التوكل

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
التوكل


بقلم : يوسف القرضاوي


تقديم

مقدمة الكاتب

تيسير فقه السلوك في ضوء القرآن والسنة

في الطريق إلى اللَّه

التــوكــل

من الدستور الإلهي

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

(وتوكل على الله، وكفى بالله وكيلاً) (النساء: 81، الأحزاب: 3، 48).

(وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) (المائدة: 23).

(ومن يتوكل على الله فهو حسبه) (الطلاق: 3).

(فإذا عزمت فتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين) (آل عمران: 159).

بسم الله الرحمن الرحيم

تقديم

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما ينبغي لجلال وجهه، وعظيم سلطانه، لا نبغي غيره رباً، ولا نتخذ غيره ولياً، ولا نبتغي غيره حَكَماً، ولا نشرك به ولا معه أحداً ولا شيئاً، لا اله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.

وأزكى صلوات الله وتسليماته على سيدنا وإمامنا، وأُسوتنا وحبيبنا محمد، الذي كانت صلاته ونُسُكه ومحياه ومماته لله رب العالمين، لا شريك له، كان كله لله، إذا تكلم فللَّه، وإذا صمت فللَّه، وإذا غضب فللَّه، وإذا رضي فللَّه، وإذا أحب فللَّه، وإذا أبغض فللَّه، إذا أعطى أو منع أو سالم أو حارب فللَّه، ولا شيء غير الله، وقد علَّمنا أن ندعو الله فنقول: ( اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئاً نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه ).

ورضي الله عن أصحابه، الذين أخلصوا دينهم لله، وأخلصهم الله لدينه، فهاجروا لله، وآووا ونصروا لله، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، وكان الله ورسوله والجهاد في سبيله أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم وإخوانهم وعشيرتهم وأموال اقترفوها، وتجارة يخشون كسادها، ومساكن وأوطان يرضونها .. ورضي الله عمن سار على دربهم إلى يوم الدين.

أما بعد ..

فهذه الصفحات تتحدث - أخي القارئ - عن شُعبة عظيمة من شُعَب الإيمان، وعن مقام رفيع من مقامات الربَّانيين، هو مقام " التوكل على الله "، تعالى شأنه، الذي حثَّ عليه القرآن الكريم بأساليب شتَّى، وصور متنوعة، وكذلك السُنَّة النبوية المشرفة. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم نموذجاً للمؤمن " المتوكل " على ربه حق توكله، كما وُصِف بذلك في بعض كتب أهل الكتاب.

وهذه الشعبة، أو هذا المقام أو الخُلُق الربَّاني، من المقامات التي تدخل فيها خلط وخبط، وسوء فهم عريض، حتى التبس التوكل بالتواكل واطراح الأسباب، ورويت في ذلك حكايات عن بعض الصوفية، فيها مبالغات تخرج عن منهج الوسطية التي جاء بها الإسلام، كما تخرج عن نظام السنن التي أقام الله عليها هذا الخَلْق، وربطها بشبكة الأسباب والمسببات.

ونحن على منهجنا الذي التزمناه لا نحيد عنه، وهو الاستمساك بما جاء في القرآن وصحيح السُنَّة، ففيهما النجاة من كل هلكة، والسلامة من كل انحراف، والاهتداء إلى ما يحب الله ويرضى؛ ففيهما الحياة والنور كما قال تعالى: ( وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا، ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا، وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم * صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض، ألا إلى الله تصير الأمور ) (الشورى: 52، 53).

أرجو أن تجد أخي القارئ في هذه الصحائف ما يوضح لك الغاية، وما يضيء لك السبيل، ويساعدك على أن تثق بربك، وتضع يدك في يده، متوكلاً عليه، وكفى بالله وكيلاً .. وأن تجتهد في رعاية الأسباب المشروعة، كما أمرك الله، وأن تدع النتائج إلى مسبب الأسباب، ورب الأرباب، فالكون كله بيده، والمرجع إليه وحده: ( ألا له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين ) (الأعراف: 54).

ونختم هذه التقدمة بما قاله نبي الله شعيب لقومه: ( وسع ربنا كل شيء علماً، على الله توكلنا، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) (الأعراف: 89).

الدوحة في المحرَّم 1415 هـ - يونيو ( حزيران )1994م

الفقير إلى عفو ربه

يوسف القرضاوي

الفصل الأول

فضل التوكل

التوكل عبادة من أفضل عبادات القلوب، وخُلُق من أعظم أخلاق الإيمان، وهو - كما قال الإمام الغزالي - منزل من منازل الدين، ومقام من مقامات الموقنين، بل هو من معالي درجات المقرَّبين، بل هو - كما قال الإمام ابن القيم: " التوكل " نصف الدين، والنصف الآخر" الإنابة ". كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ( عليه توكلت وإليه أنيب ) (هود: 88).

فإن الدين عبادة واستعانة: ( إياك نعبد وإياك نستعين ) (الفاتحة: 5) والتوكل استعانة، والإنابة عبادة .

الحاجة إلى التوكل

وحاجة المسلم - السالك لطريق الله - إلى التوكل حاجة شديدة، وخصوصاً في قضية " الرزق " الذي شغل عقول الناس وقلوبهم، وأورث كثيراً منهم - بل أكثرهم - تعب البدن، وهم النفس، وأرق الليل، وعناء النهار.

وربما قبل أحدهم أن يذل نفسه، ويحني رأسه، ويبذل كرامته، من أجل لقمة العيش التي يحسبها أنها في يد مخلوق مثله، إن شاء أعطاه وإن شاء منعه، فحياته وحياة أولاده في قبضته، فهو قادر - في نظره - أن يحيي ويميت كما قال " نمرود " في محاجة الخليل إبراهيم عليه السلام. بل ربما زاد أحدهم على ذلك، فأفتى نفسه بأكل السحت، وأخذ الرشوة، واستباحة الربا، وأكل المال بالباطل، خوفاً على نفسه إذا شاخ بعد الشباب، أو مرض بعد الصحة، أو تعطل بعد العمل، أو خشية على ذرية ضعفاء من بعده. وقد قال الإمام عبد الله بن المبارك: من أكل فلساً من حرام فليس بمتوكل.

والمخرج من هذا كله هو الاعتصام بالتوكل على الله تعالى.

وأحوج ما يكون المسلم إلى التوكل إذا كان صاحب دعوة، وحامل رسالة، وطالب إصلاح، فهو يجد في التوكل ركناً ركيناً، وحصناً حصيناً، يلوذ به في مواجهة طواغيت الكفر، و " فراعنة " الظلم، و " قوارين " البغي، و " هوامين " الفساد. فهو ينتصر بالله، ويستعز بالله، ومن انتصر بالله فلن يغلب أبداً، ومن استغنى به فلن يفتقر أبداً، ومن استعزَّ بالله فلن يذل أبداً. ( إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده، وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) (آل عمران: 160).

فضل التوكل في القرآن

ولا غرو أن عُنِي القرآن الكريم بالتوكل، أمراً به، وثناءً على أهله وبياناً لفضله وآثاره في الدنيا والآخرة.

أمر الله رسوله بالتوكل:

أمر الله به رسوله صلى الله عليه وسلم في تسع آيات من كتابه:

في القرآن المكي نقرأ قوله تعالى: ( ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه ) (هود: 123).

( وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده ) (الفرقان: 58).

( وتوكل على العزيز الرحيم * الذي يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين * إنه هو السميع العليم ) (الشعراء: 217 - 220). ( فتوكل على الله، إنك على الحق المبين ) (النمل: 79).

وفي القرآن المدني نقرأ قوله سبحانه:

( فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين ) (آل عمران: 159).

( ويقولون طاعةٌ فإذا برزوا من عندك بيَّت طائفةٌ منهم غير الذي تقول، والله يكتب ما يبيِّتون، فأعرض عنهم وتوكل على الله، وكفى بالله وكيلاً ) (النساء: 81).

( وإن جنحوا للسَّلم فاجنح لها وتوكل على الله، إنه هو السميع العليم ) (الأنفال: 61).

( وتوكل على الله، وكفى بالله وكيلاً ) (الأحزاب: 3).

( ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله، وكفى بالله وكيلاً ) (الأحزاب: 48).

وجاء الأمر بالتوكل للرسول الكريم في موضع عاشر، ولكن بصيغة أخرى وهي قوله تعالى: ( رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلاً ) (المزمل: 9).

وذلك من أوائل ما نزل من القرآن، حتى يستعين بالتوكل على الله في حمل " القول الثقيل " الذي ألقاه الله عليه، ومواجهة المكذِّبين أُولي النعمة، والصبر على ما يقولون، وهجرهم الهجر الجميل.

كما أمر صلى الله عليه وسلم بإعلان التوكل على الله تعالى في أكثر من آية، مثل قوله تعالى: ( قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا ) (الملك: 29)، وهذا في القرآن المكي، ومثل قوله تعالى: ( فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم ) (التوبة: 129)، وهذا في القرآن المدني.

ومن المعلوم أن الأوامر التي خوطب بها النبي صلى الله عليه وسلم، موجهة إلى كل المكلَّفين من أمته كذلك، ما لم يقم هناك دليل على الخصوصية، كما في قوله تعالى: ( خذ من أموالهم صدقةً ) (التوبة: 103) ، ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ) (النحل: 125) ، ( وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل، إن الحسنات يذهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين * واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين ) (هود: 114).

فالأمر للرسول صلى الله عليه وسلم بالتوكل أمر لأمته جميعاً به.

أمر المؤمنين عامة بالتوكل:

وقد جاء الأمر بالتوكل للمؤمنين عامة على ألسنة الرسل السابقين، كما في قوله تعالى في رد الرسل على أقوامهم: ( قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشرٌ مثلكم ولكن الله يمَّن على من يشاء من عباده، وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله، وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) (إبراهيم: 11).

وجاء الأمر كذلك على لسان رجلين من أصحاب موسى يحثان قومهما على دخول الأرض المقدسة، وعدم التهيب من الجبارين فيها: ( قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون، وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ) (المائدة: 23).

فجعل التوكل شرطاً لثبوت الإيمان، والشرط ينتفي عند انتفاء المشروط، ولا يقال: إن هذا كان شرع من قبلنا، فإن شرع من قبلنا شرع لنا، ما لم يرد نسخ له في شرعنا، وإلا كان ذكره عبثاً، ولم يكن لنا فيه عبرة ولا أُسوة وهو خلاف ما نص عليه القران. وشرعنا لم ينسخ التوكل بل زاده توثيقاً وتأكيداً.

فقد جعله الله تعالى من الأوصاف الأساسية للمؤمنين الصادقين، وذلك في قوله سبحانه: ( إنما المؤمنون الذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم وإذا تُليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * أولئك هم المؤمنون حقاً) (الأنفال: 2 - 4)، كما أمر الله تعالى به في كتابه بقوله: ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا، وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) (التوبة: 51)، وقال تعالى: ( إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده، وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) (آل عمران: 160)، ( الله لا إله إلا هو، وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) (التغابن: 13) ، وورد الأمر كذلك في سورة المائدة الآية رقم (11) والمجادلة الآية رقم (10).

التوكل خُلق الرسل جميعاً

وقد أكد لنا القرآن أن " التوكل " كان خلق رسل الله جميعاً، منذ نوح شيخ المرسلين إلى محمد خاتمهم، صلوات الله عليهم جميعاً.

يقول تعالى على لسان الرسل جميعاً: ( ومالنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا، ولنصبرن على ما آذيتمونا، وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) (إبراهيم: 12).

وقال على لسان نوح: ( يا قوم إن كان كبُر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركائكم ثم لا يكن أمركم عليكم غُمةٌ ثم اقضوا إليَّ ولا تنظرون ) (يونس: 71).

وقال تعالى على لسان هود وقد خوَّفوه أن تعتريه آلهتهم بسوء! فقال متحدياً: ( إنِّي أشهد الله واشهدوا أنِّي بريء مما تشركون * من دونه، فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون * إنِّي توكلت على الله ربي وربكم ) (هود: 54 - 56).

وقال تعالى على لسان إبراهيم والذين معه، الذين تبرؤوا من قومهم ومما يعبدون من دون الله: ( ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ) (الممتحنة: 4).

وقال سبحانه على لسان شعيب: ( إن أُريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أُنيب ) (هود: 88).

وقال في شأن موسى: ( وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين * فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعنا فتنة للقوم الظالمين * ونجِّنا برحمتك من القوم الكافرين ) (يونس: 84 - 86).

القرآن يبين آثار التوكل:

وقد جعل الله تعالى الإيمان شرطاً للتوكل في قوله: ( وعلى الله فتوكلوا إن كتم مؤمنين ) (المائدة: 23) والمعلَّق على شرط ينتفي بانتفائه، فإذا انتفى التوكل انتفى الإيمان.

وقال تعالى في بيان أثر التوكل: ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) (الطلاق: 3) ، فجعل نفسه تعالى جزاء للمتوكل وأنه كافيه وحسبه، وكفى بهذا فضلاً، فقد قال في السورة نفسها: ( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ) (الطلاق: 2) ، فجعل لها جزاءً معلوماً، وجعل نفسه تعالى حسب المتوكل وكافيه.

كما أخبر تعالى أنه: ( يحب المتوكلين ) (آل عمران: 159)، وأي درجة أعلى مِن درجة مَن يحبه الله عز وجل؟ قال الغزالي: وأَعظِمْ بمقام موسوم بمحبة الله تعالى صاحبه، ومضمون كفاية الله تعالى مُلابسه، فمن الله تعالى حسبه وكافيه، ومحبه وراعيه، فقد فاز الفوز العظيم، فإن المحبوب لا يعذَّب ولا يبعد ولا يحجب.

وقال تعالى: ( أليس الله بكافٍ عبده ) (الزمر: 36) فطالب الكفاية من غيره والتارك للتوكل، هو المكذِّب بهذه الآية، كما يقول الغزالي، فإنه سؤال في معرض استنطاق بالحق.

وقال عز وجل: ( ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم ) (الأنفال: 49) ، أي " عزيز " لا يذل مَن استجار به، ولا يضيع من لاذ بجنابه، والتجأ إلى ذمامه وحماه، و " حكيم " لا يقصر عن تدبير من توكل على تدبيره.

وقال تعالى: ( إن الذين تدعون من دون الله عبادٌ أمثالكم ) (الأعراف: 194) ، فبين أن كل ما سوى الله تعالى عبد مسخر، حاجته مثل حاجتكم، فكيف يُتوكل عليه؟!.

وقال تعالى: ( إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه ) (العنكبوت: 17).

وقال عز وجل: ( ولله خزائن السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون ) (المنافقون: 7).

قال الإمام الغزالي: وكل ما ذُكِر في القرآن من " التوحيد " فهو تنبيه على قطع الملاحظة عن الأغيار، والتوكل على الواحد القهَّار.

فضل التوكل في السُنَّة

وفي الصحيحين في حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب من هذه الأمة، وُصِفوا بأنهم: ( هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون ).

وفي الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت. وعليك توكلت. وإليك أنبت، وبك خاصمت. اللهم إني أعوذ بعزتك - لا إله إلا أنت - أن تضلني. أنت الحي الذي لا يموت. والجن والإنس يموتون).

وفي الترمذي عن عمر رضي الله عنه مرفوعاً: ( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً، وتروح بطاناً ).

ومعنى " خماصاً " أي فارغة البطون.

وفي السنن عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من قال - يعنى إذا خرج من بيته - بسم الله. توكلت على الله. ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: هُديت ووُقيت وكُفيت. فيقول الشيطان لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هُدي وكُفي ووُقي)؟.

وفي سنن أبى داود عن أبى مالك الأشعري مرفوعاً: ( إذا ولج الرجل بيته، فليقل: اللهم أسألك خير المولج، وخير المخرج. بسم الله ولجنا، وباسم الله خرجنا، وعلى الله ربنا توكلنا، ثم ليسلِّم على أهله ).

الفصل الثاني

حقيقة التوكل

إذا كان للتوكل كل هذا الفضل، ولأهليه كل هذا الحمد والثناء من الله ورسوله، فإن السؤال الذي يلح هنا، هو: ما حقيقة هذا التوكل، وما حده وما معناه؟

إن توضيح المفهوم هنا وتحديده بدقة أمر ضروري، لمن يريد أن يتخلَّق بهذا الخُلُق، ويتحقق بهذا الوصف، وإلا حسب كثير من الناس أنفسهم متوكلين، وما هم من التوكل في شيء، و ألزموا أنفسهم، - لكي يتحلوا بالتوكل - ما لم يُلزمهم الله به.

عبارات القوم في بيان حقيقة التوكل

وإذا رجعنا إلى أرباب السلوك، وجدنا عباراتهم تختلف في بيان حقيقته، على عادتهم في مثل هذه التعريفات، فقلَّما تكون جامعة مانعة، لأن كل واحد منهم يُعبِّر عن حاله، أو يراعى حال من يخاطبه.

ذكر القشيري في " رسالته " عدة تعريفات ذكرها القوم، ونقلها ابن القيم في " مدارجه " وعلَّق عليها تعليقاً حسناً، يحسن بنا أن نورد أهمه هنا. قال: قال الإمام أحمد: التوكل عمل القلب. ومعنى ذلك : أنه عمل قلبي. ليس بقول اللِّسان، ولا عمل الجوارح، ولا هو من باب العلوم والإدراكات.

ومن الناس: من يجعله من باب المعارف والعلوم فيقول: هو علم القلب بكفاية الرب للعبد.

ومنهم: من يفسره بالسكون، وخمود حركة القلب. فيقول: التوكل هو انطراح القلب بين يدي الرب، كانطراح الميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء. وهو ترك الاختيار، والاسترسال مع مجارى الأقدار.

قال سهل: التوكل الاسترسال مع الله مع ما يريد.

ومنهم : من يفسِّره بالرضا، فيقول : هو الرضا بالمقدور .

قال بشر الحافي: يقول أحدهم: توكلت على الله. يكذب على الله، لو توكل على الله، رضي بما يفعل الله.

وسئل يحيى بن معاذ: متى يكون الرجل متوكلاً؟ فقال: إذا رضي بالله وكيلاً.

ومنهم: من يفسِّره بالثقة بالله، والطمأنينة إليه. والسكون إليه.

وقيل: التوكل نفي الشكوك، والتفويض إلى مالك الملوك.

وقال ذو النون: خلع الأرباب وقطع الأسباب.

يريد قطعها من تعلق القلب بها، لا من ملابسة الجوارح لها.

ومنهم: من جعله مُركّباً من أمرين أو أُمور.

فقال أبو سعيد الخراز: التوكل اضطراب بلا سكون، وسكون بلا اضطراب.

يريد: حركة ذاته في الأسباب بالظاهر والباطن، وسكون إلى المسبِّب، وركون إليه، ولا يضطرب قلبه معه، ولا تسكن حركته عن الأسباب الموصلة إلى رضاه.

وقال أبو تراب النخشبي: هو طرح البدن في العبودية، وتعلق القلب بالربوبية، والطمأنينة إلى الكفاية. فإن أُعطِيَ شكر، وان مُنِعَ صبر. فجعله مركَّباً من خمسة أمور: القيام بحركات العبودية، وتعلق القلب بتدبير الرب، وسكونه إلى قضائه وقدره، وطمأنينته وكفايته له، وشكره إذا أُعطِيَ، وصبره إذا مُنِعَ.

قال أبو يعقوب النهرجوري: التوكل على الله بكمال الحقيقة ما وقع لإبراهيم الخليل عليه السلام في الوقت الذي قال لجبريل عليه السلام: ( أما إليك فلا ) لأنه غائب عن نفسه بالله، فلم ير مع الله غير الله.

وأجمع القوم على أن التوكل لا ينافي القيام بالأسباب. فلا يصح التوكل إلا مع القيام بها، وإلا فهو بطالة وتوكل فاسد.

قال سهل بن عبد الله: من طعن في الحركة فقد طعن في السُنَّة. ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان.

فالتوكل حال النبي صلى الله عليه وسلم، والكسب سُنَّته. فمن عمل على حاله فلا يتركنَّ سُنَّته، وهذا معنى قول أبي سعيد: " هو اضطراب بلا سكون، وسكون بلا اضطراب "، وقول سهل أبين وأرفع.

وقيل: التوكل قطع علائق القلب بغير الله.

وسُئل سهل عن التوكل فقال: قلب عاش مع الله بلا علاقة.

وقيل: التوكل هجر العلائق، ومواصلة الحقائق.

وقيل: التوكل أن يستوي عندك الإكثار والإقلال.

وهذا من موجباته وآثاره، لا أنه حقيقته.

وقيل: هو ترك كل سبب يوصلك إلى مسبِّب، حتى يكون الحق هو المتولي لذلك.

وهذا صحيح من وجه، باطل من وجه. فترك الأسباب المأمور بها قادح في التوكل، وقد تولى الحق، إيصال العبد بها. وأما ترك الأسباب المباحة: فإن تركها لما هو أرجح منها مصلحة فممدوح، وإلا فهو مذموم.

وقيل: هو إلقاء النفس في العبودية، وإخراجها من الربوبية.

يريد استرسالها مع الأمر، وبراءتها من حولها وقوتها، وشهود ذلك بها. بل بالرب وحده.

ومنهم من قال: التوكل هو التسليم لأمر الرب وقضائه.

ومنهم من قال: هو التفويض إليه في كل حال.

ومنهم من جعل التوكل بداية، والتسليم واسطة، والتفويض نهاية.

قال أبو علي الدقاق: " التوكل ثلاث درجات: التوكل، ثم التسليم، ثم التفويض. فالمتوكل يسكن إلى وعده، وصاحب التسليم يكتفي بعلمه، وصاحب التفويض يرضى بحكمه. فالتوكل بداية، والتسليم واسطة، والتفويض نهاية، فالتوكل صفة المؤمنين، والتسليم صفة الأولياء، والتفويض صفة الموحِّدين. التوكل صفة العوام، والتسليم صفة الخواص، والتفويض صفة خاصة الخاصة.

التوكل صفة الأنبياء، والتسليم صفة إبراهيم الخليل، والتفويض صفة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين ".

هذا كله كلام الدقاق. ومعنى هذا التوكل: اعتماد على الوكيل، وقد يعتمد الرجل على وكيله مع نوع اقتراح عليه، وإرادة وشائبة منازعة. فإذا سلم إليه زال عنه ذلك، ورضي بما يفعله وكيله. وحال المفوِّض فوق هذا. فإنه طالب مريد ممن فوَّض إليه. ملتمس منه أن يتولى أموره. فهو رضا واختيار، وتسليم واعتماد. فالتوكل يندرج في التسليم. وهو والتسليم يندرجان في التفويض. والله سبحانه وتعالى أعلم.

حقيقة التوكل كما يشرحها الغزالي

وقال الإمام الغزالي في " الإحياء " و بيان حقيقة التوحيد الذي هو أصل التوكل:

" أعلم أن التوكل من باب الإيمان، وجميع أبواب الإيمان لا تنتظم إلا بعلم وحال وعمل، والتوكل كذلك ينتظم من: علم: هو الأصل، وعمل: هو الثمرة، وحال: هو المراد باسم التوكل.

فلنبدأ ببيان العلم الذي هو الأصل وهو المسمى إيماناً في أصل اللسان، إذ الإيمان هو التصديق، وكل تصديق بالقلب فهو علم، وإذا قوي سمي يقيناً، ولكن أبواب اليقين كثيرة، ونحن إنما نحاج منها إلى ما نبني عليه التوكل وهو التوحيد الذي يترجمه قولك: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له "، والإيمان بالقُدرة التي يترجم عنها قولك: " له المُلك "، والإيمان بالجود والحكمة الذي يدل عليه قولك: " وله الحمد "؛ فمن قال: ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" تم له الإيمان الذي هو أصل التوكل، أعني أن يصير معنى هذا القول وصفاً لازماً لقلبه غالباً عليه، فأما التوحيد فهو الأصل والقول فيه يطول".

وبعد أن أطال الغزالي الكلام عن " العلم " انتقل إلى " الحال " فقال: " فأما الحال فالتوكل بالتحقيق عبارة عنه. وإنما العلم أصله، والعمل ثمرته. وقد أكثر الخائضون في بيان حد التوكل، اختلفت عباراتهم، وتكلم كل واحد عن مقام نفسه، وأخبر عن حده، كما جرت عادة أهل التصوف به، ولا فائدة في النقل والإكثار، فلنكشف الغطاء عنه ونقول:

التوكل: مشتق من " الوكالة ". يقال: وكَّل أمره إلى فلان، أي فوَّضه إليه، واعتمد عليه فيه. ويسمى الموكول إليه " وكيلاً ". ويسمى المفوِّض إليه متكلاً عليه، ومتوكِّلاً عليه، مهما اطمأنت إليه نفسه، ووثق به، ولم يتهمه فيه بتقصير، ولم يعتقد فيه عجزاً وقصوراً، فالتوكل: عبارة عن اعتماد القلب على الوكيل وحده ".

وبهذا نتبين أن التوكل، كسائر أبواب الإيمان ومقامات الارتقاء الروحي - تشتمل على جوانب ثلاثة: الجانب المعرفي الإدراكي .. والجانب الوجداني العاطفي ( الذي يُعبر عنه بـ " الحال " ) ، والجانب الإرادي السلوكي الذي يُعبر عنه بالعمل.

