حقائق عن القضية الفلسطينية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
حقائق عن القضية الفلسطينية


توطئة

صرح بها : سماحة السيد محمد أمين الحسيني مفتي فلسطين ورئيس الهيئة العربية العليا و كشف الستار عن بعض المؤامرات الدولية و اليهودية التي كانت من أهم الأسباب في كارثة فلسطين 1373 هـ - 1954 م أصدره مكتب الهيئة العربية العليا ل فلسطين ب القاهرة

مقدمة

هذه بيانات و معلومات ذات شأن عظيم عن القضية الفلسطينية ، نشرت بشكل مقالات في جريدةال مصر ي " جوابا علي أسئلة وجهها رئيس تحرير الجريدة ، إلي سماحة السيد محمد أمين الحسيني مفتي فلسطين ، و يوضح للرأي العام العربي الأسباب الحقيقية للكارثة الفلسطينية .

و هذه الأجوبة المنشورة في هذا الكتيب – رغم اختصارها ، و اقتصارها في كثير من الأحيان علي ما تقضي الضرورة بالإشارة إليه أو التلميح به دون تفضيل و لا إسهاب ، لضيق المقام أو لبعض الاعتبارات - قد اشتملت علي معلومات دقيقة و حقائق طريفة تنشر للأول مرة عن قضية فلسطين التي شغلت الرأي العام العربي و خفق لها قلب العالم الإسلامي كله .

و لذلك ما كادت هذه الأجوبة تنشر تباعا حتى توالت الرسائل علي مكتب الهيئة العربية العليا في القاهرة من سائر أرجاء العالم العربي و من صفوة العرب المهاجرين إلي البلاد الأمريكية ، بطلب جمع الأجوبة و طبعها في شكل " كتيب تسهيلا لاقتنائها و حفظا لها من الضياع ، وتعميما للفائدة منها ، بل إن كثيرا من فضلاء الأمة العربية اقترحوا على مكتب الهيئة العربية أن يقوموا هم بجمعها مطبعها على نفقتهم , من بين أولئك الفضلاء الكاتب الأديب الأستاذ راجي ظاهر صاحب جريدة " البيان " التي تصدر في نيويورك و رئيس تحريرها .

و مكتب الهيئة العربية العليا بالقاهرة إذا يشكر لمواطنينا الأفاضل ما أعربوا عنه من تقدير لهذه المقالات , و إعجاب بما اشتملت عليه من بيانات و معلومات في النواحي المتعددة لقضية فلسطين , و ابتهاج لتصديها لإدحاض التهم الكاذبة , و نفي الشكوك و الريب و أخبار السوء التي حاولت الدعايات المبطلة و الأراجيف اليهودية المضللة إلصاقها بأهل فلسطين من مجاهدين و مرابطين , قد رأى أن يحقق أملهم و ينزل على رغبتهم بجمع تلك المقالات و طبعها في هذا الكتاب الصغير الذي يسهل حمله و اقتناؤه , كما يسهل إهدائه تعميما للفائدة و حرصا على دقائق القضية و حقائقها من عبث العابثين و كيد الكاذبين و إرجاف المرجفين , من المستعمرين و الصهيونيين و أعوانهم المأجورين , الذين طالما زيفوا الحقائق و اختلقوا الأكاذيب محاولين تضليل الرأي العام .

و من سوء الحظ أن لقيت هذه الأكاذيب و الأضاليل نجاحا و رواجا بعض الوقت , و ذلك أول سني الكارثة و الهجرة الفلسطينية إلى الأقطار العربية المجاورة , لجهل الرأي العام العربي بحقائق القضية من جهة , و لأن ظروف مكتب الهيئة العربية العليا في القاهرة لم تكن تسمح له بدفع هذه التهم إلا في القليل النادر , و لم تكن أكثر الصحف المصرية تقبل أن تنشر لمكتب الهيئة ما يدفع تهمة أو ينقع غلة و أن سمحت هي فلم يكن سيف الرقاب المسلط عليها في عهد الحكومات السابقة بسامح لها .

و لذلك عانى مكتب الهيئة متاعب شديدة , و أحتمل نقدا و عتبا كثيرا من جمهرة الرأي العام العربي بل أهل فلسطين أنفسهم , لعدم تصديه لرد تلك التهم و المفتريات و لكن للباطل جولة ثم يضمحل , " و ما كان الله ليزر المؤمنين على ما انتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب " و الآن , و في هذا العهد , فقد نشرت مقالات رئيس الهيئة العربية العليا في نطاق واسع , و نفذت إلى قلوب قرائها , و كان لها أثر بالغ و صدى مدوي في مصر و سائر الأقطار العربية و العالم الإسلامي .

و إن لنرجو أن تتم الفائدة و تتحقق الغاية من هذه المقالات التي تناولت مختلف نواحي القضية و دقائق شؤونها , مما غاب عالمه حتى عن كثيرين ممن عاصروا هذه القضية الخطيرة و عملوا لها وجاهدوا في سبيلها جهادا مبرورا مشكورا , كما نرجو أن يكون هذا بشير بسطوع شمس الحقيقة من غياهب الظلام و أن تمحوا أية النهار أية الليل .

و نسأل الله مخلصين أن يحقق الأمل في نجاح العمل و أن يقترن جهاد فلسطين و جهاد الأمة العربية في سبيل حريتها و استقلالها بالفوز الكامل و النصر المبين , إنه سميع مجيب , و هو نعم المولى و نعم النصير .

21 ذو القاعدة 1373 مصر الجديدة 21 يوليو 1954 مكتب الهيئة العربية العليا لفلسطين ب القاهرة ال فلسطين يون لم يفرطوا في وطنهم و قد دافعوا عنه أشرف دفاع

الأعداء يذيعون دعايات كاذبة و أراجيف مضللة ضد ال فلسطين يين

السؤال الأول

أتهم بعض الناس أهل فلسطين بالتفريط في حقوق وطنهم تتلخص التهم المعزوة إليهم في ثلاث أمور

أ‌- إن كثيرا منهم باعوا أرضيهم لليهود , و أن بعض البائعين استصدر عفوا من بعض المنظمات الوطنية لقاء دفع مبلغ من المال ؟

ب‌- أن عرب فلسطين لم يدافعوا عن وطنهم أثناء حرب فلسطين , و خلال عهد الانتداب البريطاني ؟

ج- أن أهل فلسطين كانوا يشتغلون لحساب اليهود و يبيعون ضباط و جنود لجيوش العربية للصهيونيين فماذا تقولون في ذلك ؟

الجواب

قبل الإجابة على أسئلتكم لابد لي من مقدمة و جيزة تساعد على توضيح الأوضاع الحقيقية .

كانت فلسطين قبل حرب 1914 جزءا من الدولة العثمانية, و هي رقعة صغيرة من الأرض مساحتها نحو ستة و عشرين ألف كيلو متر مربع , فلما انهارت هذه الدولة في نهاية الحرب العالمية الأولى وقعت فلسطين بين مخالب الاستعمار البريطاني من ناحية و جشع اليهودية العالمية من ناحية أخرى , و جعلت تتخبط بين هاتين القوتين العظيمتين و ليس لها أي مساعد أو نصير , و لم يكن لدى أهلها من وسائل المقاومة و الدفاع ما يستطيعون به دفع أذى أو رد عادية بالرغم من ذلك قامت جماعة من أبناء فلسطين المخلصين , يبذلون جهودهم الضئيلة , و ينظمون صفوفهم القليلة , و يؤلفون جبهة متواضعة أمام تلك القوى الدولية العاتية و كان سلاحهم الوحيد الإيمان و الإخلاص .

و بالرغم من عدم التكافؤ بين القوتين و الجبهتين , فقد نشبت معركة هائلة طوية المدى لم تكن فيها لعرب فلسطين قناة و لم تهن لهم عزيمة في كل أدوار الكفاح و النضال , مدة ثلاثين عاما حاول خلالها الاستعمار البريطاني – متآمرا مع اليهودية العالمية – بلوغ أغراضه و مقاصده في فلسطين بالوسائل الآتية :

من الناحية السياسية

أ‌- لقد حاولوا بادئ ذي بدء أن يحملوا عرب فلسطين على الرضوخ و الازعان لخطتهم الغاشمة , و الموافقة على إنشاء الوطن القومي اليهودي , فتوسلوا بجميع وسائل الأغراء السياسية و المالية , و أساليب الدهاء و الخداع , و الوعد و الوعيد , لحملهم على الموافقة , و ليتخذوا من موافقتهم يبررون بها أمام العالم جريمتهم الفظيعة في تحويل هذه البلاد العربية المقدسة إلى وطن يهودي بعد إجلاء أهلها عنها , و يكسبون جريمتهم المنكرة صفة شرعية , و لكنهم فشلوا في هذه المحاولة فشلا تاما .

من ناحية امتلاك الراضي

ب – فلما سقط في أيديهم جعلوا أكبر همهم إشتراء أراض فلسطين بالمال وامتلاك البلاد عمليا بهذه الوسيلة , فألقوا بمئات الملايين من الجنيهات , فارتفعت أسعار الأرض إلى عشرات الأضعاف , بل إلى مئاتها في بعض الأحيان .

و لكن عرب فلسطين صمدوا أمام هذه التجربة أيضا , مستهينين بالمال الذي لم يستطع أعداؤهم إغراؤهم به , و احتفظوا بأراضيهم بوسائل سيأتي ذكر بعضها عند الجواب على سؤالكم الخاص بهذا الموضوع .

و قد انتهى الانتداب البريطاني في 15 مايو 1948 و لم يستطع اليهود بالرغم مما حصلوا عليه من مساعدات و هبات و تسهيلات من حكومة الانتداب البريطاني أن يمتلكوا إلا نحو سبعة في المائة من مجموع أراضي فلسطين .

و كانت خيبة أمالهم في هذه الناحية لا تقل عن فشلهم في محاولتهم الأولى السياسية

من الناحية العسكرية

ج – ماانفك الانجليز – منذ احتلالهم لفلسطين – يساعدون اليهود بمختلف الوسائل التسلح و التدرب و التنظيم العسكري , في الحين الذي كانوا يحرمون فيه جميع ذلك على عرب فلسطين , بل يحكمون بالإعدام على من يحوز أي نوع من السلاح أو العتاد , حتى أن وزير المستعمرات البريطانية مستر كريتش جونز اعترف في تصريح له في مجلس العموم البريطاني أن " الذين حكمت عليهم المحاكم العسكرية البريطانية بالإعدام شنقا من العرب لحيازتهم أسلحة أو ذخيرة كانوا ( 148 ) شخصا " .

هذا عدا بضعة ألوف فتك فيهم الانجليز خلال ثورات 19361939 .

فلما أشتد ساعد اليهود بالسلاح و التدريب والتعضيد البريطاني , قاموا بمحاولتهم الثالثة و هي الوصول إلى أهدافهم عن طريق القوة و ظهرت هذه المحاولة بجلاء في اعتداءات اليهود عام 1929 و 1936 و 1947 و غيرها .

و لكن عرب فلسطين على قلة وسائلهم صدوهم ببسالة و هزموهم شر هزيمة في جميع المعارك رغم مساعدة الانجليز لهم و حشدهم القوات العسكرية البريطانية بقيادة مشاهير قوادهم كالجنرال دل والمارشال ويفل وغيرهم لخضد شوكة عرب فلسطين .

و ستجدون إيضاح ذلك في الأجوبة على أسئلتكم .

الفلسطينيون لم يفرطوا في أراضيهم

1- لا صحة لهذه التهم التي يروجوها الأعداء من يهود ومستعمرين فإن العطف الذي بدا من مصر و سائر الأقطار العربية على قضية فلسطين و الحماسة الشديدة لها, و التنادي لنصرتها و الاستماتة في سبيل الذود عنها , أقلق هؤلاء الأعداء , فشرعوا ينشرون الأراجيف و يذيعون الإشاعات الباطلة عن أهل فلسطين , و يرمونهم بمختلف التهم , تشويها لسمعتهم وتنفيرا لإخوانهم العرب منهم , و صرفا لهم على مناصرتهم .

و كانت التهمة الأولى أن أهل فلسطين باعوا أرضيهم و تمتعوا بأثمانهم ثم جاءوا اليوم يدعون ويلا و ثبورا , فهم أحق باللوم لما فرطوا في أوطانهم .

و الحقيقة تخالف ذلك كل المخالفة , فأن الفلسطينيين قد حرصوا على أراضيهم كل الحرص , و حافظوا عليها رغم الإغراءات المالية الخطيرة من قبل اليهود , و رغم الضغط الاقتصادي عليهم بمختلف الوسائل من قبل الانجليز .

و منذ تأسس المجلس الإسلامي الأعلى الذي أنتخبه الفلسطينيون لإدارة المحاكم الشرعية و الأوقاف و الشئون الإسلامية في فلسطين عام 1922 قام بأعمال عظيمة لصيانة الأراضي من الغزو اليهود ي , فمنع بواسطة المحاكم الشرعية التي كان يشرف عليها بيع أو قسمة أي أرض كان للقاصرين نصيب فيها , و كذلك أشترى المجلس من أموال الأوقاف الإسلامية كثيرا من الأراضي التي كانت عرضة للبيع , و أقرض كثيرين من أصحاب الأراضي المحتاجين قروضا من صناديق الأيتام ليصرفهم عن البيع .

و كان يعقد مؤتمرا سنويا من العلماء و رجال الدين لتنظيم وسائل المقاومة لليهود الطامعين في الأراضي و قد تعرضت أنا شخصيا لحملات شديدة من الانجليز و اليهود عند ما كنت رئيسا لهذا المجلس بسبب ما كان يقوم به من نشاط لمنع بيع الأراضي لليهود .

و كذلك قام بعض المؤسسات و المنظمات العربية كصندوق الأمة وغيره – مشكورة- للاحتفاظ بالأراضي , حتى أن تقارير حكومة الانتداب البريطاني التي كانت ترفع سنويا إلى لجنة الانتداب في عصبة الأمم بجنيف كانت تذكر دائما أن السبب في قلة انتقال الأراضي إلى اليهود هو المجلس الإسلامي الأعلى و غيره من المؤسسات العربية .

و تدل الإحصاءات الرسمية على أن مساحة أراضي فلسطين هي نحو سبعة و عشرين مليون دو نم ( و الدو نم ألف متر مربع ) .

و يبلغ مجموع ما استولى عليه اليهود إلى يوم انتهاء الانتداب البريطاني في 15 مايو 1948 , نحو مليوني دو نم أي نحو سبعة في المائة من مجموع أراضي فلسطين , على أن ما تسرب من أيدي عرب فلسطين من هذين المليونين لا يزيد عن 250,000 ( مائتين وخمسين ألف دو نم ) أي الثمن , و كان وقوع الكثير منها في ظروف قاهرة , و بعضها ذهب نتيجة لنزع ملكية الأراضي العربية , و هو ما كانت تقوم به حكومة الانتداب البريطاني لصالح اليهود وفقا للمادة الثانية من صك الانتداب البريطاني على فلسطين التي تنص على أن واجب الحكومة المنتدبة أن تسهل لليهود جميع الوسائل لإنشاء الوطن القومي اليهودي . .

أما باقي المليونين فقد تسرب إلى أيدي اليهود كما يلي : دو نم .

650,000 استولى عليها اليهود في عهد الحكومة العثمانية خلال حقبة طويلة , من الأراضي الأميرية بحجة إنعاش الزراعة و إنشاء مدارس زراعية .

300,000 منحتها حكومة الانتداب البريطانية لليهود دون مقابل ( وهي من أملاك الدولة ) .

200,000 منحتها حكومة الانتداب البريطانية لليهود لقاء أجرة أسمية ( و هي من أملاك الدولة ) .

635,000 أشترها اليهود من بعض اللبنان يين و السوريين الذين كانوا يملكون

أراضي في فلسطين ( كمرج أبن عامر و وادي الخوارث , و الحولة و غيرها ) .

1,775,000

يتبين من ذلك أن نحو سبعة أثمان ما استولى عليه اليهود من الأراضي إنما تسرب إليهم عن غير طريق الفلسطينيين , و أن ما تسرب من الفلسطينيين هو مائتان و خمسون ألف دو نم أي نحو "62 " ألف فدان مصري .

على أن الكثير ممن باعوا أراضيهم أو كانوا سماسرة للبيع قد فتك فيهم الشعب الفلسطيني , و لم ينجى منهم إلا من فر من البلاد و لجأ إلى أقطار أخرى .

أما ما ذكرتم من إصدار العفو عمن يدفع مبلغ من المال , فلا صحة له البتة , و لم يقع أي حادث من هذا القبيل , بل كان الأمر على العكس , فأن مؤتمرات العلماء التي كنا نعقدها سنويا و كذلك الهيئات الدينية , كانت تصدر الفتوى بتكفير من يبيع الأرض أو يسمسر على بيعها , و تعتبره مرتدا لا يدفن في مقابر المسلمين , و تجب مقاطعته و عدم التعامل معه , و قد أصدر مؤتمر كهنة الأرثوذكس العرب في فلسطين قرارات مماثلة .

دفاع الفلسطينيين عن بلادهم

2- و كانت التهمة الثانية أن عرب فلسطين لم يدافعوا عن بلادهم و هي فرية لا ظل لها من الحقيقة , فالناس جميعا يعلمون كيف كافح أهل فلسطين , اليهود و الانجليز معا , مدة ثلاثين عاما لم يقهروا خلالها أبدا , رغم كثرة القوات البريطانية و قوات الشرطة المحتلة و قوى اليهود المنظمة .

و ليس بخاف على أحد استبسال المجاهدين الفلسطينيين في الذود عن وطنهم و إقدامهم على التضحية و بيعهم نفوسهم بيع السماح في سبيل الله , حتى شهد لهم بذلك العدو و الصديق , و رفعوا بجهادهم أسم العرب عاليا في العالم .

فمن ذلك ما ذكره المرحوم محمد رستم حيدر وزير مالية العراق الأسبق لبعض زائريه في لبنان عندما كان راجعا من أوربا صيف 1939 بقوله :

لقد كنا في زيارتنا الماضية لأوربا تحاشى التظاهر بأننا عرب .

و لكننا هذه المرة ,بعد جهاد عرب فلسطين و بطولتهم التي كان ذكرها أفاق أوربا , أصبحنا نفخر بعروبتنا و صرنا نلقى من الأوربيين كل إجلال واحترام .

هتلر يستشهد بجهاد عرب فلسطين

و من ذلك ما قاله هتلر للسيد خالد القرقني مستشار المرحوم جلالة الملك عبد العزيز أل سعود في مقابلة رسمية له عام 1938 من أنه معجب كل الإعجاب بكفاح عرب فلسطين و بسالتهم .

و كذلك جاء في بيان رسمي وجهه هتلر إلى الألمان في السودت حينما كانوا يحاولون الخلاص من حكم تشيكوسلوفاكيا عام 1938 و الانضمام إلى ألمانيا ما معناه : " اتخذوا يا ألمان السوديت من عرب فلسطين قدوة لكم .

إنهم يكافحون إنجلترا أكبر إمبراطورية في العالم , و اليهودية العالمية معا , ببسالة خارقة , و ليس لهم في الدنيا نصير أو مساعد , أما أنتم فأنى أمدكم بالمال و السلاح , و إن ألمانيا كلها من ورائكم ".

ما كتبه الجنرال ولسن عن مجاهدي فلسطين

و قد جاء من كتاب ألفه الجنرال هنري ميتلاند ولسون الذي أشترك في المعارك ضد عرب فلسطين قبل أن يتولى قيادة القوات البريطانية في مصر ثم في منطقة البحر الأبيض المتوسط , ذكر مستفيض لبطولة عرب فلسطين خلال المعارك الدامية التي جاهدوا فيها القوات البريطانية إذ ذكر ما خلاصته :

" إن خمسمائة من ثوار عرب فلسطين يعتصمون في الجبال و يقيمون بحرب العصابات , لا يمكن التغلب عليهم بأقل من فرقة بريطانية كاملة السلاح ( أي خمسة عشر ألف جندي ) .

الفلسطينيون في غزة يهزمون الإنجليز

و في الحرب العالمية الأولى عندما صمد لواء واحد من الجيش العثماني مؤلف من أقل من ثلاثة ألاف جندي فلسطيني في وجه فرقتين بريطانيتين أمام غزة و كبدهم خسائر فادحة و أرغمهما على التقهقر حتى العريش عام 1917 , أصدر أحمد جمال باشا القائد التركي الذي أشتهر بخصومته للعرب , بيانا رسميا أشاد فيه بالشجاعة الفذة التي أبداها أولئك الجنود الفلسطينيون في غزة أمام أضعاف أضعافهم من جنود الأعداء , و إنها بسالة خارقة تذكر بالشجاعة التي أبداها آباؤهم من قبل عندما حموا هذه البقعة المقدسة بقيادة صلاح الدين الأيوبي . . . .

و كذلك أعترف كثيرون من أقطاب العرب و زعمائهم بشجاعة الفلسطينيين , و مبلغ ما بذلوه من جهود و دماء , ذودا عن حياضهم أثناء المعارك الأخيرة التي وقعت عامي 1947 و 1948 .

و إني لأسف إذ أضطر للاستشهاد بمثل هذه الأقوال و التصريحات بالثناء على أهل فلسطين في مجال الدفاع عنهم ببيان الحقائق التي حاولت الدعايات الأجنبية و دوائر المخابرات البريطانية و اليهودية أن تطمسها بما سخرت لذلك من الصحف المأجورة و الألسنة الخراصة لتشويه سمعة الفلسطينيين و إظهارهم على غير حقيقتهم .

براعة الفلسطينيين في حرب العصابات

و لا شك أن كل منصف يعترف بأن مجاهدي فلسطين لم يغلبوا على أمرهم و لم يقهروا في ميدان الكفاح حينما كانوا يحاربون اليهود و الانجليز معا حرب العصابات التي حذقوها , و التي هي أجدى و أنجح في مكافحة الجيوش النظامية , و أعظم أثرا , و أقل نفقة .

و بحرب العصابات القائمة على أساس التضحية و الاستماتة و البسالة استطاع الفلسطينيون أن يقضوا مضاجع أعدائهم أمدا طويلا , و أن ينزلوا بهم الخسائر الفادحة , و استطاعت حركة الجهاد الفلسطيني في أعوام 36 و 37 و 38 و1939 أن تسيطر على معظم الأراضي الفلسطين ية بل عليها كلها إذا استئنينا قليلا من المدن التي انحصر الجنود الانجليز داخلها وقتا غير قليل في انتظار النجدات .

الانجليز يسلحون اليهود و يدربونهم

و في الحوادث الأخيرة ظن الانجليز الذين جردوا أهل فلسطين خلال الحرب العالمية الثانية من أسلحتهم , و شردوا قادتهم و سجنوا الألوف من مجاهديهم و أرهقوهم ظلما و عدوانا كما يفعلون اليوم في المكافحين من رجال ماوماو في الوقت الذي كانوا يسلحون فيه اليهود و يدربونهم و ينظمونهم و يساعدونهم بواسطة هيئة عسكرية إنجليزية كان يرأسها القائد ( وينجت ) المعروف – ظن الانجليز أن كفة اليهود الحربية أصبحت راجحة , و أن في استطاعتهم أن يتسلموا فلسطين حسب وعد بريطانيا القديم لهم , فأعلنت بريطانيا أنها ستنسحب من فلسطين .

و لكن أهل فلسطين رغم ضعف وسائلهم عامي 19471948 قاموا بكفاح شديد أرغموا فيه يهود القدس , و عددهم نحو ( 115 ) ألفا , على رفع رايات التسليم , بعد أن أرهقوهم و حصروهم و قطعوا عنهم الماء و الزاد و العتاد .

و قد توسطت الهيئة الدبلوماسية في القدس حينئذ و جاءت بعثة من بعض أعضائها إلى دمشق في مارس 1948 لمفاوضة الجامعة العربية و الهيئة العربية العليا في هذا الأمر .

تفوق العرب في المعارك على اليهود

و في غضون ذلك كانت المعارك الكبيرة ناشبة بين العرب و اليهود ففي مكان يعرف بالدهيشة , بين القدس و الخليل , نشبت معركة كبيرة في 17 مارس 1948 قتل فيها بضع مئات من اليهود و وقع منهم ( 350 ) أسيرا , و غنم المجاهدون أسلحتهم و ذخائرهم و نحو مائة و خمسين سيارة كان قسم كبير منها من المصفحات و المدرعات .

و وقعت معارك صوريف و بيت سوريك و سلمه و يافا و معارك أخرى في المنطقة الشمالية قهرت فيها العصابات الفلسطينية اليهود و هزمتهم .

و لما شرع اليهود في استعمال المتفجرات و عمدوا إلى النسف , قابلهم المجاهدون بما هو أدهى و أمر , فنسفوا عمارة بالستين بوست و الوكالة اليهودية و شارع بن يهودا برمته و محطة المنتفي وري و غيرها مما قصم ظهر اليهود , و جعلهم يطالبون بالعدول عن حرب المتفجرات .

و قد أبدى المجاهدون الفلسطينيون من البسالة و التصميم و التضحية ما ضمن لهم التفوق و رجوح الكفة على اليهود , حتى أن الولايات المتحدة الأمريكية أعلنت بواسطة مندوبها في الأمم المتحدة في 23 مارس سنة 1948 عدو لها عن تأييد قرار تقسيم فلسطين ( و قد وقعت جميع هذه الحوادث قبل أن تدخل الجيوش العربية فلسطين ) .

12 ألف شهيد فلسطيني

و قد بلغ عدد الذين استشهدوا من أهل فلسطين في ميادين الجهاد نحو 12 ألف شهيد , و بلغ عدد ما أصيب منهم بجراحات و عاهات دائمة ضعف هذا العدد , و هذا بالإضافة إلى ألوف من السكان المدنيين ولا سينا من الشيوخ والنساء والأطفال الذين قتلهم اليهود و المستعمرون كما أن خسائرهم المادية إلى ما قبل نشوب الحرب العالمية الثانية تقدر بعشرات الملايين من الجنيهات , فان السلطات البريطانية نسفت أقساما برمتها من مدن يافا و اللدوجنين و عشرات من القرى العربية و أتلفت مزروعات أهلها و مواشيهم و ممتلكاتهم .

المؤامرة الانجليزية لإبعاد الفلسطينيين عن ميدان القتال

و لما رأى الإنجليز و اليهود هذا الجد و التصميم و الاستماتة من عرب فلسطين , و أن حرب العصابات تزداد توسعا و اندلاعا , و أن أمدهم سيطول , و ستكون لها نتائج خطيرة في إثارة الشرق العربي و العالم الإسلامي , لجئوا إلى الحيلة لوقف حرب العصابات و أبعاد المجاهدين الفلسطين يين عن ميدان المعركة , لأنهم بطبيعة الحال أشد العناصر العربية تصميما على القتال , و استماتة في الذود عن وطنهم و أنفسهم و ممتلكاتهم , فعمد الإنجليز إلى تعديل خطة الدول العربية التي كانت قررت في اجتماع " عالية – لبنان " في السابع من أكتوبر عام 1948 أن يكون المعول على حرب فلسطين على أبنائها , و أن تمدهم الدول العربية بالأسلحة و الأموال و ما إلى ذلك من وسائل المساعدة , وأن لا تدخل الجيوش العربية النظامية فلسطين .

و لكني عندما شعرت في ذلك الحين برغبة بعض الشخصيات العربية الرسمية في إدخال الجيوش العربية فلسطين , و باندفاعها في هذا السبيل , أوجست في نفسي خيفة و أبديت ارتيابي و خشيتي من أن تكون وراء ذلك دسيسة أجنبية و عارضت في هذا معارضة شديدة .

و لم تكن جميع الدول العربية موافقة على إدخال جيوشها إلى فلسطين و لكن تيار الضغط الأجنبي على بعض الشخصيات المسئولة في الدول العربية في ذلك الحين كان بدرجة من الشدة اجتاح معها كل معارضة .

و دخلت الجيوش العربية وكانت مصر من أشد الدول معارضة لدخول جيشها في الحرب , ثم دخلت بتأثير دوافع متعددة , كما ظهر في المحاكمات الأخيرة أمام محكمة الثورة , فقد قيل في صدد دخول الجيش المصري حرب فلسطين : " إن المرحوم النقراشي أسر إلى أحد كبار المصر يين وقتئذ – ليهدئ من روعه ومعارضته – أن الانجليز متحمسون لدخولنا الحرب , وإنهم وعدوه بمد الجيش المصري بالأسلحة والذخيرة التي يحتاج إليها . . . "

الجيوش العربية تحت قيادة جنرال انجليزي

فلما دخلت الجيوش العربية فلسطين سلمت قيادتها العملية إلى الجنرال كلوب الانجليزي , و صدر أمر الملك عبد الله بإلغاء منظمة الجهاد المقدس الفلسطينية و جميع القوى و العصابات التابعة لها , و إلغاء جيش الإنقاذ المؤلف من المتطوعين و طلب إلغاء الهيئة العربية العليا لفلسطين , و وضعت خطة محكمة لإبعاد الفلسطينيين عن ميداني الجهاد و السياسة , و عن كل ما يتعلق ببلادهم و مستقبلهم و حياتهم .

دعايات مضللة و تهم باطلة تذاع عن فلسطين

3 – و لتبرير إبعاد الفلسطينيين عن ميدان المعركة قامت دوائر المخابرات البريطانية و اليهودية , و غيرها من الدوائر الموالية لها , بدعايات واسعة مضللة و إشاعات مبطلة عن الفلسطينيين تكيل لهم فيها جزافا أفظع التهم , كتجسسهم على الجيوش العربية و بيعهم جنودها و ضباطها لليهود , و نحو ذلك من الأكاذيب التي لا ظل لها من الحقيقة , و لا يعقل أبدا أن يرتكبها الفلسطينيون الذين هم أعظم الناس مصيبة باليهود و الاستعمار , و أشدهم حنقا عليهما .

و استغل الخصوم بعض حوادث التجسس التي كان يقوم بها أفراد من اليهود نشئوا في البلاد العربية و حذقوا لغتها و عادتها , و قد بثتهم دوائر الاستخبارات اليهودية في كل الجهات و هم يرتدون الثياب العربية حتى ظن أنهم من عرب فلسطين .

و أذكر مثلا لذلك حادثتين معروفتين في منطقة غزة , الأولى أن القوات المصرية المسلحة قبضت على أثنين من اليهود يرتديان ثياب البدو بينما كان يقومان بإلقاء ميكروبات الكوليرا و غيرها من الجراثيم الوبائية في أبار تلك المنطقة بقصد إبادة سكانها و القوات المصرية الموجودة فيها .

و الثانية قصة طريفة قصها علي كل من الأمير الآي السيد مصطفى الصواف نائب الحاكم الإداري العام ل قطاع غزة سابقا , و السيد عبد الرحمن الفرا رئيس بلدية خان يونس , و خلاصتها أن دورية مصرية قبضت على رجل يرتدي ثياب بدو فلسطين بينما كان خارجا من مستعمرة " كفار داروم " و متجها إلى " خان يونس " و عند سؤاله زعم إنه ينتمي إلى عشيرة عربية مجاورة فلما سئل شيوخ العشيرة عنه أنكروه .

و لما ضيق المحققون عليه الخناق اعترف أنه جاسوس يهودي , و أنه يتجه إلى خان يونس ليقابل فيها زميلا له , فلما رافقوه ليدلهم على زميله كانت دهشتهم بالغة عندما دلهم على شيخ معمم مقيم بجامع البلد و يلبس الملابس الفلسطينية , و كان هذا الشيخ يتظاهر بالورع و يصلي في الصف الأول , و يقيم في الجامع .

و في نهاية التحقيق الرسمي أعترف هذا الشيخ المعمم بأنه يهودي دينا و جنسية , و أنه يقوم بالتجسس على حركات الجيش المصري , و أنه تظاهر بأنه مسلم فيما مضى , و انخرط في الجامع الأزهر في سلك الطلاب أمدا غير قصير درس خلاله دروس الدين الإسلامي و اللغة العربية . . .

و لقد وقع كثيرا من أمثال هذه الحادثة كان يقوم بها يهود يتزينون بزي العرب الفلسطينيين و لا يتسع المجال لسردها الآن , مما ساعد على ترويج تلك التهم الشنيعة و الإشاعات الكاذبة المضللة عن أهل فلسطين و هم منهم براّء .

على أن أهل فلسطين كغيرهم من الشعوب منهم الصالحون و منهم دون ذلك , و لا يبعد أن يكون بينهم أفراد قصروا أو فرطوا أو اقترفوا الخيانة , و لكن وجود أفراد قلائل من أمثال هؤلاء بين شعب كريم مجاهد كالشعب الفلسطيني لا يدمغ هذا الشعب , و لا ينقض من كرامته و لا يمحو صفحة جهاده العظيم .

كارثة فلسطين وليدة مؤامرة الاستعمار الأجنبي و اليهودية العالمية و ليست ناشبة عن خصومات حزبية و خلافات عائلية الحلول التي عرضتها بريطانيا كانت سلسلة من المخادعات

السؤال الثاني

يتحدث بعض الناس عن خصومات حزبية و اختلافات محلية وقعت في فلسطين , و يقولون إنه لولا معرضتكم و إخوانكم للحلول التي عرضتها بريطانيا لحل قضية فلسطين لما وصلت الحال إلى ما هو عليه.

الجواب

إن أكثر الناس لا يعرفوا قضية فلسطين على حقيقتها , و من كافة نواحيها , لأنهم لم يتعمقوا في بحثها , و لم يثبروا غورها , و لم يدرسوا ظروفها و ملابستها , شأنها في ذلك شأن الطبيب الذي يحاول معالجة المريض دون أن يفحصه فحصا دقيقا , و دون أن يعرف تاريخ مرضه و تطوراته , فتكون معالجته مرتجلة لا تشفي سقما و لا تضمن برءا .

و منهم من يقيس هذه القضية بغيرها من القضايا العربية و الشرقية و هذا قياس مع الفارق , لأن خطة الخصوم في قضية فلسطين ليست قاصرة على الاستعمار فحسب , بل أن هناك عوامل أخرى خطيرة دينية و قومية و إستراتيجية , هدفها استبدال أمة بأمة أخرى و تقويض كيان هذه الأمة تقويضا كاملا , بالقضاء على قوميتها دينها و تاريخها , و التعفية على أثارها لتحل محلها تلك الأمة الأخرى .

مؤامرة مبيتة بين الاستعمار و اليهودية العالمية

و بعبارة أصرح إنها مؤامرة مبيتة – منذ عهد بعيد – بين اليهود و الاستعمار ( كما صرح بذلك حاييم ويزمن زعيم الصهيونية في مذكراته ) ترمي إلى إجلاء العرب , أهل البلاد الأصلين , عن وطنهم , و إحلال اليهود المشردين في سائر أنحاء الأرض محلها , و القضاء المبرم على عروبة هذه البلاد و دينها و مقدستها و معابدها و استئصال شأفة أهلها , لجعلها مركزا دينية و سياسيا و عسكريا ليهود العالم قاطبة , و لإعادة بناء الهيكل اليهودي المعروف بهيكل سليمان مكان المسجد الأقصى المبارك , و ليكون هذا المركز اليهودي العالمي رأس جسر , أو محطة , للوثوب على العالم العربي , كما صرح بذلك دافيد بن غور يون رئيس الوزراء السابق لدولتهم اليهودية .

و قد وضعت الخطة الخطيرة لهذه المؤامرة المبيتة بين انجلترا و اليهود , قبل الحرب العالمية الأولى ثم انضمت إليهم بعض الدول الاستعمارية الكبرى , و صمم المتآمرون على تنفيذ مؤامرتهم دون أن يقيموا وزنا لأي اعتبار من الاعتبارات الإنسانية , أو القيم الأخلاقية أو الحقوق الدولية .

و هذه الخطة الغاشمة لم يسجل لها التاريخ نظيرا من قبل , و هي سابقة خطيرة في الاستعمار , يجري تنفيذها للمرة الأولى على هذه الصورة الفظيعة , فإذا نجحت في فلسطين فإنهم سينفذونها في غيرها من الأقطار العربية المجاورة الداخلة في خريطة المطامع اليهودية و الاستعمارية .

يريدون فلسطين يهودية كما أن انجلترا إنجليزية

فمنذ نحو نصف قرن , زعم إسرائيل زانجويل أحد كبار زعماء اليهود: أن " فلسطين وطن بلا سكان " فيجب أن يعطي لشعب بلا وطن " ( أي اليهود ) .

و قال : إن واجب اليهود في المستقبل أن يضيقوا الخناق على عرب فلسطين حتى يضطروهم إلى الخروج منها .

و على أثر فرض الانتداب البريطاني على فلسطين , أعلن زعماء الصهيونية من يهود العالم مثل سو كولوف , و وايزمن , و جاب وتنسكي , و إيدار , و كيش و روتنبرغ و غيرهم – أنهم يريدون أن تصبح فلسطين بأجمعها لليهود و" أن تكون فلسطين يهودية كما أن إنجلترا إنجليزية " .

