وقفات مع فكر سيد قطب

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الشهيد سيد قطب... قراءة فكرية

بقلم: د.شريف محمد حسن

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد ..

لا شك أن الموضوع الذي نتناوله الآن بالدراسة على قدر كبير من الأهمية للمهتمين بالعمل الإسلامي عموما وللمنخرطين في سلكه بصفة خاصة نحاول فيه التعامل مع بعض المعطيات التي توضح الرؤية حول شخصية محورية في تاريخ الحركة الإسلامية المعاصر، أثير حولها الكثير من غبار الشبهات.ومع الثورة الإعلامية الهائلة، كان للحركة الإسلامية نصيب لا بأس به من النقاشات والحوارات، بعضها موضوعي وبعضها مغرض، وكانت شخصية الأستاذ سيد قطب يرحمه الله حاضرة في هذه النقاشات والحوارات ، فضلا عن كتب ومقالات تناولت شخصية الرجل ما يحتم علينا أن نقف وقفة تحليلية مرتكزة بالأساس على كتاباته ومواقفه بنظرة شاملة بعيدا عن الإنتقاء والإجتزاء .


لا أزعم أنها الدراسة الوحيدة التي التي تناولت هذا الموضوع، فهناك دراسات كثيرة ومتنوعة ، تمثل إضافة إلى المكتبة الإسلامية، لكن الكثير منها يعوزه الإيجاز، ولا يناسب الشباب الذين يفضلون المعلومة السهلة المقتضبة بعيدا عن الكتب المطولة التي تفيد المتخصصين من الدارسين والباحثين.


يناقش البحث مسارين اثنين :

أولهما يتعلقبقضية وصفه رحمه الله للمجتمعات الإسلامية بالجاهلية وتكفير المجتمع واستخدام العنف لإقامة النظام الإسلامي، وانتماؤه رحمه الله لحركة الإخوان المسلمين.


والثاني يرتبط بما يثار حول مخالفته منهج السلف الصالح في بعض مسائل العقيدة وموقفه من مسألة وحدة الوجود وتأويل آيات الصفات.


المسار الأول

أكثر الأستاذ سيد قطب رحمه الله من استخدام مصطلح الجاهلية في كتاباته، مؤكدا على أن الإسلام لا يتحقق لفرد دون أن يمثل معتقدا في الضمير ، ومنطلقا للتصرفات والتصورات والتشريع،وأن الفارق الجوهري بين المجتمع الإسلامي والمجتمع الجاهلي يقاس بكون هذا المجتمع يحيا في ظل الإسلام عقيدة وشريعة ومنهاج حياة وجعل هذا المفهوم محورا لكثير من كتاباته لا سيما (معالم في الطريق) مما دفع بعضا من قرائه إلى اعتبار أنه يخرج قطاعا عريضا من المجتمعات الإسلامية من دائرة الإسلام .


فهل قصد الأستاذ سيد قطب من وصف المجتمعات بالجاهلية، أنها مجتمعات كافرة؟

لقد وردت كلمة الجاهلية في مواضع متفرقة من القرآن والسنة كقول الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه حين عير بلالا رضي الله عنه بأمه( إنك امرؤ فيك جاهلية) .

يقول البخاري رضي الله عنه معلقا على الحديث (المعاصي من أمر الجاهلية لا يكفر صاحبها بارتكابها) وفي حديث رواه البخاري يقول الرسول صلى الله عليه وسلم( من فارق الجماعة شبرا فمات فميتته جاهلية)، يقول الشوكاني في شرحه للحديث( الجاهلية هنا للتشبيه وليس للحكم) يقصد أنه صلى الله عليه وسلم لا يحكم على الفاعل بالكفر ، لكن يشبه فعله بأفعال الكافرين.


ولعله من المناسب أن نحمل كلام الأستاذ سيد على مثل هذا المحمل، خصوصا وأنه لم يستخدم كلمة الكفر صراحة، مع أن هذه الكلمة نفسها وردت في معرض النهي عن أعمال لا يكفر مرتكبها ، إنما قصد بها التنفير من الفعل، وقول ابن عباس وطاووس مشهور في هذا السياق(كفر دون كفر) و(كفر لا ينقل عن الله) أي لا يخرج من الملة. ومع أن السنة تشير إلى أن سباب المسلم فسوق وقتاله كفر، إلا أن القرآن لم ينف الإسلام عن الطائفتين المتقاتلتين مما يدل على أن الحكم في الحديث ليس عاما، ولا يحمل على ظاهر اللفظ ،وكذلك ما ورد في نفي الإيمان عن السارق حين يسرق وعن الزاني حين يزني ،فالجمهور على أن السرقة والزنا من الكبائر، وأهل السنة لا يُكفّرون بالكبيرة،ولوجود ما يدلل على ذلك من صريح السنة كقول جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم في ما رواه البخاري(بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، قلت يا جبريل وإن سرق وإن زنا، قال نعم، قلت وإن سرق وإن زنا، قال نعم، قلت وإن سرق وإن زنا،قال نعم وإن شرب الخمر)

وكذلك الأحاديث النبوية البادئة ب(ليس منا) تشتمل على النهي عن أفعال لا يكفر صاحبها بارتكابها، كمن بات شبعانا وجاره إلى جنبه طاو، ومن لم يرحم الصغير ، أو يوقر الكبير، ومن لم يحفظ للعالم حقه،ومن لم يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر، ومن لا يأمن جاره بوائقه... إلى آخر ما اشتملت عليه السنة المطهرة ،والمنهج العلمي يقتضي أن نجمع بين النصوص فنحمل المجمل على المبين، والمبهم على الواضح.


