معضلة الإخوان المسلمين المصرية

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
معضلة الإخوان المسلمين المصرية

جيفري أزارفا, صامويل تادروس

30 نوفمبر 2007, ميديل إيسترن أوت لوك

مقدمة

عقد مكتب الاستخبارات والأبحاث التابع لوزارة الخارجية الأمريكية اجتماعا في 20 يونيو 2007 لبحث إمكانية التواصل الرسمي مع الإخوان المسلمين في مصر.

وجاءت الجلسة نتيجة لسنوات من البحث حول التواصل مع جماعة يعتبرها العديد أساسا للأصولية السنية.

وبالرغم من أن الإدارة لأمريكية أقامة حجرا دبلوماسيا علي جماعة الإخوان المسلمين بعد 11 سبتمبر، إلا أن عددا من أعضاء مجلس النواب الأمريكي جاءوا قبل جلسة وزارة الخارجية الأمريكية وتقابلوا مع سعد الكتاتني البرلماني المستقل ورئيس كتلة نواب الإخوان في البرلمان المصري.

وفي 5 أبريل 2007، قام ستيني هوير ( زعيم الأغلبية في مجلس النواب الأمريكي ) بخرق الاتفاق وقابل الكتاتني في مبني البرلمان المصري وفي منزل السفير الأمريكي في مصر " فرانسيس ريتشاردوني".

ثم بعد ذلك قام وفد برلماني يضم أربعة من نواب الكونجرس الأمريكي وعلي رأسهم ديفيد برايس بمقابلة الكتاتني في القاهرة.

وعقب زيارة هوير، قامت السفارة الأمريكية بالقاهرة برفض الانتقاد المصري بأن مقابلاته قد تخالف السياسة الأمريكية.

وفي نوفمبر 2007 قام السفير الأمريكي بالتقليل من شأن المقابلات بقوله أن اتصالات الولايات المتحدة مع أعضاء بارزين مستقلين للإخوان المسلمين لا ينطوي علي موافقة لوجهات نظر البرلمانيين المستقلين أو علي توجهاتهم السياسية.

وبالرغم من هذا التأكيد، إلا أن مقابلات الكتاتني تدل علي بعض آراء القادة داخل وخارج الحكومة الأمريكية والتي تحرم فكرة الحوار والمصالحة مع الإخوان المسلمين.

وعلي اعتبار بعض الشكوك حيال النوايا الديموقراطية الصادقة, حثت أغلب المقالات والآراء في صفحات الشئون الخارجية في كل من مجلة نيويورك تايمز وبوسطن جلوب علي التواصل مع الإخوان المسلمين في مصر ــ وهي الجماعة الإسلامية ذات الاغلبية ــ يمكنه ان يخدم المصالح الأمريكية لنشر الديمقراطية في العالم العربي.

وفي 2006، نشرت مؤسسة كارنيجي للسلام العالمي مذكرة ختمت بالقول أنه علي الرغم من أن هناك "مناطق رمادية غامضة" في الفكر الإسلامي، إلا أن سياسة التواصل مع التنظيمات الإسلامية وخاصة جناحات الإصلاح منها هو الخيار الإيجابي لدي المنظمات والحكومات التي تؤمن بأن تطوير الديمقراطية في الشرق الأوسط يصب في مصلحة الجميع.

أما المنطق وراء هذا؛ فهو أنه مادام الإسلاميين المعتدلين يتمتعون بهذه القاعدة العريضة من التأييد؛ فإنهم سيكونون اكثر تأثيرا في التغير السياسي من منافسيهم العلمانيين.

ولن تتحقق الديمقراطية في العالم العربي إلا بتضامن جماعات مثل الإخوان المسلمين في العملية السياسية.

وفي بلد يتمتع بالحس الإسلامي الكبير مثل مصر فلن تكون مثل هذه السياسة معقولة بل أنها ستكون حتمية.

فمنذ ان أنشأها حسن البنا عام 1928، أصبحت جماعة الإخوان الأكثر تنظيما والأقوى معارضة في البلاد اليوم, التي تقع في محل ثانوي بالمقارنة مع الأعمال الخيرية والدعوة.

وبالرغم من التزامها بالتعددية وحكم القانون، إلا أن الإخوان المسلمين مستمرون في توجيه خطابات غامضة إذا تناولوا قضايا الديمقراطية الأكثر جوهرية.


الشريعة الإسلامية والدولة المدنية

روابط202011.jpg

مع كل أحاديث الجماعة عن اعتناق الإصلاح والنظام المدني للحكم إلا أنهم ملتزمون بأن تكون السلطة إسلامية، فما زال الإخوان المسلمون جماعة تعتنق الأيديولوجية الدينية.