و قد كان البريطانيون على تفاهم تام مع اليهود على هذا , و قد أرسلوا في ظروف متعددة إلى فلسطين رسلا من أنصارهم عرضوا على عرب فلسطين الرحيل عن وطنهم مقابل مبالغ من الأموال يدفعها إليهم اليهود !

و في عام 1934 اتصل رسل من البريطانيين بي شخصيا و بآخرين من الوطنيين الفلسطينيين و عرضوا أن ينقل عرب فلسطين إلى شرق الأردن على أن يعطوا نصف مساحة الأراضي التي كانوا يملكونها و أن يقدم اليهود جميع الأموال المطلوبة لتنفيذ ذلك الاقتراح , و كان طبيعيا أن يرفض العرب هذا العرض السخيف .

و ما أنفك زعماء اليهود يعملون متعاونين مع البريطانيين على إيجاد الظروف الملائمة لإجلاء عرب فلسطين عن بلادهم و تسليمها لليهود , و في مذكرات الدكتور حاييم ويزمن المطبوعة منذ ثلاث سنوات ما يفيد أنه أتفق مع الحكومة البريطانية على تسليم فلسطين لليهود خالية من سكانها العرب !

قرار مؤتمر العمال البريطاني يجعل فلسطين دولة يهودية

و في شهر مارس 1942 خطب الزعيم اليهودي بن غور يون في تل أبيب قائلا : " إن الصهيونية قد انتهت من وضع خطتها النهائية و هي أن تصبح فلسطين دولة يهودية , إن اليهود لا يستغنون عن أي قسم من فلسطين , حتى قمم الجبال و أعماق البحار " .

و في ديسمبر 1944 عقدت اللجنة التنفيذية العامة لحزب العمال البريطاني مؤتمرا كان من أعظم المؤتمرات و أخطرها في تاريخ هذا الحزب , و بعد بحث قضية فلسطين اتخذ المؤتمر قرارا بالإجماع " بتحويل فلسطين إلى دولة يهودية , و إخراج سكانها العرب منها إلى الأقطار المجاورة " .

و قد اشترك ممثلو الحزب في الحكومة الائتلافية القائمة بالحكم حينذاك ( مثل أتلي و بيفن و دالت ون و موريس ون و بيفان وجونز ) في مؤتمر الحزب و وافقوا على قراره بشأن فلسطين كما اشترك في المؤتمر هارولد لاسكي أحد كبار رجال العمال , و هو يهودي, و كان له أثر كبير في توجيه المؤتمر .

و لم تعترض الحكومة البريطانية على ذلك القرار , و هو ما يؤكد اتفاق جميع الأحزاب البريطانية على ذلك المبدأ الأثيم .

و رحبت الصحيفتان البريطانية و الأمريكية بقرار المؤتمر و اعتبرتاه خير حل لقضية فلسطين !

مطامع اليهود في البلاد العربية

و هذا و لم تعد المطامع اليهودية الخطيرة في البلاد العربية المجاورة لفلسطين خافية, فان زعماء اليهود المسئولين جاهروا و يجاهروا بأن فلسطين لا تكفيهم , و أنها ليست إلا " مركز وثوب " لتحقيق أهداف الصهيونية كلها , و هي الاستيلاء على بقية فلسطين و الأردن و سوريا و لبنان و العراق , و سيناء و الدلتا من الأراضي المصرية , و مناطق خيبر و بني قريظة و بني النضير و غيرها من الأراضي الحجازية المجاورة للمدينة المنورة بما فيها قسم كبير من المدينة المنورة نفسها !

بحجة أنها كانت مواطنهم في القرون الماضية , و قدموا طلبا باستعمارها إلى الملك عبد العزيز أل سعود مقابل عشرين مليون جنيه ذهبا , بواسطة الرئيس روزفلت عندما قابله في فندق الفيوم القائم على بحيرة قارون بمصر عام 1945 و بوسائط أخرى أيضا , و لكن الملك عبد العزيز – رحمه الله – رفض ذلك بكل شدة وإباء .

و لا يحاول اليهود إخفاء مطامعهم بل يتحدون الأمة العربية كلها بوقاحة و استخفاف , فهم ينقشون على واجهة مجلس نوابهم العبارة الآتية : " من النيل إلى الفرات " و لا يتسع المجال الآن لتفصيل المطامع اليهودية الخطيرة في الأراضي المصرية و لاسيما في سيناء التي يعتبرونها مقدسة كفلسطين , و في الدلتا و البحر الأحمر , و سائر البلاد العربية , فان ذلك يحتاج إلى رسالة خاصة .

ذكرت كل مطامع اليهود في صدد الإجابة على سؤالكم , للتدليل على أن قضية فلسطين ليست قضية عادية , بل هي قضية من الخطورة بمكان عظيم جدا , و لا ينحصر شرها بفلسطين بل يعم سائر البلاد العربية , و لا يقتصر ضررها على ناحية الاحتلال و الاستيلاء فحسب , بل يتجاوزها إلى تهديد الكيان العربي في الشرق الأوسط بأجمعه , في استقلاله و سيادته , و في مقدساته و معتقداته و في سائر مقومات حياته .

فهذه المعركة الناشبة بيننا و بين اليهودية العالمية التي يعضدها الاستعمار بكل قواه , هي معركة فاصلة و خطيرة جدا , و علينا أن نوقن بأنها معركة حياة أو موت , معركة بين عقيدتين متناقضتين لا تستطيع إحداهما أن تعيش إلا على أنقاض الأخرى , و أن خصومنا جادون مصممون على تقويض كياننا و تدمير بنياننا , و طي صفحة تاريخنا , غير أبهين لحق أو عدل أو رحمة , فكيف نجابههم هازلين مترددين خائرين ؟

علي ضوء هذه الحقيقة الواضحة ، الأليمة المريرة ، يجب علينا أن نعالج قضية فلسطين .

و سنري بعد قليل هل كان صوابا أن تعالج هذه القضية الخطيرة بالحلول الواهية الخادعة التي عرضها الإنجليز علي عرب فلسطين فرضوها بعد درس و تمحيص و لم يكن رفضهم لها اعتباطا أو تعنتا !

الحزبية و الخلافات المحلية

فأما من ناحية الخلافات النسبية فالواقع أنه لم يكن في فلسطين اختلافات حزبية أو طبقية أو طائفية ، بالمعني المعروف في مختلف الأقطار :

فلم يكن لدي الشعب الفلسطيني ما يختلف عليه رجاله و جماعته ، فلا حكومة و لا مجلس نواب و لا سلطة من السلطات الرسمية و لا مراكز سامية و وظائف ممتازة ... فقد كان عرب فلسطين محرومين من كل ذلك . أما الخلاف الذي وقع في بعض الأحيان فقد كان مصدره المستعمرون الذين دفعوا بعض أتباعهم إلي مناوأة الحركة الوطنية وفقا لمصلحة الاستعمار و الصهيونية .

الميثاق القومي لفلسطين

لقد قامت الحركة الوطنية علي أساس ميثاق قومي وضعه عرب فلسطين أشتمل علي " استقلال فلسطين ضمن الوحدة العربية ، و رفض الانتداب البريطاني و الوطن القومي اليهودي " .

و قد سار الوطنيون علي هذه المبادئ منذ قيام الحركة الوطنية حتى هذه الساعة ، و لم يكن الوطنيون المخلصون ليختلفوا علي تلك الأسس و الأهداف الوطنية .

و الذي وقع في فلسطين لم يكن اختلافات حزبية أو محلية ، بل كان في الحقيقة اختلافا بين الوطنيين و بين خصوم الحركة الوطنية من المستعمرين و الصهيونيين و أتباعهم .

و قد امتحنت الأقطار العربية التي كانت تقاوم الاستعمار و الاحتلال بمثل ما امتحن به عرب فلسطين على أيدي المستعمرين .

و أن إخواننا المصريين و السوريين و العراق يين و اللبنان يين يعرفون كيف أوجد الاستعمار فيما بينهما فئات و جماعات و أحزابا لمقاومة الحركات الوطنية .

بل لعل الفلسطينيين ابتلوا بما لم يصب بمثله إخوانهم العرب من دسائس الاستعمار لثم الصفوف و صدع الوحدة .

فقد بلغ من أمر المستعمرين أن بذلوا جهودا جبارة لإثارة روح الطائفية و الخلاف الديني بين المسلمين و المسيحيين في فلسطين , لدرجة أن رجال الاستخبارات من المستعمرين أخرجوا من السجون بعض المجرمين وألفوا منهم عصابات زودوها بالسلاح و خصصوا لها المرتبات و النفقات , و أطلقوها للاعتداء على القرى المسيحية , و اغتيال المسيحيين , إثارة لروح الفتنة و للإيقاع بين أبناء الوطن الواحد.

و لكن المجاهدين كانوا للخونة بالمرصاد , فقبضوا عليهم و عاقبوهم على جرائمهم .

الدعاية ضد الوطنيين

و لم يكتف المستعمرون و اليهود و أتباعهم بما تقدم ذكره من الأعمال , بل قاموا أيضا ببث دعاية واسعة النطاق ضد رجال الحركة الوطنية , محاولين تشكيك الناس في إخلاصهم و حملهم على الانفضاض من حولهم , و تحميلهم مسئولية ما كان عرب فلسطين يشكونه من ظلم السلطات و بطشها و حرمانها لهم من كافة الحقوق السياسية و المدنية و غيرها .

و لما اتسع نطاق الحركة الوطنية الفلسطينية , و كان لها صدى بعيد في سائر الأقطار العربية , ضاعف الخصوم دعايتهم و عملوا على تعميمها في سائر الأقطار العربية , للدس على الفلسطينيين و تشويه سمعة المخلصين العاملين من رجالهم .

و ركز المستعمرون و الصهيونيين و أعوانهم دعايتهم المضللة على الادعاء الباطل بان الفلسطين يين و زعماءهم اتبعوا سياسة سلبية و رفضوا جميع ما تقدم به الانجليز من عروض و حلول لقضية فلسطين ( و منها التقسيم ) خلال عهد الانتداب , و أمعنوا في التضليل و المخادعة فقالوا : انه لو قبل المفتي و الزعماء الفلسطينيون بتلك الحلول و العروض , لما وصلت الحال إلى ما وصلت إليه , و لما وقعت نكبة فلسطين . .

و من المؤسف أن تلك الدعاية الباطلة وجدت صدى لها عند بعض العرب , بل بعض الفلسطينيين أنفسهم , فجعلوا يرددون تلك الدعاية و يعتقدون صحتها , و كان عدم معرفة هؤلاء – و لاسيما الناشئة الأحداث من الفلسطينيين و غيرهم من العرب – بتاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية و عدم اطلاعهم على تلك العروض و الحلول البريطانية , من العوامل التي جعلتهم يصدقون تلك الأضاليل بحسن نية .

المؤامرة الانجليزية اليهودية قديمة

و قبل أن أتحدث عن موضوع ( العروض و الحلول ) , أود أن أنبه مرة أخرى إلى ما تم في فلسطين منذ احتلال الإنجليز لها في عامي 19171918 , حتى يومنا هذا كان نتيجة لخطة انجليزية صهيونية اتفق عليها المستعمرون و الصهيونيون , خلال الحرب العالمية الأولى ( 1914- 1918 ) و قبلها , و عمد الفريقان , من ورائهما فيما بعد الأمريكيون , إلى تنفيذها خطوة بخطوة و حلقة بحلقة .

فكل ما كان يدعيه الإنجليز من تقديم عروض و حلول , و ما قاموا به من إرسال لجان التحقيق التي اتخمت بها فلسطين , إنما هو خداع و نفاق , و تخدير للأعصاب , و صرف للأنظار عن حقيقة المؤامرة الاستعمارية اليهودية المبيتة ضد فلسطين , التي كانوا مصممين على تنفيذها عن طريق سياسة الوطن القومي اليهودي و الانتداب البريطاني الذي فرض على عرب فلسطين فرضا , ذلك الانتداب الذي نصت المادة الثانية من صكه على أن مهمة الحكومة المنتدبة ( أي بريطانيا ) في فلسطين هي وضع البلاد في حالات سياسية و إدارية و اقتصادية من شأنها أن تسهل إنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين , ثم صار هذا الصك وثيقة دولية على بريطانيا واجبة التنفيذ , بعد ما أقرته عصبة الأمم السابقة , و الولايات المتحدة الأمريكية .

الانتداب و صك الانتداب من وضع اليهود

قررت عصبة الأمم في 24 يوليو 1922 وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني , و أقرت له صكا , يفرض على الحكومة البريطانية تنفيذ سياسة إنشاء الوطن اليهودي , و قد أشرنا إليه سابقا .

و في شهر مايو 1930 , اجتمع الوفد الفلسطيني في لندن ( و كنت مشتركا فيه ) بالمستر رامزي ما كدونالد رئيس الوزارة البريطانية حينئذ , فناقشته في موضوع الانتداب و صكه و تحيزه لليهود و لاسيما المادة الثانية منه , فأجاب ماكدونالد بأن عصبة الأمم هي التي وضعت صك الانتداب .

و في شهر يونيو 1930 سافرت إلى جنيف و قابلت في مقر عصبة الأمم سكرتيرها العام ( السير اريك دراموند ) , و هو بريطاني , فبحثت معه الموضوع بحضور الأمير شكيب أرسلان و السيد إحسان الجابري و ذكرت له ما تقوله الحكومة البريطانية من أن صك الانتداب الجائر وضعته عصبة الأمم !

فقال : إن العصبة لم تضع مشروع صك الانتداب , بل أن الحكومة البريطانية هي التي وضعته بالتفاهم مع اليهود !

و قد تبين أخيرا أن الحكومة البريطانية وضعت صك الانتداب بالاتفاق مع الجمعية الصهيونية و زعماء اليهود .

و يقول الدكتور وايزمن في مذكراته : إن اليهودي الأمريكي بنجامين كوهين كان يتولى مع سكرتير اللورد كير زون ( وزير الخارجية البريطاني حينئذ ) وضع صك الانتداب و الاتفاق على نصوصه !

الثورة الفلسطينية الأولى

و لما تسلم الانجليز حكم فلسطين فور احتلالهم لها , كانت باكورة أعمالهم فيها فتح أبوابها للهجرة اليهودية , و السماح لليهود بتلك الأراضي , و مساعدتهم على ذلك , و أدركوا أن العرب غير راضين بالانتداب و تصريح بلفور , و إنهم مصممون على مقاومتهما مهما كلفهم الأمر .

و كانت الثورة الأولى الفلسطينية التي وقعت في 4 أبريل 1920 أكبر نذير للإنجليز بمقاومة عرب فلسطين .

و لذلك جعل الإنجليز أكبر همهم حمل الفلسطينيين على الاعتراف بالانتداب و تصريح بلفور , و إكراههم على العدول على المطالبة بإنشاء حكومة وطنية مستقلة.

و قد لجأت الحكومة البريطانية – لأجل تخدير العرب , و انتزاع موافقتهم على الانتداب و تصريح بلفور – إلى عدة أساليب استعمارية خادعة نبينها فيما يلي :

العروض و الحلول أسطورة و خداع

أولا – أصدرت الحكومة البريطانية في 22 يونيو 1922 كتابا أبيض اشتمل على (دستور) لفلسطين , و على السياسة العامة التي تعتزم الحكومة البريطانية إتباعها , و قد بنتها على أساس الانتداب و تصريح بلفور .

و نص هذا الكتاب على تشكيل مجلس تشريعي لفلسطين من 22 عضوا , منهم 10 من الموظفين الانجليز يعينهم المندوب السامي , و 8 من المسلمين و 2 من المسيحيين و 2 من اليهود ينتخبهم الأهلون على أن يكون المندوب السامي رئيسا للمجلس , و له حق النقض ( الفيتو ) , و أن لا يكون للمجلس الحق في التعرض لمبدأ الانتداب أو الوطن القومي اليهودي و الهجرة اليهودية إلى فلسطين أو شئون فلسطين المالية !

و اجتمع المؤتمر الفلسطيني الخامس في أغسطس 1922 في نابلس و اشترك فيه ممثلو الشعب الفلسطيني , و بعد بحث دقيق للأوضاع السياسية و دراسة عميقة للكتاب الأبيض , قرر المؤتمر بالإجماع عدم التعاون مع الحكومة البريطانية, على أساس الكتاب الأبيض المذكور و الدستور الجديد , و رفض مشروع المجلس التشريعي .

و كان من الأسباب الرئيسية التي حملت المؤتمر علي اتخاذ ذلك القرار ما يلي :

ا – أن عرب فلسطين كانوا يطالبون باستقلال بلادهم كسائر الأقطار العربية , لأن الاستقلال حق لكل شعب , و قد اعترفت بذلك الحق مبادئ الرئيس ولسون و المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم , و العهود المعروفة التي قطعها الانجليز سنة 1916 للبلاد العربية , و منها فلسطين , بالاستقلال الكامل .

و ليس في المشروع المعروض شيء من الاستقلال .

ب – أن الدستور ومشروع المجلس بنيا على أساس الانتداب و تصريح بلفور , فقبولهما يعني القبول بالانتداب و إنشاء الوطن اليهودي و الاعتراف بهما .

ج – ليس للمجلس التشريعي سلطات واسعة , و لا يجوز له بحث مسألة الهجرة اليهودية و الانتداب .

د – أن ذلك المجلس لا يمثل البلاد تمثيلا صحيحا , حيث يعطي العرب ( و كانوا يؤلفون 91 % من مجموع السكان ) عشرة أعضاء من اثنين و عشرين , بينما يعطي الإنجليز وحدهم 10 عدا الأعضاء اليهود .

هـ - أن المشروع أعطى المندوب السامي البريطاني حق ( الفيتو ) على جميع مقرراته .

و على الرغم من قرار العرب الجماعي دعت حكومة الانتداب إلى إجراء انتخابات للمجلس في فبراير سنة 1923 فقاطعها العرب مقاطعة تامة .

ثانيا – ثم قدمت الحكومة البريطانية ( عرضا ) أخر , في مارس 1923 و هو تعين مجلس استشاري من 10 أعضاء بريطانيين و 8 من المسلمين و 2 من المسيحيين و 2 من اليهود .

و رفض العرب هذا المشروع الهزيل الجديد , و رفض الأعضاء المسلمون و المسيحيون الذين عينتهم الحكومة البريطانية قبول ذلك التعيين .

ثالثا – و في 13 أكتوبر 1923 عرض المندوب السامي السير هربرت صمويل على العرب تأليف وكالة عربية فرفض العرب هذا العرض أيضا لان قبوله ينطوي على اعترافهم بالانتداب و تصريح بلفور , و لأنها ليس لها من السلطة ما يحقق مطالب العرب الاستقلالية .

هذه هي ( العروض ) أو الحلول التي عرضها الإنجليز على عرب فلسطين و رفضوها .

أما و قد بينا حقيقة تلك العروض , فهل كان يجوز لأي عربي أن يقبل بها و يرضى بالتعاون على أساسها ؟ و في دورتين لعصبة الأمم ( 19241925 ) نوقشت الحكومة البريطانية بشأن عدم تأسيس مجلس تشريعي في فلسطين , فأجاب ممثلها بصراحة و جلاء بأنه " لا يمكن إنشاء مجلس تشريعي في فلسطين يكون العرب فيه ممثلين حسب عددها , لأن ذلك يحول بين الحكومة المنتدبة و تنفيذ الواجبات المتعلقة بإنشاء الوطن القومي اليهودي " .

و ما هو جدير بالذكر أن الذي وضع ذلك الكتاب الأبيض لعام 1922 و السياسة التي انطوي عليها و مشاريع المجلس التشريعي و المجلس الاستشاري و الوكالة العربية كان ونستون تشرشل وزير المستعمرات البريطانية حينئذ .

و تشرشل هذا يعرفه العالم العربي حق المعرفة ، و قد أعلن مرارا أنه يعتبر نفسه صهيونيا أصيلا ، و أنه يصلي بحرارة لأجل تحقيق أماني الصهيونية العظيمة .

و قد ساعده في خططه المندوب السامي البريطاني علي فلسطين ، السير هربرت صموئيل , و هو يهودي .

و في الوقت نفسه كان يشغل وظيفة السكرتير القضائي في حكومة الانتداب ( و في يده سلطة التشريع و سن القوانين ) يهودي أخر و هو المستر نورمان بنتويش .

وهكذا كان ذلك الكتاب الأبيض ومشاريع المجلس التشريعي والمجلس الاستشاري من أخبث ما أنتجه الاستعمار والصهيونية ، فقد أصدره مثلث صهيوني رأسه تشرشل وقاعدته هربرت صموئيل ونورمان بنتويش .

وقد ذكر الدكتور وايزمان في مذكراته ما نصه " إن هربرت صموئيل ، المندوب السامي ( اليهودي ) البريطاني علي فلسطين ، هو الذي وضع مشروع الكتاب الأبيض لعام 1922 ، وان الحكومة البريطانية عرضته علي اللجنة الصهيونية قبل إصداره للإطلاع عليه وإبداء وجهات النظر التي يراها اليهود .

وقد وافق عليه زعماء اليهود " .

تقسيم الوطن لا تقبله أمة حيه شريفةالايجابية السمحةالتي اسر عليها بعض الدول العربية لا تزد الانجليز إلا عنادا ، واليهود إلا صلفا وعتوا .

السؤال الثالث

يقول بعض الناس : إن رفض التقسيم ، والكتاب الأبيض ، والتزام السلبية ، من الأسباب التي أوصلت فلسطين إلي حالتها الحاضرة ، فما تقولون في ذلك .

الجواب

إن لنا أن نتساءل ، ونحن في صدد بحث مشروعات الحلول المعروضة لقضية فلسطين : أن لو قبل بها العرب ، علي قلة جدواها ومخالفتها للميثاق القومي والمبادئ الوطنية السامية ، فهل هناك ما يضمن أن الإنجليز سينفذونها ويعملون بها ، بعد أن يكونوا قد انتزعوا من العرب اعترافا بالانتداب والوطن القومي اليهودي ؟

إن لدينا أدلة كثيرة أيدتها تجارب مريرة علي أن السياسة البريطانية تفتقر دائما إلي حسن النية ، وعلي أن بريطانيا مصممة كل التصميم علي تنفيذ مؤامراتها المبيتة مع اليهود في فلسطين .

لجان التحقيق البريطانية

فقد شكلت الحكومة البريطانية في كثير من المناسبات ، نيفا وعشرين لجنة من " لجان التحقيق البريطانية " لدرس مشكلة فلسطين وتقديم التواصي لمعالجاتها علي على أساس بحث شكاوي الأهلين وتجنب قيان إضرابات جديدة .

وكان من أهم تلك اللجان لجنة السر ولترشو البرلمانية ، ولجنة السر جون هوب سمبسون ، ولجنة لويس فرنش . وقد اعترفت جميع تلك اللجان بصحة شكاوي العرب وحرمانهم من حقوقهم ، وأوصت الحكومة البريطانية باتخاذ بعض الوسائل لمعالجة شاكياتهم ، ولكن هذه الحكومة لم تنفذ أية توصية من التواصي التي جاءت في صالح العرب . وهكذا استبان العرب أن القصد من تشكيل تلك اللجان إنما كان المراوغة والتخدير .

الكتاب الأبيض لعام 1930

وعلي أثر اندلاع ثورة 1929 ووضوح ظلامه عرب فلسطين للعالم أجمع ، وصدور تقرير( لجنة شو ) ، أصدرت الحكومة البريطانية في أكتوبر 1930 كتابا أبيض عرف باسم " كتاب باس فيلد " وهو وزير المستعمرات حينئذ ، وكان هذا الكتاب قائما علي أساس تقرير لجنة " شو " الذي نص علي وقف الهجرة اليهودية ومنع بيع الأراضي لليهود .

فلما صدر أقبل عليه العرب وجهروا بقبوله وضج اليهود باستنكاره ، فقررت الحكومة البريطانية إرسال لجنة خاصة لدرس شؤون الأراضي برئاسة السر جون هوب سمبسون ، وكنت مع الوفد الفلسطيني الذي كان في لندن حينئذ فقلت لمستر ماكدونالد رئيس الوزارة : " لقد دلت التجارب علي أن كل تقرير يكون في صالحنا ولا يرده اليهود لا ينفذ ، وإن كان التقرير في صالح اليهود نفذ فورا ، وإنا لنخشى أن يكون مصير هذا التقرير كذلك ، والدليل علي هذا إزماعكم إرسال لجنة سمبسون ولم يجف مداد تقرير لجنة شو ، ونخشى أن يؤثر اليهود علي أعضائها .

فقال ماكدونالد : " إن هذه اللجنة هي لجنة فنية لبحث شؤون الأراضي ومقدار استيعابها .

وذا مزاحا : لا يستطيع اليهود أن يؤثروا علي السير سمبسون مطلقا ، فهو اسكتلندي أصيل مثل .. " وبعد عودة هذه اللجنة الفنية صدر كتاب باس فيلد الأبيض المذكور أنفا ، فلم يقف العرب حياله سلبيين بل رحبوا به وقبلوه وكانوا إيجابيين ، ولكن اليهود هم الذين كانوا سلبيين فاستنكروه ورفضوه وأثاروا حوله الضجة ، وبنتيجة ذلك استقال اللورد باس فيلد الذي تبني ذلك المشروع .

المجلس التشريعي لعام 1935

وفي عام 1935 فوضت الحكومة البريطانية المندوب السامي السر أرثر واكهوب فعرض في 21 ديسمبر مشروعا جديدا لتشكيل مجلس تشريعي مؤلف من 28 عضوا نصفهم من العرب والنصف الأخر من اليهود والإنجليز ، وأعلن المندوب السامي أن الحكومة مصممة علي تشكيل المجلس رغم كل معارضة ، ولو اضطرت إلي تعيين الأعضاء عن الفريق الذي يرفض الاشتراك فيه .

ورغم هزال المشروع أبدي العرب استعدادهم لبحثه ، ولكن اليهود رفضوه معلنين أنهم لا يقبلون الاشتراك في أي مجلس تشريعي لا يكون لهم فيه نصف الأعضاء علي الأقل .

ولما جري بحث المشروع في البرلمان البريطاني قرر مجلس اللوردات ومجلس العموم رفضه ، فطوته الحكومة البريطانية ، ولو رغبت فيه لما عجزت عن الحصول علي موافقة البرلمان عليه .

لجنة بيل توحي بتقسيم فلسطين

ولما وقع إضراب فلسطين العظيم عام 1936 الذي صحبته ثورة فلسطين الكبرى ودام ستة أشهر كاملة ولم ينتهي إلا بتدخل ملوك العرب وأمرائهم ، أوفدت الحكومة البريطانية لجنة التحقيق الملكية ( لجنة اللورد بيل ) إلي فلسطين ، وأوصت في تقريرها بتقسيم فلسطين بين العرب واليهود والإنجليز ، وكان طبيعيا أن يرفض العرب تقسيم بلادهم .

مؤتمر مائدة مستديرة في لندن

فاستؤنفت الثورة واشتدت ، واتسع نطاقها اتساعا خطيرا جدا اضطر السلطات البريطانية العدول عن التقسيم في عام 1938 ، ورأت بريطانيا لمعالجة الموقف أن تدعو كلا من حكومات مصر والمملكة العربية السعودية واليمن والعراق وشرق الأردن واللجنة العربية العليا بصفتها لعرب فلسطين ، إلي مؤتمر مائدة مستديرة في لندن .

ولكن المؤتمر فشل في الوصول إلي حل لقضية فلسطين ، لتعنت الاستعمار واليهود ، وتدخل الولايات المتحدة الأمريكية .

الكتاب الأبيض لسنة 1939

وفيما بعد أصدرت الحكومة البريطانية كتابا أبيض عن سياستها الجديدة في فلسطين اعترفت فيه بمبدأ تأسيس دولة فلسطينية مستقلة خلال عشر سنين ، وتشكيل مجلس تشريعي ، ولكنها علقت ذلك علي ملائمة الظروف وقبول كلا من العرب واليهود به ، وقد حددت الهجرة اليهودية فيه ، ومنع بيع الأراضي لليهود في بعض مناطق فلسطين .

ففي بادئ الأمر قابلت الدول العربية هذا الكتاب الأبيض بتحفظ وتجهم لما فيه من تناقض ، إلا أنها قبلته في النتيجة كما قبلته الأكثرية الكبرى من أعضاء اللجنة العربية العليا لفلسطين ، وأخيرا قابلته أيضا جامعة الدول العربية وطالبت – في اجتماعها عام 1945 – الحكومة البريطانية بتنفيذه ، وبذلك لم يكن العرب سلبيين .

ولكن اليهود رفضوه وأصروا علي رفضه ، فلم تنفذه بريطانيا ، رغم أنها تعهدت حين أصدرته عام 1939 بشرفها وشرف الإمبراطورية بأن تنفيذه سواء أرضي به العرب واليهود أو لم يرضوا .

السلبية والإيجابية

هذه وليست السلبية أو الإيجابية مبدأ أو عقيدة .

والمرء لا يجنح لإحداهما إلا لأسباب يتعلق بها صالحة أو يكون فيها ضرره .

فإذا رأي المرء صالحه في أمر أقبل عليه بلا تردد وكان إيجابيا ، وإذا أوجس من أمر خيفة أو حمل علي ضيم ، أبتعد عنه ونفر وكان سلبيا ، وكان ذلك بسائق الفطرة .

وقديما قال أحد حكماء العرب : يعجبني من المرء إذ سيم خطة الضيم أن يقول " لا " بملء فيه وما يصح في الأفراد في هذا الشأن يصح في الأمم ، ولم يكن أهل فلسطين سلبيين بادئ الأمر ، فقال طالبوا الإنجليز – بالحسنى – بحقوقهم ، وشكوا إليهم الظلم الذي أوقعوه فيهم ، ثم بعثوا بوفودهم العديدة إلي لندن ، وأنشئوا فيها مكاتب للدعاية ، والتمسوا من الدول العربية والإسلامية المتصلة بإنجلترا أن تتوسط لديهم لتعاملهم بالحق والعدل ، فلم يجدها ذلك نفعا ، ولم يزد الإنجليز إلا صلفا وغرورا ، واندفاعا في سياسة البغي والعدوان ، لتهويد بلادهم ونقض بنيانهم وتقويض كيانهم .

فلما أيقن العرب بسوء نية الإنجليز وتأمرهم واليهود عليهم ، وذلك بعد تجارب كثيرة لم تدع مجالا للثقة والطمأنينة ، كان من الطبيعي أن يحذروا دسائسهم ويعملوا علي اتقاء مكائدهم .

فلما عرض عليهم مشروع المجلس التشريعي الذي طبخه المجلس الصهيوني المؤلف من تشرشل وصموئيل وبنتوتيش ، تلقوه بحذر ، وفحصوه ، فلما وجدوه طعاما قد دس فيه السم بالدسم فعافوه .

وكذلك المجلس الاستشاري الذي لا يضمن لها إلا الاستشارة ( كما هو ظاهر من اسمه ) التي قد يطلبها منهم المندوب السامي البريطاني متى رغب فيها ، وهو غير ملزم أن يعمل بها ، وكذلك مشروع " الوكالة العربية " . فهل إذا رفض عرب فلسطين مثل هذه العروض الواهية التافهة يسمون " سلبيين "؟

تقسيم الوطن لا تقبل أمة حية

أما التقسيم – وهو التمزيق لجسم الوطن – فأية أمة من أمم الأرض قبلته حتى يقبله شعب فلسطين ؟ فهذه مصر العزيزة المجاهدة لم تقبل ولن تقبل بقاء جنود الاحتلال الانجليز في القناة , ولا بفصل السودان كما يشتهي الانجليز , ولا تزال قصيدة شاعر مصر الأكبر شوقي رحمه الله عن السودان تدوي في الأذان :

فلن نرضى أن تقد القناة

ويبتر من مصر سودانيها

وهؤلاء إخواننا السودانيون لم يقبلوا بتقسيم السودان إلى شمالي وجنوبي .

وهذه سوريا لم تقبل بفصل لواء الاسكندرونة الذي ضمته تركيا إليها بالقوة في زمن الانتداب الفرنسي على سوريا , وما زالت سوريا تطالب باسترجاعه .

وهذه اليمن لم تعترف مطلقا بفصل الإمارات المحمية عنها وتستنكر في كل مناسبة فرض بريطانيا سلطانها عليها, رغم قذائف طائراتها التي تنهال حينا بعد حين على أهل اليمن إرهابا لهم وتهديدا . وهذه ايرلندة الحرة لم تعترف أبدا بتقسيم بلادها , وما زال الايرلنديون يقضون مضاجع الانجليز في كل مناسبة لاستعادة هذا القسم الشمالي المغصوب من جزيرتهم .

وهذه أسبانيا تطالب في كل حين باسترداد جبل طارق الذي فصلته انجلترا عنها عام 1704 رغم مضي 250 عاما على ذلك .

وهذه اندونيسيا المجاهدة لم تقبل باغتصاب الهولنديين لقسم من جزيرة غنيا الجديدة , وما زالت تتوسل بكل ما لديها من وسائل لإرجاعه إلى حظيرة الوطن الاندونيسي.

وهذه مشكلة كوريا وتقسيمها إلى شمالية وجنوبية أثارت هذه الحرب الطاحنة .

ولو أردت أن أعدد لكم كثيرا من هذه الأمثلة التي تناضل فيها الأمم عن كيانها ووحدة أوطانها لضاق المجال . وأني لأذكر برقبة أرسلتها باسم اللجنة العربية العليا لفلسطين إلى رؤساء وفود الدول المجتمعة في عصبة الأمم بجنيف في سبتمبر 1937– وكان مستر ديفاليرا رئيس وزراء ايرلندا بينهم – باستنكار قرار الحكومة البريطانية بتقسيم فلسطين وفقا لتقرير لجنة اللورد بيل , فتلقيت منه جوابا برقيا يقول فيه :

إن التقسيم أفظع الوسائل وأشنع الأسلحة التي يمزق بها قلوب الشعوب المظلمة .

الدول العربية ترفض التقسيم

ولقد رفض أهل فلسطين التقسيم الذي قررته الأمم المتحدة في 29 نوفمبر 1947 , كما رفضته الدول العربية جميعا , وأصدرت بيانا أجماعيا باستنكاره في 17 ديسمبر 1947 جاء فيه :

لقد تنكرت الأمم المتحدة مع الأسف الشديد لذات المبادئ التي تضمنها ميثاقها , فأوصت بتقسيم فلسطين , وهي بذلك قد أهدرت حق كل شعب في تقرير مصيره , وأخلت مبادئ الحق والعدل جميعا ..

وقد قرر رؤساء و ممثلو الدول العربية في اجتماعهم بالقاهرة أن التقسيم باطل من أساسه , وقرروا كذلك – عملا بإرادة شعوبهم – أن يتخذوا من التدابير الحاسمة ما يكفل – بعون الله – إحباط مشروع التقسيم الظالم ...

فلماذا يلام عرب فلسطين لرفضهم التقسيم , وهذه الدول العربية كلها رفضته بالنسبة لفلسطين , ورفضته بالنسبة لبلادها أيضا , وكذلك سائر الدول والشعوب التي كانت عرضة لكارثة التقسيم ؟ أردت بسرد هذه الوقائع أن أبرهن لكم أن عرب فلسطين لم يكونوا سلبيين , ولم يتخذوا السلبية دينا لهم في كل المواقف .

ولكن بريطانيا كانت دائما ضالعة مع اليهود , ومتآمرة معهم تعمل لصالحهم وصالحها المشترك , دون أن تبالي بسلبية أو ايجابية ولكنها تستغل كل ظرف لبث الدعاية وفق أهوائها ومقاصدها الاستعمارية عاملة على قلب الحقائق وتضليل الإفهام بقوة جبرتها وبراعة دوائر استخباراتها , وبما تسخر لدعايتها من أتباع وأعوان وأبواق تغدق عليهم المال بغير حساب .

لقد كان المستعمرون يطلبون من الفلسطينيين الرضوخ لخطتهم الاستعمارية الصهيونية والتعاون معهم على أساسها , ويسمون ذلك " إيجابية " فلما رفض الوطنيون الإذعان لرغباتهم ورغبات الصهيونيين وأبوا التعاون معهم على ذلك الأساس , وصفوا أعمالهم " بالسلبية " .