كلام ابن القيم في حقيقة التوكل ودرجاته

ولعل مما يزيد الأمر وضوحاً في بيان حقيقة التوكل ومقوِّماته، ما ذكره الإمام ابن القيم في شرح " المنازل " إذ قال بعد أن ذكر تعريفات القوم واختلافها، وقد أوردنا جُلَّها من قبل:

" وحقيقة الأمر: أن التوكل حال مركَّبة من مجموع أُمور لا تتم حقيقة التوكل إلا بها. وكلٌ أشار إلى واحد من هذه الأُمور، أو أثنين أو أكثر، ثم ذكر هذه الأمور وسماها " درجات ". قال:

وأنا أذكر البيِّن من هذه الأمور، مما لا تداخل فيه ولا تكرار:

فأولها: معرفة بالرب وصفاته: من قدرته وكفايته وقيوميته وانتهاء الأمور إلى علمه، وصدورها عن مشيئته وقدرته.

قال: وهذه المعرفة أول درجة يضع بها العبد قدمه في مقام التوكل.

ومنها: رسوخ القلب في مقام التوحيد: فإنه لا يستقيم توكل العبد حتى يصح له توحيده. بل حقيقة التوكل: توحيد القلب. فما دامت فيه علائق الشرك، فتوكله معلول مدخول. وعلى قدر تجريد التوحيد: تكون صحة التوكل، فإن العبد متى التفت إلى غير الله أخذ ذلك الالتفات شُعبة من شُعَبِ قلبه، فنقص من توكله على الله بقدر ذهاب تلك الشُعْبة، ومن ههنا ظن من ظن أن التوكل لا يصح إلا برفض الأسباب. وهذا حق. لكن رفضها عن القلب لا عن الجوارح. فالتوكل لا يتم إلا برفض الأسباب عن القلب، وتعلق الجوارح بها. فيكون منقطعاً منها متصلاً بها. والله سبحانه وتعالى أعلم.

ومنها اعتماد القلب على الله، واستناده إليه، وسكونه إليه. بحيث لا يبقى فيه اضطراب من تشويش الأسباب، ولا سكون إليها. بل يخلع السكون إليها من قلبه. ويلبسه السكون إلى مسبِّبها.

وعلامة هذا: أنه لا يبالي بإقبالها وإدبارها. ولا يضطرب قلبه، ويخفق عند إدبار ما يحب منها، وإقبال ما يكره. لأن اعتماده على الله، وسكونه إليه، واستناده إليه، قد حصَّنه من خوفها ورجائها. فحاله حال من خرج عليه عدو عظيم لا طاقة له به. فرأى حصناً مفتوحاً، فأدخله ربه إليه. وأغلق عليه باب الحصن. فهو يشاهد عدوه خارج الحصن. فاضطراب قلبه وخوفه من عدوه في هذه الحال لا معنى له.

وكذلك من أعطاه ملك درهماً، فسُرِق منه. فقال له الملك: عندي أضعافه. فلا تهتم. متى جئت إليّ أعطيتك من خزائني أضعافه. فإذا علم صحة قول الملك، ووثق به، واطمأن إليه، وعلم أن خزائنه مليئة بذلك لم يحزنه فوته.

وقد مُثِّل ذلك بحال الطفل الرضيع في اعتماده وسكونه، وطمأنينته بثدي أمه لا يعرف غيره. وليس في قلبه التفات إلى غيره، كما قال بعض العارفين: المتوكل كالطفل، لا يعرف شيئاً يأوي إليه إلا ثدي أمه، كذلك المتوكل لا يأوي إلا إلى ربه سبحانه.

ومنها: حُسن الظن بالله عز وجل.

فعلى قدر حُسن ظنك بربك ورجائك له، يكون توكلك عليه، ولذلك فسّر بعضهم التوكل بحُسنِ الظن بالله.

والتحقيق: أن حُسن الظن به يدعوه إلى التوكل عليه. إذ لا يُتصور التوكل على من ساء ظنك به، ولا التوكل على من لا ترجوه. والله أعلم. ومنها: استسلام القلب له، وانجذاب دواعيه كلها إليه، وقطع منازعاته.

وبهذا فسَّره من قال: أن يكون العبد بين يدي الله، كالميت بين يدي الغاسل، يقلبه كيف أراد، لا يكون له حركة ولا تدبير.

وهذا معنى قول بعضهم: التوكل إسقاط التدبير. يعني الاستسلام لتدبير الرب لك. وهذا في غير باب الأمر والنهي، بل فيما يفعله بك، لا فيما أمرك بفعله. فالاستلام كتسليم العبد الذليل نفسه لسيده، وانقياده له، وترك منازعات نفسه، وإرادتها مع سيده. والله سبحانه وتعالى أعلم. ومنها: التفويض.

وهو روح التوكل ولُبّه وحقيقته. وهو إلقاء أموره كلها إلى الله، وإنزالها به طلباً واختياراً، لا كرهاً واضطراراً. بل كتفويض الابن العاجز الضعيف المغلوب على أمره: كل أموره إلى أبيه، العالِم بشفقته عليه ورحمته، وتمام كفايته، وحُسن ولايته له، وتدبيره له. فهو يرى أن تدبير أبيه له خير من تدبيره نفسه، وقيامه بمصالحه وتوليه لها خير من قيامه هو بمصالح نفسه وتوليه لها . فلا يجد له أصلح ولا أرفق من تفويضه أموره كلها إلى أبيه، وراحته من حمل كُلَفَها وثقل حملها، مع عجزه عنها، وجهله بوجوه المصالح فيها، وعلمه بكمال علم من فوَّض إليه، وقدرته وشفقته.

فإذا وضع قدمه في هذه الدرجة، انتقل منها إلى درجة " الرضا ".

وهي ثمرة التوكل، ومن فسَّر التوكل بها. فإنما فسَّره بأجلِّ ثمراته وأعظم فوائده. فانه إذا توكل حق التوكل رضي بما يفعله وكيله. وكان شيخنا رضي الله عنه يقول: المقدور يكتنفه أمران: التوكل قبله، والرضا بعده. فمن توكَّل على الله قبل الفعل، ورضي بالمقضي له بعد الفعل، فقد قام بالعبودية، أو معنى هذا.

قلت: وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستخارة: ( اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم ) فهذا توكل وتفويض. ثم قال: ( فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علام الغيوب ) فهذا تبرؤ إلى الله من العلم والحَوْل والقوة، وتوسل إليه سبحانه بصفاته التي هي أحب ما توسل إليه بها المتوسلون. ثم سأل ربه أن يقضي له ذلك الأمر إن كان فيه مصلحته عاجلاً، أو آجلاً، وأن يصرفه عنه إن كان فيه مضرَّته عاجلاً أو آجلاً. فهذا هو حاجته التي سألها. فلم يبق عليه إلا الرضا بما يقضيه له. فقال: ( واقدر لي الخير حيث كان. ثم رضِّني به ).

فقد اشتمل هذا الدعاء على هذه المعارف الإلهية، والحقائق الإيمانية، التي من جملتها: التوكل والتفويض، قبل وقوع المقدور. والرضا بعده، وهو ثمرة التوكل، والتفويض علامة صحته، فإن لم يرض بما قضى له، فتفويضه معلول فاسد.

فباستكمال هذه الدرجات يستكمل العبد مقام التوكل، وتثبت قدمه فيه ".

قال العلامة ابن القيم:

" وكثيراً ما يشتبه في هذا الباب المحمود الكامل بالمذموم الناقص. فيشتبه التفويض بالإضاعة. فيضيع العبد حظه، ظناً منه أن ذلك تفويض وتوكل " وإنما هو تضييع لا تفويض. فالتضييع في حق الله. والتفويض في حقك.

ومنه: اشتباه التوكل بالراحة، وإلقاء حمل الكلِّ. فيظن صاحبه أنه متوكل. وإنما هو عامل على عدم الراحة.

وعلامة ذلك: أن المتوكل مجتهد في الأسباب المأمور بها غاية الاجتهاد، مستريح من غيرها لتعبه بها. والعامل على الراحة آخذ من الأمر مقدار ما تدفع به الضرورة، وتسقط به عنه مطالبة الشرع. فهذا لون وهذا لون.

ومنه: اشتباه خلع الأسباب بتعطيلها. فخلعها توحيد، وتعطيلها إلحاد وزندقة. فخلعها عدم اعتماد القلب عليها، ووثوقه وركونه إليها مع قيامه بها. وتعطيلها إلغاؤها عن الجوارح.

ومنه: اشتباه الثقة بالله بالغرور والعجز. والفرق بينهما: أن الواثق بالله قد فعل ما أمره الله به، ووثق بالله في طلوع ثمرته، وتنميتها وتزكيتها، كغارس الشجرة، وباذر الأرض. والمغتر العاجز: قد فرَّط فيما أُمِر به وزعم أنه واثق بالله. والثقة إنما تصح بعد بذل المجهود.

ومنه: اشتباه الطمأنينة إلى الله والسكون إليه، بالطمأنينة إلى المعلوم، وسكون القلب إليه. ولا يميز بينهما إلا صاحب البصيرة. وأكثر المتوكلين سكونهم وطمأنينتهم إلى المعلوم. وهم يظنون أنه إلى الله. وعلامة ذلك: أنه متى انقطع معلوم أحدهم حضره همُّه وبثُّه وخوفه. فعلم أن طمأنينته وسكونه لم يكن إلى الله.

ومنه: اشتباه الرضا عن الله بكل ما يفعل بعبده - مما يحبه ويكرهه - بالعزم على ذلك، وحديث النفس به. وذلك شيء والحقيقة شيء آخر. كما يُحكى عن أبي سليمان أنه قال: أرجو أن أكون أُعطيت طرفاً من الرضا، لو أدخلني النار لكنت بذلك راضياً!.

فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا عزم منه على الرضا وحديث نفس به. ولو أدخله النار لم يكن من ذلك شيء. وفرق بين العزم على الشيء وبين حقيقته.

ومنه: اشتباه علم التوكل بحال التوكل. فكثير من الناس يعرف التوكل وحقيقته وتفاصيله. فيظن أنه متوكل، وليس من أهل التوكل. فحال التوكل: أمر آخر من وراء العلم به. وهذا كمعرفة المحبة والعلم بها وأسبابها ودواعيها. وحال المحب العاشق وراء ذلك. وكمعرفة علم الخوف، وحال الخائف وراء ذلك. وهو شبيه بمعرفة المريض ماهية الصحة وحقيقتها وحاله بخلافها.

فهذا الباب يكثر اشتباه الدعاوى فيه بالحقائق، والعوارض بالمطالب، والآفات القاطعة بالأسباب الموصلة. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم".

الفصل الثالث

مجال التوكل ومتعلقه

ومجال التوكل واسع، ومتعلقه شامل لكل ما يطلبه الخلق ويحرصون عليه، من أُمور الدنيا، ومطالب الدين.

التوكل في أمر الرزق

ولكن كثيراً من الناس إذا ذكر "التوكل" لم يخطر في بالهم إلا "الرزق" فهو يتوكل على الله في أمر الرزق الذي ضمنه لعباده. كما ضمنه لكل دابة في الأرض: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) (هود: 6).

(وكأين من دابةٍ لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم، وهو السميع العليم) (العنكبوت: 60).

وإذا دعي إلى الإنفاق أنفق وهو مطمئن إلى أنّ الله سيرزقه خيراً مما أنفق، كما قال تعالى: (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه، وهو خير الرازقين ) (سبأ: 39).

وحين تحدث الإمام الغزالي في كتابه "منهاج العابدين" عن "العوارض" التي تعرض لسالك الطريق إلى الله، جعل في مقدمتها "الرزق" ووصف العلاج لها في "التوكل".

ولا ريب أن أمر الرزق قد أهم الناس وشغلهم، كما شغلهم أمر الأجل، بَيْد أن المتوكلين على الله قد فرغوا من هذين الأمرين، فقد اطمأنوا إلى أن الرزق مقسوم، والأجل معلوم، فلا يملك أحد أن ينقص من رزقهم مثقال حبة، ولا أن يُقدِّم أجلهم مقدار لحظة.

وهذا لا يعني أن يهمل السعي لرزقه، بل يسعى ويكدح، وهو مطمئن أن أحداً لا يأكل رزقه، كما لا يأكل هو رزق غيره، وأن ما أصابه من رزق لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

لقد جهل عرب الجاهلية هذا الأمر، فاقترفوا أشنع جريمة: قتلوا أولادهم بأيديهم شر قتلة، بأخبث دافع: من أجل إملاق (فقر) واقع، أو خشية إملاق متوقع، أي مخافة أن يطعموا معهم، ويزاحمهم في رزقهم، غافلين عن أن رزقهم يأتي معهم.

يقول تعالى في سياق ما حرَّم على عباده: (ولا تقتلوا أولادكم من إملاقٍ، نحن نرزقكم وإياهم) (الأنعام؟: 151)، وفي سورة أخرى: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاقٍ، نحن نرزقهم وإياكم، إن قتلهم كان خطئاً كبيراً) (الإسراء: 31).

وقد أبطل الإسلام هذه الجريمة الشنعاء، وعلَّم الناس أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وأن خزائنه ملأى لا تنفد: (ولله خزائن السموات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون) (المنافقون: 7).

جريمة الجاهلية المعاصرة

ولكن الجاهلية المعاصرة -جاهلية القرن العشرين- طفقت تحيي بعض ما مات من الجاهلية القديمة، وتُخوِّف الناس من أمر الرزق، وتحرضهم على الإجهاض، إجهاض أطفالهم مخافة أن يطعموا معهم كما رأينا ذلك في أوراق مؤتمر السكان العالمي الذي انعقد في القاهرة (سبتمبر 1994 ).

أما المسلمون الأوائل، فقد أنسوا إلى وعد الله تعالى، وأيقنوا بصدقه، واطمأنوا إلى ضمانه، فلم يبخلوا ببذل الأموال، ولم يضنوا ببذل الأرواح، في سبيل الله.

عند تجهيز جيش العسرة في غزوة تبوك، تسابق الصحابة في الإنفاق والبذل، فجاء عمر بنصف ماله، وبحاء أبو بكر بماله كله، وقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (وماذا أبقيت لأهلك وعيالك)؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله!.

قيل لبعض المجاهدين في عصور الفتح: من يكفى أولادك من بعدك؟ قال: علينا أن نجاهد في سبيله كما أمرنا. وعليه أن يرزقنا كما وعدنا! وقيل لزوجة مجاهد من السلف: من أين تعيشين أنت وأولادك بعد ذهاب زوجك؟ قالت بكل ثقة: زوجي منذ تزوجته وعرفته، عرفته أكّالاً، وما عرفته رزّاقاً، فلئن ذهب الأكّال لقد بقي الرزَّاق!.

التوكل في أُمور الدنيا الأخرى

ورغم أهمية أمر الرزق لدى أكثر الناس، فهو ليس كل ما يطلب الناس من أمر الدنيا. فهناك من يطلب الزوجة، وهي من أهم ما يُطلب من دنيا الناس. وفي الحديث الصحيح: (الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة).

وهناك من يطلب الذُرِّية التي تكون له قُرَّة عين، وترثه من بعده، وهو مطلب مشروع دعا به الأنبياء والصالحون.

قال إبراهيم: (رب هب لي من الصالحين) (الصافات: 100).

وقال زكريا: (رب هب لي من لدنك ذريةً طيبةً، إنك سميع الدعاء) (آل عمران: 38).

وهناك من يطلب العافية، وهي أهم ما يطلب الأفراد لأنفسهم.

وفي الحديث: (سلوا الله العفو والعافية، فإن أحداً لم يُعط بعد اليقين خيراً من العافية).

وفي دعاء القنوت: ( وعافني فيمن عافيت ).

وهناك من يطلب الانتصار على عدو ظلمه، فهو يريد أن يشفي غلته بأخذ الله له. وهذا لا حرج فيه، فهو من طبائع البشر، وقد رخص الله للمظلوم أن يجهر بالسوء من القول في حق ظالمه، رعاية لحاله: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظٌلِم، وكان الله سميعاً عليماً) (النساء: 148).

وهذه كلها مطالب دنيوية مشروعة، ومن متعلقات التوكل على الله تعالى.

فالمؤمن يتوكل على ربه أن يرزقه الزوجة الصالحة، والأولاد الصالحين، كما دعا بذلك عباد الرحمن: (الذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعينٍ واجعلنا للمتقين إماماً) (الفرقان: 74).

ويتوكل عليه حتى يمحه العافية، وينصره على ظالمه.

التوكل في أمر الدين

ولكن هناك ما هو أعظم من هذا، وهو من يتوكل على الله تعالى، حتى يأخذ بيده، ويعينه على سلوك الصراط المستقيم، ويثبته عليه، ويجعله من (الذين قالوا ربُنا الله ثم استقاموا) (فصلت: 30، والأحقاف: 13)، ويمنع عنه المشوشات وقواطع الطريق، من النفس والشيطان، والدنيا والناس. كما قال العبد الصالح:

بالنبل عن قوس له توتي

إني بُليتُ بأربع يرمينني

يا رب أنت على الخلاص قدير

إبليس والدنيا ونفس والورى

وهناك ما هو أعلى من هذه المرتبة في متعلقات التوكل، وهي: مرتبة من يتوكل على الله تعالى في إعلاء كلمته، ونصرة دعوته، وتأييد شريعته، وتبليغ رسالته، وجهاد أعدائه، والتمكين لدينه في الأرض، حتى يحق الحق، ويبطل الباطل، ويقوم العدل، وينقشع الظلم، ويخرج الناس من الظلمات إلى النور، وبذلك لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله.

توكل الأنبياء وورثتهم في إقامة الدين

وهذا هو توكل الرسل والأنبياء، وهو الذي حكاه عنهم القرآن، حيث تحداهم أقوامهم متعنتين، فواجهوهم بقوة التوكل متثبتين (وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا، ولصبرن على ما آذيتمونا، وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) (إبراهيم: 12).

وهذا هو موقف ورثة الأنبياء من العلماء والدعاة في كل عصر، ولا سيما في عصرنا الذي احتشدت فيه القوى المعادية للإسلام، من يهودية غادرة، وصليبية ماكرة، وشيوعية كافرة، ووثنية فاجرة. وصدق فيهم قول الله تعالى (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض) (الأنفال: 73).

ولكن حملة رسالات الله لن يتراجعوا عن دعوتهم، ولن ييئسوا من روح الله، وسيمضون في طريقهم متوكلين على ربهم، موقين أن الله ولي المؤمنين والمدافع عنهم، إن تخلى عنهم المدافعون، وتآمر عليهم المتآمرون، ومكر بهم الماكرون، فإن الله أسرع مكراً، وأقوى كيداً: (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) (الأنفال: 30) ، (إنهم يكيدون كيداً * وأكيد كيداً * فمهل الكافرين أمهلهم رويداً) (الطارق: 15 - 17).

ما عليهم إلا أن يستمسكوا بشريعة الله ولا يبالوا بأعدائها، وأن يوقنوا بقوله تعالى لرسوله: (ثم جعلناك على شريعةٍ من الأمر فاتَّبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون * إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً، وإن الكافرين بعضهم أولياء بعضٍ، والله ولي المتقين) (الجاثية: 18، 19).

إن الذي نصر أصحاب طالوت وهم قِلَّة، ونصر المسلمين في بدر وهم أذلة، ونصر المسلمين يوم الخندق وهم محاصرون، قادر على أن ينصرهم اليوم وهم من كل صوب يُهاجمون، وفي كل أرض يُضطهدون.

إن الملائكة التي نزلت في بدر والأحزاب وحُنين، يمكن أن تنزل اليوم على المؤمنين المحاصرين المغلوبين: في فلسطين، وفي البوسنة والهرسك، وفي جامو وكشمير، وفي الفليبين، وفى إريتريا والحبشة، وفي بلاد إسلامية كثيرة يُحارب فيها الإسلام جهرة وخفية، تحت أسماء وعناوين شتَّى: الرجعية، أو الأُصولية، أو التطرف، أو الإرهاب، حتى غدا التمسك بآداب الإسلام كالحجاب للمرآة، واللِّحية للرجل، والحرص على شعائر الإسلام، كصلاة الفجر في المسجد، والدعوة إلى تحكيم شريعة الله في دنيا الناس، والتنادي بتوحيد كلمة الأمة تحت راية الخلافة، وإعادة "دار الإسلام" من جديد .. كل ذلك من دلائل التطرف، ومداخل العنف والإرهاب. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

أمام هذه المحن الضارية، والهجمات المتتالية، والضربات الباغية، ليس أمام دعاة الإسلام إلا التوكل على الله، يقفون على بابه، ويلوذون بجنابه ويعتصمون بحبله: (ومن يعتصم بالله فقد هُدي إلى صراطٍ مستقيم) (آل عمران: 101).

ليس أمامهم إلا أن يقولوا ما قال الإمام حسن البنا حين بغى عليه باغون، وافترى عليه مفترون: "سنستعدي على الباغين سهام القَدَر، ودعاء السَحَر، وكل أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبرَّه".

ليس أمام المستضعفين والمقهورين إذا أُغلقت في وجوههم الأبواب، إلا باب واحد لا يُغلق أبداً، هو باب الله الكريم، يقرعونه بدعائهم وابتهالهم وتضرعهم، إلى من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، وينصر المظلوم المغلوب، يرفع دعوته فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول جل جلاله: (لأنصرنك ولو بعد حين).

قد يضحك الطغاة من دعواتهم ويسخرون، وقد يهزؤون باستغاثتهم ويتغامزون. وقد سمعنا أحدهم يقول للمعتقلين مستكبراً مغروراً: هاتوا ربكم وأنا أحطه معكم في زنزانة!! ثم كان مصيره أن صدمته سيارة فقطعته إرباً إرباً.

لقد عوّدنا القَدَر الأعلى أن يسخر من هؤلاء الساخرين، فيجعل نهايتهم أسوأ النهايات، ويختم روايتهم اقبح المشاهد، ولسان الحال يقول لكل طاغية منهم:

وما يدريك ما صنع الدعاء؟

أتهزأ بالدعـاء وتزدريـه؟

لها أمـد، وللأمد انقضـاء!

سهام الليل لا تخطي، ولكن

ويـرسلها إذا نفذ القضـاء!

فيمسكها -إذا ما شاء- ربي

سعة منزلة التوكل

يقول ابن القيم: "ومنزلة التوكل: أوسع المنازل وأجمعها، ولا تزال معمورة بالنازلين، لسعة متعلق التوكل، وكثرة حوائج العالمين، وعموم التوكل، ووقوعه من المؤمنين والكفار، والأبرار والفجار ...

فأهل السموات والأرض .. في مقام التوكل، وان تباين متعلق توكلهم".

ومن طريف ما ذكره: "أن هناك من يتوكل على الله في حصول الإثم والفواحش، فإن أصحاب هذه المطالب لا ينالونها غلباً إلا باستعانتهم بالله، وتوكلهم عليه. بل قد يكون توكلهم أقوى من توكل كثيرمن أصحاب الطاعات. ولهذا يلقون أنفسهم في المتالف والمهالك، معتمدين على الله أن يسلمهم ويظفرهم بمطالبهم ...!

وأفضل التوكل توكل الأنبياء في إقامة دين الله، ورفع فساد المفسدين في الأرض، وهذا توكل ورثتهم.

ثم الناس بعد في توكلهم على حسب هممهم ومقاصدهم، فمن متوكل على الله في حصول الملك، ومن متوكل في حصول رغيف".

الفصل الرابع

التوكل ورعاية الأسباب

التوكل -الذي أمر به القرآن والسُنَّة- لا ينافي رعاية الأسباب، التي أقام الله عليها نظام هذا الكون، وأجرى عليها سُنَّته، ومضت بها أقداره وحكم بها شرعه.

يقول الأستاذ أبو القاسم القشيري في "رسالته":

"واعلم أن التوكل محل القلب، والحركة بالظاهر لا تنافي التوكل بالقلب، بعد ما تحقق العبد أن التقدير من قِبَل الله تعالى، فإذا تعسَّر شيء فبتقديره، وإن اتفق فبتيسيره".

واستدل لذلك بالحديث المشهور عن أنس بن مالك قال: جاء رجل على ناقة له، فقال: يا رسول الله؛ أدعها وأتوكل؟ أو أرسلها وأتوكل؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (اعقلها وتوكل).

وهذا نص حاسم صريح في مراعاة الأسباب، وأنها لا تنافي التوكل.

حكايات بعض الصوفية في إهمال الأسباب

ومع ذلك روى القشيري رحمه الله حكايات كثيرة عن عدد من مشايخ الصوفية، تركوا الأسباب، بل رفضوها عمداً، ودخلوا البادية المقفرة من غير زاد، متوكلين على الله تعالى، منكرين على مَن يتعلق بسبب، في أي وجه، وأية صورة.

ونقل الإمام الغزالي هذه الحكايات في كتابه "منهاج العابدين" لتكون نموذجاً يُحتذى للسائرين المريدين للآخرة، والسالكين للطريق إلى الله تعالى. كما ذكرها في "الإحياء" محاولاً تبريرها.

يقول بعضهم: حججتُ أربع عشرة حَجَّة، حافياً، على التوكل. فكان يدخل في رجلي شوكة، فأذكر أني قد اعتقدت على نفسي التوكل، فأحكها في الأرض وأمشي!

يعني أنه يرى إخراج الشوكة المؤذية من رجله مناقضاً للتوكل الذي اعتقده.

ويقول آخر: إني لأستحي من الله أن أدخل البادية وأنا شبعان، وقد اعتقدت التوكل (أي عزمت عليه) لئلا يكون شبعي زاداً أتزود به! وقال آخر: دخلت البادية مرة بغير زاد، فأصابتني فاقة، فرأيت المرحلة (القرية أو محطة الاستراحة) من بعيد فسررتُ بأني قد وصلت، ثم فكرت في نفسي: أني سكنت واتكلت على غيره تعالى، فآليت ألا أدخل المرحلة، حتى أُحمَل إليها. فحفرت لنفسي في الرمل حفرة، وواريت جسدي فيها إلى صدري! فسمعوا صوتاً في نصف الليل عالياً يقول: يا أهل البادية؛ إن لله تعالى ولياً حبس نفسه في هذا الرمل فالحقوه .. فجاءني جماعة فأخرجوني وحملوني إلى القرية!