إن مخاطر التعاون مع الإخوان المسلمين أو تكثيف مشاركاتها السياسية علي الساحة السياسية لهو أكثر إدراكاً واستبصاراً من رؤية الجماعة للدولة المصرية في المستقبل.

وقد انطلقت أول مبادرة إصلاح سياسي للإخوان المسلمين في مارس 2004 لتكون بمثابة نافذة علي فكر الجماعة.

وقد كان المرشد العام للجماعة محمد مهدي عاكف واضحا في أهدافه، أن أمل الجماعة يتمثل في تحقيق الازدهار في حياتنا باتباع السنة.

وقال عاكف أن حكم الله هو الحل الأمثل لكل ما نعانيه من مشكلات، سواء كانت داخلية أم خارجية.

ويتحقق هذا ببناء الفرد المسلم والمجتمع المسلم ومن ثم الحكومة المسلمة ثم الدولة التي تقود الأمم الإسلامية وتحمل لواء الدعوة للعالم كله ليسعه الإسلام وتعاليمه.

وأثيرت المخاوف بتزايد مطالبة الإخوان بتطبيق الشريعة وكيفية تطبيقها. كما قدمت مبادرة عاكف عددا من الأشياء الواضحة التي تغيرت عند تفصيلها.

تحت عنوان بناء الإنسان المصري, اشترط عاكف أن يخلو الإعلام من أي مادة تتعارض مع الأحكام الإسلامية؛ أما علي جانب الإصلاح التعليمي والدراسات العلمية فقد أعطي اهتماما أكبر علي التدريبات العسكرية وحفظ القرآن مع احترام الثقافة والفنون.

كما نادي عاكف بتآلف السينما والمسرح بما يتوافق مع مبادئ وقيم الإسلام.

ولا تنتهي الشكوك حول رغبة الإخوان المسلمين في إقامة الدولة الإسلامية إلي هذا الحد. ويحافظ مهدي عاكف علي تطبيق الشريعة الإسلامية فتصبح في القانون المصري؛ أما المادة رقم 2 في القانون المصري فتعتبر الإسلام الديانة الرسمية للدولة وأن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع، وقد فشل ادعاءه في تخفيف حدة المخاوف.

وللعلم فإن الرئيس أنور السادات لم يقدم هذه المادة في دستور 1971 لتسهيل التشريع وفقاً للشريعة الإسلامية ولكن لإرضاء الإسلاميين والإجتزاء من النفوذ اليساري.

ولا يعد تفسير عاكف كافيا لتهدئة أطراف النزاع الذي يمكن أن تثار عند سن قوانين غير إسلامية.

وعلي سبيل المثال، فأي القضايا تنظر إليها الجماعة علي أنها دينية ومنبوذة من قبل المسئولين؟ والأكثر أهمية، كيف يمكن تحديد دستورية القضايا الشائكة؛ هل سيسلم الحكم لرجال الدين أم ستتسلمه المؤسسات الحكومية؟ وكيف يمكن للإخوان الرد علي قرار عدم الأخذ بالشريعة؟

منذ عام 2004، يحاول أعضاء الإخوان حل هذه المآزق؛ إلا أن تصريحاتهم تزيد الأمور تعقيدا.

كما أن التنافر بين تصريحاتهم الرسمية باللغة العربية من قبل مسئولين بارزين في مكتب الإرشاد وبين ما يقولونه في لقاءاتهم باللغة الإنجليزية قد أوجد مساحة كبيرة من الشكوك حول التزام الجماعة بمبادئ الديمقراطية.

وفي مقابلة مع عاكف أجرتها معه جريدة آخر ساعة الحكومية الأسبوعية في 20 يوليو 2005، قال إننا نؤمن بالديمقراطية تماما لأنها الطريق الوحيد نحو انتخابات حرة ونزيهة. أما بالنسبة للديمقراطية المطلقة ( بغير حدود ) فهي مرفوضة وإنما يجب ان تكون داخل إطار الشريعة.

وبعد ستة أشهر، اتضحت كلمات عاكف بمكاسب الإخوان المسلمين غير المتوقعة في انتخابات 2005 التشريعية.

فقد حاز الأعضاء المستقلين التابعين للجماعة 88 مقعدا من أصل 454 وبذلك فقد فازوا بنسبة 35% في السباق.

