مع "البنا" في دار العلوم

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث



مع "البنا" في دار العلوم


الظروف السائدة بمصر قبل نشأة جماعة الإخوان (5)

خطأ في إنشاء صورة مصغرة: الملف مفقود
الإمام الشهيد حسن البنا عند تخرجه

• مثلت الدار مرحلة تنوع ثقافي ذاخر في حياة الإمام

• دعا إلى إيقاف تيار الإباحية من خلال تكوين الدعاة وتصدي العلماء

• توقع له ممتحنه مستقبلاً عظيمًا وقال: "لم يجب بإجابتك إلا محمد عبده"!

ظهرت نتيجة الكشف الطبي والاختبارات، وجاء اسم الإمام الشهيد "حسن البنا" ضمن الناجحين، فتوجه إلى مدرسة دار العلوم مع أول يوم في الدراسة وكله همة وأمل.. يقول:

"غدوت يوم افتتاح الدراسة إلى دار العلوم وكلي شوق إلى العلم، وقد وجهني الله توجيهًا حميدًا، ولا أنسى الحصة الأولى ولم نكن قد تسلمنا الكتب والأدوات بعد، ووقف أستاذنا الشاعر البدوي الشيخ "محمد عبدالمطلب" أمام السبورة يحيي الطلبة الجدد، ويتمنى لهم النجاح والتوفيق، وأخذ يكتب الشعر ويطلب منا إعرابه فقلت: بدأنا الجد من أول يوم"!


التفوق والنجاح

تفوق الإمام الشهيد في السنة الأولى لدراسته بدار العلوم، وكان الثالث على دفعته، ولم يكتفِ بما كان يدرسه في دار العلوم لأنه كان محبًا للعلم- كما كان في الثانوية- بل كان يحصله بشتى الطرق، لذا كان يتردد على المكتبات وكبار المفكرين والعلماء في ذلك العصر، كما جعل المكافأة الشهرية التي كانت تمنحها له دار العلوم للشراء الكتب النافعة في شتى المجالات.


ظل الإمام الشهيد خلال سنوات الدراسة في اطلاع دائم لجميع مجالات المعرفة حتى كان امتحانه في دبلوم دار العلوم فيقول: "وكان امتحان الأدب هو الامتحان الرئيس في الدار، وكان تحريريًا وشفويًا فلما مثلت بين يدي لجنة الامتحان سألني عمَّا أحفظ من الشعر فقدمت إليه الكراريس فقال لي ما هذه الكراريس؟ قلت إنَّ ما فيها هو ما أحفظه! فتعجب الرجل وقال: هل أنت على استعداد لأن أسمع منك أي قصيدة اختارها من هذه الكراريس؟ فأجبته بالإيجاب، فطفق يطلب إلي أن أقرأ فأقرأ حتى اطمأن إلى أنني أحفظ ما فيها جميعًا، وكانت ثمانية آلاف بيت من الشعر ومثلها من المنثور- ثم قال لي إني أسألك السؤال الأخير: ما أحسن بيت أعجبك في الشعر العربي؟ قلت: أحسن بيت أعجبني قول طرفة بن العبد في معلقته:


إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني

عُنيت فلم أكسل ولم أتبلد

قال: قم يا فتى.. هذا سؤال يُسأل للنابهين من الطلبة في كل عام هنا، وفي الأزهر فلم يجب أحد بمثل ما أجبت إلا الشيخ "محمد عبده".. إنني أتنبأ لك يا بني بمستقبل عظيم".


مرحلة تنوع ثقافية

كانت مرحلة دار العلوم إذن مرحلة تنوع الثقافة فلم تكن الدراسة جافة بل كان الطلاب والأساتذة يتناولون كثيرًا من الأمور العامة سياسية كانت أو اجتماعية، وكانت المواد التي تُدرس في دار العلوم تتضمن علوم اللغة والأدب والشريعة والجغرافيا والتاريخ ومناهج التربية العلمية والعملية والاقتصاد السياسي، وكان للبنا لقاءات متعددة مع أعلام الفكر والثقافة في عصره فكانت له لقاءات مع السيد "محب الدين الخطيب" والأستاذ "محمد الخضر حسين" والأستاذ "محمد أحمد الغمراوي" و"أحمد باشا تيمور" و"عبد العزيز باشا محمد"، كما كان يلتقي والشيخ رشيد رضا والشيخ عبد العزيز الخولي والشيخ محمد العدوي كما كان البنا يغشى مجالس الشيخ يوسف الدجوي.


الداعية والتجربة

كان تيار الإباحية والتغريب في القاهرة على أشده في ذلك الوقت ولأن حسن البنا تعود منذ صغره على مقاومة الانحراف في المجتمع فقد فكر وهو في دار العلوم في إيقاف تيار الإباحية والتحلل واتخذ وسيلته لذلك: تكوين دعاة إسلاميين، وحمل قادة المسلمين من علماء الأزهر على مواجهة هذا التيار المنحرف.


أولاً: تكوين دعاة إسلاميين

يقول الإمام البنا – حول محاولته لوقف هذه الموجة-:"ففكرت أن أدعو إلى تكوين فئة من طلاب الأزهر الشريف وطلاب دار العلوم للتدريب على الوعظ والإرشاد في المساجد ثم في المقاهي وفي المجتمعات العامة ثم تنتقل إلى المدن العامة ثم تنتشر في قرى الريف.


