلا ولم يتداركوا أنفسهم بالتوبة الصادقة أما الشخص الخالى من الحزن فهو هدف الشيطان, وهدف للشهوة, مغمور دائما فى الغفلة منغمس فى المعصية لا تضلله هيبة ولا يصاحبه عقل, ولا ينتفع بعلم لهذا وجب على كل إنسان يبغى النجاة أن يصحب الحزن معه فى كل مكان وفى كل وقت – إذ نام أخذه بين أحضانه وتغطى بردائه, وإذا قام تتوج به وتزين وتلفع به وتمنطق وقد تتوق النفس اللوامة إلى تنوع الحزن لا زواله, وذلك من باب التجديد لا من باب التبرم.

أما النفس المطمئنة فأى حزن تتنوع أم لم يتنوع تجدد أم لم يتجدد فهو الرفيق الحبيب,والزميل الكريم, لأنه لا غنى لها عنه ولا غنى له عنها فهما مختلطان ممتزجان.

44- الشعرة البيضاء:

يقال إن كان هناك رجل تعود ألا يضحك أبدأ, ولما حضرته الوفاء ضحك ضحكة عالية التفت لها أهل بيته فدخلوا عليه وسألوه عن سبب ضحكه" والموت يقترب منه" بعد ان حرمه على نفسه طوال حياته, فقال " كيف لا أضحك وقد دنى فراق ما كنت أحذره وسرعة ما كنت أرجوه" يقصد أنه كان يحذر الدنيا وفتنتها وقد انتهت وكان يرجو لقاء الله تعالى وقد أتى.

ذكرتنى أول شعرة بيضاء ظهرت فى راسى بجانب أذنى اليمنى بهذا الرجل الكريم الذى كان يشتاق لربه ويتعجل أيامه قبل أن يفتن بالدنيا وما فيها وكان يقاوم الركون إليها والوثوق بها حتى إذا جاءه الموت كأنما انفك من عقاله وخرج من حذره, ورمى بالثقل عن كتفه وأصبح حرا يتمتع بالراحة والإطمئنان وذكرتنى هذه الشعرة البيضاء بكل هذه المعانى الطيبة وأحببت من أعماق قلبى أن تنقاد لى نفسى فتطير شوقا إلى ربها وأن تنتهى تماما من كل شئ ويجعلها متعلقة بهذه الدنيا الغرورة. فالشعر الأبيض " عادة" رسول الموت إلى الناس.

[ الله الذى خلقكم من ضعف ثم من جعل من بعد ضعف قوة, ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة] والرسول الصادق يجب أن يستجاب له, وقد استجبنا والحمد لله.

45- العلم والعمل:

بسم الله الرحمن الرحيم[ وما أوتيتم من العلم إلا قليلا] ولكن هذا القليل بالنسبة لعلم الله تعالى الذى يشير إليه قوله جل جلاله[ ولو أن ما فى الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله].

أما بالنسبة لنا فإن العلوم" التى وهبها الله تعالى لنا والتى تتفتق عنها أذهاننا بهدى الله والتى بين أيدينا من فضله" علوم مترامية الأطراف كثيرة الأنواع كافية بالغرض الذى يوصلنا إلى سعادتى الدنيا والآخرة[ وعلم آدم الأسماء كلها] وليس المهم أن يضاف إلى هذه العلوم زيادات جديدة إنما المهم والذى ينقصنا حقيقة هو العمل بما نعلم من العلوم النافعة.

ويظهر أننا أصبحنا فى وقت لا يمكن للعلم النافع أن يسود فيه إلا إذا وجد من القوة ما يبرزه. ولقد أسندت العلوم الفاسدة والأفكار الخاطئة إلى القوة فذاعت وانتشرت.

لذلك كان لابد للعلم النافع والرأى الصائب من الاستناد إلى القوة حتى ينفذ ويسود وإن الله بالسلطان مالا يزع بالقرآن". وليست القوة مركزة فى قوة السلاح, فهذا ما لا أقصده, فضائل الأخلاق قوة وامتلاك الحيلة النافعة قوة وسداد الرأى قوة وحسن القصد قوة, وغزارة العلم قوة فإذا اجتمعت كل هذه القوى أو بعضها وراء علم نافع نفذ واستفاد منه الناس.

وفى رأس كثير منا علة نافع, وبين يدينا علوم نافعة مسطرة واضحة ولكن أين العمل بها؟ وهاهم الخطباء والحكماء العلماء يذيعون علينا فى كل وقت علوما نافعة.

وهاهى الصحف والمجلات الفاضلة تنشر علينا علوما تقطر حلاوة وتفيض خيرا وبركة.

ولكن معظمها " للأسف" لا يجد من ينفذه حتى ولا من الذين يذيعونه أو يكتبونه إلا من رحم ربك.

46- ورضوا عنه:

إن العرف المصطلح عليه يقرر أن الكبير هو الذى يرضى ويغضب وهو الذى يحسب الحساب لرضاه وغضبه فيقال رضى فلان العظيم, وغضب فلان الكبير لأنه إذا رضى كان لرضاه أثر من الرحمة والحنان والشفقة والعطاء وإذا غضب كان لغضبه أثر من العذاب والحرمان والأذى والأخذ. أما الصغير فلا معنى لرضاه عن الكبير أو غضبه عليه, لأنه لا يملك شيئا ذا أثر يجعل لرضاه أو غضبه قيمة تذكر ولكن هذا العرف يتلاشى وهذا الاصطلاح ينهار إذا دخلنا إلى ساحة الله تعالى وتأدبنا بأدبه الربانى فإنك تجد أن الله " جل وعلا" رؤوف بعابده رحيم بهم يربيهم على طاعته ويتعهدهم بكرمه وفضله فيقول مخاطبا عباده[ من ذا يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له] ويقول [ رضى الله عنهم ورضوا عنه]

فإذا تأدب إنسان بأدب الله – كما كان يفعل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم – وقف ممن هم أصغر منه الموقف الذى وقفه الله تعالى من عباده فأثبت لهم رضاهم عنه بجانب رضاه عليهم وطلب الإفتراض منهم كما يقترضون منه.

وإذا خرج إنسان عن آداب الله تعالى وقف ممن هم أصغر منه غير المؤدب فيجعل حقه أعلى من حقهم ورضاه أإلى من رضاهم وليس بعد الكفر ذنب.

47- يا رب يا كريم:

1- أشاهدت غريقا يصارع الموت والموت يصارعه, وأنت واقف على الشاطئ لا تعرف العوم وليس بجانبك من يعرفه ولا تملك وسيلة ما لإنقاذ الغريق مع أنه وحيدك؟

2- أشدهدت حاملا تضع حملها فى صحراء وليس فيا أحد غيرك وقد برز جنينها من جسمها قليلا منه, وقد تعسر عليك وعليها إتمام الوضع وانقضت فترة تكاد تقضى على الجنين وأمه؟

3- أشاهدت جريحا يعبر شريطا للقطار تعثر فانكفأ فوق الشريط والقطار قادم مسرعا وأنت لا تملك الإقتراب منه لضيق الوقت ولسرعة القطار؟.

4- إن كنت شاهدت ذلك أو يمكنك أن تتصور هذه الحالات على حقيقيتها فهى أشياء تشبه الحقيقة أنا فيها الآن, لا يملك من يرانى أو يتصل بى إلا أن يقول فقط مخاطبا من يملك كل شئ يا رب يا كريم".

48- استحبوا الحياة الدنيا:

يعتبر حب الدنيا – حبا يفوق حب الآخرة – رأس كل خطيئة لنه يملى على صاحبه أن يستسيغ الحرام ويجافى الحلال, ويشرح صدره للكفر, ويهزأ بالدين وأهله, ويتخذ الكافرين أولياء من ون المؤمنين, ويحرم الشورى ويعاقر الخمر, ويصاحب النساء, وينافق فى القول والعمل , ويقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس ويهمل آوامر الله تعالى ويتبع هواه ويفتح أذنه للمدح الكاذب, يغلقها عن آيات الله ويتخذ أعوانه ممن يزينون له الأثم ويطمسون له الفضيلة, ويشجعونه على الظلم والطغيان لهذا كله كان مستحقا لغضب الله وعذابه العظيم.

[ ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ذلك بأنهم استجبوا الحياة الدنيا على الآخرة]

49- من الظلمات إلى النور:

صليت الفجر وفتحت نافذة الحجرة فلم يبد لى شئ من أثاثها أو جدارنها فقد تحولت غلى قطعة من الليل بعد أن أطفأت المصباح.

فعّن لى ألا أنام حتى أرقب نهاية الليل وأن أشاهد طلوع النهار. فجلست أختمك الصلاة فلم يتغير الظلام بسرعة التى كنت أرجوها واشتقت إلى النور وتعجلت طلوع الشمس, ولكن الظلام كما هو قضيت فترة أخرى أستغفر الله فيها, وإذا بالظلام زالت جدته وأخذت أميز الأشياء الشديدة البياض التى معى فى الحجرة ثم أخذت الأشياء الأخرى تتضح أمامى بالتدريج على حسب ألوانها إلى أن ظهرت أغلب الأشياء , وكل فى بطء متسق وفى تدريج رتيب, وفى هدوء متواصل خال من المفاجأة بل تتابع يدل فيه الحاضر على القادم, ويدل السابق على اللاحق حتى دخلت الشمس علىّ من النافذة بعد أن سبقتها شعاعها, وبذلك لم يبق شئ فى الحجرة إلا وقد وضح تمام الوضوح كقرص الشمس.

فأحسست بالبهجة تملأ نفسى والسكينة تغشى قلبى. ثم قفزت خواطرى إلى الظلام الذى نشأنا فيه حين تفتحت أعيينا على انتكاس للفضيلة وانتشار للرذيلة فأخذنا نجاهد مع المجاهدين ليعود للدنيا رشدها وللناس عقلها وللحياة نورها حتى وصلنا إلى فجر ليل كان دامسا وأخذنا الآن نرقب النهار بصبر فارغ وشوق زائد.

وها هو يقترب فى تناسق بديع وتتابع جميل [ صنع الله الذى أتقن كل شئ إنه خبير بما تفعلون] ويقول المتعجلون متى هو؟

قل عسى أن يكون قريبا.

50- يوجر رغم أنفه:

الخلوة هى أن يخلو بنفسه فيحاسبها وبقلبه فيفتش جوانبه وبصدره فيبحث حناياه وأركانه وبأعماله فيزنها وبمشروعاته فينقيها وبآماله فيدرسها وبعقيدته فيجلوها وبعبادته فينقيها, وبمعلوماته فيرتبها وبذنوبه فيتوب منها.

الخلوة محطة للنظافة من العيوب وللمتلاء من الخير وهى نقطة ارتكاز يقفز منها المرء إلى غرضه الأسمى ومثله العليا.

ولقد كان النبى صلى الله عليه وسلم بنفسه فى غار حراء قبل البعثة, وكان يكرر هذه الخلوة كل سنة فى العشر الأواخر من رمضان.

وطلبها سيدنا يوسف عليه السلام فخلا بنفسه فى السجن بضع سنين وهكذا كل نبى وكل رسول عليهم السلام, وكذا كل صاحب رسالة , فهى ضرورة من ضروريات تهذيب النفس وارتقائها.

والإنسان قبل الخلوة غارق فى المشاكل عاجز عن العمل ضعيف الذاكرة ضيق الصدر كثير العثرات وهو بعدها ماض العزيمة قوى على العمل ذكى الفؤاد منشرح الصدر ثابت الخطوات.

والمؤمن إن لم يخل مختارا بنفسه جاءت له الخلوة من قبل الله تعالى قهرا عنه لينال بركاتها ويحظى بخيراتها ويتمتع بفضائلها. وقد قيل يؤجر المرء رغم أنفه .

51- لا حول ولا قوة:

لا تكون البشرى بشرى إلا إذا جاءت بما لم يكن فى الحسبان تأمل سيدى:

1- قولهم لسيدنا يعقوب [ إنك لفى ضلالك القديم] [ ولما فصلت العير قال أبوهم إنى لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون, قالوا تالله إنك لفى ضلالك القديم, فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا].

2- [ يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا قال رب أنى يكون لى غلام وكانت امرأتى عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا].

3- [ وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب, قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز, وهذا بعلى شيخا إن هذا لشئ عجيب].

4- [ وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه"بغية الماء ففوجئ بالغلام" قال: يا بشرى هذا غلام].

5- [ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجرى من تحتها الإنهار كلما رزقوا من ثمرة رزقا قالوا: هذا الذى رزقنا من قبل "أى عجبوا لما وجدوا"]

لهذا إذا صادف الإنسان شيئا من الخير كان مترقبا له أن يحصل سرت به النفس ولم تفعل معه, ولم تدش له ولا يمكن أن يقال عن هذا الشئ إنه بشرى.