وبعد الانتخابات أخبر عبد المنعم أبو الفتوح (عضو مكتب الإرشاد البارز) جريدة الأهرام وييكلي أن موقف عاكف يقوم علي عدم فرض أي قانون بدون موافقة الرأي العام، في مقابلة له مع مجلة نيويورك تايمز في أبريل 2007, صرح محمد حبيب نائب المرشد العام،بأن مجلس الشعب يجب أن يقدم قانونا لحماية الشريعة وأن تكون الشريعة هي مصدر التشريع والفصل في الأمور.

وقال حبيب أن مجلس الشعب له الحق المطلق بهذا الصدد، ويمكن للبرلمان أن يسمع لرأي علماء الدين ولكن ليس من الضروري أن يأخذ بهذه الآراء.

كما تعكس تعليقات عبد المنعم وحبيب استنارة فكرية ولكنها بعيدة عما نص عليه البرنامج، الذي قدم للمثقفين المصريين في أغسطس 2007 كصياغة أولية.

ووفقا لما قالته جريدة المصري اليوم اليومية أن الإخوان المسلمون يطالبون بإنشاء مجلس أعلي للعلماء يتألف من علماء الدين الذين يعيدون النظر في القرارات التنفيذية ويعرضونها علي الدين قبل تنفيذها.

وسيعتمد هذا المجلس علي مبدأ الشورى وستكون قراراته إلزامية إذا ما كان هناك نص ديني يساندها،وهذا المفهوم فضفاض يمكن أن يوسع من سلطة هذا المجلس. وقد دافع مسئولو الإخوان عن هذا البرنامج ولكن ادعاءاتهم كانت باطلة.

وللأسف، فإن الجماعة تحتاج لإعادة تنقية صورتها العامة وخاصة بشأن هذا المجلس وخاصة أنه يذكر بنظام بولاية الفقيه في إيران، وهذا سوف يجدد النقاش حول حقيقة نواياها.

إلا أن أعمال الجماعة وخاصة في البرلمان قد أوجدت القليل من الثقة في أجندة الإخوان.

وبالرغم من أن تزايد حضور الإخوان في السنوات الأخيرة قد أوجد مزيدا من المسئولية وأدي إلي التناظر مع ممثلي الهيئة التشريعية الضعيفة من الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم الذين يتسابقوا علي التصويت في الجلسات التي يحضرونها بأغلبية خوف أن يصل الإخوان المسلمين المنظمين لإجماع في غيابهم.

كما أن نواب الإخوان يستغلون دائما مناقشاتهم داخل البرلمان للاحتجاج علي ما يسمونه بالانهيار الثقافي في مصر فضلا عن عرضهم لمشكلات البطالة والتضخم وأزمات الإسكان في مصر.

في دراسة أعدها مركز الأمة للدراسات والتنمية في مصر عام 2005، أوضحت أن العدد الكلي من استجوابات نواب الإخوان المسلمين بين عامي 2000 و2005 فيما يقارب نسبة 80% منها كان حول قضايا الثقافة والإعلام والتعليم.

وفي نوفمبر 2006،انتقد عضو البرلمان المصري علي لبن وزير التعليم " يسري الجمل" لتعيينه مونيكا تشافيز خبيرة التعليم الأمريكية لإدارة مشروع إصلاح المناهج التعليمية في الدولة.

وصرح لبن, الذي يعتبر من النقاد المنحفزين ضد عمل هيئة المعونة الأمريكية في مصر, أن تعيين خبير أمريكي في مسئولية تحديث التعليم المصري يعد خيانة عظمى يعدم علي إثرها هذا الوزير.

كما أوصي بعقاب مماثل لرئيس الوزراء أحمد نظيف ووزير الأوقاف حمدي زقزوق بعد موافقتهما علي هدم مسجد لعمل خط مترو.

وأري أن لبن كان غاضبا ونظرته العامة حول مصر غير واقعية. كما قدم أعضاء جماعة الإخوان جميعهم اقتراحات بتحريم الخمور والروايات الغربية والمناهج الجنسية والمهرجانات الإباحية وأداء الموسيقي الفردية.

وبسبب هذه الاعتبارات أثيرت الشكوك حول البرامج الرسمية للجماعة. وبرغم تقدم الإصلاح الدستوري في المنطقة، فإن البرنامج الانتخابي للإخوان المسلمين لانتخابات الشورى، يونيو 2007، قد أوضح البعد بين ما يسمونه الشريعة والديمقراطية البرلمانية.

وكما حدث قبل ذلك في مبادرة الإصلاح لعام 2004، والمؤلفة من بيان رسمي 37 صفحة فقد أكدت علي الشعب المصري هو المصدر للسلطة، ولكنها أكدت علي أن نظام الدولة يجب أن يطابق الشريعة الإسلامية. وحتى الآن، هناك مطالب بزيادة الوضوح حول كيفية ممارسة هذه المبادئ.

