ماذا يعني انتمائي للإسلام

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
ماذا يعني انتمائي للإسلام


بقلم : الأستاذ فتحي يكن

مقدمة الكاتب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وبعد :

فإن هذا الكتاب يقع في جزئين اثنين .. الجزء الأول منه يعرض للمواصفات التي يجب أن تتوفر في المسلم، كل مسلم، ليكون بالتالي مسلمًا..

فهو يبين الشروط التي يجب توفرها في كل من انتمى لهذا الدين..

إن كثيرًا من الناس مسلمون بالهوية .. أو مسلمون لأنهم ولدوا من أبوين مسلمين .. وهؤلاء وأولئك لا يدركون ـ في الحقيقة ـ معنى انتمائهم للإسلام، ولا يعرفون مستلزمات هذا النتماء .. ولذلك تراهم في وادٍ والإسلام في وادٍ ! .

وغاية الجزء الأول من هذا الكتاب هي الإجابة على هذه التساؤلات جميعًا .. وتبيان ما يطلبه الإسلام من المسلم ليكون انتماؤه للإسلام انتاء صحيحًا وحقيقيًّا، وبالتالي ليكون مسلمًا حقًّا { هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم، هو سماكم المسلمين منقبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدًا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير }.

اما الجزء الثاني من الكتاب فيبين وجوب العمل للإسلام والانتماء للحركة الإسلامية، كما يعرض لمواصفات الحركة الإسلامية وأهدافها ووسائلها وفلسفتها وطريق عملها والصفات الواجب توفرها في المنتمين إليها .

وإن مما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام هو أن كل الأحداث التي تجري في العالم الإسلامي بوجه عام وفي المنطقة العربية بوجه خاص تؤكد حقيقة كبرى، وهي أن الأمة تعيش فراغًا قاتلاً في شتى نواحي حياتها .

لقد مرت الأمة خلال الفترة المنصرمة في ظروف قاسية ، سقطت فيها كثير من النظم والمبادئ، وتعرت فيها كثير من الحركات والزعامات، عندما وضعت هذه جميعًا في خط المواجهة مع تحديات العصر المختلفة .. سقطت لأنها لا تملك في الأصل عوامل البقاء والاستمرار .

سقطت لأنها كانت شعارات فارغة زائفة لا قيمة لها ولا محتوى ..

سقطت لأنها لم تكن أصيلة .. لم تكن لتعبر عن شخصية هذه الأمة .. كانت دخيلة، مصطنعة، مستوردة، تمامًا كما نستورد الأحذية والكلسات.

ولذا لم تدم طويلاً .. سرعان ما انكشفت .. سرعان ما ظهرت سوءاتها ..

من أجل ذلك لفظتها الجماهير، لأنها كانت غريبة عنها، غير متجانسة مع مبادئها ومعتقداتها .

شأنها شأن الكلوة أو القلب يزرعان في جسم الإنسان، فإن قبلها فلفترة قصيرة ـ كلها عذاب وآلام ـ ثم لا يلبث هذا الجسم أن يضوي ويموت.

هذا ما حدث بالفعل للأمة الإسلامية يوم أفاقت على نفسها الهزيلة المريضة، فلم تفكر فيما تصنع، وإنما سارعت إلى استيراد ما تظنه صالحًا من المبادئ والنظم الوضعية، وهو يحمل في طياته عوامل التخريب والتدمير، عوامل الفوضى والفساد، عوامل الضياع والشرود !! .

تمت العملية الأولى بزراعة الحضارة الغربية والفكر الرأسمالي في كيان هذه الأمة، وكانت النتيجة بؤرة سرطانية برزت في كل ناحية من نواحي حياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية .. بؤر سرطانية عملت على تشويه شخصيتها، على بلبلة أفكارها، على إفساد أخلاقها .. وأخيرًا على تحضيرها لتلقي الهزيمة الأولى، هزيمة عام 1948 م .

وعلى ضراوة التجربة وقسوة الفاجعة، فإن الأمة بقيت أسيرة ضياعها وشرودها، مشدودة إلى عواطفها، مأخوذة بالشعارات الزائفة والمظاهر الخادعة .. وهذا ما جعلها وللمرة الثانية والثالثة والرابعة تتجرع كئوس الهزيمة الواحدة تلو الأخرى .. لم تغن عنها أنظمتها ـ التقدمية ـ الثورية ـ الاشتراكية ـ شيئًا، بل لم تدفع عنها صداقاتها الحميمة ضرًّا .

فإذا كانت هزيمة عام 1948 م حصاد الذيلية الغربية الإمبريالية، فإن هزيمة 1976 م هي قطوف التبعية اليسارية البروليتارية!!.

وخرجت الأمة من هذه الأحداث والتجارب مثقلة بالهموم، مثخنة بالجراح .. خابت آمالها فيمن عقدت عليهم الآمال .. وتزعزعت ثقتها فيمن حولها من زعماء وقادة واتجاهات وأحزاب .

فهل صحت الأمة بعدئذ ياترى ؟

هل أفاقت من هول الصدمة وضراوة التجربة ؟

هل أدركت أن القوى الدولية ـ كل القوى الدولية ـ متواطئة عليها ؟؟ .

هل أدركت الأمة أن الشرق والغرب، اليمين واليسار، عدو لها، حاقد عليها، متربص بها ؟؟ .

إنه لضلال ما بعده ضلال أن لا تكون الأمة إلا لهذا الطرف أو ذاك، فإذا لم تكن يمينية وجب أن تكون يسارية، وإذا لم تكن شيوعية وجب أن تكون رأسمالية !! .

إن على الأمة الإسلامية أن تدرك أن لها شخصية مستقلة متميزة .. شخصية ليست باليمينية ولا باليسارية .. شخصية أصيلة، تستمد مواصفاتها وملامحها من الإسلام دين الفطرة ورسالة الفطرة .. وإنها بحكم هذا التميز والأصالة يمكن أن تتولى مكان الريادة الفكرية والسياسية في العالم .

إن عليها أن تدرك أن هذا الفراغ الكبير الذي تعيشه لا تملؤه مشاريع البيت الأبيض الأمريكي ولا مشروعات الكرملين السوفييتي، لا تملؤه أفكار ماركس ولينين، ولامبادئ غيفارا وهوشي منه .

إن هذا الفراغ لا يملؤه غير الإسلام .. عقيدة ونظامًا .. أخلاقًا وتشريعًا .. كل ذلك من شأنه أن يجعل الحركة الإسلامية أمام مسئولية تاريخية مصيرية .. مسئولية بحاجة إلى فعل إيمان وإرادة وتصميم، فهل يعي دعاة الإسلام مسئوليتهم ؟ .

أبو بلال

القسم الأول - ماذا يعني انتمائي للإسلام

أولاً - أن أكون مسلمًا في عقيدتي

مدخل إلى القسم الأول

إن القسم الأول من هذا الكتاب وهو بعنوان ( ماذا يعني انتمائي للإسلام ) يعرض لأهم المواصفات التي يجب أن تتوفر في الإنسان ليكون مسلمًا حقًّا ..

فالانتماء للإسلام ليس انتماء بالوراثة .. ولا انتماء بالهوية .. كما أنه ليس انتماء بالمظهر الخارجي ..

إنما هو انتماء للإسلام، والتزام بالإسلام، وتكيف بالإسلام، في كل حوانب الحياة.

وفيما يلي سنبين باختصار أبرز الصفات التي يفترض توفرها في المسلم ليكون انتماؤه لهذا الدين صادقًا .. { هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدًا عليكم وتكونوا شهداء على الناس }.

أولاً - أن أكون مسلمًا في عقيدتي

إن أول شرط من شروط الانتماء إلى الإسلام والانتساب لهذا الدين أن تكون عقيدة المسلم سليمة صحيحة، متوافقة مع ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، يؤمن بما آمن به المسلمون الأوائل سلفنا الصالح وأئمة الدين المشهود لهم بالخير والبر والتقوى والفهم السليم لدين الله عز وجل .

وحتى أكون مسلمًا في عقيدتي فإن ذلك يوجب علي ما يلي :

1ـ أن أكون مؤمنًا بأن خالق الكون إله حكيم قدير عليم قيوم،بدليل أن هذا الكون من الإحسان والإتقان والتناسق وافتقار بعض أجزائه إلى بعض بحيث يستحيل عليه البقاء والاستمرار دون إمساك هذا الإله العلي القدير { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون } ( الأنبياء : 22 ) .

2ـ أن أكون مؤمنًا بأن الخالق ـ جل شأنه ـ لم يخلق هذا الكون عبثًا ولا سدى ؛لأنه لا يتأتى لمن اتصف بالكمال أن يكون عابثًا فيما خلق، ويستحيل فهم مراد الله بهذا الخلق بالتفصيل إلا عن طريق رسول منه ووحي ..{ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا ترجعون، فتعالى الله الملك الحق لا اله إلا هو رب العرش الكريم }( المؤمنون : 116).

3ـ أن أكون مؤمنًا بأن الله سبحانه قد أرسل الرسل وأنزل الكتب لتعريف الناس به وبغاية خلقهم ومنشئهم ومعادهم، وكان آخر أولئك الرسل الكرام محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي أيده الله بالقرآن الكريم المعجزة الخالدة .{ ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة } ( النحل : 36 ) .

4ـ أن أكون مؤمنًا بأن الغاية من الوجود الإنساني هي معرفة الله ـ عز وجل ـ كما وصف نفسه وطاعته وعبادته {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون . ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } ( الذاريات : 56 ـ 58).

5 ـ أن أكون مؤمنًا بأن جزاءالمؤمن المطيع هو الجنة، وأن جزاء الكافر العاصي هو النار { فريق في الجنة وفريق في السعير } ( الشورى 7 ) .

6 ـ أن أكون مؤمنًا بأن الإنسان يكسب الخير والشر باختياره ومشيئته، ولكنه لا يوقع الخير إلا بتوفيق من الله وعون، ولا يوقع الشر جبرًا عن الله، ولكنه في إطار إذنه ومشيئته { ونفس وما سواها . فألهمها فجورها وتقواها . قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها } ( سورة الشمس ) . { كل نفس بما كسبت رهينة } ( المدثر 38 ) .

7 ـ أن أكون مؤمنًا بأن التشريع حق الله وحده لا يجوز تعديه، وأنه يمكن للعالم المسلم أن يجتهد في استنباط الأحكام في إطار ما شرعه الله { وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب }.

8 ـ أن أتعرف على الله من أسماء وصفات تليق بجلاله .. فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( لله تسعة وتسعون اسمًا ـ مائة إلا واحدًا ـ لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر ) رواه البخاري ومسلم .

9 ـ أن أتفكر في خلق الله وليس في ذاته، امتثالاً لقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في الله، فإنكم لن تقدروا قدره ) رواه أبو نعيم في الحلية .

10 ـ أما صفاته ـ تعالى ـ فقد أشارت إليها آيات كثيرة من القرآن الكريم، والتي يقتضيها كمال الألوهية، فهنالك آيات أشارت إلى وجود الله ـ تبارك وتعالى ـ وهنالك آيات أشارت إلى صفتي البقاء والقدم لله ـ تبارك وتعالى ـ وهنالك آيات أشارت إلى مخالفة الله ـ تبارك وتعالى ـ للحوادث من خلقه، وتنزهه عن الولد والوالد والشبيه والنظير .. وهنالك آيات أشارت إلى قيام الله ـ تبارك وتعالى ـ بنفسه واستغنائه عن خلقه مع حاجتهم إليه .. وهنالك آيات أشارت إلى وحدانية الله في ذاته وصفاته وأفعاله وتصرفاته .. وهنالك آيات أشارت إلى قدرة الله ـ تعالى ـ وباهر عظمته .. وهنالك آيات أشارت إلى سعة علم الله ـ تبارك وتعالى ـ وإحاطته بكل شيء .. وهنالك آيات أشارت إلى إرادة الله وأنها فوق كل إرادة ومشيئة .. وهنالك آيات أشارت إلى اتصاف الله بالحياة الكاملة .

وهنالك آيات وآيات أشارت إلى صفات وكمالات لله ـ تبارك وتعالى ـ لا تتناهى ولا تدرك كنهها عقول البشر، سبحانه لا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه .

11 ـ أعتقد أن رأي السلف أولى بالاتباع، حسمًا لمادة التأويل والتعطيل، ولتفويض علم هذه المعاني إلى الله ـ تبارك وتعالى ـ وأن تأويلات الخلف لا توجب الحكم عليهم بكفر ولا فسوق، ولا تستدعي هذا النزاع الطويل بينهم وبين غيرهم قديمًا وحديثًا .

12 ـ أن أعبد الله لا أشرك به شيئًا، استجابة لدعوة الله على مدار الرسالات والرسل التي دعاهم فيها إلى عبادته وحده وعدم الخضوع لسواه { ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } ( النحل : 36 ) .

13 ـ أن أخشاه ولا أخشى غيره .. وأن تكون خشيتي له دافعة للبعد عن مساحطه ومحارمه { ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون } ( النور :52).

{ إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير } ( الملك : 12 ) .

14 ـ وأن أذكره وأديم ذكره، وأن يكون صمتي فكرًا ونطقي ذكرًا، فذكر الله ـ تعالى ـ هو العلاج النفسي الأقوى، وهو السلاح الأمضى أمام عاديات الزمن وكروب الحياة ونائباتها، وهذا ما تفتقر إليه البشرية اليوم .. وصدق الله ـ تعالى ـ حيث يقول : { الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب }( الرعد : 28). { ومن يعش عن الذكر الرحمن نقيض له شيطانًا فهو له قرين، وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أتهم مهتدون } ( الزخرف : 36 ) .

ولقد اعترف الدكتور ( بريل ) بذلك حيث قال : ( إن المرء المتدين حقًّا لا يعاني قط مرضًا نفسيًّا )، كما قال العالم النفسي ( ديل كارنيجي ) : ( إن أطباء النفس يدركون أن الإيمان القوي والاستمساك بالدين كفيلان بأن يقهرا القلق والتوتر العصبي وأن يشفيا من الأمراض ) .

15 ـ وأن أحب الله حبًّا يجعل قلبي مشغوفًا بجلاله متعلقًا به مما يحفزني إلى الاستزادة من الخير دائمًا وإلى التضحية والجهاد في سبيله أبدًا، لا يمنعني عن ذلك حطام دنيا أو وشيجة قربى، امتثالاً لقوله ـ تعالى ـ : { قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين } ( التوبة : 24 )، وطمعًا في حلاوة الإيمان التي أشار إليها الرسول الأعظم ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله : ( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار ) رواه البخاري .

16 ـ أن أتوكل على الله في كل شأني وأن أعتمد عليه في كل أمري .. وهذا من شأنه أن يبعث في نفسي من القوة والروح المعنوية ما أستيسر به الصعاب { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } ( الطلاق : 3 ) .

ومن أروع ما أوصانا به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف ) رواه الترمذي .

17 ـ أن أشكر الله ـ تعالى ـ على نعمائه التي لا تحصى وفضله ورحمته التي لا تدرك، والشكر من صفات التأدب مع من أنعم وأحسن وتفضل { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون } ( النحل 78 ) . { وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبًّا فمنه يأكلون . وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون } ( يس : 34، 35 ) .

ولقد وعد الله ـ تعالى ـ الشاكرين بمزيد من الإنعام كما توعد أهل الجحود والنكران بمزيد من الخسران : { وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد } ( إبراهيم : 7 ) .

18 ـ أن أستغفر الله وأديم استغفاره .. فالاستغفار كفارة للخطيئة ومجدد للتوبة والإيمان وباعث على الراحة والاطمئنان .. { ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا } ( النساء 110) . { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون، أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم } ( آل عمران : 135 ) .

19 ـ أن أراقب الله ـ تعالى ـ في سري وجهري مستشعرًا قول الله ـ تعالى ـ : { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم } ( المجادلة : 7) .

ثانيًا - أن أكون مسلمًا في عبادتي

العبادة في الإسلام هي نهاية الخضوع وقمة الشعور بعظمة المعبود .. وهي كدارج الصلة بين المخلوق والخالق، كما أنها ذات آثار عميقة في التعامل مع خلق الله .

وتستوي في ذلك أركان الإسلام من صلاة وصوم وزكاة وحج، وسائر الأعمال التي يبتغي بها الإنسان وجه الله ويتحرى شرعه .. ومنطق الإسلام يقضي أن تكون الحياة كلها عبادة وكلها طاعة، وهذا هو معنى قوله ـ تعالى ـ { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون . ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون . إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } ( الذاريات : 56 ـ 58 ) وقوله : { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين } ( الأنعام : 163 ) .

وحتى أكون مسلمًا في عبادتي فإن ذلك يوجب علي ما يلي :

ـ أن تكون عبادتي حية متصلة بالمعبود .. وهذه درجة الإحسان في العبادة، فقد سئل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الإحسان فقال:( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) متفق عليه .

ـ أن تكون عبادة خاشعة أستشعر فيها حرارة الوصال ولذة الخشوع .. قالت عائشة ـ رضي الله عنها ـ : ( كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحدثنا ونحدثه، فإذا حضرت الصلاة كأنه لم يعرفنا ولم نعرفه ) أخرجه الأزدي . وإلى هذا يشير الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله : ( كم من قائم حظه من صلاته التعب والنصب ) أخرجه النسائي . وقوله : ( كم من صائم حظه من صومه الجوع والعطش ) أخرجه النسائي .

ـ أن أكون في عبادتي حاضر القلب، منخلعًا عما حولي من مشاغل الدنيا وهمومها، وإلى هذا يشير الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله: ( لا ينظر الله إلى صلاة لا يحضر الرجل فيها قلبه مع بدنه ) مسند الفردوسي وإسناده ضعيف . وقيل : ( الصلاة من الآخرة، فإذا دخلت فيها خرجت من الدنيا ) .

وروي عن الحسن أنه قال :( كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع ).

ـ أن أكون في العبادة طمعًا لا أقنع ونهمًا لا أشبع .. أتقرب إلى الله بالنوافل استجابة لقول الله ـ تعالى ـ في الحديث القدسي : ( من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ن ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته ) رواه مسلم .

ـ أن أحرص على قيام الليل، وأروض نفسي على ذلك حتى تعتاده، فإن قيام الليل من أقوى المولدات الإيمانية .. وصدق الله ـ تعالى ـ حيث يقول :{ إن ناشئة الليل هي أشد وطئًا وأقوم قيلاً } ( المزمل : 6 ) ولقد وصف الله عباده المؤمنين بقوله : { كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون } ( الذاريات : 17 )، { تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا ومما رزقناهم ينفقون } ( السجدة : 16 ) .

[ فيما يلي بعض النوافل التي يحسن المداومة عليها والإكثار منها : قيام الليل، صلاة الضحى، صلاة التراويح، صوم الاثنين والخميس، صوم يوم عرفة لغير الحاج، يوم عاشوراء، ستة أيام من شوال، الأيام البيض من كل شهر 13، 14، 15، والاعتكاف ] .

ـ أن تكون لي مع القرآن الكريم جلسات وتأملات وبخاصة عند الفجر، لقوله ـ تعالى ـ : { إن قرآن الفجر كان مشهودًا } ( الإسراء : 78)، أتلوه بتدبر وتفكر وخشوع وحزن لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( إن هذا القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه فتحازنوا ) أبو نعيم في الحلية.

كما أن علي أن أتذكر قول الله ـ تعالى ـ : { لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله } ( الحشر : 21 )، وقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( ما آمن بالقرآن من استحل محارمه ) أخرجه الترمذي . وقوله : ( أفضل عبادة أمتي تلاوة القرآن ) أخرجه أبو نعيم في فضائل القرآن .

وفي حديث عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : ( إن هذا القرآن مأدبة الله فاقبلوا مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله والنور المبين والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه، لا يزيغ فيستعتب، ولا يعوج فيقوَّم، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق من كثرة الرد، اتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته كل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول لكم ألم حرف، ولكن ألف ولام وميم ) رواه الحاكم .

وفي وصيته لأبي ذر : ( عليك بتلاوة القرآن فإنه نور لك في الأرض وذخر لك في السماء ) رواه ابن حبان .

ـ أن يكون الدعاء معراجي إلى الله في كل شأن من شئوني، فالدعاء مخ العبادة .. وأن أحرص على المأثور منه، وصدق الله حيث يقول : { ادعوني أستجب لكم } ومن هذه الأدعية المأثورة :

• عند النوم : باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين .

• عند الاستيقاظ : الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور .

• عند لبس الثوب وخلعه : اللهم إني أسألك من خيره وخير ما هو له، وأعوذ بك من شره وشر ما هو له .

• عند الخروج من المنزل ودخوله : بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله .

• عند المشي إلى المسجد : اللهم اجعل في قلبي نورًا وفي بصري نورًا وفي سمعي نورًا وعن يميني نورًا وعن يساري نورًا وفوقي نورًا وتحتي نورًا وأمامي نورًا وخلفي نورًا واجعل لي نورًا .