والمبين في كتابات الأستاذ سيد قطب يغنينا عن اجتزاء المجمل واقتطاع المبهم بقصد أو بغير قصد، والحكم على فكر الرجل من خلالهما ،فهو يرى أن الجاهلية ليست حالة عقائدية،يتجلى ذلك في تفسيره لقول الله عز وجل(ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) حيث يقول(والجاهلية حالة اجتماعية معينة ذات تصورات معينة للحياة ،ويمكن أن توجد هذه الحالة وأن يوجد هذا التصور في أي زمان وفي أي مكان، فيكون دليلا على الجاهلية حيث كان )ولعله من الهام جدا أن نورد هنا رده هو بنفسه عندا علم في داخل سجنه أن بعض الشباب قد فهموا فكره بصورة مشوهة، ونقلوا عنه فهمهم لكلامه لا قصده منه، فقال"إننا لم نكفر الناس ، وهذا نقل مشوه، إنما نحن نقول لهم : إنهم صاروا من ناحية الجهل بحقيقة العقيدة وعدم تصور مدلولها الصحيح، والبعد عن الحياة الإسلامية، إلى حال تشبه حال المجتمعات في الجاهلية ، وإنه من أجل هذا لا تكون نقطة البدء في الحركة هي إقامة النظام الإسلامي، ولكن تكون إعادة زرع العقيدة والتربية الأخلاقية الإسلامية، فالمسألة تتعلق بالناحية الحركية قبل الحكم على الناس."


لاحظ هنا كلمة"حال تشبه حال المجتمعات في الجاهلية" ،فهو مجرد شبه كالشبه الحاصل في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم بين مفارق الجماعة والكافر ، وبين السارق أو الزاني والكافر، وبين تارك الصلاة غير جاحد بها والكافر، ...الخ


ثم إنه لخص ذلك الشبه بين الحالة التي تواجهها الحركة الإسلامية المعاصرة والتي كانت تواجهها الحركة الإسلامية الأولى على حد تعبيره في الآتي:


1-بعد المجتمعات عن فهم مدلول العقيدة والغيرة عليها.

2-البعد عن الأخلاق الإسلامية.

3-وجود معسكرات استعمارية قوية تحارب كل محاولة للدعوة وتعمل على تدميرها، وذلك بتدبير الدسائس والتوجيهات المؤدية لهذا الغرض.

ونلاحظ هنا أن البند الثالث خارجي ( بمعنى أنه غير مرتبط بحالة المجتمعات الإسلامية نفسها) ، والبند الثاني داخلي وهو أخلاقي وليس عقائديا يعكس حالة المجتمعات الإسلامية أخلاقيا في العصر الذي يحياه الكاتب من تأثر بالغ بحياة الغرب وتحلله من القيود الأخلاقية، وهو أمر تكاد تجمع عليه الكتابات التي عالجت هذه الفترة بالدراسة، أما البند الأول فعقائدي ،غير أنه لا ينفي الإسلام عن المجتمعات الإسلامية ،بل إنه يتحدث عن قضية الفهم بحد ذاتها، فالمجتمعات عنده ليست خالعة ربقة العقيدة ،لكنها تعاني بعدا عن فهم مدلولها، وربما يقصد حالة الخوف التي اعترت المجتمعات من أن تطالب بحقوقها المسلوبة، وحريتها المنهوبة،واحترام إرادتها في أن تحكم بشريعتها، دون سجون ومعتقلات، وتعذيب يفوق طاقة البشر،قاساه قطب وإخوانه دون جرم اقترفوه،غير أن هم حلموا كما حلمت الشعوب المسلمة أن ينعموا بالحرية التي يستحقونها، وحاولوا تحويل الحلم إلى واقع،ولم يحالوا ذلك عبر فوهات البنادق، بل من خلال العمل السلمي،عبر جهاد الكلمة والقلم.


وأرجع الأستاذ سيد قطب هذا الخوف الضارب بأطنابه في نفوس الجماهير المسلمة، إلى ضعف في قضية التوكل على الله عز وجل، التي هي من قضايا العقيدة بالأساس،فهو يرى من هذا المنظور أن الخطوة الأولى للإصلاح تكمن في إعادة غرس هذه المعاني العقدية السامية،حتى تتقبل الجماهير دفع ثمن الحرية دون خوف أو وجل.


إذن هو تذكير للمسلم أن يعيد اكتشاف نفسه، وأن يتعامل مع مبادئ عقيدته بعيدا عن حواجز الخوف والرغبة في الحياة، أيا كانت هذه الحياة، ولم تكن بأي حال حكما على مسلم بالكفر، ولعله من المفيد جدا أن نرجع إلى تفسير الأستاذ قطب لقول الله عز وجل(ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا) يقول رحمه الله(يكتفي الإسلام هنا بالنطق بكلمة اللسان، فلا دليل يناقضها)


وجاء في التحقيقات الجنائية لنيابة أمن الدولة التي أجراها صلاح نصر مع الأستاذ سيد قطب حيث وجه إليه سؤالا: هل ترى أن هناك فرقا بين المسلم المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين وغير المنتمي لتلك الجماعة؟ فأجاب: "التمييز ليس شخصيا ، ولكن باعتبار أن الجماعة ذات برنامج، وأن كل شخص فيها مرتبط بهذا البرنامج، وهذا وجه التمييز".