وهناك قضية أكثر أهمية حول ما إذا كان الإخوان سينشئون حزبا سياسيا مستقلا عن الحركة الدينية ويتواءم مع الشعب المصري بدلا من تجاهله للجميع.

وإلي أن يتم الإجابة بصراحة، فإن عجز الإخوان أو إحجامهم عن الموافقة بين الشريعة الإسلامية والقواعد الديمقراطية سوف يظل مثار جدل حيث أن التزامها بالتعددية ما هو إلا ذريعة سياسية سريعة الزوال.

المعضلة القبطية

هناك جدل ثائر حول رؤية الإخوان المسلمين لدولة مدنية في إطار إسلامي تحط من شأن المسيحيين الأقباط في مصر.

هذا, وتعد مصر أكبر الدول العربية عددا من المسيحيين، فهم يشكلون من 8% إلي 15% من حوالي 80 مليون مصري.

ودائما ما كانت قضية الأقلية القبطية في مصر قضية حساسة. وقد عكس آخر عنف طائفي في قرية "بمها" في مايو 2007 تزايد الانشقاق الديني بين المسيحيين والمسلمين في مصر، كما أنها ليست ظاهرة جديدة.

وكما ذكر نبيل عبد الفتاح المدير المساعد لمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية في القاهرة، أن هذا التوتر داخل المجتمع المسيحي تمتد جذوره لأكثر من نصف قرن.

وإضافة إلي ذلك, فإن النظام السياسي لا يعطي مساحة للأقباط، فقد تقلص التمثيل السياسي للأقباط في نهاية الأربعينيات، وتلاشي هذا التمثيل باندلاع ثورة 1952.

أما اليوم فقد تقلصت مشكلة الأقباط والأقليات الأخرى. وبينما كما الدفاع عن المواطنة والتسامح الديني حقا دستوريا واضحا فإن العنصرية ضد المسيحيين ما زالت شيئا اعتياديا.

وعلي سبيل المثال، فإن القرار الرئاسي رقم 291 يتفق مع الخط الهمايونى للدولة العثمانية والذي يقر إنشاء وترميم الكنائس تحت إشراف الحكومة،كما لا يوجد أي محافظين أو عمداء أو رؤساء جامعات حكومية مسيحيون طوال فترة حكم الرئيس مبارك.

كما لا يمكن للمسيحيين الالتحاق بجامعة الأزهر؛ والتي تعد المركز الرئيسي للمذهب السني في العالم العربي.

كما تطرقت العنصرية إلي السياسات أيضا، فمن بين 109 مرشح من الحزب الوطني لانتخابات مجلس الشورى في يونيو الماضي الذين انتقاهم مبارك لا يوجد مسيحي واحد.وقد حرم المسيحيين عامة من تولي أي مناصب عسكرية رفيعة المستوي أو مناصب تنفيذية.

كما أن التلميحات الخداعة للإخوان المسلمين عن التسامح الديني قد نشرت الرعب بين المسيحيين؛ فمنذ نجاح الإخوان في انتخابات 2005 البرلمانية، كانت قضية الجماعة التي يمكنها حماية حقوق الأقليات والمواطنة قد أصبحت أكثر بروزا.

فضلا عن أن أحد مصادر الاحتكاك بين المسيحيين والإخوان المسلمين ترجع إلي التمييز بينهما في القطاع العام.

لذلك فإن الإخوان المسلمين وصفوا الأقباط في مبادرة الإصلاح عام 2004 وبرنامج مجلس الشورى 2007 بأنهم شركاء في الوطن وجزء من المجتمع المصري، ومثل هذه التصريحات تعد إذلالاً لهم.

كما أن الإخوان يجيدون فن الكلام، فما يقدمونه من برامج يتضمن خلاف ما يطبقونه. وفي برنامج الشورى يصرحون أن الأقباط مساوين للمسلمين في كافة الحقوق والواجبات وتولي المناصب العامة بحسب القدرة والكفاءة.

ومن الواضح أن هذه العبارة تبدو ودودة، ولكن الإخوان ضليعون في تغيير ما قالوه. كما أن جميع عروض الوثيقة واضحة ما عدا التصريح القائل بأن لجميع المواطنين الحق في التمثيل البرلماني.

وغاب عن الوثيقة الرد علي التساؤل القائل بإمكانية تولي المسيحي للرئاسة أو مناصب رفيعة المستوي في قوات الأمن أو الوزارة.