ومثل ذلك: من وقع في بئر فنازعته نفسه أن يستغيث، فقال: أراد الله ألا أستغيث.. ومر رجلان، فقال أحدهما للآخر: تعال نسد رأس هذه البئر لئلا يقع فيها أحد.. وشرعا يفعلان. وقد همَّ أن يصيح، ثم قال في نفسه: أصيح ( أي أشكو ) إلى مًن هو أقرب منهما! إلى الله سبحانه. وسكن لهذا الخاطر، فيما هو بعد ساعة، إذا هو بشيء جاء، وكشف عن رأس البئر، وأدلى رجله، وكأنه يقول له: تعلق بي، قال: فتعلَّقتُ به فأخرجني، فإذا سبع.

والحكايات من هذا النوع -الذي يعتبره الفقهاء إلقاء بالنفس إلى التهلكة- كثيرة.

مخالفة هذه الحكايات للسنة الصحيحة

ولكن العارفين الراسخين يعلمون أن السُنَّة على خلاف ما يحكى عن هؤلاء.

يقول شيخ القوم وسيدهم سهل بن عبد الله: مَن طعن في الحركة ( يعني السعي والأخذ بالأسباب ) فقد طعن في السُنَّة، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان.

وذلك أن سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم -القولية والعملية والتقريرية- الأخذ بالأسباب، والدعوة إلى مراعاتها، مع تعلق القلب بالله تعالى، مسبب الأسباب، وصاحب الخلق والأمر.

فهو يقول للأعرابي في شأن ناقته: (اعقلها وتوكل).

ويقول: (لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً، وتروح بطاناً) ، وفيه إشارة إلى التسبب، لأنه لم يضمن لها الرواح بطاناً، إلا بعد أن غدت خماصاً، والغدو حركة وانتشار.

وأحاديثه عليه الصلاة والسلام - في الدعوة إلى العمل والكسب الحلال، عن طريق الزرع والغرس، والصناعة والتجارة والاحتراف -ولو بالاحتطاب- كثيرة وشهيرة. وحسبنا منها قوله: (ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وأن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده) ، وحديثه الآخر: ( إن قامت الساعةُ وفي يد أحدكم فَسِيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسَها؟ فليغرسْها).

وقد رأيناه صلى الله عليه وسلم يعد العدة، ويهيئ الأسباب في غزواته وسراياه، ويتخذ الاحتياطات اللازمة لسلامة جيشه، والمحافظة على جنوده، ويبعث العيون والطلائع لمعرفة أخبار الأعداء، والتعرف على نقاط الضعف عندهم. وهذا بيِّن لمن قرأ سيرته، ودرس مغازيه صلى الله عليه وسلم.

ومن روائع ما قرأناه في سُنَّته وسيرته صلى الله عليه وسلم في الأخذ بالأسباب: استخدامه "أُسلوب الإحصاء" منذ وقت مبكر من إقامة الدولة الإسلامية، أي بعد الهجرة إلى المدينة. فقد روى البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أحصوا لي كم يلفظ بالإسلام) حتى لفظة "الإحصاء" استعملها.

وفي رواية للبخاري في صحيحه أنه قال: (اكتبوا لي من يلفظ بالإسلام من الناس). قال حذيفة : فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل. ويبدو أن إحصاء الرجال القادرين على حمل السلاح كان هو المقصود بالقصد الأول.

فهو ليس إذن عداً شفهياً. بل هو إحصاء كتابي -لقوله: ( اكتبوا لي )- يُراد تدوينه وتسجيله، ليعرف منه عليه الصلاة والسلام مقدار القوة البشرية الضاربة التي يستطيع أن يواجه بها أعداءه المتربصين به، وما أكثرهم.

كما أن من سيرته وسُنَّته صلى الله عليه وسلم التخطيط للمستقبل، وإعداد العدة للغد، كما بيَّنا ذلك بأدلته في كتبنا من قبل.

كما بينا أن ذلك لا يناقض مبدأ التوكل على الله تعالى.

بل هي مخالفة لسنن الأنبياء عامة

وليست هذه سُنَّة محمد -عليه الصلاة والسلام- وحده، بل هي سُنَّة رُسُل الله وأنبيائه من قبله، كما هو بيِّن من قصص القرآن عنهم.

فهذا نوح عليه السلام يصنع الفلك كما أمره الله تعالى: (واصنع الفلك بأعيننا ووحينا) (هود: 37) لتكون أداة الإنقاذ له ولمن آمن معه إذا جاء الطوفان، وكان في قُدرَة الله أن يحجز الماء عنه، وعمن معه، أو يحملهم فوق الماء بغير سفينة، ولكن الله أراد أن يُعلِّمنا أن قدرته تعمل من خلال الأسباب التي أوجدها أيضاً. قال تعالى عن نوح: (فدعا ربه أني مغلوبٌ فانتصر* ففتحنا أبواب السماء بماءٍ منهمرٍ* وفجرنا الأرض عيوناً فالتقى الماء على أمرٍ قد قُدِر* وحملناه على ذات ألوحٍ ودُسُرٍ* تجري بأعيننا جزاءً لمن كان كُفِر) (القمر: 10 - 14).

وهذا يعقوب عليه السلام يقول ليوسف بعد أن ذكر له رؤياه: ( يا بني لا تقصص رُءياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً) (يوسف: 5)، ونراه بعد ذلك يخاف على بنيه عند توجههم إلى مصر، فيوصيهم قائلا: (يا بَني لا تدخلوا من بابٍ واحدٍ وادخلوا من أبوابٍ متفرقةٍ، وما أُغني عنكم من الله من شيءٍ، إنِ الحكم إلا لله، عليه توكلت، وعليه فليتوكل المتوكلون) (يوسف: 67).

وسواء أكان يخشى عليهم العَيْن -كما قيل- أو يخشى أمراً آخر يتعلق بالسياسة، فقد أعطى الأسباب حقها، وترك النتائج لله تعالى، ولحكمة الكوني في الخلق، وما يكون التوكل حقاً: (عليه توكلت، وعليه فليتوكل المتوكلون).

وهذا يوسف الصِّدِّيق عليه السلام يضع لإنقاذ مصر من القحط والمجاعة خطة خمس عشرية، وقام هو على تنفيذها، أساسها زيادة الإنتاج في سنوات الخصوبة السبع، مع تقليل الاستهلاك، وخزن القمح في سنبله "إلا قليلاً مما يأكلون"، ثم الاستهلاك بقدر وحساب -من المخزون- خلال سنوات الجدب، بحيث يكفي السبع الشداد كلها، كما أشار إلى ذلك القران: (ثم يأتي من بعد ذلك سبعٌ شدادٌ يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلاً مما تحصنون) (يوسف: 48). وفي قوله: (ما قدمتم لهن) يفيد أن الاستهلاك مقدَّر ومحسوب، مثل التوزيع بالبطاقات ونحو ذلك، وفي قوله: (إلا قليلاً مما تحصنون) إشارة إلى استبقاء بعض الحبوب لتستخدم بذوراً عندما يجيء الغيث ويبعث الله الماء. وإلا لم يكن للماء فائدة إذا انعدمت البذور.

وقد قام يوسف بهذه المهمة، ونجى الله على يديه مصر وما حولها من البلاد، ببركة هذا التخطيط المحسوب، ولا يضير ذلك أن كان أساسه رؤيا صادقة، فالمهم أن الرؤيا أفادت علماً بمشكلة وأزمة، فطلبت حلاً، وكانت خطة يوسف هي الحل، ولم يكن في ذلك ما ينافي التوكل على الله تعالى، كيف وقد قام عليه نبي مرسل، وسجَّله الله في أعظم كتبه.

وهذا موسى عليه السلام حين سار بأهله من مَدْيَن، راجعاً إلى مصر، آنس من جانب الطور ناراً، فقال لأهله: (امكثوا إني آنست ناراً، لعلِّي آتيكم منها بخبرٍ أو جَذوةٍ من النار لعلكم تصطلون) (القصص: 29) وسعى إلى موضع النار، ولم يجلس حتى يأتيه الخبر، أو الجذوة، اتكالاً على الله تبارك وتعالى.

ونجده عليه السلام حين سار ومعه فتاه ليلقى العبد الصالح -الخضر عليه السلام- عند مجمع البحرين، يصحب معه زاده وغداءه، ويقول لفتاه: (آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً) (الكهف: 62). وحين أمره الله بالخروج من مصر قال له: (فأسر بعبادي ليلاً إنكم متبعون) (الدخان: 23) وذلك ليكون الليل ستاراً له من فرعون وملئه.

ويحدثنا القرآن عن داود فيقول: (وعلمناه صنعة لَبوسٍ لكم لتحصنكم من بأسكم، فهل أنتم شاكرون) (الأنبياء: 80) ، (وألنَّا له الحديد * أن اعْمَل سابغات وقدِّر في السرد) (سبأ: 10، 11)؛ فعمله في صناعة الدروع السابغات، التي تحصن لابسيها وتحفظهم من بأس العدو وضرباته. ولم ير القرآن عمل داود هذا مناقضاً للتوكل على الله.

وقد أمر الله تعالى الصِّدِّيقة البتول مريم عليها السلام أن تهز بجذع النخلة ليتساقط عليها الرطب، رعاية للأخذ بالأسباب ظاهراً، وإن كان الأمر كله آية وكرامة لمريم، قال تعالى: (وهُزِّي إليك بجذع النخلة تُساقِط عليكِ رُطباً جنياً * فكُلي وأشربي وقَرَّي عيناً) (مريم: 25، 26). وفي ذلك يقول الشاعر:

ولا ترغبن في العجز يوماً عن الطلب

توكل على الرحمن في الأمر كله

وهُزِّي إليك الجذع يسَّاقط الرطب؟

ألم تر أن الله قـال لمــريم:

جنته، ولكن كــل شيء له سبب

ولو شاء أن تجنيه من غير هزة

وفتية أهل الكهف الذين أثنى الله عليهم، وخلَّد ذكرهم في كتابه، وقال: (إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هُدًى) (الكهف: 13) حين أووا إلى الكهف حملوا معهم بعض النقود من (الورق) أي الفضة، ليستطيعوا بها شراء بعض ما يريدون، كما دلَّ على ذلك قوله تعالى: (فابعثوا أحدكم بوَرِقِكم هذه إلى المدينة) (الكهف: 19) ولم يكن ذلك منافياً لتوكلهم على الله تعالى.

القرآن يأمر برعاية الأسباب

وها هو القرآن يأمر المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم) (النساء: 71)، (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوةٍ ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) (الأنفال: 60).

ويأمر بالصلاة المعروفة باسم "صلاة الخوف" في الحرب، فيدعو إلى تقسيم المقاتلين إلى قسمين: قسم يُصلِّي وراء الإمام، وقسم في مواجهة العدو، ويوصى بأخذ الحذر والسلاح، حتى لا يهتبل العدو فرصة اشتغالهم بالصلاة فيميل عليهم ميلة واحدة. يقول تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفةٌ منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفةٌ أخرى لم يصلُّوا فليصلًّوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، ودَّ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلةً واحدةً، ولا جُناح عليكم إن كان بكم أذًى من مطرٍ أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم، وخذوا حذركم، إن الله أعدَّ للكافرين عذاباً مهيناً) (النساء: 102).

هذا في جانب الحرب والإعداد للأعداء.

وفي جانب الرزق، يقول تعالى: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه، وإليه النشور) (الملك: 15) فهذا أمر بالمشي في مناكب الأرض.

وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نُودِيَ للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع، ذلكم خيرٌ لكم إن كنتم تعلمون * فإذا قُضِيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) (الجمعة: 9، 10) فهذا هو شأن المسلم: عمل وبيع قبل الصلاة، وسعي وانتشار في الأرض بعد الصلاة.

وقد وصف الله تعالى رُوَّاد بيوته التي أذن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه، فقال: (يُسبح له فيها بالغدو والآصال * رجالٌ لا تلهيهم تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) (النور: 36، 37) فلم يصفهم بعطالة ولا بطالة، بل جعل لهم تجارةً وبيعاً، فهم "رجال أعمال" ولكن ذلك لا يلهيهم ولا يشغلهم عن ذكر الله، وأداء حق الله.

وقال تعالى في شأن الحج: (وتزوَّدوا فإن خير الزاد التقوى، واتقونِ يا أولي الألباب) (البقرة: 197).

جاء عن ابن عباس أن أناساً من أهل اليمن كانوا يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون! فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: (وتزوَّدوا ... ) الآية.

هدي الصحابة والتابعين في مراعاة الأسباب

ومَن نظر في حال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهم خير قرون هذه الأمة وأفضل أجيالها- وجدهم يكدحون ويعملون لمعاشهم، ولم ينقص ذلك من توكلهم على الله تعالى.

كان المهاجرون في مجموعهم أهل تجارة، وكان الأنصار أهل زرع.

ولما عرض سعد بن الربيع الأنصاري على عبد الرحمن بن عوف أن يقاسمه ماله وداره وأهله، قال له: بارك الله لك في مالك وأهلك ودارك إنما أنا امرؤ تاجر، فدلوني على السوق!

وعمر بن الخطاب يقول بعد سماع حديث الاستئذان ثلاثاً من أبي موسى الأشعري، وشهادة أبي سعيد الخدري بتأكيده: ألهاني عنه الصفق بالأسواق.

وأبو بكر، حينما بويع بالخلافة، أراد يذهب إلى السوق -على عادته- يقتات لأهله، ويتجر ليكسب لهم ما يكفيهم. وهذا -كما يقول أبو طالب المكي- في أتم أحواله، حين أُهِّل للخلافة وأقيم مقامة النبوة، حتى اجتمع المسلمون، فكرهوا له ذلك، فقال: لا تشغلوني عن عيالي، فإني إن أضعتهم كنت لما سواهم أضيع، حتى فرضوا له قوت أهل بيت من المسلمين، لا وكس ولا شطط.

وقال معاوية بن قرة: لقي عمر بن الخطاب ناساً من أهل اليمن، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون. قال: بل أنتم المتأكلون. إنما المتوكل الذي يلقي حبه في الأرض، ويتوكل على الله عزَّ وجلَّ.

ومن المشهور عنه: أنه رأى جماعة يقعدون في المسجد بعد صلاة الجمعة، فأنكر عليهم، وقال: لا يقعدنَّ أحدكم عن طلب الرزق، ويقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضةً! إنما يرزق الله الناس بعضهم من بعض. أما قرأتم قول الله تعالى: (فإذا قُضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله)؟ (الجمعة: 10)

وقد حكوا عن شقيق البلخي -وهو من أهل العبادة والزهد- أنه ودَّع صديقه إبراهيم بن أدهم، لسفره في تجارة عزم عليها. ولم يلبث إلا مدة يسيرة، ثم عاد، ولقيه إبراهيم، فعجب لسرعة إيابه من رحلته، فسأله عما رجع به قبل أن يتم غرضه، فقصَّ عليه قصة شهدها، جعلته يغير وجهته ويلغي رحلته، ويعود قافلاً.

ذلك أنه نزل للراحة في الطريق، فدخل خربة يقضي فيها حاجته، فوجد فيها طائراً أعمى كسيحاً لا يقدر على حركة، فرَقَّ لحاله، وقال: من أين يأكل هذا الطائر الأعمى الكسيح في هذه الخربة؟ ولم يلبث أن جاء طائر آخر يحمل إليه الطعام ويمده به، حتى يأكل ويشبع، وظل يراقبه عدة أيام وهو يفعل ذلك، فقال شقيق: إن الذي رزق هذا الطائر الأعمى الكسيح في هذه الخربة لقادر على أن يرزقني! وقرر العودة.

وهنا قال له ابن أدهم: سبحان الله يا شقيق! ولماذا رضيت لنفسك أن تكون الطائر الأعمى العاجز الذي ينتظر عون غيره، ولا تكون أنت الطائر الآخر الذي يسعى ويكدح ويعود بثمرة ذلك على من حوله من العمي والمقعدين؟! أما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اليد العليا خير من اليد السفلى)؟.

فقام إليه شقيق وقبَّل يده وقال: أنت أستاذنا يا أبا إسحاق!.

المحققون يردون على معطلي الأسباب

الحق أن المعرضين عن الأسباب بالكلية لا سند لهم من قرآن ولا سُنَّة، ولا من عمل الصحابة وتابعيهم بإحسان. وهم في حاجة إلى الاعتذار عنهم مما ارتكبوه، لا التأسِّي لهم فيما فعلوه!

ولو أن المسلمين في خير القرون ساروا على هذا النهج، ما انتصر لهم دين ولا قامت لهم دولة، ولا تأسست لهم حضارة، ولا مُكِّن لهم في الأرض، فإن هذا التوجه السلبي غريب على العقل الإسلامي، والروح الإسلامي، والنهج الإسلامي، الذي يعمل لتكوين الفرد الصالح، والأسرة الصالحة، والمجتمع الصالح، والأمة الصالحة، والدولة الصالحة.

والدليل على أنه ليس فضيلة محمودة، ولا فريضة مطلوبة: أنه لا يمكن تعميمه وطلبه من الناس كافة، لأنه غير موافق لشرع الله وأمره، ولا لسُنَّته الثابتة في ربط المسببات بالأسباب.

ولذا أنكره فقهاء الأمة المتبوعون، وأئمتها المعتبرون.

فهذا الإمام سفيان بن سعيد الثوري -وهو إمام في الفقه، وفي الحديث، وفي الزهد واليقين- يقول:

"العالِم إذا لم تكن له معيشة صار وكيلاً للظلمة، والعابد إذا لم تكن له معيشة أكل بدينه، والجاهل إذا لم تكن له معيشة صار وكيلاً للفُسَّاق".

وقال الإمام أبو جعفر الطبري: "قيل: لا يستحق التوكل إلا مَن لم يخالط قلبه خوف من شيء ألبتة، حتى السبع الضاري، والعدو العادي، ولا مَن لم يسع في طلب رزق أو مداواة ألم! والحق أن مَن وثق بالله، وأيقن أن قضاءه عليه ماض، لم يقدح في توكله تعاطيه الأسباب، اتباعاً لسُنَّته (تعالى) وسُنَّة رسوله، فقد ظاهر صلى الله عليه وسلم في الحرب بين درعين، ولبس على رأسه المغفر، وأقعد الرماة على فم الشِّعب، وخندق حول المدينة، وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، وهاجر هو، وتعاطى أسباب الأكل والشرب، وادخر لأهله قوتهم، ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء، وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك، وقال للذي سأله: أعقل ناقتي أو أدعها؟ قال: (اعقلها وتوكل) ، فأشار إلى أن الاحتراز لا يدفع التوكل".

وممن نقد الصوفية في مسلكهم هذا نقداً موضوعياً، وإن لم يخل من حرارة وشدة: الإمام أبو الفرج بن الجوزي في كتابه الشهير"تلبيس إبليس". فقد ذكر حكاياتهم، وعقَّب عليها بالرد في ضوء الأصول الشرعية.

نقل رحمه الله عن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: لو توكلنا على الله تعالى ما بنينا الحيطان، ولا جعلنا لباب الدار غلقاً مخافة اللصوص.

وعن ذي النون المصري أنه قال: سافرتُ سنين وما صحَّ لي التوكل إلا وقتاً واحداً: ركبتُ البحر فكسر المركب، فتعلقت بخشبة من خشب المركب فقالت لي نفسي: إن حكم الله عليك بالغرق فما تنفعك هذه الخشبة؟ فخليت الخشبة، وقطعت على الماء، فوقعت على الساحل! أخبرنا محمد قال: سألت أبا يعقوب الزيَّات عن مسألة في التوكل، فأخرج درهماً كان عنده ثم أجابني، فأعطى التوكل حقه، ثم قال: استحييت أن أجيبك وعندي شيء.

وعلَّق ابن الجوزي على ذلك فقال: قلة العلم أوجبت هذا التخليط. ولو عرفوا ماهِّيَة التوكل لعلموا أنه ليس بينه وبين الأسباب تضاد. وذلك أن التوكل اعتماد القلب على الوكيل وحده، وذلك لا يناقض حركة البدن في التعلق بالأسباب، ولا ادخار المال. فقد قال تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً) (النساء: 5) أي قواماً لأبدانكم. وقال صلى الله عليه وسلم: (نِعم المال الصالح مع الرجل الصالح)، وقال صلى الله عليه وسلم (إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس).

قال: واعلم أن الذي أمر بالتوكل أمر بأخذ الحذر فقال: (خذوا حذركم) (النساء: 71)، وقال: (وأعِدُّوا لهم ما استطعتم من قوةٍ) (الأنفال: 60)، وقال: (فأسر بعبادي ليلاً) (الدخان: 23)، وقد ظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين، وشاور طبيبين، واختفى في الغار. وقال: (من يحرسني الليلة)؟ وأمر بغلق الباب. وفي الصحيحين من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أغلق بابك). وقد أخبرنا أن التوكل لا ينافي الاحتراز (أي في قوله: اعقلها وتوكل).

وقال الإمام ابن عقيل: "يظن أقوام أن الاحتياط والاحتراز ينافي التوكل. وأن التوكل هو إهمال العواقب وإطراح التحفظ، وذلك عند العلماء هو العجز والتفريط، الذي يقتضي من العقلاء التوبيخ والتهجين، ولم يأمر الله بالتوكل إلا بعد التحرز واستفراغ الوسع في التحفظ. فقال تعال: (وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله) (آل عمران: 159)، فلو كان التعلق بالاحتياط قادحاً في التوكل لما خص الله به نبيه حين قال له: (وشاورهم في الأمر) وهل المشاورة إلا استفادة الرأي الذي منه يؤخذ التحفظ والتحرز من العدو؟ ولم يقنع في الاحتياط بأن يكله إلى رأيهم واجتهادهم، حتى نص عليه، وجعله عملاً في نفس الصلاة وهي أخص العبادات. فقال: (فلتقم طائفةٌ منهم معك وليأخذوا أسلحتهم) (النساء: 102)، وبيَّن عِلَّة ذلك بقوله تعالى: (ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتِكم وأمتعتِكم فيميلون عليكم ميلةً واحدةً) (النساء: 102)، ومن علم أن الاحتياط هكذا لا يقال: إن التوكل عليه ترك ما علم.

لكن التوكل التفويض فيما لا وسع فيه ولا طاقة. قال عليه الصلاة والسلام: (اعقلها وتوكل). ولو كان التوكل ترك التحرز لخص به خير الخلق صلى الله عليه وسلم في خير الأحوال، وهي حالة الصلاة. وقد ذهب الشافعي رحمه الله إلى وجوب حمل السلاح حينئذ لقوله: (وليأخذوا أسلحتهم )، فالتوكل لا يمنع من الاحتياط والاحتراز، فإن موسى عليه السلام لما قيل له: (إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك ) (القصص: 20) خرج. ونبينا صلى الله عليه وسلم خرج من مكة لخوفه من المتآمرين عليه، ووقاه أبو بكر رضي الله عنه بسد أثقاب الغار. وأعطى القوم التحرز حقه، ثم توكلوا، وقال عزَّ وجلَّ في باب الاحتياط: (لا تقصص رءياك على إخوتك) (يوسف: 5) وقال: (لا تدخلوا من بابٍ واحدٍ ) (يوسف: 67)، وقال: (فامشوا في مناكبها) (الملك: 15) وهذا لأن الحركة للذَبِّ عن النفس استعمال لنعمة الله تعالى. وكما أن الله تعالى يريد إظهار نعمه المبداة، يريل إظهار ودائعه، فلا وجه لتعطيل ما أودع، اعتماداً على ما جاد به. لكن يجب استعمال ما عندك ثم اطلب ما عنده.

وقد جعل الله تعالى للطير والبهائم عُدّة وأسلحة تدفع عنها الشرور، كالمِخلب والظُّفر والناب، وخلق للآدمي عقلاً يقوده إلى حمل الأسلحة، ويهديه إلى التحصين بالأبنية والدروع. ومَن عَطَّل نعمة الله تعالى بترك الاحتراز فقد عَطَّل حكمته، كمن يترك الأغذية والأدوية ثم يموت جوعاً أو مرضاً. ولا أبله ممن يدَّعي العقل والعلم ويستسلم للبلاء. إنما ينبغي أن تكون أعضاء المتوكل في الكسب، وقلبه ساكن مُفَّوض إلى الحق، منع أو أعطى. لأنه لا يرى إلا أن الحق سبحانه وتعالى لا يتصرف إلا بحكمة ومصلحة. فمنعه عطاء في المعنى. وكم زيَّن للعجزة عجزهم، وسوَّلت لهم أنفسهم أن التفريط توكل، فصاروا في غرورهم بمثابة من اعتقد التهور شجاعة، والخور حزماً. ومتى وُضِعت أسباب فأُهمِلت كان ذلك جهلاً بحكمة الواضع. مثل وضع الطعام سبباً للشبع، والماء للري، والدواء للمرض. فإذا ترك الإنسان ذلك إهواناً بالسبب، ثم دعا وسأل، فربما قيل له: قد جعلنا لعافيتك سبباً، فإذا لم تتناوله كان إهواناً لعطائنا، فربما لم نعافك بغير سبب لإهوانك للسبب. وما هذا إلا بمثابة مَن بين قراحه وماء الساقية رفسة بمسحاة، فأخذ يصلي صلاة الاستسقاء طلباً للمطر، فانه لا يُستسحن منه ذلك شرعاً ولا عقلاً ".

