المرأة المسلمة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
المرأة المسلمة


بقلم : الإمام الشهيد حسن البنا

مقدمة محمد عبد الله الخطيب

بـِسْــمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيـمِ

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. ...

وبعد:

فهذه رسالة” المرأة المسلمة” للإمام الشهيد حسن البنا، وهي أول رسالة لقسم الأخوات، وقد نشرت الرسالة كمقال للإمام بمجلة ”المنار' سنة 1359 هـ، وفيها ذكر الإمام أن الإسلام يقر بحقوق المرأة كاملة، الحقوق الشخصية والمدنية والسياسية، والإخوان يهتمون بالمرأة كاهتمامهم بالرجل.

ولقد عمل قسم الأخوات المسلمات وصدرت لائحته عام 1951 م وأوضحت الغاية من إنشاء هذا القسم بما يلي:

1- بعث الروح الدينية، وبث التعاليم الإسلامية الكفيلة بتكوين شخصيات من النساء مهذبة، تستطيع الاضطلاع بما يناط بها من أعمال وواجبات.

2- التعريف بالفضائل والآداب، المزكية للنفس والموجهة للخير، والكمال، وتعريفها بما لها من حقوق وما عليها من واجبات.

3- إرشادهن إلى طرق التربية الإسلامية الصحيحة النافعة التي تضمن لأبنائهن النمو الجسمي والعقلي، وتجنبهم الإسراف الصحي، والنقص العقلي.

4- العمل على صبغ البيت بالصبغة الإسلامية، ببث تعاليم القرآن الكريم، والسنة المطهرة وسيرة أمهات المؤمنين وفضليات النساء ممن حفل بهن التاريخ الإسلامي المجيد.

5- محاربة البدع والخرافات والأباطيل والترهات والأفكار الخاطئة والعادات السيئة التي تنتشر وتروج بينهن.

6- نشر الثقافة والمعارف التي تنير عقولهم وتوسع مداركهن.

7- الاهتمام بالشئون المنزلية لتجعل من البيت مكاناً سعيداً يضم أسرة هانئة على أساس فاضل سليم.

8- المساهمة في المشروعات الإنتاجية النافعة بالقدر الذي يتناسب مع ظروفهن وجهودهن في محيطهن.

ومن هذه المشروعات:

المستوصفات، ودور الطفولة، وأندية الصبيان، والمدارس، وتنظيم مساعدة الأسرة الفقيرة.

وتوضع لكل مشروع لائحة خاصة، وتؤلف له هيئة إدارية تنهض به، وتشرف عليه طبقاً لأحكام القانون ذي الرقم 49 لسنة 1945 م وتسجل بوزارة الشئون الاجتماعية.

9- المعاونة في حدود ظروف الأخوات، وجهودهن وقد طبعت رسالة – المرأة المسلمة- أكثر من مرة ومن بين طبعاتها التي اخترناها، كانت في دمشق في ذي الحجة 1371 هـ وقد قدم لها الأستاذ العالمي القاضي على الطنطاوي وخرج أحاديثها الشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني، وقد أعاد طبعها المركز الإسلامي للدراسات والبحوث في سلسلة”نحو جيل مسلم' ولقد دل هذا الأمر ووضح منزلة المرأة عند الإخوان ودورها، فإن أثرها يمتد إلى الفرد والبيت والمجتمع كله فإذا صلحت المرأة وأدت دورها الذي رسمه لها الإسلام، ومدت المجتمع بالعناصر الصالحة. شباباً وشابات، وفتياناً وفتيات كل منهم يعرف دوره ويقوم بعمله، ويؤدي واجبه على الوجه الذي يرضي الله عز وجل.

وما أحوجنا اليوم إلى أن تعرف المسلمة طريقها، وتقدر موقفها، فعليها يقع- بالدرجة الأولى- مسئولية التربية جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم” الرجل راعٍ في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها”.

وروى الجاحظ أن عقبة بن أبي سفيان لما دفع ولده إلى المؤدب، قال له” ليكن أول ما تبدأ به، من إصلاح بني إصلاح نفسك، فإن أعينهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنت، والقبيح عندهم ما استقبحت، وعلمهم سير الحكماء، وأخلاق الأدباء، وتهددهم بي، وأدبهم دوني، وكن لهم كالطبيب الذي لا يعجل بالدواء حتى يعرف الداء، ولا تتكلن على عذر مني، فإني قد اتكلت على كفاية منك” وهذا التوجيه كان يوجه من الأب والأم للمربي والمعلم.

نسأل الله أن ينفعنا بما نسمع وبما نقول إنه سميع مجيب.

محمد عبد الله الخطيب

تقديم الشيخ علي الطنطاوي

فى حياتنا” بلاليع” تذهب فيها ثروتنا هدراً، فيما لا ضرورة لوجوده، ولا ضرر في عدمه، في الأعراس والولادات والمآتم والأعياد، وقد طالما كتب الكتاب، ونبه الخطباء، وطالما كتب هذا العاجز(أعني أنا) في الرسالة وفى الكلمة الصغيرة التي كان ينشرها في النصر وفي الأيام ولم ينقص الناس استحسان ما ندعو إليه، واقتناعهم بصحته، ولكن كان ينقصهم رجل جريء يشرع بكسر هذه القيود، وتعدي هذه الحدود، والخروج من سجن العادات إلى حرية العقل.

وقد وجد هذا الرجل اليوم.

هذا الرجل.. عرفته تلميذاً وعرفته صديقاً فما رأيت في شباب الشام من يفضله في حسن سيرته، وطهر سريرته، وإتباعه أمر الشرع ونهيه، فهم مسلم صادق الإسلام، في ظاهره وفى باطنه، وفى وحدته وفى صحبه.

هذا الرجل الذي قال بعلمه مقالاً أبلغ من كل ما قلنا وقال الكتاب والخطباء بألسنتهم وأقلامهم، إذ اقتصر في زواجه الميمون على ما أمر به الشرع، من إعلان النكاح، والاحتفال به، وترك ما جاوز ذلك من وجوه الترف والسرف والتبذير، وطبع بما وفره هو وزوجه هذه المقالة القيمة للإمام الشهيد مجدد الإسلام في هذا العصر، صديقنا الشيخ حسن البنا رضي الله عنه وأرضاه وجعل الجنة مثواه.

فإذا كان الزواج خيراً، ففي زواج هذا الأخ ثلاثة خيرات لا خير واحد، أولها: أنه سيكون إن شاء الله زوجاً مثالياً كما يريد الإسلام أن يكون الأزواج، ثانيها: سيكون أباً كاملاً، ثالثها: سن هذه السنة الحسنة التي سيكون له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة.

وإذا كان الناس يقدمون في العرس حلوى للضرس فالأستاذ ”الباني' قدم مع حلوى الضرس حلوى للروح وللنفس، هي هذه المقالة.

ولا أريد أن أجعل المقدمة أطول من البحث، والدهليز أوسع من الدار، فحسبكم هذه الكلمة؛ لتعلموا لم تقدم إليكم هذه الرسالة؟ ولكم الشكر إن قرأتموها وعملتم بها، وللأستاذ الشكر على أن اختارها وطبعها وأسأل الله أن يجعله زواج السعادة والصلاح.

دمشق - ذو الحجة سنة 1371 هـ

علي الطنطاوي

أولاً الإسلام يرفع قيمة المرأة

بسم الله الرحمن الرحيم

كتب إلي كاتب فاضل يطلب أن أكتب عن المرأة وموقفها من الرجل وموقف الرجل منها، ورأي الإسلام في ذلك، وحث الناس على التمسك به و النزول على حكمه.

لست أجهل أهمية الكتابة في موضوع كهذا، ولا أهمية انتظام شأن المرأة في الأمة، فالمرأة نصف الشعب، بل هي النصف الذي يؤثر في حياته أبلغ التأثير، لأنها المدرسة الأولى التي تكون الأجيال وتصوغ الناشئة، وعلى الصورة التي يتلقاها الطفل من أمه يتوقف مصير الشعب واتجاه الأمة، وهي بعد ذلك المؤثر الأول في حياة الشباب والرجال على السواء.

لست أجهل كل هذا، ولم يهمله الإسلام الحنيف وهو الذي جاء نوراً وهدى للناس ينظم شئون الحياة على أدق النظم و أفضل القواعد والنواميس.. أجل لم يهمل الإسلام كل هذا، ولم يدع الناس يهيمون فيه في كل واد، بل بين لهم الأمر بياناً لا يدع زيادة لمستزيد.

وليس المهم في الحقيقة أن نعرف رأي الإسلام في المرأة والرجل، وعلاقتهما وواجب كل منهما نحو الآخر، فذلك أمر يكاد يكون معروفاً لكل الناس.

ولكن المهم أن نسأل أنفسنا هل نحن مستعدون للنزول على حكم الإسلام؟

والواقع أن هذه البلاد وغيرها من البلاد الإسلامية تتغشاها موجة ثائرة قاسية من حب التقليد الأوربي والانغماس فيه إلى الأذقان.

ولا يكفى بعض الناس أن ينغمسوا هذا الانغماس في التقليد، بل هم يحاولون أن يخدعوا أنفسهم بأن يديروا أحكام الإسلام وفق هذه الأهواء الغربية والنظم الأوربية ويستغلوا سماحة هذا الدين ومرونة أحكامه استغلالاً سيئاً يخرجها عن صورتها الإسلامية إخراجاً كاملاً، ويجعلها نظماً أخرى لا تتصل به بحال من الأحوال، ويهملون كل الإهمال روح التشريع الإسلامي، وكثيراً من النصوص التي لا تتفق مع أهوائهم.

هذا خطر مضاعف في الحقيقة، فهم لم يكفهم أن يخالفوا، حتى جاءوا يتلمسون المخارج القانونية لهذه المخالفة، ويصبغونها بصبغة الحل والجواز حتى لا يتوبوا منها ولا يقلعوا عنها يوماً من الأيام.

فالمهم الآن أن ننظر إلى الأحكام الإسلامية نظراً خالياً من الهوى، وأن نعد أنفسنا ونهيئها لقبول أوامر الله تعالى ونواهيه، وبخاصة في هذا الأمر الذي يعتبر أساساً في نهضتنا الحاضرة.

وعلى هذا الأساس لا بأس بأن نذكر الناس بما عرفوا، وبما يجب أن يعرفوا من أحكام الإسلام في هذه الناحية.

أولا ً: الإسلام يرفع قيمة المرأة ويجعلها شريكة الرجل في الحقوق والواجبات.

وهذه قضية مفروغ منها تقريباً، فالإسلام قد أعلى منزلة المرأة ورفع قيمتها واعتبرها أختاً للرجل وشريكة له في حياته، هي منه وهو منها”بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ'(آل عمران: من الآية195).

وقد اعترف الإسلام للمرأة بحقوقها الشخصية كاملة وبحقوقها المدنية كاملة كذلك وبحقوقها السياسية كاملة أيضاً، وعاملها على أنها إنسان كامل الإنسانية له حق وعليه واجب، يشكر إذا أدى واجباته ويجب أن تصل إليه حقوقه، والقرآن والأحاديث فياضة بالنصوص التي تؤكد هذا المعنى وتوضحه.

ثانيا لماذا فرق الإسلام بين الرجل والمرأة في الحقوق

ثانياً: التفريق بين الرجل والمرأة في الحقوق إنما جاء تبعا للفوارق الطبيعية: التى لا مناص منها بين الرجل والمرأة تبعاً لاختلاف المهمة التي يقوم بها كل منهما، وصيانة للحقوق الممنوحة لكليهما.

وقد يقال: إن الإسلام فرق بين الرجل والمرأة في كثير من الظروف والأحوال ولم يسو بينهما تسوية كاملة، وذلك صحيح، ولكنه من جانب آخر يجب أن يلاحظ أنه إن انتقص من حق المرأة شيئاً من ناحية فإنه قد عوضها خيراً منه في ناحية أخرى، أو يكون هذا لانتقاص لفائدتها وخيرها قبل أن يكون لشيء آخر.

وهل يستطيع أحد كائناً من كان أن يدعى أن تكوين المرأة الجسماني والروحي كتكوين الرجل سواء بسواء.. وهل يستطيع أحد كائناً من كان أن يدعي أن الدور الذي يجب أن تقوم به المرأة في الحياة هو الدور الذي يجب أن يقوم به الرجل ما دمنا نؤمن بأن هناك أمومة وأبوة.

أعتقد أن التكوينين مختلفان وأن المهمتين مختلفتان كذلك، وأن هذا الاختلاف لابد أن يستتبع اختلافاً في نظم الحياة المتصلة بكل منهما، وهذا هو سر ما جاء في الإسلام من فوارق بين الرجل في الحقوق والواجبات.

ثالثاً التجاذب الفطري بين الرجل والمرأة

ثالثاً: بين المرأة والرجل تجاذب فطري قوي هو الأساس الأول للعلاقة بينهما، وأن الغاية منه قبل أن تكون المتعة وما إليها، التعاون على حفظ النوع واحتمال متاعب الحياة.

وقد أشار الإسلام إلى هذا الميل النفساني وزكاه وصرفه عن المعنى الحيواني أجمل الصرف إلى معنى روحي يعظم غايته ويوضح المقصود منه ويسمو به عن صورة الاستمتاع البحت إلى صورة التعاون التام، ولنسمع قول الله تبارك وتعالى:(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَة)(الروم: من الآية21).

هذه هي الأصول التي راعاها الإسلام وقررها في نظرته إلى المرأة، وعلى أساسها جاء تشريعه الحكيم كافلاً للتعاون التام بين الجنسين بحيث يستفيد كل منهما من الآخر ويعينه على شئون الحياة

والكلام عن المرأة في المجتمع في نظر الإسلام يتلخص في هذه النقط:

أولاً: يرى الإسلام وجوب تهذيب خلق المرأة وتربيتها على الفضائل والكمالات النفسانية منذ النشأة، ويحث الآباء وأولياء أمور الفتيات على هذا، ويعدهم عليه الثواب الجزيل من الله ويتوعدهم بالعقوبة إن قصروا.

وفى الآيات الكريمة( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)(التحريم:6).

وفى الحديث الصحيح” كلكم راعٍ ومسئول عن رعيته: الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسئول عن رعيته، وكلكم راع ومسئول عن رعيته”. أخرجه الشيخان من حديث عبدالله بن عمر، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” ما من مسلم له ابنتان فيحسن إليهما ما صحبتاه أو صحبهما إلا أدخلتاه الجنة” رواه ابن ماجة بإسناد صحيح وابن حبان في صحيحه.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” من كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات أو بنتان أو أختان فأحسن صحبتهن واتقى الله فيهن فله الجنة” رواه الترمذي واللفظ له وأبو داود إلا أنه قال” فأدبهن وأحسن إليهن وزوجهن فله الجنة”.

ومن حسن التأديب أن يعلمهن ما لا غنى لهن عنه من لوازم مهمتهن كالقراءة والكتابة والحساب والدين وتاريخ السلف الصالح رجالاً ونساءً، وتدبير المنزل والشئون الصحية ومبادئ التربية وسياسة الأطفال وكل ما تحتاج إليه الأمم في تنظيم بيتها ورعاية أطفالها، وفي حديث البخاري رضي الله عنه:” نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين” وكان كثير من نساء السلف على جانب عظيم من العلم والفضل والفقه في دين الله تبارك وتعالى.

أما المجالات في غير ذلك من العلوم التي لا حاجة للمرأة بها فعبث لا طائل تحته، فليست المرأة في حاجة إليه وخير لها أن تصرف وقتها في النافع المفيد.

ليست المرأة في حاجة إلى التبحر في اللغات المختلفة.

وليست في حاجة إلى الدراسات الفنية الخاصة، فستعلم عن قريب أن المرأة للمنزل أولاً وأخيراً.

وليست المرأة في حاجة إلى التبحر في دراسة الحقوق والقوانين، وحسبها أن تعلم من ذلك ما يحتاج إليه عامة الناس.

كان أبو العلاء المعري يوصي بالنساء فيقول: علموهن الغزل والنسج والرد ن وخلوا كتابة وقراءة

فصلاة الفتاة بالحمد والإخلاص تجزئ عن يونس وبراءة

ونحن لا نريد أن نقف عند هذا الحد، ولا نريد ما يريد أولئك المغالون المفرطون في تحميل المرأة مالا حاجة لها به من أنواع الدراسات، ولكنا نقول: علموا المرأة ماهي في حاجة إليه بحكم مهمتها ووظيفتها التي خلقها الله لها: تدبير المنزل ورعاية الطفل.

ثانياً: التفريق بين المرأة وبين الرجل

يرى الإسلام في الاختلاط بين المرأة والرجل خطراً محققاً، فهو يباعد بينهما إلا بالزواج، ولهذا فإن المجتمع الإسلامي مجتمع انفرادي لا مجتمع مشترك.

سيقول دعاة الاختلاط إن في ذلك حرماناً للجنسين من لذة الاجتماع وحلاوة الأنس التي يجدها كل منهما في سكونه للآخر، والتي توجد شعوراً يستتبع كثيراً من الآداب الاجتماعية من الرقة وحسن المعاشرة ولطف الحديث ودماثة الطباع.. إلخ وسيقولون إن هذه المباعدة بين الجنسين ستجعل كلا منهما مشوقاً أبدًا إلى الآخر، ولكن الاتصال بينهما يقلل من التفكير في هذا الشأن ويجعله أمراً عادياً في النفوس

( وأحب شيء إلى الإنسان ما منعا) وما ملكته اليد زهدته النفس.

كذا يقولون ويفتتن بقولهم كثير من الشبان، ولا سيما وهي فكر توافق أهواء النفوس، وتساير شهواتها ونحن نقول لهؤلاء: مع أننا لا نسلم بما ذكرتم في الأمر الأول، نقول لكم إن ما يعقب لذة الاجتماع وحلاوة الأنس من ضياع الأعراض وخبث الطوايا وفساد النفوس، وتهدم البيوت، وشقاء الأسر، وبلاء الجريمة وما يستلزمه هذا الاختلاط من طراوة في الأخلاق ولين في الرجولة لا يقف عند حد الرقة بل هو يتجاوز ذلك إلى حد الخنوثة والرخاوة، وكل ذلك ملموس لا يماري فيه إلا مكابر.

كل هذه الآثار السيئة التي تترتب على الاختلاط تربو ألف مرة على ما ينتظر منه من فوائد، وإذا تعارضت المصلحة والمفسدة فدرء المفسدة أولى، ولا سيما إذا كانت المصلحة لا تعد شيئاً بجانب هذا الفساد.

أما الأمر الثاني فغير صحيح، وإنما يزيد الاختلاط قوة الميل، وقديماً قيل: إن الطعام يقوي شهوة النهم، والرجل يعيش مع امرأته دهراً، ويجد الميل إليها يتجدد في نفسه، فما باله لا تكون صلته بها مذهبة لميله إليها، والمرأة التي تخالط الرجال تتفنن في إبداء ضروب زينتها، و لا يرضيها إلا أن تثير في نفوسهم الإعجاب بها، وهذا أيضا أثر اقتصادي من أسوا الآثار التي يعقبها الاختلاط، وهو الإسراف في الزينة والتبرج المؤدي إلى الإفلاس والخراب والفقر.

لهذا نحن نصرح بأن المجتمع الإسلامي مجتمع فردي لا زوجي، وأن للرجال مجتمعاتهم وللنساء مجتمعاتهن، ولقد أباح الإسلام للمرأة شهود العيد وحضور الجماعة والخروج في القتال عند الضرورة الماسة، ولكنه وقف عند هذا الحد، واشترط له شروطاً شديدة: من البعد عن كل مظاهر الزينة، ومن ستر الجسم، ومن إحاطة الثياب به، فلا تصف ولا تشف، ومن عدم الخلوة بأجنبي مهما تكن الظروف وهكذا.

إن من أكبر الكبائر في الإسلام أن يخلو الرجل بامرأة ليست بذات محرم له. ولقد أخذ الإسلام السبيل على الجنسين في هذا الاختلاط أخذاً قوياً محكماً.

فالستر في الملابس أدب من آدابه.

وتحريم الخلوة بالأجنبي حكم من أحكامه.

والعكوف في المنازل للمرأة حتى في الصلاة شعيرة من شعائره.

والبعد عن الإغراء بالقول والإشارة وكل مظاهر الزينة وبخاصة عند الخروج حد من حدوده.

كل ذلك إنما يراد به أن يسلم الرجل من فتنة المرأة وهي أحب الفتن إلى نفسه، وأن تسلم المرأة من فتنة الرجل وهي أقرب الفتن إلى قلبها، والآيات الكريمة والأحاديث المطهرة تنطق بذلك.

يقول الله تبارك وتعالى في سورة النور:(قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)(النور:30)

(وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(النور 30 – 31)

وفى سورة الأحزاب:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً)(الأحزاب:59) إلى آيات كثيرة.

وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعنى عن ربه عز وجل:( النظرة سهم مسموم من سهام إبليس من تركها مخافتى أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه) رواه الطبراني والحاكم من حديث حذيفة.

وعن أبى أمامه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” لتغضن أبصاركم ولتحفظن فروجكم، أو ليكسفن الله وجوهكم” رواه الطبراني.

وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” ما من صباح إلا وملكان يناديان: ويل للرجال من النساء وويل للنساء من الرجاء” رواه ابن ماجة والحاكم.

وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” إياكم والدخول على النساء فقال رجل من الأنصار. أفرأيت الحم؟ قال الحم الموت” رواه البخاري ومسلم والترمذي، والمراد بدخول الأحماء على المرأة الخلوة بها. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان”.

وعن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم” رواه البخاري ومسلم.

وعن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له” رواه الطبرانى والبيهقي ورجال الطبراني ثقاة من رجال الصحيح كذا قال الحافظ المنذري.

وروى عن أبي أمامة رضى الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” إياك والخلوة بالنساء والذي نفسي بيده ما خلا رجل بامرأة إلا دخل الشيطان بينهما، ولأن يزحم رجلاً خنزيراً متلطخاً بطين أو حمأة خير له من أن يزحم منكبيه منكب امرأة لا تحل له” رواه الطبراني.

وعن أبي موسى رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” كل عين زانية والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا” وكذا يعني: زانية. رواه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح، ورواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، ولفظهم: قال النبي صلى الله عليه وسلم:” أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية وكل عين زانية” أي كل عين نظرت إليها نظرة إعجاب واستحسان.

وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال:” لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال'. رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والطبراني. وعنه: أن امرأة مرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم متقلدة قوساً، فقال:” لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء”.

وعن أبي هريرة رضى الله عنه قال:” لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل”. رواه أبو داود والنسائى وابن ماجه واني حبان في حصيحه والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم.

وعن ابن مسعود رضى الله عنه أنه قال:” لعن الله الواشمات والمتوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، فقالت له امرأة في ذلك، فقال: ومالى لا ألعن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في كتاب الله قال الله تعالى:( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهماكم عنه فانتهوه). رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه والنسائي.

وعن عائشة رضى الله عنها أن جارية من الأنصار تزوجت، وأنها مرضت فتمعط شعرها، فأرادوا أن يصلوها، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال:( لعن الله الواصلة والمستوصلة) وفى رواية:( أن امرأة من الأنصار زوجت ابنتها فتمعط شعر رأسها، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له وقالت: إن زوجها أمرني أن أصل شعرها، فقال لا، فقال:( لعن الله الواصلة والمستوصلة) وفى رواية:( أن امرأة من الأنصار زوجت ابنتها فتمعط شعر رأسها، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له وقالت: إن زوجها أمرني أن أصل شعرها، فقال لا، إنه قد لعن الموصولات) رواه البخاري ومسلم.

وعن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلىالله عليه وسلم:( لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً يكون ثلاثة أيام فصاعدا إلا ومعها أبوها أو أخوها أو زوجها أو ابنها أو ذو محرم منها). رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه.

وفى رواية للبخاري ومسلم:( لا تسافر المرأة يومين من الدهر إلا ومعها ذو محرممنها أو زوجها).

وعن أبي هريرة رضىالله عنه قال: قال رسول الله صلىالله عليه وسلم:( صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر، يضربون بها الناس ؛ ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رءوسهن كأسمنة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا) رواه مسلم وغيره.

وعن عائشة رضى الله عنها( أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله صلىالله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول الله صلىالله عليه وسلم وقال: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصح أن يرى منها إلا هذا وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه). رواه أبو داود وقال هذا مرسل، وخالد بن دريك لم يدرك عائشة.

وعن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي رضى الله عنهما أنها جاءت إلى النبي صلىالله عليه وسلم فقالت يا رسول الله:( إني أحب الصلاة معك) قال:( قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدى) فأمرت فبنى لها مسجد في أقصى شئ من بيته وأظلمه، وكانت تصلي فيه حتى لقيت الله عز وجل. رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما.

وليس بعد هذا البيان بيان، ومنه يعلم أن ما نحن عليه ليس من الإسلام في شئ ؛ فهذا الاختلاط الفاشي بيننا في المدارس والمعاهد ولا مجامع والمحافل العامة، وهذا الخروج إلى الملاهي والمطاعم والحدائق، وهذا التبذل والتبرج الذي وصل إلى حد التهتك والخلاعة، كل هذه بضاعة أجنبية لا تمت إلى الإسلام بأدنى صلة، ولقد كان لها في حياتنا الاجتماعية أسوأ الآثار.

يقول كثير من الناس: إن الإسلام لم يحرم على المرأة مزاولة الأعمال العامة وليس هناك من النصوص ما يفيد هذا، فأتوني بنص يحرم ذلك، ومثل هؤلاء مثل من يقول: إن ضرب الوالدين جائز، لأن المنهي عنه في الأية أن يقال لهما:” أف' ولا نص على الضرب.

إن الإسلام يحرم على المرأة أن تكشف عن بدنها وأن تخلو بغيرها وأن تخالط سواها، ويحبب إليها الصلاة في بيتها، ويعتبر النظرة سهمًا من سهام إبليس، وينكر عليها أن تحمل قوسًا متشبهة في ذلك بالرجل ؛ أفيقال بعد هذا إن الإسلام لا ينص على حرمة المرأة للأعمال العامة؟

إن الإسلام يرى للمرأة المسلمة مهمة طبيعية أساسية هي المنزل والطفل، فهي كفتاة يجب أن تهيأ لمستقبلها الأسري، وهي كزوجة يجب أن تخلص لبيتها وزوجها، وهي كأم يجب أن تكون لهذا الزوج ولهؤلاء الأبناء، وأن تتفرغ لهذا البيت، فهي ربته ومدبرته وملكته.

ومتى فرغت المرأة من شئون بيتها لتقوم على سواه؟

وإذا كان من الضرورات الاجتماعية ما يلجئ المرأة إلى مزاولة عمل آخر غير هذه المهمة الطبيعية لها، فإن من واجبها حينئذ أن تراعي هذه الشرائط التي وضعها الإسلام لإبعاد فتنة المرأة عن الرجل وفتنة الرجل عن المرأة ومن واجبها أن يكون عملها هذا بقدر ضرورتها، لا أن يكون هذا نظامًا عامًا، من حق كل امرأة أن تعمل على أساسه. والكلام في هذه الناحية أكثر من أن يحاط به، ولا سيما في هذا العصر” الميكانيكي' الذي أصبحت فيه مشكلة البطالة وتعطل الرجال من أعقد مشاكل المجتمعات البشرية في كل شعب وفى كل دولة.

وللإسلام بعد ذلك آداب كريمة في حق الزوج على زوجه، والزوجة على زوجها، والوالدين على أبنائهما، والأبناء على والديهم، وما يجب أن يسود الأسرة من حب وتعاضد على الخير، وما يجب أن تقدمه للأمة من خدمات جلي مما لو أخذ الناس بها لسعدوا في الحياتين ولفازوا بالعبادتين.