وبالطبع فهذه التساؤلات لا أساس لها. ففي أبريل 1997 قام المرشد العام للإخوان " مصطفى مشهور" بشن أزمة عاصفة عندما قال أن الأقباط هم أهل ذمة وأنهم مطالبون بدفع الجزية المفروضة علي غير المسلمين الذين يعيشون في ظل الحكم الإسلامي.

وأخبر مشهور ــ واحد من أكثر الشخصيات الجدلية في الإخوان ــ الأهرام الأسبوعية بأن الجزية علي الأقباط هي جزء من الشريعة وعلينا إقصاؤهم من الجيش، فلو أن في جيشنا غير المسلمين وهاجم المسيحيون بلادنا فسيقوم المسيحيون في قواتنا المسلحة بالتحالف مع عدونا المسيحي ويصبحون عملاء له.

وقد استبعد المسئولون في الإخوان المسلمين قضية الجزية منذ ذلك الحين واستثنيت قضايا غير المسلمين وأصبحت قضية المواطنة مثيرة للجدل.

وفي مقابلة مع النائب الحالي للمرشد " حبيب " في 17 مايو 2005، نادي بإقامة ولاية كبري مثل الرئاسة يقيمها الإخوان المسلمون علي الأساس الديني.

وقال حبيب أنه إذا حازت جماعته السلطة فسوف يتم تغيير الدستور الحالي بآخر إسلامي لا يتيح لغير المسلمين بتولي المناصب البارزة في الدولة أو في الجيش؛ لأن هذه الحقوق سوف تكون مقصورة علي المسلمين.

وفي 2 فبراير 2006، في مقال في موقع الإخوان الرسمي باللغة العربية، قام حبيب بتصحيح موقفه الأخير عندما كتب أن الإخوان المسلمين يقرون حق المواطنة الكاملة للمسيحيين والتي تتيح لهم تولي المناصب العامة كاملة ما عدا منصب رئيس الدولة.

إلا أنه في ترجمات أخرى لتعليقات حبيب في موقع الإخوان الرسمي باللغة الإنجليزية، قال إن الأقباط يجب أن يتمتعوا بحقهم في تولي المناصب العامة ومنها رئاسة الدولة.

وفي موقف آخر يدل علي تناقض الإخوان ما قدموه مؤخرا في برنامج الحزب من حرمان المرأة والمسيحيين من تولي الرئاسة؛ لأنها من الواجبات الإسلامية التي لا يمكن لكلاهما أداءها.

وفي 10 أكتوبر 2007،ردد عضو من أعضاء الإخوان في البرلمان "مصطفى عوض الله" رؤية الوثيقة عندما صرح قائلا: " لن نقبل مرشحا قبطيا للرئاسة؛ لأننا لا نريد أن نجبر أي أحد علي اعتناق الدين."

كما أن الارتياب من الإخوان يرجع إلي إداناتها المريبة للعنف الطائفي أيضا. فعندما اندلعت أحداث العنف الطائفية بين المسلمين والمسيحيين في الأسكندرية، في أبريل 2006، صرح عصام العريان رئيس المكتب السياسي للجماعة أن مثل هذه الأعمال لا مبرر لها، مؤكدا علي أن مظالم المجتمع القبطي هي جزء لا يتجزأ من مظالم الشعب في هذا البلد.

ومع ذلك، ففي 17 أبريل 2006، أظهر تقرير في جريدة القدس العربية اليومية في لندن أنه بينما أدان الإخوان المسلمون الهجمة في حد ذاتها فإنها قد أيدت وزارة الخارجية بقولها:

أن العنف ليس نتاجا لتحريض أو عدم تسامح ديني بل أنه راجع إلي عدة أفكار في عقول بعض الأفراد.

وبعد آخر حادثة عنف في بمها، حيث اعترض المسلمون علي بناء كنيسة وأطلقوا النيران علي المحلات والبيوت المسيحية؛ أصدرت الجماعة إدانة باللغة الإنجليزية واصفة إياه بأنه إساءة فهم للإسلام، ولم يصدر مثله باللغة العربية.

نبذ العنف

كما امتد التحفظ من الإخوان المسلمين لموقف الجماعة من العنف. وقد نبذت الجماعة الإرهاب في مصر حتى ذلك الوقت وهو ما يثير الشكوك حول جهودها لتحقيق الشرعية كفاعل سياسي سلمي.

وليست القضية هي نبذ الإخوان للعنف في الماضي. فتقرير الاستخبارات الذي قدمته الولايات المتحدة في العام 1946 قد رسم صورة للمجتمع المسلح والذي يشجع حركات الشباب ويعمل علي تكوين وحدات للفدائيين ومخابئ سرية للسلاح، كما قدرت أن الجماعة تملك ما بين 60.000 إلي 70.000 بندقية.