والدلالة هنا واضحة، والقصد بين، فالفرد المنتمي للإخوان مسلم له برنامج إصلاحي، وغير المنتمي مسلم لا يرتبط بهذا البرنامج.

ثم إنه ذكر أن جاهلية المجتمع لا تعني جاهلية الأفراد الذين يحيون في هذا المجتمع لأنه فيما يختص بالفرد؛ الاحتكام إلى عقيدته وخلقه، وفيما يختص بالأمة؛ الاحتكام إلى نظام حياتها كلها.


استخدام العنف في فكر سيد قطب

استخدمت بعض الحركات الإسلامية العنف داخل المجتمعات المسلمة ومارست القتل والتخريب والتفجير، باعتباره وسيلة لهدم المجتمع حتى يبنى من جديد على أساس الإسلام، وادعوا أن الأستاذ سيد قطب يمثل ملهما فكريا لهم، ولم تكن أبواق السلطات في عالمنا الإسلامي لتضيع هذه الفرصة لتبرز الرجل وكأنه المُنظّر الأكبر لحركات العنف في العالم الإسلامي، ولتصور الحركات الإسلامية المعتدلة على أنها مفرخة سرعان ما تخرّج من تحت عباءتها جماعات العنف والإرهاب، متناسين أن الأخيرة ما خرجت من عباءة الأولى إلا لأن عباءة الأولى رفضت أن تبقيها في إطارها.

وللأستاذ قطب رحمه الله مقولات بينة وقطعية في رفض استخدام العنف لإقامة النظام الإسلامي .


يقول:(الحركة الإسلامية لا تريد أن تعتدي، ولا أن تستخدم القوة في فرض النظام الذي تؤمن بضرورة قيامه )

ويقول: (لقد اتفقنا على مبدأ عدم استخدام القوة لقلب نظام الحكم، وفرض النظام الإسلامي من أعلى) ويقول بوضوح شديد في إطار حديثه عن واجبات الحركة الإسلامية وعلى رأسها توضيح مدلول العقيدة(وعدم فرض النظام الإسلامي عن طريق الاستيلاء على الحكم ، قبل أن تكون القاعدة المسلمة في المجتمعات هي التي تطلب النظام الإسلامي، لأنها عرفته على حقيقته، وتريد أن تحكم به )


فهو إذن يرى أن الوصول إلى تطبيق النظام الإسلامي ليس الخطوة الأولى، بل ليس هدفا عاجلا، إذْ لا يمكن الوصول إليه إلا عبر العنف،بل هو خطوة تسبقها خطوات ، أهمها ضرورة إقناع الناس بفكر الحركة الإسلامية ،حتى يختار الناس هذا الفكر عن طواعية، وبمحض إرادتهم، وهذا يشكل صورة راقية من صور العمل السياسي السلمي.


يقول رحمه الله:(الوصول إلى تطبيق النظام الإسلامي والحكم بشريعة الله ، ليس هدفا عاجلا، لأنه لا يمكن تحقيقه إلا بعد نقل المجتمعات ذاتها) يقصد نقلها من التأثر بالفكر غير الإسلامي إلى التأثر بالفكر الإسلامي.

ويقول:(ليست المطالبة بإقامة النظام الإسلامي ، وتحكيم الشريعة الإسلامية، هي نقطة البدء، ولكن نقطة البدء هي نقل المجتمعات ذاتها-حكاما ومحكومين-عن الطريق السالف إلى المفهومات الإسلامية الصحيحة )

وحين يتحدث عن شباب الحركة الإسلامية ،يرى ضرورة(ضبط حركاتهم بحيث لا يقع اندفاع في غير محله ،فعقلية البدء بإقامة النظام الإسلامي من قمة الحكم قد تغلب على عقلية البدء بإقامة العقيدة والخلق، والاتجاه في قاعدة المجتمع)


العزلة

كما فهم البعض أن فكر الأستاذ سيد قطب يدعو إلى تكفير المجتمع، فهموا أيضا أنه يدعو إلى اعتزال الآباء والأمهات، والإخوة والأخوات،باعتبارهم كفارا، بل دعا البعضُ إلى الهجرة إلى الجبال،وفسخ عقود الزواج.


ولم يطلب الشهيد هذا ولم يدع إليه، بل لم يقره، إنما دعا إلى ما أسماه العزلة الشعورية،التي تجعل المسلم يسير في عالم الناس ويخالطهم، بينما يؤثر فيهم بما عنده من خير، ولا يتأثر بما عندهم من شر.

ولنتأمل قوله في هذا الصدد في رسالته القيمة (أفراح الروح) لندرك كم الظلم الذي تعرض له فكر الرجل بين مريديه ومناوئيه.


