الفكر الحركي للتيارات الإسلامية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الفكر الحركي للتيارات الإسلامية

د. عبد الله فهد النفيسي

شركة الربيعان للنشر والتوزيع

مكان النشر : دولة الكويت

الطبعة الأولي 1995

مدخل الكتاب

تمثل الظاهرة الإسلامية قلقا مشتركا للأنظمة السياسية العربية لأسباب عديدة سوف نعرض لها في متن هذا الكتاب إن شاء الله ويتفرع عن هذا القلق سلسلة من الإجراءات التعسفية والقمعية سنلاحظ آثارها الجمة على مضامين الفكر الحركي الذي تتبناه التيارات الإسلاميةومن المهم لأى راصد لفكر التيار الإسلامي أن يضع جدلية العلاقة مع الأنظمة السياسية العربية دائما في بؤرة الاعتبار لفهم الجذور الاجتماعية واليومية للاجتهادات الانفعالية التي بلورتها حالة الاستضعاف والاضطهاد التي عاشتها التيارات الإسلاميةخاصة في مراحل التكوين لقد عجزت النظم السياسية العربية والإسلامية في أغلب دولنا عن إنجاز التنمية المطلوبة أو صيانة الاستقلال الوطني أو تحقيق العدل الاجتماعي أو تعميق الأصالة الحضارية ولذا ولهذا السبب – لم تتمكن من تعزيز مصادر شرعيتها .

وبفقدان الشرعية المتينة للنظم السياسية العربية والإسلاميةعلى العموم وفي غياب الانجاز التنموى وتبلور كل سمات التبعية المتطرفة والتفاوت الطبقي الصارخ بين فئات المجتمع العربي والإسلامي , وتمكن كل صور المسخ الحضاري (اللغوى والروحي والمناقبي والأدبي) وانتشار وشيوع لافتات الاستفزاز اليومي للجماهير المسلمة لهذه الأسباب مجتمعة وضاغطة بدأت إرهاصات الفكر الحركي الإسلامي تأخذ مساراتها وتتشكل أطرها وفقا للظروف الزمانية والمكانية .

  • وبالرغم من فشل النظم السياسية في مجالات التنمية والاستقلال والعدالة الاجتماعية فهي لا تتردد في توظيف الدّين الإسلامي لمباركة حالة التخلف والتبعية والتجزئة والتفاوتات والاختلالات الاجتماعية البارزة مما يشوه المضامين الفعلية للإسلام ليس هذا فحسب بل أصبح التفرّد بالسلطة وانتشار ظاهرة الاستبداد والإرهاب والقمع في أغلب الدول العربية والإسلاميةأمرا يوميا وطبيعيا وحتى في الدول التي تحرص على (الشكل الديمقراطي) دون المضمون نلحظ جهدا رسميا بارزا في محاصرة الظاهرة الإسلاميةوالقوى الممثلة لها لكي تظل خارج العملية السياسية.

ولكي تبقي في عداد القوى المحجوبة عن الشرعية هذه الحالة العامة من النفي والمحاصرة والمكابرة والإصرار من طرف الأنظمة السياسية العربية والإسلاميةعلى توظيف الدين الإسلامي توظيفا كاريكاتوريا لتعزيز شرعيتها مع غياب كل فرص التعبير والتغيير السياسيين ومع مباشرة الإرهاب والاضطهاد لكل رأي معارض وهو الذي دفع ويدفع بعض التيارات الإسلاميةلأشكال من العنف والغلو كردة فعل لعنف آلة الدولة وللتطرّف الدنيوى الذي يظهر على رسمييها وبعنف بعض التيارات الإسلامية– والذي شرحنا آنفا أسبابه ومسوغاته- تلجأ الدولة إلى تجريم الظاهرة الإسلاميةوالقوى الممثلة لها وتوكيل الأجهزة الأمنية لمعالجتها , على اعتبار أنها ظاهرة (انحرافية – إجرامية) ويدخل بذلك المجتمع السياسي العربي الإسلامي في حلقة شريرة لا نهاية لها من التقاطب العنيف .

  • وهناك سلسلة من الأسباب التي تفاقم وضعية التيارات الإسلاميةوتمهّد لاستمرار اصطدامها بالنظم السياسية العربية والإسلامية.. من هذه الأسباب تزايد عمليات التغريب والعلمنة في الدولة العربية والإسلامية على كل مستوى : التعليم والفكر والقيم والسياسات العامة بما يظهر (النظام) معاديا للظاهرة الإسلاميةوجذورها الفكرية والقيمية والحضارية قد يكون كذلك من الأسباب التي تحرك حدّة التيارات الإسلاميةعمليات الهجرة الواسعة من الأرياف إلى المدن التي عادة ما ترافق التنمية المتسارعة والتحديث الواسع والعشوائي الحاصل في عموم الأقطار العربية والإسلامية.

ومن الملاحظ أن المدن العربية والإسلامية غير قادرة على استيعاب هذه الهجرات الواسعة فتتحول إلى أحزمة من الفقر والعوز والبطالة حيث تتحول عمليا إلى حقول مناسبة لعمل التيارات الإسلامية, ويصير (الدين) في محصلة الأمر ملاذا آمنا لجماهير المحرومين , من ضمن الأسباب أيضا ضعف قوى المعارضة غير الإسلامية(الليبرالية أو اليسارية) وانكفائها على ذاتها داخل المدن وضعف وضمور قاعدتها الاجتماعية وعدم فعالية خطابها السياسي مما يترك الساحة شبه خالية للتيارات الإسلامية لتجنيد كم هائل من المؤازرين والأنصار طبعا تشكل الثورة الإسلاميةفي إيران عامل إقليمي ودولي أساسي في إنعاش الظاهرة الإسلاميةوالتيارات الممثلة لها إذ تحولت إيران – بعد الثورة – إلى حضن دافئ للتيارات الإسلامية تمدّها بالدعم المادي والأدبي الذي تحتاجه.

وانعكست المواقف الإيرانية على علاقات عدد غير قليل من التيارات الإسلامية بالأنظمة العربية والإسلاميةوبالأخص في العراق ومصر والسودان . هزيمة 1967 كانت هزيمة للمشروع ( القومي العربي ) ممثلا بعبد الناصر ونظامه ولذا فلقد عقب الهزيمة فراغ سياسي كبير كان مقدرا أن تملؤه التيارات الإسلامية باندفاع منقطع النظير في مطلع السبعينيات .

من الممكن كذلك إدراج زيارة الرئيس السادات للقدس وتنازلاته المهينة للطرف الإسرائيلي وما عقب ذلك من اتفاقيات كامب ديفيد والشعور بالمرارة التي سببتها عربيا وإسلاميا ضمن الظروف والعوامل التي ساعدت على شحذ التيارات الإسلاميةوتوليدها سياسيا ووضعها في بؤرة المواجهة مع النظام ولا يمكن أن نستبعد أثر العائدات النفطية بعد 1973 على التيارات الإسلامية في العالم إذ دأبت السعودية ودول الخليج العربية في السبعينيات – وبنشاط – في دعم المراكز الإسلاميةالتي تنشط من خلالها التيارات الإسلامية.

زد على ذلك البعد العالمي لمظاهرة الإحياء الديني فمن الملاحظ أن عالمنا يعيش ظاهرة (إحياء روحي) فرؤساء الولايات المتحدة ريجان وبعده بوش اعتمدا على الدين كأحد المكونات الرئيسية في حملاتهم الانتخابية .. وينتعش دور الفاتيكان في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ولا يمكن أن نغفل الأدوار الهامة التي تقوم بها الأحزاب المسيحية (الديمقراطية والاشتراكية) في القارة الأوروبية .

وإذا تفحصنا الساحة الإسرائيلية لاحظنا تنامي وبروز الحركات الدينية مثل (شاس – حماة التوراة الشرقيين وأغودات اسرائيل – رابطة إسرائيل والمعذال – الجبهة الدينية القومية وديغل هاتوراه – علم التوراة) وقد تمكنت هذه الأحزاب الدينية في إسرائيل من الحصول على 18 مقعد في انتخابات الكنيست نوفمبر 1988 هذه الشبكة من العوامل لا شك ساعدت على انتعاش الظاهرة الإسلاميةوالتيارات الممثلة لها بحيث دفعت تلك التيارات إلى بؤرة المواجهة مع (النظام العربي) ولا شك أن ذلك انعكس على الفكر الحركي لتلك التيارات.

سيتركز الاهتمام في هذا الكتاب على بعض المحاور التي تشكل – المفترض ذلك – أساسات هامة في الفكر الحركي لأى تيار ذو أهداف وتصورات سياسية ونستطيع أن نختصر هذه المحاور بالنقاط الخمس التاليات : مفهوم الحرية ومفهوم الدولة , وتركيب مؤسسات الدولة على أساس وحدة المفهومين , والنموذج التطبيقي الذي يسترشد به التيار ثم بعض النماذج البرنامجية وسوف أعالج ما أمكن تطبيق هذه المحاور على أربعة تيارات إسلامية متمثلة بحزب التحرير والإخوان المسلمين وتنظيم الجهاد حزب الدعوة ولقد اخترت هذه التنظيمات لأنها لا تقصر نشاطها في قطرواحد بل يمارس بعضها نشاطا واسعا ما بين نواكشوط وجاكارتا ثم أن لهذه التنظيمات تاريخها السياسي ووثائقها السياسية وتصوراتها وأفكارها العامة ذات الدلالات السياسية المرتبطة بأهدافها . حزب التحريرمشروع الدولة.

برغم تركيز الحزب على (الفكر) وإهماله البارز لموضوع التربية لم يظهر في وثائق الحزب (كتاب الدوسية) و(الدستور الإسلامي) اهتماما بموضوع الحرية كمفهوم وكمشكل سياسي يتفرغ عنه عدة مشكلات في مجال الحكم والاجتماع والاقتصاد . والحقيقة أن هذا المجال (البحث في الحريات) مهمول ليس فقط في أدبياتحزب التحريربل حتى في كل الأحزاب الإسلاميةبالرغم من أن جلها هي ضحية لمشكلة الحرية في مجتمعها العربي والإسلامي .