وقد أحضروها في الأربعينيات في ظل الاحتلال البريطاني، كما قام النظام الخاص بالعديد من العمليات التفجيرية التي تهدف إلي الاغتيال.

وقد بلغ العنف ذروته في عام 1948، بمقتل رئيس الوزراء المصري محمود النقراشي بعد إصداره قرارا بحل الجماعة.

وقد تبع ذلك محاولة فاشلة لاغتيال رئيس الوزراء التالي جمال عبد الناصر في أكتوبر 1954، وما زالت هذه الحادثة مثارة للجدل حول تخطيط عبد الناصر نفسه لها.

ومع الوقت عاد ظهور الإخوان من جديد في السبعينيات، ولكنهم لم يكونوا في حال يسمح لهم بالنشاط الإرهابي ضد الدولة.

وقد بحث الإخوان عن أسلوب جديد للتعامل مع نظام السادات. وكما قال جمال سلطان، وهو عضو سابق في الجماعة الإسلامية:

"عندما خرج الإخوان المسلمين من سجون عبد الناصر كانوا متخبطين وأرادوا أن يقيموا علاقة سلمية مع الحكومة؛ أما الجهاد والجماعات الإسلامية فكانت جماعات صغيرة بأفكار مختلفة تجذب الشباب."

وبمجرد الإفراج عن الإخوان ارتد الكثير منهم عن فكرة العنف ونأوا بأنفسهم عن معتقدات سيد قطب.

وما زال الإخوان المسلمون يرفضون اعتقاد سيد قطب إلي يومنا هذا؛ وهي المعتقدات التي تؤمن بها القاعدة والجماعات التي علي شاكلتها.

وبالرغم من أن الجناح المتطرف من جماعة الإخوان انشق ليعتنق الجهاد وحمل السلاح، فإن عمر التلمساني المرشد العام للجماعة انتهج منهجا جديدا، تدريجيا لإقامة الحكم الإسلامي باختراق المجتمع، ليس فقط من خلال المساجد وإنما من خلال النظام السياسي أيضا.

وبالرغم من حرمان الإخوان المسلمين من العمل كحزب سياسي إلا أن مبارك قد سمح لهم بالترشح كمستقلين في الانتخابات البرلمانية في الثمانينيات.

وفي الانتخابات التشريعية عام 1984، قامت الجماعة بالتحالف مع عدوها التقليدي المتمثل في حزب الوفد الليبرالي. وقد فاز الإخوان المسلمون بثلاثة عشر مقعدا في البرلمان.

وفي 10 ديسمبر 2006، قام عدد من طلبة الإخوان بلبس أقنعة سوداء وقاموا بعرض عسكري في حرم جامعة الأزهر.

في سياق متصل, أثار مشهد الطلاب الذي يلبسون فيه ملابس حماس حفيظة المسئولين وذكرهم بشظية تاريخ العنف للجماعة.

كما اتهم وزير الدولة للشئون البرلمانية "مفيد شهاب" الجماعة بأنها تعيد نشاط الخلايا السرية المسلحة من خلال جامعة الأزهر، للقيام بأعمال عنف تخريبية.

وبالرغم من أن العرض كان للاحتجاج علي القيود التي فرضت علي طلاب الإخوان المسلمين المشاركين في انتخابات اتحاد الطلبة، فإنها قد أعطت الحكومة الفرصة لقمع هذا التهديد وعمل اتهام مضاد.

وقد اعتذر قيادات الإخوان المسلمين واستنكروا الحدث ولكنهم أضاعوا فرصة ذهبية لجعل عملياتهم الداخلية أكثر شفافية.

وقال محمد الكتاتني رئيس الكتلة البرلمانية أنه كان مجرد استعراض رياضي، إلا انه فشل في رد الاتهامات.

ففي حين أن الجماعة قد أثارت شكوك حول نبذ العنف داخل مصر, إلا أنها حاولت تنفيذه خارج حدود الدولة المصرية, الأمر الذي جعل صانعو القرار داخل الإدارة يتوقفوا عن فكرة التعاطي معها. هذا, والمتعاطفون مع الإخوان المسلمين هنا قد أصبح شاقاً عليهم الدفاع عنهم.

ففي 3 أغسطس 2006، وفي الوقت الذي قامت جميع الحكومات العربية فيه بدور الحياد تجاه الحرب المشتعلة بين إسرائيل ولبنان، أعرب عاكف عن استعداده لإرسال 10.000 مجاهد لقتال الصهاينة مع حزب الله.