• عند دخول المسجد : اللهم افتح لي أبواب رحمتك، فإذا خرج فليقل : اللهم إني أسألك من فضلك .

• عند الطعام : اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وقنا عذاب النار، باسم الله .

• عند الانتهاء من الطعام : الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين .

• عند دخول الخلاء : اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث .

• عند الخروج من الخلاء : الحمد لله الذي أذاقني لذته وصرف عني أذاه .

• عند الجماع : اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا .

• عند الأرق : اللهم غارت النجوم وهدأت العيون وأنت حي قيوم، لا تأخذك سنة ولا نوم، يا حي يا قيوم، اهد ليلي وأنم عيني .

• عند ختام الصلاة : من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبر الله ثلاثًا وثلاثين، وقال تمام المائة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر .

• عند ختام المجلس : سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك .

• عند ركوب السيارة : الحمد لله الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا منقلبون .

• عند السفر : اللهم بك أصول وبك أجول وبك أسير، اللهم إني أسألك في سفري هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده . اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل . اللهم إني أعوذ بك من وعثاء لسفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل والولد .

• عند هطول المطر : اللهم صيّبًا نافعًا ( مرتين أو ثلاثًا ) .

• عند سماع الرعد : اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك .

• عند رؤية الهلال : الله أكبر، اللهم أهله علينا باليمن والإيمان، والسلامة والإسلام والتوفيق لما تحب وترضى، ربي وربك الله .

• عند المباركة بالزواج : بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير .

• عند رؤية طفل: أعيذك بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة .

• عند الهم والحزن : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين .

• عند زيارة المريض : اللهم أذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا .

• عند التعزية بميت : إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى فلتصبر ولتحتسب .

وفي صلاة الجنازة : اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارًا خيرًا من داره، وأهلاً خيرًا من أهله، وزوجًا خيرًا من زوجه، وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار ..

ثالثاً – أن أكون مسلماً في أخلاقي

  • • التورع عن الشبهات
  • • غض البصر
  • • صون اللسان
  • • الحياء
  • • الحلم والصبر
  • • الصدق
  • • التواضع
  • • إجتناب الظن والغيبة وتتبع عورات المسلمين
  • • الجود والكرم
  • أن أكون مسلماً في أخلاقي

الخُلق الكريم هو الهدف الأساسي لرسالة الإسلام كما يُعبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه ( إنما بُعثت لأُتمم مكارم الأخلاق )[1] وكما تؤكده الآية الكريمة } الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ{[2] والآية }لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ{[3].

والخُلق الكريم هو دليل الإيمان وثمرته.. ولا قيمة لإيمان من غير خُلق .. وإلى هذا المعنى يُشير الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله ( ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل ) [4] .

وسُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الدين؟ قال ( حسن الخلق) وسُئل ما الشؤم قال ( سوء الخلق)[5] .

والخُلق أثقل ما في ميزان العبد يوم القيامة.. فمن فسد خلقه وساء عمله لم يُسرع به نسبه .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما من شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من حُسن الخُلق )[6] .

والخُلق الكريم محصلة العبادات في الإسلام. وبدون ذلك تبقى طقوساً لا قيمة لها ولا فائدة.. فقد ورد في الصلاة قوله تعالى } إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر { [7] وقوله صلى الله عليه وسلم (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بُعداً )[8]. وورد في الصوم قوله صلى الله عليه وسلم ( إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب . فان سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم )[9] وورد في الحج قوله تعالى }الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ [10]{ وقوله صلى الله عليه وسلم ( من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه )[11] .

صفات المسلم :

ومن أهم الصفات الأخلاقية التي ينبغي أن يتمتع بها الإنسان ليكون مسلماً في أخلاقه ما يأتي :

• التورع عن الشبهات : أن يتورع الإنسان عن المحارم ويتحوط من الشبهات وذلك امتثالاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم " الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهنّ كثير من الناس. فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه . ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه. ألا وان لكل ملك حمى ، ألا وان حمى الله محارمه. ألا وان في الجسد مضغة اذا صلحت صلح الجسد كله ، واذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب )[12] أما أرفع مستويات الورع فما ذكره صلى عليه وسلم في حديثه ( لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس فيه حذراً مما به بأس )[13].

• غض البصر : أن يغض بصره عن محارم الله . فان النظر يورث الشهوة ويستدرج صاحبه للوقوع في الاثم والعصيان .. ولهذا حذر القرآن الكريم من فضول النظر فقال تعالى } قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ {[14] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( النظرة سهم من سهام ابليس ) وقال ( لتغضن أبصاركم ، ولتحفظن فروجكم، أو ليكسفنّ الله وجوهكم ) رواه الطبراني.

• صون اللسان : أن يصون لسانه عن فضول الكلام وفحشاء الحديث وبذاءة الألفاظ والتعابير وعن عموم اللغو والغيبة والنميمة .. يقول الإمام النووي ( اعلم أنه ينبغي لكل مكلف أن يحفظ لسانه عن جميع الكلام ، الا كلاماً ظهرت فيه المصلحة . ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة فالسنة الامساك عنه، لأنه قد يجر الكلام المباح إلى حرام أو مكروه. وذلك كثير في العادة. والسلامة لا يعدلها شيء) ولقد وردت أحاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تُبين ما يجلب اللسان على صاحبه من سوء وبلاء من ذلك قوله ( وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم)[15] وقوله ( ليس المؤمن بالطعان ولا اللّعان ولا الفاحش ولا البذيء )[16] .

وقوله : (من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به)[17].

• الحياء : أن يكون حيياً في كل أحواله دون أن يمنعه ذلك عن الجرأة في الحق .. ومن الحياء عدم التدخل في شؤون الآخرين. وغض البصر، وخفض الجناح، وعدم رفع الصوت، والقناعة وما شابه ذلك من خصال .. ولقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان أشد حياءً من العذراء في خدرها.. وكان يقول ( الإيمان بضع وستون شعبة . فأفضلها قول لا اله الا الله ، وأدناها اماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الايمان)[18] ولقد قال العلماء في الحياء (حقيقة الحياء خلق يبعث على ترك القبيح، ويمنع التقصير في حق ذي الحق).

• الحلم والصبر :

ان من أبرز الصفات التي يجب أن تتوفر في المسلم صفة الصبر والحلم فالعمل للإسلام يمتلئ بالمكاره، وطريق الدعوة محفوف بالمصاعب، فالإيذاء والبطش والاتهام والتعيير والسُخرية كلها من العقبات التي تزدحم في وجه العاملين كيما تُثبط هممهم وتشل حركتهم وتصرفهم عن الدعوة إلى الله..

من هنا يتبين أن مهمة الأخ الداعية من أصعب المهمات، فعليه أن يحمل الدعوة إلى الناس كل الناس، على مختلف أمزجتهم وعقولهم وطباعهم.. يحملها إلى الجاهل والعالم، إلى العاقل وإلى العاطفي، إلى المرن والمتحجر، إلى الهادئ والمنفعل .. ثم عليه بالتالي أن يخاطب الناس على قدر عقولهم، وأن يسعهم جميعاً . ويحاول الدخول إلى نفوسهم جميعاً.. وهذا وحده بحاجة إلى طاقة ضخمة من الصبر والتحمل والحلم.

ولهذا كانت التوجيهات القرآنية والنبوية تفيض بالحث على التحلي بالصبر والحلم والأناة .

(1) فمن التوجيهات القرآنية :

- (ولمن صبر وغفر ان ذلك لمن عزم الأمور)[19].

- (فاصفح الصفح الجميل)[20] (انما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)[21].

- (وليعفوا وليصفحوا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم)[22].

- (واذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً)[23]

(2) ومن التوجيهات النبوية :

- (ان العبد ليدرك بالحلم درجة الصائم القائم).

- (ألا أنبئكم بما يشرف الله به البنيان، ويرفع به الدرجات؟ قالوا : نعم يا رسول الله، قال: تحلم على من جهل عليك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك).

- (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اذا جمع الله الخلائق نادى مناد أين أهل الفضل؟ قال : فيقوم ناس وهم يسير، فينطلقون سراعاً إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة، فيقولون: وما فضلكم؟ فيقولولن : كنا اذا ظُلمنا صبرنا، واذا أُسيء الينا حلمنا. فيقال لهم : ادخلو الجنة فنعم أجر العاملين).

(3) ومن التطبيقات النبوية :

- يوم حنين قال رجل ( والله ان هذه لقسمة ما عُدل فيها وما أُريد بها وجه الله). فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر).

- وعن أنس قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما إلى المسجد وعليه برد نجراني غليظ الصنعة. فأتاه أعرابي من خلفه فأخذ بجانب ردائه حتى أثرت الصنعة في عنق الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال : يا محمد: أعطنا من مال الله الذي عندك. فالتفت رسول الله فتبسم وقال مروا له).

- أخرج أبو هريرة أن أعرابياً قال للرسول : يا محمد، احملني على بعيرين فانك لا تحملني من مالك ولا من مال أبيك. وجذب بردائه حين أدركه فاحمرت رقبته. فأمر رسول الله بحمل شعير وحمل تمر).

- وأخرج الطبراني : أن امرأة كانت ترافث الرجال (أي تكلمهم كلاماً بذيئاً) فمرت بالنبي وهو يأكل ثريداً على الأرض، فقالت انظروا اليه يجلس كما يجلس العبد ويأكل كما يأكل العبد).

- وهن أبي هريرة أن رجلاً قال : يا رسول الله، ان لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن اليهم ويسئون الي، وأحلم عنهم ويجهلون علي. فقال لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل(أي تجعلهم يسفون رماداً) ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك.

- (قولة الرسول صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب وقد هم بضرب عنق اليهودي الذي جاء يقاضي الرسول بمال له عنده ويقول (انكم بني عبد مناف قوم مطل) فقال: كان عليك أن تطالبه بحُسن الطلب وتطالبني بحُسن الأداء يا عمر)..

- وروي أن عيسى عليه السلام كان يتنقل بين القرى للدعوة إلى الله ومعه أصحابه (حواريوه) فكان يقول للناس خيراً فيقولون له شراً ويسبونه ويشتمونه. فتعجب الحواريون من أمره وسألوه عن سر ذلك فقال ( كل ينفق مما عنده).

كل هذه الشواهد وغيرها تؤكد ضرورة تحلي الدعاة بالحلم والصبر والصفح وبخاصة اذا كات الايذاء من ذوي القربى أو الأصحاب والأحباب، أو الخلان والإخوان، فان ذلك يورث المحبة والألفة ويزيل الشقاق والخلاف، وحسبه أن يحقق رضاء الله عز وجل ..

• الصدق : أن يكون صادقاً لا يكذب ، فيقول الحق ولو على نفسه دون أن يخشى في الله لومة لائم.. والكذب من أبشع الخصال وأرذلها وهو مدخل إلى كثير من المزالق الشيطانية، والتحوط من لمم الكذب يكسب النفس مناعة تقيها وسوسات الشيطان وإلقاءاته وتبقي على صفائها ونقائها وسموها. فالكذب يحطم النفس، ويذل شخصية الإنسان.. ولهذا حرم الاسلام الكذب واعتبره من الآفات اللعينة. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم ( ان الصدق يهدي إلى البر ، وان البر يهدي إلى الجنة، وان الرجل ليصدق حتى يُكتب عند الله صديقاً. وان الكذب يهدي إلى الفجور، وان الفجور يهدي إلى النار، وأن الرجل ليكذب حتى يُكتب عند الله كذاباً).[24]

• التواضع : أن يكون متواضعاً وبخاصة بين إخوانه المسلمين لا يفرق في ذلك بين غني وفقير.. والرسول صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله من نفخة الكبرياء. وكان يقول (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)[25] ويحدث عن ربه فيقول (العزّ ازاري والكبرياء ردائي فمن ينازعني في واحد منهما فقد عذبته)[26] .

• اجتناب الظن والغيبة وتتبع عورات المسلمين : وذلك امتثالاً لقول الله تعالى :} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ{ [27] } وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً[28]{ وامتثالاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان إلى قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم. فانه من تتبع عورة أخيه المسلم يفضحه الله ولو في عقر داره)[29].

• الجود والكرم : أن يكون جواداً كريماً باذلاً نفسه وماله في سبيل الله. ومن أبرز ما يكشف شح النفوس التعامل معها بالدينار والدرهم.. فكم من مقامات وهامات تداعت وسقطت لدى قدحها على زناد التعامل المادي.. وفي القرآن الكريم عشرات من الآيات تتلازم فيها صفات الايمان مع صفة الانفاق ( ومما رزقناهم ينفقون)[30] (وما تنفقوا من خير يوفّ اليكم وأنتم لا تُظلمون)[31] وليسمع الممسكون الاشحاء قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( ما من يوم يُصبح العباد فيه الا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: الله أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً)[32].

• وأخيراً، لا آخراً أن يكون قدوة حسنة بين الناس وترجماناً فعلياً لمبادئ الاسلام وآدابه في مأكله ومشربه وملبسه وكلامه وسلامه وسفره وحضره وفي كافة حركاته وسكناته.[33]

[1] أخرجه أحمد وغيره

[2] الحج 41

[3] البقرة 177

[4] للديلمي في مسنده

[5] أخرجه أحمد

[6] أخرجه أبو داود والترمذي

[7] العنكبوت 45

[8] رواه الطبري

[9] متفق عليه

[10] البقرة 197

[11] متفق عليه

[12] متفق عليه

[13] رواه الترمذي

[14] النور30

[15] أخرجه الترمذي

[16] أخرجه الترمذي

[17] رواه البيهقي

[18] متفق عليه

[19] الشورى 43

[20] الحجر 35

[21] الزمر 10

[22] النور 22

[23] الفرقان 63

[24] متفق عليه

[25] رواه مسلم

[26] رواه مسلم

[27] الحجرات 12

[28] الأحزاب 58

[29] رواه أبو داود

[30] عشرات الآيات القرآنية

[31] البقرة 272

[32] متفق عليه

[33] الكتب المرشحة للقراءة والتدبر في هذا الموضوع : رياض الصالحين – خُلق المسلم للغزالي – احياء علوم الدين( الجزء الخاص بالآداب الإسلامية) - حياة الصحابة.

رابعاً - أن أكون مسلماً في أهلي وبيتي

  • - مسؤولية الزواج
  • - مسؤولية ما بعد الزواج
  • - مسؤولية تربية الأولاد

أن أكون مسلماً في أهلي وبيتي

ان انتمائي للإسلام يجب أن يجعل مني صاحب رسالة في الحياة .. بل يجب أن يجعل حياتي – كل حياتي – موجهة وفق هذه الرسالة ..

فاذا كان انتمائي للإسلام يفرض علي أن أكون مسلماً في نفسي عقيدةً وإيماناً وأخلاقاً، فانه يفرض علي كذلك أن أعمل ليكون المجتمع الذي أعيش فيه مسلماً ..

إنه لا يكفي أن أكون مسلماً وحدي دونما اهتمام بمن حولي .. ذلك أن من الآثار التي يبعثها الإسلام ويسكبها في النفس البشرية – ان هي آمنت وأحسنت – الاهتمام بالآخرين ودعوتهم والنصح لهم والغيرة عليهم مصداقاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( من بات ولم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ) .

ومن هنا تترتب علي مسؤولية جديدة ، هي مسؤولية اقامة المجتمع المسلم ومسؤولية حمل الإسلام إلى المجتمع ..

وأول خطوة في هذا المجال – وهي الخطوة الطبيعية – أن يكون بيتي مسلماً .. أن أحمل رسالة الإسلام إلى (مجتمعي الصغير) .. إلى أهلي .. إلى زوجتي .. إلى أولادي. ثم الأقرب فالأقرب وهو ما انتهجه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدء الدعوة (فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215))[1] .

ومن هنا كانت أول (مهمة) تعهد إلى المسلم بعد (نفسه) مباشرة هي مسؤوليته تجاه أهله وبيته وأولاده بدليل قوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ )[2] .

• مسؤولية الزواج :

إن الإسلام كيما يساعدني على النجاح في انشاء البيت المسلم دلني على الطريق ، وأشار إلى جملة عوامل وأسباب تُسهل مهمتي وتحقق غايتي ، منها :

- أن يكون زواجي لله ... أي لإنشاء البيت المسلم .. لإنجاب ذرية صالحة تضطلع بحمل الأمانة وتُحقق توالد الهداية واستمرارها (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ)[3]

- أن يكون من مقاصد زواجي أن أعف بصري وأحفظ فرجي وأتقي الله ربي.

وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( ثلاثة حق على الله عونهم، المجاهد في سبيل الله ، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف)[4] ويقول ( من تزوج فقد استكمل نصف دينه فليتق الله في النصف الباقي)[5].

- أن أحسن اختيار زوجتي وشريكة حياتي ورفيقة دربي لقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( تخيروا لنطفكم فإن العرق نزاع ، وفي رواية دساس، وفي رواية فانكحوا الأكفاء وانكحوا اليهم)[6].

- أن أختار صاحبة الخُلق والدين، وان كانت دون غيرها مالاً وجمالاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين، ولأمة خرماء خرقاء ذات دين أفضل)[7].

- أن أحذر من مخالفة أمر الله في ذلك، وأتقي سخطه وانتقامه.. فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم (من تزوج امرأة لعزّها لم يزده الله إلا ذلاً.. ومن تزوجها لمالها لم يزده الله إلا فقراً.. ومن تزوجها لحسبها لم يزده الله إلا دناءةً.. ومن تزوج امرأةً لم يرد بها إلا أن يغض بصره ويُحصن فرجه أو يصل رحمه، بارك الله له فيها وبارك لها فيه)[8].

• مسؤولية ما بعد الزواج :

إن حسن اختياري لزوجتي لا يُعفيني من متابعة مسؤوليتي تجاهها بعد الزواج.. بل إن المسؤولية الكبرى تبدأ منذ اللحظة الأولى لزواجي.. ومن هنا تترتب علي جملة تبعات منها :

- أن أُحسن إليها، وأكرم معاملتها، لتتحقق الثقة بيني وبينها تحقيقاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي)[9] وقوله (أكملُ المؤمنين ايماناً أحسنهم أخلاقاً وألطفهم بأهله)[10] .

- أن لا تقتصر علاقتي بها على علاقة الفراش والشهوة.. وانما يجب أن يتحقق بيننا قبل هذا وفوقه (التجانس) الفكري والروحي والعاطفي.. نقرأ معاً.. نؤدي بعض العبادات معاً.. ننظم شؤون البيت معاً.. ثم تكون لنا بعض الفرص للمداعبة واللعب.. ففي مجال العبادة يقول الله تعالى (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا)[11] ( وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً )[12] وفي مجال المداعبة والترويح عن النفس كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتسابق وعائشة رضي الله عنها بالركض: وفي مجال التعاون المنزلي كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينهض بأعباء كثيرة ومنها خصف النعال.

- أن تكتسب علاقتي مع زوجتي – ما ذكر منها وما لم يذكر – صفة الشرعية.. فلا تكون على حساب الإسلام أو فيما حرم الله، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله (ما من أحد يطيع امرأةً في ما تهوى إلا كبه الله في النار).

وقوله (لا يلقى الله أحد بذنب أعظم من جهالة أهله)[13]. وقال (تعس عبد الزوجة).

• مسؤوليتنا معاً في تربية الأولاد :

في الواقع ان النجاح في الزواج.. في اختيار المرأة الصالحة.. في انصهار الزوجين في بوتقة الإسلام.. يساعد إلى حد كبير على تربية الأولاد التربية الإسلامية المنشودة. أما الفشل في تحقيق الزواج الإسلامي، وسوء اختيار المرأة، فان ذلك يفضي عواقب مهلكة وينذر بشر مستطير للبيت كلّه..

إن أي تناقض يقع في حياة الزوجين سينعكس تلقائياً وبشكل مباشر وسريع على تربية الأبناء وعلى نفوسهم، وبالتالي سيورثهم كثيراً من العقد والانحرافات.. لذلك كان العامل الأول في تحقيق التربية الإسلامية للأبناء هو تحقيق اسلامية الزواج كما أسلفنا..

والحقيقة أن الثمرة المرجوة لنشأة البيت المسلم هي ايجاد الذرية الصالحة ( رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً)[14] .

والولد يولد على الفطرة.. فان تهيأت له التربية السليمة كان صالحاً.. وان نشأ بين أبوين متناقضين أو منحرفين غدا بحسب ذلك مصداقاٌ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (يولد الولد على الفطرة فأبواه بهودانه أو ينصرانه او يمجسانه)[15].

لهذا شدد الاسلام وأكد على حسن تربية الأولاد، وعلى توفير كل الأسباب والمقومات والأجواء والمناخات التي تحقق حسن التربية، فقال صلى الله عليه وسلم (لأن يؤدب الرجل ولده خير له من أن يتصدق بصاع)[16] وقال (ما نحل والد ولداً من نحل أفضل من أدب حسن)[17] وقال (أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم)[18] وقال (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : من صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له).