ومن يتصفّح(الدوسية) يستقرئ الفكر الحركي للحزب (خاصة وأن الحزب يلزم أعضاؤه بتبنّي ما فيه من أفكار أى يعتبره بيانا ووثيقة حزبية) لا يلحظ أدني عناية بموضوع الحرية كمفهوم تتفرع عنه العديد من المؤسسات السياسية , ويبدو أن الحزب وهذا ما يمكن قراءته بوضوح في كتاب (الدوسية) قد حدّد مهمته فقط في نشر الأفكار دون تطبيقها فتطبيق الأفكار موكول إلى الدولة التي يزمع الحزب لإقامتها وبالطبع ذلك مرهون بنضج (الصراع الفكري) الذي يعمل الحزب على اشتعاله بين الناس من هنا لا يري الحزب القيام بأى عمل من أعمال الدعوة إلى الصلاة أو الصيام أو غير ذلك لأن ذلك – حسب الدوسيه – من مهام الدولة الإسلاميةالتي لم تقم . ومن الغريب أن يطنب الدوسية في التحريم على أعضائه الاعتقاد بعذاب القبر وظهور المسيح الدجال لأن أحاديثها – حسب تعبيره – ظنية الدلالة مع إهمال تام لقضية هامة كقضية الحرية – (التعددية السياسية – الأقليات السياسية والدينية – حدود السلطة ... الخ).

تتلّخص نظريةحزب التحريرفي العمل الإسلامي في أن الطريق إلى (دولة الإسلام) هي عن طريق إعادة الثقة بـ (أفكار الإسلام) وذلك عن طريقين : العمل الثقافي والعمل السياسي فلابد أولا من تثقيف ملايين من الناس تثقيفا جماعيا بالثقافة الإسلامية وتوليد الصراعات الفكرية بينهم على هذا الأساس ومن المهم أن يبادر الحزب في هذه المرحلة لتقلّد دوره في الصراع الفكري من حيث التصدّر للمناقشة والرد على الشكوك والحصول على التأييد ومع استمرار العمل الثقافي لابد على الحزب أن يستكمل الجهد في العمل السياسي من خلال رصد الحوادث الوقائع وتوظيفها لصالح (أفكار الإسلام) وعندما يشتد الصراع الفكري ويستعر ويكون الحزب في بؤرته تنضج العوامل الموضوعية بروز (الخليفة) الذي تولي قيادة (الدولة الإسلامية) فمتى وجد الخليفة وجدت الدولة الإسلامية(لأن الدولة الإسلاميةهي الخليفة) حسب تعبير الحزب .

ويؤكد الحزب على (طلب النصره) ممن بيدهم وذلك عن طريق إقناعهم بالفكرة . ولقد طلب الحزب فعلا من العقيد القذافي تسليمهة الحكم لإعلان الخلافة سنة 1978 . وهكذا نجد أن الحزب لا يعير التربية أية أهمية ويركز على تثقيف أفراده والجمهور بأفكار الإسلام وليس بسلوكياته وأخلاقياته . لا بل إن الحزب يري أن الجمعيات الأخلاقية التي تدعو الناس للتمسك بالأخلاق الحميدة تشكل خطرا على مسعاه في إقامة الدولة الإسلامية لأن هذه الجمعيات – يري الحزب – قد نفست عاطفة الأمة بالأحاديث المطولة المكررة عن الأخلاق .

ويؤكد الحزب أن عموم الناس , ينطلقون من فهم مغلوط لكثير من الآيات والأحاديث , التي تتحدث عن الأخلاق مثل (وإنّك لعلي خلق عظيم) أو (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) فيقولون أن ما ورد في الآية هو وصف لشخص الرسول (ص) وأن ما ورد في الحديث هو صفات الفرد لا الجماعة . كما يري حزب التحريرأن الجماعات الإسلاميةالمتعددة والتي تعمل في حقل الدعوة تشكل خطرا عظيما على الإسلام والمسلمين حيث هي – مع غموض الفكرة التي تحمل وعجز الوسائل التي تستعين بها – تتحول إلى متنفس للعاطفة الإسلامية بدل أن يترك المسلمون لكي يصلوا إلى حالة الانفجار في مواجهة الأحداث .

ولذا يري الحزب أنه لابد من التركيز على النهوض الفكري , وإيجاد الثقة بأفكار الإسلام , من حيث هي أفكار , وأن سبب انهيار الدولة الإسلاميةهو الضعف الفكري وهكذا نجد وأن الحزب أصيب بداء التضخم الفكري من كثرة تشديدة وغلوّه في مقولته الرئيسة أن (إنقاذ الأمة إنما يكون بالثورة الفكرية) وإن النهضة لا تكون إلا بالفكر . وير النبهاني – مؤسس الحزب – أن الحركات الإسلامية التي سبقت الحزب تاريخيا ..(ويشمل بذلك وربما يقصد بالذات جماعة الإخوان المسلمين التي سبقت حزبه باثنين وعشرين سنة) محكوم عليها الانقراض والجمود لاعتمادها على الحماس المجرّد وبرغم تبشيره بالصراع الفكري منذ نشأته سنة 1950 وبأن الصراع سوف يؤدي لتسلم الحزب للحكم عاجلا إلا أن المدة التي قررها الحزب مرارا انتهت ولم يصل الحزب لسدة السلطة في أى قطرإسلامي .

ينفردحزب التحريرعن باقي الجماعات والحركات والأحزاب الإسلامية بوضوح تصوراته السياسية وحشده الحزب بكل مؤسساته وانخراطه في العمل السياسي المباشر وهذا يتضح من (الدستور) الذي وضعه وقد تم تقسيمة إلى عدة أقسام : رئيس (خليفة) ومعاونين وولاة قضاة والجهاز الإداري والجيش ومجلس الشورى وتناول بالتفصيل مهام تلك الأقسام ومن الواضح لقارئ المشروع شغف الحزب بموضوع الخلافة والخليفة من حيث رمزيتهما لكيان الإسلام المادي خاصة وأن الحزب يري أن الدولة الإسلامية قامت منذ أول يوم للهجرة حتى سقوط الدولة العثمانية في 1918 وأن الأمة الإسلامية كانت خلال كل تلك الفترة (أعلى أمة في العالم حضارة ومدينة وثقافة وعلما) .... وكانت وحدها زهرة الدنيا والشمس المشرقة بين جميع الأمم طوال هذه المدة ورغم تفضيل الدستور في ضرورة قيام مجلس الشورى إلا أن الحزب جعل مشورة (مجلس الشورى) معلمه وليست ملزمة فيما يتعلق بشؤون الخارجية والمالية والجيش ... ويتوسع الدستور في منح المرأة حقوقها الاجتماعية والسياسية وفي نفس الوقت نجد بعض موارده تؤكد على أنها – أى المرأة – في الأصل أم وربة بيت وعرض , يجب أن يصان وأن الأصل أن ينفصل الرجال عن النساء في المجتمع الإسلامي (مواد 34 -35) .

كيف نوفق بين هذا وذاك ؟ لا يوضح الحزب .. وفيما يتعلق بالنظام الاقتصادي والملكية الفردية والجماعة يؤكد الدستور في المادة 38 أن الأصل في الملكية للأشياء تعود للجماعة لأنها مستخلفة فيها عن الله ولا تكون الملكية للأفراد إلاّ بإذن الشارع كما يؤكد في المادة 39 بأنه لتتحقق الملكية العامة في كل ما كان من مرافق الجماعة وما هو من الضروريات للحياة العامة وفي المادة الثانية والأربعون يمنع الحزب كنز المال ولو أخرجت زكاته وفي المادة الخامسة والخمسون يمنع فتح المصارف ولا يكون إلا مصرف الدولة وفي المواد السابعة والخمسون والثامنة والخمسون يتأكد أشراف الدولة على الزراعة والصناعة والحقيقة أن هذه المواد ملفته للنظر لشدة تقاطعها بين التخلف والتقدم وخاصة في موضوع المرأة.

حيث يبيح لها حرية التصرّف المالي والاشتغال بالوظائف العامة وتولي مناصب القضاء وفي نفس الوقت تؤكد بعض مواد الدستور نفسه (34 -35) أن الأصل هو عدم اختلاط المرأة بالرجل وأن المرأة ينبغي أن تكون في البيت وفي الناحية السياسية يلاحظ أن الدستور ركز السلطة بيد الخليفة كثيرا بحيث يتضاءل أمام ذلك دور مجلس الشورى من ناحية أخرى يبدى الحزب تفهما واضحا للتعددية السياسية ضمن الدولة الإسلاميةبحيث تنص المادة التاسعة عشر في الدستور على الآتي : (للمسلمين الحق في إقامة أحزاب سياسية لمحاسبة الحكام أو للوصول إلى الحكم عن طريق الأمة) كما تنص المادة الثانية والعشرون على حق غير المسلمين في عضوية مجلس شورى الدولة الإسلاميةمن الواضح إذن مساهمة الحزب الهامة في بلورة أفكاره ومفاهيمه عبر مشروع (الدستور) وهي وثيقة على علاّتها تمثل جهدا منهجيا في تحديد وبلورة حزمة من المفاهيم في الدولة والمجتمع والأخلاق .

كذلك يتضح من الاطلاع على وثائق الحزب وكتبة أنه يجعل من قضية الدولة المحور المركزي لعملة ربما إلى درجة المغالات بحيث أهمل الجوانب الأخرى التي تصب في النهاية في مشروع الدولة ونقصد الجوانب الأخلاقية والروحية والسلوكية في الأمة وبالرغم من محاولات الحزب العديدة في (طلب النصرة) وهو مفهوم بدائي جدا في العمل السياسي المعاصر نقول بالرغم من ذلك فإن الحزب يضم عداء ثابت لكل التيارات الوطنية والقومية والإسلاميةفي الوطن العربي مما جعله حزبا معزولا ولا يتمتع بعلاقات سياسية جيدة مما حال دون تشكله ونضوجه في صيرورة شعبية.

الإخوان المسلمون .... الإصلاح الاجتماعي المتكامل

تأثر الفكر الحركي لدى جماعة الإخوان كثيرا بمراحل تطور الجماعة وصراعها مع العساكر في مجلس قيادة الثورة ومن الممكن القول أن مرحلة المؤسس حسن البنا رحمة الله كانت من المراحل (1928-1949) التي وضح فيها الجهد والبلوره الفكرية التي كانت خلفه ومن يستعرض كتابات المؤسس البنا رحمة الله ويدرس الخطوات التي كان يخطوها يدرك أن الرجل كان يتمتع بفكر حركي وتنظيمي وكان يعرف ما يريد وما هو الممكن والمستحيل وما هو المهم والأهم ومن الممكن تقسيم فترة البنا إلي ثلاثة مراحل لكل مرحلة طبيعتها وفكرها وهدفها التي تروم تحقيقه .

فالمرحلة الأولي كانت 1928-1939 وهي مرحلة التعريف بالجماعة ومبادئها العامة وشعارتها من خلال المحاضرات والدروس وإصدار المجلات (الإخوان المسلمون والنذير) وإصدار الرسائل والاتصال بالخارج للتعرف بالجماعة (الجزائرواليمن وسوريا والجزيرة العربية) والملفت للنظر في هذه المرحلة تشكيل البنا للجان الدراسات الفنية (في الثلاثينات) لصياغة القوالب النظرية التي تمثل الإسلام في حياتنا العامة (اقتصاديا – أمن – خدمات ... إلخ) وهذا يتنافي مع موقف سيد قطب رحمه الله من هذا الأمر فقد رفض الأخير رفضا باتا صياغة النظريات الإسلاميةوالقوانين والتصورات والأنظمة قبل القيام الفعلي للسلطة الإسلاميةالسياسية والمجتمع الإسلامي الذي يعلن خضوعه لتلك السلطة وإيمانه بها أما المرحلة الثانية فهي مرحلة استكمال البني التنظيمية والإدارية للجماعة والتي امتدت ما بين 1939 -1945 ويلاحظ خلال هذه المرحلة – وهي مرحلة انشغلت فيها الحكومة والانجليز بمجريات الحرب العالمية – أن الجماعة ابتعدت تماما عن التوغل في المواقف السياسية التي قد تشغلها عن هذا الهدف .

وبعد أن نجحت الجماعة – بقيادة البنا في استكمال البناء التنظيمي والإداري وتأسيس قلم الاتصال في الداخل والخارج ,دخلت في المرحلة الثالثة (1945 -1949) وهي مرحلة الفعل والتأثير في الأحداث المصرية مما اضطر الجماعة التوغل في المواقف السياسية واختبار قوة الجماعة على التصدي والمواجهة (مظاهرات 1946 ورسالة الإخوان لرئيس الوزراء النقراشي في 5/1/1947 يطالبون بجلاء الانجليز فورا من مصر) وانتهت هذه المرحلة بقتل البنا رحمة الله في 12 /2/ 1949ويلاحظ المراقب للمراحل الثلاث أن البنا كان يتقيد بالأهداف المرحلية بشكل صارم ويحاول أن يدخل في الإخوان هذه الموهبة السياسية إزاء الحماس والتدافع بينهم لخدمة (الدعوة) .

وظل كذلك إلى السنوات الأخيرة من عمره لولا نشوء ما سمّي بـ (النظام الخاص) وهو الجناح العسكري للجماعة وهو الذي ورطّ البنا والجماعة في شبك من المآزق السياسية الخطرة والتي عرّضت البنا للاغتيال والجماعة للحل والمراقب لفترة البنا كقائد للإخوان لا يستطيع أن يخطئ بأن الرجل قد سبق الجماعة في فكرة الحركي وتقيدة بمستلزمات التحرك وفق منهج مدروس ومخطط له مسبقا .. وكان يتجنب ردود الأفعال والمعارك الجانبية ويقتصد في استعمال قوى الجماعة ولا يبدّد وحدة الجماعة في الخلافات ويحتويها بسرعة فائقة , ويكرّس (روح الفريق) بين الإخوان من خلال تفويض الوحدات الإدارية والتنظيمية تحمل مسؤولياتها ويعقد المؤتمرات لإعادة النظر ومراجعة الخطط وممارسة حتى النقد الذاتي (مؤتمر 1933 و 1935 , 197 , 1939) وهي ممارسة قلّما ظهرت عند الإخوان بعد وفاة البنا رحمه الله .

وبوفاة البنا والمحن التي تعرضت لها الجماعة وانفراط عقدها بعد الحل ظهر الاضطراب الفعلي على الجماعة , ومن علائمة أن الجماعة ظلت بدون قيادة من تاريخ مقتل البنا 12 / 2/ 1949حتى تسلّم حسن الهضيبي رحمة الله القيادة في 19 / 10 / 1915 أى أن الإخوان ظلموا بدون قيادة فعلية لمدة تقارب الثلاث سنوات جاء الهضيبي وسط ظروف شديدة التعقيد سياسيا وتنظيما فالعلاقات مع الحكومة كانت مضطربة ومتوترة وتحتاج إلى تهدئة وقطاع القضاء كان ناقما على الإخوان وذكرى اغتيال القاضي أحمد الخازندار لم تزل في الأذهان و(النظام الخاص) الجناح العسكري للإخوان بقيادة عبد الرحمن السنّدى قد بدأ يتضخم ماديا وأدبيا على حساب ومكانة الجماعة السياسية والاعتبارية .

والشخصيات البارزة والقديمة في الجماعة كانت تنظر لهذا الوافد الجديد (الهضيبي) – والذي لم يكن معروفا في وقت من الأوقات في الجماعة – بشئ من عدم الارتياح – ودخل الهضيبي – وهو المستشار في محكمة النقض الذي نادرا ما يتعامل مع الجماهير السياسية أو حتى يحتك بها – إلى عالم عجيب عليه وغريب لم يعتاده ليجد نفسه فجأة في زعامة حزب سياسي ملاحق ومغضوب عليه من السلطة وبرغم أن الهضيبي كان – كما تشير أكثر مصادر الإخوان – ينوى إعادة النظر في الوضع العام للجماعة وينوى كذلك إلغاء ( النظام الخاص ) أو على الأقل تقليمة , إلاّ أن الأيام لم تمهلة مع دخول مصر في دوّامة التحولات الخطيرة والهامة بعد انقلاب 23 يوليو 1952 .

ومع دخول مصر في مرحلة (الحركة المباركة) كان على جماعة الإخوان تحديد أولوياتهم بسرعة كي يحسنوا التعامل مع العساكر في (مجلس قيادة الثورة) وإلاّ واجهوا النتائج الوخيمة .. ومن يقرأ أدبيات الإخوان في تلك المرحلة لا يلحظ أن الأولويات في فكرهم واضحة أو أن الخطوات في حركتهم مدروسة .

أما العساكر في مجلس قيادة الثورة بزعامة عبد الناصر فكانت أولوياتهم واضحة ومدروسة .

  1. تنمية الجيش وتحديثه وفرض هيمنته على الدولة وكسبه لحماية الثورة .
  2. تحقيق جلاء الانجليز من قاعدة القنال جلاء تماما .
  3. القيام بإصلاح زراعي في الريف لكسب الفلاّحين وتجريد الإقطاع من قاعدته الاجتماعية .

مقابل ذلك لم يكن الفكر الحركي لدى الإخوان في تلك الفترة متبلورا , بحيث يكون لديهم سلّم أولويات على ضوئه يتحركون ويتعاملون سياسيا مع المحيط أقصد أن الإخوان وقتها كانوا يعرفون مالا يريدون أكثر من معرفتهم ما يريدون كانوا ضد سيطرة الضباط على البلاد ... وربما لأنهم أحسوا بأنهم والضباط علي غير وفاق سياسي ولذلك نجدهم قد بالغوا في التعبير عن خلافاتهم مع مجلس قيادة الثورة حتى كادوا يصطفون مع القوى المضادة للثورة ولم يكن ذلك ينم عن تسلّحهم بفكر حركي رصين وثم نجدهم يشايعون محمد نجيب ضد عبد الناصر مما حرّك عبد الناصر في اتجاه الانتقام منهم ودخل الإخوان في صراع مباشر مع السلطة الجديدة (وهي سلطة لم تستقر بعد ولذا نجدها مضطربة وعصبية وشرسة) وهو صراع لم يستكمل الإخوان شروط مباشرته ولم تتحمل السلطة الجديدة الشروع فيه أو حتى مجرد الاعتراف به.

وكانت المعادلة – معادلة الصراع وفي غياب الفكر الحركي المستنير الذي كان من سمات الجماعة أيام البنا نقول كانت المعادلة تميل لصالح مجلس قيادة الثورة برئاسة عبد الناصر الذي كان يمتلك وقتها عنف جهاز الدولة وآلته الدعائية ووقع الإخوان في خطأ كبير في عملية تقدير الموقف ودفعوا الثمن غاليا .. وكانت أحداث 1954 إيذانا بدخول الجماعة في مرحلة المحنة الكبيرة التي حولّتها من جماعة تشكيل ندا سياسيا للسلطة الجديدة إلى كتل كبيرة ومن المستضعفين والمظلومين والمضطهدين والمعذبين والمشردين .

بدخول الإخوان في مصر مرحلة الاستضعاف (19541970) خبا عطاء الجماعة هناك على كل صعيد وبالأخص صعيد الفكر الحركي ما عدا ومضة المرحوم سيد قطب في الستينيات (معالم في الطريق) وهذا الكتاب يمثل منحني خطير في فكر الإخوان الحركي .. ومن يقارن بين رسالة المؤسس حسن البنا (مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي) وكتاب قطب الأخير يلاحظ الفارق الكبير بين الأطروحتين (فالبنا في رسالته يؤكد بأن النظام الإسلامي يقوم على ثلاث دعائم) :

  1. مسئولية الحاكم .
  2. وحدة الأمة .
  3. إحترام إرادة الأمة .

ولا ترى الرسالة المذكورة تعارضا بين نظام الإسلام والنظام النيابي ولا يري البنا تعارضا بين الوضعية والإسلام إذا كانت تلك الدساتير تعترف بسيادة الشريعة الإسلاميةوقصور العقل البشرى كمقارنة فقط فإنحزب التحريريري أن التسليم بالحاكمية الأهلية وقصور العقل البشري يؤديان إلى أن كل صور الدساتير الحديثة يحول البلاد إلى (دار كفر) أما البنا فلا يري ذلك إطلاقا .

حتى جاء سيد قطب فأدخل مقولة جديدة في فكر الحركة هي أن هناك تعارضا شديدا بين فكرتين وتصوّرين مجتمعين ونظامين وحقيقتين : الإسلام والجاهلية الإيمان والكفر الحق والباطل الخير والشر حاكمية الله وحاكمية البشر الله والطاغوت وأنه لإبقاء لطرف إلاّ بالقضاء على الطرف الآخر ولا سبيل إلى المصالحة أو الوساطة بينهما ولا يمكن أن يحدث التغير إلاّ عن طريق الانقلاب والثورة ولا توجد مراحل أو تدرّج في عملية التغير وكما يحدث الانقلاب في الفرد عن طريق الهداية يحدث في المجتمع عن طريق تغيير وإلغاء السلطة تقول بعض الروايات أن عبد الناصر قرأ الكتاب في الطائرة وهو في طريقة إلى موسكو في رحلة علاج 1965 وبحسه التنظيمي نبّه أجهزة الأمن إلى ضرورة وجود تنظيم سري وراء هذا الكتاب ليحقق الهدف الداعي إليه فصيغت تهمة (تشكيل نظام سري لقلب نظام الحكم) وسيق الآلاف إلى السجون من جديد ..

ومع ذلك فقد تحولت مقولات سيد قطب أحد أهم الأطراف المرجعية والمصدرية لكثير من الجماعات الإسلاميةالتي نشأت فيما بعد كجماعة وجماعة المسلمين التي اشتهرت باسم التكفير والهجرة ومن يتأمل الخط التفاعلي للإخوان منذ الأربعينيات مرورا بمطالع الخمسينيات يلحظ مشاركتهم الفعالة في صياغة الخط السياسي والاجتماعي للمجتمع المصري بينما نلحظ بعد محنة 1954حتى 1970 استطاع عبد الناصر أن يعزل الإخوان عن مهام التأثير في المجتمع المصري بحيث فرضت تلك الوضعية على مفكر متعايش ومتحسس للقضية الاجتماعية كسيد قطب أن ينكفئ علي نفسه لصياغة التخريجات النظرية لمفهوم العزلة الشعورية والتجمعية للحركة (تأمل حديث سيد عن مفهوم) (الاستعلاء الإيماني) .

بوفاة عبد الناصر 1970 بدأت مرحلة الحصار الطويل تنقشع عن جماعة الإخوان ونظرا لحاجة السادات الماسة في سنينه الأولي 1970 -1972للقبول الشعبي اضطر أن يركب حصان الديمقراطية والقانون وأن يصور للناس أن شرعيته دستورية قانونية قباله وفي مواجهته الشرعية الثورية التي يتمتع بها عبد الناصر خلال حكمة ولكي يعطي الدليل العلمي على ذلك أفرج عن الهضيبي رحمه الله ومعتقلي الإخوان مع أنه كان أحد المشاركين الرئيسيين في محاكمة الثورة التي صادقت على أحكام الإعدام للإخوان ولقد استفادت الجماعة من هذه الفترة حيث بدأت تعقد الاجتماعات وتشكل لجان حصر العضوية من جديد (لجنة الكويتوقطروالإمارات وثلاث لجان بالسعودية) فعقد أول اجتماع موسّع للإخوان في مكة المكرمة

وكان هذا الاجتماع الأول من نوعه منذ 1954 لكن من يراقب أداء الإخوان في مصر خلال فترة السادات 1970 -1981 يلحظ درجة من التقاء المصالح بينه وبينهم ولم يكن من المتوقع – والحال هذه – أن يكون العطاء في الفكر الحركي كبير من طرفهم واستطيع أن أزعم بأن المبادرات الفكرية – لجماعة الإخوان في مصر تقلصت إلى حد كبير بعد إعدام سيد قطب , وانتقلت الريادة الفكرية لتنظيمات الإخوان في بلاد الشام عموما (سعيد حوى – فتحي يكن وغيرهم) بينما انتقلت في داخل مصر من جماعة الإخوان إلى جماعات انشقت عنهم مثل (تنظيم الجهاد) وصاحب مقولة (الفريضة الغائبة) محمد عبد السلام فرج والتي سنعالجها فيما بعد .

يعتبر سعيد حوى أحد كبار مفكري الجماعة في بلاد الشام وما يكتبه قد لا يعبر تعبيرا رسميا عن تنظيمات الإخوان في بلاد الشام لكن حرص هذه التنظيمات على تدارس ما يكتبه من كتب وحرصها على توزيعها وإهدائها ونشرها والتبرع بالمال لإعادة نشرها معناه أن كتاباته إذن تلقي قبولا بارزا ورسميا من طرف هذه التنظيمات ولذا نستطيع أن نجزم أن من يقرأ سعيد حوى ويستوعبه فقد قرأ واستوعب الفكر الحركي لدى الإخوان خلال فترة تمتد ما بين 1970 -1993.

فهو من القلائل الذين كتبوا في مجال الفكر الحركي لدي الإخوان . يبرز في هذا المجال كتابين لحوّى : (المدخل إلى دعوة الإخوان المسلمين ) (دروس في العمل الإسلامي) في الأول يتحدث عن مجموع مواصفات جماعة المسلمين ويحاول أن يثبت أن هذه المواصفات موجودة في جماعة الإخوان المسلمين ويتحدث عن اسم الإخوان المسلمين ولماذا يصر عليه ولماذا يصر على الجماعة بالذات ؟ ونظريات الإخوان في التكوين والعمل اليومي والنظام والتنظيم والشروط التي يحتاجها التنظيم الإسلامي وضرورة الانتماء للإخوان المسلمين وماذا يعني هذا الانتماء ؟ وعن الشروط النفسية لهذا الانتماء وفي الكتاب الثاني يتحدث عن ضرورة البحث عن الصيغ التنظيمية من أجل حركة إسلامية واحدة وضرورة العقلية والمركزية والتجمع وتقييم المرحلة التي تمر بها الأمة الإسلاميةوغير ذلك من الخلاصات التي توصل إليها بعد ممارسة للعمل الإسلامي لسنوات طويلة.

والمشكلة الرئيسية في كتابات سعيد حوى رحمة الله ليست في طروحاته العامة أو تشخيصاته للمسائل التي يطرح بل في حزبيته البارزة في نهايات الطرح أو التشخيص وهذه من المشاكل الرئيسية التي تعاني منها التنظيمات العقائدية والسياسية في المجتمعات المتخلفة وهذه مشكلة تعاني منها حتى الأحزاب الديمقراطية والتقدمية والماركسية في تلك المجتمعات وهي مشكلة تعيق – إلى حد كبير – تطور الفكر الحزبي والحركي .. يبحث حوّى في مواصفات ( جماعة المسلمين ) ويحددها في سبع نقاط ثم يقول : (الأدلة كلها تدل على أن هذه الجماعة ( الإخوان) هي أقرب الجماعات على الإطلاق لأن تكون جماعة المسلمين .

ويقول :(لا زالت دعوة الإخوان المسلمين وحدها هي الجسم الذي على أساسه يمكن أن يتم التجمع الإسلامي في العالم) .ويقول : (المسلمون ليس أمامهم إلا فكر الأستاذ البنا إذا ما أرادوا الانطلاق الصحيح أكثر من هذا وذلك : هل رأي أحد في هذه الأمة رجلا كحسن البنا ؟ وهل رأي الجيل الحاضر رجلا أصلب من حسن الهضيبي وإن بحليفة الاثنين في أعناقنا لبيعة)و( مما مر ندرك أن السير مع الإخوان شئ لابد منه للمسلم المعاصر وبهذا لا يسع مسلما أن يتخلف عن هذه الدعوة) .

وهكذا حتى يصل رحمه الله وغفر له ولنا معه إلى القول : (إذا كانت الجماعة (الإخوان) هذا شأنها فلا يجوز لمسلم الخروج منها قال عليه السلام من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه وعلى كل مسلم ألا ينتسب لتنظيم أو جهة ليست من الجماعة (الإخوان) لأن الطاعة لا تجوز إلا لأولي الأمر من المسلمين وتحرم على غيرهم اختبارا قال تعالي : "يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين " هذه الحزبية البارزة لدى سعيد حوى تعكس حالة فكرية وثقافية ونفسية مختلفة تماما عن الحالة الفكري والثقافية والنفسية التي كان يكتب في إطارها المؤسس حسن البنا رحمه الله فالأخير يؤكد في رسالته التي أشرنا إليها (مسؤولية الحاكم ووحدة الأمم واحترام إرادة الأمة) بينما الأول يؤكد (مسؤولية التنظيم ووحدة التنظيم واحترام إرادة التنظيم) وفرق في الخطاب السياسي بين الأول والثاني.

فالمحور عند حوىّ هو (الحزب – التنظيم – الجماعة – الإخوان) بينما عند البنا (الأمة) ولا شك أن في ذلك ارتداد سلبي في الفكر الحركي لدى الإخوان من حيث أن (البنا يؤكد ( الأمة) في الثلاثينات وحوّى يؤكد (الحزب) في الثمانينات واضعين في الاعتبار التحولات العالمية نحو الديمقراطية والتعددية السياسية ربما من الممكن تفسير ذلك أن في مرحلة البنا أنجزت الجماعة الكثير من الانجازات الإدارية والتنظيمية والاجتماعية والسياسية ولم تكن في فكرها الحركي تحت وطأة تأكيد (الذات ) بينما – ولأسباب كثيرة) تعاني كل الأحزاب الإسلاميةفي المرحلة الحالية ومنها الإخوان من قلّة الانجازات وكثرة الاجترار ولذا – ولا شعوريا – نجد هذا التأكيد البارز (اللذات) في كتابات أحد كبار مفكري الجماعة سعيد حوى رحمة الله .

ومع هذا يبدى الأخير في (دروس في العمل الإسلامي) مرونة بارزة في تكتيكات العمل السياسي فهو يقبل مبدأ المشاركة في الوزارة حتى لو لم تكن الدولة إسلامية أو عادلة ويحتج بقصة يوسف عليه السلام وكيف أنه استوزر لملك مصر مع كون تشريع ملك مصر غير تشريع بني إسرائيل .

وما يقال من موضوع الوزارة يقال أيضا في موضوع المشاركة في الانتخابات أو في موضوع الوظائف العامة ويؤكد :(ليس هناك في هذه الشؤون صواب مطلق ولا خطأ مطلق وإنما المسألة تدور على وجوه بحسب الأحوال والظروف) ويؤكد أيضا أن المشاركة في الوزارة أو البرلمان أو وظائف معينة في بعض الظروف قد يكون مفيدا إذا كان بقرار (من الجماعة) فنحن نحتاج إلى معرفة في الحكمة ووسائله ونحن نحتاج إلى أن نعرف كل شئ من الداخل ونحن بحاجة إلى أن نعرف كيف تدار الأمور وما هي العقبات أمامنا ويركز اهتمامه على فئة الطلبة ويؤكد أن مستقبل الجماعة يكمن للأجيال الناشئة من طلاب وغيرهم فبقدر وجودنا في هذه الطبقات يكون مستقبل الإسلام وإذا فشلنا في الوصول إلى هذه الطبقات ووصل إليها غيرنا فعندئذ تكون الطامة) و(إن الطلاب أداة التنفيذ الأولي لأنهم أكثر استجابة للحق وأكثر تضحية من أجله وأكثر إقداما من المتزوجين مثلا , فالأولاد مجبنة مبخلة وعلى هذا يجب أن نعطي الطلاب أهمية خاصة فلا يجوز أن تبقي مدرسة بلا عمل إسلامي رتيب ومستمر).

ويقف حوّى – نظريا – ضد تلقي جماعة الإخوان لأى مساعدة خارجية , من دولة أو حكومة بحجة أن مساعدة كهذه تجعل الجماعة (مضطرة للخضوع الكامل للجهة الممده) ولا يستدعي العمل السياسي من الجماعة أن تعلن دائما عن مواقفها إزاء التحولات المحيطة لأن : (الموقف السياسي المعلن له تبعائته الثقيلة الهائلة , فقد يضطر آلاف من الناس هم وأسرهم لتحمل أوضاع صعبة بسببه ومن ثم فما لم يكن الموقف تقتضيه أمور جوهرية ولابد منه فينبغي أن نحتاط فيه) هكذا نجد أن الفكر الحركي لجماعة الإخوان منذ فترة تأسيسها 1928حتى الآن 1993مر بثلاث مراحل رئيسة يمثلها ثلاثة نماذج من المفكرين : حسن البنا وسيد قطب وسعيد حوى .

فالبنا عاش حرية سياسية نسبية في مجتمع يبحث عن هوية سياسية – حسب تعبير ناداف سافران ولذا نجد البنا في كتاباته وفكره الحركي – يتمتع بسعة نفسية وفكرية وتأكيد على الأمة والحرية والشرعية بينما سيد قطب عاني من الاضطهاد والسجن والتعذيب فعبر في (معالم في الطريق) عن فكر حركي صفوي طليعي متوغل في المحافظة السياسية ومتشرب لإحساسات الشيعة المضطهدة ومبشر بفكرة الاستعلاء الإيماني المتعارضة مع أبجديات العمل السياسي في أى مكان أما حوي فهو خير معبر عن الازدواجية الفكرية والحركية التي تعيشها جماعة الإخوان في هذه المرحلة بين التزمت النظري والفكري داخل التنظيم (برز هذا في كتاب " المدخل لدعوة الإخوان المسلمين " والتسبب العقائدي خارجة (برز هذا في كتاب ( دروس العمل الإسلامي) فبالرغم من عداوة الجماعة الحالية للغرب - على مستوى النظرية .

إلا أنها في ممارساتها صارت ضحية التصور الرأسمالي للعالم وركزت على الاقتصاد الحر والربح والتجارة الحرة والتوسع في الملكيات الفردية وعدم الحرص على العملية الإنتاجية أو تدخل الدولة لدفعها أو حماية محدودي الدخل من الغلاء والاستغلال . وبالرغم من أهمية نشاط الإخوان في الأقطارالعربيةالأخرى(الأردنوسورية والكويتبالأخص) يظل نشاط الجماعة في مصر هو المؤشر الحقيقي لمستوى الأداء التنظيمي في بلد مركزي كمصر بالقياس إلى أقطار فرعية كالأردنوالكويت وأقطار لا زالت الجماعة فيها تمر بمرحلة (المحنة) كسورية والعراق يلاحظ في مصر تحول كيفي في مسار الجماعة منذ أوائل السبعينات وهو العزوف عن العنف بكل أشكاله والالتزام بنهج العمل السلمي والتعددي اختلفت الجماعة مع أنور السادات في عدة مسائل (الزيارة لإسرائيل 1977وكامب ديفيد 1978 والمعاهدة المصرية الإسرائيلية 1979) لكن الإخوان التزموا بالمعارضة السلمية لكل ذلك ويبدو أن فكر الإخوان الحركي في مصر قد استقر على خيار العمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي بالأساليب الدستورية القانونية المتاحة وليس خروجا عليها .

وفي التكتيكات النضالية المبتكرة التي لجأت إليها الجماعة هي موضوع التحالف مع أحزاب قانونية وقائمة للاحتماء بمظلاتها السياسية (تحالفها مع الوفد في انتخابات 1984وتحالفها مع حزبي العمل والأحرار في انتخابات 1987) في الانتخابات الأولي حصلت الجماعة على سبعة مقاعد في مجلس الشعب وفي الثانية على خمسة وثلاثين مقعد ويعني ذلك أن الجماعة قد ضاعفت من تمثيلها في مجلس الشعب بمعدل خمسة أمثال خلال ثلاث سنوات ولا شك أن ذلك نجاح بارز يسنده تطور فكري حركي واضح في اهتمام الجماعة بالنقابات (الأطباء والمحامين والمهندسين وغيرها) .

ويؤكد د. سعد الدين إبراهيم في دراسات له قيمة عن التيارات داخل مصر أن الإخوان كذلك نجحوا في تكوين قاعدة اقتصادية متناسبة من خلال شبكات من المؤسسات المالية وشبكة أخرى المؤسسات الخدمية والإعلامية المساعدة وتقدم هذه المؤسسات في مجملها خدمات متنوعة وفرص عمل متزايدة لا لأعضاء الجماعة فقط , ولكن أيضا لشرائح عريضة من الطبقات الوسطي والدنيا ومن الواضح أن الجماعة لا تكلف نفسها أكثر مما تطبق كما تفعل بعض الجماعات الصغيرة في حجمها والمدوية في تحركها مثل (الجهاد) .

فجماعة الإخوان تعترف بشرعية المؤسسات الرسمية برغم عدم اعتراف الأخيرة بها , والجماعة تتبني رؤية للتغيير (طويلة النفس) بالإمكان تلخيصها : (التغيير الكمي يؤدي – بالتراكم – إلى تغيير كيفي) أى كلما اتسع تأثير الجماعة بين الأفراد وتراكم أدي بالنتيجة إلى تغيير كيفي في المؤسسات التي يديرها هؤلاء الأفراد وبالتالي أدي إلى نقله في التغيير الاجتماعي المطلوب ونحن نعتقد أن هذه رؤية لا تخلو من التبسيط المخل إذ كأنها تعتبر المجتمع السياسي مجرد (مجموعة من الأفراد) بينما هو في حقيقته شبكة من العلاقات والمؤسسات والظروف والتكوينات الاجتماعية والاقتصادية التي تتجاوز الأفراد وتتخطاهم , ونزعم هنا بأن من يسيطر على هذه الشبكة فهو ممّين بالسيطرة على المجتمع السياسي هذه النظرية في العمل (القضمة فردا فردا) نظرية طويلة النفس وهادئة وبطيئة وسلمية جعلت الأطراف الأخرى خارج الحركة الإسلاميةتنظر للجماعة على أنها (الجناح المعتدل) في مقابل نظرية (الاقتحام) التي يتبناها تنظيم (الجهاد) أو نظرية (الانقضاض) التي يتبناها (التكفير والهجرة).

ويبدو أن هذا الخيار الحركي البعيد النظر قد ولد مشاكل لا حصر لها للجماعة في مجال العلاقات السياسية في مجتمع أميبي كمصر بالرغم من اعتدال وتوازن الخط السياسي الذي تتبناه أولا مشكلة العلاقة مع (النظام) في مصر وثانيها العلاقة مع (التنظيمات الإسلامية) الأخرى وثالثها العلاقة مع الأحزاب (الوفد – العمل – الأحرار – التجمع) ويبدو أن النظام في مصر ينظر للجماعة في إطار سياسة التوازنات العامة التي يتبناها في تعامله مع القوى الإجتماعية والسياسية هناك فهو يتغاضي عن الإخوان ويسمح لهم بالنزول مع الأحزاب الأخرى في الانتخابات بغية إدماجهم في العملية السياسية .

وهي خطوة لم يقدر عليها النظام الناصري وهو في أوجه – وفي الوقت نفسه نلاحظ أن النظام هناك يتمنع عن إعطائهم مكسبا جوهريا مثل السماح لهم بحق التنظيم السياسي المستقل عبر الترخيص الذي تسعي له الجماعة منذ فترة ليست بالقصيرة ومن الواضح أنه خلال التعامل بين الطرفين (النظام والجماعة) أن الأول يحرص على تمييز الإخوان عن باقي التنظيمات الإسلامية وذلك للأسباب التالية : أولها أن الإخوان هم في الواقع (الحركة الأم) لكل التنظيمات الأخرى ذات الطبيعة الراديكالية ولقد تمكن الإخوان في أكثر من مرة التوسط بين الحكومة والتنظيمات الإسلاميةالراديكالية في تخفيف حدة التوتر وفتح أقنية للتهدئة وتجد الحكومة في هذا الدور الذي يضطلع به الإخوان فائدة وثانيها أن الإخوان يتبنون رؤية للتغيير يعتبرها النظام معتدلة بالقياس للرؤى والتصورات والأفكار الراديكالية التي تحملها تنظيمات مثل (الجهاد) أو (التكفير والهجرة) .

وثالثها أن الإخوان حريصون أكثر من التنظيمات الإسلاميةالأخرى على تحقيق الحد الأدنى من التوافق مع النظام بالمقارنة ببقية التنظيمات الإسلاميةيلقي عليهم مسؤوليات ذات حساسية سياسية معنية تنعكس على علاقتهم بتنظيم (الجهاد) مثلا وهو تنظيم بدأ يتزايد وجودا وصوتا وحجما بعد حادث المنصة 1981 ويحمل ويقدم (نظرية عمل) ورؤية للتغيير تختلف تماما عن التي يحملها الإخوان وأما الأحزاب (الوفد - العمل – الأحرار – التجمع) فتدرك أن للإخوان قاعدتهم الاجتماعية التي لا يعقل سياسيا تجاهلها وأن لديهم قوة تصويتية مرجحة ينبغي استثمارها ولذا تتسابق الأحزاب على طلب ود الإخوان أو على الأقل تحييدهم من هذه الحقيقة انطلق الإخوان في تحالفاتهم السياسية مع الأحزاب وفي كل تحالفاتهم حققوا مكاسب طيبة لا يمكن التقليل من شأنها بالإضافة إلى ذلك يتميز الإخوان عن باقي الجماعات قبولهم النهائي لموضوع التعدد الحزبي وإقامة نظام مؤسسي مواز لنظام الدولة الحالي وبنجاحهم في إقامة بنية أساسية بالتدرج (مدارس – عبادات – شركات استثمار – مستشفيات) سحبت الأضواء من الجماعات الأخرى.

تنظيم الجهاد نظرية الاقتحام

ينطلق تنظيم الجهاد من فرضيات غاية في البساطة والمباشرة المخلة بحقيقة تشابك وتعقد القضية التي يطرح وتشكل الكراسة البسيطة التي وضعها محمد عبد السلام فرج بعنوان : (الفريضة الغائبة) الإطار الفكري والمرجعي للتنظيم وقد طبع من هذا الكتيب خمسمائة نسخة وزعت على أعضاء التنظيم والمهتمين ويعتبر الكتيب دستورا يسترشد به الأعضاء ويبدأ فرج رحمة الله " بنظرة وتحليل حال الأمة " حتى ينتهي إلى (ضرورة الجهاد) وذلك من أجل (إقامة الخلافة) كهدف نهائي للتحرك ويختلف فكر (تنظيم الجهاد) الحركي كثيرا عن فكر جماعة الإخوان (الحركة الأم لكل التنظيمات الإسلاميةالناشطة في مصر) كما يختلف عن فصائل أخرى منشقة أيضا عن الإخوان كجماعة ( التفكير والهجرة ) مثلا , فبينما يري (الجهاد) أن مصدر الفساد يتركز في النظام السياسي الحاكم وليس في المجتمع , ترى (التكفير والهجرة) أن المجتمع كله – حكاما ومحكومين – هو ( مجتمع جاهلي ) لا ينفع معه الترميم , بل لابد من الانقضاض عليه واجتثاثه من أساسه بعد إعداد العدة لذلك , ولا يكون الأمل خلال (الهجرة) ثم (الفتح) بعد تكوين (المجتمع – النواة) .

من هنا فإن (الجهاد) لا يتردد في تكفير النظام السياسي كمؤسسات تعطل الإسلام ولا تتحاكم إليه لكنه لا يكفر الأفراد والمجتمع المغلوب على أمره يقول فرج في التحقيقات :(أن الناس في مصر بسطاء ويحبون العيش بصورة طيبة ومن هنا يلجأون إلى تقليد حكامهم والرجال المحيطين بهم هل يمكن أن نلومهم ؟ أليس من الأوفق أن نتعامل مع جذور المشكلة وهي الطبقة الحاكمة الفاسدة ؟ فالسيناريو الذي يطرحه (الجهاد) لتحقيق التغيير بسيط للغاية ولا يخلو من السذاجة إذ يعتقد فرج أن إزاحة المجموعة الحاكمة عن الطريق سوق يتمخض عنه حتما " دولة الخلافة " ومن يتمعن في كراسة (الفريضة الغائبة) يدرك أن هدف صاحبها هو نقض شرعية الأنظمة الحالية أكثر من طرح الأسس العملية والسياسية والدولية للشرعية الإسلاميةالمنشودة وعلاقاتها وإشكالياتها المتوقعة" .

يبدأ فرج في (الفريضة الغائبة) بالتأكيد على أن علماء الإسلام في هذا العصر أهملوا موضوع الجهاد إهمالا بارزا فهم يتحدثون عن كل الأركان الخمسة للعقيدة الإسلاميةبتفصيل ويحثون عليها باعتبارها فرائض ينبغي التقيد بها , لكنهم لا يتحدثون عن (فريضة الجهاد) فهي غائبة في حديثهم ولذلك كتب هذه الرسالة للتنبيه بأهمية هذه (الفريضة الغائبة) ويؤكد بعد ذلك أن هناك نصوص نبوية صحيحة تؤكد بأن (الإسلام مقبل) وأن الدولة الإسلاميةعلى نهج الخلافة الراشدة – قادمة لا محالة بحسب نصوص الحديث الشريف . كما أن فرج أثبت فتوى أبو حنيفة التي تقول بأن دار الإسلام من الممكن أن تتحول إلى دار كفر إذا توافرت ثلاثة شروط مجتمعة :

أولاها أن تعلوها أحكام الكفر , وثانيها ذهاب الأمان للمسلمين وثالثها المتاخمة أو المجاورة أى أن تكون تلك الدار مجاورة لدار الكفر بحيث تكون مصدر خطر على المسلمين وسببا في ذهاب الأمن ( إسرائيل ) . كما أفتي الإمام محمد والإمام أبو يوسف صاحبي أبو حنيفة بأن حكم الدار تابع للأحكام التي تعلوها فإن كانت الأحكام التي تعلوها هي أحكام الإسلام (فهي دار الإسلام) وإن كانت الأحكام التي تعلوها هي أحكام كفر (فهي دار كفر) ويؤكد فرج أن الأحكام التي تعلو المسلمين اليوم هي أحكام كفر بل هي قوانين وضعها كفار وسيروا عليها المسلمين ويضيف (وحكام العصر قد تعددت أبواب الكفر التي خرجوا بها عن مله الإسلام بحيث أصبح الأمر لا يشتبه على كل من تابع سيرتهم هذا بالإضافة إلى قضية الحكم) .

ويقارن بعد ذلك بين التتار وحكام اليوم من حيث أن التتار زعموا الإسلام لكن مع ذلك جعل ابن تيمية قتالهم واجبا نظرا لتحاكمهم في بعض الشؤون لكتابهم (الياسق) الذي اقتبس من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلاميةوغيرها ويضيف فرج (فلا شك أن الياسق أقل جرما من شرائع وضعها الغرب لا تمت للإسلام بصلة ولا لأى من الشرائع) . ويخلص بعد ذلك بوجوب قتال (حكام اليوم) لأنه يجرى عليهم ما جرى على التتار ثم بعد ذلك يرد فرج على طروحات التنظيمات الإسلاميةالأخرى التي لها رؤى مختلفة عن تنظيم الجهاد دون أن يسمي تلك التنظيمات بأسمائها الصريحة ..

ووفق مقولاته لا فائدة من الجمعيات الخيرية لأنها أولا وأخرا لا تتحرك إلا وفق إرادة النظام القائم ثم أنها مهما نجحت في أعمال الخير فلن تنجح في النهاية في إقامة ( دولة الإسلام ) والانشغال بالطاعات والتربية وكثرة العبادات كذلك لن يقيم الإسلام ولا يقيمه إلا الجهاد ويستشهد بأبيات وجهها المجاهد عبد الله بن المبارك إلى الفضيل العابد المتنسك : يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب من كان يخضب خده بدموعه فنخورنا بدمائنا تتخضب

أما الذين يقولون بوجوب قيام حزب سياسي إسلامي للقيام بواجبات الدعوة (يقصد الإخوان المسلمين ) فيقول أن هذا الحزب يعطي شرعية لدولة (الكفر) من حيث أنه يشاركها ويعمل معها وفي إطار قوانينها , أما تكتيك التغلغل في الإدارة القائمة للنظام والتأثير من الداخل عليه لا من خارجه فيقول فرج أنه لا دليل له من الكتاب والسنة فإن الواقع حائل دون تحقيقه ولا يصل إلى المناصب العليا في الأنظمة الحالية إلا من يؤيدها ويناصرها لا من يعارضها ويعمل على تقويضها والقول بضرورة الدعوة إلى الإسلام وتكوين قاعدة عريضة من الناس يري فرج تطالب فيما بعد – بما أنها الأغلبية – بقيام دولة الإسلام فيه كثير من السذاجة إذ يتساءل فرج كيف تنجح الدعوة وكل الوسائل الإعلامية تحت سيطرة (الكفرة والفسقة والمحاربين لدين الله).

ويرفض فرج الفكرة التي ينادي بها (التكفير والهجرة) وهي ضرورة (الهجرة) لدولة الكفر والإعداد في المهجر للانقضاض مرة واحدة على (الجاهلية) يقول فرج أنها فكرة ساذجة وشطحة ليس إلا وغير عملية في واقع الحال أم القول بالانشغال بطلب العلم وترك الجهاد حتى يتعلم الناس العلم الشرعي ويعوا وجوب قيام دولة الإسلام فيرفض ذلك فرج قائلا : (لم نسمع بقول واحد يبيح ترك أمر شرعي أو فرض من فرائض الإسلام بحجة العلم خاصة إذا كان هذا الفرض هو الجهاد فيكف نترك فرض عين من أجل فرض كفاية ثم كيف يتأتي أن نكون قد علمنا أقل السنن والمستحبات وننادي بها ثم نترك فرضا عظمه الرسول صلي الله عليه وسلم) ويخلص فرج بعد ذلك إلى وجوب (الخروج على الحاكم مستشهدا بقول ابن تيمية في الفتاوى الكبرى) كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين وإن تكلمت بالشهادتين) وأن القتال الآن فرض على كل مسلم – بعد أن علم ما علم – وأنه فرض عين .

ولا يخشي فرج من الفشل حيث يقول : (وهناك من قال بأننا نخشي أن نقيم الدولة ثم بعد يوم أو يومين يحدث رد فعل مضاد يقضي على كل ما أنجزناه والرد على ذلك , هو أن إقامة الدولة الإسلاميةهو تنفيذ لأمر الله ولسنا مطالبين بالنتائج والذي يتشدق بهذا القول الذي لا فائدة من ورائه إلا تثبيط المسلمين عن تأدية واجبهم الشرعي) . ويتوقع فرج بكل بساطة أن السلطة الجديدة (لن تجد سوى كل ترحاب حتى ممّن لا يعرف الإسلام) .

ويحذر في نهاية الكراس من عقوبة ترك الجهاد مستشهدا بالآية الكريمة (يا أيها الذين أمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل . إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شئ قدير) (التوبة) وقد ردّ مفتي الجمهورية جاد الحق على فرج بتفصيل على كل ما ورد في كراس (الفريضة الغائبة) ونشر رده في جريدة الأهرام العدد رقم 34783 بتاريخ 7 مارس 1982.

على أرضية هذا الفكر الحركي الذي عرضنا له قام تنظيم الجهاد وأسس . فالجهاد إذن وسيلة عملية لتقويم وضع لا يتمتع بالشرعية الإسلاميةكما يفهمها التنظيم وينطلق الأخير من قناعات دون دراسة لقابليات الواقع السياسي والاجتماعي لتقبل تلك القناعات أو من يمثلها في حال قيام (دولة الإسلام) هذه (اليوتوبيا الإسلامية) انعكست على سياسات التنظيم في (التجنيد) إذ فتح (الجهاد) الأبواب لكل راغب دون الفحص المطلوب مما سهل عملية انكشاف التنظيم ورصده وتطويقه وضربه بسهولة وقد قرر عبود الزمر في التحقيقات أن أسلوب التجنيد كان عشوائيا على نحو كبيرا من ناحية الخلفية الاجتماعية والانتماء الطبقي لمعظم أعضاء التنظيم يلاحظ أن معظمهم ينحدرون من (الطبقة المتوسطة الدنيا) وينحدرون من أصول ريفية ومدن صغيرة ومن سكن في القاهرة فاتجه إلى بولاق الدكرور وإمبابة وهما حيان فقيران مكتظان بالسكان كما أن مناطق مثل كرداسة والحرانية وناهيا وصفط اللبن كانت إلى وقت قريب قرى آمنة وبعيدة عن صخب المدينة وهجومها الوحشي على القيم التقليدية .

يلاحظ أن عدد غير قليل من أعضاء التنظيم كانوا من سكان هذه المناطق وتورد نعمة الله جنينه في دراستها اللطيفة حول التنظيم جدولا لتوزيع أعضاء التنظيم طبقا للمهنة فتبين لنا أن تقريبا 45 % طلبه وجدول آخر عن توزيع أعضاء التنظيم طبقا للعمر فتبين لنا أن تقريبا 76% بالمائة منهم كان بين 20- 29 سنة ولا ينظر أعضاء التنظيم لأنفسهم على أنهم يشكلون (بديلا) إسلاميا ,, كلا . بل أنهم وهذا ما ظهر في (الفريضة الغائبة) وأثناء التحقيقات ينظرون للتنظيم وقيادته على أنه (الحل الوحيد) أمام الأمة .

ولا شك أن للسن والمهن (معظمهم طلبه) أثر كبير على درجة التبرم والاغتراب الذي يشعرون به قبالة المجتمع الأوسع . ولذا يقول د. سعد الدين إبراهيم في دراسته القيمة عن المجموعات الإسلاميةالراديكالية في مصر : (نظرا لأنهم شباب فهم مثاليون ومتبرمون ولأنهم يدرسون في فصول مختلطة أو يعيشون في إحياء مكتظة بالسكان فهذا معناه إمكانية أن لديهم شعورا بالاغتراب أو إمكانية أن يتولد لديهم هذا الشعور .

وحيث أنهم يحققون مستويات أعلي من التحصيل نجعلهم متفوقين فإن لديهم تطلعات كبيرة وكونهم متعلمين يعني أن لديهم وعيا اجتماعيا سياسيا عاليا وإطارا مرجعيا عالميا أى يستطيعون تحديد وضع بلادهم من العالم ولأنهم من الطبقة المتوسطة أو الدنيا فإن لديهم كل أحاسيس عدم الأمان ومخاوف السقوط من السلم الاجتماعي) يمثل (تنظيم الجهاد) بكل المقاييس التجسيد والتجسيم المتكامل للفكر الاقتحامي ليس فقط على أساس مدى وطبيعة التغيير الذي يدعو إليه ولكن أيضا للطريقة التي يتم بها هذا التغيير (مهاجمة المنصة مباشرة وقتل رئيس النظام) لكن هل نجح الجهاد في تحقيق الهدف المباشر لعمليته ؟ هل اقترب منها ؟ أم ابتعد عنها؟ تلكم هي الأسئلة التي يجب التفكير بها وحولها لتقييم الفكر الحركي الذي انطلق منه التنظيم , في يقيني أن الجهاد لم ينجح في مسعاه لإقامة (دولة الإسلام) ولم يقترب من ذلك الهدف بل ابتعد عنه لأسباب عديدة .

من أهمها الحلقات المفقودة في التصورات الإستراتيجية للتنظيم وعدم وعي الأخير وتحسسه للنبض الحقيقي واليومي للجمهور في مصر وهو جمهور مستغرق إلى أبعد مدى ويوميا في البحث عن الخبز والأمن والعمل ولا يبدو عليه برغم تدينه اهتماما في مقالة (الجهاد) حول (الدولة الإسلامية) الأهم من هذا وذاك أن أغلب الناشطين إسلاميا لا يفضلون الانضمام لتنظيم الجهاد وهذا دليل على عدم رسوخ مقولات التنظيم في الأوساط الإسلاميةهناك .

حزب الدعوةمحاولة لاستنساخ سيناريوالثورة الإيرانية

يواجه الباحث في شؤون (حزب الدعوة) وتطور طروحاته وتميزها عن باقي الطيف الحركي الشيعي مشاكل كبيرة في رصد المراجع النظرية التي تبحث في هذا المجال ولذا كان من اللازم البحث عن وثائق الحزب السياسية مباشرة لقلة الدراسات التي حللت من خارج الحزب موافقة ونظريته في العمل السياسي . وحتى هذا الأمر ليس بميسور لسرية الحزب وبعده عن مجالات الاحتكاك الفكري مثلحزب التحريروالإخوان والجهاد .

من هنا وجدنا أن أفضل مدخل لهذا الموضوع هو رصد المرشد الروحي للحزب المذكور السيد المرحوم محمد باقر الصدر من خلال كتبه المنشورة والتي يتبناها الحزب كدليل نظري على مقولاته وطروحاته ومن أبرز هذه الكتب ثلاثة:

  1. لمحة فقهية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية
  2. التركيب العقائدي للدولة الإسلامية.
  3. صورة عن اقتصاد المجتمع الإسلامي

بالإضافة إلى ذلك كان لمقالة د. حنا بطاطو في مجلة Middle East Joarnal في خريف 1981حول الحركات الشيعية السرية في العراق أهمية تاريخية لابد من رصدها . كذلك ما كتبه المرحوم حميد عنايات رئيس قسم العلوم السياسية الأسبق في جامعة طهران . ورصد ما يكل هدسون للعامل الديني في السياسة السورية والعراقية في مقالته التي أوردها بيسكاتورى في كتابه المساهمة القيمة التي نشرها فالح عبد الجبار , شيوعي عراقي , حول الحركات الدينية في العراق فيها الكثير من التفاصيل المفيدة في هذا الصدد .. والأهم في هذا المجال هو توفر (بيان التفاهم) وهو وثيقة تحمل الكثير من تصورات الحزب السياسية والاقتصادية والاجتماعية ونظرية العمل في السياسة والتحرك .

من الوهلة الأولي نستطيع أن نؤكد أن حزب الدعوةتم تأسيسه قبل الثورة الإيرانية بسنتين (1977) ..(ثمة دراسات تشير أن الحزب تأسس 1957)

غير أن الثورة الإيرانية انعشت المنظمات السياسية ذات الطابع الديني في العراق وبالأخص الشيعية ومن أهمها :

(حزب الدعوة– منظمة العمل الإسلامي – حركة الجماهير المسلمة - جماعة العلماء المجاهدين – حركة المجاهدين) .وفي 1982 ظهر تشكيل جديد (المجلس الأعلي للثورة الإسلامية) يضم مختلف القوى الإسلاميةوالمثقفين الرساليين . وهو رأي المجلس إطار وحدوي لجميع هذه القوى (44) ومن يرصد أطراف (المجلس الأعلي) ومنها حزب الدعوةيلاحظ أن الأطراف معارضة من حيث الجوهر دينية من حيث الطابع .

وأنها تشمل عدة تيارات تختلف على قضايا رئيسية وثانوية مثلما تلتقي على قضايا رئيسية وثانوية : (مثل مستقبل العراق – شكل النظام السياسي المنشود – شكل النظام الاقتصادي – أسلوب حل المشكلة الكردية – اتجاهات السياسة الخارجية – الموقف من قضايا النضال العربي التحرري – قضية الديمقراطية ... الخ) بعيدا عن كل هذه التعارضات الفكرية بين هذه الأطراف نرغب في هذه الكتاب رصد (حزب الدعوة) من حيث هو فصيل حركي شيعي يتميز نسبيا – بوضوح طروحاته ومقولاته ويستند في أساسه النظري لتجربة قامت في إيران وثبتت منذ 1979 ولذا من المهم استكشاف المحتوى الفعلي لبرنامج الحزب ومناقشة النتائج العملية الممكنة لهذا البرنامج .

قد لا نخلص إلى ما ذهب إليه فالح عبد الجبار في (المادية والفكر الديني المعاصر) حول حزب الدعوةأو غيرها من الأحزاب الإسلامية, لكن لا نتردد في استعارة منهج بحث هذا الموضوع كما طرحه عبد الجبار في كتابه المذكور وهو : محاور مفهوم الحرية لدى الحزب ورؤية الحزب لماهية الدولة وكذلك تركيب مؤسساتها والنموذج التطبيقي ونماذج برنامجية هذا في الشق السياسي .

ثم نعرج بعد ذلك إلى البرنامج الاقتصادي للحزب ثم موقفه من القومية كمفهوم والمشكلة الكردية وموقف الحزب من القضية المرجعية وهي قضية ذات دلالة خاصة في الأوساط السياسية الشيعية ويترتب عليها كثير من النتائج السياسية الخطيرة , فيما يتعلق بمفهوم الحزب للحرية يؤكد محمد باقر الصدر المرشد الروحي للحزب أن (الإنسان حر لا سيادة لإنسان آخر أو لطبقة أو لاي مجموعة بشرية علية) وأن (السيادة لله وحده) و(يمكن القول أنه يحتل موقعا وسطا بين مفهوم الحرية الجبرى – السلفي ومفهوم الحرية القدري المعتزلي) وهما مفهومان تصارعا فكريا وفقهيا وسياسيا على امتداد القرون الغابرة (بالنسبة لماهية الدولة يري الصدر أنها (ظاهرة اجتماعية أصيلة في حياة الإنسان وأن الناس كانوا أمة واحدة في مرحلة تسودها الفطرة ويوحد بينها تصورات بدائية للحياة وهموم محددة وحاجات بسيطة) وأن الدولة ما كان لها وجود أو ضرورة إلى أن حدث عارض جديد ....

فقد نمت من خلال الممارسة الاجتماعية للحياة المواهب والقابليات فنشأ الاختلاف وبدأ التناقض بين القوى والضعيف , وأصبحت الحياة الاجتماعية بحاجة إلى موازين تحدد الحق وتضمن استمرار وحدة الناس بدلا عن أن يكون مصدر للتناقض وأساسا للصراع والاستغلال هكذا إذن يرى الصدر أن مهمة الدولة وغايتها (إيجاد موازين تحدد الحق وتجسد العدل) .

وعند تطرقه لمؤسسات الدولة المنشودة يؤكد الصدر على مبدأ (فصل السلطات) بحيث تحدد السلطة الأخرى (التشريعية والتنفيذية والقضائية) ومن المعروف أن هذا المبدأ كان من إبداعات مونتسكيو . وأراد الصدر أن يستعيره لإحداث التوازن داخل الدولة الإسلامية كيف يتحدد الدستور ؟ ومن يختار السلطة التشريعية وما حدود حرية هذه السلطة ؟ .. يقول الصدر (ما دام الله تعالي هو مصدر السلطات وكانت الشريعة التعبير الموضوعي عن ذلك فهي تحدد الطريقة التي تمارسبها هذه السلطات) . الشريعة إذن هي الإطار الذي تتحرك ضمنه السلطة التشريعية . وفي الشريعة سلسلة من الثوابت التي تشكل أساس الدستور . من هنا يحق لفالح عبد الجبار أن ينظر لهذا الأمر على أنه حد من حرية الأمة على اعتبار أن عملية التشريع في حالة كهذه لا تملك الخروج عن اجتهادات الفقهاء الذين يشكلون (مجلس صيانة الدستور) أو (مجلس الخبراء) .

بالنسبة لانتخاب رئيس السلطة التنفيذية لابد من أن ترشح (المرجعية الدينية) من يرغب في ترشيح نفسه في الأول قبل أن يعطي حق النزول للانتخابات ولابد أن توافق المرجعية على القوانين الصادرة من المجلس قبل أن تأخذ طريقها إلى التنفيذ . ويبدو واضحا من خلال استقراء فقه السيد الصدر أنه يشكل أساسا أيديولوجيا لقيام حكم الحزب الواحد وهذا يلتقي أيضا مع طروحاتحزب التحريرالإسلامي وتنظيم الجهاد إلى حد كبير . ومن الواضح كذلك أن الدولة التي يروم الصدر أنشاؤها تتسم بثنائية (الإلهي البشري) وهي ثنائية تعيث الحركة العضوية في الدولة المعاصرة لا شك إلى حد كبير .

وتغلب العقائدية الإسلاميةعلى خطاب الحزب إلى درجة كبيرة حيث يؤكد السيد الأصغي الناطق الرسمي بلسان حزب الدعوة:(أما على مستوى الحكمة والدولة فالأمر متروك للشعب وهو المسئول عن المستقبل السياسي للعراق وهو المسئول عن إقامة الدولة الإسلامية, وأن على أبناء الشعب العراقي أن يمارسوا حقوقهم المشروعة بكفاءة وشجاعة لإقامة الدولة الإسلامية) .

هذا الالتزام المكرر بمشروع الدولة الإسلاميةيعرقل سريان وترويج الخطاب الذي يبثه الحزب في المجتمعات السياسية التي ينشط فيها ويثير كثير من النقاشات والمطارحات التي ترهق المجهود الثقافي والعلمي الذي تقوم به أجهزة الحزب ومن الواضح أن عدد لا يستهان به من الأحزاب العراقية يرفض مشروع الدولة الإسلامية بقيادة (الفقيه الولي) ومع ذلك يعتبر (المجلس الإسلامي الأعلي) نفسه (الممثل الشرعي والوحيد للشعب) والحقيقة هناك صعوبة كبيرة في معرفة درجة جماهيرية حزب الدعوةأو غيرها من الأحزاب الإسلاميةالشيعية لأن السيد محمد قفي المدرسي (القائد الروحي لمنظمة العمل الإسلامي) أو جزها بالقول :(إن الجماهير التي تخرج في تظاهرة استجابة لنداء حزب الدعوةهي نفسها التي تخرج استجابة لمنظمة ثانية ثم ثالثة إن المرء لا يعرف إلى أى واحدة من هذه المنظمات تنتمي هذه الجماهير).

ويبدى حزب الدعوة– باستثناء كل الأحزاب الدينية الشيعية – تحفظا على مفهوم (ولاية الفقيه) وهو مفهوم يعني – على الصعيد السياسي – تمتع الفقيه الولي أو الفقهاء بحث وسمة الدستور وتحديد ماهية الشريعية وحق الفيتو على كامل الحياة السياسية والاجتماعية ولذلك نجد أن حزب الدعوة يتعرض لانتقادات عديدة من الأطراف الأخرى في الطيف السياسي الشيعي , ويتحدث (بيان التفاهم) باب الآفاق الاقتصادية , عن رؤية الحزب للنفط والتنمية الزراعية والصناعية والتجارة الخارجية والداخلية والمال وحرية تنقله والدولة ودورها في الاقتصاد ويتوسع السيد الصدر – المرشد الروحي للحزب – في تحديد ماهية الاستغلال في العملية الاقتصادية منشؤه والعلاجات التي يقترح لإزالة هذا الاستغلال والنتائج العملية لهذه العلاجات .

وبالرغم من اختلاف الأحزاب الإسلاميةالشيعية كثيرا في الفقه الاقتصادية وتباين مواقفها إزاء موضوع الحرية والديمقراطية . إلا أنه من الملاحظ التطابق المذهل في موضعها من القضايا القومية أو (المشكلة الكردية كمثال) فكل هذه الأحزاب – بما فيها حزب الدعوة– يدين القومية من حيث أنها فسيلة زرعتها أيادي في الخارج , أو كما تقول منظمة العمل الإسلامي في إحدى كراساتها أنها جاءت الينا في (زورق أوروبي) ويرفض الشيرازى (القومية العربية والإيرانية والكردية) وينادي بقيام (الحكومة التي تمثل ألف مليون مسلم) ويرى الشيرازى أن المسلمين بوسعهم أن يشكلوا القوى العالمية الرابعة التي تستطيع أن تنافس الأقطاب الدوليين.

وبالرغم من تعاطف الأحزاب السياسية الإسلاميةالشيعية مع معاناة الأكراد إلا أن جميع تلك الأحزاب ترى حل مشكلة الأكراد ضمن مشروع الدولة الإسلامية, ودون التعاطف مع الأكراد إلى درجة أعطائهم السيادة الكاملة على كردستان وتبرز مشكلة كبيرة في طريق حزب الدعوةوهي مشكلة (المرجعية) فهو الحزب الوحيد الذي يعلن عدم التزامه بالمرجعية (في سنواته الأولي وفي حدود ما هو معلن في وثائقه) وربما هذا يعود إلى تأسيسه قبل الثورة الإيرانية بسنتين حيث لم تكن المرجعية قد أخذت أهميتها السياسية الساخنة لكن يبدو أن الحزب حتى الآن ملتزم بهذا الموقف ويبدو أن هذه القضية – على عكس بقية الأحزاب الشيعية – لم تكن في يوم في الأيام مثارة في صفوفه كما أن برنامجه السياسي يخلو من أية إشارة لهذا الأمن ولهذا نجد أن حزب الدعوةيواجه ضغوط شديدة وهجوما متصاعدا من الأحزاب الأخرى , ولغياب أى ذكر للمرجعية في وثائقه ولعدم تبنيه لفكرة (الولي الفقيه) .

ومن هنا نلاحظ أن علاقات الحزب بإيران يشوبها شئ من التوتر لكن هذا لا يمنع تبني الحزب بعض التقنيات الثورية الإيرانية ومحاولة استنساخ التجربة الإيرانية في الاستدعاء السياسي والحشد وسوق المؤازرين والأنصار في (المظاهرات المليونية) لتحقيق الأهداف السياسية للحزب ويبدو أن أوساط الحزب في حماس وتتبعهم لتجربة الثورة في إيران قد تغاضوا عن الشروط الفنية والموضوعية وكذلك عن خصوصية التجربة في إيران وما رافقتها من ظروف مساعده وكذلك الفروقات الموضوعية بين الحالة الإيرانية والحالة العراقية وهكذا حاولنا رصد الفكر الحركي لحزب الدعوةفي محاورة المختلفة (المفاهيم والدولة والمؤسسات والبرامج – الاقتصاد – الموقف من القومية والمرجعية وتقنيات الحشد المتأثرة بالتجربة الإيرانية) .