كما بارك عاكف اختطاف حزب الله للصهاينة وقتل جنودهم في 12 يوليو 2006 ووصفه بأنه عمل بطولي، وعكس عاكف وعدد من مسئولي الإخوان عدائهم الخفي تجاه إسرائيل والولايات المتحدة والتي تشبه الدولة اليهودية، فهي تبدوا كقوة استعمارية توسعية.

وقد أقر الإخوان المسلمون خيار المقاومة للفلسطينيين واللبنانيين وبرروا الإرهاب ضد اليهود وقاموا بتشريع العمليات الانتحارية ضد قوات الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان واعتبروها واجبا دينيا.

كامب ديفيد والعلاقة الأمريكية المصرية

معاهدة كامب ديفيد

ولكن هل يعني وصول الإخوان للسلطة أو تشكيلهم أغلبية في البرلمان أمر سيكون له تداعيات علي اتفاقات كامب ديفيد, والعلاقات المصرية الأمريكية القائمة.

ففي حين تجاهلت كل البرامج السياسية للإخوان مسألة الإلتزام بالمعاهدة, إلا أن عاكف كان صريحاً في تصريحاته.

ففي مقابلة معه في 10 نوفمبر 2007، صرح أن الإخوان المسلمين لم يعترفوا اتفاقية كامب ديفيد من أول يوم وقعت فيه، وقال أن رفض الاتفاقيات مع إسرائيل لا يجب أن يكون من قبل الجماعة فقط بل من قبل العرب والمسلمين، وأن علي الجميع مقاومتهم بالجهاد المسلح.

وقد أخبر عصام العريان،" رئيس المكتب السياسي والمتحدث غير الرسمي وهو المعروف بصوت الاعتدال،" في جريدة الحياة اليومية في أكتوبر 2007 أن الإخوان المسلمين يجب أن يعترفوا بإسرائيل في حال أتوا إلي السلطة، ولكن غالبية المسئولين في الجماعة ذكروا أن العريان قد سحب تصريحاته وأعلن موقع الإخوان المسلمين الرسمي بأن الحركة تري وجود إسرائيل باطلا، ولا يمكن الاعتراف بها.

وقد أوضح التصريح الأولي للعريان مدي هشاشة الإخوان، إلا أن المرشد العام قد نحي القضية جانبا بقوله أنه لا يوجد في قاموسهم شيء اسمه إسرائيل، وأن حرية التعبير متاحة لأي عضو داخل الجماعة إلا أن القرار الأخير لمكتب الإرشاد.

وبالرغم من الحديث الخشن، فإن قيادات الإخوان المسلمين قد أوضحوا كيف يمكنهم التواصل مع السقوط في مثل هذا القرار.

وللتأكد فإن من التهور إلغاء اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل، كما أن لها عواقب بعيدة المدى ليس فقط علي الإخوان المسلمين بل وعلي مصر أيضا. كما أن معارضة الاتفاقية يمكنها أن تقوم بعزل مصر عن الغرب، والاهم من ذلك، منع المساعدات التي تبلغ 1.8 مليار دولار أمريكي منها 1.3 مليار دولار مساعدات عسكرية.

أما بالنسبة للعسكرية المصرية فإنها تعتمد تماما علي واشنطن في معظم تدريباتها وتسليحها وبدونها يمكن أن يحدث خلل في الأمن والاستقرار الداخلي. لكن موقف الإخوان حيال تعويض المساعدات الأمريكية لمصر والقدرة علي إزالة إسرائيل يبقى غير محسوم.

كما أنه في الحسبان اعتبار المساواة الاقتصادية، ففي خطاباتهم يضع قادة الإخوان المسلمين خططا لتنمية المناطق المهملة مثل صعيد مصر وشبه جزيرة سيناء.

ولكن علي سبيل المثال, هل سيخضع الإخوان للبراجماتية فيقبلوا باتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة (الكويز) أو يقدموا علي إلغائها.

ومعلوم أن إتفاقية الكويز هي اتفاق ثلاثي تم التوقيع عليه بين إسرائيل والولايات المتحدة ومصر تصنع فيه البضائع المصرية في مناطق صناعية محددة يسمح لها بعد ذلك من دخول الولايات المتحدة بدون رسوم جمركية بسسب بند في الإتفاقية يشترط إحتواء البضائع المصرية علي النسبة الأدنى من المواد الصناعية الإسرائيلية.

ومنذ يناير حتى نوفمبر 2006 فقط ، قامت مصر بتصدير بضائع بحوالي 3.5 مليار جنيه (630 مليون دولار) تحت مظلة الكويز والتي مثلت 22% من الصادرات المصرية للولايات المتحدة في هذه الفترة.