إنما البشرى شئ يملك على الإنسان حسه يقلب الحزن سرورا, والفقر غنى واليأس أملا والضعف قوة. إن البشرى " هدية الله للناس" من غير حول لهم ولا قوة, لأنها فوق قوة البشر – فاللهم بشراك. 52- الطاعة والمعصية:

لكل إنسان مقاييس يقيس بها أموره ويبنى عليها آراه وأفكاره ويدبر بها معتقداته ومقدساته. فمن الناس من ينسب تقدم ابنه " مثلا" فى المدرسة إلى اجتهاده أو إلى يقظة معلميه أو إلى فطنة فيه. ومن الناس من ينسبون التقدم فى العلم إلى الطاعة والمعصية " وقد يكون هذا قياس غريب على كثير من الناس" ولكن الشافعى رضى الله عنه يوضح ذلك فيقول:

شكوت إلى وقيع سوء حفظى

فأرشدنى إلى ترك المعاصى

وأخبرنى بأن العلم نور

ونور الله لا يهدى لعاصى

تأمل معى - سيدى – لهذا الفهم اطيف.

ويزيد هذا المعنى رسوخا أن سيدنا عمر رضى الله عنه وهو على المنبر يخطب الناس وليس معه مكبرا للصوت ولا مسرة يتكلم فيها, ولا منظارا مكبرا ينظر قيه ليس معه شئ من هذا, إلا أنه يحيا فى طاعة الله تعالى فيرى بها على بعد آلاف الأميال سارية قائد جيوشه يكاد العدو يحيط به فيناديه عمر المطيع لربه:" يا سارية الجبل" فيسمعه سارية الطائع أيضا لربه, فيرقى الجبل مع جيشه ويفلت من العدو.

ويؤكد هذا وجود الطعام عند مريم الطاهرة[ كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا, قال يا مريم أنى لك هذا, قالت : هو من عند الله].

وأيضا قال الذى عنده علم من الكتاب لسيدنا سليمان[ أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك] وفعلا خلع عرش بلقيس من مكانه البعيد وأحضره أمام سيدنا سليمان. والأمثلة كثيرة.

إن مقياس الأمور عند هؤلاء الأمجاد هى طاعة الله تعالى أو معصيته فالطاعة نجاح وفوز وقوة ونصر وشبع ورىّ. والمعصية سقوط ةخسارة وضعف وهزيمة وجوع وعطش. أما الكثير من الناس فعكس ذلك لا يلقون بالا لمعصية أو طاعة فيشربون الخمر مثلا فى ميدان القتال, ويرفهون عن أنفسهم بمعاشرة الأجنبيات فى خطوط الدفاع ويبغون مع ذلك النصر والفلاح معتمدين على وفرة أسلحتهم وكثيرة عددهم.

هيهات هيهات فدعائم تالنصر مرسومة[ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة

1- فاثبتوا

2- واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون

3- وأطيعوا الله ورسوله

4- ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم

5- واصبروا إن الله مع الصابرين

6- ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله – والله بما يعملون محيط].

53- غير معصوم:

تآخا اثنان فى الله وسافر أحدهما وعهد للآخر برعاية شئونه وشئون أولاده, وطال غيابه, ولما حضر لم يجد أخاه الذى عهد إليه برعاية شئونه " فى استقباله" فسأل عنه فقال له أحد أولاده لقد أخطأ معنا فأفهمناه خطأه ومن يومها لم يشاهد فى القرية فلعله مشى فى الجبال. فلما انتهت أيام الإستقبال والترحيب ركب ناقته وسار بها بين الجبال المحيطة بهم يبحث عن أخيه حتى وجده أشعث ممزق الثياب تفطره قدماه, نائما فى ظل صخرة عاتية فأيقظه من نومه وأخذ يتحدث معه فى لطف زائد وأدب كريم, وود صادق – ثم دعاه للرجوع معه إلى القرية فقال أخوه فى دهشة هل تعلم ما صدر منى من الخطأ فى حق أولادك ؟

قال : نعم

قال أخوه: وكيف تقبل استمرار الإخوة بعد ما أخطأت فى حقك؟

قال: لأننى يوم آخيتك, آخيتك على أنك أخ غير معصوم من الخطأ.

فقاما من فورهما إلى قريتهما, وهذا نادم على ما فرط منه , وهذا غافر لأخيه زلته, واستمر فى ودهما وتعاونهما إلى أن لقيا الله الكريم.

هذه حادثة صادقة انتفع بها أخ عاقل فكانت سببا فى كثرة إخوانه وبلوغ مراده ولعلها ستكون عاملا مهما فى كثرة ثوابه إن شاء الله.

54- انتفع بتجارب الآباء:

جلس الرجل مع ابنه الشاب يتحدثان, فقال الرجل إن صديقك يا بنى الذى يلازمك أراه رغم غناه وفتوته وجمال بدنه واتساع مسكنه لا يصلح أن يكون صديقا.

فثار الشاب وغضب وعاب أيضا صديق والده العجوز الذى يأتيه منحنى الظهر ضعيف البصر ورث الهيئة. فقال والده فى هدوء فلنجرب الاثنين:

صديقى وصديقك, صديقى العجوز الضعيف, وصديقك الوجيه الشاب, قم واطلب من صديقك ألف جنيه مدعيا أننا فى حاجة طارئة إليها والأمر لا يحتمل التأخير ساعات.

ففرح الشاب بهذه التجربة وقام إلى صديقه وكله ثقة فى إجابة طلبه لأن المال عند صديقه الشاب لا يعد والخير لا يحد ولكنه صدم صدمة قوية حين تململ صديقه من الطلب ومن المروءة هرب. ولما حضر الأبن بخفى حنين وجهه أبوه إلى صديقه العجوز فما أن أفصح له عن طلبه حتى قام إلى صندوق ماله فأفرغه فى حجره وسار معه إلى والده ليطمئن بنفسه عن خبره.

فلما رجع الابن إلى والده بالمال وعدّه فوجده أكثر من المطلوب, نظرا إلى بعضهما نظرة لها معان والعجوز واقف فالتفت إليه الشاب يقبل يده لأول مرة ويقول له سأنتفع من ألان بتجارب والدى وأنت منالآن صديقى كما أنت صديق أبى.

55- ذلك الفضل من الله:

لقد وضح أمام الإنسان طريق الخير وطريق الشر[ وهديناه النجدين] [ ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها ] وعلى هذا يترتب الجزاء والعقاب فى الآخرة [ فمن يعمل مثقال ذرو خيرا يره, ومن يعمل مثقال ذرة شرا يرهٍ] [ ولا يظلم ربك أحدا] [ وما ربك بظلام للعبيد].

وغاية الأمر أن الإنسان حينما يتجه برغبته إلى الخير – بعد أن يسمع كلام الله – يأخذ الله تعالى بيده, وحينما يتجه برغبته نحو الشر – بعد أن يسمع كلام الله – يتركه ربه ورغبته.

[ من كان يريد حرث الآخرة نزد له فى حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته وما له فى الآخرة من نصيب].

من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون, أولئك الذين ليس لهم فى الآخرة إلا النار].

[فمن الناس من يقول ربنا آتنا فى الدنيا وما له فى الاخرة من خلاق].

[ منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة]

[ من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد, ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا, ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا, كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا].

ومع ذلك فإن المرء منا بعد هذه الإرادة نحو الخير – التى سيحاسب عليها – أحوج ما يكون إلى فضل الله تعالى ومعونته ليبلغ غايته وبغير فضل الله تعالى لا يبلغ إلى شئ

[ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحدا أبدا ولكن الله يزكى من يشاء].

56- مسك الختام:

العبرة دائما الختام:

انظر إلى كل عمل مبرور تجد آخره دائما مسكا, فالصدقة آخرها محبة بين الغنى والفقر. وإرادة الصلح آخرها توفيق[ إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما]. والصلاة الصحيحة آخرها نهى عن الفحشاء والمنر. والحج المبرور آخره مغفرة ومنافع. والحسنة المقبولة آخرها عشر أمثالها وزيادة والتى هى أحسن آخرها حظ عظيم. والجهاد الصادق آخره نصر أو شهادة والحياة العامرة بالإيمان والعمل الصالح آخرها الجنة. والمحنة آخرها منحة والرسل آخرهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فهو مسك الختام. 57- ومن يؤت الحكمة:

من ألأمثلة الحكمة:

من الأمثلة العامية " من سره مطواته أتلف عصاته". فاستعمال القوة دائما دون العقل دليل السفه. فليست القوة وحدها بقادرة على حل المشاكل ولكن لو تضامن العقل مع القوة لأنتجا خير الحلول وأنضج الثمرات ولو وجد العقل وحده لبحث عن القوة التى توصله إلى سعادته بل سعادة غيره أيضا, ولو وجدت القوة وحدها ما انتهت إلا إلى شر يستطير والخلاصة:

إذا تساوى عقل الإنسان مع قوته بلغ بتضامنهما مقصده.

وإذا زاد عقل الإنسان على قوته ستر عقله ما نقص من قوته

وإذا زادت قوة الإنسان على عقله قادته لهلكته.

[ يؤتى الحكمة من يشاء, ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب].

فالعقل أفضل ما وهب الله تعالى للإنسان, به تلتئم الجراح وتزول الأحقاد يتسع العمران.

58- إلى أين يسير:

كما أن الله سبحانه وتعالى إله واحد – كذلك لا يوجد فى مخلوقاته – لو تأملنا – التى خلقها على كثرتها وتنوعيها شئ يتكرر أبدا.

فهذا الرجل غير هذا الرجل, وهذا الجبل غير هذا الجبل. وهذه السنبلة من القمح " مثلا" غير هذه السنبلة. وهذه الحبة غير هذه الحبة, ولن تؤدى حبى وظيفة حبة أخرى.

حتى هذه الذرة من الرمال غير هذه الذرة ولن تؤدى ذرة عمل ذرة أخرى.

فكل شئ صغر أم كبر دق أم عظم شئ آخر غير الأشياء [ وكل شئ عنده بمقدار].

ويوضح هذا المعنى حديث النبى صلى الله عليه وسلم حيث يقول:

" ينادى مناد كل يوم يا بن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فتزود منى فإنى لا أعود إلى يوم القيامة". فرغم أن الأيام كثيرة كالرمال إلا أن كل يوم خلق جديد قائم بنفسه له وظيفة ينفرد بها دون سائر الأيام وقد جرت على ذلك سنة الله تعالى فى كل شئ [ ولن تجد لسنة الله تبديلا].

فالدنيا فى مجموعها مرة واحدة لا تكرر والموت واحد لا يتكرر مع مخلوق واحد أبدا إلا بإذن الله الذين قال الله لهم موتوا ثم أحياهم وكالذى أماته الله مائة عام ثم بعثه والحساب واحد ولن يكون هناك دور ثان أو ملحق.

وسيقول الكافرون وهم فى النار:

[ ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذى كنا نعمل] فلا يستجاب لهم ويقولون: [ يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين]

ولكن هيهات.

وما دام الأمر لا يتكرر وليس هناك فرصة أخرى غير فرصة الحياة فى تقرير مصير كل شخص فالأمر جد خطير لا يوجد أخطر منه.

ومن الواجب أن تكون هذه المسألة هى شغل المرء الشاغل فلا يشغل نفسه بعمل ولا يقوم بأى جهد كان يعرف غلى أين يسير.

59 نسيان الماضى:

قد يكون فضيلة من أجل الفضائل, وقد يكون رذيلة من أسوأ الرذائل فهو فضيلة كريمة وعمل مبرور, وخصلة حميدة حينما ينسى المرء تماما أخطأء الذين آذوه,ويفتح معهم صفحة جديدة من الود والمحبة وكأن الذى كان ما كان وقد سجل النبى صلى الله عليه وسلم هذا الخلق الكريم مع أهل مكة آذوه وأخرجوه وقتلوا أصحابه وأرادوا قتله وعاندوه ومن معه عنادا شديدا. فلما اسلموا يوم فتح مكة قال ما تظنون أنى فاعل بكم, قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم قال: اذهبوا أنتم الطلقاء.

ومع هذا فقد يكون نسيان الماضى خصلة مذمومة وعمل قبيح ورأى سفيه حينما ينسى المرء فى غناه وجاهه وصحته وأمته من أعانه وقت الشدة ومن آواه وقت الخوف,ومن خدمه وقت المرض ومن سانده وقت الضعف.

وإن أسوأ النسيان الشدائد التى مرت بالمرء ونسيان اللجوء ساعتها غلى الله تعالى والتضرع إليه [ فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون]

[فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هى فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون].