لقد رأينا بعض العناصر العربية الرسمية يجنح للإيجابية مع الجانب البريطاني , وبعضها يتجاوز ذلك إلى حد التساهل مع الجانب الصهيوني على حساب الوطن العربي , على أمل أن يرضي ذلك البريطانيين فيستجيبوا لبعض مطالب العرب , أو على أمل أن يرضي ذلك الصهيونيين فيخففوا من غلوائهم ويقنعوا بغنيمتهم الباردة وبما اقتطعوه من فلسطين , بموجب معاهدة رودس , بل بما انتزعوه بعد هذه المعاهدة من السلطات الأردنية التي منحتهم وسلمت إليهم من أراضي فلسطين نحو خمسة وعشرين قرية عربية برمتها تبلغ مساحتها أكثر من نصف مليون دو نم ( 525.000 ) من أراضي المثلث العربي ( نابلس , جنين , طولكرم ) وكلها مغروسة بأشجار الزيتون والبرتقال , وبمليون دو نم فوق ذلك في المنطقة الجنوبية من فلسطين فيما بين الخليل والبحر الميت , عدا التنازل الذي تم لهم عن خط سكة الحديد بين حيفا والقدس , وعن طريق السيارات المجاورة له أيضا .

ولكن هذه الإيجابية السمحة والكرم الحاتمي , والتساهل الذي بلغ أقصى حد , لم يفد شيئا من نهم اليهود وجشعهم لابتلاع الوطن العربي , ولم يعقهم بعد أيام قلائل من تاريخ التسليم لهم بتلك المساحات الشاسعة , عن الوثوب على شرق الأردن نفسها وعبور النهر إلى ضفته الشرقية , والاستيلاء على المنطقة المحيطة بمشروع كهرباء وروتنبرغ بقوات عسكرية مسلحة ما تزال مرابطة فيها .

كما أن هذه الإيجابية لم تردع اليهود عن نقض الهدنة ومهاجمة البلاد كل يوم وانتقاصها من أطرافها , والاعتداء عليها اعتداء منكرا وترويع أهلها, وما حادث مذبحة " قبية " وتدميرها عنا ببعيد .

وهناك عبرة أخرى , وهي أن بعض الفلسطينيين الذين خدعتهم دعاية الأعداء وغرتهم بالإيجابية ونفرتهم من السلبية , وكذلك بعض المسئولين في الدول العربية , قد طالبوا منذ بضع سنين بتنفيذ مقررات الأمم المتحدة بشأن فلسطين بما فيها من خير وشر, ومنه التقسيم , وما زالوا يلحون في الطلب ..

فهل استجابت لهم الأمم المتحدة في تنفيذ مقرراتها نفسها !؟

أن منظمة الأمم المتحدة تسيطر عليها الدول الاستعمارية الكبرى الضالعة مع اليهود الذين كانوا ما يزالون سلبيين في كل ما لا يوافق أهوائهم , وإن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار .

والحقيقة التي ينبغي لنا أن نوقن بها , هي أنه لا قيمة للسلبية ولا للإيجابية ,ولا وزن إلا للقوة فلنكن أقوياء : في أنفسنا , وتنظيمنا , ووسائلنا , وأقوياء في جميع مقاومات حياتنا .

وإذا كانت الأمة العربية خسرت هذه المعركة مع الاستعمار واليهود , فلم يكن سبب الفشل السلبية ولا الخطأ في الخطة والتقدير ولكن السبب الرئيسي هو الفرق الواسع , والبون الشاسع بينها وبين خصومها في الجد والتصميم , والاستعداد والتنظيم .

لتحويل فلسطين العربية إلى دولة يهودي سعي الانجليز واليهود

كيف شكلت بريطانية الفلق اليهودي ؟

الهيئة العربية العليا عارضت في خروج العرب من فلسطين

السؤال الرابع

يتحدث الناس عن مشكلة اللاجئين , ولماذا خرجوا من بلادهم فما هي الأسباب الأساسية لخروج الفلسطينيين من وطنهم , وهل للانجليز واليهود , وخاصة الأعمال الإرهابية اليهودية , علاقة بذلك .

ب – ويقول بعض الناس بأن سماحتكم والهيئة العربية العليا طلبتم من أهل فلسطين الخروج من البلاد على أثر صدور قرار التقسيم في 29 نوفمبر 1947 وقيام الاضطرابات في فلسطين . فماذا تقولون في ذلك ؟

الجواب

المؤامرة الاستعمارية اليهودية على العرب

ترجع الأسباب الحقيقية لخروج أهل فلسطين من بلادهم إلى المؤامرة الاستعمارية اليهودية المبيتة ضدهم , وقد سبقت الإشارة إلى بعض البراهين القاطعة على هذه المؤامرة .

وقبل أن أسرد هذه الأسباب , أرى أن أعرض بالذكر لبعض مقدمات هذه المسألة .

لقد كان هدف الانجليز واليهود منذ البداية العمل على تحويل فلسطين العربية إلى دولة يهودية , ولم يكن تصريح بلفور وعبارة " الوطن القومي اليهودي " إلا تمهيدا لهذه الغاية , وتمويها على الرأي العام العربي الإسلامي , حتى يتم للسياسة البريطانية تحقيق الوسائل المقررة وفق الخطة المرسومة .

وكان في مقدمة هذه الوسائل فتح أبواب فلسطين على مصارعيها لهجرة يهودية واسعة النطاق , إلى أن يكاثر اليهود العرب , ومن ثم يأخذون بالضغط عليهم لإخراجهم من البلاد , كما ظهر من أقوال القاضي " برا ندير " الزعيم اليهودي الأمريكي الذي كان مستشارا للرئيس ولسون في الشئون اليهودية , فقد أعلن هذا في عام 1916 " أن القصد من طلب اليهود تسهيل الهجرة إلى فلسطين أن يصبح اليهود أكثرية السكان فيها , وأن يرحل العرب عنها إلى الصحراء ...

وكذلك كتب الكاتب اليهودي " بن أفي " تعليقا على الشهادات التي قدمت أمام لجنة التحقيق المؤلفة في عام 1921 برئاسة السير توماس هيكرافت : " أن اليهود أن يطهروا وطنهم ( فلسطين ) من الغاصبين , وأن أمام المسلمين الصحراء والحجاز , أمام المسيحيين لبنان , فليرحلوا إلى تلك الأقطار .

وفي أكتوبر 1930 نشرت صحيفة المانش ستر غار ديان البريطانية المعروفة بصبغتها الصهيونية , بيانا وقعه عدد من أقطاب الانجليز ورجال الكومنولث البريطاني ومن بينهم لويد جورج , وستانلي بول دوين , وأوسيتين تشامبرلن , وليوبولدايمري , ونستون تشرشل و هيودالتون , وهارولد لاسكي , والمارشال سمطس , وآرثر غرين وود , واللورد سنل وغيرهم , وقالوا فيه أنه كان واضحا ومفهوما لدى الحكومة البريطانية عند إصدارها لتصريح بلفور عام 1917 أن يصبح اليهود أكثرية ساحقة في فلسطين ..."

ولما وقعت الحرب العالمية الثانية سنحت الفرصة لليهود لتقوية أنفسهم وتعزيز أسلحتهم ولمضاعفة قواتهم العسكرية وإنشاء جيش يهودي بمساعدة السلطات البريطانية التي عينت واستخدمت خلال تلك الحرب عددا كبيرا من اليهود في ورش الجيش البريطاني وثكناته ومستودعاته وفي الوظائف الرئيسية والفنية , وجندت ألوفا من شبان اليهود في سلك الجيش فدربتهم وسلحتهم وأشركتهم في العمليات الحربية , واعتمدت بعض المصانع اليهودية لإنتاج الذخائر والمتفجرات وما إلى ذلك من اللوازم العسكرية .

وبلغ عدد الذين دربهم الانجليز وجنودهم في الجيش البريطاني حسب ما ورد في التقويم السنوي اليهودي ( هاشانا ) ( لعام 43 – 1944 ) 33 ألفا وهذا الرقم لا يشمل عدد المجندين منهم في البوليس والدفاع السلبي والها جانا وغيرها .

واستطاع اليهود بمساعدة الانجليز نقل كميات هائلة من السلاح إلى فلسطين وزعوها على مستعمراتهم ومنظمتهم العسكرية .

تشرشل يؤلف الفيلق اليهودي

وفي عام 1943 طالب اليهود الحكومة البريطانية بتأليف " فيلق يهودي " وإلحاقه كوحدة مستقلة بالجيش البريطاني , وساعدهم تشرشل مساعدة فعالة على تحقيق هذا الطلب , ولما أعترض المارشال ويفل – قائد القوات البريطانية في مصر والشرق الأوسط – على هذا الطلب خوفا من إثارة العرب , تحداه تشرشل وسمح بتأليف الفلق وجعله القيادة البريطانية قسما من الجيش البريطاني في حملته إيطاليا عام 1944 , وبعد انتهاء الحرب عاد أفراد ذلك الفيلق إلى فلسطين مع أكثرهم أسلحتهم الخفيفة .

وفي ذلك يقول تشرشل في مذكراته التي نشرها عن الحرب العالمية الثانية ما نصه: ولقد نصحني ويفل بعدم تشكيل ذلك الفيلق اليهودي خوفا من إثارة العرب .

ولكني تحديت ويفل , وكتبت إلى الدكتور وايزمن بالسماح بتشكيل الفيلق , ولم يتحرك كلب عربي واحد بالاحتجاج على ذلك .

وقد تم لليهود تنظيم قواتهم وتسليحها قبل أن تضع الحرب أوزارها , فأرادوا اغتنام الفرصة وأن لن تنتهي الحرب إلا وقد تحولت فلسطين إلى بلاد [باليهود|يهودية]] , مدفوعين إلى ذلك بالاعتبارات الآتية :

1- خشيتهم من قيام حركة عربية واسعة النطاق بعد الحرب تضطر بريطانيا وأمريكا إلى عدم تشكيل الدولة اليهودية في فلسطين .

2- رغبتهم في قيام الدولة اليهودية قبل أن يزول أثر عطف العالم الغربي عليهم , وهو ما استطاعوا الحصول عليه بدعايتهم الواسعة ضد ألمانيا النازية واضطهادها لليهود .

3 – خشيتهم من أن يقوم البريطانيين من يعارض في تحويل فلسطين إلى دولة يهودية , لاعتبارات تتعلق بمصلحة الإمبراطورية .

ثم شرع اليهود بحملة إرهابية منظمة لاستعجال السلطات البريطانية بالتسليم لهم بفلسطين . وشكلوا عصابات إرهابية أشهرها .

( 1 ) عصابة أرغون زفاى ليومي .

( 2 ) عصابة شترن , فقامت بأعمال إرهابية عديدة واستمر الإرهاب اليهودي إلى ما بعد انتهاء الحرب , وتجاوز [بالإنجليز]] إلى العرب لإرهابهم وترويعهم وحملهم على ترك ممتلكاتهم والنزوح عن فلسطين .

ومع أن الإنجليز لم يشكلوا الدولة اليهودية في فلسطين خلال الحرب , لاعتبارات سياسية وعسكرية , إلا أنهم سارعوا إلى تشكيلها بعد انتهائها متوسلين إلى ذلك بوسائل سياسية وغيرها , إلى أن قدموا قضية فلسطين إلى الأمم المتحدة التي قررت في 29 نوفمبر 1947 تقسيم فلسطين باتفاق بين بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية .

وتبع صدور قرار التقسيم قيام اضطرابات وتطورات خطيرة في فلسطين , وحدثت المحاولات المعروفة لإبعاد عرب فلسطين عن تولي زمام قضيتهم من الوجهتين السياسية والعسكرية , وحرمان مجاهديهم من المال والسلاح .

وقد وجد اليهود والانجليز والأمريكيون أن ظروف عام 1948 مواتية لتنفيذ خطتهم المبيتة لإخراج عرب فلسطين منها , وتحويلها إلى دولة يهودية , ولم تعد ثمة ضرورة لانتظار الوقت الذي يصبح فيه اليهود أكثرية في فلسطين , وتوسلوا إلى ذلك بوسائل متعددة بنيت على ثلاثة قواعد رئيسية هي :

( 1 ) الضغط السياسي ( 2 ) الدعاية والإرجاف , ( 3 ) الإرهاب

الضغط السياسي

عرضت سابقا , بوجه عام , للضغط الشديد الذي قام به المستعمرون على بعض المسئولين العرب لانتزاع زمام قضية فلسطين من أيدي أهلها , مما أدى إلى تبديل الخطة الأساسية الموضوعة من قبل مجلس جامعة الدول العربية في عاليه ( أكتوبر 1947 ) للدفاع عن فلسطين ,وما تلي ذلك من تقديم المساعدات الضرورية لعرب فلسطين , مما أدى إلى إضعافهم , وعرقلة جهودهم , ومنع مجاهديهم من الاستمرار في جهادهم العظيم الذي كاد يقضي على قرار التقسيم في مارس 1948

الدعاية والإرجاف

ضاعف المستعمرون واليهود دعايتهم المضللة ضد الفلسطينيين ورجال الحركة الوطنية في داخل فلسطين وخارجها , ولا سيما في الأقطار العربية , فقد أنشاء قلم المخابرات البريطانية – بالتعاون مع اليهود – عدة مراكز دعاية ضد الفلسطينيين لتشويه سمعتهم وتشكيك الشعوب العربية في أخلاصهم وجهادهم فتكف عن مد يد المساعدة إليهم , ولإقناع العرب بأن إنقاذ فلسطين لن يتم إلا عن طريق إدخال الجيوش النظامية إليها .

ومما هو جدير بالذكر أن الانجليز أنشئوا , من جملة ما أنشئوه من مراكز الاستخبارات والدعاية في الأقطار العربية , مركزا للدعاية في القاهرة في شارع قصر النيل , ووضعوا على رأسه رجلا بريطانيا أنتحل الإسلام واتخذ له أسما إسلاميا , وملئوه بالموظفين والعملاء والجواسيس الذين بثوهم في مختلف المدن والأوساط المصرية , وكان من مهام هذا المركز بث الدعاية المعروفة بدعاية الهمس بالإضافة إلى نواحي الدعاية الأخرى .Whispering.

أما في داخل فلسطين فقد بذلوا جهودا واسعة لتثبيط الهمم وإضعاف النفوس وإدخال روح الوهن والهزيمة بين المجاهدين , والكيد للرجال العاملين , ومحاولة إقناع الفلسطينيين بقلة جدوى المقاومة وضرورة الإقلاع عن سياسة التطرف , والدعوة إلى التعاون مع الانجليز وقد ركزوا الدعاية وتشويه السمعة على صفوة الوطنيين والمجاهدين الذين عرفوا بصلابتهم وشدة إخلاصهم ولا سيما على الهيئة العربية العليا ورئيسها حيث اختلقوا أنواع الأكاذيب والمفتريات والأراجيف .

لما شرع أهل المدن الكبرى , ولاسيما المدن والقرى العربية التي خصصت للعرب بموجب قرار التقسيم .

واني لأذكر بهذه المناسبة أني ألحت بمطالبة المختصين بجامعة الدول العربية في ديسمبر 1947 بضرورة تحصين المدن الرئيسية , وتسليح المجاهدين للدفاع عنها تسليحا وافيا , فأجبني أحد المسئولين بقوله : لا ضرورة لتسليح يافا البتة , لأن قرار التقسيم جعل يافا في المنطقة العربية , فلا خوف عليها مطلقا من اعتداء اليهود .

أما حيفا فأن الانجليز لن يسمحوا لليهود باحتلالها أبدا , لأنهم يريدون أن يجعلوا منها مرفأ حرا , وأن لدينا من التأكيدات ما يجعلنا نطمئن إلى ذلك !!

الإرهاب اليهودي

وارتبطت أعمال الدعاية والإرجاف ارتباطا وثيقا بأعمال الإرهاب اليهودي الأثيم الذي قام به اليهود لترويع العرب المدنيين وذلك بنسف المنازل وإلقاء المتفجرات في الأسواق ومراكز تجمع الآهلين , مما أودى بحياة الكثيرين من الشيوخ والنساء والأطفال وأخذ دعاة الأعداء يزينون للآهلين الهجرة إلى الأقطار العربية محافظة على سلامة أرواحهم وأطفالهم,وفي الوقت نفسه تظهر دعوة من بعض البلاد العربية تنادى بضرورة نقل الأطفال والنساء والشيوخ العاجزين من فلسطين ريثما يبت في مصيرهم .

كما ظهرت دعاية أخرى بان الجيوش العربية ستدخل فلسطين قريبا لتحريرها فلا داعي للقتال وتحمل الخسائر في الأموال والأرواح !

تحيز الانجليز لليهود

فلما نشب القتال بين العرب واليهود في أواخر عام 1947 أثر صدور قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين , كان موقف حكومة الانتداب البريطاني موقف المتحيز إلى اليهود , المتآمر معهم , شأنها طول عهد انتدابها مدة ثلاثين عاما ,فكانت تتدخل – في كل معركة يفوز بها العرب – لحماية اليهود والحيلولة دون استيلاء العرب على ممتلكاتهم ومستعمراتهم , بحجة أنها لا تزال صاحبة السلطة في فلسطين والمسئولة عن حماية أرواح السكان وممتلكاتهم .

غير أنها لا تتذرع بهذه الحجة عندما تكون أرواح العرب وممتلكاتهم عرضة للهلاك والدمار والأمثلة على هذا كثيرة لا مجال لتعدادها الآن .

غير أن من الحوادث ما له صلة وثقي بكارثة فلسطين , وأدى إلى هجرة عدد كبير من العرب .

الانجليز يمهدون السبل لخروج العرب=

أضرب لذلك مثلا حادث هجرة أهل طبرية تقطنها أكثرية من اليهود وأقلية من العرب .

وقد كانت القوات البريطانية خلال المعارك الناشبة بين العرب واليهود وتغض طرفها عما يقترفه اليهود في الأحياء العربية العزل من السلاح ,وتسهل سبيل وصول المدد والنجدات إلى العرب , مما هيأ لها أن تتدخل وتعمل إلى إجلاء العرب عن المدينة تاركين وراءهم جميع ما يملكون , بحجة أنهم أقلية يخشى عليها من الأكثرية اليهودية !

والمؤامرة في هذا الحادث مفضوحة , والتحيز ظاهر .

فقد كان في وسع القوات البريطانية أن لا تحول دون وصول النجدات إلى العرب كما لم تحل دون وصول النجدات إلى اليهود , أو على الأقل أن تحافظ عليهم وعلى ممتلكاتهم كما حافظت على اليهود في مدينة القدس القديمة وغيرها , فقد كان هؤلاء في وضع أضعف بكثير من وضع العرب في طبرية , وظلت القوات البريطانية باسطة حمايتها عليهم , توصل إليهم الطعام والماء والسلاح والنجدات إلى أن انسحبت من فلسطين .

ومثل ذلك حدث في المذابح التي أقترفها اليهود في القرى العربية الضعيفة بين سمع القوات البريطانية وبصرها , كمذابح قرى " دير ياسين " و" ناصر الدين" و " حواسه " و "عيلوط " و " سكرير " و " الدوايمة " وغيرها .

ومن الجدير بالذكر أن معظم الفظائع الوحشية في هذه القرى ارتكبتها عصابتا أرغون زفاى ليومي وشترن , وأكثر أفرادهم من اليهود المتدينين ورجال الدين الربانيين والحاخامين من المنتسبين إلى جماعة " اّغودات إسرائيل " الدينية اليهودية , المعروفين بفر ط تعصبهم وشدة أحقادهم , فكانوا يقتلون الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة , ويبقرون بطون الحوامل ويخرجون الأجنة منها برؤوس حرابهم , زاعمين أن هذا أمر إله الذي أمر أهل شعب إسرائيل حين فتح أريحا " أن يقتل بحد السيف كل ما في المدينة من رجل وامرأة , من طفل وشيخ , حتى البقر والغنم والحمير , وأن يحرقوا المدينة بالنار مع كل ما بها "كما جاء في الإصحاحين السادس والسابع من سفر يشوع .

على تسليم حيفا لليهود المؤامرة الانجليزية

أما حيفا فقد كانت كارثتها من أبرز مظاهر تحيز الإنجليز لليهود وتآمرهم معهم , فقد أعلنت سلطة الانتداب البريطاني أن لبريطانيا مصالح حيوية في حيفا , وأنها لن تتخلى عنها إلا بعد شهر أغسطس 1948 أي بعد انتهاء الانتداب بثلاثة أشهر ونصف شهر , وعلى هذا منعت العرب من إقامة المراكز المحصنة داخل المدينة , وحظرت عليهم الوصول إلى أماكن معينة , في الحين الذي كان اليهود فيه يتحصنون ويتمركزون ويجوبون كافة المواقع دون حظر , حتى إذا أتموا تسلحهم واستكملوا استعدادهم أعلنت سلطة الانتداب فجأة عدولها عن التمسك بحيفا وإضرارها لإخلائها !

وحينئذ ظهر أن اليهود قد تسلموا ما كان بيد الانجليز من المعسكرات ذات الشأن , والأماكن المحصنة , والمواقع المشرفة على أحياء حيفا كلها , مما سبب كارثة استيلاء قوات اليهود المسلحة عليها , واضطرار أهلها العرب للجلاء عنها بعد مواقع دامية , وبعد ما منع الإنجليز وصول النجدات إليهم , تاركين وراءهم كل ما يملكون أيضا .

وعندئذ فقط ظهرت رقة شعور القوات البريطانية , ففتحت أبواب ميناء حيفا وجمعت ما فيها من السفن وجعلت تدعو العرب إلى الرحيل وتحملهم عليها ....

وكذلك أخذ الفلق العربي – أي جيش الجنرال جلوب – ينقل العرب في سيارته كما فعل في طيرة حيفا وبجع وغيرهما , وكما نقل قبل ذلك أهالي طبرية وبيسان بسيارته إلى شرق الأردن .

فعل كل ذلك تسهيلا لهجرة العرب وتمكينا لاحتلال اليهود ...

واشتركت دائرة المخابرات البريطانية واليهودية في هذه المهمة بنصيب وافر وأخذت على عاتقها إشاعة الحوادث المثيرة والأخبار المضللة , ونشر الذعر بين الأهالي الآمنين من العرب , وخاصة على إثر المذابح التي اقترفها اليهود.

وكان للمخابرات البريطانية وأعوانها من موظفي حكومة الانتداب أكبر الأثر فيما حدث في مدينة ( يافا ) من هذا القبيل أيضا , مما أدى إلي خروج أهلها العزل , والتجائهم إلي أماكن أخرى من فلسطين أو إلى الأقطار العربية المجاورة .

أما في القدس الجديدة فقد منعت القوات البريطانية المجاهدين الفلسطينيين من المرور عبر مناطق السلامة التي كانوا جنودهم يحتلونها ثم لم يلبثوا أن سلموا تلك المناطق – مع معسكر العلمين الكبير الواقع جنوب القدس – إلى قوات الهاجاناه اليهودية في 13 و 14 مايو 1948 وبذلك أصبح اليهود يسيطرون على القدس الجديدة , ويتحكمون في القدس القديمة أيضا .

كارثة اللد والرملة

وأما كارثة اللد والرملة فقد نشأت من أن الجنرال جلوب سحب فجأة قوات الجيش الأردني التي كانت مرابطة فيهما , بعدما جرد قوات الجهاد المقدس التي كانت مرابطة في مطار اللد ومحطة السكة الحديد وغيرهما من سلاحها , بحجة الهدنة الأولى , واعدا بإرجاعها بمجرد انتهاء الهدنة .

ولكنه أخلف وعده عندما استؤنف القتال في 9 يوليو 1948 , فسقطت اللد والرملة وعشرات القرى المحيطة بهما في أيدي اليهود واضطر نحو مائة ألف من أهلها للنزوح , يضاف إليهم من لجأ إلى المدينتين المذكورتين من أهل مدينة يافا وقراها , وهم لا يقلون عن خمسين ألف نسمة أيضا , وقد روى لي أحد رجال الدين المسيحي المحترمين انه سمع من سيادة المونستيور وكيل بطريرك اللاتيني في فلسطين أن جلوب بعث ببرقية تهنئة لقائد الجيش اليهودي على احتلاله اللد والرملة , ولما صادفه المونستيور المذكور وعاتبه على برقيته , أجابه جلوب بقوله : هذه هي السياسة .

ونحن حين نعرض لذكر الجنرال جلوب باشا الانجليزي لا نرمي إلى تجريحه شخصيا فهو يعمل لصالح أمته ويقدم لها الخدمات الجلي , ولكن اللوم يقع على بعض العرب الذين ولوه القيادة العامة الفعلية أثناء حرب فلسطين .

وبعد الهدنة الثانية توالت اعتداءات اليهود على المناطق العربية , وانسحبت قوات الدول العربية من مناطق الجليل الغربي وجنين وبعض مناطق القدس وبيت لحم والخليل والنقب والمجدل , فجلا أهلها منها تبعا لذلك بالضرورة , ثم وقعت اتفاقية رودس , وأعقبها تسليم جيش الجنرال جلوب لليهود أراضي المثلث العربي ومساحات واسعة من مناطق القدس وبيت لحم والخليل والبحر الميت كما ذكرناه آنفا , فنزح عنها أهلها بعد ما عاث فيها المجرمون اليهود قتلا وتدميرا ونهبا وسلبا .

وهكذا لم يحل ربيع عام 1949 حتى أصبح ما يقرب من مليون عربي فلسطيني مشردين من بلادهم ولاجئين إلى الأقطار العربية ....

عارضت في خروج العرب من فلسطين الهيئة العربية

أما فيما يتعلق بالجواب على الشق الأخير من سؤالكم , فقد كان رأيي الذي أعلنته مرارا , وأبلغته للجهات العربية ذات الشأن , أن يبقى عرب فلسطين في بلادهم , وأن يدافعوا عنها حتى النفس الأخير , وأن لا يجلوا لأي سبب من الأسباب .

واذكر مثلا على ذلك أن سيادة المطران جورج حكيم مطران الروم الكاثوليك في حيفا وعكا وذلك الجليل رغب في نقل الأطفال من حيفا إلى لبنان عند اشتداد المعارك إشفاقا عليهم , فلما بلغ الهيئة العربية العليا ذلك عارضت في نقلهم إلى لبنان وأبلغته أنه إن كان ولابد من النقل فليكن إلى المدن الداخلية في فلسطين هذا وقد تنبهت الهيئة العربية العليا إلى ما يقصده الإنجليز من موقفهم , واليهود من عدوانهم , فأذاعت في شهر فبراير 1948 بيانا على الشعب الفلسطيني دعته فيه إلى البقاء في بلاده , وأن لا يجلو عنها بأي حال من الأحوال , وفي الوقت نفسه طلبت الهيئة العربية من اللجان القومية – وهي الهيئات الوطنية الممثلة للشعب الفلسطيني في كافة المدن والمراكز الكبرى من فلسطين – ومن قيادة الجهاد الوطني المقدس , وقواد المناطق , العمل على منع الآهلين من مغادرة البلاد , من الهيئة العربية بمختلف المناطق الفلسطينية ينبهون الناس ويحذرونهم من الخروج وترك البلاد .

وفي اليوم الثامن من شهر مارس عام 1948 قدمت الهيئة العربية العليا مذكرات إلى الحكومة العربية التمست فيها أن لا تعطي تأشيرات سفر لأي فلسطيني إلا في حالة الضرورة القصوى كأن يكون الراغب في السفر مريضا يخرج للاستشفاء أو تلميذا يسافر للدراسة , بعد التثبت من ذلك بواسطة اللجان القومية .

وقد حمل مندوبون من الهيئة العربية العليا تلك المذكرات إلى العواصم العربية وسلموها إلى المسئولين من رجالها , شارحين لها الأسباب الموجبة لذلك .

ومن دواعي الأسف أنه لم يؤخذ برأي الهيئة العربية في هذا الأمر .

خلافي مع الملك عبد الله

لم يكن خلافا شخصيا

بل كان خلافا سياسيا يتناول المبادئ والوسائل

السؤال الخامس

يقول بعض الناس إن خلافا شخصيا كان قائما بين الملك عبد الله وبينكم , وأن هذا الخلاف أساء إلى قضية فلسطين .

فما تقولون في ذلك ؟

الجواب

ما كنت أحب أن أتحدث عن الخلاف السياسي مع المغفور له الملك عبد الله , لولا أن بعض الصحف ومصادر الدعاية الأجنبية حاولت استغلال هذا الخلاف لصالح الاستعمار , وبالغت فيه , كما أن بعض الناس فهموه على غير حقيقته وذهبوا فيه مذاهب شتى , وزعم بعضهم أنه كان خلافا شخصيا أضر بقضية فلسطين .

والواقع أن الخلاف مع المغفور له الملك عبد الله لم يكن شخصيا قط طول أيام معرفتي به التي يرجع عهدها إلى عام 1921 عندما جاء إلى شرق الأردن , فهي معرفة وثيقة مدة ثلاثين عاما تقريبا , بل بالعكس كانت علاقتي الشخصية به علاقة صداقة ومودة لها عرف عنه رحمه الله من حسن المودة وطيب الحديث , وكنت ألقى منه – عند كل اجتماع – من حسن المقابلة ولطف المعاملة ما يعرفه عن كثير من الناس كما كنت لا أدخر وسعا في استبقاء الصلة الحسناء به وفقا لخطتي مع جميع الذين لهم علاقة بالقضايا العربية , وذك حرصا مني على صالح القضايا العربية عامة وصالح فلسطين خاصة , لخطورة قضيتها , وشدة الحاجة في دفع العادية عنها إلى تضافر العرب جميعا على تعدد دولهم وأقطارهم . . . . . .

ولكن الخلاف الذي وقع كان سياسيا يتناول المبادئ والوسائل التي ينبغي أن تعالج بها قضية فلسطين خاصة , والقضايا العربية الأخرى . . .

فعندما وصل المرحوم الملك عبد الله من الحجاز إلى شرق الأردن عام 1921 , بقصد تحرير سوريا من الفرنسيين الذي احتلوها حينئذ وأخرجوا منها شقيقة المرحوم الملك فيصل , التف حوله صفوة من أحرار العرب ومجاهديهم من سوريا ولبنان والعراق وفلسطين , للتعاون معه على إنقاذ سوريا خاصة , والعمل الصالح البلاد العربية عامة , ولكن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن , وتغلبت السياسة الاستعمارية على الجهود العربية التي بذلت حينئذ , وخاب الرجاء بإنقاذ سوريا . . .

ولم يسفر الاجتماع الذي عقد في 28 مارس عام 1921 على جبل الزيتون بالقدس بين سمو الأمير عبد الله من ناحية , والمستر تشرشل وزير المستعمرات البريطانية حينئذ , والسر هربرت صموئيل المندوب السامي البريطاني اليهودي ومستر لورنس من ناحية أخرى عن نتيجة لصالح العرب , بل أصبحت منطقة شرق الأردن مشمولة بالانتداب البريطاني , وأصبح المندوب السامي البريطاني في فلسطين مندوبا ساميا لها في شرق الأردن أيضا .

ولم يلبس الاستعمار البريطاني أن ضيق الخناق على منطقة شرق الأردن وكبلها بالقيود , كما هو ديدنه في كل بلاد نام عليها بكلكله , فأخذ من كان فيها من أحرار العرب يجرونها واحدا إثر واحد .

ثم تمكن الإنجليز من فرض معاهدة استعمارية على إمارة شرق الأردن استولوا بموجبها على مرافق البلاد , وسيطر على الجيش الأردني الضابط البريطاني (بيك ) باشا ثم الجنرال جلوب باشا .

ولما صدر تقرير لجنة اللورد بيل في 7 يوليو 1937 بتقسيم فلسطين , اتخذ المغفور له الملك عبد الله موقفا مؤيدا للتقسيم على أمل أن يتمكن من ضم القسم الباقي للعرب من فلسطين , إلى شرق الأردن .

وكان طبيعيا أن لا يقر عرب فلسطين تقسيم بلادهم وتقطيع أوصالها كما أسلفت في حديثي السابق .

وأخيرا عندما وقعت حرب فلسطين على أثر قرار الأمم المتحدة بتقسيمها ثم تدخلت الدول العربية وقررت أن تدخل جيوشها فلسطين , أصر المغفور له الملك عبد الله على أن تكون له قيادة الجيوش العربية , فعارضت أكثرية الدول العربية في هذا , ثم عاد بعضها فوافق تحت تأثير الضغط البريطاني الشديد ,وتسلم الجنرال جلوب القيادة الفعلية للجيوش العربية , ووقعت كارثة فلسطين على الشكل المعروف .

وكنت بطبيعة الحال معارضا لهذه القيادة الغريبة الشاذة , لا مخالفة للمرحوم الملك عبد الله , بل خوفا من أن تسلم القيادة العسكرية الفعلية في حرب فلسطين إلى قائد إنجليزي , ليقيني أن الاستعمار الإنجليزي هو الخصم الألد الذي كان أساس البلاء في هذه القضية وفي معظم القضايا العربية .

فالخلاف الذي وقع بين المغفور له الملك عبد الله وبيني لم يكن – كما ذكرت ...خلافا على المبادئ والوسائل التي كان ينبغي التوسل بها لمعالجة قضية فلسطين والقضايا العربية الأخرى , ولم أكن المعارض الوحيد لهذه المبادئ والوسائل , بل عارضها أيضا كثير من رجال الأمة العربية وذوي الرأي فيها من السوريين واللبنان يين والعراقيين والمصريين والسعوديين والفلسطينيين ومن الأردنيين كما هو معروف , ولا أرى حاجة للإسهاب والتفصيل في هذه الناحية, ولكني أرى أن أستشهد هنا بحادثتين للتدليل على كذب المزاعم القائلة بأن الخلاف كان شخصيا وأنه عاد بالضرر على قضية فلسطين

الحادثة الأولى

قبيل صدور قرار لجنة اللورد بيل قابلني في القدس أحد رجال الاستعمار مقابلة خاصة سألني خلالها عما أتوقع أن يحتوي عليه تقرير لجنة بيل , فأجبته بأني لا أستطيع التكهن به , وأنكم معشر الموظفين الكبار أدرى بذلك لما لكم من صلات رسمية تسهل لكم الاطلاع على مثل هذه الشؤون قبل كل أحد , ولكن الصحف تنشر أن هذا التقرير يستهدف التقسيم , ثم ذكرت له ما سيلقاه التقسيم من معارضة الشعب العربي الفلسطيني ومعارضتي شخصيا .

فقال رجل الاستعمار – تهوينا لأمر التقسيم علي وترغيبا لي فيه - :

وماذا في التقسيم من ضرر ؟ إنه يرمي إلى تكوين دولة عربية من القسم العربي من فلسطين وشرق الأردن معا , ولعلكم تحسبون أن الأمير عبد الله سيكون رأس هذه الدولة , فأحب أن أحيطكم علما أن انتخابات حرة ستجري في البلاد , وأن الذي يفوز بالأكثرية هو الذي سيتولى رئاسة الدولة . وزاد محدثي على هذا بقوله : ونحن نعرف ما هو رجل الشعب الذي يستطيع الفوز بالأكثرية الساحقة . ونظر إلي مبتسما .

فأدركت ما يعنيه الرجل , وأجبته فورا :

إذا كنتم تظنون أني أعارض التقسيم لئلا يصبح الأمير عبد الله ملكا على فلسطين وشرق الأردن فأنتم واهمون , فالحقيقة إني إنما أعارض مبدأ التقسيم لضرره على البلاد وتهديمه لكيانها وتمزيقه لوحدتها , ولا أعارض شخص الأمير أبدا.

وأؤكد لكم إنني مستعد أن أكون تابعا لأي عربي يعمل بإخلاص لصالح الوطن ولو كان هذا العربي تابعا من أتباع الأمير , فكيف أرفض رئاسة سيد عربي كالأمير نفسه الذي هو من أشرف بيت في العرب .

فأنا إنما أعارض الفكرة ولا أعارض الشخص .

فدهش محدثي عندما سمع هذا الجواب الحاسم , وأعتذر عن حديثه معي بأنه إنما كان حديثا خاصا محضا . ولقد أبلغت مبلغ هذا الحديث في أول فرصة إلى المغفور له الملك عبد الله , وأكدت له أن الخلاف لا يتعدى المبادئ ووجهات النظر .

الحادثة الثانية

وقد حدثت هذه أثناء جلسة اللجنة السياسية ل جامعة الدول العربية في دار وزارة الخارجية [بسوريا|السورية]] بدمشق في شهر مارس سنة 1948 وكنت عضوا فيها في ذلك الحين , فقد كان الحديث يتناول قضية فلسطين وموقف المغفور له الملك عبد الله , وعندئذ قال مندوب إحدى الدول العربية مازحا :

- لو تفاهمت مع الملك عبد الله ونزلتم على رغباته لحلت المشكلة فقلت له : إنك تقول هذا مازحا يا صاحب الدولة , ولكن الأمر جد , والقول فصل وما هو بالهزل .

وأني أرجو من اللجنة السياسية أن تسجل على هذه الجلسة التاريخية " إنني أعاهد الله وأعاهدكم , أنا وكل من يسير معي من أهل فلسطين , على أن نكون في ركاب الملك عبد الله ومن أخص جنده وأتباعه عندما يسير قدما على رأس جيشه لكفاح الأعداء كفاحا صادقا جديا , ويومئذ يعتز عرب فلسطين جميعا بعرشه وتاجه ويكونون من أصدق رعاياه المخلصين "

وطلبت تسجيل كلامي وإبلاغه إلى المغفور له الملك عبد الله .