وقرن الشيخ الطالب "حسن البنا" القول بالعمل فدعا لفيفًا من أصدقائه للمشاركة في هذا المشروع الجليل، واستجابت فئة من الذين آمنوا بالدعوة، وهم الأستاذ "محمد مدكور" خريج الأزهر، والشيخ "حامد عسكرية"، والشيخ "أحمد عبدالحميد"، وتكونت جماعة التبليغ من هؤلاء الطلاب.


بدأت التجربة في المقاهي وكانت البداية بمقهى في ميدان صلاح الدين بقلب القاهرة ثم في مقهى آخر بأول شارع السيدة عائشة ثم بآخر في أحياء طولون، وألقى في أول ليلة للتجربة عشرين خطبة تستغرق الواحدة من خمس إلى عشر دقائق.


كان شعور السامعين عجيبًا فقد كانوا ينصتون في إصغاء ثم يطلبون المزيد.. وكان أصحاب المقاهي ينظرون بغرابة أول القول ثم يطلبون المزيد بعد ذلك، وعندما نجحت التجربة اشتد العزم على استمرار الحملات والكفاح.


ثانيًا: مع علماء الأزهر

يذكر الإمام الشهيد في مذكراته زياراته لعلماء الأزهر، وخاصةً الشيخ "يوسف الدجوي" الذي كان ذا هيبة واحترام وتقدير لدى علماء الأزهر والمسلمين، وفي إحدى زياراته وكان حوله لفيف من العلماء وبعض الوجهاء تحدث الطالب حسن عن موجة الإباحية التي عمت المجتمع من خلال الصحف والمجلات وأثرها على المجتمع فوجد استجابةً من الشيخ "الدجوي" والحاضرين إلا أن "البنا" حاول أن يخرج من هذا اللقاء بشيء عملي غير أن الشيخ "الدجوي" قال: سنفكر في الأمر، لكن الطالب "حسن" شد على يد الشيخ ورفاقه علماء الأزهر بأنهم سيُحاسبون أمام الله عن ذلك إن لم يفعلوا شيئًا وما زال به حتى دمعت عين الشيخ الدجوي.


وقال: ماذا نفعل؟ قال له: يا سيدي الأمر يسير لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، لا أريد سوى أن تحصر أسماء مَن تتوسم فيهم الغيرة على الدين من ذوي العلم والوجاهة ليفكروا فيما يجب أن يعملوا، يصدرون ولو مجلة أسبوعية أمام جرائد الإلحاد والإباحية ويكتبون ردودًا أو كتبًا على هذه الكتب، ويؤلفون جمعيات يأوي إليها الشباب وينشطون حركة الوعظ والإرشاد وهكذا.


وفي الحال أخذوا يتذاكرون الأسماء فكتبوا أسماء فريق كبير من العلماء الأجلاء منهم الشيخ "يوسف الدجوي" والشيخ "محمد الخضر حسين" والشيخ "عبدالعزيز جاويش" والشيخ "عبدالوهاب النجار" وغيرهم كثير.. وقال الشيخ "الدجوي":" على أن أمر على من أعرف، وأنت يا حسن تمر على مَن تعرف ونلتقي بعد أسبوع إن شاء الله".


الثمار الطيبة

بذلك تكونت نواة طيبة من أجلة فضلاء واصلوا اجتماعاتهم وظهر من نشاطهم مجلة الفتح الإسلامية التي رأس تحريرها الشيخ "عبدالباقي سرور"، وكان يديرها السيد "محب الدين الخطيب"، وظلت هذه النخبة المباركة تعمل فيها حتى تحولت إلى جمعية الشبان الم سلمين فيما بعد.


بلورة أفكاره بخطه

في آخر العام الدراسي النهائي الذي سيتخرج بعده الطالب حسن البنا حدد لهم أستاذهم أحمد يوسف نجاتي موضوعًا إنشائيًا دسمًا ليستوضح منهم مقدار حصيلة كل طالب من تعلمه في الكلية وليتعرف المستوى الذوقي والفكري للطالب. وكان السؤال: "اشرح أعظم آمالك بعد إتمام دراستك، وبين الوسائل التي تعدها لتحقيقها".

أجاب الطالب حسن البنا واستفاض في الإجابة التي ركز فيها على ضرورة رضا الله والفوز بالجنة في الآخرة، وإسعاد الناس وإرشادهم للخير وإدخال السرور عليهم ورد المكروه عنهم، والسبيل لذلك قصد طريق التصوف الصادق الذي يتلخص في الإخلاص والعمل والتعليم والإرشاد الذي يجمع الإخلاص والعمل والاختلاط بالناس، ثم أوضح أن أعظم آماله بعد إتمام حياته الدراسية أملان:

خاص: هو إسعاد أسرته وقرابته والوفاء لهم ما استطاع لذلك سبيلاً.

وعام: أن يكون مرشدًا معلمًا، يقضي في تعليم الأبناء سحابة النهار، ويقضي ليله في تعليم الآباء هدف دينهم، وذلك بالخطابة تارة والتأليف والكتابة تارة ثانية وبالتجول والسياحة تارة ثالثة ووضع وسائل عدة لتحقيق ذلك.

ومن الوسائل الخلقية التي عددها الإمام البنا كذلك الثبات والتضحية.. فقال " لقد أعددت للأمر جسمًا تعود الخشونة على ضآلته وألف المشقة على نحافته، ونفسًا بعتها لله صفقة رابحة وتجارة بمشيئته منجية راضيًا منه قبولها.. ذلك عهد بيني وبين ربي أسجله على نفسي وأشهد عليه أستاذي في وحدة لا يؤثر فيها إلا الضمير وليل لا يطلع عليه إلا اللطيف الخبير.. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفي بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الفتح: 10).