60- أخير الناس الآن:

لقد جلست ليالى متعددة بل شهورا عديدة أرقبهم من بعيد وهم ينتشرون كل صباح فىالأرض يبغون الحصول على القوت ينالونه من الطريق الحلال بعرق جبينهم مهتدين بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى معناه" إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها إلا السعى على المعاش" فإذا جاء الليل اجتمعوا عند أوسعهم دارا ورزقا يتسامرون حتى ينتهى جزء من الليل طال أو قصر ثم يتفرقون إلى بيوتهم وفى أثناء سمرهم هذا يحلون مشاكلهم ومشاكل غيرهم وهذه المشاكل غالبا ما تدور حول معاشهم وأرزاقهم.

وإن أحببت أن تعرف منزلة هؤلاء فى بلدهم فاعلم أنهم خير الناس. أما غيرهم فهم يعيشون عيشة المعصية المحضة أو عيشة أغلبها معصية, ودهنا من هؤلا ,ولنرجع إلى خير الناس فرسالتهم هذه- مع نقاوتها فهى قاصرة على نوع واحد من العبادة وهو السعى على الرزق وهو شئ دعا إليه الإسلام.

أما الإسلام مكتملا فهو ما يأتى:

1- أن يكون المرء مسلما حقا.

2- أن تكون أسرته مسلمة.

3- أن يكون مجتمعه مسلما.

4- أن يكون العالم كله مسلما.

[ حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله]

والمسلم مسلم على قدر ما أقام شيئا من هذه الأمور الأربعة. فإن أقامها كلها فهو مسلم كامل. وعلى هذا فهؤلاء الذين هم خير الناس مسلمون على قدر ما أقاموا من الإسلام وهو فليل جدا بالنسبة لما هو مطلوب.

فاعرفوا منزلتكم من دينكم أيها الأخيار فالأمل معقود عليكم أولا والله المستعان.

61- فمن هى:

جميلة جدا, ورقيقة., ودقيقة لا يمكنك أن تستغنى عن رؤيتها إلا إذا كنت ضعيف البصر, شحيح اليدز إذا بسطتها غطت أرض الحجرة وغذا طويتها دخلت فى جيبك بسهولة. وجهها دائما يلمع, وظهرها أسطه وجوفها اوضح, تتزين لك فى الصباح, ينتهى أمرها معك فى المساء, ولكن لا يكاد يمر الليل حتى تصبح عروسا جديدا, تسألك دائما أن تغير رأيك وأن تضع يدك فى يدها ولا يسع المرء إلا أن يصدقها ويصادقها حلوة ولكنها غالبا عاهرة. جميلة ولكنها فى أكثر الأحيان فاضلة.

تخاف ولا تختفى , وتقول ولا تستحى

ما أجلها لو قالت الحق دائما, وسارت أوقاتها كلها متوضأة.

لكانت كأنها قرآن يتلى, أو حديث شريف يحكى... فمن هى؟

62- كلها وتر:

أمرنا رسول الله صلى الله عليهوسلم أن نتلمس ليلة القدر فى الوتر من العشر الأواخر من رمضان أى أيام واحد وعشرين وثلاثة وخمسة وسبعة وتسعة وعشرين.

وفى هذا العام اختلفت الدول الإسلامية فى تحديد أول رمضان, فبعضهم أثبت أنه يوم السبت, وبعضهم أثبت أنه الأحد, مع أنهم فى منطقة واحدة.

وعلى هذا فقد أصبحت ليالى الوتر فى العشر الأواخر من رمضان فى هذه الدولة خلاف ليالى الوتر فى هذه الدولة او أقل على الأصح أصبح العشر الأواخر من رمضان كلها وتر إذا صدقنا الطرفين.

ويظهر أن الله تعالى قد عوضنا هذا الخير فى آخر رمضان لنجبر حزننا لهم حين اختلفوا فى أوله.

63- كرهوا وأحبوا:

لم أعجب حين رأيتهم يكرهون لقائى ويفرون منى لأنى رأيتهم قبل ذلك يتزاحمون على لقائى فى لهفة وسرور. ومن ذاق حلو شئ لابد أن يذوق مره.

ولكنى – والحمد لله – أجد لبعدهم حلاوة كما كنت أجدها لقربهم ففى بعدهم آنس بربى وفى قربهم آنس بعباد ربى.

64- بطل زائف:

يجلس كل ليلة يقص على زوجته أخبار بطولته وأعمال فروسيته وهى مصغية له مكبرة لرجولته التى يدعيها حتى ذبلت ذبولا تاما خوفا منه وفرقا فكلما ناداها لبت, وكلما نظر إليها ارتجفت لأنه الفارس المقدام كما يقول.

وأخيرا هداها الله لأن تخرج وراءه فى يوم من الأيام وقد تخفت بلباس غير لباسها, وغطت وجهها حتى لا يعرفها, وسارت على مقربة منه حتى دخل السوق وهو يحمل سيفه وفتل شاربه فمر برجل ضعيف قد مد رجليه للشمس يطلب الدفء لهما, فعثر فيهما فارسنا فانكفأ فتحامل الرجل الضعيف على نفسه وقام غاضبا وأخذ يكيل للفارس بيديه, ورجليه حتى أشبعه ضربا ولكماو وأخيرا فلت الفارس من يديه وابتعد عنه ولما عرف أنه لا يسمعه دعا عليه بألفاظ هزيلة وصوت خافت.

فلما رأت زوجته ذلك أسرعت إلى البيت قبله وجلست تنتظر فارسها ولكن فى غغير اكتراث ولا وجل حتى جاء وقدمت له الطعام فأخذ يقص عليها ما كان يقصه من بطولة فادرات هى الكلام وذكرته بحادث اليوم وأنها شاهدته مختفية وأنه للأسف ليس بطلا ولا شجاعا ولم يستح أيضا ورد عليها ألم يكفينا بطولة أننى دعوت عليه. فقالت فى سخرية" يكفينا".

65- انتهوا خيرا لكم:

إذا وضع شئ من التراب على اللبن الصافى. تغير لونه حسب الكمية التى وضعت فإن كان التراب الذى وضع على اللبن قليلا تغير اللبن قليلا وإن كان التراب الذى وضع كثير تغير اللبن كثيرا.

ويلاحظ أن التراب أقل أو كثر مفسد للبن ويجعله إذا اختلط به غير صالح للشرب.

واللبن الصافى هنا كالعمل الصالح تماما إذا قام به المرء وقصد وهو يقيمه إرضاء مخلوق مع الله, فقد أدخل على العمل ما يفسده حتى ولو كان نصيب. المخلوق من الإرضاء الشئ اليسير.

لأن الله تعالى لا يقبل أبدا الشركة فى القصد, فإذا رأى أن العمل ليس له وحده رده على صاحبه وقد قرر الله لنا ذلك وانتهى فقال:

[ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحد] فانتهوا عن الشرك خيرا لكم. 66- المقدمات والنتائج:

البعرة كما يقولون تدل على البعير, والأثر يدل على المسير.

ولهذا يمكن للإنسان البصير أن يعرف النتائج التى سيصل إليها مع عدوه أو صديقه.فإن كان عدوك يتمسك بالحق ويتكلم بالصدق ويهدف إلى الخير وأنت زاهد فى ذلك فاعلم أنه منتصر عليك لا محالة.

وإن كان عدوك لا يتمسك بحق ولا يقول بصدق, ولا يهدف إلا إلى الشر وأنت لا تقرب ذلك فاعلم أنك منتصر عليه.

وإن كان صديقك مؤمن بالخير يفعله وينادى به وأنت على شاكلته فصداقتكما مستمرة بإذن الله.

وإن كان صديقك مؤمن بالشر يأتيه ويشير به وأنت على عكسه فصداقتكما لابد أن تنقطع.

وما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل... بهذه الحقائق يمكنك أن تحدد الهدف وتصل بفراستك إلى ما تتوقع من نتائج إلا إذا قصرت إحاطتك للأمور فلم تتمكن من فهمها كلها حنيئذ فقط تجئ النتائج على غير ما تنتظر.

وسبحان من له الإحاطة ويعلم السر وأخفى.

67- لقد طفح الكيل:

أتى أحد الأشخاص خطأ بسيطا جدا فى حق صديق لى – فما كان من هذا الصديق إلا أنه رتب على هذا الخطأ البسيط نتائج خطيرة وقلب الأمور رأسا على عقب مع هذا الشخص.

فذهبت إلى صديقى لأعاتبه على ما فعل مبديا له أنه كان لا يجمل به أن يفعل كل هذا نتيجة لهذا الخطأ البسيط.

فقال فى هدوء إن الناس يعتقدون أنى فعلت ما فعلت نتيجة لهذا الخطأ البسيط ولكن الحقيقة أن هذا الخطأ الذى حصل من هذا الشخص وحصل منى ما حصل عقب حدوثه لم يكن إلا علامة على أن الكيل قد طفح فقد سبقه أخطاء وأخطاء شنيعة كلأت الكيل إلا قليلا فجاء الخطأ الأخير البسيط فطفح الكيل فاضطررت لاتخاذ ما اتخذت من الإجراءات لأن الكيل طفح لا لهذا الخطأ الأخير وحده وقد أصبح الأمر لا يحتمل السكوت عليه, ثم أخذ يدلل على قوله حتى خرجت من عنده وأنا موقن أنه لم يفعل إلا الخير وصدق الله العظيم.

[ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على فعلتم نادمين].

68- الثقة والشك:

الثقة والشك فى الناس نعمتان كبيرتان آثارهما عميقة ونتائجهما خطيرة.

ففوائد الثقة أنها تريح القلب وتملأ النفس اطمئنانا وراحة, وتجمع القوى المتفرقة. وفوائد الشك أنه يضمن البعد عن الزلل ويجعل المرء يفلت ما نصبر له من شباك وهو صمام الأمان, ودليل العقل الحذر المجرب.

وأضرار الثقة أنها قد ترمى المرء فى أحضان الثعبان, وقد تسلم الإنسان إلى الأعداء وقد تقضى على مل يملك من نعمة وشرف.

وأضرار الشك أشد وأنكى فقد تضيع على المرء الفرص, وقد تجعل الإنسان مذموما من العقلاء وقد تذهب بقوته وحياته, وهى التى تفرق القوى المجتمعة. وجملة القول أن الثقة والشك نعمتان تشبهان الحب والبغض تماما.

ولابد لكل امرئ أن يستعملها عند الحاجة وخاصة من يعالج الأمور الهامة والمسائل الخطيرة.

أما ميزاتهما وكيفية استعمالهما فى وجههما الصالح فذلك هو العون من الله تعالى والتوفيق منه, فهو وحده الذى يهب الفراسة الصادقة فيثق الإنسان ويشك فى حكمه وبصيرة – ذلك الفضل من الله.

69- الحق والباطل:

الحق والباطل لا تخلو منهما الدنيا أبدأ إلا أنه قد ينتشر أحدهما فينكمش لذلك الآخر, وقد يتعادلان,ونحن الآن فى زمن ينتشر فيه الباطل بدرجة مريعة وينكمش فيه الحق بدرجة محزنة, فلا نكاد تراه إلا بريقا ولا تجده إلا نادرا ولا تلمسه إلا مصادفة, ولا تسمع عنه إلا فى الكتب. أما الباطل فهو يطالعك فى كل مكان ويجرى على كل لسان, ويتخلل كل عمل ويسير فى كل طريق ويلازم كل بيت , وليس أدل على ذلك من أن رؤساء الدنيا رؤساء الضلال منذ زمن طويل.

وهم الآن يسمون " بولجانين وإيدن وإيزنهاور و.....".

وقد كانوا قبل ذلك يسمون " ستالين وتشرسل وروزفلت.."

ولا أدرى ماذا يسمون غدا.

وكيف تستقيم الدنيا ويترعرع فيها الحق مع أناس ينكرون ربهم أو يتخذون له ولدا أو يقولون عنه أنه ثالث ثلاثة فهم جميعا مقطوعون عن مدد السماء.

والحق المنكمش لو أردت التعرف عليه فلا تتلمسه تحت القبب العالية ولا داخل الملابس الغالية, ولا فى فناء الدور الواسعة, ولا فى صدور الأجسام الفارعة, ولكنه قد يكون منكمشا فى منزل صغير وتحت جلباب بسيط وفى صدر جسم ضئيل, وعلى لسان رجل قصير, وفى قلب امرأة هزيلة, لأنه خال الآن من السلطان, عار من الجاه,ولكن ليس ببعيد أن يصبح إماما وأن يرث من الباطل دياره وأمواله وسلطانه وجاهه لأن الله تعالى يقول قوله الصدق:" [وتلك الأيام نداولها بين الناس].