من هاتين الحادثتين يتضح لكم أنه لم يكن يباعد بين المغفور له الملك عبد الله وبيني خلاف شخصي , بل كان اختلافا في وجهات النظر والمبادئ السياسية ,وما عدا ذلك فقد كانت علاقتي الخاصة به علاقة مودة وصداقة .

وأذكر أنني لما رجعت من أوربا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية – وكان ذلك في صيف 1946– تفضل جلالته بالترحيب بي , فشكرته على ذلك وتبادلنا البرقيات والرسائل الخطية والشفوية وأحيانا التليفونية , وأني أحتفظ بمجموعة من هذه الرسائل سيأتي ذكر قسم منها عندما يتاح لي نشر مذكراتي , لما أشتمل عليه بعضها من الأهمية والطرافة , وأكتفي الآن بالإشارة إلي إحداهما , وهي رسالة خطية بعث بها إلي مع أحد أقاربي في أواخر عام 1948 اشتملت علي كثير من عبارات المودة والعواطف الكريمة وكانت أخر رسائله إلي قبيل وفاته,وقد أعرب فيها عن رغبته في عودتي إلى البلاد , وعن استعداده لتلبية رغبتي في المركز الذي أبتغيه .

وقد أجبته بالشكر الوافر على هذا العطف السابغ , وبالتأكيد له أنني غير راغب في أي منصب , وليس لي أي طلب خاص , وكل ما أرجوه أن يعمل جلالته على تحصين المناطق الجبلية من فلسطين التي تسلمت إدارتها الحكومة الأردنية من جبل الخليل جنوبا إلى جنين شمالا , وأن يكون ذلك تحصينا عسكريا فنيا , وأن يعمل أيضا على تجنيد أهل البلاد للمرابطة فيها , وعلى تدريبهم وتسليحهم للدفاع عنها ضد الأعداء الطامعين , وحينئذ أعود إلى البلاد كفرد عادي لأشارك في هذا العمل المفيد .

زلا شك في أن الدعاية المضللة التي روجها المستعمرون , والأراجيف التي كان يرجف بها أتباعهم وأبواقهم , من أنني أقف حجر عثرة في سبيل تحقيق غاياته ومقاصده , قد انطبعت في نفسه إلى حد ما .

ولم يكن في استطاعتي أن أزيل هذا الانطباع تماما , لأنني بقيت تسعة عشرة سنه بعيدا عن الوطن الحبيب لم تكتحل عيناي بإجلاء ربوعه , ولم يتح لي لقاء الملك عبد الله منذ خروجي من فلسطين إلا عند زيارته الأخيرة لمصر ونزوله ضيفا على الحكومة المصرية في قصر الزعفران 1948 .

هذا وقد كنت أرغب حقا في تلبية دعوته الكريمة التي وجهها إلي للذهاب إلي البحرين في مارس سنة 1948 لولا خشيتي من غدر رجال الاستعمار الذين كانوا يجوسون خلال الديار , والذين لا تؤمن مغبتهم ولا يحمد عند الصباح سراهم , وكنت موقنا أنهم يتربصون بي الدوائر .

ولم تكن خطتي في وقت من الأوقات أن أناوئ أية شخصية أو حكومة عربية , بل كانت ولا تزال الخطة التي أعتنقها هي بذل أقصى الجهود والتضحية بأعز ما أملك في سبيل جمع شمل الأمة العربية وتوحيد كلمتها , وقد نصحت بعض الفلسطينيين الذين صادفتهم في زيارتي الأخيرة لدمشق في أكتوبر الماضي 1953 بأن يقاوموا فكرة الشقاق بين الفلسطينيين والأردنيين , والضفة الغربية .

وقلت لهم : إن هذه التفرقة بين الأقطار العربية ليست إلا من عمل الاستعمار الذي هو عدو للجميع .

فاحذروا كيده , ولا تخاصموا أحدا من العرب ولا دولة من الدول العربية .

فأن كابوس الاستعمار يجسم فوق صدور الأردنيين كما يجسم فوق صدور الفلسطينيين , وكلكم في البلاد سواء , فعليكم أن تتقوا الخلاف بينكم , وأن توحدوا جهودكم ضد الاستعمار وحده .

الضغط البريطاني على الدول العربية

كيف حالت السلطات الاستعمارية دون دخولي فلسطين

السؤال السادس

أ- يتساءل بعض الناس : لماذا لم تعودوا إلى فلسطين و لا سيما أثناء المعركة ؟

ب- لماذا لم تكون الهيئة العربية العليا في فلسطين أثناء معركتها , ولماذا لا تقيم الآن فيها ؟

الجواب

هذه فرية يفتر بها على الأعداء , و هي أنني ضننت نفسي عن الذهاب إلى فلسطين طول هذه السنين , ولبثت في مصر قرير العين ناعم البال .

ولو كنت ممن يضنون على وطنهم بأنفسهم وبما يملكون لما سلكت هذا الطريق الوعر منذ البداية .

والحق أن أعز أمنية لدي هي العودة إلى تلك البلاد العزيزة التي أرتبط بها قلبي , وأولينها حبي , ووقفت لها حياتي , وقضيت لها حياتي , وقضيت زهرة عمري في سبيل خيرها وسعادتها .

وطني لو شغلت بالخلد عنه

نازعني إليه في الخلد نفسي

الوصول من فرنسا إلى مصر واحتجاج الانجل

وقد قمت بمجازفة خطيرة حين غادرت فرنسا بتاريخ 29 مايو 1946 رغم الحراسة الشديدة , وتوسلت بكل الوسائل للوصول إلى مصر تمهيدا لدخولي فلسطين والاشتراك في معركتها المقبلة التي كنت أتوقعها .

احتجاج البريطانيين

فلما هبطت مصر وقامت السلطات البريطانية تطالب بالقبض علي , لم تسمح مصر الكريمة بذلك , فلما يئس الإنجليز من تسليمي وتحديد أقامتي في إحدى الجزر النائية كما كانوا يريدون , شددوا على الحكومة المصرية بمنعي من القيام بأي نشاط سياسي , ومنعي من مغادرة مصر إلى أي مكان أخر .

واضطر رئيس الوزارة حينئذ المرحوم إسماعيل صدقي إلى أن يتعهد رسميا بذلك .

المحاولات المتعددة للسفر إلى فلسطين

وفي خريف عام 1947 حاولت السفر إلى فلسطين , فطلب مني الأمين العام لجامعة الدول العربية حينئذ – باسم الصالح العام وصالح قضية فلسطين – أن أتريث , وقال : إن ذهابك إلى فلسطين في الظروف الحاضرة سيكون سببا في تحول المعركة المتوقع نشوبها بين العرب و اليهود , إلى معركة بين العرب وبين الإنجليز واليهود معا ولكن حينما ينتهي انتداب انجلترا على فلسطين في 15 مايو عام 1948 لا يحول أحدا دون سفرك .

ولكني لم أقتنع بهذا القول وصممت على المضي في خطتي , وبينما كنت أتهيأ للسفر زارني الأستاذ كامل عبد الرحيم وكيل وزارة الخارجية المصرية حينئذ , وأبلغني أن الوزير المفوض في السفارة البريطانية بالقاهرة قام بزيارة لوزارة الخارجية المصرية حاملا إليها رسالة من السفير البريطاني بالاحتجاج الشديد على أزعامي السفر إلى فلسطين , وأن السفير طلب من الحكومة المصرية أن تحول دون ذلك .

فاضطررت للبقاء على مضض لكيلا أسبب حرجا للحكومة المصرية التي كانت في ذلك الحين تقوم بمفاوضتها مع الحكومة البريطانية بشأن القضية المصرية , معللا النفس بقرب حلول فرصة ملائمة كان هذا قبل نشوب معركة فلسطين .

ثم شرعت وبعض أعضاء الهيئة العربية العليا الذين كانوا يعملون معي خارج فلسطين , في أعداد العدة للسفر فور انتهاء الانتداب البريطاني الذي أوشك أن يحل موعده المقرر , وسافرنا إلى دمشق وتخيرنا المكان الذي عولنا على الإقامة به في فلسطين , كما أعددنا ما كانت تقضي به الضرورة من الوسائل واللوازم .

بريطانيا تضغط على الدول العربية

وفي 14 مايو 1948 بينما كنا على وشك السفر , فوجئنا بضغط شديد من انجلترا على بعض الدول العربية , وعلى الجامعة , لمنعي من السفر , فطلب مني عدد من رؤساء وزارات الدول العربية ووزراء خارجيتها ورجال الجامعة على أن لا أسافر في هذه الفترة إلى فلسطين قائلين : " إن ذهابك الآن والجيوش العربية على وشك خوض المعركة سيحبط خطة إنقاذ فلسطين , ويفرق كلمة الدول العربية , وستتحمل مسئولية فشل هذه الحركة المباركة التي ستحرر فلسطين وتنهي قضيتها بالفوز المبين " .

ولما رأوا مني الإصرار على السفر طلبوا من رئيس الجمهورية السورية حينئذ , أن يكلمني في الموضوع , فكلمني وطلب مني باسم مصلحة فلسطين أن أؤجل السفر .

فلما رأيت أن لا سبيل للسفر إلى فلسطين من سوريا , عدت إلى القاهرة في 22 مايو مزمعا السفر فورا .

فلما وصلت إليها كلمني المغفور له السيد أحمد محمد خشبة – وكان يومئذ وزير للخارجية وضرب لي موعدا عاجلا لمقابلته في سراي الزعفران التي كان يقوم فيها بمفاوضته مع السفير البريطاني السير رونالد كامبل بشأن السودان و وأعلمني أن رسولا خاصا وصل إلى القاهرة من قبل جلالة الملك عبد الله – وهو وزير الدفاع الأردني – حاملا رسالة إلى الملك ( السابق ) طالبا فيها أن تحول الحكومة المصرية دون سفري إلى فلسطين ...

ثم تلا ذلك مقابلة أخرى مع الأستاذ إبراهيم عبد الهادي رئيس الديوان وقتئذ أبلغني خلالها طلب الملك ( السابق ) مني أن لا أسافر إلى فلسطين في الظروف الحاضرة لأن سفري يضر بقضية فلسطين ضررا كبيرا , ويضر بوحدة جبهة الدول العربية التي تقوم اليوم بالحرب لإنقاذها , وحذرني من مغبة ذلك !

دخول منطقة غزة

فأضرتني هذه الموانع المتتابعة إلى التريث قليلا , ولكن عزيمتي على السفر إلى فلسطين في أول فرصة لن تهن وعولت على أن أرضخ لأية محاولة لمنعي من الوصول إليها .

وقد سنحت الفرصة مساء الاثنين في 27 سبتمبر 1948 , فسافرت إلى فلسطين , واستعنت ببعض الضباط الأحرار المصرين وغيرهم من المخلصين الأبرار , وغادرت القاهرة خفية رغم ما اتخذته السلطات المصرية القائمة حينئذ من وسائل لمنعي من السفر , من حراسة قوية , وتدابير احتياطية على الطرق المؤدية إلى سيناء وحدود فلسطين .

وقد وصلنا غزة صبيحة اليوم التالي 28 سبتمبر 1948 وأقمنا بها فترة قصيرة انعقد خلالها المجلس الوطني الفلسطيني , وتألفت فيها حكومة عموم فلسطين , وشرعنا مع إخواننا في تنظيم مجاهدي فلسطين وتجهيزهم وتجنيد جميع القادرين على الجهاد في كافة المدن والقرى الفلسطينية التي لم يحتلها اليهود , من رفح إلى جنين , وقد تقاطرت وفود الفلسطينيين ومجاهدوهم من سائر فلسطين إلى غزة استعدادا لاستئناف الكفاح والجهاد ضد العدو .

تدخل السلطات الاستعمارية

وفي الخامس من أكتوبر وصل إلى غزة اللواء السابق حسين سري عامر الذي كان مديرا لسلاح الحدود , وزارني حيث كنت أقيم بمنزل الوطني الكبير السيد موسى الصوراني الذي اتخذناه مركزا للعمل , وأبلغني رسالة من المرحوم محمود فهمي النقراشي رئيس الوزارة حينئذ بتكلفي بالعودة إلى مصر لضرورة ماسة , وزاد حسين سري عامر على ذلك بأن رئيس الوزارة العراقية السيد مزاحم الباجه جي والمرحوم محسن البرازي وزير الخارجية السورية موجدان بالقاهرة , وانه يرغب في محادثتي معهما بشئون مهمة تتعلق بقضية فلسطين .

فأبلغته أنني لا أستطيع الذهاب في هذه الظروف إلى القاهرة لضرورة بقائي في غزة بسبب تنظيم المجاهدين ومقابلة الوفود القادمة من أرجاء البلاد , وطلبت منه أن يبلغ عذري لرئيس الوزراء .

وفي مساء اليوم التالي أي في 6 أكتوبر أبلغني حسين سري أن النقراشي يريد محادثتي بالتليفون , وطلب إلى الذهاب إلى مقر الحاكم الإداري في غزة , وكان مقره أشبه بقلعة حصينة كانت سابقا مركزا للبوليس الحربي لحكومة الانتداب البريطاني .

فاضطررت للذهاب إليها , ولما دخلتها حال الجنود دون دخول الحرس الذي كان معي , واتصلت بالنقراشيالذي ألح علي بالحضور حالا قائلا إن الضرورات السياسية والعسكرية تقضي بذلك , وأحالني على الفريق محمد حيدر وأصر علي بالحضور فورا إلى القاهرة محتجا بأن منطقة غزة هي منطقة حربية , وعندئذ أدركت إنهم يريدون منعي من البقاء في أي جزء من فلسطين بسبب ضغط الاستعمار , فاحتججت على ذلك , وأبديت أشد اللوم على الطريقة التي اتخذوها معي.

ولكني لم أشاء أن أعارض في السفر لأني خشيت أن يقع صدام مسلح بين القوات المصرية والمجاهدين الفلسطينيين الذين كانوا عددهم في غزة لا يستهان به , ولم يمهلني حسين سري عامر إلا ساعة ريثما أحضروا لي بعض حقائبي , كما إنه لم يمكني من الخروج من القلعة إلا إلى السيارة العسكرية التي حملتني إلى القاهرة بحراسة قوية من سيارات البوليس الحربي المسلحة و على رئسها حسين سري عامر , و ذلك عند منتصف ليل 6 – 7 أكتوبر سنة 1948 فوصلت إلى القاهرة اليوم السابع من أكتوبر .

و عقب وصولي إلى القاهرة زيدت الحارسة على بيتي حتى أصبح عدد الجنود المحيطين به سبعين جنديا و ثلاثة من الضباط , و هكذا حيل بيني و بين العودة إلى فلسطين .,

و بعد انتهاء الحركات الحربية في منطقة غزة و إبرام هدنة رودس طلبت بالسماح لي بالإقامة في تلك المنطقة , فلم يسمح لي بذلك .

و قد منعت كما منع أعضاء الهيئة العربية العليا في بعض الدول العربية من زيارات مخيمات اللاجئين بحجة أن ذلك يثير حماسة اللاجئين , بينما تريد دول الاستعمار المسيطرة على هيئة الأمم المتحدة و لجنة الإغاثة تهدئتهم تمهيدا لتصفية القضية الفلسطينية .

و لئن استطاع الأعداء أن يحولوا بيننا و بين دخول بلادنا و أن يشردونا طول هذه الأعوام و أن يحرمونا العيش في موطننا , في الوقت الذي جمعوا فيه مئات الألوف من غرباء اليهود المشردين و هو أشد ما يبلغه بغي و عدوان , لئن استطاعوا أن يرمونا بأنواع الرزايا و البلايا و المصاعب و المصائب , فما لينالوا منا قناة صليبية , و لا استطاعوا أن يمنعونا من الكفاح الدائم , و الدائب المستمر في سبيل هذا الوطن الحبيب , و لن يستطيعوا منعنا من العودة إليه و المشاركة في معركته المقبلة متى آن الأوان , و هو قريب إن شاء الله .

لماذالم تكن الهيئة العربية العليا في فلسطين أثناء المعركة ؟

و لماذا لا تقيم الآن فيها ؟

تألفت الهيئة العربية العليا لفلسطين من رؤساء و مندوبي الأحزاب و المنظمات العربية الفلسطينية في يونيو 1946 بقرار من مجلس جامعة الدول العربية الذي أنعقد في بولدان ( سوريا ) و نالت تأييدا أجماعيا من عرب فلسطين , و خلفت اللجنة العربية العليا في قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية , وأنضم إليها صفوة من كرام الوطنيين الفلسطينيين الذين عرفوا بكفاحهم و حسن بلائهم في سبيل القضية , و كانوا مشردين خارج فلسطين – ما بين معتقل , أو مبعد عن وطنه – لمقاومتهم سياسة الاستعمار البريطاني اليهودي .

و بما أن القاهرة أصبحت محور العمل للقضايا العربية , ولعدم استطاعتي وبعض إخواني دخولي فلسطين بسبب إصرار السلطة البريطانية التي كانت مسيطرة عليها في ذلك الحين , فقد رؤى أن تتخذ الهيئة العربية من القاهرة مركزا رئيسيا لها يعمل فيه الأعضاء الممنوعون من دخول فلسطين , و أن تتخذ لها في القدس مركزا آخر يعمل فيه الأعضاء الذين لم يكونوا ممنوعين من الإقامة بفلسطين .

جهود الهيئة في إعداد البلاد للمعركة المقبلة

و قامت الهيئة بإدارة دفة القضية الوطنية خلال ظروف دقيقة صعبة , قرابة عامين , كانت السياسة الانجلو أمريكية تعمل خلالها بالتفاهم التام مع اليهود لتحقيق سيطرتها على فلسطين .

فخلال هذين العامين لم تدخر الهيئة جهودا في جمع شمل أهل فلسطين و تنظيم صفوفهم و إعداد البلاد للمعركة المقبلة بين العرب و اليهود بتزويدها بالسلاح و العتاد و كل ما تحتاج إليه المعركة من و سائل حسب استطاعتها .

و لم يكن هذا أمرا سهلا على الهيئة في ظروفها الدقيقة , فقد كانت السلطات البريطانية تحول بكل وسائلها بين العرب و التسلح , بينما هي تساعد اليهود عليه .

و مع ذلك فقد استطاعت الهيئة بوسائلها القليلة و مواردها المالية الضئيلة , و رغم منع السلطة البريطانية , إشتراء كمية كبيرة من مختلف أنواع الأسلحة و الإعتدة ونقلها في مشقات و مخاطر جسيمة مئات الكيلومترات عبر الصحاري و الحدود لإيصالها إلى فلسطين .

و كان الحصول على هذه الأسلحة و إيصالها إلى فلسطين عسيرا في بادئ الأمر , حتى أن بعض ما عهدت إليهم الهيئة العربية بهذه المهمة قد سجنوا في عام 1946 و في النصف الأول من عام 1947 .

ثم استطاعت الهيئة فيما بعد تذليل بعض العقبات القائمة في هذا السبيل .

الضباط الأحرار يقدمون أنفسهم للدفاع عن فلسطين

و مما هو جدير بالذكر أن عددا من ضباط مصر الأحرار كانوا يرغبون في مساعدة حركة الجهاد الفلسطيني , و أذكر أن حضرة البكباشي أركان الحرب السيد جمال عبد الناصر , زارني أكثر من مرة في أوائل عام 1948 و معه المرحوم الصاغ المتقاعد محمود لبيب و عرض على استعداده و إخوانه من الضباط الأحرار للمشاركة في حرب فلسطين و قيادة حركة الجهاد , فشكرت له هذه العاطفة الكريمة و الشعور الفياض و اتفقت معه مبدئيا و لكن السلطات في ذلك الحين عارضت في ذلك , غير إنها لم تستطع أن تمنعهم من الاشتراك في الجهاد بفلسطين بعد دخول الجيش المصري , فبذلوا من جهودهم وأرقوا من دمائهم الزكية في ثرى فلسطين ما يسجل لهم بالشكر و التقدير .

و كذلك أقامت الهيئة في مصر عدة مصانع و ورش و مخازن لإصلاح السلاح و صيانته و تخزينه , لان أكثره من مخلفات الجيوش أو كان مدفونا في باطن الأرض أو ملقى في الصحراء .

و أنشأت أيضا مصنعا لتعبئة الذخيرة في دمشق و مستودعات في دمشق و بيروت و صيدا و السلوم و مرسى مطروح و الحمام و العريش و كثيرا من أمثلها في داخل فلسطين .

و قامت الهيئة العربية بإنشاء جيش الجهاد المقدس , بقيادة الشهيد المرحوم السيد عبد القادر الحسيني يساعده عدد من المشهود لهم بالبسالة و الخبرة من قواد المناطق في فلسطين , و أكثرهم من الذين تدربوا عسكريا في العراق و بعضهم في ألمانيا , و يساعدهم عدد من الضباط سوريين و عراقيين . فمنهم من قضى نحبه , و منهم من ينتظر تبديلا.

الهيئة العربية تنقل السلاح بالطائرات

و لما اشتدا خطر الهجوم اليهودي على القدس و قضت الحالة بسرعة إيصال السلاح و العتاد إلى المجاهدين الفلسطينيين , عمدت الهيئة على استئجار بعض الطائرات , كما تفضلت الحكومة اليمنية المتوكلة فأعارتها ثلاث طائرات بدون مقابل , و نقلت السلاح بواسطتها من القاهرة و دمشق إلى فلسطين و بذلك تمكن المجاهدون المدافعون عن القدس من صيانتها و حفظها من السقوط في أيدي القوات اليهودية المهاجمة , كما تمكنوا من دفع العدو في بعض الجهات الأخرى .

و ظل الذين في داخل فلسطين من أعضاء الهيئة يقومون بأعمالهم الوطنية خير قيام , إلى حين تدخل الجيوش العربية , و إعلان المغفور له الملك عبد الله – بصفته القائد العام – حل جيش الجهاد المقدس , و إلغاء الهيئة العربية العليا ...

و قد أشترك بعض أعضاء الهيئة في الوفود و البعثات السياسية التي أوفدتها الهيئة إلى أوربا و أمريكا و غيرهما للدفاع عن القضية الفلسطينية .

فمنذ سيطرت القوات العسكرية الأردنية بقيادة الجنرال جلوب على المنطقة الواقعة بين الخليل جنوبا , و جنين شمالا , لم تعد الهيئة العربية العليا تملك حرية العمل في فلسطين فيذلك الظرف , بعد ما أصبح قيامها غير مشروع في نظر السلطات الأردنية , و بعد ما حلت هذه السلطات جيش الجهاد المقدس التابع للهيئة و صادرات سلاحه و معداته , و طاردت كثير من جنوده و ضباطه , فاضطرت الهيئة أن تقفل مركزها الذي كان في القدس , و أن تعزز مكتبها المركزي في القاهرة .

أما لماذا لم ترجع الهيئة العربية العليا إلى فلسطين لتمارس أعمالها في شتى نواحي القضية الوطنية , فلأنها منعت من ذلك وحرمت من حرية العمل في القسم الذي استولت عليه السلطات المهيمنة على البلاد بقيادة الجنرال جلوب الذي يسيطر على كافة القوات المسلحة من جيش و شرطة و عشائر .

و لهذه المناسبة أسترعى النظر إلى الحقيقة الواقعة الآتية : و هي أن الحكومة البريطانية التي أعلنت رسميا انتهاء انتدابها على فلسطين و انسحابها منها في 15 مايو 1948 , لم تنسحب عمليا إلا من المناطق التي تسلمها اليهود .

أما المناطق الفلسطينية – ما عدا منطقة غزة – فأنها لم تنسحب منها , و ما تزال تسيطر عليها سيطرة عملية شاملة بالقوات المسلحة المذكورة , و بالهيمنة على جميع شؤونها الأخرى .

و لها في القدس و نابلس و غيرهما قنصليات أو مراكز استخبارات .

و لها في الحقيقة السلطة العليا الكاملة التي لا معقم لحكمها .

و هي لا تمكن أهل فلسطين و لا الأردن من إعداد العدة الكافية من تسليح و تحصين و تنظيم لرد عادية اليهود الحدقة , بل تعمل جهدها للتمهيد لتسليمها إلى اليهود كما سلمتها الشطر الأول منها وفقا للمؤامرة اليهودية الاستعمارية المعروفة .

و هذه السلطة الاستعمارية , و لا أقول الحكومة الأردنية , هي الحائل الحقيقي لعودة الهيئة العربية إلى ذلك القسم من فلسطين و لقيامها بأي نشاط سياسي أو غير سياسي و لذلك أصبحت الهيئة مضطرة أن تمارس نشاطها خارج فلسطين في بلاد يكون لها فيها حرية العمل , شأنها في ذلك شأن الحكومات و الهيئات التي تضطرها الظروف إلى الخروج من بلادها و ممارسة أعمالها في بلاد أخرى .

و لو كان للهيئة العربية أن تختار لما اختارت غير فلسطين مقرا لها و ميدانا لجهادها و قد أوجزت لكم سابقا المحاولات العديدة التي قمت بها للسفر إلى فلسطين و انتهت بإعادتي من غزة في العهد السابق و لعلي بذلك أكون قد قدمت صورة صحيحة للرأي العام العربي عن الظروف و الملابسات التي أحاطت بموقف الهيئة العربية من الأمر.

موقف أميركا من قضية فلسطين موقف عداء للعرب و تحيز لليهود أميركا وافقت علي الانتداب و احتضنت مشروع التقسيم و دافعت عنه.

السؤال السابع

ما هي حقيقة موقف الولايات المتحدة الأميركية من قضية فلسطين ، و ماذا يطلب العرب من أميركا ؟

و هل تعتقدون أن في الاستطاعة حمل هذه الدولة – بالطرق الدبلوماسية و السياسية و بالدعاية – علي العدول عن موقفها ؟

الجواب

كان العرب يعتقدون أن الشعب الأميركي صديق لهم ، و حريص علي احترام مبادئ العدل و الحرية و المساواة التي قامت الثورة الأميركية علي أساسها ، و على مبادئ الرئيس ويلسون الأربعة عشر التي أعلنها خلال الحرب العالمية الأولي .

و كانت الشعب العربية تنظر إلي الولايات المتحدة كموئل لتلك المبادئ بدليل أنها أوفدت عام 1919 لجنة ( كينغ – كرين ) للاستفتاء الشعب العربي في الأقاليم المنسلخة عن الدولة العثمانية ، في تقرير مصيره ، و الاطلاع علي حقيقة شعور سكان تلك الأقطار و مطالبهم .

موافقة أميركا علي تصريح بلفور

غير أن العرب – و لاسيما أهل فلسطين - أخذوا يأخذون ذلك الشعور علي مر الأيام ، و أصيبوا بخيبة الأمل للموقف العدائي التي وقفته السياسة الأميركية منهم .

و جاء أول دليل علي ذلك في برقية أرسها الكولونيل هاوس مستشار الرئيس ويلسون إلي وزارة الحرب البريطانية بتاريخ 16 أكتوبر 1917 ، ( و لم يعرف العرب أمر هذه البرقية إلا فيما بعد ) يعلنها فيها بموافقة الرئيس ويلسون والحكومة الأمريكية علي نص تصريح بلفور ، الذي كان قد رفع إلي الرئيس الأميركي للحصول علي رأيه فيه و موافقته عليه .

موافقة أميركاعلي الانتداب لبريطاني

ثم استبان العرب أن أميركا وافقت علي فكرة " الانتداب " الشيطانية التي أبتكرها دهاقنة الاستعمار ، لستر نيتهم الحقيقية ، و التمويه علي الشعوب المستضعفة ، فإنها ما لبثت أن أقرت السياسة العامة لمجلس الحلفاء الأعلى عام 1919 في شأن الأقطار العربية .

و في 30 يوليو عام 1922 أصدر الكونغرس الأميركي قرارا رسميا بالموافقة علي حرب فلسطين تحت الانتداب البريطاني .

و وقع الرئيس هردنج ( الذي خلف الرئيس ويلسون ) ذلك القرار في 20 سبتمبر سنة 1922 و بذلك أصبحت سياسة إنشاء الوطن القومي لليهود في فلسطين خطة التزمت بها الولايات المتحدة الأمريكية التي أضحت فيما بعد من أهم المراكز لنشاط الحركة الصهيونية اليهودية ، و أعظم مصدر لتمويل المؤسسات اليهودية ، العاملة علي اشتراء أراضي فلسطين و استثمارها ، حتى أن ثلاثة أرباع الأموال التي دخلت صناديق تلك المؤسسات كانت من تبرعات الأميركيين يهودا و غير يهود .

و اذكر فيما يلي بعض الوقائع الثابتة علي تحيز الولايات المتحدة للاستعمار و اليهود ضد العرب :

1- عندما أنعقد مؤتمر المائدة المستديرة بين العرب و الإنجليز في لندن عام 1939 و بدا من الحكومة الإنجليزية بعض الميل إلي تعديل سياستها في فلسطين لصالح العرب ، تحت ضغط الظروف الدولية ، و تلبد الجو السياسي ، تدخل الرئيس الأميركي لدي الحكومة الإنجليزية تدخلا حال دون الوصول إلي اتفاق .

2- تقدم عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي إلي لجنة الشئون الخارجية بمشروع قرار بإلغاء الكتاب الأبيض لفلسطين لعام 1939 و تحويل فلسطين إلي دولة يهودية .

و خشي المستر جورج مارشال وزير الخارجية الأميركية ...

الذي تقلد حينئذ مركز رئيس أركان حرب الجيش الأميركي – من إثارة ذلك الاقتراح شعور العرب , فكتب إلى لجنة الشؤون الخارجية طالبا عدم بحث الاقتراح , فنزلت اللجنة عند طلبه , و لكن المارشال لم يلبث بعد ما تبدل مجرى الحرب لصالح الحلفاء , أن أرسل كتابا إلى المستر واغنر عضو اللجنة المذكورة قال فيه : أن الاعتبارات التي حملته في السابق على معارضة بحث اللجنة للاقتراح اّنف الذكر قد زالت الآن .

3 – لما نشبت الحرب العالمية الثانية , وقفت الولايات المتحدة موقفا صريحا في تأييد الاستعمار البريطاني و القضية اليهودية على الرغم من إدعائها الحياد .

و أفد الرئيس روز فلت عام 1941 الكولونيل دونا فان إلى سوريا و لبنان , و العراق , و الكولونيل هوسك ينز إلى الجزيرة العربية بصفتهما مندوبيه الشخصيين , للاتصال بزعماء العرب و إقناعهم بضرورة الوقوف إلى جانب بريطانيا في الحرب .

و في بغداد طلب دونا فان مقابلتي بواسطة السيد توفيق السويدي وزير خارجية العراق حينئذ فقابلته في 13 / 12 / 1941 و كان معه المستر نابنشو القائم بأعمال السفارة الأميركية , فذكر ضرورة تأييد السياسة البريطانية .

فقلت له كيف يمكننا تأييد السياسة التي تعمل لتهويد بلادنا ؟

فأجاب : أن هذه المسألة يمكن تسويتها بعد انتهاء الحرب .

تأييد أميركا لقرار المؤتمر الصهيوني العالمي

4 – عقد المؤتمر الصهيوني العالمي دورة استثنائية في نيويورك بفندق بلتم ور في مايو 1942 و اتخذ في جلسة 11 مايو قرارا بتحويل فلسطين إلى دولة يهودية ( كومنولث ) و إجلاء سكانها العرب إذا كانوا يعارضون في ذلك , و أعلن الرئيس روز فلت و غيره من رجال السياسة الأميركيين تأييدهم لذلك القرار .

و اجتمع مؤتمر الحزب الجمهوري في 27 يونيو 1944 فرشح المستر جون ديوى لرئاسة الجمهورية .

و انعقد مؤتمر الحزب الديمقراطي في 24 يونيو 1944 و رشح لها المستر روز فلت و قرر كل من المؤتمرين – و هما يمثلان شعب الولايات المتحدة – تأييد القرار اليهودي اّنف الذكر .

و أرسل روزفلت إلى السناتور واغنر كتابا في أكتوبر 1944 قال فيه : إنه إذا أعيد انتخابه للرئاسة فانه سيبذل كل جهوده لتنفيذ قرار تحويل فلسطين إلى دولة يهودية و كذلك قطع المرشح الجمهوري ديوى على نفسه عهدا مماثلا .

5 – بعد تسنم ترومان مركز رئاسة الجمهورية خلفا لروز فلت أصبحت سياسة أمريكا أشد أمعانا و إيغالا في تأييد الصهيونية , حتى أن رجال الكنيسة البروتستانتية أخذوا يتدخلون متشددين لتأييد القضية اليهودية ,و وقع نحو خمسة ألاف قس منهم معروضا على الحكومة في فبراير 1945 طالبين فتح أبواب فلسطين للهجرة اليهودية .

و كذلك قدمت أكثرية أعضاء مجلسي النواب و الشيوخ طلبا بتاريخ 2 يوليو 1945 بإنشاء دولة يهودية في فلسطين و أرسل الرئيس ترومان نفسه بتاريخ 31 أغسطس 1945 كتابا إلى المستر كلي منت أتلى رئيس الوزارة البريطانية يطلب فيه إدخال مائة ألف يهودي دفعة إلى فلسطين , و أن تفتح أبواب فلسطين فيما بعد دون قيد أو شرط للهجرة اليهودية ...

تأييد أمريكا لمشروع تقسيم فلسطين

6 – برز تأييد أميركا لمشروع تقسيم فلسطين و تشكيل دوله يهودية فيها بروزا قويا , فقد احتضنت أميركا مشروع التقسيم الذي أشارت به اللجنة الموفدة إلى فلسطين في مايو 1947 من قبل الجمعية العمومية للأمم المتحدة ,و قامت بالدفاع عنه في دورة الجمعية في خريف ذلك العام , حتى حملتها بالتعاون مع بريطانيا , إلى قرارها الظالم بتقسيم فلسطين في 29 نوفمبر 1947 .

ملكيون أكثر من الملك

و قد ذكر وايزمن في مذكراته حادثا يدل على أن الأميركيين كانوا ملكين أكثر من الملك في تأييدهم لليهود , فقد حدث خلال مناقشات الجمعية العمومية في الأمم المتحدة لمشروع التقسيم أن اقترح بعض الوفود – ومنهم الوفد الأمريكي -تقسيم أراضي النقب بين العرب و اليهود , و إعطاء العقبة للعرب .

فذهب وايزمن إلى واشنطن و قابل الرئيس ترومان في 19 نوفمبر 1947 و باحثه في أمر فلسطين , و أبلغه أن اليهود يقبلون بتقسيم النقب بينهم و بين العرب على أن تكون العقبة نفسها من نصيب اليهود .

و لكن ترومان أصدر تعليماته للوفد الأميركي للجمعية العمومية بأن يعمل على أن يكون النقب كله ( و مساحته نحو ثلاثة ملايين فدان ) و العقبة أيضا من نصيب اليهود !

7 – لما نشب القتال في فلسطين على إثر صدور قرار التقسيم , هب الأميركيون إلى مساعدة اليهود بجميع الوسائل , فجمعوا لهم الأموال الطائلة , و سخروا الصحف و محطات الإذاعة للدعاية لهم , و تطوع عدد من الأميركيين في القوات اليهودية في فلسطين , و نقلت الطائرات الأميركية من الولايات المتحدة كميات من المعدات و الأسلحة إلى يهود فلسطين عن طريق ( براغ ) , و أنزلت باخرة أميركية اسمها السهم الطائرF lying Arrow في ميناء حيفا في مارس 1947 , ( 54 ) دبابة تحت ستار " جرارات زراعية " ! و ما أذكره هنا هو غيض من فيض من المساعدات التي قدمها الأميركيون لليهود .

اقتراح وضع فلسطين تحت الوصاية

8 – و لما حاقت الهزيمة بيهود القدس في مارس 1948 و أطبق عليهم المجاهدون من كل الجهات حتى رفعوا رايات التسليم , كان قنصل الولايات المتحدة العام في مقدمة رجال الهيئة الدبلوماسية الذين تدخلوا لرفع الحصار عنهم , و أعلن المندوب الأميركي في الأمم المتحدة في 19 مارس 1948 عدول حكومته عن تأييد قرار التقسيم مقترحا وضع فلسطين في أوائل أبريل بسبب حرمان المجاهدين الفلسطينيين من السلاح و الذخيرة , و قيام اليهود بأعمالهم الإجرامية في دير ياسين و غيرها لم يظهر أي استنكار أميركي إلى رسمي أو غير رسمي لتلك الفظائع , بل عادت أميركا إلى المغالاة في تأييد اليهود , و رجعت إلى تأييد سياسة التقسيم .