(حين نعتزل الناس لأننا نحس أننا أطهر منهم روحا، أو أطيب منهم قلبا، أو أرحب منهم نفسا، أوأذكى منهم عقلا ، لا نكون قد صنعنا شيئا كبيرا، لقد اخترنا لأنفسنا أيسر السبل وأقلها مؤونة)


دولة إسلامية وليست دينية

حين يتحدث الأستاذ سيد قطب عن شكل الدولة في ظل النظام الإسلامي، يقول عنها:(لا يمكن أن تقوم بأن يتولى الحاكمية في الأرض رجال بأعيانهم هم رجال دين، كما كان الأمر في سلطان الكنيسة، ولا رجال ينطقون باسم الآلهة،كما كان الحال فيما يعرف باسم "الثيوقراطية" أو الحكم الإلهي المقدس،ولكنها تقوم بأن تكون شريعة الله هي الحاكمة، وأن يكون مرد الأمر إلى الله وفق ما قرره من شريعة مبينة)وهذا يوضح أن نظام الحكم في الإسلام يتم من خلال الأمة ذاتها بحيث تكون أحكام الشريعة القطعية من الثوابت وذلك يعتمد على ثلاثة مبادئ هي البيعة والشورى ومحاسبة الحكام.


ولا توجد صيغة معينة للبيعة في الإسلام، وقد يكون الانتخاب المباشر لرئيس الدولة مناسبا .

ووجود الثوابت الشرعية لا يتعارض مع مبادئ الديمقراطية ، فلكل نظام ديمقراطي ثوابت لا تمس.

وما هو خارج إطار الثوابت وهو الأعم الأغلب فرأي الأغلبية فيه ملزم.

هذا والنظام الإسلامي كله بثوابته ومتغيراته، وقطعياته وظنياته، لا ينبغي أن يطبق في مجتمع حتى تكون القاعدة المسلمة في هذا المجتمع تطالب به كما سبق ذكره من كلام الأستاذ.


علاقة الدولة الإسلامية بالدول غير الإسلامية

يرى رحمه الله أن آيات سورة التوبة من بدايتها حتى الآية الثانية والعشرين خاصة بمشركي العرب،وليست حكما عاما لجميع الناس على وجه الأرض، وأن العهد الذي ضربه الله للمعاهدين هو خاص بمن نقضوا عهدهم قبل انقضاء أجله ،واستنكر قول القائلين بقتال المشركين إطلاقا، وأنكر قول من قالوا إن آية"فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" ناسخة لكل آية فيها أمر بالتسامح والتساهل مع المشركين وإمهالهم والإغضاء والصفح والإعراض عنهم.


قطب و الإخوان المسلمون

حرصت على التطرق لهذه النقطة ليقيني بأهميتها في هذا السياق، فسيد قطب التزم بدعوة الإخوان المسلمين حتى قضى نحبه، وهو يعلم يقينا أن هذه الدعوة لم تكن معنية يوما بإصدار الأحكام على الناس بل إن أحد الأصول العشرين التي صاغها الإمام المؤسس رحمه الله كان يعالج قضية التكفير( لا نكفر مسلما أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما برأي أو معصية ،إلا إن أقر بكلمة الكفر، أو كذب صريح القرآن أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال،أو عمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر).


بل إن الشهيد سيد قطب رحمه الله كان لا يرى بديلا لهذه الحركة يكافؤها للوقوف في وجه محاولات صرف الأمة عن دينها.


يقول رحمه الله: (كانت علاقتي بجماعة الإخوان تتوثق باعتبارها في نظري حقلا صالحا للعمل للإسلام على نطاق واسع في المنطقة كلها بحركة إحياء وبعث شاملة ،وهي الحركة التي ليس لها في نظري بديل يكافؤها للوقوف في وجه المخططات الصهيونية والصليبية الاستعمارية )


ويقول :(لقد امتلأت نفسي بضرورة وجود حركة إسلامية كحركة الإخوان المسلمين في هذه المنطقة، وضرورة عدم توقفها بحال من الأحوال، الصهيونية والصليبية الاستعمارية تكره هذه الحركة وتريد تدميرها)

مع ملاحظة أن هذه الكلمات قيلت قبل استشهاده بقليل في رسالة خطها في سجنه (لماذا أعدموني) وبعدما ألف كتابه معالم في الطريق.


ويقول رحمه الله: (لقد عرفَتْ العقيدة الإسلامية كثيرا من الدعاة، ولكن الدعاية غير البناء، وما كل داعية يملك أن يكون بنّاء، وما كل بنّاء يوهب هذه العبقرية الضخمة في البناء، هذا البناء الضخم"الإخوان المسلمون" ،إنه مظهر هذه العبقرية الضخمة في بناء الجماعات، ويمضي حسن البنا إلى جوار ربه، وقد استكمل البناءُ أسسه، يمضي فيكون استشهاده على النحو الذي أريد له عملية جديدة من عمليات البناء، عملية تعميق للأساس، وتقوية للجدران، وما كانت ألف خطبة وخطبة، ولا ألف رسالة للفقيد الشهيد، لتلهب الدعوة في نفوس الإخوان كما ألهبتها قطرات الدم الزكي المهراق)


(إن دعوة الإخوان المسلمين دعوة مجردة من التعصب، وإن الذين يقاومونها هم المتعصبون)


وقد كان رحمه الله ذات مرة في عام1953م في ضيافة المؤتمر الإسلامي في القدس، وذكر فضيلة المراقب العام للإخوان المسلمين في الأردن أن الأستاذ سيد قطب كان يطلب منه أن يتصل هاتفيا بالقاهرة، فيقول له المراقب: هل طرأت لك حاجة؟ فيقول:لا، وإنما هو الشوق لسماع صوت الوالد المرشد العام ولو من خلال الهاتف.