قال ابن الجوزي رحمه الله: "فإن قال قائل: كيف احترز مع القدر؟ قيل له: وكيف لا تحترز مع الأوامر من المقدِّر؟ فالذي قدر الذي أمر. وقد قال تعالى: (وخذوا حذركم) (النساء: 102).

عن أبي عثمان قال: كان عيسى عليه السلام يصلي على رأس جبل، فأتاه إبليس فقال: أنت الذي تزعم أن كل شيء بقضاء وقَدَر؟ قال: نعم. قال: فألق نفسك من الجبل وقل: قدر عليّ! فقال: يا لعين؛ الله يختبر العباد وليس للعباد أن يختبروا الله تعالى.

قال ابن الجوزي: وفي معنى ما ذكرنا من تلبيسه عليهم في ترك الأسباب أنه قد لبَّس على خلق كثير منهم بأن التوكل ينافي الكسب.

عن محمد بن عبد الله الرازي قال: سأل رجل أبا عبد الله بن سالم وأنا أسمع: أنحن مُستعبَدون بالكسب أم بالتوكل؟ فقال: التوكل حال رسول الله صلى الله عليه وسلم والكسب سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما سُنَّ الكسب لمن ضعف عن التوكل، وسقط عن درجة الكمال التي هي حاله، فمن أطلق التوكل فالكسب غير مباح له بحال إلا كسب معاونة، لا كسب اعتماد عليه، ومَن ضعف عن حال التوكل التي هي حال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبيح له طلب المعاش في الكسب، لئلا يسقط عن درجة سُنَّته حين سقط عن درجة حاله.

وعن يوسف بن الحسين قال: إذا رأيت المريد يشتغل بالرخص والكسب، فليس يجيء منه شيء.

قال ابن الجوزي رحمه الله: قلت: هذا كلام قوم ما فهموا معنى التوكل، وظنوا أنه ترك الكسب، وتعطيل الجوارح عن العمل، وقد بيَّنا أن التوكل فعل القلب فلا ينافي حركة الجوارح، ولو كان كل كاسب ليس بمتوكل لكان الأنبياء غير متوكلين؛ فقد كان آدم عليه السلام حرَّاثاً، ونوح وزكريا نجَّارين، وإدريس خيَّاطاً، وإبراهيم ولوط زارعين، وصالح تاجراً. وكان سليمان يعمل الخوص، وداود يصنع الدرع ويأكل من ثمنه، وكان موسى وشعيب ومحمد رعاة، صلوات الله عليهم أجمعين.

وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: (كنت أرعى غنماً لأهل مكة بالقراريط). فلما أغناه الله عزَّ وجلَّ بما فرض له من الفيء لم يحتج إلى الكسب. وقد كان أبو بكر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة رضوان الله تعالى عليهم بزَّازين. وكذلك محمد بن سيرين وميمون بن مهران بزَّازين. وكان الزبير بن العوام وعمرو بن العاص وعامر بن كريز خزَّازين، وكذلك أبو حنيفة. وكان سعد بن أبي وقاص يبري النبل، وكان عثمان بن طلحة خيَّاطاً. وما زال التابعون ومَن بعدهم يكتسبون ويأمرون بالكسب.

وعن عطاء بن السائب قال: لما استُخْلِف أبو بكر رضي الله عنه أصبح غادياً إلى السوق، وعلى رقبته أثواب يتجر بها، فلقيه عمر وأبو عبيدة فقالا: أين تريد؟ فقال: السوق. قالا: تصنع ماذا؟ وقد وليت أمور المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟.

وذكر ابن سعد بسنده عن عمرو بن ميمون عن أبيه قال: لما استُخْلِف أبو بكر جعلوا له ألفين. فقال: زيدوني فإن لي عيالاً، وقد شغلتموني عن التجارة، فزادوه خمسمائة.

قال ابن الجوزي رحمه الله: قلت: لو قال رجل للصوفية: من أين أطعم عيالي؟ لقالوا: قد أشركت! ولو سُئلوا عمن يخرج إلى التجارة لقالوا: ليس بمتوكل ولا موقن، وكل هذا لجهلهم بمعنى التوكل واليقين. ولو كان أحد يغلق عليه الباب ويتوكل لقرب أمر دعواهم. لكنهم بين أمرين: أما الغالب من الناس، فمنهم من يسعى إلى الدنيا مستجدياً، ومنهم من يبعث غلامه، فيدور بالزنبيل فيجمع له. وإما الجلوس في الرباط في هيئة المساكين، وقد علم أن الرباط لا يخلو من فتوح، كما لا يخلو الدكان من أن يُقصد للبيع والشراء!.

عن إبراهيم بن أدهم قال: كان سعيد بن المسيِّب يقول: من لزم المسجد، وترك الحرفة، وقبل ما يأتيه، فقد ألحف في السؤال.

وكان أبو تراب يقول لأصحابه: من لبس منكم مرقعة فقد سأل، ومن قعد في خانقاه أو مسجد فقد سأل.

قال ابن الجوزي رحمه الله: وقد كان السَّلَف ينهون عن التعرض لهذه الأشياء ويأمرون بالكسب.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا معشر الفقراء، ارفعوا رؤوسكم، فقد وضح الطريق، فاستبقوا الخيرات، ولا تكونوا عيالاً على المسلمين. وعن محمد بن عاصم قال: بلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا رأى غلاماً فأعجبه سأل عنه: هل له حرفة؟ فإذ قيل: لا، قال: سقط من عيني.

وعن سعيد بن المسيِّب قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجرون في تجر الشام. منهم طلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد ( وهما من العشرة المبشَّرة بالجنَّة ).

وسُئل أحمد بن حنبل: ما تقول في رجل جلس في بيته أو في مسجده وقال: لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي؟ فقال أحمد: هذا رجل جهل العلم، واستدل بالحديث المعروف في التوكل، وفيه ذكر: (الطير تغدو خماصا) فذكر أنها تغدو في طلب الرزق. قال تعالى: (وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله) (المزمل: 20)، وقال: (ليس عليكم جناحٌ أن تبتغوا فضلاً من ربكم) (البقرة: 198)، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجرون في البر والبحر، ويعملون في نخيلهم، ولنا القدوة بهم.

قال ابن الجوزي:

"وقد ذكرنا فيما مضى عن أحمد أن رجلاً قال له: أريد الحج على التوكل؟ فقال له: فاخرج في غير القافلة! قال: لا. قال: فعلى جراب الناس توكلت!.

وروى الخلَّال عن أبي بكر المروزي قال: قلت لأبي عبد الله: هؤلاء المتوكِّلة يقولون: نقعد وأرزاقنا على الله عزَّ وجلَّ! فقال: هذا قول رديء. أليس قد قال الله تعالى: (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) (الجمعة: 9)، ثم قال: إذا قال: لا أعمل، وجيء إليه شيء قد عُمل واكتُسِب، لأي شيء يقبله من غيره؟!.

قال الخلَّال: وأخبرنا عبد الله بن أحمد قال: سألت أبي عن قوم يقولون: نتوكَّل على الله ولا نكتسب! فقال: ينبغي للناس كلهم يتوكلون على الله. ولكن يعودون على أنفسهم بالكسب. هذا قول إنسان أحمق.

قال الخلَّال: وأخبرني محمد بن علي: قال صالح: إنه سأل أباه -يعني أحمد ابن حنبل- عن التوكل فقال: التوكل حسن، ولكن ينبغي أن يكتسب ويعمل حتى يغني نفسه وعياله ولا يترك العمل.

قال: وسُئل أبي وأنا شاهد عن قوم لا يعملون ويقولون: نحن المتوكلون، فقال: هؤلاء مبتدعون.

قال الخلَّال: وأخبرنا المروزي أنه قال لأبي عبد الله: إن ابن عيينة كان يقول: هم مبتدعة. فقال أبو عبد الله: هؤلاء قوم سوء يريدون تعطيل الدنيا!. وقال الخلَّال: وأخبرنا المروزي قال: سألت أبا عبد الله عن رجل جلس في بيته وقال: أجلس وأصبر وأقعد في البيت ولا أطلع على ذلك أحداً! فقال: لو خرج فاحترف كان أحب إليَّ، فإذا جلس خفت أن يخرجه جلوسه إلى غير هذا. قلت إلى أي شيء يخرجه؟ قال: يخرجه إلى أن يكون يتوقع أن يُرسِل إليه.

قال الخلَّال: وحدثا أبو بكر المروزي قال: سمعت رجلاً يقول لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: إني في كفاية، قال: الزم السوق تصل به الرحم وتعود به على عيالك (أي إن الإمام أحمد رحمه الله طلب من الرجل السعي وإن كان عنده كفايته، ليعود بالنفع على غيره، وبخاصة أرحامه). وقال لرجل آخر: اعمل وتصدَّق بالفضل على قرابتك.

وقال أحمد بن حنبل: قد أمرتهم -يعني أولاده- أن يختلفوا إلى السوق وأن يتعرضوا للتجارة.

قال الخلَّال: وأخبرني محمد بن الحسين أن الفضل بن محمد بن زياد حدَّثهم قال: سمعت أبا عبد الله يأمر بالسوق ويقول: ما أحسن الاستغناء عن الناس. وروى الخلَّال عن أحمد بن حنبل قال: أحب الدراهم إليَّ درهم من تجارة، وأكرهها عندي الذي من صلة الإخوان.

قال ابن الجوزي: وكان إبراهيم بن أدهم يحصد، وسلمان الخوَّاص يلقط، وحذيفة المرعشي يضرب اللَّبِن".

وقد اعتذر لهم أبو حامد الغزالي، فقال لا يجوز دخول المفازة بغير زاد إلا بشرطين:

أحدهما: أن يكون الإنسان قد راض نفسه حيث يمكنه الصبر عن الطعام أسبوعاً ونحوه.

والثاني: أن يمكنه التقوت بالحشيش، ولا تخلو البادية من أن يلقاه آدمي بعد أسبوع أو ينتهي إلى حلة أو حشيش يرجى به وقته.

وعلَّق ابن الجوزي على الغزالي بقوله: "أقبح ما في هذا القول أنه صدر من فقيه! فإنه قد لا يلقى أحداً: وقد يضل، وقد يمرض فلا يصلح له الحشيش، وقد يلقى مَن لا يطعمه، ويتعرَّض بمن لا يضيّفه، وتفوته الجماعة قطعاً، وقد يموت ولا يليه أحد. أي لا يلي أمر تلقينه وتغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه .. إلخ.

ثم قد ذكرنا ما جاء في الوحدة ( أي من النهي )، ثم ما المخرج إلى المحن، إن كان يعتمد فيها على عادة أو لقاء شخص والاجتزاء بالحشيش؟ ومن فعل هذا من السَّلَف؟ وكأن هؤلاء القوم يجزمون على الله سبحانه: هل يرزقهم في البادية؟ ومَن طلب الطعام في البرية فقد طلب ما لم تجر به العادة. ألا ترى أن قوم موسى عليه الصلاة والسلام لما سألوا من بقلها وقثَّائها وفومها وعدسها وبصلها، أوحى الله إلى موسى أن (اهبطوا مصراً) (البقرة: 61) وذلك أن الذي طلبوه في الأمصار، فهؤلاء القوم على غاية الخطأ في مخالفة الشرع والعقل والعمل بموافقات النفس".

ابن القيم يرد على نفاة الأسباب، وصلتها بالتوكل

وممن دخل هذه المعركة بقوة: المحقق ابن القيم، وذلك في شرحه لمنازل الهروي، الذي وصف الدرجة الثانية للتوكل بأنها "التوكل مع إسقاط الطلب، وغض العين عن السبب، اجتهاداً في تصحيح التوكل".

معناه: أنه يعرض عن الاشتغال بالسبب، لتصحيح التوكل بامتحان النفس.

قال: "وهذا الذي أشار إليه، مذهب قوم من العُبَّاد والسالكين، وكثير منهم كان يدخل البادية بلا زاد، ويرى حمل الزاد قدحاً في التوكل. ولهم في ذلك حكايات مشهورة، وهؤلاء في خفارة صدقهم، وإلا فدرجتهم ناقصة عن العارفين، ومع هذا فلا يمكن بشراً ألبتة ترك الأسباب جملة.

فهذا إبراهيم الخوَّاص كان مجرداً في التوكل يدقق فيه، ويدخل البادية بغير زاد. وكان لا تفارقه الإبرة والخيط والركوة والمقراض. فقيل له: لِمَ تحمل هذا، وأنت تمنع من كل شيء؟ فقال: مثل هذا لا ينقص من التوكل، لأن لله علينا فرائض. والفقير لا يكون عليه إلا ثوب واحد، فربما تخرَّق ثوبه. فإذا لم يكن معه إبرة وخيوط تبدو عورته، فتفسد عليه صلاته. وإذا لم يكن معه ركوة فسدت عليه طهارته. وإذا رأيتَ الفقير بلا ركوة ولا إبرة ولا خيوط فاتهمه في صلاته.

أفلا تراه لم يستقم له دينه إلا بالأسباب؟ أو ليست حركة أقدامه ونقلها في الطريق والاستدلال على أعلامها -إذا خفيت عليه- من الأسباب؟ فالتجرد من الأسباب جملة ممتنع عقلاً وشرعاً وحساً.

نعم.. قد تعرض للصادق أحياناً قوة ثقة بالله. وحال مع الله تحمله على ترك كل سبب مفروض عليه. كما تحمله على إلقاء نفسه في مواضع الهلكة. ويكون ذلك الوقت بالله لا به. فيأتيه مدد من الله على مقتضى حاله. ولكن لا تدوم له هذه الحال. وليست في مقتضى الطبيعة. فإنها كانت هجمة هجمت عليه بلا استدعاء فحُمل عليها. فإذا استدعى مثلها وتكلَّفها لم يُجَب إلى ذلك. وفي تلك الحال: إذا ترك السبب يكون معذوراً لقوة الوارد، وعجزه عن الاشتغال بالسبب. فيكون في وارده عون له، ويكون حاملاً له. فإذا أراد تعاطي تلك الحال بدون ذلك الوارد وقع في المحال.

وكل تلك الحكايات الصحيحة التي تُحكَى عن القوم، فهي جزئية حصلت لهم أحياناً، ليست طريقاً مأموراً بسلوكها، ولا مقدورة، وصارت فتنة لطائفتين: طائفة ظنتها طريقاً ومقاماً، فعملوا عليها، فمنهم من انقطع. ومنهم من رجع ولم يمكنه الاستمرار عليها، بل انقلب على عقبيه.

وطائفة قدحوا في أربابها، وجعلوهم مخالفين للشرع والعقل، مدَّعين لأنفسهم حالاً أكمل من حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، إذ لم يكن فيهم أحد قط يفعل ذلك، ولا أخلَّ بشيء من الأسباب. وقد ظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين يوم أُحُد. ولم يحضر الصف قط عرياناً. كما يفعله من لا علم عنده ولا معرفة. واستأجر دليلاً مشركاً على دين قومه، يدله على طريق الهجرة. وقد هدى الله به العالمين، وعصمه من الناس أجمعين. وكان يدخر لأهله قوت سنة، وهو سيد المتوكلين. وكان إذا سافر في جهاد أو حَجٍّ، أو عُمرة حمل الزاد والمزاد، وجميع أصحابه، وهم أولو التوكل حقاً. وأكمل المتوكلين بعدهم: هو من اشتم رائحة توكلهم من مسيرة بعيدة، أو لحق أثراً من غبارهم. فحال النبي صلى الله عليه وسلم وحال أصحابه محك الأحوال وميزانها، بها يعلم صحيحها من سقيمها. فإن هممهم كانت في التوكل أعلى من همم من بعدهم. فإن توكلهم كان في فتح بصائر القلوب، وأن يُعبد الله في جميع البلاد، وان يوحِّده جميع العباد، وان تشرق شموس الدين الحق على قلوب العباد، فملؤا بذلك التوكل القلوب هدى وإيماناً، وفتحوا بلاد الكفر وجعلوها دار إيمان، وهبَّت رياح روح نسمات التوكل على قلوب أتباعهم فملأتها يقيناً وإيماناً، فكانت همم الصحابة -رضي الله عنهم- أعلى وأجل من أن يصرف أحدهم قوة توكله واعتماده على الله في شيء يحصل بأدنى حيلة وسعي، فيجعله نصب عينيه، ويحمل عليه قوى توكله".

عمارة الأرض مقصد شرعي وضرورة للأمة

ثم هنا أمر مهم أغفله الصوفية الذين اعتقدوا التكسب والاحتراف منافياً للتوكل، هذا الأمر هو: مراعاة مقاصد الشرع من المكلَّفين من نوع البشر.

فقد ذكر الإمام الراغب الأصفهاني: أن هذه المقاصد تتمثل في ثلاثة:

الأول: العبادة لله، وإليها يشير قوله تعالى: (وما خلقت الجنَّ والإنس إلا ليعبدون) (الذاريات: 56).
الثاني: الخلافة عن الله. واليها يشير قوله: (إني جاعلٌ في الأرض خليفةً) (البقرة: 30).
والثالث: العمارة للأرض، وإليها يشير قوله: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها) (هود: 61).

وعمارة الأرض: بإصلاحها وإحيائها وإشاعة الحياة والنماء فيها، حتى يكون فيها جنَّات من نخيل وأعناب، وحدائق ذات بهجة، وثمر ينظر إلى ينعه، ويؤكل منه، ويؤخذ حقه يوم حصاده، وأنعام وخيل، وأنهار وديار، وصناعة وتجارة.. إلى آخر ما لابد للحياة منه.. وهذا عمل يجب أن يتعاون الناس فيه، ويقوم كلٌ بما يمكنه من جهد. ولا يجوز أن يعمل البعض، ويظل الآخرون كَلاً عليهم، فيأخذون ولا يعطون، ويستهلكون ولا ينتجون. فهذا ليس من العدل.

فالمتعطل عن الكسب والكدح في الحياة عالة على غيره، فما لم يكن عاجزاً عن الكسب، أو متفرغاً لطلب علم نافع، فهو مذموم، ولو اقتدى به المسلمون لفسدت الأرض، وأمسوا عبيداً لغيرهم من الأقوياء العاملين.

إن الإنسان المثالي في النصرانية هو "الراهب" الذي يعتزل الحياة، فلا يعمل لها، ولا يأكل من طيباتها، ولا يستمتع بزينة الله فيها، حتى الزواج يحرِّمه على نفسه.

ولكن الإنسان المثالي في الإسلام هو الذي يجمع الحسنتين، ويعمل للدارين، فيعمل لدنياه كأنه يعيش أبداً، ويعمل للآخرة كأنه يموت غداً، كما جاء ذلك عن الصحابة.

إن الكسب والعمل الدنيوي ليس مجرد أمر مباح، بل هو مطلوب، طلب استحباب أو طلب وجوب، إذا نظرنا إلى ضرورته للمجتمع والأُمة.

وهذا ما نبَّه عليه الإمام الراغب رحمه الله في كتابه القيم "الذريعة إلى مكارم الشريعة" فقال تحت عنوان "وجوب التكسب":

"التكسب في الدنيا، وإن كان معدوداً من المباحات من وجه، فإنه من الواجبات من وجه، وذلك أنه لما لم يكن للإنسان الاستقلال بالعبادة إلا بإزالة ضروريات حياته، فإزالتها واجبة، لأن كل ما لا يتم الواجب إلا به فواجب كوجوبه.

وإذا لم يكن له إلى إزالة ضرورياته سبيل إلا بأخذ تعب من الناس، فلابد إذن أن يُعوِّضهم تعباً من عمله، وإلا كان ظالماً، فمن توسَّع في تناول عمل غيره في مأكله وملبسه ومسكنه وغير ذلك، فلا بد أن يعمل لهم عملاً بقدر ما يتناوله منهم، وإلا كان ظالماً لهم، سواء قصدوا إفادته أو لم يقصدوها، فمن رضي بقليل من عملهم فلم يتناول من دنياهم إلا قليلاً، يُرضَى منه بقليل من العمل ... ومن أخذ منهم المنافع ولم يعطهم نفعاً، فإنه لم يأتمر لله تعالى في قوله: ( وتعاونوا على البر والتقوى) (المائدة: 2)، ولم يدخل في عموم قوله: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) (التوبة: 71). ولهذا ذُمَّ من يدَّعي التصوف فيتعطل عن المكاسب، ولم يكن له علم يؤخذ منه، ولا عمل صالح في الدين يُقتدَى به. فإنه يأخذ منافع الناس ويضيق عليهم معاشهم، ولا يرد إليهم نفعاً، فلا طائل في مثلهم إلا بأن يكدّروا المشارع ( المياه ) ، ويغلوا الأسعار.

ومن الدلالة على قبح فعل مَن هذا صنيعه: أن الله تعالى ذم مَن يأكل مال نفسه إسرافاً وبداراً، فما حال من يأكل مال غيره على ذلك، ولا ينيلهم عوضاً، ولا يرد عليهم بدلاً"؟!.

وقال في موضع آخر: "مَن تعطَّل وتبطَّل فقد انسلخ من الإنسانية، بل من الحيوانية، وصار في عداد الموتى".

ونقل العلامة المناوي في كتابه "فيض القدير" عن بعض العارفين من الصوفية قوله: حكم الفقير (أي الصوفي) الذي لا حِرفة له كالبومة الساكنة في الخراب ليس فيها نفع لأحد!

وقال العارف الخوّاص: الكامل من يسلِّك الناس (يدلهم على سلوك الطريق) وهم في حرفهم. وهذا هو التصوف السليم، والصراط المستقيم.

إشاعة السلبية في دنيا المسلمين

وأحب أن أذكر هنا أن الصوفية لم يدعوا الناس جميعاً إلى توكلهم هذا، بل دعوا إلى ذلك مَن زعموا أنهم خواص الناس والأقوياء منهم. وقالوا: إذا شكا الصوفي الجوع بعد خمسة أيام، فألزموه السوق، ومروه بالعمل والكسب.

ولكن خطر هذه الأفكار أنها شاعت في دنيا المسلمين، وأنشأت جواً من السلبية، وإغفال سنن الله، وإهمال أمر الحياة بين جماهير المسلمين، وباتت هذه الأدبيات "المخدِّرة" هي القوت اليومي لعقول العوام في ديار الإسلام، وكانت من أسباب التخلف الذي جعل المسلمين في مؤخرة الأمم، وقد كانوا في طليعة قافلة الحضارة عدة قرون.

ومن المؤسف: أن نجد في عصور التخلف -التي تراجع فيها الفكر الإسلامي الصحيح، ليحل محله الفكر الخرافي، أو الفكر المنحرف- قد ترعرعت في الجو الديني -الشعبي خاصة- أفكار وأفهام غير صحيحة ولا مستقيمة مع منهج الإسلام الكلي، ولا مع أدلته الجزئية، ولا مع مقاصده الشرعية، واتخذ منها خصوم الاتجاه الإسلامي تكأة للطعن في الإسلام نفسه، وفي كل دعوة تنادي بالرجوع إليه عقيدة وحضارة ومنهاج حياة.

ومن ذلك: اعتبار "الزهد" رفضاً للدنيا. واعتبار "التوكل" رفضاً للأسباب، اعتماداً على شبهات واهية، اعتبروها أدلة مُحْكمة، لأن الصوفية استدلوا بها.

استدلالات مردودة

فقد استدلوا هنا بموقف الخليل إبراهيم حين أُلقي في النار، فسأله جبريل: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا! فاعتبروا هذا إعراضاً عن الأسباب. والحق أن هذه القصة لم يصح بها سند، ولو صحَّت فالواضح: أن الأسباب هنا قد انقطعت، ولم يبق إلا الله وحده، وتوسيط جبريل هنا لا ضرورة له، فعلمه تعالى بحال الخليل، يغني عن توسيط جبريل، وكفى الخليل عليه الصلاة والسلام أنه لم يفتأ -منذ أُلقي في النار- يقول: حسبي الله ونِعم الوكيل. وهذا ما جاء في الصحيح عن ابن عباس.

واستدلوا بموقف آخر للخليل عليه السلام، حين ترك هاجر وابنها إسماعيل بوادٍ غير ذي زرع، وترك عندهما جراباً فيه تمر، وسقاءً فيه ماء، فلما تبعته هاجر، وقالت له: إلى مَن تدعنا؟ قال: إلى الله. قالت: رضيتُ بالله، وهذا كان يفعله بأمر الله ووحيه، كما قال الحافظ ابن رجب.

وفي رواية لهذه القصة في البخاري: أن إبراهيم حين ترك أُم إسماعيل وابنها وقفّى منطلقاً، تبعته، فقالت: يا إبراهيم؛ أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً، وجعل لا يلتفت إليها. فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيّعنا. ثم رجعت. وما كان بأمر الله ووحيه، يجب أن يُطاع تعبداً، ولو لم يُعرف معناه ووجهه. كأفعال الخضر عليه السلام. ولكن لا يُقاس عليها. فلو أن رجلاً وضع امرأته وطفلها الرضيع في برية وتركهما، لكان مسيئاً.

واستدلوا بما ذكرنا قبل من حديث: (لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا) وقد نبهنا من قبل إلى ما ذكره الإمام أحمد وغيره: أن في الحديث إشارة إلى السعي والتسبب.

وقال بعض العلماء: إنه سعي، ولكنه سعي يسير، والسعي اليسير لا ينافي التوكل. والحق أنه السعي الممكن لهذه الطير، فليس عندها سعي أكثر منه، فكل ما تملكه هو الغدو والانتشار. وبعضها يطير مسافات طويلة من أجل رزقه.