في الحقيقة، لو أن حكومة الإخوان عزمت علي التخلص من اتفاقية الكويز التي اتسعت بين مصر وإسرائيل لتشمل 8 مناطق جديدة في صعيد مصر في أكتوبر 2007، فإن مثل هذا القرار يمكن وبلا شك أن يكون له تأثير سلبي علي قدرة مصر في جذب الاستثمار الأجنبي ويقضي علي مشاركتها في منطقة التجارة الحرة الأورو-متوسطية التابعة للاتحاد الأوروبي.

التواصل أم الهجر؟

أحداث الحادي عشر من سبتمبر

ومنذ هجمات 11 سبتمبر 2001، كافح صناع القرار الأمريكي لمواكبة التحديات العديدة في إطار الجهود المبذولة لنشر الديمقراطية في العالم العربي، ولكن كيف يمكن تحقيقها بدون الحركات الإسلامية. إن المشكلة واضحة:

هل علي الولايات المتحدة أن تصل إلي المنظمات التي تملك قوة بطرق قانونية يمكن أن تكون معادية للولايات المتحدة؟ أو أنه يجب عليها عزل مثل هذه الحركات وتقوم بنفسها في سبيل تقديم سياسة خارجية مليئة بالمعايير المزدوجة؟

وبعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر, قدم الإخوان المسلمون في مصر هذه الأحجية الدقيقة لموظفي الإدارة الأمريكية.

وقد أصبحت المسألة غاية في الخطورة, خاصة في الأوساط الأكاديمية منذ عام 2005، حيث حققت الجماعة فوزا تاريخيا في الانتخابات البرلمانية وأصبحت بذلك أكبر قوة معارضة لحكومة مبارك.

وهؤلاء الذين يؤيدون تواصل الولايات المتحدة مع الإخوان المسلمين قد أشاروا إلي كل من نجاح الإخوان في صناديق الاقتراع وضعف الأحزاب الليبرالية العلمانية.

كما أن أمريكا تزعم أنها تبحث عن العلمانية والمشاركة الديمقراطية وتتجاهل أكبر قوة معارضة في مصر والعالم العربي، ويمكن بمحاولة كسب الإخوان المسلمين أن تذهب الفكرة ويمكن لواشنطن إستعادة مصداقيتها في الشرق الأوسط، فضلا عن استغلالها الديمقراطية لتقليل سيطرة الجماعات الإسلامية الأقل اعتدالا في المنطقة.

كما أن الخطاب الغامض للإخوان المسلمين في مصر تثير شكوكا خطيرة حول إمكانية عملها في إطار الإصلاح الليبرالي المعتدل.

وقد دافع البعض عن التناقضات في الجماعة بادعائه أن الأوضاع السياسية للجماعة ما هي إلا نتاج للمجتمع الذي يعيشون فيه مع الأخذ في الإعتبار كونها جماعة محظورة وخوف قادتها من إظهار جميع أوراقهم حذرا من انتقام الحكومة.

وقد ساعد بطش نظام الرئيس مبارك علي إيضاح سبب سرية الجماعة وخاصة بين رجال الحرس القديم, وهو ما يمكن أن يعطى مدلولات بسيطة عن استمرار قادتها في التعبير بملء الفم عن قضايا الديموقراطية, لو كانوا ملتزمين حقيقة بالتعددية السياسية التي طالما ادعوها.

وبالتأكيد فإن تبني الأوضاع الصارمة التي تتفق مع مبادئ الديمقراطية لن تجعل الجماعة عرضة للمزيد من الاستبداد والمداهمات التي يقوم بها النظام في الوقت الحالي لاحتكار السلطة.

وأقول أن هناك ضعف في الأدلة التي تبين أن البرامج الرسمية للإخوان وخطاباتهم تعكس ما يريدونه حقيقة.

ففي حين أن حكم مبارك جاوز ربع قرن من السلطوية, إلا أن الأغلبية العظمى من المصريين يرغبون في خيار ديموقراطي للخروج من الوضع الراهن. ولكن, هذا الخيار لابد ألا يأتى عبر الإخوان المسلمين.

فدائماً ما تخلط الجماعة بين الدين والدولة بشكل قابل للإنفجار, علي اعتبار تفسيرات الجماعة المتزمتة للإسلام؛ وهو ما يعتبر نذير شر للتطور الديموقراطي في مصر والمنطقة.

وحتى يثبت الإخوان المسلمين في مصر العكس قولاً وفعلاً, فإن أي محاولة من قبل الولايات المتحدة للتعاطي مع الإخوان تبدو سابقة لأوانها.