وكثيرا ما كان يردد كلمة "الوالد المرشد" في التحقيق وفي المحكمة.


وقد قال رحمه الله لشقيقته حميدة قبل إعدامه بيوم واحد:(إن رأيت الوالد المرشد فبلغيه عني السلام وقولي له، لقد تحمل سيد أقصى ما يتحمله البشر حتى لا تمس بأدنى سوء)


مقولات مهمة

تكمن أهمية هذه المقولات للشهيد سيد قطب في أنها تجلي لنا نفسيه الرجل، وهو أمر على قدر كبير من الأهمية لاستجلاء الفكر الذي أفرزته هذه النفسية.

يقول رحمه الله في رسالة ( أفراح الروح) :( عندما نعيش لذواتنا فحسب، تبدوا الحياة لنا قصيرة ضئيلة، تبدأ من حيث بدأنا نعي ، وتنتهي بانتهاء عمرنا المحدود، أما عندما نعيش لغيرنا فإن الحياة تبدو طويلة عميقة، تبدأ من حيث بدأت الإنسانية، وتمتد بعد مفارقتنا لوجه هذه الأرض، وبقدر ما نضاعف إحساسنا بالآخرين نضاعف إحساسنا بحياتنا) (عندما نلمس الجانب الطيب في نفوس الناس، نجد أن هناك خيرا كثيرا لا تراه العيون لأول وهلة...إننا سنكشف في نفوسهم عن كنوز الخير، وسنجد لهم مزايا طيبة، نثني عليها حين نثني ونحن صادقون ، ولكننا لا نطلع عليها ولا نراها إلا حين تنمو في نفوسنا بذرة الحب)


(إننا نحقد على الآخرين لأن بذرة الخير لم تلتئم في نفوسنا، ونتخوف منهم لأن عنصر الثقة في الخير ينقصنا) (الرواد هم الذين يدركون ببصيرتهم تلك الوحدة الشاملة المتعددة المظاهر في العلم والفن والعقيدة والعمل فلا يحقرون واحدا منها...


الصغار وحدهم هم الذين يعتقدون أن هناك تعارضا بين هذه القوى المتنوعة المظاهر، فيحاربون العلم باسم الدين، أو الدين باسم العلم، ويحتقرون الفن باسم العمل.)


(الشعور الإنساني إذا أحس غاية نبيلة ، فلن يطيق استخدام وسيلة خسيسة، بل لن يهتدي إلى استخدامها بطبيعته.)


ملاحظة هامة

فبما سبق حاولنا أن نسبر غور فكر الشهيد يرحمه الله، لندحض فرية القائلين بأن الرجل يُنَظّر لفكر التكفير، وأوضحنا أن لفظ الجاهلية لا يعني الكفر، مستدلين بأدلة من التراث، وأخرى من كلامه شخصيا، ومن الضروري هنا أن نؤكد أن المجتمعات الإسلامية في فكر الإخوان المسلمين لا توصف بالجاهلية أيا كان المقصود بهذه الجاهلية، بل إن هذه المجتمعات تعتبر الثقل الحقيقي للإخوان، ولولا حبها للإسلام ومطالبتها بالحياة في رحاب شريعته الغراء ،لسهل على المستبدين استئصال هذه الدعوة ،لكن الإخوان جزء من أمتهم، آلامها آلامهم، وأفراحها أفراحهم، وسيبقون لها وتبقى لهم رغم محاولات العزل والتشويه.


المسار الثاني

يتناول هذا الجزء شبهات ساقها البعض من المشتغلين بعلوم العقيدة الإسلامية، معتبرين أن الأستاذ سيد قطب رحمه الله قد خالف منهج السلف الصالح في فهمه لبعض مسائل العقيدة ، ولعل مشكلة الاجتزاء واقتطاع الكلمات والحكم عليها والتقييم من خلالها يمثل أيضا مشكلة هذا الجزء كما كان مشكلة الجزء الأول، ولعل شبهة هؤلاء استندت بالأساس على عبارات وردت في سياق تفسيره لسورتي الإخلاص والحديد، فهموا منها أنه يعتقد وحدة الوجود كما اعتقدها من قبل أصحاب البدع والضلالات. ومن قرأ الظلال وغيره من مؤلفات الأستاذ رحمه الله يدرك تهافت هذه الشبهة أمام الصريح من عباراته التي توضح صفاء عقيدته ونقاءها.


ما المقصود بوحدة الوجود؟

هي فهم خاطئ، يزعم معتقدوه أن الوجود كله وحدة واحدة، وجود الخالق ووجود المخلوق، وأن الخلق هو الصورة المنظورة للخالق مما يعني أن البشر والحجر والكائنات الأخرى هي الله، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. حتى إن أحدهم ليقول( ما في الجبة إلا الله) ، ويقول (سبحاني ما أعظم شأني) ويقول:(خرجت من الله إلى الله، حتى صاح مني في، يا من أنا أنت)


وتحدث أبو يزيد البسطامي عن ما قال أنه حوار بينه وبين الله تعالى فقال:(ورفعني فأقامني بين يديه، وقال لي : يا أبا يزيد، إن خلقي يحبون أن يروك، فقلت: ربني بوحدانيتك، وألبسني أنانيتك، وارفعني إلى أحديتك، حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك لتكون أنت ذاك ، ولا أكون أنا هناك)


وقال الحسين بن منصور الحلاج:

مزجت روحك في روحي كما تمزج الخمرة في الماء الزلال

فإذا مسك شيء مسني فإذا أنت أنا في كل حال

ويقول

أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحن روحان حللنا بدنا

فإذا أبصرتني أبصرته وإذا أبصرته أبصرتنا

ويقول ابن عربي: فوجودنا وجوده، ونحن مفتقرون إليه من حيث وجودنا، وهو مفتقر إلينا من حيث ظهوره لنفسه: من يحمدني وأحمده، ويعبدني وأعبده)

ويقول:

العبد رب والرب عبد يا ليت شعري من المكلف

ويقول:

لا تراقب فليس في الكون إلا واحد لعين فهو عين الوجود

ويسمى في حالة بإله ويسمى في حالة بالعبيد


ويقول جلال الدين الرومي:( يامن تبحثون عن الله، إنما أنتم الله، ليس الله خارجا عنكم، هو أنتم أنتم، اعتكفوا في الدار،ولا تدوروا هنا وهناك، لأنكم أنتم الدار، وأنتم رب الدار، وأنتم الذات، وأنتم الصفات، فالذي لم يلد ولم يولد هو منكم)


هذه بعض مقولات القائلين بوحدة الوجود، وغيرها كثيرة لا يسعها المقام ،فهل كان سيد قطب يؤمن بهذه الضلالات؟ وهل ما أورده في تفسيره لصدر سورة الحديد كان قطعيا لدرجة تكفي لأن يدرجه البعض في قائمة القائلين بوحدة الوجود؟


يقول رحمه الله في تفسير قول الله عز وجل"هو الأول والآخر والظاهر والباطن" في أول سورة الحديد:(هذا الوجود الإلهي هو الوجود الحقيقي، الذي يستمد منه كل شيء وجوده، وهذه هي الحقيقة الأولى التي يستمد منها كل شيء حقيقته، وليس وراءها حقيقة ذاتية ولا وجود ذاتي لشيء في هذا الوجود)


لاحظ هنا قوله( وجود ذاتي) ومعلوم أن وجود المخلوقات جميعا ليس ذاتيا، فهي لم تخلق نفسها، بل إن الذي خلقها هو الله عز وجل.


وله رحمه الله أقوال صريحة في رفض فكرة وحدة الوجود.


يقول في كتابه خصائص التصور الإسلامي في باب التوحيد:(يقوم التصور الإسلامي على أساس أن هناك ألوهية وعبودية، ألوهية يتفرد بها الله سبحانه، وعبودية يشترك فيها كل من عداه، وكي ينفرد الله سبحانه بالألوهية، كذلك ينفرد -تبعا لهذا- بكل خصائص الألوهية، فهناك إذن وجودان متميزان، وجود الله، ووجود ماعداه من عبيد الله، والعلاقة بين الوجودين هي علاقة الخالق بالمخلوق والإله بالعبيد)


وفي تفسيره لقول الله عز وجل"وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون" يقول رحمه الله: (والنظرية الإسلامية أن الخلق غير الخالق، وأن الخالق ليس كمثله شيء، ومن هنا تنتفي من التصور الإسلامي فكرة وحدة الوجود، على ما يفهم غير المسلم من هذا الاصطلاح، أي بمعنى أن الوجود وخالقه وحدة واحدة، أو أن الوجود إشعاع ذاتي للخالق، أو أن الوجود هو الصورة المرئية لموجده، أو على أي نحو من أنحاء التصور على هذا الأساس)


( والوجود وحدة في نظر المسلم على معنى آخر، وحدة صدوره عن الإرادة الواحدة الخالقة، ووحدة ناموسه الذي يسير به)


وفي تفسيره لسورة الإخلاص تلحظ أسلوبا أدبيا رفيعا، فيه خفاء في المعنى ، يتضمن تفريقا بين وجود الخالق ووجود المخلوق، يلحظه أولو النهى.(ومتى استقر هذا التصور الذي لا يرى في الوجود إلا حقيقة الله، تستصحبه رؤية هذه الحقيقة في كل وجود آخر انبثق عنها، وهذه درجة يرى فيها القلب يد الله في كل شيء يراه، وراءها الدرجة التي لا يرى فيها شيئا في الكون إلا الله،لأنه لا حقيقة هناك يراها إلا حقيقة الله) فهو هنا إذن يتحدث عن مجرد مشاعر ورؤية قلبية،ولا يجوز بحال الوقوف على ظاهر الألفاظ، إذ القلب لا يرى أصلا.


ولابن القيم رحمه الله تصنيف مهم يجدر ذكره هنا، فهو يرى أن الفناء اسم يطلق على ثلاث معان: 1-الفناء عن وجود السوى.(بمعنى أن لا شيء موجود سوى الله) وهو فناء الملاحدة القائلين بوحدة الوجود. 2-الفناء عن شهود السوى.(وليس المراد به فناء وجود ما سوى الله، إنما هو فناؤه عن شهودهم وحسهم، فحقيقته غيبة أحدهم عن سوى مشهوده وهو الله.


3-الفناء عن إرادة السوى. وهو فناء خواص الأولياء وأئمة المقربين،فأحدهم يستغني بمراد محبوبه منه عن مراده هو من محبوبه.