إسراع ترومان للاعتراف بالدولة اليهودية

9 – و من أعجب مظاهر السياسة الأميركية إسراع الرئيس ترومان للاعتراف بالدولة اليهودية في 15 مايو بعد مرور بضع دقائق من إعلان اليهود لها , بالرغم من أن هذه الدولة قامت على أساس البغي و العدوان و الاجتياح ( وهي أمور تدعي أميركا أنها حاربتها في كوريا ) و بالرغم من أنها لم تكن قد توفرت لها المقومات الأساسية التي تجيز الاعتراف بها .

مساعدة اليهود ماليا و سياسيا و عسكريا

10 – و بعد قيام الدولة اليهودية , اجتاحت الولايات المتحدة موجة عارمة من الجهود و المساعي الحثيثة لمدها بالمساعدات المالية و العسكرية و السياسية , حتى أنها سمحت لها بطرح سندات قروضها للبيع في الأسواق المالية الأميركية , و أذنت لبنك الإصدار بتزويدها بالقروض الضخمة , و لم تحل المراكز الرسمية و المناصب السياسية دون اشتراك الرجال الرسميين من الأميركيين في الدعاية للدولة اليهودية و القيام بأعمال الجباية لها كما صنع المستر بار كلي , و هو في منصب نائب رئيس الجمهورية .

و قرر كل من الحزبين الجمهوري و الديمقراطي ,في مؤتمريهما المنعقدين في شيكاغو في صيف 1952 تأييد الدولة اليهودية و مواصلة مساعدتها .

ألف مليون دولار لليهود

11 – أعلن مستر " أندرسن " وكيل وزارة التجارة في حكومة الرئيس إيزنهاور في 15 مارس 1953 , أن حكومة الولايات المتحدة و شعبها قدما ليهود فلسطين في المدة الواقعة بين سنتي 19481952 نحو ألف مليون دولار ( بليون دولار ) هبات و عطايا وقروض .

و كذلك أعلن السناتور " رالي " رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي في 29 مارس 1953 في خطبة له في مؤتمر مساعدة إسرائيل , أن الولايات المتحدة الأميركية تعتبر الدولة اليهودية , القاعدة الأساسية للشؤون العسكرية و الاقتصادية و الديمقراطية في الشرق الأوسط ....

12- تجاوزات الولايات المتحدة في مساعداتها لليهود نطاقها الداخلي إلى الحيز الدولي , و عملت جاهدة عامدة على منع السلاح عن البلاد العربية , على حين أغدقنه إغداقا على اليهود , مما حملهم على التمادي في غلوائهم ما اعتداءاتهم المتواصلة على العرب .

و عند رغبتها في منع مساعدات مالية للأقطار المتخلفة في ميدان الحضارة و التقدم وضعت الأمة العربية كلها بقضها و قضيضها و دولها في كفة , و يهود فلسطين في كافة أخرى , و ساوت بين الطرفين في المبالغ المقترح منحها لهم .

و أخيرا رجحت كفة اليهود و اعتبرتهم أميركا أعظم شأنا و أكثر أهمية من العرب جميعا , و طفقت تزودهم بالأموال و القروض , بينما هي تضنن بشيء منها على العرب .

حمل ألمانيا الغربية على تعويض اليهود بمبلغ ( 875 ) مليون دولار

13 – و كانت الولايات المتحدة عاملا قويا في حمل حكومة ألمانيا الغربية على القبول بدفع تعويضات مالية عظيمة لليهود تبلغ نحو 875 مليون دولار بموجب اتفاقية عقدتها مع ممثليهم , و هي اتفاقية باغية قدمت الهيئة العربية العليا بشأنها عدة مذكرات للدول العربية و الأمم المتحدة .

و أخيرا رأينا السياسة الأميركية ترمي إلى غايتين خطيرتين بالنسبة إلى كل من العرب و اليهود : الأولى المحافظة على الكيان اليهودي في فلسطين و ضمان استقراره و ازدهاره , و الأخرى تصفية قضية عرب فلسطين و التعفية على آثار اللاجئين لإزالة المظهر الأخير من مظاهر الجريمة النكراء التي اقترفتها السياسة الاستعمارية الغربية في فلسطين و أهلها , و للقضاء على كل مصدر من المصادر التي تظن فيها الخطر على الدولة اليهودية .

ففي الناحية الأولى ساهمت أميركا في إصدار البيان الثلاثي في مايو 1951 لضمان حدود الدولة اليهودية و بذلت جهودا كثيرة لحمل العرب على عقد الصلح مع اليهود و الاعتراف بدولتهم , منها اشتراكها في تقديم مشروع صلح بين العرب و اليهود للأمم المتحدة في عام 1952 دون التقيد بقرارات الأمم المتحدة بشأن فلسطين , و ما كان تقديمها قضية عدوان اليهود الهمجي على قرية ( قبية ) لمجلس الأمن إلا تمهيدا لاستصدار قراره المعروف بإجراء مفاوضات مباشرة بين الأردن واليهود .

و كانت الولايات المتحدة( التي ما برحت تدعي الإخلاص لميثاق الأمم المتحدة و أنها حاربت في كوريا احتراما منها لمقرراتها ) هي نفسها التي أغضت عن تحدي اليهود المتواصل لمقررات الأمم المتحدة بشأن فلسطين , و استمرارهم في أعمالهم العدوانية على المناطق العربية .

تصريح خطير لمساعد وزير الخارجية

و ما أكثر الذين صرحوا من الساسة الأمريكيين بأن الولايات المتحدة ستقف في صف اليهود في فلسطين ,و أنها تؤيد كيانهم و بقاء دولتهم بكل الوسائل .

و آخر تصريح من هذا القبيل ما أدلى به المستر " بارود " مساعد وزير الخارجية الأميركية في مؤتمره الصحفي ( في 2 فبراير 1954 ) في واشنطن بقوله : " أن إسرائيل وجدت هناك لتبقي , و إن أميركا هنا لتؤمن حياتها " .

يحاولون تصفية قضية فلسطين

و من الناحية الأخرى فأن " وكالة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين " التي تعمل بتأييد أميركا و إرشادها تدل جميع أعمالها و أساليبها على أن لها خطة مرسومة في تصفية قضية فلسطين , و ذلك بإبعاد اللاجئين الفلسطينيين عن حدود بلادهم, و تقويض كيانهم , إما عن طريق تجويعهم و إضعافهم صحيا وروحيا , و إما عن طريق إدماجهم في الأقطار العربية .

و لهذه الأهداف نشأت مشروعات الإشغال التي تقوم بها الوكالة , و تمول القسم الأكبر منها الولايات المتحدة , و من هنا نشأت فكرة " مشروع جونستون " الذي تواصل أميركا مساعيها لحمل الدول العربية على القبول به .

و أذكر أن الولايات المتحدة خصصت عشرات الملايين من الدولارات لإنفاقها في مشاريع إسكان اللاجئين خارج ديارهم , فلما رأت أحجام الدول العربية عن القبول بالاشتراك في تلك المؤامرة ضد الفلسطينيين , هددت بلسان مندوبها في الأمم المتحدة بسحب تلك الأموال و وقف مساعدتها المالية لإغاثة اللاجئين .

الولايات المتحدة و الاستعمار

و لم يخف المسئولون الأميركيون حقيقة أهداف أميركا الاستعمارية بصورة لا تدع مجالا للشك في أن أميركا تؤيد الاستعمار و تسير سياستها الخارجية على رغباته .

فقد صرح المستر " دالاس " وزير الخارجية في يوليو 1953 عقب زيارته للشرق الأوسط – بأن أية حرية تعطي للشعوب التي تطالب بها " يجب أن لا تخرج عن نطاق الوحدة الغربية " .

وكذلك صرح المستر بايرود مساعد وزير الخارجية , في نوفمبر 1953 بأن لأميركا مصلحة في تأييد الدول المستعمرة و وأن عليها أن تعالج المسائل الاستعمارية على ضوء صالحها الخاص , و أن استقلال الشعوب الساعية إلى الحرية لن يخدم مصالح الولايات المتحدة و لا مصالح العالم الحر ....

و أن لأميركا مصلحة في قوة و استقرار بعض الدول الأوربية التي تمارس نفوذا في مناطق غير مستقلة . و على ضوء تصريحات المستر دالاس و المستر بايرود يحق للمرء أن يفسر مواقف أميركا في الأقطار العربية و شمال أفريقيا و إيران و غيرها من الأقطار الرازحة تحت كابوس الاستعمار ....

خروج الولايات المتحدة عن حيادها

بعدما أوجزت لكم خلاصة حقيقة موقف الولايات المتحدة الأميركية من قضية فلسطين , أنتقل إلى الإجابة على الشق الأخر من السؤال فأقول :

عندما كانت الولايات المتحدة ملتزمة " شرعة مونرو " التي تمنعها من أن تتدخل في غير شؤونها و تقضي عليها بأن تلزم سياسة الحياد خارج البلاد الأميركية , اكتسبت احترام العالم عامة و لاسيما العالم العربي الذي قدر لها موقفها هذا كل التقدير , و بدأت علاقات صداقة و مودة تتوطد أركانها بين الولايات المتحدة و العالم العربي , و كانت هذه العلائق تطرد في سبيل النمو و تتوثق شيئا فشيئا , إلى أن نبذت الولايات المتحدة شرعة مونرو و أخذت تتدخل في شؤون العالم الخارجية , و زادت على ذلك بتأييدها السياسة الصهيونية و تعضيدها الدولة اليهودية تعضيدا قويا من الوجهات السياسية و المالية و العسكرية كما بينت سابقا , و بذلك طرحت حيادها السابق المحمود , و تدخلت تدخلا سافرا لصالح اليهود ضد عرب فلسطين فأغضبت بذلك سبعين مليون عربي و خمسمائة مليون مسلم , الذين أمضهم و أقلقهم أن تتنكب هذه الدولة العظيمة سواء السبيل و تنصر عليهم خصومهم المعتدين الباغين , و تطعنهم طعنة دامية في صميم وطنهم و مقدساتهم .

محاولات لتضليل عرب فلسطين

و إنه ليسوء كل عربي و مسلم أن تعمد الولايات المتحدة في سياستها نحوهم إلى محاكاة السياسة البريطانية الاستعمارية , و اتخاذ أساليبها في محاولة تضليل عرب فلسطين ,فتوغر الدوائر المختص في وزارة الخارجية الأميركية إلى جماعة من رجال الدين و الاجتماع و الصحافة بتأليف لجان و هيئات تدعي صداقة العرب و تزعم أنها ستعمل على توجيه الرأي العام الأميركي لتأييدهم , و أن يعقد عدد من رجال الدين الأميركيين مؤتمرا في بيروت في يونيو 1951 ظاهره العطف على اللاجئين و أن يشكلوا لجنة خاصة يرئسها المستر مورس يون للعمل بين اللاجئين تحت ستار خدمتهم و العطف عليهم , و حقيقتها إقناع العرب بقبول الأمر الواقع في فلسطين و الرضا بمشاريع إسكان اللاجئين .

كما يسوء العرب و المسلمين أن تتجاوز تلك الهيئات و المنظمات الأميركية حد التظاهر بالعطف على العرب , و تجهر بضرورة مقاومة فكرة الحياد , التي أخذت تنتشر في المقاومات العربية الرسمية و بين أفراد الشعوب العربية حتى أن نائب رئيس مؤسسة " أصدقاء الشرق الأوسط في نيويورك " خطب منتقدا الساسة العربية الداعية إلى الحياد و أن مستر موري سون مندوب اتحاد الكنائس الأميركية في الشرق أخذ في صيف 1952 يقوم بنشاط سياسي لحمل العرب على قبول حل لقضية فلسطين ليس هو من صالح العرب في قليل و لا كثير .

و قد اتضح أن موري سون هذا كان على اتصال بوزارة الخارجية اليهودية بواسطة ممثلين عن السفارتين البريطانية و الأميركية .

نطلب من أميركا الحياد التام

و بالرغم من مرارة الشعور العربي هذا , و رسوخ الاعتقاد في نفوس العرب بأن الولايات المتحدة تقف منهم موقف العداء الصريح , فأنهم لا يزالون حريصون على أن تزول العوامل المسببة لذلك الشعور , و راغبين في الوصول إلى تفاهم مع أميركا على أساس المصالح المتبادلة , و على أساس احترامها حرية الشعوب العربية و آراءها السياسية .

و لتحقيق قيام ذلك التفاهم يطلب العرب من الولايات المتحدة , و الديمقراطيات الغربية أن تقف موقفا حياديا صحيحا في النضال القائم بين الأمة العربية و اليهودية العالمية التي تتمثل في السلطات اليهودية في فلسطين المحتلة .

فأن التزام الولايات المتحدة لموقف الحياد الدقيق الصحيح بين العرب , و بين اليهود و الاستعمار سيؤدي إلى إزالة الأسباب و العوامل التي تقلق العرب و تجعلهم يعتبرون الأميركيين في صفوف أعدائهم .

هذا و لا شك أن مصلحة الولايات المتحدة نفسها تحتم عليها التزام موقف الحياد , و الإقلاع عن التحيز لليهود و المستعمرين , و تأييدهم ضد العرب , فأن للولايات المتحدة مصالح اقتصادية و تجارية كثيرة في الأقطار العربية لا تستطيع الاطمئنان إلى سلامتها و ازدهارها ما دام شعور القلق و النقمة يسود الشعوب العربية و العالم الإسلامي .

الدعاية في أميركا

أما إقناع الشعب الأميركي بالدعاية , فأني مع اعتقادي بأن للدعاية أثرها المفيد إلا أني لا أعتقد أنه سيكون لها أثر عملي حاسم في الولايات المتحدة الأميركية فلا يجوز التعويل عليها وحدها , لأن في أميركا أكثر من خمسة ملايين من اليهود متغلغلين في جميع نواحي الحياة الأميركية من صحافة و إذاعة و سائر وسائل الدعاية , عدا تغلغلهم في الأوساط الاقتصادية و السياسية .

و قد كانت أصوات اليهود الانتخابية مؤثرا كبيرا في الأحزاب و الحكومات الأميركية على سياستها نحو فلسطين و الشرق العربي و غيرهما .

كما أن للشعب الأميركي عطفا خاصا على اليهود لأن أكثريته من البروتستانت المتأثرين إلى حد بعيد بنبوءات التوراة التي جاءت في العهد القديم عن عودة اليهود إلى فلسطين .

و هذا يفسر لكم الأسباب التي دعت إلى عقد مؤتمر من ( 5000 ) قسيس بروتستانتي أميركي في فبراير 1945 وقعوا فيه مذكرة إلى الرئيس ترومان يظهرون فيها شديد عطفهم على القضية الصهيونية , و يطالبونه بفتح أبواب فلسطين لليهود بدون قيد أو شرط .

فأن هذا العطف الروحي الذي استغله اليهود في جميع البلاد البروتستانتية كان له أكبر تأثير في تعضيد اليهود في كل من أميركا و انجلترا كما نوه بذلك الدكتور وايزمن في مذكراته قائلا : " أن أهم العوامل الرئيسية التي حملت بريطانيا على منحنا وعد بلفور تلك العاطفة الروحية في الشعب البريطاني المتأثر بتعاليم التوراة " .

و لذلك فأن التعويل على الدعاية وحدها للتأثير على الولايات المتحدة في تعديل سياستها اليهودية خطأ و إضاعة وقت .

هذا و أن بعض الدوائر الأميركية في الشرق العربي تحاول تخدير العرب , بحملهم إلى إرسال وفود للقيام بالدعاية في أميركا للتأثير على الرأي العام فيها حتى لا ييأس العرب نهائيا من أميركا و يقطعوا كل رجاء فيها .

و لكن هذه المحاولات لن تنطلي على العرب الذين جربوها زمنا طويلا في انجلترا , ثم تبين لها أنها لا تجدي فتيلا و أن الغاية منها التضليل و التخدير وربط العرب بخيط واه من الأمل والرجاء , و أنها سرب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا .

و صفوة القول أن موقف أميركا من قضية فلسطين موقف عداء واضح للعرب , و تحيز شديد لليهود , و أن العالمين العربي و الإسلامي متألمان أشد الألم من هذا الموقف الذي سيكون له أسوأ أثر على صلات أميركا و مصالحها في المستقبل , و أن ما نطلبه من أميركا هو الحياد التام في الخلاف القائم بين العرب و اليهود .

هدف الصهيونية إنشاء دولة يهودية في فلسطين و الأقطار العربية المجاورة و بناء هيكل يهودي مكان الصخرة المشرفة بالمسجد الأقصى

السؤال الثامن

ما هي حقيقة الحركة الصهيونية و الجهود التي بذلها اليهود لتحقيق أهدافها في فلسطين ؟

الجواب

الصهيونية فكرة يهودية دينية و سياسية معا , و هي مأخوذة من كلمة " صهيون " أحد جبال القدس , هدفها تحقيق الطموح الديني اليهودي بالاستيلاء على فلسطين و جعلها مركزا للدولة اليهودية و إعادة بناء معبدها المسمى " هيكل سليمان " مكان المسجد الأقصى المبارك و ممارسة العبادة الدينية فيه .

تعريف الصهيونية في دائرة المعارف البريطانية

فقد ورد في دائرة المعارف البريطانية " انسكلو بيديا بريتانيكا "طبعة عام 1926 المجلد 27 و 28 في الصحيفة 986 – 987 تحت كلمة ( الصهيونية ) ما نصه :

" أن اليهود يتطلعون إلى افتداء إسرائيل , و اجتماع الشعب في فلسطين , و استعادة الدولة اليهودية , و إعادة بناء الهيكل , و إقامة عرش داود في القدس ثانية , و عليه أمير من نسل داود .

في دائرة المعارف

و جاء في دائرة المعارف اليهودية " جويش انسيكلوبيديا " المطبوعة باللغةالانجليزية تحت كلمة " الصهيونية " : " أن اليهود يبغون أن يجمعوا أمرهم , و أن يقدموا إلى القدس و يتغلبوا على قوة الأعداء , و أن يعيدوا العبادة إلى الهيكل ( أي مكان المسجد الأقصى ) و يقيموا ملكهم هناك "

أقوال زعماء اليهود

و أعلن الزعيم اليهودي " كلوز نر " رئيس جمعية الدفاع عن المبكى في جريدة " بالستين ويكلي "

اليهودية في 6 أغسطس 1929 قوله :

" المسجد الأقصى القائم على قدس الأقداس في الهيكل إنما هو لليهود "

تصريح رئيس الحاخامين

و جاء في كتاب ( مطامع اليهود ) المطبوع سنة 1948 صفحة 9 ما نصه :

" صرح الرئيس حاخامي اليهود في فلسطين بأن عاصمة الدولة اليهودية لن تكون تل أبيب , و إنما ستكون القدس , لأن فيها هيكل سليمان , و لأن الصهيونية حركة سياسية و دينية معا , و أن شبان اليهود سيضحون بحياتهم لاسترداد مكانهم المقدس الهيكل ( المسجد الأقصى ) .

تصريح بن غور يون

و أعلن ديفيد بن غور يون رئيس وزرائهم السابق في تصريح له " أنه لا معنى لفلسطين بدون القدس , و لا معنى للقدس بدون الهيكل ( أي المسجد الأقصى ) .

كتاب من حاخام رومانيا

هذا و قد تلقيت كتابا من حاخام اليهود في رومانيا " إبراهيم روزنباج " بتاريخ 20 نوفمبر 1930 يلح فيه علي بضرورة إباحة المسجد الأقصى لليهود ليقيموا فيه الشعائر الدينية اليهودية , و قد كتب الحاخام المذكور بمثل ذلك إلى السكرتير العام البريطاني لحكومة فلسطين تحت رقم 26 – 487 .

الاحتجاج على تصريح السير ألفرد موند

و قد أطلعت على تصريح للسير ألفرد موند الزعيم اليهودي و الوزير البريطاني السابق الذي أصبح فيما بعد ( لورد ملتشت ) يقول فيه : " أن اليوم الذي سيعاد فيه بناء الهيكل أصبح قريبا جدا , و إنني سأكرس ما بقى من أيام حياتي لبناء هيكل سليمان مكان المسجد الأقصى " .

فلما اطلعت على هذا التصريح الخطير احتججت عليه احتجاجا شديدا , وقابلت المندوب السامي البريطاني في فلسطين و طلبت منه أن يبلغ استنكار المسلمين إلى حكومته في لندن , فلم ألبث حتى جاءني جواب من السكرتير العام البريطاني هذا نصه :

" حضرة صاحب السماحة السيد أمين الحسيني المفتي الأكبر في فلسطين

" بالإشارة إلى الحديث الذي جرى بينكم و بين فخامة المندوب السامي حول الاعتراض الذي أبديتموه على خطاب السير ألفرد موند الذي أعلن فيه صراحة و هو أن يبني الهيكل مكان الصخرة المشرفة ( في المسجد الأقصى ) . " إن فخامته خابر المراجع العليا في لندن فتلقى الجواب التالي :

" جواب برقيتكم رقم 248 المؤخرة في أول يوليو , إن الكلمات التي فاه بها السير ألفرد موند هي كما يلي :

" هو يعتقد أن فلسطين بوسعها أن تخرج إلى العالم ثانية رسالات دينية , و زيادة على هذا فأن السير ألفرد موند كان شديد العناية بموضوعه فبين أن رغبته هي تشييد بناء عظيم من جديد تشديدا كاملا في مكان هيكل سليمان " ( المسجد الأقصى ) .

و صرح بمثل ذلك نورمان بنتويش الزعيم اليهودي الذي كان السكرتير القضائي لحكومة الانتداب البريطاني بفلسطين في كتابه " فلسطين اليهودية " المطبوع في لندن عام 1919 :

هتلر و الصهيونية و مؤتمر بال

دخلت الصهيونية ميدان السياسة العملية عام 1897 عندما دعا الزعيم اليهودي " تيودور هرتسل " إلى عقد مؤتمر يهودي عام في مدينة بال بسويسرا للعمل على تحقيق فكرة الصهيونية الرامية إلى عودة [[اليهود[[ إلى فلسطين و تأسيس مملكة يهودية فيها , و قد أسفر هذا المؤتمر عن تأسيس الجمعية الصهيونية و انتخاب هرتسل الرئيس الأول لها .

و بحضور ممثلي اليهودية العالمية بحث أمر إنشاء وطن لليهود في أوغندة بدلا من فلسطين التي كانت في ذلك الحين جزءا من المملكة العثمانية , و لكن أعضاء المؤتمر رفضوا ذلك رفضا شديدا و قالوا :

أن اليهود لا يجتمعون إلا حول الهيكل اليهودي في القدس .

و لذلك صمم هرتسل على مقابلة السلطان عبد الحميد الثاني , فقابله و عرض عليه أن تكون فلسطين وطنا لليهود تحت الحكم العثماني , و حاول إغراء السلطان بخمسين مليون جنيه ذهبا و لكن السلطان عبد الحميد رفض المشروع و المال رفضا باتا .

اليهود يعملون على هدم الدولة العثمانية

و اتخذ السلطان عبد الحميد بعد ذلك الوسائل لمنع اليهود من الهجرة إلى فلسطين و وضع قانون " الجواز الأحمر " الخاص بكل يهودي يدخل فلسطين للسياحة أو الزيارة , و منع تملكهم للأراضي , فخنقوا عليه كثيرا و شرعت منظماتهم تعمل مع الدول الاستعمارية على مناوأته شخصيا و على تهديم كيان الدولة العثمانية , واتخذوا من مدينة " سيلانيك " الوكر الرئيسي لدسائسهم و مؤامرتهم لأن هذه المدية تضم أوفر عدد من اليهود في تركيا , و لأنها من ناحية أخرى تضم عددا كبيرا من " الدونمه " و الدونمه أسم لطائفة من اليهود انتحل أفرادها الإسلام و تظاهروا باعتناقه , و تغلغلوا في وظائف الدولة العثمانية , و تمكن فريق منهم أن يبلغ أعلى المناصب مثل أجاويد الذي كان وزيرا للمالية و حسين جاهد يالشين, و غيرهما من وزراء و نواب و كتاب و صحفيين و أساتذة و تجار ...

و استطاع اليهود بتعاونهم مع الاستعمار الأجنبي أن يقضوا على السلطان عبد الحميد و كان بين الثلاثة الذين انتدبهم مجلس النواب العثماني لخلع السلطان , يهودي أسمه " قرة صو " أفندي .

و مما هو جدير بالذكر , لهذه المناسبة , كما حدث عندما ألفت الأمم المتحدة " لجنة التوفيق الدولية " للتوفيق بين العرب و اليهود في قضية فلسطين فقد تألفت هذه اللجنة من ثلاثة أعضاء " أميركي ، و فرنسي ، و تركي " فكان التركي هو حسين جاهد يالتشين الدونمة ، اليهودي الأصل ، فكان ضالعا مع اليهود بطبيعة حالة و تأثير أصله .

الجاسوسية اليهودية في الدولة العثمانية

و كان اليهود منذ عدة أجيال قد استطاعوا أن يكونوا لأنفسهم جالية صغيرة في فلسطين ، و قد وجدت السياسة البريطانية في هذه الجالية بؤرة صالحة للجاسوسية علي الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولي عام 1914 و شعرت الدولة بذلك و نفت قسما من يهود فلسطين ، و أعدمت بعض من ثبت عليهم التجسس للإنجليز و منهم ( سارة اهرنسون ) و هي جاسوسة يهودية مشهورة .

محاولات اليهود لدي قيصر ألمانيا

و قبل أن يتوضح مجري الحرب المذكورة عرض بعض زعماء اليهود علي قيصر ألمانيا غليوم الثاني أن يتوسك لدي الدولة العثمانية لنيل موافقتها علي إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين ، فانتهز القيصر زيارة الصدر الأعظم طلعت باشا لبرلين سنة 1916 و عرض عليه المشروع ، و لما عاد طلعت إلي اسطنبول دعا نواب القدس في مجلس المبعوثون ( النواب ) للأخذ رأيهم ، فرفضوه .

الطابور الخامس اليهودي في ألمانيا

و لكن ذلك لم ييأس اليهود ، فواصلوا مساعيهم لدي الحكومة البريطانية ، و استطاعوا أن يحصلوا عام 1917 علي تصريح من وزير خارجيتها اللورد بلفور للإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين و كان حصول اليهود علي هذا التصريح بتعهد مماثل قطعوه علي أنفسهم بأن يخدموا الدولة البريطانية و سياستها و يبذلوا أقصي جهودهم لفوزها في الحرب .

و في سبيل ذلك قاموا بأعظم أدوار التخريب و الدعاية الهدامة في ألمانيا في أواخر سنتي الحرب العالمية و عملوا علي هدمها ما استطاعوا إلي ذلك سبيلا ، و هذا هو السبب الرئيسي لحملة هتلر علي اليهود وعدائه الشديد لهم لأنهم سببوا نكبة ألمانيا و خسارتها للحرب ، مع أنها كانت منتصرة من وجهة عسكرية .

و قد كانت نقمة ألمانيا شديدة علي اليهود إذ أبادت منهم بضعة ملايين أثناء الحرب العالمية الثانية .

و هكذا كانت مطامع اليهود في فلسطين وما فعله في سبيل وعد بلفور ضد ألمانيا أناء الحرب العالمية الأولي السبب الأساسي فيما أصابهم من خسائر في الحرب العالمية الثانية .

و مثل هذه الجاسوسية و التخريب قام به فريق من اليهود في الدولة العثمانية فلما انتهت الحرب و فاز اليهود بتصريح بلفور استطاعوا أن يجعلوا منه وعدا رسميا, و أن يحصلوا على موافقة عصبة الأمم عليه و على انتداب بريطانيا على فلسطين , كما أشرت إليه في أحاديثي السابقة .

مملكة إسرائيل كما وضعها زعماء اليهود

على أن مطامع اليهود في وطنهم القومي أو دولتهم المتوخاة لم تنحصر في فلسطين بل تجاوزتها بكثير .

فقد أطلعت عندما كنت في ألمانيا في الحرب العالمية الأخيرة على خريطة كانت محفوظة في خزانة " روتشيلد " في مدينة فرانكفورت و ومكتوبا عليها ( مملكة إسرائيل ) و هي تضم فلسطين و الأردن و سوريا و لبنان و العراق , خلا القسم الشمالي منه , و سينا و الدلتا من الأراضي المصرية , و المدينة المنورة و ما حولها من مناطق بني قريظة و بني النضير و غيرها من شمالي الحجاز .

و خلال الحرب العالمية الثانية أنشأ الانجليز جسرا ( كوبري ) على النهر الفرات عند مدينة الرقة بواسطة شركة ( هاسوليل بونيه ) اليهودية , فكتب العمال اليهود على قاعدة الجسر باللغة العبرية العبارة التالية :

" هذه هي الحدود الشمالية لمملكة إسرائيل "

ثم أن اليهود يرمون إلى السيطرة علي البحر الأحمر بواسطة القاعدة البحرية التي أنشئوها في العقبة و جعلها مركز نشاطهم في ذلك البحر .

مطامع اليهود في شبه جزيرة سيناء

أما شبه جزيرة سيناء فأن اليهود يعتبرونها أرضا مقدسة دينية عندهم لهبوط الوحي فيها على النبي موسى عليه السلام و لنزول الوصايا العشر و التوراة فيها.

كما أن لبني إسرائيل فيها ذكريات دينية كثيرة .

و قد حدث حينما دخلت بعض قوات الجيش اليهودي سيناء في ديسمبر عام 1947 أن وقفت جميع سياراتهم على الحدود و هبط منها الضباط و قبلوا ثراها قبل أن يجتازها .

و قد اطلعت على كتاب اسمه " ماسادا " ألفه أحد زعماء اليهود اشتمل على بحث مطول عن أهمية سيناء الدينية و الجغرافية و الحربية و التجارية , و مما جعل فيه " أن سيناء هي باب حاجز بين قارتي أسيا و أفريقية , و هي مستندة على بحرين:

الأبيض و الأحمر , فمن يملكها يسيطر على معظم شؤون القارتين و البحرين المذكرين ".

و لذلك لان اليهود تفاهموا مع الحكومة البريطانية في عهد رئيس وزرائها " بنرمان " عام 1906 على إرسال بعثة فنية مؤلفة من علماء طبقات الأرض ( الجيولوجيا ) و المياه و المعادن و البترول و غيرها تمهيدا لاستعمارها و جعلها وطنا يهوديا فجاءت البعثة غلى مصر في زمن اللورد كرومر الذي هيأ لها كل الوسائل , ثم سافرت إلى سيناء فدرست أرضها درسا وافيا , ثم قدمت تقريرها إلى الحكومة البريطانية دون أن تعطي نسخة منه للحكومة المصرية صاحبة البلاد الشرعية , و لولا أن نشبت حرب البلقان بعدئذ ثم الحرب العالمية التي بتقويض كيان الدولة العثمانية لشرع اليهود منذ ذلك الحين في استعمار سيناء التي تبلغ مساحتها ( 82) ألف كيلو متر مربع أي أنها أكبر من سوريا كما أنها تزيد على ثلاثة أضعاف مساحة فلسطين كلها , و على ثمانية أضعاف مساحة لبنان .

و لا يتسع المجال لسرد جميع مطامع اليهود الخطيرة في سيناء و غيرها من البلاد العربية , ولكني أشير إلى مقال نشره أحد زعماء اليهود الأميركيين المدعو " بن هخت " في جريدة نيويورك تايمس في مايو 1948 تجاوز فيه حدود القحة و الفظاعة , و هدد فيه العرب و المسلمين بتجهيز حملة عسكرية يهودية تحتل المدينة المنورة و تفعل كذا و كذا ... مما لا يستطيع القلم أن يسجله لفظاعته .

فلما أطلع الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله على هذا المقال غضب غضبا شديدا و استدعى السفير الأميركي و حدثه في شأنه , فأعتذر السفير و قال : أن بن هخت رجل غير مسئول رسميا .

و قد تحدثت شخصيا مع الملك عبد العزيز في موسم الحج سنة 1368 هـ ( 1949 ميلادية ) في شأن بن هخت و مقاله .

و مما يحزن المرء و يحز في نفسه أن كثيرا من زعماء العرب لا يأبهون لهذه المطامع اليهودية , و لا يقيمون لها كبير وزن , كما كانوا يسخرون من اليهود و يستخفون بخطرهم قبل كارثة فلسطين .

هذا موجز عن الفكرة الصهيونية و المطامع التي تهدد كيان الأمة العربية كلها .

و قد استطاع اليهود أن يحققوا حتى الآن جانبا من خطتهم المرسومة , فاستولوا بمساعدة الاستعمار على القسم الأكبر من فلسطين , و بذلك قطعوا كل صلة أرضية بين البلاد العربية في إفريقية و أسيا , ( و هم يحاولون الآن أن يقطعوا الصلات البحرية و الجوية ) و أصبحوا خنجرا مسموما في جسم الأمة العربية و مخلب قط في يد الدول الاستعمارية تطعن به الدول العربية حينما تشاء وفق مصالحها .

بريطانيا أغرت يهود العالم بالهجرة إلى فلسطين كيف نقضت بريطانيا عهودها المتكررة للعرب فشل الإنجليز – رغم وسائل التعذيب الوحشية – في حمل الفلسطينيين على الرضوخ

السؤال التاسع

ما هي أهداف السياسة البريطانية في الأقطار العربية و العالم الإسلامي ؟

و ما هي الخطة التي سارت عليها في تنفيذ سياستها المرسومة في فلسطين ؟

الجواب

للسياسة الإنجليزية خطة قديمة , بعيدة المدى , عميقة الغور , لا حيال فلسطين وحدها , بل حيال البلاد العربية عامة , و الشرق الإسلامي قاطبة .

فأن انجلترا منذ تمكنت من قهر أسبانيا و احتلال جبل طارق عام 1115 هـ ( 1704 م ) و ولجت من هذا الباب إلى البحر الأبيض المتوسط الزاخر بالثروات العظيمة , و التجارة الواسعة , و الذي لا يدانيه بحر آخر في موقعه الجغرافي و الحربي الممتاز , أزداد نشاط شهوتها الاستعمارية فشرعت بالعمل لتحقيق مطامعها في هذه الأقطار و الشواطئ التي يملك أكثرها العرب من جبل طارق حتى الاسكندرونة .

و كان يسيطر على معظم هذه الشواطئ الأفريقية و الأسيوية و الأوربية , الإمبراطورية العثمانية التي كانت تحكم أقطار شاسعة في القارات الثلاث المحيط بالبحر الأبيض و تملك معظم شواطئ ذلك البحر , فكانت بذلك العقبة الكبرى في سبيل المطامع الاستعمارية .

مساعي بريطانيا لتحطيم الدولة العثمانية

و لا يتسع المجال هنا لبسط الوسائل الشيطانية التي توسلت بها انجلترا , و تعاونها مع فرنسا و روسيا القيصرية حينئذ , ثم مع غيرهما من الدول الأوربية , لتحطيم الدولة العثمانية و احتلال بلادها قطرا قطرا إلى أن تمكنت من احتلال مصر عام 1299 هـ ( 1882 م ) فأتخذ منها الإنجليز مركزا رئيسيا في الشرق العربي لدوائر استخباراتهم البارعة , و دعايتهم الواسعة و لإلقاء شباكهم الاستعمارية في أقطار الإمبراطورية العثمانية , و لاسيما في البلاد العربية .

و عني الاستعمار البريطاني بالبلاد العربية خاصة لما لها من التأثير على العالم الإسلامي , و لما تشتمل عليه من أقطار واسعة ذات ثروات عظيمة و طرق تجارية و مواقع جغرافية و حربية ممتازة .

إخطبوط الاستعمار في البلاد العربية

و إنه ليخزننا أن نرى إخطبوط الاستعمار البريطاني أستطاع أن يستفحل و يتوغل في كثير من البلاد العربية حتى أطراف الجزيرة كالبحرين و مسقط و البحرين و قطر و الكويت و حضر موت و عدن و لحج وسائر المحميات في جنوب جزيرة العرب .

هذا عدا استمراره على مواقفه البغيضة المؤذية في مصر و السودان و الأردن و العراق و ليبيا .

و ما نشاهده من عدوانه و وسائله في اليمن و البر يمي و سوريا و غيرها . أما فعلته الشنعاء و جريمته النكراء في فلسطين ففي غنى عن أي بيان , و سيظل جرحها يدمي و ينغر على مدى الزمان .

فالاستعمار البريطاني الذي أرغم على الخروج من الهند و باكستان و بورما و سيلان , و تقلقل مركزه في الملايو , و تقلص نفوذه في إيران و سائر البلاد الأسيوية , لم يبق يرزح تحت كلكله إلا العرب في آسيا و أفريقية , و حسبهم ذلك ذلا و عارا .

أما سائر الشعوب الأفريقية الباسلة فأنا نراها أخذة بمكافحة الاستعمار الذي يحاول تعويض إمبراطوريته المفقودة في آسيا بإمبراطورية أخرى في إفريقية .