واستدلوا ببعض الأقيسة الفاسدة التي ذكرها بعض الشعراء، كقول القائل:

فسيّان التحرك والسكون

جرى قلم القضاء بما يكون

ويرزق في غشاوته الجنين!

جنون منك أن تسعى لرزق

وهذا الكلام باطل مردود. فإن جريان قلم القضاء بما يكون، لا يقتضي التسوية بين الحركة والسكون. فإن مما جرى به قلم القضاء أن في الحركة بركة، وأن في الجمود هلكة، وأن من جدَّ وجد ومن زرع حصد، وأن قلم القضاء كما يجري بالمسببات يجري بأسبابها.

وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم من الأدوية والأسباب والتقاة: هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: (هي من قدر الله). وهذا الجواب من روائع الكلم النبوي الذي يجب أن يُعلَّم للناس ويُشاع بين المسلمين. وهو: أن نرد قدر الله بقدر الله، كما في هذا الحديث. ونفر من قدر الله إلى قدر الله. كما قال عمر. وندفع الأقدار بعضها ببعض، كما نقل ابن تيمية عن الشيخ عبد القادر الجيلاني: ليس الرجل من يستسلم للقدر، إنما الرجل من ينازع القدر بالقدر!

وأما جعله السعي للرزق جنوناً، فهو اتهام لكثير من الأنبياء -مثل سيدنا داود وسيدنا موسى، وسيدنا رسول الله- وللصحابة الكرام، وللعلماء الأعلام، الذين اشتهروا بحرفهم مثل: الخصَّاف والقفَّال والبزَّار والبزَّاز والجصَّاص، وأمثالهم - اتهام هؤلاء جميعاً بالجنون، وهذا لا يقوله إلا مجنون!

وقوله: ويرزق في غشاوته الجنين، يعني قياس الإنسان البالغ القادر الراشد على الجنين في بطن أمه، وهو قياس فاسد، لأن حكمة الله اقتضت أن يهيئ للجنين رزقه بغير كسبه ولا اختياره، حيث لا قُدرة له، وبعد ولادته هيأ الله له اللَّبن في ثدي أمه، فلا يدخل إلى جوفه إلا بحركة منه، وهو: أن يلتقم الثدي ويمتص منه بفمه، وبعد أن تظهر له سن تقطع يُطلب منه أن يأكل. فأين هذا مما يقول الشاعر المخلِّط؟!.

متى تُذَم الأسباب

إنما تُذَم الأسباب إذا تعلَّق القلب بها وحدها، وجعل كل اعتماده عليها، ونسي مسببها وخالقها، وجهل أن الأسباب لا تعمل وحدها، فربما أهمل سبباً بعيداً أو خفياً، أو أغفل شرطاً لازماً، أو كان هناك مانع قوي يعوق سببه ويبطل تأثيره. فإنه إذا بذر الحبة في الأرض الخصبة، وتعهدها بالري والتسميد ونحو ذلك، لا يملك تعهد البذرة في أعماق التربة، ولا يملك تصريف الرياح ودرجات الحرارة والبرودة التي تؤثر فيها، ولا الآفات السماوية التي يمكن أن تحيق بها، فلا يملك المؤمن هنا إلا أن يقول بعد سببه واجتهاده: بذر الحب، ونرجو الثمر من الرب.

وقد ذكر القرآن لنا نموذجاً من الاعتماد على الأسباب الظاهرة وحدها، فإذا هي لا تحقق نتائجها وذلك في قوله تعالى: (لقد نصركم الله في مواطن كثيرةٍ ويوم حنينٍ إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحُبت ثم وليتم مدبرين) (التوبة: 25).

لقد خذلوا وهم كثرة، حيث غرَّهم الكم، وأذهلهم عن التوكل، فلم يغن الكم الكثير شيئاً. على حين انتصروا وهم قلة، إذ كان اعتمادهم على الله وحده، بعد أن بذلوا ما استطاعوا.

ما تعجز عنه الأسباب تكمله القدرة للمتوكل

وثمرة التوكل هنا: أن المتوكل على الله حين يُقدِّم من الأسباب -التي أُمِرَ بها- ما يقدر عليه، ويدخل في وسعه، تُكمل له القدرة الإلهية العليا ما يعجز عنه، ولا يدخل في وسعه.

انظر إلى موسى عليه السلام، وقد أوحى الله إليه: (فأسر بعبادي ليلاً إنكم متبعون) (الدخان: 23)، فخرج بقومه في جنح الليل، فارين من فرعون وملئه، متجهين ناحية البحر، والظاهر أنه خليج السويس. وشعر فرعون وجنوده بخروجهم، فاتبعوهم مشرقين، يريدون أن يفتكوا بهم فهم يملكون العَدد والعُدد، مع الغيظ والغضب: (إن هؤلاء لشرذمةٌ قليلون * وإنهم لنا لغائظون * وإنَّا لجميعٌ حاذرون) (الشعراء: 54 - 56)، (فلما ترآء الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون * قال كلا، إن معي ربي سيهدين) (الشعراء: 61، 62).

لقد نظر أصحاب موسى إلى الأسباب وحدها، فقالوا: (إنا لمدركون). سيدركنا فرعون وجنوده، وينكّلون بنا، ولا طاقة لنا بهم، ولا نجاة لنا منهم، فالبحر أمامنا، وهم من خلفنا!.

ولكن كليم الله موسى لم يقف عند ظواهر الأسباب، بل رنا ببصيرته إلى ما هو أعلى منها، إلى خالق الأسباب، وواضع السُنن، ومدبر الأمر كله.

لقد فعل موسى ما أُمِرَ به وما قدر عليه، وبقي ما لا يقدر عليه، ولا حيلة له فيه، ولكنه كان موقناً أن الله معه، ولن يتخلى عنه، وسيهديه إلى حل ينقذه ومن معه، لا يعرف ما هو، إلا أنه مستيقن من وقوعه.

وكيف لا، وقد قال الله له منذ أرسله وأخاه هارون إلى فرعون (لا تخافا، إنني معكما أسمع وأرى) (طه: 46). لا عجب أن قال موسى بكل اطمئنان: ( إن معي ربي سيهدين ) (الشعراء: 62).

وقد هداه الله إلى المخرج من المأزق بأمر لم يكن في حسبانه، ولا في حسبان أحد: (فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فانفلق فكان كل فرقٍ كالطود العظيم * وأزلفنا ثَمِّ الآخرين * وأنجينا موسى ومن معه أجمعين * ثم أغرقنا الآخرين * إن في ذلك لآيةً) (الشعراء: 63 - 67).

هذه هي ثمرة التوكل إذا انقطعت الأسباب.

وانظر إلى محمد صلى الله عليه وسلم يوم الهجرة، كيف أخذ بكل الأسباب الممكنة للبشر، خطَّط فأحكم التخطيط، ورتب فأحسن الترتيب، وأعدَّ لكل أمر عُدته المناسبة، هيأ من يبيت في فراشه (علي بن أبي طالب)، ومن يرافقه في رحلته (أبا بكر الصِّدِّيق)، ومن يدله على الطريق (عبد الله بن أريقط)، واختار الغار الذي يختفي فيه أياماً حتى يهدأ الطلب عنه (غار ثور)، ولم يختره ناحية يثرب تعمية على القوم، وهيأ من يأتي له بالزاد والأخبار (أسماء بنت أبي بكر)، ومن يعفى على آثارها بغنمه بعد رجوعها (عامر بن فهيرة).

ومع هذا كله استطاع القوم أن يصلوا إلى الغار، وأن يتوقفوا عنده، وهو ما جعل أبا بكر رضي الله عنه يقول مشفقا على مصير الدعوة إن مسَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سوء: يا رسول الله؛ لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا! فيرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: (يا أبا بكر؛ ما ظنك باثنين الله ثالثهما)؟ أو كما قال الله تعالى: (لا تحزن إن الله معنا) (التوبة: 40).

لقد فعل الرسول الكريم ما قدر عليه، وبقي ما لم يقدر عليه، فتركه لربه وراعيه، يدبره بما يشاء من الأسباب الخفية، أو بغير الأسباب أصلاً إن شاء: (فأنزل الله سكينته عليه وأيَّده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا، والله عزيزٌ حكيم) (التوبة: 40).

لقد كان الزمن الذي بين الكليم موسى والحبيب محمد -عليهما الصلاة والسلام- زمناً طويلا امتد قروناً، ولكن الموقفين متشابهان، وتكاد العبارات تتفق بينهما؛ عبارة موسى: (إن معي ربي سيهدين)، وعبارة محمد: (إن الله معنا)، ولا غرو، فهما يصدران من مشكاة واحدة.

بَيْد أن الله أنجى موسى بآية حِسِّية منظورة هي "العصا"، وأيَّد محمداً بجنود غير مرئية، نظراً لأن الآيات التي أيَّد الله بها موسى كانت مادية حِسِّية ملائمة لتلك المرحلة في أطوار البشرية، والآية الكبرى التي أيَّد بها محمداً صاحب الرسالة الخاتمة كانت آية معنوية أدبية هي: القرآن الكريم.

وفي غزوة بدر خرج النبي صلى الله عليه وسلم لملاقاة المشركين، وإن كانوا أكثر عدداً، وأكثر عُدةً، وأعظم غروراً، ولكن ذلك لم يضعف من عزمه، وفعل ما أمكنه فعله من إحكام وتدبير، بعد الاستشارة والاستنارة، ثم ترك ما بعد ذلك لصاحب الأمر، فأيدهم بألفٍ من الملائكة مردفين، وغشاهم النعاس أمنة منه، ونزَّل عليهم من السماء ماءً ليطهرهم به، وليربط على قلوبهم، ويثبت به الأقدام.. ونصرهم الله ببدر وهم أذلة: (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وما رميت إذ رميت ولكن اللهرمى) (الأنفال: 17).

وفي غزوة الأحزاب، تجمع المشركون لغزو المسلمين في عقر دارهم: (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنوناْ * هنالك ابتلي المؤمنون وزُلزلوا زلزالاً شديداً) (الأحزاب: 10، 11).

لقد حفر الرسول الخندق حول المدينة لتعويق المغيرين، وبات هو وأصحابه ليالي عدة في كرب شديد، ونقض يهود بني قريظة العهد، ووقفوا في صف المهاجمين. وهنا لم يكن أمام الرسول والمؤمنين إلا التوكل على ربهم والاستغاثة به: (اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم).

وهنا تجيء ثمرة التوكل: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنودٌ فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها) (الأحزاب: 9) (وردَّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قوياً عزيزاً) (الأحزاب: 25).

الناس والأسباب في عصرنا

والخلاصة: أن الناس مع الأسباب أصناف أربعة:

معطلو الأسباب:

الصنف الأول: الذين عطَّلوا الأسباب وأعرضوا عنها -بأبدانهم وقلوبهم- بدعوى التوكل على الله تعالى. وهؤلاء منهم الصادقون المخلصون، ومنهم المتظاهرون المدَّعون.

وقد بيَّنا الموقف الشرعي من هؤلاء في ضوء ما وضع الله من سنن، وما شرع من أحكام، معتمدين على المحكمات لا المتشابهات، من نصوص القرآن والسُنَّة، مستهدين بعمل الصحابة ومن تبعهم بإحسان، مستأنسين بأقوال كبار الأئمة، وهداة الأمة، القائمين لله بالحجة. وأحب أن أقول: إن هذا الصنف لم يعد يكوِّن مشكلة اليوم، فوجوده نادر أو معدوم، إلا ما كان من باب الادعاء أو التشبه بالصوفية الأقدمين، في حين ليس له علم يُؤخذ عنه، ولا عمل يُقتدى به فيه. وهو الذي شبهه بعضهم بالبومة الساكنة في الخراب! كما نقل ذلك العلامة المناوي رحمه الله.

المعتمدون على الأسباب دون مسببها:

والصنف الثاني: الذين تشبثوا بالأسباب، بجوارحهم وقلوبهم، وغفلوا من مسببها، وخالقها، فكل نظرهم إليها، وكل اعتمادهم عليها، حتى أمست وكأنها آلهة تُعبد مع الله، أو من دون الله!

وهؤلاء للأسف الشديد هم أكثر الخلق. فلا يكاد أحدهم يرى الرزق إلا في الوظيفة التي يقبض راتبه منها كل شهر، أو في البيت الذي يدر عليه الدخل كل مدة، أو في التجارة التي تعود عليه بالربح كل عام، أو في الشركة التي ساهم فيها، أو في أبيه الذي تكفَّل بالنفقة عليه، أو بفلان الأمير أو الوزير أو الوجيه الذي يسنده في منصبه، أو يسهل له صفقاته.

ولهذا نرى أحدهم يقول: لولا معاونة فلان لهلكنا، ولولا ما ورثناه من أبينا لضعنا.. وقلَّما يذكر أحد ربه الذي هيأ له هذا أو ذاك، ورزقه به من حيث يحتسب، ومن حيث لا يحتسب.

فكأن هؤلاء باتوا -في أمر الرزق والتدبير- في مرتبة دون مرتبة المشركين الذين حدَّثنا القرآن عنهم أنهم كانوا يردون أمر الرزق والتدبير، والإحياء والإماتة إلى الله سبحانه، لا إلى أصنامهم ولا إلى أحد من خلقه، يقول الله تعالى: (قل من يرزقكم من السماء والأرض أمَّن يملك السمع والأبصار ومن يُخرج الحي من الميت ويُخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر، فسيقولون الله، فقل أفلا تتقون * فذلكم الله ربكم الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال، فأنَّى تصرفون) (يونس: 31، 32).

المستعينون بالأسباب على المعاصي:

والصنف الثالث: أسوأ من الصنف الثاني، فإن الصنف الثاني اعتمدوا على الأسباب في المباحات، وهؤلاء استخدموها في المحرَّمات. استعانوا بالأسباب المسخَّرة من الله على معاص الله.

استعملوا ذكاءهم وتدبيرهم في عصيان الخالق، وإيذاء الخلق.

واستخدموا قوتهم وجاههم في البطش بالمستضعفين، والعدوان على حقوق المغلوبين. وسخَّروا أموالهم ومكاسبهم في اتباع الشهوات، وإشاعة الفاحشة، وترويج الفساد في الأرض.

وجعلوا من مناصبهم وولاياتهم أداة لظلم الضعفاء، ومحاباة الأقوياء، والإثراء من الحرام، وإعلاء الباطل على الحق، والمنكر على المعروف. حتى العلم، وجَّهوه لخدمة المادة على حساب الروح، ولتسير المتعة على حساب القيم. بل علم الدين نفسه، أحالوه آلة لاقتناص الدنيا، وتفريخ الفتاوى لأمراء السوء، وحُكَّام الجور، فأحلَّوا ما حرَّم الله، وحرَّموا ما أحلَّ الله، وأسقطوا ما أوجب الله.

وكذلك الأدب والبيان، وجَّهوه لترويج الفساد، وإشاعة الفاحشة، وتبرير ظلم الحكَّام وحكم الظُلاَّم.

وقد صوَّر شاعر النيل حافظ إبراهيم أنواعاً من هذا الصنف فأبدع في تصويره حين قال:

لـوقيعة وقطيعة وفــراقِ

كـم عالمٍ مَدَّ العلومَ حبائـلاً

مـا لا تُحِلُّ شريعةُ الخـلاقِ

وطبيبِ قـومٍ قد أحلَّ لطبِّـهِ

جمعَ الدراهمَ من دمٍ مُهـراقِ

قتـلَ الأجِنَّة في البطونِ، وتارةً

يـوم الفخارِ تجاربُ الحـلاقِ

أغلى وأثمنُ من تجاربِ عِلمـهِ

لمكيدةٍ أو مُستحلِّ طــلاقِ

وفقيهِ قومٍ ظلَّ يرصدُ فِقهـهُ

كـالبرجِ، لكن فوق تلِّ نفاقِ

يمشي وقد نُصِبَتْ عليه عمامةٌ

أن الذي يدعونَ خِدْنُ شِقاقِ

يدعونه عند الشِّقاق وما دَروا

قطعَ الأناملِ أو لَظى الإحراقِ

وأديبِ قـومٍ تستحق يمينـهُ

سُمــاً، وينفثه على الأوراقِ

في كـفِّه قلمٌ يمُجُّ لُعابــهُ

قـدسيةٌ علويةُ الإشــراقِ

يَرِدُ الحقائق وهي بيضٌ نُصَّعٌ

من ظُلمة التَّمويهِ ألفُ نِطـاقِ

فيردُّها سوداً على جَنَباتهـا

لقد جعل الله الأسباب لخلقه نعمة، فجعلها هؤلاء نقمة، حين انحرفوا بها إلى ما يُسخط الله تبارك وتعالى.

ومثل هؤلاء: من شغلتهم الأسباب عن أداء فرائض الله عزَّ وجلَّ، فأولئك استعانوا بالأسباب على فعل المحظور، وهؤلاء ألهتهم عن فعل المأمور. كما قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لا تلهِكم أموالكم ولا أولادكم عن ذِكر الله، ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون) (المنافقون: 9). وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة، فقال: (من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأُبَيّ بن خلف).

قال العلماء: من شغله عن الصلاة مُلكه حُشر مع فرعون، ومن شغله عنها منصبه حُشر مع هامان، ومن شغله عنها ثروته وكنوزه حُشر مع قارون، ومن شغله عنها تجارته وكسبه حُشر مع أُبَيّ بن خلف.

من جمعوا بين السبب والتوكل على المسبب:

والصنف الرابع: هو الذي أخذ بالأسباب، ولم يغفل عن مسببها، فهو مع الأسباب بجوارحه وبدنه، ومع ربه بعقله وقلبه. فهذا هو المتوكل حقاً. هو الذي رعى سُنَّة الله في خلقه، وأحكامه في شرعه، موقنا أن الله تعالى هو الذي وضع الأسباب، وأمر باتخاذها، ورتَّب عليها آثارها قدراً وشرعاً، وهو -في الوقت نفسه- القادر على أن يعطلها إن شاء، وأن يخلق من الموانع ما يعوق سيرها، أو يبطل أثرها.

هذا الصنف هو الذي أحسن الفهم عن الله ورسوله، فعقل ناقته وتوكَّل، وبذر الحبَّ، واعتمد على الرب، ومشى في مناكب الأرض التي ذللَّها الله آكلاً مِن رزق الله، وباع واشترى، ولكن لم تلهه تجارة ولا بيع عن ذكر الله.. وإذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، ترك بيعه، وجمَّد سببه، ساعياً إلى ذكر الله، فإذا قُضِيت الصلاة انتشر في الأرض مبتغياً من فضل الله.

وهذا هو الذي سار عليه المربُّون الكبار من أهل الطريق إلى الله.

فكانوا "يسلِّكون" الناس، وهم في حرفهم وأعمالهم الدنيوية، التي يكسبون منها معاشهم، وهي خليقة أن تكون عبادة لهم إذا هم اتقوا الله فيها، فأخلصوا فيها النية، وأدوها بالإحسان الذي كتبه الله على كل شيء، ورعوا الحقوق، ولم يتعدَّوا الحدود.

وقد كان بعضهم يقول: ما أجمل أن يجعل الفلاح فأسه مِسبحته. ويجعل النجار منشاره مِسبحته، ويجعل الحداد مطرقته مِسبحته. وهكذا.

وقد حكى الفقيه الرباَّني ابن عطاء الله السكندي عن بداية صلته بشيخه أبي العباس المرسي، وأنه كان يريد أن يقبس من إشعاعه الروحي، وتوجيهه الربَّاني، ولكنه سمع من أصحابه من طلبة العلم أن الذي يصحب مشايخ الطريق يضمُر حظه في العلم الشرعي الظاهر. قال: فشقَّ عليَّ أن يفوتني العلم، وشقَّ عليَّ أن تفوتني صُحبة الشيخ رضي الله عنه.

فلما ذهب إلى الشيخ كان أول ما بادره به أن قال: "نحن إذا صحبنا تاجراً، ما نقول له: اترك تجارتك وتعال، أو صاحب صنعة، ما نقول له: اترك صنعتك وتعال، أو طالب علم، ما نقول له: اترك طلبك وتعال. ولكن نقر كل أحد فيما أقامه الله فيه، وما قسم له على أيدينا فهو واصل إليه. قال: وقد صحب الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فما قال لتاجر: اترك تجارتك، ولا لذي صنعة: اترك صنعتك، بل أقرَّهم على أسبابهم، وأمرهم بتقوى الله فيها".

الفصل الخامس

التداوي والتوكل

الطب والتداوي بين الصوفية والفقهاء

ومن معتركات النزاع في باب التوكل بين: قضية الطب والتداوي.

فالغالب على الصوفية الإعراض عن التداوي، وعن الرجوع إلى الأطباء، اتكالاً على الله تعالى، ورضاً بما قضاه وقدَّره.

وربما استدلوا في ذلك بحديث: (السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب)، ووصفهم بأنهم: (الذين لا يسترقون ولا يكتوون).

والاسترقاء -طلب الرقية من الغير- نوع من التداوي بالروحانيات، والاكتواء من التداوي بالماديات.

وقد ورد في حديث: (مَن اكتوى، واسترقي فقد برئ من التوكل).

وقال أحد الصحابة وهو عمران بن حصين: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الكي، فاكتوينا، فما أفلحن ولا أنجحن (يعني الكيات)، وفي رواية للترمذي: فما أفلحنا ولا أنجحنا.

وفي الصحيحين من حدث جابر: (وإن كان في شيء من أدويتكم خير، ففي شرطة محجم، أو شربة من عسل، أو لذعة بنار توافق الداء، وما أحب أن أكتوي).

وفي لفظ: (وأنا أنهى أمتي عن الكي).

أما الفقهاء فهم يعارضون غلاة الصوفية في أمر التداوي وسؤال الأطباء، بناء على قاعدة الأسباب الثابتة بحكم سنن الله الكونية، وأحكامه الشرعية جميعاً، واتباعاً لما صحَّت به سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، ونطقت به سيرته، وأفصحت عنه الأدلة المحكمة الناصعة، ولهذا خصصت مصنفات الحديث المؤلَّفة على الموضوعات كتاباً خاصاً للطب. كما في الصحيحين والسنن وغيرها.

دلَّت الأحاديث المستفيضة على العناية بصحة الأجسام وقوتها، وقررت أن للبدن حقاً في الراحة إذا تعب، وفي الشبع إذا جاع، وفي الدفء إذا برد، وفي النظافة إذا اتسخ، وفي العلاج إذا مرض. ووردت أحاديث شتَّى في الطب الوقائي، وفي الطب العلاجي.

فمن الطب الوقائي الأحاديث التي أقرت سُنَّة الله في العدوى، مثل قوله: (فر من المجذوم فرارك من الأسد)، ولا يعارض هذا حديث: (لا عدوى)، لأن المقصود أن الأشياء لا تعدي بذاتها، بل بمشيئة لله وتقديره. وهو الذي وضع النواميس والأسباب.

(إذا وقع (أي الطاعون) بأرضٍ وأنتم بها، فلا تخرجوا فراراً منه، وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تدخلوها).. دلالة على وجوب الحَجْر الصحي، لمحاصرة الوباء في أضيق رقعة.

(لا يوردن مُمْرض على مُصِح).

والمصح: صاحب الإبل الصحاح السليمة، والممرض: صاحب الإبل المريضة بداء الجرب، فلا يورد إبله الجُرْب عند الشرب، فتحتك بالسليمة فتعديها، فأقرَّ سُنَّة العدوى في الحيوان، كما أقرَّها في الإنسان.

إلى غير ذلك من الأحاديث.

ومن الطب العلاجي: ما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم لعلاج أمراض كثيرة معينة، وأُلِّفت فيه كتب "الطب النبوي"، وأفاض فيه ابن القيم في "زاد المعاد" حتى استغرق جزءاً كاملاً في إحدى طبعاته.

هذا إلى أحاديث كثيرة قررت مبادئ مهمة في أمر الطب والتداوي، نذكر منها:

روى مسلم في "صحيحه" عن جابر بن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء، برأ بإذن الله عزَّ وجلَّ).

وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أنزل الله من داءٍ إلا أنزل له شفاء).

وفي "مسند الإمام أحمد" من حديث زياد بن علاقة، عن أُسامة ابن شريك، قال: (كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، وجاءت الأعراب، فقالوا : يا رسول الله؛ أنتداوى؟ فقال: (نعم يا عباد الله تداووا، فإنَّ الله عزَّ وجلَّ لم يضع داءً إلا وضع له شفاء غير داء واحد)، قالوا: ما هو؟ قال: (الهِرم). وفي لفظ: (إن الله لم يُنزل داءً إلا أنزل له شفاء، علمه مَن علمه وجهله مَن جهله).

وفي المسند من حدث ابن مسعود يرفعه: (إنَّ الله عزَّ وجلَّ لم يُنزل داءً إلا أنزل له شفاء، علمه مَن عمله، وجهله مَن جهله). وفي المسند والسنن عن أبي خزامة، قال: قلت: يا رسول الله؛ أرأيت رقَى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئاً؟ فقال: (هي من قدر الله).

ذكر الإمام ابن القيم هذه الأحاديث في الهَدْي النبوي ثم قال: "فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات، وإبطال قول مَن أنكرها، ويجوز أن يكون قوله: (لكل داء دواء) على عمومه حتى يتناول الأدواء القاتلة، والأدواء التي لا يمكن لطبيب أن يبرئها، ويكون الله عزَّ وجلَّ قد جعل لها أدوية تبرئها، ولكن طوى علمَها عن البشر، ولم يجعل لهم إليه سبيلاً، لأنه لا علم للخلق إلا ما علَّمهم الله، ولهذا علَّق النبي صلى الله عليه وسلم الشفاء على مصادفة الدواء للداء، فإنه لا شيء من المخلوقات إلا له ضده، وكل داء له ضد من الدواء يُعالج بضده، فعلَّق النبي صلى الله عليه وسلم البرء بموافقة الداء للدواء، وهذا قدر زائد على مجرد وجوده، فإن الدواء متى جاوز درجة الداء في الكيفية، أو زاد في الكمية على ما ينبغي، نقله إلى داء آخر، ومتى قصر عنها لم يف بمقاومته، وكان العلاج قاصراً، ومتى لم يقع المداوى على الدواء، أو لم يقع الدواء على الداء، لم يحصل الشفاء، ومتى لم يكن الزمان صالحاً لذلك الدواء، لم ينفع، ومتى كان البدن غير قابل له، أو القوة عاجزة عن حمله، أو ثَمَّ مانع يمنع من تأثيره، لم يحصل البرء لعدم المصادفة، ومتى تمت المصادفة حصل البرء بإذن الله ولابد، وهذا أحسن المحملين في الحديث.

والثاني: أن يكون من العام المراد به الخاص، ولا سيما والداخل في اللَّفظ أضعاف أضعاف الخارج منه.

ومن تأمل خلق الأضداد في هذا العالم، ومقاومة بعضها لبعض، ودفع بعضها ببعض، وتسليط بعضها على بعض، تبين له كمال قدرة الرب تعالى، وحكمته، وإتقانه ما صنعه، وتفرده بالربوبية، والوحدانية، والقهر، وأن كل ما سواه فله ما يضاده ويمانعه، كما أنه الغني بذاته، وكل ما سواه محتاج بذاته.

وفي الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع، والعطش، والحر، والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدراً وشرعاً، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة، ويضعفه، من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل، فإن تركها عجزاً ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولابد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلاً للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلاً، ولا توكله عجزاً.

وفيها رد على مَن أنكر التداوي، وقال: إن كان الشفاء قد قُدِّر، فالتداوي لا يفيد، وإن لم يكن قد قُدِّر، فكذلك، وأيضاً، فإن المرض حصل بقدر الله، وقدر الله لا يُدفع ولا يُرد، وهذا السؤال هو الذي أورده الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما أفاضل الصحابة، فأعلم بالله وحكمته وصفاته من أن يوردوا مثل هذا، وقد أجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بما شفى وكفى، فقال: هذه الأدوية والرقى والتقى هي من قدر الله، فما خرج شيء عن قدره، بل يرد قدره بقدره، وهذا الرد من قدره، فلا سبيل إلى الخروج عن قدره بوجه ما، وهذا كرد قدر الجوع والعطش، والحر والبرد بأضدادها، وكرد قدر العدو بالجهاد، وكلٌ من قدر الله: الدافع والمدفوع والدفع.

ويقال لمورد هذا السؤال: هذا يوجب عليك أن لا تباشر سبباً من الأسباب التي تجلب بها منفعة، أو تدفع بها مضرَّة، لأن المنفعة والمضرة إن قُدِّرتا، لم يكن بُدٌ من وقوعهما، وإن لم تُقدَّرا لم يكن سبيل إلى وقوعهما، وفي ذلك خراب الدين والدنيا، وفساد العالَم، وهذا لا يقوله إلا دافع للحق، معاند له، فيذكر القدر ليدفع حجة المحق عليه، كالمشركين الذين قالوا: (لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا) (الأنعام: 148)، و (لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيءٍ نحن ولا آباؤنا) (النحل: 35) فهذا قالوه دفعاً لحجة الله عليهم بالرسل.

وجواب هذا السائل أن يقال: بقي قسم ثالث لم تذكره، وهو أن الله قدَّر كذا وكذا بهذا السبب، فإن أتيت بالسبب حصل المسبَّب، وإلا فلا. فإن قال: إن كان قدَّر لي السبب، فعلته، وإن لم يُقدِّره لي لم أتمكن من فعله.

قيل: فهل تقبل هذا الاحتجاج من عبدك، وولدك، وأجيرك إذا احتج به عليك فيما أمرتَه به ونهيته عنه فخالفك؟ فإن قبلته، فلا تلم مَن عصاك، وأخذ مالك، وقذف عِرضك، وضيَّع حقوقك. وإن لم تقبله، فكيف يكون مقبولاً منك في دفع حقوق الله عليك. وقد روي في أثر إسرائيلي: أن إبراهيم الخليل قال: يا ربِّ؛ ممن الداء؟ قال: منّي، قال: فممن الدواء؟ قال: منّي. قال فما بال الطبيب؟ قال: رجل أُرسل الدواء على يديه.

وفي قوله صلى الله عليه وسلم: (لكل داء دواء) تقوية لنفس المريض والطبيب، وحث على طلب ذلك الدواء والتفتيش عليه، فإن المريض إذا استشعرت نفسه أن لدائه دواءً يزيله، تعلَّق قلبه بروح الرجاء، وبردت عنده حرارة اليأس، وانفتح له باب الرجاء، ومتى قويت نفسه انبعثت حرارته الغريزية، وكان ذلك سبباً لقوة الأرواح الحيوانية والنفسانية والطبيعية، ومتى قويت هذه الأرواح، قويت القوى التي هي حاملة لها، فقهرت المرض ودفعته.

وكذلك الطبيب إذا علم أن لهذا الداء دواء أمكنه طلبه والتفتيش عليه. وأمراض الأبدان على وزن أمراض القلوب، وما جعل الله للقلب مرضاً إلا جعل له شفاءً بضده، فإن علمه صاحب الداء واستعمله، وصادف داء قلبه، أبرأه بإذن الله تعالى".

مشروعية الكيّ في السُنَّة الصحيحة

ومن أنواع الدواء التي أجازتها السُنَّة النبوية قولاً وفعلاً: الكيّ بالنار، الذي كان معروفاً عند العرب، وقالوا فيه: "آخر الدواء الكيّ". وقد ثبتت فيه جملة أحاديث صحاح، ذكر ابن القيم رحمه الله أكثرها في "هَدْيه صلى الله عليه وسلم في قطع العروق والكي" قال: ثبت في "الصحيح" من حديث جابر بن عبد الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى أُبيّ بن كعب طبيباً، فقطع له عرقاً، وكواه عليه.

ولما رُمي سعد بن معاذ في أكحله حسمه النبي صلى الله عليه وسلم ثم ورِمت، فحسمه الثانية، والحسم: هو الكيّ.

وفي طريق آخر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كوى سعد بن معاذ في أكحله بمشقص، ثم حسمه سعد بن معاذ أو غيره من أصحابه.

وفي لفظ آخر أن رجلاً من الأنصار رُمِي في أكحله بمشقص، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم به فكوى.

وقال أبو عبيد: وقد أُتِيَ النبي صلى الله عليه وسلم برجل نُعِتَ له الكيّ، فقال: (اكووه وارضفوه)، قال أبو عبيد: الرّضف: الحجارة تسخن، ثم يكمد بها.

وقال الفضل بن دكين: حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم كواه في أكحله.

وفي صحيح البخاري من حديث أنس، أنه كُوِيَ من ذات الجنب والنبي صلى الله عليه وسلم حي.

وفي الترمذي، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم كوى: سعد بن زرارة من الشوكة.

وقد تقدَّم الحديث المتفق عليه وفيه: (وما أحب أن أكتوي)، وفي لفظ آخر: (وأنا أنهى أمتي عن الكيّ).

وذكر هنا أيضاً حديث عمران بن حصين، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الكيّ قال: فابتلينا، فاكتوينا فما أفلحنا، ولا أنجحنا، وفي لفظ: نهينا عن الكي، وقال: فما أفلحن ولا أنجحن.

قال ابن القيم: قال الخطابي: إنما كوى سعداً ليرقأ الدم من جرحه، وخاف عليه أن ينزف فيهلك، والكيّ مستعمل في هذا الباب، كما يُكوى مَن تُقطع يده أو رِجله.

وأما النهي عن الكيّ، فهو أن يكتوي طلباً للشفاء، وكانوا يعتقدون أنه متى لم يكتو، هلك، فنهاهم عنه لأجل هذه النية.

وقيل: إنما نُهي عنه عمران بن حصين خاصة، لأنه كان به ناصور، وكان موضعه خطراً، فنهاه عن كيه، فيشبه أن يكون النهي منصرفاً إلى الموضع المخوف منه، والله أعلم.

وقال ابن قتيبة: الكيّ جنسان: كيّ الصحيح لئلا يعتل، فهذا الذي قيل فيه: لم يتوكل مَن اكتوى، لأنه يريد أن يدفع القَدَر عن نفسه. والثاني: كيّ الجرح إذا نغِل، والعضو إذا قُطِع، ففي هذا الشفاء.

وأما إذا كان الكيّ للتداوي الذي يجوز أن ينجح، ويجوز أن لا ينجح، فإنه إلى الكراهة أقرب.. انتهى.

وثبت في "الصحيح" في حديث (السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون).

فقد تضمنت أحاديث الكيّ أربعة أنواع، أحدها: فعله، والثاني: عدم محبته له، والثالث: الثناء على من تركه، والرابع: النهي عنه، ولا تعارض بينها بحمد الله تعالى، فإن فعله يدل على جوازه، وعدم محبته له لا يدل على المنع منه. وأما الثناء على تاركه، فيدل على أن تركه أولى وأفضل. وأما النهي عنه، فعلى سبيل الاختيار والكراهة، أو عن النوع الذي لا يحتاج إليه، بل يفعل خوفاً من حدوث الداء، والله أعلم.

وقال الحافظ في "الفتح": النهي فيه محمول على الكراهة، أو على خلاف الأَوْلى لما يقتضيه مجموع الأحاديث.. قال: وحاصل الجمع: أن الفعل يدل على الجواز، وعدم الفعل لا يدل على المنع، بل يدل على أن تركه أرجح من فعله، وكذا الثناء على تاركه، وأما النهي عنه، فإما على سبيل الاختيار والتنزيه، وإما عما لا يتعين طريقاً إلى الشفاء، والله أعلم.

وأما حديث "السبعين ألفا، الذين يدخلون الجنة بغير حساب، والذين وصفوا بأنهم لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطَّيرون، وعلى ربهم يتوكلون" فقد قال الحافظ ابن حجر في توجيهه في الفتح: تمسك بهذا الحديث من كره الرقَى والكيّ من بين سائر الأدوية، وزعم أنهما قادحان في التوكل دون غيرهما.

قال: وأجاب العلماء عن ذلك بأجوبة: أحدهما قاله الطبري والمازري وطائفة: أنه محمول على من جانب اعتقاد الطبائعيين في أن الأدوية تنفع بطبعها، كما كان أهل الجاهلية يعتقدون.

وقال غيره : الرقى التي يُحمد تركها: ما كان من كلام الجاهلية، ومن الذي لا يعقل معناه لاحتمال أن يكون كفراً، بخلاف الرقَى بالذكر ونحوه.

وتعقبه عياض وغيره بأن الحديث يدل على أن للسبعين ألفا مزية على غيرهم، وفضيلة انفردوا بها عمن شاركهم في أصل الفضل والديانة، ومَن كان يعتقد أن الأدوية تؤثر بطبعها، أو يستعمل رقَى الجاهلية ونحوها، فليس مسلماً.. فلم يسلم هذا الجواب.

ثانيها: قال الداودي وطائفة: إن المراد بالحديث الذين يجتنبون فعل ذلك في الصحة خشية وقوع الداء، وأما مَن يستعمل الدواء بعد وقوع الداء به فلا، وقد قدمت هذا عن ابن قتيبة وغيره في "باب مَن اكتوى" وهذا اختيار ابن عبد البر، غير أنه معترض بما قدمته من ثبوت الاستعاذة قبل وقوع الداء.

ثالثها: قال الحليمي: يحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المذكورين في الحديث: مَن غفل عن أحوال الدنيا، وما فيها من الأسباب المعدة لدفع العوارض، فهم لا يعرفون الاكتواء ولا الاسترقاء، وليس لهم ملجأ فيما يعتريهم إلا الدعاء والاعتصام بالله، والرضا بقضائه، فهم غافلون عن طب الأطباء ورقَى الرقاة، ولا يحسنون من ذلك شيئاً، والله أعلم.

رابعها: أن المراد بترك الرقَى والكيّ: الاعتماد على الله في دفع الداء، والرضا بقدره، لا القدح في جواز ذلك، لثبوت وقوعه في الأحاديث الصحيحة، وعن السَّلَف الصالح، لكن مقام الرضا والتسليم أعلى من تعاطي الأسباب، وإلى هذا نحا الخطابي ومَن تبعه.

قال ابن الأثير: هذا من صفة الأولياء المعرضين عن الدنيا وأسبابها وعلائقها، وهؤلاء هم خواص الأولياء.. ولا يرد على هذا وقوع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم فعلاً وأمراً، لأنه كان في أعلى مقامات العرفان، ودرجات التوكل، فكان ذلك منه للتشريع وبيان الجواز، ومع ذلك فلا ينقص ذلك من توكله، لأنه كان كامل التوكل يقيناً، فلا يؤثر فيه تعاطي الأسباب شيئاً، بخلاف غيره ولو كان كثير التوكل، لكن مَن ترك الأسباب وفوَّض وأخلص في ذلك كان أرفع مقاماً.

والذي أود التنبيه عليه -بعد سرد هذه الأقوال- أمران:

الأول: أن الذين استدلوا بترك الاكتواء والاسترقاء خاصة في الحديث، على ترك التداوي جملة، وترك تعاطي الأسباب عامة، واعتبار مَن فعل ذلك أفضل وأعلى مقاماً ممن تداوى وتعاطى الأسباب وهو متوكل على الله.. قد أسرفوا في الاستدلال، فإن الدليل أخص من الدعوى، فإن المذكورين في الحديث لم يُوصفوا بترك التداوي عامة، بل بترك نوع منه، وهو الاكتواء، لما فيه من الألم العظيم، والخطر الجسيم، وقد ذكرنا سر كراهية الاكتواء قبل هذا.
الثاني: أن هَدْي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهَدْي أصحابه رضي الله عنهم، هو خير الهًدْي، وسُنَّتهم هي المتبعة دون غيرها. وقد تداوى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتداوى أصحابه في حياته، ومن بعده، وهم الذين يُقتدَى بهم فيُهتدَى.

قال عروة بن الزبير لخالته عائشة أم المؤمنين: قد أخذتِ السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والشعر والعربية عن العرب، فممن أخذت الطب؟ قالت : (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رجلاً مسْقاماً، وكان أطباء العرب يأتونه فأتعلم منهم).

فهذا أفضل الخلق، وسيد الرسل محمد عليه الصلاة والسلام، يأتيه أطباء العرب، ليصفوا له من الأدوية والعلاجات ما يُذهب بسقمه بإذن الله، وقد كان مسْقاماً كما تقول عائشة، أي يعرض له السقم والمرض كثيراً.

ومما لا ريب فيه: أن مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأرفع، وهَدْيه هو الأفضل، وحاله هو الأعلى من حال غيره، فإذا فعل ذلك دل هذا على أنه لا يناقض التوكل، لأن التوكل عمل قلبي، لا معارضة بينه وبين تعاطي الأسباب،ومنها التداوي.

وللإمام الغزالي كلام جيد –في جملته- في "كتاب التوكل" من "الإحياء" تحدَّث فيه عن التداوي بوصفه ضرباً من فن إزالة الضرر.. بيَّن فيه أن الأسباب المزيلة للمرض تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

مقطوع به؛ كالماء المزيل لضرر العطش، والخبز المزيل لضرر الجوع..

وإلى المظنون؛ كالفصد والحجامة وشرب الدواء المسهل، وسائر أبواب الطب.

وإلى موهوم؛ كالكيّ والرقية.

قال: أما المقطوع به فليس من التوكل تركه، بل تركه حرام عند خوف الموت (وينبغي أن يلحق بالموت الألم الشديد والضرر البالغ ونحو ذلك) وأما الموهوم، فشرط التوكل تركه، إذ به وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم المتوكلين، وأقواها: الكيّ، ويليه الرقية. والطِّيَرة آخر درجاتها. والاعتماد عليها، والاتكال إليها، غاية التعمق في ملاحظة الأسباب.

وأما الدرجة المتوسطة وهي المظنونة -كالمداواة بالأسباب الظاهرة عند الأطباء- ففعله ليس مناقضاً للتوكل، بخلاف الموهوم، وتركه ليس محظوراً، بخلاف المقطوع، بل قد يكون أفضل من فعله في بعض الأحوال وفي بعض الأشخاص. فهي على درجة بين الدرجتين.

ويدل على أن التداوي غير مناقض للتوكل: فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله وأمره به.

وذكر من الأحاديث بعض ما ذكرناه من قبل.

إلى أن قال: فإذن معنى التوكل مع التداوي: التوكل بالعلم والحال.. فأما ترك التداوي رأساً فليس شرطاً فيه.

وكلام الغزالي رضي الله عنه هنا جيد يليق بفقهه وإمامته، لولا أنه جعل ترك الكيّ والرقَى شرطاً في التوكل، وهو مخالف للأدلة الوفيرة التي سقناها من قبل، وحديث (السبعين ألفاً) لا يدل على أنهم وحدهم المتوكلون، بل يدل على أنهم صنف متميز؛ فيؤخذ منه أفضلية سلوكهم لا شرطيته. هذا إلى أن للحديث تأويلات عدة ذكرها العلماء –حكيناها في موضعها- ليجمعوا بين النصوص بعضها وبعض.

وقد ثبتت الرقَى من قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره. وجاءت عنه صيغ في الرقية معروفة. وقد ذكر ابن تيمية أن المنفيّ هو الاسترقاء –أي طلب الرقية- وليس الرقية، وأن الرقية من عمل الخير والمعروف الذي يسديه المسلم إلى أخيه المسلم. وقد أنكر الروايات التي جاءت بلفظ "يرقُون" وإن دافع عنها ابن حجر.

ويستفاد من فقه الغزالي هنا: أن الأسباب المقطوع بها -أي الموصلة إلى نتائجها بحسب المعتاد من سُنَّة الله- يجب الأخذ بها، ولا يجوز الإعراض عنها، وأن تركها حرام شرعاً.

وعلى ضوء هذا نقول: إن الطب في عصرنا توصل إلى وصف أدوية معينة لأمراض معينة، جرَّبها الناس حتى أصبحت شبه مقطوع بها. فالقول إذن بوجوب الأخذ بها متّجه، ولا سيما إذا كان المرء يعاني من ألم بالغ، كوجع الضرس، أو صدع الرأس، أو مغص الكُلية، وفي الدواء المجرب ما يزيلها أو على الأقل يخففها، فالأرجح، وجوب تناول الدواء على المتألم لإزالة الألم، فان الله تعالى عن تعذيبه نفسه لغني، وهو يريد بعباده اليُسر، ولا يريد بهم العُسر. وقد قال عليه الصلاة والسلام فيمن صام في شدة الحر والمشقة:(ليس من البر الصيام في السفر).

ورأى رجلاً يمشي، قيل: إنه نذر أن يحج ماشياً، فقال: (إن الله لغني عن مشيه، فليركب)، وفي رواية: (إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه).

وعن عقبة بن عامر: أن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت حاجَّة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئاً، فلتركب).

ترك بعض السَّلَف للتداوي وتفسيره

بقي ما روي عن بعض الصحابة والسَّلَف رضوان الله عليهم أنهم تركوا التداوي توكلاً على الله تعالى. وما تفسيره؟ إذ قد يُفهم منه منافاة ما صح عن سيد المتوكلين رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كلام الغزالي في الإحياء:

وقد عقد الإمام الغزالي لذلك مبحثاً جعل عنوانه: "بيان أن ترك التداوي قد يُحمد في بعض الأحوال ويدل على قوة التوكل، وأن ذلك لا يناقض فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم".

قال: "اعلم أن الذين تداووا من السَّلَف لا ينحصرون، ولكن قد ترك التداوي أيضاً جماعة من الأكابر، فربما يظن أن ذلك نقصان، لأنه لو كان كمالاً لتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لا يكون حال غيره في التوكل أكمل من حاله.

وقد روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قيل له: لو دعونا لك طبيباً؟ فقال: الطبيب قد نظر إليّ وقال: إني فعَّال لما أريد.

وقيل لأبي الدرداء في مرضه: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي. قيل: فما تشتهي؟ قال: مغفرة ربي. قالوا: ألا ندعو لك طبيباً؟ قال: الطبيب أمرضني!

وقيل لأبي ذر وقد رمدت عيناه: لو داويتهما؟ قال: إني عنهما مشغول، فقيل: لو سألت الله تعالى أن يعافيك؟ فقال : أسأله فيما هو أهم عليّ منهما!.

وكان الربيع بن خثيم أصابه فالج، فقيل له: لو تداويتَ؟ فقال: قد هممت، ثم ذكرت عاداً وثمود وأصحاب الرِّس وقروناً بين ذلك كثيراً، وكان فيهم الأطباء، نهلك المداوِي والمداوَى، ولم تغن الرقَى شيئاً.

وكان أحمد بن حنبل يقول: أحب لمن اعتقد التوكل، وسلك هذا الطريق، ترك التداوي من شرب الدواء وغيره، وإن كان به علل فلا يخبر المتطبب بها أيضاً إذا سأله.

وقيل لسهل: متى يصح للعبد التوكل؟ قال: إذا دخل عليه الضرر في جسمه والنقص في ماله، فلم يلتفت إليه، شغلاً بحاله، وينظر إلى قيام الله تعالى عليه.

الأسباب الصارفة عن التداوي

"فإذن منهم مَن ترك التداوي وراءه، ومنهم مَن كرهه، ولا يتضح وجه الجمع بين فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعالهم إلا بحصر الصوارف عن التداوي.

فنقول:

إن لترك التداوي أسباباً:

"السبب الأول": أن يكون المريض من المكاشَفين، وقد كوشف بأنه انتهى أجله وأن الدواء لا ينفعه، ويكون ذلك معلوماً عنده تارة برؤيا صادقة، وتارة بحدس وظن، وتارة بكشف محقق، ويشبه أن يكون ترك الصِّدِّيق رضي الله عنه التداوي من هذا السبب، فإنه كان من المكاشَفين، فإنه قال لعائشة رضي الله عنها في أمر الميراث: إنما هن أختاك، وإنما كان لها أخت واحدة، ولكن كانت امرأته حاملاً فولدت أنثى، فعلم أنه كان قد كوشف بأنها حامل بأنثى، فلا يبعد أن يكون قد كوشف أيضاً بانتهاء أجله، وإلا فلا يُظَن به إنكار التداوي وقد شاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تداوى وأمر به.

"السبب الثاني": أن يكون المريض مشغولاً بحاله، وبخوف عاقبته، واطلاع الله تعالى عليه، فينسيه ذلك ألم المرض، فلا يتفرَّغ قلبه للتداوي، شغلاً بحاله، وعليه يدل كلام أبي ذر إذ قال: إني عنهما مشغول! وكلام أبي الدرداء إذ قال: إنما أشتكي ذنوبي! فكان تألم قلبه خوفاً من ذنوبه أكثر من تألم بدنه بالمرض، ويكون هذا كالمصاب بموت عزيز من أعزته، أو كالخائف الذي يُحمل إلى ملك من الملوك ليُقتل إذا قيل له: ألا تأكل وأنت جائع؟ فيقول: أنا مشغول عن ألم الجوع، فلا يكون ذلك إنكاراً لكون الأكل نافعاً من الجوع، ولا طعناً فيمن أكل.

ويقرب من هذا اشتغال سهل حيث قيل له: ما القوت؟ فقال: هو ذكر الحي القيوم، فقيل: إنما سألناك عن القوام؟ فقال: القوام هو العلم. قيل: سألناك عن الغذاء. قال: الغذاء هو الذِكْر. قيل: سألناك عن طُعمة الجسد؟ قال: مالك وللجسد. دع مَن تولاه أولاً يتولاه آخراً: إذا دخل عليه عِلَّة فردّه إلى صانعه، أما رأيت الصنعة إذا عيبت ردوها إلى صانعها حتى يصلحها؟.

"السبب الثالث": أن تكون العِلَّة مزمنة، والدواء الذي يؤمر به بالإضافة إلى عِلَّته موهوم النفع، جار مجرى الكيّ والرقية، فيتركه المتوكل، وإليه يشير قول الربيع بن خثيم إذ قال: ذكرتُ عاداً وثمود وفيهم الأطباء، فهلك المداوِي والمداوَى. أي أن الدواء غير موثوق به، وهذا قد يكون كذلك في نفسه، وقد يكون عند المريض كذلك، لقِلَّة ممارسته للطب وقِلَّة تجربته له، فلا يغلب على ظنه كونه نافعاً، ولا شك في أن الطبيب المجرّب أشد اعتقاداً في الأدوية من غيره، فتكون الثقة والظن بحسب الاعتقاد، والاعتقاد بحسب التجربة، وأكثر مَن ترك التداوي من العُبَّاد والزُهَّاد، هذا مستندهم، لأنه يبقى الدواء عنده شيئاً موهوماً لا أصل له، وذلك صحيح في بعض الأدوية عند من عرف صناعة الطب، غير صحيح في البعض، ولكن غير الطبيب قد ينظر إلى الكل نظراً واحداً، فيرى التداوي تعمقاً في الأسباب كالكيّ والرقَى، فيتركه.

"السبب الرابع": أن يقصد العبد بترك التداوي استبقاء المرض لينال ثواب المرض بحسن الصبر على بلاء الله تعالى، أو ليجرّب نفسه في القدرة على الصبر. فقد ورد في ثواب المرض ما يكثر ذكره. فقد قال صلى الله عليه وسلم: (نحن معاشر الأنبياء أشد الناس بلاء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى العبد على قدر إيمانه، فإن كان صلب الإيمان شُدِّد عليه البلاء. وإن كان في إيمانه ضعف خُفِّف عنه البلاء).