[1] الشعراء 213 – 214 -215 .

[2] التحريم 6 .

[3] آل عمران 34.

[4] رواه الترمذي.

[5] رواه الطبري في الأوسط.

[6] ابن ماجة والحاكم.

[7] رواه ابن ماجة.

[8] رواه الطبري .

[9] رواه الطبري.

[10] رواه ابن ماجه والحاكم.

[11] سورة طه.

[12] سورة مريم 55.

[13] ذكره صاحب الفردوس.

[14] الفرقان 74 .

[15] متفق عليه.

[16] رواه الترمذي.

[17] رواه الترمذي .

[18] رواه ابن ماجه.

خامساً - أن أنتصر على نفسي

  • - أصناف الناس
  • - مقومات النصر في معركة النفس
  • - مظاهر الإنهزام النفسي
  • - أسباب التحصن من مداخل الشيطان

أن أنتصر على نفسي

الإنسان في صراع مع نفسه حتى ينتصر عليها أو تنتصر عليه ، أو يبقى الصراع قائماً ، والمعركة سجالاً ، إلى أن يدركه الموت وهو على ذلك ( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا )[1] وإلى هذا المعنى يشير الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله ( تُعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأيما قلب أُشربها نكت في قلبه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكت في قلبه نكتة بيضاء، حتى تصير على أحد قلبين : على أبيض مثل الصفاة فلا تضره فتنة، والآخر أسود مرباداً لا يعرف معروفاً ولا يُنكرُ منكراً)[2] .

والناس في معركة النفس أصناف ثلاثة:

1 – صنف انتصرت عليهم أهواؤهم، فركنوا إلى الأرض وأخلدوا إلى الدنيا. وهؤلاء هم الكفرة ومن نهج نهجهم ممن نسوا الله فأنساهم أنفسهم، ويصفهم في قرآنه ( أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ )[3] .

2 – وصنف يجاهدون أنفسهم، ويصارعون أهواءهم.. فينتصرون تارة وينهزمون أخرى. يخطئون فيتوبون.. يعصون الله فيندمون ويستغفرون ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ )[4] وهؤلاء أشار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله ( كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)[5] .

ومما يروى في هذا المعنى عن ( وهب بن منبه ) أنه قال : ان ابليس لقي يحي بن زكريا عليهما السلام، فقال له يحي بن زكريا، أخبرني عن طبائع ابن آدم عندكم؟ قال ابليس : أما صنف منهم فمثلك معصومون لا نقدر منهم على شيء.. والصنف الثاني : فهم في أيدينا كالكرة في أيدي صبيانكم وقد كفونا أنفسهم.. والصنف الثالث: فهم أشد الأصناف علينا، فنقبل على أحدهم حتى ندرك حاجتنا منه ثم يفزع إلى الإستغفار فيُفسد به علينا ما أدركنا منه.. فلا نحن نيأس منه ولا نحن ندرك حاجتنا منه..

مقومات النصر في معركة النفس

• القلب : ما كان حياً رقيقاً صافياً صلباً مشرقاً لقول علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه (إن لله تعالى في أرضه آنية وهي القلوب.. فأحبها إليه تعالى أرقها وأصفاها وأصلبها، ثم فسرها فقال: أصلبها في الدين، وأصفاها في اليقين، وأرقها على الإخوان) وقوله ( قلب المؤمن يزهر، وقلب الكافر أسود منكوس )[6] .

والقرآن الكريم يصور قلوب المؤمنين فيقول (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ )[7] بينما يصور قلوب الكافرين فيقول (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)[8] ويقول (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)[9] .

• العقل : ما كان بصيراً، مدركاً، مميزاً، مقتبساً العلوم التي بها ينال القرب من الله ويدرك عظمته وقدرته وهو منطا قوله تعالى (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء)[10] .

ولقد أشار الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قيمة هذه النعمة بقوله ( ما خلق الله خلقاً أكرم عليه من العقل )[11] وقوله إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه (إذا تقرب الناس إلى الله تعالى بأنواع البر فتقرب أنت بعقلك) وقوله ( ما اكتسب رجل مثل فضل عقل يهدي صاحبه إلى هدى ويرده عن ردى)[12].

ولذلك دفع الإسلام إلى العلم والمعرفة، وإلى التفقه في الدين، ليأخذ العقل من الأسباب ما يستعين به على التمييز بين الخير والشر والحق والباطل، فقال صلى الله عليه وسلم ( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين )[13] وقال (فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي )[14] كل ذلك لما للعلم من قيمة وأثر في تعميق الإيمان في النفوس وفي تعريف الإنسان على حقائق هذا الكون..

فعقل المؤمن عقل واع يميز بين الخير والشر، والحلال والحرام، والمعروف والمنكر لأنه ينظر فيه بنور الله من وراء ستر رقيق (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ)[15].

ونور العقل لا يطفئه إلا المعاصي والدوام عليها والمجاهرة بها وعدم التوبة منها لقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( قارف ذنباً فارقه عقل لا يعود إليه أبداً)[16] وقوله ( لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات والأرض )[17].

وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال (لما دخلت على عثمان رضي الله عنه، وكنت قد لقيت امرأة في طريقي فنظرت إليها شزراً، وتأملت محاسنها، فقال عثمان لما دخلت : يدخل أحدكم وأثر الزنا على عينيه، أما علمت أن زنا العينين النظر؟ لتتوبن أو لأعزرنك؟ فقلت : أوحي بعد النبي؟ فقال: لا، ولكن بصيرة وبرهان وفراسة صادقة).

مظاهر الانهزام النفسي :

إن الانسان حين يموت قلبه أو يقسو. وحين ينطفئ عقله أو يزيغ.. إنه حين ينهزم في معركته مع الشيطان، تتكاثر مداخل السوء إلى نفسه خاصة وإن الشيطان يسري من ابن آدم مسرى الدماء!! .

وان الإنسان حين تتحطم المقاومة والمناعة لديه يصبح الشيطان قرينه (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ)[18] وإلى هذا المعنى تشير الآية الكريمة (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ)[19] .

وهذا وإن أخطر ما يصاب به المنهزمون هو مرض الوسوسة، يوسوس لهم الشيطان في كل شأن من شؤون حياتهم ليصدهم عن سبيل الله. وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( إن الشيطان قعد لابن آدم بطرق.. فقعد له بطريق الإسلام فقال : أتسلم وتترك دينك ودين آبائك؟ فعصاه وأسلم.. ثم قعد له بطريق الهجرة، فقال أتهاجر؟ أتدع أرضك وسماءك؟ فعصاه وهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد، فقال : أتجاهد وهو تلف النفس والمال فتقاتل فتقتل فتُنكح نساؤك ويقسم مالك؟ فعصاه وجاهد.. ثم قال الرسول صلى الله عليه وسلم : فمن فعل ذلك فمات كان حقاً على الله أن يدخله الجنة)[20] وحبذا لو يراجع الأخ القارئ ( قصة الشيطان وراهب بني اسرائيل ) في تفسير قوله تعالى (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) [21] .

أسباب التحصن من مداخل الشيطان :

إن الإسلام كيما يساعد الإنسان على مواجهة التحديات الشيطانية والإلقاءات الإبليسية أرشده إلى أمور كثيرة تساعده على الصمود في المعركة وتمكنه من الغلبة على أعدى أعدائه .. وقد أجملها أحد الصالحين بقوله : ( نظرت وتفكرت من أي باب يأتي الشيطان إلى الإنسان ، فإذا هو يأتي من عشرة أبواب :

الأول : الحرص وسوء الظن فقابلته بالثقة والقناعة..

والثاني : حب الحياة وطول الأمل، فقابلته بخوف مفاجأة الموت..

والثالث : طلب الراحة وطلب النعمة، فقابلته بزوال النعمة وسوء الحساب ..

والرابع : العجب، فقابلته بالمنة وخوف العاقبة..

والخامس : الاستخفاف بالناس وقلة احترامهم، فقابلته بمعرفة حقهم وحرمتهم ..

والسادس : الحسد، فقابلته بالقناعة والرضى بقسمة الله تعالى في خلقه ..

والسابع : الرياء ومدح الناس، فقابلته بالإخلاص ..

والثامن : البخل، فقابلته بفناء ما في أيدي الخلق وبقاء ما عند الله تعالى ..

والتاسع : الكبر، فقابلته بالتواضع ..

وعاشرها : الطمع، فقابلته بالثقة بما عند الله والزهد بما عند الناس ..

ومن التوجيهات التي أكد عليها الاسلام كسبيل لاتقاء سهام ابليس ومكائده ذكر الله تعالى في بدء كل عمل .. وقد روي عن أبي هريرة في هذا النطاق الرواية التالية : ( التقى سيطان المؤمن وشيطان الكافر .. فإذا شيطان الكافر دهين سمين كاسر، وشيطان المؤمن مهزول أشعث أغبر عار .. فقال شيطان الكافر لشيطان المؤمن ما لك مهزولاً ؟ قال : أنا مع رجل إذا أكل سمى الله فأظل عطشان، وإذا لبس سمى الله فأظل عرياناً.. وإذا أدهن سمى الله فأظل شعثاً .. فقال شيطان الكافر : ولكن مع رجل لا يفعل شيئاً من ذلك.. فأنا أشاركه في طعامه وشرابه ولباسه؟)

ومن أسباب التحصن محاذرة الشبع والتخمة وان كان حلالاً صافياً لقوله ( كلوا واشربوا ولا تسرفوا ) وقوله صلى الله عليه وسلم ( إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدماء فضيقوا عليه المجاري بالجوع)[22] .

ومنها قراءة القرآن وذكر الله تعالى والاستغفار، لقوله صلى الله عليه وسلم ( إن الشيطان واضح خرطومه على قلب ابن آدم، فان هو ذكر الله تعالى خنس .. وان نسي الله تعالى التقم قلبه)[23] .

ومنها دفع العجلة والتثبت من الأمور لقوله صلى الله عليه وسلم ( العجلة من الشيطان والتأني من الله تعالى).

وإنه ليضيق المجال عن ذكر الأسباب والأعمال والوصايا التي أوصى بها الإسلام للتحوط من غوائل الشيطان ومكائده.. وصدق الله تعالى حيث يقول (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ)[24] .

[1] الشمس 9 و10

[2] اربد وارباد : مثل احمرّ واحمارّ، ومعناها شدة السواد مع تغير : انظر القاموس المحيط ج1 ص 304.

[3] الجاثية 23

[4] آل عمران 135

[5] رواه أحمد والترمذي.

[6] أخرجه أحمد والطبراني

[7] الأنفال 3

[8] الحج 46

[9] محمد 24

[10] فاطر 28

[11] رواه الترمذي

[12] أخرجه المحبر

[13] سبق ذكره

[14] أخرجه الترمذي

[15] النور 40

[16] لم يعرف له أصل

[17] أخرجه أحمد

[18] المجادلة 19

[19] الأعراف 16 - 17

[20] أخرجه النسائي

[21] الحشر 16

[22] رواه أحمد

[23] أخرجه ابن أبي الدنيا

[24] الأعراف 201

سادساً - أن أكون واثقاً بأن المستقبل للإسلام

  • - ربانية المنهج الإسلامي
  • - عالمية المنهج الإسلامي
  • - مرونة المنهج الإسلامي
  • - شمول المنهج الإسلامي
  • - قصور المناهج الوضعية

أن أكون مؤمناً بأن المستقبل للإسلام

ان إيماني بالاسلام ينبغي أن يصل الى درجة اليقين بأن المستقبل لهذا الدين... فكون الإسلام من عند الله، يجعله الأجدر والأقدر على تنظيم شؤون الحياة وقيادة ركب الإنسانية وريادتها. فهو المنهج – الأوحد – الملائم لاحتياجات الفطرة والتنسيق بين متطلبات الانسان النفسية والحسية {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} سورة الملك الآية: 14.

فربانية المنهج الإسلامي: هي الصبغة التي تجعل له القوامة على سائر المناهج الوضعية، وتفرده بخصائص البقاء والعطاء في كل زمان ومكان وعلى كل صعيد..

وعالمية المنهج الإسلامي: تجسد الصبغة الانسانية فيه... صبغة الانفتاح والقدرة على تحمل مسؤولية هذا الانفتاح..الصبغة التي تجعله يتجاوز كل الاعتبارات الاقليمية والعنصرية والقومية والجنسية والعرقية.. الصبغة التي تستمد انفتاحها وشمولها وانسانيتها من صبغته (الربانية)..

ومرونة المنهج الإسلامي: هي الصبغة التي تمنحه القدرة على استيعاب مشاكل الحياة المتجددة والمتنوعة والمتعددة.. الصبغة التي تفسح المجال للاجتهاد في استنباط الأحكام فيما لا نص فيه – عن طريق القياس واعتبار المصلحة المرسلة والاستحسان وغير ذلك من الأدلة الشرعية..

وشمول المنهج الإسلامي: هو الصبغة التي تميزه عن سواه من المناهج الأرضية والنظم الوضعية ذات المقاصد المحدودة.. فالمنهج الإسلامي منهج العليم الخبير، العالم بشؤون الناس وبما يحتاجه الناس وبما يصلح لهم، وبما يضرهم وينفعهم، وبما يسعدهم ويشقيهم.. ولذلك كان الإسلام المنهج القادر على اشباع احتياجات الحياة الانسانية الفردية والجماعة، التشريعية والتوجيهية، الداخلية والخارجية {صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة؟} سورة البقرة الآية: 138.

أن أكون مؤمناً بقصور المناهج الوضعية

ثم ان عليّ أن أدرك مدى (التخبط والفشل) الذي تكابده النظم الوضعية في كل أنحاء المعمورة – سواء منها الرأسمالية والديموقراطية والحرة أو الاشتراكية والشيوعية – بسبب (وضعيتها ومحدوديتها وعجزها وقصورها وزمنيتها).

فعلى الصعيد الاجتماعي: فشلت النظم (يمينية ويسارية) في تأمين السعادة والطمأنينة والاستقرار للانسان.. بل انها تسببت في اشقاء الانسان واتعاسه.. فكان أن تهدمت الأواصر العائلية والمجتمعية.. وتفسخت الأخلاق وانعدمت القيم والمكارم، وحل التوتر والتشنج محل الطمأنينة والاستقرار، وحلت الأنانية والأثرة وحب الذات محل التعاون والايثار وحب الآخرين والعطف عليهم؟

وعلى الصعيد الاقتصادي: لم تتمكن الأنظمة (رأسمالية واشتراكية) من إيجاد (الجنة التي تحلم بها) ومجتمع الكفاية والعدل الذي تدعو إليه.. ففي ظل النظامين نشأت مشاكل (حرب الطبقات – والظلم الاجتماعي – والاستغلال الحزبي – والاحتكار – والفقر – والبطالة، الى ما لا نهاية له من المشاكل اليومية)؟.

وعلى الصعيد السياسي: تتحمل النظم (ديموقراطية وعسكرية، جمهورية وملكية، رئاسية وبرلمانية) مسؤولية العفن والانحراف الذي أصاب الحياة السياسية على كل صعيد.. فالاستغلال والمحسوبية والرشوة والتسلط، فضلاً عن أن الفتن والمجازر والثورات والانقلابات والتصفيات والاغتيالات وغيرها قد غدت طابع هذه النظم جمعاء؟

وعلى الصعيد العسكري: تتحمل هذه النظم جمعاء مسؤولية التفريط بقضايا الشعوب الاسلامية المستضعفة كقضية كشمير والحبشة وأرتريا والفيليبين وغيرها وبقضية فلسطين بشكل خاص فضلاً عن المتاجرة بها واستغلالها زهاء ربع قرن؟ وبالتقصير في الاعداد النفسي والحسي الذي يمكن الأمة من مغالبة الاستعمار – أياً كان – ومن سحق اسرائيل؟.

القسم الثاني - ماذا يعني انتمائي للحركة الإسلامية

توطئة - مدخل الى القسم الثاني

الموضوعات

توطئة

1- أن أعيش للإسلام
2- أن أكون مؤمناً بوجوب العمل للإسلام
3- الحركة الإسلامية.. مهمتها – خصائصها – عدتها
4- أن أدرك طرائق العمل الإسلامي
5- أن أدرك أبعاد انتمائي للحركة الإسلامية
6- أن أكون مدركاً لمرتكزات العمل الإسلامي
7- أن أدرك شروط البيعة والعضوية

مدخل الى القسم الثاني

ان القسم الثاني من هذا الكتاب وهو بعنوان ماذا يعني انتمائي للحركة الإسلامية يعرض لأهم المواصفات التي ينبغي توفرها فيمن كان انتماؤه للإسلام انتماءً صحيحاً.

فأساس الانتماء للحركة الإسلامية اذن ان تحقق في المنتمي صفات ومواصفات انتمائه للإسلام، وهذا ما يجعل الحركة الإسلامية معنيّة بتهيئة الفرد ليكون مسلماً حقاً قبل تهيئته ليكون عضواً فيها..

ذلك ان الانتماء الى الإسلام هو الأساس، والانتماء للحركة إنما هو جزء لا يتجزأ من صدق الانتماء لهذا الدين...

والله الموفق وبه نستعين

المؤلف

أولاً - أن أعيش للإسلام

  • - صنف يعيشون للدنيا
  • - أناس ضائعون بين أمرين
  • - أناس يعتبرون الدنيا مزرعة الآخرة
  • - كيف أعيش للإسلام
  • - صفات من يعيشون للإسلام

أن أعيش للإسلام

اذا كان انتمائي للإسلام يفرض عليّ أن أعيش الإسلام عقيدة وعبادة وأخلاقاً.. أعيشه في نفسي وبيتي وأهلي.. فإنه يفرض عليّ – كذلك – أن أعيش (له)، أن أوجه حياتي – كل حياتي – من (أجله)، وأن أسخر كل طاقاتي وإمكاناتي لما يعزز سلطانه ويرفع بنيانه..

والناس في هذه الدنيا ثلاثة أصناف، فأي صنف من هذه الأصناف أنا يا ترى؟

صنف يعيش للدنيا:

وهم الماديون – اعتقاداً أو واقعاً – ولقد سماهم القرآن الكريم بالدهريين فقال فيهم {وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين} سورة الأنعام الآية: 29 {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون} سورة الجاثية الآية: 24.

والشيوعيون حديثاً ومن لف لفهم من العلمانيين والوجوديين يصدرون عن نفس هذا المعتقد.. فقد علق (لينين) على قول أحد الفلاسفة (ان العالم لم يخلقه أي اله إو إنسان، وقد كان ولا يزال وسيكون شعلة حية الى الأبد تشتعل وتنطفئ تبعاً لقوانين معينة) فقال (يا له من شرح رائع لمبادئ المادية الدياليكتيكية؟)

وعندما يكفر الانسان بوجود حياة بعد هذه الحياة يحاسب فيها الانسان عما كسبت يداه، تصبح الدنيا أكبر همه، ومبلغ علمه، يعيش لها، ويلهث وراءها، ويغرق في شهواتها ولذائذها بدون حساب..

وصنف ضائعون بين أمرين:

وهم عموم الناس الذين اضطربت معتقداتهم وضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.. وهؤلاء وان كانوا مؤمنين بالله وباليوم الآخر، إلا ان معتقداتهم هذه صورية منفصلة انفصالاً كلياً عن واقعهم العملي. فهؤلاء ماديون (حقيقة) وان كانوا يمارسون في الواقع بعض الطقوس الروحية.. ويصدق في أمثال هؤلاء قول الشاعر:

نرفع دنيانا بتمزيق ديننا

فلا ديننا يبقى ولا ما نرفع

يقول الإمام الشهيد حسن البنا في رسالة (الى أي شيء ندعو الناس):

ان القرآن حدد غايات الحياة، ومقاصد الناس فيها:

فبين أن قوماً همهم من الحياة الأكل والمتعة، فقال تبارك وتعالى {والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم} سورة محمد الآية: 12.

وبين أن قوماً آخرين مهمتهم الزينة والعرض الزائل فقال تبارك وتعالى: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب} سورة آل عمران الآية: 14.

وبين أن قوماً آخرين شأنهم في الحياة ايقاد الفتن واحياء الشرور والمفاسد أولئك الذين قال الله فيهم: {ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدينا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام. وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد} سورة البقرة الآية: 204.

تلك مقاصد من مقاصد الناس في الحياة نزه الله المؤمنين عنها وبرأهم منها وكلفهم مهمة أرقى، وألقى على عاتقهم واجباً أسمى، ذلك الواجب هو هداية البشر الى الحق، وارشاد الناس جميعاً الى الخير، وانارة العالم كله بشمس الإسلام..

وصنف يعتبرون الدنيا مزرعة الآخرة:

وهؤلاء هم المؤمنون حقاً.. الذين يدركون حقيقة هذه الحياة، كما يدركون قيمة الدنيا من الآخرة {وما الحياة الدنيا الا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون؟} سورة الأنعام الآية: 33، فلا تلهيهم أو تشغلهم عن تحقيق الغاية التي من أجلها خلقوا {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}.

