سيد قطب والدعوة إلى العري والإباحية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
سيد قطب والدعوة إلى العري والإباحية ...(حسم قضية أثارت جدلاً بين الباحثين والمؤرِّخين)


الشهيد سيد قطب

تحت عنوان "بصيرة نافذة ورأي ملهم حولسيد قطب" ذكر الأستاذ محمود عبد الحليم واقعةً عن سيد قطب، وهي: أنه كتب مقالاً في الأهرام يدعو فيه دعوةً صريحةً إلى العُري التام، وأن يعيش الناس عَرايا كما ولدتهم أمهاتهم، ويقول: "وقد أثارني هذا المقال إثارةً لم أستطع أن أقاوم القلم الذي وَجدَ في العقل والمنطق والخلُق والحياء ألف دليل ودليل يدحض هذه الدعوة، ويثبت أنها دعوةٌ تخريبيةٌ بهيميةٌ دخيلةٌ..!!"، وتكملة الواقعة أن الأستاذ البنا أقنَعَه بعدم نشر هذا الردِّ؛ حتى لا تنتشر هذه المقولة وأملاً في هداية هذا الشاب، وقال له: وهذا الكاتب شاب وتركُ الفرصة أمامه للرجوع إلى الحق خير من إحراجه، وما يدريك لعل هذا الشاب يفيق من غفلته، ويفيء إلى الصواب، ويكون ممن تنتفع الدعوة بجهوده في يوم من الأيام"..!! (الإخوان المسلمون.. أحداث صنعت التاريخ) لمحمود عبد الحليم "1/190-192".

ومنذ ذكر الأستاذ محمود عبد الحليم هذه الواقعةَ الطريفةَ الغريبةَ لم تنتهِ التعليقات والجدل حولها، سواء بين القرَّاء أو الباحثين والمؤرخين، فأكد الباحث محمد حافظ دياب في كتابه: "سيد قطب.. الخطاب والأيديولوجيا" وجود هذا المقال، وحدَّد تاريخ نشره بعدد 17 مايو 1934 م.

وتعقَّبه الباحث شريف يونس في رسالته للماجستير بعنوان "سيد قطب والأصولية الإسلامية"، قائلاً: "ولم أجد لهذا المقال أثرًا بتوقيع أو بغير توقيع في كافة أعداد النصف الأول من عام 1934 م، وهي الفترة التي داوم فيها سيد قطب على النشر بالأهرام، ولم أجد أية إشارة إليه في كافة المعارك الأدبية التي أثيرت ضد سيد قطب، وفوق ذلك أرجِّح عدم وجوده أصلاً؛ نظرًا لعدم اتفاق مثل هذه الفكرة مع اتجاه سيد قطب الأخلاقي في كتاباته في تلك الفترة.

وأقرب ما وجدت في كتابات سيد قطب إلى مثل هذه الفكرة إشادةٌ من جانب سيد قطب بأبيات العقاد في قصيدة خليج ستانلي التي تتناول الجمال العاري على الشواطئ: (الرسالة 30 مايو 1938 م- مقال بعنوان بين العقاد والرافعي-5).

وتشكك فيها د. يوسف القرضاوي، فيقول في مذكراته: "وقد ذكر الأستاذمحمود عبد الحليم في كتابه "الإخوان المسلمون: أحداث صنعت التاريخ" واقعةً عن سيد قطب في هذه المرحلة، ما زلتُ في شكٍّ من أمرها، وهي: أنه كتب مقالةً في الأهرام تدافع عن "العُرْي"، وأنه من الحرية الشخصية للإنسان، على غرار ما يكتبه دعاة الإباحية، وهذا نفس غريب على مسيرة سيد قطب، فلم يكن الرجل على ما أعلم- في أي فترة من حياته- من دعاة التحلل، وأرجو من إخواننا من شباب الباحثين أن يحقِّقوا ويبحثوا في مدى صدق هذه الواقعة".

وفي حدةٍ وانفعالٍ انبرى الكاتب الأستاذ جمال سلطان يردُّ على د. يوسف القرضاوي ويدافع عن سيد قطب قائلاً: "والمؤسف أن هذه الروح المريضة تسللت إلى كتابات عديدة ممن حاولوا التأريخ لتجربةالإخوان من أبنائها، وعفا الله عن الأستاذ محمود عبد الحليم في كتابه "الإخوان المسلمون.. أحداث صنعت التاريخ" أتى بالأعاجيب من أجل إهانة سيد قطب وتشويه صورته، فقد ذكر- على سبيل المثال- أن سيد قطب كان في السابق من الدعاة إلى العُري والإباحية، ولكي يستدل على هذا الكلام الموجِع والفاحش ادعى أن سيد كتب مقالاً في جريدة الأهرام قديمًا ذهب فيه هذا المذهب، ودعا فيه إلى الإباحية والعُري، ودافعَ عن الحرية في ذلك، ومنذ ذكر عبد الحليم هذه الفرية المؤسفة نشط عدد من الباحثين يبحث عن هذه المقالة المذكورة فلم يعثُر لها على أثر، وهو أمر مدهش..!!