"السبب الخامس": أن يكون العبد قد سبق له ذنوب وهو خائف منها عاجز عن تكفيرها، فيرى المرض إذا طال تكفيراً، فيترك التداوي خوفاً من أن يسرع زوال المرض.

"السبب السادس": أن يشعر العبد في نفسه مبادئ البطر والطغيان بطول مدة الصحة، فيترك التداوي خوفاً من أن يعاجله زوال المرض، فتعاوده الغفلة والبطر والطغيان، أو طول الأمل والتسويف في تدارك الفائت وتأخير الخيرات. فإن الصحة عبارة عن قوة الصفات وبها ينبعث الهوى، وتتحرك الشهوات، وتدعو إلى المعاصي، وأقلها أن تدعو إلى التنعم في المباحات، وهو تضييع الأوقات، وإهمال للربح العظيم، في مخالفة النفس، وملازمة الطاعات، وإذا أراد الله بعبد خيراً لم يخله عن التنبه بالأمراض والمصائب، ولذلك قيل: لا يخلو المؤمن من علَّة أو قلَّة أو زلَّة.

فقد قال بعض العارفين لإنسان: كيف كنت بعدي؟ قال: في عافية، قال: إن كنت لم تعص الله عزَّ وجلَّ فأنت في عافية، وإن كنت قد عصيته فأي داء أدوأ من المعصية؟ ما عوفي مَن عصى الله.

وقال عليّ كرَّم الله وجهه لما رأى زينة النبط بالعراق في يوم عيد: ما هذا الذي أظهروه؟ قالوا: يا أمير المؤمنين هذا يوم عيد لهم، فقال: كل يوم لا يُعصى الله عزَّ وجلَّ فيه فهو لنا عيد.

وقال تعالى: (إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى) (العلق: 6، 7)، وكذلك إذا استغنى بالعافية. قال بعضهم: إنما قال فرعون: أنا ربكم الأعلى لطول العافية، لأنه لبث أربعمائة سنة لم يصدع له رأس، ولم يحمّ له جسم، ولم يضرب عليه عرق، فادعى الربوبية -لعنه الله- ولو أخذته الشقيقة (الصداع النصفي) يوماً لشغلته عن الفضول، فضلاً عن دعوى الربوبية!.

وقال صلى الله عليه وسلم: (أكثروا من ذكر هادم اللَّذات). وقيل: الحمى رائد الموت فهو مُذكِّر له ودافع للتسويف. وقال تعالى (أو لا يرون انهم يُفتنون في كل عامٍ مرةً أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذَّكَّرون) (التوبة: 126)، قيل: يُفتنون بأمراض يُختبرون بها. ويقال: إن العبد إذا مرض مرضتين ثم لم يتب، قال له مَلَك الموت: يا غافل؛ جاءك مني رسول بعد رسول فلم تجب! ا. هـ. والخلاصة: أن الأصل هو التداوي، اقتداء بالثابت المُحكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم. وخصوصاً إذا اشتد الوجع، ووُجِد الدواء الناجع وفق سُنَّة الله تعالى، فإذا كانت هناك صوارف خاصة لبعض الصالحين تصرفهم عن التداوي لأسباب، كالتي شرحها الإمام الغزالي، فيمكن أن تُقبل في الجملة، وهي أسباب جزئية في أحوال خاصة تُقدَّر بقدرها، والله أعلم.

الفصل السادس

من ثمار التوكل على الله

التوكل على الله تعالى: شجرة طيبة، لا تؤتي إلا ثماراً طيبة، في النفس وفي الحياة: حياة الفرد، وحياة الجماعة من خلاله .

السكينة والطمأنينة

1. أولى هذه الثمار: سكينة النفس، وطمأنينة القلب، التي يشعر بها المتوكل على ربه، ويحس بها تملأ أقطار نفسه، فلا يحس إلا الأمن إذا خاف الناس، والسكون إذا اضطرب الناس، واليقين إذا شك الناس، والثبات إذا قلق الناس، والأمل إذا يئس الناس، والرضا إذا سخط الناس .

إنه أشبه بجندي أوى إلى حصن حصين، فيه فراشه وطعامه، وذخائره وسلاحه، يرى منه ما يرى، ويَرمي ولا يرمى، فلا يهمه ما يدور في الخارج من صخب الألسنة، أو اشتجار الأسنة.

إنها الحالة التي وجدها موسى عليه السلام، حين قال له أصحابه: "إنَّا لمدركون" (قال كلا، إن معي ربي سيهدين) (الشعراء: 62).

إنها الحالة التي وجدها النبي صلى الله عليه وسلم في الغار حين أشفق عليه أبو بكر، فقال له: (لا تحزن إن الله معنا) (التوبة: 40).

إنها الحالة التي وجدها إبراهيم الخليل حين ألقي في النار، فلم يشتغل بسؤال مخلوق من إنس أو ملك! ولم يشتغل إلا بقوله: حسبي الله ونعم الوكيل .

وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "حسبنا الله ونعم الوكيل" قالها إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له: (إن الناس قد جمعوا فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل).

دخلت مرة أحد المساجد في مدينة استانبول، فوجدت فيه بيتين من الشعر كتبا بخط جميل، فحفظتهما. يقول الشاعر :

في كـل نازلة وضيق خناق!

فوحقه لأسلمن لأمـره

سلما من الإغراق والإحراق!

موسى وإبراهيم لما سلما

إنها الحالة التي وجدتها هاجر حين وضعها إبراهيم مع ابنها إسماعيل بواد غير ذي زرع، في مكة عند مكان البيت المحرم، ولا أنيس ولا جليس، ثم ودعها قافلاً، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: هو إذن لا يضيعنا!

القوة

2. ومن هذه الثمار: القوة التي يحس بها المتوكل على الله. وهى قوة نفسية روحية تصغر أمامها القوة المادية، قوة السلاح، وقوة المال، وقوة الرجال .

وفي حديث ضعيف: "من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله، ومن سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن سره أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده".

نجد ذلك واضحاً في موقف شيخ الأنبياء نوح، وقد كذبه قومه، واتهموه بالجنون، وأصروا واستكبروا استكباراً، واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خساراً، فواجههم بقوله: (يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فاجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا ما إليَّ ولا تنظرون * فان توليتم فما سألتكم من أجرٍ، إن أجري إلا على الله، وأمرت أن أكون من المسلمين) (يونس: 71، 72).

ونلمس هذه القوة في موقف نبي الله هود أمام قومه عاد الذين أنكر عليهم شركهم وفسادهم وتجبرهم، وهم الذين بنوا بكل ريع آية يعبثون، واتخذوا قصوراً ومصانع لعلهم يخلدون، وإذا بطشوا بطشوا جبارين، وهم الذين استكبروا في الأرض بغير الحق، وقالوا: من أشد منا قوة؟

لقد جابههم هود عليه السلام ودعاهم إلى التوحيد والاستقامة وتقوى الله فـ (قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين * إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء) (هود: 53، 54). ولم يبال هود بهذا الهراء ووقف يقول في يقين القوي، وقوة الموقن: (إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون * من دونه، فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون * إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم * فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم، ويستخلف ربي قوماً غيركم ولا تضرونه شيئاً، إن ربي على كل شيء حفيظ) (هود: 54 - 57).

فهو يقف موقف التحدي للمشركين وآلهتهم المزعومة، معتمداً على ربه ورب كل شيء، فهم جميعاً في جانب، وهو وحده في جانب، معهم القوة والعدد، وليس معه من الخلق أحد، بيد أن معه القوة التي لا تقهر، قوة الله الغالب، الآخذ بناصية كل دابة، الحكيم في صنعه وتدبيره، فلا يفعل شيئاً عبثاً، ولا يدع شيئاً اعتباطاً: (إن ربى على صراط مستقيم).

ونشاهد هذه القوة في موقف سيدنا شعيب، حين (قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أو لو كنا كارهين * قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها، وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا، وسع ربنا كل شيء علماً، على الله توكلنا، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) (الأعراف: 88، 89).

ونبصر هذه القوة في موصف المؤمنين من أصحاب "طالوت"، وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً (عدة أهل بدر) وقد لقوا عدواً أكثر عدداً وعدة، وهو "جالوت" وجيشه الكثيف، حتى قال من قال من رجال "طالوت": (لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده) (البقرة: 249). وهنا تجلى توكل الفئة المؤمنة وقوتها النفسية: (قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين * ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين * فهزموهم بإذن الله) (البقرة: 249 - 251).

وندرك هذه القوة في موقف صحابة رسول الله يوم الأحزاب، وقد تجمعت جيوشهم وحاصرت المدينة، فلم يفت ذلك في عضد المسلمين، بل كانوا كما وصفهم الله: (ولما رءا المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً) (الأحزاب: 22). ثم ذكر لنا نموذجاً منهم فقال: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضي نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلاً) (الأحزاب: 23).

وأعظم من ذلك: موقفه صلى الله عليه وسلم، وهو يحفر الخندق، ثم هو يعد أصحابه بفتح اليمن، وفتح مملكتي كسرى وقيصر. وهو ما جعل أهل النفاق يتندرون ويسخرون: (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً) (الأحزاب: 12).

وكذلك كان شأن المنافقين أبداً. يتهمون المؤمنين من أصحاب النبي الكريم بالتهور والغرور، وذلك لأنهم لا يبالون بعدد عدوهم ولا عدته، متوكلين على الله تعالى. ويقول القرآن في سورة الأنفال التي عقب فيها على غزوة بدر: (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم، ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم) (الأنفال: 49).

أجل .. عزيز لا يذل من لاذ بجنابه، حكيم لا يضيع من وثق بتدبيره.

وفي جهاد عصرنا رأينا الفئة القليلة تنتصر على الفئة الكثيرة بالتوكل على الله تعالى، والحرص على الشهادة في سبيل الله. كما في حرب الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي، وكما في جهاد أفغانستان ضد الغزو الشيوعي السوفييتي، وكما في صمود إخوتنا في البوسنة ضد العدوان الصربي .

لقد بدا الاخوة في أفغانستان جهادهم بعدد قليل من المسدسات والبنادق القديمة، معتمدين على الله تعالى أن يشد أزرهم، ويوفقهم لأخذ السلاح من عدوهم. وما زالوا يقاتلون بإمكاناتهم المحدودة، حتى هيأ الله لهم الأسباب التي تمدهم بالسلاح، حتى من أعتى قوى الكفر، التي لا تريد خيراً للإسلام. فقد خوف الله بعضهم من بعض، وكان من وراء ذلك خير للمسلمين. وهذا ما كان يدعو به بعض السلف: اللهم اشغل الظالمين بالظالمين، وأخرجنا من بينهم سالمين .

العزَّة

3. ومن ثمار التوكل: العزة، التي يحس بها المتوكل، فترفعه مكاناً علياً، وتمنحه ملكاً كبيراً، بغير عرش ولا تاج، وهي قبس من عزة المتوكَّل عليه، كما قال تعالى: (وتوكل على العزيز الرحيم) (الشعراء: 217)، (ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم) (الأنفال: 49).

فالمتوكل هنا عزيز بغير عشيرة، غني بغير مال، ملك بغير جنود ولا أتباع .

أجل هو ملك، ولكنه من ملوك الآخرة، لا من ملوك الدنيا. فملوك الدنيا يشعرون بحاجتهم إلى من حولهم من الأتباع والأنصار، كما يشعرون بالخوف على ملكهم أن يزول بالكيد من الداخل، أو بالغزو من الخارج، أو بالموت الذي لا يفرق بين ملك وسوقة .

أما ملوك الآخرة فقلوبهم معلقة بالله تعالى، لا يرجون إلا رحمته، ولا يخافون إلا عذابه. فهم كما وصفهم الشاعر:

وعبدهمو أضحى له الكون خادما!

عبيد، ولكن الملوك عبيدهم

قال أحد الخلفاء لأحد علماء السلف الصالح يوماً: ارفع إلينا حوائج دنياك نقضها لك! قال: إني لم أطلبها من الخالق فكيف أطلبها من المخلوق؟! يريد أن الدنيا أهون عنده من أن يسألها من الله تعالى، فهو إذا سأل ربه يسأله ما هو اعظم وأعلى من الدنيا وهو الآخرة والجنة ورضوان الله تبارك وتعالى .

ولذا كان بعض الصالحين يقول عن أمراء زمانه: اللهم أغننا عنهم، ولا تغننا بهم!

إن العزة لا تطلب عند أبواب السلاطين، بل هي لا تطلب إلا من باب واحد ذكره القرآن فقال: (من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً) (فاطر: 10). وبيَّن أن طلب العزة من عند غيره إنما هو شأن المنافقين المدخولين في إيمانهم: (بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً * الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً) (النساء: 138، 139).

وروى ابن عطاء الله عن شيخه أبي العباس المرسى أنه سمعه يقول: "والله ما رأيت العز إلا في رفع الهمة عن الخلق"

قال: وكان يقول رحمه الله: "للناس أسباب، وسببنا نحن الإيمان والتقوى .. قال الله سبحانه: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) (الأعراف: 96).

يعني: وليس من الإيمان والتقوى مد الأيدي ولا الأعين إلى ما عند الخلق .

قال ابن عطاء الله: "اعلم أن رفع الهمة عن الخلق، شأن أهل الطريق، وصفة أهل التحقيق" .

قال: وكان بعض العارفين ينشد :

وأفــرده أن يجتدى أحداً رفدا!

حــرام على من وحد الله ربه

أموت بها وجداً، وأحيا بها وجدا!

ويا صاحبي قف لي مع الحق وقفة

فذا الملك ملك لا يباع ولا يهدى!

وقل لملوك الأرض تجهد جهدها

يقول ابن عطا الله: "ورفع الهمة إنما ينشأ عن صدق الثقة بالله .

وصدق الثقة بالله إنما ينشأ عن الإيمان بالله على سبيل المعاينة والمواجهة فيوجب لهم إيمانهم الاعتزاز بالله، قال الله سبحانه: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) (المنافقون: 8).

والنصر من عند الله، قال سبحانه : (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين) (الروم: 47).

والنجاة من العوارض الصادة عن الله، قال الله سبحانه (كذلك حقاً علينا ننج المؤمنين) (يونس: 103).

فعز المؤمن بالله ثقته بمولاه، ونصرته على نفسر ومراه، ونجاته من العوارض أن تقطعه عن سبيل هداه .

وشعار أهل الإرادة ودثارهم: الاكتفاء بالله، ورفع الهمة عما سواه، وصيانة ملابس الإيمان من أن تدنس بالميل إلى الأكوان، والطمع في غير الملك المنان.

ولنا في هذا المعنى :

تــأبى الدنايا عفة وتطرفـــا

الله يعــلم أنني ذو همـــة

وأريهمو عز الملوك وأشرفـــا؟

لم لا أصون على الورى ديباجتي

وجميعــهم لا يستطيع تصرفـا؟

أأريهمــو أني الفقير إليهمــو

هذا -لعمري إن فعلت- هو الجفا

أم كيف أسأل رزقه من خلقـه؟

عجــز أقام بحامليه على شفـا

شكوى الضعيف إلى ضعيف مثله

عــم البرية منة وتعطفــــا

فاسترزق الله الذي إحسانــه

لا تعــد عن أبوابه متحرفــا

والجــأ إليه تجده فيما ترتجي

والذي يوجب لك رفع الهمة عما سوى الله: علمك بأنه لم يخرجك إلى مملكته إلا وقد كفاك، ومنحك وأعطاك، ولم يبق لك حاجة عند غيره".

ومن أقوال ابن عطاء الله هنا:

"قبيح منك أن تكون في دار ضيافته، وتوجه وجه طمعك لغيره"!

"لا تتطلب ممن هو عنك بعيد، وتترك الطلب من مولى هو أقرب إليك من حبل الوريد".

ألم تسمع قول الله تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب) (البقرة : 186).

وقال سبحانه: (ادعوني أستجب لكم) (غافر: 60).

وقال سبحانه: (واسألوا الله من فضله) (النساء : 32).

وقال سبحانه: (وان من شيء إلا عندنا خزائنه) (الحجر:21).

كل ذلك ليجمع همم عباده عليه، وكيلا يرفعوا حوائجهم إلا إليه"!.

الرضا

4. ومن ثمرات التوكل على الله "الرضا" الذي ينشرح به الصدر، وينفسح له القلب. قال بعضهم: "متى رضيت بالله وكيلاً، وجدت إلى كل خير سبيلاً".

وبعضهم جعل "الرضا" جزءاً من ماهية التوكل، أو درجة من درجاته .

قال بعضهم: "التوكل هو الرضا بالمقدور".

وقد ذكرنا قول بشر الحافي: "يقول أحدهم: توكلت على الله، يكذب على الله، لو توكل على الله رضي بما يفعل الله".

وسئل يحيى بن معاذ: متى يكون الرجل متوكلاً؟ فقال: "إذا رضي بالله وكيلاً".

والراجح ما ذهب إليه ابن القيم: أن الرضا ثمرة التوكل، ومن فسر التوكل به فإنما فسره بأجل ثمراته، وأعظم فوائده، فإنه إذا توكل حق التوكل رضي بما يفعله وكيله .

قال: وكان شيخنا -رضى الله عنه- يقول: المقدور يكتنفه أمران: التوكل قبله، والرضا بعده، فمن توكل على الله قبل الفعل، ورضي بالمقضي له بعد الفعل، فقد قام بالعبودية. أو معنى هذا.

ومن لوازم الرضا وتوابعه: الفرح والروح، وهو ما روى في حديث ابن مسعود مرفوعاً: "إن الله عز وجل بقسطه وعدله جعل الفرح والروح في الرضا واليقين، وجعل الغم والحزن في السخط والشك".

إن المتوكل موقن أن تدبير الله خير له من تدبير نفسه وأنه أبداً في كفاية الله تعالى وكفالته ووكالته، وكفى بالله وكيلاً، وكفى بالله كفيلاً. ولهذا ألقى حموله وهمومه عند باب ربه فاستراح من الهم والعناء وأنشد مع الشاعر :

في أمور تكون أو لا تكون

سهرت أعين ونامت عيون

ن سيكفيك في غدٍ ما يكون

إن رباً كفاك بالأمس ما كا

الأمل

5. ومن ثمرات التوكل: الأمل في الفوز بالمطلوب والنجاة من المكروه، وانقشاع الغمة، وانفراج الكربة، وانتصار الحق على الباطل، والهدى على الضلال، والعدل على الظلم.

فالمتوكل على الله لا يعرف القنوط إلى قلبه سبيلاً، ولا يغلبه اليأس. فقد علمه القرآن أن القنوط من لوازم الضلال، واليأس من توابع الكفر . قال تعالى على لسان إبراهيم: (قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون) (الحجر: 56).

وقال على لسان يعقوب: (يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله، أنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) (يوسف: 87).

قال ذلك إبراهيم في مقام إنجاب الشيخ الهرم بعد أن أصابه الكبر .

وقال ذلك يعقوب في مقام البحث عن يوسف وأخيه بعد أن طال فراقه ليوسف، وانقطاع أخباره عشرات السنين، ولكنه لم يفقد الأمل، قال: (عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً، إنه هو العليم الحكيم) (يوسف: 83).

إن المتوكل على الله يعلم أن الملك كله بيد خالقه ومدبر أمره، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير .

إن شاء أغنى الفقير، وأفقر الغني، وقوى الضعيف، وأضعف القوي، ونصر المظلوم، وأخذ الظالم، وشفى المريض، ويسر على المعسر، وأعز الذليل، وأذل العزيز، قد يفعل ذلك بأسباب معتادة معروفة، وقد يفعله بأسباب غير مألوفة، لا حجر على مشيئته، ولا ينازعه أحد في سلطانه. قد يستدرج الظالم ويملي له سنين، حتى يتوهم أن الله قد نسيه! وقد يأخذه في لمح البصر أو هو أقرب. وقد يغيث الملهوف، وينفس عن المكروب، من حيث لا يحتسب هو ولا يحتسب الناس من حوله .

يغير الله من حال إلى حال

ما بين طرفة عين وانتباهتها

إن دوام الحال من المحال، وسيجعل الله بعد عسر يسراً، وسيطلع بعد كل ليل فجراً .

ذرعاً، وعند الله منها المخـرج

ولــرب نازلة يضيق بها الفتى

فرجت، وكنت أظنها لا تفرج

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها

إذا قال قائل: لا يأس مع الحياة، ولا حياة مع اليأس، فنحن نقول: لا يأس مع التوكل، ولا توكل مع اليأس.

وقد وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم أوسع الناس أملاً في الغد، ورجاءً في النصر، حتى في يوم الهجرة، وهو راحل من بلده، مطارداً من قومه، يقول لسراقة ابن مالك الذي يطارده رغبة في جائزة قريش: "كيف بك إذا ألبسك الله سواري كسرى"؟ فيقول الرجل: كسرى بن هرمز؟! فيقول: "نعم كسرى بن هرمز".

ويقول لخباب وقد جاءه يشكو من شدة ما يلقى من العذاب، ويسأل أن يدعو الله على المشركين فيدمر عليهم، ويريح المؤمنين من شرهم وأذاهم، فيغضب النبي الكريم، ويبين له ما حدث لمن قبلنا من المحن، ثم يقول مبشراً: "والذي نفسي بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون".

وقد تحقق كل ما بشر به النبي سراقة وخباباً .

فيا أيها المظلوم والمغلوب، ويا أيها الملهوف والمكروب، ويا أيها المجروح والمنكوب، لا تيأس، وإن توالت عليك الخطوب، وسدت في وجهك الدروب، فإن علام الغيوب، وغفار الذنوب، وستار العيوب، ومقلب القلوب، سيفرج عنك الكروب، ويحقق لك المطلوب، كما كشف الضر عن أيوب، ورد يوسف على يعقوب .

(وأيوب إذ نادى ربه أنى مسني الضر وأنت أرحم الراحمين * فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين * وإسماعيل وإدريس وذا الكفل، كل من الصابرين * وأدخلناهم في رحمتنا، إنهم من الصالحين * وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) (الأنبياء: 83 - 88).

الفصل السابع

من بواعث التوكل

لكل عمل -من أعمال القلوب أو الجوارح- بواعث تدفع إليه، وتحض عليه. ومما يبعث على التوكل، ويعين عليه جملة أمور :

معرفة الله بأسمائه الحسنى

أولها: حُسن معرفة الله تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا. فمن عرف ربه رحماناً رحيماً، عزيزاً حكيماً، سميعاً عليماً، حياً قيوماً، غنياً حميداً، خبيراً بصيراً، قهاراً قديراً، رزاقاً ذا قوة متيناً، لا يخفى عليه شيء، ولا يعجزه شيء، فعالاً لما يريد، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وجد نفسه مدفوعاً إلى الاستناد إليه، والتوكل عليه .

ولذا نقل ابن القيم عن شيخه ابن تيمية رضي الله عنهما: أن التوكل لا يصح ولا يتصور من فيلسوف، ولا من القدرية النفاة القائلين بأنه يكون في ملكه ما لا يشاء، ولا يستقيم أيضاً من الجهمية النفاة لصفات الرب جل جلاله، ولا يستقيم التوكل إلا من أهل الإثبات.

فأي توكل لمن يعتقد أن الله لا يعلم جزئيات العالم سفليه وعلويه؟ ولا هو فاعل باختياره، ولا له إرادة ومشيئة، ولا يقوم به صفة. فكل من كان بالله وصفاته أعلم وأعرف، كان توكله أصح، وأقوى.

ومن ثم كان التوكل من خصائص دين التوحيد، المتجسد في دين المسلمين، الذي تميز بإثبات صفات الكمال المطلق لله تعالى من العلم والحكمة، والمشيئة والقدرة، والغنى والرحمة، والحيان والقيومية، وسائر الكمالات الإلهية. بخلاف غيرهم -كالغربيين- الذين يرون أن الله خلق العالم أزلاً ثم تركه يسير بالنواميس، ولم يعد يدبر فيه أمراً!

أما عندنا -نحن المسلمين- فالملك كله بيد الله، وتحت سلطانه، يبسط ويقبض، ويعطى ويمنع، ويخفض ويرفع، ويحيي ويميت، ويعز ويذل، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه .

فكلما قويت معرفة المرء بربه، وقدره حق قدره، وتجلت له معاني أسمائه وصفاته، قوي اعتصامه به، واعتماده عليه، وكان له نعم الوكيل، ونعم المولى، ونعم النصير.

ولهذا نجد القرآن يربط التوكل بعدد من أسماء الله الحسنى، لما لها من إيحاء ودلالة وتأثير.

أكثرها وأعظمها: لفظ الجلالة وهو الاسم الجامع لكل الكمالات: (فتوكل على الله) (آل عمران: 159)، (وعلى الله فتوكلوا) (المائدة : 22)، (على الله توكلنا) ( الأعراف: 89).

ومنها: اسم "الرحمن" منفرداً: (قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا) (الملك: 29)، واسم " الرحيم" مقروناً بغيره: (وتوكل على العزيز الرحيم) (الشعراء: 217) والرحمن الرحيم لا تضيق رحمته الواسعة بمن لجأ إليه واعتمد عليه .

ومنها: اسم "العزيز" مقرونا بغيره كالرحيم والحكيم: (ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم) (الأنفال : 49) ..عزيز: أي لا يذل من لاذ بجنابه وأوى إلى حماه، حكيم: لا يضيع من وثق بحسن تدبيره لمن تولاه.

ومنها: اسم "الرب" كما في قوله تعالى: (قل هو ربي لا اله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب) (الرعد:30).

ومنها: اسم "الحي" كما قي قوله: (وتوكل على الحي الذي لا يموت) (الفرقان : 58)، فالذي يعتمد على الخلق يعتمد على حي يعتريه الموت. أما من يعتمد على الله، فهو يعتمد على حي لا يموت: (كل شيء هالك إلا وجهه) (القصص: 88).

ومنها: اسما "السميع العليم" كما في قوله: (وتوكل على العزيز الرحيم * الذي يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين * إنه هو السميع العليم) (الشعراء: 217 - 220)؛ فهو يسمع دعاء من دعاه، جهراً أو سراً، ويعلم ما تكنه الصدور: (يعلم السر وأخفى) (طه: 7).

ولذا ذكر ابن القيم: أن التوكل من أعم المقامات تعلقاً بالأسماء الحسنى، فإن له تعلقاً بعامة أسماء الأفعال، وأسماء الصفات .

فله تعلق باسم "الغفار والتواب والعفو والرؤوف والرحيم"، وتعلق باسم "الفتاح والوهاب والرزاق والمعطي والمحيي"، وتعلق باسم "المعز المذل، الخافض الرافع المانع" من جهة توكله عليه في إذلال أعداء دينه وخفضهم ومنعهم أسباب النصر، وتعلق بأسماء "القدرة والإرادة"، وله تعلق عام بجميع الأسماء الحسنى، ولهذا فسره من فسره من الأئمة بأنه: "المعرفة بالله".

إن الإنسان إذا اعتمد على مخلوق مثله، وكان ذا كفاية وهمة، قال له: لا تحمل هماً، لقد اعتمدت على رجل! كما قيل: فنبه لها عمراً ثم نم! فكيف بالاعتماد على الرب الأعلى؟.

الثقة بالله تعالى

ثانيها: الثقة به عز وجل، وهي ثمرة المعرفة، فإذا عرف الله حق معرفته وثق به ثقة مطلقة، تسكن إليها نفسه ويطمئن بها قلبه. ومن ذلك: الثقة بشمول علمه، وكمال حكمته، وسعة رحمته، وعموم قدرته، وطلاقة مشيئته. وانه أرحم بعباده من الوالدة بولدها، بل أبر بهم من أنفسهم، وأعلم بمصالحهم من ذواتهم: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) (الملك : 14).

ومن ذلك: الثقة بوعده الذي سجله في كتابه وعلى لسان رسوله: أنه ولي الذين آمنوا والمدافع عنهم، والمنجى لهم، وأنه ناصرهم على عدو الله وعدوهم، وأنه معهم بتأييده وعنايته، وأنه لا يخلف الميعاد. وأنه يملي للظالمين، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وأنه يمهل، ولا يهمل، وأنه للفراعنة والطغاة بالمرصاد.

ومن ذلك: الثقة بما تكفل به من الرزق لخلقه، فقد وعد بذلك: (إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين) (الذاريات : 58). ثم أكد الوعد بالضمان: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) (هود: 6). ثم أكد الضمان بالقسم: (وفي السماء رزقكم وما توعدون * فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون) (الذاريات: 22، 23).

فالواثق بوعد الله تعالى وضمانه لا يخاف فوت رزقه أبداً، فإن أحداً لا يستطيع أن يأكل من رزقه، كما أن أحداً لا يستطيع أن يقدم من أجله . وقد جعل صاحب "منازل السائرين": الثقة بالله تعالى منزلة أخرى غير منزلة "التوكل" وغير منزلتي "التفويض" و"التسليم"، وقد جعل كلاً منهما منزلة مستقلة أيضاً.

قال رحمه الله: "الثقة: سواد عين التوكل، ونقطة دائرة التفويض، وسويداء قلب التسليم".

وصدر الباب بقوله تعالى لأم موسى: (فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني، إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) (القصص: 7). فإن فعلها هذا -كما يقول ابن القيم- هو عين ثقتها بالله تعالى. إذ لولا كمال ثقتها بربها، لما ألقت بولدها وفلذة كبدها في تيار الماء، تتلاعب به أمواجه وجريانه إلى حيث ينتهي أو يقف.

والذي ينقدح لي: أن "الثقة" ليست منزلة مستقلة، ولذا لم يرد نص خاص بها في الكتاب أو السنة. وإنما هي دافع إلى التوكل وباعث عليه. وكلما ازدادت ثقة العبد بربه وتوثقت عراها، قوي توكله على الله تعالى، ورسخت جذوره، وبسقت فروعه.

والموظف لأنه واثق بأنه يقبض في مطلع كل شهر راتباً معيناً، التزمت به الحكومة. فهو يرتب حياته على هذا الأساس، لثقته بها، ولهذا لو اضطربت أحوال حكومة ما، وغدت خزينتها مهدده بالعجز عن دفع المستحقات، ضعفت هذه الثقة عند الموظفين، وربما انعدمت. فمن وعده ملك الملوك لا تهتز ثقته به بحال .

وكذلك من أعطاه ملك درهما فسرق منه، فقال له الملك: عندي أضعافه، فلا تهتم، متى جئت إلي أعطيتك من خزائننا أضعافه. فإذا علم صحة قول الملك، ووثق به، واطمأن إليه، وعلم أن خزائنه مليئة بذلك، لم يحزنه فوته .

معرفة الإنسان بنفسه وعجزه

وثالث هذه البواعث على التوكل: معرفة الإنسان بضعفه الفطري، وعجزه الذاتي، ومحدودية علمه وإرادته وقدرته، فقد خلقه الله ضعيفاً، وأخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئاً، وأعطاه أدوات السمع والبصر والفؤاد، ليتعلم ما لم يكن يعلم. كما منحه من الإرادة والقدرة ما يمكنه من أداء رسالته في الأرض .

ولكن يظل علمه علم بشر، وإرادته إرادة بشر، وقدرته قدرة بشر. أي مخلوق محدث مسبوق بالعدم، وملحوق بالموت. فوجوده وحياته وعلمه وكينونته كلها ليست بذاته ولا من ذاته، بل بربه ومن ربه عز وجل: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً * إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً) (الإنسان: 1، 2)، (أو لا يذكر الإنسان إنا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً) (مريم: 67).

ومن هنا يعلم الإنسان حق العلم، ويرقن حق اليقين: أن لا حول له ولا قوة إلا بالله، الذي خلقه فسواه، وعلمه ما لم يكن يعلم، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة. فما به من نعمة العلم، أو نعمة القدرة، أو نعمة الحياة والوجود، فهي من الله وبالله: (وما بكم من نعمة فمن الله) (النحل: 53).

وهذا من أعظم البواعث لتعلق العبد بربه: تعلق العاجز بالقدير، والضعيف بالقوي،والفقير بالغني، والجهول بالعليم، والمحدث بالقديم، والذليل بالعزيز، والفاني بالباقي .. وبعبارة أخرى: تعلق المربوب بالرب، والمخلوق بالخالق، والميت بالحي الذي لا يموت. تعلق من لا يملك شيئاً بمن يملك كل شيء، ومن لا يقدر على شيء بمن هو على كل شيء قدير، ومن لا يعلم متى يموت، ولا أين يموت، ولا كيف يموت، بمن لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. وهذا التعلق بالله تعالى والالتجاء إليه، والاعتماد عليه سبحانه هو: التوكل.

إن معرفة الإنسان بنفسه باب إلى معرفة ربه. ولهذا قال العارفون: "من عرف نفسه فقد عرف ربه".

ولهذا كان أبعد الخلق عن التوكل المغرورون بأنفسهم، المعجبون بعلمهم، المعتزون بقوتهم، المزهوون بما يملكون من ثروة أو موهبة، بحيث يحسبون أنهم استغنوا عن الله تعالى. كما قال سبحانه: (كلا إن الإنسان ليطغى أن رءاه استغنى) (العلق:6، 7)، فسبب طغيانه: رؤيته لنفسه في حالة استغناء عن غيره، وربما توهم أنه مستغن عن ربه جل شأنه .

حسب ابن نوح الكافر أن قوته ستعصمه من الغرق، إذا جاء الطرفان، وأنه يستطيع أن يأوي إلى جبل يحميه، وجهل أنه لا عاصم من أمر الله إذا حكم القضاء.

وزعم قارون أن كنوزه -التي تنوء مفاتحها بالعصبة أولي القوة- ستحميه من بأس الله إذا جاء، ولم يستمع لنصيحة قومه بشأن ماله: (قال إنما أوتيته على علم عندي) (القصص:78)، حتى خسف الله به وبداره الأرض (فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين) (القصص: 81).

سمعت قصة رجل من كبار الأثرياء المتغطرسين، خوفه بعض جلسائه يوماً من غدرات الزمن وتقلبات الأيام، فقال: إن عندي أموالاً تكفيني أعماراً بعد عمري، وهي تزيد ولا تنقص. ولو أن الفقر ركب جواداً سريعاً لمدة سنة أو أكثر ليلحق بي، لم يستطع!

قال محدثي: لقد عشت حتى رأيت هذا الرجل يقبل الصدقة من بعض من كانوا يعملون عنده أُجراء.

إن المعجب المغرور محجوب عن رؤية نفسه، فهو لذلك محجوب عن معرفة ربه. ومن عميت بصيرته إلى هذه الدرجة لم يتصور منه الاتكال على ربه. ولم يوقن بحقيقة قوله تعالى: (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغني الحميد) (فاطر: 15).

إنما يتصور التوكل ممن يشعر بالافتقار إلى مولاه، وأنه لا يمكنه الاستغناء عنه طرفة عين ولا ما هو أقل منها .

وكان مما علمه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته في علاج الكرب والضيق قوله: "دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت".

وقال لابنته وأحب الناس إليه: فاطمة الزهراء رضي الله عنها: "ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به: أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث! أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين".

ولذلك مثل المربون الصالحون حال المتوكل على الله -الذي غمره الشعور بالحاجة الدائمة إليه- بحال الطفل الرضيع في اعتماده وسكونه وطمأنينته بثدي أمه لا يعرف غيرها، بل لا يعرف غيره، وليس في قلبه التفات إلى شيء سواه. كما قال بعض العارفين: المتوكل كالطفل، لا يعرف شيئاً يأوي إليه إلا ثدي أمه. كذلك المتوكل لا يأوي إلا إلى ربه سبحانه!.

المعرفة بفضل التوكل وأحوال المتوكلين ومعايشتهم

ومن بواعث التوكل: المعرفة بفضله وفضل أهله، وما خصهم الله ورسوله به من حسن الثناء، وما وعدهم به من حسن الجزاء في الدنيا والآخرة، وما يعقبه التوكل من أطيب الثمرات في حياة الفرد والجماعة، ويكفي قوله تعالى: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) (الطلاق:3)، وقوله: (إن الله يحب المتوكلين) (آل عمران: 159) ورسوخ هذه المعرفة حتى تستحل يقيناً دافعاً.

ومثل ذلك مطالعة أحوال المتوكلين، من الذين أنعم الله عليهم، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وعلى رأسهم سيد المتوكلين محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إن معايشة سير المتوكلين على الله من أعظم ما يقوي القلب المتردد الضعيف في الاعتماد على الله، والتوكل عليه، والتفويض إليه .

إن التشبه بالرجال فلاح

فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم

وأعظم من ذلك تأثيراً: أن تجد من الأحياء من تأخذ عنه ذلك بالصحبة والقدوة، وقليل ما هم، ولا تخلو الأرض منهم إن شاء الله. وقد قيل: إن حال رجل في ألف رجل، أبلغ من مقال ألف رجل في رجل!.

الفصل الثامن

عوائق التوكل

إذا عرفنا بواعث التوكل، سهل علينا أن نعرف عوائقه. فبضدها تتميز الأشياء، ولا بأس أن أشير إلى ابرز المعوقات:

الجهل بمقام الله

وأولها من غير شك: الجهل بمقام الألوهية، فمن لم يعرف رب الناس، ملك الناس، إله الناس، وما له سبحانه من الأسماء الحسنى، والصفات العلا، لا يتصور منه أن يتوكل عليه جل جلاله .

من لم يعرف الله غنياً له ما في السموات وما في الأرض ملكاً وملكاً، يحتاج إليه كل ما سواه، ولا يحتاج إلى أحد مما سواه. أخبر تعالى عن غناه في حديث القدسي فقال: "يا عبادي؛ لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، اجتمعوا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل واحد مسألته، ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر".

ولم يعرف الله قديراً، لا يحد قدرته حد، ولا يعجزها ضد: (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) (يس: 82). تعمل قدرته تعالى من خلال الأسباب التي خلقها، وتعمل -إن شاء سبحانه- من غير الأسباب، آية لنبي، أو كرامة لولي، أو إعانة لمظلوم، أو تفضلاً على محروم: (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وان يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير * وهو القاهر فوق عباده، وهو الحكيم الخبير) (الأنعام: 17، 18).

ولم يعرف الله جواداً كريماً، يده سحاء الليل والنهار، يرزق البر والفاجر، ويعطي المؤمن والكافر: (قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذاً لأمسكتم خشية الإنفاق، وكان الإنسان قتوراً) (الإسراء: 100).

ولم يعرف الله قهاراً أخذ الجبابرة العتاة، المتألهين في الأرض، أخذ عزيز مقتدر، فما كان لهم من فئة ينصرونهم من دون الله وما كانوا من المنتصرين. كما قال تعالى: (فكلاً أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا، وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) (العنكبوت: 40).

من لم يعرف الله تعالى بهذه الأسماء، والصفات وسائر أسمائه وصفاته، لا ينتظر منه أن يجعل اعتماده عليه، إذ كيف يعتمد على من لا يعرفه؟! وربما تجده يعتمد على مخلوق مثله، ولا يعتمد على ربه، لأنه يعرف مقام الرئيس أو الوزير أو المدير أو الغني، فهو يعتمد عليهم، ويثق بعونهم له، في حين لا يعرف مقام الذي خلقه فصوره وشق سمعه بصره.

مثله مثل رجل غريب دخل مجلس قوم فيهم الملك، فهو يسأل بعض خدمه، أو بعض جنود، ولا يسأل الملك نفسه، لأنه لا يعرفه، فإذا لم ينبهه منبه على جهله وسوء تقديره، فسيمضي في الطريق الغلط، ولن يعمل على ثمرة، ولن تقضى له حاجة.

الغرور بالنفس

ومن العوائق كذلك: إعجاب المرء بنفسه، بل هو من المهلكات كما جاء في الحديث: "ثلاث مهلكات: شحٌ مطاع، وهوىً متبع، وإعجاب المرء بنفسه". والمعجب بنفسه، المغرور بشبابه وبقوته، أو بماله وثروته، أو بجاهه ومنصبه، أو بأنصاره وعصبته، أو بغير ذلك مما يعتز به الناس، لا يشعر بحاجته وافتقاره إلى الله، حتى يعتمد عليه، ويستند إليه، بل هو محجوب بنفسه عن ربه .

ويزداد المرء حجاباً عن ربه بنفسه، إذا وجد ممن حوله ألسنة زور، وأبواق نفاق، تعظمه وتضخمه وتنفخ فيه.

خصوصاً إذا كان ممن يرجونه أو يخشونه، من أهل الحكم، أو أرباب المال والجاه. كما حكي ذلك عن بعض الشعراء قديماً، وكما يحكى عن بعض الصحفيين حديثاً. كذلك الشاعر الذي قال لأحد ملوك العبيديين المعروفين باسم (الفاطميين):

فاحكم فأنت الواحد القهار!

ما شئت، لا ما شاءت الأقدار

وقول الآخر:

ومن أعوذ به مما أحـــاذره

يـا من ألوذ به فيما أؤملــه

ولا يهيضون عظماً أنت جابره

لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره

وقد احسن أهل السلوك حين أخذوا هذا الشعر فناجوا به ربهم، فهو به أحق وأولى.

ولا تزاح الغشاوة عن بصره، إلا إذا فقد ما يتكئ عليه من قوة أو مال أو جاه أو أنصار، فهناك يظهر على حقيقته مخلوقاً ضعيفاً عاجزاً لا حول له ولا طول.

ضرب القران مثلاً لذلك: صاحب الجنتين -المذكور في سورة الكهف- الذي قال لصاحبه وهو يحاوره: ( أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً * ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبداً * وما أظن الساعة قائمةً ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلباً * قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلاً * لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحداً * ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله) (الكهف: 34 - 39).

وكانت نتيجة غروره أن احترقت جنته: (وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحداً * ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصراً * هنالك الولاية لله الحق، هو خير ثواباً وخير عقاباً) (الكهف: 42 - 44). وكم رأينا بأعيننا غني قوم افتقر، وعزيز قوم ذل، وملكاً معظماً زال ملكه .. وسبحان من لا يتغير .

سئلت هند بنت النعمان بن المنذر ملك العرب بالحيرة عن أمرها، فقالت :أصبحنا ذات صباح وما في العرب أحد إلا يرجونا، ثم أمسينا، وما في العرب أحد إلا يرحمنا!.

وبكت أختها حرقة بنت النعمان يوماً، وهي في عزها، فقيل لها :ما يبكيك؟ لعل أحداً آذاك: فقالت: لا، ولكن رأيت غضارة (أي نعيماً وطيب عيش) في أهلي، وقلما امتلأت دار سروراً، إلا امتلأت حزنا! وقالت لبعض من دخل عليها: أن الدهر لم مظهر لقوم بيوم يحبونه، إلا بطن لهم بيوم يكرهونه، ثم أنشدت:

إذا نحن فيهم سوقة نتنصف

فبينا نسوس الناس، والأمر أمرنا

تقلب تارات بنا وتصـرف

فـأف لدنيا لا يدوم نعيمهــا

الركون إلى الخلق

ومن موانع التوكل: الركون إلى الخلق، والاعتماد عليهم في قضاء الحاجات، والنصرة في الملمات، وتدبير الأمور، وتذليل الصعاب، ناسياً قول الله تعالى: (إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم) (الأعراف : 194)، وقوله سبحانه: (إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقاً فابتغوا عند الله الرزق) (العنكبوت : 17).

فالابن الذي له أب من ذوي المال والجاه، أو له أسرة عريقة، أو قبيلة كبيرة، أو كان من العائلة الحاكمة، أو الحزب الحاكم، إذا لم يكن من ذوي الإيمان .. يحس بأنه يستند إلى ركن ركين، ومتمسك بحبل متين، فلا يشعر بفقره إلى الرب الأعلى، الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى.

ومثل ذلك من كان مقرباً من الملك أو الأمير أو الرئيس أو الوزير أو الثري المليونير، صاحب الشركة أو مدير المؤسسة، أو من شابه هؤلاء، فهو يظن نفسه قوياً بقوتهم، مستغنياً بغناهم، فلا حاجة له إلى التوكل على الخالق، وقد توكل على الخلق، والتوكل لا يقبل الشركة.

ولا يفيق هذا الصنف من سكرته إلا إذا تغير حال من اعتمد عليهم، فمات الملك، أو تغير الأمير، أو عزل الرئيس، أو أقيل الوزير، أو سقط الحزب الحاكم، أو ضعف القوي، أو افتقر الغني وأفلس المليونير، الذي كان يركن إليه، ويتوكأ عليه.

ولهذا قال ابن عطاء الله في "حكمه": "إن أردت أن يكون لك عز لا يفنى، فلا تستعزن بعز يفنى".

وصدق .. فكل عز في الدنيا فهو فان -كما قال العلامة زروق في شرح الحكم : "لأنه إنما يكون بأسبابها، وهي فانية، وما ترتب على الفاني زال بزواله. قال في "التنوير" فإن اعتززت بالله دام عزك، وان اعتززت بغير الله فلا بقاء لعزك، إذ لا بقاء لمن أنت به متعزز.

وأنشد بعض الفضلاء لنفسه:

ك يستقر ويثبت

اجعل بربك شأن عز

ت فإن عزك ميت

فإن اعتززت بمن يمو

ويقال لك: إذا اعتززت بغير الله فقدته، أو استندت إلى غيره عدمته! (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً، لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفاً * إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو، وسع كل شيء علماً).

على أن الخلق لا أمان لهم، ولا ضمان لاستمرار ودهم وحسن صلتهم، فكم منهم من عاهد فغدر، ومن خاصم ففجر، ومن وعد فأخلف، ومن ائتمن فخان.

كم من صديق أسلم صديقه في ساعة الشدة، حتى قال الشاعر محذراً:

وأحذر صديقك ألف مرة!

أحذر عدوك مـرة

فـكان أعلم بالمضــرة!

فلربما انقلب الصديق

وكم من سلطان غدر بأقرب بطانته إليه، وآثر خاصته لديه، لوشاية من حاسد، أو مكيدة من منافس، أو لظهور من يحل محله، ممن يسارع في هوى السلطان أكثر منه، أو لغير ذلك من الأسباب التي دونها التاريخ، والتي لم يدونها التاريخ.

وانظر "البرامكة" في عهد الرشيد، كيف كانوا، وكيف صاروا .

وقد تدرك المرء صحوة تتفتح فيها عين قلبه على الحقيقة، وهي أن عجز الخلق عجز ذاتي، ولا قوة لهم من أنفسهم ولا بأنفسهم، ولا قوة لهم إلا بالله، وأن الجن والإنس لو اجتمعوا على أن ينفعوه بشيء، لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء، لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، وهنا لا يكون توكله إلا على مولاه.

حب الدنيا والاغترار بها

ومن موانع التوكل على الله: الاستغراق في حب الدنيا والاغترار بسرابها، الجري وراء متاعها الأدنى، والتعلق بشهواتها وزينتها، كما قال تعالى: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، ذلك متاع الحياة الدنيا) (آل عمران: 14).

فمن غره هذا المتاع، وأفرغ في طلبه والحرص عليه فكره وقلبه، لم يبق لديه متسع للتفكير في أمر آخر، فقد غدت الدنيا أكبر همه، ومبلغ علمه، ومحور سعيه، وغاية وجوده، ولذا قال الله تعالى: (فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا * ذلك مبلغهم من العلم) (النجم: 11)، (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً) (الكهف: 28).

وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن ندعو الله بهذا الدعاء: "اللهم لا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا". إن عبيد الدنيا لا يمكنهم أن يخلصوا العبودية لله، فما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، ومن لم يخلص عبوديته لله لم يعرف التوكل عليه، فالتوكل من لوازم العبودية لله رب العالمين: (قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب) (الرعد: 30). لقد حذرنا الله تعالى من غرور الدنيا، كما حذرنا من غرور الشيطان: (يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور) (فاطر: 5).

وقد عرف الناس من تجاربهم من الدنيا: أن أشهر أوصافها "الغدر" فما أسرع ما تتخلى عن عشاقها وخدامها أحوج ما يكونون إليها، وأكثر ما يكونون ركوناً إليها وتعويلاً عليها. وما أصدق ما قال الشاعر في وصفها :

حذار، حذار، من غدري وفتكي

هي الدنيا تقول بملء فيها:

فقـولي مضحك والفعل مبكي

فلا يغرركمو مني ابتسـام

ومن ثم عرف أولو الألباب أن هذه الدنيا لا ثقة بها، ولا أمان لها، ولا اطمئنان إليها، ولا اعتماد عليها، فالإنسان فيها - وإن أوتي ما أوتي- معرض ما بين لحظه وأخرى، لبلية نازلة، أو نعمة زائلة، أو منية قاتلة، ورحم الله أبا الحسن التهامي حين قال :

صفواً من الآلام والأكدار!

جبلت على كدر، وأنت تريدها

متطلب في الماء جذوة نار!

ومكلف الأيام ضد طباعهــا

وقد دخل بعضهم على أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه، فوجده يقول مخاطباً الدنيا، كأنما يتمثلها أمامه، ويدفعها عنه بكلتا يديه: "إليك عني يا دنيا، غري غيري، قد طلقتك ثلاثاً لا رجعه فيها، فعمرك قصير وخطبك حقير".

فمن عرف قيمة الدنيا وهوانها على الله، وكثرة جفائها، وسرعة فنائها، لم تقف حائلاً بينه وبين التوكل على الله تعالى.

إنما تعتبر الدنيا حائلاً وعائقاً حقاً -دون التوكل على الله- لصنف من الناس، اتخذها رباً فاتخذته لها عبداً. ومن جعل نفسه عبداً لغير الله لم يصح منه توكل على الله، لأن التوكل فرع عبودية القلب لله وحده، ولا تجتمع في القلب عبوديتان و(ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) (الأحزاب: 4).

فيا سعادة من انتصر على هذه العوائق في طريق المتوكلين، فعرف مقام ربه ذي الجلال والإكرام، وعرف فقر نفسه وفاقته الذاتية التي لا تفارقه -إلا إذا تحول من مخلوق إلى خالق!- وعرف ضعف الخلق وحاجتهم، وأنهم عباد أمثاله، لا يملكون لأنفسهم -ناهيك بغيرهم- ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، وعرف قيمة الدنيا التي يتهافت الناس عليها من حوله، وأنها إن لم تزل عنه زال هو عنها .. وتمكنت هذه المعرفة من قلبه حتى غدت يقيناً يغمره، ووجداناً يعيشه، وإرادة تحركه، وهنا يدخل في زمرة المؤمنين حقاً: (الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون) (الأنفال: 2).

اللهم إنا نسألك أن تجعلنا منهم، واغفر لنا إن قصرنا في اللحاق بهم .

(ربنا عليك توكلنا واليك أنبنا واليك المصير * ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا، إنك أنت العزيز الحكيم) (الممتحنة: 4، 5).