وما يدريك لعل رجال الحق قد خلقوا, وآن أوانهم وقرب ظهورهم فلا تيأس فما اشتد كرب إلا وهان, ولا ارتفعت نار, إلا وباتت رماد

70- بلاء حسن:

العبرة دائما بالنتائج لا بالمقدمات فكثيرا ما تبدأ الأمور فى سرور وارتياح وتنتهى بحزن وأفراح والعكس بالعكس,وربما ترى عقب العرق والغبار نظافة, وبعد الجهد والكدر راحة, وبعد السجن حرية, وبعد الاضطهاد والتشريد تمكين وتسويد.

ومن الأمثلة فى الأمور الهامة قصة بدر الكبرى التى ابتدأت:

1- بأن المؤمنين أذلة

2- وبأن فريقا من المؤمنين لها كارهون.

4- وقد ذهبوا للمعركة كأنما يساقون غلى الموت.

5- ولا يودون ذات الشوكة

6- يجأرون بالاستغاثة

7- ويغشاهم النعاس.

8- وينزل عليهم المطر.

9- ويزحف عليهم العدو – ولكن النتيجة بعد ذلك النصر المبين فيقتلون من أعدائهم سبعين ويأسرون مثلهم ويهتف بهم ربهم " جل وعلا" فيقول [ وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا].


71- أسوة حسنة:

من الطبائع البشرية الشاردة أنك إذا نصحت إنسانا بالابتعاد عن شئ لأنه شر أو الاقتراب من شئ لأنه خير, لم يصدقك فورا حتى يجرب ذلك بنفسه وقد يستوى فى ذلك الشيخ الكبير والطفل الصغير.

فمثلا إذا قلت لطفلك ابتعد عن النار لأنها تحرق قد لا يصدقك حتى يقرب أصبعه منها فتكويه ويتلوى ويصرخ ثم يصدق, هذا طبع شارد فى الإنسان يفرض عليه أن يتذوق الحياة كلها مرها وخلوها حتى يصل إلى معرفة أسرارها بنفسه – ومن الجهد الضائع أنه قد يصل إلى تفهم الحياة وهو شيخ محطم فلا يكاد يبدأ الانتفاع بها حتى يلحقه الفناء, وقد لا يصل...

وجميل جدا لة أقلع الإنسان عن هذا الطبع الملتوى واستمع إلى الناصح المين من الذين جربوا الحياة وذاقوا طعومها وفهموا مساريبها وطرقاتها إذا لاختصر الطريق إلى المجد وحصل على الكثير من الخير فى القليل من الوقت ولأمر ما قال الله تعالى [ لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألباب].

وقال جل جلاله"[ لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسن لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا].

72 – عناية الله:

إن حالى يشبه إلى حد كبير إنسان يسير معصوب العينين بين نخل كثير وآبار عميقة يخشى دائما أن يصطدم بنخلة أو يسقط فى بئر.

ولقد مرت بى الأيام والشهور وأنا على هذا الحال لا تمر بى ساعات قليلة حتى تكون قدمى على حافة بئر من الآبار أو تكون جبهتى على بعد مليمتر من نخلة من النخيل.

وفى كل مرة أعان من حيث لا أحتسب " من عند الله تعالى" وقد تربى عندى من تكرار ذلك ملكتان:

1- ملكة إرهاف الحس ويقظة الشعور حتى أمسيت أنام سنة سنة وأصبح مفتح الآذان والعيون لكل صوت ولكل شبح حتى ولو كانت لطير أو حيوان فضلا عن إنسان.

2- وملكة التوكل الكامل على ربى " جل وعلا الذى أرانى بصفى عملية الطاقة السابقة وكرمه العميم.

حتى امتلأ قلبى وتحرك لسانى بقوله الكريم[ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون].

وقول القائل:

وإذا العناية لاحظتك عيونها

سر فالمخاوف كلهن أمان

73- دعانى داع:

دعانى وأمى الشفوقة تنادينى

دعانى والعدو على مقربة منى

دعانى وأنا أدير متجرى وأحرث حقلى

دعانى وأنا فى ديوانى وأصرف أمورى

دعانى والمدرسون حولى أرتب لهم جداولهم فى الفصول.

دعانى وأنا مضجع على سريرى عصرا.

دعانى وأنا راكب دابتى فى سفرى.

دعانى وأنا أجمع الثماروأعقد الصفقات التجارية

دعانى وأنا نائم وقت السحر, ودعانى وأنا مريض

دعانى وكرر الدهاء كل يوم خمس مرات.

دعانى فقلت: هل أترك كل هذا وأجيبك أولا؟

قال: نعم.

قلت: هل تدعونى إلى شئ أفضل مما أنا فيه؟

قال: نعم وأردف قائلا فالصلاة موضوع وضع.

قلت وراء ذلك ربح؟

قال: وأى ربح... ألم تعلم أن [ ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين].

قلت: أعلم وسأجيبك إلى ما تدعو إن شاء الله تعالى.

قال: وليكن دستورك" ألا يقوم شئ والصلاة قائمة"

قلت : سمعا وطاعة, فتركنى إلى غيرى وهو يقول أفلح إن صدق.

74- الإسلام كل لا يتجزأ:

يريدون محاكمة الشيخ عبد الحميد بخيت المدرس فى كلية أصول الدين ل،ه أصدر مقالا فى رمضان جاء فيه: " ومن هنا رخص الله الإفطار لمن يؤذيهم الصوم ولو قليلا من الأذى".

ولا اعتراض عندى على محاكمته حتى يتبين للناس وجه الحق, وإنما الذى يذهلنى ويدهشنى أن يقف الأمر محاكمة شخص واحد فى مسألة واحدة وربما لا يحاكم, وقد أصبح معظم الناس وقد أحلوا الحرام وحرموا الحلال وفتنوا المؤمنين والمؤمنات ولم يعترض عليهم معترض, ولم يناقشهم أحد إلا من فوق المنابر المنزوية وعلى صفحات الجرائد البائرة أما أن يقفوا أمام قاض يسألهم هما أحلوا وعما حرموا فلا...

ولعل الخير يقدم فيواصل سعيه" كم دعا لمحاكمة الشيخ عبد الحميد بخيت" حتى لا يتعدى متعد حدود الله تعالى. فإن الإسلام كل لا يتجزأ ولا يغنى بعضه عن كله, ولا يفنى بعضه عن بعض. والله المستعان.

75- أى حياة تعيش؟

هذه صفات المؤمنين:

1-[ إنما المؤمنين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم.

2-وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا

3-وعلى ربهم يتوكلون

4-والذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا]

وهذه صفات الكافرين:

1- [إن الذين يكفرون بالله ورسوله.

2- ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله

3- ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض.

4- ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا.

5- أولئك هم الكافرون حقا]

فالحب والإيمان والتوكل والعمل هى دعائم الإيمان. والجحود والكفر والغرور والشهوة هى دعائم الكفر. فأى حياة تعيش؟ عيشة المؤمنين؟ أم عيشة الكافرين؟ فالصفات واضحة والسؤال صريح, والإجابة لا مفر منها.

فإنه سؤالك وأنت داخل القبر.

76- طعم الإيمان:

لا يعرف الشوق إلا من يكابده

ولا الصبابة إلا من يعانيها

فإذا قلت لشخص لم يأكل التفاح" مثلا" إنه لذيذ الطعم, حلو المذاق, عجز عن أن يدرك حقيقة ما تقول حتى تناوله تفاحة فيمضغها.

أما إذا بقى يسمع أن التفاح لذيذ وحلو, فقد يظن طعمه كالبلح أو كالبرتقال حتى يتذوقه بنفسه فيتعرف على حقيقته.

والمرء منا يسمع عن الصديق الوفى وعن المرأة الصالحة, وعن الأبن البار, ومقدار أثر هؤلاء فى هناءته فلا يدرك الحقيقة الحلوة من ذلك الصديق أو تلك المرأة أو هذا الابن حتى يحصل عليهم.

وقياسا على هذا الناس أن للإيمان حلاوة تسهل الصعب وتواجه الشدائد, وتثلج الصدر, وتصنع العجائب, وتنير الطريق,وتمهد السبيل فلا ينتفع بهذا إلا من يؤمن بصدق.

ويسمعون أيضا أن من كان الله معه فلا خوف عليه, ومن كان الله ناصره فلا هازم له, ومن الله ساتره فلا فاضح له, يسمع الناس كلهم هذا ولمن لا يحس إلا بالرضوان...ذاق طعم الإيمان من رضى بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا.

77- يحكى أن:

يحكى أن رجلا أعطاه الله شجرة ضخمة باسقة, وبقرة كبيرة حلوبا وعصاه قوية طويلة وسيفا لامعا يضوى. ففرح بالعطاء أشد الفرح وأخذ يختال ويتمختر ويجول ويصول إلى أن سكن الشيطان صدره فأخذ يزين له الشر.

فدعاه لقطع الشجرة التى سيظل بها بحجة الانتفاع بخشبها ولأنها تملأ مساحة كبيرة من الأرض تسع غرس عدة أشجار صغيرة مكانها فقطعها بسيفه ثم أخذ يفكر فى ذبح البقرة لينتفع بجلدها وعظامها ولحمها وما عليه إلا أن يشترى عدة أبقار صغيرة بدلها يتعهدها بالتربية سنوات قليلة حتى تكبر فقام بسيفه وذبحها.

وأخيرا فكر فى العصا فأخذ يزيل قشرتها بسيفه لأنها غليظة ثم طرأ له أنها طويلة كثيرا فأخذ يقطع منها قطعة قطعة, وفى أثناؤ ذلك انفلقت العصاة كلها إلى نصفين فأغضبه ذلك فأككمل تقطيعها بسيفه – وفى النهاية بقى له السيف وحده, وياليته بقى سليما, فقد اصابه الضعف من ذبح البقرة وقطع الشجرة وتمزيق العصا وهنا أدرك الرجل أن فرصته قد زالت وأن العطاء منه قد سلب فبقى يقاوم الحياة بحمل ثقيل, وسيف مكسور وأمل ضائع..

ويحكى أن رجلا آخر أعطاه الله حبلا رفيعا صغيرا وقرطاسا ضيئلا. فلم يتملكه يأس ولم يحتقر العطية بل تناولها بشوق ونشاط حتى نمت وترعرعت, فقوى الحبل واستطال كاد يربط بين السماء والأرض وأخذ القلب يسكب العطر ويسطر الخير فما القرطاس دررا وأخذ القرطاس أيضا يسمن حتى أصبح كتبا يقرأ وعلما يدرس وحياة تضئ.

وهنا أدرك الرجل خيرا غزيرا فقد تسلق فارتفع به إلى العلا. وأصبح طيب الكلام وطيب العمل طبيعة راسخة وسجية أصيلة.

حينئذ قام فتخلل حياة الناس فنقاها من شوائبها وأخذ يجول فى الأرض فمهدها لمن يدب عليها. فشتان ما بين الرجلين, وما بين العطاءين. إن الرجل صابر حتى ظهر صلاحه فغدا منصورا. أما الأول فقد اختال حتى ظهر فساده فغدا مقهورا.

78- ثلاثة:

1- قلة الطعام

2- قلة الكلام

3- قلة النوم

واعلم أن كل واحدة منهن لها فوائد ومزاياها منذ زمن طويل ولكنى لم أستخدم هذه العلوم وغيرها إلا فى هذه المرحلة شأنى شأن غيرى من الذين يعلمون الكثير ولا يعملون إلا القليل حتى يأذن الله تعالى بتوفيق عبده للعمل.

فقلة الطعام خففت من ثقل جسمى, وجعلت تجديد وضوئى قليلا, واشتد عصبى, وصفا ذهنى, وقى سمعى, وانطلق بصرى.

وقلة الكلام بتوجتنى بالهيبة وأضعفت عدوى, وقوت صديقى وأراحتنى من كثير من الإستفسارات.

وأما قلة النوم فقد عودتنى العمل وأكسبت جسمى الجلد, وأرتنى لذة السهر وجمال السحر, ونفت عن الخمول وأضاعت منى الهموم , وبت أستغفر ولربى أكبر...


79- أضعف المخلوقات:

شاء الله " جل وعلا" أثناء سياحتى أن آوى إلى مكان مهجور منذ خمس سنوات طوال لا يستعمل إلا فى حفظ سقط المتاع. فلما جئت إليه وقمت بتنظيفه,ووضعت فيه أريكة ومنضدة ومرسى وسكنته راضيا.

ولكن بقيت مشكلة هامة وهى فتح نافذته لأنها إن فتحت عرف الجيران أن بالمكان ساكنا – وهذا ما محذره أشد الحذر – وإن أغلقت النافذة عم المكان الظلام وملأه الحر الشديد, وهما إذا اجتمعا مع الهم والكرب تألفت عوامل مرهقة للأعصاب والأبدان.