الانجليز يقضون على إمبراطورية المغول

لقد احتلت بريطانيا الهند و وطدت أقدامها فيها و تمكنت بدسائسها و مكايدها من القضاء على الإمبراطورية المغولية الإسلامية التي أستمر حكمها قرونا طوية في تلك الأقطار الشاسعة التي أخذت تحتل البلاد العربية الواقعة على طريق الهند تأمينا لطرق مواصلاتها , و تثبيتا لأقدامها في إمبراطوريتها الأسيوية العظمى فلما خرجت بريطانيا من الهند قبل بضع سنوات , لم تبقى لها حجة في احتلال الأقطار الواقعة على طريق الهند , و لكنها المطامع الاستعمارية الجشعة التي تحرص بريطانيا عليها في الأقطار العربية من أسيوية و إفريقية , و ما هي إلا حجة الذئب المفترس على الحمل الوديع ..

موقف إنجلترا من فلسطين

أما موقف إنجلترا من قضية فلسطين فواضح , و قد تكشف بعض التمحيص حتى بدا على حقيقته عاريا مفضوحا للناس أجمعين .

ففي عام 1916 خلال الحرب العالمية الأولى , قطعت إنجلترا للأمة العربية عهودا باستقلال جميع البلاد العربية المنسلخة عن تركيا بما فيها فلسطين , و هي معروفة بعهود " ما كما هون " الذي كان معتمدا لانجلترا في مصر ثم اضطرت لتعزيزها بوعد آخر من اللورد بلفور وزير الخارجية البريطانية " و هو صاحب التصريح المعروف بتصريح بلفور المشئوم الذي أعطاه لليهود في 2 نوفمبر 1917 "

معاهدة سيكس – بيكو بتقسيم البلاد العربية

و بيان ذلك أن الشيوعيين لما و ثبوا على روسيا القيصرية و غلبوا على أمرها و استولوا على مقاليد الحكم فيها , أذاعوا جميع المعاهدات و الوثائق السرية التي كانت لدى وزارة خارجية روسيا القيصرية , و كانت من بينها معاهدة سيكس – بيكو السرية المعقودة في مارس 1916 بين انجلترا , و فرنسا و التي تنص على تقسيم الدولة العثمانية , بما فيها البلاد العربية بين كلتا الدولتين المستعمرتين , فبمقتضى تلك المعاهدة يكون لانجلترا العراق و فلسطين و غيرهما من بلاد العرب , و يكون لفرنسا سورية و لبنان .

و كانت الثورة العربية قد نشبت في الحجاز بقيادة شريف مكة المرحوم الحسين بن علي على إثر العهود التي قطعتها بريطانيا باستقلال العرب و استغلها الانجليز و حلفاؤهم أيما استغلال .

فلما افتضح سر معاهدة سيكس – بيكو و حصلت الحكومة الألمانية على نصوصها سارعت بإرسالها إلى حليفتها الدولة العثمانية , و هذه أرسلتها إلى الأمير فيصل بن الحسين " الملك فيصل بعدئذ " فأرسلها إلى والده الملك حسين مع رسالة خلاصتها : الآن و قد ظهر خداع الحلفاء و لم يبق مجال للثقة بعهودهم فأن الدولة العثمانية تتعهد بإرضاء للعرب بإقامة دولة تركية عربية متحدة .

و كان الأمير فيصل في ذلك الحين يميل إلى قبول حل كهذا .

و لكن النتيجة كانت إرسال هذه الرسائل إلى الانجليز مع الاستيضاح عن حقيقة الأمر .

و شعر الانجليز بغضب العرب لغدرهم بهم , و خشوا أن يعقدوا مع الأتراك صلحا منفردا , فأوفدت وزارة الخارجية البريطانية المستر " هوغارث " مبعوثا خاصا إلى الحجاز لتهدئة روع العرب و إقناعهم بأن ما أذيع حول المعاهدات السرية ليس صحيحا , كما بادرت وزارة الخارجية البريطانية إلى إرسال برقية مطمئنة تنفي فيها صحة الخبر و تأكد فيها عهودها السابقة بتحرير البلاد العربية و استقلالها , و قد حملها إلى الملك حسين , الكولونيل " باست " نائب المعتمد البريطاني في جدة و هي مؤرخة في 8 فبراير 1918 .

بلفور يقطع عهدين متناقضين

فهذه البرقية المرسلة من وزارة الخارجة البريطانية لها أهمية خاصة لأنها جاءت مؤكدة لعهودها بعد ظهور معاهدة سيكس – بيكو , و لأنها صادرة من وزير الخارجية اللورد بلفور , الذي هو نفسه صاحب التصريح المعروف بتصريح بلفور , و بذلك يكون بلفور قد قطع عهدين متناقضين أحدهما لليهود في 2 نوفمبر 1917 و الآخر للعرب في 8 فبراير 1918 .

عرب فلسطين يثيرون القضية أمام لجنة التحقيق

و لم يكن أمر هذه البرقية شائعا إلى أن نشبت ثورة فلسطين عام 1919 بسبب عدوان اليهود على مكان البراق النبوي في السور الغربي للمسجد الأقصى في القدس فلما صدى العرب عدوان اليهود و هزموهم و جاء الانجليز بلجنة " شو " للتحقيق , و جد عرب فلسطين أن الفرصة قد سنحت لإثارة قضيتهم و إظهار أهمية العهود المقطوعة من انجلترا للأمة العربية .

برقيتي و كتابي إلى الملك حسين و جوابه عليهما

فأبرقت إلى المرحوم الملك حسين الذي كان حينئذ منفيا في جزيرة قبرص ثم أرسلت إليه كتابا رجوته فيه أن يتفضل بإرسال كل ما يحتفظ به من عهود و وثائق للإفادة منها أمام لجنة التحقيق البريطانية فرد على جلالته برقيا بالإيجاب ثم شفع برقيته بكتاب منه مؤرخ في 30 جمادى الآخرة سنة 1348 صادر عن مدينة نيقوسيا بقبرص حيث كان يقيم , و أرفق بكتابه صورة فوتوغرافية لبرقية اللورد بلفور , الذي كان وزيرا للخارجية البريطانية حينئذ , و التي حملها إليه الكولونيل باست , و لغيرها من الوثائق و المستندات .

ثم كتبت إلي المرحوم الملك حسين كتابا آخر بتاريخ 15 رجب 1348 ( الموافق 26 ديسمبر 1929 ) رجوته فيه أن يتفضل بإرسال بيانات و تفصيلات أخري .

فأجبني رحمه الله بكتاب آخر مؤرخ في 23 رجب 1343 و أرفق به صور المراسلات التي دارت بينه و بين السير هنري مكماهون بشأن استقلال البلاد العربية و توكيد الإنجليز لهذا الاستقلال الذي حنثوا بعهودهم المقطوعة بشأنه و لاسيما ما كان منها متعلقا بفلسطين .

العبرة في حادث الملك حسين

و عل ذكر قبرص التي نفي الإنجليز الملك حسين إليها ، أورد القصة التالية ففيها عبرة و ذكري لأولي الألباب  : حينما قطع الإنجليز عهودهم المعروفة بعهود مكماهون للملك حسين كان السر رونالد ستورس مستشارا شرقيا في دار المعتمد البريطاني بقصر الدوبارة بالقاهرة ، و كان هو الذي تولي نقل أكثر المخابرات بين مكماهون و الملك حسين , فتظاهر بالإخلاص للملك حسين و تصنع الصداقة الوثقى له و كان يطلق عليه في مكاتباته و مخاطباته لقب صاحب الجلالة ملك العرب و يعده و يمينه .

فلما انتهت الحرب و ألح الملك حسين مطالبا بتنفيذ العهود التي قطعت له قامت مشادة بينه و بين الانجليز و انتهى الأمر بحمله منفيا إلى جزيرة قبرص على ظهر سفينة حربية إنجليزية وإذا به يلقى ستورس حاكما عليها فلبث فيها بضع سنين لقي فيها من قسوة الإنجليز عامة و من هذا الصديق القديم المزعوم خاصة و من سوء معاملته ما لا يتسع المجال لبسطه .

و قد سمعت طرفا منه من المرحوم الملك حسين نفسه لما عاد من قبرص إلى البحرين مريضا عام 1932, كما ذكر لي خلال مرضه الأخير هذا , خيبة آماله في عهود المستعمرين و وعودهم وأن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار .

مقارنة بين عهد عمر و عهد الإنجليز

دخل الإنجليز القدس في 9 ديسمبر عام 1917 بقيادة الجنرال اللنبي متأبطين شرا , متأبطين وعد بلفور المقطوع لليهود في 2 نوفمبر 1917 غير آبهين لوعود دولتهم التي قطعها مكماهون للعرب عام 1916 و لا بوعد بلفور الثاني المقطوع للعرب أيضا عام 1918 فما كادت أقدامهم توطد في فلسطين حتى شرعوا في فتح أبوابها لهجرة يهودية واسعة النطاق .

و من الطرائف التاريخية أن العرب عندما جاءوا القدس فاتحين عام 15 , للهجرة قطع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عهده المشهور للبطريرك صفر ونيوس – الذي كان يمثل نصارى القدس – الذي أمنهم فيه على جميع حقوقهم الشرعية و ألقى فيهم خطبة أفتتحها بقوله : " يا أهل إيلياء ( القدس ) لكم ما لنا و عليكم ما علينا " و اشتمل عهده لهم على أن لا يسكن معهم في القدس أحد من اليهود وفقا لطلبهم , و وقع ذلك العهد و أشهد عليه كبار قواده , و ظل ذلك العهد مرعيا نافذا بكل دقة و إخلاص نحو ثلاثة عشر قرنا .

و هو محفوظ إلى يومنا هذا لدى السلطات الدينية الأرثوذكسية لكنيسة القبر المقدس في القدس وظل أجدادنا محافظين على هذا العهد رغم توالي الأحداث و تقلب الزمان .

الإنجليز ينقدون عهودهم للعرب

لكن الإنجليز نقضوا عهدهم للعرب و لم يجف مدادها , فما أعظم الفرق بين الفريقين ! و قد تولت إنجلترا الانتداب على فلسطين عمليا يوم احتلالها فلسطين و تمت المصادقة الرسمية على هذا الانتداب من عصبة الأمم في يوليو 1922 .

و قد فرض صك الانتداب على إنجلترا المحافظة على سكان البلاد وحفظ مصالحهم و حقوقهم .

كما أن ملك بريطانيا وجه منشورا إلى الفلسطينيين العرب عام 1920 جاء فيه ما يأتي :

" إن رغبتي هي أن أؤكد لكم أن العدل و البعد عن التحيز في أدق معانيهما سيكونان رائد حكومي في عملها على احترام حقوق العناصر و المعتقدات التي تمثلونها "

جورج الملك – الإمبراطور

لكن الحكومة الإنجليزية عملت لصالح اليهود فحسب , و بذلت كل الجهود السياسية و الاقتصادية و العسكرية لتقويض كيان العرب الذين اضطروا فيما بعد للقيام بثورات عديدة ذودا عن حياضهم و طلبا لحريتهم , فكانت إنجلترا ترسل لجان التحقيق لتخديرهم ثم تستأنف السير في سياستها الظالمة الغاشمة .

بريطانيا تغري اليهود

و اتضح أن بريطانيا هي التي كانت تغري اليهود بالهجرة إلى فلسطين ليكونوا أعوانا لها في سياستها الاستعمارية , فقد حدث عندما نشر البلاشفة الوثائق و المستندات التي حصلوا عليها عندما استولوا على نظام الحكم في روسيا القيصرية , أن كان بينها وثيقة ذات أهمية خاصة في الموضوع الذي نحن في صدده , و بيانها أن السير ادوارد غراي الذي كان وزيرا لخارجية بريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى , أرسل إلى السير جورج بيوكانان سفير بريطانيا في روسيا , برقية يطلب فيها منه أن يعرض على وزير خارجية روسيا " سازونوف " اقتراحا بالعمل على تسهيل هجرة يهود روسيا إلى فلسطين و أن بريطانيا و فرنسا – متى وقعت فلسطين نتيجة الحرب في منطقة نفوذهما – تكفلان للشعب اليهودي مركزا ممتازا و تسهيلات في الهجرة و الاستعمار و أن من رأي بريطانيا أن الاتفاق على تنفيذ هذا المشروع يكون إغراء شديد لأكثرية اليهود و يؤدي إلى اكتساب العناصر اليهودية , في الشرق و الولايات المتحدة الأميركية و غيرها , إلى جانب قضية الحلفاء .

و قد أرسل السفير البريطاني في بتروغراد هذه البرقية في مذكرة منه مؤرخة في 13 مارس 1916 إلى وزير الخارجية الروسية , و نشرتها جريدة " راسفت" Rasvjet الروسية اليهودية التي تصدر في باريس بتاريخ 4 يناير سنة 1925 نقلا عن كتاب " اقتسام تركيا الأسيوية بحسب الوثائق السرية لوزارة الخارجية " الذي نشرته القوميسارية السوفياتية للشئون الخارجية .

توجيهات حكومة لندن لموظفيهافي فلسطين

و كانت حكومة لندن المركزية توجه موظفيها البريطانيين توجيها خاصا لتنفيذ المؤامرةاليهودية الاستعمارية ضد العرب .

و أني لأذكر برهانا على ذلك " و البراهين كثيرة " ما رواه لي الأستاذ جورج انطونيوس الذي كان في السابق من كبار موظفي حكومة فلسطين خلال عهد الانتداب أنه حينما اشتدت ثورة عام 1936 و كان من أسبابها أن المندوب السامي الجنرال واكهوب فتح باب الهجرة لليهود على مصراعيه حتى بلغ عدد المهاجرين المسجلين رسميا في عهده نحو مائتي ألف يهودي , هذا عدا المهاجرين السريين , فلما لامه انطونيوس على ذلك أجابه بقوله : ماذا صنع ؟ .

أن رئيس الوزراء مستر رامزي ماكدونالد حينما و دعته عند سفري إلى فلسطين لأتسلم زمام عملي قال لي : ابذل كل جهودك لاسترضاء اليهود , و أعمل كل ما تستطيع لمنع شكواهم .

أما نصيحة وزير المستعمرات له حينئذ فكانت أرضاء اليهود بالسير وفق خطة إنشاء الوطن اليهودي , و إرضاء زعماء العرب بالاستجابة إلى مطالبهم الشخصية فقط , و لكنه كان يضيق ذراعا و يحمر وجهه عندما يقابله الذين ليس لهم مصالح شخصية من العرب و يطالبونه بتحقيق المصلحة العربية العامة .

شهادة وزير المستعمرات للعرب

بمثل هذا التوجيه في الإدارة , و بالتفريق و الإغراء و الخداع حينا . و أحيانا بالعنف و القسوة , وجه الانجليز سياستهم في فلسطين و أخذوا الوطنيين العرب بالشدة و توسلوا بالوسائل الوحشية ضد المجاهدين و المناضلين من أهل فلسطين بالقتل و التعذيب و الإحراق بأسياخ الحديد المحماة , و الإرغام على الجلوس فوق مواقد التدفئة المستعرة , و في داخل الثلاجات , و غير ذلك من وسائل البغي و العدوان و النهب و السلب .

ورغم ذلك كله صمد الفلسطينيون و صبروا و صابروا و أبدوا من ضروب البسالة في قراع الاستعمار و مكافحة الغزوة اليهودية ما سجله لهم تاريخ الجهاد في صفحاته الخالدة , و ما حمل وزير المستعمرات حينئذ مستر مالكو لم ماكدونالد على التصريح في مجلس العموم البريطاني سنة 1938 عند البحث عن أسباب و دوافع ثورة عرب فلسطين معترفا بأن ثورتهم وطنية صادقة و بريئة من الشوائب و أن التحقيقات الرسمية التي قامت بها الحكومة البريطانية أثبتت ذلك و أن الفلسطينيين قاموا بثورتهم اعتمادا على إيمانهم بقضيتهم , وعلى بسالتهم رغم أن جميع أسلحتهم كانت من الأسلحة القديمة البالية .

بريطانيا تسلم فلسطين لليهود

و قد أوجزت في حديث سابق حالة فلسطين عند الاحتلال البريطاني و كيف وقعت في مصيبة مزدوجة بين براثن بريطانيا الظالمة , و بين مخالب اليهودية العالمية الغاشمة , و كلتاهما لا تقيم للحق و العدل وزنا و لا تعرف للرحمة معنى .

و قد مضت بريطانيا و اليهود في تنفيذ خطة التهويد بسرعة عظيمة .

و يؤخذ مما جاء في مذكرات وايزمان " أن اليهود اتفقوا مع بريطانيا قبل الحرب العالمية الأولى و قبل احتلالهم لفلسطين على خطة التهويد , و أن انجلترا و عدت بتسليم فلسطين لليهود خلال مدة تتراوح بين عشرة أعوام و خمسة عشر عاما و لكن المقاومة العربية التي لم تكن متوقعة بهذه القوة حالت دون ذلك في المدة المحددة " .

تسخير الحكومة لتهويد فلسطين

فبريطانيا التي تعهدت في بدء الاحتلال بإجراء العدل و المحافظة على مصالح أهل فلسطين المنصوص عليهما حتى في تصريح بلفور و صك الانتداب , عملت عكس هذا تماما في كافة الشئون السياسية و الاقتصادية و التشريعية و الثقافية و غيرها فاعترفت بالمنظمات اليهودية و الكيرن كايمت و الكيرن هايسود و غيرها و شجعتها و تعاونت معها على تنفيذ رغباتها بحجة أن المادة الثانية من صك الانتداب تنص على " وضع البلاد في حالات سياسية و أدارية و اقتصادية تسهل إنشاء الوطن القومي لليهود " وسخرت جهاز الحكومة كله لتنفيذ هذه السياسة بسن القوانين و الأنظمة الإدارية و القضائية و المالية التي تتحقق أهداف اليهود و لا سيما ما كان منها متعلقا بالهجرة و الأراضي و الزراعة و التجارة و الاقتصاد و التعليم و الأمن العام و غيرها .

و حكمت بريطانيا عرب فلسطين حكما استعماريا مباشرا في جليل الشئون و حقيرها حتى ضج بعض المنصفين من الانجليز أنفسهم من تلك السياسة الجائرة.

وكان أول مندوب سام لبريطانيا على فلسطين يهوديا هو السير هربرت صموئيل كما أن النائب العام الذي بيده التشريع القضائي و السيطرة على المحاكم كان يهوديا هو المستر نورمان بنتويتش .

و كان مدير دائرة المهاجرة و السفر " حاييم سون " يهوديا أيضا , بالإضافة إلى كثير من كبار الموظفين اليهود في حكومة الانتداب الانجليزية .

و منحت بريطانيا اليهود معظم أراضي الدولة في فلسطين و مقداره نصف مليون دو نم دون مقابل , كما منحتهم الامتياز باستغلال الكهرباء لكل فلسطين , و هو معروف بامتياز روتنبرغ , و كذلك امتياز استثمار البحر الميت الذي قدر الخبراء ما فيه من الثروة بأربعة عشر مليارا من الجنيهات .

و قد قال هربرت صموئيل الذي أصبح فيما بعد رئيسا لمجلس إدارة شركة البحر الميت , إن في هذا البحر من البوطاس و المعادن و الثروة ما يزيد أضعافا مضاعفة عما أنفقه كل من الحلفاء و خصومهم في الحرب العالمية الأولى .

و منحتهم أيضا كثيرا من الامتيازات , و فتحت لمهاجرين أبواب فلسطين حتى رفعت عددهم من خمسين ألف يهودي في بدء الاحتلال إلى نحو سبعمائة ألف في عام 1947 أي أنها زادتهم نحو خمسة عشر ضعفا خلال ثلاثين عام , وكانت هذه الزيادة علي حساب العرب الذين أخرجوا من ديارهم و قوض كيانهم و هدمت مئات من مدنهم و قراهم .

وبنتيجة هذه السياسة الظالمة أخرجت بريطانيا نحو مليون عربي من فلسطين و شردتهم في الآفاق و مكنت اليهود من الاستيلاء على أراضيهم و ممتلكاتهم و ثرواتهم التي لا تقل عن ألفي مليون من الجنيهات وفق تقرير لجنة الخبراء الماليين التي ألفتها الهيئة العربية العليا لفلسطين .

أما المشروعات العربية فقد كان الانجليز يقاومونها بمختلف الوسائل .

و أذكر مثلا على ذلك أنه لما عقد المؤتمر الإسلامي في القدس عام 1931 الذي شهدته صفوة مختارة من زعماء العالم الإسلامي , كان من جملة مقرراته إنشاء جامعة في القدس تجمع لها الأموال و يشتري بها أراضي توقف عليها فيكون النفع بذلك مزدوجا , وسافر لتحقيق هذه الغاية وفد من أعضاء المؤتمر إلى الهند كان من أعضائه الأستاذ السيد محمد علي علوبة , و عند وصولنا ألفنا لجنة من أعظم زعماء مسلمي الهند لجمع التبرعات و تبرع للمشروع نظام حيدر أباد بمليون روبية و تبرع سلطان البهرة و بعض جماعته بنصف مليون , و تعهد أمير بهو بال و غيره بمبالغ كبيرة , و كان نجاح الوفد باهرا وتوقع أن يجمع بضعة ملايين .

و لكن انجلترا التي كانت لها السيطرة على الهند سارعت على مقاومة المشروع و تمكنت من إحباطه فقد أعلمني سكرتير اللجنة " فيروز خان نون " الذي كان يومئذ وزير معارف البنجاب انه اطلع على تعليمات واردة من حكومة لندن إلى اللورد " ولنجتون " نائب الملك خلاصتها أن يعامل وفد المؤتمر الاسلامي بالاحترام و العناية الشخصية , و أن يحال بكل الوسائل دون نجاح مهمته لأن من شأنها أن تعرقل سياسة حكومة جلالته في فلسطين .

أي أن نجاح الوفد في جمع الأموال سيؤدي إلى إنقاذ أراضي فلسطين وسيزاحم اليهود في شرائها . و بالفعل فقد منع الانجليز خروج الأموال من الهند و أحبطوا مهمة الوفد .

و صفوة القول أن انجلترا اختطت في فلسطين خطة من الكيد و العسف و الظلم لا مثيل لها , و خانت الأمانة بصفتها منتدبة من قبل عصبة الأمم و مسئولة عن صالح أهل فلسطين و المحافظة على كيانهم و صيانة حقوقهم .

و لئن عجزنا اليوم عن سوقها غلى محكمة عدل دولية منصفة فأن الله العادل القهار سيحكم على الظالمين حكما عادلا يزعزع أركانهم ويقوض بنيانهم .و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .سياسة بريطانيا قائمة على أساس ضمان مصالحها الاستعمارية لماذا تنصر انجلترا اليهود

مصالحة العرب لليهود انتحار للأمة العربية

السؤال العاشر

ا – هل تعتقدون بأن في الإمكان حمل بريطانيا بالوسائل , السياسية و بالدعاية على العدول عن سياستها الاستعمارية و اليهودية في فلسطين و البلاد العربية ؟

ب – ما رأيكم في أمر عقد الصلح بين العرب واليهود الذي تلح في عقده انجلترا و أميركا و في ما يدعي من أن عقد الصلح يضع حدا للمطامع اليهودية , و يؤدي إلى حل سائر القضايا العربية المعلقة مع الدول الاستعمارية ؟

الجواب

لا أعتقد أن الأساليب الدبلوماسية و وسائل الدعاية كافية لتحويل بريطانيا عن سياستها الاستعمارية وجبلتها الفطرية , فالانجليز قوم يعيشون في جزر لا يكفي ناتجها لتموين شعبها أكثر من ستة أسابيع , إلى ثمانية .

أما مؤونة الشهور العشرة الباقية في السنة فهم مضطرون للحصول عليها من خارج بلادهم .

و قد جعلتهم طبيعة جزرهم الفقيرة يعولون بادئ الأمر في معيشتهم على صيد الأسماك ثم أخذوا يوغلون في البحار طلبا للرزق , ولا يتورعون في سبيل معيشتهم عن المغامرة و الغزو و القرصنة التي تطورت فيما بعد إلى غزوات استعمارية منظمة قوامها أسطولهم البحري الذي بالغوا في تقويته يوما بعد يوم .

و من تتبع تاريخ الإنجليز , أيقن أن طبيعة بلادهم كان لها التأثير الأول في رسم مناهج حياتهم الذي وضع على أساس الغزو و الاستعمار .

و قد كانت وجهتهم الأولى الأقطار المجاورة لهم من أوربا فاشتبكوا معهم في حروب ومنازعات انتهت بطردهم من تلك الأقطار التي استعصت عليهم و قاومتهم بشدة , ثم كانت وجهتهم نحو أميركا التي قاومتهم أيضا و طردتهم فجلوا عنها .

و كذلك اتجهوا شطر البلاد العربية و الشرق بعدما تمت لهم الغلبة على الأسطول الاسباني في معركة الأرمادا ثم بع امتلاكهم جبل طارق عام 1704 و دخولهم منه إلى البحر الأبيض .

فالاستعمار عند الإنجليز حاجة ملحة , وطبيعة متحكمة .

ومكلف " الأقوام " ضد طباعها

متطلب في الماء جذوة نار

فهم يكفلون به حياتهم و نفقات أسطولهم و جيوشهم , و يضمنون لأنفسهم و أهاليهم خفض العيش و الثراء العظيم و القوة و المتعة , فكيف يتحولون أذا عن الاستعمار طوعا و اختيارا , و أي الأقوام يستعمرون بعد ما صدتهم أوربا وأميركا عنها و لا سيما بعد ما جلوا مكرهين عن معظم الأقطار التي كانوا يسيطرون عليهم في أسيا كالهند و باكستان و بورما و سيلان , و بعدما تلاشى نفوذهم في الصين و إيران و أخذ ظلهم يتقلص عن بلاد الملايو ؟ أنهم لم يجدوا أهون عليهم وأسلس قيادا لهم من الأقطار العربية في بقية أسيا و في أفريقية التي استخذت لسلطانهم واستكانت لاستعمارهم و استمرأت مرعى الذل و الهوان!

و من ظن أن انجلترا تعدل سياستها و تطوي شباكها الاستعمارية بالدعاية بالأساليب السياسية و استثارة عاطفتها الإنسانية فقد ضل ضلالا بعيدا , فأن هذه الدولة الداهية لا تتأثر مطلقا بالعاطفة لأنها لا ترتجل سياستها ارتجالا بل تسير بها وفق خطة مدروسة درسا عميقا , وممحصة تمحيصا دقيقا من الخبراء المجربين ذوي الدربة و الرأي , ثم تقر لها سياسة ثابتة قائمة على أساس ضمان مصالحها قبل كل شيء و لا تحيد عنها إلا لأسباب و عوامل قوية تضطرها إلى التعديل أو ترغمها على التبديل , كأن ترى في الأمة العربية وعيا صحيحا , و تلمس فيها عزيمة قوية لا يتطرق إليها وهن , و توقن أنها مصممة تصميم المستميت على بلوغ أهدافها وغاياتها , فعندئذ تيأس انجلترا من استعمارها للأمة العربية و تخرج من أقطارها مرغمة كما خرجت من الهند و [بباكستان]] و سائر الأقطار التي تكونت منها إمبراطوريتها الأسيوية الغابرة .

لماذا تناصر إنجلترا اليهود تأثر الشعب البريطاني بالتوراة

أما عدول انجلترا عن مناصرتها للصهيونية فهو بعيد لأسباب كثيرة أهمها ما يأتي :

ا – التأثير الروحي الديني للتوراة " العهد القديم " على البروتستانتية , الدين الرسمي لانجلترا , التي كانت أول دولة احتضنت القضية الصهيونية و آمنت بدعوتها و عملت ما في وسعها لتعزيز فكرتها و مبادئها , و قد أوضح هذه الناحية من نواحي القضية الصهيونية , الزعيم اليهودي ويزمن إذ يقول في مذكراته : ( أن السبب الرئيسي لفوز اليهود في الحصول على وعد من بريطانيا بإنشاء الوطن القومي اليهودي هو شعور الشعب البريطاني المتأثر بالتوراة ) ومعنى هذا أن العقيدة البروتستانتية التي يعتقنها الانجليز والأميركيون تستند على العهد القديم " التوراة " التي جاءت فيها نبوءات بعودة اليهود إلى فلسطين و التي فسرت و استغلت لصالح اليهود , ويؤيد ذلك ما وصف به تشرشل نفسه من أنه " صهيوني أصيل وأنه يصلي بحرارة لتحقيق أهداف الصهيونية العظيمة ..."

تعاون الانجليز و اليهود

ب – اعتقاد الإنجليز أن صالحهم يقضي عليهم بالتعاون مع اليهود في الظرف الحاضر كما تعاونوا معهم في الماضي , فقد كان ثمة تفاهم و أتفاق بين الفريقين على أن تقوم انجلترا بحماية اليهود و مساعدتهم في أطار العالم , و يقوم اليهود مقابل ذلك بترويج تجارتها و صناعتها و أمدادها بالأخبار و الأسرار التي يتمكنون من الحصول عليها لتفرقهم في سائر أرجاء الأرض , و بالدعاية لهم وعضدهم ماليا .

و ما كان عمل دزرائيلي رئيس وزراء انجلترا اليهودي و إشتراؤه لحساب الدولة الانجليزية حصة كبيرة من أسهم قناة السويسبمساعدة بيت روتشيلد المالي اليهودي الشهير إلا من هذا القبيل .

الانجليز يخشون يقظة العرب و يعملون لتسليم القدس لليهود

ج – خشية الإنجليز من يقظة العرب و ازدياد قوتهم إذا تخلت انجلترا عن مساعدتهم للصهيونية , و عندئذ يتعذر عليها استعمار بلادهم و السيطرة عليهم سياسيا و اقتصاديا و ثقافيا , فهم لذلك مصممون على تحقيق الأهداف الاستعمارية و الصهيونية .

و مما يدل على ذلك مل يبذلونه من جهود خطيرة ومساع حثيثة لتقوية اليهود في فلسطين و التمهيد لهم للاستيلاء على مدينة القدس و بقية فلسطين ثم شرق الأردن بعدها فغيرها من البلاد العربية و قد بدا بجلاء و وضوح للجميع ما توسلت به انجلترا من وسائل سياسية وضغط اقتصادي على مدينة القدس لحمل أهلها على الجلاء عنها بالتدريج , و نقل دوائر الحكومة الرئيسية منها إلى البحرين في الحين الذي كان اليهود فيه ينقلون دوائر حكومتهم من تل أبيب إلى القدس ليتخذوا منها عاصمة لدولتهم .

و الذي أعرفه أن المرحوم الملك عبد الله كان راغبا لاتخاذ القدس عاصمة لحكومته فلما عارضه الانجليز في ذلك حاول أن يجعل العاصمة " رام الله " و هي في ضواحي القدس وتبعد عنها 18 كيلو متر فلم يسمح له الانجليز بهذا أيضا و أمروا بنقل جميع المصالح و الإدارات الكبرى الفلسطينية إلى البحرين , حتى مديرية الأوقاف .

و من المحزن أن المساعي التي قامت بها الحكومة الأردنية لإنعاش القدس إنعاشا اقتصاديا وعقد بعض جلسات مجلس الوزراء و مجلس النواب فيها لم تستمر و لم تجد فيها نفعا لأن السياسة الاستعمارية اليهودية المبيتة للقدس و أهلها لا تزال هي المسيطرة و المتغلبة .

كما أن الجيوش البريطانية المرابطة في قناة السويسو السودان و الأردن و العراق و ليبيا و مالطة و قبرص هي التي تحمي إسرائيل و تحول دون مقاومتها و القضاء عليها .

الطابور الانجليزي الخامس في البلاد العربية

و حسب الأمة العربية ما عانته من تجارب طويلة مريرة .

و لو كانت الوسائل السياسية و الدعاية تؤثر في انجلترا لرأينا جدواها في البلاد العربية التي ابتليت باستعمارها منذ القديم , فلا يجوز للعرب أن يلدغوا من هذا الجحر مئات المرات , و أن ينطلي عليهم مثل هذه الخزعبلات التي لا ينجح لها إلا أحد رجلين :

1 – مغفل لا يعقل و لا يعتبر , و لا يميز الخبيث من الطيب و النافع من الضار , و قد أخذت عليه سبيله و ملكت لبه الدعاية الاستعمارية و الثقافية الانجليزية التي صبغته بصبغتها و صهرته في بوتقتها فأصبح مخدرا بها أو منوما بمغناطيسها .

2 – عامل من عمال انجلترا و تابع من أتباعها ممن ماتت ضمائرهم و عاشت أطماعهم الخسيسة و رانت أوزارهم على قلوبهم فهم لا يرجعون .

هذا و لا ريب في أن انجلترا استطاعت خلال احتلالها الطويل لمصر و لبعض البلاد العربية , أن تنشئ جيلا من الناس ملكت عليهم ألبابهم , و احتلت قلوبهم و عقولهم , فهم صنائعها الذين صنعتهم بيديها وفق مصالحها بواسطة مدارسها و المؤسسات الأخرى لثقافتها و دعايتها و لا شك أن احتلال القلوب و العقول أبعد أثرا و أشد خطرا من احتلال الديار و المنازل , بل الحصون و المعاقل .

و قد عانت الأمة العربية من هؤلاء و أولئك بلاء عظيما وهما مقيما لأن كثيرين منهم نبذوا عقولهم و قلوبهم و ضمائرهم جانبا و أصبحوا طوع بنان المستعمرين ينظرون إلى انجلترا نظرة الخاضع الخاشع إلى مولاه أو نظرة المجنون إلى ليلاه و لسان حالهم يقول :

فات تسلمي نسلم , وأن تتنصري

يخط رجال بين أعينهم صلبا

أولئك هم علة العلل , و الطابور " الرتل " الخامس الذي يعيث فسادا في بلاد العرب .

و لا شك أن الطابور الخامس المؤلف من هؤلاء المسحورين بسحر انجلترا , و من الانهزاميين و النفعيين و الأعوان الخائنين لهو أشد العناصر خطرا على الأمة العربية .

و هناك فريق ثالث لا ينقصه الإخلاص و لكن تقصه التجربة و العبرة , و يخدعه من السياسة الانجليزية لين الأفاعي في ملمسها , و سعة حيلتها , و طول أناتها حتى لكنها تعمل بحكومة معاوية مؤسس الدولة الأموية في قوله : لو كان بيني و بين الناس شعره ما قطعت قط , فإذا شدوها أرخيتها , و إذا أرخوها شددتها .

فأن من دهاء انجلترا أنها لا تقطع رجاء من يكون لهم بها أي اتصال , و لا تدفعهم لليأس , بل تربطهم و لو بخيط واه من الرجاء فيظلوا معلقين في الهواء , و أني لأذكر كيف كان بعض الناس يستخفهم الفرح إذا سمعوا تصريحا لنائب أو قرءوا مقالا لكاتب في صحيفة انجليزية فيه انتصار لقضيتهم .

و لئن جازت علينا هذه الأوهام و المخادعات في الماضي فلن تجوز علينا بعد اليوم .

و لست أريد مما ذكرت من الحقائق التجني على انجلترا و التأليب عليها , و لكني أقصد تحذير العرب من الانخداع بالأوهام الاستعمارية بعد أن تبين لهم أنها سراب لا ماء فيه , و خداع لا خير فيه .

أما أذا بدلت انجلترا خطتها التدميرية حيال الأمة العربية و لزمت خطة الحياد في الصراع القائم بين العرب و اليهود على الأقل فلا شك أن العودة إلى إقامة الصلات الحسنة معها أمر مرغوب فيه كما هي الحال مع غيرها من الدول , فليس في السياسة أحقاد دائمة أو خصومات مستمرة لذاتها , و كل أمة حية واعية إنما تعادي أو تصادق وفقا لمصالحها .

مساعي انجلترا وأميركا لحمل العرب على مصالحة اليهود

إن مساعي الدول الغربية و لاسيما انجلترا و أميركا , لعقد صلح بين العرب و اليهود , قد اتخذت شكل الإلحاح و الإصرار .

فما انفك الإنجليز و الأميركيون و اليهود يلجئون إلى جميع الوسائل لتحقيق هذه الغاية .

و لعل من أفظع الوسائل التي لجئوا إليها مجزرة قرية ( قبية ) الوحشية التي دبر أمرها بليل ثم استغلها الإنجليز و الأمريكيون لاستصدار قرار من مجلس الأمن بضرورة إجراء مباحثات مباشرة بين الأردن و اليهود لتكون تلك المباحثات خطوة أولى نحو الصلح تتبعها خطوات أخرى مع سائر الدول العربية و الواقع أن الإنجليز و الأمريكيين و اليهود لا يكاد يشغلهم شاغل عن هذا الأمر فهم في مساعيهم لتحقيق رغبتهم الجامحة مدفوعون بعوامل الحرص على استبقاء الكيان اليهودي الذي أقامه في فلسطين على أنقاض شعبها العربي , وتحقيق استقراره و ازدهاره , لأنهم يعلمون حق العلم أن بقاء الكيان اليهودي الذي أوجدوه في فلسطين مستحيل ما دام العرب غير معترفين به و مقاومين له , وانه ما لم يعترف العرب بالدولة اليهودية و يتعاملوا معها فأن مصيرها إلى زوال محقق , طال الزمان أو قصر .