بل إن لابن القيم موقف ينبغي أن يتعلم منه العلماء في التعامل مع مثل هذه القضايا.


يقول الهروي -صاحب منازل السالكين- (الفناء: اضمحلال ما دون الحق علما،ثم جحدا، ثم حقا) فهو هنا ينفي الوجود عن ما سوى الله، وهذا ظاهر كلامه، لكن ابن القيم من أئمة السلف الذين يتذوقون أساليب البيان يقول:(وفرق بين إسقاط الشيء عن درجة الوجود العلمي الشهودي، وإسقاطه عن رتبة الوجود الخارجي العيني، فشيخ الإسلام الهروي ،بل مشايخ القوم المتكلمين بلسان الفناء هذا مرادهم ، وحاشا لشيخ الإسلام - يعني الهروي- من إلحاد أهل الإتحاد، وإن كانت عبارته موهمة بل مفهمة لذلك)

فأين عبارات قطب من عبارات الهروي ومع ذلك قال فيه ابن القيم ما قال.

ثم انظر إلى ما قاله شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله: (استغاثة المخلوق بالمخلوق..استغاثة العدم بالعدم، فالمستغيث عدم ،والمستغاث به عدم). فإذا أخذنا الكلام على ظاهره فإننا نقول أن المخلوقات لا وجود لها، ولكن المقصود أن الله عز وجل هو صاحب الإرادة والمشيئة الفعالة التي لا وجود لأي مشيئة أو وحين روى ابن تيمية عن أبي يزيد البسطامي وهو من القائلين بوحدة الوجود ترحم عليه قائلا:( عن أبي يزيد رحمه الله) والترحم لا يجوز إلا على المسلم.

وقد أنصف كثير من علماء العصر الثقات الأستاذ سيد قطب رحمه الله، وقالوا في حقه كلاما ينبغي الوقوف عنده.

يقول الشيخ عبد الله بن جبرين:

(إن سيد قطب وحسن البنا من علماء المسلمين، ومن أهل الدعوة ، وقد نفع الله بهما، وهدى بدعوتهما خلق كثير، ولهما جهود لا تنكر، لأجل ذلك شفع الشيخ عبد العزيز بن باز في سيد قطب عندما قرر عليه القتل، فلم يقبل شفاعته الرئيس جمال عبد الناصر، وإذا وقع منهما أخطاء يسيرة في التأويل ونحوه فلا يصل إلى حد التكفير، فإن العلماء الأولين لهم مثل ذلك كالنووي السيوطي وابن الجوزي وابن عطية والخطابي والقسطلاني وأمثالهم كثير ، وقد قرأت ما كتبه الشيخ ربيع المدخلي في الرد على سيد قطب ورأيته جعل العناوين لما ليس بحقيقة) إنتهى كلامه.


وقد سُئل الشيخ عبد الرحمن الدوسري بعد محاضرة ألقاها من أحد السائلين معترضا على الشيخ لاستشهاده بكلام لسيد قطب مع كونه حليق لا لحية له فقال:( إذا كان الشهيد سيد قطب بلا شعر في لحيته فهو صاحب إحساس وشعور، وإيمان عميق، وعزة وكرامة، وغيرة على الإسلام والمسلمين، قدم روحه فداء لدينه، واستشهد في سبيل الله طلبا لمرضاته، وطمعا في جنته، وقال قولته المشهورة حين ساوموه ليرجع عن موقفه "لماذا أسترحم؟ إن سجنت بحق فأنا أرضى حكم الحق، وإن سجنت بباطل فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل، إن إصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة ليرفض أن يكتب حرفا يقر فيه حكم طاغية" هذا هو سيد قطب فأين أصحاب الشعر بلا شعور من مواقف الرجال) انتهى


ويقول الدكتور سلمان العودة:


(والذي أدين به أن الأستاذ سيد قطب من أئمة الهدى والدين، ومن دعاة الإصلاح، ومن رواد الفكر الإسلامي، سخر فكره وقلمه في الدفاع عن الإسلام وشرح معانيه، ورد شبهات أعدائه، وتقرير عقائده وأحكامه، على وجه قل من يباريه أو يجاريه في هذا الزمان، وكان حديثه حديث المعايش الذي لابس هم الإسلام قلبه، وملك عليه نفسه، قد شغله الحزنُ على الإسلام والغضب له حتى عن ذاته وهمومه الخاصة.


ومن ذلك أنه كتب فصولا موسعة في موضوع الدعوة ومنهجها، والموقف من المجتمعات المعاصرة، وكتب ذلك بعاطفة مشبوبة ولغة قوية، وغيرة على الدين وعلى المسلمين.. حمّلها بعضُ قارئيه مالا تحتمل من المعاني واللوازم، وتعاملوا معها على أنها نصوص تُقرأ بحروفها وألفاظها، وتحفظ وتتلى ويستشهد بها في مواطن النزاع ، ومضايق الجدل والمناظرة والخصام ، وبنى بعضُ هؤلاء على هذه القراءة الحرفية الضيقة تكفير الناس كافة، أو التوقف بشأنهم أو الهجرة من ديارهم، إلى أين؟؟ لا ادري..