ولقد شاهدت أثناء غلق النافذة الطويل وفتحهما النادر القليل ظاهرة يمكنك أن تتصور بها هذه الحياة, ومقدار ما فيها من متع لا توزن بشئ.

هذه الملاحظة هى أن الذباب" وهو من أضعف المخلوقات" لا يكاد يلمس غلق النافذة حتى يبادر إلى الهرب من المكان زاهدا فيها مزديا له, وتراه يضج بالطنين لو تأخر قليلا عن الخروج. فلما رأيت الذباب – هكذا فى كل مرة تغلق فيها النافذة يتلمس بسرعة الفضاء الواسع, الحياة الرحيبة والنور الساطع وأنا عاجز عن أن أخرج أو أتحرك أو أن أعمل كما يعمل الذباب" وقد كنت قبل ذلك تضيق بى جملة بلاد – على سعتها – أزورها فى اليوم الواحد هتفت بما هو حق[ وخلق الإنسان ضعيفا]. وليس معنى هذا أننى أصبحت لست وفيا لدعوتى حريصا عليها بل بالعكس قد ازددت بها يقينا وتعلقا ولكنى أطلب المساعدة ممن يملكها سبحانه.

فاللهم عونك وفرجك القريب فقد فلت وقولك الحق:

[يريد الله أن يخفف عنكم]

80- هل جاء بشر:

1- حينما جاء انقسم الناس إلى قسمين: قسم معه, وقسم عليه.

2- ثانيا وقعت بين الفريقين حروب طاحنة مات فيها عدد وافر منهما وحارب الشقيق, وقتل الوالد ابنه وبارز الابن أباه.

3- ثالثا تبعته امرأة فأصابها سهم فى قبلها فماتت.

وتبعه آخر فمثل به بعد أن قتل فقطعت أذنيه وأنفيه, وشق بطنه , ومضغ قلبه بالأسنان وتبعه ثالث شجاع حتى لم يجد إلا جلد ناقة فغسله وزاده جفافا على النار ثم طحنه وطعن منه ثلاث.

هل جاء بشر إذا؟

إن عمه يقول له ما رأيت أحدا جاء على بنى أبيه بشر مما جئتهم به هل هذا صحيح؟ كلا كلا فقد جاء لنا بالخير.

إنه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ناله الأذى فصبر حتى علم القوم بعد جهد أن ما جاء به هو الخير.

81- ليلة القدر:

يقول العارفون إن تلمس ليلة القدر – غير مجد فى شئ – إذا كان من يتلمسها ينقصه العمل الصالح والإيمان الراسخ والتوجه الصادق.

ويقولون أيضا أن ليلة القدر رغم ما فيها من الشرف والبركة والخير والسلام فغن هناك ساعة قادرة على أن تؤدى ما تؤديه هذه الليلة. وهذه الساعة المبرورة مبسوطة أمام الإنسان بالليل والنهار فى الصبح فى المساء مبسوطة طوال حياته ما لم يغرغر هذه الساعة هى التى يصطلح فيه العبد مع ربه فيتجنب المعصية ويتطهر من الخطيئة وتخرج الدنيا من قلبه فلا تتركه فارغا, بل ممتلى بنور الله نورا فينشرح صدره لدينه ويتزين له الإيمان. هذه الساعة: التى يتطهر فيها المرء من ذنوبه فيرجع كما ولدته امه بريئا طاهرا , وهل ليلة القدر بالنسبة له لأنه لا معنى ولا فائدة مطلقا من أن تمر بالمرء عشرات من ليالى القدر وهو غارق فى معاصيه مجاف لربه دصيقا لشيطانه.

فهيا وتمنطق بالشرف والرفعة وعش منعما فى ظل السلام.

ذلك كله بالتوبة النصوح فى أى ساعة من ساعات حياتك وأنت فى عاقبة وليس هذا فحسب بل أيضا: [جنات تجرى من تحتها الأنهار يوم لا يخزى الله النبى والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم]

82- متى يجئ العيد؟

مر بى العيد " عيد..... وأنا فى محبسي أسمع وأنظر. أسمع من يعيد وأنظر من ثقب الباب.

1- سمعت الأطفال وهم يضحكون وينشدون أناشيد العيد ومعهم المزامير ويدقون الطبول فى مرح وفرح.

2- وسمعت الكبار المتدينين" الرفاعية" وهم يمرون بالقرية بسيوفهم غير اللامعة وطبولهم غير المشدود وأعلامهم الباهتة وأصواتهم المبحوحة وهم ينادون: حى حى – الله حى

3- وسمعت أصوات البالونات فى يد الصغار وهى تنفجر.. والمزامير فى أفواه الأطفال وهى تصرخ.

4- ورأيت المقابر وهى تعج بالرجال والنساء والأطفال, وهم يتزاحمون حولها بلباسهم السوداء أو الزاهية وأصواتهم العالية يأكلون ويشربون ويتفاخرون ويبكون ويضحكون.

5- ورأيت الكعك يقدم لى ينضح منه السمن ويعلوه النقش مبدرا بدقيق السكر وليس غير هذا فى العيد إلا, ركهتا العيد فى غير خشوع وخطبة العيد محفوظة على ألسنة الكثير منذ سنين.

ولعلى لا أبالغ إذا قلت مرّ رمضان فلم ينتفع به أحد إلا القليل, وجاء العيد وكأنه ليس بعيد – فمتى يأتى العيد الحقيقى؟

أسأل عنه ولا أجهل يوم مجيئه. سيأتى العيد يوم يتمسك المسلمون بالإسلام, ل، العيد – عيد الفطر أو عيد الأضحى – فرحة المسلمين بتأدية واجبهم نحو دينهم فإن لم يوجد التمسك بالإسلام فلا عيد وإن عاد الإسلام عاد العيد, فهما متعاقبان كالرجل وابنه وكالشجرة والثمرة.

83- والمسلمين:

منذ ثمانى عشرة عاما كنت بالحجاز, وقد سافرت إليها مشوقا غاية الشوق متبتلا منيبا إلى ربى , وقد كنت اظن أنى سألقى ناسا غير الناس وطبائع غير الطبائع, وسيرا طيبة غير السير, ولكنى فجعت تماما فقد شاهدت من أهل مكة وممن اختلطت بهم من الحجاج أخلاقا فجة وطبائع سيئة وسيرا غير طيبة. فانطويت على نفسى مدة الحج والزيارة واعتراني شى من الذهول والمرض وبعد أقل من شهر بأيام أخذنا فى السفر إلى بلادنا. وفى أثناء الحجر الصحى بجبل الطور بينما أنا نائم إذا برفيقى فى السفر يخبرنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلبنى فذهبت إليه وحدى فإذا بى أمام ثلاث قبور مرتفعة غلى صدر الإنسان, أوسطها يلتف برداء أبيض ممسوك بأشرطة ثلاث بيضاء, أما القبران الآخران فملتفان برداين أخضرين. وفى الحال نزل من السماء رجل يلبس ملابس بيضاء ناصعة فى أدب جم وتؤده وضع رجليه على حافتى القبر الأوسط فى حياء وسكينة وفك الأشرطة التى عليه ثم لم أره – وإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس من رقدته ويستمع لرجائى – وأنا واقف فى تجاه القبر ويدى على صدرى الذى قلت فيه ما معناه:" أرجو الشفاعة لى ولوالدى" فقال النبى صلى الله عليه وسلم معقبا والمسلمين.

ثم أخذ القبر يتحرك- وأنا واقف – كما تتحرك السيارة براكبها فجعلت أسأل رسول الله صلى الله عليه " ما لا أذكره" وجعل عليه السلام يرفع يده بالتحية ويذكر بلسانه إجابة سؤالى.

الحق أننى كلما تذكرت هذه الرؤيا غمرتنى السعادة وتمنيت من أعماق قلبى تكرارها لأنها دفعة قوية إلى الله تعالى ومؤنس لطيف لكل مسافر.

84- هل ظلمته؟

سمعته يخطب كثيرا وقرأت له أكثر فكلامه فى الخطابة وفى الكتابة لا يمل , لأنه كلام مؤثر متقن وقد انتفعت وتأثرت به حتى حديثه العادى طلى وذكاؤه متقد وحماسته نحو الخير وتأججه وبحثه مستوفيا وعلمه غزير. ولكنى مع هذا كله لم أطمئن إليه فهو فج فى التجاوب يتعثر فى الصغير من المشاكل يكثر فيها من التشكى ولا يشتغل فى الضائعة إلا بنفسه.

وترانى حيران غاية الحيرة هل أعامله حسب ما ينتج من كلام مليح وكتابة قيمة؟ أم حسب عجزه عن العمل وقلة عزمه أثناء المصيبة؟ وأخيرا ارتبطت به حسب عمله وهممه لا حسب قوله وكتابته, فهل ظلمته أم ظلمنى؟.

ستظهر لك الأيام ما كنت جاهلا

ويأتيك بالأخبار من لم تزود


85- دقائق معدودات

دقائق تيقظت فيها مشاعرى إلى أقصى درجة وأحسست حينها بالخطر الداهم وخشية الوقوع فيما أحذر. فقد تصاحيت النساء والرجال والأطفال حولى فجأة وأنا فى مكان لا يمكن أن أبرز منه حتى لا يرانى أحد من الناس – تصايحوا فذهبت بى الظنون – وأخيرا أفصحوا الحريق الحريق, وأخذوا يعدون على غير هدى ويتكلمون على غيرهم فقد شبت النار فى دار قريبة من أكوام القش الجاف وسنابل القمح المكدسة فى الأجران والرياح تهب عاتية قوية.

وقد سبق لهم الإكتواء بهذه النار, فقد أهلكت حرثهم وديارهم فى سنة مضت لا ينسون أبدأ آلامها. ولذلك كان الهلع شديدا بينهم, وكان عندى أشد منهم , لأنى غريب واكتشاف أمرى يضرنى كما يضر صاحب المكان, كما أنى أشدهم ألما إذا وقع لهم أى مصاب وأنا فيهم.

فانطلقت كل حواسى ومشاعرى وأعصابى وعظامى حتى شعرى وجلدى, انطلقت تعمل ما يعمل اللسان من تضرع إلى الله والتجاء إليه. وإذا بامرأة تقول وهى فى مكان مرتفع : لقد انطفأت النار. فتفرق الناس وهم لا يصدقون النجاة, وجلست أسترجع أنفاسى التى كادت تخرج فى دقائق معدودة وأنا أردد: الشكر والحمد لله.

86- فقه السيرة:

لى اقتراح فى كتابة سيرة النبى صلى الله عليه وسلم لتكون – فى نظرى- كاملة واضحة بينة وهو أن يكتب المؤلف – العالم بالكتاب والسنة – السيرة ويستدل على حوادثها بما نزل من القرآن الكريم , فلا يكتفى بذكر آية أو آيتين بل يدون القرآن كله. وغاية المؤلف أن يضع كل آية فى موضعها من السيرة, فإذا انتهت القصة يكون القارئ قد مرّ بآيات القرآن كلها وعرف موضع كل وسبب نزولها.

وتكون هذه الآيات نفسها - على هذا النسق – قد شرحت المواقف والحوادث على توضيح السيرة أجمل عون.

وحبذا لو سرد المؤلف الأحاديث الصحاح أيضا كل فى موضعه ومناسبته. وربما استكثر المؤلف ذلك وخاف طول القول وضخامة الكتاب.

وأبادر فأقول أنه لى اختصر كلامه وأخلاه من التكرار والحشو وضغطه ضغطا مناسبا فلا يذكر كلمة ما إلا إذا كانت لها خبرة ملحة فى تفسير الحادثة لخرج كتابه قيما مفيدا.

ولا بأس أن يقوم بهذا العمل جماعة تتعاون على ذلك.

السيرة فى سطور

1- ولد رسول اله صلى الله بمكة عام الفيل 570م فى الثانى عشر من ربيع الأول 53 قبل الهجرة.

2- توفى والده" عبد الله" بالمدينة قبل أن يولد رسول الله.

3- أرضعته حليمة ابنة أبى زؤيب من قبيلة بنى سعد

4- مكث مع مرضعته خمس سنوات ثم رجع إلى أمه آمنة.

5- وفاة والدته وهو فى الخامسة من عمره.

6- كفله جده عبد المطلب الذى توفى ورسول الله فى الثامنة

7- ولما توفى جده كفله عمه أبو طالب واشتغل بالتجارة ورعى الغنم.

8- شاهد حرب الفجار وهو بين الخامسة عشر والتاسعة عشر.

9- شاهد حلف الفضول مع أعمامه.

10- تزوج السيدة خديجة وهو فى الخامسة والعشرين وهى فى الأربعين

11- اشترك فى تجديد بناء الكعبة.

12- قبيل الأربعين من عمره كان يهجر مكة كل عام ليقضى شهر رمضان فى غار حراء.