إن هذا الأمر لو كان حدث بالفعل من أحد في مرحلة ما قبل التزامه، فإنه بلا شك أمرٌ يشينه كمسلم وحتى كإنسان عربي ذي مروءة، بعيدًا عن الالتزام الشرعي، وبالتالي فنبل المؤرخ أن يتحاشى مثل هذه السوءات، وأن يسترها إن وجدت، خاصةً أنها لا قيمةَ لها أبدًا في سياق تسجيل تطور تاريخ الرجل؛ لأن له كتابات وكتبًا أخرى شهيرةً تقول بأنه كان أديبًا يميل إلى المذهب الرومانسي ونحو ذلك، وكان من مدرسة العقاد، أما أن يذهب الباحث "الأمين" لكي ينقِّب في قمامة التاريخ الأدبي لكي يخرج بما يشين الرجل- إن كان حقيقيًّا بالفعل- فهذا ما يصعُب تبريره أو فهم أسبابه.. فكيف-والأمر كله كذب وافتراء- يليق بباحث "إسلامي" ينتمي إلى جماعة كبيرة، ويسجل تاريخها أمام الرأي العام؟!

الأمر الذي يزيدك حيرةً أن الشيخ القرضاوي يصرُّ هو الآخر على ذكر هذه الفرية وتكرارها أمام القارئ دون أي مبرر، وهو لا يعرفها، وإنما يحكيها منسوبةً إلى محمود عبد الحليم ، إلا أنه يحاول التشكيك فيها، ويؤكد أن أحدًا لم يعثُر على مثل هذه المقالة المزعومة، فلماذا- وهي على هذا القدر من التفاهة والقبح- تصرُّ على ذكرها، وتنقلها عن باحث غير حصيف، ولا أقول غير ذلك تأدبًا.. لماذا يعيد الشيخ القرضاوي ذكرَ هذه الحكاية الكاذبة والترويج لها، حتى لو كان يذكر تشككه فيها بعد ذلك؟! هل ضاق بنا الكلام فيما هو ثابت ومسجَّل وشهير لكي ننقب في قمامة التاريخ الأدبي والشاذِّ فيه والعجيب؟!".

وقد دفعت الحدة والانفعال غير المبرر الأستاذ جمال سلطان إلى الوقوع في سلسلة من الأخطاء الفاحشة، كان أولها: التجريح والإهانة غير المقبولة بأي حال من الأحوال للداعية المؤرخ الثقة الأستاذ محمود عبد الحليم، وثانيها: الإنكار والعتاب الحاد للشيخ القرضاوي لمجرد ذكره هذه الواقعة، وثالثها: الحكم على الواقعة كلها بأنها كذب وافتراء، دون دليل أو برهان.

ونرد على سلسلة الأخطاء المتتالية، وعلى حيرة الباحثين والمؤرخين المتشككين في هدوء ونقول:

أولاً: أما أن الواقعة في مجملها صحيحةٌ واقعةٌ، فهذا حقٌّ لا مِراءَ فيه، وقد نشر الأستاذ سيد قطب فعلاً مقالاً في الأهرام بتاريخ10 يوليو 1938 م بعنوان (الشواطئ الميتة)، وهذا المقال هو موضوع الجدل والنقاش الدائر فعلاً.

ثانيًا: أن موضوع المقال كان دفاعًا عن العري الشائع على الشواطئ ونقدًا للمهاجمين لها، فيقول في فقرات من المقال: "إن الذين يتصورون العري على الشواطئ في صورته البشعة الحيوانية المخيفة جدُّ واهمين"، ويقول: "فالذين يدعون إلى إطالة لباس البحر وإلى ستر الأجسام بالبرانس إنما يدعون في الواقع إلى إثارة الفتنة النائمة وإيقاظ الشهوات الهادئة، وهم يحسبون أنهم مصلحون".

ثالثًا: لم يكن المقال دعوةً لشواطئ العراة.. ذلك العري الحيواني الموجود في بعض بلاد أوروبا وأمريكا ، وربما كان هذا هو الجزء الذي توهمه المؤرخ الثقة الأستاذ محمود عبد الحليم في روايته للواقعة.. وله عذره في ذلك، فهو يكتب من الذاكرة بعد سنوات طوال، وفي غيبة للوثائق ونصوص المقالات..!!

