حركة الجهاد الاسلامى فى فلسطين

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
حركة الجهاد الإسلامي فى فلسطين حقائق ومواقف

د. رمضان عبد الله شلح

مؤسسة الأقصى الثقافية - دمشق

مقدمة

حركة الجهاد الإسلامي فى فلسطين ، حركة إسلامية جهادية مباركة ولدت فى قلب الصراع مع العدو الصهيوني مع بداية الثمانينات ، فكان لها دور السبق فى إعادة الراية الإسلامية لمعركة فلسطين وفى ردم الهوة بين الجهاد وفلسطين وإحياء روح الجهاد فى الحركة الإسلامية الفلسطينية . وقد انخرطت الحركة فى هذا الصراع بكل طاقتها وإمكانياتها منذ اليوم الأول لولادتها ولا زالت فى أتون هذا الصراع وفى القلب منه تقدم الشهيد تلو الشهيد وتجدد عهدها مع الله ومع الأمة الإسلامية على الاستمرار فى الجهاد حتى تحرير كل فلسطين.

لم تعط ظروف المعركة المشتعلة فى أرض فلسطين ، لهذه الحركة فرصة كافية لتقدم نفسها للأمة الإسلامية ولتعرف بمنطلقاتها الفكرية والسياسية . وعلى الرغم من كل ما قيل عنها وما أثير حولها من تهم وشبهات تؤلم نفوس المجاهدين الصادقين وتحزن قلوب أمهات الشهداء، بقيت الحركة سائرة فى دربها رافعة راية الجهاد ممتشقة البندقية فى وجه العدو الغاصب ، مدركة أن صليل البنادق هو خير من يبدد الأوهام والشبهات والاتهامات التى يبثها كل المرجفين والمثبطين ، ومتمثلة قول الله عز وجل " إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور" .

كذلك فقد نأت حركة الجهاد الإسلامي بنفسها عن كل المشاريع والمسارات السياسية وتمسكت بمشروع المقاومة مشروعا متكاملا يقدم رؤية فكرية وموقفا سياسيا ولغة تستجيب لكل مفردات الخطاب الصهيوني المتمثلة فى الاحتلال والعدوان والاغتيال والتهجير وتدمير المنازل وإهلاك الحرث والنسل .

لكن ذلك كله لم يمنع حركة الجهاد الإسلامي من بلورة رؤية عميقة لطبيعة الصراع مع العدو الصهيوني فى أبعاده المختلفة ، وبلورة رؤية سياسية حكيمة بدأت تسترعى انتباه الأطراف المختلفة فتحولت هذه الحركة فى أذهان الكثيرين من أبناء أمتنا المسلمة إلى نموذج للتمسك بالثوابت وحق المسلمين فى كل فلسطين، وإلى بوصلة تشير إلى سبيل الجهاد والمقاومة عند تفرق السبل، وإلى منهج قويم لتحديد أولويات الصراع وتجنب المعارك الهامشية والصراعات البينية المدمرة .

أمام تنامي هذا الاهتمام بحركة الجهاد الإسلامي ومواقفها ورؤيتها الفكرية والسياسية ، تقدمت أسرة موقع " الإسلام اليوم" بمجموعة من الأسئلة الجوهرية والشاملة والصريحة إلى الدكتور رمضان عبد الله شلح الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي . وقد أجاب الأمين العام على هذه الأسئلة بصدقه وصراحته المعتادة وجرأته فى قول الحق، فجاءت هذه الأجوبة لتكون خير تعريف بالحركة ومنطلقاتها وجهادها وموقفها مما يجرى اليوم من صراعات بين الإخوة على أرض فلسطين، وموقفها من كل المسارات السياسية والمبادرات " السلمية" المزعومة الفلسطينية منها والإسرائيلية والعربية والدولية ، ورؤيتها للخروج بالواقع الفلسطيني من أزمته الحالية.

ومن القضايا الهامة والحساسة التى تضمنها الحوار ، علاقة حركة الجهاد الإسلامي بحركة المقاومة الإسلامية حماس ، والإخوان المسلمين فى فلسطين . وقد أشارت المقابلة إلى العلاقة بين الحركتين فى سياقين : "الأول"، سياق تاريخى حول بدايات نشأة حركة الجهاد وما يجرى من تدافع مع حركة الإخوان ، واختلاف الرؤية حول بعض المسائل . وهو سياق قد تجاوزته الأحداث، لكن ى يمكن القفز عليه فى التاريخ لمشروع الجهاد والمقاومة فى فلسطين . كما أن استعراض الإشكالات التى صاحبت النشأة يضعها فى حجمها الطبيعي ويعزز رغبة الحركتين فى تجاوزها بحق. وتأمل أن لا يفهم هذا التوضيح بشكل خاطئ أو ملتبس يضر بوحدة المجاهدين ودورهم .

"السياق الثاني"، خاص بالاجتهادات السياسية الراهنة التى تباينت لدى الحركتين ، وتحديدا تجاه مسألة الانتخابات والموقف من السلطة الفلسطينية وطابعها الوظيفي ، وهو تباين يندرج فى سياق الاجتهاد داخل الحركة الإسلاميةالفلسطينية من أجل الوصول لرؤية الاجتهاد داخل الحركة الإسلاميةالفلسطينية ، من أجل الوصول لرؤية تخدم ثوابت القضية وتحافظ على نهج الجهاد والمقاومة.

"ولإتمام الفائدة وتعميمها قامت مؤسسة القدس للثقافة بإصدار هذا الحوار الهام مطبوعا فى كتابنا هذا مراعية المحافظة الحرفية على نص الحوار :وبالله التوفيق"

الناشر . مؤسسة الأقصي الثقافية

تقديم موقع " الإسلام اليوم"

الآن تستطيع حركة الجهاد الإسلامي فى فلسطين أن تفتخر بقرارها الواضح فى رفض المشاركة فى الانتخابات الفلسطينية لأنها " لا تؤمن بإجراء انتخابات ديمقراطية مزعومة تحت حراب الاحتلال وتحت سقف أوسلو" فهذا القرار أهلها أن تنأى بنفسها عن الانقسام والاقتتال الداخلي الفلسطيني ، ودفعها بقوة إلى إلى أن تتبوأ منصة " إصلاح ذات البين" لأنها رفضت منذ البداية " الدخول فى هذا النفق".

هنا يتحدث الدكتور رمضان عبد الله شلح – الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي فى فلسطين- بكل التفاصيل لشبكة (الإسلام اليوم) عن ملفات مشتعلة فى الساحة الفلسطينية آلت الجهاد الإسلامي على نفسها أن تطفئها، أن تطفئ تلك النيران المشتعلة بين أبناء الشعب الفلسطيني الواحد.

الدكتور رمضان شلح يعد من قادة المقاومة الفلسطينية الناشطين فى الخارج والذى قاد حركة تأسست فى السجون، فيعد استشهاد قائدها فتحي الشقاقى أواخر عام 1995 وبموافقة مجلس الشورى فى تنظيم الجهاد أصبح "شلح" أمينا عاما للحركة ، وتمكن من تطويرها وتوسيع وترسيخ تحالفاتها. الدكتور رمضان شلح (50 عاما) مو مواليد الشجاعية 1958 ، من مؤسسى حركة الجهاد، اشتهر بدوره فى الدعوة والتوعية الإسلامية ، وآذت خطبه المفوهة جيش الاحتلال الاسرائيلى، فقد قام الاحتلال فى عام 1983 بفرض الإقامة الجبرية عليه وتقييد أنشطته وتحركاته، كما منع من التدريس ودخول الجامعة الإسلامية التى كان يدرس فيها الاقتصاد آنذاك.

غادر "شلح" قطاع غزةفى العام 1986 إلى لندن لإكمال الدراسات العليا فحصل على درجة الدكتوراه فى الاقتصاد من جامعة (درهام) عام 1990 . سافر بعدها إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث عمل مديرا لمركز دراسات الإسلام والعالم بولاية فلوريدا والذي ساهم فى تأسيسه. وعمل رئيسا لتحرير دورية المركز الفصلية التى صدرت بعنوان " قراءات سياسية" واهتمت بالتاريخ والحضارة الإسلامية، إلى جانب اهتمامها بالدراسات المعاصرة الخاصة بالقضية الفلسطينية والعلاقات الدولية الإستراتيجية وقراءة وتحليل المواقف العربية والإسلامية والدولية.

" نحن لم نسلك هذا النفق من بدايته، ولم نكن جزءا من هذا المشروع، لا فى مقدماته ولا فيما آل إليه من صدام، لذلك نحن لا يمكن أن نقف مع طرف ضد طرف، ونهزز حالة الانقسام بما يقضى إلى مزيد من الصدام، إننا جميعا فى مركب واحد قد يكون الآن يسير فى الاتجاه الخاطئ ، ويجب ألا نسمح به بالغرق ، لذا كنا ولا نزال نسعى لإصلاح ذات البين، والبحث عن مخرج يجنب الساحة الفلسطينية المزيد من الويلات". بهذه الكلمات السريعة يختصر الدكتور رمضان شلح الكثير من القضايا الكبيرة التى تناولها هذا الحوار.. من تأسيس حركة الجهاد الإسلامي ودورها فى المقاومة والإعداد، إلى حركة حماس ومشاركتها فى السلطة، ومنظمة التحرير ، ومؤتمر الخريف، وتداعيات عملية (زكي) الأخيرة، والاتهامات الموجهة لحركة الجهاد بعلاقتها مع إيران وميولها نحو المذهب الشيعي...

فإلى تفاصيل الحوار ...

حركة الجهاد الإسلامي :النشأة والمنطلقات الفكرية

  • هل لكم أن تعطونا نبذة تعريفية عن حركة الجهاد الإسلامي ونشأتها وما هى منطلقاتها الفكرية وجهودها على الساحة الفلسطينية؟
حركة الجهاد الإسلامي نشأت نتيجة نقاش ومخاض فكرى وسياسي داخل الحركة الإسلاميةفى فلسطين منذ منتصف السبعينات، حول موقع فلسطين والجهاد فى برنامج الحركة الإسلامية.. وقد حسم المؤسسون لحركة الجهاد، وعلى رأسهم الشهيد الدكتور فتحي الشقاق رحمه الله ، أمرهم بضرورة تشكيل تنظيم جديد بعد العدة لمشروع الجهاد والمقاومة من منطلق اسلامى.
تشكلت النواة الأولى لهذا المشروع من خلال تنظيم طلابي ضم العشرات من الطلاب الفلسطينيين أثناء دراستهم الجامعية فى مصر أواخر السبعينات .. لم يحمل التنظيم الطلابي يومها اسم الجهاد الإسلامي، لكنه بدأ يتبلور فى هذا الاتجاه منذ منتصف الثمانينات عندما تشكلت الخلايا العسكرية الأولى وبدأت عملها فى المقاومة ضد الاحتلال بدءا من قطاع غزة.. وقد نبعت دوافع النشأة والتكوين من رافدين، الأول، يتعلق بواقع الحركة الإسلامية، التى نحن جزء منها، وإهمالها للمسألة الفلسطينية فى بعدها الكفاحي، وطرح أولويات بديلة عن الجهاد والمقاومة، فكان الجهاد فى نظرنا هو الفريضة الغائبة عن فلسطين والتي تبحث عمن يستحضرها.
والثاني، واقع الحركة الوطنية بقيادة منظمة التحرير بفصائلها العلمانية، التى مارست الكفاح المسلح وأغفلت بل غيبت دور الإسلام فى الصراع مع المشروع الصهيوني. أى أننا كنا أمام إسلاميين يرفعون راية الإسلام بلا فلسطين كقضية كفاحية وبلا جهاد أو مقاومة ، بغض النظر عن السبب، ووطنيين يرفعون راية فلسطين القضية والكفاح من التفريط والتنازل، الأمر الذى وقعت فيه منظمة التحرير فيما بعد.
وقد رفعت حركة الجهاد الإسلامي شعار "فلسطين قضية مركزية للحركة الإسلامية" استنادا إلى رؤية متكاملة تستند إلى ثلاثة أبعاد فى تشخيص الصراع على فلسطين : "الأول": (البعد العقدي والشرعي)، والذي يبين موقع فلسطين فى الإسلام كأرض مباركة بنص القرآن ، وهى قبلة المسلمين الأولى ومسرى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومعراجه إلى السماء.. كما يظهر هذا البعد حتمية المواجهة بيننا وبين اليهود، وهذا ما أكدته نصوص القرآن والسنة لا سيما فى سورة الإسراء وما فيها من بشارة للمسلمين من دخول المسجد الأقصى فاتحين.. ثم الحكم الشرعي بأن الجهاد فى فلسطين فرض عين.
"الثاني" : هو (البعد التاريخي) الذى يضع الهجمة الصهيونية فى سياق الحرب والعداء التاريخي لليهود وكيدهم ضد الإسلام منذ بزوغ شمس الرسالة إلى يومنا هذا .. وكذلك عداء الغرب لهذا الدين منذ غزوة مؤتة وتبوك، مرورا بالحروب الصليبية ،وصولا إلى غرس الكيان الصهيوني فى قلب الأمة ، فلسطين ، كرأس حربه للمشروع الغربي، وكتتويج لهجمته الحديثة على الشرق الإسلامي التى بدأت بحملة نابليون أواخر القرن الثامن عشر، التى اعتبرها بعض المثقفين العرب للأسف بداية ما سمى بعصر النهضة العربية الحديثة.
"وثالثا" (البعد الواقعي): الذى يظهر ما تمثله "إسرائيل" فى الواقع الراهن كقاعدة استعمارية وثكنة عسكرية لحراسة المصالح الغربية والأمريكية فى المنطقة ، وما يترتب على وجودها ودورها فى المنطقة من خطر واقعي، لا يتهدد فلسطين وحدها بل يطال الأمة كلها.
وفى الممارسة ، كان لحركة الجهاد الإسلامي، بفضل الله سبحانه وتعالى، السبق فى إطلاق شرارة الجهاد تحت راية الإسلام، فى الثورة الفلسطينية المعاصرة، وكان لها الدور الأبرز فى تهيئة المناخ الجهادي وتعبئة جيل بأكمله لإشعال شرارة الانتفاضة الأولى. وقد شهد بذلك العدو الصهيوني الذى قالت مصادره "إن من حق أعضاء الجهاد أن يفخروا بأنها الحركة التى دحرجت صخرة الانتفاضة" وهذا معروف وموثق . ونحن لا نسوق هذا الكلام من باب الفخر أم المباهاة ، بل من قبيل التذكير بحقائق يجرى طمسها وتغييبها أحيانا عند التأريخ للحركة الإسلامية ودورها فى الجهاد والمقاومة فى فلسطين ، حيث البعض يعتبر تاريخ المقاومة والجهاد والاستشهاد هو تاريخ فصيله أو حزبه، فيختصر الشعب والقضية فى هذا الفصيل أو ذاك الحزب لذلك ، فنحن لا تزعم أن حركة الجهاد هى التى فجرت الانتفاضي أو خططت لها كما يزعم البعض ، فالانتفاضة كحدث معجز ومبدع كانت من صنع الشعب الفلسطيني، بكامل فئاته وشرائحه وقراه ولا يمكن أن تنسب لطرف بعينه مهما كانت قوته أو أسبقية دوره.
كان تأسيس حركة حماس وانخراطها فى الانتفاضة والجهاد المسلح إضافة كبيرة لمسيرة النضال الفلسطيني، ودليل على نجاح فكرة حركة الجهاد وأن هدفها باستنهاض التيار الإسلامي وجذبه إلى ميدان المواجهة قد تحقق.
وحين تم الالتفاف على الانتفاضة الأولى وإجهاضها بعملية التسوية وتوقيع اتفاق أوسلو، كان صمود حركة الجهاد الإسلامي، جنبا إلى جنب مع الشقيقة [[حركة المقاومة الإسلامية حماس ، وإصرار الحركتين على التمسك بخيار الجهاد والمقاومة ورفض نهج أوسلو وتنازلاته والتمسك بخيار الجهاد والمقاومة، هو العامل الأهم فى المحافظة على القضية وثبات وصمود الشعب الفلسطيني وإصراره على مواصلة طريق الجهاد والتحرير.
كان هجوم أوسلو وولوج قيادة منظمة التحرير نفق التسوية ، كخيار وحيد للشعب الفلسطيني ، انعطافة خطيرة ، بل انحدارا مأساويا فى تاريخ النضال الوطني الفلسطيني.. لكن ظاهرة العمليات الاستشهادية النوعية، التى نفذتها حركتا الجهاد وحماس ، كانت نقطة مضيئة ومحطة تاريخية فاصلة فى جهاد الشعب الفلسطيني، أعادت الأمل إلى قلوب الملايين من العرب والمسلمين، وبعثت الثقة بالشعب الفلسطيني وقدرته على نقل المعركة إلى قلب العدو فى أحلك الظروف.
وكان من أبرز العمليات الاستشهادية فى تلك المرحلة "عملية بيت ليد" المزدوجة ، التى نفذها مجاهدان من حركة الجهاد الإسلامي، وأسفرت عن مقتل 22 جنديا صهيونيا وإصابة 87 آخرين . لقد أذهلت عملية بيت ليد العالم، وصدمت العقل الصهيوني ، حتى قيل أنها كانت السبب المباشر الذى دفع العدو إلى اتخاذ قرار بتصفية القائد المؤسس للحركة الشهيد الدكتور فتحي الشقاقى رحمه الله ، الذى اغتيل على يد الموساد الصهيوني فى مالطا ، يوم 26 -10- 1995 .وفى انتفاضة الأقص المباركة، كان صعود نجم سرايا القدس " الاسم الجديد للجناح العسكري للحركة، بمثابة ولادة جديدة لحركة الجهاد الإسلامي" ، حيث أسهمت بالجهاد والاستشهاد، إلى جانب بقية الفصائل والأجنحة العسكرية ، لا سيما كتائب القسام ، وكتائب شهداء الأقصي فى صنع مرحلة جديدة فى تاريخ الصراع على فلسطين .
إن رصيد حركة الجهاد فى مسيرة الكفاح الفلسطيني والذي نحتسبه عند الله سبحانه وتعالى، ليس موضوعا للمباهاة والدعاية الحزبية، بل هى جراحات تثخن جسد الحركة وأعباء وأثقال كبيرة تثقل كاهلها، لكنها لا تمنعها من مواصلة المسيرة، لقد نفذت الحركة منذ نشأتها آلاف العمليات العسكرية بمختلف أنواعها ضد الاحتلال، وقدمت آلاف الشهداء والجرحى والأسرى والمعتقلين اليوم هناك ما يقرب من 2500 سجين من أبناء ومجاهدي وقيادات حركة الجهاد يقبعون فى سجون الاحتلال ، هذا إضافة إلى دورها فى المجال الدعوى والتربوي والثقافي والاجتماعي عبر المساجد ومراكز تحفيظ القرآن والجمعيات الخيرية التى تعانى نقص الإمكانات المادية، وملاحقة العدو الصهيوني لها.
لكن الإسهام الأهم والأبرز لحركة الجهاد فى تاريخ القضية هو قيامها ونهوضها من الأساس، وردمها بالجهاد للهوة الطارئة بين الإسلام وفلسطين ، لقد استطاعت أن تجتذب جيلا إسلاميا جديدا إلى الحركة الإسلاميةالمعاصرة، جيلا يفكر بالإسلام من موقع الجهاد والمقاومة، ويفكر بالكفاح والمقاومة من موقع الإسلام. لقد غدت الحركة الإسلاميةفى فلسطين اليوم، بفضل الله سبحانه وتعالى ، تيارا يفرض نفسه على الواقع بقوة، وقوة لا يمكن تجاوزها فى رسم وتحديد مستقبل فلسطين.
  • هناك من يعتقد أن الحركة الإسلاميةفى فلسطين لم تهمل مسألة الجهاد والمقاومة وأن حركة الجهاد هى التى تعجلت فى ذلك لأن الأمر يتطلب إعدادا روحيا وفكريا لا يمكن القفز عنه ، ما رأيكم؟
أولا ، لابد أن نحدد من هى الحركة الإسلاميةهنا.. قبل نشأة حركة الجهاد الإسلامي كانت الحركة السلامية فى فلسطين بشكل أساسي تشمل جماعتين ، حركة الإخوان المسلمين،وحزب التحرير الإسلامي ، الذى تأسس فى القدس عام 1953 على يد الشيخ تقى الدين النبهانى رحمه الله .
ودعنا نبدأ بحزب التحرير لأن موقفه معروف وواضح، ولا بد أن أسجل بداية أننا نحترم ونقدر آراء إخواننا فى حزب التحرير ونثمن لهم حرصهم وغيرتهم على الإسلام ، لكن هذا لا يمنع من أن نختلف معهم فى الرأى لا سيما حول مسألة الجهاد والمقاومة ، فبرغم إدراك الحزب ومؤسسه رحمه الله لعمق قضية فلسطين فى أبعادها العقدية والحضارية وخطورة المشروع الاستعماري الصهيوني، وحتى قناعتهم بأن فلسطين لا تحرر إلا بالجهاد ، لكن الحزب عمليا لم يتبين خيار الجهاد ولم يسلك طريق المقاومة بحجة أن إقامة الدولة أو الخلافة الإسلامية هى الأولوية، وأن الجهاد لا يجب على عامة المسلمين فى غياب الخليفة أو الإمام المسلم الذى يستنفرهم .
وهذا الطرح للأسف يستند إلى فهم أو تشخيص خاطئ لطبيعة العدوان الذى تتعرض له الأمة فى فلسطين، وطبيعة الجهاد المطلوب لدفعه .. فالذي عليه جمهور الأمة اليوم أن الجهاد فى فلسطين هو جهاد دفع وليس جهاد طلب.. وجهاد دفع العدو الغازي لأرض المسلمين فرض عين على أهل البلد الخاضع للعدوان ، جماعات وأفرادا، رجالا ونساء، حتى قيل إن المرأة تخرج فيه بغير إذن وليها، وإذا لم تتحقق الكفاية بأهل البلد يمتد حكم الفرض إلى الذين يلونهم من المسلمين ، فالذين يلونهم وهكذا حتى يشمل سائر المسلمين فى كل بقاع الأرض. لقد أجل حزب التحرير كل شيء تقريبا إلى ما بعد الدولة أو الخلافة الإسلامية ، الأمر الذى أنتج حالة سلبية أثرت على الحزب نفسه.. واليوم نلمس عودة قوية للحزب فى العالم الإسلامي وفى الشارع الفلسطيني ، نرحب بها ، وتأمل أن يقطع بقية المسافة ، وينخرط فى الجهاد والمقاومة لتعزيز المسيرة.
أما بالنسبة لحركة الإخوان المسلمين، فالشهيد الشقاقى رحمه الله وبعض إخوانه من مؤسسي حركة الجهاد كانوا أعضاء فى الجماعة وحتى من لم يكن عضوا فى الإخوان ، كما هو الحال بالنسبة لى وآخرين، فنحن قد تربينا على أفكار الشهيد حسن البنا وكتابات الشهيد سيد قطب رحمهما الله وغيرهم من مفكري وشيوخ الصحوة الإسلامية وعندما طرح موضوع الجهاد وضرورة أخذ الجماعة زمام المبادرة والشروع بالجهاد والمقاومة المسلحة، من قبل الشهيد الشقاقى رحمه الله، فلم يكن ذلك خروجا على الجماعة أو محاولة لشقها أو إضعافها ، بل كانت استجابة تاريخية ومحاولة لتصويب وتسديد المسار فى فلسطين، لينسجم مع ا لنهج الذى سلكه الشهيد حسن البنا رحمه الله، حين أرسل المجاهدين والمتطوعين من مصر للقتال فى فلسطين .
لقد كانت البوصلة فى عقل ووعى الإمام البنا رحمه الله واضحة، وكان سلم الأولويات سليما . فهل يعقل أن ت كون فلسطين أولوية فى برنامج الحركة الإسلاميةبمصر، أو أن يأتى أبناؤها لقتال العدو الصهيوني فى فلسطين ، بينما نحن فى فلسطين يكون لنا أولويات أخرى؟ هل يجوز أن نقعد عن الجهاد، مهما كانت المعوقات والذرائع ، ونترك غيرنا من التنظيمات العلمانية واليسارية الذين ننتقدهم يقاتلون ؟ هذا هو جوهر النقاش الذى أثارته حركة الجهاد.
أما الأعداد الفكري والتربوي والمعنوي، فلا أحد ينكر أهميته لكن السؤال الذى طرح يومه هو إلى متى؟ كم من السنوات يجب أن ننتظر م، اجل الأعداد والعدو يتمدد ويتوسع وتتعاظم قوته ومخاطره وأطماعه كل يوم؟ إن روحية التأجيل والانتظار والأعذار لا يمكن أن تنتج حالة جهادية. الصحابة رضوان الله عليهم ، وسائر السلف الصالح، كانوا يتسابقون إلى الجهاد ، رغم كل الأعذار والمعوقات الشرعية التى يرتفع بها عنهم الحرج، ابن أم مكتوم رضي الله عنه كان أعمى، وفيه أنزلت " غير أولى الضرر ، لكنه كان يخرج للجهاد، وكان يقول " ارفعوا إلى اللواء ، فأنى أعمى لا أستطيع أن أفر، وأقيمونى بين الصفين" وقيل إنه حضر القادسية ومعه راية سوداء وعليه درع بل بعض الروايات قالت إنه استشهد يوم القادسية .
سعيد بن المسيب رحمه الله خرج إلى الجهاد وقد ذهبت إحدى عينيه ، فقيل له إنك عليل صاحب عذر ، فقال " استنفر الله الخفيف والثقيل . فإن عجزت عن الجهاد كثرت السواد، وحفظت المتاع " .. والقصة البليغة المشهورة قصة "جرجة" من قادة الروم الذى أسلم وقاتل قومه مع المسلمين واستشهد يوم اليرموك ، كم كان عمره فى الإسلام سنين ؟ أيام؟ ساعات؟ أم دقائق وماذا عرف من أحكام الإسلام وشريعته ؟ لم يرسله خالد بن الوليد رضي الله عنه لحضور بعض حلقات التربية كى يؤذن له بعدها بالجهاد فى صفوف المسلمين. لقد انتقل من صف الكفر إلى الإيمان فى ميدان القتال، وقاتل واستشهد وكل رصيده من الإسلام هو قول "لا إله إلا الله محمد رسول الله" .
وعليه ، وطالما وجدت المجموعة التى تحمل القناعة والإرادة والفهم ووجد الظرف، بوجود العدو، الذى يستدعى ذلك ، فقد كانت محصلة موقفنا من مسألة الجهاد هو التعجيل لا التأجيل ، وأن الإعداد والترقي الروحي والتربوي يتم من خلال ممارسة الجهاد عملا بقوله تعالى " والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين" .. لقد اتخذت حركة الجهاد من هذه الآية شعارا لها وهى تشير صراحة إلى أن الجهاد هو طريق الهداية والطهارة والصفاء إلى حد بلوغ درجة الإحسان كما تفيد كلمة "المحسنين" ، وأن الهداية بدورها أيضا لابد أن تقود إلى الجهاد، وهكذا تتضح معالم الطريق بهذا الجدل القرآني المعجز الذى يقود إلى النهوض ى القعود، ولنا فى سلفنا الصالح أسوة حسنة.
قصة أبى محجن الثقفي وبطولته فى القادسية أبلغ درس لنا فى أن الجهاد هو طريق الهداية والتوبة وتطهير القلوب من أدران الذنوب والمعاصي. أبو محجن ، كما تقول الروايات ، كان مدمن خمر وأقيم عليه حد الخمر مرات، وعندما نشب القتال فى القادسية كان سعد بن أبى وقاص رضي الله عنه قد وضع أبا محجن فى القيد عقوبة له على شرب الخمر، لكنه عندما حمى الوطيس انطلق وشارك فى القتال بعد أن فكت زوجة سعد قيده. والقصة مشهورة وما دار فيها بينه وبين سعد بعد القتال معروف، وما يهمنا فيها أن أبا محجن بعد هذه الواقعة قد أصبح إنسانا جديدا وتاب بعدها توبة نصوحا وأقلع عن معصية شرب الخمر ، أبو محجن هذا كان صاحب معصية لكنه يحب الله ورسوله، وهو يلخص حال قطاع لا بأس به من أبناء شعبنا وأمتنا الذين مهما انحرفوا عن جادة الصواب يبقوا مسلمين . وكل ما ينقصهم هو وجود الطليعة المؤمنة التى تعزم العزم وتستنفرهم للجهاد من جديد. هذا كان هم حركة الجهاد ومشروعها فإن تعجلت فيه فالحمد لله على ذلك لأنه مصداق لقوله تعالى"وعجلت إليك رب لترضى".

الصواريخ الفلسطينية:الدلالات والجدوى

  • عملية " زكيم" الأخيرة أثبتت أن هناك تطورا ملحوظا فى أداء المقاومة الفلسطينية وحركة الجهاد فى قصف الصواريخ، ما السر فى ذلك، وما هى الرسالة التى تحملها هذه العملية ، وهل هى رد على اختراق الطيران الاسرائيلى للأجواء السورية كما لاحظ بعض المحللين ، أو رد على لقاء رئيس السلطة محمود عباس برئيس الوزراء الصهيونى فى أولمرت؟
السر فى تطور قدرات وأداء المقاومة وحركة الجهاد هو أولا توفيق الله عز وجل. ما حدث فى ؟ زكيم بالنسبة لنا هو مصداق لقوله تعالى "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى". ثم هناك إرادة شعبنا ومجاهدينا وصمودهم وإصرارهم على تطوير إمكانات وقدرات المقاومة، والحاجة أم الاختراع كما يقولون . لقد تخلى عنا العالم كله، بل العالم حاضر للأسف فى التآمر علينا وحصارنا وملاحقتنا، وليس لنا إلا الاتكال على الله عز وجل ثم الاعتماد على أنفسنا. لقد بدأنا هذه الصواريخ من الصفر واليوم، بفضل الله ، تؤتى ثمارها وتضرب فى العمق الصهيوني وتصيب أهدافها بدقة كما حدث مؤخرا وتثلج صدور كل المؤمنين والشرفاء.

أما عن الرسالة التى توجهها العملية فهى عدة رسائل وليست رسالة واحدة:

الأولى ، للداخل الفلسطيني المستنزف والمحيط بجراحات الصدام الداخلي ، لتصوب البوصلة ونذكر الجميع بأننا شعب واحد ولنا عدو واحد هو الاحتلال . وأن هناك طريقا واحدا لهزيمته ودحره هو طريق الجهاد والمقاومة، التى يجب أن ت كون لها الأولوية فى برنامجنا الكفاحي وليس الصراع على الوهم والسراب الذى أنتجه لنا أوسلو.
الثانية، للعدو الصهيوني مفادها أنه مهما امتلك من قوة ومهما اتخذ من إجراءات ، فلن ينعم بالأمن، ولن يستطيع هزيمة إرادة الشعب الفلسطيني وقدرته على الابتكار والصمود، لأن هذه الإرادة هى إرادة حياة تتسلح بقوة الحق والإيمان ولا تستند إلى حق القوة وجبروت البطش والإرهاب كما يفعل الصهاينة.
أما الرسالة الثالثة، فهي لجماهير أمتنا العربية والإسلامية ، وتقول لهم إذا كان صاروخان فلسطينيان من صنع محلى قد أحدثا زلزالا فى ا لكيان الصهيوني وتحديا قوة الردع لديه فكيف لو استخدمت الأمة صواريخها وترسانات أسلحتها التى تنفق عليها مليارات الدولارات على حسابه لقمة عيش المواطن العربي ودوائه وكسائه؟ نحن لا نطلب من الأنظمة أن تخوض حروبا الآن لتحرير فلسطين، رغم أن هذا واجبها، لكننا لا نقبل أن يستخف أحد بمقاومة الشعب الفلسطيني أو يدينها، أو يصمها "بالإرهاب" كما يفعل كثيرون من مثقفى الطابور الخامس المحسوبين على هذه الأمة.
أما عن تزامن العملية مع الاختراق الصهيوني للأجواء السورية فهذا تدبير إلهي، وأنا أعرف أن أى حديث عن العامل الغيبي هنا، لن يروق فرسان العلمانية العربية المتأمركة والمتصهينة ، لكنى أؤكد أن ما حدث هو تدبير إلهي وليس قرارا سياسيا من جانبنا، فهو من قبيل "ولو تواعدتم لاختلفتم فى الميعاد ولكن ليقضى الله أمرا كان مفعولا" ولتحمل العملية بفضل الله عز وجل المزيد من الرسائل لتذكر العدو الصهيونى ما الذى يمكن أن تفعله القوة الصاروخية العربية فى أى حرب قادمة.
وإذا كان قد نسى ما فعلته به صواريخ حزب الله فى لبنان ، فها هى صواريخ المقاومة الفلسطينية المحلية الصنع تذكره.. وأيضا لتقول للعالم كله، دون تخطيط ، أن لقاءات رئيس السلطة الفلسطينية برئيس حكومة العدو بتكليف من كونداليزا رايس، لا تعبر عن الشعب الفلسطيني ، بل هى إهانة لهذا الشعب واستخفاف بدماء شهدائه التى تسفك على يد أولمرت وجيشه كل يوم. إنني كفلسطيني شعرت بخجل كبير ومرارة عميقة، حين رأيت رئيس السلطة يعانق قادة العدو، بعد ساعات على استباحة طيرانهم لسماء عاصمة عربية تحتضن نصف مليون لاجئ فلسطيني من أثار النكبة، التى صنعها بنا القتلة الذين يعانقهم رئيس السلطة، وفى حين لم تصدر عنه أو عن سلطته أى إدانة أو تعليق للاختراق الصهيوني، كان لابد لصواريخ المقاومة، بتوفيق الله، أن تتكلم وتسمع العالم كله صوت فلسطين الضحية لا فلسطين التى تعانق الجلاد.
  • إذا تجاوزنا العملية الأخيرة، هناك من ظل يتساءل عن جدوى هذه الصواريخ ، فى مواجهة الترسانة العسكرية الصهيونية، وهل يتكافأ الضرر الواقع بالاحتلال ، مع الضرر الكبير الذى يعود على الشعب الفلسطيني ومقاومته من رد الفعل الصهيوني وما يحدثه من دمار وأذى بالشعب، وهل هناك شروط تضعونها لوقف إطلاق الصواريخ؟
بداية لا يمكن تجاوز ما حدث فى "زكيم" فى مسألة الصواريخ، فهى تقدم الإجابة عن سؤال الجدوى إذا ما طرح بالأمس أو اليوم أو غدا. برغم ذلك هناك بعض النقاط لابد من توضيحها وهى تجيب عن كثير من التساؤلات المطروحة.
أولا: الكيان الصهيوني، كيان قام بطبيعته على العنف والإرهاب والقتل وارتكاب المجازر بحق الشعب الفلسطينى ، وعلى ذلك يعيش ويحافظ على وجوده ودوره ولا حاجة به لأية ذريعة لممارسة عنفه وإرهابه الدموي بحق الشعب الفلسطيني باستمرار، والذين يتحدثون عن المقاومة الفلسطينية كذريعة للعدوان الصهيوني لم يقولوا لنا ما هى الذريعة التى قدمها الشعب الفلسطيني للحركة الصهيونية والغرب الاستعماري حين بدأ العدوان اليهودي لاغتصاب فلسطين.
ثانيا: إن كل ما نقوم به من جهاد وجهد متواضع، وما يتعرض له مجاهدونا من بلاء وابتلاء ويقدمون أرواحهم رخيصة فى سبيل الله ، هو دفاع عن الشعب الفلسطيني، عن حياته، عن أرضه، عن مقدساته، عن قضيته التى يسعى كثيرون لتصفيتها وطى صفحة اسمها فلسطين التاريخية لتتحول نهائيا إلى "إسرائيل" ويتحول الشعب الفلسطيني إلى عبيد لها.
ثالثا: ليس هناك حركة مقاومة أو شعب مكافح للاستعمار فى التاريخ لم يتعرض للأذى ولم يقدم التضحيات.. هذه ضريبة العزة والحرية والكرامة الإنسانية، دفعتها كل الشعوب على اختلاف ألسنتها وألوانها، ودفعتها أمتنا فى محطات كثيرة،وتاريخنا الإسلامي ، منذ فجر الرسالة حافل بالنماذج العظيمة فى التضحية والثبات على الحق .. ماذا كان حال الأمة فى مواجهة الصليبيين والتتار والاستعمار الحديث بكل موجاته وأشكاله؟ الاستعمار الفرنسي فى الجزائر قتل فى يوم واحد فى مذبحة اصطيف عام 1945 خمسة وأربعين ألفا من أبناء الشعب الجزائري..
الشعب الفلسطيني والأمة كلها قدموا عشرات آلاف الشهداء ومئات آلاف الجرحى فى الصراع مع المشروع الصهيوني، هل نطوى صفحة هذه التضحيات وهذا الصراع بكل أبعاده العقدية والتاريخية والإستراتيجية والحضارية وتحولها إلى ملف محاسبي فى أدراج سلطة أوسلو؟ إذا كان غيرنا يقبل ويحول قضيتنا إلى رغيف خبز أو لقمة عيش ، فديننا وأخلاقنا والتزامنا بقضية شعبنا وأمتنا لا يسمح لنا بذلك .
رابعا : إننا نقدر معاناة شعبنا وآلامه ونحاول جاهدين التخفيف عنه ما أمكن، لهذا السبب قبلنا بالتهدئة فى اتفاق القاهرة فى آذار مارس 2005 لكن العدو يرفض ولا يريد منا بغير الاستسلام الكامل وإلقاء السلاح، فهل هذا هو طريق تخفيف المعاناة عن شعبنا ؟ انهم بذلك يريدون استباحة شعبنا، والقضاء على روح وثقافة المقاومة لديه، ليتحول بموجب اتفاقات أوسلو إلى حارس لأمنهم وشريك فى سلامهم المزعوم. لذلك، ومن باب الحرص على شعبنا ومصالحه ، ما زلنا نقول إن الحد الأدنى لأى تهدئة بالنسبة لنا يجب أن ت كون تبادلية وشاملة، فلا يعقل أن يجلس أهل غزة على السياج يتفرجون على ما يفعله العدو بشعبنا ومجاهدينا فى الضفة من مطاردة واعتقالات واغتيالات فالشعب الفلسطيني شعب واحد، والأرض واحدة، والقضية واحدة، ولا يمكن أن نكون محايدين تجاه ما يتعرض له أي فلسطيني من اضطهاد على يد الاحتلال.
خامسا: فى صراعنا مع العدو الصهيوني لسنا بحاجة إلى ترسانات أسلحة مكافئة لترسانته.. نحن نسعى بإمكاناتنا وأدواتنا القتالية البسيطة واستشهاديينا لاستنزافه وإرعابه فواقعه النفسي ضعيف رغم كل مظاهر القوة المادية لديه.
والله سبحانه وتعالى يقول لنا كمسلمين "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم .." كثيرون لا يلتفتون إلى الإعجاز الموجود فى هذه الآية الكريمة ، فالله عز وجل يقول "ما استطعتم" أى أنه يراعى القدرة والاستطاعة، ثم يقول "من قوة" ومن هنا للتبعيض و"قوة" وردت نكرة بمعنى أي قوة ومحصلة المعنى أن الله سبحانه وتعالى يطالبنا بإعداد أى قدر نستطيعه من القوة، والباقي على الله فهو قد تكفل بسد الفجوة فى ميزان القوة، فى مستويات وضوابط معينة، عندما يبذل المسلم أقصى ما فى وسعه من جهد وقدرة فهو القائل سبحانه " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين".
من هنا ، فإن الصواريخ وغيرها من الوسائل البدائية التى يبتكرها مجاهدونا، فى غياب نصرة الجيوش والعروش الرسمية العربية والإسلامية لهذا الشعب الأعزل، هى تعبير عن هذا الفهم لإدارة المعركة مع العدو الصهيوني.
  • حماس باركت عملية ا لجهاد بقصف قاعدة "زكيم" والرئيس محمود عباس كرر أكثر من مرة أن هذه الصواريخ عبثية، كيف تنظرون إلى موقف الطرفين وأثره على مستقبل المقاومة؟
نحن نثمن موقف حركة حماس وكافة الفصائل التى باركت العملية ورحبت بها، لكن علينا أن لا ننسى أن حماس أولا وأخيرا حركة مقاومة وتأييدها أمر طبيعي وينسجم مع برنامجها الذى نشأت من أجله.
أما موقف رئيس السلطة من المقاومة بكل أشكالها معروف للجميع، فهو لا يؤمن حتى بإلقاء حجر على الاحتلال الاسرائيلى فضلا عن الصواريخ وهذه رؤيته الخاصة يحتفظ بها لنفسه ، لكن ليس من حقه ولا يستطيع أن يفرضها على الشعب الفلسطيني، ولن تثنينا مطلقا عن مواصلة طريق الجهاد والمقاومة.
  • لكننا نسأل: إذا كانت هذه الصواريخ عبثية فلماذا تصرخ "إسرائيل" منها بهذا الشكل ؟ ثم إذا كان العبث الفلسطيني يوقع هجوم واحد حوالي سبعين إصابة فى صفوف الجيش الاسرائيلى، فما هو الجد فى نظرهم؟ هل هى لقاءات قيادة العدو التى لا تحمل أى معنى سوى العبث وما هو أكثر منه؟
لقد حولت الصواريخ العبثية حياة سكان أسديروت والمستوطنات المجاورة إلى جحيم . لقد سبق وأن فر سكان أسديروت إلى إيلات وتل أبيب هربا من هذه الصواريخ.. المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بكل إمكاناتها تقف عاجزة عن تطوير أية منظومة ردع لمواجهة هذه الصواريخ.. لقد شكلت لجان فنية وقدمت أكثر من أربعة عشر اقتراحا لتطوير منظومة صاروخية وتقنية لمواجهة هذه الصواريخ، لكن كلها اقتراحات غير ناجحة ومكلفة جدا، لدرجة أن ت كلفة اعتراض صاروخ تتراوح بين 30- 40 ألف دولار أمريكي..
بعض الخبراء قال لو خاضت "إسرائيل" حربا على غرار حرب تموز – يوليو 2006 وأرادت التصدي لإطلاق ألف صاروخ فى اليوم فإن "إسرائيل" ستعلن الإفلاس بعد أسبوع وهذا ليس مبالغة أو خيالا، بل هم يستحضرون فى ذاكراتهم أن "إسرائيل" تلقت لمرات عديدة فى حرب تموز الماضي أكثر من 300 صاروخ فى اليوم لواحد.. والذي قصف 300 صاروخ فى اليوم قصف آلاف الصواريخ فى أيام وأسابيع، ويستطيع أن يقصف 1000 صاروخ فى اليوم إذا أراد.
أنا لا أقول هذا الكلام لأدلل على أننا نملك مثل هذه القدرة على قصف إسرائيل: بل لأذكر بما فعلته الصواريخ كسلاح ردع فى حرب لبنان الأخيرة ، صحيح أن ظروفنا وقواعد المواجهة بيننا وبين العدو الصهيوني مختلفة، لكن إذا قارنا اختلاف الظروف نجد أن هناك نقاطا إيجابية كثيرة لصالحنا. نحن بدءنا من تحت من تحت الصفر.. أقل من لا شيء، وبإمكانات بدائية محلية فى ظل حصار وعزلة عن لعالم، ثم أصبحنا بفضل الله نملك شيئا يؤلم العدو ويرعبه ويجبر مستوطنيه على الهروب من المستوطنات ..
من الذى أجبر شارون على الرحيل بجيشه ومستوطنيه من قطاع غزة؟ من الذى أرغمهم على تفكيك المستوطنات وتدميرها بأيديهم "يخربون بيوتهم بأيديهم" وأن يتنازلوا حتى هذه اللحظة عن فكرة أرض إسرائيل الكاملة بعد أن أسقط انسحابهم من لبنان عام 2000 فكرة "إسرائيل الكبرى" ؟ أليست هى مقذوفات الهاون والصواريخ "العبثية" التى صنعها الإنسان الفلسطيني المتجذر فى أرضه ويرويها بدمه كل يوم؟
إن معركة الصواريخ بيننا وبين العدو المحتل ليست لعبة عبثية ، بل هى معركة حقيقية وجزء من صراع الإرادات الذى نخوضه بكل إصرار وكل مسئولية شرعية ووطنية وأخلاقية .. فنحن لا نعبث ولا نمارس نوعا من التسلية فى إنتاج وإطلاق مثل هذه الصواريخ .. هذا جهاد مقدس وتسفيهه ووصفه بالعبث ، فيه جزأة على الدم الفلسطيني والشرف الفلسطيني، بل وكل مقدس فلسطيني تنطلق الصواريخ من أجل الدفاع عنه.

التهديدات باجتياح غزة

  • تهديدات إسرائيلية باجتياح قطاع غزة لضرب بنية المقاومة ووقف إطلاق الصواريخ.. وأيضا لضرب حماس وإنهاء سيطرتها على قطاع غزة بالقوة ، هل يمكن أن يحدث ذلك؟
فى الدوافع الإسرائيلية لاجتياح قطاع غزة يجب أن نفرق كما هو فى السؤال ، بين مسألتين: الأولى ، ضرب المقاومة ووقف إطلاق الصواريخ ، والثانية ، إنهاء سيطرة حماس على قطاع غزة. ومن سوء حظ "إسرائيل" أن دوافعها فى المسألتين مختلفة أو حتى متناقضة.
بالنسبة لضرب المقاومة ومع إطلاق الصواريخ، فالسياسة الإسرائيلية المعتمدة حتى الآن هى الاجتياحات الموضعية، وتصفية واغتيالات نشطاء المقاومة، من أجل استنزاف قوى المقاومة والشعب الفلسطيني المحاصر والذي سيتعرض إلى مزيد من الحصار للتضييق وليس من المستبعد أن تتطور هذه السياسة فى ظل حاجة العدو لاستعادة هيبة الجيش الصهيوني وقوة الردع المفقودة فى حرب لبنان وفلسطين، وأن يقوم برفع وتيرة العدوان وتوسيع نطاق وعمق الاجتياحات ، وكذلك رفع مستوى الاستهداف فى قيادات الفصائل الفلسطينية .
أما إنهاء سيطرة حماس فى غزة ، فأعتقد أن تكريس حالة الانقسام الراهنة فى الشعب الفلسطيني هو هدف حيوي ووضع مثالي بالنسبة "لإسرائيل" فالسياسة الإسرائيلية تجاه ما حدث فى غزة تقوم حتى الآن على عزل حماس وإحكام الحصار عليها وعلى الشعب الفلسطيني فى القطاع ، وتعزيز سلطة أبو مازن فى الضفة الغربية .. وهذه السياسة تلقى دعما أمريكيا وعربيا رسميا كما هو واضح.. لذلك لا أظن أن "إسرائيل" التى هرب جيشها من جحيم قطاع غزة تفكر الآن باجتياحه من أجل ضرب حماس وإزاحتها وإعادة سيطرة فتح وأبو مازن ، إلا إذا شعرت هى وحلفاؤها أن سياسة الحصار والعزل قد استنفذت أغراضها ولم تعد مجدية.
فى كل الأحوال . لو قررت القيادة الصهيونية اجتياح غزة لتحقيق كل الأهداف جملة واحدة، فعليها أن تعلم أن هذا الاجتياح لن يكون نزهة، ولتتذكر ما حل بها وبجيشها فى مخيم جنين الذى لا تزيد مساحته عن كيلو متر مربع واحد ، لكنه صمد وقاتل قتالا أسطوريا لمدة عشرة أيام.. الأمر الثاني والأهم إذا كانت "إسرائيل" ستجتاح غزة لإنهاء سيطرة حماس وإعادة أجهزة سلطة أبو مازن فهذا يعنى أن السلطة كلها ستنهار، لأن الشعب الفلسطيني رغم تعايشه مع سلطة أبو أوسلو كسلطة أمر واقع تأتيه مباشرة وبشكل مكشوف على دبابات إسرائيلية . فلسطين لا تصلح لاستيراد النموذج الأمريكى فى العراق والشعب الفلسطيني سيبدأ من جديد لتتمايز الصفوف ويعود الفرز الحقيقي فى الساحة.