وبنى آخرون عليها فكرة الانفصال عن المجتمعات وترك العمل فيها واعتزالها.وفهمت كلام سيد رحمه الله عن العزلة الشعورية بتكثيف قوى وترميز شديد،جعلها بؤرة العمل والانطلاق، والحق أن القراءة الحرفية الظاهرية لتراث كاتب ما ليست أمراً خاصا وقع مع سيد قطب رحمة الله وحده، لكنها مشكلة تراثية يعاد إنتاجها الآن مع عدد كبير من رموز العلم والفقه، والدعوة والاجتهاد علما بان الحري بالباحث إجمالا أن يفهم كلام الشيخ أو العالم بحسب ما تقتضيه نصوصه الأخرى، فيرد بعضها إلى بعض ويفسر بعضها ببعض، ولا يتمسك بكلمة يضع لها أقواسا ثم يعقد لها محكمة.


وليعلم الأخ الكريم الناصح لنفسه أن الوقيعة في آحاد الناس فضلا عن خاصتهم من أهل العلم والإصلاح والدعوة من شر ما يحتقب المرء لنفسه، ولا يغتر المرء بمن يفعل ذلك كائنا من كان لأن الحساب في القيامة بالمفرد لا بالقائمة) انتهى كلامه .


ويقول الشيخ حمود بن عقلاء الشعيبي :

إن سيداً رحمه الله يعد في عصره علما من أعلام مقارعة الظالمين، ومن أفذاذ الدعاة إلى تعبيد الناس لربهم، والدعوة إلى توحيد التحاكم إلى الله، فلم يقضّ إلا مضاجع أعداء الله ورسوله، وما فرح احد بقتله كما فرح أولئك، ولقد ضاق أولئك الأذناب بهذا البطل ذرعا ،فلما ظنوا أنهم قد قتلوه، إذا بدمه يحيي منهجه، ويشعل كلماته حماسا، فزاد قبوله بين المسلمين، وزاد انتشار كتبه، لأنه دلل بصدقه وإقدامه على قوة منهجه، فسعوا إلى إعادة الطعن فيه رغبة منهم لقتل منهجه أيضا، وأنّى لهم ذلك .


وختاما لا يسعني إلا أن اذكر أنني أحسب سيداً والله حسيبه يشمله قوله عليه الصلاة والسلام (سيد الشهداء حمزة ورجل من أمتي قام عند سلطان جائر فأمره ونهاه فقتله ) وأنقل كلمة له رحمه الله قبل إعدامه بقليل ،عندما أُعجب أحد الضباط بفرح سيد قطب وسعادته عند سماعه نبأ الحكم عليه، وتعجب لأنه لم يحزن ويكتئب وينهر ويحبط، فسأله : أنت تعتقد أنك ستكون شهيدا فما معنى شهيد عندك ؟ أجاب رحمه الله قائلا: الشهيد هو الذي يقدم شهادة من روحه ودمه أن دين الله أغلى عنده من حياته، ولذلك يبذل روحه وحياته فداء لدين الله . وله رحمه الله من المواقف والأقوال التي لا يشك عارف بالحق أنها صادرة عن قلب قد مُلئ بحب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم ، وحب التضحية لدينه، نسأل الله أن يرحمنا ويعفو عنا وإياه)


هذا وقد استدل الشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله بكلام الأستاذ سيد قطب في مقدمة كتابه (مختصر العلو) في أكثر من ثلاث صفحات متتاليات، بصيغة المدح والتأييد، وكان يصفه بالأستاذ الكبير ويترحم عليه.


هؤلاء العلماء الذين أنصفوا الأستاذ الكبير مع خلافهم معه في بعض المسائل، يدركون أن البشر يصيبون ويخطئون، ولقد كان لكثير من فحول الأمة وعلمائها مواقف في تأويل مسائل الصفات ، والاستدلال بأخبار الآحاد ، تخالف ما عليه أكثر أهل العلم، وذلك لم يمنع من إنصافهم والثناء عليهم فيما أصابوا فيه، والاستفادة من علومهم وكتبهم النافعة.


ولقد كان الأستاذ رحمه الله مجاهدا يصدع بالحق ،ولا يخشى في الله لومة لائم، ولا يخاف ظلم الطواغيت وجورهم، وتحمل في سبيل ذلك الكثير من الأذى والبلاء، ولا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة، والحسنات يذهبن السيئات، والمرء يبتلى على قدر دينه، فمن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء، وإن صبره على هذا البلاء ليذكّر بالرعيل الأول من المسلمين، حتى لقي الله عز وجل وقد نال ما تمنى ، نحسبه شهيدا والله حسيبه.

أيا كل القعود اليوم بعدا أتبغون المفازة في السبات

لكم درب الخنوع وإن دربي برغم الموت يمنحني حياتي

فهل يليق بعد هذا كله أن يوصف الظلال بالضلال أو بالظلام؟؟ أم أن ذلك يصب في مصلحة أعداء الإسلام الذين لا يريدون لثقافة المناعة الإسلامية أن تستقر في نفوس المسلمين.

ختاما أرجو أن يكون هذا الجهد القليل إحقاقا للحق ، وردّا لبعض الجميل الذي أسداه الرجل إلى هذه الأمة، ودفعا عن بريء تكاثر عليه المشوهون والمشوشون، ودعوة للشباب لينهلوا من معين هذا الرجل وهم على بصيرة من صحيح فكره ودقيق قصده، سائلا الله عز وجل أن يجمعنا به في مستقر رحمته.

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا