المنهج التجديدي في فكر سيد قطب

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
المنهج التجديدي في فكرسيد قطب



أولاً ـ في التربية والتعليم

الشهيد سيد قطب


يرى المختصون في العملية التربوية، مدخلات ومخرجات. مدخلات تتجسد في المناهج والأنظمة والوسائل والأساليب، ومخرجات تتجسد في إنسان أُعد ليناط به دور فاعل في الحياة العامة.

في قطرنا العربي السوري، لا ينظر هؤلاء المختصون بعين الرضا إلى العملية التربوية، بل إن الإنسان الفرد الذي سلم قياده، أو سلمه والداه إلى مؤسسة التعليم الرسمية ما يزيد على خمسة عشر عاماً؛ يشعر أنه قد غرر به كثيراً بعد أن يخرج لمواجهة تحديات الحياة. ولعل هذا ما يحدث التسرب من صفوف التعليم الأولي، الذي أصبح ظاهرة مزعجة للمهتمين بالشأن الوطني.

في حديثنا عن التربية والتعليم لن نتوقف عند دور (الأسرة) ودور (المجتمع) فقد مررنا على هذا في جوانب متفرقة من هذا المشروع. إن مشروعنا الحضاري، سيمر باختصار شديد على ثلاثة مرتكزات في العملية التربوية..


المرتكز الأول: المنهاج التربوي

يسود الاضطراب الخلفية الفلسفية للمنهاج التربوي، وفي التصور الأولي للشخصية التي تسعى المؤسسة التربوية إليها. ما هي صورة الجيل أو الفرد المنشود. ما طبيعة هويته الوطنية والقومية والحضارية ؟ ما هي أولوياته الخاصة والعامة ؟ ما طبيعة أخلاقه وسلوكه ؟ ما حدود معارفه ومعلوماته، والاتجاه الذي تسير فيه.

التضارب يعج في ثنايا المناهج التعليمية ومنطلقاتها، وعلى الرغم من الصيغة العقائدية الضيقة التي حاولت أن تفرض نفسها على هذه المناهج فإن هذه الصيغة هي التي أوجدت المزيد من التناقض في المفارقة بين ما تمارسه وتدعو إليه.

إن دعوة إلى إصلاح المنطلقات والمناهج والأساليب التربوية في قطرنا، وفق رؤية إسلامية نهضوية حضارية علمية تلامس روح العصر وتحدياته، لا تقل أهمية عن دعوات الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

إن الإنسان خريج المؤسسة الوطنية التربوية، هو عدة أي مشروع حضاري مستقبلي، فهو العامل المؤثر والفعال في إحداث الإنجاز: الوطني والقومي والحضاري.

وبالتالي فإن (الدستور) التربوي إن صحت العبارة، يجب أن يصاغ من قبل جمعية تأسيسية نخبوية علمية مختصة، بروح وطنية عامة، لا بأسلوب (برغماتي) يركز على غثائيات النظريات والأفكار.


المرتكز الثاني: النظام التعليمي

وهو نظام مستعار من مبدئه إلى نهايته من الغرب، وليس في ذلك غضاضة، إذا أحسن توظيف هذا النظام فيما ينفع ويفيد. إن الملحوظات العامة على هذا النظام في تطبيقاته العملية في قطرنا أنه يهدر كثيراً من الوقت مقابل قلة التحصيل والثمرة. فمازالت المناهج التعليمية تشوه وتسمم، حتى غدا الطالب يتلقى شهادات النجاح عاماً بعد عام، ليواجه بعد عشرة أعوام مصيراً فاجعاً.

في مشروعنا الحضاري نرى في إصلاح النظام التعليمي بأبعاده المختلفة مطلباً أساساً لإنجاح العملية التربوية، ونرى أن إصلاح هذا النظام هو جزء مكمل وأساس لإصلاح المناهج.


المرتكز الثالث: المعلم

لا شك أن ما آل إليه أمر /المعلم/ على مستويات التعليم كافة، غدا من المبكيات الفاجعات. لقد فقد المعلم بفعل جملة السياسات مكانته الأصيلة حتى انحسر ظله عن التأثير الإيجابي في إنجاح العملية التربوية ودفعها إلى الأمام.

فلم يعد المعلم هو ذاك المربي والمرشد والمساعد، بل لقد عدت عليه عوادي السياسات المختلفة فجردته من دوره الحقيقي في رعاية النشء، وصياغة الأجيال، وتنوير العقول.

إن رسالة المعلم في المجتمع هي رسالة الأنبياء، ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنما بعثت معلما )، وأي إصلاح للمعلم لا بد أن ينطلق ابتداء من هذه الرسالة. رسالة هداية الأجيال إلى الإسلام الحق، والخلق الكريم. والصلاح الشامل للفرد والأمة.


في معادلة /المعلم/ حقائق كثيرة ينبغي التركيز عليها، ليعود إلى أصل مهمته. وأول حقوق هذا الرائد الوطني، هو أن يستمتع بسقف من الحرية السياسية والفكرية يعينه على تأدية رسالته.

كما أنه لابد من إعادة النظر في إعداد المعلم علمياً وتربوياً وفق منظومة إصلاح المناهج والأنظمة فالمعلم الذي هو جزء من العملية التربوية لابد أن يكون على مستوى المهمة التي يرشح لها، قادراً على القيام بأعبائها. أما الحديث عن كفاية المعلم وصونه وحفظ حقوقه في حياة كريمة، فهو حديث عن بلاء يحتاج إلى إصلاح كبير.


ثانياً ـ في الإعـلام

تجاوز العصر بمعطياته أشكال الإعلام المحلي الموجه، الذي تسيطر عليه حكومة أو حزب. وأصبح مثل هذا الخطاب قاصراً على من يطلقه، ودون أن يجد أذناً صاغية من أحد.

يشارك الإعلام المؤسسة التربوية في تكوين الرأي العام، والموقف العام من القضايا الكبرى وبالتالي توظيف كل ذلك في خدمة مشروع الأمة النهضوي.

إن أثر الإعلام العام، ينبع من مصداقيته ولعل الأسف يبلغ بنا مداه حين يسقط الإعلام الوطني فلا يثق به أحد.

إن ممارسة الإعلام بالأسلوب الذي ساد في فترة الخمسينات من القرن المنصرم غدا شاهداً على أصحابه بالتخلف والانغلاق والجمود. وهو من جهة أخرى قد أتاح لمصادر قد تكون مريبة للتدخل في تكوين الرأي العام الوطني من جملة القضايا العالمية والقومية والمحلية. من المصداقية ينبع التأثير، وقد لا تكون المصداقية دائماً في مصلحة من يملكون ناصية الخطاب، ولكن الأثر العام على مداه الطويل سيكون دائماً في مصلحتهم.

إن إعلاماً فاعلاً في القرن الحادي والعشرين ينبغي أن يقوم على المصداقية، والموضوعية، والالتزام بقضايا الأمة. وبالتالي ينبغي أن يكون إعلام حقيقة لا إعلام حكومة.

المطلوب من الإعلام أن يتابع السياسي توضيحاً وتسديداً وتفنيداً لا أن يكون حامل مكبر الصوت بين يديه بالمعنيين المادي والمعنوي.

ومن هنا ينبع الهدف الآخر للإعلام، هدف الإشارة إلى مواطن الضعف والخلل حيثما وقع.

فالإعلام الموضوعي والحرّ، يستطيع بأسلوب حضاري بناء، أن يضع كل شيء تحت الشمس. وفي أجواء الشفافية، تتوارى كل أشكال الفساد والعدوان وتجاوز القانون.

والإعلام في بعده الثالث، ليس إعلام حكومة أو فئة. إنه إعلام دولة، ووسائله بهذا المفهوم ينبغي أن تعبر عن آراء المواطنين جميعاً. هذه الوسائل التي ينفق عليها من المال العام هي جزء من الحق العام أيضاً. وفي ظل هذه الحالة يكون الإعلام خادماً للحقيقة، لا مزوراً لها يضع بين يدي المواطن أبعاد الموقف، ويقلب وجوه القضايا، ويعبر عن الآراء المختلفة، ويترك له أن يختار موقفه على بصيرة.

لسنا ندعو في سياق مشروعنا الحضاري إلى ضرب من الفوضى والعبثية. ولكن التعبير عن الحقيقة المفعم بالحيوية، والحوار الساخن في إطار حرية التعبير، والاحترام المتبادل لقواعد الخطاب الأساسية، كل ذلك مما يساعد على أن يكون /للدولة/ والمقصود هنا المصطلح بكل أبعاده، زاوية خاصة في عقول أبنائها. تخاطبهم من خلالها، وتوجه مواقفهم وسلوكهم على أساسها.