فالمنتمون إلى الإسلام بحق يعتبرون الدينا ميدان تنافس على طاعة الله ورضاه... حياتهم كلها (علمهم، تجارتهم، أموالهم، بيوتهم، أوقاتهم، أذهانهم) مسخرة في هذا السبيل، بعكس الماديين الذين يسخرون كل شيء من أجل الأهواء والشهوات؟

وان مما يؤكد هذا أن جملة ما تنتجه المدنية الحديثة وتتفتق عنه عقول المخترعين لا يستهدف غير تأمين أكبر قسط ممكن من المتعة والراحة الجسدية لهذا الانسان وليس فيها ما يستهدف عمارة هذا الكون بالخير والأمن والسلام.. فالسيارة والطائرة والغسالة والثلاجة والجلاية والعصارة والخفاقة والكناسة، وأدوات الزينة والأثاث واللباس وأدوات الترفيه والتسلية، بل مئات بل آلاف من الأدوات تنتجها المصانع في شتى أنحاء الأرض من أجل المتعة والراحة الحسية لهذا الانسان..

ان الإسلام لا يمنع من البحث والتقصي والاختراع والانتاج ولكن أولاً: بالقدر الذي لا يعود على الانسان بالضرر، وثانياً: على الوجه الذي يحقق الخير ويشيع البر في المجتمع ويلحظ شرعية وأخلاقية استعمالها والاستفادة منها..

ولقد أشار الإمام الشهيد حسن البنا الى هذا المعنى فقال في رسالة (الى أي شيء ندعو الناس؟):

فبربك يا عزيزي هل فهم المسلمون من كتاب ربهم هذا المعنى، فسمت نفوسهم ورقت أرواحهم، وتحرروا من رق المادة؟ وتطهروا من لذة الشهوات والأهواء، وترفعوا عن سفاسف الأمور ودنايا المقاصد، ووجهوا وجوههم لله الذي فطر السموات والأرض حنفاء يعلون كلمة اله ويجاهدون في سبيله، وينشرون دينه، ويذودون عن حياض شريعته، أم هم أسرى الشهوات وعبيد الأهواء والمطامع، كل همهم لقمة لينة ومركب فاره وحلة جميلة ونومة مريحة وامرأة وضيئة ومظهر كاذب ولقب أجوف؟

رضوا بالأماني، وابُتُلوا بحظوظهم

وخاضوا بحار الجد دعوى فما ابتلّوا

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة)[1].

كيف أعيش للإسلام:

وكيفما تكون حياتي موجهة في طريق الإسلام، ومن أجل الإسلام، لا بد من ادراك جملة أمور والالتزام بها، من ذلك:

1- ادراك الغاية من الحياة: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} سورة الذاريات الآية: 56 {وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملاً} سورة هود الآية: 07.
2- ادراك قيمة الدنيا من الآخرة: {أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة؟ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} سورة التوبة الآية: 38. {ذلك متاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى} ولقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوماً على (مزبلة) ونادى أصحابه قائلاً: هلموا الى الدنيا، ثم أخذ خرقة قد بليت وعظاماً قد نخرت وقال (هذه هي الدنيا).. ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً (شاة) ميتة قد رماها أصحابها. فالتفت إلى أصحابه قائلاً (أرأيتم كيف هانت هذه على أهلها؟ والله للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها، ولو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء) وقال (اقتربت الساعة، ولا يزداد الناس على الدنيا إلا حرصاً، ولا يزدادون من الله إلا بعداً) وقال (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)[2].
3- ادراك حتمية الموت والاتعاظ به: {كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} سورة الرحمن {كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور} سورة آل عمران، ولقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (أكثروا من ذكر هاذم اللذات ومفرق الجماعات)[3] وقال أبو ذر الغفاري رضي الله عنه، قلت يا رسول الله: فما كانت صحف موسىعليه السلام؟ قال (كانت عبراً كلها: عجبت لمن أيقن بالموت ثم هو يفرح – عجبت لمن أيقن بالنار ثم هو يضحك – عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب – عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن اليها – وعجبت لمن أيقن بالحساب غداً ثم لا يعمل؟)[4] وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة، فجلس الى قبر منها فقال (ما يأتي على هذا القبر يوم إلا وهو ينادي بصوت ذلق طلق، يا ابن آدم نسيتني؟ ألم تعلم أني بيت الوحدة وبيت الغربة وبيت الوحشة وبيت الدود وبيت الضيق الا من وسعني الله عليه؟ ثم قال: القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار)[5].
4- ادراك حقيقة الإسلام: وذلك بالتفقه والتعلم ومعرفة أصوله وأحكامه وحلاله وحرامه.. {وقل رب زدني علماً} سورة الإسراء، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم (إنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)[6] (إن الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر)[7].
5- ادراك حقيقة الجاهلية: وذلك بالتعرف على أفكارها ومذاهبها ومخططاتها واكتشاف مثالبها وعيوبها، وادراك أخطارها وأضرارها ليؤمن مكرها، ولتؤخذ العدة اللازمة لمكافحتها ومحاربتها، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول (من تعلم لغة قوم أمن مكرهم).

صفات من يعيشون للإسلام:

انني حين أعيش الإسلام وللإسلام لا بد وأن تتسم حياتي بسمات وقسمات تميزها عن حياة سائر الناس.. من ذلك:

أ‌-الالتزام العملي بالإسلام: ذلك أن الإيمان ليس بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل {الذين آمنوا وعملوا الصالحات} {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون؟} {كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} يقول حجة الإسلام الغزالي: قصم ظهري رجلان، عالم متهتك، وجاهل متنسك. فالجاهل يغر الناس بتنسكه والعالم يغرهم بتهتكه..؟ ويوصي رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين فيقول (كونوا للعلم رعاة ولا تكونوا له رواة)[8].

ب‌- تقصي مصلحة الإسلام لقوله صلى الله عليه وسلم (دوروا مع كتاب الله حيثما دار)[9] وقوله (من أصبح لا يهتم للمسلمين فليس منهم) وقوله (أنت على ثغرة من ثغور الإسلام فلا يؤتين من قبلك) وفي غزوة أحد كان سعد بن الربيع يلفظ أنفاسه الأخيرة وفيه سبعون ضربة ما بين طعنة رمح وضربة سيف ورمية سهم، ومع هذا التفت الى زيد بن ثابت قائلاً (قل لرسول الله إني أجد ريح الجنة.. وقل لقومي الأنصار، لا عذر لكم عند الله ان خلص الى رسول الله وفيكم عين تطرف، ثم فاضت نفسه من وقته).

ت‌- الاعتزاز بالحق والثقة بالله: وهذه صفة من صفات المؤمنين {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} ويروى أن المهاجرين من المسلمين الذين التجؤوا الى الحبشة فراراً بدينهم دخلوا على النجاشي فابتدرهم من عنده من القسيسين والرهبان ان اسجدوا للملك؟ فقال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وكان على رأسهم (نحن قوم لا نسجد إلا لله).. وفي التاريخ الإسلامي مئات من مواقف العزة والجرأة والشجاعة سجلها الرعيل الأول من أمثال الخبيب بن عدي وزيد بن الدثنة وربعي بن عامر ومصعب بن عمير وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وغيرهم ممن يحسن الاطلاع على سيرتهم وتقصي أخبارهم والاقتداء بهم...

التزام العمل للإسلام والتعاون مع العاملين: ذلك أن انتمائي للإسلام يفرض علي أن أعمل للإسلام.. أن أعمل له ضمن جماعة.. أن أتعاون مع العاملين غيري في الدعوة الى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واقامة الفرد المسلم والبيت المسلم والمجتمع المسلم والدولة الإسلامية وصدق الله تعالى حيث يقول {سنشد عضدك بأخيك} {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان} وقوله صلى الله عليه وسلم (المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً) (يد الله مع الجماعة وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية) (عليك بجماعة المسلمين وإمامهم) وقوله (الجماعة بركة) وقوله (الجماعة رحمة والفرقة عذاب).

[1] رواه البخاري.

[2] رواه مسلم.

[3] رواه الترمذي.

[4] رواه ابن حبان.

[5] رواه الطبراني.

[6] رواه الطبراني.

[7] رواه أبو داود والترمذي.

[8] لأبي نعيم.

[9] للحاكم.

ثانيًا - أن أكون مؤمنًا بوجوب العمل للإسلام

  • • وجوبه مبدأ .
  • • وجوبه حكمًا .
  • • وجوبه ضرورة .
  • • وجوبه فرديًّا وجماعيًّا .
  • • من جاهد فإنما يجاهد لنفسه .

إن العمل للإسلام .. لإيجاد الشخصية التي تمثله عقيدة وأخلاقًا .. لإيجاد المجتمع الذي يلتزمه فكرًا وسلوكًا .. لإيجاد الدولة التي تطبقه شريعة ومنهجًا ودستورًا، وتحمله دعوة هادية لإقامة الحق والعدل في العالمين .. إن هذا العمل، وما يحتاجه ويتصل به ويتفرع عنه ويتطلبه هو واجب إسلامي شرعي لا يسقط حتى تقوم ( السلطة ) التي تتولى القيام بهذه المسئولية وترعى شئون المسلمين .

وما دامت هذه السلطة غير موجودة، فإن كل تقصير من العاملين أو قعود من المسلمين هو في شرع الله ( إثم ) لا يرفعه إلا المبادرة السريعة للنهوض بتكاليف العمل للإسلام .

وإن مما يؤكد وجوب العمل للإسلام، وأنه تكليفي وليس تطوعيًّا، كون وجوبه يقينيًّا من عدة وجوه :

الأول : وجوبه مبدأ :

فالعمل للإسلام واجب مبدأ، لأنه مناط تكليف الله للبشر جميعًا .. للأنبياء والمرسلين أولاً، ثم للناس أجمعين، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، بدليل قوله ـ تعالى ـ : { والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر } وقوله : { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك فإن لم تفعل فما بلغت رسالته } وقوله : { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون } ( البقرة ) .

والسنة المطهرة تذخر بما روي عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أحاديث تحض على الدعوة إلى الحق ومكافحة الباطل، منها قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان، وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان ) رواه الترمذي، وقوله : ( يا أيها الناس، إن الله يقول لكم : مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوني فلا أستجيب، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم ) رواه ابن ماجه .

وقوله : ( إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم : يا ظالم، فقد تودع منها ) رواه الحاكم .

ثانيًا : وجوبه حكمًا :

والعمل للإسلام واجب حكمًا ؛ لأن تعطيل حاكمية الله في الأرض، وهيمنة النظم والتشريعات الوضعية على المجتمعات البشرية يفرض على المسلمين العمل لإقامة المجتمع الإسلامي واستئناف الحياة الإسلامية، وتعبيد الناس لله في معتقداتهم وأخلاقهم ونظمهم بدليل قوله ـ تعالى ـ: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا } وقوله : { وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب }. وقوله : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } وفي آية : { الظالمون }، وفي آية : { الفاسقون } ( المائدة ) .

فإذا كان تحقيق المجتمع الإسلامي والحكم بما أنزل الله واجبًا بذاته، فيصبح العمل لإقامته وإيجاده واجبًا حكمًا بدليل القاعدة الشرعية: ( ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ) .

إن معظم الأقطار الإسلامية ـ إن لم نقل كلها ـ تحكم بأنظمة وضعية هي خليط من تشريعات رومانية ويونانية وفرنسية وغيرها، والنظم الاقتصادية السائدة في هذه الأقطار هي الرأسمالية والاشتراكية مما يجعل العمل لهدم هذه الكيانات الجاهلية واستئناف الحياة الإسلامية فريضة عين على كل مسلم حتى تعود للإسلام القيادة والقوامة .

ثم إن كثيرًا من الواجبات الشرعية يتوقف تنفيذها وممارستها على إقامة خليفة أو إمام، وهذا بالتالي مرتبط بوجود سلطة إسلامية .. فكل التشريعات المتعلقة بالأنظمة الإسلامية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، كل التشريعات المتعلقة بالحكم والعقوبات والسلم والحرب والجهاد والصلح والمعاهدة، وبالمعاملات الاجتماعية والاقتصادية، هذه وغيرها من جوانب التشريع الإسلامي لا يمكن تنفيذها إلا عن طريق دولة تقوم على أساس الإسلام .

ثالثًا : وجوبه ضرورة :

والعمل للإسلام ـ كذلك ـ واجب بالضرورة لمواجهة تحديات العصر ومؤامرات أعداء الإسلام .. لوقف الموجات المادية والزحوف الإلحادية التي تتهدد الوجود الإسلامي بالاستئصال والزوال .

إن نظرة فاحصة إلى الأوضاع التي تعيشها أقطار العالم الإسلامي تؤكد ضرورة قيام مجابهة إسلامية .. بل وتجعل القيام بذلك تكليفًا شرعيًّا لا يجوز القعود عنه أو التهاون فيه .

فهنالك أقطار تشكو من سيطرة غير المسلمين عليها وتحكمهم فيها، كفلسطين وكشمير وإرتريا وقبرص وبخارى وسمرقند، وغيرها .

وهنالك أقطار تشكو من تسلط أقليات طائفية حاقدة، وتحكمها في رقاب المسلمين بقوة الحديد والنار .

وهنالك أجزاء أخرى من العالم الإسلامي تشكو من تسلط أحزاب يسارية أو يمينية عليها، كما تعيش أجزاء أخرى صراعات دموية رهيبة من جراء التطاحن بين قوى اليمين واليسار على السلطة .

وفضلاً عن كل هذا وذاك، فإن أقطار العالم الإسلامي جمعاء تعيش حالة ضياع .. حالة فوضى .. فوضى سياسية .. فوضى اجتماعية .. فوضى اقتصادية .. تعيش تدهورًا مريعًا في الأخلاق والقيم، كما في الأفكار والمعتقدات .

كل ذلك وغيره يؤكد وجوب العمل ـ ولو بالضرورة ـ لمواجهة هذه التحديات التي يواجهها الإسلام، سواء من الاستعمار والقوى الدولية في الخارج، أو من عملائه وزبانيته والمتعاونين معه في الداخل، { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله }.

رابعًا : وجوبه فرديًّا وجماعيًّا :

إن مسئولية العمل للإسلام ــ من حيث هي واجب تكليفي شرعي ــ تعتبر مسئولية( فردية ) شأنها شأن كل الواجبات والمسئوليات الشرعية الأخرى التي يترتب على القيام بها الثواب كما يترتب على تركها العقاب، { كل نفس بما كسبت رهينة }، { وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا }، { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها }، { ولا تزر وازرة وزر أخرى }، { ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه }.

فالإسلام كيما يشرك الناس جميعًا في عملية البناء والتعمير ـ بناء الحياة على الحق وإعمارها بالخير ـ جعل كل إنسان مسئولاً عن حيز من البذل والعطاء في حدود إمكانياته وطاقاته، مادام هذا الإنسان بالغًا عاقلاً قادرًا .. مما يجعل المجتمع خلية حية نابضة .. كل فرد فيها يبني ويحرص على البناء .. وكل إنسان فيها يعطي ويتنافس في العطاء .

ومن هنا كان وجوب العمل للإسلام ( فرديًّا ) كتكليف شرعي وواجب إسلامي .

وإذا كان العمل للإسلام واجبًا فرديًّا من هذا الجانب، فهو واجب جماعي من حيث مسئوليته الحركية التنفيذية، وهذا ما تؤكده وقائع وحيثيات غير قابلة للجدل أساسًا، من ذلك :

أ ـ أن تكاليف العمل للإسلام أكبر من أن يتصدى لها إنسان بمفرده .. فالعمل للإسلام يستهدف هدم الجاهلية برمتها و إقامة الإسلام مكانها .. وهذا يتطلب من التكاليف والإمكانيات والجهود ما يعجز عن القيام بأعبائه فرد، بل لا يقوى على النهوض به مع الجهد والمكابدة والمعاناة إلا تنظيم حركي يكون في مستوى المواجهة وعيًا وتنظيمًا وقدرة ..

بـ ـ أن عمل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مواجهة الجاهلية وإقامة المجتمع الإسلامي واستئناف الحياة الإسلامية دليل شرعي على وجوب ( الجماعة ) في العمل للإسلام .. فالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يعتمد أسلوب العمل الفردي قط .. وإنما حرص من أول يوم على إقامة ( جماعة ) كان يختار عناصرها اختيارًا وينتقي أفرادها انتقاء لتكون أداة الإسلام في عملية التغيير ؟ .

وهذا ما تنطق به وقائع السيرة النبوية في كل المراحل وعلى كل صعيد ..

جـ ـ ثم إن طريق العمل للإسلام مفروشة بالأشواك محفوفة بالمحن.. فالتحديات التي تعترض السبيل كبيرة ... والقوى التي تتربص بالإسلام وأهله كثيرة ... وهذا ما يفرض وجود تنظيم حركي عريض كيفًا وكمًا لمواجهة كل مراحل العمل وظروفه واحتمالاته ... وفي ثنايا الآيات القرآنية إشارات ودلالات واضحة كما في الأحاديث النبوية تؤكد ضرورة أن يكون العمل للإسلام جماعيًا وحركيًا ومنظمًا { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان }.

خامسًا : من جاهد فإنما يجاهد لنفسه :

ثم إن أول ما يتوجب على العاملين للإسلام أن يدركوه بعمق أنهم هم المحتاجون إلى الإسلام .. وأنهم حين يعملون ويجاهدون ويكابدون فلتزكية ذواتهم، ولتطهير نفوسهم، ولتأدية بعض حقوق الله عليهم، وليحتسبوا ذلك عند الله يوم تزيغ الأبصار وتبلغ القلوب الحناجر .

فهم هم الرابحون إن أقبلوا، وهم وحدهم الخاسرون إن أدبروا { وإن الله لغني عن العالمين }، { وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم }.

كما أن عليهم أن يدركوا أن قيمتهم الحقيقية تكون بالإسلام، ولا قيمة لهم بدونه، فهم عندئذ { كالأنعام بل أضل سبيلاً } وأن الكرامة الحقيقية والعزة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق إلا بالمشاركة في مسيرة الإسلام، وبالاستمرار في هذه المشاركة، وأن ( من شذ شذ في النار ) وأن من احتوته المسيرة بحق فقد اتصل بأشرف نسب وارتبط بقافلة الهداة، من الذين أنعم الله عليهم من النبيين والشهداء وحسن أولئك رفيقًا .

كما أن على العاملين للإسلام أن يدركوا أن البقاء في المسيرة شرط للثبات ( وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية ) .

فالمجتمع الذي تموج فيه الفتن كقطع الليل المظلم، لا يمكن أن يعيش فيه دون التأثر بلوثاته من كان بعيدًا عن ( الذكرى ) { وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين } أو بعيدًا عن التناصح والتواصي بالحق والصبر { والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر }.

فلا بد من العيش في رحاب أسرة الإيمان، ولا بد من الالتحاق بمسيرة الرحمن والعيش في كنفها دائمًا وأبدًا { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تربد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطًا}.

كما أن على العاملين للإسلام أن يدركوا أنهم إنما يعملون لله ويجاهدون في سبيله..وأن هذا الطريق طويل وشاق .. وأن الجنة حفت بالمكاره وأن النار حفت بالشهوات ..

إنه طريق لا يقوى على السير فيه من كانت خطرات النسيم تجرح خديه ولمس الحرير يدمي بنانه ..

وإنه طريق لا يقوى فيه صاحب المزاج والهوى وضيق الصدر وخائر القوى .. ومن لا يصبر على كلمة فضلاً عن ملمة .. والمعتد برأيه الذي لا يدري ولا يدري أنه لا يدري ! والذي يشق عليه النزول عند حكم المجموعة والالتزام برأي الجماعة .

إنه طريق التطهر والتعفف والتنظف .. طريق المرحمة والمكرمة .. طريق المصابرة والمرابطة . طريق التجرد والسمو. طريق الصدق والإخلاص . وإن طريقًا هذه مواصفاتها لا يمكن أن يثبت عليها غير المؤمنين المعلقة قلوبهم بواحد أحد، الناظرة نفوسهم إلى فرد صمد { ومن يتق الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرًا } { ومن نكث فإنما ينكث على نفسه،ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرًا عظيمًا }.

مهمة الحركة الإسلامية

خصائصها المبدئية

الحركة الإسلامية - مهمتها ـ خصائصها ـ عدتها

مهمة الحركة الإسلامية

  • خصائصها المبدئية  :

ربانية ـ ذاتية ـ تقدمية ـ شاملة .

  • خصائصها الحركية :

• البعد عن هيمنة الحكام .

• التدرج في الخطوات .

• إيثار العمل على الدعاية .

• النفس الطويل .

• علانية العمل وسرية التنظيم .

• العزلة النفسية لا الحسية .

• الغاية لا تبرر الوسيلة .

  • عدة الحركة الإسلامية  :

• الإيمان بالله ونصره وتأييده .

• الإيمان بالمنهاج ومزيته وصلاحيته .

• الإيمان بالإخاء وحقوقه وقدسيته .

• الإيمان بالجزاء وجلاله وعظمته وجزالته .

• الإيمان بالنفس .

الجهاد .

مهمة الحركة الإسلامية هي تعبيد الناس لله ـ تبارك وتعالى ـ أفرادًا وجماعات بالعمل لإقامة المجتمع الإسلامي الذي يستمد أحكامه وتعاليمه من كتاب الله ـ تعالى ـ وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ..

والحركة الإسلامية تنظيم عالمي يمتد ليشمل العاملين في الحقل الإسلامي في كل أنحاء الأرض .. وهو يعتمد لتحقيق هذه الغاية على تبليغ الدعوة الإسلامية نقية صافية، متصلة بالعصر ومقتضياته والحاضر ومتطلباته، ودعوة الناس إليها، وتنظيمهم عليها، وتهيئتهم للإيمان بها والعمل لها والجهاد في سبيلها ..

ومن مقتضيات ذلك :

مكافحة الاستعمار ومخلفاته وأفكاره وفلسفاته، شرقيًّا كان أم غربيًّا، حتى تعود للأمة شخصيتها المستقلة الأصيلة ..

ولقد حرصت الحركة الإسلامية ـ من أول يوم ـ على أن تزيل عن الإسلام ركام البدع والخرافات،وتقدمه للناس بصورته المشرقة الصافية التي تتوافق مع عظمته وشموخه ..

فهي تؤمن  : بأن أحكام الإسلام وتعاليمه شاملة تنتظم شئون الناس على كل صعيد ..

وهي تعتبر : أن القاعدة الأساسية التي يقوم عليها الإسلام على مدار التاريخ البشري هي قاعدة (لا إله إلا الله ) أي إفراد الله ـ سبحانه ـ في الألوهية والحاكمية .. إفراده بها اعتقادًا في الضمير وعبادة في الشعائر وشريعة في واقع الحياة ..

والحركة الإسلامية تؤمن بالإسلام قوة أساسية لنهضة المسلمين، وإنقاذ العالمين، وتحرير المستضعفين من الطواغيت والظالمين، حتىلا تكون فتنة ويكون الدين كله لله .

وترى الحركة الإسلامية في تبني النظم الرأسمالية والاشتراكية والشيوعية وغيرها من النظم الوضعية كفرًا بالإسلام العظيم، وجحودًا بالله رب العالمين، وسيرًا على غير هدى وتخبطًا بدون طائل واستنفادًا للجهود وإضاعة للزمن { ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين }.

ولقد أجمل الإمام البنا ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ مهمة الحركة الإسلامية فقال :

مهمتنا إجمالاً أن نقف في وجه هذه الموجة الطاغية من مدنية المادة وحضارة المتع والشهوات التي جرفت الشعوب الإسلامية، فأبعدتها عن زعامة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهداية القرآن، وحرمت العالم من أنوار هديها، وأخرت تقدمها مئات السنين، حتى تنحسر عن أرضنا ويبرأ من بلائها قومنا، ولسنا واقفين عند هذا الحد، بل سنلاحقها في أرضها، وسنغزوها في عقر دارها، حتى يهتف العالم كله باسم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتوقن الدنيا كلها بتعاليم القرآن،وينتشر ظل الإسلام الوارف على الأرض، وحينئذ يتحقق للمسلم ما ينشده، فلا تكون فتنة ويكون الدين كله لله { ولله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم }.

هذه مهمتنا إجمالاً .. فأما في بعض تفاصليها فهي أن يقوم في الأمة :

(1) نظام داخلي للحكم :

يتحقق به قول الله ـ تبارك وتعالى ـ  : { وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك }.

(2) ونظام للعلاقات الدولية :

يتحقق به قول القرآن الكريم : { وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا }.

(3) ونظام عملي للقضاء :

يستمد من الآية الكريمة : { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما }.

(4) ونظام للدفاع والجندية :

يحقق مرمى النفير العام : { انفروا خفافًا وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله }.

(5) ونظام اقتصادي :

استقلالي للثروة والمال والدولة والأفراد، أساسه قوله ـ تعالى ـ : { ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا }.

(6) ونظام للثقافة والتعليم :

يقضي على الجهالة والظلام، ويطابق جلال الوحي في أول آية من كتاب الله : { اقرأ باسم ربك الذي خلق }.

(7) ونظام للأسرة والبيت :

ينشئ الصبي المسلم والفتاة المسلمة والرجل المسلم، ويحقق قوله ـ تعالى ـ : { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة }.

(8) ونظام للفرد :

في سلوكه الخاص يحقق الفلاح المقصود بقوله ـ تعالى ـ : { قد أفلح من زكاها }.

(9) وروح عام يهيمن على كل فرد في الأمة من حاكم أو محكوم :

قوامه قول الله ـ تعالى ـ : { وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض }.

(10) نحن نريد :

الفرد المسلم .. والبيت المسلم .. والشعب المسلم .. والحكومة المسلمة .. والدولة التي تقود الدول الإسلامية وتضم شتات المسلمين، وتستعيد مجدهم، وترد عليهم أرضهم المفقودة وأوطانهم المسلوبة وبلادهم المغصوبة، ثم تحمل علم الجهاد ولواء الدعوة إلى الله،حتى تسعد العالم بتعاليم الإسلام ( من رسالة : تحت راية القرآن، للإمام الشهيد ) .

خصائصها المبدئية

إن أبرز ما في خصائص الحركة الإسلامية ما يلي :

1 ــ أنها ربانية :

فهي تستمد تصورها وأحكامها وأخلاقها وتقاليدها وأفكارها من دين الله الخالد ورسالته الخاتمة .. وهي دعوة لله وليست لذوات العاملين فيها أو القائمين عليها، { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين } فهي ليست تنظيمًا حزبيًّا ( شأن التنظيمات الحزبية الحديثة ) .. وليست تنظيمًا زعاميًّا يهدف إلى تحقيق بعض المكاسب والمآرب الشخصية ( شأن التنظيمات الزعامية المعروفة ) .. والأصل لديها أن يخضع الكبير فيها قبل الصغير والقائد فيها قبل الجندي لحدود ما شرع الله ..

2ــ أنها ذاتية :

بمعنى أنها منبثقة من واقع المجتمع الإسلامي غير ( مستوردة ) أو ( مستوحاة ) من الشرق أو من الغرب شأن التنظيمات والهيئات الأخرى .. فدعوتنا دعوة إلى الدين، والدين من أقوى خصائص هذه الأمة، عرفت به وعرف بها أحقابًا طويلة من الزمن، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها ..

3ــ أنها تقدمية :

فهي في مضمونها العقيدي والتشريعي وفي تصورها للكون والإنسان والحياة أسبق وأقدر على حل مشكلات الإنسان والحياة من التشريعات البشرية العاجزة القاصرة ..

ولكن تقدمية الإسلام ليست ــ كما يريد أو يفهم المتسمون بالتقدميين زورًا وبهتانًا ــ انفلاتًا من القيم الأخلاقية والآداب الكريمة .. بل هي تقدم في الارتقاء بمشاعر الناس وأفكارهم وأخلاقهم .. وهي تقدم في مضمار العلم الموجه واكتشاف آفاق هذا الكون العظيم، ليس من أجل تسجيل سبق علمي وإنما من أجل الاستزادة من التعرف على جلال وجمال وقدرة وعظمة الله رب العالمين ..

وتقدمية الإسلام تأمر بالاستفادة من كل ما تتفتق عنه العقول من مبتكرات ووسائل، شريطة أن تكون موضوعة في أطر الخير عامة، وهذا معنى قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( خذوا الحكمة من أي وعاء خرجت ) وقوله : ( الحكمة ضالة المسلم أنى وجدها فهو أحق بها ) .

4ــ أنها شاملة :

أي أنها دعوة لا تقتصر على صلاح جانب من جوانب الحياة دون الآخر .. فإسلاميتها تعني عموميتها وشمولها ..

فهي دعوة سلفية ؛ لأنها تدعو إلى العودة بالإسلام إلى معينه الصافي من كتاب الله وسنة رسوله ..

وهي طريقة سنية ؛ لأنها تعمل على إحياء السنة المطهرة في أفرادها وفي المجتمع ..

وهي رابطة ربانية ؛ تدرك أن أساس الخير طهارة النفس ونقاء القلب وحسن الصلة بالله ..

وهي حركة سياسية، تعمل على رعاية شئون الأمة بالإسلام على كل صعيد ..

5ــ البعد عن مواطن الخلاف الفقهي :

لأنها تعتقد أن الخلاف في الفرعيات لا بد منه، وهي لذلك تدعو إلى جمع المسلمين حول أصول الإسلام وقواعده ..

ولقد لخص الإمام البنا الشهيد ذلك بقوله :

لسنا حزبًا سياسيًّا، وإن كانت السياسة على قواعد الإسلام من صميم فكرتنا .. ولسنا جمعية خيرية ‘إصلاحية، وإن كان عمل الخير والإصلاح من أعظم مقاصدنا .. ولسنا فرقًا رياضية، وإن كانت الرياضة البدنية والروحية من أهم وسائلنا ..

لسنا شيئا من هذه التشكيلات، فإنها جميعًا تخلقها غاية موضعية محدودة لمدة محدودة، وقد لا يوحي بتأليفها إلا مجرد الرغبة في تأليف هيئة، والتحلي بالألقاب الإدارية فيها ..

ولكننا .. فكرة وعقيدة ونظام ومنهج، لا يحدده موضع ولا يقيده جنس، ولا يقف دونه حاجز جغرافي،ولا ينتهي بأمر حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ذلك لأنه نظام رب العالمين، ومنهاج رسوله الأمين .. نحن أيها الناس ـ ولا فخر ـ أتباع أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحملة رايته من بعده، ورافعو لوائه كما رفعوه، وناشرو لوائه كما نشروه، وحافظو قرآنه كما حفظوه، والمبشرون بدعوته كما بشروا، ورحمة للعالمين { ولتعلمن نبأه بعد حين }.

خصائصها الحركية

1- البعد عن هيمنة الحكام والسياسيين: وان كان من الطبيعي أن يكون من أفرادها حكام وسياسيون... وهذه الخاصة من شأنها أن تحفظ الحركة الإسلامية بعيداً عن الاستغلال والمتاجرة وتبقي عليها صفة التجرد والصدق والاخلاص..

2- التدرج في الخطوات: لأنها تدرك أن طريقها شاق وطويل.. وان أهدافها ضخمة وكبيرة.. وان التدرج في الخطوات واعطاء كل خطوة حقها من شأنه أن يصل بالجماعة إلى ما تبتغي وتريد.. ولقد حدد الإمام الشهيد للدعوة ثلاث مراحل هي: مرحلة التعريف ومرحلة التكوين ومرحلة التنفيذ.. جاء في رسالة التعاليم للامام الشهيد ما يلي:

مرحلة التعريف: بنشر الفكرة العامة بين الناس، ووسيلتها الوعظ والارشاد واقامة المنشآت النافعة وغير ذلك من الوسائل العملية..

مرحلة التكوين: باستخلاص العناصر الصالحة لحمل أعباء الجهاد وضم بعضها الى بعض.. ونظام الدعوة في هذه المرحلة، صوفي بحت من الناحية الروحية، وعسكري بحت من الناحية العملية.. والدعوة في هذه المرحلة لا يتصل بها إلا من استعد استعداداً حقيقياً لتحمل أعباء جهاد طويل المدى كثير التبعات. وأول بوادر هذا الاستعداد (كمال الطاعة).

مرحلة التنفيذ: والدعوة في هذه المرحلة جهاد لا هوادة معه.. وعمل متواصل في سبيل الوصول الى الغاية.. وامتحان وابتلاء لا يصبر عليهما الا الصادقون.. ولا يكفل النجاح في هذا الطور إلا "كمال الطاعة" كذلك...

3- ايثار العمل والانتاج على الدعاية والاعلام: ولقد دفع الحركة الإسلامية الى ذلك أمور: منها ما جاء في الإسلام خاصاً بهذه الناحية بالذات، ومخافة أن تشوب هذه الأعمال شوائب الرياء فتنتهي الى التلف والفساد.. ومنها نفور الطبيعة الاسلامية من اعتماد الدعايات المضخمة والتهريج الذي ليس من ورائه عمل.. ومنها عدم اضاعة الجهد والوقت الا فيما هو مثمر وبناء.. ومنها ما يفرضه أمن الحركة وأمن أفرادها مصداقا لقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان)[1].

4- سياسة النفس الطويل[2]: ان ضخامة العبء، وثقل التبعات، الملقاة على عاتق العاملين في الحقل الاسلامي يؤكدان أن الطريق طويل والعمل شاق والجهاد مرير، وان السائرين على هذا الدرب يجب أن يهيئوا أنفسهم لمواجهة كل عنت ومشقة ولكل بذل وتضحية {ألم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين}.

ان على المنتمين للحركة الإسلامية أن يعتمدوا سياسة (النفس الطويل) فتكون الدعوة إلى الله على بصيرة بقصد مرضاته، فلا يعتسفوا الطريق، ولا يستعجلوا الثمرة قبل نضوجها. وهذا لن يتم إلا إذا فهموا أن الحكم الإسلامي وسيلة لغاية أسمى.. فان تحقق على أيديهم حمدوا الله وان لم يتحقق فلا يأس ولا قنوط ولا تراجع ولا خوف؟ وبهذا يكونون قد أدوا الأمانة وقاموا بواجب الدعوة {وما النصر إلا من عند الله} {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله}.

وقد يقول قائل: ولكن ما بال الأحزاب التافهة العميلة تصل الى الحكم وتقفز الى السلطة هنا وهناك في مدة أقصر وبطريقة أيسر؟ والجواب على ذلك أن الطريقين مختلفان وأن الحركة الإسلامية لن تصل إلا بطريق متميز نظيف، ولو رضيت أن تكون مطية لهذه القوة أو تلك، ولهذا الاستعمار أو ذاك لوصلت كما وصل الكثير؟ {فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم}.

5- علانية العمل وسرية التنظيم: ثم ان العمل للاسلام لا يمكن أن يكون سراً من الأسرار، يقوم به الدعاة وراء الحجب والأستار، يخشون أن يتخطفهم الناس، ويفلسفون ذلك على أنه مصلحة وحكمة؟ فصوت الإسلام يجب أن يعلو، وكلمة الحق يجب أن تقال، والساكت عن الحق شيطان أخرس، (من رأى منكراً فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان).

فالداعية يجب أن يقول كلمة الحق، في مكانه حيث يعمل، وفي بيئته حيث يقطن، سواء بالكلمة التي يستطيع القاءها، أو بالمقالة التي يتمكن من نشرها (بالحكمة والموعظة الحسنة).

ولكن هذا لا يعني بحال أن تكشف الحركة كل ما عندها من مخططات وتنظيمات، فليس في ذلك مصلحة على الاطلاق، بل ان ذلك يعد جهلاً بالاسلام وتعريضاً للحركة ولأفرادها لمكر الأعداء وغدرهم وايذائهم؟ والقاعدة التي يجب تبنيها في هذا المجال هي (علانية العمل وسرية التنظيم) عملاً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان) وقوله (الحرب خدعة).

6- العزلة النفسية لا الحسية: ولقد كثر الكلام أخيراً عن العزلة الشعورية التي دعا إليها الشهيد سيد قطب حيث قال (انه لا بد من طليعة، تعزم هذه العزمة، وتمضي في الطريق.. تمضي في خضم الجاهلية الضاربة الأطناب في أرجاء الأرض جميعاً.. تمضي وهي تزاول نوعاً من العزلة من جانب ونوعاً من الاتصال من الجانب الآخر بالجاهلية المحيطة).

ومفهوم العزلة هنا التي يشير إليها الشهيد هو عزلة الشعور من أن يدنسه رغام الجاهلية.. عزلة النفس واستعلاء ايمانها وهي تمضي في (خضم الجاهلية) تكشف الزيف، تتحدى الباطل، تكابد وتجاهد دون أن تخشى في الله لومة لائم؟

والعزلة هنا تعني التمايز.. تمايز الفئة المؤمنة عن الفئة الكافرة.. تمايزها بالفكر والتصور، وبالأخلاق والسلوك، وبالمشاعر والأحاسيس؟ وهذا ما دعا إليه الإسلام وعبر عنه رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم في كثير من أقواله منها (كونوا كالشامة بين الناس) (لا يكن أحدكم امعة يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤوا أسأت.. ولكن وطنوا أنفسكم، فإن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا أن تجتنبوا اساءتهم).

أما العمل والحركة والاحتكاك والدعوة فلا مجال للعزلة أو للانفراد فيها والا تعطل العمل والحركة والاحتكاك والدعوة.. والعاملون للإسلام اليوم أمام أصناف من الناس لا يجوز أن يعتمدوا حكماً واحداً في معاملتهم..

فمن الناس من هم مسلمون ملتزمون التزاماً فردياً بأحكامه. وعدم قيامهم بواجب العمل الحركي للإسلام لا يجعلهم وغيرهم على حد سواء؟

ومن الناس من هم مسلمون معتزون بالإسلام مع جهلهم له وعدم التزامهم بأحكامه وهؤلاء يمثلون السواد الأكبر من المسلمين اليوم ولا يجوز اعتبارهم والكفار في منزلة واحدة؟

ومن الناس من هم أعداء للإسلام يحادون الله ورسوله سواء كانوا أفراداً أم أحزاباً أم حكاماً؟

ومواقف الدعاة من هؤلاء يجب أن تتفاوت بحسب قربهم وبعدهم، وبحسب اقبالهم وادبارهم، وبحسب ولائهم أو عدائهم.. فمنهم من يلزمه التعهد والتوجيه، ومنهم من تلزمه التوعية والتثقيف.. ومنهم من لا يُفلح معه الا السيف (وآخر الدواء الكيّ) وهذا يفرض أن يكون الدعاة على صلة دائمة ومتصلة بالمجتمع، لأنه أرضية العمل وميدان الجهاد.. ولكنها صلة متميزة.. صلة التأثير لا التأثر.. وصلة التطهير لا التنجس. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول (لصبر أحدكم ساعة في موطن من مواطن الجهاد خير من عبادة أحدكم ستين عاماً).

7- الغاية لا تبرر الوسيلة: ان جرثومة فساد الاتجاهات والتنظيمات غير الإسلامية هي (ميكيافيليتها).. أو بعبارة أخرى (مصلحيتها) التي تتعدى في كثير من الأحيان حدود المبادئ والنظريات التي ترفعها وتنادي بها..

فكم من اتجاهات عقائدية (تسيست) وخرجت عن أطرها الفكرية عند أول تجربة عملية لها.. على مستوى الحكم أو حتى في التمثيل البرلماني؟

هذه الاتجاهات – في الحقيقة – لا تفترض في نفسها وفي المنتسبين اليها ذلك البعد العقيدي الذي يمكن أن يقيها غوائل الانحراف والتلون والنفاق مما هو مائل في معترك الصراع السياسي والفكري، وفيما يبدو من تصرفات السياسيين التقليديين والزعماء العقائديين على حد سواء؟

فمصلحة الشعب، تتحول الى مصلحة للحزب.. ومصلحة الحزب تغدو مصلحة (شخصية) لزعماء الحزب.. وقضايا الأمة تضحى أوراقاً رابحة في سوق المتاجرة والاستهلاك والمساومة.. وأعداء الأمس يصبحون أصدقاء اليوم.. وأصدقاء اليوم أعداء الغد.. وهكذا حتى لا يبقى من عقائدية هذه الاتجاهات سوى أسماء وشعارات كاذبة مزيفة؟

هذا ما يجري على ساحة القوى والاتجاهات الوضعية، وهذا يفسر ويكشف سر الحركة الكامنة فيها وسبب انتشارها وسرعة وصولها الى السلطة؟ ليس لديها التزامات عقائدية وأخلاقية بالمعنى الصحيح.. ليس لديها مواقف واضحة وثابتة.. انما هنالك (استراتيجيات) آخذ بعضها برقاب بعض، وتسابق لاهث لانتهاز كل فرصة واستغلال كل ظرف والمتاجرة بكل قضية مهما كان الثمن فادحاً، ولو كان التضحية بالقضية نفسها أو بالشعب كله؟

أما ما يجري في الساحة الاسلامية، أو ما يفترض أن يجري فيها، فمختلف كلياً عما يجري هناك وهنالك.. فالحركة الإسلامية لا تفرق بين الغاية والوسيلة من حيث وجوب شرعيتها وعقائديتها وأخلاقيتها.. والعاملون في الحقل الإسلامي لا يعملون لذواتهم أو وفق ما تمليه ذواتهم.. إنهم مقيدون بحدود والتزامات عقائدية وأخلاقية ليس لهم أن يحيدوا عنها أو يغيروا فيها؟

أ- فالعمل للحق لا يجوز أن يتوسل بالباطل لبلوغ غاياته وأهدافه، ولو كان هذا الباطل مجرد كلمة أو شعار {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}.
ب- والحق كل لا يتجزأ.. والتنازل عن جزء من الحق تنازل عن الحق كله.. فليس بعد الحق إلا الباطل، وليس بعد الهدى إلا الضلال.. فهذه قريش تعرض على الرسول صلى الله عليه وسلم عروضاً سخية مقابل بعض تنازلات عقائدية منه، فيبتدرهم بقوله تعالى {قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين}.
ج- والحق ينبغي أن يعمل له بقوة.. ويضحى في سبيله بكل شيء، دون أن يساوم عليه بسبب من ترغيب أو ترهيب.. فسحرة فرعون عندما تبين لهم الحق تمردوا على كل تهديد واستعلوا بإيمانهم فوق كل مصلحة وقالوا لفرعون {فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا، إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى} ورسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرض عليه الملك والجاه والمال مقابل أن يخفف من دعوته ينتقض قائلاً (والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه).
د- وأصحاب الحق يجب أن يكونوا واعين حذرين، معتصمين بحبل الله مهتدين بهداه.. فلا تستدرجهم مواقف، أو تفرض عليهم حلول غير متناسبة مع منطلقاتهم العقيدية والأخلاقية {وان احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك. فان تولوا فاعلم انما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم، وان كثيراً من الناس لفاسقون}.
وتحدثنا السيرة النبوية، انه عندما حاول (ملك غسان) أن يستدرج (كعب بن مالك) أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن عزوة تبوك وظلوا في المدينة ولم يخرجوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم كتب له رسالة جاء فيها "انه قد بلغني أن صاحبك جفاك – وكان رسول الله قد قاطع هؤلاء الثلاثة فلا يكلمهم أحد من المسلمين – ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا "فقال كعب عندما قرأ الرسالة: وهذا من البلاء أيضاً، قد بلغ بي ما وقعت فيه – يعني التخلف – ان طمع بي رجل من أهل الشرك، ثم عمد الى تنور فأحرق الرسالة فيه؟".
هـ- وأخيراً فان الحق هوالذي يمليه الشرع لا الناس، ولو كان مخالفاً لأهوائهم وآرائهم وتصوراتهم جميعاً.. فالإسلام يرفض تملق الجماهير فيما يخالف شرع الله مهما كان يسيراً، وهو في منطق الإسلام نفاق وتعد على حدود الله (من اشترى رضى الناس بسخط الله ما زاده الله إلا ذلاً، ومن اشترى رضى الله بسخط الناس ما زاده الله إلا عزاً) وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول (لا يكن أحدكم امعة يقول أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم، فإن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساؤوا أن تجتنبوا إساءتهم).

[1] راجع رسالة المؤتمر الخامس للإمام الشهيد وكتاب (دروس في دعوة الإخوان المسلمين).

[2] من نشرة داخلية صدرت في الكويت.

عدة الحركة الإسلامية

يشير الإمام الشهيد الى عدة الحركة الإسلامية فيقول:

(عدتنا هي عدة سلفنا من قبل، والسلاح الذي غزا به زعيمنا وقدوتنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته العالم، مع قلة العدد وقلة المورد وعظيم الجهد. هوالسلاح الذي سنحمله لنغزو به العالم من جديد..

1- لقد آمنوا أعمق الإيمان وأقواه وأقدسه وأخلده بالله ونصره وتأييده {ان ينصركم الله فلا غالب لكم}.
2- وبالمنهاج ومزيته وصلاحيته {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام}.
3- وبالاخاء وحقوقه وقدسيته {إنما المؤمنون إخوة}..
4- وبالجزاء وجلاله وعظمته وجزالته {ذلك بأنهم لا يصييبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله، ولا يطؤون موطئاً يغيظ الكفار، ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح، إن الله لا يضيع أجر المحسنين}.
5- وبأنفسهم، فهم الجماعة التي وقع فيها اختيار القدر لانقاذ العالمين، وكتب لهم الفضل بذلك، فكانوا خير أمة أخرجت للناس.

لقد سمعوا المنادي ينادي للايمان فآمنوا، ونحن نرجو أن يحبب الله الينا هذا الايمان ويزينه في قلوبنا كما حببه اليهم وزينه من قبل في قلوبهم.. فالإيمان أول عدتنا..

الجهاد من عدتنا كذلك:

- ولقد علموا أصدق العلم وأفقهه، ان دعوتهم لا تنتصر إلا بالجهاد والتضحية والبذل وتقديم النفس والمال، فقدموا النفوس وبذلوا الأرواح وجاهدوا في الله حق جهاده.

- وسمعوا هاتف الرحمن يهتف بهم {قل ان كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} فأصاخوا للنذير، وخرجوا عن كل شيء طيبة بذلك نفوسهم، راضية قلوبهم، مستبشرين ببيعهم الذي بايعوا الله به..

يعانق أحدهم الموت وهو يهتف: (ركضاً الى الله بغير زاد)..

ويبذل أحدهم المال كله قائلاً (أبقيت لعيالي الله ورسوله)

ويخطر أحدهم والسيف على عنقه.

ولست أبالي حين أقتل مسلماً

على أي جنب كان في الله مصرعي

كذلك كانوا: صدق جهاد، وعظيم تضحية، وكبير بذل، وكذلك نحاول أن نكون.

القسم الثاني - ماذا يعني انتمائي للحركة الإسلامية

رابعاً - أن أدرك طرائق العمل الإسلامي

  • - الاتجاه الروحي
  • - الاتجاه الثقافي
  • - الاتجاه الخيري
  • - الاتجاه السياسي
  • - التكامل في الحركة الاسلامية
  • أن أدرك طرائق العمل الإسلامي ولماذا الحركة الإسلامية

ان انتمائي للحركة الإسلامية يفرض علي أن أعرف لماذا أنا في الحركة الإسلامية ولست من غيرها؟ ما الذي جعلني هنا، ولم يجعلني هناك أو هنالك؟ هل هي الصدفة (والصدفة مرفوضة في منطق الشرع) أم هي نتيجة البحث والاطلاع والتمحيص؟

ان عليّ أن أتعرف على طرائق العمل الإسلامي الأخرى ليكون انتمائي للحركة الإسلامية انتماءً واعياً وليس انتماء عشوائياً أوهوائياً؟

ان علي أن أدرك حين أنتمي للحركة الإسلامية أن طرائق العمل الإسلامي الأخرى ومنظماته المختلفة، لا تمثل الخط الإسلامي الأصيل.. وان واحدة منها لا تلتزم بمنهج الرسول صلى الله عليه وسلم التزاماً كاملاً وان كان بعضها يختلف عن بعض اختلافاً كبيراًَ في نسبة الالتزام ومدى جزئيته أو كليته..

والحقيقة أن الذي ينظر الى أقطار العالم الإسلامي يرى عدداً من الواجهات والهيئات الإسلامية..

فهنالك هيئات ذات اتجاه (روحي) محض، تعنى بالتربية الروحية وقد أسقطت من حسابها بالكلية الجوانب الأخرى من الاهتمامات الإسلامية الفكرية والسياسية والجهادية والتنظيمية والتخطيطية الخ.. مما جعلها بعيدة عن واقع الحياة، جاهلة بما يجري حولها من أحداث ومجريات، عاجزة عن فهم الظروف التي تعيشها فضلاً عن التأثير فيها وتغييرها؟

وهناك هيئات ذات اتجاه (ثقافي) نشأت في الأصل كردة فعل عاطفية، أو بفعل المنافسة بالمثل لمنظمات (مسيحية أو يهودية) كجمعيات الشبان المسلمين مثلاً.. مما جعل هذه الهيئات ملتزمة بخطها التقليدي الذي انطلقت على أساسه وقامت ابتداء بفعل ضغطه وتأثيره.. بل ان مثل هذا النوع من الواجهات الاسلامية كان يسيء للإسلام أحياناً كثيرة بمسايرته لأنظمة وعهود عرفت بعدائها الصارخ للإسلام وأهله؟ وهذا ما يأباه الشرع وتأباه طبيعة الإسلام المتميزة..

وهنالك جمعيات ذات اتجاه (خيري) نشأت تحت ضغط الحاجة الى اعانة البائسين، وتأمين العلاج للمرضى والمحرومين (كجمعيات مكارم الأخلاق واسعاف المحتاجين ودور الأيتام وغيرها) هذه الجمعيات وان كانت تقوم بجهود مشكورة في نطاق ما ندبت نفسها له – وهو واجب إسلامي – إلا انها تبقى محدودة في اطار ما قامت من أجله، ولا يمكن اعتبارها بحال (الحركة التغييرية) التي تستهدف اقامة المجتمع الاسلامي واستئناف الحياة الإسلامية؟

وهنالك أحزاب إسلامية ذات اتجاه (سياسي) صرف.. تتبنى لوناً من العمل لا تتخطاه أو تتعداه، وهو المناورة باسم الاسلام، ورفع الشعارات الاسلامية ولكن من غير محتوى عقيدي تلتزم به كتنظيم وأفراد.. وهذه الأحزاب لا تتورع أحياناً عن مخالفة أصل من أصول الإسلام أو الخروج عن مبدأ من مبادئه بحجة (المرونة والانفتاح) ودعوى تحقيق مصلحة المسلمين، كالاشتراك في الحكم في ظل أنظمة وضعية كافرة، أو طرح قضايا جانبية وجزئية وافراغ الجهد فيها والانشغال بها عن القضايا الأساسية التي جاء بها الإسلام؟

ان هذه الهيئات والواجهات والأحزاب الاسلامية وتلك لا تمارس العمل الإسلامي الأصيل المتكامل.. العمل الذي يمكن أن يحقق النقلة الكبيرة من الجاهلية إلى الإسلام.. العمل الذي يمكن أن ينقذ العالم الإسلامي من تحكم الحضارة الغربية الفاجرة وحكم الكفر والطاغوت.. العمل الذي يستهدف تكوين الفرد المسلم، والبيت المسلم، والمجتمع المسلم، والدولة المسلمة التي تحكم بما أنزل الله..

ولذلك تبقى أعمال كل هذه الفئات مبتورة شوهاء فضلاً عن أن بعضها قد يتسبب باساءات بالغة للإسلام باسم الإسلام؟ وجزئية هذه الفئات وقصور عملها قد يوحيان أن الإسلام كذلك، وتعالى الإسلام عن ذلك علواً كبيراً؟ أو قد يخففان من خطورة النظم الوضعية وينفسان من غلواء المسلمين عليها ويساعدانها على الاستمرار والبقاء؟

ان العمل الإسلامي الذي يقوم على أساس (التغيير الكلي) والاعداد من أجل التغيير الكلي.. والذي يحمل الاسلام (جملة) ويسعى لتطبيقه جملة – وان عجز حيناً وتعثر في بعض مراحل العمل أحياناً – هو العمل السليم الذي يمثل الخط الأصيل، كائناً ما كانت أسماؤه ومسمياته الخارجية، لأنه يلتقي على وحدة فهم ووحدة أسلوب ووحدة طريق ووحدة غاية وان تناءت الأقطار وتباعدت الديار.

ولقد عبر الإمام الشهيد حسن البنا رضوان الله تعالى عليه عن مواصفات هذه الفئة من العاملين أوضح تعبير فقال: (أيها الإخوان.. أنتم لستم جمعية خيرية، ولا حزباً سياسياً، ولا هيئة موضعية، لأغراض محدودة المقاصد.. ولكنكم روح جديد يسري في قلب هذه الأمة فيحييه بالقرآن، ونور جديد يشرق فيبدد ظلام المادة بمعرفة الله، وصوت داو يعلو مردداً دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم)[1].

[1] مجموعة الرسائل للإمام الشهيد.

خامسًا - أن أدرك أبعاد انتمائي للحركة الإسلامية

  • • الانتماء العقيدي .
  • • الانتماء المصيري .

إن الانتماء للحركة الإسلامية لا يكون بتقديم طلب انتساب وتسجيل اسم فحسب .. ولا يكون بالتردد إلى منتديات الحركة ومراكزها وحضور اجتماعاتها فقط .. إنما ينبغي أن يكون لهذا الانتماء أبعاد تتجاوز الحدود الشكلية والاعتبارات المظهرية .. أبعاد تؤكد العمق العقيدي وقوة الارتباط الفكري والتنظيمي .

الانتماء العقيدي :

وأول الأبعاد التي يجب أن ندركها في انتمائنا للحركة الإسلامية هو البعد العقيدي، ذلك أن الحركة ترفض ( الانتماء الشخصي ) المعهود في التكتلات الزعامية، والذي يعتبر جرثوم فنائها واندثارها .

فالانتماء للحركة الإسلامية هو أولاً انتماء لهذا الدين، وهو بالتالي امتثال لأمر الله وطمع في رحمته ورضاه .. وهذا ما يجعل الانتماء في منأى عن التأثر بموت الأشخاص أو زوالهم أو غيابهم عن مسرح الدعوة لسبب أو لآخر ؛ لأنه يجعل ارتباط الأفراد بالله، واجتماعهم عليه ـ سبحانه وتعالى ـ، وهذا في الواقع هو سر خلود هذه الدعوة وبقائها واستمرارها ( من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ) { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرًا عظيمًا }.

والحركة الإسلامية ترفض كذلك ( الانتماء العفوي أو العاطفي ) لأن الإسلام منهج حياة يقوم على مفاهيم محددة عن الكون والإنسان والحياة .. ولأن العمل للإسلام يهدف إلى تحقيق هذا المنهج في المجتمع، تحقيقه بوعي وعمق وموضوعية .

ولذلك يكون الوعي العقائدي والحركي والالتزام العملي من الأبعاد التي تشترط لهذا الانتماء .. بل إن الثبات على الدعوة وعملها والبقاء في المسيرة الإسلامية وتحقيق الإنتاج فيها يفرضان توفر الفهم الصحيح والوعي السليم لأبعاد الانتماء ..

وأكثر الذين يتساقطون على الطريق، أو يتركون المسيرة بسرعة هم ممن ساروا بعفوية واندفعوا بعاطفية ـ تحت ظرف من الظروف ـ ولم يدركوا أبعاد الطريق .

والحركة الإسلامية ترفض ـ كذلك ـ ( الانتماء المصلحي )، أي الانتماء الذي يتوسل به الناس لتحقيق بعض أغراضهم ومصالحهم الشخصية، ويتذرعون به للوصول إلى مآرب خاصة مادية واجتماعية .

إن الانتماء للحركة الإسلامية يعني : تجنيد طاقة الفرد لخدمة الجماعة .. يعني إخضاع مصالحه لمصلحة الإسلام وليس العكس .. وهذا ما يربط العمل بالنية، والانتماء إطار العمل، فلا بد وأن يزكو ويصفو ويطهر ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجته إلى ما هاجر إليه ).

الانتماء المصيري :

والبعد الآخر الذي ينبغي أن يتحقق في الانتماء للحركة الإسلامية، هو البعد المصيري، أي أن يكون انتماء مصير .. بمعنى أن يرتبط مصير المنتمي بمصير الجماعة كائنًا ما كانت الظروف .

فلا يكون انتماء مرحلة ينتهي بانتهائها، أو انتماء ظرف ينتهي بزواله .

لا يكون انتماء في مرحلة الشباب ( والعزوبة )، وإدبارًا في مرحلة الرجولة ( والزواج ) .

لا يكون انتماء في حالة الفقر والعسر وهروبًا في حالة الغنى واليسر .

لا يكون انتماء في الرخاء ونكوثًا في البلاء .

إنما يجب أن يكون الانتماء للحركة انتماء مؤبدًا لا انفكاك فيه أو نكوث عنه أو هروب منه حتى يلقى المنتمي ربه وهو على ذلك، وهذا ما كان عليه أسلافنا الصالحون، بل هذا ما أكدته كثير من آيات الله البينات، منها قوله ـ تعالى ـ : { ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله، ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم، أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين، وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين } وقوله : { ومن الناس من يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين } وقوله : { وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين، وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين }.

إن دعوة الحق دعوة التزامات .. دعوة إيمان وعمل .. دعوة جهاد ورباط ومصابرة .. دعوة تضحية وبذل وفداء .. ومن طبيعة دعوة الحق أن يتعرض أصحابها لتحديات أهل الباطل وتعدياتهم ولمكرهم وغدرهم { ولبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم }.

إن المنتمين للحركة الإسلامية يجب أن يكونوا نمطًا آخر من الناس، في أخلاقهم ومعاملاتهم ومشاعرهم .. إن عليهم أن يعيشوا مبادئهم ولمبادئهم كائنًا ما كانت الظروف والأحوال، بل إن عليهم أن يخرجوا من أنانياتهم وذاتياتهم إلى ذاتية الدعوة ومصلحتها .. هذه الصفات وسواها لا يمكن أن تشرق بها الشخصية الإسلامية ويتسم بها العاملون إلا بعد تمحيص طويل عبر المكابدة والمعاناة { فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض }.

من هذه الزاوية تكون المحنة منحة من الله يميز بها الخبيث من الطيب ويستخلص ويصطفي من هو أهل للاستخلاف في الأرض ولحمل الأمانة العظمى التي أبت السموات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها، وصدق الله العظيم حيث يقول : { إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله، وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين، وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين }.

ومحنة الدعاة في الدعوة نوعان أساسيان تتفرع عنهما صنوف المحن والفتن :

الأول : يتعرض فيه الدعاة لشتى ألوان الإغراء والإغواء، كالمال والجاه والسلطان والمنصب ـ مقابل التنازل عن بعض مبادئهم أو كلها { زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب . قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد }.

الثاني : ويتعرض فيه الدعاة لصنوف الإرهاب والترهيب وألوان الاضطهاد والتعذيب، يضربون ويسجنون أو يقتلون أو يحاربون في أرزاقهم، وواجبهم هنا الصبر والثبات حتى يقضي الله بأمره { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم }.

وهذا ما يجعل المحنة في حياة الدعوة عنصرًا من عناصر التمحيص، ووسيلة من وسائل الترقية والتنقية .. مثلها في ذلك مثل النار تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد .. وصدق الله ـ تعالى ـ حيث يقول : { ونبلوكم بالخير والشر فتنة وإلينا ترجعون }.

يقول الإمام الشهيد ـ رحمه الله ـ في رسالة ( بين الأمس واليوم ) تحت عنوان : العقبات في طريقنا :

( أحب أن أصارحكم أن دعوتكم لا زالت مجهولة عند كثير من الناس، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها وأهدافها ستلقى منهم خصومة شديدة وعداوة قاسية، وستجدون أمامكم كثيرًا من المشقات، وسيعترضكم كثير من العقبات .. في هذا الوقت وحده تكونون قد بدأتم تسلكون سبيل أصحاب الدعوات .. أما الآن فلا زلتم مجهولين ولا زلتم تمهدون للدعوة وتستعدون لما تتطلبه من كفاح وجهاد .. سيقف جهل الشعب بحقيقة الإسلام عقبة في طريقكم .. وستجدون من أهل التدين ومن العلماء الرسميين من يستغرب فهمكم للإسلام وينكر عليكم جهادكم في سبيله .. وسيحقد عليكم الرؤساء والزعماء وذوو الجاه والسلطان، وستقف في وجوهكم كل الحكومات على السواء، وستحاول كل حكومة أن تحد من نشاطكم، وأن تضع العراقيل في طريقكم ..
وسيتذرع الغاصبون بكل طريق لمناهضتكم وإطفاء نور دعوتكم، وسيستعينون في ذلك بالحكومات الضعيفة والأخلاق الضعيفة والأيدي الممتدة إليهم بالسؤال وإليكم بالإساءة والعدوان ..
وسيثير الجميع حول دعوتكم غبار الشبهات وظلام الاتهامات، وسيحاولون أن يلصقوا بها كل نقيصة، وأن يظهروها للناس في أبشع صورة معتمدين على قوتهم وسلطانهم، ومعتدين بأموالهم ونفوذهم : { يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون }..
وستدخلون بذلك ولا شك في دور التجربة والامتحان .. فتسجنون وتعتقلون وتشردون وتصادر مصالحكم وتعطل أعمالكم وتفتش بيوتكم .. وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون } ولكن الله وعدكم من بعد ذلك كله نصرة المجاهدين ومثابة العاملين المحسنين : { ياأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم ..... فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين }.. فهل أنتم مصرون على أن تكونوا أنصار الله ؟ .

سادسًا - أن أكون مدركًا لمرتكزات العمل الإسلامي

  • • وضوح الغاية .
  • • وضوح الطريق .
  • • طبيعة تغييرية .
  • • طبيعة كلية .
  • • طبيعة عالمية .
  • • طريق الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
  • • مكان القوة في استراتيجية الحركة .
  • ثمة ثلاثة مرتكزات لنجاح العمل الإسلامي يجب أن يدركها العاملون للإسلام وهي :
1 ـ وضوح الغاية .
2 ـ وضوح الطريق .
3 ـ الالتزام بهما .

أولاً : وضوح الغاية :

إن وضوح الغاية من العمل الإسلامي يوفر على العاملين كثيرًا من الجهود، وبالتالي يحفظ هذه الجهود من أن تستهلك وتضيع في قضايا هامشية ومعارك جانبية لا تتصل من قريب أو بعيد بالغاية الأساسية التي يستهدفها ( العمل الإسلامي ) والتي ينبغي أن تفرد لها كل الطاقات والإمكانيات .

ومن خلال دراستنا للمنهج الإسلامي .. من خلا لتدبرنا لكتاب الله ـ تعالى ـ وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .. ومن خلال الممارسات التطبيقية العملية في شتى مراحل التاريخ الإسلامي يتأكد لنا أن المبرر الأساسي لرسالة الإسلام .. والغاية الأصيلة لهذا الدين هي : تعبيد الناس لربهم أفرادًا ومجتمعات .. تعبيدهم له في المسجد أثناء الصلاة كما في السوق أثناء البيع والشراء .. تعبيدهم له في ( الصوم ) كما في ( الحكم ) .. وفي الدعاء كما في القضاء سواء بسواء { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون }.

وبصراحة أكثر .. تعبيد الناس لله يعني أن يكون ولاؤهم له في كل شأن من شئون حياتهم .. ليس في شئون الدين فحسب وإنما في شئون الدين والدنيا .. ذلك أنه لا انفصال أو انفصام في المفهوم الإسلامي بين شئون الدين وشئون الدنيا .. وهذا ما يفسر رفض الإسلام ( للعلمنة ) التي تقوم على أساس فصل الدين عن الدولة، وإن ما لقيصر لقيصر وما لله لله، وإن الدين لله والوطن للجميع .

إن تعبيد الناس لله ـ في المفهوم الإسلامي ـ يعني بالتالي نقض كل المناهج البشرية التي من شأنها تعبيد الناس للطاغوت .. نقض هذه المناهج لأنها تمثل أولاً : الاعتداء الصارخ على حق الله في العبودية والحاكمية { إن الحكم إلا لله }، ولكونها ثانيًا : فاشلة في ذاتها عاجزة في إمكاناتها عن تحقيق إنسانية الإنسان في معركة تحقيق الذات : { أفمن يخلق كمن لا يخلق، أفلا تذكرون }.

ثانيًا : وضوح الطريق :

ويجب أن ندرك كذلك أن العمل للإسلام يعني العمل لتطبيق شرعة الله في الأرض .. يعني إحلال هذه الشريعة مكان شرائع الهوى والطاغوت .. ومنهج الله وشريعته فيها من ( الكفاية ) ما يغنيها، ومن ( الغنى ) ما يكفيها .. فيها من العقيدة جلالها، ومن الأخلاق جمالها، ومن التشريع سعته وعمقه ومرونته .

وبذلك لا يكون التعايش مع الجاهلية ـ أمدًا ـ وقدرًا ـ إلا في حدود ما تحتاجه عملية الانقلاب عليها من قوى وإمكانيات .. لأن الغاية هي تحقيق هذه النقلة .. وكل عمل لا يكون مساعدًا على تحقيقها، أو مساهمًا في بلوغها، يكون تلهيًا بما هو أدنى عن الذي هو خير { فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم }.

أما فيما يتعلق بطريق العمل للإسلام .. وهو مدار الخلاف بين العاملين .. فيمكن تحديده في ضوء الغاية التي جاء الإسلام لتحقيقها .. ومن خلال المسلك النبوي الذي اعتمده رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لتحقيق هذه الغاية .

فغاية المنهج الإسلامي تحدد طبيعة الطريق وأبعاده، وترسم بالتالي المعالم الأساسية للخطة التي يجب أن تعتمدها الحركة الإسلامية في كل زمان ومكان .

هذا يعني بالتالي، أن طريق العمل للإسلام يجب أن تخضع لقواعد وأصول ثابتة تمليها الغاية الأساسية من العمل، وتؤكدها الترجمة العملية في سيرة الرسول الأعظم ـ صلى الله عليه وسلم ـ ..

ذلك أنه إذا كانت غاية منهج من المناهج ( علمية ) فإن طبيعة الطريق ستكون بالتالي علمية ثقافية متوافقة مع الغاية نفسها .. كذلك الحال إذا كانت الغاية ( تربوية أو اقتصادية أو عسكرية أو رياضية أو خيرية ) فإن طبيعة الطريق ستكون متجانسة مع الغاية نفسها .

فإذا كانت غاية المنهج الإسلامي ـ كما هو معلوم ـ هي تعبيد الناس لله في سلوكهم ومعاملاتهم، في أنظمتهم وتشريعاتهم وفي كل مناحي حياتهم .. فإن ذلك يعني إحلال المنهج الإسلامي محل النظم الوضعية .. يعني استبدال وضع بوضع .. يعني نقض الأسس والمرتكزات التي يقوم عليها المجتمع ونقض الحضارة التي يتبناها ويعتمدها، ليتم بعد ذلك عملية البناء على قواعد الإسلام ووفق أسسه ومرتكزاته .

• طبيعة تغييرية :

إن ذلك يفرض أن تكون طبيعة العمل للإسلام ( تغييرية ) وليست ( ترميمية ) ..

تغييرية بمعنى أنها تأبى الترقيع والقبول بأنصاف الحلول .. تأبى الانسجام مع المناهج الجاهلية .. تأبى التعايش مع المذاهب الوضعية، كل المذاهب الوضعية .

طبيعة كلية :

ثم إن ذلك يفرض أن تكون طبيعة العمل للإسلام ( كلية ) بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى وما تحمله من دلالات وما تطرحه من أبعاد .. أن تكون كلية في استيعابها لكل ما تتطلبه المواجهة من إمكانات، وما يحتاجه تحقيق ( الغاية الكبرى ) من وسائل وطاقات .

إن الوعي الفكري والسياسي والحركي .. وإن التربية النفسية والحركية .. وإن التنظيم والتخطيط .. وإن الإعداد البشري والمادي ـ على كل صعيد ـ من العناصر التي لا بد منها مجتمعة والتي لا غنى لبعضها عن الآخر لتحقيق الكلية في العمل الإسلامي، وصولاً إلى الغاية المنشودة ( حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) .

طبيعة عالمية :

ومسألة أخرى يجب أن تكون واضحة للعاملين، وهي أن العمل للإسلام يجب أن يصل إلى مستوى العالمية وعيًا وتخطيطًا وتنظيمًا ولا يجوز بحال أن يبقى صيحات خافتة تعلو وتخفت هنا وهناك وهنالك .

فالإسلام في مضمونه الفكري ومحتواه العقائدي نظام عالمي، يتعدى الأطر الإقليمية والقومية والعرقية واللغوية .. نظام يملك من سعة الأصول التشريعية ومرونتها ما يجعله فريدًا في قدرته على استيعاب مشاكل الحياة على كل مستوى وفوق كل صعيد .

وعالمية الدعوة تبدو من خلال الانتشار الأفقي للمجتمع الإسلامي والذي غطى أكثر من نصف المعمورة مع الحفاظ على وحدة القيادة فوق هذه البلاد جميعها .

إن عالمية العمل للإسلام حتمية بالضرورة فضلاً عن كونها واجبًا من حيث المبدأ .. فنحن نعيش عصرًا عالمي المشكلات، عالمي القوى والاتجاهات، عالمي الأفكار والمذاهب، شئون الناس وقضاياهم وسياساتهم متداخلة متشابكة، كذلك أقطارهم ودولهم، بحيث يصعب العمل والتحرك من غير ملاحظة كل الجوانب والظروف والقوى، ظاهرها وباطنها، أمامياتها وخلفياتها، محلياتها ودولياتها ..

إن دراسة أصغر قضية أو مشكلة محلية قد تؤكد في النهاية وجود مسببات وخلفيات خارجية لها، كما قد تؤكد الاحتياج إلى فعاليات وإجراءات دولية لحلها .

حيال كل ذلك .. يفرض على العاملين للإسلام ـ وهم طلائع الحركة الإسلامية العالمية الأصيلة ـ أن يخرجوا من إطار التفكير والتخطيط والتنظيم الإقليمي، ليبعدوا بالطاقات الإسلامية عن دوامة التآكل والاستنزاف المحلي والجانبي .. ليواجهوا بها قضاياهم الكبرى الأساسية .. ليحققوا الغاية الأساسية من وجودهم { لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى }.

إن مهمة الحركة الإسلامية أن تهيئ كل الطاقات والإمكانات الكفيلة بإزالة حكم الطاغوت، وليس مهمتها أن تتلمس الحلول لمشكلات المجتمعات الجاهلية التي تحكم بغير ما أنزل الله .

ليس من مهمة العمل الإسلامي أن يلتمس حلول المشكلات التعليمية والإعلامية، أو الغذائية والكسائية، أو السياسية والاقتصادية، أو سواها من المشكلات التي خلفتها النظم الوضعية الفاسدة، وإذا كان لا بد من التعرض لمثل هذه المشكلات من قريب أو بعيد، فبقدر ما يؤدي إلى إدانة النظم التي أفرزتها، وبقدر ما يعري هذه النظم ويفضحها ويؤكد بطلانها، ليس أبدًا بما يساعد هذه النظم على التسلط والاستمرار، أو يهيئ لها فرص البقاء والنماء .

فإذا عرضت ( مشكلة الغلاء ) مثلاً، كان على الحركة أن تبين أنها ثمرة طبيعية لحاكمية النظم الرأسمالية التي من شأنها خلق الأجواء المناسبة لنشأة الاحتكار وسيطرة فئة من الناس على ثروات البلاد وتسخيرها لمصالحها الذاتية، وإن الإسلام هو المنهج الوحيد الذي يملك خلق مجتمع نظيف تتحقق فيه العدالة وتصان فيه حقوق الإنسان وحرماته، والويل فيه لمن يعتدي على كرامة الإنسان وحقوقه، لا أن تعمل الحركة على مساعدة هذه النظم على حل المشكلة، لأنها بذلك تكون قد أعطتها مبرر البقاء .

وإذا عرضت لنا ( قضية فلسطين ) مثلاً .. كان على الحركة الإسلامية أن تؤكد من خلالها على فشل الأنظمة الحاكمة الذريع .. فشلها في تعبئة الأمة نفسيًّا وحسيًّا للجهاد في سبيل الله واسترداد الأرض المغتصبة .. وعلى دوران هذه النظم في فلك المعسكرات الاستعمارية الشرقية والغربية .. كما كان عليها أن تؤكد بكل ثقة واعتزاز أن الإسلام هو المنهج الوحيد القادر على إعداد الأمة وتهيئتها لمواجهة كل التحديات، وتحقيق النصر في كل ميدان ..

إن قبضة الحركة الإسلامية ينبغي أن تكون موجهة دائمًا وباستمرار إلى مقاتل النظم الوضعية الحاكمة .. إلى مرتكزاتها الأساسية وقواعدها ومنطلقاتها ..

وحذار من خطوة تكون سببًا في عيشها لا مسمارًا في نعشها .

حذار من خطوة تكون مبررًا لبقائها لا عاملاً في زوالها وفنائها .

طريق الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ :

ثم لا بد من وقفة استطلاعية لطريق الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لنعرف ونتبين مدى توافقها مع غاية المنهج الإسلامي وطبيعته ..

والحقيقة أن سيرة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بكل سماتها وتفصيلاتها تشكل أساسًا لا مناص من أن تلتزم به مواكب العاملين للإسلام في كل زمان ومكان .. فهي تعرض للأسلوب الأسلم في العمل للإسلام وتعرض لفن الدعوة والتعامل مع الناس، وبالتالي تبين كيفية مواجهة المجتمعات الجاهلية ونقضها ..

ويمكن تحديد معالم الطريق النبوية من خلال الخطوط الرئيسية التالية :

أولاً : إعلان العبودية لله من أول يوم، من غير مصانعة أو التواء .. لتكون الغاية واضحة .. في أذهان الدعاة كما هي واضحة في أذهان المدعوين { ليميز الله الخبيث من الطيب }.

وقد جاء هذا الإعلان في قوالب شتى كان الوحي يتنزل بها على قلب محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكلها ترتكز على معنى واحد، وهو تعبيد الناس لله في كل شأن من شئون حياتهم، تعبيدهم له في ( الألوهية ) وتعبيدهم له في ( الربوبية ).

ولقد قاسى الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصحبه شتى ألوان الأذى والاضطهاد دون أن يحيدوا أنملة أو يترخصوا في حمل العقيدة وفي دعوة الناس إليها { قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين } فالحق أحق أن يتبع مهما غلا الثمن وعزت التضحية { وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر }.

ثانيًا : إقامة تجمع حركي، يرتبط عقائديًّا وإيمانيًّا بالله، ويخضع تنظيميًّا وحركيًّا لقيادة واعية، ويسير على هدى من الله ونور ..

تجمع حركي لا يخبط خبط عشواء، ولا تشغله الأحداث الجانبية والقضايا الهامشية عن مواصلة العمل والإعداد لتحقيق أهداف الإسلام الكبرى..

تجمع حركي، يرتبط بالإسلام ارتباط مصير، يتجاوز كل الاعتبارات والتعلقات الشخصية والمادية والزمنية ..

تجمع شهدت ولادته دار ( الأرقم بن أبي الأرقم ) حيث تأصل الإيمان في قلوب أصحابه، وخبرت جهاده وتضحياته ساحات المعارك في بدر والقادسية واليرموك .. وصفحات التاريخ زاخرة ببطولات هذا الجيل الذي تعهده محمد بن عبد الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والذي به فتح الله الدنيا أمام دعوة الإسلام ..

أولئك آبائي فجئني بمثلهم ................................

ثالثًا : مواجهة الجاهلية مواجهة كاملة ولكنها واعية .. فالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يدرك أن أهداف الإسلام تحتاج إلى تغيير كلي في حياة الناس .. في أفكارهم ومعتقداتهم .. في سلوكهم وتقاليدهم .. في نظمهم وتشريعاتهم .. وإن هذه المواجهة بالتالي تحتاج إلى إعداد ( الطليعة المؤمنة ) بما يتناسب وثقل الأمانة وضراوة التحدي وضخامة الأهداف .. ولذلك .. كان الإعداد كليًّا .. بالعبادة والتربية كما بالفكر والثقافة .. وبالتنظيم والتخطيط كما بالتدريب والتمرس على الجهاد النفسي والحسي .. كل جانب من هذه الجوانب بحسب أهميته وحجم الحاجة إليه وفي مكانه من مراحل العمل كمًّا وكيفًا ووقتًا ..

مكان القوة الحسية في استراتيجية الحركة :

وهنا لا بد من الإشارة إلى مكان ( القوة الحسية ) في استراتيجية العمل الإسلامي حتى لا يذهبن الشطط بأحد فيظن أنها كل شيء أو أنها لا شيء ؟

ولقد بين الإمام البنا ـ رحمه الله ـ مكان القوة في استراتيجية الحركة الإسلامية، فقال :

يتساءل كثير من الناس : هل في عزم ( الحركة الإسلامية ) أن تستخدم القوة في تحقيق أغراضها ؟ وهل تفكر في إعداد ثورة عامة على النظم السياسية أو النظم الاجتماعية ؟ ولا أريد أن أدع هؤلاء المتسائلين في حيرة، بل إني أنتهز هذه الفرصة فأكشف اللثام عن الجواب السافر لهذا التساؤل في وضوح وجلاء، فليسمع من يشاء .

أما القوة فشعار الإسلام في كل نظمه وتشريعاته، فالقرآن الكريم ينادي في وضوح وجلاء : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم }، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : ( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ) بل إن القوة شعار الإسلام حتى في الدعاء، وهو مظهر الخشوع والمسكنة، واسمع ما كان يدعو به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في خاصة نفسه ويعلمه أصحابه ويناجي به ربه :( اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال ) .

فماذا تريد من إنسان يتبع هذا الدين إلا أن يكون قويًّا في كل شيء، شعاره القوة في كل شيء ؟ فالإخوان المسلمون لا بد أن يكونوا أقوياء ولا بد أن يعملوا في قوة .

ولكن الحركة الإسلامية أعمق فكرًا وأبعد نظرًا من أن تستهويها سطحية الأعمال والفكر، فلا تغوص إلى أعماقها ولا تزن نتائجها وما يقصد منها ,ما يراد بها، فهي تعلم أن أول درجة من درجات القوة قوة العقيدة والإيمان، ويلي ذلك قوة الوحدة والارتباط، ثم بعدهما قوة الساعد والسلاح، ولا يصح أن توصف جماعة بالقوة حتى تتوفر لها هذه المعاني جميعًا، وأنها إذا استخدمت قوة الساعد والسلاح وهي مفككة الأوصال مضطربة النظام أو ضعيفة العقيدة خامدة الإيمان، فسيكون مصيرها الفناء والهلاك .

هذه نظرة، ونظرة أخرى، هل أوصى الإسلام ـ والقوة شعاره ـ باستخدام القوة في كل الظروف والأحوال ؟ أم حدد لذلك حدودًا واشترط شروطًا ووجه القوة توجيهًا محمودًا ؟ ونظرة ثالثة، هل تكون القوة أول علاج أم أن آخر الدواء الكي، وهل من الواجب أن يوازن الإنسان بين نتائج استخدام القوة النافعة ونتائجها الضارة وما يحيط بهذا الاستخدام من ظروف ؟ أم من واجبه أن يستخدم القوة وليكن بعد ذلك ما يكون ؟ . هذه نظرات تلقيها الحركة الإسلامية على أسلوب استخدام القوة قبل أن تقدم عليها، والثروة أعنف مظاهر القوة، فنظر الحركة الإسلامية إليها أدق وأعمق . ( مجموعة الرسائل ) .

سابعًا - أن أدرك شروط البيعة والعضوية

  • • الكيف لا الكم .
  • • البيعة وحكمها الشرعي .
  • • الطاعة وحكمها الشرعي .
  • • أركان البيعة .
  • • واجبات الأخ المسلم .

إن بإمكان كل مسلم أن يشارك الحركة الإسلامية أعباء العمل للإسلام، وذلك بالانتظام في صفوفها، وذلك متى توفرت فيه الصفات الآنفة الذكر، ومتى أحس بالواقع المرير الذي تعيشه الأمة، وأدرك سر هذا التردي، ثم آمن بقدرات الإسلام على بعث هذه الأمة وإنقاذها، والبلوغ بها أرفع المستويات الإنسانية والحضارية والأخلاقية، مع ما يقتضيه هذا الإيمان من خضوع كلي لأحكام الإسلام ومبادئه في شئون حياته كلها .

الكيف لا الكم :

ومن الطبيعي جدًّا أن تحاول الحركة الإسلامية تنمية صفها وتكثير عدد أفرادها بمختلف الأساليب والطرق المشروعة .. ولكن هذا الأمر لا يجعلها تجمع الأفراد كيفما اتفق ! فالنوعية أهم من الكمية .. وقد تبذل الدعوة جهدًا في كسب الفرد، فتبذل في ذلك وقتًا وجهدًا على أمل أن يأخذ هذا الفرد مكانه في الجماعة، فيحمل قسطه من المسئولية ونصيبه من التكاليف، ولكنها ترفض أن تبقى الجماعة تحمل أفرادها طيلة العمر ؛ لأن ذلك مضيعة للجهد وسفه في العمل .

والفرد قد يكون أمة، وقد يكون كلاًّ وثقلاً يضر ولا ينفع .. وعدم وضعه في الحساب أجدى وأولى .. وهنالك دروس كثيرة للعظة والاعتبار : { ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئًا، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت، ثم وليتم مدبرين }.

إن الكثرة العددية ليس لها المقام الأول، إنما هو للقلة العارفة بالله الثابتة المتجردة للحق .. وإن الكثرة لتكون أحيانًا سببًا في الهزيمة ؛ لأن بعض الداخلين فيها، التائهين في غمارها ممن لم يدركوا حقيقة الإسلام ولم يلتزموا به تتزلزل أقدامهم وترتجف في ساعة الشدة، وبذلك يشيعون الاضطراب والهزيمة في النفوس وفي الصفوف .

ولذلك يصبح تقييم الأفراد وتصنيفهم في الحركة من مظاهر العافية فيها كيما تعرف رصيدها الحقيقي من الإمكانات البشرية قبل البدء في أي عمل .. وهذا لا يعني بحال أن تتخلى الحركة عن بقية أفرادها، بل تتابعهم بالتوعية والتربية، حتى يكون منهم الرفد الدائم .

البيعة وحكمها الشرعي :

البيعة هي العهد على الطاعة .. كأن المبايع يعاهد أميره على أن يسلم له النظر في نفسه وأمور المسلمين، لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره . ( مقدمة ابن خلدون ) .

والبيعة سنة نبوية أعطاها المسلمون لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مرارًا في حياته ( كبيعة العقبة الأولى والثانية وكبيعة الرضوان ) وبقيت نافذة بعد وفاته يعطيها المسلمون لأولياء أمورهم .

أخرج البخاري عن جنادة بن أبي أمية عن عبادة بن الصامت قال : ( دعانا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فبايعناه .. فقال : فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان ) .

قال صديق حسن خان في ( الدين الخالص ) في تفسير ذلك :

( منشطنا ومكرهنا : أي في حالة نشاطنا وفي الحالة التي نكون فيها عاجزين عن العمل بما نؤمر به ) .

وقال الداودي : ( إن المراد الأشياء التي يكرهونها ) .

وقال ابن التين : ( والظاهر أنه أراد في وقت الكسل والمشقة )، فتح الباري ( 13 / 6 ) .

وقال ابن جزي المالكي : ( لا يجوز الخروج على الولاة وإن جاروا، حتى يظهر منهم الكفر الصراح، وتجب طاعتهم فيما أحب الإنسان وكره، إلا إن أمروا بمعصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ) ( القوانين الفقهية 14 ) .

والأخ العامل الصادق يجب أن يستمد من كل هذه الأقوال وغيرها ما يجب عليه في معاملة مسئوليه وقادة الدعوة .. وأن يكون أرفع من أن يصرف همه لتتبع زلات وعورات إخوانه ؛ لأن حسن الظن بالمسلمين هو الأصل الواجب الاتباع، وليس الأساليب الحزبية البعيدة عن التقوى والدين، وكل بدعة ضلالة .

الطاعة وحكمها الشرعي :

الطاعة هي الامتثال للأمر .. وإذا لم تحصل الطاعة حلت المعصية والفتنة .. والمؤمن قد تخفى عليه مقدمات الفتنة، فلا يحس بها إلا حيث تقع فعلاً .. ولذلك وجب عليه أن يكون محترسًا في جميع أقواله وأفعاله وتصرفاته حتى لا يكون فتنة للذين آمنوا .

والطاعة واجبة ما لم تكن معصية أو تؤدِّ إلى معصية لقول الله ـ تعالى ـ : { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلاً }.

وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : ( من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني ) .

وأخرج البخاري عن أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي ) .

وأخرج عن ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( من رأى من أميره شيئًا فكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرًا فيموت إلا مات ميتة جاهلية ) وفي رواية : ( فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ) .

وأخرج البخاري عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ) .

وأخرج البخاري بسنده إلى عمر بن الخطاب أنه قال : ( إن أناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرًا أمناه وقربناه، وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال : إن سريرته حسنة ) .

أركان البيعة :

إن الانتماء للحركة الإسلامية هو في الحقيقة انتماء فعلي للإسلام .. وبداية عهد جديد مع الله .. ومبايعة على العمل والجهاد في سبيل الله ..

ولقد أجمل الإمام الشهيد أركان البيعة فقال :

أركان بيعتنا عشرة فاحفظوها :

( الفهم ـ الإخلاص ـ العمل ـ الجهاد ـ التضحية ـ الطاعة ـ الثبات ـ التجرد ـ الأخوة ـ الثقة ) .

ولقد فسر الإمام الشهيد كل ركن من هذه الأركان فقال :

1 ـ الفهم :

أن توقن بأن فكرتنا إسلامية صميمة، وأن تفهم الإسلام كما نفهمه في حدود هذه الأصول العشرين الموجزة كل الإيجاز ( ونلخصها فيما يلي):

1 ـ إن الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعًا .

2 ـ إن القرآن والسنة مرجع كل مسلم في التعرف على أحكام الإسلام .

3 ـ إن للإيمان الصادق والعبادة الصحيحة والمجاهدة نورًا وحلاوة يقذفها الله في قلب من يشاء من عباده، وإن الكشف والرؤى والإلهام والخواطر ليست من أدلة الأحكام الشرعية، ولا تعتبر إلا بشرط عدم اصطدامها بأحكام الدين ونصوصه .

4 ـ إن التمائم والرقى والودع والرمل والمعرفة والكهانة، وكل ما كان من هذا الباب منكر تجب محاربته ( إلا ما كان آية من قرآن أو رقية مأثورة ) .

5 ـ إن رأي الإمام ونائبه فيما لا نص فيه وفيما يحتمل وجوهًا عدة، وفي المصالح المرسلة معمول به ما لم يصطدم بقاعدة شرعية .

6 ـ إن كل واحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

7 ـ إن على كل مسلم لم يبلغ درجة النظر في أدلة الأحكام الشرعية أن يتبع إمامًا من أئمة الدين .

8 ـ إن الخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سببًا للتفرق في الدين .

9 ـ إن كل مسألة لا ينبني عليها عمل، فالخوض فيها من التكلف الذي نهينا عنه شرعًا .

10 ـ إن معرفة الله ـ تبارك وتعالى ـ وتوحيده وتنزيهه أسمى عقائد الإسلام .. وإن آيات الصفات وأحاديثها الصحيحة نؤمن بها كما جاءت من غير تأويل ولا تعطيل .

11 ـ إن كل بدعة في دين الله لا أصل لها بدعة تجب محاربتها بأفضل الوسائل .

12 ـ إن البدعة الإضافية والتركية والالتزام في العبادات المطلقة خلاف فقهي لكل فيه رأيه، ولا بأس بتمحيص الحقيقة بالدليل والبرهان .

13 ـ إن محبة الصالحين واحترامهم والثناء عليهم بما عرف من طيب أعمالهم قربة إلى الله ـ تبارك وتعالى ـ .

14 ـ إن زيارة القبور أيًّا كانت سنة مشروعة بالكيفية المأثورة .

15 ـ إن الدعاء إذا قرن بالتوسل إلى الله بأحد من خلقه خلاف فرعي في كيفية الدعاء، وليس من مسائل العقيدة .

16 ـ إن العرف الخاطئ لا يغير حقائق الألفاظ الشرعية .

17 ـ إن العقيدة أساس العمل، وعمل القلب أهم من عمل الجارحة، وتحصيل الكمال في كليهما مطلوب شرعًا وإن اختلفت مرتبتا الطلب .

18 ـ إن الإسلام يحرر العقل ويحث على النظر في الكون ويرفع قدر العلم والعلماء ويرحب بالصالح النافع من كل شيء .

19 ـ قد يتناول كل من النظر الشرعي والنظر العقلي ما لا يدخل في دائرة الآخر، ولكنهما لن يختلفا في القطعي، فلن تصطدم حقيقة علمية صحيحة بقاعدة شرعية ثابتة، ويؤول الظني منهما ليتفق مع القطعي، فإن كانا ظنيين فالنظر الشرعي أولى بالاتباع حتى يثبت العقلي أو ينهار.

20 ـ لا نكفر مسلمًا أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض ـ برأي أو معصية ـ إلا إن أقر بكلمة الكفر أو عمل عملاً لا يحتمل تأويلاً غير الكفر .

2 ـ الإخلاص :

أن يقصد الأخ المسلم بقوله وعمله وجهاده كله وجه الله من غير نظر إلى مغنم أو مظهر أو جاه أو لقب، وبذلك تكون جندي فكرة وعقيدة، لا جندي غرض ومنفعة .

3 ـ العمل :

وأريد به إصلاح النفس، وتكوين البيت المسلم، وإرشاد المجتمع، وتحرير الوطن، وإصلاح الحكومة حتى تكون إسلامية بحق، وإعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية، وأستاذية العالم بنشر دعوة الإسلام في ربوعه، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله .

4 ـ الجهاد :

وأريد به الفريضة الماضية إلى يوم القيامة، والمقصود بقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( من مات ولم يغز ولم ينو الغزو مات ميتة جاهلية ) .

5 ـ التضحية :

وأريد بها بذل النفس والمال والوقت والحياة وكل شيء في سبيل الغاية .

6 ـ الطاعة :

وأريد به امتثال الأمر وإنفاذه في العسر واليسر والمنشط والمكره .

7 ـ الثبات :

وأريد به أن يظل الأخ عاملاً مجاهدًا في سبيل غايته، مهما بعدت المدة وتطاولت السنوات والأعوام، حتى يلقى الله على ذلك، وقد فاز بإحدى الحسنيين : الغاية أو الشهادة .

8 ـ التجرد :

وأريد به أن تخلص لفكرتك دونما سواها من المبادئ والأشخاص ؛ لأنها أسمى الفكر وأجمعها وأعلاها { صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة}.

9 ـ الأخوة :

وأريد بها أن ترتبط القلوب والأرواح برباط العقيدة، والعقيدة : أوثق الروابط وأغلاها ( 1 ) .

10 ـ الثقة :

وأريد بها اطمئنان الجندي إلى القائد وكفاءته وإخلاصه، اطمئنانًا عميقًا ينتج الحب والتقدير والاحترام والطاعة .

واجبات الأخ المسلم :

وفي واجبات الأخ المسلم ( المنتمي للحركة الإسلامية ) حدد الإمام الشهيد في رسالة التعاليم بضعًا وثلاثين واجبًا أجمل بها واجبات كل أخ مسلم نحو نفسه وبيته ومجتمعه، فقال :

أيها الأخ الصادق : إن إيمانك بهذه البيعة يوجب عليك أداء هذه الواجبات حتى تكون لبنة قوية في البناء :

1 ـ أن يكون لك ( ورد ) يومي من كتاب الله لا يقل عن جزء، واجتهد ألا تختم في أكثر من شهر ولا في أقل من ثلاثة أيام .

2 ـ أن تحسن تلاوة القرآن والاستماع إليه والتدبر في معانيه، وأن تدرس السيرة المطهرة وتاريخ السلف بقدر ما يتسع له وقتك، وأقل ما يكفي في ذلك كتاب ( حماة الإسلام ) وأن تكثر من القراءة في حديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وأن تحفظ أربعين حديثًا على الأقل، ولتكن الأربعين النووية، وأن تدرس رسالة في أصول العقائد ورسالة في فروع الفقه .

3 ـ أن تبادر بالكشف الصحي العام، وأن تأخذ في علاج ما يكون فيك من أمراض، وتهتم بأسباب القوة والوقاية الجسمانية، وتبتعد عن أسباب الضعف الصحي .

4 ـ أن تبتعد عن الإسراف في قهوة البن والشاي ونحوها من المشروبات المنبهة، فلا تشربها إلا لضرورة، وأن تمتنع بتاتًا عن التدخين .

5 ـ أن تعنى بالنظافة في كل شيء، في المسكن والملبس والمطعم والبدن ومحل العمل، فقد بني الدين على النظافة .

6 ـ أن تكون صادق الكلمة فلا تكذب أبدًا .

7 ـ أن تكون وفيًّا بالعهد والكلمة والوعد، فلا تخلف مهما كانت الظروف .

8 ـ أن تكون شجاعًا عظيم الاحتمال، وأفضل الشجاعة الصراحة في الحق وكتمان السر، والاعتراف بالخطأ، والإنصاف من النفس وملكها عند الغضب .

9 ـ أن تكون وقورًا، تؤثر الجد دائمًا، ولا يمنعك الوقار من المزاح الصادق والضحك في تبسم .

10 ـ أن تكون شديد الحياء، دقيق الشعور، عظيم التأثر بالحسن والقبح، تسر للأول وتتألم للثاني، وأن تكون متواضعًا في غير ذل ولا خنوع ولا ملق، وأن تطلب أقل من مرتبتك لتصل إليها .

11 ـ أن تكون عادلاً صحيح الحكم في جميع الأحوال، لا ينسيك الغضب الحسنات، ولا تغضي عين الرضا عن السيئات، ولا تحملك الخصومة على نسيان الجميل، وتقول الحق ولو كان على نفسك، أو على أقرب الناس إليك ولو كان مرًّا .

12 ـ أن تكون عظيم النشاط، مدربًا على الخدمات العامة، تشعر بالسعادة والسرور إذا استطعت أن تقدم خدمة لغيرك من الناس، فتعود المريض وتساعد المحتاج وتحمل الضعيف وتواسي المنكوب ولو بالكلمة الطيبة وتبادر دائمًا إلى الخيرات .

13 ـ أن تكون رحيم القلب كريمًا سمحًا، تعفو وتصفح وتلين وتحلم وترفق بالإنسان والحيوان، جميل المعاملة، حسن السلوك مع الناس جميعًا، محافظًا على الآداب الإسلامية الاجتماعية، فترحم الصغير وتوقر الكبير وتفسح في المجلس ولا تتجسس ولا تغتاب ولا تصخب، وتستأذن في الدخول والانصراف ... إلخ .

14 ـ أن تجيد القراءة والكتابة، وأن تكثر من المطالعة في رسائل الإخوان وجرائدهم ومجلاتهم ونحوها، وأن تكون لنفسك مكتبة خاصة مهما كانت صغيرة، وأن تتبحر في علمك وفنك إن كنت من أهل الاختصاص، وأن تلم بالشئون الإسلامية العامة إلمامًا يمكنك من تصورها والحكم عليها حكمًا يتفق مع مقتضيات الفكرة .

15 ـ أن تزاول عملاً اقتصاديًّا مهما كنت غنيًّا، وأن تقدم على العمل الحر مهما كان ضئيلاً، وأن تزج بنفسك فيه مهما كانت مواهبك العلمية .

16 ـ ألا تحرص على الوظيفة الحكومية، وأن تعتبرها أضيق أبواب الرزق، ولا ترفضها إذا أتيحت لك، ولا تتخل عنها إلا إن تعارضت تعارضًا تامًّا مع واجبات الدعوة .

17 ـ أن تحرص كل الحرص على أداء مهنتك من حيث الإجادة والإتقان وعدم الغش وضبط الموعد .

18 ـ أن تكون حسن التقاضي لحقك، وأن تؤدي حقوق الناس كاملة غير منقوصة بدون طلب ولا تماطل أبدًا .

19 ـ أن تبتعد عن الميسر بكل أنواعه مهما كان المقصد من ورائها، وتتجنب وسائل الكسب الحرام مهما كان وراءها من ربح عاجل .

20 ـ أن تبتعد عن الربا في جميع المعاملات، وأن تتطهر منه تمامًا .

21 ـ أن تخدم الثورة الإسلامية العامة بتشجيع المصنوعات والمنشآت الاقتصادية الإسلامية، وأن تحرص على القرش فلا يقع في يد غير إسلامية مهما كانت الأحوال، ولا تلبس ولا تأكل إلا من صنع وطنك الإسلامي .

22 ـ أن تشترك في الدعوة بجزء من مالك، وأن تؤدي الزكاة الواجبة فيه، وأن تجعل منه حقًّا معلومًا للسائل والمحروم، مهما كان دخلك ضئيلاً .

23 ـ أن تدخر للطوارئ جزءًا من دخلك مهما قل، وألا تتورط في الكماليات أبدًا .

24 ـ أن تعمل ما استطعت على إحياء العادات الإسلامية، وإماتة العادات الأعجمية في كل مظاهر الحياة، ومن ذلك التحية واللغة والتاريخ والزي والأثاث ومواعيد العمل والراحة والطعام والشراب والقدوم والانصراف والحزن والسرور .. إلخ، وأن تتحرى السنة المطهرة في كل ذلك.

25 ـ أن تقاطع المحاكم الأهلية ( المدنية ) وكل قضاء غير إسلامي، والأندية والصحف والجماعات والمدارس والهيئات التي تناهض فكرتك الإسلامية مقاطعة تامة .

26 ـ أن تديم مراقبة الله ـ تبارك وتعالى ـ وتذكر الآخرة وتستعد لها، وتقطع مراحل السلوك إلى رضوان الله بهمة وعزيمة، وتتقرب إليه سبحانه بنوافل العبادة، ومن ذلك : صلاة الليل، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر على الأقل، والإكثار من الذكر القلبي واللساني، وتحري الدعاء المأثور على كل الأحوال .

27 ـ أن تحسن الطهارة، وأن تظل على وضوء في غالب الأحيان .

28 ـ أن تحسن الصلاة وتواظب على أدائها في أوقاتها، وتحرص على الجماعة والمسجد ما أمكن ذلك .

29 ـ أن تصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، وتعمل على ذلك إن لم تكن مستطيعًا الآن ذلك .

30 ـ أن تستصحب دائمًا نية الجهاد وحب الشهادة وأن تستعد لذلك ما وسعك الاستعداد .

31 ـ أن تجدد التوبة والاستغفار دائمًا، وأن تتحرز من صغائر الآثام فضلاً عن كبائرها، وأن تجعل لنفسك ساعة قبل النوم تحاسبها فيها على ما عملت من خير أو شر، وأن تحرص على الوقت فهو الحياة، فلا تصرف جزءًا منه في غير فائدة، وأن تتورع عن الشبهات حتى لا تقع في الحرام .

32 ـ أن تجاهد نفسك جهادًا عنيفًا حتى يسلس قيادها لك، وأن تغض طرفك وتضبط عاطفتك وتقاوم نوازع الغريزة في نفسك، وتسمو بها دائمًا إلى الحلال الطيب، وتحول بينها وبين الحرام من ذلك أيًّا كان .

33 ـ أن تتجنب الخمر والمسكر والمفتر وكل ماهو من هذا القبيل كل الاجتناب .

34 ـ أن تبتعد عن أقران السوء وأصدقاء الفساد وأماكن المعصية والإثم .

35 ـ أن تحارب أماكن اللهو فضلاً عن أن تقربها، وأن تبتعد عن مظاهر الترف والرخاوة جميعًا .

36 ـ أن تعرف أعضاء كتيبتك فردًا فردًا، معرفة تامة، وتعرفهم على نفسك معرفة تامة كذلك، وتؤدي حقوق أخوتهم كاملة من الحب والتقدير والمساعدة والإيثار، وأن تحضر اجتماعاتهم فلا تتخلف عنها إلا بعذر قاهر، وتؤثرهم بمعاملتك دائمًا .

37 ـ أن تتخلى عن صلتك بأية هيئة أو جماعة لا يكون الاتصال بها في مصلحة فكرتك، وبخاصة إذا أمرت بذلك .

38 ـ أن تعمل على نشر دعوتك في كل مكان، وأن تحيط القيادة علمًا بكل ظروفك، ولا تقدم على عمل يؤثر فيها تأثيرًا جوهريًّا إلا بإذن، وأن تكون دائم الاتصال الروحي بها، وأن تعتبر نفسك جنديًّا في الثكنة تنتظر الأمر .

  • ورد الـرابـطـة

يتلو الأخ في تدبر كامل هذه الآية الكريمة :

{ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتذل من تشاء، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير، تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل، وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي، وترزق من تشاء بغير حساب }.

ثم يستحضر الأخ صور من يعرف من إخوانه في ذهنه، ويستشعر الصلة الروحية بينه وبين من لم يعرف منهم، ثم يدعو لهم بمثل هذا الدعاء:

( اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت على محبتك، والتقت على طاعتك، وتوحدت على دعوتك وتعاهدت على نصرة شريعتك، فوثق اللهم رابطتها، وأدم ودها، واهدها سبلها، واملأها بنورك الذي لا يخبو، واشرح صدورها بفيض الإيمان بك وجميل التوكل عليك، وأحيها بمعرفتك، وأمتها على الشهادة في سبيلك، إنك نعم المولى ونعم النصير، اللهم آمين، وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم).

تم الكتاب بحمد الله

( 1 ) واجبات الأخوة وتكاليفها :

الأخوة في الإسلام هي الآصرة العقيدية التي تشد المسلمين بعضهم لبعض، والرباط الرباني الذي يربط بين قلوبهم، ووشيجة القربى في الله، وهي من أوثق عرى الإيمان، كما يقرر نبي الإسلام ـ عليه الصلاة والسلام ـ حيث يقول : ( أوثق عرى الإيمان : الحب في الله والبغض في الله ) رواه أحمد .

والأخوة إحدى المقومات التي يعتمد عليها الإسلام في تمكين بنية المجتمع الإسلامي وإحكام الربط بين أبنائه .

والحركة الإسلامية أحوج ما تكون إلى تعميق هذه الآصرة كيما تكون كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، أو كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر .

وكيما تؤدي الأخوة دورها المطلوب في كيان الجماعة ـ بين الإسلام حقوقها وواجباتها العملية الحسية تأكيدًا على أنها تكاليف وأعباء وليست كلامًا ونظريات .

1 ـ الأخوة تعين على طاعة الله، مصداقًا لقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( من أراد الله به خيرًا رزقه خليلاً صالحًا، إن نسى ذكره، وإن ذكر أعانه )، وإلى ذلك يشير عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ بقوله : ( عليك بإخوان الصدق، فعش في أكنافهم، فإنهم زينة في الرخاء وعدة في البلاء ) .

2 ـ الأخوة تكافل نفسي، وإحساس بحاجات الأخ والسعي لقضائها، مصداقًا لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( لأن يمشي أحدكم مع أخيه في قضاء حاجته ـ وأشار بإصبعه ـ أفضل من أن يعتكف في مسجدي هذا شهرين ) رواه الحاكم وقال : صحيح الإسناد .

3 ـ الأخوة تكافل مادي، لقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ) رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه .

4 ـ الأخوة تكاليف اجتماعية تتناول أبسط الواجبات وأهمها، يقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( حق المسلم على المسلم ست : إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فشيعه ) رواه مسلم .

5 ـ الأخوة أنس ومحبة وتكاتف، يقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ) رواه مالك والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي . ويقول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق، وأن تفرغ من دلوك في إناء أخيك ) رواه الترمذي، ويقول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( تهادوا تحابوا وتذهب الشحناء ) متفق عليه .

6 ـ الأخوة غيرة ووفاء، يقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة ) رواه الترمذي، ويقول : ( دعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به : آمين ولك بمثل ) رواه مسلم .