إبراهيم كروم والفتونة الإسلامية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
إبراهيم كروم والفتونة الإسلامية

مركز الدراسات التاريخية ويكيبيديا الإخوان المسلمين

مقدمة

ارتبطت فكرة الفتونة في التراث الشعبي المصري بأخلاقيات أولاد البلد التي يمتد تاريخها إلى فكرة اللص الظريف أو اللص العادل، وكذلك إلى هؤلاء الأشخاص النادرين في تاريخنا الذين ينهبون ويرتكبون جرائم السطو ضد الأغنياء، ليس من أجل أن يكنزوا أموالاً؛ بل من أجل توزيع غنائمهم على الفقراء، وأبرز الظواهر في تاريخنا العربي تلك الظاهرة التي ارتبطت بالشعراء الصعاليك الذين كانوا يسطون على قوافل التجارة، ثم يقومون بتوزيع حصيلتها على فقرائهم ومعدميهم، وأبرز النماذج في مصر، ذلك الشاعر الشعبي الأسطوري ابن عروس الذي أعاد إلى الأذهان صورة الشعراء الصعاليك في التاريخ العربي.

ثم تطور مفهوم الفتونة حتى بات بالإضافة إلى ذلك عملاً معنويًا محضًا يضفي على صاحبه الكثير من المهابة، فهو في الحي الذي يقطنه راعي النظام وراعي العدل وفارض المكوس والضرائب على الأغنياء من أجل توزيعها على الفقراء، وهو المنوط به فض المشاجرات وإجراء مجالس الصلح ولا يجب في كل الحالات رد الحكم الذي ينطق به في المجلس.

هؤلاء الفتوات كانوا أصحاب أدوار وطنية مرموقة ورفيعة فكانوا إبان الاحتلال الانكليزي والفرنسي قادرين على إيقاع الأذى بجنودهم فكانوا يخطفون الكثيرين منهم ولا يفرجون عنهم إلا مقابل الإفراج عن الثوريين المصريين ، وكان إبراهيم كروم مقصد كل ذي حاجة حتى الفدائيين أنفسهم لجئوا إليه في بعض الأحيان.

وقد حفظ الفتوات أمن القاهرة في بعض فترات القرن العشرين في غيبة أو بجانب الأمن النظامي. كان الحاج إبراهيم كروم رجلاً شهماً، قوي البنية، وسيم الطلعة، حلو اللسان، إلى الحد الذى كثيرا ما توسط بين الناس وبعض المصالح الحكومية لإنهاء مصالحهم.


.

النشأة

يروي مصطفى كروم:

أن والده إبراهيم ولد عام 1909 في عصر الخديوي عباس حلمي الثاني، ونشأ بمنطقة الوراق قبل أن يفد مع والده راعي الأغنام إلى منطقة حوض الزهور ببولاق أبو العلا للبحث عن رزقه، وحين وصل "كروم" إلى عمر الـ 17 عامًا بدءا في العمل مع معسكرات الإنجليز في رصف الطرق بيومية تقدر بـ5 مليمات، حاملًا قصعته بحثًاَ عن لقمة العيش.

وبعد تخطيه الـ17 عامًا اصبح عود "إبراهيم" يافعا وشديدا متسمًا بالقوة، لتذاع شهرته كفتوة حين داخل في مشاجرة كبيرة ضمت عددا من الفتوات انتصر عليهم بنبوته مصيبًا قرابة الثمانية أشخاص في معركة تحاكى بها أهالي السبتية آنذاك، ومن هنا بات "كروم" صاحب كلمة على قاطني المنطقة الذين لجأوا إليه لحمايتهم وحل مشاكلهم الواقعة بينهم.

ويضيف:

منذ عام 1936 حتى 1944 خلال الحرب العالمية الثانية حقق الفتوة " كروم"، ثروة كبيرة من بيع السكر حيث شهدت تلك الفترة شحا كبيرا فيه، وذلك من خلال صرف حصص كبيرة من السكر لبيعها إلى أهالي السبتية والمناطق المجاورة لها. (1)

إبراهيم كروم الفتوة

كان الحاج إبراهيم كروم فتوة بولاق والسبتية يشتغل بتجارة الحديد الخردة ويملك مقهىً شهيراً يحمل اسمه كان بمثابة ديوان المظالم الذي يعقد فيه مجلسه الليلي لحل مشاكل سكان بولاق وفض خصوماتهم.كان قوي البدن مفتول العضلات يتمتع بلياقة فنية في المصارعة ، ومن خلال ذلك يستطيع أن يصرع عشرة رجال .

استطاع أن يفرض سطوته على قطاع عريض من الناس ، بل تخطى سلطانه حدود الحي الذي يحكمه ... وكان يفرض الإتاوات، ويطيح بالأقوياء ويؤدب المناوئين له ويريق الدماء، ويحرق ويدمر ، وكانت الشرطة تعمل له ألف حساب ، وتتجنب الاصطدام به وبرجاله ، ويعتبرون العلاقة الطيبة به من وسائل الاستقرار واستتباب الأمن .

كما كان رجال الأحزاب في الحي يجاملونه ويتقربون إليه من أجل الانتخابات قبل الثورة، ويتسابقون لإنقاذه إذا وقع في ورطة مع الحكومة حتى يكتسبوا رضاه، أو تأييده . لم يكن إبراهيم كروم تفارقه "الحاجة"، وهي الشومة التي اشتهر بها، وكانت وسيلته في فض المعارك وأداته في التحطيب (اللعب بالعصا) الذي كان يجيده مع ركوب الخيل.

وفي الوقت نفسه كان رقيقًا يتأثر عندما يشاهد الفقراء المحتاجين والمظلومين الذين لا يستطيعون الوصول إلى حقهم، وكان يرعى كافة الأسر التي تفقد عائلها ويفرض إتاوات على الأثرياء لرعاية تلك الأسر المنكوبة؛ وكان يتولى حل جميع المشكلات التي تواجه أصحاب المحال والوكالات مع الإدارات الحكومية المختلفة ، وكان لا يعتدي على ضعيف أو يسرق فقيرًا، بل يساعدهم ، وكان كثيرًا ما يدفع نيابة عنهم ديونهم المتراكمة إلى جانب ذلك يعد إبراهيم كروم أشهر راقصي العصا في عصره، وقد قدمته بعثة سينمائية ألمانية في فيلم تسجيلي وهو يرقص بعصاتين على أنغام موسيقى النقرزان. (2)

إبراهيم كروم في رحاب دعوة الإخوان

كان لفكر الإخوان المسلمين ودعوتهم الأثر الأكبر على كثير من النفوس التي لم تقنعها كلمات الوعاظ أو الدعاة، حتى أنه جاء في تقرير أحد رجال البوليس ذكر أن كثيرا من الذين لم تنفع معه وسائل التأديب البوليسية ولم تردعهم عن ارتكاب بعض الزلات قد أفلحت معهم الوسائل الروحية التي تؤثر بها جماعة الإخوان ! على نفوسهم فصاروا من أمثلة الاستقامة والصلاح، وأنه يقترح أن تشجع الحكومة وتعمل على تعميم فروع هذه الجماعة في البلاد حتى يكون في ذلك اكبر خدمة للأمن والإصلاح.

وكان من هؤلاء الحاج إبراهيم كروم فتوة بولاق والسبتية، انضم "إبراهيم كروم" للإخوان المسلمين في أربعينيات القرن العشرين ، وكان لذلك قصة اختلفت باختلاف الروايات

حيث جاءت رواية الأديب نجيب الكيلاني بقوله:

عندما اتسع المد الإخواني وأصبح لحسن البنا تأثير كبير في الشارع المصري نظم الإخوان للإمام حسن مؤتمرا ً في ميدان سيدي سعيد بشارع السبتية ،وكان الحاج إبراهيم كروم فتوة السبتية ،فاستدعاه أحد رجال الأحزاب وعقد معه صفقة مؤداها: أن يدفعوا له مبلغًا كبيرًا من المال ، وأن يحموه من بطش السلطة ، وذلك إذا استطاع أن يذهب إلى المركز العام للإخوان في أحد أيام الثلاثاء أثناء إلقاء المرشد درسه الأسبوعي على جموع الإخوان في ميدان الحلمية الجديدة وأن يعتدي على البنا ، ويفسد الاجتماع ، وهناك رواية أخرى أن المطلوب قتل حسن البنا وليس إفساد الاجتماع ، وكان هذا أمرًا عاديًا بالنسبة لإبراهيم كروم ، فوافق على الصفقة فورًا .
وفي اليوم المعهود أخذ رجاله وسلاحه وقصد المؤتمر، وكان الإمام الشهيد يتحدث عن مبادئ الإسلام وأمجاده ، بأسلوبه المؤثر الساحر ، ولم يكن يقطع هذا المشهد الرائع إلا الهتافات والشعارات المعروفة لدى الإخوان " الله أكبر ولله الحمد ... الله غايتنا ، والرسول زعيمنا، والقرآن دستورنا ، والجهاد سبيلنا ، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا".
فإذا به يقول لنفسه نسمع الرجل قبل تنفيذ مهمتنا ، فإذا بالكلام يهز قلبه وتعلقت عينا إبراهيم كروم بحسن البنا مشدوها مما يسمع ... ونسي تمامًا ما جاء من أجله ، وفي لحظة من اللحظات ، وجد إبراهيم كروم نفسه يهتف يا نور النبي .. يا نور النبي وذهب ليعانق الإمام البنا على المنصة فمنعه الإخوان إلا أن الإمام البنا أخذ بيده وأجلسه بجانبه؛ وما أن انتهى المرشد من حديثه حتى أخبره بالهدف الذي جاء من أجله حتى هداه الله ، وعاهد الإمام البنا منذ ذلك الوقت على التوبة وانضم منذ ذلك الحين إلى الإخوان المسلمين وصلح حاله .
وتاب إبراهيم وودع حياة الدماء والعدوان، وبدأ عهدًا جديدًا من الطاعة والصفاء ، فكان يبدأ يومه بالمسجد في صلاة الفجر ، وينهيه في المركز العام للإخوان مستمعًا إلى الأحاديث الطيبة ، بعد أن أصبح أثيرًا لدي الإمام البنا رحمه الله. وانصرف إبراهيم بعد أن حج بيت الله الحرام إلى التجارة الحلال ، فكثرت أمواله ، واستقام سلوكه ، وأصبح من المشهود لهم بحسن العبادة ، وكرم الأخلاق والعطف على الفقراء، وكان حريصا على حضور درس الثلاثاء في مقر الجماعة بالحلمية. (3)

ويروى الأستاذ عمر التلمساني في كتاب حسن البنا الملهم الموهوب والدكتور محمود عساف، والأستاذ محمد عبد الحميد أحمد في مذكراته رواية أخرى وملخصها:

في أحد الأيام دعا إخوان شعبة السبتية الأستاذ الإمام ليلقي كلمة على أهل الحي وجمعوا من أنفسهم تبرعات لا تكاد تكفي لإقامة سرادق صغير. علم إبراهيم كروم بالأمر فأخذته النخوة المشهورة عند الفتوات وذهب بنفسه إلى أصحاب المتاجر يجمع منهم التبرعات التي فرضها على كل منهم لتجهيز السرادق، وفي المساء حضر الأستاذ الإمام إلى السرادق وحكوا له ما قدمه إبراهيم كروم من مساعدة فقربه الإمام إليه وصار يؤثره بالحديث قبل الخطبة وبعدها
وذهب إبراهيم كروم يزور الإمام في دار الإخوان المسلمين بالحلمية الجديدة ثم حضر حديث الثلاثاء واستمع إلى كلام عن الإسلام لم يسمعه من أحد من قبل . فتعلق قلبه بالإمام ومن ثم بدعوة الإخوان التي وجد فيها إلى جانب الدعوة إلى الإيمان الحث على الفضائل والشهامة والاستعداد بالقوة. (4)

ويقول عباس السيسي رواية ترجح كلا الروايتين السابقتين فيقول:

رغب الإخوان في حي بولاق بالقاهرة الاحتفال بذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، فذهبوا يبحثون عن أرض فضاء يقيمون عليها سرداقاً يؤمه الناس بهذه المناسبة التي سيخطب فيها فضيلة المرشد.. وفيما هم يبحثون وقع نظرهم على أرض مناسبة، ولكنهم علموا أن صاحب الأرض (مسيحي)، وبينما هم في حيرتهم يناقشون الأمر إذا برجل كان يجلس على مقهى مجاور لهذه الأرض، فسألوه: هل يمكن استئجار هذه الأرض لنقيم عليها حفلاً إسلامياً بمناسبة ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم؟
فاستقبلهم الرجل بأحسن الأخلاق، وقال لهم: إن هذه الأرض ليس ملكا لي، ولكني نيابة عن صاحبها أقول لكم أقيموا الحفل على ضمانتي.. فعجب الإخوان من سماحة الرجل وشجاعته، وعرفوا أخيراً أن هذا الرجل هو (المعلم إبراهيم كروم) فتوة حي بولاق الشهير. وذهب الإخوان إلى الأستاذ البنا وأخبروه بما حدث، فكان ذلك مبعث سرور له.
وجاء موعد الحفل، وهرع الجميع للاستماع إلى مناقب الرسول صلى الله عليه وسلم في الاحتفال.. وحين وصل الأستاذ البنا إلى سرادق الاحتفال توجه رأساً إلى المقهى وسأل عن المعلم إبراهيم كروم وسلم عليه بحرارة وشكره على موقفه، وحضر المعلم إبراهيم كروم الحفل واستمع إلى فضيلة المرشد وهو يحييه مرة ثانية أمام الجماهير، وما إن انتهى الحفل حتى أصر المعلم إبراهيم كروم على دعوة الأستاذ على كوب شاي في المقهى.. ومنذ ذلك اليوم وإبراهيم كروم دائم الحضور إلى المركز العام، ولم تنقطع صلته به في يوم من الأيام. (5)

كروم بين الجهاد والاعتقال

انتظم إبراهيم كروم في صفوف الإخوان وظل ملاصقا للإمام البنا حتى أنه شارك الإخوان في حرب فلسطين، فتوجه إلى الصحراء الغربية قبيل حرب فلسطين واشترى أسلحة كثيرة من بقايا الحرب العالمية الثانية، وقدمها هدية للجيش المصري والمتطوعين.

ولما حل النقراشي جماعة الإخوان المسلمين في 8 من ديسمبر 1948 ، وتم اعتقال كل من ينتمى للإخوان توجه إبراهيم كروم إلى ضابط القسم ، وقال له إن صدر أمر باعتقالي فتعالى بالنهار لا بالليل حتى لا أظن أن أحد جاء يهاجمني فأطلق عليكم النار، بالفعل تم اعتقاله وإرساله إلى سجن الطور مع الإخوان.

يقول الدكتور أحمد الشرباصي في مذكراته تحت عنوان: فتوة " تهديه الدعوة ":

الأربعاء 18 مايو 1949م،وصل إلينا من الطور الحاج إبراهيم كروم .. يا له من اسم يزلزل القلوب ويثير المخاوف.  لقد كان إبراهيم كروم أكبر فتوة فى السبتية وكان الجميع يرهبه ويخافه وكان صاحب رقم قياسى فى المعارك والحوادث والقضايا وطالما سدد قذائف وتلقى قذائف وقضى فى مختلف السجون القاسية الشاقة مراحل ومراحل؛
ثم اهتدى العملاق وتاب ورجع عن الشر وثاب، وألف المصحف والمسجد والعبادة وكفر عن ماضيه بجميل أياديه فى حاضره ... لقد هدته الدعوة وانتزعه المرشد العام ببراعته وإخلاصه من ميدان الشقاء واكتسبه جنديا قويا لدعوة السماء .  والحاج كروم لا يكتم ذلك ولا ينكره بل يردده ويفخر به ويحمد الله على أن هداه سواء السبيل قبل أن يدركه الموت وهو على ما كان فيه. (6)

حتى أنه يحكي كيف قضوا العيد في السجن فيقول:

صلينا الفجر بإمامة الشيخ إبراهيم جلاب ثم بدأنا التكبير في حذر ثم خطب الأستاذ حسن دوح للعيد وثار وهو يتكلم فبح صوته ثم تناولنا الشاي وجانبا من الحلوى وكان شقيقي الاستاذ سعيد قد بعث الى بجانب كبير منها مع دجاجتين كانتا موضوعا للدعابى زمنا طويلا ثم بدأ الحاج إبراهيم كروم الأخ المسلم "وشيخ مشايخ فتوات حي السبتية سابقا" في دعاباته فعرض علينا "زفة جعلص" ثم أرانا فنونا من لعبة "التحطيب" ثم بدأ يشرح كيف تدافع عن نفسك وكيف تهاجم الفتوات وكيف تتقى الضرب بالمقاعد والمناضد وكيف تحدث المعارك والخناقات. (7)

ومن المواقف الشجاعة له في سجن الطور والتي يحكيها الدكتور القرضاوي:

أن الحكومة عام 1949م دست وسطهم بعض البسابس لنقل أخبار الإخوان وما يتحدثون به وما يقومون بفعله غير أننا لم نقم بشيء نخفيه فكل أعمالنا عبادة وطاعة مما أرهق البسابس الذين أخذوا في مضايقتنا، ولم يطق هؤلاء البسابس الحياة الروحية للإخوان، واستيقاظهم لصلاة الفجر، وحرصهم على الصلوات، ولهذا سرعان ما انكشف هؤلاء؛

فالإخوان ينهضون للصلاة وهم نائمون، وفي يوم كان الإخوان يصلون وهم يهتفون "عاش جلالة الملك"؛ وهو ما أثار حفيظة الأخ الشهم "إبراهيم كروم" فتوة القاهرة المعروف، الذي جمع عددا من الشباب الأقوياء، وانهالوا على هؤلاء (البسابس) ضربا حتى أصابوهم بجراح، وعملت قضية للحاج كروم، وعلمت أنه حُكم عليه فيها - بعد خروجه من المعتقل - بستة أشهر. (8)

وقد لفت نظر الجميع رقته وفطرته السوية حيث كان يتعامل مع الناس بتلقائية ،فيصفق بيديه كما يفعل الرجل الشعبي الأصيل، ويرحب بالجميع في حرارة، ويلقي بكلمات تعبر عن الحب والتقدير، ولم يحاول السجانة، أو حتى الضابط أن يمنعه من ذلك .

يقول الدكتور محمود عساف:

آخر مرة التقيت فيها بإبراهيم كروم ، كانت في معتقل الطور 1949، كان يسير في الفناء شامخا نوره يسعى بين أيديه. وقد حل على الإخوان العيد وهم رهن الاعتقال ، وقد استغل الحاج إبراهيم كروم المناسبة للاحتفال واللعب والضحك. (9)

إبراهيم كروم في أعقاب الثورة

عاد الإخوان مرة أخرى بعد إلغاء قرار الحل عام 1951م وعملوا على التعاون مع رجال الجيش في الإطاحة بالملك فاروق وهو ما تحقق في 23 يوليو 1952م غير أن الأمور لم تدم طويلا حتى تفرق رجال الجيش واختلفوا حول الحكم فاختلف المدنيون أيضا، حتى أن عبد الناصر وفريقه استطاعوا أن يطيحوا بمحمد نجيب ومجموعته مما دفع الإخوان وكثير من الشعب للخروج منددين بما جرى في مارس 1954م حيث خرجت مظاهرات تطالب بعودة محمد نجيب إلى سدة الحكم

وبالفعل خرجت المظاهرات من جامعة القاهرة، واتجهت ناحية كوبري الجلاء للوصول إلى كوبري قصر النيل، سعياً للوصول إلى ميدان عابدين في قلب القاهرة؛ فقد اتفقت شُعب الإخوان المختلفة أن يكون اللقاء في الساعة العاشرة صباحاً أمام قصر عابدين، للمطالبة بعودة محمد نجيب ،فقد خرجت المظاهرة من جامعة القاهرة ولم يكن لدى أي من الإخوان سيارة في هذا الوقت، فتوجهوا إلى الحاج إبراهيم كروم، فأرسل لهم سيارة.

ولما نظم الإخوان مظاهرة للمطالبة بعودة محمد نجيب اتجه الحاج إبراهيم كروم إلى قصر عابدين، ويومها أطلق الأمن أعيرة نارية أصابت عدداً من الشباب، فسارع بنقلهم لسيارة الإسعاف ثم عاد إلى طليعة المظاهرة أمام القصر، رافعاً شاله الكشمير الملطخ بدماء المصابين، منددا بتجاوزات الأمن، طالبا من الرئيس محمد نجيب وجمال عبد الناصر العمل على وقفها. (10)

ويروي مصطفى كروم:

أن والده التقى برجال مجلس الثورة عام 1952 وكان محبوبا لديهم حيث استقبله محمد نجيب في إحدى المرات، لجسارته ومواقفه الشجاعة تجاه ثورة يوليو.

اعتقال ثان

بلغت ذروة الصدام بين الإخوان وعبد الناصر عام 1954م مما عجل بالقضاء على الإخوان ، فقبض على إبراهيم كروم عام 1954، ضمن الحملة التي طالت الإخوان بعد حادث محاولة اغتيال عبد الناصر في المنشية، فزج به دخل السجن الحربى، وكان يتميز بعاطفة ورقة وإيمانه تجعله يتأثر لما يتعرض له الإخوان من محن، وشارك الإخوان آلامهم صابرا محتسبا .

وفى السجن الحربى كان يستقبل النزيل الجديد بالضرب، وعندما سيق الحاج إبراهيم كروم إلى السجن الحربى، شاءت الأقدر ألا يضرب مثل باقي الإخوان، وكان مع الحاج محفوظ حلمي في زنزانة واحدة وكان الإخوان حريصين عليه ، فكانوا يقدمونه للصلاة ، فكان يقنت في الصلاة على طريقته بتلقائية مثيرة للضحك دون تكلف. (11)

أصيب في السجن بمتاعب صحية نقل على إثرها إلى القصر العيني.. ثم تم الإفراج عنه سنة 1955م لأسباب صحية، حيث توسط السادات لدى عبد الناصر الذي كان يعرف الرجل فأصدر قرارا بالإفراج الصحي عنه. وربما فعل السادات ذلك لوقوف إبراهيم كروم بجانبه وقت محنته في قضية مقتل أمين عثمان – الوزير الوفدي – حيث يحكي أهل الضاحية أن كروم خبأ الرئيس الراحل أنور السادات حين اتُّهم في قضية اغتيال أمين عثمان الذي كان وزير المال في الحــكومة الوفدية عام 1946م. (12)

كان إبراهيم كروم وطنيا لم تغيره الخلافات السياسية وكان يرى أن له دورا مهما في نصرة مواقف بلاده والوقوف خلف قيادتها، وفي أثناء العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956م صدر قرار اختيار إبراهيم كروم قائدًا لقوات الدفاع الشعبي لغرب القاهرة.. وتم تسليمه ربع مليون قطعة سلاح ما بين رشاشات بورسعيد والبنادق الروسية الآلية ومليون طلقة بالإضافة إلى مئات القنابل اليدوية.. وأعيدت كلها كاملة بعد انتهاء العدوان إلى الجيش المصري.

ومن أهم مواقف الحاج إبراهيم كروم اللافتة الشهيرة التي علقها بمناسبة مرور جمال عبد الناصر بحي بولاق وكانت تقول: "إبراهيم كروم فتوة بولاق، يحيي جمال عبد الناصر فتوة مصر" (13). كان "إبراهيم كروم" طويل القامة وعريض المنكبين وذا شارب كثيف، وكان لديه قرابة 108 جلاليب من أفخم الأقمشة الإنجليزية وغيرها من ماركات شهيرة، حيث كان يحب الاهتمام بشكله ومظهره أمام الناس، كما كان يحمل نبتوًا تميز به عن باقي الفتوات آنذاك.

وبالرغم من قوة شخصيته وشدته، إلا أنه كان حنونا على أولاده وأسرته ولم يبخل عليهم بأي شيء وحرص على تعليم أبنائه وأدخلهم أفضل المدارس القومية، وكان عطوفًا مع الفقراء ويقوم بمساعدتهم في أي شيء وكانت الحكومة تطلبه لحل أقوى النزاعات العائلية للفصل بينها وحلها حين كان يعجز المسؤولون عن إنهائها – كما يصف ابنه مصطفى كروم.

وفاته

في عام 1963 أسدل الستار على حياة أشهر فتوة بالسبتية "إبراهيم كروم" عن عمر 54 عامًا، لتصبح حياته أسطورة لن تتكرر، بعد أن وافته المنية وسط أحزان أهالي منطقته وفتوات عصره، لتشيد له جنازة حافلة حضرها كبار الشخصيات والمشايخ و مندوب رئاسة الجمهورية، لتوديعه إلى مثواه الأخير. (14)

المراجع

  1. أحمد شريف: إبراهيم كروم أشهر فتوات السبتية الاثنين  9 ديسمبر 2019م
  2. نجيب الكيلاني: لمحات من حياتي، الجزء الأول، طـ1، مؤسسة الرسالة، 1995م، صـ159- 160.
  3. نجيب الكيلاني: لمحات من حياتي، مرجع سابق.
  4. محمود عساف: مع الإمام الشهيد حسن البنا ، 1413هـ/ 1993م ،محمد عبد الحميد أحمد: ذكرياتي، 1993م نسخة إلكترونية
  5.  عباس السيسي: حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية، الطبعة الثالثة، دار التوزيع والنشر الإسلامية 1978م.
  6. [[مذكرات الشيخ [أحمد الشرباصي]]: نسخة الكترونية على موقع إخوان ويكي
  7. مذكرات الشيخ أحمد الشرباصي: المرجع السابق.
  8. يوسف القرضاوي: ابن القرية والكتاب، نسخة إلكترونية إخوان ويكي
  9. محمود عساف: مع الإمام الشهيد حسن البنا ، مرجع سابق.
  10. محمود عبد الحليم: الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ، نسخة إلكترونية، محمد حامد أبو النصر: حقيقة الخلاف بين الإخوان المسلمون وعبد الناصر، نسخة إلكترونية
  11. حديث الذكريات مع الأستاذ محفوظ حلمي على اليوتيوب، الجزء الثاني
  12.  صفاء عزب: ظاهرة "الفتوّة" حفظها أدب محفوظ وذاكرة القاهرة القديمة، صحيفة الحياة، الخميس، 17 أغسطس - آب 2017م
  13. خيري شلبي: نسف الادمغة، دار الشروق، 2007م
  14. أحمد شريف: إبراهيم كروم أشهر فتوات السبتية، مرجع سابق.

ألبوم صور

الحاج إبراهيم كروم
 

الحاج إبراهيم كروم

الحاج-إبراهيم-كروم.jpg

الحاج إبراهيم كروم

المستشار-حسن-الهضيبي-وعبد-القادر-عودة-وعمر-التلمسانى-ومحمد-خميس-حميدة-والحاج-ابراهيم-كروم.jpg

الحاج إبراهيم كروم

سعد-الدين-الوليلي-والمعلم-إبراهيم-كروم-مع-بعض-الاخوان-الذين-تطوعوا-لحرب-فلسطين-عام-1948م.jpg