المقاومة فى الضفة الغربية

  • لماذا تعجز حركات المقاومة عن ضرب الاحتلال فى الضفة الغربية على الرغم من وجود عدد هائل من الأهداف الإسرائيلية هناك، هل هذا مرتبط بالهجمة الإسرائيلية على المقاومة هناك أم أن هناك أسباب أخرى؟
لقد سبق وقلت إبان الانسحاب الاسرائيلى من غزة ، إن "الضفة هى التى حررت قطاع غزة" وإن كان التحرير غير كامل، لكن ما وجهته المقاومة فى الضفة من ضربات فى العمق الاسرائيلى بالاستشهاديين الذين خرج معظمهم من الضفة، هو الذى أعطى انتفاضة الأقصى زخمها واستنهض قطاع غزة للانخراط فى المقاومة، وأفقد العدو الصهيوني صوابه حتى قال شارون"إن حرب 1948 لم تنته" ، وقال وزير الحرب الصهيوني الأسبق موفاز يقول "إن الحرب التى يشنها الفلسطينيون اليوم ضدنا هى أخطر من حرب 1948".
برغم ذلك ، فما من شك أن هناك جملة من العوامل التى تؤثر سلبا على قدرة المقاومة فى الضفة الغربية على ضرب الأهداف الإسرائيلية.. ولا مانع من تسليط الضوء على بعض هذه العوامل كنوع من المواجهة ، فى الحدود التى تسمح بها ظروف العمل المقاوم. أول هذه العوامل، هو إستراتيجية المقاومة نفسها التى ركزت خلال السنوات الماضية على ضرب العمق الاسرائيلى باعتباره الأكثر إيلاما للعدو وتأثر ذلك سلبا بعد بناء الجدار العازل. لقد انجذبت المقاومة لإغراء الضرب فى العمق ، ولم يتم التركيز على إعداد بنية قتالية لمعركة طويلة ضد الوجود الصهيوني فى الضفة الغربية نفسها، كما حدث فى قطاع غزةعندما وجدت المقاومة صعوبة فى الوصول إلى داخل فلسطين المحتلة.. وبالطبع هناك أسباب حالت دون إيجاد تلك البنية بالشكل المطلوب..
أولها، سلوك بعض أجهزة أمن السلطة والتنسيق الأمني بينها وبين أجهزة أمن العدو، وأنا هنا أضعها رقم واحد لأن ما قدمه هؤلاء من خدمات خلال سنوات الانتفاضة الأخيرة على يد العدو الصهيونى، بمساعدة العامل الأول، و التى كانت بمثابة حرب استئصال بالاغتيالات والاعتقالات التى طالت الآلاف من المجاهدين والمقاومين وكل من يؤمن بالمقاومة.. وأيضا وجود الاستيطان وطبيعة الانتشار الصهيوني، الذى جعل الجغرافيا فى الضفة، والتي تبدو للوهلة الأولى ملائمة لحرب العصابات ، عائقا أمام حركة المجاهدين وقدرتهم على المناورة والكر والفر..
أيضا، هناك ضعف التنسيق بين قوى المقاومة وعدم قدرتها على صياغة استراتيجيه مقاومة واحدة تتغلب على كل الصعوبات، وتحقق نوعا من التكامل فى الجهود.. لكن يبقى الاختراق الذى مثله اتفاق أوسلو والثقافة التى سادت فى ظل التسوية هى الأخطر.. لقد حاولوا اختراع أولويات بديلة وصناعة مناخات جديدة يظل فيها الفلسطيني أسيرا لوهم الدولة والحلم الكاذب بالاستقلال والحرية فى ظل التسوية، وأخطر هذه الأولويات كانت عملية الانتخابات والديمقراطية الأمريكية الزائفة، التى جرى تسويقها على الشعب الفلسطينى فاستنقذت كل قواه وإمكاناته، وحرفته عن التركيز على المقاومة ، ثم للأسف سحبته إلى مربع الفتنة والاقتتال الداخلة.
لكن هذا كله لا يعنى ألا لا أمل بإشعال جذوة المقاومة فى الضفة أو انطلاقا منها بقوة مجددا.. بل هذا توصيف صريح لمرحلة جديدة من المقاومة اليوم يختزن الكثير مما سيشعل أو يطلق مرحلة جديدة من المقاومة، ومهما كانت المسميات التى ستحملها الانطلاقة الجديدة فأنا واثق أنها قادمة بإذن الله والمسألة مسألة وقت.

الانقسام السياسي الفلسطيني

  • أين موقع حركة الجهاد الإسلامي من الانقسام والاصطفاف الحاصل فى الساحة الفلسطينية بعد سيطرة حماس على غزة ، وما هو الحل للخروج من الأزمة الراهنة برأيكم؟
بالنسبة للانقسام إذا كان المقصود هو الانقسام الجغرافي بين غزة والضفة، فمن الغريب أن يعتبر البعض أن الوطن الفلسطيني أو فلسطين فى نظره هى الضفة وغزة فقط. ويسقط باقى فلسطين المحتلة عام 48 أرضا وشعبا، وهى تساوى أكثر من ثلاثة أرباع بكامله موجود منذ اغتصاب فلسطين ولم يترتب على الحسم العسكري الذى قامت به حماس فى غزة .
لكن الانقسام الجديد الحاصل اليوم هو الانقسام السياسي والمعنوي والنفسي الذى يكاد يجعل من الشعب الفلسطيني شعبين منفصلين شعويا ونفسيا، وحدود هذا الانقسام حزبية وليست جغرافية، بمعنى أننا فى غزة نفسها سنجد شعبين تحت سقف واحد: شعب حماس ، وشعب فتح، والحال نفسه فى الضفة ، وقد ينسحب هذا على الشتات الفلسطينى للأسف.
أما موضوع الاصطفاف السياسة ففيه تعقيد كبير اليوم فى الساحة الفلسطينية ، لكن دعني أوضح الأمر كالتالى: قبل دخول حماس الانتخابات والمشاركة فى الحكومة ، كان الاصطفاف والفرز فى الساحة الفلسطينية واضحا، حيث وجود مشروعين هما، مشروع المقاومة الذى تمثل حماس والجهاد قطب الرحى فيه، ومشروع التسوية الذى تقوده حركة فتح ومن يندرج فى ركبها من فصائل منظمة التحرير..
لكن بعد مشاركة حماس فى السلطة حدث نوع من خلط الأوراق، فرأينا حماس توقع مع فتح وفصائل منظمة ا لتحرير على ما يسمى "وثيقة الوفاق الوطني" وتدخل فى شراكة مع فتح وبقية فصائل منظمة التحرير فى المجلس التشريعي، وفى الحكومة. ولم يبق خارج هذا السرب، كما قيل ، إلا الجهاد الإسلامي، الذى كان له اجتهاده الخاص بعدم المشاركة فى السلطة فى ظل أوسلو وتحت الاحتلال..
كان مشهد الانتخابات حافلا بالمفارقات ، وهادما للحدود الفاصلة بين مشروعي وخطابي "السلطة" و"المقاومة" فى الساحة الفلسطينية.. لقد حدث تماثل وتماه غريب فى الخطاب السياسي فوجدنا السلطة، وحماس ، وفتح، والجبهة الشعبية ، والجبهة الديمقراطية ، وحزب الشعب، وسلام فياض ، وآخرون كلهم يتحدثون بلغة واحدة وخطاب واحد، هو الحديث عن "العرس الديمقراطي" وجنة الديمقراطية التى ستقوم تحت سقف أوسلو فى كانتونات فائضة عن حاجة الاحتلال.
برغم ذلك، نحن تفهمنا دوافع الأخوة فى حماس بانخراطهم فى هذه العملية، بل عندما فرض الحصار عليهم وعلى الشعب الفلسطيني ومارست أمريكا و"إسرائيل" وحلفائهم الضغط والابتزاز على حماس لإجبارها على الاعتراف بـ "إسرائيل" والتخلي عن برنامج المقاومة، وقفنا بقوة مع حماس ، ودافعنا عن ثوابت المشروع الإسلامي المقاوم الذى يجمعنا، وعندما بدأت الصدامات بينها وبين حركة فتح، حاولنا باستمرار احتواء الأحداث وحقن دماء شعبنا، لكن فى النهاية الأمور خرجت عن السيطرة وذهبت حماس باتجاه خطوة الحسم العسكري فى غزة .. وهى خطوة أحدثت خلطا جديدا للأوراق فى الساحة الفلسطينية وزادت الأمور تعقيدا..
شركاء حماس فى السلطة، فتح وبقية فصائل منظمة التحرير، يقولون إن ما فعلته حماس "انقلاب دموي على الشرعية" يجب أن تتراجع عنه.. وحماس تقول إنها "خطوة اضطرارية" لمواجهة انقلاب محتمل كانت تخطط له فتح .. لكن يبقى السؤال :
  • ماذا يقول الجهاد الإسلامي شريك حماس فى المقاومة وفى المشروع الإسلامي فى فلسطين؟
نحن أعلنا منذ بداية الأحداث أن الطرفين، فتح وحماس ، يتحملان المسئولية عما حدث. وبغض النظر عن التفاصيل أو مقدمات الحدث ونتائجه، فإن المهم الآن، وبعد مضى والى ثلاثة أشهر على الحدث، هو البحث عن الحل وليس الدوران فى حلقات الإدانة والاتهامات المتبادلة . فلا يعقل أن يظل الشعب الفلسطينى رهينة وأسيرا لهذه الأزمة الطاحنة. المسئولية الوطنية والأخلاقية تحتم على الجميع التركيز على كيفية الخروج من هذا المأزق إن أسلوب أو منهج تبرئة طرف وإدانة الآخر فى صراع كهذا، هو منهج غير سليم فى حل النزاع ، لأن كل طرف يسعى لنيل براءته وإدانة الطرف الآخر.
لذلك ، فإن من يحملون حماس وحدها المسئولية بالكامل عن كل ما حدث، ويقولون بأن الحل هو باعترافها بالخطأ واعتذارها، وتراجعها عن كل ما جرى منذ 14 حزيران، وتسليمها كل المقرات والأجهزة الأمنية وغيرها لرئاسة السلطة، هؤلاء لا يبحثون عن مخرج بل يقدمون الوصفة لاستمرار الأزمة.
وبغض النظر عن تقييمنا لجوهر هذا الموقف وتفصيلاته، فإنه بنظرنا يؤسس فعلا لإعادة انتاج أسباب وجذور الأزمة ولا يسهم فى حلها.. إنه وصفة ناجحة لدورة جديدة من الصدام والعنف بين الطرفين. لذلك ، نحن نعتقد أن الحل يبدأ بجلوس الطرفين إلى طاولة الحوار، ومناقشة الأزمة فى جذورها وأسبابها، ومعالجة كافة القضايا الخلافية التى أدت إلى الانفجار والانقسام الحاصل.
  • فى ظل إصرار رئيس السلطة وحركة فتح على رفض الحوار مع حركة حماس كيف يمكن الخروج من هذا المأزق ، وهل العودة إلى اتفاق مكة يمكن أن يشكل مخرجا، ولماذا لم تشارك حركة الجهاد فى لقاء مكة، وقد كان لكم دور بارز فى التقريب بين حركتي فتح وحماس فى لقاءات القاهرة ودمشق..؟
بالنسبة إلى عدم دعوتنا إلى لقاء مكة، فنحن لم نحرص على الحضور أو عدمه، وما يهمنا كان وصول طرفى النزاع، فتح وحماس إلى اتفاق يحق دماء شعبنا.. لكن هذا السؤال فى الأساس يجب أن يوجه إلى من استضاف اللقاء ورعاه، وكذلك إلى حركت حماس وفتح..
أما عن رفض حركة فتح وأبو مازن للحوار مع حماس أو وضعهم شروطا لذلك، فهذا الموقف يستند، كما أوضحنا إلى تبرئة حركة فتح وسلطة أبو مازن مما وقع وتحميل حماس المسئولية بالكامل.. لكن الذى ينظر إلى سلوك فتح ، منذ فوز حماس فى انتخابات التشريعي، يدرك أن فتح صدمت بالنتائج ولم تسلم بها عمليا، وشاركتها هذا الموقف الولايات المتحدة و"إسرائيل" وعدد من الدول العربية، الذين سعوا جميعا وبكل الوسائل للانقلاب على حماس وإفشال تجربتها فى الحكومة وإسقاطها، بما فى ذلك ما سمو بحكومة الوحدة الوطنية أى حكومة فتح وحماس لقد بدت حركة فتح كمن يسعى للعودة إلى السيطرة الكاملة على السلطة بأى ثمن ومن أى طريق..
وهذا لا يعنى أن حماس لا تبيح للطرف الآخر الاستقواء بـ"إسرائيل" وأمريكا ضد أبناء شعبه، إلى حد التجويع والحصار بكل أشكاله، فى ظل العدوان والاجتياحاتوالاغتيالات الإسرائيلية التى لا تستثنى أحدا لا من حماس ولا من شهداء الأقصي، دعك من الجهاد الإسلامي المستهدف وبشكل استثنائي طوال منذ اتفاق التهدئة فى القاهرة عام 2005.
نحن نقول ، بكل صراحة ، إن ما يفعله أبو مازن بالصعود على الشجرة الأمرييكة والإسرائيلية لن يحل المشكلة بل كلما أوغل وصعد أكثر على الشجرة يصبح السقوط أكثر إيلاما.. لذلك نحن ننصح أبو مازن مجددا ، بأن لا يصغى إلى أولئك الذين يزينون له مشروعية وصوابية لقاءاته المتكررة بأولمرت وإدارة ظهره لحماس ورفض الحوار معها..
الوعود الأمريكية والإسرائيلية التى ستحول له "جمهورية" فتح فى الضفة إلى احتلال "ديلوكس" كما وصفه بعض الإسرائيليين لمواجهة "الإمارة" المزعومة لحماس فى غزة ، تسعى إلى إيصاله وإيصال الساحة الفلسطينية إلى نقطة اللاعودة وإغراقها فى وحل الاقتتال الداخلي، الذى يهدد لضياع ما تبقى من الأرض والقضية.
نحن نقول لأبو مازن كما قال بعضهم، هب أن حماس قوة احتلال فى غزة ، وهى بالطبع ليست كذلك، فكيف ترفض الحوار معها وتقبل بالحوار مع "إسرائيل" التى احتلت كل فلسطين، وتسوم الشعب الفلسطيني خسفا وقتلا وتدميرا فى غزة والضفة على مدار الوقت. لكن يبدو أن تشدد أبو مازن وحركة فتح ومن معها من الفصائل فى رفض الحوار له عدة أسباب أهمها:
عدم وجود ضوء أخضر من الدارة الأمريكية للصلح بين فتح وحماس ، وثانيا عدم وجود حماس عربي لذلك حيث موقف الدول العربية، لا سيما مصر والسعودية والأردن، داعم لأبو مازن ، ثم رهان الجميع على أن حصار حماس فى غزة مع مرور الوقت سيضعها وسيقود إلى رفض شعبي لها. فى ضوء ذلك ، نحن نعتقد أن الأوضاع تجاوزت اتفاق مكة، لأن المشكلة الآن هى غياب الدور العرى نتيجة غياب القرار العربي وليس غياب الصيغة التى يتم بها الحل.
وفى انتظار تغير الموقف العربى، نعتقد أن حشر حماس فى الزاوية لن يجدي، وقد يؤدى إلى نتائج عكسية على المدى الطويل ضد سلطة أبو مازن وحركة فتح، طالما أنهم فى مربع الرهان على "إسرائيل" وأمريكا.. وفى كل الأحوال فإن الخاسر الأكبر من كل هذا هو الشعب الفلسطيني وقضيته..
  • أبو مازن وحركة فتح يلوحون بإعادة إجراء الانتخابات، هل يمكن أن يحدث ذلك، ولو حدث هل ستقاطع الجهاد الانتخابات، أم ستتحالف مع حماس فى مواجهة فريق أوسلو؟
أولا ، إعادة الانتخابات ليس حلا، بل ستعقد الأمور وتزيد الطين بله. كما يقولون، لأن حماس لن تقبل بإجراء الانتخابات فى قطاع غزة، وأى حيلة ستخترع للالتفاف على هذا الموقف ، لن تحدى وستصيب المزيد من الزيت على النار.
أما عن موقف الجهاد من المشاركة فى الانتخابات ، فنحن عندما رفضنا المشاركة كان بناء على قراءة متأنية ودراسة معمقة، تم فيها إنضاج الرأي وتقدير الموقف، بأن مصلحة القضية ومشروع المقاومة تقتضى عدم وضع خيارات كل الشعب الفلسطيني فى سلة واحدة، هى سلة الرهان على السياسة المحكومة بسقف مشروع التسوية فى ا لمنطقة.. الآن الأمور أصبحت أكثر تعقيدا، والتجربة بكاملها، برأينا بحاجة إلى مراجعة وإعادة تقييم.. الشعب الفلسطيني عندما اختار حماس فى الانتخابات، كان يؤكد على أن ما بنى على أوسلو فى السياسة الفلسطينية من أوهام يجب أن يزول، وأن المقاومة التى تمثلها حماس هى الخيار..
لقد كان اختيار حماس فى بعض معانيه نقمة على سلطة أوسلو، ومعاقبة لحركة فتح.. اليوم أين وصلت تجربة الأخوة فى حماس بعد الحسم العسكري فى غزة ؟ بتقديرنا ، هناك عملية استدراج لحماس اليوم لتتحول من حركة مقاومة إلى سلطة يتم تحريض الشعب الفسلطينى وإثارته ضدها، وينتقل الشعب من الخوف على حماس إلى الخوف منها.. وتتكرر نفس تجربة فتح معها، فيعاقبها الشعب فى أى انتخابات قادمة، كما عاقب فتح..
كما أن حماس التى تمكنت من المشاركة فى الانتخابات سابقا لن تتمكن من المشاركة بسهولة فى المستقبل ، فيما تظل تؤكد على ثوابتها من تحرير كامل فلسطين والتمسك بالمقاومة ، وعدم الاعتراف بالاتفاقات التى قامت السلطة على أساسها.. لذلك فإن المستقبل الفلسطيني يكتنفه درجة عالية من التعقيد والإرباك الشديد تستدعى منا الحذر فى دراسة كل الاحتمالات وكل الخيارات.. وفى ظل تطورات الأحداث، فالأمر يتطلب منا تقدير الموقف فى كل لحظة، والنظر أين تكمن مصلحة الإسلام والمقاومة والقضية برمتها .
وعليه ، ليس من الحكمة أو السياسة أن نجيب الآن عن سؤال افتراضي لمسألة لم تقع بعد، ونقول بكل بساطة، إننا لن ندخل الانتخابات.. وكما يقولون ، دعنا نعبر الجسر أولا، حسر الأزمة الراهنة ، ونرى ما الذى سيحدث ، وعندها لكل حادث حديث، هذا هو موقف حركة الجهاد الرسمي الآن.

العلاقة مع حماس

  • أين وصلت علاقتكم مع حماس بعد الصدامات التى وقعت بين الحركتين فى غزة ، وهناك من يراهن فى التيار الإسلامي خارج فلسطين على وقوف حركة الجهاد إلى جانب حماس فى الفرز الموجود فى الساحة الفلسطينية خاصة أن فصائل منظمة التحرير كلها على ما يبدو تقف مع فتح ، ما هو رأيكم؟
إذا أردنا أن نتحدث بصراحة شديدة وشفافية عن علاقتنا نحن فى الجهاد بحركة حماس ، فليس سرا أنها تاريخيا تمر بحالات مد وجزر، وهى بحاجة إلى جهد كبير من قبل قيادات وكوادر الحركتين، بحيث يتم إعادة رسم صورة الطرف الآخر فى ذهن أبناء كل حركة على قاعدة الانتماء الإسلامي والوطني والجهادي ، الذى يجمعنا فى حماس والجهاد أكثر مما يجمع أى فصيلين فى الساحة الفلسطينية..
واليوم أستطيع أن أقول، إن العلاقات فى الداخل، برغم كل المشاكل جيدة، لكن العلاقة فى الخارج أفضل بكثير بل جيدة جدا، وهناك تواصل ولقاءات على أعلى مستوى، وهناك فهم يكاد يكون متطابقا لما يدور فى المنطقة والعالم.. لكن المشكلة هى فى ترجمة هذا المستوى من الفهم المشترك إلى واقع عملي لدى قيادة وقواعد الداخل من الطرفين، وهناك تقدم على هذا الصعيد لكن ببطيء وصعوبة.
أما بالنسبة لما حدث من صدام فى غزة فقد كان محليا ومحدودا وبفضل الله تم تطويقه ومحاصرته من قبل الحركتين، كما تم تشكيل لجان تنسيق من الحركتين فى مناطق قطاع غزةلمحاصرة ومعالجة أية إشكالات ميدانية، فى ظل حالة التوتر والإرباك التى تشهدها العلاقات الداخلية الفلسطينية فى ظل الأزمة الراهنة ..
أما عن الوقوف إلى جانب حماس فى الفرز الحاصل فى الساحة الفلسطينية، فمه كل الاحترام والتقدير لإخواننا فى الحركات والاتجاهات الإسلامية فى كل مكان، وتقديرنا لمشاعرهم الإسلامية الصادقة، إلا أن ما هو حاصل فى الساحة الفلسطينية ليس فرزا، بل هو خلط للأوراق كما أشرت سابقا، ففتح وحماس يتنازعان اليوم، لكنهما يجمعهما الانخراط فى السلطة التى لا تشارك فيها حركة الجهاد، ولو كان هناك فرز ولابد، فالسؤال الهام هو على أي أساس يتم الفرز؟ لو كان على قاعدة المقاومة ، فنحن جاهزون لنكون جنودا لدى حماس أو أى فصيل فلسطيني يقاتل "إسرائيل" ولا يعترف بها ويسعى لتحرير كامل أرضنا فلسطين.
لكن النزاع الحاصل اليوم للأسف ليس على المقاومة ، فهي منذ انتخابات التشريعي، وكما هو ماثل للعيان، لم تعد الأولوية لكل القوى التى خاضت الانتخابات . الصراع اليوم فى أحسن أحواله هو كيف تكون السلطة؟ إما سلطة تخضع لإملاءات أمريكا و"إسرائيل" أو سلطة ممانعة تراعى مصالح الشعب الفلسطيني وثوابت قضيته..
لكن الهامش المطروح أمام حماس للمناورة، وسعى كل طرف لتعزيز مواقعه فى السلطة ومؤسساتها تحت الحصار الكبير الذى تفرضه "إسرائيل" يجعل الفرق بين الحالتين لا يزيد عن الفرق بين "احترام" أو "التزام" الحكومة الاتفاقات الموقعة مع " إسرائيل" أما إذا كان الصراع والفرز يسعى لإعادة رسم الخطوط والفواصل بين مشروعي التسوية والمقاومة فى الساحة الفلسطينية، فهذا له متطلبات واستحقاقات كبيرة، هل تستطيع حركة حماس الإقدام عليها اليوم؟ هل تستطيع حماس مثلا الطلب من المجلس التشريعي الذى تحظى فيه بالأغلبية التصويت على إلغاء اتفاقيات أوسلو، والسعي لتشكيل قيادة وطنية جديدة للانتفاضة والمقاومة المسلحة؟
  • هل يمكن لحماس أن تطرح رؤية جديدة لصياغة وقيادة المشروع الوطني الفلسطيني تبدأ بحل السلطة، وتعود إلى تكريس الثوابت والمبادئ التى تؤمن بها حماس ، من تحرير كامل التراب الفلسطيني، وإشعال جذوة المقاومة من جديد، باعتبارها خيار حماس الذى اختاره الشعب والمراهنة على الشرعية الدولية، وكل المفردات التى أدخلتها فتح وفصائل منظمة التحرير فى قاموس الصراع على فلسطين؟
نحن ندرك أن حماس لن تفعل ذلك، وللإنصاف، فهى قد لا تستطيع أن تقدم على ذلك فى الظروف الإقليمية والدولية الراهنة ، لذلك سيبقى المأزق فى الساحة الفلسطينية قائما.. ومن جانبنا ، نحن نقدر التحديات التى تواجهها حماس ، ولا نريد أن نثقل كاهلها أو نزايد عليها بموقفنا بعدم المشاركة فى السلطة ، رغم أنها خلال العامين الماضيين أقدمت على خطوات سريعة جهة المرونة فى مواقفها السياسية والعملية التى بدت للمراقب أكبر من طاقتها، وأكبر من طاقة المشروع الإسلامي وقواعده فى فلسطين والأمة بأن يستوعبها ويهضمها بسهولة.
وحتى أطمئن الجميع ، نحن برغم الاختلاف فى وجهة النظر حول المشاركة فى السلطة، لكننا مع حماس فى انتمائها الإسلامي، وفى تمسكها بثوابت القضية والمقاومة.. لكن فى الممارسة الميدانية، على الأخوة فى حماس أن تتسع صدورهم للنقد أو النصيحة، بأن هناك ممارسات وأخطاء وقعت ولا زالت تقع على الأرض ، لا يمكن لحماس أن تدافع عنها، يجب الاعتراف بها والسعي لإصلاحها لأنها تسيء إلى حماس وإلى المقاومة، وقبل هذا وذاك تسيء إلى الفكرة الإسلامية التى نحملها.. وأنا هنا أشير إلى حماس لأنها فى موقع الاختبار الحساس، لأن الجميع فى النهاية يخطى، وكل ابن آدم خطاء، ولا أحد معصوم إلا الأنبياء .. والخطأ ممن يجتهد ويعمل أمر طبيعي.. لكن المشكلة هى أن تتحول الأخطاء إلى مقدسات ندافع عنها، عندها نكون قد أغلقنا على أنفسنا المغادرة بصخرة لا يقدر على إزاحتها إلا الله سبحانه وتعالى..
إننى أوجز موقفنا فأقول إن ما يجرى الآن، هو ثمرة لهذا النفق الذى دخلته الساحة الفلسطينية منذ تلك الانتخابات، ونحن لم نسلك هذا النفق من بدايته، ولم نكن جزءا من هذا المشروع، لا فى مقدماته، ولا فى ما آل إليه من صدام، لذلك نحن لا يمكن أن نقف مع طرف ضد طرف ونعزز حالة الانقسام بما يفضى إلى مزيد من الصدام فى الساحة الفلسطينية . إننا جميعا فى مركب واحد، قد تكون الآن تسير فى الاتجاه الخاطئ، لكن يجب أن لا نسمح لها بالغرق، لذا فنحن كنا ولا زلنا نسعى لإصلاح ذات البين والبحث عن مخرج يجنب الساحة الفلسطينية المزيد من الويلات.

الجهاد وانتخابات المجلس التشريعي

  • هناك من يقول إن عدم مشاركتكم فى الانتخابات التشريعية جاء لأنكم لا تحظون بامتداد جماهيري، وأن مشاركتكم كانت ستظهر حجمكم الحقيقي مقارنة مع الامتداد الجماهيري الكبير لحركة حماس على سبيل المثال ما ردكم؟
أشكركم على هذا السؤال ، وأنا أعرف أن هذا الكلام أشيع أحيانا إبان الانتخابات ، لكنه للأسف جاء فى سياق الحرب على الحركة والتشهير بموقفها الذى انفردت به فى الساحة الفلسطينية ، ثم جاءت الأحداث لتؤكد فى كثير من تداعياتها صوابية موقف حركة الجهاد..
وللرد على هذا الادعاء لابد من تسجيل بعض الملاحظات:
أولا : إننا لو كنا نخشى من صغر حجمنا مقارنة بحجم حماس ، لما خضنا الانتخابات الطلابية فى الجامعات والمعاهد الفلسطينية. وهى انتخابات نحصل فيها على نتائج متواضعة مقارنة بحماس وفتح.. مع ملاحظة دور العامل المادي والأموال الضخمة التى تنفق فى هذه الانتخابات ، بما لا تستطيع حركة الجهاد أن تجارى الآخرين فيه بأى حال، أو العامل المعنوي بالتشهير والحرب الدعائية المضادة التى يشنها المنافسون ضد حركة الجهاد.
ثانيا: إن عدم مشاركتنا فى انتخابات مجلس السلطة الذى أصبح اسمه المجلس التشريعي ، ترتكز على موقف ورؤية سياسية لنا مفادها أننا لا نؤمن بإجراء انتخابات ديمقراطية مزعومة تحت حراب الاحتلال وتحت سقف أوسلو.. تماما كما هو موقف بعض القوى الوطنية والإسلامية المقاومة فى العراق. فهناك احتلال أمريكي وهنا احتلال صهيوني، والبضاعة التى يسوقونها علينا هنا وهناك، بضاعة الديمقراطية الأمريكية ، هى من منشأ واحد، أو ربما ذات البضاعة.
ثالثا: نحن شعب يرزح تحت الاحتلال، أى أننا نعيش ما اصطلح على تسميته بمرحلة تحرر وطني من براثن الاحتلال، أى مرحلة دفع العدوان الواقع على أرضنا وشعبنا.. وفى هكذا مرحلة وهكذا ظرف، لا شيء يجب أن يتقدم على الجهاد والمقاومة فى سلم أولوياتنا.. وبناء عليه ، فإن معيار الحكم على أي قوة ومدى حضورها وفعالياتها ونفعها للشعب والقضية يجب أن يركز على مدى مساهمتها فى الجهاد والمقاومة وما أبلته فى ميدان مقارعة الاحتلال.. من هنا ، فإننا فى حركة الجهاد نقول ، وبكل تواضع، إن الجميع يعرف أن حركة الجهاد فى انتفاضة الأقصىقد احتلت الموقع المتقدم بمحاذاة حركة حماس فى مجال المقاومة والعمليات الاستشهادية، وأحيانا كانت تتخطى ذلك كما حدث خلال العامين الماضيين منذ توقيع اتفاق القاهرة عام 2005 .
رابعا : وأخيرا ، نحن نتساءل ماذا كانت نتيجة الانتخابات وماذا كان مردودها على شعبنا وقضيتنا، سواء فى ا لمقاومة ، أو فى العلاقات الداخلية، فى السياسة ، فى الاقتصاد، فى الاجتماع، فى المعيشة، فى الأمن، فى كل شيء؟ أظن لا أحد يجادل فى أن الوضع الفلسطيني الآن فى أسوأ أحواله والمأزق الذى يعيشه غير مسبوق.. ثم أين المجلس التشريعي الذى خشينا أن نخوض انتخاباته؟ كم مرة اجتمع ، وماذا فعل لخدمة الشعب والقضية، بل أين رئيسه وحوالي ربع أعضائه، ألا يقبعون فى سجون الاحتلال؟ ألا يعنى هذا أن لعبة الديمقراطية تحت حراب الاحتلال هى فخ نصب لنا وملهاة لحرف سلم أولوياتنا وصرفنا عن قتال العدو.

المؤتمر الدولي للحلول السياسية المطروحة

  • كيف تنظر حركة الجهاد الإسلامي إلى دعوة الرئيس بوش إلى عقد مؤتمر دولي من أجل فلسطين فى الخريف، وكيف ستؤثر نتائجه على مجريات الأمور فى الساحة الفلسطينية لا سيما فى الصراع بين فتح وحماس ؟
أولا، المطروح ليس مؤتمرا والحديث يدور حول اجتماع أو لقاء. وأيا كان اسمه وصيغته ، فهو لا ينبع من حاجة فلسطينية ، بل هو حاجة أمريكية بالدرجة الأولى ثم إسرائيلية أيضا.. فهو يسعى للتغطية على الفشل الأمريكي فى العراق ومساعدة أولمرت بعد هزيمة "إسرائيل" فى لبنان من ناحية..
ومن ناحية أخرى ، هو محاولة لتقديم رشوة لبعض دول المنطقة فى الملف الفلسطينى لإجبارها على اللحاق بركب التطبيع، وتبريد الساحة الفلسطينية استعدادا لفتح جبهات جديدة، أو تعزيز جبهة ما يسمى بالمعتدلين فى المنطقة فى مواجهة قوى المقاومة والممانعة الرافضة لمشروع الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية ، وتعميق الانقسام فى الساحة الفلسطينية .
والاجتماع برأينا لن يتمخض عنه أى شىء فيه مصلحة للشعب الفلسطيني، وسواء اقتصر على العلاقات العامة، أو حدثت فيه مفاجآت بإعلان أى صيغة لاتفاق بين السلطة والكيان الصهيوني، فهو لن يفلح فى إعادة عقارب الساعة إلى ا لوراء، ولن يغير وجهة الأحداث فى المنطقة التى تتجه نحو التصعيد والمواجهة وليس سراب السلام.
وفى حال فشل المؤتمر وعدم خروجه بشيء هام، وهو الأرجح، فإن هذا سيعزز القناعة بفشل مجمل عملية التسوية وعقمها ووصولها إلى طريق مسدود.. وهذا بالتأكيد سيصب فى مصلحة حماس وقوى المقاومة، وسيضعف من حركة فتح فى نزاعها مع حماس ، وسيضعها أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن تبقى أسيرة الرهان على الولايات المتحدة و"إسرائيل" وتنتظر بذلك مزيدا من تدهور أوضاعها. وعندها فإن ما حدث فى غزة يمكن أن يتكرر فى ا لضفة .. أو أن تراجع كل مسيرتها وتعيد ترتيب أوضاعها لتسلك طريقا نضاليا جديدا بعيدا عن أوسلو وأوهامه..
إننا ننطلق فى ذلك من تقديرنا لحركة فتح وموقعها فى التاريخ النضالي الفلسطيني، وحرصنا على أهمية وجودها فى عصب المشروع الوطني الفلسطيني.. إن على الأخوة فى فتح أن يعترفوا بأن الإستراتيجية التى سلكتها منظمة التحرير بقيادة فتح، قد جلبت الكوارث للشعب الفلسطيني، وأنها بحاجة إلى إعادة نظر، وأن الخطوة الأولى فى ذلك، هى أن يدركوا بأن الأسس التى قام عليها مشروع "الدولة المستقلة" فى أذهانهم قد انهارت ، بل هى لم تكن موجودة فى الواقع، ولا يمكن لبنية المشروع الصهيوني أن تسمح بها..
البنية الصهيونية كما تعرف فتح ويعرف الجميع هى بنية صراعية ولا يمكن لها أن تنتج تعايشا أو سلاما بأى حال من الأحوال، مهما كان هزيلا . المطلوب من الأخوة فى فتح أن يخرجوا من دائرة الصياغات المشتركة مع الإسرائيليين ، ويصوغوا إستراتيجية فلسطينية تلفظ كل السياسة المرحلية وفكرة الحل المرحلي والأوهام التى أشاعتها، والتنازلات الخطيرة التى قادت إليها.
إننا فى الجهاد الإسلامي نعتقد أن إنقاذ فتح مما هى فيه لن يتم إلا بالعودة للمواجهة مع المشروع الصهيوني وليس الشراكة معه.. إن الهدف يجب أن يعود إلى بداياته الأول، وهو إنهاء وجود الكيان السياسي الصهيوني المسمى "إسرائيل" بضرب أسس وجوده، من خلال إعادة بناء حركة المقامة الفلسطينية بكل قواها لتكون قادرة على إدامة الصراع وتعزيز صمود شعبنا وبقائه على أرضه.. أما الانشغال بترقيع أحوال سلطة عاجزة ترفع عن "إسرائيل" عبء احتلالها، دون أن تقتلع الاحتلال ذاته، فهذا لن يؤدى فى النهاية إلا إلى اقتلاع هذه السلطة ،أو أن ما حدث فى غزة قد يحدث فى الضفة عاجلا أم آجلا، عندها ما هو مصير حركة فتح؟
  • هناك حديث عن اتفاق مبادئ فلسطيني – إسرائلى ، ومشاريع متعددة يطرحها قادة إسرائيليون بشأن الحل النهائي ، وهناك حديث أيضا عن احتمال عودة إلى الخيار الأردني ما رأيكم فى ذلك؟
المعلومات عن ما يسمى باتفاق مبادئ حتى الآن غير واضحة وغير مؤكدة، ولو قدر لمثل هذا الاتفاق أن يرى النور، فهو لن يختلف عن غيره، فقد سبقته اتفاقات مبادئ كثيرة ولم تجلب للشعب الفلسطيني شيئا سوى المزيد من الآلام والمعاناة.وليس هناك فى إسرائيل مشاريع سياسية ، هناك أفكار يطرحها إسرائيليون، لكن لدى "إسرائيل" فى المحصلة مشروع واحد هو تصفية القضية الفلسطينية ، وهذا هو الحل النهائي الذى تؤمن به..
لذلك، فنح نعتقد أنه ليس هناك حل نهائي لهذه القضية. وفكرة الحل النهائي التى طرحت كمرحلة أخيرة فى اتفاق أوسلو، جاءت تعبيرا عن الثقافة الأمريكية التى هيمنت على السياسة فى العالم منذ انتصار الولايات المتحدة فى الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتي وانهيار جدار برلين، عندها أطلق فوكوياما مقولته الشهيرة "نهاية التاريخ" ، وصار لكل شيء فى العقل الغربي "نهاية" تدلل على انتصار الغرب ونمط حضارته.
العقدة الوحيدة التى ظلت مستعصية عليهم فى العالم هى مشكلة الشرق الأوسط وجوهرها قضية فلسطين والصراع معه "إسرائيل" من هنا جاء مؤتمر مدريد ثم اتفاق أوسلو، لكنه وصل اليوم إلى طريق مسدود والبحث عن حل هو اليوم أصعب من أى وقت مضى لذلك ، فإن أى اتفاق جديد لن يسفر عن دولة فلسطينية حقيقية مستقلة وذات سيادة .. ما يبحث فيه الطرفان، فى أحسن الأحوال، هو دولة مؤقتة ، ستتحول مع مرور الوقت إلى كيان دائم ، أقل من دولة وأكثر قليلا من سلطة الحكم الذات.. كيان وظيفي تابع وخادم لدولة الاحتلال ، بل إن وجوده سيعزز وجود "إسرائيل" ويحمى أمنها واستقرارها..
وبهذه المواصفات لا مانع لدى "إسرائيل" والغرب الحامي لها أن يحمل هذا الكيان اسم "دولة" أو حتى "إمبراطورية" المهم أن لا يملك مقومات الدولة الحقيقية التى تهدد أمن ووجود "إسرائيل" فى يوم من الأيام.. ولأن الشعب الفلسطيني لن يقبل بهذا الأمر، فقد يتم مستقبلا توريط دول عربية مجاورة فى هذا المشروع.. وذلك بجر مصر إلى تحمل قدر من المسئولية فى قطاع غزة، والأردن إلى نوع من التقاسم الوظيفة مع الإسرائيليين والإدارة الفلسطينية فى الضفة الغربية..
لكن وضع الضفة الغربية يظل هو الأهم لأن "إسرائيل" لا تريد القطاع بأى حال. من هنا يأتى الحديث عن الخيار الأردني ، وهو حديث جاد برأينا، وكلام الملك عبد الله مؤخرا لا ينفى استعداد الأردن للدخول فى هذا المشروع بل يؤكده . كما أن "إسرائيل" تاريخيا عينها على الأردن كما هو معروف..ولولا موقف تشرتشل بإخراج شرق الأردن من الوطن القومي اليهودي فى تفسير وعد بلفور، فإن الصهاينة منذ ذلك التاريخ يعتبرون الأردن لهم، وهم قد تنازلوا عنه مجبرين للمساعدة فى امتصاص آثار قيام " إسرائيل" كما قال تشرتشل .. لكن الحلم به ، والاستفادة منه فى حل المشكلة الفلسطينية ، ظل يراود بن غوريون وقادة "إسرائيل" طوال الوقت وما زال حتى اليوم..
مبدئيا ، قد يكون هناك نوع من ( الانتداب الأردني) فى الضفة برعاية إسرائيلية ، ولاحقا مع تطور مجريات الصراع لا يستبعد أن يلجأ الصهاينة إلى تهجير سكان الضفة الترانسفير إلى شرق النهر ليكون الأردن هو "الوطن البديل" للفلسطينيين ، من هنا جاءت تصريحات قائد المنطقة الشمالية الصهيوني، قبل حوالي عامين، بأن الملك الحالي قد يكون آخر حاكم من الأسرة الهاشمية..
باختصار ، إن المشروع الذى يفكر فيه أطراف اللعبة الآن هو فكرة الدولة المؤقتة، بدءا من الضفة الغربية ، أو (الضفة أولا) كما يقول البعض، والتي ستكون بمثابة تجديد لمشروع السلطة تحت عنوان جديد يضيع فيه الكيان الفلسطيني بين ثلاث خرائط هى فلسطين ومصر والأردن.. وهذا طبع دون القدس ودون عودة اللاجئين.. وفى اللحظة التى يقترب فيها الكيان من حمل اسم "الدولة الفلسطينية" سيفجر مشكلة أخرى هى مشكلة فلسطيني 1948لأن "إسرائيل" ستصر فى حل الدولتين على تعريف نفسها "بالدولة اليهودية" وعندها إما أن يقبل الفلسطينيون العيش فيها كمواطنين من الدرجة العاشرة، دون أدنى أى حقوق أو احترام لهويتهم وخصوصيتهم الدينية والقومية والوطنية، أو فليهاجروا إلى الكيان الفلسطيني الجديد.
الخلاصة أن أى محطة أو أى مبادرة تطرح ضمن إطار وسقف مشروع التسوية الراهن لن تحل المشكلة لن تجلب السلام أو الأمن بل ستزرع قتيلا وصواعق جديدة للانفجار.

الجهاد والمبادرة العربية

  • أنتم اعترضتم على المبادرة العربية للسلام، رغم أنها كانت محل إجماع عربي فى قمة الرياض، ما هى الإشكالات التى ترونها فى هذه المبادرة ، وهل يمكن أن يكتب لها النجاح؟
نعم نحن اعترضنا على ما سمى بالمبادرة العربية، واعتبرناها بمثابة "وعد بلفور" عربى، وبرأيى هى أخطر من وعد بلفور الذى قيل عنه إن "من لا يملك أعطى من لا يستحق" .. لكن المبادرة العربية للأسف بتنازل العرب عن أى شبر من فلسطين ، تعنى، انطلاقا من أن فلسطين أرض العرب والمسلمين، أن من يملك أعطى من يستحق، وهذا الاستحقاق الصهيوني غير الصحيح منبعه للأسف أن صاحب الحق تنازل عن حقه فى وطنه وسلم بمشروعية حق الغازي فيه. إنها إقرار مجاني بهزيمة فى معركة لم تهزم فيها الأمة ولا زالت تقاوم. نعم إن لنا العديد من الملاحظات على المبادرة العربية، فى معناها ومدلولاتها القريبة ، أهمها .
أولا: إصرار النظام العربي على التمسك بالمبادرة برغم الرفض الاسرائيلى لها منذ العام 2002بل والرد عليها بهجوم إسرائيلي واجتياح شامل للضفة الغربية . فحين ترفض "إسرائيل" المبادرة لا يكون فى جعبة زعماء العرب ما يردون به على "إسرائيل" وجرائمها سوى "المبادرة" من جديد .. بما يعنى أن النظام العربي أصبح فاقدا للخيارات وعاجزا حتى عن المناورة السياسية المجدية.
ثانيا : إن استعداد النظام العربى للتنازل عن حق العودة حين جعله قابلا للتفاوض ، يعفى "إسرائيل" من المسئولية التاريخية والقانونية والأخلاقية بتهجير الشعب الفلسطيني من أرضه، ويفتح الباب لفرض أية حلول للمشكلة إلا عودة اللاجئين إلى أرضهم وممتلكاتهم الذين أخرجوا منها بقوة السلاح والقتل والدمار. كما أن الاستعداد للتفاوض على حق العودة يفتح الباب لجعل قضايا أخرى كالقدس والحدود وغيرها قابلة للتفاوض أيضا.
ثالثا: إن التنازل الطوعي عن أكثر من ثلاثة أرباع فلسطين التاريخية والاعتراف "بإسرائيل" فيها يعنى التسليم ضمنا بصحة الرواية الصهيونية للصراع على فلسطين ومشروعية الحق اليهودي الذى ادعته الحركة الصهيونية .. أى أن الاعتراف بشرعية "إسرائيل" فى الحاضر هو اعتراف بشرعية ماضيها المزعوم.
واعتراف بمبدأ وجود دولة يهودية على أرض فلسطين.. وهذا تماثل أو محاكاة للفكرة الصهيونية لأن الصهيونية عقيدة سياسية أو أيديولوجية تؤمن بإقامة دولة يهودية على أرض فلسطين، ومن يعترف بهذه الدولة وحقها فى الوجود على أي مساحة من أرض فلسطين هو من حيث يدرى أو لا يدرى من حملة هذه العقيدة مهما كانت ديانته أو لغته أو جنسيته.إن فتح الباب لانتصار الرواية الصهيونية يعنى إزاحة وإلغاء تام للحقيقة الإسلامية والعربية للمنطقة وتاريخها ومستقبلها والانخراط فى سياق تاريخي آخر نقطة البدء فيه الإقرار بوجود "إسرائيل".
رابعا: إن الموقف الصهيوني الرافض للمبادرة ، بالرغم من الوعد العربي الرسمي بالتطبيع الكامل مع "إسرائيل" يرتكز فى جوهره على التفرقة بين موقف الحكومات والأنظمة العربية من جهة، وموقف الشعوب من جهة أخرى، فالقيادة الصهيونية تدرك أن الموقف العربي الرسمي فى أغلبه، قد تجاوز مسألة الاعتراف "بإسرائيل" وأن الخلاف لم يعد على مبدأ وجود "إسرائيل" بل على الدور والمكانة التى تحتلها "إسرائيل" فى خريطة المنطقة وكلاهما مفتاحه التطبيع.
لكن "إسرائيل" تدرك أيضا أن ورقة التطبيع هى بيد الشعوب وليست بيد الأنظمة ، والدليل على ذلك موقف الشعب المصري الذى برفض التطبيع ، رغم مضى ما يقرب من ثلاثين عاما على معاهدة كامب ديفيد ، وكذلك الشعب الأردني الذى يرفض التطبيع رغم اتفاق وادي عربة. الأخطر من ذلك أن "إسرائيل" تدرك أنه إذا كان موقف الحكومات يقبل بوجود "إسرائيل" وما زال يساوم على الدور والمكانة، فإن الشعوب ما زالت ترفض القبول بمبدأ وجود "إسرائيل" وتعتبرها غريبا يجب أن يزول من الجغرافية السياسية للمنطقة.
كمنا أن كل ما حققته حركات المقاومة فى فلسطين ولبنان والعراق ، إنما يستند إلى إرادة الشعوب واستعدادها للتضحية . لهذا ، فإن القيادة الصهيونية تعيش أزمة ثقة فى قدرتها على اكتساب الشرعية من الحكومات العربية التى تعانى هى ذاتها من أزمة شرعية لا تصلح لمنح "إسرائيل" الشرعية بينما تصر على رفضها ومقاومتها. خامسا : إن من دوافع الرفض لهذه المبادرة أيضا هو الخوف من مستقبل العلاقة مع الشعب الفلسطيني . إن الصهاينة يرفضون القبول بدولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة حقيقية فى حدود أراضى 1967، لأنهم لا يمكن أن يطمئنوا أو يصدقوا بأن الشعب الفلسطيني يمكن أن يتناول عن أرضه ومقدساته وحقه فى يافا وحيفا واللد والرملة كما هو فى غزة والخليل ونابلس وجنين وأي بقعة من فلسطين.
إن تجربة التسوية الفاشلة حتى الآن كرست القناعة لديهم، أن الفلسطيني لم ينس ولن ينسى كامل فلسطين، وأن وهم "السلام" المزعوم هو أمر عابر وأملته على الفلسطينيين موازين القوة الدولية والإقليمية المختلفة لغير صالحهم، وأن ما وقعته منظمة التحرير من اتفاقات وما تسعى إليه من إنهاء الصراع دون استرداد كامل حقنا فى فلسطين، لن تلتزم به أجيال الشعب الفلسطيني وأجيال العرب والمسلمين.
إن موقف الشعوب الإسلامية، أي موقف جمهور الأمة، يظل أحد أهم محددات وعوامل استمرار الصراع. لذلك نحن نقول ، وبكل صراحة ووضوح، إن من حق الصهاينة فعلا أن يقلقوا ، ومن حق شركائهم فى وهم السلام الكاذب من الحكام العرب أن يقلقوا ، لأن كل مشاريع التسوية ومن ضمنها المبادرة العربية هو فى هقل ووجدان شعوب الأمة، لا تساوى الحبر الذى كتبت به كما وصفها شارون ونحن هنا لا نتساوق مع عدونا فى الخطاب ، بل نذكر الجميع بأن فلسطين ليست أقل قداسة لدينا مما هى لدى الصهاينة الذين استندوا فى اغتصابهم لأرضنا على الأساطير والأباطيل.

العلاقة مع إيران

  • بعض الأطراف تتهمكم بأنكم بإصراركم على مواصلة إطلاق الصواريخ، وبرفضكم المشاركة فى العملية السياسية ، تنفذون أجندة إيرانية، ويشيرون إلى العلاقة الخاصة التى تربطكم بإيران؟
بداية من الذى يتهمنا الآن بأننا ننفذ أجندة إيرانية، سواء باستمرارنا فى المقاومة ، أو بعد انخراطنا فى سلطة أوسلو ؟ إنه الفريق الذى ينفذ أجندة أمريكية- صهيونية وهو فريق موجود فى فلسطين وخارجها أيضا.

إلا أن الخير والمؤسف أن يصدق هذه التهمة وينساق خلفها وخلف الإشاعات وحملات التشويه ضد مشروع المقاومة ، بعض الطيبين من أبناء الحركات والاتجاهات الإسلامية فى العالم العربي الإسلامي . لكن لماذا يصدق هؤلاء مثل هذه الإشاعات والتهم؟ للإجابة عن هذا السؤال ، لابد أن نتحدث بصراحة ، ونضع النقاط على الحروف لنبين مصدر هذه التهمة لنا تاريخيا فى الساحة الفلسطينية.

يؤسفنى أن أقول، مضطرا، أن أول من اتهمنا فى علاقتنا بإيران والشيعة هم الاخوة فى حركة الإخوان المسلمين بقطاع غزة، وأقول الإخوان لأن الاتهام كان مبكرا قبل إنشاء حماس ، وكانوا يعملون يومها تحت اسم" المجمع الإسلامي" لكنهم عندما رأوا فى هذه المجموعة من الشباب التى شكلت حركة الجهاد لاحقا خروجا عن النهج الذى يسيرون عليه، أعلنوا حربا لا أريد أن أنكأ الجرح باجترار تفاصيلها ، لا سيما أننا تجاوزناها منذ زمن والحمد لله، لكن الصداع المتعلق باتهامنا بعلاقتنا بإيران والشيعة يجب أن ينهى وأن نقدم حجتنا فيه للناس وقبل ذلك بين يدي الله عز وجل.
نعم نحن أينا الثورة الإسلامية فى إيرانـ شأننا فى ذلك شأن ملايين المسلمين ، وكل ما قلناه يومها إن هذه الثورة التى أسقطت نظاما من أقوى حلفاء الكيان الصهيوني فى المنطقة والعالم، يمكن أن تشكل سندا لنا فى جهادنا من أجل تحرير وطننا المغتصب .. ما قلناه قبل حوالي ربع قرن هو ما يطبقه الإخوة فى حماس اليوم فى علاقتهم بإيران والشيعة. ونحن لو صعدنا إلى أعلى مئذنة فى العالم، ومهما قلنا أو صدرت عنا مواقف إيجابية تجاه إيران أو حزب الله ، فلن نجارى موقف فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين بمصر ، الذى نحبه ونقدره ونحترمه، فى ثنائه على بطولة حزب الله فى حرب تموز الماضي، وهو موقف صحيح برأينا، رغم أن كثيرين من أهل السنة لم يرقهم هذا الخطاب، لكن أحد لا يتهم فضيلة المرشد أو أى أحد من الإخوان أو من حركة حماس بأنهم ينفذون أجندة إيرانية .
للأسف دارت الدوائر لنجد من يتهم حماس اليوم بأنها موالية للشيعة وتنفذ أجندة إيرانية فى فلسطين لكن العجيب والغريب أن هذه التهمة تصدر عن حركة علمانية مثل حركة فتح لماذا لجأت فتح إلى اتهام حماس بعلاقتها بالشعية وهتفت بذلك فى المهرجانات والمسيرات التى نقلتها الفضائيات وسمعها الملايين، رغن أنه اتهام قد يصفه البعض بالسخيف والمضحك؟ السبب بكل بساطة أن فتح تدرك كم كان فتاكا هذا الاتهام عندما استخدم ضد حركة الجهاد الإسلامي ، خاصة فى إطار ظروف التعبئة المذهبية والطائفية التى واجهت الثورة الإيرانية وواكبت الحرب العراقية- الإيرانية، كما فى هذه الفترة الراهنة حيث مأساة العراق وجرحه النازف اليوم، وكا كان مؤثرا فى استنزاف الحركة وتشويه صورتها وسمعتها رغم كل ما قدمته من دماء وشهداء وتضحيات فى ميادين الجهاد؟
وسواء كانت هذه التهمة موجهة من حماس لنا، أو من فتح لحماس ، فهي تهمة واهية وتافهة وقد لا يستحق الرد بنظر البعض ، لكن دوافعها فى الحالتين للأسف دوافع حزبية، ولا تصدر عن قناعة حقيقية لأنها تفتقد أية جذور على الأرض أو أية مصداقية.
فى الواقع، لا الجهاد ولا حماس شيعة، ولا فتح حامية حمى "السنة" فى فلسطين. القصة هى أن الفريق الذى يتهم حماس أو الجهاد أو غيرهما بعلاقتهم الخاصة بإيران، هم حماة "إسرائيل" وأجندتها فى خريطة الفرز والاستقطاب الحاصل فى المنطقة . لقد أصبحت هذه التهمة ماركة مسجلة فى الساحة الفلسطينية ضد كل حركات المقاومة الرافضة لنهج التسوية والاستسلام، وأصبحت تهمة إيران فزاعة يحاول بها الآخرون التغطية على الاملاءات الأمريكية والصهيونية عليهم.
فى الحقيقة ، عندما يصدر الاتهام لنا من وكلاء الأجندة الأمريكية والصهيونية فىا لمنطقة، فهو لا يزعجنا، بل هو بمثابة شهادة لنا بأننا على الحق وهذا يشرفنا.. لكن المشكلة تبقى فى موقف بعض الإسلاميين الذين لا يكلفون أنفسهم عناء البحث والتدقيق ويأخذون بالإشاعات دون الوقوف على حقيقة وأهداف هذه الاتهامات التى تهدف بالدرجة الأولى إلى إسقاط البعد العربى الإسلامي للقضية الفلسطينية إلى غير رجعة.. فى عرفهم، ممنوع على أى مسلم أو عربي أن يمد يده فى قضية فلسطين ، من حق أمريكا وكل العالم الغرب والوثني أن يمده فى هذه القضية لتصفيتها، وليس من حق إيران أو أي بلد عربي أو مسلم أن يمد يد العون لفلسطين أو المقاومة بأي طريق فالمشكلة ليست إيران ، بل هى دعم المقاومة ، وإلا فهل لو كان البلد المتهم بدعم المقاومة مثلا تركيا ،أو مصر ، أو السعودية ، أو المغرب ، هل سيغفرون ذلك؟ بالطبع لا.
أما عن طبيعة علاقتنا بإيران، فليس فيها أي خصوصية لأن إيران اليوم لها علاقة بكافة الأطراف فى الساحة الفلسطينية، سواء من الفصائل الإسلامية والوطنية، أو السلطة ، أو حتى شخصيات مستقلة. برغم ذلك، فنحن لنا علاقة جيدة بإيران، ولا ننكرها ، ولا نخجل منها، فنحن واضحون جدا فى خلفيات وأهداف وأبعاد هذه العلاقة.. وكل من يعرف حركة الجهاد يدرك أننا لا نتحدث بلغتين أو خطابين فى هذا الموضوع..
إيران، بنظرنا بلد مسلم، ومن حقها ، بل من واجبها أن تمد يد العون لفلسطين.. وعندما تفعل إيران ذلك، وتصبح فلسطين حاضرة فى الأجندة الإيرانية، فهل يحق لمن غابت فلسطين والمقاومة من أجندتهم أن يتهموا الآخرين فى نواياها؟ ثم ما ذنب حركة الجهاد الإسلامي فى ذلك؟ عندما يحاصرنا العالم كله، وعندما تغلق أبواب عواصم أمتنا فى وجوهنا وتفتح فى وجه اليهود والأمريكان، ونجد إيران تفتح لنا أبوابها، وتمد يدها لنا بالعون والتأييد، فهل نرفض ذلك وندير ظهرنا لقضيتنا المركزية، قضية الأمة كلها، فلسطين؟
وفى ظل الهجوم الأمريكي – الصهيوني الكاسح فى المنطقة وإطلاق الولايات المتحدة سياسة "الفوضى البناءة" لإعادة رسم خريطة ا لمنطقة وبناء " شرق أوسط جديد" يقوم على أنقاض وخرائب الحرب الأمريكية التى تنذر بمزيد من تفتيت وتقطيع أوصال الأمة حتى داخل البلد الواحد، ومحاربة الأمة فى دينها وهويتها وعقيدتها الإسلامية، وهى آخر القلاع والحصون الباقية فى وجه الزحف الاستعماري.. فى ظل هذا الظرف الذى يعصف بالمنطقة، والفرز الحاصل فيها بين موالين للسياسة الأمريكية- الصهيونية يوصفون بالمعتدلين ومعارضين ومقاومين لها يوصمون بالتشدد و"الإرهاب" فنحن كحركة مقاومة من الطبيعي أن نجد لأنفسنا فى الصف المعادى لأمريكا و" إسرائيل" ومن يريدنا أن نعادى إيران وحزب الله يريد أن ينقلنا إلى معسكر الموالين لأمريكا والمنفذين للأجندة الأمريكية- الصهيونية فى المنطقة، تحت حجج وذرائع واهية.
  • هل مطلوب من المسلمين أن يتصارعوا على الماضى وما وقع فيه من فتن، بينما الأعداء يسلبوننا كل شيء فى حاضرنا ، ويصارعوننا على امتلاك المستقبل.. مستقبلنا ومستقبل أمتنا ومقدساتها وثراوتها ومكانتها بين الأمم ؟

هل مطلوب منا أن نغمض عيوننا عما تمثله وما تفعله بنا أمريكا وربيبتها "إسرائيل" وأن نفتح عيوننا ونسلط أضواء كاشفه نفحص بها نوايا إيران وسرائرها تجاه فلسطين والعرب وأهل السنة وأن نحاسبها على ما تفعل وما لا تفعل؟

  • هل يعقل أن نغفل عن " إسرائيل" كخطر حقيقي واقع وماثل أمام عيوننا بل جاثم على صدرونا، ونصب جهودنا وطاقتنا لمواجهة خطر ظني اسمه إيران يحذرنا منه شمعون بيرز وكونداليزا رايس؟

هل يعقل أن يصبح العرب والمسلمون شركاء للحرب الأمريكية والصهيونية المحتملة على إيران المسلمة ويقدمون فيه التسهيلات، بتهمة سعى إيران امتلاك القدرة النووية التى تشكل تهديدا " لإسرائيل" التى تمتلك الرؤوس النووية الحربية؟

  • هل هذا فى مصلحة الإسلام والمسلمين، أم هم التطبيق الحرفي للأجندة الأمريكية والصهيونية فى المنطقة؟ سؤال يظل مطروحا على عقل ووعى وضمير كل من ألقى السمع وهو شهيد .

لكن هناك من يتهم حركة الجهاد بأن لديها ميولا شيعية من داخل الحركة، وهذا يفسر الدعم الإيرانى لكم، ما هو ردكم؟

د:عني أبدأ بمسألة الدعم وحجمه والمبالغة فيه، فسأقف عند بعض ما يقوله خصومها بأن إيران لا تدعم الفلسطينيين حبا لسواد عيونهم، بل إنها تريد دور فى القضية الفلسطينية خدمة لمصالحها وأهدافها الخاصة. هب أن هذا القول الذى يجرد إيران فى موقفها من دافع الواجب الديني والانسانى ، وهذا ظلم كبير.. هب أنه كان صحيحا، وكانت إيران تريد فقط دورا فى فلسطين، فيما الآخرون فى الأمة متهيبون من هذا الدور ولا يريدونه أصلا لتكلفته ، فما ذنبنا نح كحركات مقاومة، وما هى تهمتنا فى ذلك ؟ هل نوصد الباب فى وجه إيران فى انتظار فتح أبواب أخرى فى ووجوهنا مفاتيحها فى جيب أمريكا و" إسرائيل"؟
نحن حركة إسلامية مجاهدة مستقلة، ولا يمكن أن نرهن قرارانا لأى جهة فى العالم، ومن أراد أن يختبر صدق كلامنا هذا، فليجرب ويختبرنا بما شاء لقاء أن نتزحزح قيد أنملة عن مبادئنا وقناعاتنا ونهجنا وينظر ماذا تكون النتيجة؟ إننا مشروع شهادة وانتصار ولا يمكن أن نساوم على عقيدتنا ومبادئنا بأي ثمن.

أما مسألة الميل للشيعة، فهذه موضوع حساس وخطير ويشاع فى سياق الحرب على حركة الجهاد، لذا لابد من الحديث فيه بوضوح وصراحة من خلال التأكيد على النقاط التالية:

أولا: الجميع يعرف أن حركة الجهاد هى حركة مقاومة إسلامية سنية عقيدتها عقيدة أهل السنة والجماعة، التى هى فى الخريطة العقدية والمذهبية للأمة عقيدة المسلمين فى فلسطين التى تخلو من أية مذاهب إسلامية أخرى. هذه هى الهوية المذهبية لحركة الجهاد التى تضم آلاف المجاهدين المعروفين بأنسابهم وأصولهم الإسلامية والاجتماعية والأسرية وتشهد لهم بيوت الله العامرة بهم بين أهلهم وشعبهم فى فلسطين وكل مكان، وتشهد لهم ساحات الجهاد والفداء فى مقارعة العدو الصهيوني.
ثانيا: إن حركة الجهاد التى يشهد القاص والداني بجرأتها فى الحق ووضوحها وإصرارها على ا لتمسك بمبادئها وتصدح بما تعتقد أنه الحق فى كل المواطن، مهما كثر المخالفون لها، ومهما كانت التبعات ، لو كان لديها أى ميل أو اعتناق لأى مبدأ أو فكر أو انتماء غير انتمائها لعقيدة أهل السنة والجماعة، وقبل ذلك انتمائها للإسلام العظيم، فإنها بفضل الله سبحانه تملك من الشجاعة والثقة بالنفس ما يجعلها تفصح بها دون أى تردد د أو خشية من أحد.
ثالثا: نحن فى حركة الجهاد لا نكفر أحدا من أمة لا إله إلا الله محمد رسول الله ، وسلاح التكفير برأينا هو أخطر سلاح فتك بالأمة من داخلها،اليوم وعقيدتنا فيه منذ نشأة الحركة هى عقيدة أهل السنة التى تحتاط وتحترز فيه أشد الاحتياط والاحتراز، لما يترتب عليه من سفك لدماء المسلمين واستباحة أموالهم وأعراضهم وسائر حرماتهم. الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله يقول "الخطأ فى ترك ألف كافر أهون من الخطأ فى سفك محجمة من دم المسلمين" . وللشيخ محمد عبده رحمه الله قول جميل فى توضيح موقف المسلمين من مسألة التكفير جاء فيه "اشتهر بين المسلمين وعرف من قواعد دينهم إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه، ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حمل على الإيمان ولا يجوز حمله على الكفر".
رابعا: بالنسبة للشيعة فموقفنا منهم هو موقف جمهور الأمة الذى يعتبرهم مسلمين من أهل القبلة، بيننا وبينهم خلاف ، لكنه لا يخرج من الملة، وقد أكدت كل كتب ومصادر أهل السنة فى الفرق الإسلامية على أن الشيعة ، عدا الغلاة، من فرق المسلمين ولا يوجد كتاب يخرجهم من فرق الإسلام، وقد نصت وثيقة مكة برعاية منظمة المؤتمر الإسلامي التى صدت فى 21/ تشرين أول أكتوبر 2006بشأن ما يجرى من فتنة فى العراق أن "المسلم من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله"، وبهذه الشهادة يعصم دمه وماله، ويدخل فى ذلك الشيعة والسنة جميعا، وحول الاختلاف بين السنة والشيعة ترى الوثيقة أنه "ليس اختلافا فى أصول الإيمان و أركان الإسلام ،و لا يجوز لأحد من المسلمين أن يكفر الآخر، ولا يجوز شرعا إدانة مذهب بسبب جرائم بعض أتباعه".
خامسا: نحن فى حركة الجهاد حركة مقاومة واجبها الأول والمباشر هو قتال العدو الصهيوني فى فلسطين لذا فنحن نلتقي مع كل من يقاتل "إسرائيل" أو يعاديها، سواء كان من السنة أو الشيعة، أو حتى لو كان من غير العرب والمسلمين، وإن أي إقحام لقضايا السجال المذهبي أو العقائدي وخلق أعداء مفترضين فى عقولنا وفى ساحتنا الفلسطينية التى تخلو من الشيعة، إنما يهدف إلى إحداث الفتنة التى ينفخ فيها الأعداء بهدف تفكيك الأمة وتفجيرها من داخلها. إن قضايا الخلافات المذهبية بيننا وبين إخواننا الشيعة ليست وليدة اللحظة، بل موغلة قدما فى التاريخ.
وإن نبشها وإثارتها فى فلسطين من أى طرف كان هو إثارة لفتنة لا تخدم سوى عدونا، ويؤدى بالنتيجة إلى صرف أنظارنا عن عدونا الحقيقي، وحرف بوصلة جهادنا عن وجهتها الصحيحة وهى دفع العدوان الصهيوني عن شعبنا وأرضنا. إن الخوض فى مسائل الخلافات المذهبية ليس من اختصاصنا بل هو من اختصاص العلماء وأهل العلم والفقه الذين من حقهم ومن واجبهم تبيانها للناس، ولكن ليس من حقنا أو واجبنا نحن المجاهدين أن ننشغل بها عن جهادنا، أو نجعلها مانعا أو عائقا يحول دون التعاون بينا وبين المسلمين الشيعة ، أو التلاحم والوقوف صفا واحدا فى مواجهة "إسرائيل" والتصدي لأطماعها ومخططاتها ضد الأمة.
سادسا: نعم، نحن أيدنا الثورة الإسلامية الإيرانية، مثلنا مثل بقية الشعوب العربية والإسلامية، لكن الذى عارضها وحاربها خشية أن تصبح نموذجا يعمم هم بعض الحكام. ولم يكن تأييدنا للثورة أو علاقتنا بها فى يوم من الأيام على خلفية مذهبية، بدليل أن الثورة أسقطت شاه إيران الشيعي المذهب وتعاطف معه وأيده وآواه حكام عرب ينتمون لأهل السنة كان درس الثورة بالنسبة لنا هو درس نهوض الشعوب لتغيير المنكر واسترداد حقوقها المضيعة بأيدها، بغض النظر عن الانتماءات العقائدية والمذهبية لهذهالشعوب. وهذا ينطبق على علاقتنا بحزب الله الذى نرى فى انتصاره على الكيان الصهيوني عام 2000 وعام 2006انتصارا للعرب والمسلمين، وهو انتصار كان له وقع كبير لدى جماهير الأمة المقهورة والمنكسرة، التى شعرت أن حزب الله رد إليها قسطا من كرامتها ورفع رأسها وأثبت أنه لا يوجد عدة لا يقهر إذا وجد الجهاد ووجدت الإرادة والإيمان والتضحية.
هذه هى المرتكزات الأساسية التى تخلص رؤيتنا لهذه المسألة الحساسة وتحكم علاقتنا بإيران وحزب الله، وهى من صميم مبادئنا وعقيدتنا. ومن خالفها أو خرج عنها إنما يخرج عن نهج الحركة. هذا معلوم لأبناء حركة الجهاد الإسلامي، ومعلوم لكل من يعرف حركة الجهاد عن قرب من أبناء شعبنا وأمتنا، إذن ، من أين يأتي الحديث عن الميل إلى الشيعة؟ للأسف، يبدو أن هناك من أخذ قرارا ، ولحاجة فى نفس يعقوب، بأن تظل حركة الجهاد هى الفريسة المفضلة لهذه الفرية، بالاستناد إلى علاقتنا بإيران وحزب الله التى لا تخرج عن الضوابط السابقة.
ولا تزيد عن علاقة غيرنا فى الساحة الفلسطينية بهم، وهو ينجح للأسف فى استقطاب بعض الطيبين ممن لديهم الغيرة على الدين والعقيدة ، ولم يخبروا جيدا العيب السياسة.. لهؤلاء ولكل الذين يخشون من هبوب رياح مذهبية إلى فلسطين أو حركة الجهاد أقول : اطمئنوا .. إن الشعب الفسلطينى، شعب يملك الوعى والإيمان والبصيرة التى تكفى ليحجب بها نفسه عن نار الفتنة، وهو يبحث عمن يعينه على تحرير وطنه، وتخليصه من الظلم، لا من يغير مذهبه، وهو لا يشك فى سلامة عقيدته ويدرك أن الانتصار أو الهزيمة لا تكفى لتصويب عقيدة وتخطئة أخرى، وإلا ماذا بشأن عقيدة التحالفين مع أمريكا فى العراق أو المتخاذلين عن مقارمتها وهم بالمناسبة فيهم من السنة والشيعة ؟
إن الحرب الدعائية المغرضة التى يشنها البعض ، عن قصد وسبق إصرار ، ضد حركة الجهاد لتشويه صورتها، لا أبالغ إن قلت إنه أشد وقعا على نفوس مجاهدينا من وقع الحرب الصهيونية التى تلاحقهم بالاغتيال والاعتقال وكل أشكال العدوان؟ إنها تندرج للأسف فى إطار محاولة التصفية المعنوية لحركة الجهاد وقياداتها ورمزوها حين تعجز " إسرائيل" عن التصفية الجسدية لهم أى أنها اغتيال معنوي يواكب الاغتيالات التى يقوم بها العدو ضد المجاهدين
إن من يشاركون فى هذه الحرب الحرام ضد المجاهدين إنما يصدون عن سبيل الله من حيث يدرون أو لا يدرون . وهذا ليس مبالغة أو تهويل ، بل هو عين الحقيقة، لأن حركة الجهاد بكل تواضع هى حركة إسلامية نذرت نفسها لله، ولا سبيل لها ولا طريق سوى قتال أعداء الله الغاصبين لمسرى نبينا وقبلتنا الأولى فلسطين. والذين يصدون الناس عن حركة الجهاد بما يشيعون عنها من دسائس وافتراءات وأكاذيب ، إنما يصدون عن دين الله وعن الجهاد فى سبيله.
إننا نحتسب ذلك عند الله ع وجل ، فهو حسبنا ونعم الوكيل، ونذكر كل من يظنون أنهم يحسنون صنعا ويدافعون عن الإسلام بتشهيرهم بحركة الجهاد وتنفير الناس منها، أن يتقوا الله فى أنفسهم وفى إخوانهم المجاهدين ، وأن يتبينوا ويتثبتوا قبل أن يصيبوا المجاهدين بجهالة، وأن يمتثلوا لقوله تعالى "ولا تقف ما ليس لكل به علم" وأن يلتزموا الدليل، ويترفعوا عن التشبه بأخلاق من قال الله فيهم"سماعون للكذب" . والعياذ بالله ونسأل الله لنا ولهم الهداية والمغفرة.

مستقبل الصراع على فلسطين

  • أخيرا كيف ترون مستقبل الصراع على فلسطين وما هو واجب جماهير الأمة وعلماء المسلمين على وجه الخصوص فى ذلك؟
إن كل المؤيدات والمبشرات العقائدية والتاريخية والواقعية تؤكد أن المستقبل للإسلام.. وحيث يوجد الإسلام الحقيقي يختفي الباطل ويختفي الظلم.. و"إسرائيل" هى ذروة تمام الباطل فى هذا العالم.. لذلك نحن على ثقة مطلقة أن "إسرائيل" لا مستقبل لها فى قلب أمتنا، وهى غلى زوال بإذن الله عز وجل.. حتى غير المسلمين وقادة كبار فى العالم يدركون هذه الحقيقة ..
وأنا هنا أشير إلى رسالة بعث بها الرئيس الفرنسي ديغول إلى بن غوريون جاء فيها:"استيعاب اسرائيل فى المنطقة لا يمكن أن يتم إلا على حساب الدول العربية ، إلا فى حالة واحدة وهى إذا استطاعت تلك الدولة "إسرائيل" أن تصير دولة مسيطرة ومتحكمة فى النظام الاقليمى بل وقائدة لذلك النظام الاقليمى، وهى لن تستطيع أن تحقق ذلك إلا إذا جمعت فى مدركاتها الحضارية خصائص ثلاث: صفة الدولة القائد، اقتصاديات الدولة المتحكمة عسكريا، والتماسك من منطلق مبدأ الأقليات عقائديا" حول هذه الخصائص الثلاث يدور الحراك فى الكيان الصهيوني منذ نشأته ، لكنه لا يستطيع أن يصل فيها إلى ما يريد.. وسيظل هذا الكيان غريبا يسبح ضد التيار فى غير محيطه وغير بيئته يمسك بحبال النجاة التى يلقيها له المنكسرون والمنهزمون فى هذه الأمة، إلى أن يلقى مصيره المحترم ونهايته المقدرة..
لكن هذا لا يعنى أن علينا أن نسترح على أرصفة الأحلام ونستسلم لآمالنا وانتظارنا لما يتحقق فى الغيب .. فنصر الله سبحانه وتعالى لا يتنزل على القاعدين.. وهو يقول "إن تنصروا الله ينصركم" ويقول"وإن جندنا لهم الغالبون" لابد أن نكون من جند الله حتى نكون من الغالبين ، ولابد أن ننصر الله بنصرة دينه وإعلاء كلمته حتى يكتب لنا الله النصر على أعدانا .. إننا نواجه عدوا شرسا..
عدوا لا يكل ولا يمل عن التخطيط والتدبير وإعداد القوة لتكريس وجوده وبقائه فى قلب أمتنا.. المشروع الصهيوني لم يغير شيئا فى الأهداف التى رسمها لنفسه منذ مؤتمر بال بسويسرا عام 1897حتى قيام الكيان الصهيوني عام 1948.. وحين قامت الدولة اليهودية وانعقد المؤتمر الصهيوني الثاني فى القدس عام 1951لم يتخل الصهاينة عن أهدافهم بل تم تعزيزها من خلال دعوة يهود العالم إلى دعم الدولة اليهودية بعد أن تحقق هدف قيامها خلال 50 عاما من العمل الدروب والجهد المتواصل..
لقد شطب بعض العرب والفلسطينيين كل المواثيق وكل العهود وكل المقررات التى تؤكد على حقنا وحق أمتنا فى فلسطين.. لقد تخلوا عن كل لاءاتهم وحولوها إلى نعم، فأصبحت نعم للاعتراف "بإسرائيل" ، نعم للمفاوضات مع "إسرائيل" ، نعم للصلح مع "إسرائيل".. وأضافوا علينا نعم جديدة وهى نعم للتطبيع مع "إسرائيل" يريدون أن يفتحوا الأبواب على مصر اعيها لليهود لتمتد أيديهم إلى آخر وثيقة تعتصم بها الأمة فى رفضها لهذا الكيان، وهى كتاب ربنا سبحانه وتعالى فتحذف مناهجنا الدراسية كل آية نشير إلى اشد الناس عداوة للإسلام والمسلمين اليهود.
لقد قرأت للشيخ الشعراوى رحمه الله يوما ينقل عن أنيس منصور قوله إن "إسرائيل" طلبت من مصر وقف أحاديث ودروس الشيخ الشعراوى فى التلفزيون المصري وقالوا "اسكتوا هذا الرجل وإلا فنحن سنعيد النظر فى معاهدة كامب ديفيد .." وبعدها كما يقول الشيخ رحمه الله خفض عدد مرات حديثه من أربه مرات فى الأسبوع إلى مرة واحدة فقط.
لم يكن الشيخ الشعراوى رحمه الله يملك مفاعلا نوويا أو صواريخ تهدد أمن إسرائيل لكنه كان يملك سلاح القرآن الذى يبشر به الأمة وسط ليل الهزيمة الدامس، أن "إسرائيل" إلى زوال ، وأن "وعد الآخرة" المذكور فى سورة الإسراء هو الوعد القادم بالنصر فى العركة الفاصلة بيننا وبين بنى "إسرائيل" اليوم بإذن الله ..
من هنا ، تأتى أهمية وخطورة دور العلماء فى التصدي لكل محاولات اختراق العقل العربي والمسلم، وثقافة الهزيمة واليأس التى يشيعها الأعداء وأبواقهم المأجورة فى الأمة.. يجب أن يعلم الناس أن الاعتراف بإسرائيل بما يعنى التفريط فى مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وما حوله، هو من أكبر المحرمات التى لا يحق لمسلم أن يقترفها ويضمن لنفسه سلامة العقيدة وصدق الانتماء لهذا الدين وهذه الأمة..
يجب أن تظل "إسرائيل" فى عقول وأذهان أبنائنا وأجيالنا هى قلعة الشر وأداته المعادية التى تستنفر فيهم الغيرة والحمية على الدين والمقدسات والأعراض، إلى أن يقضى الله أمرا ويهيئ لهذه الأمة سبيل رشدها ونهوضها لتعيد لهذا الدين مجده، وتعيد بالدين والجهاد أقصانا الأسير، وتمكننا من تحرير كل فلسطين والعراق الحبيب وأفغانستان الجريحة وسائر أمرا ويهيئ لهذه الأمة سبيل رشدها ونهوضها لتعيد لهذا الدين مجده، وتعيد بالدين والجهاد أقصانا الأسير وتمكننا من تحرير كل فلسطين والعراق الحبيب وأفغانستان الجريحة وسائر بلاد المسلمين المحتلة والمستباحة من الأعداء.