و لا عبرة بالمساعدات السياسية و المالية و العسكرية التي تقدمها انجلترا و أميركا لليهود فسينضب معينها يوما ما , و المهم أن يظل العرب متنبهين لدسائس اليهود و مطامعهم , عاملين على إحباطها .

مصالحة اليهود انتحار للأمة العربية

أما الصلح الذي يحاول الإنجليز و الأميركيون و اليهود عقده فأنهم يريدونه على أساس الآمر الواقع و الوضع الراهن في فلسطين و لا شك أن صلحا كهذا يعتبر انتحار للأمة العربية و قضاء مبرما على مستقبلها و استقلال أقطارها , بل هو عار يلحق بها مدى الزمن , و أعظم ضربة قاصمة تصيبها بعد كارثتها الفادحة بفلسطين , فهو ينطوي على اعترافها بالأمر الواقع الذي أسفر عن اقتطاع فلذة من كبد الأمة العربية و ضياع جزء من أجزاء العالم العربي و أقداسها و أكثرها أهمية عسكرية و اقتصادية , و النزول عنه لشعب دخيل طامع معتد .

فأية أمة من الأمم لديها مسكه من العقل أو ذرة من الشرف و العزة و الكرامة تقبل بمثل هذا ؟

و يعقب الصلح مع اليهود بطبيعة الحال , قيام مناسبات دبلوماسية , و علاقات اقتصادية و اجتماعية و غيرها , و يفسح المجال في الأقطار العربية ( التي يطمع اليهود في السيطرة عليها و ضم أقسام كبيرة منها إلى دولتهم ) للدعاية الاستعمارية , و الدسائس الصهيونية كما تفتح أمامها أسواق الأقطار العربية لتصنيف المصنوعات اليهودية و الإفادة مما فيها من المواد الخام التي تحتاج إليها الصناعات اليهودية .

و بعبارة أخرى يريد اليهود أن يجعلوا من فلسطين مركزا صناعيا عظيما في الشرق الأوسط و أن يجعلوا الأمة العربية مستهلكة لمصنوعات هذا المركز , لأن اليهود لا يستطيعون بطبيعة الحال أن يزاحموا صناعات أوربا و أميركا و يصدروا إليها مصنوعاتهم فليس أمامهم إلا البلاد العربية لتصريفها فيها .

و كذلك سيجد اليهود بفضل العلاقات السياسية و الاقتصادية التي يحاولون أقامتها مع العرب إذا تم صلح , سبيلا لنشر المبادئ و الآراء و العقائد و الأخلاق التي تجافي روح الإسلام و آداب العروبة .

ثم أن عقد الصلح مع اليهود يجعل العرب مسئولين دوليا عن المحافظة على الوضع الذي سينشأ عن قيامه , و يفقدهم حرية العمل و يجعل من العسير عليهم القيام بأي عمل يرجى منه صيانة عروبة فلسطين و تحريرها في المستقبل .

و قد يقول بعض الناس أن كل حرب قامت انتهت بصلح , و قياسا على هذا فأن الحرب بين العرب و اليهود يجب أن تنتهي بصلح .

و هذا قول مردود وحجة واهية لأن ما وقع في فلسطين لم يكن حربا بالمعنى الصحيح , بل كان غزوة استعمارية جارفة , و اغتصابا لقطر من أهله و تشريدهم منه في الآفاق بعد سلبهم و انتهاب أموالهم و ممتلكاتهم فهو استعمار بأفظع أشكاله و صوره , و أشنع أساليبه , و أحقر وسائله , و أن الاعتراف بمثل هذا النوع من الاستعمار , بالصلح أو بغيره , سابقة رهيبة ستحترق بلظاها أقطار عربية أخرى على نفس الطريقة التي أتبعها اليهود في فلسطين بالاتفاق و التعاون مع الإنجليز و الأميركيين .

أما الزعم بأن عقد الصلح مع اليهود يقر الأمن و السلام في الشرق الأوسط , و يضع حدا للمطامع اليهودية في الأقطار العربية فهو بعيد جدا عن الحقيقة و الواقع .

لقد تحدثت في أجوبتي السابقة عن المطامع اليهودية في الأقطار العربية , و سعي اليهود المتواصل لتحقيقها بما لا يدع مجالا للشك و الريب , و لو أدعى اليهود أنفسهم أن الصلح مع العرب يضع حدا لمطامعهم فعلى كل ذي عقل و إدراك أن لا يأبه لهذا الادعاء و لا يخدع به فقد برهنت الأيام و التجارب الكثيرة على أن اليهود لا عهد لهم و لا ميثاق .

كيف وفد اليهود إلى فلسطين

و فيما يتعلق بقضية فلسطين فقد بدأ اليهود غزوتهم لفلسطين بالتسلل إليها تحت ستار الدين و التظاهر بأنهم إنما يريدون أن يكون لهم فيها وطن روحي فحسب , و كانت طلائع هجرتهم إليها في البدء جماعات من العجزة و الشيوخ . . .

فلما خدع الناس بهم , أخذوا يفدون على فلسطين كمزارعين و خبراء و تجار و أطباء بحجة خدمة مجموع السكان .

و لما وقعت فلسطين تحت براثن الاستعمار البريطاني , و بدأ سيل الهجرة اليهودية العرم يطغى على البلاد , و أخذ العرب في مقاومة ذلك الخطر , أعلن بعض زعماء اليهود أنهم يريدون أن يعيشوا بسلام و أمان مع أهل البلاد العرب دون أن يلحقوا بهم أي أذى أو ضرر . .

ثم بلغ بهم الأمر حد الادعاء أن لا مطامع سياسية لهم في فلسطين و أن أقصى ما يهدفون إليه هو أن يتمتعوا في مناطق محدودة منها بحريتهم الدينية , وشئونهم الطائفية و الثقافية . . .

ثم أعلنوا أنهم لا يطمعون في غير منطقة منها يتمتعون فيها بالحكم الذاتي " كانتون " . . .

و قالوا أن تلك الرغبة هي أخر ما يطلبون .

و قد صدقهم كثيرون , و الحال أنهم كانوا يكيدون للعرب سرا , بالتعاون مع الانجليز , على تحويل فلسطين كلها إلى دولة يهودية . . .

و اليهود يتبعون الآن الطرق و الأساليب نفسها بالنسبة للأقطار العربية , التقسيم. كثيرون من العرب بقولهم أنهم لن يتعدوا حدود التقسيم. . .

وإذا بهم يتجاوزونه فيحتلون مناطق أخرى من فلسطين لم يخصصها لهم قرار التقسيم . و بعد أن ادعوا أنهم لم تعد لهم مطامع , رأيناهم عن طريق الدبلوماسية الغربية و الضغط الاستعماري يضمون مناطق أخرى من فلسطين وفقا لاتفاقية هدنة رودس ! ثم أن تصرفهم بالنسبة لمدينة القدس برهان ساطع على الطرق التي يتبعونها لتحقيق مطامعهم . . .

و ها هم اليوم يطمعون في نهر الأردن , و يعلنون أن نهر الأردن هو الحد الطبيعي لدولتهم , و معنى هذا إنهم يريدون ضم الأراضي الفلسطينية التي استولت عليها دولة شرق الأردن , و بعد ذلك يعملون على ضم شرق الأردن نفسه ثم غيره من الأقطار العربية . . .

و ليس أدل على حقيقة مطامعهم من خريطة جغرافيا لفلسطين و شرق الأردن يتداو لونها بينهم ويدرسونها في مدارسهم , فهذه الخريطة تسمي الأقسام العربية من فلسطين و شرق الأردن ( إسرائيل التي يحتلها العرب ) !

ثم أن أوضاع الدولة اليهودية نفسها و ظروفها ستضطر اليهود إلى التوسع والامتداد على حساب الأقطار العربية . . .

ففي فلسطين المحتلة اليوم أكثر من مليون و نصف مليون من السكان , لا تتسع الأراضي الحالية لهم , و لا تكفيهم حاصلاتها , و هم يعتزمون إبلاغ عدد السكان في تلك البلاد المحتلة إلى ثلاثة ملايين نسمة خلال عشر سنين , و يستحيل أن تستوعب فلسطين المحتلة ذلك العدد من السكان دون توسع وامتداد .

المجال الحيوي للدولة اليهودية

فإذا ما أصر اليهود و الدول الغربية على عقد صلح , فلتضليل العرب و حملهم على الاعتقاد بأن المطامع اليهودية في الأقطار العربية قد انتهت , و للحصول على فترة استجمام تدعيما لكيانهم وإتماما لاستعدادهم لغزو الأقطار العربية , قطرا . . .

لقد أسلفت القول أن الهدف الحقيقي للحركة اليهودية هو أن تكن فلسطين قاعدة لهم يثبون منها إلى سائر الأقطار العربية و يسيطرون على اقتصاديات العالم العربي و الشرق الأوسط الذي يعتبرونه ( المجال الحيوي ) للدولة اليهودية .

و خطة اليهود هذه هي نفس الخطة التي اتبعها الإنجليز في التوسع و الامتداد حتى صارت لهم إمبراطورية واسعة , و نفس الوسيلة التي اتبعها المهاجرون الأولون الذين حطوا رحالهم في أميركا , ثم لم يلبثوا أن توسعوا شيئا فشيئا وأبادوا سكان البلاد الأصليين , الهنود الحمر , كما يجري تماما في فلسطين الآن . . .

اليهود والقضايا العربية الأخرى

و من الجهل أو من التضليل و المخادعة , الزعم بأن عقد صلح بين العرب و اليهود يسهل حل القضايا العربية الأخرى المعلقة بين العرب و الانجليز و غيرهم.

فما هي تلك القضايا المعلقة التي يتوقف حلها على حل الخلاف العربي اليهودي؟

أهي القضية المصرية و قد جثم الاستعمار على صدر مصر اثنين و سبعين عاما , أما قضية السودان ؟

أن كفاح مصر و السودان ضد الاستعمار و ما زال قائما منذ وطئتهم قدم أول جندي بريطاني , فلماذا لم يحل الإنجليز القضية المصرية قبل عشرات السنين عندما لم يكن للدولة اليهودية و لا لوعد بلفور وجود , حتى مسألة تسليح الجيش المصري فقد منع الانجليز عنه السلاح و العتاد قبل أن يكون لليهود في فلسطين وجود و كيان .

فما أو هي إذن حجة الذين يزعمون أن عند حل قضية فلسطين , قد أثر على قضية مصر و عرقل سبيل حلها .

أم هي قضية العراق التي لا يزال الانجليز يحتفظون فيه بالقواعد العسكرية رغم أنوف أهله الكارهين لهم , المبغضين لاستعمارهم ؟

أم هي قضية اليمن , أم قضية الأقطار العربية المشمولة بالحماية الانجليزية في ذلك الصقع العربي و في أقطار أخرى من جزيرة العرب كالكويت و البحرين و البحرين و قطر و حضر موت و غيرها ؟

أما هي قضية البر يمي التي يطمع الانجليز بما فيها من بترول و قاموا يحاولون اغتصابها من المملكة العربية السعودية ؟

أما هي قضايا المغرب العربي في شمال أفريقيا التي تسلط عليها الاستعمار الفرنسي و التي يعود أمد بعضها إلى أكثر من قرن كامل كقضية الجزائر حينما لم يكن للدولة اليهودية و لا القضية الصهيونية ذكر يذكر أو خبر ينشر ؟..

فإذا كان للزعم نصيب من الصحة فلماذا نالت سورية و لبنان استقلالها و هما من قرب الجوار و الصلة الوثقى بفلسطين بالمنزلة التي لا يجهلها أحد , و لم يؤثر في ذلك مشروع الانجليز و الأميركيين في تشكيل الدولة اليهودية ؟

لا شك أن المطامع الاستعمارية هي المسئولة عن بقاء أكثر من القضايا العربية معلقة دون حل , وللاستعمار أساليبه و وسائله و أسلحته , و قد أضاف إليها في الآونة الأخيرة سلاحا جديدة هو الكيان اليهودي في فلسطين .

تعصب اليهود الديني

و اعتناقهم الفكرة الصهيونية

قوبل من العرب باستخفاف

توافق أهداف الاستعمار البريطاني و المصالح اليهودية

توقيع الهدنتين الأولى و الثانية تحت ضغط دول الاستعمار حال دون النصر

السؤال الأخير

أما و قد أجبت على هذه الأسئلة فهل لكم أن تجيبوا على سؤال نود أن نختتم به هذه الدراسة لمشكلة فلسطين , و السؤال هو :

1 – ما هي الأسباب الرئيسية لكارثة فلسطين ؟

- كيف تعالج هذه القضية , و ما هي الخطة المثلى لحلها , و لمشكلة اللاجئين و لاسترداد عروبة فلسطين ؟

الجواب

إن الإجابة على سؤالكم هذا بشقيه تحتاج إلى كتاب ضخم يحتوي بين دفتيه على قضية فلسطين كلها , أسبابها , و سيرتها , و نتائجها , و لا يتسع المجال لذلك , إذ لا يكفيه مقال , بل يحتاج إلى تفصيل واف لم يختلج في الصدور , وإيضاح مسهب لما يتساءل عنه الناس في كل مكان عن أسباب الكارثة و دقائقها , فلابد من الإيجاز في الجواب و الاقتصار على ذكر الأسباب الرئيسية و إرجاء التفصيل غلى فرصة أخرى .

لقد اشتملت أحاديثي السابقة , على الإشارة عرضا على بعض هذه الأسباب , عند الإجابة على أسئلتكم العشرة .

و أقول الآن إن الأسباب الرئيسية لكارثة فلسطين منها ما هو خارجي , و منها ما هو داخلي .

و هذه الأسباب بعضها قديم و بعضها الآخر حديث .

الأسباب الخارجية

فأما الأسباب الخارجية الرئيسية فهي :

تعصب اليهود الديني

1 – دوافع التعصب الديني الشديد عند اليهود و إصرارهم على استعمار فلسطين و الاجتماع في بيت المقدس حول " الهيكل " ( المكان الذي يقوم فيه المسجد الأقصى المبارك ) .

ورفضهم إنشاء الوطن [[اليهود|اليهودي]ي في غير فلسطين , كما وقع في مؤتمر " بال" الذي انعقد عام 1797 برياسة " هرتسل " و في غيره من المؤتمرات اليهودية , و اعتناق يهود العالم للفكرةالصهيونية و التفاهم حولها .

استغلال الشعور الديني عند البروتستانت

2 – الشعور الروحي المتأثر بالتوراة عند الانجليز و الأمريكيين البروتستانت خاصة لما ورد فيها من نبوءات استغلها اليهود لمصالحهم عن عودة [باليهود]] إلى فلسطين , و قد جاء ذكر ذلك في مذكرات وايزمن , و في مقررات مؤتمر الكنائس البروتستانتية الذي أنعقد في عام 1944 في الولايات المتحدة , تلك المقررات التي وقع عليها نحو خمسة آلاف قسيس يمثلون معظم الكنائس الأمريكية , و استغلال اليهود لذلك الشعور الديني عند الانجليز و الأمريكيين حتى بلغ ما دفعته الولايات المتحدة الأمريكية للدولة اليهودية في بضع سنين ألف مليون دولار , هذا عدا سبعمائة و خمسين مليون أرغمت أمريكا حكومة ألمانيا الغربية على دفعها لليهود كتعويضات و لا تزال المساعدات و القروض و الهبات الأمريكية تغدق بلا حساب لمصلحة اليهود و تقوية دولتهم , كما أن جيوش انجلترا في مصر و السودان و الأردن و العراق و ليبيا و قبرص و مالطة مستعدة دائما أن تحمي الدولة اليهودية .

أثر الحروب الصليبية

3 – ما خلفته الحروب الماضية بين الشرق و الغرب المعروفة بالحروب الصليبية , التي أثيرت فيها العواطف الدينية , و ما تلاها من حملات الجيوش العثمانية على شرق أوربا في نفوس كثير من الشعوب الأوربية و غيرها من إحن و أحقاد , و بغض عميق للعرب و المسلمين عامة , مما حملها على الوقوف إلى جانب اليهود .

أهداف الاستعمارفي الأقطار العربية

4 – توافق أهداف الاستعمار البريطاني و مصالحه , مع مصالح اليهود في القضية الفلسطينية , ثم انضمام الولايات المتحدة الأمريكية إليهما فيما بعد و ذلك لأن الاستعمار يرمي إلى ما يأتي :

ا – جعل الدولة اليهودية في فلسطين متكأ له , و خنجرا مسموما يشهره في وجوه الدول العربية كلما أحس منها تمردا عليه أو مقاومة له , و يضرب بها جنوبها وفقا لمصالحه .

ب – اتخاذ الوطن اليهودي حاجزا يفصل الأقطار العربية في أسيا , عن الأقطار العربية في أفريقيا , و يقطع كل صلة برية بين هاتين القارتين .

ج – اتخاذ اليهود عائقا دون تقدم الأمة العربية في أقطارها الواسعة ذات الثروات العظيمة من بترول و معادن و غيرها و التي تقع في أهم مراكز العالم التجارية و الجغرافية و العسكرية , و يزداد عدد سكانها زيادة مستمرة كما يستيقظ شعورها و يتنبه و عيها , و يخشى في المستقبل بأسها و طغيانها على الغرب , في الحين الذي أخذت فيه شعوب الدول المستعمرة تتردى في هاوية سحيقة من ترف الحضارة و طراوة العيش و فساد الأخلاق حتى أصبح كثير منها لا يطيق تكاليف الحروب و أعبائها و قد ضعف تكاثر سكانها , و خمدت حماستها .

أوربا تعارض استقلال شمالي أفريقيا

و لهذه المناسبة أذكر ان بعض زعماء شمالي أفريقيا, كتبوا إلي خلال الحرب الماضية عندما كنت في ألمانيا , لأعمل على إقناعها بالاعتراف باستقلال بلادهم و مدها بالسلاح , مقابل تعاونهم مع ألمانيا في الحرب .

و قد تلقى الألمان بادئ الأمر هذا الاقتراح بالارتياح , إلا أن أكثرية الدول الأوربية عارضته بشدة و وقفت ضده .

و لا أنسى ما قاله لي يومئذ الدكتور " بروفر " وكيل وزارة الخارجية الألمانية لشئون الشرق و هو : " أن ألمانيا تحبذ هذا المشروع و تراه مفيدا لها , و لكن الدول الأوربية الأخرى تعارضه معارضة شديدة و حجتها في ذلك أن الأقطار العربية في شمال أفريقيا إذا استقلت حرمت أوربا من استعمارها مع أنها أقرب البلاد إليها , كما أن القوة التي ستتهيأ لها بنتيجة هذا الاستقلال ستهدد أوربا الآخذة في الضعف و الانهيار " .

الانتداب البريطاني على فلسطين

5 – الخطة الاستعمارية التي سارت عليها انجلترا لجعل فلسطين وطنا قوميا لليهود و موافقة عصبة الأمم على جعلها هي الدولة المنتدبة على فلسطين .

و قد انتهزت انجلترا هذه الفرصة لترسيخ أقدامها و توطيد نفوذها في الأقطار العربية .

الفظائع الانجليزية في عرب فلسطين

6 – ما قارفته انجلترا في فلسطين من الفظائع طول عهد انتدابها الذي عملت خلاله على " وضع البلاد في حالات سياسية و إدارية و اقتصادية تسهل إنشاء الوطن القومي اليهودي " كما نص عليه صك الانتداب الجائر , و حرمان عرب فلسطين من استقلالهم و سائر حقوقهم السياسية , و إهدار مصالحهم , و إفقارهم , و اضطهادهم و نزع سلاحهم , و التنكيل بهم بأفظع أشكال البطش و الإرهاق و الظلم , يقابل ذلك من الناحية الأخرى تأييد انجلترا لليهود و حمايتهم و رعاية مصالحهم و تشجيعهم على الهجرة و تمكينهم من الاستيلاء على الأراضي , و تسليحهم و تدريبهم تدريبا عسكريا.

و كذلك موقف السلطات الانجليزية قبل معركة فلسطين و خلالها و تحيزها الشديد لليهود و مساعدتهم عسكريا في المعارك التي وقعت بينهم و بين العرب و تآمرهم معهم لإجلاء العرب كما فعلت في طبرية و حيفا وطيرة حيفا و غيرها .

مساعدة انجلترا و أمريكا لليهود

عدم التكافؤ بين الجبهة العربية على ما نعرف من أحوالها , و الجبهة اليهودية التي عضدتها انجلترا و أمريكا و غيرها من الدول الاستعمارية عضدا عظيما من الوجهات السياسية و المالية و العسكرية . و قد بلغت المساعدات المالية الأميركية لليهود منذ عام 1948 , من هبات و قروض و تبرعات نحو ألفي مليون دولار .

أما المساعدات الانجليزية فلم تكن أقل أهمية و اثر في مساعدة اليهود خلال عهد الانتداب و أثناء معركة فلسطين عندما كان الانجليز لا يزالون في فلسطين , و كانوا يدعون الحياد حينئذ . فقد نشرت جريدة " مشمار " اليهودية في شهر مارس 1948 أن السلطات البريطانية أعطت اليهود من الأسلحة و الذخائر و غيرها من المواد الحربية ما قيمته خمسة ملايين جنيه بحجة أنها مخلفات حربية .

و نشرت جريدة " يدي عوت " اليهودية حول ذلك التاريخ أن اليهود أشتروا من الجيش الانجليزي ألف سيارة نقل كبيرة , و صرح مندوب الوكالة اليهودية في جريدة " بوست " التي تصدر في القدس باللغة الانجليزية بأن نواة قوة الطيران اليهودي كانت خمسين طيارا تدربوا في فرقة سلاح الجو الملكي البريطاني ...و غير ذلك .

الأسباب الداخلية

و أما الأسباب الداخلية فأهمها ما يأتي :

1- ما أصاب الأمة العربية في العصور الأخيرة من وهن في الأخلاق ، و ضعف في الإيمان و العزيمة و الوطنية ، و ما انتشر فيها من الفوضى و ضعف التنظيم .

غفلة الأمة العربية عن الخطر

2- الغفلة الشديدة عن تعرف مواطن الخطر المحدق بكيان الأمة العربية بسبب الغزوة الاستعمارية و المؤامرة اليهودية ، و الاستخفاف بالأخطار استخفافا ناشئا عن الإهمال و خور العزيمة و الاتكال ، و عدم معرفة ما تنطوي عليه صدور اليهود من أحقاد قديمة ، و الجهل بنيات المستعمرين الرهيبة و مكرهم السيئ .

لقد كان السواد الأعظم من العرب يستخف بهذه المؤامرة اليهودية الاستعمارية و لا يقيم لها وزنا . و كثيرا ما كنت أري ابتسامة الاستخفاف و الاستغراب ترتسم علي أفواه كثير من الكبراء و الساسة العرب عندما كنت استرعي أبصارهم للأخطار المقبلة ، و كان بعضهم يصارحني بما معناه : هل من المعقول أن انجلترا التي لها كل هذه الصلات الوثقى بالعالمين العربي و الإسلامي ، تغامر بكل مصالحها و علاقتها من اجل خاطر اليهود ! و هل يعقل أن انجلترا المسيحية تفرط في هذه البلاد المقدسة و لا تبالي بشعور المسيحيين في العالم ؟ إن هذا لمن المستحيل ، و أن انجلترا إنما تخادع اليهود مخادعة و لن تعطيهم شيئا مذكورا ...

الدعاية الإنجليزية تعمل علي تخدير العرب

و قد كانت الدعاية الإنجليزية التي تبث في المقامات العربية السياسية ، تعني خاصة بتخدير هذه المقامات التي كانت تقبل بسهولة علي تناول تلك المخدرات الإنجليزية ، و تحميلها بدورها إلي غيرها آمنة مطمئنة ، مستخفة بالخطر المزعوم .

كما كان بعض أولئك المخدرين بالتوجيه الأجنبي ينعتون من كانوا ينذرونهم و يحذرونهم ، بالتطرف و المبالغة ، و يرمونهم بالجهل بشئون السياسة .

و من المخزون أن ذلك الموقف الشاذ الذي وقفه أولئك " العقلاء " بالنسبة لقضية فلسطين ، يقفونه اليوم حيال تفاقم الخطر اليهودي – الاستعماري الذي يهدد الأقطار العربية المجاورة - فلقد قال لي شخص منهم قبل نحو عامين من حديث لي معه : أن لدينا سعة من الوقت ، ف اليهود بعد أن ابتلعوا هذه اللقمة الضخمة من فلسطين لم يستطيعوا أن يمدوا يدهم إلي غيرها قبل أن يهضموها ، و هذا يحتاج إلي عشرين عاما أو خمسة عشرة علي الأقل ، و هذه فسحة طويلة الأمد نتمكن خلالها من التأهب والاستعداد ..

فبادرت إلي تحذيره مما في هذا الرأي من خطر ، و قلت له أنك تقيس مع الفارق ، و تحسب أن معدة اليهود مقتصرة علي هذا المليون منهم المقيم بفلسطين و لم تحب حسابا لمعدة اليهودية العالمية كلها المشتركة مع الدول الاستعمارية الكبرى التي تحاول ابتلاع الأقطار المجاورة برمتها .

فلسطين خط النار الأول

و مما يدل علي مدي الوهم في نفوس بعض المتصدين من العرب للسياسة و الزعامة ما سمعته من أحداهم سنة 1920 و هو قوله :

" ليس من المصلحة أن يقف العرب من أهل فلسطين في وجه اليهودية العالمية لأن لليهود قوة عظيمة يمكننا استغلالها في سبيل تحقيق أهداف البلاد العربية ، و أن المضطر يركب الأسنة ، وأن العضو المريض الذي يستعصى شفاؤه يبتر لصالح الجسم ! " .

و من المؤسف أن بعض الساسة كانوا متأثرين بمثل هذا الرأي في معالجة قضية فلسطين ، و لم يدركوا أن فلسطين ليست " .

و من المؤسف أن بعض الساسة كانوا متأثرين بمثل هذا الرأي في معالجة قضية فلسطين ، ولم يدركوا أن فلسطين ليست إلا خط النار الأول في ميدان المعركة ، و رأس الجسر للغزو اليهودي الاستعماري .

و بلغ من استخفاف بعض العرب بالخطر اليهودي ، و من وهنهم و خورهم خلال مقابلتهم الرسمية للمسئولين من الإنجليز و الأميركيين بشأن قضية فلسطين أنهم كانوا يقفون موقف الوسطاء المحايدين " المعتدلين " ، المترددين الخائرين ، علي حين زعماء اليهود ف مثل تلك المقابلات يظهرون أقصي التطرف و الشدة ، و منتهي الجد والعزيمة .

كيف عالج ساسة العرب القضية

3 – أن ما أصاب العرب من غفلة عن حقيقة الخطر الداهم , و من ضعف في الأخلاق و وهن في العزائم , قد نأى بهم عن الجد و الحزم في معالجة قضية فلسطين فعالجوها هازلين غير مصممين , على عكس ما كان عليه خصومهم من الاندفاع و المضاد و التصميم .

و أية قضية في العالم تصيب نجاحا إذا لم يكن الجد و العزم سداها , و التصميم و الفداء لحمتها ! لقد كانت المعالجة العربية و السياسية و العسكرية لهذه القضية غاية في الهزال و الإهمال , و كانت الاجتماعات تعقد لمجرد الكلام و الخطب الضخمة الجوفاء إلا من التهديد و الوعيد بإلقاء اليهود في البحر , و شرب القهوة العربية على شاطئ تل أبيب بعد النصر المبين ...

و ما إلى هذا من محاولات الاستغلال المحلي الذي كان يرمى إليه بعض الساسة تقوية لمراكزهم أو تدعيما لمناصبهم , و قد خدعتهم وعود المستعمرين الذين كانوا يؤكدون لهم أن اليهود لن ينالوا أكثر من منطقة صغيرة ( كانتون ) على الشاطئ من تل أبيب إلى ( عتليت ) بالقرب من حيفا .

كما كانوا يوهمونهم أن الإنجليز حاقدين على اليهود لنسفهم دوائر الحكومة المنتدبة , و لما أنزلوا بضباطهم و جنودهم من أذى و امتهان حتى أنهم شنقوا بعضهم و جلدوا آخرين ... الخ .

فبمثل هذه المخادعات و الأماني الكواذب اغتر بعض ساسة العرب , و ملك المستعمرون عليهم أمرهم و زينوا لهم سوء أعمالهم , حتى حملوهم على أبعاد العناصر المؤمنة المخلصة المستميتة عن ميدان معركة فلسطين بحجة أنهم عناصر متطرفة و مغالية وبعيدة عن الحكمة التي يتطلبها المستعمرون.

تهاون العرب و المسلمين في أمر فلسطين

4 – لم يعن العالمان العربي و الإسلامي العناية الكافية بقضية فلسطين منذ الاحتلال البريطاني فأضطر عرب فلسطين أن يضطلعوا وحدهم بعبء مجابهة اليهودية العالمية المعززة بدول الاستعمار ذات القوى الهائلة و الموارد العظيمة : و بينما كان يهود العالم يغدقون على ( الوكالة اليهودية ) بفلسطين مئات الملايين من الجنيهات كان العرب و المسلمون أشحاء الا من رحم ربك , و قليل ما هام , لا يبذلون شيئا يتناسب و ما يبذله الخصوم , و قد غفلوا عن قوله تعالى : " و أنفقوا في سبيل الله و لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " .

و لهذه المناسبة أذكر حديثا بلغني عن المستر كرومان عضو مجلس العموم البريطاني في زيارته الأخيرة لمصر و هو أنه سأل أحد أصدقائه العرب حيث قابله في القاهرة : هل في الدين الإسلامي ما يمنع التعاون بين المسلمين ؟ فأجابه صديقه بالنفي , و سأله عن السبب في هذا السؤال .

فقال كرومان : إذن لماذا لا يساعد بعضهم بعضا و لا يبذلون شيئا يذكر حتى للاجئين . !

مقارنة بين شيخ العرب و بذل اليهود

لقد آلمني جدا هذا الحديث لأنه نكأ الجروح الدامية التي سببتها معركة فلسطين الأليمة لكل من أشترك فيها منذ بدئها حتى اليوم , و أذكرني ما كتبه المرحوم الأمير شكيب ارسلان عام 1930 حينما أرسلنا إليه نشرة لجنة أعانة المنكوبين في ثورة 1929 التي وقعت بين العرب و اليهود بسبب عدوان اليهود على مكان البراق الشريف .

و قد وقع في معارك هذه الثورة من العرب قتلى وجرحا كثيرون فاستنجدت لجنة الإعانة المذكورة بالعالمين العربي و الإسلامي بالبرق و البريد طالبة العون لليتامى و عائلات الشهداء .

و بعد مضي عام كامل أصدرت اللجنة نشرة بوارداتها و نفقاتها فكانت نحو ثلاثة عشر ألفا من الجنيهات . و صادف أن وقعت في يد الأمير شكيب نشرة أخرى مماثلة صادرة عن لجنة يهودية في جنيف لمساعدة اليهود المصابين في الثورة نفسها فإذا بمقدار ما ورد لمساعدتها أكثر من مليون جنيه ...

فكتب مقالا قارن فيه بين شح العرب و المسلمين من ناحية و بذل اليهود و سخائهم من ناحية أخرى .

العرب أضاعوا الفرصة باختلافهم

5 – تخاذل بعض الدول العربية واختلاف سياستها أثناء معركة فلسطين , فلم يقاتل العرب صفا كأنهم بنيان مرصوص , و أضاعوا الفرصة بعدم تعاونهم على العدو الذي لم يكن قويا يومئذ بل كانت القوى العربية أكثر منه عددا و عدة .

و لا صحة البتة لما يقال من أن القوى اليهودية كانت أكثر عدة و عديدا , فقد أعلن بن غور يون رئيس الوزارة اليهودية و وزير الحربية حينئذ أن القوى اليهودية الضاربة لم تكن أكثر من عشرة آلاف ( و القوة الضاربة في كل جيش هي المؤلفة من اليهود الذين يستعملون السلاح في الميدان ) بينما كانت القوى الضاربة في الجيوش العربية أكثر جدا من هذا العدد .

هذا بالإضافة إلى أن اليهود لم يكن لديهم عندئذ طائرات حربية , و إنما كان عندهم قليل من طائرات التدريب التي لا تصلح للحرب , كما لم يكن لديهم مدافع ميدان بل كانت مدافعهم من طراز ( مورتر ) و هي مدافع خفيفة .

أما الجيوش العربية فقد كان لديها المدافع الثقيلة و الطائرات القاذفات للقنابل و غيرها من المعدات و الأسلحة .

يؤيد هذا ما جاء في خطاب لرئيس الوزراء اليهودية بن غور يون نفسه في مجلس النواب اليهودي قال فيه :

"نحن مدينون بنجاحنا في إقامة دولة إسرائيل ب 97.5 % و 2.5 % للحرب و الجيش فقط " .

وهناك تفصيلات عن مقدار قوى الجيوش العربية و أسلحتها حينئذ , تؤكد أنها كانت تفوق كثيرا القوات اليهودية .

6 – إعداد الإنجليز طول مدة انتدابهم على فلسطين و لا سيما أثناء الحرب , كافة الوسائل لتنظيم اليهود و تدريبهم و تسليحهم و تهيئتهم لتسلم فلسطين , يقابل ذلك تجريدهم العرب من السلاح و إرهاقهم و إضعافهم ليعجزوا عن الصمود في وجه اليهود حينما يسلمونهم البلاد , و بالرغم من ذلك فقد هب عرب فلسطين للاستعداد وأشتراء السلاح بأغلى الأثمان , و جابهوا اليهود بالقوة و هزموهم في معظم المعارك .

قرار مجلس الجامعة في عاليه

و كان مجلس الجامعة العربية في اجتماعه المنعقد في عاليه في أكتوبر 1947 قد وافق على تقرير الخبراء العسكريين بوضع عرب فلسطين في وضع مماثل لليهود من حيث تسليحهم و تدريبهم , و تحصين مدنهم و قراهم تحصينا عسكريا فنيا , و جعلهم الأساس في الدفاع عن بلادهم , لأنهم اعرف بمواقعها و طرقها و مسالكها , و لأنهم أشد تصميما و استماتة في الذود عن أهليهم و أموالهم و ديارهم بالإضافة إلى أنهم أقل نفقة من المتطوعين أو الجنود القادمين من خارج فلسطين , دون دخولها , لتقوية الفلسطينيين و لمساعدة المجاهدين عند الضرورة بالعتاد و الضباط و بعض الوحدات الفنية .

مذكرة انجليزية للسلطات العربية

فلما رأى [[الإنجليز]ي انتصار المجاهدين الفلسطينيين في المعارك على اليهود انتصارا مبينا .

وخشوا تفاقم حرب العصابات التي يعرفون أهميتها و قوة تأثيرها , سقط في أيديهم و سارعوا بتقديم مذكرة إلى السلطات العربية الرسمية حينئذ يعترضون فيها على تسليح الفلسطينيين و تدريبهم و يصفون ذلك بأنه عمل غير ودي Unfriendly Act كما أنهم حملوا بعض الدول العربية على إدخال جيوشها في الحرب و قد أشرت سابقا إلى ما ورد في بعض الشهادات أمام محكمة الثورة عن تشجيع الانجليز للمرحوم النقراشيعلى إدخاله الجيش المصري في الحرب رغم تصميمه قبل ذلك على عدم دخولها , و قد كان النقراشيسجل تحفظ مصر و رفضها الدخول في الحرب في دورة مجلس الجامعة في عاليه في أكتوبر 1947 بما نصه : ( أريد أن يعلم الجميع أن مصر إذا كانت توافق على الاشتراك في هذه المظاهرة العسكرية – أي الحشد على الحدود – فأنها غير مستعدة قط للمضي أكثر من ذلك ).

و أخيرا استطاع الإنجليز بخداعهم و ضغطهم , أن يؤثروا على بعض الدول العربية ثم توالت الجهود إلى أن تقرر دخول جميع الجيوش العربية إلى فلسطين , كما أستطاع الإنجليز أيضا هدم الركن الأساسي في برنامج العرب للدفاع عن فلسطين , بحرمان المجاهدين الفلسطينيين من السلاح , وسائر وسائل الجهاد و إقصاء الفلسطينيين جميعا عن ميدان المعركة من الوجهتين العسكرية و السياسية , وبذلك أقصوا العنصر المجاهد المستميت الذي يدافع عن نفسه و أهله و دياره .