رابعًا: تصدَّى للرد على هذا المقال أكثر من أخ من الإخوان في ذلك الوقت، ولكن لم يُنشر منها إلا ردٌّ وحيدٌ في مجلة (النذير)- لسان حال الإخوان المسلمين- عدد 8 بتاريخ 18/7/1938 م بعنوان "النفوس الميتة" بقلم الأخ محمد حسين أبو سالم- الطالب بكلية التجارة- وهو مقال يلتهب حماسةً وغيرةً وحدةً في الردِّ على "المسيو سيد قطب"، وهذا هو نص المقال:

النفوس الميتة

"طلع الصيف.. وكم كنت أتمنى لو طلع علينا بجديد, كم كنت أتمنى أن يكون في حره نذيرًا يوقظ القوم من نومهم، وينبههم من غفلتهم، ويفيقهم من سكرتهم، ويذكِّرهم بذلك اليوم الذي تدنو فيه الشمس من الرؤوس، وتتعامد على الأبدان.. لا على مدار السرطان، ويلفت نظرهم إلى ذلك العرَق الذي سيلجم الماجنين، ويطفو فوق رؤوس اللاهين الغافلين، يوم لا توجد لدى القوم "مراوح" ولا "مناديل", ولكن للأسف لم أرَ فيه إلا تكرارًا للمجون، وإعادةً للقبح، واستزادةً من المنكر، وتمادٍ في الفجور..!!

فراح القوم يفرُّون من المدن وضيقها، والقرى وتقاليدها، والمنازل وقيودها إلى حيث لا حسيب ولا رقيب, إلى رمال المصايف، فيسهل عليهم قتل الطهارة، ويتيسر لهم قبر الفضيلة والعفة، وإن يكن صيف هذا العام قد طلع بجديد.. فما ذلك الجديد إلا أن القبح "يتعكَّز" على أدباء آخر الزمان، ويعتمد على الصحافة التي لا تتورَّع عن "تسميم" الرأي العام بأبخس الأثمان وبصورة جريئة دنيئة لم نعهدها من قبل.. ها أنا ذا أسوق المثل لما أقول:

تصفَّحتُ جريدة الأهرام بتاريخ10 يوليه سنة 1938 م, وما إن وقع بصري على خواطر الصيف بعنوان "الشواطئ الميتة" حتى سررت وقلت: ها هي باكورةُ خيرٍ جديد، وها هي غيوم الغفلة واللهو بدأت تنقشع, وها هم القوم انتبهوا إلى الشواطئ وقد ماتت فيها الأخلاق، وسالت على جنباتها دماء الفضيلة، وانتُهكت على صفحاتها الأعراض والحرمات.

وما إن قرأت المقال إلا وغضبت واختنقت ودُهشت وتعجبتُ لهذه "النفوس الميتة" التي لا تتوارى عن أن تُثبت للأمة أنها أشدُّ خطرًا على كيانها من الكوليرا أو الطاعون اللذَين نعمل لهما ألف حساب وحساب؛ إذ إن حضرة الكاتب المسلم العظيم صاحب الفكر الخصب والرأي السديد يطلع علينا بنظرية افتقَر إليها إبليس من زمن بعيد، فراح يقلقنا بعظيم مبتكراته، وسخيف مقترحاته، وفظيع نظرياته، فقال: "إن الذين يتصورون العري على الشواطئ في صورته البشعة الحيوانية المخيفة جَدُّ واهمين..!!

إلى أن قادَه الشيطان إلى قوله: فالذين يدعُون إلى إطالة لباس البحر، وإلى ستر الأجسام بالبرانس إنما يدعون في الواقع إلى إثارة الفتنة النائمة، وإيقاظ الشهوات الهادئة، وهم يحسبون أنهم مصلحون".. نعم يا مسيو سيد قطب ، حاشا لأمثال هؤلاء أن يكونوا مصلحين غيورين على الفضيلة، وإلا فأمثالُك ماذا يكونون؟! وأنت أستاذ الإصلاح وحامي حمى الفضيلة، غِرت عليهما، وعشت لهما، وأرسلتها من أجلها صرخةً داويةً عاليةً أن أطلقوا الشواطئ عاريةً لاعبةً أيها المصلحون الغيورون على الأخلاق، فذلك خير ضمان لتهدئة الشهوات الجامحة، وخير ضمان للأخلاق.

لا أهلاً ولا سهلاً بهذه الخواطر المتشبِّعة بالقبح، المكدَّسة بالفجور، المليئة بالسخَف، الخارجة على الدين، ثم لا أهلاً ولا سهلاً بهذه الآداب وهؤلاء الأدباء الذين أصبحوا في جِيد الأمة حبلاً من مسد، ولسوء حظك أيها البلَد المنكود بالذين يدعون زورًا أنك زعيم البلاد الإسلامية، ويزدادون فجورًا ويقولون إن دينك الرسمي هو الإسلام فما معنى أن هذا البلد زعيم البلاد الإسلامية وفيه المنكرات أوضح من أن توصف، وأكثر من أن تُعَد؟! وما معنى أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام؟! وها هي الدعوة للعراء والفوضى ونقض أحكام الدين يدعو بها الكتَّاب بكل وقاحة، وتنشرها الصحف بكل غبطة، وتسكت عليها الحكومة بكل جرأة!!

ليس الإسلام يا قوم عباراتٍ جوفاء، وأسماء ومسميات، ولكن الإسلام أحكامٌ تطبَّق، وحدودٌ تقام، وفضيلةٌ تُرعى، ومنكرٌ يحارَب، وفرائضُ تؤدَّى، وحقٌّ يُحفَظ.. أما ما عدا ذلك فهو لغو. وما أردت بكلمتي هذه أن أناقش ذلك الفوضوي المتفلسف الكاذب، ولكنني رميت إلى هدفين:

أولهما: أن أوقظ حكومةً تقول إنها مسلمة، سلم الله إليها قيادة هذا الشعب المسلم ورعايته، فغطَّت في نومها، وتركت الموبقات والمنكرات تتقدَّم بخطًى واسعةٍ على أيدي المصلحين الغيورين على الأخلاق.. أمثال المسيو سيد قطب، ولم تُظهر الحكومة إلا السبات العميق مع أن المرءَ الذي كان يسمع خطبَهم الانتخابية ووعودهم التي طلبوا ثقةَ الأمة بناءً عليها.. كان يظن أن حدود الله ستُقام وشريعته ستطبَّق فى أول ساعة تحوز فيها الوزارة ثقةَ الأمة، وها هي الشهور تمر وكتاب الله معطلةٌ أحكامه، وسموم المنكر تسري في عروق الأمة.

وثانيهما: أن أقول لهذا الشعب المظلوم إن القوم الذين أيدتَهم، واعتمدتَ عليهم، ووثقتَ فيهم صاروا في البعد عن الإسلام ومحاربة المنكر أسبقَ من غيرهم فلتستيقظْ أنت من نومك ليستيقظوا على صوتك، ولتعلَم أنك عبدتَ الأشخاص كثيرًا فلتعبد ربك قليلاً، وفقدت رشدَك طويلاً، فلتعد إلى الرشد، ولتدع الغفلة، ولتعمل على رفع الحق بسيف الحق، وخفض راية المنكر بجرأة المؤمن، فلن يجديك الاعتماد على هؤلاء الزعماء إلا ضياع الوقت وخيبة الأمل".

خامسًا: لم يذكر الأستاذ محمود عبد الحليم هذه الواقعة تعريضًا بالأستاذ سيد قطب، كما توهم الأستاذ جمال سلطان، وإنما كان ذكرها بيانًا للخصائص العبقرية التي كان يتمتع بها المرشد الملهم الأستاذ البنا- رحمه الله- كما هو واضح من العنوان الذي أورد الواقعة تحته "بصيرةٌ نافذةٌ ورأى ملهم حول سيد قطب".. وكان في حديثه عن سيد قطب غايةً في الأدب "لا التأدب كما ذكر جمال سلطان عن نفسه"، ويكفينا قوله الذي ختم به روايته للواقعة فيقول "ولا داعي للإشارة إلى ما كان من أمر هذا الشاب، وما يسره الله إليه من اليسرى، حتى صار علمًا من أعلام الدعوة، ثم كان من شهدائها، وإن كان شيءٌ من نبوءة الأستاذ المرشد- رحمه الله- لم يتحقق في حياته"..!!

وختامًا لعل ما ذكرناه في النقاط السابقة يضع حدًّا للجدل والتشكك الدائر منذ زمن حول هذا الموضوع، وأقول للأستاذ جمال سلطان- وقد أحزنني حقيقةً ما كتبه في هذا الجزء من مقاله- كان في قليلٍ من التروِّي وقليلٍ من الجهد في البحث والتقصِّي ما يغني عن الوقوع في تلك الأخطاء التي تذكرني بقول الشاعر:أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا يا سعد تورد الإبل