13- فى الأربعين نزل عليه الوحى ليقوم بالرسالة.

14- أول من آمن به زوجته خديجة ومولاه زيد بن ثابت وابن عمه على بن أبى طالب وصديقه أبو بكر.

15- استمرت الدعوة فى السر ثلاث سنوات ثم كانت علانية.

16- بدأ الاضطهاد حين الجهر بالدعوة.

17- هاجر الرعيل الأول من الصحابة إلى الحبشة لحمس سنين من مبعثه وكانوا ستة فيهم رقية ابنة النبى وزوجها عثمان بن عفان, وفى الفوج الثانى هاجر 73 رجلا, 19 امرأة.

18- إسلام حمزة عمه رضى الله عنه.

19- مقاطعة المشركين لرسول الله وأصحابه ثلاث سنين.

20- بعد عشر سنوات مملوءة بالشدة توفيت خديجة وتوفى عمه أبو طالب وسمى عام الحزن.

21- ذهب إلى الطائف ومكث عشرة أيام بها فلم يستجيب إليه أحد وأساءوا إليه أشد الإساءة.

22- الإسراء والمعراج وفرض الصلاة.

23- بيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الكبرى مع أهل يثرب.

24- ابتداء هجرة الصحابة إلى المدينة المنورة " يثرب".

25- المؤامرة على قتل الرسول وهجرته لحوقا بأصحابه.

26- وصوله إلى المدينة وتأسس دعائم الدعوة.

27- إرسال السرايا منذ وتأسيس دعائم الدعوة

28- سرية عبد الله بن جحش فى السنة الثانية من رجب.

29- معركة بدر فى 17 رمضان من السنة الثانية فى رجب.

30- التصادم مع يهود بنى قينقاع.

31- معركة أحد فى أوائل شوال من السنة الثالثة.

32- جلاء يهود بنى النضير.

33- بدر الآخرة – ودومة الجندل.

34- حديث الإفك وبراءة السيدة عائشة رضى الله عنها.

35- غزوة الأحزاب" الخندق فى السنة السادسة.

36- هزيمة يهود بنى قريظة بعد غزوة الخندق

37- الحديبية فى أوائل السنة السادسة.

38- عودة جعفر بن ابى طالب مع مهاجرى الحبشى فتح خيبر.

39- مكاتبة الملوك والأمراء.

40- [لقد صدق اله رسوله الرؤيا بالحق] فدخل المسجد الحرام معتمرا فى أواخر السنة السابعة للهجرة.

41- غزوة مؤتة – قتل فيعا زيد بن حارثة, جعفر بن ابى طالب, عبد الله بن رواحة وكانت فى جمادى الأولى من السنة الثامنة.

42- ذات السلاسل بقباء" عمرو بن العاص" وفيهم أبو بكر وعبيدة ابن الجراح.

43- فتح مكةو وانتصار المسلمين ثم موقعة حنين.

44- حصار الطائف وفك حصارهم ودخولهم الإسلام بعد ذلك.

45- رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة بعد الطائف إلى المدينة فى أواخر السنة الثامنة.

46- تبوك والمخلفون وهم أكثر من ثمانين رجلا.

47- مسجد الضرار وحرقه

48- أمير الحج أبو بكر الصديق فى السنة التاسعة للهجرة

49- حجة الوداع فى العاشرة وأميرها رسول الله صلى الله عليه وسلم

50- شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمرض فى أواخر صفر من السنة الحادية عشرة للهجرة ثم انتقل من الدنيا إلى الآخرة.

الفصل الثالث

شخصيات فى حياتى

أجدنى متهيبا أن أكتب عن هذا الرجل لماذا؟

هل لأنى أصبحت جزءا منه, فردا من أفراد أسرته الإخوانية, سواء كنت فردا نافعا متحاملا, ولا يصح أن يتحدث المرء عن نفسه. ويقول قائل: أى شئ فى هذا والناس كلها تكتب مذكرات عن تجاربها وأحوالها ولا شئ فى ذلك يعاب عليهم. إنما يعاب أن يلصق المرء بنفسه أعمالا لم يفعلها أو يسطر أمجادا لم يقربها.

وطبعا لا يكون شئ من ذلك فى كتاباتك عن حسن البنا.

ولقد كتب عن هذه الشخصية الكثير ندحا أو ذما, وسوف لا أضيف شيئا حين أكتب ولكن أسطر هنا حقائق لمستها وأخلاقا عملية شاهدتها وتصرفات عاينتها, أجدنى مضطرا أن أسجلها لهذا القائد الكريم والراحل العظيم والمربى الكبير رحمه الله رحمة واسعة وأنار قبره وألان مضجعه وأحيا من بعده دعوته وبارك فى تلاميذه ومريديه حتى يرجع للإسلام عزه وسلطانه.

سمعته لأول مرة يقول: كل منا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا تبقى فتنة ويكون الدين كله لله. فأيقنت مهمتى وعلمت موقفى ومن يومها لم يهدأ لى قدم أو مضجع وأظن أنى سأبقى مذلك بإذن الله حتى ألقى الله.

قدم له عشاء فى شعبة طنطا عبارة عن رغيفين وصحن به طعمية ونصبت أمامه أحيانا الموائد ومنها مالذ وطاب, وفى كلا الحالين كان عاديا وإن كان فى الثانية كان حريصا على أن يتيح لغيره أن يأكل.

كان ينزل من علم سلم دار المركز العام الجديد للإخوان المسلمين وأنا مقبل عليه وقابلنى على الدرجة الأولى من على الأرض وكان يضع يده فى جيبه يتحسس نقودا فلم يجد فقال لى: اصعد وارجع بخمسة قروش من الأخ " الطوبجى" مراقب الدار فأخرجت الخمسة قروش من جيبى وقدمتها له فلم يقبل وقال :

نفذ ما أقول لأنى محتاج إلى مشوار سريع بالترام وليس معى نقود: فعلت وعلمت من يومها أنه ليس مشغولا بالمال.

كنت واقفا أمام المركز العام وبيدى فضيلة الشيخ بسيونى خطاب رحمه الله وإذا بالمرشد العام حسن البنا رحمه الله يخرج من المركز العام ويشير أن اركب والشيخ فى إحدى السيارات الواقفة أمام المركز العام وكان يوجد عدد منها فركبنا وسارت السيارات مسرعة, ثم وقفت بنا أمام حديقة فى أطراف القاهرة بها حفل يجمع عددا كبيرا من الإخوان , وجلسنا نأكل وجلس بجانبى الشيخ بسيونى وأخذت أتناول الطعام الذى أمامنا وغذا بى ألتفت إلى حسن البنا وإذا به منشغل عن الطعام ويرقبنا فى غبطة وسرور ويشير uلى أن أعتنى بأخيك الشيخ بسيوني خطاب وأطعمه وأدله على ما أمامه من الطعام. ومن يومها وأنا حريص على أن أعتنى بغيرى حين آكل معه خاصة إذا كان ضريرا.

كان رحمه الله يتميز بأسلوب فى الخطابة يقصد به البيان والتكوين المرتكز على العلم والفهم الصحيح وتناول الأمور بإيجاز أحيانا وإيضاح أحيانا أخرى بما بما يناسب الزمان والمكان والمناسبة, حتى لتشعر أن الكل قد استفاد وكأننا فى مدرج الكلية نتعلم ونتفهم ويستفيد منه العالم والتاجر والصانع والسياسى والحاكم والمحكوم , وقد تعلم منه الإخوان الدعاة هذا الأسلوب وتفاوتوا فى الإستفادة من هذا الأسلوب وكنت أحدهم.

كان مسلما يمشى على الأرض رأى منه الإخوان كيف يفسر الإسلام ويطبقه على نفسه فى الأك والشرب والغضب والرضا حتى إن الإخوان استفادوا من سلوكه العملى أكثر من سلوكه الخطابى وإن كان الإثنان لا يقلان عن بعضهما.

وكان قدومه على أهله بعد أن اغتيل ووضع بعد وفاته فى بطانية مطويا على نفسه وموضوعا فى دواسة السيارة تحت أقدام من أوصلوه إلى منزله ثم رموه داخل شقته على الأرض حيثما كان باب الشقة لهم. كانت هذه النهاية التى كان يبشر بها فى صفوف الإخوان وإنها النتيجة الحتمية لكل داع صادق إلى الله. كانت هذه النهاية بهذه الصورة السبب الأهم فى بقاء الإخوان وصمودهم إلى هذا اليوم وبعد اليوم مع هذا الاضطهاد الجارف والظلم الفادح الذى لم يقرأ عنه فى التاريخ حتى فى عهود الفراعنة الذين لعنهم الله فى القرآن الكريم.

حسن البنا شخصية لم أر مثلها ولعله ممن أشير إليهم أن الله تعالى يبعث على رأس كل قرن من يجدد للأمة أمر دينها.

رأينا مصلحين ولكن كان كل مصلح له جانب من الخير أو يعمل بجانب من الخير فذاك يدافع عن الأوطان, وذلك يدعو إلى إصلاح التعليم,

وذلك يدعو إلى إصلاح المجتمع بالبر والإحسان, وذلك كاتب بارع وذاك خطيب مفوه وذلك شجاع وذلك حكيم رزين.

ولكن حسن البنا رحمه الله جمع ذلك وأكثر من ذلك لأنه يخدك دينا كاملا ونعمة تامة[ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا فجاء صلاحه من صلاح دعوته وشموله فى الخير من شمول دعوته.

ألم اقل لكم أنى متهيب أن أكتب عن هذا الرجلو فاتركونى يرحمكم الله لأعمل بعض ما عمل للإسلام والمسلمين خير من أن أكتب فالكتابة لها رجالاتها؟!

حسن الهضيبي

رجل عظيم ومسلم منظم وقائد حكيم, فرضت عليه القيادة وهو كبير السن مريض الجسم, رأينا صورته واسمه فى مجلة الشهاب الخاصة بالإخوان المسلمين لم يجلس إلى جمهور الإخوان ولم يقابله وكثير لا يعرفه ولا يعرف حتى اسمه.

إلى أن استشهد حسن البنا رحمه الله وتلاميذه ليس فيهم من يملأ فراغه وكلما ذكر اسم من أسماء تلاميذ حسن البنا ليتولى الأمر بعده وجد الفارق كبيرا والمسافة واسعة وبينما الإخوان فى حيرة وقلق على مصير الدعوة بدون قيادة تشبه حسن البنا إذ يظهر فجأة من يقول ولعله الأستاذ منير الدله رحمه الله أن حسن البنا قال لى إذا ادلهمت الأمور واحتجتم إلى مشير فعندكم المستشار حسن الهضيبي وما يكاد يذكر اسمه حتى تفتحت القلوب له ووجدت النفوس حلا لحيرتها وأملا لمستقبلها,وأخذت الوفود تتوجه إلى منزله تستطلعه رأيه فى قبول قيادة الإخوان وكتب أحدهم:

من يقبل أن يكون قائدا لجماعة اشترك الملك ورئيس الوزراء فى قتل مرشدهم.

من يقبل أن يكون خلفا لزعيم قتل على قارعة الطريق وترك دمه حتى ينزف كله فيموت من يتعرض لقيادة جماعة منهت الحكومة أن تشيع جسد مرشدها وقد حملته النساء على أكتافهن.

أقول ذلك لوصف الموقف أثناء عرض قيادة الإخوان على حسن الهضيبي. لا أقوله لأن ذلك كان الشئ الذى يدفع حسن الهضيبي أن يرفض قيادة الإخوان. بل كان الذى يدفعه إلى رفض قيادة إخوانه تواضعه الجم وذكر أننى من الإخوان وأننى مبايع حسن البنا, ولكننى جندى فقط أتبع من تختارونه وصحتى لا تساعدنى على ذلك كما ترون.

وكلما أمعن فى الامتناع أكثر الإخوان فى الإلحاح عليه وأنه سوف يشرف فقط على سير الجماعة , فالجماعة منظمة مرتبة وكل يعرف موقعه وعمله, ولا ينقصنا بعد موت مرشدها إلا رجل مثل حسن الهضيبي يملأ الفراغ بمشورته وحكمته, أما جميع الأعمال فسواعد الإخوان بل رقابهم سندا لها وعونا.

وقبل حسن الهضيبي بعد الإلحاح الشديد وما إن علم الجميع حكومة وشعبا وإخوانا أن الهيئة التأسيسية للإخوان اختارت حسن الهضيبي مرشدا خلقا لحسن البنا, حتى استيقظ الباطل الذى كان قد هدأ بعض الشئ بعد مقتل حسن البنا.

استيقظ الباطل لنبدأ سلسلة من المحن الجارفة والحوادث الكالحة داخل صفوف الإخوان وخارج الإخوان, وأخذ الباطل بتلابيب رجال الدعوة وفى مقدمتهم مرشدهم حسن الهضيبي وأسرته.

فقد نكل به وبمن حوله, وصمد الرجل صمود الأبطال وضرب المثل المشرف الجميل, تلكأ الإخوان وخرج بعضهم عن قيادته ووصفوه بما لا يليق, وكان هذا كافيا لأن يفر من الميدان الشائك الملتهب.

وسار بالدعوة يدفعها إلى الأمام وكان قليل الكلام قليل الحركة قبل دخوله الإخوان يعانى الشيخوخة والمرض فإذا به من النصحاء والحكماء يخطب بالساعات ويتحرك بالليل والنهار, ويزور البلاد ويواجه المشكلات ويتعرض للأزمات والدعوة منطلقة من يديه وبمساعدة الأخوة الخلصاء, وقبل هذا بتوفيق الله تعالى إلى بلوغ مناها من تجميع وتكوين وتركيز وإصرار وكادت الدعوة تسيطر على الشباب فى مصر وفى كثير من البلاد العربية وذاع صيتها فى البل الإسلامية بل فى أرجاء العالم كله.

وجاءت ما تسمى ثورة 23 يوليو 1952 وكان همها إبادة كل ما يسمى إسلام وقتل كل ما يسمى مسلم إرضاء للصهيونية العالمية و الشيوعية والرأسمالية وكان من مظاهر القبض على 18 ألف من الإخوان عام 1954 والحكم بالإعدام والأشغال الشاقة المؤبدة والأشغال على الف منهم إلا قليلا وحجز الباقى فى المعتقلات سنين طويلة.

والقبض على 45 ألف منهم عام 1965 والحكم بالإعدام والأشغال الشاقة المؤبدة والأشغال على نصف ألف منهم إلا قليلا وحجز الباقى فى المعتقلات سنين طويلة وأبادت العشرات بالتعذيب كما حدث فى السجن الحربى والضرب بالنار على الإخوان فى مذبحة طره.

ما معنى كل ذلك؟

هل لأن واحد منهم ضرب طلقات على جمال عبد الناصر بالمنشية بالأسكندرية قد يكون ذلك وقد يكون الحادثة تلفيقا ليزيد التنكيل بالإخوان فإن كانت صحيحة فقد قتل كنيدى أكبر رئيس جمهورية على الأرض فى التاريخ الحديث ولم تتعد الإجراءات القاتل وحده ولكن انظر إذا أخذ أحد من الإخوان معه وتعطل كل من له به صلة قربى زيادة فى التنكيل ومضاعفة للظلم والاضطهاد.

كل هذا واجهة حسن الهضيبي فلم تبرح له جفن ولم تغمض له عين ولم يهدأ له بال من يوم أن أصبح مرشدا للإخوان إلى أن لقى ربه اللهم إلا إذا مان هدوء باله وراحة قلبه أنه يعمل لربه دون سواه. فله الرحمة والرضوان على جسده الطاهر مع شهداء الإخوان الصالحين من عباده إلى يوم الدين.

زكى الدين أبو طه

نجم لامع, مجاهد صادق , وأسد كاسر, كذلك عرفناه يوم أن التقى بحسن البنا بالقضابة كتب له برقية قبل أن يقدم عليه مرحبا به, ثم وضع يده فى يده وقال الإمام الشهيد أنت يا زكى الدين بألف رجل. وقد كان فلم يتنازل زكى الدين فى تصرفاته وسلوكه على أنه ألف رجل.

رجل بمعنى الكلمة ينطبق عليه قول الله تعالى [رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه] [رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار].

كان أول ما عمل بعد مقابلة حسن البنا أن افرغ زجاجات الخمر على الأرض وأقام فى بلده شعبة للإخوان وجعل أتباعه من القرية فتية تحت أمر الإسلام, ووقف على نصرة , وجعل جاهه وسلطانه الذى يمتلكه من مكانته فى أسرته حماية للمسلمين فتح الطريق أمامنا وسط العائلات وحما ظهورنا فى جميه القرى فى بسيون بل امتد خيره إلى مديريات المجاورة.

ولا أنسى أن عجز الإخوان ف سخا عن فقامة حفل سيلقى فيه الأستاذ عبد الحكيم عابدين" سكرتير الإخوان فى ذلك الوقت" محاضرة فأرسلته على رأس عدد من الجوالة فما إن نزل من السيارة الكبيرة وجوالته حتى أمرهم بالوقوف صفوفا يمينا ويسارا ومن الأمام ثم تقدم إلى الساحة التى بها قماش السرادق ثم أمرهم بإقامته والإشراف عليه فتقدم الحكمدار من زكى الدين وسلم عليه وأبدى عدم اعتراضه على إقامة الحفلة ووقف زكى الدين يحرس الحفل برجاله حتى منتصف الليل.

هكذا كان زكى الدين أبو طه لا يرهب حاكما ولا محكوما.

كما لا أنسى أننى كلما وقفت بجانبه فى الصلاة وعند السجود أسمع حرارة دعائه وتضرعه إلى ربه. ولما سجن ظلما وعدوانا فى قضية أوكار طمطا" الذى ألفها سعد الدين السنباطى" رئيس القلك المخصوص بطنطا كان مثال الرجولة والكرامة وكان يزور المحكوم عليهم بالإعدام ليواسيهم وليرفع روحهم المعنوية وكان يمشى فى السجن مرفوع الرأس مشرق الوجه باسم الثغر.

وحدث أن سجن معنا أحد قادة الإخوان فى طنطا فى يوم من الأيام وكان المفروض أن يكون قدوة لنا فى الشجاعة والتحمل والعزة والمنعة ولكنه كان عكس ذلك لينا إلى درجة الخضوع متخاذلا مع أصغر الحراس فما كان من زكى الدين إلا أنه أبدى غضبه لهذا التصرف . فنادانى ذلك الأخ القائد وقال " عاجبك هذا الوحش" يقصد زكى الدين فقلت لزكى الدين رحمه الله هذا أستاذنا وهل هذه هى معاملة الإخوة الكبار, فقال أيعجبك أن ما عمله لنا خارج السجن يهدمه هنا داخل السجن, فضربت على صدره وقلت افعل ما أقوله لك: أحسن معاملته وفى لخارج لنا أن نحاسبه فقال هو ذا.

وعاش مدة السجن مثالا لما يكون عليه المؤمن الصادق مع أنه كان أثقلنا حملا فقد دخل السجن من أتباعه ثلاثة نفر وكانت التهم الموجهة إليه أثقل وإن كنا جميعا برءاء من التهم كلها. وخرجنا من السجن قبيل رمضان بعد أن قضينا شهورا بالمعتقل وسنة كاملة بالسجن. وصام رمضان وفى أواخر رمضان أصيب بالتيفود. وفى شوال لقى ربه أى توفى بعد خروجه من السجن بشهرين فقط ففقد الإسلام جنديا وشابا حرا كريما ونعيناه فى يوم أليم وقلنا الراحل الكريم.

الشيخ بسيونى خطاب

اسم لعالم جليل وأخ كريم وداعية مخلص وخطيب مفوه, عرفته دعوة الإخوان المسلمين وهو إمام لمسجد مشال التابعة لمركز بسيون.

كانت صفاته تؤهله لأن يكون فى مركز القيادة فاختير بعد مدة وجيزة نائبا لشعبة بسيون. ولما قامت حرب فلسطين عام 1948 أرسل أكبر أنجاله ليحارب فى صفوف الإخوان, ثم أرسل الثانى الذى استشهد وهو ابن سبعة عشر عاما وتقابل مع حسن البنا وفى الحديث معه قال له إن ابنى الثالث فى الطريق إليكم وتعرض الشيخ إلى ما تعرض له الإخوان فاعتقل عام 1949 وليلة أن اعتقل كانت شقيقته معه أثناء ركوبه سيارة الحكومة فابتعدت قدمه عن سلم السيارة فانكفأ فقالت شقيقته ينفعك إسلامك يا أخى. فقال الضابط المكلف باعتقاله:" هوه جابله الكافية إلا الإسلام".

ولا أنسى يوم أن علمت باستشهاد ابنه وذهبت إليه بعد أن أشرت بعمل سرادق لمقابلة المعزين, وكان الشيخ مريضا بالفراش بمنزله. فدخلت عليه وأسررت له بالحادث المؤلم فقال: لا تتحدث ولا تخبر أحدا فإنى مريض كما ترى وأمه ستملأ على البيت صياحا, كما أنه لا داعى لعمل مأتم, ثم سألنى كم هناك من أخ معتقل؟ فقلت حوالى عشرين. فقال: وجه ما معك من المال الذى ستصرفه على المأتم إلى أهالى المعتقلين واصبر حتى ينفرج الجو وأقوم من مرضى ثم نخبر والدته بالتدريج وقد كان وبذلك ضرب المثل فى الجلد ومقابلة لخطوب.

ليس هذا فقط فله من الحكايات ما يدهش العقول فى الغيرة على الإسلام خرج من بيته فى أحد أيام رمضان يقوده ابنه فوزى . فقال له: يا أبى إن أرى رجلا يأكل على بعد منا. فقال : قدنى إليه. فلما وقف أمامه قال:

ما اسمك؟ فقال محمد. قال : ومحمد كمان. لماذا تأكل فى رمضان؟ قال الرجل: وماله؟ فأخذه الشيخ من جلبابه وانحن يخلع حذاءه وأخذ يضربه به وهو لا يبدى حراكا مع أنه فتى جلد. ثم قال الشيخ: هذا حقنا.. أما حق اله فسيأخذه منك, وكان عبد الفتاح حسن مرشح الوفد يعتبر من أحسن الوفديين سلوكا وتدينا فسانده الشيخ حتى نجح وكسب الدائرة 26 فكافأه الأستاذ عبد الفتاح حسن ونقله إلى مسجد سيدنا عمرو بن العاص بالقاهرة وكان المسجد فى هذا الوقت مهملا للغاية لا يرد إليه إلا نفر قليل, فأبدع الشيخ فى إلقاء الخطب والوعظ فكثر رواد المسجد حتى أصبح أول مسجد يزدحم بالمصلين بالقاهرة كما كان فى بداية مهده كأول مسجد أسس فى مصر. ولنهد إلى سيرته الكريمة فقد ذكر لى هذه القصة بينما سافر من القاهرة إلى بلده سنهور المدينة رآه بمحطة مصر رجل من أغنياء الجهة" جهة سنهور المدينة" فقال ذلك الرجل لتابعه: سل الشيخ إلى اين هو مسافر؟ فسأله التابع إلى أين أنت مسافر يا شيخنا فقال إلى البلد فقال : وتذكرتك فقال الشيخ: درجة ثالثة. فأمر الوجيه أن تبدل التذكرة على حسابه درجة أولى ليركب معه الشيخ.

ولما ركب الشيخ مع الثرى أراد أن يقدم إليه الخبر عن الإسلام وعن مزاياه وفضائله ظنا أن الوجيه سيسر لذلك, ولكن الوجيه لا يحب الإسلام ولا الحديث عنه. فقال للشيخ: يا شيخ بسيونى الله يلعن الإسلام ده فسكت الشيخ مبهوتا فترة قصيرة ثم قال: بيه . بيه. الله يلعن أبوك فوقف البك وأخرج مسدسه من جيبه بحركة غير إرادية فصرخت سيدة كانت تجلس أمامهما بالدرجة الأولى وقالت للسيد: هل تريد أن تقتل الشيخ؟ فقال لا أنه من بلدى ولكننى أخرجت المسدس بحركة غير إرادية ثم جلسا يتحدثان فى أمور بعيدة عن هذه الواقعة حتى وصلا إلى محطة الوصول وركب الوجيه سيارته وركب الشيخ دابته وذهب كل إلى بيته. ومر شهر وإذا بالثرى يقتل ولا يعرف من قاتله, ويمر شهر آخر ويدخل رجل على الشيخ فيقول له: هل كان بينك وبين فلان الوجيه عداء؟ قال لا إلا أنى كنت مسافرا من القاهرة إلى سنهور المدينة منذ شهرين ورافقنى فى القطار وأبدل تذكرتى من درجة ثالثة إلى درجة أولى وتحدثت معه عن الإسلام ولعنه فلعنت أباه ولا شئ غير ذلك, فقال الرجل – وكان ممن يأخذون المال ليقتلوا خصم من يدفع لهم الأجر – قال : إن فلانا هذا الوجيه الذى لعن الإسلام أرسل إلى وأعطانى خمسين جنيها وقال لى: عندى مسألة بسيطة: رجل ضرير ستقتله لأنه قليل الأدب لعن والدى. فقلت له: ليس عندى سلاح, فقال أحضر بالليل من وراء القصر وأعطيك السلاح, وقد سررت لذلك لأنى أخذت أجر قتله ولم أتمكن منذ زمن طويل فقلت فى نفسى قد جاءتك الفرصة, وفعلا حضرت إليه بعد أن جاء الليل وخيم الظلام على المكان وجئته من خلف قصره وتسلمت منه السلاح, وما إن كان بيدى حتى وجهته إلى صدره وانصرفت تاركه جثة هامدة وبعد أن هدأ الجو ومر شهر فى قتله جئت إليك لأخذ باقى الأجرة" قال ذلك مازحا" فقال له الشيخ: مازحا أيضا : هات الخمسين جنيها التى أخذتها منه. وقد ضحك وقال: من حفر لأخيه حفرة وقع فيها. والأفضل أن تقول [إن الله يدافع عن الذين آمنوا]

رزق حسن إسماعيل

الأسم: رزق حسن إسماعيل

العمل: مزارع

تاريخ الميلاد: عام 1914

البلدة: كفر المرزاقة – محافظة كفر الشيخ

نشأ رحمه الله فى بلدة كفر المرازقة محافظة كفر الشيخ حيث حفظ القرآن الكريم وتعلم بالمدرسة الابتدائية ثم انشغل بالزراعة حيث كان يمتلك أكثر من عشرة أفدنة ببلدته, وكان محبا للخير فلا يدع مريضا بالقرية أو القرى حولها حتى يزوره. ويمشى فى جنازة المتوفى ويحضر محافل الصلح بين المتخاصمين من الأفراد والعائلات, ويشارك فى بناء المدارس والمستشفيات. ويزور أهله وجيرانه ويتودد إلى الفقراء بالصدقة والمساعدة يطفىء الحريق, ويقف مع المظلوم حتى يأخذ حقه,واشتهر بذلك بين الناس فى صدق وأمانة.

ولما جاءت دعوة الإخوان المسلمين إلى بلدته حوالى عام 1940 انضم إليها بصدق وإخلاص وتجرد وشجاعة وإقدام, فبرزت صفاته النبيلة ونمت وأزهرت وأحب إخوانه واحبوه. حتى جاءت محنة عام 1954 فكان شجاعا كريما صادقا أمينا, أخفى عنده كاتب هذه السطور وكان يعلم الخطر فى ذلك ولكنه لم يتهيب الموقف وانتهى الأمر بالحكم عليه خمس عشر عاما قضى بعضها غير متبرم ولا ضجر... بل مشجع لغيره من الإخوان... حمل الحجارة على كتفه فى سبيل مرضاة ربه مبتسما راضيا بقضاء الله وقدره حتى لقى الله شهيدا بيد الغدر والظلم فى 1/6/1957 بليمان طره.

رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وبارك فى ذريته.

محمود أحمد السيد صقر

الاسم : محمود أحمد السيد صقر

تاريخ الميلاد: عام 1934 – بمنية المندرة

المؤهل: ليسانس اللغة العربية من الأزهر الشريف.

المهنة : مدرس بمدرسة كفر الشهيد الإعدادية التابعة لمركز ميت غمر.

قبض على المرحوم فى يوم 23/8/1965 الساعة السادسة صباحا بعد ورود إشارة من المباحث العامة بالقاهرة إلى مركز السنطة تفيد بأنه توفى يوم 8/9/1965 بالمستشفى العام.

دخل المرحوم محمود أحمد صقر جمعية تحفيظ القرآن الكريم التى كانت فوق سطح المسجد الأحمدى بطنطا وحفظ القرآن الكريم بها ثم دخل المعهد وحصل على الشهادتين الابتدائية والثانوية, ثم دخل كلية اللغة العربية وفى السنة النهائية كان ترتيبه الأول فى علمى النحو والصرف وطلب منه الأزهر الشريف التقدم لكى يعمل معيدا فى هاتين المادتين, اشتغل مدرسا بمدرسة كفر الشهيد الإعدادية التابعة لمركز ميت غمر إلى أن يطلبه الأزهر ليعمل معيدا به.

كان رحمه الله مثالا للتقوى والصلاح والتفانى فى عمل الخير للناس ويمد يد العون للجميع والسعى فى تشغيل العاطلين.

طلب منه أستاذه عمل رسالة فى النحو فهمها وحازت المرتبة الأولى وأمر بطبعها وكان على درجة عالية من حسن الخلق مما جعله محببا عند كل من يعرفه.

رحمه الله رحمة واسعة وجعله من شباب أهل الجنة وزوجته من الحور العين لأنه لم يتزوج فى دار الدنيا.

بدر الدين عبد العاطى شلبى

الإسم : بدر الدين عبد العاطى شلبى

تاريخ الميلاد : عام 1930

جهة الميلاد : الجميزة – مركز السنطة الغربية

العمل : موظف بوزارة الزراعة " محطة التربية بالجميزة".

تعلم رحمه الله بكتاب القرية إلى أن حفظ كثيرا من القرآن الكريم ودخل المدرسة الابتدائية إلى أن اكتفى بذلك القدر من التعليم نظرا لظروف الأسرة ولكنه رحمه الله لم ييأس. فكان يبحث عن العلم الحقيقى وهو العلم الموصل إلى المولى عزوجل, وكان دائما يبحث بصفات المسلم الحق قلبا وقالبا, والفكر هو طريقه إلى الله دائما والفقه, والإخلاص مراده, والله سبحانه وتعالى معبوده, وبر الوالدين سروره, وإدخال السرور على عباد الله فرحه وكان دائما القدوة الحسنة لأهل قريته, فى المعاملة وكان موضع ثقة الجميع وذلك بمنهجه الواضح , وقد شغل قبل استشهاده بإتمام حفظ القرآن الكريم هو وبعض أحبائه وشغل أولاده أيضا بذلك ليلا ونهارا رحمه الله.

قبض على الشهيد يوم 24/8م 1965 فى حوالى الساعة السادسة والنصف مساء ثم بعد أربعة وعشرين ساعة تقريبا وبعد أن فك الحصار المفروض على المكان الذى به منزل الشهيد, عاود زبانية المباحث العامة البحث عنه بحجة أنه هرب منهم, ويعلم الله كم عانى الأهل والأقارب من هؤلاء الزبانية بحجة أنهم يخفوه ويعلمون مكانه ومرت الأيام والسنون ونحن نكتم أنفاسنا ولكن الأيام تمر حتى ظهرت الحقيقة أنه استشهد فى ليلة القبض عليه من آثار التعذيب نظرا لعقيدته. وظهرت الشريفة المكرمة التى عانت آلام الاعتقال وقاست مرار السجن لتقول الحقيقة مفصلة, والتى أخفاها الزبانية, تلك الحقيقة هى: أن هذا الشهيد لم يهرب كما ادعوا ولكنه استشهد نتيجة التعذيب الشديد الذى لاقاه من زبانية المباحث العامة بطنطا حيث فارقت روحه الحياة, فانطبق عليها قول الحق[ يا أيها النفس المطمئنة ارجعى إلى ربك راضية مرضية, فادخلى فى عبادى وادخلى جنتى] صدق الله العظيم".

السيد السيد عزب عمران

اسم الشهيد: السيد السيد عزب عمران

تاريخ الميلاد:

محل الميلاد:

المهنة : ميكانيكى وابور النور تابع البلدية

مؤهلاته: لا يوجد

مواهبه: كان بطلا فى حمل الأثقال وكان رياضيا ويمتاز بالرازنة والهدوء

ميوله: إسلامية ويعمل للدولة الإسلامية والوطنية.

نشهد أنه كان من الإخوان الممتازين بالمحلة الكبرى استشهد فى يوم السبت 1/6/1957 بليمان طره فى الحادث المشهور.

الشهيد على إبراهيم حمزة

اسم الشهيد: على إبراهيم حمزة

تاريخ الميلاد: عام 1936.

محل الميلاد: بنى أبو صير مركز سمنود.

محل الإقامة: المحلة الكبرى

المهنة: ترزى افرنكى.

مؤهلاته: لا يوجد

مواهبه: يمتاز بالهدوء والذكاء

ميوله : إسلامية ويعمل للدعوة الإسلامية والوطنية

نشهد بأنه كان من الإخوان الممتازين بالمحلة الكبرى. استشهد فى يوم السبت 1/6/ 1957 بليمان طره فى الحادث المشهور.

زوجتى

لما خرجت من زواجى الأول حائرا عزمت على ألا أتزوج على الأقل قبل عشر سنوات أو ألا أتزوج إطلاقا. ولكن والدى كان يغمرنى بالعطف والحب وكنت حريصا على طاعته فكرر عرضه علىّ أن أتزوج ثانية, وحينما أرفض لا يجد شيئا يقوله لأن زوجتى فى المرة الأولى ابنة خالتى ومن خيرة الناس رحمها الله, ولكن كل أمور زوجى كانت تنحصر فى رأى والدى ووالدتى رحمهما الله ولم يكن هناك تفكير سابق لى بهذا الأمر حتى النفس حيث كنت لا أزال طالبا ينحصر تفكيره فى دروسه.

المهم بتكرار طلب والدى أن أعيد الكره عسى أن أنتفع هذه المرة ودخلت على زواجى الثانى من كريمة" سليم رامون" رحمه الله طاعة لوالدى أيضا.

وتمت مراسيم الزواج من خطبة وعقد قران ودفع المهر من غير أن أراها أو حتى تراها إحدى قريباتى من والدتى أو والدى أو حتى أختى أو عمتى.... شىء من ذلك لم يحدث.

وقد تدخلت آراء الناس فى إيقاف هذا الزواج سنة بحجة أنها عائلة من العائلات المالكة فى الريف عمدة ومشايخ وأننا من أهل الله " كما يقولون".

أراد الله تعالى وتخطينا كل العقبات التى تكون عادة فى محيط الزواج ودخلت بها اول عام 1940 وسنى حينئذ 24 عاما فرأيت فيها كل فضيلة كنت أتمنى وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم" فاظفر بذات الدين تربت يداك".

وقد كانت والحمد لله ذات دين ولم ينقصها شئ من التى تنكح المرأة لأجله وزالت من ذهنى كل ما كنت أخشاه من الزواج.

وشاء الله تعالى أن أدخل السجن بسبب انتمائى لجماعة الإخوان المسلمين بعد عشر سنوات قضيتها معها, دخلت السجن لمدة عام ونصف عام 1949 ثم خرجت ولم أقض فترة طويلة جتى دخلت مرة ثانية عام 1955 م حيث قضيت ثمانية عشرة عاما ونصف, وخرجت من السجن بعد قضاء المدة الطويلة هذه, قضيتها بعيدا عنها وعن أولادنا.

وكانت تمر علينا سنوات لا أراها أو أحد من أولادنا وتعددت البلاد التى حبست بها وبعدت فقد كانت بالواحات الخارجة مثلا لمدة خمس سنوات وبقينا لمدة خمس أخرى, وكانت تمنع الزيارة لبعد المكان او لحرماننا زيادة فى التنكيل.

خرجت من السجن فوجدت زوجتى أزكى ما تكون زوجة وأفضل ما تكون شريكة حياتى, كل خصلة تركتها تحت يديها نمت وكل جرح تداوى.

الأولاد أحسن ما يكونون خلقا وعلما وأدبا.

صحيح أنها أنفقت مما كنت أملك وهو قليل ولكنها أنفقت ما تملكه كله قبل أن تنفق ما أملك. وصحيح أن البيت خال من الصحون والملاعق والفرش ولم يبق إلا البالى منها والحقير.

ولكن كل ذلك لم يعلم به أحد ولم يصل إلى ذل النفس ومد اليد, وكل ذلك تم أيضا فى إطار الستر وعدم الضجيج والتألم بل الصبر. وفى إطار قوله تعالى [الذين أحصروا فى سبيل الله لا يستطعون ضربا فى الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف] كل هذا الخير وكل هذه العزة صنعتها هذه الزوجة الكريمة رغم تقصير كثير ممن كان يمكن أن يساعدوا من غير أن يجرحوا كرامتنا لأنهم أهلنا وأقاربنا.

ولكن الله تعالى أراد أن تكون محنتى مصحوبة بالعزة والكرامة ولا يكون لأحد فضل إلا الله جل جلاله فإيمان هذه الزوجة أن تجوع وتمرض وتسافر وتحزن وتتألم وتسهر وتمشى وتكدح وحدها وسط هذه المحنة الطويلة العريضة العميقة بعيدا عن أسماع الناس وأبصارهم.

وها نحن فى الستين من عمرنا ولا تزال ترمقنى بالعطف والحنان وتحنو علىّ كما تحنو الأم بولدها. توقظنى برفق وتقدم لى الدواء والطعام والشراب برفق

أرجو الله تعالى أن يجزيها عنى وعن الإسلام خير الجزاء ... آمين آمين

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

كتبت ذلك قبل وفاتها رحمها الله " المؤلف"