جنرال انجليزي يدير المعارك العربية

7 – ان الضغط الاستعماري الأجنبي على بعض الأقطار العربية أدى إلى وضع القيادة العسكرية الفعلية للجيوش العربية في يد الجنرال جلوب الإنجليز|الانجليزي الذي أدار دفة المعارك بما يوافق أهواء السياسة البريطانية الضالعة مع اليهود , و بدل الخطة العسكرية التي وضعها رؤساء أركان حرب الجيوش العربية في – معسكر الزرقاء – بالإجماع في أوائل مايو سنة 1948 , وسحب الجيش السوري المرابط على حدود المنطقة الشمالية من فلسطين بطريقة مكشوفة إلى جبهة سمخ حيث عرضه لخسائر فادحة , كما غرر بالجيش العراقي و وجهه إلى مهاجمة مستعمرة – جيشر – التي كانت قاعدة من قواعد خط أيدين الحصين الذي أنشأه الانجليز خلال الحرب لمقاومة الزحف الألماني و عاق الجيش الأردني الذي كان معسكرا حول القدس عن الدفاع عنها بضعة أيام لإعطاء الفرصة لليهود لاحتلالها , و لولا استبسال المجاهدين الفلسطينيين و سكان القدس في الذود عنها لوقعت كلها بيد اليهود , و قد منع جلوب الجيوش العربية من القتال الفعلي , بعد أن نزع أسلحة المجاهدين الفلسطينيين مما أدى إلى سقوط منطقة الرملة و اللد ...

و غير ذلك مما لا يتسع له المجال الآن ( و لدينا وثائق بتفصيلات هذه المؤامرات ) .

جلوب حال دون إنقاذ الفالوجة

و مما هو جدير بالذكر هنا أنه لما اجتمعت اللجنة السياسية لجامعة الدول العربية في القاهرة في نوفمبر 1948 و شهد الاجتماع أكثر رؤساء وزارات الدول العربية , تم الاتفاق في ذلك الاجتماع على التعاون الأكيد فيما بينهم , و قد دعي إلى القاهرة أيضا رؤساء أركان حرب الجيوش العربية لبحث الموقف الحربي من جميع وجوهه و تم الاتفاق على خطة موحدة لاستئناف القتال , و رد عدوان اليهود و قرروا أن يجعلوا فاتحة أعمالهم قيام الجيوش العربية بعمل مشترك لفك الحصار عن " الفالوجة " و أنتقل رؤساء أركان الحرب من القاهرة إلى " الزرقاء " في شرق الأردن حيث وضعوا خطة عسكرية مفصلة لتنفيذ الاتفاق , و قد روى لي تلك الخطة أحد القادة من أركان الحرب الذين شهدوا تلك الاجتماعات , و خلاصتها كما سجلتها في حينها , إرسال لواء عراقي – ألاى – بكامل معداته من منطقة نابلس إلى منطقة الخليل , و فوجين – أورطتين – سوريين مجهزين تجهيزا كاملا إلى منطقة الخليل أيضا للتعاون مع اللواء العراقي على القيام بهجوم على الفالوجة عن طريق بيت جبريين لمساعدة الجيش المصري على إنقاذ حاميتها المحصورة , و قد تم تحديد وقت معين للقيام بتلك العملية .

و بعد ذلك انتقل رؤساء أركان الحرب إلى البحرين , و لما أطلع على الخطة المغفور له الملك عبد الله وافق عليها كما وافق عليها أيضا رئيس الوزارة الأردنية و وزير الدفاع .

و يقول من روى لي الخبر : لقد سررنا جدا من الموافقة الاجتماعية على تلك الخطة , و ذهبنا إلى العشاء بدعوة من الحكومة الأردنية في بيت إسماعيل البلبيسي باشا في البحرين .

و إذا بالجنرال جلوب يقدم علينا و يسألنا عن الخطة , فلما عرفها أعترض عليها و قال أن هذا مستحيل فأن الجيش الأردني لن يسمح للقوات السورية و لا العراقية باجتياز أراضي شرق الأردن , و لا المناطق التي يحتلها في شرق فلسطين و زاد على ذلك قوله : إذا نفذنا هذه الخطة فأننا نخشى أن يقصف اليهود مدينة البحرين بقنابل الطائرات .

وأصر جلوب على موقفه و تهديده وحال تنفيذ تلك الخطة بالنتيجة أحبط كل تعاون بين الجيوش العربية . و هكذا أستطاع الاستعمار بقيادة جلوب و أعوانه أن يبدل نصر العرب إلى هزيمة , و قوتهم إلى ضعف , و عزتهم إلى ذلة و هوان .

و ثمة أمر أخر , وهو أن جنرال كلايتون رئيس الاستخبارات البريطانية في الشرق العربي كان له تـأثير عظيم في توجيه السياسة في البلاد العربية , كما أن الجنرال سيبرز الانجليزي كان قد عهد إليه القيام بالدعاية لقضية فلسطين و القضايا العربية في انجلترا .

و من سرد هذه الوقائع يظهر لكم كيف أصبح لهذا الثالوث و سيبرز التأثير العظيم في كارثة فلسطين .

8 – أن كثير من الذين كانت في أيديهم مقاليد الأمور في البلاد العربية لم يعالجوا مشكلة فلسطين بما تطلبه من روح الجد و التصميم , و لم تتوفر لهم الدراسات السياسية و العسكرية و التاريخية عن فلسطين , و عن مبلغ الخطر اليهودي عليها و على الأقطار العربية المجاورة له كما أن بعضهم ممن وكل إليهم أمر القيادة العسكرية قد برهنوا على إهمال فاضح في الشئون العسكرية , و هذا بالإضافة إلى أنهم لم يدخلوا فلسطين و لم يعرفوا شيء عن شئونها الجغرافية , و مواقعها العسكرية و لم يكونوا على شيء من العلم بقوة اليهود العسكرية و مواقعهم و تحصينا تهم , وخطوط دفاعهم , و الجانب الوحيد الذي كانت لديه هذه الدراسات و المعلومات و الرغبة الشديدة و التصميم على مقاومة اليهود , هو الفريق المجاهد المستميت من أهل فلسطين الذي أبعدته لسوء الحظ الدسائس الاستعمارية و الضغط الأجنبي على بعض السلطات العربية , عن ميدان الجهاد .

و قد كانت المشكلة الفلسطينية أعظم و أكبر بكثير من أن تعالج بالشكل الهزيل الذي عولجت به , و لم تكن المعالجة متناسبة مع خطورة الداء و لا كان الدواء هو الناجع الشافي من وباء الصهيونية الوبيل .

الهدنتان الأولى و الثانية

9 – توقيع الهدنتين الأولى والثانية بين العرب و اليهود نتيجة ضغط انجلترا و أمريكا على بعض الدول العربية , فقد كان العرب في موقف المنتصر و كان الجيش المصري مغلا في التقدم نحو رحوبوت و تل أبيب , كما كان الجيش العراقي على بعد أميال قليلة في تل أبيب و كان الجيش الأردني يحتل اللد و الرملة كما كان حولها عدد كبير من خير المجاهدين الفلسطينيين و كان اليهود في القدس في أسوء حال بعد ما قطع عنهم المجاهدون الفلسطينيون كل مدد من الماء والطعام و السلاح و الذخيرة , حتى رفعوا راية الاستسلام و وسطوا الهيئة الدبلوماسية في القدس فأوفدت بعض أعضائها إلى دمشق لمفاوضة أولى الشأن من العرب في أمر التسليم .

كانت حيفا ستقع في أيدي العرب

أما في المنطقة الشمالية فقد ضرب الفوج العراقي الذي كان يعسكر في جنين بقيادة الضابط الشجاع المقدم عمر على , القوة اليهودية المهاجمة ضربة قاسمة في يوليو 1948 بالتعاون مع المجاهدين الفلسطينيين من أهل تلك المنطقة , ضربة جعلت فلول اليهود يولون الأدبار في اتجاه اللجون , و كان من أثر ذلك وقوع يهود حيفا في رعب شديد و مسارعة رئيس بلدية حيفا اليهودي " شبتاي ليفي " إلى تأليف وفد من نائبي الرئيس " الحاج طاهر قرمان " و " شحادة شلح " لمفاوضة القوة العراقية القادمة في أمر تسليم حيفا و اعتبارها مدينة مفتوحة غير محاربة .

و لكن قيادة جلوب حالة دون ذلك و سحب الفوج العراقي و قائده و وجهه إليه اللوم على اشتراكه في المعركة , و هكذا ضاعت على العرب الفرصة العظيمة .

أما في تل أبيب فلم يكن اليهود أحسن حالا فقد قامت فيها المظاهرات مطالبة بالكف عن القتال و التسليم , حتى أضطر بن غورين رئيس وزرائهم أن يخطب في المتظاهرين تسكينا لروعهم و تهدئة لجزعهم , و كان ما قاله لهم " أن لدي وعدا قاطعا مع الانجليز و الأمريكيين بأن الهدنة ستعقد خلال ثلاثة أيام فأن لم يتم ذلك فتعالوا فاشنقوني هنا !

و كانت النتيجة قد عقدت فعلا الهدنتان , الأولى في 11 يونيو سنة 1948 , و الأخرى في 19 يوليو سنة 1948 و أتيح لليهود خلال ذلك الحصار عن يهود القدس و أن يسحب الفوج العراقي الذي ضرب القوة اليهودية في جنين و يلام قائده الشجاع المذكور و يسحب من الجبهة , و أن يعد اليهود في حيفا عن التسليم و أن تنسحب القوات الأردنية من اللد و الرملة , و أن ينسحب تبعا لذلك الجيش العراقي من رأس العين إلى تولكرم , و أن ينكشف جناح الجيش المصري الأيسر فيضطر إلى الرجوع نحو الجنوب دون أن تنجده قوات من الجيوش العربية , و أن ينقلب الوضع رأسا على عقب .

أثر الدعاية المضللة بين العرب

10 – الدعايات المضللة و الأراجيف الكاذبة التي تغلغلت في البلاد العربية و التي كانت تذيعها المصادر الاستعمارية و اليهودية عن قوة اليهود و ضعف العرب و تفرقهم , وما قدمت به دوائر المخابرات الانجليزية و اليهودية و غيرها من الدوائر الموالية لها من إشاعات باطلة عن الفلسطينيين, و إلصاقها بهم أشنع التهم تشويها لسمعتهم و نزعا للثقة منهم , و إبعاد لما بينهم و بين إخوانهم العرب من روح المودة و التعاون على دفع العدو السابق عن فلسطين .

هذه هي الاسباب الرئيسية , الخارجية و الداخلية , لكارثة فلسطين أوردتها لكم بإيجاز عسى أن تكون فيها عبرة و ذكرى للأمة العربية .

و أليكم الجواب على الشق الثاني من سؤالكم الأخير

لقد أشرت على أجوبتي السابقة إلى المؤامرة المبيتة , بل الغزوة الأخيرة التي أعدها التعصب الذميم و الاستعمار الغاشم , و غذتها الأحقاد القديمة , منتهزة فرصة ما أصاب البلاد العربية و الإسلامية من ضعف و وهن , و جهل و غفلة , فصممت على القضاء علينا و التعفية على آثارنا , مبتدئة من هذه البقاع الفلسطينية المباركة لتتخذ منها رأس جسر و نقطة وثوب على الأقطار العربية المجاورة لزلزلة أركانها و تقويض بنيانها , و لو انحصرت الخصومة بالصهيونيين و اليهود وحدهم لهان الخطب , و لكن المصيبة الجلي هي في تعضيد الدول الكبرى الاستعمارية , و في مقدمتها بريطانيا و الولايات المتحدة الأمريكية [باليهود|لليهود]] تعضيدا قويا , و مساعدتهم سياسيا و ماليا و عسكريا حتى زاد ما أغدقنه الولايات المتحدة على الدولة اليهودية منذ تأسيسها عام 1948 حتى اليوم على ألفي مليون دولار هبات و قروضا و تعويضات و نحوها , عدا المساعدات الضخمة من الأسلحة و المعدات و السفن و الطائرات .

الولايات المتحدة الأمريكية تبني أسطول إسرائيل البحري

و قد نقلت الصحف عن شركات الأنباء بتاريخ 4 المحرم سنة 1374 ( 2 سبتمبر 1954 ) : " أن حكومة إسرائيل تسلمت من أميركا ثلاث قطع بحرية ضخمة هي جزء من أسطول يهودي كبير أوصت إسرائيل بصنعه في أحواض الولايات المتحدة .

و قد صرح أميركي مسئول أن الأسطول الإسرائيلي سيجعل من إسرائيل أقوى دولة بحرية في الشرق الأوسط , و إذا أضفنا إلى ذلك قواها الجوية و البرية المزودة بأحدث الأسلحة الثقيلة تأكدنا أن إسرائيل سيكون لها القول الفصل في منطقة الشرق الأوسط " و بذلك تقطع إسرائيل كل اتصال بحري أو جوي بين الأقطار العربية كما قطعت الاتصال البري بينهما .

فعلى الأمة العربية أن تعرف حقيقة وضعها و ما هي عليه من خطورة في الحال و المستقبل , و ما يبيت لها من خطط لصدع كيانها و تقويض بنيانها , و علينا أن نعترف بجسامة الكارثة التي نزلت بنا , و أن التجربة الاستعمارية الجديدة التي نفذت في فلسطين بإخراج شعبها و الاستيلاء على أرضها و مقدستها و أموالها , إذا قوبلت بالخنوع و الاستسلام , و لم تصد بقوة و حزم , فأنها ستنفذ حتما في الأقطار العربية المجاورة التي ستذكر يومئذ المثل المعروف : " إنما أكلت يوما أكل الثور الأبيض " .

علينا أن نعرف هذه الحقيقة المرة , لا لنستسلم لليأس الذي لا يليق بالأمم الحية فأنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون و لا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون , بل لنقوي عزيمتنا و نحفز هممنا , و نقابل جد الأعداء بجد مثله و تصميمهم بأعظم منه , ذلك الجد و التصميم اللذين غفلت عنهما الأمة العربية و استبدلت بهما التواني و الهزل و العبث حتى وقعت كارثة فلسطين , و حل بها ما حل من خسران مبين .

و لذلك فأن علينا معاشر العرب و المسلمين أن نعمل ما يأتي لمعالجة قضية فلسطين :

تعبئة روحية

1 – أن نقوم بتعبئة روحية قوية , عاملين على بعث الرجاء في النفوس , و نزع اليأس من القلوب , فنفعم نفوسنا و قلوبنا أفرادا و جماعات , بالإيمان الصادق , و اليقين بالفوز و النصر , و باستنقاذ وطننا و استعادة كرامتنا غير مترددين و لا مرتابين ( إنما المؤمنون الذين أمنوا بالله و رسوله ثم لم يرتابوا و جاهدوا في سبيل الله بأموالهم و أنفسهم ) فقد سقطت بلادنا المقدسة في أيدي المعتدين مرارا ثم استنقذت منهم , و لنا شواهد عديدة على ذلك في التاريخ قديما و حديثا بل في الحرب العالمية الأخيرة , فأن شعوبا كثيرة استعادت أوطانها بعد ما قضى عليها المتغلبون و اجتاحها الأقوياء المسيطرون .

الجد و التصميم و توطين النفس على المكروه

2 – أن ندع الهزل و التواني و الإهمال , و نعتصم بالجد كل الجد في معالجة قضيتنا و نصمم على بلوغ غايتنا مستهينين بكل العقبات و المصاعب , و أن نوطن نفوسنا على المكارة و تحمل أشد الآلام و أغلى التضحيات في سبيل تحقيق أهدافنا و استنقاذ بلادنا التي هي ميراثنا الديني و القومي و التاريخي , ذاكرين قوله تعالى ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة و لما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء و الضراء و زلزلوا حتى يقول الرسول و الذين أمنوا معه متى نصر الله إلا إن نصر الله قريب ) .

أذكروا فلسطين

3 – أن تعمل الأمة العربية في سائر أقطارها و أمصارها , على ذكر فلسطين و قضيتها و الدعاية الواسعة لها و تدريس تاريخها في سائر مدارسها , و ترديد أسمها و كارثتها في الصحف و المجالس و المدارس , و أن توزع خريطتها و صور أماكنها المقدسة في كل مكان و أن تفعل في ذلك فوق ما فعلته فرنسا حينما انتزعت منها الالزاس و اللورين , إذ فرضت على جميع الفرنسيين أن يضعوا خريطتهما في بيوتهم و متاجرهم و مدارسهم و كنائسهم , و أن يدرسوا تاريخهما و جغرافيتهم في معاهدهم قبل سائر الولايات الفرنسية , و أقامت بالإضافة إلى ذلك نصب تذكاريا رمزا للالزاس و اللورين في مكان خاص بالعاصمة الفرنسية ليحج إليه الفرنسيون من سائر الطبقات تذكيرا لهم بهذا الجزء الذي اعتبروه مغصوبا من الوطن الفرنسي .و أن تصلح الأمة العربية الخطأ الفادح , بل الخزي الفاضح , الذي اقترفته بإهمالها ذكر فلسطين و قبولها بطمس اسمها و محو رسمها من خريطة العالم إذ أصبح القسم الذي احتله اليهود من فلسطين يدعى " إسرائيل " و القسم الآخر المجاور لنهر الأردن " الضفة الغربية " , و لم يبقى حاملا أسم فلسطين إلا منطقة غزة التي يحميها الجيش المصري .

و قضيتها بأوسع نطاق كما فعلت الحكومة السورية مشكورة من تأليف الكتب عن تاريخ فلسطين و قضيتها و إلزامها جميع المدارس السورية بتدريسها فيها .

تعبئة عسكرية

4 – تعبئة الفلسطينيين تعبئة عسكرية بأعدادهم جسميا و عسكريا بتدريبهم و تجنيدهم و تسليحهم و تحويل جميع القادرين منهم إلى مجاهدين و أن يكون عليهم المعول في حراسة الحدود و تحصينها و الدفاع عنها و قد قامت أدله و براهن لا تنقض على أن أولي الناس بالذود عن الحدود و الصمود لليهود , هم أهل فلسطين .

و من الشواهد على ذلك ما ذكره اللواء علي نجيب سفير مصر في سوريا فقد أطلعت على تصريح له في بعض الصحف العربية يشيد فيه ببسالة مجاهدي قرية " فلامية " و استماتتهم في دفع قوات الجيش اليهودي المعتدي على قريتهم , و لما قابلته في ربيع الآخر 1373 الموافق ديسمبر 1953 بدمشق سألته عن تصريحه هذا فأكده و روى لي عن شدة كفاح مجاهدي هذه القرية الفلسطينية الصغيرة و حسن بلائهم في دفع عدوان اليهود عن قريتهم ما يدهش .

و هناك شهادات كثيرة على بسالة أهل قلقيلية و أدنا و حوسان و نحالين و غيرها تؤيد ما نقول وتؤكد صحة هذه الخطة التي بذلنا ما في وسعنا لتحقيقها منذ حلول الكارثة , و لقد قدمنا في هذا السبيل عشرات المذكرات و قمنا بالمحادثات في مئات الجلسات حتى استجاب لمطالبنا بعض الأقطار فجند بعض اللاجئين .

و أنا لنرجو أن تعم هذه الفكرة و أن ينقلب جميع القادرين من الفلسطينيين إلى مجاهدين " .

تحصين حدود فلسطين

5 – تحصين الحدود العربية المجاورة للمناطق التي احتلها اليهود تحصينا عسكريا فنيا لدفع حملات الأعداء المستمرة عليها وإحباط مطامعهم في تجاوزهم إلى بقية المنطقة العربية من فلسطين و ما وراءها .

تحصين مدينة القدس

6 – تحصين مدينة القدس تحصينا فنيا قويا , و العناية التامة بالدفاع عنها , لأن مطامع اليهود فيها كثيرة جدا , فهم يريدون الاستيلاء عليها و إقامة هيكلهم الديني على أنقاض المسجد الأقصى المبارك .

فأن هذه المدينة المقدسة التي تحتوي على المجلس الأقصى الذي ورد ذكره في القرآن الكريم و أحد المساجد الثلاثة كما ورد في الحديث الشريف و القبلة الأولى للمسلمين و مكان الإسراء و المعراج للرسول الكريم صلى الله عليه و سلم و التي تحتوي غير ذلك على كثير من الأماكن المقدسة الإسلامية و المسيحية و الذكريات الدينية للسيد المسيح عليه السلام و غيره من أنبياء الله الكرام , عدا قبور الصحابة و التابعين و عشرات الألوف من الشهداء و المجاهدين , قد أهملت شؤونها العمرانية و الاقتصادية كما أهملت شؤونها العسكرية إهمالا خطيرا فاضحا وفقا للخطة البريطانية الاستعمارية التي تعمل على إضعافها عسكريا و اقتصاديا لحمل أهلها العرب على النزوح عنها و الهجرة منها تسهيلا لاحتلال اليهود لها و تسليمها إياها , في الوقت الذي كان اليهود ينقلون إلى القسم الغربي من القدس الذي احتلوه , وزارتهم و مجلسهم النيابي و بقية دوائرهم تمهيدا لاتخاذها عاصمة لهم , و لا يألون جهدا في عمرانها و إنعاشها اقتصاديا .

و إنه لمن العار على العرب و المسلمين أن تهمل هذه المدينة المقدسة التاريخية هذا الإهمال الشائن , و ليعلموا أن سقوط القدس و المسجد الأقصى بإهمالهم و سكوتهم و تخاذلهم نذير بسقوط الأماكن المقدسة الأخرى ( لا سمح الله ) فأن مطامع اليهود السافرة الخطيرة في شمال الحجاز و المدينة المنورة لم تعد خافية و قد ذكرنها بالتفصيل في بعض مقالاتنا السابقة .

إعادة قضية فلسطين إلى أهلها

7 – إعادة قضية فلسطين إلى الفلسطينيين فأنهم أحق بها و أهلها و أحدب عليها و أولى بالذود عنها و الاستماتة في سبيلها .

و لقد أثبتت التجارب أن هذه القضية كانت و هي في أيدي أهلها مصونة عزيزة الجانب إلى أن استطاعت المؤامرات الاستعمارية أن تنتزعها منهم بالتأثير على بعض الدول العربية فحرمتهم بذلك من الاشتراك الوافي في الحرب كما أبعدتهم عن ميدان السياسة و لا تزال هذه السياسة الاستعمارية المسيطرة تقاوم بوسائلها المتعددة العناصر المؤمنة المجاهدة من أهل فلسطين لأنهم لم يخضعوا لسيطرتهم و لم يخدعوا بمغرياتهم .

فينبغي أن تعاد هذه القضية إلى أيدي أهلها المؤمنين المخلصين المصممين أن يعيدوا إليها حيويتها و نشاطها .

و الأمل المرجو من الأقطار العربية أن تمدهم بالعون و الثقة و التأييد و أن تحذر من الانخداع بالدعاية الاستعمارية اليهودية الدائبة على تشويه سمعة الفلسطينيين و محاولة الإفساد و التفريق بينهم و بين إخوانهم العرب في سائر الأقطار .

موقف الحزم و الصراحة من الدول الاستعمارية

8 – أن تقف الأمة العربية و العالم الإسلامي موقفا صريحا حازما من الدول الاستعمارية التي تعضد اليهود و تساعدهم ماليا و سياسيا و عسكريا .

و تحملها مسؤولية كل ما حدث و يحدث في هذه المنطقة من مظالم و فجائع و خسائر في الأنفس و الأموال , و من اضطراب لحبل الأمن و تعكير لصفو السلام , و أن تطالب هذه الدول الاستعمارية , و لا سيما انجلترا و أميركا , بالعدول عن سياسة الظلم و التحيز , و بالوقوف – بالأقل – على الحياد الصحيح , و لا تقبل أي تعاون سياسي أو اقتصادي أو حربي معها ما لم تعدل سياستها و تلزم جانب الحياد .

توحيد القوى و جمع الكلمة

9 – أن لا تألو البلاد العربية جهدا في سبيل توحيد القوى و جمع الكلمة و الوقوف صفا واحدا تجاه التيارات الاستعمارية و الأخطار العسكرية و السياسية و الاقتصادية و توثيق التعاون بين الدول العربية ليكون لها وزن يعتد به في الميزان الدولي .

التمرد على الاستعمار

10 – أن تتمرد الأمة العربية على التوجيه الاستعماري , وأن تكون سياسة الأمة العربية صادرة عن صميم رغباتها , و صادق شعورها و وفقا لحاجاتها و مصالحها لا وفقا لمصالح المستعمرين , و أن تنبذ الذين ران الاستعمار على قلوبهم , و استولى على عقولهم , و جعلهم آلات طيعة صماء يسخروها و يسيرها كيف يشاء , و أن تقصي هذه الفئة الضالة من عملاء الأعداء و أنصارهم عن كافة الميادين العربية العامة .

الحذر من المستعمرين و جواسيسهم و عملائهم

11 – الحذر من عملاء المستعمرين و جواسيسهم و دعاتهم و شياطينهم الذين بثوبهم في كل ناحية , دانية أو نائية , من البلاد العربية , في دواوينها الرسمية , و بيوتهم الخاصة , و سائر أماكنها الحساسة , و في الأسواق و المعابد , و المدارس و المعاهد , و في المدن و القرى و في السهول و الجبال , و الصحاري و الفيافي .

أولئك هم سمع الاستعمار و بصره و آلاته و أدواته المسخرة و هم الذين يؤلفون الطابور ( الرطل ) الخامس و قد بلغ عدد أفراد هذا " الطابور " في البلاد العربية نسبة لا مثيل لها في أي قطر من أقطار العالم , و انبث أفراده بين الناس يحصون عليهم أنفاسهم , و يسجلون حركاتهم و سكناتهم و يسعون في الأرض فسادا جاهدين في تفريق كلمة الأمة و تشتيت شملها و تسميم أخلاقها الكريمة و عقائدها القويمة و توهين روابطها و تقاليدها , و نشر روح الهزيمة فيها , دائبين على ذلك بنظام و براعة ,وفق خطط مرسومة ليهدموا كيان الأمة و يقوضوا بنيانها .

فينبغي أن نحذر هؤلاء كل الحذر كما يجب اتخاذ وسائل المقاومة اليقظة المنظمة لشل حركتهم و تضييق الخناق عليهم و اطلاع الناس على كيدهم و مؤامراتهم , و أخذهم بالحزم كما تفعل الأمم الحية مع أمثالهم لاتقاء شرورهم و رد كيدهم إلى نحورهم .

وصفوة القول أن الواجب يقضي بالوقوف موقف الحذر الشديد من دوائر المخابرات الأجنبية التي تحرك هؤلاء العملاء و الدعاة و الجواسيس و ترسم لهم الخطط و تغدق عليهم الأموال بغير حساب .

و هي تسخر أناسا من جميع الطبقات و المقامات من الرجال و النساء من الأغنياء و الفقراء , و الوزراء أو السفراء , و من الخاصة و العامة , للعمل معها و التجسس لها و ترويج مصالحها و تنفيذ أغراضها , فهي من أعظم الأخطار و أكبر المصائب التي تحيق بالبلاد العربية .

و كيف يرجى نجاة أمة و نجاحها و تقدمها و فلاحها بوجود هذه العوائق الخطيرة و العناصر الشريرة .

الخلق اليهودي

و بعد فأن ثمة فرصا يجب انتهازها , و أخطاء من الأعداء ينبغي استغلالها , كما أن لنا أنصار يساعدوننا مساعدة إيجابية أو سلبية .

و أعتقد أن لنا نصيرا سلبيا عظيم الأهمية , و هو الخلق اليهودي المتأصل فيهم و الذي طبعت عليه نفوسهم من أول عهدهم فكان من أهم أسباب فشلهم في جميع أدوار تاريخهم و بغض الناس لهم و خصومتهم واضطهادهم .

و من أبرز نواحي هذا الخلق اليهودي الغرور و الإفراط في الأنانية الذي نشأ عن اعتقادهم بأنهم شعب الله المختار من دون الناس , و التطرف الذي لا حد له في المطامع و المطالب و الرغبة في حرمان غيرهم من الخير مصدقا لقوله تعالى فيهم : ( أم لهم نصيب من الملك فإذن لا يؤتون الناس نقيرا ) , فلا حدود لمطامعهم , و لا رحمة في قلوبهم و قد اشتهروا باللد في الخصومة و القسوة الشديدة كما وصفهم الله تعالى بقوله : ( ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة , و أن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار و أن منها لما يشقق فيخرج من الماء و إن منها لما يهبط من خشية الله و ما الله بغافل عما تعملون ).

فهذا الخلق الذي نشأ عن اعتقادهم بأنهم شعب الله الخاص , و أنهم أولى بخيرات هذه الدنيا من غيرهم من الأمم , جعلهم لا يقيمون وزنا لسواهم , و لا يعترفون بحق أو فضل لغيرهم , مما أيأس الناس في كل أدوار التاريخ من العيش معهم , وأعتقد أن هذا الخلق الذي هو ( غضب الله ) الملازم لهم , سيثر من أعدائهم و يثير الأمم عليهم , و يكون حافز للعرب و المسلمين ( الذين استحقوا بابتعادهم عن الله و الدين القويم أن يبتلوا بطغيان اليهود و بغيهم و عدوانهم عليهم ) , إلى اليقظة و التوبة و العودة إلى الله , و الصراط المستقيم , و لعل حكمة الله اقتضت أن لا تكون إفاقتهم من سباتهم العميق , و انتباههم من غفلتهم الشديدة , إلا بأقوى المنبهات و أشدها إيلاما لهم و وخزا لجسومهم و أرواحهم فيرجعوا إلى سابق عهدهم و ينقذوا بلادهم المقدسة من عدوان المعتدين , سواء أكانوا أجانب مستعمرين أم يهودا صهيونيين .

استنقاذ فلسطين ضرورة مبرمة للأمة العربية

هذا و لا شك فيه أن استنقاذ فلسطين و استردادها من أيدي الغاصبين ضرورة مبرمة لا محيد عنها و حاجة قصوى لا مناص منها للأمة العربية .

فهي واسطة عقد أقطارها و جامعة شملها و لحمة شطريها , و الصلة الوحيدة التي تربط هذه الأقطار في كل من أسيا و أفريقية ببعض , و أن فقدها ( لا سمح الله ) سيقضي على كل اتصال بين هذه الأقطار و يعرضها لأشد الأخطار , و قد أخذ شعور العرب و المسلمين بهذا الخطر يزداد على توالي الأيام .

تصريحات خطيرة لجلالة الملك سعود

و أقرب دليل و أصدق برهان على ذلك التصريحات الأخيرة التي صرح بها جلالة الملك سعود ملك المملكة العربية السعودية من " أنه إذا استمر الصهيونيين في عدوانهم على العرب و تهديدهم لكيانهم فليس أمام العرب و المسلمين إلا الدفاع عن أنفسهم و بلادهم بكل ما يملكونه من أنفس و أموال , و أن الملايين من العرب و المسلمين يتمنون أن تسفك دماؤهم في سبيل حماية المسجد الأقصى و أرضه المباركة من الصهيونيين , و أن هذا آت لا ريب فيه طال الزمان أم قصر , ففلسطين للعرب و هي في نظرهم و نظر المسلمين أولى القبلتين و ثالثة الحرمين الشريفين و جزء لا يتجزأ منهما , و على الدول المعنية بأمر الهدوء و السلام في الشرق الأوسط أن تتفهم هذه الحقيقة و تعيها و تضعها نصب أعينهم , و إذا كانت هذه الدول قد وجدت من ساعدها على تنفيذ خطة الصهيونيين بإيجاد إسرائيل في فلسطين فأن الوعي العربي قد نما كثيرا في جماهير الشعوب العربية ... "

و قد ورد في مكان آخر من التصريح المذكور لجلالة الملك سعود قوله : " أذاع بعض رجالات إسرائيل يجب أن تنمو و تتسع حتى تشمل حوضي دجلة و الفرات و شبه جزيرة سيناء و شمال البلاد العربية السعودية بما فيها المدينة المنورة أحد الحرمين الشريفين و مثوى نبي المسلمين , و بعد كل ذلك , بلادي و بلاد كل عربي مسلم .

و لقد ثبتت لنا مطامع الصهيونية اليوم من أقوال رجالها و ممن أوجدوها و من يدعون إليها . و هذه الخطة يجاهرون بها و يدرسونها لتلاميذ المدارس في إسرائيل و يحشون أدمغتهم بهذه الأوهام و الخيالات و لا جواب لما يعملون اليوم من أجله إلا أن نعد لهم ما استطعنا من قوة . "

و كذلك تصريح سابق لجلالته نشرته وكالة اسوشياتد برس من الرياض بتاريخ 9 يناير سنة 1954 أعرب فيه عن استعداد العرب للتضحية بعشرة ملايين منهم ليعيشوا أعزة كراما و زاد على ذلك بقوله : " أن فلسطين سقطت في يد اليهود عام 1948 و خسر العرب معركتها لأنهم لم يكونوا متحدين , و لو كنا أتحدنا يومئذ لما ظهرت إسرائيل إلى عالم الوجود , و أن إسرائيل جرح دام في جنب العالم العربي و لن نستطيع تحمل آلام هذا الجرح بل ليس لدينا الصبر الذي يمكننا من رؤية إسرائيل باقية تحتل جزء من فلسطين زمنا طويلا ... "

و هناك ما يملأ القلب إيمانا و يقينا , و يفرغ على النفوس سكينة و طمأنينة باسترداد هذه البلاد المباركة , و هو اعتقادنا التي لا يتزعزع أن الله العظيم العادل , لن يترك هؤلاء اليهود المعتدين , و المستعمرين الظالمين , من انجليز و أميركيين و سواهم , ممعنين في بغيهم الأثيم , و أنه تعالى يمهل و لا يهمل , و يستدرج الظالمين إلى حيث يلقون جزاءهم العادل كما قال و هو أصدق القائلين : ( سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ) , ( و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) .

أيها الفلسطينيون , أيها العرب و المسلمون !

أعلموا أنكم في موقف حاسم من مواقف التاريخ , و على مفترق الطريق من مستقبل العروبة و الإسلام , و إنكم تجابهون غزوة من أقصى غزوات البغي و الطغيان , فأن لم تدركوا حقيقة هذا الموقف , و تجدوا كل الجد و تصمموا على بذل الجهد و دفع الثمن مهما غلا , فسيحل بكم بلاء عظيم و ستصيبكم القارعة التي لا تبقي و لا تذر , و التي نسأل الله منها السلامة و حسن العاقبة .

و أعلموا أن المستعمرين و الصهيونيين الذين أخرجوا عرب فلسطين من ديارهم و شردوهم في الآفاق إنما يقومون بتجربة جديدة للغزو الاستعماري و هي إبدال شعب بشعب بإبادة العرب و إحلال اليهود محلهم في فلسطين , كما فعل الانجليز و الأميركيون بالهنود الحمر و سكان استراليا الأقدمين , فأن استخذيتم و رضختم لهذا الظلم و لم تهبوا لدفعه فأن هذه التجربة بعد نجاحها في فلسطين , ستنفذ حتما في سائر الأقطار العربية .

الخلاصة

و خلاصة القول : أن معالجة قضية فلسطين و استرداد عروبتها لا يتم بالقول الهراء و لا بمجرد التمني و الدعاء .

فإذا أردتم تحقيق ذلك فاشرعوا بالتعبئة الروحية , و التعبئة الحربية ( و أعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) و دعوا الهزل و اعتصموا بالجد و التصميم و أذكروا فلسطين كذكركم أنفسكم أو أشد ذكرا , و قوموا لها بالدعاية الواسعة , و حصنوا حدود البلاد , و مواقعها المنيعة في القرى و المدن و لاسيما " القدس " المدينة التاريخية و أماكنها المقدسة و أعيدوا قضية فلسطين إلى أهلها المستميتين في سبيلها , و انبذوا للأعداء على سوء , مصارحين الاستعمار بأنه سبب الداء , و أساس البلاء , و وحدوا الصفوف و استعصوا على التوجيه الاستعماري , و انبذوا الانهزاميين , و عملاء المستعمرين و دعاتهم , و إتباعهم , و جواسيسهم و سائر رجال الطابور الخامس , و احذروهم .

و أقصوهم عن القضية و عن سائر الميادين العامة العربية .

فأن فعلتم ذلك مستعينين بالله العلي القدير مستمسكين بحبله المتين فأنكم حينئذ تفوزون بالنصر المبين و باسترداد فلسطين و تسترجعون كرامتكم و تحيون في أوطانكم حياة طيبة أعزاء آمنين .

هذه هي السبل القويمة التي توصلكم إلى أهدافكم و إلى إنقاذ بلادكم فاسلكوها و أسعوا إليها السعي الحثيث فالله تعالى يقول : ( و أن ليس للإنسان إلا ما سعى ) .

و ثقوا أنكم قادرون على تحقيق غاياتكم , و أنكم عائدون حتما إلى بلادكم إن أخلصتم , و صممتم و سعيتم و جاهدتم , و بذلتم أموالكم , و سفكتم دماءكم.

و ترد بالدم بقعة أخذت به

و يموت دون عرينه الضرغام
( و لينصرون الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ).