الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف


بقلم : العلامة يوسف القرضاوي

المقدمة

تقديم عمر عبيد حسنة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاّ الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله وبعد:

فلقد أصبح ما أسمي بالتطرف الديني قضية باتت تشغل بال الغيورين على هذه الأمة، وما يدبر لها من مكائد الأعداء ومكرهم لإبادة الجيل المسلم، ومصطلحاً شائع الاستخدام على ألسنة الناس وفي وسائل الإعلام، جند لتأكيده الكثير من الكتاب والصحفيين والدبلوماسيين والسياسيين، ولا يخرج في حقيقته عن أن يكون من صنع أعداء الإسلام الذين يعمدون إلى بعض المظاهر الشاذة فيضعونها تحت المجاهر، يوجهون إليها الأنظار، ويغرون بها الحكام والمتنفذين، وكثيراً ما استخدم هذا المصطلح،ولا يزال يستخدم بهدف إيجاد حالة من الرعب والإرهاب الفكري لشل حركة الدعوة إلى الله، والتشكيك بوسائلها، وإحاطتها بجو من الإرهاب لتحنيطها وتعطيل مسارها، والدعوة الإسلامية تخضع لمعايير منضبطة ووسائل مشروعة من الله عز وجل لا يد للإنسان فيها..

والأمر الملفت للنظر أن هذا الاصطلاح استعمل أول ما استعمل في إسرائيل عندما بدأ الشباب المسلم في الأرض المحتلة يعي ذاته، ويتعرف إلى طريقه بعد أن أخفقت التجمعات كلها، وسقطت الشعارات جميعها وعجزت عن أن تقدم شيئاً للقضية.

هذه الشعارات التي لم تخرج في حقيقتها عن أن تكون وسيلة من وسائل يهود لامتصاص النقمة، وتنفيس الطاقات للحيلولة دون انفجارها، والتسلل من خلالها إلى العالم الإسلامي، من هنا بدأت توجهات الشباب من جديد لتلمس الشخصية الحضارية للأمة والعودة إلى الإسلام.. درع وقايته، وعدة كفاحه، والاحتماء بالمسجد حصن ثقافته...

ولم تخف إسرائيل خوفها وتخويفها من عودة المتطرفين المسلمين وخطورة ذلك على كيانها، والعمل بكل وسيلة للقضاء على الصوت الإسلامي في كل مكان.

ولا شك أن الإسلام دين التوسط والاعتدال، وأن الغلو والتطرف والانحراف أمر مرفوض شرعاً مهما كانت الأسباب والمسوغات، وليس من الإسلام في شيء. والغلو في الدين ظاهرة أصيب بها أتباع الأديان السابقة، وكانت سبب هلاكهم ودمارهم، وهي من علل التدين التي قصها الله علينا ليحذرنا منها فلا نقع بما وقع به غيرنا من الغلو والتطرف والتحريف والتأويل الفاسد والتدين المغشوش، ونحن لا ننكر أن الغلو والتطرف يمكن أن يتسرب إلى بعض جوانب الحياة الإسلامية، ومن السهل على الناظر في التاريخ الإسلامي أن يرى ألواناً من التطرف والغلو، وأن يتعرف أن فترات الرفض والتطرف والخروج هي رؤوس الفتن ذات النقاط السود في تاريخنا، التي أنهكت الأمة، وشلت قواها، وشغلتها عن عدوها ومتابعة أداء رسالتها الإنسانية، لكن المشروعية العليا في حياة المسلمين كانت دائماً للكتاب والسنة، وهما المعيار الدقيق والمقياس المنضبط الذي يجب أن يحكم الأمور.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد .

والمشكلة الخطيرة في معظم الكتابات السابقة عن ما أسمى بظاهرة التطرف، أنها اكتفت بمعالجة آثار الظاهرة وأهملت البحث في أسبابها إلا بعض لمسات خفيفة قد لا تسمن ولا تغني من جوع.

والأخطر من ذلك أيضاً أن معظم هذه الكتابات شاركت فيها أقلام يعوزها الكثير من العلم، ويفتقر أصحابها إلى الحد الأدنى من السلوك الاسلامي، لذلك كان لا بد من تنقية الواقع الثقافي لبعض جوانب العمل الإسلامي، وتصويب التصور وتصحيحه الذي يمكن أن يكون قد شابه شيء بسبب من ردود الفعل، والأخذ بيد الجيل المسلم وترشيده لالتزام المقياس الإسلامي في الحكم على الأشياء وكيفية التعامل معها.

لقد أصبح هذا الأمر ضرورة شرعية ومسؤولية دينية على العلماء العاملين العدول الذين أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم بقوله: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين .

يقول الله تعالى: ((والمُؤمنون والمُؤمِنات بعضُهم أولياءُ بعضٍ يأمُرون بالمعروفِ وينْهوْن عنِ المُنكرِ ويُقيمون الصلاة ويؤْتون الزكاة ويُطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إنّ الله عزيزٌ حكيم )) [التوبة:71 ]، فقضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما هو معلوم حق من حقوق الموالاة في الإسلام.

والأمّة إذ تتقدم بكتابها الثاني - الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف - للأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي، الذي يجمع إلى حسن الفقه والدراية التجربة الميدانية في حقل الدعوة الإسلامية، والذي أثرى المكتبة الإسلامية بمجموعة من الكتب العلمية الأصيلة في بابها ونخص منها بالذكر كتابه القيم فقه الزكاة إلى جانب الكتب الكثيرة الأخرى التي لقيت قبولاً عاماً في العالم الإسلامي، وترجم الكثير منها إلى عدد من لغاته الحية، والتي يتميز مؤلفها بدقة العالم وإشراقة الأديب وحرارة الداعية.

لترجو الله أن يحقق به النفع ويجزل مثوبته للأخ الدكتور القرضاوي، ويلهمنا السداد في الرأي والإخلاص في العمل، والله من وراء القصد.

مقدمة الشيخ القرضاوي

مقــدمــــة

الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى... (أمّا بعد )..

فقد كنت قدمت دراسة سابقة استغرقت مقالين في مجلة الأمة الغرّاء (عددي رمضان وشوال سنة 1401هـ ) تحت عنوان (صحوة الشباب الإسلامي ظاهرة صحية يجب ترشيدها لا مقاومتها )، وكان من فضل الله علي أن نوهت بإيجابيات هذه الصحوة المباركة، ونبهت على سلبياتها، مما أخذه عليها المراقبون والغيورون من الدعاة والمفكرين الإسلاميين، وبيّنت ما يجب أن يتبع مع هؤلاء الشباب، من الحوار العلمي، والتعاطف الأبوي، حتى تكون ثمرة هذه الصحوة للإسلام لا عليه.

ومما أحمد الله عليه أن وجدت هذه الدراسة صدىً واسعاً في العالم الإسلامي، حتى إن بعض المخلصين ترجمها إلى لغات أخرى، كما أن شباب الجامعات الإسلامية أنفسهم، وضعوها موضع الدراسة والاهتمام، على ما فيها من نقد لهم، أو لفئة منهم.

ومما ينبغي الإشادة به:

أن الجماعة الإسلامية بجامعة القاهرة حين أقامت معسكرها الإسلامي التاسع في إجازة الصيف المنصرم (1981م )، تبنت هذه الدراسة ، وطبعتها ووزعتها على المشتركين في المخيم، وعلى غيرهم من الشباب المهتم بأمر الإسلام، وهذا يدل على وعي محمود من هذا الشباب، ومناصرة لخط الاعتدال.

وقد حدث في بعض البلاد الإسلامية أحداث أدّت إلى الاصطدام بهذا الشباب، وانتهت إلى نتائج دموية، لا نخوض فيها، لأنها ذات طابع خاص ليس من منهج الأمة أن تنفخ في ناره، أو تسبح في تياره، فقد التزمت أن تعمل للبناء لا للهدم، وللجمع لا للتفريق، وأن تكون لأمة الإسلام جمعاء، لا لفريق دون فريق.

إنما الذي يهمنا هنا ما أثارته هذه الأحداث من جدل طويل، وحوار ساخن، حول ما سموه التطرف الديني شارك فيه من يحسنون ومن لا يحسنون، ممن لهم بالدين نسب، ومن ليس لهم بالدين صلة إلا صلة الجهل والغباء، أو الخصومة والعداء، أو السخرية والاستهزاء!

ومنذ أشهر طلبت إليّ مجلة العربي أن أسهم في الكتابة عن قضية التطرف الديني وكان المطلوب مني أن أكتب عن حقيقة التطرف وعلاماته.

ولما ظهر المقال في عدد المجلة الخاص ـ يناير 1982م - لا مني بعض الأصدقاء، لأني خضت مع الخائضين في هذا الأمر الذي تُستغل فيه كلمة الحق لتأييد الباطل، وإن لم يعترضوا على مضمون ما كتبت. وقد تشكك هؤلاء الأصدقاء وشككوا في البواعث والأهداف من وراء هذه الحملة التي شنت على التطرف الديني في الآونة الأخيرة، وتساءلوا:

هل المقصود منها مقاومة الغلو والتطرف في الدين حقًا، ورد الغلاة إلى منهج الاعتدال أم لها هدف آخر، مثل ضرب التحرك الإسلامي قبل أن يبلغ أشده ويهيمن على القاعدة الشعبية، ويصبح له دور سياسي بارز؟!

وهم يرون أن الاحتمال الثاني هو الراجح، بدليل أن السلطات لم تلق بالاً للشباب المتدين إلا بعد أن وقف في دور المعارضة للخط الذي تنتهجه الحكومة في كثير من القضايا الكبرى التي يرى فيها خروجاً عن أحكام الإسلام.

ومما يؤكد ذلك عندهم أن بعض الاتجاهات الدينية المتطرفة حقيقة لا دعوى، رحبت بها بعض السلطات وأجهزة الأمن في بعض البلاد، كأنما رأت أن تضرب بها حركات إسلامية أخرى، ثم تضربها هي بعد ذلك، حين ينتهي دورها.

ويقول هؤلاء الإخوة:

هل صحيح أن اصطدام السلطات بالجماعات الإسلامية، كان نتيجة لظهور التطرف الديني فيها؟!

ويجيبون:

لا.. فالسلطة في بلادنا الإسلامية تعتبر الحركة الإسلامية خصمها الأول، وعدوها اللدود، وقد تتحالف أو تتقارب مع اليمين أو اليسار، ولكنها لا تتحالف مع الحركة الإسلامية بحال، قد تهادنها مرحلياً، أو تحاول الصعود على أكتافها، أو ضرب خصومها العقائديين أو السياسيين بها، لتضربها بعد ذلك بهم، وتورطها في معركة لا ناقة لها فيها ولا جمل، ثم سرعان ما تقلب لها ظهر المجن، وتجد الآخرين أقرب إليها منها في الغاية والوسيلة، وصدق الله إذ يقول:

((وإنّ الظالمِين بعْضهم أوْلياءُ بعضٍ والله وليُّ المُتّقين )) [الجاثية:19 ].

ويعزز هؤلاء رأيهم بأن الجماعات الإسلامية في مصر كان يغلب عليها التطرف في سنوات نشأتها الأولى، ثم أخذت تنحو نحو الاعتدال والوسطية في سنواتها الأخيرة، بفضل كثير من المفكرين والدعاة المعتدلين، الذين كان لهم تأثيرهم في تفكير هؤلاء الشبيبة وسلوكهم، حتى أصبح الاعتدال هو السمة البارزة لأغلبهم، فكيف نفسر السكوت عنهم عند غلبة التطرف، وضربهم عندما اتجهوا إلى الاعتدال؟!

وهذه الاعتبارات التي ذكرها الإخوة لم تخف عليَّ، وهي التي جعلتني أبدأ مقالتي لمجلة العربي [تركت المجلة من مقالتي بعض فقرات لها دلالتها وأهميتها في نظري، وإن لم تغير من جوهر الموضوع الذي كتبت ]، بهذه السطور:

برغم اقتناعي بنبل الهدف الذي دفع مجلة العربي لفتح باب الحوار حول ما سمي التطرف الديني وبرغم إيماني بأهمية الموضوع وخطورته في واقعنا المعاصر، لا أخفي على القارئ أنني ترددت أول الأمر في الكتابة فيه، في هذا الوقت خاصة، خشية أن يساء تفسيرها، أو تستغل في غير ما أريد، وما أرادت المجلة نفسها.

وشيء آخر، هو أن التطرف الديني اليوم في قفص الاتهام، والألسنة والأقلام تصوب سهامها إليه من كل جانب، ولا أحب لنفسي أن أكون مع الطرف القوي ضد الطرف الضعيف. والسلطة دائماً هي الطرف القوي، وخصمها المتهم من الأفراد والجماعات هو الضعيف، وحسبه من الضعف أنه لا يملك الدفاع عن نفسه، وكيف يدافع عن نفسه من لا يملك صفحة ولا عموداً في جريدة، ولا موجة في محطة إذاعة ، ولا قناة في تلفاز، حتى منبر المسجد لا يستطيع أن يعتليه دفاعاً عن نفسه!

وزاد من ترددي في البداية، أن العاملين للإسلام منذ عقود من السنين تصب عليهم التهم صباً من قبل خصومهم، فطالما وصفوا بـ الرجعية ودمغوا بـ التعصب ورموا بـ الإرهاب بل اتهموا بـ العمالة مع أن أي مراقب أو دارس يرى ويلمس: أن الشرق والغرب، واليمين واليسار، يعاديهم ويتربص بهم.

ولكني بعد تأمل وتفكر، وجدت القضية تهم العالم الإسلامي كله، ولا تخص بلداً بعينه، ورأيت السكوت ليس حلاً ، ووجدت رفض الدعوة الموجهة إليَّ، لا يسعه ديني، وهو يشبه الفرار من المعركة، لذا فضلت الكتابة، متوكلاً على الله وإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى .

أضف إلى ذلك، أن أقلاماً كثيرة: جاهلة أو حاقدة أو مأجورة، خاضت في الموضوع بغير علم ولا هدى، ولا كتاب منير، فكان على أقلام أهل العلم بالإسلام، أن تبين ولا تكتم، فتأتي البيت من بابه، وتضع الحق في نصابه.

ومما قوى عزمي على الكتابة في الموضوع، أن اهتمامي به ليس ابن اليوم، ولا وليد الأمس، فقد عنيت به من زمن بعيد، ونشرت منذ سنوات، في مجلة المسلم المعاصر عن ظاهرة الغلو في التكفير الذي صدر في رسالة مستقلة فيما بعد، كما نشرت في مجلة الأمة القطرية منذ أشهر دراستي (التي أشرت إليها آنفاً ) عن صحوة الشباب الإسلامي .

فضلاً عن أحاديث طويلة مع كثير من هذا الشباب، خلال السنوات الماضية في مخيماتهم وحلقاتهم، تدور كلها حول محور أساسي، هو الدعوة إلى الاعتدال، والحذر من التطرف ...

غير أن ما كتبته في العربي كان محكوماً بالنقطة التي طلبت مني، وبالمساحة التي تُعطى لمقالة مهما طالت.

لهذا كان لا بد أن أعود إلى الموضوع ظاهرة التطرف الديني لاستكمال دراستها من جوانبها المتعددة: حقيقتها وأسبابها وعلاجها، دراسة علمية موضوعية، من منطلق إسلامي أصيل، لا يخرجه الغضب عن الحق، ولا يدخله الرضى في باطل.

ولا يمنعني من ذلك دخول أصحاب الأهواء في الساحة، ولا استغلال المستغلين لما يكتب أو يقال، فإن الحق أحق أن يقال، وأحق أن يتبع، وفي الحديث: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين .

فهذه مسؤولية أهل العلم: أن يبينوا ولا يكتموا، حتى لا يلعنهم الله ولا يلعنهم اللاعنون.. وبقيت مسؤولية غيرهم من الأطراف الأخرى ذات الصلة بالقضية، فالواقع أن المسؤولين عنها متعددون.

وليس من العدل ولا من الأمانة، أن نُحمِّل الشباب وحدهم مسؤولية ما تورطوا فيه، أو تورط فيه بعضهم من غلو في الفكر، أو تطرف في السلوك.

فمما لا ريب فيه أن كثيرين يحملون معهم ـ بل قبلهم ـ المسؤولية، وإن حاولوا أن يتبرأوا منها. يحملها معهم الآباء المربون، والعلماء والموجهون، والقادة الحاكمون، الذين ينتمون إلى الإسلام بالاسم والعنوان، وإن لم يعطوه حقه من الانقياد والإذعان، فعاش الإسلام بهم غريباً في دياره، وعاش دعاة الإسلام في أوطانهم غرباء.

العجيب أننا ننكر على الشباب التطرف، ولا ننكر على أنفسنا التسيُّب، ننكر على الشباب الإفراط، ولا ننكر على أنفسنا التفريط..

إننا نطالب الشباب بالاعتدال والحكمة، والعدول عن التطرف والتشدد، ولا نطالب الشيوخ والكبار أن يطهروا أنفسهم من النفاق، وألسنتهم من الكذب، وحياتهم من الغش، وأعمالهم من التناقض.

إننا نطالب الشباب بكل شيء، أداء لواجباتهم، ورعاية لحقوق غيرهم، ولكننا في الوقت نفسه لا نطالب أنفسنا بشيء، كأنما لنا كل الحقوق، وعلى الشباب كل الواجبات ، مع أننا نقرر في مناسبات كثيرة: أن كل حق يقابله واجب.

يجب أن نكون شجعانا ونعترف بأن كثيراً من تصرفاتنا هي التي دفعت هذا الشباب دفعاً إلى ما نسميه التطرف ، فنحن ندعي الإسلام ولا نعمل به، ونقرأ القرآن ولا نطبق أحكامه، ونزعم حب الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نتبع سنته، ونسجل في دساتيرنا أن دين الدولة هو الإسلام، ولكننا لا نعطيه حقه في الحكم والتشريع والتوجيه.

لقد ضاق الشباب ذرعاً بنفاقنا وتناقضنا، فمضى وحده في الطريق إلى الإسلام دون عون منا، فقد وجد الآباء له مثبطين، والعلماء عنه مشغولين، والحكام له مناوئين، والموجهين به ساخرين.

ولذا كان علينا أن نبدأ بإصلاح أنفسنا ومجتمعاتنا وفق ما أمر الله، قبل أن نطالب شبابنا بالهدوء، والتزام الحكمة والسكينة والاعتدال. ولا أنسى هنا أن أشير إلى نقطة يركز عليها بعض المسؤولين، وبعض الكاتبين، وهي: واجب المؤسسات الدينية الرسمية ودورها في علاج ظاهرة الغلو، وترشيد الصحوة الشبابية الإسلامية، ويكاد بعضهم يحملها مسؤولية ما حدث ويحدث من تطرفات أو انحرافات.

والحق أقول: إن المؤسسات الدينية الرسمية على أهميتها وعراقتها وسعة قواعدها، لم تعد قادرة على القيام بهذه المهمة المنشودة منها، ما لم ترفع السلطات السياسية أيديها عنها، وعن اتخاذها أداة لتأييد خطواتها، ولساناً للثناء على مواقفها، وعن تقريب رجالها وإبعادهم، تبعاً لموافقتهم على هذا النوع من السلوك أو رفضه.

إن المؤسسات الدينية الكبرى في عالمنا الإسلامي تستطيع أن تسهم بدور إيجابي في توعية الشباب، وتثقيفهم ثقافة نقية من الشوائب والفضول، إذا ترك أمرها لأهلها، ولم يدرها رجال السياسة في فلكهم، تشرق معهم حيث يشرقون ، وتغرب حيث يغربون، وإلاّ فرغت من خيرة أبنائها، وصفوة علمائها، وبهذا تبقى هيكلاً ضخماً بلا روح ولا حياة.

ومما لا ريب فيه أن لا قيمة لأي كلام يقال ما لم يثق الشباب بقائله، فإذا فقدت الثقة، فهو ليس إلا صيحة في واد، ونفخة في رماد.

والواقع اليوم أن جلّ الشباب قد فقد الثقة بهذه المؤسسات، ومن وضع على رأسها من الرجال، لأسباب وملابسات جعلتهم يعتقدون أنها لم تعد تعبر عن كلمة الشرع خالصة مصفاة، بل عن وجهة نظر الحكومة القائمة، فإذا تغيرت غيرت.

وليت هذه المؤسسات تعكف على إصلاح نفسها من الداخل، وترفض الانغماس في دوامة السياسة المحلية المتقلبة، وتجعل أكبر همها تخريج الأجيال من العلماء الفاقهين لدينهم، البصيرين بعصرهم، من ((الذين يُبلِّغون رِسالاتِ الله ويخشونه ولا يخْشون أحداً إلاّ الله )) [الأحزاب:39 ].

إن هذا النوع البصير من علماء الدين، الذين يجمعون بين البصيرة والتقوى، هو الذي تحتاج إليه مجتمعاتنا اليوم، وهو القادر على أن يقوم بمهمته في ترشيد الصحوة الإسلامية.

وأمر آخر هو: أن الذي يعيش مجرد متفرج على الصحوة الإسلامية، أو مجرد ناقد لها، وهو بعيد عنها، وعن معاناتها، والإحساس بآلامها وآمالها، لا يستطيع أن يقوم بدور إيجابي سليم في تسديدها وترشيدها، وقديماً قال الشاعر:

لا يعرف الشوق إلاّ من يكابده

ولا الصبابة إلاّ من يعانيها

فمن لم يعش للإسلام ودعوته، ولم يهتم لقضايا أمته، ولم تشغله همومها ومآسيها، في الشرق والغرب، والشمال والجنوب، وعاش حياته لنفسه ومصالحه الشخصية والأسرية، فليس أهلاً لأن يقول لمن يعيشون للإسلام وبه: أخطأتم فصوِّبوا خطأكم. ولو قال ذلك لم يجد من يسمع له.

نصيحتي لكل من يتصدى لنصح الشباب أن ينزل من برجه العاجي، أو يخرج من صومعته الفكرية ليعايشهم، ويعرف ما يحيون فيه من آمال كبيرة، وعواطف حارة، وعزائم صادقة، وبواعث خيرة، وأعمال صالحة، ليعرف ما لهم من إيجابيات بجوار ما لهم من سلبيات، حتى إذا نصح... نصح على بصيرة، وإذا حكم لهم أو عليهم، حكم علي بينة.

عصمنا الله من الغلو والتفريط، وهدانا صراطه المستقيم...

الفصل الأول

التطرف بين الحقيقة والاتهام

يقول علماء المنطق: الحكم على الشيء فرع عن تصوره، إذ لا يمكن الحكم على المجهول، كما لا يمكن الحكم على شيء مختلف في تحديد ماهيته، وتصوير حقيقته: أي شيء هي؟

لهذا كان علينا بادئ ذي بدء أن نكشف عن معنى التطرف الديني وحقيقته وأبرز علاماته.

والتطرف في اللغة معناه: الوقوف في الطرف، بعيداً عن الوسط، وأصله في الحسيات، كالتطرف في الوقوف أو الجلوس أو المشي، ثم انتقل إلى المعنويات، كالتطرف في الدين أو الفكر أو السلوك.

ومن لوازم التطرف: أنه أقرب إلى المهلكة والخطر، وأبعد عن الحماية والأمان، وفي هذا قال الشاعر:

كانت هي الوسط المحمى فاكتنفت

بها الحوادث، حتى أصبحت طرفاً!

دعوة الإسلام إلى الوسطية وتحذيره من التطرف

والإسلام منهج وسط في كل شيء: في التصور والاعتقاد، والتعبد والتنسك، والأخلاق والسلوك، والمعاملة والتشريع.

وهذا المنهج هو الذي سماه الله الصراط المستقيم وهو منهج متميز عن طرق أصحاب الديانات والفلسفات الأخرى من المغضوب عليهم ومن الضالين الذين لا تخلو مناهجهم من غلو أو تفريط.

و الوسطية إحدى الخصائص العامة للإسلام، وهي إحدى المعالم الأساسية التي ميز الله بها أمته عن غيرها ((كذلِك جعلناكم أمّةً وسطاً لِتكونوا شُهداء على الناس )) [البقرة:143 ]، فهي أمة العدل والاعتدال، التي تشهد في الدنيا والآخرة على كل انحراف يميناً أو شمالاً عن خط الوسط المستقيم.

النصوص الشرعية تعبر عن التطرف بـ الغلو

والنصوص الإسلامية تدعو إلى الاعتدال، وتحذر من التطرف، الذي يعبر عنه في لسان الشرع بعدة ألفاظ منها: الغلو والتنطع و التشديد .

والواقع أن الذي ينظر في هذه النصوص يتبين بوضوح أن الإسلام ينفر أشد النفور من هذا الغلو، ويحذر منه أشد التحذير.

وحسبنا أن نقرأ هذه الأحاديث الكريمة، لنعلم إلى أي حد ينهى الإسلام عن الغلو، ويخوف من مغبته.

1- روى الإمام أحمد في مسنده والنسائي وابن ماجه في سننهما، والحاكم في مستدركه عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إيّاكم والغلو في الدين، فإنما هلك من قبلكم بالغلو في الدين قال شاكر: إسناده صحيح، ونقل المناوي في الفيض: 3/126 عن ابن تيمية قوله: هذا إسناد صحيح على شرط مسلم .

والمراد بمن قبلنا: أهل الأديان السابقة، وخاصة أهل الكتاب، وعلى الأخص: النصارى، وقد خاطبهم القرآن بقوله: ((قل يا أهْل الكتابِ لا تغْلوا في دينكم غيْر الحقِّ ولا تتَّبِعوا أهواء قومٍ قدْ ضلُّوا مِنْ قبل وأضّلُّوا كثيراً وضلُّوا عن سواءٍ السّبيل )) [المائدة:77 ]، فنهانا أن نغلو كما غلوا، والسعيد من اتعظ بغيره.

وسبب ورود الحديث ينبهنا إلى أمر مهم، وهو أن الغلو قد يبدأ بشيء صغير، ثم تتسع دائرته، ويتطاير شرره، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين وصل المزدلفة في حجة الوداع قال: لابن عباس: هلمّ القط لي ـ أي حصيات ليرمي بها في منى ـ قال: فلقطت له حصيات من حصى الخذف - يعني حصى صغاراً مما يخذف به - فلما وضعهن في يده، قال: نعم بأمثال هؤلاء، وإيّاكم والغلو في الدين... الحديث يعني: لا ينبغي أن يتنطعوا فيقولوا: الرمي بكبار الحصى أبلغ من الصغار، فيدخل عليهم الغلو شيئاً فشيئاً، فلهذا حذرهم.

وقال الإمام ابن تيمية: قوله إيَّاكم والغلو في الدين عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، والغلو: مجاوزة الحد... والنصارى أكثر غلوًا في الاعتقاد والعمل من سائر الطوائف، وإياهم نهى الله عن الغلو في القرآن، بقوله تعالى: ((لا تغْلوا في دينِكُم ْ)) [النساء:171 ].

2 - وروى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هلك المتنطعون قالها ثلاثاً. (رواه مسلم، ونسبه السيوطي إلى أحمد وأبي داود أيضا ً).

قال الإمام النووي: أي المتعمقون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم.

ونلاحظ أن هذا الحديث والذي قبله جعلا عاقبة الغلو والتنطع هي الهلاك، وهو يشمل هلاك الدين والدنيا، وأي خسارة أشد من الهلاك، وكفى بهذا زجراً.

3 - وروى أبو يعلى في مسنده عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: لا تشددوا على أنفسكم، فيشدّد عليكم، فإن قوماً شددوا على أنفسهم، فشُدد عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات: رهْبانِيّةً ابتدعُوها ما كتَبْناها عليهِمْ )) [ذكره ابن كثير تفسير سورة الحديد ].

ومن أجل ذلك قاوم النبي صلى الله عليه وسلم كل اتجاه ينزع إلى الغلو في التدين، وأنكر على من بالغ من أصحابه في التعبد والتقشف، مبالغة تخرجه عن حد الاعتدال الذي جاء به الإسلام، ووازن به بين الروحية والمادية، ووفق بفضله بين الدين والدنيا، وبين حظ النفس من الحياة وحق الرب في العبادة، التي خلق لها الإنسان.

فقد شرع الإسلام من العبادات ما يزكي نفس الفرد، ويرقى به روحياً ومادياً، وما ينهض بالجماعة كلها، ويقيمها على أساس من الأخوة والتكافل، دون أن يعطل مهمة الإنسان في عمارة الأرض، فالصلاة والزكاة والصيام والحج، عبادات فردية واجتماعية في نفس الوقت، فهي لا تعزل المسلم عن الحياة ولا عن المجتمع، بل تزيده ارتباطاً به، شعورياً وعملياً، ومن هنا لم يشرع الإسلام الرهبانية التي تفرض على الإنسان العزلة عن الحياة وطيباتها، والعمل لتنميتها وترقيتها، بل يعتبر الأرض كلها محراباً كبيراً للمؤمن، ويعتبر العمل فيها عبادة وجهاداً، إذا صحت فيه النية، والتزمت حدود الله تعالى.

ولا يقر ما دعت إليه الديانات والفلسفات الأخرى من إهمال الحياة المادية لأجل الحياة الروحية، ومن حرمان البدن وتعذيبه حتى تصفو الروح وترقى، ومن إهدار شأن الدنيا من أجل الآخرة، فقد جاء بالتوازن في هذا كله ((ربَّنا آتِنا في الدُّنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً )) [البقرة:201 ]. اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي [رواه مسلم في صحيحه ] إنّ لبدنك عليك حقًّا [متفق عليهٍ ].

لقد أنكر القرآن، بل شدد النكير، على أصحاب هذه النزعة في تحريم الطيبات والزينة التي أخرج الله لعباده، فقال تعالى في القرآن المكي: ((يا بني آدم خُذوا زينتكم عِند كلِّ مسجدٍ وكُلوا واشربوا ولا تُسرفوا إنّه لا يُحبُّ المُسرفين. قُل مَنْ حرّم زينة اللهِ التي أخرج لِعبادهِ والطّيِّبات من الرِّزْق ِ)) [الأعراف:31 ].

وفي القرآن المدني يخاطب الجماعة المؤمنة بقوله: (( يا أيُّها الذين آمنوا لا تُحرِّموا طيِّباتِ ما أحلّ الله لكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يُحبُّ المعتدين وكلوا ممَّا رزقكم الله حلالاً طيِّباً واتّقوا الله الذي أنتم به مؤمنون )) [المائدة:87،88 ].

وهاتان الآيتان الكريمتان تبينان للجماعة المؤمنة حقيقة منهج الإسلام في التمتع بالطيبات، ومقاومة الغلو الذي وجد في بعض الأديان، فقد روي في سبب النزول أن رهطاً من الصحابة قالوا: نقطع مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض كالرهبان! وروى أن رجالاً أرادوا أن يتبتلوا أو يخصوا أنفسهم ويلبسوا المسوح (ملابس الرهبان ) فنزلت..

وجاء عن ابن عبّاس: أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا رسول الله إنّي إذا أكلت من هذا اللحم انتشرت للنساء، وإني حرمت عليّ اللحم. فنزلت: ((يا أيُّها الذين آمنوا لا تُحرِّموا )) [ذكر هذه الروايات ابن كثير في تفسيره ].

وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر، فكأنهم تقالُّوها (أي عدّوها قليلة ) فقال بعضهم: لا آكل اللحم.. وقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا، لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سُنتي فليس مِني .

وسنته ـ عليه الصلاة والسلام ـ تعني منهجه في فهم الدين وتطبيقه، وكيف يعامل ربه عز وجل، ويعامل نفسه وأهله والناس من حوله - معطياً كل ذي حقٍ حقَّه، في توازن واعتدال.

العيوب والآفات الملازمة للغلو في الدين

وما كان هذا التحذير من التطرف والغلو إلاّ لأن فيه عيوباً وآفات أساسية تصاحبه وتلازمه. منها:

العيب الأول:

أنه منفِّر لا تحتمله طبيعة البشر العادية، ولا تصبر عليه، ولو صبر عليه قليل منهم لم يصبر عليه جمهورهم، والشرائع إنما تخاطب الناس كافة، لا فئة ذات مستوى خاص، ولهذا غضب النبي صلى الله عليه وسلم على صاحبه الجليل معاذ حين صلى بالناس فأطال حتى شكاه أحدهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له: أفتان أنت يا معاذ؟! وكررها ثلاثاً [رواه البخاري ].

وفي واقعة مماثلة قال للإمام في غضب شديد لم يغضب مثله: إن منكم منفرين... من أَمَّ بالناس فليتجوز، فإن خلفه الكبير والضعيف وذا الحاجة [رواه البخاري ].

ولهذا لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً وأبا موسى إلى اليمن أوصاهما بقوله: يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا ... [متفق عليه ].

وقال عمر رضي الله عنه: لا تبغِّضوا لله إلى عباده، فيكون أحدكم إماماً فيطول على القوم الصلاة حتى يبغِّض إليهم ما هم فيه .

والعيب الثاني:

أنه قصير العمر، والاستمرار عليه في العادة غير متيسر، فالإنسان ملول، وطاقته محدودة، فإن صبر يوماً على التشدد والتعسير، فسرعان ما تكل دابته أو تحرن عليه مطيته في السير. . وأعني بهما جهده البدني والنفسي ، فسيأم ويدع العمل حتى القليل منه. أو يأخذ طريقاً آخر، على عكس الطريق الذي كان عليه.. أي ينتقل من الإفراط إلى التفريط، ومن التشدد إلى التسيب، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.

وكثيراً ما رأيت أناساً عرفوا بالتشدد والتطرف حيناً، ثم غبت عنهم أو غابوا عني زمناً فسألت عنهم بعد، فإما ساروا في خط آخر، وانقلبوا على أعقابهم، والعياذ بالله. . وإما قد فتروا وانقطعوا كالمنبت الذي جاء ذكره في الحديث فلا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى [رواه البزار عن جابر بإسناد ضعيف ] يريد بالمنبت الذي انقطع عنه رفقته بعد أن أجهد دابته.

ومن هنا كان التوجيه النبوي بقوله صلى الله عليه وسلم : اكلفوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا.. وإنّ أحبّ العمل إلى الله أدومه وإن قل [رواه الشيخان وأبو داود والنسائي عن عائشة رضي الله عنها ].

وعن ابن عباس قال: كانت مولاة للنبي صلى الله عليه وسلم تصوم النهار وتقوم الليل فقيل له: إنها تصوم النهار وتقوم الليل! فقال صلى الله عليه وسلم: إن لكل عمل شِرَّة (حدة ونشاطاً ) ولكل شرة فترة (استرخاء وفتوراً ) فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد ضل [رواه البزار ورجاله رجال الصحيح ].

وروى أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجال ينصبون في العبادة من أصحابه نصباً شديداً، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم : تلك ضراوة الإسلام وشرته، ولكل ضراوة شرّة، ولكل شرّة فترة.. فمن كانت فترته إلى الكتاب والسنة فلآمّ ما هو.. ومن كانت فترته إلى معاصي الله فذلك الهالك (قال شاكر: إسناده صحيح )، ومعنى لأمّ ما هو أي يرجع إلى أصل ثابت عظيم أشار إليه بكلمة آم وتنكيرها دلالة التعظيم، وعلى الفتح أم من القصد.. أي قصد الطريق المستقيم.

(وفي رواية الطبراني لهذا الحديث:... فمن كانت فترته إلى اقتصاد، فنعم ما هو... ومن كانت فترته إلى المعاصي فأولئك هم الهالكون ).

وما أجمل الوصية النبوية العامة لكل المكلفين: الوصية بالقصد والاعتدال، وأن لا يحاولوا أن يغالبوا الدين، فيغلبهم، وأن يقاوموه بشدة، فيقهرهم، فقال صلى الله عليه وسلم: إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلاّ غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا... [رواه البخاري والنسائي عن أبي هريرة ].

وقال العلامة المناوي في شرحه: يعني لا يتعمق أحد في العبادة ويترك الرفق كالرهبان، إلاّ عجز، فيغلب.. فسدِّدوا أي: الزموا السداد، وهو الصواب بلا إفراط ولا تفريط.. وقاربوا أي: إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه وأبشروا أي: بالثواب على العمل الدائم وإن قل. أهـ .

والعيب الثالث:

أنه لا يخلو من جور على حقوق أخرى يجب أن تُرعى، وواجبات يجب أن تؤدى.. وما أصدق ما قاله أحد الحكماء: ما رأيت إسرافاً إلاّ وبجانبه حق مضيع... وقال صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو حين بلغه انهماكه في العبادة انهماكا أنساه حق أهله عليه: ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟

قال عبد الله: فقلت بلى يا رسول الله.. فقال صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم. فإن لجسدك عليك حقاً.. وإن لعينيك عليك حقاً.. وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزورك (زوَّارك ) عليك حقاً.. [رواه البخاري في كتاب الصوم ].

يعني: فأعط كل ذي حق حقه، ولا تغلّ في ناحية على حساب أخرى.

وكذلك قال الصحابي الفقيه سلمان الفارسي لأخيه العابد الزاهد أبي الدرداء، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بينهما، فزادت بينهما الألفة، وسقطت الكلفة، فزار سلمان أبا الدرداء، فوجد أم الدرداء - زوجته - متبذلة (يعني: لابسة ثياب البذلة والمهنة لا ثياب الزينة والتجمل كما تفعل المرأة المتزوجة ) فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا! فجاء أبو الدرداء فرحب بسلمان، وقرب إليه طعاماً فقال: كل، فإني صائم! فقال سلمان: ما أنا بآكل حتى تأكل. وفي رواية البزار: أقسمت عليك لتفطرن... قال: فأكل... فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم... فقال سلمان: نم.. فنام. ثم ذهب ليقوم، فقال سلمان له: نم، فلما كان آخر الليل قال سلمان: قم الآن... فصلَّيا، فقال له سلمان: إن لربك عليك حقاً، ولنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه... فأتى أبو الدرداء النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر ذلك له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : صدق سلمان. [رواه البخاري والترمذي ] وفي رواية ابن سعد أنه صلى الله عليه وسلم قال: لقد أشبع سلمان علماً... .

ولكن ما معنى التطرف الديني؟ وما المقصود به الآن؟ وما معالمه؟ ومتى يعتبر المرء متطرفاً دينياً؟!

تحديد مفهوم التطرف الديني. وعلى أي أساس يقوم؟

إن بيان هذا التطرف وتحديد المراد به بعلم وبصيرة، هو الخطوة الأولى في طريق العلاج، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة.

ولا قيمة لأي بيان أو حكم هنا ما لم يكن مستنداً إلى المفاهيم الإسلامية الأصيلة، وإلى النصوص والقواعد الشرعية الثابتة، لا إلى الآراء المجردة، وقول فلان أو علان من النّاس، فلا حجة في قول أحد دون الله ورسوله، قال تعالى: ((فإن تنازعتُم في شيءٍ فرُدُّوه إلى اللهِ والرسولِ إنْ كُنتم تُؤمِنون باللهِ واليومِ الآخِرِ )) [النساء:59 ]، وقد اتفقت الأمة، سلفها وخلفها، على أن الرد إلى الله تعالى يعني: الرد إلى كتابه، والرد إلى رسوله صلى الله عليه وسلم يعني: الرد إلى سنته عليه الصلاة والسلام.

وبدون هذا التوثيق الشرعي لن يُعير الشباب المتهم بالتطرف التفاتاً إلى فتوى هذا أو مقال ذاك، وسيضربون عرض الحائط بهذا الاتهام الذي ينكرونه، ويتهمون موجهيه بالتزييف، وتسمية الأشياء بغير أسمائها. وقديماً قيل: إن الإمام محمد بن إدريس الشافعي، وهو من هو في أهل السنة، نسبت إليه تهمة الرفض فضاق بهذا الاتهام الرخيص، وقال متحدياً:

إن كان رفضاً حب آل محمد

فليشهد الثقلان أنِّي رافِضي

وحديثاً قال أحد الدعاة: اللهم إن كان المتمسك بالكتاب والسنة رجعياً، فأحيني اللهم رجعياً، وأمتني رجعياً، واحشرني في زمرة الرجعيين!

والواقع أن تحديد مفاهيم مثل هذه الكلمات الشائعة الرجعية الجمود التطرف التعصب ونحوها، أمر في غاية الأهمية، حتى لا تترك مادة هلامية رجراجة، يستخدمها كل فريق كما يحلو له، وتتناولها القوى الفكرية والاجتماعية المختلفة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، فيفسرها كل بما شاء وكيف شاء. .

وهنا نجد أننا لو تركنا تحديد مفهوم التطرف الديني لآراء الناس وأهوائهم لتفرقت بنا السبل، تبعاً للأهواء التي لا تتناهى ((ولوْ اتّبع الحقُّ أهواءهُم لفَسدتِ السماوات والأرض ومَنْ فيهن َّ)) [المؤمنون:71 ].

ملاحظتان مهمتان

وأود أن أنبه هنا إلى ملاحظتين جديرتين بالاهتمام في موضوعنا:

الملاحظة الأولى:

أن مقدار تدين المرء، وتدين المحيط الذي يعيش فيه، من حيث القوة والضعف، له أثره في الحكم على الآخرين، بالتطرف أو التوسط أو التسيب.

فمن المشاهد أن من كانت جرعته من التدين قوية، وكان الوسط الذي نشأ فيه شديد الالتزام بالدين، يكون مرهف الحس لأي مخالفة أو تقصير يراه، حتى إنه ليعجب أن يوجد مسلم لا حظّ له من قيام الليل، أو صيام النهار، وفي هذا ورد القول المأثور:

حسنات الأبرار، سيئات المقربين .

ويحضرني هنا ما قاله أنس بن مالك لمعاصريه من التابعين: إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدّها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات!

وكانت عائشة رضي الله عنها تنشد بيت لبيد بن ربيعة:

ذهب الذين يعاش في أكنافهم

وبقيت في خلف كجلد الأجرب!

وتقول: رحم الله لبيداً، كيف لو عاش إلى زماننا هذا؟ وكان ابن أختها عروة بن الزبير، وقد عاش بعدها زمناً، ينشد البيت، ويقول: رحم الله لبيداً وعائشة، كيف لو عاشا إلى زماننا هذا؟!

وفي مقابل هذا نجد الشخص الذي قل زاده من التدين علماً وعملاً، أوعاش في محيط تجرأ على محارم الله وتنكر لشرائعه، يعتبر التمسك بالحد الأدنى من الدين ضرباً من التعصب أو التشدد.

وكلما زادت مسافة البعد بينه وبين الدين، زاد استغرابه بل إنكاره، بل اتهامه لكل من يستمسك بعروة الدين، ويلجم نفسه بلجام التقوى، ويسأل في كل شيء يعرض له أو يعرض عليه: حلال هو أم حرام؟

وكثير من أولئك الذين يعيشون في أوطاننا بأسماء إسلامية، وعقول غربية، يعتبرون مجرد الالتزام بأوامر الله ونواهيه تطرفاً دينياً!

وكثير ممن غزته الأفكار والتقاليد الأجنبية يعتبر الذين يتمسكون بآداب الإسلام في المأكل والمشرب والملبس والزينة ونحوها، غاية في التطرف والتعصب!

لقد رأينا من يعد إطلاق اللحية من الفتى، أو التزام الحجاب من الفتاة، تطرفاً في الدين!

ورأينا من يعتبر الدعوة إلى تحكيم شريعة الله، وإقامة دولة الإسلام في أرض الإسلام، تطرفاً في الدين!

ورأينا من يرى الغيرة على الدين وحرماته، والأمر بالمعروف إذا ضُيِّع ،والنهي عن المنكر إذا وقع، تطرفاً في الدين، وتدخلاً في الحرية الشخصية للآخرين!

ورأينا من يرى أن اعتبار الآخرين من غير المؤمنين بدينه كفاراً، تعصب وتطرف، مع أن أساس الإيمان الديني أن يعتقد المؤمن أنه على حق، وأن مخالفه على باطل، ولا مجاملة في هذه الحقيقة.

والملاحظة الثانية:

أنه ليس من الإنصاف أن نتهم إنساناً بالتطرف في دينه لمجرد أنه اختار رأياً من الآراء الفقهية المتشددة، ما دام يعتقد أنه الأصوب والأرجح، ويرى أنه ملزم به شرعاً، ومحاسب عليه ديناً، وإن كان غيره يرى رأيه مرجوحاً أو ضعيفاً، لأنه ليس مسؤولاً إلاّ عما يراه ويعتقده هو، وإن شدد بذلك على نفسه، بل حسبه أن يرى أن ذلك هو الأفضل والأورع، وإن لم يكن فرضاً ولا واجباً، إذ كانت همته لا تقف عند حد الفرائض، وإنما يتقرب إلى الله تعالى بالنوافل حتى يحبه.

ومن حقائق الحياة، أن الناس يتفاوتون في هذه القضية، فمنهم المتساهل الميسر، ومنهم المتشدد المعسر، وقد كان في الصحابة المترخص كابن عبّاس، والمتشدد كابن عمر رضي الله عنهم.

ويكفي المسلم في هذا المقام أن يستند رأيه الذي تبناه إلى مذهب من المذاهب المعتبرة عند المسلمين، أو يعتمد على اجتهاد صحيح قائم على استدلال شرعي سليم؛ فإذا كان هناك من أئمة المذاهب المتبوعة من يقول بوجوب إعفاء اللحية وتركها وحرمة حلقها، فهل يوصف بالتطرف من اقتنع بهذا المذهب وأخذ به، وطبقه على نفسه لأنه خالف رأيي ورأيك ورأي زيد وعمر من العلماء، ولا سيما المعاصرين؟ وهل من حقنا أن نصادر حق امرئ في ترجيح رأي على آخر، وخاصة أنه يتصل بحياته وسلوكه هو، لا بحياة غيره.

إن جماً غفيراً من علماء السلف والخلف، رأوا أن على المرأة المسلمة أن تستر جميع بدنها ما عدا وجهها وكفيها، فقد اعتبروهما مما استثني في قوله تعالى: ((ولا يُبْدين زينتهُنّ إلاّ ما ظهر مِنْها )) [النور: 31 ]، وأكدوا ذلك بأحاديث ووقائع وآثار.. ورجح ذلك كثيرون من علماء عصرنا، وأنا منهم.

ولكن عدداً آخر من العلماء المرموقين، ذهبوا إلى أن الوجه والكفين عورة يجب سترها، واستدلوا على ذلك بنصوص من القرآن والحديث والآثار، وأخذ بقولهم كثيرون من علماء هذا العصر، وخصوصاً في باكستان والهند والسعودية وأقطار الخليج، وأرسلوا نداءاتهم إلى كل فتاة تؤمن بالله وباليوم الآخر، أن تلبس النقاب، ليستر وجهها، والقفاز ليستر يديها.

فهل تدمغ بالتطرف فتاة أو سيدة آمنت بهذا المذهب، واعتبرته جزءاً من دينها؟ أو يدمغ به رجل دعا إلى ذلك ابنته أو زوجته فاستجابت؟ وهل يحق لنا أن نجبر هذا أو ذاك أو تلك على التنازل عما يعتقده شرع الله، ونلزمه أن يبيع الجنة ويشتري النار إرضاءاً لخاطرنا، وفراراً من تهمة التطرف؟

ومثل ذلك يقال فيمن يتبنى الآراء المتشددة في الغناء والموسيقي والرسم والتصوير وغيرها، مما يخالف اجتهادي شخصياً في هذه الأمور، واجتهاد عدد من علماء العصر البارزين، ولكنه يتفق مع العديد من علماء المسلمين، متقدمين ومتأخرين ومعاصرين.

والواقع أن كثيراً مما ينكر على من نسميهم المتطرفين مما قد يعتبر من التشدد والتنطع، له أصل شرعي في فقهنا وتراثنا، تبناه بعض العلماء المعاصرين، ودافعوا عنه ودعوا إليه، فاستجاب لهم من الشباب المخلص من استجاب، رجاء في رحمة الله تعالى وخوفاً من عذابه، وذلك كلبس الثوب (الجلباب ) بدل القميص والبنطلون، وتقصيره إلى ما فوق الكعبين، والامتناع عن مصافحة النساء، وغيرها.

ومن هنا لا نستطيع أن ننكر على مسلم، أو نتهمه بالتطرف، لمجرد أنه شدد على نفسه، وأخذ من الآراء الفقهية بما يراه أرضى لربه، وأسلم لدينه، وأحوط لآخرته.

وليس من حقنا أن نجبره على التنازل عن رأيه ونطالبه بسلوك يخالف معتقده. كل ما نملكه أن ندعوه بالحكمة، ونحاوره بالحسنى، ونقنعه بالدليل، عسى أن يدخل فيما نراه أهدى سبيلاً، وأقوم قيلاً.

مظاهر التطــــرف

فما التطرف إذن، وما دلائله ومظاهره؟

التعصب للرأي وعدم الاعتراف بالرأي الآخر:

1- إن أولى دلائل التطرف: هي التعصب للرأي تعصباً لا يعترف معه للآخرين بوجود، وجمود الشخص على فهمه جموداً لا يسمح له برؤية واضحة لمصالح الخلق، ولا مقاصد الشرع، ولا ظروف العصر، ولا يفتح نافذة للحوار مع الآخرين، وموازنة ما عنده بما عندهم، والأخذ بما يراه بعد ذلك أنصع برهاناً، وأرجح ميزاناً.

ونحن هنا ننكر على صاحب هذا الاتجاه ما أنكرناه على خصومه ومتهميه، وهو محاولة الحجر على آراء المخالفين وإلغائها.

أجل، إنما ننكر عليه حقاً، إذا أنكر الآراء المخالفة ووجهات النظر الأخرى، وزعم أنه وحده على الحق، ومن عداه على الضلال، واتهم من خالفه في الرأي بالجهل واتباع الهوى، ومن خالفه في السلوك بالفسوق والعصيان، كأنه جعل من نفسه نبياً معصوماً، ومن قوله وحياً يوحى! مع أن سلف الأمة وخلفها قد أجمعوا على أن كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك، إلاّ النبي صلى الله عليه وسلم .

والعجيب أن من هؤلاء من يجيز لنفسه أن يجتهد في أعوص المسائل، وأغمض القضايا، ويفتي فيها بما يلوح له من رأي، وافق فيه أو خالف، ولكنه لا يجيز لعلماء العصر المتخصصين، منفردين أو مجتمعين، أن يجتهدوا في رأي يخالف ما ذهب إليه.

ومنهم من يخرج بآراء وتفسيرات لدين الله، هي غاية في العجب، لا يبالي أن يشذ فيها عن كافة السابقين واللاحقين، والمحدثين والمعاصرين، لأن رأسه برأس أبي بكر، وعمر، وعليّ، وابن عبَّاس رضي الله عنهم ، فهو رجل وهم رجال! وليته يعدي هذه الرجولة والفحولة إلى غيره من معاصريه، من لا يرى رأيه، ولا يتبع نهجه من أهل العلم، بيد أنه لا يتعدى نفسه، وكل الصيد في جوف الفرا!

فهذا التعصب المقيت الذي يثبت المرء فيه نفسه، وينفي كل من عداه، هو الذي نراه من دلائل التطرف حقاً، فالمتطرف كأنما يقول لك: من حقي أن أتكلم.. ومن واجبك أن تسمع.. ومن حقي أن أقود.. ومن واجبك أن تتبع.. رأيي صواب لا يحتمل الخطأ، ورأيك خطأ لا يحتمل الصواب.. وبهذا لا يمكن أن يلتقي بغيره أبداً، لأن اللقاء يمكن ويسهل في منتصف الطريق ووسطه، وهو لا يعرف الوسط ولا يعترف به، فهو مع الناس كالمشرق والمغرب، لا تقترب من أحدهما إلا بمقدار ما تبتعد من الآخر.

ويزداد الأمر خطورة حين يراد فرض الرأي على الآخرين بالعصا الغليظة، والعصا الغليظة هنا قد لا تكون من حديد ولا خشب، فهناك الاتهام بالابتداع أو بالاستهتار بالدين، أو بالكفر والمروق - والعياذ بالله - فهذا الإرهاب الفكري أشد تخويفاً وتهديداً من الإرهاب الحسي.

إلزام جمهور النَّاس ، بما لم يلزمهم الله به

2- ومن مظاهر التطرف الديني: التزام التشديد دائماً، مع قيام موجبات التيسير، وإلزام الآخرين به، حيث لم يلزمهم الله به، إذ لا مانع أن يأخذ المرء لنفسه بالأشد في بعض المسائل، وبالأثقل في بعض الأحوال، تورعاً واحتياطاً، ولكن لا ينبغي أن يكون هذا ديدنه دائماً وفي كل حال، بحيث يحتاج إلى التيسير فيأباه، وتأتيه الرخصة فيرفضها، مع قوله صلى الله عليه وسلم : يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا وقوله: إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته وقوله تعالى: ((يُريد الله بِكُم اليُسْر ولا يُريدُ بِكُم العُسْر )) [البقرة: 158 ]، و ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلاّ اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما ً.

وقد يقبل من المسلم أن يشدد على نفسه، ويعمل بالعزائم، ويدع الرخص والتيسيرات في الدين، ولكن الذي لا يقبل منه بحال أن يلزم بذلك جمهور الناس، وإن جلب عليهم الحرج في دينهم،والعنت في دنياهم، مع أن أبرز أوصاف الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في كتب الأقدمين، أنه ((يُحِلّ لهم الطيبات ويُحرِّم عليهم الخبائث ويَضعُ عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم )) [الأعراف:156 ].

ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أطول الناس صلاة إذا صلى لنفسه، حتى إنه كان يقوم بالليل فيطيل القيام حتى تتفطر أو تتورم قدماه عليه الصلاة والسلام، ولكنه كان أخف الناس صلاة إذا صلى بالناس، مراعياً ظروفهم وتفاوتهم في الاحتمال، وقال: إذا صلى أحدكم بالنّاس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما يشاء [رواه البخاري ].

وعن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رجل: يا رسول الله، إني لأتأخر عن الصلاة في الفجر مما يطيل بنا فلان فيها، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما رأيته غضب في موضع كان أشد غضباً منه يومئذ ثم قال: يا أيها الناس إن منكم منفرين، فمن أمّ بالنّاس فليتجوز، فإن خلفه الضعيف والكبير وذا الحاجة .

وقال لمعاذ لما أطال الصلاة بالقوم: أفتَّان أنت يا معاذ؟! وكررها ثلاثا ً.

وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي، مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه [رواه البخاري ].

ومن التشديد على الناس محاسبتهم على النوافل والسنن كأنها فرائض، وعلى المكروهات كأنها محرمات، والمفروض ألاّ نلزم الناس إلاّ بما ألزمهم الله تعالى به جزماً، وما زاد على ذلك فهم مخيرون فيه، إن شاءوا فعلوا، وإن شاءوا تركوا.

وحسبنا هنا حديث طلحة بن عبيد الله في الصحيح، في قصة ذلك الأعرابي الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم، عما عليه من فرائض، فأخبره بالصلوات الخمس وبالزكاة ، وبصوم رمضان، فقال: هل عليّ غيرها؟ فقال لا، إلاّ أن تطوع، فلما أدبر الرجل قال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق .

ولطالما قلت: إن بحسبنا من المسلم في هذا العصر أن يؤدي الفرائض، ويجتنب الكبائر، لنعتبره في صف الإسلام وأنصاره، ما دام ولاؤه لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وإن ألمّ ببعض الصغائر من المحرمات، فعنده من الحسنات مثل: الصلوات الخمس، وصلاة الجمعة، وصيام رمضان وغيرها، ما يكفر عنه هذه الصغائر ((إنّ الحسناتِ يُذْهِبن السيِّئات )) [هود:114]، ((إنْ تجتنبوا كبائِر ما تُنهون عنْه نُكفِّر عنكم سيئاتِكم ونُدخلكم مدخلاً كريماً )) [النساء:31 ].

فكيف نسقط اعتبار المسلم بمجرد الوقوع فيما اختلف فيه من الأمور: أهو حرام أم حلال؟ ولم يعلم تحريماً يقيناً من دين الله؟ أو ترك ما اختلف فيه: أهو واجب أم سنة؟ ولم نعلم فرضيته جزماً في شرع الله؟ ومن هنا أنكرت على بعض المتدينين تبنيهم بصفة دائمة ومطلقة لخط التشدد والتزمت، والتزام أشد الآراء تضييقاً، وأقربها إلى التعسير، وأبعدها عن السعة والتيسير، ولم يكفهم أن يلتزموا ذلك في أنفسهم، وإن أعنتهم وأحرجهم، بل أرادوا أن يلزموا بذلك سائر الناس، وأي عالم خرج عن هذا الخط، داعياً إلى التيسير، أو مفتياً بما هو أرفق لهم وبما يرفع الحرج عنهم، في ضوء مقاصد الشريعة وأحكامها، وضع عندهم في قفص الاتهام!

التشــديد في غير محله

3 - ومما ينكر من التشديد أن يكون في غير مكانه وزمانه، كأن يكون في غير دار الإسلام وبلاده الأصلية، أو مع قوم حديثي عهد بإسلام، أو حديثي عهد بتوبة.

فهؤلاء ينبغي التساهل معهم في المسائل الفرعية، والأمور الخلافية، والتركيز معهم على الكليات قبل الجزئيات، والأصول قبل الفروع، وتصحيح عقائدهم أولاً، فإذا اطمأن إليها دعاهم إلى أركان الإسلام، ثم إلى شعب الإيمان، ثم إلى مقامات الإحسان.

ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن قال له:

إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افتر عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم... (الحديث متفق عليه ).

فانظر كيف أمره أن يتدرج في دعوتهم، فيبدأ بالأساس، وهو الشهادتان: الشهادة لله بالوحدانية ولمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة، ثم إذا استجابوا دعاهم إلى الركن الثاني، وهو الصلاة، فإن أطاعوا انتقل إلى الركن الثالث، وهو الزكاة... وهكذا.

ولقد راعني أن وجدت بعض الشباب المخلصين من بعض الجماعات الإسلامية في أمريكا، قد أثاروا جدلاً عنيفاً في أحد المراكز الإسلامية، لأن المسلمين يجلسون على الكراسي في محاضرات السبت والأحد، ولا يجلسون على الحصير أو السجاد كما يجلس أهل المساجد، ولأنهم لا يتجهون في جلوسهم إلى القبلة، كما هو أدب المسلم، وأنهم يلبسون البنطلونات لا الجلاليب البيض، ويأكلون على المناضد لا على الأرض... الخ.

وقد غاظني هذا النوع من التفكير والسلوك في قلب أمريكا الشمالية، وقلت لهم: أولى بكم في هذا المجتمع اللاهث وراء المادة، أن تجعلوا أكبر همكم الدعوة إلى توحيد الله تعالى وعبادته، والتذكير بالدار الآخرة، وبالقيم الدينية العليا، وتحذِّروا من الموبقات التي غرقت فيها المجتمعات المتقدمة مادياً في عصرنا، أما الآداب والمكملات التحسينية في الدين، فمكانها وزمانها بعد تمكين الضروريات والأساسيات وتثبيتها.

وفي مركز إسلامي آخر، وجدتهم أقاموا الدنيا وأقعدوها من أجل عرض فيلم تاريخي أو تعليمي في المسجد، وقالوا: قد حوّلوا المسجد إلى سينما! ونسي هؤلاء أن المسجد وضع لمصلحة المسلمين الدينية والدنيوية، وقد كان في عهد النبوة دار الدعوة ومركز الدولة، ومحور النشاط في المجتمع، ولا يجهل أحد ما رواه البخاري وغيره من إذن النبي صلى الله عليه وسلم للحبشة أن يلعبوا بحرابهم في قلب مسجده الشريف، وسماحه لعائشة رضي الله عنها أن تنظر إليهم وهم يلعبون.

الغلظــــة والخشــــونة

4 - ومن مظاهر التطرف: الغلظة في التعامل، والخشونة في الأسلوب، والفظاظة في الدعوة، خلافاً لهداية الله تعالى، وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم.

فالله تعالى يأمرنا أن ندعو إلى الله بالحكمة لا بالحماقة،وبالموعظة الحسنة، لا بالعبارة الخشنة، وأن نجادل بالتي هي أحسن ((ادْع إلى سبيلِ ربِّك بالحكمة والموعِظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن )) [النحل:125 ].

ووصف رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: ((لقدْ جاءكُمْ رسولٌ منْ أنفسِكم عزيزٌ عليه ما عنِتُّم حريصٌ عليكم بالمؤمِنين رؤوفٌ رحيم )) [التوبة:128 ].

وخاطب رسوله مبيناً علاقته بأصحابه: ((فَبِما رحمةٍ مِنَ الله لِنْت لهمْ ولوْ كُنْت فظًّا غلِيظ القلْبِ لانْفضُّوا مِنْ حولك )) [آل عمران: 159 ].

ولم يذكر القرآن الغلظة والشدة إلاّ في موضعين:

1- في قلب المعركة ومواجهة الأعداء، حيث توجب العسكرية الناجحة، الصلابة عند اللقاء، وعزل مشاعر اللين حتى تضع الحرب أوزارها، وفي هذا يقول تعالى: ((قاتِلوا الذين يَلونكم مِن الكُفَّار ولْيجدوا فيكم غِلظة ً)) [التوبة:123 ].

2- والثاني في تنفيذ العقوبات الشرعية على مستحقيها، حيث لا مجال لعواطف الرحمة في إقامة حدود الله في أرضه: ((ولا تأخُذكم بِهما رأفةٌ في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر )) [النور:2 ].

أما في مجال الدعوة، فلا مكان للعنف والخشونة، وفي الحديث الصحيح: إن الله يحب الرفق في الأمر كله ، وفي الأثر: من أمر بمعروف، فليكن أمره بمعروف ، وقال صلى الله عليه وسلم : ما دخل الرفق في شيء إلاّ زانه، ولا دخل العنف في شيءٍ إلاّ شانه .

ولا شيء يشينه العنف إذا دخله، مثل الدعوة إلى الله، فإنها تحاول أن تدخل إلى أعماق الإنسان، لتجعل منه شخصاً ربانياً في مفاهيمه ومشاعره وسلوكه، وتبدل كيانه كله وتنشئ منه خلقاً آخر، فكراً وشعوراً وإرادة، كما أنها تهز كيان الجماعة هزاً، لتغير عقائدها المتوارثة، وتقاليدها الراسخة، وأخلاقها المتعارفة، وأنظمتها السائدة. .

وهذا كله لا يمكن أن يتم إلاّ بالحكمة وحسن التأتي للأمور، والمعرفة بطبيعة الإنسان وعناده، وجموده على القديم، وأنه أكثر شيء جدلاً، فلابد من الترفق في الدخول إلى عقله، والتسلل إلى قلبه، حتى نلين من شدته، ونكفكف من جموده، ونطامن من كبريائه.

وهذا ما قصه علينا القرآن من مسالك الأنبياء والدعاة إلى الله من المؤمنين الصادقين، كما نرى في دعوة إبراهيم لأبيه وقومه، ودعوة شعيب لقومه، ودعوة موسى لفرعون، ودعوة مؤمن آل فرعون، ومؤمن سورة ((يس )) وغيرهم من دعاة الحق والخير.

انظر إلى مؤمن آل فرعون كيف وقف يخاطب فرعون ومن معه، إنه يشعرهم بأنهم قومه، وأنه واحد منهم، يهمه أمرهم، ويعنيه أن يبقى لهم ملكهم، ويدوم لهم مجدهم، فهو يخاطبهم بهذه الروح: ((يا قَومِ لكم المُلك اليوم ظاهِرين في الأرض فمن ينْصرنا مِن بأس الله إن جاءَنا )) [غافر:29 ].

ثم يخوفهم مما أصاب الأمم من قبلهم حين أعرضوا عن دعوة الله تعالى وطاعة رسله: ((يا قومِ إنِّي أخاف عليكم مِثل يوم الأحزاب مِثل داب قوم نوحٍ وعادٍ وثمود والذين مِن بعدهم وما الله يُريد ظُلماً للعباد )) [غافر:30-31 ]

وبعد أن يخوفهم من عذاب الدنيا يثير فيهم الخوف من عذاب الآخرة التي يؤمنون بها بصورة من الصور: ((ويا قَومِ إنِّي أخاف عليكم يوم التناد يوم تُولّون مُدبِرين ما لكم مِن الله من عاصمٍ ومن يُضلِل الله فما له من هاد ٍ)) [غافر:32-33 ].

ويستمر هذا المؤمن المخلص في دعوته لقومه بهذا الأسلوب الذي يفيض رقة وحنواً، مرهباً حيناً، ومرغباً حيناً آخر: ((يا قوم اتّبِعون أهدكم سبيل الرشاد، يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاعٌ وإنّ الآخرة هي دار القرار.... ويا قوم مالِي أدعوكم إلى النجاةِ وتدعونني إلى النار، تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علمٌ وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفَّار )) [غافر:38-42 ]، إلى أن يقول لهم في ختام وصيته: ((فستذْكرون ما أقول لكُم وأفوِّض أمري إلى الله إنّ الله بصيرٌ بالعباد )) [غافر:44 ].

هذا هو الأسلوب الذي ينبغي لأصحاب الدعوات أن يتبعوه في دعوتهم للمعاندين، ومخاطبتهم للمخالفين، وحسبنا وصية الله تعالى للرسولين الكريمين موسى وهارون: ((اذهبا إلى فِرعون إنَّه طغى فقولا له قولاً ليِّناً لعلّه يتذكّرُ أو يخشى )) [طه:43-44 ].

ولهذا لما واجه موسى فرعون عرض عليه الدعوة في هذه الصورة الرقيقة: ((هلْ لك إلى أن تزكّى وأهدِيك إلى ربِّك فتخْشى )) [النازعات:18-19 ].

ولا غرو أن أنكر الدعاة الوعاة على بعض الشباب المخلصين الطريقة التي يتعاملون بها مع الناس في السلوك، أو يتحاورون بها مع المخالفين في الفكر، فقد غلب عليها المخاطبة بالخشونة والشدة، والمواجهة بالغلظة والحدة، ولم يعد جدالهم لمعارضيهم بالتي هي أحسن، بل بالتي هي أخشن، ولم يفرقوا في ذلك بين الكبير والصغير.. ولم يميزوا بين من له حرمة خاصة كالأب والأم، ومن ليس كذلك.. ولا بين من له حق التوقير والتكريم كالعالم الفقيه، والمعلم المربي، ومن ليس كذلك، ولا بين من له سابقة في الدعوة والجهاد، ومن لا سابقة له.. ولم يفصلوا بين من له عذره إلى حد ما -كالعوام والأميين والمخدوعين - من الجماهير المشغولة بمعاشها ومتاعبها اليومية، ومن لا عذر له، ممن يقاوم الإسلام عن حقد، أو عمالة وخيانة، ويقتحم النار على بصيرة، وقديماً فرّق أئمة الحديث رضي الله عنهم بين عوام المبتدعين ممّن لا يدعو إلى بدعته، وبين من نصب نفسه داعية للبدعة مروِّجاً لها، مناضلاً عنها، فقبلوا رواية الأول، وردوا رواية الآخر.

ســـــوء الظــن بالنـــاس

5 - ومن مظاهر التطرف ولوازمه: سوء الظن بالآخرين، والنظر إليهم من خلال منظار أسود، يخفي حسناتهم، على حين يضخم سيئاتهم. الأصل عند المتطرف هو الاتهام، والأصل في الاتهام الإدانة، خلافاً لما تقرره الشرائع والقوانين: إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.

تجد الغلاة دائماً يسارعون إلى سوء الظن والاتهام لأدنى سبب، قفلا يلتمسون المعاذير للآخرين، بل يفتشون عن العيوب، ويتقممون الأخطاء، ليضربوا بها الطبل، ويجعلوا من الخطأ خطيئة، ومن الخطيئة كفراً!!

وإذا كان هناك قول أو فعل يحتمل وجهين: وجه خير وهداية، ووجه شر وغواية، رجحوا احتمال الشر على احتمال الخير، خلافاً لما أثر عن علماء الأمة من أن الأصل حمل حال المسلم على الصلاح، والعمل على تصحيح أقواله وتصرفاته بقدر الإمكان.

وقد كان بعض السلف يقول: إنّي لألتمس لأخي المعاذير من عذر إلى سبعين ثم أقول: لعلّ له عذراً آخر لا أعرفه!

من خالف هؤلاء في رأي أو سلوك - تبعاً لوجهة نظر عنده - اتهم في دينه بالمعصية أو الابتداع أو احتقار السنة، أو ما شاء لهم سوء الظن.

فإذا خالفتهم في سنية حمل العصا، أو الأكل على الأرض مثلاً، اتهموك بأنك لا تحترم السنة، أو لا تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بأبي هو وأمي! ولا يقتصر سوء الظن عند هؤلاء على العامة، بل يتعدى إلى الخاصة، وخاصة الخاصة، فلا يكاد ينجو فقيه أو داعية أو مفكر إلا مسّه شواظ من اتهام هؤلاء.

فإذا أفتى فقيه بفتوى فيها تيسير على خلق الله، ورفع الحرج عنهم، فهو في نظرهم متهاون بالدين.

وإذا عرض داعية الإسلام عرضاً يلائم ذوق العصر، متكلماً بلسان أهل زمانه ليبين لهم، فهو متهم بالهزيمة النفسية أمام الغرب وحضارة الغرب.. وهكذا.

ولم يقف الاتهام عند الأحياء، بل انتقل إلى الأموات الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، فلم يدعوا شخصية من الشخصيات المرموقة إلاّ صوبوا إليها سهام الاتهام، فهذا ماسوني، وذلك جهمي، وآخر معتزلي.

حتى أئمة المذاهب المتبوعة -على ما لهم من فضل ومكانة لدى الأمة في كافة عصورها - لم يسلموا من ألسنتهم ومن سوء ظنهم.

بل إن تاريخ الأمة كله - بما فيه من علم وثقافة وحضارة - قد أصابه من هؤلاء ما أصاب الحاضر وأكثر، فهو عند جماعة تاريخ فتن وصراع على السلطة، وعند آخرين تاريخ جاهلية وكفر، حتى زعم بعضهم أن الأمة كلها قد كفرت بعد القرن الرابع الهجري!

وقديماً قال أحد أسلاف هؤلاء لسيد البشر صلى الله عليه وسلم بعد قسمة قسمها: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله! اعدل يا محمد فإنَّك لم تعدل!

إن ولع هؤلاء بالهدم لا بالبناء ولع قديم، وغرامهم بانتقاد غيرهم وتزكية أنفسهم شنشنة معروفة، والله تعالى يقول: ((فلا تُزكُّوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى )) [النجم:32 ]. إن آفة هؤلاء هي: سوء الظن المتغلغل في أعماق نفوسهم، ولو رجعوا إلى القرآن والسنة لوجدوا فيهما ما يغرس في نفس المسلم حسن الظن بعباد الله، فإذا وجد عيباً ستره ليستره الله في الدنيا والآخرة، وإذا وجد حسنة أظهرها وأذاعها، ولا تنسيه سيئة رآها في مسلم حسناته الأخرى، ما يعلم منها وما لا يعلم.

أجل، إن التعاليم الإسلامية تحذر أشد التحذير من خصلتين:

سوء الظن بالله، وسوء الظن بالناس،والله تعالى يقول: ((يا أيّها الذين آمنوا اجتنِبوا كثيراً مِن الظنِّ إنَّ بعْض الظنِّ إثمٌ )) [الحجرات:12 ]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: إيّاكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث [متفق عليه ].

وأصل هذا كله: الغرور بالنفس، والازدراء للغير، ومن هنا كانت أول معصية الله في العالم: معصية إبليس، وأساسها: الغرور والكبر ((أنا خيرٌ مِنه )).

وحسبنا في التحذير من هذا الاتجاه، الحديث النبوي الصحيح: إذا سمعتم الرجل يقول: هلك الناس، فهو أهلكهم. [رواه مسلم ].

جاءت الرواية بفتح الكاف فهو أهْلكهم على أنه فعل ماض، أي: كان سبباً في هلاكهم باستعلائه عليهم وسوء ظنه بهم، وتيئيسهم من روح الله تعالى.

وجاءت بضم الكاف أيضاً؟ فهو أهلكهم أي أشدهم وأسرعهم هلاكاً، بغروره وإعجابه بنفسه، واتهامه لهم.

والإعجاب بالنفس أحد المهلكات الأخلاقية التي سماها علماؤنا: معاصي القلوب التي حذّر منها الحديث النبوي بقوله: ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه .

هذا مع أن المسلم لا يغتر بعمله أبداً، ويخشى أن يكون فيه من الدخل والخلل ما يحول دون قبوله، وهو لا يدري، والقرآن يصف المؤمنين السابقين بالخيرات، فيقول في أوصافهم: ((والذين يُؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلةٌ أنّهم إلى ربِّهم راجعون )) [المؤمنون:60 ]، وقد ورد في الحديث، أن هذه الآية فيمن عمل الصالحات، ويخاف ألاّ يقبل الله منه. ومن حكم ابن عطاء: ربما فتح الله لك باب الطاعة ، وما فتح لك باب القبول، وربما قدّر عليك المعصية، فكانت سبباً في الوصول، معصية أورثت ذلاً وانكساراً، خير من طاعة أورثت عُجْباً واستكباراً!

وأصل هذا من حكمة للإمام علي رضي الله عنه قال: سيئة تسوؤك خير عند الله من حسنة تعجبك . وقال ابن مسعود: الهلاك في اثنتين: العجب والقنوط، وذلك أن السعادة لا تدرك إلاّ بالسعي والطلب، والمعجب بنفسه لا يسعى لأنه قد وصل ، والقانط لا يسعى لأنه لا فائدة للسعي في نظره .

الســـقوط في هاويـــة التــكفير

6 ـ ويبلغ هذا التطرف غايته، حين يُسقط عصمة الآخرين، ويستبيح دماءهم وأموالهم، ولا يرى لهم حرمة ولا ذمة، وذلك إنما يكون حين يخوض لجّة التكفير، واتهام جمهور الناس بالخروج من الإسلام، أو عدم الدخول فيه أصلاً، كما هي دعوى بعضهم، وهذا يمثل قمة التطرف الذي يجعل صاحبه في واد، وسائر الأمة في واد آخر.

وهذا ما وقع فيه الخوارج في فجر الإسلام، والذين كانوا من أشد الناس تمسكاً بالشعائر التعبدية، صياماً وقياماً وتلاوة قرآن، ولكنهم أتوا من فساد الفكر، لا من فساد الضمير.

زين لهم سوء عملهم فرأوه حسناً، وضل سعيهم في الحياة الدنيا وهو يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ومن ثم وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم، وقيامه إلى قيامهم، وقراءته إلى قراءتهم ومع هذا قال عنهم: يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ووصف صلتهم بالقرآن فقال: يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم وذكر علامتهم المميزة بأنهم يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان .

هذه العلامة الأخيرة هي التي جعلت أحد العلماء، حين وقع مرّة في يد بعض الخوارج، فسألوه عن هويته، فقال: مشرك مستجير، يريد أن يسمع كلام الله .

وهنا قالوا له: حق علينا أن نجيرك، ونبلغك مأمنك، وتلوا قول الله تعالى: ((وإن أحدٌ مِن المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلِغه مأمنه )) [التوبة:6 ]، بهذه الكلمات نجا مشرك مستجير ، ولو قال لهم: مسلم: لقطعوا رأسه !

وما وقع لطائفة الخوارج قديماً، وقع لأخلافهم حديثاً، وأعني بهم من سموهم جماعة التكفير والهجرة .

فهم يكفرون كل من ارتكب معصية وأصر عليها، ولم يتب منها. وهم يكفرون الحكام، لأنهم لم يحكموا بما أنزل الله.

ويكفرون المحكومين، لأنهم رضوا بهم، وتابعوهم على الحكم بغير ما أنزل الله.

وهم يكفرون علماء الدين وغيرهم، لأنهم لم يكفروا الحكام والمحكومين، ومن لم يكفر الكافر فهو كافر.

وهم يكفرون كل من عرضوا عليه فكرهم، فلم يقبله، ولم يدخل فيما دخلوا فيه.

ويكفرون كل من قبل فكرهم، ولم يدخل في جماعتهم ويبايع إمامهم.

ومن بايع إمامهم ودخل في جماعتهم، ثم تراءى له - لسبب أو لآخر - أن يتركها، فهو مرتد حلال الدم.

وكل الجماعات الإسلامية الأخرى إذا بلغتها دعوتهم ولم تحلّ نفسها لتبايع إمامهم فهي كافرة مارقة.

وكل من أخذ بأقوال الأئمة، أو بالإجماع أو القياس أو المصلحة المرسلة أو الاستحسان ونحوها، فهو مشرك كافر.

والعصور الإسلامية بعد القرن الرابع الهجري، كلها عصور كفر وجاهلية، لتقديسها لصنم التقليد المعبود من دون الله! (انظر كتاب ذكرياتي مع جماعة المسلمين ـ التكفير والهجرة ـ عبد الرحمن أبو الخير ).

وهكذا أسرف هؤلاء في التكفير، فكفروا الناس أحياءً وأمواتاً بالجملة، هذا مع أن تكفير المسلم أمر خطير، يترتب عليه حل دمه وماله، والتفريق بينه وبين زوجه وولده، وقطع ما بينه وبين المسلمين ، فلا يرث ولا يورث و لايوالي، وإذا مات لا يغسل ولا يكفن،ولا يصلى عليه،ولا يدفن في مقابر المسلمين.

ولهذا حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من الاتهام بالكفر، فشدد التحذير، ففي الحديث الصحيح: من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما فما لم يكن الآخر كافراً بيقين، فسترد التهمة على من قالها، ويبوء بها، وفي هذا خطر جسيم.

وقد صح من حديث أسامة بن زيد: أن من قال: لا إله إلا الله فقد دخل في الإسلام وعَصَمَتْ دمَهُ ومَالَهُ، وإن قالها خوفاً أو تعوذاً من السيف، فحسابه على الله، ولنا الظاهر، ولهذا أنكر النبي صلى الله عليه وسلم غاية الإنكار على أسامة حين قتل الرجل في المعركة بعد أن نطق بالشهادة، وقال: قتلته بعد أن قال: لا إله إلاّ الله؟ قال: إنما قالها تعوذاً من السيف؟ قال: هلاّ شققت قلبه؟ ما تصنع بـ لا إله إلاّ الله ؟!! قال أسامة: فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ فقط .

ومن دخل الإسلام بيقين لا يجوز إخراجه منه إلاّ بيقين مثله، فاليقين لا يزول بالشك، والمعاصي لا تخرج المسلم من الإسلام، حتى الكبائر منها. كالقتل، والزنى، وشرب الخمر. ما لم يستخف بحكم الله فيها، أو يرده ويرفضه.

ولهذا أثبت القرآن الأخوة الدينية بين القاتل التعمد وولي المقتول المسلم، بقوله: (فَمَن عُفي له مِن أخيه شيءٌ فاتِّباعٌ بالمعروف وأداءٌ إليه بإحسانٍ )) [البقرة:178 ]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمن لعن الشارب الذي عوقب في الخمر أكثر من مرة: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله .

وفاوتت الشريعة بين عقوبة القتل والزنى والسكر، ولو كانت كلها كفراً، لعوقب الجميع عقوبة المرتد.

وكل الشبهات التي استند إليها الغلاة في التكفير، مردودة بالمحكمات البينات من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهو فكر فرغت منه الأمة منذ قرون، فجاء هؤلاء، يجددونه، وهيهات...

الفصل الثاني

فلنبحث عــن الأســباب

أسباب التطرف وبواعثه:

ذلك هو التطرف الديني، وتلك بعض ملامحه ودلائله.

ومن المؤكد أن هذا التطرف لم يأت اعتباطاً، ولم ينشأ جزافاً، بل له أسبابه ودواعيه،والوقائع والأعمال كالكائنات الحية لا تولد من غير شيء، ولا تنبت من غير بذر،وإنما تستثمر النتائج من مقدمات وتستولد المسببات من أسباب، سنة الله في خلقه.

ومعرفة السبب هنا غاية في الأهمية، لا ليبطل العجب فقط كما قيل، ولكن ليمكن على أساس معرفته تحديد نوع العلاج، وصفة الدواء. إذ لا علاج إلا بعد تشخيص، ولا تشخيص إلا ببيان السبب أو الأسباب.

وهنا نسأل مع السائلين عن الأسباب والبواعث التي أدت إلى هذا التطرف، أو الغلو في الدين؟

النظرة المتكاملة إلى أسباب التطرف

والحقيقة أن سبب هذا التطرف ليس شيئاً واحداً ولكن أسبابه متعددة متنوعة، وليس من الإنصاف للحقائق أن نركز على سبب واحد، ونغض الطرف عن الأسباب الأخرى، كما يصنع عادة كل منتمٍ إلى مدرسة معينة.

فأصحاب المدرسة النفسية يرجعون كل تصرف إلى أسباب نفسية خالصة، كثيراً ما تكمن في العقل الباطن أو اللاشعور، وبخاصة مدرسة التحليل النفسي.

والمدرسة الاجتماعية ترد كل شيء إلى تأثير المجتمع وأوضاعه وتقاليده، وما المرء إلا دمية يحرك خيوطها المجتمع كما يقول دور كايم!

وأنصار المادية التاريخية لا يقيمون وزناً إلا للاعتبارات المادية، والدوافع الاقتصادية، فهي التي تصنع الأحداث، وتغير التاريخ.

وأصحاب النظرة الشاملة المتوازنة يعترفون بأن الأسباب متشابكة ومتداخلة، وكلها تعمل بأقدار متفاوتة، مؤثرة آثاراً مختلفة، قد يقوى أثرها في شخص ويضعف في آخر، ولكنها جميعاً لها في النهاية أثرها الذي لا يجحد.

فلا ينبغي لنا أن نقف عند سبب واحد، يبرز أمامنا، ويطغى على غيره من الأسباب. فالواقع أن الظاهرة التي بين أيدينا ظاهرة مركبة، معقدة، وأسبابها كثيرة ومتنوعة، ومتداخلة، بعضها قريب، وبعضها بعيد، بعضها مباشر، وبعضها غير مباشر، بعضها ماثل للعين، طافٍ على السطح، وبعضها غائص في الأعماق.

من هذه الأسباب ما هو ديني، وما هو سياسي، منها ما هو اجتماعي، وما هو اقتصادي، ومنها ما هو نفسي، وما هو فكري، وما هو خليط من هذا كله أو بعضه.

قد يكمن سبب هذه الظاهرة ـ أو السبب الأول لها ـ في داخل الشخص المتطرف نفسه، وقد يكون السبب أو بعضه عند البحث، داخل أسرته،عند أبويه وإخوته وعلاقاته بهم، وعلاقاتهم بعضهم ببعض.

وقد يرجع السبب عند التحليل والتعمق إلى المجتمع ذاته، وما يحمل في طيه من تناقضات صارخة: بين العقيدة والسلوك.. بين الواجب والواقع.. بين الدين والسياسة.. بين القول والعمل.. بين الآمال والمنجزات.. بين ما شرعه الله وما وضع البشر.

ومثل هذه المتناقضات إن احتملها الشيوخ لا يحتملها الشباب، وإن احتملها بعضهم، لا يحتملها كلهم، وإن احتملوها بعض الوقت، لن يحتملوها كل الوقت. وقد يعود السبب إلى فساد الحكم، وطغيان الحكام، وجريهم وراء شهواتهم، وتفريطهم في حقوق شعوبهم. واتباعهم أهواء بطانة السوء في الداخل،والحاقدين على الإسلام في الخارج، مما جعل القرآن والسلطان، أو الدين والدولة في خطين متوازيين لا يلتقيان.

ضعف البصيرة بحقيقة الدين

ولا ريب أن من الأسباب الأساسية لهذا الغلو، هو ضعف البصيرة بحقيقة الدين، وقلة البضاعة في فقهه، والتعمق في معرفة أسراره، والوصول إلى فهم مقاصده، واستشفاف روحه.

ولا أعني بهذا السبب: الجهل المطلق بالدين، فهذا في العادة لا يفضي إلى غلو وتطرف، بل إلى نقيضه، وهو الانحلال والتسيب، إنما أعني به: نصف العلم، الذي يظن صاحبه به أنه دخل في زمرة العالِمين، وهو يجهل الكثير والكثير، فهو يعرف نتفاً من العلم من هنا وهناك وهنالك، غير متماسكة، ولا مترابطة، يُعنى بما يطفو على السطح، ولا يهتم بما يرسب في الأعماق، وهو لا يربط الجزئيات بالكليات، ولا يرد المتشابهات إلى المحكمات، ولا يحاكم الظنيات إلى القطعيات، ولا يعرف من فنون التعارض والترجيح ما يستطيع به أن يجمع به بين المختلفات، أو يرجح بين الأدلة والاعتبارات.

ورحم الله الإمام أبا إسحاق الشاطبي، فقد نبه على هذه الحقيقة بوضوح في كتابه الفريد (الاعتصام:2/173 ) فقد جعل أول أسباب الابتداع والاختلاف المذموم المؤدي إلى تفرق الأمة شيعاً، وجعل بأسها بينها شديداً: أن يعتقد الإنسان في نفسه - أو يُعتقد فيه - أنه من أهل العلم والاجتهاد في الدين، وهو لم يبلغ تلك الدرجة، فيعمل على ذلك ويعد رأيه رأياً، وخلافه خلافاً، ولكن تارة يكون ذلك في جزئي وفرع من الفروع ـ يعني فروع الدين ـ وتارة يكون في كليّ وأصل من أصول الدين ـ من الأصول الاعتقادية أو من الأصول العملية ـ فتراه آخذاً ببعض جزئيات الشريعة في هدم كلياتها، حتى يصير منها ما ظهر له بادي رأيه من غير إحاطة بمعانيها، ولا رسوخ في فهم مقاصدها، وهذا هو المبتدع، وعليه نبه الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: لا يقبض الله العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فسئلو، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا [الحديث في الصحيحين من رواية عبد الله عمرو رضي الله عنهما ]

قال بعض أهل العلم : تقدير هذا الحديث يدل على أنه لا يؤتى الناس قط من قبل علمائهم، وإنما يؤتون من قبل أنه إذا مات علماؤهم أفتى من ليس بعالم، فيؤتى الناس من قبله، وقد صرف هذا المعنى تصريفاً، فقيل: ما خان أمين قط، ولكنه ائتمن غير أمين فخان، قال: ونحن نقول: ما ابتدع عالم قط ولكنه استفتي من ليس بعالم.

قال: مالك بن أنس:( بكى ربيعة يوماً بكاء شديداً، فقيل له: مصيبة نزلت بك؟ فقال: لا .. ولكن استفتي من لا علم عنده! )

والحق أن نصف العلم ـ مع العجب والغرور ـ يضر أكثر من الجهل الكلي مع الاعتراف، لأن هذا جهل بسيط، وذلك جهل مركب، وهو جهل من لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري، ولهذا مظاهر عديدة عند هؤلاء، نذكر أهمها فيما يلي:

الاتجاه الظاهري في فهم النصوص

ولا عجب أن رأينا كثيراً من هؤلاء يتمسكون بحرفية النصوص دون تغلغل إلى فهم فحواها ومعرفة مقاصدها، فهم في الحقيقة يعيدون المدرسة الظاهرية من جديد، بعد أن فرغت منها الأمة، وهي المدرسة التي ترفض التعليل للأحكام، وتنكر القياس تبعاً لذلك، وترى أن الشريعة تفرق بين المتماثلين، وتجمع بين المختلفين.

وهذه الظاهرية الحديثة تتبع المدرسة القديمة في إغفالها للعلل، وإهمالها الالتفات إلى المقاصد والمصالح، وتنظم العادات والعبادات في سِلْك واحد، بحيث يؤخذ كل منهما بالتسليم والامتثال، دون بحث عن العلة الباطنة وراء الحكم الظاهر. وكل الفرق بين القدامى والجدد، أن أولئك أعلنوا عن منهجهم بصراحة، ودافعوا عنه بقوة، والتزموه بلا تحرج، أما هؤلاء فلا يسلّمون بظاهريتهم، على أنهم لم يأخذوا من الظاهرية إلا جانبها السلبي فقط، وهو رفض التعليل مطلقاً، والالتفات إلى المقاصد والأسرار.

وأنا مع المحققين من علماء المسلمين في أن الأصل في العبادات هو التعبد بها دون نظر إلى ما فيها من مصالح ومقاصد، بخلاف ما يتعلق بالعادات والمعاملات. (ذكر ذلك الإمام الشاطبي مؤيداً بأدلته الشرعية في كتابيه الموافقات والاعتصام )

فلا يجوز أن يقال: إن إنفاق المال على فقراء المسلمين، أو على المشاريع الإسلامية النافعة، أهم من أداء فريضة الحج الأول، أو يقال:إن التصدق بثمن هدي التمتع والقرآن في الحج أولى من ذبح النسك الذي تعظم به شعائر الله.

ولا يجوز أن يقال: إن الضرائب الحديثة تغني عن الزكاة ثالثة دعائم الإسلام، وشقيقة الصلاة في القرآن الكريم والسنة المطهرة.

ولا يجوز أن يستبدل برمضان شهر آخر للصيام، ولا بيوم الجمعة يوم آخر، ـ كيوم الأحد مثلاً ـ لإقامة الصلاة الأسبوعية المعروفة المفروضة على المسلمين.

ولكن في غير العبادات - والعبادات المحضة خاصة - أي في مجال العادات والمعاملات ننظر إلى العلل، ونلتفت إلى المصالح والمقاصد المنوطة بالأحكام، فإذا اهتدينا إليها ربطنا الحكم بها إثباتاً ونفياً، فإن الحكم - كما قالوا - يدور مع علته وجوداً وعدماً.

تأمل معي هذه النصوص الشريفة:

أ- روى مالك والبخاري ومسلم وأصحاب السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يُسافر بالمصحف إلى أرض الكفار أو أرض العدو.

والناظر في علة هذا المنع يتبين له أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم ينه عن ذلك إلا مخافة أن يستهين به الكفار أو ينالوه بسوء.

فإذا أمن المسلمون ذلك، فلهم أن يصطحبوا المصاحف في أسفارهم إلى غير بلاد الإسلام، بلا حرج، وهذا ما يجري عليه العمل من كافة المسلمين اليوم دون نكير، بل إن أصحاب الديانات المختلفة في عصرنا، ليتنافسون في تسهيل وصول كتبهم المقدسة إلى شتى أنحاء العالم، تعميماً للتعريف بدينهم والدعوة إليه. ويحاول المسلمون أن يلجوا هذا المولج عن طريق ترجمة معاني القرآن حيث لسان الأقوام غير لساننا.

ب- ونص آخر، وهو ما صح من نهي النبي صلى الله عليه وسلم المرأة أن تسافر بغير محرم.

والناظر في علة النهي يراها ماثلة في الخوف على المرأة من أخطار الطريق، إذا سافرت وحدها في الفيافي والقفار، ولم يكن معها رجل يحميها، ممن يؤتمن عليها، ولا يمكن أن تتعرض لها الألسنة بالقيل والقال، وهذا لا يكون إلا الزوج أو المحرم.

فإذا نظرنا إلى السفر في عصرنا وتغير أدواته ووسائله، وجدنا مثل الطائرات التي تسع المئات، وتنقل الإنسان من قطر إلى قطر في ساعات قليلة، فلم يعد هناك إذن مجال للخوف على المرأة إذا ودّعها محرم في مطار السفر، واستقبلها محرم في مطار الوصول، وركبت مع رفقة مأمونة ؛ وهذا ما قرره كثير من الفقهاء في شأن سفر المرأة للحج، فأجازوا لها أن تسافر للحج مع نسوة ثقات، بل مع امرأة واحدة ثقة، أو بدون نساء ولكن مع رفقه تؤتمن عليها.

ولعل مما يشهد لهذا ما جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر أمته بزمن تخرج فيه الظعينة من الحيرة (بالعراق ) إلى الكعبة لا تخاف إلا الله تعالى.

ج- ومما ورد في شأن السفر أيضاً: نهيه عليه الصلاة والسلام، الرجل المسافر أن يطرق أهله ليلاً إذا طالت غيبته عنهم، وكان صلى الله عليه وسلم لا يطرق أهله ليلاً: يدخل عليهم غدوة أو عشية.

وقد جاءت بعض الروايات تحدد العلة هنا بأمرين:

1- اتقاء أن يظهر الرجل في صورة من يتهم أهله أو يتخونهم ويلتمس عثراتهم. فهو يريد أن يفاجئهم بعودته على غير توقع منهم، لعله يكشف شيئاً مريباً مخبئاً عنه، وهذا سوء ظن لا يرضاه الإسلام للمسلم في العلاقة الزوجية التي يرفعها الإسلام مكاناً علياً.

2- أن يكون لدى المرأة علم بقدوم زوجها، حتى تتجمل له، وتتهيأ بدنياً ونفسياً لاستقباله، وإليه الإشارة في الحديث كي تستحد المغيبة، وتمتشط الشعثة . وهذا سر التعبير بطول الغيبة في الحديث السابق.

ومن هنا نقول: إن باستطاعة المسافر في عصرنا أن يحضر أي وقت تيسر له من ليل أو نهار، إذا أخبر أهله بطريق الهاتف أو البرق أو البريد أو غيرها، وبخاصة أن المسافر في عصرنا ليس مختاراً دائماً في اختيار الوقت الذي يرجع فيه لأن الطائرات والبواخر ونحوها هي التي تجبره على مواعيدها، وليس هو الذي يختارها، بخلاف راكب الناقة قديماً، فإن مركبه ملكه يتحرك به متى شاء، ويقيل أو يبيت متى شاء، ويعجل أو يؤجل عودته كيف شاء.

وإنما قلت: إن العبادات المحضة لا تعلل، بهذا التقييد، لإخراج الزكاة من هذه الدائرة، لأنها ليست عبادة محضة كالصلاة والصيام والحج، بل هي جزء من النظام المالي والاقتصادي في الإسلام.

ولهذا تذكر في الفقه مع العبادات باعتبارها ركناً دينياً أساسياً، وتذكر في كتب الخراج والأموال والأحكام السلطانية والسياسة الشرعية باعتبارها مورداً من الموارد المالية الثابتة في الشرع الإسلامي، ودعامة من دعائم النظام الاقتصادي الإسلامي، ولهذا علل الفقهاء أحكامها، وحددوا علة الوجوب فيها بأنه المال النامي بالفعل أو بالإمكان، ودخل في أحكامها القياس في جميع المذاهب المتبوعة.

ولهذا رجحت القول بوجوب الزكاة ـ العشر أو نصفه ـ في كل ما أخرجت الأرض المزروعة من حب أو ثمر، جافاً كان أو رطباً، مأكولاً أو غير مأكول، لأن العلة في المال قائمة وهي النماء والعلة في نفس صاحب المال قائمة، وهي حاجته إلى التطهر والتزكي تطهر هم وتزكيهم بها والعلة في الفقراء وأهل الحاجة قائمة، وهي أن للفقراء حقاً في أموال الأغنياء، وصاحب الزرع والثمر منهم.

وقد ناقشني بعض هؤلاء الظاهريين بأن هذا خلاف ما تدل عليه النصوص.

قلت: أي نصوص تعني؟

قال: حديث ليس في الخضروات صدقة

قلت: حديث ضعيف، لم يصححه أحد من أئمة الحديث، فلا يحتج بمثله، فضلاً عن أن يخصص به عموم القرآن والسنة. وقد رواه الإمام الترمذي ثم ضعفه، ثم قال: لا يصح في هذا الباب شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم .

قال: لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ زكاة من الخضروات .

قلت : لي على هذا جوابان:

أحدهما ما قاله الإمام ابن العربي: أنه لا حاجة إلى نقل مثل هذا، والقرآن يغني عنه، يعني آية الأنعام . (وآتوا حقَّه يومَ حصادِه ).

والثاني : أن عدم أخذه - لو صح - يحمل على أنه تركه لضمائر أصحاب المال يخرجونه بأنفسهم، لصعوبة حفظ الخضروات والفواكه في زمنهم وتعرضها للتلف والفساد.

قال: وحديث آخر تركته يحصر الزكاة في أربعة أشياء: التمر والزبيب والحنطة والشعير.

قلت: هذا الحديث لم يصل إلى درجة الصحة كما قرر ذلك أئمة الحديث انظر كتابنا فقه الزكاة 1/349-358، ولهذا لم يأخذ به أحد من الأئمة المتبوعين، فكيف يقاوم النصوص العامة الثابتة التي أوجبت الزكاة في عموم ما أخرجت الأرض، مثل قوله تعالى:

((يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مِنْ طيبات ما كسبتم وممّا أخرجنا لكم من الأرض )) [البقرة:267 ].

وقوله: ((وهو الذي أنشأ جنّاتٍ معروشاتٍ وغير معروشاتٍِ والنخل والزرع مُختلفاً أكله والزيتون والرّمان متشابهاً وغير مُتشابه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقّه يوم حصادِه )) [الأنعام:141] وقوله عليه الصلاة والسلام: فيما سقت الأنهار والغيم العشور وفيما سقي بالساقية نصف العشور [رواه مسلم من حديث جابر ]

وهذه النصوص لم تخص نوعاً من الحاصلات دون نوع، والعلة في التسوية بينها -بإيجاب العشر أو نصفه فيها - بيّنة واضحة. وهذا ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة، وقبله عمر بن عبد العزيز،وهو الموافق لحكمة التشريع.

ورضي الله عن الإمام المالكي المنصف القاضي أبي بكر بن العربي، الذي نصر مذهب أبي حنيفة في هذه القضية، في تفسيره لآية: ((وهو الذي أنشأ جنَّاتٍ )) من كتابه أحكام القرآن وفي شرحه لحديث: فيما سقت السماء العشر في كتابه عارضة الأحوذي في شرح الترمذي .

ومما قاله في التفسير بعد عرض المذاهب ومآخذ استدلالها: وأما أبو حنيفة فجعل الآية مرآته فأبصر الحق (أحكام القرآن 2/947 ).

ومما قاله في شرح الترمذي:

وأقوى المذاهب في المسألة مذهب أبي حنيفة دليلاً، وأحوطها للمساكين، وأولاها قياماً بشكر النعمة، وعليه يدل عموم الآية والحديث (عارضة الأحوذي 3/135 )

والخلاصـــــــة:

إننا إذا لم نرد الأحكام إلى عللها، سنقع في تناقضات خطيرة، نفرق بها بين المتساويات ونسوي بها بين المختلفات، وليس هذا هو العدل الذي قام عليه شرع الله تعالى.

صحيح أن هناك مجترئين يقتحمون حمى هذه الأمور بلا رسوخ ولا بينة، فيلتمسون للأحكام عللاً لم يقم عليها دليل، إنما هي من وحي أهوائهم، وتسويل أنفسهم، ولكن هذا لا يمنعنا أن نقرر الحق لأصحابه، ونفتح الباب لأهله، حذرين ومحذّرين من الدخلاء والمتطفلين.

الاشتغال بالمعارك الجانبية عن القضايا الكبرى

ومن دلائل عدم الرسوخ في العلم، ومن مظاهر ضعف البصيرة بالدين: اشتغال عدد من هؤلاء بكثير من المسائل الجزئية والأمور الفرعية، عن القضايا الكبرى التي تتعلق بكينونة الأمة وهويتها ومصيرها، فنرى كثيراً منهم يقيم الدنيا ويقعدها من أجل حلق اللحية أو الأخذ منها أو إسبال الثياب، أو تحريك الإصبع في التشهد، أو اقتناء الصور الفوتوغرافية أو نحو ذلك من المسائل التي طال فيها الجدال، وكثر فيها القيل والقال.

هذا في الوقت الذي تزحف فيه العلمانية اللادينية، وتنتشر الماركسية الإلحادية، وترسخ الصهيونية أقدامها، وتكيد الصليبية كيدها، وتعمل الفرق المنشقة عملها في جسم الأمة الكبرى، وتتعرض الأقطار الإسلامية العريقة في آسيا وأفريقيا لغارات تنصيرية جديدة يراد بها محو شخصيتها التاريخية وسلخها من ذاتيتها الإسلامية، وفي نفس الوقت يذبح المسلمون في أنحاء متفرقة من الأرض، ويضطهد الدعاة الصادقون إلى الإسلام في بقاع شتى.

والعجيب أني وجدت الذين هاجروا أو سافروا إلى ما وراء البحار في أمريكا وكندا وأوروبا، لطلب العلم أو طلب الرزق، قد نقلوا هذه المعارك الجانبية إلى هناك.

وكثيراً ما رأيت بعيني، وسمعت بأذني، آثار هذا الجدل العنيف، وهذا الانقسام المخيف بين فئات المسلمين، حول تلك المسائل التي أشرنا إلى بعضها وما يشبهها من قضايا اجتهادية ستظل المذاهب والآراء تختلف فيها، وهيهات أن يتفق الناس عليها.

وكان الأولى بهؤلاء أن يصرفوا جهودهم إلى ما يحفظ على المسلمين وناشئتهم أصل عقيدتهم، ويربطهم بأداء الفرائض، ويجنبهم اقتراف الكبائر، ولو نجح المسلمون في تلك الأقطار الأجنبية في هذه الثلاث: حفظ العقيدة، وأداء الفرائض، واجتناب الكبائر، لحققوا بذلك أملاً كبيراً وكسباً عظيماً.

ومن المؤسف حقاً أن من هؤلاء الذين يثيرون الجدل في هذه المسائل الجزئية وينفخون في جمرها باستمرار، أناساً يعرف عنهم الكثيرون ممن حولهم، التفريط في واجبات أساسية مثل: بر الوالدين، أو تحري الحلال، أو أداء العمل بإتقان، أو رعاية حق الزوجة، أو حق الأولاد، أو حق الجوار، ولكنهم غضوا الطرف عن هذا كله، وسبحوا بل غرقوا في دوامة الجدل الذي أصبح لهم هواية ولذة، وانتهى بهم إلى اللدد في الخصومة والمماراة المذمومة.

وهذا النوع من الجدل هو الذي أشار إليه الحديث ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وقال: حسن صحيح ).

ويذكرني هذا بما رواه لي بعض الإخوة في أمريكا عن أحد الذين ارتفعت أصواتهم بالإنكار على أكل اللحوم المذبوحة من طعام أهل الكتاب، مما أفتى بحله عدد من العلماء قديماً وحديثاً، وكان هذا من أعلاهم صوتاً، وأكثرهم تشدداً، وهو في الوقت نفسه - كما روى لي الثقات - لا يبالي أن تكون الخمر على مائدته، فهذه نقرة، وتلك نقرة، يعني أنه يتشدد ويتوقف في المشتبه فيه والمختلف عليه، على حين يقتحم حمى المحرمات اليقينية الصريحة بلا توقف ولا مبالاة‍‍‍‍ !!

ومثل هذا الموقف المتناقض ـ الاجتراء على الكبائر والوسوسة في التوافه ـ هو ما أثار الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، حيث سأله مَنْ سأله مِنْ أهل العراق عن دم البعوض ونحوه بعد قتل السبط الشهيد سيد الشباب: الحسين بن علي رضي الله عنهما.

فقد روى الإمام أحمد بسنده عن ابن أبي نعم قال:

جاء رجل إلى ابن عمر وأنا جالس، فسأله عن دم البعوض؟ - وفي طريق أخرى للحديث أنه سأله عن محرم قتل ذبابا ً - فقال له: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق. قال: ها! انظروا إلى هذا، يسأل عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم (يعني الحسين رضي الله عنه ) وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هما ريحانتاي من الدنيا (أخرجه أحمد، وقال الشيخ شاكر: إسناده صحيح ).

الإســـــراف في التحــــريم

ومن دلائل هذه الضحالة، وعدم الرسوخ في فقه الدين، والإحاطة بآفاق الشريعة: الميل دائماً إلى التضييق والتشديد والإسراف في القول بالتحريم، وتوسيع دائرة المحرمات، مع تحذير القرآن والسنة والسلف من ذلك.

وحسبنا قوله تعالى: ((ولا تقولوا لِما تصف ألسنتكم الكذب: هذا حلالٌ وهذا حرامٌ، لِتفتروا على الله الكذِب إنّ الذين يفترون على الله الكذِب لا يُفلِحون )) [النحل:116 ].

وكان السلف لا يطلقون الحرام إلا على ما علم تحريمه جزماً، فإذا لم يجزم بتحريمه قالوا: نكره كذا، أو لا نراه، أو نحو ذلك من العبارات، ولا يصرحون بالتحريم، أما الميالون إلى الغلو، فهم يسارعون إلى التحريم دون تحفظ، بدافع التورع والاحتياط، إن أحسنا الظن، أو بدوافع أخرى، يعلم الله حقيقتها.

فإذا كان في الفقه رأيان: أحدهما يقول بالإباحة والآخر بالكراهة، أخذوا بالكراهة، وإن كان أحدهما بالكراهة، والآخر بالتحريم، جنحوا إلى التحريم.

وإذا كان هناك رأيان: أحدهما ميسر، والآخر مشدد، فهم دائماً مع التشديد، مع التضييق، هم دائماً مع شدائد ابن عمر، ولم يقفوا يوماً مع رخص ابن عباس، وكثيراً ما يكون ذلك لجهلهم بالوجهة الأخرى، التي تحمل الترخيص والتيسير.

رأى أحدهم رجلا يشرب قائماً، فزجره بعنف وقال له:

اقعد، فقد خالفت السنة، واقترفت أمراً منهيا عنه، ولم يفهم الرجل هذه الضجة، فلم يجلس، فقال له صاحبنا:عليك ـ إن كنت مسلماً ـ أن تتقيأ ما شربته!

قلت له برفق: الأمر لا يستحق كل هذا الزجر والتغليظ، فالمسألة - أعني جواز الشرب قائماً - خلافية، والمسائل الخلافية لا يجوز فيها الإنكار، وإن جاز فيها الإنكار، لا يجوز فيها التشديد والتغليظ.

قال: ولكن الحديث صريح في النهي عن الشرب قائماً، ومن نسي فليستقئ . وهو في الصحيح.

قلت: ولكن أحاديث جواز الشرب قائماً أصح وأثبت، ولهذا أخرجها البخاري تحت عنوان باب الشرب قائما ً ولم يخرج من أحاديث النهي شيئاً؛ وروى الترمذي وغيره جواز الشرب قائماً من حديث عدد من الصحابة.

كما أن الشرب قائماً ثبت عنه في أواخر حياته صلى الله عليه وسلم ، فقد فعله في حجة الوداع، كما رواه ابن عباس وهو في الصحيحين؛ وروى الشيخان عن عليّ: أنه توضأ، ثم قام فشرب فضل وضوئه وهو قائم، ثم قال: إن أناساً يكرهون الشرب قائماً. وإن النبي صلى الله عليه وسلم صنع مثل ما صنعت يعني: شرب فضل وضوئه قائماً كما شربت.

وصحح الترمذي من حديث ابن عمر قال: كنا نأكل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام.

وصحح أيضاً عن كبشة قالت: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فشرب من قِربة معلقة .

وثبت الشرب قائماً عن عمر، وفي الموطأ: أن عمر وعثمان وعلياً كانوا يشربون قياماً، وكان سعد وعائشة لا يرون بذلك بأساً ، وثبتت الرخصة عن جماعة من التابعين.

ذكر ذلك كله الحافظ في الفتح ثم ذكر مسالك العلماء في هذه المسألة مع تعارض الظواهر فيها، فمنهم من رجح أحاديث الجواز لأنها أثبت من أحاديث النهي، وبخاصة أن من روي عنهم النهي روي عنهم الجواز.

ومنهم من قال: إن أحاديث الجواز ناسخة لأحاديث النهي، لتأخرها وتأكدها بفعل الخلفاء الراشدين.

ومهم من أوّل النهي بأنه محمول على كراهة التنزيه، وأن الهدف منه الإرشاد إلى ما هو الأوفق والأليق.

وإن أمراً فيه كل وجهات النظر هذه لا يجوز أن ينكر على من فعله، بله أن يغلظ عليه.

ومثل ذلك قضية تقصير الثوب الذي التزمه كثير من الشباب المتدين، رغم ما جر عليهم من متاعب أسرية واجتماعية، بدعوى أن لبس الثوب إذا زاد عن الكعبين، فهو حرام، وحجتهم الحديث الصحيح؛ ما أسفل من الكعبين فهو في النار والأحاديث التي جاءت بالوعيد الشديد لمن يسبل إزاره، ومن يجر ثوبه.

ولكن هذه الأحاديث المطلقة قد قيدتها أحاديث أخر، حصرت هذا الوعيد فيمن فعل ذلك على سبيل الفخر والخيلاء، والله لا يحب كل مختال فخور.

نقرأ في حديث ابن عمر في الصحيح : من جرّ ثوبه من الخيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة وحديثه الآخر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني هاتين يقول من جر إزاره، لا يريد بذلك إلا المخيلة، فإن الله لا ينظر إليه يوم القيامة (رواهما مسلم ).

وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه ، حيث قال:إن إزاري يسترخي،إلا أن أتعاهده: إنك لست ممن يفعله خيلاء... ولهذا ذهب النووي وغيره إلى كراهية الإسبال ونحوه، والكراهة تزول لأدنى حاجة.

التباس المفاهيـــــــم

وقد أدى هذا الغبش في فهم الإسلام، وعدم وضوح الرؤية لأصول شريعته، ومقاصد رسالته، إلى التباس كثير من المفاهيم الإسلامية، واضطرابها في أذهان الشباب أو فهمها على غير وجهها.

ومنها: مفاهيم مهمة يلزم تحديدها وتوضيحها لما يترتب عليها من آثار بالغة الخطورة في الحكم على الآخرين وتقويمهم، وتكييف العلاقة بهم، وذلك مثل: مفاهيم الإيمان والإسلام، والكفر والشرك، والنفاق والجاهلية ونحوها.

إنّ قوماً لم يتذوقوا اللغة ولم يُدركوا أسرارها، خلطوا في هذه المفاهيم بين الحقيقة والمجاز، فاختلطت عليهم الأمور،والتبست عليهم السبل، واضطربت الموازين. إنهم لم يفرقوا بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان، وبين الإسلام الكامل ومجرد الإسلام. ولم يميزوا بين الكفر الأكبر المخرج عن الملة، وكفر المعصية. ولا بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر، ولا بين نفاق العقيدة ونفاق العمل، وجعلوا جاهلية الخُلق والسلوك كجاهلية العقيدة سواء.

ومن هنا يجب إلقاء بعض الضوء على هذه المفاهيم ـ التفصيل موعده كتابنا المرتقب عن قضية التكفير إن شاء الله ـ حتى لا يُفضي الغبش فيها إلى خطر جسيم. فالإيمان إذا أطلق ينصرف إلى الكامل، وهو ما يجمع بين تصديق الجنّان، وإقرار اللسان، وعمل الجوارح والأبدان،وهذا هو الإيمان المذكور في مثل قوله تعالى: ((إنّما المؤمِنون الذين إذا ذُكر الله وجِلتْ قلوبهم.. )) [الأنفال:2 ] وقوله: ((قدْ أفلحَ المؤمِنُون الذين هُم في صلاتِهمْ خاشِعون.. )) [المؤمنون:1 ].

وقوله: ((إنّما المؤمِنون الذين آمنوا بالله ورسولِه ثمّ لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفُسِهم في سبيل الله أولئك هم الصّادِقون )) [الحجرات:15 ]

وفي مثل قوله صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه.. فليقل خيراً أو ليصمت .

وهو المنفي في مثل قوله صلى الله عليه وسلم لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وقوله: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن .

فالنفي هنا ينصب على كمال الإيمان لا على أصل الإيمان، كما تقول، ليس برجل من لا يغار على أهله، وليس بعالم من لم يعمل بعلمه، فالنفي هنا لكمال الرجولة لا لأصلها، ولكمال العلم لا لأصله، وهذا الإيمان الكامل هو الذي أخبر عنه الحديث: أنه بضع وسبعون شعبة والحياء شعبة من الإيمان .

وهو الذي ألف فيه الإمام أبو بكر البيهقي كتابه الجامع لشعب الإيمان وهي شعب تشمل أصل الشجرة،وهي العقائد، وتشمل الفروع والثمار من العبادات والمعاملات والأخلاق والآداب. فمن ضيّع الأصل بالكلية، فقد انتفى عنه مطلق الإيمان، ومن ضيع بعض الفروع وأصل الإيمان باق، فقد انتفى عنه من كمال الإيمان بقدر ما ضيع منها، ولكن لا نحكم عليه بالكفر. وأصل الإيمان هو ما جاء في حديث جبريل: الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر .

وقد ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح أن السلف قالوا: الإيمان هو اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان،وعمل بالأركان، وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط في كماله. ومن هنا نشأ لهم القول بأنه يزيد وينقص. والمرجئة قالوا: هو اعتقاد ونطق فقط. والكرامية قالوا: هو نطق فقط. والمعتزلة قالوا: هو العمل والنطق والاعتقاد. والفارق بينهم وبين السلف: أنهم جعلوا الأعمال شرطاً في صحته، والسلف جعلوها شرطاً في كماله، قال: وهذا كله بالنظر إلى ما عند الله تعالى، أما بالنظر إلى ما عندنا، فالإيمان الإقرار فقط. فمن أقر أجريت عليه الأحكام في الدنيا ولم يحكم عليه بكفر، إلا إن اقترن به فعل يدل على كفره، كالسجود للصنم. فإن كان الفعل لا يدل على الكفر كالفسق، فمن أطلق عليه الإيمان فبالنظر إلى إقراره، ومن نفى عنه الإيمان فبالنظر إلى كماله، ومن أطلق عليه الكفر، فبالنظر إلى أنه فعل فِعْل الكافر، ومن نفى عنه فبالنظر إلى حقيقته. اهـ

والإسلام قد يطلق على مجرد إعلان الشهادتين، وهما باب الدخول في الإسلام، فالكافر إنما يدخل الإسلام، ويصبح في عداد المسلمين بمجرد نطقهما قبل أن يؤدي الصلاة أو الزكاة أو غيرهما، إذ هذه العبادات لا تقبل إلا من مسلم، وإنما يكفي أن يقر بهذه الفرائض ويلتزم بها، وإن لم يؤدها بالفعل، وهذه الشهادة هي التي تعصم دم الإنسان وماله، كما في الحديث: فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله .

وقد يطلق الإسلام على الأركان الأساسية فيه، وهي التي جاء فيها حديث ابن عمر المشهور بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت.

وهي التي فسر بها رسول الله الإسلام في حديث جبريل المعروف حين قال: أخبرني عن الإسلام فقال: الإسلام: أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤتي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان .

وهنا نجد في حديث جبريل الفرق بين مفهومي الإيمان والإسلام، أما إذا اقترنا في الذكر، فكل واحد منهما يتضمن الآخر، وهما متلازمان في الواقع، فلا يوجد إيمان بلا إسلام، ولا إسلام بلا إيمان. فالإيمان يتعلق بالقلب، والإسلام يتعلق بالجوارح والظواهر، وهذا ما جاء في الحديث: الإسلام علانية، والإيمان في القلب [رواه أحمد والبزار، ورجاله رجال الصحيح ]

وهو ما تدل عليه آية سورة الحجرات: ((قالتِ الأعراب آمنَّا قُل لم تؤمِنوا ولكن قولوا: أسلمْنا ولمّا يدخلِ الإيمان في قلوبكم )).

وقد يطلق الإسلام في موضع آخر، ويراد به أيضاً الإسلام الكامل، كما في حديث: الإسلام أن يسلم قلبك لله، ويسلم المسلمون من لسانك ويدك وحديث المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده وحديث وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلماً وغيرها من الأحاديث...

أما الكفر فقد يرد في لسان الشرع بمعنى الجحود والتكذيب لله ولرسالاته، كما في قوله تعالى: ((ومنْ يكفر بالله وملائكته وكُتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضلّ ضلالاً بعيداً )) [النساء:136 ] وقد يطلق بمعنى الردة عن الإسلام، والخروج من حظيرة الإيمان، كما في قوله تعالى: ((ومنْ يكفر بالإيمان فقد حبِط عمله وهو في الآخِرة مِن الخاسِرين )) [المائدة:5 ] وقوله: ((ومن يرتدِدْ مِنكم عنْ دينه فيمُتْ وهو كافرٌ فأولئك حبِطتْ أعمالهم في الدنيا والآخِرة وأولئك أصحاب النار همْ فيها خالِدون )) [البقرة:217 ].

وقد تطلق كلمة الكفر على بعض المعاصي العملية التي لا تحمل إنكاراً ولا جحوداً ولا تكذيباً لله ورسوله.

يقول العلامة ابن القيم في كتابه مدارج السالكين :

الكفر نوعان: أكبر وأصغر.

فالكفر الأكبر: هو الموجب للخلود في النار.

والأصغر: موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود. كما في الحديث اثنتان في أمتي، هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة وقوله في السنن: من أتى امرأة في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد وفي الحديث الآخر: من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد وقوله: لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض وهذا تأويل ابن عباس وعامة الصحابة في قوله تعالى: ((ومَنْ لم يحْكم بِما أنْزل الله فأولئك همُ الكافِرون )) [المائدة:44 ] قال ابن عباس: ليس بكفر ينقل عن الملة، بل إذا فعله فهو به كفر، وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر وكذلك قال طاووس، وقال عطاء: هو كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق .

ومنهم: من تأول الآية على ترك الحكم بما أنزل الله جاحداً له، وهو قول عكرمة. وهو تأويل مرجوح، فإن نفس جحوده كفر، سواء حكم أو لم يحكم.

ومنهم: من تأولها على ترك الحكم بجميع ما أنزل الله، قال: ويدخل في ذلك الحكم بالتوحيد والإسلام، وهذا تأويل عبد العزيز الكناني، وهو أيضاً بعيد، إذ الوعيد على نفي الحكم بالمنزل، وهو يتناول تعطيل الحكم بجميعه وببعضه.

ومنهم: من تأولها على الحكم بمخالفة النص، تعمداً من غير جهل به ولا خطأ في التأويل، حكاه البغوي عن العلماء عموماً.

ومنهم: من تأولها على أهل الكتاب، وهو قول قتادة والضحاك وغيرهما، وهو بعيد، وهو خلاف ظاهر اللفظ، فلا يصار إليه.

ومنهم: من جعله كفراً ينقل عن الملّة.

قال ابن القيم:

(والصحيح: أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين، الأصغر والأكبر، بحسب حال الحاكم؛ فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصياناً، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا كفر أصغر. وإن اعتقد أنه غير واجب، وأنه مخير فيه. مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر، وإن جهله وأخطأه: فهذا مخطئ، له حكم المخطئين.

والقصد: أن المعاصي كلها من نوع الكفر الأصغر، فإنها ضد الشكر، الذي هو العمل بالطاعة، فالسعي: إما شكر، وإما كفر، وإما ثالث، لا من هذا ولا من هذا، والله أعلم ).

والشرك كذلك منه ما هو أكبر، وهو دعاء إله أو آلهة مع الله أو من دون الله، وهو الذي جاء فيه قوله تعالى:

((إنّ الله لا يغْفِر أن يُشرك به ويغفِر ما دون ذلِك لِمنْ يشاء )) [النساء:48 ].

ومنه ما هو أصغر، مثل قوله صلى الله عليه وسلم من حلف بغير الله فقد أشرك (أبو داود والترمذي والحاكم ) وقوله: من علَّق ـ أي : تميمة - فقد أشرك [رواه أحمد والحاكم ].

وقوله : إن الرقى والتمائم والتّولة شرك . [رواه ابن حبان والحاكم وقال: صحيح الإسناد )

وكذلك النفاق، منه النفاق الأكبر، نفاق العقيدة، وهو : أن يبطن الكفر، ويظهر الإيمان خداعاً وكذباً، وهو المذكور في أوائل سورة البقرة ((ومِن الناس منْ يقول آمنّا بالله وباليوم الآخِر وما هم بِمؤمِنين. يخادعون الله والذين آمنوا )) [البقرة:8-9 ] ((وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنّا، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنّا معكم إنما نحن مستهزئون )) [البقرة:14 ].

وهو المذكور أيضاً في أول سورة المنافقون وفي غيرها.

وهذا النفاق هو المتوعد عليه في قوله تعالى: ((إنّ المُنافِقين في الدّرك الأسفل مِن النّار ولنْ تجد لهُم نصيراً )) [النساء:145 ].

وهناك النفاق الأصغر، وهو نفاق العمل، بمعنى أن يتصف المرء المسلم بصفات المنافقين وأخلاقهم، ولكن قلبه مؤمن بالله ورسوله وباليوم الآخر.

وهذا ما جاءت به، الأحاديث مثل: آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان [متفق عليه من حديث أبي هريرة ].

وحديث: أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب،وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر [متفق عليه من حديث عبد الله ابن عمرو ]

وهذا النفاق هو الذي كان يخافه الصحابة والسلف على أنفسهم، وقالوا : ما أمنه إلا منافق، ولا خافه إلا مؤمن!

اتباع المتشابهات وترك المحكمات

ولابد لنا أن نشير هنا إلى سبب أساسي وراء الغلو والانحراف في فهم الدين قديماً وحديثاً، وهو: اتباع المتشابهات من النصوص، وترك المحكمات البينات، وهذا لا يصدر من راسخ في العلم، إنما هو شأن الذين في قلوبهم زيغ ((فيتّبعون ما تشابه مِنه ابتِغاء الفتنةِ وابتِغاء تأويله )) [آل عمران:7 ].

وأعني بالمتشابه: ما كان محتمل المعنى، وغير منضبط المدلول، وأعني بالمحكم: البين المعنى، الواضح الدلالة، المحدد المفهوم.

فترى الغلاة والمبتدعين من قديم يجرون وراء المتشابهات، يملئون بها جعبتهم، ويتخذون منها عدتهم، معرضين عن المحكمات وهي التي فيها القول الفصل، والحكم العدل.

وانظر إلى غلاة اليوم تجدهم يعتمدون على المتشابهات في تحديد كثير من المفاهيم الكبيرة التي رتبوا عليها نتائج خطيرة، بل بالغة الخطر، في الحكم على الأفراد والجماعات، وتقويمهم، وتكييف العلاقة بهم من حيث الولاء والعداء، والحب والبغض، واعتبارهم مؤمنين يُتولّون، أو كفاراً يقاتلون.

وهذه السطحية في الفهم، والتسرع في الحكم، وخطف الأحكام من النصوص خطفاً دون تأمل ولا مقارنة - نتيجة لترك المحكمات البينات، واتباع المتشابهات المحتملات - هي التي جعلت طائفة الخوارج قديماً تسقط في ورطة التكفير لمن عداهم من المسلمين، وتقاتل رجل الإسلام العظيم على بن أبي طالب رضي الله عنه ، وقد كانوا جنوداً في جيشه، مستندين إلى أفهام عجيبة، بل أوهام غريبة، في دين الله تعالى.

قبل علي كرم الله وجهه التحكيم في النزاع الذي بينه وبين خصومه، حقناً لدماء المسلمين، ومحافظة على وحدة جيشه، حيث كان فيه من يرى وجوب القبول؛ فظهر هؤلاء الحمقى يتهمونه - وهو الذي نشأ في نصرة دين الله منذ صباه - بالخروج من الدين؛ لأنه حكم الرجال في دين الله. ورددوا كلمتهم المعروفة: لا حكم إلا لله ! معتمدين على ظاهر القرآن الكريم حيث يقول: ((إن الحُكم إلاّ للهِ )) [يوسف:40 ].

وكان رد الإمام علي عليهم بكلمته التاريخية المأثورة: كلمة حق يراد بها باطل!

ذلك أن ردّ الحكم إلى الله وحده -سواء كان حكماً كونياً أو شرعياً، بمعنى أن التدبير لله والتشريع لله وحده - لا يعني إبطال تحكيم البشر في القضايا الجزئية التي يتنازع الناس فيها مادام تحكيمهم في إطار حكم الله وتشريعه.

وقد ناقش حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما هؤلاء القوم، وحجهم بما في كتاب الله من صور التحكيم.

من ذلك التحكيم بين الزوجين لحل عقدة الخلاف بينهما ((وإن خِفتم شِقاق بينِهما فابعثوا حكماً مِنْ أهلِه وحكماً مِن أهلِها إن يُريدا إصلاحاً يُوفِّق الله بينهما )) [النساء:35 ].

ومن ذلك التحكيم في تقدير مثل الصيد يقتله محرم متعمداً ((يا أيُّها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرمٌ ومَنْ قلته مِنكم مُتعمِّداً فجزاء مِثْل ما قتَل مِن النّعم يحكم به ذوا عدْلٍ مِنكم هدياً بالِغ الكعبة أو كفّارة طعام مساكين... )) [المائدة:95 ].

فمن لم يحسن الفهم عن الله ورسوله فيما جاء من آيات أو من أحاديث، ولم يقف طويلاً عندها دارساً فاحصاً، متأملاً متفقهاً، جامعاً بين أولها وآخرها، وموفقاً بين مثبتها ونافيها، ومقارناً بين خاصها وعامها، أو بين مطلقها ومقيدها، مؤمناً بها كلها، محسناً الظن بها جميعاً - محكمها ومتشابهها - من لم يفعل ذلك فما أسرع ما تضل راحلته، ويعمى عليه طريقه، وتضيع منه غايته فيشرّق مرة ويغرّب أخرى على غير بصيرة، ويخبط خبط عشواء في ليلة مظلمة.

وهذا هو الذي وقع فيه دُعاة التكفير حديثاً، ووقع فيه الخوارج قديماً. والسبب الأساسي لهذا الغلو - كما ذكر الإمام الشاطبي - هو الجهل بمقاصد الشريعة، والتخرص على معانيها بالظن من غير تثبت، أو الأخذ فيها بالنظر الأول، ولا يكون ذلك من راسخ في العلم؛ ألا ترى إلى الخوارج كيف خرجوا عن الدين كما يخرج السهم من الصيد المرمي؟ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفهم بأنهم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يعني -والله أعلم - أنهم لا يتفقهون به حتى يصل إلى قلوبهم، لأن الفهم راجع إلى القلب، فإذا لم يصل إلى القلب لم يحصل فيه فهم على حال، وهذا يقف عند محل الأصوات والحروف فقط، وهو الذي يشترك فيه من يفهم ومن لا يفهم. وما تقدم أيضاً من قوله عليه الصلاة والسلام: إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً إلى آخره..

وقد وقع لابن عباس تفسير ذلك على معنى ما نحن فيه، فخرج أبو عبيد في فضائل القرآن، وسعيد بن منصور في تفسيره عن إبراهيم التيمي قال: خلا عمر رضي الله عنه ذات يوم، فجعل يحدث نفسه: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد؟ فأرسل إلى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد وقبلتها واحدة - زاد سعيد: وكتابها واحد؟ - قال: فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين: إنما أنزل علينا القرآن فقرأناه، وعلمنا فيما أنزل، وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرءون القرآن ولا يدرون فيما نزل، فيكون لكل قوم فيه رأي، فإذا كان كذلك اختلفوا.

وقال سعيد: فيكون لكل قوم فيه رأي، فإذا كان لكل قوم فيه رأي اختلفوا فإذا اختلفوا اقتتلوا! قال: فزجره عمر وانتهره عليّ.. فانصرف ابن عباس، ونظر عمر فيما قال، فعرفه. . فأرسل إليه وقال: أعد علي ما قلته، فأعاد عليه، فعرف عمر قوله وأعجبه.

قال العلامة الشاطبي:

وما قاله ابن عباس رضي الله عنهما هو الحق، فإنه إذا عرف الرجل فيما نزلت الآي أو السورة عرف مخرجها وتأويلها وما قصد بها، فلم يتعد ذلك فيها، وإذا جهل فيما أنزلت احتمل النظر فيها أوجهاً، فذهب كل إنسان فيها مذهباً لا يذهب إليه الآخر، وليس عندهم من الرسوخ في العلم ما يهديهم إلى الصواب، أو يقف بهم دون اقتحام حمى المشكلات، فلم يكن بد من الأخذ ببادي الرأي، أو التأويل بالتخرص الذي لا يغني من الحق شيئاً، إذ لا دليل عليه من الشريعة، فضلّوا وأضلوا.

ومما يوضح ذلك ما خرجه ابن وهب عن بكير أنه سأل نافعاً: كيف رأي ابن عمر في الحرورية؟ (هم الخوارج، نسبوا إلى حروراء، المكان الذي تجمعوا عنده وقاتلهم هناك علي بن أبي طالب ومن معه من الصحابة رضي الله عنهم ) قال: يراهم شرار خلق الله؛ إنهم انطلقوا إلى آيات أنزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين.. فسرّ سعيد بن جبير من ذلك فقال: مما يتبع الحرورية من المتشابه قول الله تعالى:

((ومَنْ لمْ يحكم بِما أنزل الله فأولئك هم الكافرون )) [المائدة:44 ] ويقرنون معها ((ثمّ الذين كفروا بربِّهم يعْدِلون )) [الأنعام:1 ] فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق قالوا: قد كفر، ومن كفر عدل بربه فقد أشرك، فهذه الأمة مشركون، فيخرجون فيقتلون ما رأيت لأنهم يتأولون هذه الآية. فهذا معنى الرأي الذي نبه عليه ابن عباس، وهو الناشئ عن الجهل بالمعنى الذي نزل فيه القرآن.

وقال نافع: إن ابن عمر كان إذا سئل عن الحرورية قال: يكفرون المسلمين، ويستحلون دماءهم وأموالهم، وينكحون النساء في عِدَدهن، وتأتيهم المرأة فينكحها الرجل منهم ولها زوج، فلا أعلم أحداً أحق بالقتال . منهم (الاعتصام: 2/182-184 ).

لا تأخذ العلم من صُحُفي ولا القرآن من مصحفي

ومن أسباب ضعف البصيرة عند هؤلاء: أنهم لا يسمعون لمن يخالفهم في الرأي، ولا يقبلون الحوار معه، ولا يتصورون أن تتعرض آراؤهم للامتحان، بحيث توازن بغيرها، وتقبل المعارضة والترجيح.

وكثير منهم لم يتلق العلم من أهله وشيوخه المختصين بمعرفته، وإنما تلقاه من الكتب والصحف مباشرة، دون أن تتاح له فرصة المراجعة والمناقشة والأخذ والرد، واختبار فهمه ومعلوماته ووضعها على مشرحة التحليل، وطرحها على بساط البحث... ولكنه قرأ شيئاً وفهمه واستنبط منه، وربما أساء القراءة، أو أساء الفهم، أو أساء الاستنباط، وهو لا يدري.

وربما كان ثمة معارض أقوى وهو لا يعلم، لأنه لم يجد من يوقفه عليه، وغفل هؤلاء الشباب المخلصون أن علم الشريعة وفقهها لا بد أن يرجعوا فيه إلى أهله الثقات، وأنهم لا يستطيعون أن يخوضوا هذا الخضم الزاخر وحدهم، دون مرشد يأخذ بأيديهم، ويفسر لهم الغوامض والمصطلحات، ويرد الفروع إلى أصولها، والنظائر إلى أشباهها.

فأما من سبح في هذا البحر وحده، ولم يكن حاذقاً في السباحة، فيخشى عليه أن تتقاذفه الأمواج، ويأخذه التيار إلى غير ما يريد، وكثيراً ما يبتلعه اليمّ، ولا يصل إلى الشاطئ المنشود، ولا يجد من ينقذه، لأنه مضى وحده دون معين أو دليل، وهكذا دراسة الشريعة بغير معلم، لا تسلم من مخاطرات، ولا تخلو من ثُغرات وآفات، لا تتضح إلا بالممارسة والاحتكاك، وخصوصاً عند مفارق الطرق، ومواضع الاشتباه، وتعارض الأدلة والاعتبارات.

وهذا ما جعل علماء السلف يحذرون من تلقي العلم عن هذا النوع من المتعلمين، ويقولون: لا تأخذ القرآن من مصحفي، ولا العلم من صُحُفي. يعنون بالمصحفي: الذي حفظ القرآن من المصحف فحسب، دون أن يتلقاه بالرواية والمشافهة من شيوخه وقرائه المتقنين.

ويعنون بالصُحُفي: الذي أخذ العلم من الصحف وحدها من غير أن يتتلمذ على أهل العلم، ويتخرج على أيديهم.

لماذا أعرض الشباب عن العلماء

وهنا نجد من الإنصاف أن نقول: إن بعض الشباب إنما اعتمدوا على الكتب، لفقدانهم الثقة بأكثر المحترفين من رجال العلم، وخاصة المقربين من السلطان منهم، فهم عندهم في موضع الاتهام، لأنهم يمالئون الحاكم رغم علمهم بأنه لا يحكم بما أنزل الله، وهم لم يكتفوا بأن يسكتوا عن أن يقولوا للظالم: يا ظالم، بل قالوا له: ما أعْدَ لك وما أعظمك أيها البطل! فليتهم إذ سكتوا عن الحق لم ينطقوا بالباطل! فلا غرو أن وجدوا الأموات أوثق وآمن من الأحياء، فلجئوا إلى كتبهم يأخذون عنها دون وسيط.

قلت لأحد هؤلاء: يجب أن تأخذوا العلم من أهله، وتسألوا أهل الذكر من العلماء فيما لا تعلمون.

قال: وأين نجد هؤلاء العلماء الذين نطمئن إلى دينهم وعلمهم؟ إننا لا نجد إلا هؤلاء الذين يدورون في فلك الحكام، إن أرادوا الحل حللوا، وإن أرادوا الحرمة حرموا؛ إذا كان الحاكم اشتراكياً باركوا الاشتراكية ووصلوا نسبها بالإسلام، وإذا كان رأسمالياً أيدوا الرأسمالية باسم الإسلام!

العلماء الذين إذا أراد حاكمهم الحرب فالسلم حرام ومنكر، وإذا تغيرت سياسته فأراد السلم، صدرت الفتاوى بالتبرير والتأييد ((يُحِلُّونه عاماً ويحرِّمونه عاما ً))

العلماء الذين سوّوا بين الكنيسة والمسجد، وبين الهند الوثنية وباكستان الإسلامية!

قلت له: لا ينبغي أن نحمّل الكل ذنب البعض، وأن نأخذ المحسنين بتقصير المسيئين،فمن العلماء من رفض الباطل، ومن تصدى للظلم، ومن أبى الانحناء للطاغوت، ومن قاوم إغراء الوعد وإرهاب الوعيد، واحتمل العذاب ، وصبر على البلاء، ورضي بالسجن والتنكيل، بل رحب بالشهادة في سبيل الله، ولم يقبل المساومة على دينه، أو التهاون في شأن عقيدته.

قال الشاب: لا أجحد هذا، ولكن المسيئين هم الكبار المرموقون، والقادة المسؤولون الذين بأيديهم مقاليد الفتوى والتوجيه والإرشاد.

ولا ريب أن مع الشباب كثيراً من الحق فيما قالوا: فقد أصبح كثير من العلماء الكبار أدوات في يد السلطان، إن شاء أن ينطقوا بما يريد من شأنٍ نطقوا وأفصحوا، وإن شاء أن يصمتوا صمتوا حيث يجب البيان، ويحرم الكتمان، والساكت عن الحق كالناطق بالباطل، كلاهما شيطان.

دعي أحد العلماء اللامعين إلى ندوة تليفزيونية في أحد الأقطار، تدور المناقشة فيها حول موضوع تحديد النسل في نظر الشريعة الإسلامية، وكانت دهشة الرجل المكلف بإدارة الندوة بالغة حين قال له هذا العالم: هل تهدف الندوة إلى تأييد التحديد أو معارضته حتى أهيئ نفسي؟!

ورحم الله العلماء السابقين الذين قال أحدهم للباشا: إن الذي يمد رجليه لا يمد يديه!

وليت هؤلاء حين قلّ زادُهم من اليقين والتقوى كثر زادهم من العلم والفقه!

كلا لقد احتك هؤلاء الشباب الحريصون على التفقه في دينهم بكثير من العلماء اللامعين في سماء الخطابة أو الكتابة، فلم يجدوا لهم قدماً راسخة في علم الكتاب والسنة، ووجدوا ما عندهم من العلم لا يشفي علة، ولا ينقع غُلة. كتب بعضهم في صحيفة سيارة ينادي بأن لا ربا بين الحكومة ورعاياها، وحجته التي خيل إليه أنه بها أتى بما لم تأت به الأوائل: القياس - فيما زعم - على أن لا ربا بين الوالد وولده، وهذا الحكم مختلف فيه، ولم يثبت بنص ولا إجماع، فكيف يعتبر أصلاً يقاس عليه؟ ولو صح أن يقاس عليه كان هذا قياساً مع الفارق.

لقد كان الشباب معذوراً حين يئس من أمثال هؤلاء، الذين حرموا من العلم والورع معاً.

لقد وجدوا أن من هؤلاء من يحتج بالأحاديث الموضوعة، ويرد الأحاديث الصحيحة المتفق عليها، رأوا منهم من يستشهد بالإسرائيليات، ويستدل بالمنامات، وليس في رأسه إلا القصص والحكايات! رأوا منهم من يؤيد البدع الرائجة، ويرفض السنن الثابتة، ويتملق أهواء العوام وشهوات الخواص ولا يلجأ في العلم إلى ركن وثيق، فلهذا نفضوا أيديهم منهم، ولم يَعُدْ لهم ثقة بما يصدر عنهم.

حتى بعض العلماء الذين كان لهم سمعة طيبة عند الشباب، وقعوا في شرك التأييد للسلطان الذي نصبته لهم الأجهزة الإعلامية الماهرة، وحملوا على الشباب بشدة دون أن يسمعوا دفاعهم، أو يعرفوا حقيقة مواقفهم.

ويكفي هنا أن أضرب مثلاً لما قاله أحد العلماء المشهورين معلقاً على ما حدث لشباب الجماعات الإسلامية في مصر، بعد تجميد نشاطهم، واعتقال أعداد كبيرة منهم، وتقديمهم للمحاكمات.

قال: لو كان هؤلاء حقيقة أنصار إسلام ما خذلهم الله .. لو كانوا فعلاً أنصار إسلام، والله راض عما كانوا يفكرون فيه ويهدفون إليه، ما كانت قوة ـ لا بوليس ولا جيش ـ وقفت أمامهم، ولكن لأنهم ليسوا كذلك هزمهم الله قبل أن يهزمهم البشر.

قال الشيخ هذا الكلام ليقرر به قاعدة تتخذ مقياساً لمعرفة المحق من المبطل، فمن خذل وانهزم دل على أنه كان على باطل، لأن الله لم ينصره. ومن كان النصر والنجاح حليفه دل ذلك أنه على حق.

وهذا كلام مرفوض شرعاً وقدراً، فإن للنصر أسباباً وشروطاً قد لا تتوافر كلها لصاحب الحق، فيتخلف النصر عنه.. وقد تتهيأ للمبطل ظروف تمكنه من النجاح إلى حين.. قد يقصر أو يطول.

وكم رأينا في عصرنا من دعاة للباطل تغلبوا ونجحوا، ومن دعاة للحق أخفقوا وهزموا، لأن القوى العالمية كانت مع الأولين، وضد الآخرين، وأمامنا إسرائيل مثالاً واضحاً لما نقول.

ومن منا يجهل كيف سُحق الشعب التركي المسلم - بقيادة علمائه - أمام طغيان أتاتورك وزمرته؟ وكيف طرد الإسلام من دار الخلافة، وفرضت العلمانية اللادينية على شعب تركية بالحديد والنار؟ فمن كان من الفريقين على الحق ومن كان على الباطل؟

وبالأمس القريب، في بعض البلاد الإسلامية قُتل العلماء، وحُرقوا بالنار، لأنهم قاوموا قانونا يتعلّق بأحوال الأسرة، حاولت السلطة أن تفرضه على الشعب المسلم، فيه تبديل لشرع الله، فهو يحل ما حرم الله، ويحرم ما أحل الله، ويبطل ما أوجب الله، فلما قال العلماء: لا، كان جزاؤهم الموت، حتى يكونوا عبرة لغيرهم، فلا يرتفع لأحد بعدهم رأس، ولا يسمع لمعارض صوت.

وانتصرت السلطة الطاغية، وسكت صوت العلماء، ومعهم صوت الشعب. فهل كانت السلطة على حق، والعلماء على باطل؟

وفي بلد إسلامي آخر، تتحكم الأقلية الكافرة في الأكثرية المسلمة وتسوق الألوف من المسلمين والمسلمات إلى السجون، حتى يخرس كل صارخ، ويستكين كل معاند، ولا يقول لأحد: كيف؟ و لم؟ فضلاً عن لا . فإذا ضاقت السجون بمن فيها خففوا أعدادها بتوجيه الرشاشات إلى صدور من فيها، وإذا وجدوا الرجال المسلمين لا يبالون بالموت، اتخذوا معهم أسلوباً آخر لقهرهم واذلالهم، أسلوباً لم يقدم عليه جنكيز خان ولا هولاكو، ولا غيرهما من جبابرة التاريخ السفاحين: أن يعتدوا على أعراضهم أمام أعينهم.

فيالله، كم من دماء معصومة سفكت، وكم من أعراضٍ مصونة هتكت، وكم من حرمات مقدسة قد انتهكت، وكم من مساجد عريقة هدمت، وكم من أموال نفيسة نهبت، وبيوت عامرة خربت، ومدن دمرت على أهلها، قتل تحت أنقاضها من قتل، وشرد من شرد، من الرجال والنساء والولدان، لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، وكم من أطفال برآء في عمر الزهر، ودون سن التمييز، لا يعرفون ولا يعرف أحد من الناس، من أي أسرة هم، ولا من آباؤهم وأمهاتهم؟

لمثل هذا يذوب القلب من كمد

إن كان في القلب إسلام وإيمان!

لقد قُهر الشعب المسلم أمام جبروت الطاغوت! فمن منهما على الحق، ومن على الباطل؟

وفي سائر عصور التاريخ حدث هذا، انهزم أبو الشهداء، سبط النبي، الحسين بن علي رضي الله عنه أمام جيش ابن زياد والى يزيد، وبقيت دولة بني أمية لعشرات السنين ولم يكن لآل البيت حظ في الخلافة حتى بعد قيام دولة بني العباس أبناء عمومتهم.

فهل نتخذ من هذا دليلاً على أن يزيد كان على حق والحسين على باطل؟!

وبعد ذلك بسنوات انهزم العالم القائد الشجاع عبد الله بن الزبير - أحد العبادلة الأربعة - أمام جيش الحجاج جبار بني أمية، بعد أن ظل في الحجاز وما حولها بضع سنين ينادى بخليفة المسلمين وأمير المؤمنين.

وبعده سُحق القائد الثائر عبد الرحمن بن الأشعت ومعه مجموعة من كبار العلماء مثل سعيد بن جبير، والشعبي، ومطرف بن عبد الله وغيرهم، سحقهم الحجاج الطاغية وقتل منهم من قتل، مثل: سعيد بن جبير الذي قال عنه الإمام أحمد: قتل سعيد وما على الأرض مسلم إلا وهو محتاج إلى علمه.

فهل هزيمة هؤلاء وأولئك أمام طغيان الحجاج برهان على أنهم على باطل، والحجاج على حق؟

إننا نذكر هنا ما قاله بعض المسلمين وقد انكشفوا أمام خصومهم في معركة: والله لو نهشتنا السباع، أو تخطفنا الطير، ما شككنا أنكم على الباطل، وأننا على الحق!

وقال عبد الله بن الزبير وهو محصور مع قلة من أنصاره في مكة: والله ما ذل ذو حق، ولو تمالأ عليه من بأقطارها: ووالله ما عز ذو باطل ولو طلع من جبينه القمر!

وقد أشار القرآن الكريم إلى أن عدداً من الأنبياء قتلهم خصومهم، كما قال تعالى في خطاب بني إسرائيل ((أفكُلّما جاءكم رسولٌ بِما لا تهْوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذّبْتم وفريقاً تقتلون )) [البقرة:87 ] ومن هؤلاء نبي الله زكريا، وابنه السيد الحصور يحيى عليهما السلام.

فهل كان قتل هؤلاء النبيين، وتمكن أعدائهم منهم، دليلاً على أنهم لم يكونوا على حق فيما دعوا إليه؟

وفي القرآن أيضاً نقرأ قصة أصحاب الأخدود، الذين حفروا الأخاديد وأججوا فيها النيران، وألقوا بجماعة المؤمنين في قلبها، وهو قعود حولها، يتلذذون بالنظر إلى ألسنة النار، وهي تأكل هؤلاء المؤمنين الصادقين ((وما نقموا مِنهم إلاّ أن يؤمِنوا بالله العزيز الحميد )) [البروج:8 ].

فهل كان هؤلاء الطغاة على حق، لأنهم تمكنوا من أولئك الضعفاء من المؤمنين وأبادوا خضراء هم ولم يبقوا لهم من باقية؟

وهل كان أولئك المؤمنين على باطل، لأن نهايتهم كانت الإبادة والفناء في هذه الدنيا؟!

الواقع أن منطلق الشيخ غير مقبول بحال، ولا أدري كيف غفل الشيخ عن سنن الله تعالى في ابتلاء المؤمنين، واستدراج الطاغين، فقد قال تعالى في الأولين:

((أحسب النّاس أن يُتركوا أن يقولوا آمنَّا وهم لا يُفتنون ولقد فتنَّا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذِبين )) [العنكبوت:1-3 ] وقال بعد غزوة أحد التي انكسر فيها المسلمون: ((إن يمْسسكم قرحٌ فقد مسَّ القوم قرحٌ مِثلُه، وتِلْك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتّخذ منكم شهداء... )) [آل عمران:140-141 ] وقال في الآخرين: ((سنستدْرِجهم مِنْ حيثُ لا يعلمون وأملي لهم إنّ كيدي متين ُ)) [القلم:44 ].

ضعف المعرفة بالتاريخ والواقع وسنن الكون والحياة

ويضاف إلى ضعف البصيرة بالدين: ضعف البصيرة بالواقع والحياة، وبالتاريخ، وبسنن الله في الخلق. فتجد أحدهم يريد ما لا يكون، ويطلب ما لا يوجد، ويتخيل ما لا يقع، ويفهم الوقائع على غير حقيقتها، ويفسرها وفقاً لأوهام رسخت في رأسه، لا أساس لها من سنن الله في خلقه ولا من أحكامه في شرعه. فهو يريد أن يغير المجتمع كله: أفكاره ومشاعره وتقاليده وأخلاقه وأنظمته: الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بوسائل وهمية، وأساليب خيالية، مع شجاعة وجرأة وفدائية لا تستكثر تضحية وإن غلت، ولا تعبأ بالموت تقع عليه أو يقع عليها، ولا تهتم بالنتائج أيًّا كانت ما دامت نيتها لله وهدفها إعلاء كلمة الله تعالى.

ومن ثم لا يستغرب أن تندفع إلى أعمال وتصرفات يسميها بعض الناس انتحارية ويسميها آخرون جنونية يسقط ضحيتها عدد منهم دون أن يبالوا بذلك شيئاً.

ولو رجع هؤلاء إلى السيرة النبوية لوجدوا أن رسول صلى الله عليه وسلم ، ظل ثلاثة عشر عاماً في مكة يدعو ويربي؛ والشرك ضارب أطنابه عن يمينه وشماله، الكعبة البيت الحرام تحيط بها الأصنام التي بلغت نحو (360 ) صنماً، وهو عليه السلام يصلي عند الكعبة ويطوف بها، وتلك الأصنام من حوله، لم يفكر أن يقوم هو وأصحابه بهجمة فدائية لتحطيمها والخلاص منها، لأنه لو فعل لعرض نفسه وأصحابه للهلاك، لعدم تكافؤ القوى أو تقاربها، ولم تنته بذلك عبادة الأصنام، فإن عابديها سيقيمون بديلاً لها في اليوم التالي، ينحتونه أو يشترونه، لأن الوثنية قائمة في عقولهم قبل أن تكون في الصنم المعبود ذاته، فما لم تتحرر عقولهم من هذا الزور فلن يغني عنهم تحطيم الأوثان شيئاً.

ولهذا تركها صلى الله عليه وسلم ، واشتغل بالدعوة إلى تحرير العقول بالتوحيد، وتطهير القلوب بالتقوى، وإعداد الصحف المؤمن لمعركة فاصلة مع قوى الكفر المتوثب للفتك، المضمر للسوء، وتربية أصحابه على الصبر الجميل، والنفس الطويل، حتى يأتي أوان المواجهة مع الوثنية العاتية وهو آت لا ريب فيه.

وكان من الصحابة رضي الله عنهم من يأتونه عليه الصلاة والسلام، ، ما بين مضروب ومشجوج ومجروح، يلتمسون منه أن يأذن لهم بأن يشهروا سيوفهم ويقاتلون، دفاعاً عن أنفسهم، فلا يأذن لهم، ويأمرهم بالصبر وكف الأيدي، حتى يأذن الله بالقتال.

ومر صلى الله عليه وسلم على عمار بن ياسر وأبويه وهم يعذبون، فلم يملك إلا أن يقول لهم: صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة! وظل الأمر كذلك حتى أذن الله للمؤمنين بالقتال، دفاعاً عن أنفسهم وذوداً عن حرية دعوتهم: ((إُذِن للّذين يُقاتلون بأنهم ظُلِموا وإنّ الله على نصْرهِمْ لقدير. الذين أخرِجوا مِنْ دِيارهم بغيرِ حقٍّ إلاّ أن يقولوا: ربُّنا الله. )) [الحج:39 ].

وهنا جاء أوان الصدام المسلح مع الوثنية الطاغية ومقابلة السيف بالسيف، والقوة بالقوة.

ولكن متى تحقق ذلك؟ إنما تحقق ذلك حين أصبح للنبي صلى الله عليه وسلم ومن آمن به دار وكيان وسلطان، فكانت السرايا والغزوات، وكان الفتح الأعظم، الذي هيأ الله به لرسوله أن يدخل مكة فاتحاً، بعد أن خرج منها مضطهداً، وأن يضرب أصنامها برمحه، فتخر ساقطة وهو يقول: ((وقُل جاء الحقُّ وزهقَ الباطِلُ إنّ الباطِل كان زهوقاً )) [الإسراء:81 ].

ومن غرائب ما قرأت وسمعت: موقف قيادة الجماعة التي سموها جماعة التكفير والهجرة من التاريخ كما شهد بذلك شاهد من أهلها، فقد سجل الأستاذ عبد الرحمن أبو الخير في ذكرياته عن جماعة المسلمين - وهذا اسمها عند أصحابها وأتباعها - هذا الموقف باعتباره أحد أوجه الخلاف بينه وبين الشيخ شكري مؤسس الجماعة؛ إذ كان الوجه الرابع منها هو عدم الاعتداد بالتاريخ الإسلامي، فقد كان شكري يعتبره وقائع غير ثابتة الصحة، وإن التاريخ عنده هو أحسن القصص في القرآن الكريم، ولذا يحرم دراسة عصور الخلافة الإسلامية، أو الاهتمام بها (ص 35 )

فانظر يا رعاك الله إلى هذه النظرة السطحية الضيقة الأفق، التي تجعل دراسة تاريخ المسلمين حراماً دينياً! مع أن التاريخ هو مخزن العبر، ومعلم الأمم، فكما أن الفرد يتعلم من أحداث أمسه لغده، فإن الأمة أيضاً تأخذ من ماضيها لحاضرها، وتستفيد من صوابها وخطئها معاً، ومن انتصاراتها وهزائمها جميعاً.

والتاريخ إنما هو في الواقع ذاكرة الأمة الحافظة الواعية، والأمة التي تهمل تاريخها أشبه بالفرد يفقد ذاكرته، ويعيش ليومه وحده، بلا ماض يعرفه ويبني عليه، إنه إنسان مبتلى مقطوع الجذور، يرثى لحاله، وهو أحوج ما يكون إلى العلاج، فكيف ترضى جماعة أن تجعل هذا الوضع المَرضيّ الشاذ أساساً لحياتها؟

والتاريخ هو المرآة التي تتجلى فيها سنن الله تعالى في الكون عامة، وفي الاجتماع البشري خاصة، ولهذا عني القرآن عناية بالغة بلفت الأنظار، وتنبيه العقول إلى هذه السنن للانتفاع بها، وتلقي الدروس العملية منها.

اقرأ معي هذه الآيات الكريمة:

((قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ )) [آل عمران:137 ].

وهذه السنن تتميز بالثبات، فلا تتبدل ولا تتحول. كما قال سبحانه: ((وأقسموا بالله جهد أيمانِهم لئنْ جاءهم نذيرٌ ليكونُنّ أهدى مِنْ إحدى الأمم فلمّا جاءهم نذِيرٌ ما زادهم إلاّ نُفوراً. استِكباراً في الأرض ومكر السيئ، ولا يحيق المكُر السيّئُ إلاّ بأهُلِه فهل ينظرون إلاّ سُنة الأولين فلن تجد لِسنة الله تبديلاً ولن تجد لسُنّة الله تحويلا ً)) [فاطر:42-43 ].

كما تتميز هذه السنن بالعموم فهي تنطبق على الناس جميعاً، بغض النظر عن أديانهم، وجنسياتهم، فأي مجتمع أخطأ أو انحرف لقي جزاء خطئه أو انحرافه، ولو كان هو مجتمع الصحابة أو مجتمع النبي صلى الله عليه وسلم ، وحسبنا في هذا ما دفعه الصحابة ثمناً لخطئهم في غزوة أحد، وهو ما سجله القرآن عليهم بوضوح في قوله: ((أولماّ أصابتكم مُصيبةٌ قد أصبتم مِثليها قلتم أنّى هذا قل هو مِنْ عند أنفسكم )) [آل عمران:165 ] وبيّن في آية أخرى هذا الذي عند أنفسهم بقوله: ((حتّى إذا فشِلتم وتنازعتُم في الأمر وعصيتم )) [آل عمران:152 ].

وأما القول بأن التاريخ وقائع غير ثابتة الصحة، فقد يصدق هذا على بعض الوقائع الجزئية، أما الاتجاهات العامة، والأحداث الأساسية فهي معروفة وثابتة بيقين بأكثر من دليل، على أن تلك الوقائع التي يحيط بها بعض الريب لا يصعب على أهل الذكر تمحيصها، وتمييز الخطأ من الصواب فيها، والثابت من المختلق أو المبالغ فيه منها.

على أننا لا نعني بالتاريخ، تاريخ المسلمين فحسب، بل تاريخ البشرية حيثما عرف، وتاريخ الأمم في أي أرض كانت، وفي أي عصر كانت، وعلى أي ملة كانت، مسلمة أو غير مسلمة، فالعبرة لا تؤخذ من سير المؤمنين وحدهم، بل تؤخذ من المؤمن والكافر، ومن البر والفاجر، لأن الفريقين تجري عليهما سنن الله بالتساوي، ولا تحابي هذه السنن أحداً شأنها شأن السنن والقوانين الطبيعية، فقوانين الحرارة والبرودة، والغليان والانصهار، والضغط والانفجار، قوانين كونية عامة، تتعامل مع الموحدين تعاملها مع الوثنيين.

بل نحن لا نفهم القرآن كما ينبغي، ولا نعرف فضل الإسلام تماماً، ما لم نعرف ماذا كانت عليه الجاهلية من ضلال، أشار إليه القرآن بمثل قوله: ((وإن كانوا منْ قبلُ لفي ضلالٍ مُبينٍ )) [آل عمران:164 ] وقوله ((وكنتم على شفا حُفْرةٍ مِن النار فأنقذكم مِنها )) [آل عمران:103 ].

وهذا سر ما ورد عن عمر رضي الله عنه حين قال: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية .

وإذا كان الاعتراف بالحق فضيلة، فإني أعترف أن كثيراً من المشتغلين بأمر الإسلام والدعوة إليه، لم يقرءوا التاريخ، وإن لم يحرّموا دراسته على أنفسهم وأتباعهم كما حرمها بعض الغلاة، أعني: لم يقرأوه ببصيرة نفاذة، ووعي حاضر، فليس المهم قراءة الأحداث مسرودة متتابعة، بل المهم النفاذ إلى لبها ومعرفة العبرة منها،والوصول إلى سنن الله فيها.

كما أنه ليس المهم لمن يسير في الأرض وينظر في آثار الأمم أن يراها بعين رأسه، ويسمع أخبارها بأذنه، إنما المهم هنا هو عين القلب وأذنه، كما قال تعالى: ((أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوبٌ يعقِلون بها أو آذانُ يسمعون بِها فإنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور )) [الحج:46 ].

إن أحداث التاريخ تتكرر وتتشابه إلى حد كبير لأن وراءها سنناً ثابتة تحركها وتكيّفها، ولهذا قال الغربيون: التاريخ يعيد نفسه. وعبر العرب عن هذا المعنى بقولهم: ما أشبه الليلة بالبارحة!

والقرآن الكريم أشار إلى تشابه المواقف والأقوال والأعمال، نتيجة لتشابه الأفكار والتصورات التي تصدر عنها. وفي هذا جاء قوله تعالى: ((وقال الذين لا يعلمون لولا يُكلِّمُنا الله أو تأتينا آيةٌ كذلك قال الذين مِن قبلهم مِثل قولِهم، تشابهت قُلوبهم )) [البقرة:118 ].

وقال تعالى عن مشركي قريش: ((كذلِك ما أتى الّذين مِنْ قبلهم منْ رسولٍ إلاّ قالوا ساحرُ أو مجنونٌ. أتواصو بِه بل هم قومٌ طاغون )) [الذاريات:52-53 ].

أي: إن هذا الاشتراك والتشابه في الموقف من الرسل، بين الأولين والآخرين، والمسارعة إلى الاتهام بالسحر أو الجنون، لم ينشأ نتيجة تواص بين هؤلاء وأولئك، بل السبب أنهم جميعاً طغاة ظالمون، فلما تشابهوا في السبب، وهو الطغيان، تشابهوا في النتيجة.

ومن عرف التاريخ وسنن الله فيه، وكان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، تعلّم من أخطاء الآخرين، وكان له بهم عظة، فالسعيد من وعظ بغيره، واقتبس مما عندهم من خير، فالحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق بها. .

سنتان مهمتان من سنن الله

ومن السنن المهمة التي يغفل عنها المتحمسون والمتعجلون سنتان مهمتان هما:

1- سنة التدرج.

2- وسنة الأجل المسمى.

ســـــــنة التدرج:

فأما التدرج فهو سنة كونية، وسنة شرعية أيضاً.

ولهذا خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام، وكان قادراً أن يقول: كوني فتكون، ولكنه خلقها في أيام ستة من أيام الله تعالى، أي في ستة أطوار أو أزمنة يعلمها الله، فليست هي أيامنا هذه إذ هي قبل خلق الشمس والأرض وما يتبعهما من ليل أو نهار.

وكذلك نرى خلق الإنسان والحيوان والنبات، كلها تتدرج في مراحل حتى تبلغ نماءها وكمالها.

فهذا من الناحية الكونية، وأما من الناحية الشرعية، فقد بدأ الإسلام بالدعوة إلى التوحيد وتثبيت العقيدة السليمة، ثم كان التشريع شيئاً فشيئاً. فقد فرضت الفرائض وحرمت المحرمات بالتدريج، كما هو ثابت في فرض الصلاة والصيام والزكاة، وتحريم الخمر وغيرها، ولهذا افترق القرآن المكي عن المدني.

وفي هذا المعنى تقول عائشة رضي الله عنها، واصفة تدرج التشريع ونزول القرآن: إنما أنزل أول ما أنزل من القرآن سور فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام، نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر ولا تزنوا، لقالوا: لا ندع الخمر ولا الزنى أبداً [رواه البخاري ].

ومن هنا كان على الذين يدعون إلى استئناف الحياة الإسلامية، وإقامة دولة الإسلام في الأرض، أن يراعوا سنة التدرج في تحقيق ما يريدون من أهداف، آخذين في الاعتبار سمو الهدف، ومبلغ الإمكانات، وكثرة المعوقات.

ويحضرني هنا مثل من سيرة الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز خامس الراشدين المهديين المقتدى بهم، فقد أراد عمر أن يعود بالحياة إلى هدي الخلفاء الأربعة وذلك بعد أن يتمكن ويمسك الخيوط في يديه، ولكن كان ابنه الشاب الغيور عبد الملك من الأتقياء المتحمسين، ينكر على أبيه عدم إسراعه في إزالة كل بقايا الانحراف والمظالم والتعفية على آثارها،ورد الأمور إلى سنن الراشدين، فقال له يوماً: مالك يا أبت لا تنفذ الأمور؟ فوالله ما أبالي، لو أن القدور غلت بي وبك في الحق !

فكان جواب الأب الفقيه المؤمن: لا تعجل يا بني، فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين، وحرمها في الثالثة،وإني أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيدعوه جملة، فيكون من ذا فتنة [الموافقات 2/94 ]

لكل شيء أجل مسمى

والسنة الثانية وهي متممة للسنة السابقة: أن لكل شيء أجلاً مسمى يبلغ فيه نضجه أو كماله،وهذا ينطبق على الماديات والمعنويات فلا ينبغي أن يُستعجل الشيء قبل أن يبلغ أجله المقدر لمثله، فإن الزرع إذا حصد قبل إبانه، والثمر إذا قطف قبل أوانه، لا ينتفع به النفع المرجو، بل قد يضر ولا ينفع.

فإذا كان النبات لا يؤتي أكله إلا بعد أشهر أو سنة، وبعض الشجر لا يثمر قبل سنوات عدة، فبعض الأعمال الكبيرة لا تقطف ثمارها إلا بعد عقود من السنين، وكلما كان العمل عظيماً كانت ثمرته أبطأ، كما قيل: أبطأ الدلاء فيضاً أملؤها.

وقد يبدأ جيل عملاً تأسيسياً ذا شأن، فلا يستفيد إلاّ منه الجيل الثاني أو الثالث أو ما بعد ذلك، ولا ضير في هذا مادام كل شيء يسير في خطه المعلوم وطريقه المرسوم.

وقد كان المشركون في مكة يسخرون من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن قوله: إن العاقبة له ولمن آمن به، وإن العذاب لمن صدّ عنه. فكانوا يستعجلونه هذا العذاب الذي خوفهم به، جاهلين أن لكل شيء موعداً لن يخلفه ((ويستعجِلونك بالعذابِ ولولا أجلٌ مسمى لجاءهم العذابُ وليأتينهم بغتةً وهم لا يشعرون )) [العنكبوت:53 ] ((ويستعجلونك بالعذابِ ولن يخلِف الله وعده وإنّ يوماً عند ربِّك كألفِ سنةٍ مما تعدّون )) [الحج:47 ].

ولهذا أمر الله تعالى رسوله الكريم أن يصبر على قومه، كما صبر إخوانه أولو العزم من الرسل من قبل، ولا يستعجل لهم العذاب كما يستعجلون ((فاصبر كما صبر أولوا العزْم مِن الرُسل ولا تستعجل لهم )) [الأحقاف:35 ]

وضرب له وللمؤمنين معه مثلاً بمن خلا قبلهم من أصحاب الرسالات، وكيف صبروا على شدة الابتلاء، وطول الطريق، وصعوبة انتظار النصر ((أمْ حسبتُم أن تدخلوا الجنّة ولما يأتِكم مثل الذين خلوا مِن قبلكم مسّتْهم البأساء والضرّاء وزُلزِلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إنّ نصر الله قريبُ )) [البقرة:214 ]

أجل، إن نصر الله قريب، ولكن له موعد وأجل مسمى عند ربنا، ولا يعجل الله بعجلة أحد من خلقه.

ومن أجل ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه بالصبر، ويربيهم عليه، وألا يستعجلوا النصر قبل أوانه.

ولما شكا إليه خباب بن الأرت ما يلقى من شدة الأذى في سبيل الإسلام قائلاً: ألا تدعو لنا يا رسول الله؟ ألا تستنصر لنا؟ غضب النبي صلى الله عليه وسلم ، وجلس محمراً وجهه وقال: إن من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب، وينشر أحدهم بالمنشار فرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه، والله ليظهرن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون!! [رواه البخاري ].

غربة الإسلام في ديار الإسلام

وسبب آخر يعمل عمله في نفسية الإنسان المسلم الملتزم بتعاليم دينه في هذا العصر، وخصوصاً الشاب.

ذلك أنه يرى المنكر يستعلن، والفساد يستشري، والباطل يتبجح، والعلمانية تتحدث بملء فيها، والماركسية تدعو إلى نفسها بلا خجل، والصليبية تخطط وتعمل بلا وجل، وأجهزة الإعلام تشيع الفاحشة، وتنشر السوء. يرى النساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، ويرى الخمر تشرب جهاراً، وأندية الفساد تجعل الليل نهارا. يرى المتاجرة بالغرائز على أشدها، من أدب مكشوف،وأغان خليعة، وصور فاجرة، وأفلام داعرة، وتمثيليات ومسرحيات ووو.. كلها تصب في نهر الإغراء بالفسوق والعصيان، والتعويق عن الإسلام والإيمان.

يرى المسلم هذا في ديار الإسلام، ويرى معها التشريع الذي يجب أن يعبر عن عقائد الأمة وقيمها في صورة قوانين تحرس معنويات الأمة، وتعاقب من يجترئ على حماها. . هذا التشريع للأسف يبارك المنكر، ويؤيد الفساد، لأنه لم ينبع مما أنزل الله، بل مما وضع الناس، فلا عجب أن يحل ما حرم الله، ويحرم ما أحل الله، ويسقط فرائض الله، ويعطل حدود الله.

ثم يرى الحكام الذين حملهم الله المسؤولية عن شعوبهم المسلمة يسيرون في واد غير وادي الإسلام، يوالون من عادى الله، ويعادون من والى الله، ويقربون إليهم من بعّد الله، ويبعّدون من قرب الله، ويقدمون من أخر الإسلام، ويؤخرون من قدمه، ولا يذكرون الإسلام إلا في الأعياد والمناسبات، تمويهاً على شعوبهم، وضحكاً على لحاهم!

ومن ناحية أخرى، يرى الظلم الاجتماعي البين، والتفاوت الطبقي الفاحش، أفراد يلعبون بالملايين، وجماهير لا يجدون الملاليم، قصور تشاد وتنفق عليها عشرات الملايين، وربما لا تسكن في السنة إلا أياماً معدودات، على حين يموت ملايين في العراء، لا يجدون ما يحميهم من حر الصيف ولا برد الشتاء؛ أناس تموج خزائنهم بالذهب كما يموج التنور باللهب، وأرصدتهم في البنوك الأجنبية بأرقامها السرية، لا يعلم مقدارها إلا الله والكرام الكاتبون، والخواجات الحاسبون؛ وسواد الناس ليس لهم خزائن إلا الجيوب التي كثيراً ما تشكو الإفلاس والخواء. . فهي قانعة بالقليل، ولكنه لا تجده، منشدة قول أبي العتاهية:

حسبك مما تبتغيه القوتُ

ما أكثر القوت لمن يموت!

ومع هذا لا تجد ما تشتري به القوت يسد جوعة الأطفال يصرخون، أو الكبار يتألمون، ولو تبرع وجيه أو ثري من أثرياء النفط، أو أثرياء الانفتاح، أو وسطاء الشركات العالمية! بما يكسبه في صفقة، أو يخسره في ليلة على المائدة الخضراء، أو ينفقه تحت أقدام شقراء، لأغنى الكثير من الفقراء، وأشبع الكثير من الجياع، وكسا الكثير من العراة.

وكيف لا، والثروات الضخمة تجمع بل تنهب، والأموال العامة تسرق بل تغصب، والرشوة لها سوق بل أسواق، والمحسوبية قائمة على قدم وساق، واللصوص الكبار يتمتعون بالحرية والتكريم، واللصوص الصغار وحدهم يتعرضون للعقاب الأليم! وداء الحسد والبغضاء بين الأفراد والفئات - نتيجة لهذا التظالم - يفتك بالقلوب والعلاقات، فتك الأوبئة بالأجسام؛ ودعاة المبادئ الهدامة يستغلون هذا المناخ وتناقضاته الصارخة، ليؤججوا نار الصراع الطبقي، والحقد الاجتماعي، تهيئة لنشر مذاهبهم المستوردة، فيجدوا في هذا الجو الأذن التي تسمع، لا حباً في المذهب المنشود، ولكن كرهاً للواقع المشهود.

وأساس هذا كله: أن الإسلام - بشموله وتكامله وتوازنه - غائب عن الساحة، غريب في أوطانه، منكور بين أهله، معزول عن الحكم والتشريع، وعن توجيه الحياة العامة، وشؤون الدولة في سياستها واقتصادها، وسائر علاقاتها بالداخل والخارج. . وفرض على الإسلام أن يتقوقع في العلاقة بين المرء وربه، ولا يتجاوزها إلى العلاقات الاجتماعية، أو الدستورية، أو الدولية.

ومعنى هذا أنه فرض على الإسلام أن يكون نسخة من النصرانية في عهد انكماشها، أي: يكون عقيدة دون شريعة، وعبادة دون معاملة، وديناً دون دولة، وقرآنا دون سلطان.

فرض على الإسلام أن يحمل أوزار تاريخ غير تاريخه، لأمة غير أمته، في أرض غير أرضه، نتيجة ظروف لم يعرفها هو.

فقد حفل تاريخ الكنيسة الكاثوليكية في الغرب بمآس ومواقف سلبية، وقفت فيها إلى جوار الجهل ضد العلم، وإلى جوار الاستبداد ضد التحرر، وإلى جوار الملوك والإقطاعيين ضد الشعوب والفئات الضعيفة، وقامت محاكم التفتيش تعذب كل ذي علم أو فكر جديد، وتحرق العلماء أحياء وأمواتاً وتفرض الظلم والظلام على المجتمعات باسم الدين، فلا غرو أن ثارت الجماهير عليها، وعملت على التحرر من طغيانها وتسلطها.

ما ذنب الإسلام حتى يحمل نتائج هذا التاريخ الأسود، ويحكم عليه بالعزل عن القيادة للأمة،والطرد من موقع التشريع والتوجيه والتأثير، وأن يحبس في خبايا الضمائر فإن خرج منها فليبق بين جدران المساجد والزوايا، على أن يظل في المسجد أيضاً، قصير اللسان، خفيض الصوت، حافظاً للمثل القائل: من سعادة جدك، وقوفك عند حدّك، فهو مسجد موجّه موضوع تحت مجهر المراقبة، ليس له حرية الدعوة، ولا الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر.

المشكلة ترجع في جوهرها إلى فرض العلمانية على المجتمع الإسلامي، وهي اتجاه دخيل عليه، غريب عنه، مجاف لكل مواريثه وقيمه، فإن محصلة العلمانية هي فصل الدين عن الدولة، وإبعاده عن الحكم والتشريع، وهذا لم يعرفه الإسلام في تاريخه قط، إذ كانت الشريعة هي أساس الفتوى والقضاء في الأمة الإسلامية طول عصور تاريخها، وكان الإسلام مصدر العبادات والمعاملات والآداب والتقاليد بين الناس.

قد يوجد من شذ عن ذلك من الحكام والمحكومين، من اتبع الهوى، وانحرف عن الهدى ودين الحق، ولكن لم يوجد قط من يجحد الإسلام شريعة يرجع إليها المختصمون، ويتحاكم إليها المختلفون.

حتى الطغاة والجبابرة المتسلطون من أمثال: الحجاج بن يوسف وغيره، إذا ووجهوا بأحكام الشرع، ونصوص القرآن والسنة، لم يملكوا إلا أن يقولوا: صدق الله ورسوله، سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير.

وفرق كبير بين أن تميل عن صراط الشريعة وعدلها، بدافع من شهوة أو غضب، أو حسد أو غفلة، أو نحو ذلك، وبين أن تجمّدها ولا تعترف بها، ولا تقر بأن لها السيادة، ومن حقها الحكم، لأنها تمثل كلمة الله، وحكم الله، وكلمة الله هي العليا، ((ومَنْ أحْسن مِن الله حكْمًا لقومٍ يوقِنون )) [المائدة:50 ].

فلا غرو أن تصدم هذه المشكلة بعنف وجدان الجيل المسلم، وتقلق ضميره، حيث يجد الأمم الأخرى تكيف حياتها وفقاً لعقائدها وفلسفاتها وتصوراتها عن الدين والوجود وعن الله والإنسان، ويجد المسلم وحده مكتوباً عليه أن يعيش في صراع بين عقيدته وبين واقعه، بين دينه وبين مجتمعه.

إن العلمانية قد تقبل في مجتمع نصراني، ولكنها لا تجد قبولاً عاماً في مجتمع إسلامي أبداً.

إن النصرانية لا تشتمل على شريعة أو نظام للحياة يوجب على المؤمن بها التزاماً خاصاً بهذا النظام أو تلك الشريعة.

بل الإنجيل نفسه قبل تقسيم الحياة إلى شطرين: أحدهما لله أو للدين، والآخر لقيصر أو للدولة، فقال أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله .

وبهذا يستطيع النصراني أن يعيش في ظل حكم علماني، وهو مطمئن الضمير غير مخدوش العقيدة.

كما أن الغربيين -من النصارى خاصة - لهم عذرهم في الهرب من الحكم الديني إلى الحكم العلماني. فالحكم الديني -كما عرفوه - يعني حكم الكهنة، وسلطة الكنيسة، وما يتبعها من قرارات الحرمان، وصكوك الغفران!

فإذا نظرنا إلى المجتمع المسلم وجدنا قبول العلمانية لديه يعني شيئاً آخر: فإن الإسلام عقيدة وشريعة، ونظام كامل للحياة، وبهذا يعني قبوله العلمانية اطراح شريعة الله، ورفض أحكام الله، واتهام هذه الشريعة بأنها لا تصلح لهذا الزمن.. واتخاذ البشر شرائع لأنفسهم من وضع عقولهم، معناه: تفضيل علمهم المحدود وتجاربهم القاصرة على هداية الله ((قُلْ أأنْتم أعلمُ أمِ الله )).

لهذا كانت الدعوة إلى العلمانية بين المسلمين معناها: الإلحاد والمروق من الإسلام. وكان قبول العلمانية أساساً للحكم بدلاً من الشريعة الإسلامية ردة صريحة عن دين الأمة الذي رضيه الله لها، ورضيته لنفسها، والذي فرض عليها أن تحكم بما أنزل الله.

وكان السكوت من الشعب على هذا المنكر الكبير مخالفة بينه، ومعصية ظاهرة، أبرز نتائجها الشعور بالإثم، والإنكار القلبي على الوضع القائم، وفقد الإحساس بالرضى عنه والاطمئنان إليه والاحترام له لأنه وضع يفتقد الشرعية في نظر المسلم.

ثم إن العلمانية تنسجم مع التفكير الغربي الذي ينظر إلى الله أنه خلق العالم ثم تركه، فعلاقته به كعلاقة صانع الساعة بالساعة، صنعها أول مرة ثم تركها تدور بغير حاجة إليه. وهذا الفكر موروث من فلسفة اليونان، وخاصة فلسفة أرسطو الذي لا يدبر الإله عنده شيئاً من العالم، بل لا يعلم عنه شيئاً، فهو إله مسكين كما وصفه ول ديورانت ! فلا عجب أن يدع مثل هذا إلاله الناس وشأنهم؛ إذ كيف يشرع لهم وهو يجهل أمورهم؟ بخلاف نظرتنا - نحن المسلمين - إلى الله، فهو خالق الخلق،ومالك الملك، ومدبر الأمر، الذي أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً، ووسعت رحمته كل شيء، ورزقه كل حي، لهذا أنزل الشرائع، وأحل الحلال، وحرم الحرام، وفرض على عباده أن يلتزموا بما شرع، ويحكموا بما أنزل، وإلا كفروا وظلموا وفسقوا . (انظر كتابنا الحلول المستوردة وكيف جنت على أمتنا: 113-114 )

يرى المسلم الملتزم المستمسك هذا كله بعينيه، ويلمسه بيديه، ولا يدري ماذا يصنع لمقاومته، وليس له من الأمر شيء، إنه لا يستطيع أن يغير المنكر بيده، ولا يستطيع أن يغيره بلسانه، فلم يبق له إلا أن يغيره بقلبه، وذلك أضعف الإيمان؛ والتغيير بالقلب أن يغلي من داخله كما يغلي القدر فوق النار، وأن يتحرق فؤاده على ما يرى حسرة وغماً، وأن يذوب قلبه كما يذوب الملح في الماء، لما يرى من المنكر ولا يستطيع تغييره.

وهذا الغليان النفسي لا يظل مكبوتاً أبد الدهر، بل لا بد أن يتنفس، معبراً عن نفسه، بصورة أو بأخرى. فإن القدر إذا زادت عليها النار، فلا بد أن تتفجر أو تتكسر.

الهجوم العلني والتآمر الخفي على الأمة الإسلامية

أضف إلى ذلك كله ما لقيه ويلقاه العالم الإسلامي شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً من هجمة شرسة على أوطانه، ومقدساته، وما يشن على الأمة الإسلامية من حرب لا تخبو نارها: علنية حيناً، وخفية أحياناً، حرب اتفقت عليها كل القوى غير المسلمة: يهودية وصليبية وشيوعية ووثنية، حتى إنها لتختلف فيما بينها كل الاختلاف، ثم نراها تتفق كل الاتفاق إذا هبت ريح الإسلام في صورة دعوة أو حركة أو دولة.

ولهذا تجد كل القضايا من يناصرها مادياً، ويدعمها أدبياً من شرق وغرب، مستفيدة من تناقضات الدول الكبرى، وخاصة الدولتان العظميان: أمريكا وروسيا. إلا القضايا الإسلامية، فإنها لا تجد تأييداً حقيقياً عملياً من هؤلاء ولا هؤلاء. وصدق الله إذ يقول: ((والذين كفروا بعضهم أولياءُ بعض ٍ)).

وهل يسع مسلماً يؤمن بالأخوة الإسلامية، ويعتز بالانتماء إلى خير أمة أخرجت للناس،ويؤمن بأن المسلمين -وإن اختلفت أوطانهم وألسنتهم - أمة واحدة، يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، وأن من لم يهتم لأمر المسلمين فليس منهم - أن يرى مآسي أمته في كل مكان ويرى إخوانه في العقيدة معرضين للإبادة المادية بالتقتيل والتنكيل، أو الإبادة المعنوية بالتنصير أو التشييع (أي تحويلهم إلى شيوعيين )، أو على الأقل التجهيل والتضليل، ثم يصبح ويمسي قرير العين، ضاحكاً ملء سنّه، نائماً ملء جفنه؟ فأين أخوة الإيمان، ورابطة الإسلام؟

إن أنباء الصباح والظهيرة والمساء، تحمل إلى المسلم الغيور كل يوم عن إخوانه في فلسطين، أو في لبنان، أو في أفغانستان، أو في الفلبين، أو في إرتيريا أو الصومال أو قبرص أو الهند، أو غيرها من البلاد التي يعيش فيها المسلمون أقلية مضطهدة، أو أكثرية مقهوره، ما يزلزل قلبه زلزالاً شديداً، وما يعصر قلبه من الألم عصراً، وما يكوي كبده بالأسى والحسرة كي النار أو هو أشد إيلاماً.

وأهم من ذلك أنه لا يجد من حكومات بلاده الإسلامية تجاوباً مع هذه القضايا العادلة، بل يجد الإعراض عنها، أو التعتيم عليها، أو الوقوف مع خصومها، وتغليب المصلحة الإقليمية الضيقة، أو الاعتبارات العرقية الجاهلية، أو الارتباطات والولاءات للمعسكرات المختلفة، على الولاء لله ولرسوله ولدينه ولأمته ولقضاياها.

وفوق ذلك كله يقرأ الشباب المسلم ويسمع: أن هذه المواقف السلبية من قضايا الإسلام داخل بلاده، إنما تصنعها القوى المعادية للإسلام خارج بلاده،وأن حكامه ليسوا إلا أدوات في أيدي الصهيونية، أو الصليبية العالمية،أو الشيوعية الدولية، تحركهم من وراء ستار فيتحركون، وتخوفهم من الانتفاضة الإسلامية الفتية، فيخافون، ثم تدفعهم لضربها، فيندفعون!.

كان من القضايا التي فجرت الكوامن لدى الشباب المسلم في السنوات الأخيرة، ما آلت إليه قضية العرب والمسلمين الأولى بعد النكبة الكبرى في حزيران (يونيو ) سنة 1967م تلك التي خففوا وقعها فسموها النكسة .

لقد عاش الشباب العربي المسلم ، وهو يلقن أن إسرائيل كيان طفيلي دخيل قام على الاغتصاب والعدوان، وأن تحرير أرض الإسلام من هذه الجرثومة الغريبة في جسم الأمة المسلمة فريضة دينية وقومية، وأن لا حق لدولة إسرائيل في البقاء على أرض ليست لها، وكما قال مفتي فلسطين الأكبر الحاج أمين الحسيني رحمه الله: إن فلسطين ليست بلداً بغير شعب حتى تستقبل شعباً بغير بلد!

ثم دار الفلك دورته فكانت كارثة 1967م وإذا بالسياسة العربية تتخذ مساراً جديداً كل همه وغايته ليس أكثر من إزالة آثار العدوان أي: الاعتراف بإسرائيل، وبكل ما عدت عليه قبل 5 حزيران (يونية )1967م ومعنى هذا: أن العدوان الجديد قد أضفى الشرعية على العدوان القديم!.

فلماذا كانت حرب 1948م؟ ولماذا كانت حرب 1956م؟ ولماذا كانت حرب 1967م؟.

لماذا لم تسلموا لإسرائيل منذ التقسيم، وتريحوا الأمة من أعباء الحرب وخسائرها وويلاتها؟

وجاء السعي وراء ما سمي الحل السلمي ومعاهدات السلام مخيباً للآمال ومحبطاً لكل ما كان عند الشباب من توثب وطموح -ومهما برره من برره - بضروات واعتبارات عسكرية أو سياسية محلية أو دولية، فقد كان ذلك صدمة شديدة العنف لأنفس الشباب المسلم وآماله.

وزاد من وقع الصدمة على نفسه أن القوى العالمية الكبرى كلها تؤيد بقاء إسرائيل، مع وضوح حقنا نحن العرب والمسلمين، إنها الصليبية في شكل جديد، هكذا يفكر الشباب ويشعرون، والوقائع تؤيدهم.

هذا الشعور ولا شك، يعمل عمله في أنفس الناشئة المسلمة، الشعور بتلك الروح الصليبية التي لا تزال تحرك الكثيرين من ساسة الغرب وقادتهم إلى اليوم، والنظر إلى العالم الإسلامي وإلى كل حركة إسلامية فيه من خلال الأحقاد الموروثة من عهود الصراع مع أمة الإسلام.

ولقد تشكك كثير من مثقفي المسلمين المستنيرين وشككوا، حيناً من الدهر في صحة هذه القضية: (الروح الصليبية لدى الغرب ) بدعوى أن المصالح وحدها هي الدافع الأوحد -وإن تساهلنا، قلنا: المحرك الأول - الذي يؤثر على صنع القرار السياسي أو العسكري عند القوم.

ولم تلبث الأيام أن بينت لهؤلاء المتفائلين أنهم مخطئون، وأنا لا أتحدث عن اللنبي أو غورو بل أتحدث عن المعاصرين.

لماذا يقف هؤلاء مع إسرائيل اليوم؟ لماذا يعلنون مصرين على أنها خلقت لتبقى؟ لماذا تتحدى أمريكا العالم كله باستخدام حق الفيتو كلما أراد مجلس الأمن أن يدين إسرائيل؟

لماذا تساند الحبشة ضد إرتيريا؟

لماذا تقبر القضايا الإسلامية ويعتم عليها، في حين تقام الدنيا ولا تقعد من أجل اختطاف سياسي أو طائرة أو أي حادث فردي في أي مدينة في الشرق أو الغرب، أو جزر واق الواق؟ لماذا كان دم المسلمين وحدهم أرخص دماء أهل الأرض؟

إنه الثالوث الجهنمي الرهيب، يتآمر على أمتنا، وتتداعى علينا قواه كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، ثالوث اليهودية والصليبية والشيوعية، الذي اصطلح أهله على حساب وجودنا، وتم وفاقهم على أن يقتسموا المغانم، ويكون علينا المغارم، بل على أن يكونوا هم الجزارين ونحن الضحايا.

أما حكامنا فهم في نظر الشباب أحجار على رقعة الشطرنج تحركها وتنقلها من موقع إلى موقع، تلك القوى الخفية التي تحكم العالم! وما الانقلابات التي نشهدها، والتغيرات التي نراها إلا لعبة تلعبها تلك القوى على مسرح السياسة تريك الجبان بطلاً يقاتل ويضرب، ويكر ويفر، وهو في حقيقته لا يعرف من أمر الكر والفر شيئاً، إنما هو الخداع والتمثيل.

قد يكون في الكلام بعض المبالغة والتهويل، لكن فيه بعض الحق بالتأكيد، وتدل عليه مواقف ومظاهر شتى، وهو الذي رسّخ في أذهان الكثيرين أن هؤلاء الحكام متآمرون مع أعداء الإسلام على إجهاض الصحوة الإسلامية، وضرب الحركة الإسلامية، حتى لا تبلغ المسيرة غايتها، ولا يؤتي الزرع أكله. فهولاء عند الشباب في الظاهر زعماء وطنيون، على أوطانهم يغازون، وفي الباطن عملاء مأجورون، على دين أمتهم يغيرون، ولحساب أعدائها يعملون!

مصادرة حرية الدعوة إلى الإسلام الشامل

وسبب آخر لا بد أن ننبه عليه، وهو يتعلق بحرية الدعوة إلى الإسلام والعمل له: فمن المعلوم أن الإسلام لا يكتفي من المسلم أن يكون صالحاً في نفسه، حتى يبذل جهده في إصلاح غيره.

ولهذا كانت فريضة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، وكان كل مسلم في نظر الإسلام مكلفاً بالدعوة إلى دينه على قدر طاقته ووسائله. فكل مسلم مخاطب بقوله تعالى ((ادْعُ إلى سبيلِ ربِّك )) [النحل:125 ] وكل من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم هو داعية إلى الله كما قال تعالى يخاطب رسوله: ((قُلْ هذِه سبيلي أدْعو إلى الله على بصِيرةٍ أنا ومَنِ اتّبعني )) [يوسف:108 ].

ولهذا كان شعار المصلحين المجددين: أصلح نفسك، وادع غيرك، ((ومَنْ أحسنُ قولاً مِمَّنْ دعا إلى الله، وعَمِل صالِحاً وقال إنَّني مِن المُسلمين )) [فصلت:33 ].

والإسلام لا يحب للمسلم أن يعمل وحده، فـ يد الله مع الجماعة و المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ، والمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه، والتعاون على البر والتقوى فريضة دينية، وضرورة حيوية، فلا غرو أن يكون العمل الجماعي للدعوة الإسلامية واجباً شرعاً؛ لأن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

يؤكد هذا الوجوب أن القوى العقائدية المخالفة تعمل في صورة تكتلات وأحزاب ومؤسسات، فلا بد أن تواجه بمثل أسلوبها، وإلا بقينا في ذيل القافلة عاجزين أن نصنع شيئاً،وغيرنا يعملون ويتقدمون.

ومن ثم كان من أكبر الإثم الذي ترتكبه بعض الحكومات في البلاد الإسلامية مصادرة حرية الدعوة إلى الإسلام باعتباره عقيدة ونظام حياة، والوقوف في وجه الداعين إليه، والعاملين لتحكيم شريعته وإقامة دولته، وتوحيد أمته، وتحرير أوطانه، ونصرة قضاياه، وتجميع الناس عليه.

وكان هذا الضغط على الدعوة والدعاة، والتضييق على العمل الإسلامي -وخاصة العمل الجماعي - من أبرز الأسباب التي تدفع إلى التطرف دفعاً، ولا سيما أن الفلسفات والمذاهب الوضعية الأخرى تتمتع بالحرية والمساندة، بلا مضايقة ولا إعنات.

وليس معقولاً أن يطلق العنان في أرض الإسلام لدعاة العلمانية والماركسية والليبرالية وغيرها من المذاهب والفلسفات والأنظمة، وأن تنشأ لها أحزاب ومنظمات، وتنطق باسمها صحف ومجلات.. ويفرض الحظر على الإسلام وحده، وهو صاحب الدار، وتوضع الكمائم على أفواه دعاته وحدهم، وهم المعبرون عن سواد الشعب، وعن عقائد الأمة وقيمها.

أحرام على بلابله الدوح

حلال للـطير من كل جنس؟!

كل دار أحق بالأهل إلا

في خبيث من المذاهب رجس!

إن الدعوة إلى الإسلام الإيجابي المتكامل ـ عقيدة ونظام حياة ـ أصبح بضاعة محظورة، وسلعة مصادرة في عدد من أقطار الإسلام.

والإسلام المسموح به هو الإسلام المستأنس إسلام الدراويش ومحترفي التجارة بالدين، إسلام عصور التخلف والانحطاط.. إسلام الموالد والمناسبات الذي يسير في ركاب الطغاة،ويدعو لهم بطول البقاء! إسلام الجبرية في الاعتقاد، والابتداع في العبادة، والسلبية في الأخلاق، والجمود في التفكير، والاشتغال بالقشور في الدين، دون اللباب.

هذا الإسلام هو المسموح به، المشمول بالرعاية والتأييد من قبل سلاطين الجور، وحكام السوء، حتى العلمانيون اللادينيون منهم، يحتفون بهذا النوع من التدين ويباركونه، ويظهرون التكريم لرجاله، والتعظيم لدعاته، ليقوموا بدور التخدير للشعوب المقهورة، والطبقات المطحونة، ويغرقوا الشباب في بحار من التهويمات والشطحات، والرموز والمصطلحات، والرسوم والشكليات، مما يخمد روح الجهاد للطاغوت، والمقاومة للظلم، والتغيير للمنكر والفساد.

ولعل هذا ما جعل ماركس ومدرسته يزعمون: أن الدين أفيون الشعوب.

أما الإسلام الحقيقي.. إسلام القرآن والسنة، إسلام الصحابة والتابعين، إسلام الحق والقوة، إسلام العزة والكرامة، إسلام البذل والجهاد، فهو - كما ذكرنا - مرفوض من جهة أصحاب السلطان، لأنه دائماً يحمل روح الثورة، على ظلم الحكام، وحكم الظلاّم، ويربي أبناءه على أن يكونوا من ((الذين يُبلِّغون رِسالاتِ الله ويخْشونه ولا يخْشون أحداً إلاّ الله )) [الأحزاب:39 ] مؤمنين بأن الرزق واحد،والعمر واحد، والرب واحد، فلا محل للخوف إلا منه، ولا الاعتماد إلا عليه سبحانه.

في بلد إسلامي كان داراً للخلافة عدة قرون خرج زعيم حزب شعبي كان نائباً لرئيس الوزراء من الوزارة إلى السجن.. وقدم هو وأنصاره إلى المحاكمة بتهمة الدعوة إلى الإسلام وإلى تحكيم شريعته في بلد يدين 99% من سكانه بالإسلام! وألصق الادعاء بهم خمس عشرة جريمة! تدور كلها حول محور واحد هو العمل على تغيير تركية من دولة لا دينية تقاوم الإسلام -دين الشعب - إلى دولة تحترم الإسلام وتنزل على حكمه، كما هو مقتضى الإيمان.

فالحكم العسكري التركي الذي يحكم البلاد بقوة الجيش، يجعل الولاء لأتاتورك لا لله ورسوله، ويعتبر مجرد الدعوة إلى تحكيم الشرع الإسلامي، وصبغ الحياة بالصبغة الإسلامية، جريمة يعاقب عليها القانون، ولو كان بالطرق المشروعة والوسائل المتعارف عليها في كافة الأنظمة الديمقراطية التي يتغنون بها.

لم يحاكم هؤلاء لأنهم استخدموا القوة والعنف، ولا لأنهم انشأوا جهازاً سرياً مسلحاً لقلب نظام الدولة، بل لأنهم يؤمنون بالإسلام -كدينهم ودين آبائهم وأجدادهم - كما أنزله الله: عقيدة وشريعة ونظام حياة، ويدعون إليه كما آمنوا به، بالحكمة والموعظة الحسنة وبالجدال بالتي هي أحسن، من خلال المنابر الشرعية والقنوات الدستورية.

لقد أخذ المدعي العسكري على المتهمين أنهم رفعوا الشعارات الآتية:

  • الإسلام هو السبيل الوحيد
  • ومحمد هو القائد الأوحد
  • والشريعة هي الإسلام
  • والقرآن هو الدستور

فهل يسع مسلماً أن ينكر شعاراً من هذه الشعارات ما دام قد رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً؟

فماذا يصنع المسلمون الذين يريدون أن يعيشوا وفقاً لعقيدتهم وهم يرون الكفر مفروضاً، والإيمان مرفوضاً؟ والحرام حلالاً، والحلال حراماً؟

أليست هذه الأوضاع المقلوبة هي التي تنشئ العنف، وتولد التطرف والمغالاة؟

وفي إحدى البلاد العربية الإفريقية التي تحسب على العالم الحر، يسمح للشيوعيين أن يكون لهم حزب رسمي يمارس نشاطاً سياسياً علنيًّا، في ظل الدستور والقوانين، بلا حظر ولا قيود، في حين حظر على الاتجاه الإسلامي الذي يعبر عن الضمير الحقيقي للشعب، ويصور أفكاره وآلامه وآماله، أن يكون له أدنى وجود رسمي، ولم يكفهم ذلك، حتى ساقوا قادته وعناصره الحية إلى غياهب السجون، وحكم عليهم بأحكام هي غاية في القسوة والشناعة، ولا ذنب لهم إلا أن قالوا ربنا الله، ووجهتنا هي الحق، ومنطلقنا وميزاننا هو الإسلام، وسلاحنا هو الكلمة، وزادنا هو المعرفة .

أفنلوم الشباب بعد ذلك إذا يئس من أسلوب الحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، ليبحث عن أسلوب آخر، يقابل فيه القوة بالقوة، ويواجه فيه العنف بالعنف، على نحو ما قال الشاعر العربي:

وكنت إذا قوم غزوني غزوتهم

فهل أنا في ذا يا لهمدان ظالم؟

متى تحمل القلب الذكي وصارماً

وأنفاً حمياً تجتنبك المــظالم!

إن استمرار هذه الحال من التضييق على الإسلام الصحيح، لا يمكن أن يدوم، فلا بد أن يجد الإسلام له أهلاً وأنصاراً، ولا تزال طائفة من هذه الأمة قائمين على الحق لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك.

ومن الخير لنا ولديننا ودنيانا أن ندع هذه الطائفة تولد ولادة طبيعية، ونفسح المجال لنموها في جو طلق، تنشق فيه أنسام الحرية، كما ينشق غيرها، بعيداً عن الضغط والمصادرة، وإلا فإنها ستجد لها طريقاً آخر، وستكيف نفسها وجوّها على غير ما نريد لها.

إن الدعوة إلى الإسلام كالماء القوي الدافق، لا بد أن تجد لها مجرى ولو بين الصخور.

وإذا لم تفتح الأبواب والنوافذ أمام هذه الدعوة علانية، فلا بد أن تبحث لها عن سراديب تحت الأرض، حيث يسود الظلام، وتلتبس الرؤية، ويجد الغلو طريقه إلى الأنفس والعقول، دون أن تجد من يصوب لها خطأها، ويردها إلى سواء السبيل.

اللجوء إلى العنف والتعذيب لا يقاوم التطرف بل يخلقه

وتبلغ الأسباب هنا منتهاها حيث تلجأ السلطات إلى استخدام العنف والتعذيب البدني والنفسي، داخل السجون والمعتقلات التي يساق الناس إليها بالسياط، ويعاملون فيها أدنى مما تعامل الحيوانات في الحظائر.

ولقد رأى المتدينون المسلمون خاصة داخل تلك السجون من ألوان الإيذاء والعذاب ما تقشعر من ذكره الأبدان، وما تشيب من هوله الولدان.. واسألوا السجن الحربي وغيره عما وقع في سنة 1954م، وسنة 1965م من صنوف التنكيل والتعذيب، لقد شويت الأجسام الغضة بالكرابيج شيًّا، وكويت بالنيران وأعقاب السجاير كياًّ، علق الرجال - وأحياناً النساء! من أرجلهم كما تعلق الذبائح، يتناوبهم الجلادون واحداً بعد آخر، كلما تعب أحدهم من طول الجلد أراحه آخر، حتى يصير الجسم كومة من الدم والقيح والصديد، وكم من أناس سقطوا شهداء تحت العذاب، لم يرقّ لهم، ولم يعبأ بهم القساة الجبارون، الذين لم يخشوا خالقاً، ولم يرحموا مخلوقاً.

لقد استخدموا كل ما عرفوا مما وصلت إليه النازية والفاشية والشيوعية، وزادوا على ذلك أساليب ابتدعوها في إيذاء الأبدان، وتعذيب النفوس، وغسل الأمخاخ، وإهدار الآدمية!

في داخل هذا الأتون المحمى لتعذيب البشر ولد التطرف، ونبتت فكرة التكفير ووجدت في هذا الجو اللاهب عاملاً مساعداً على الاستجابة لها.

لقد بدأ هؤلاء المعذبون بسؤال بسيط لأنفسهم: لم كل هذا العذاب يصب علينا؟ وأي جريمة اقترفناها، إلا أن قلنا: ربنا الله، ومنهجنا الإسلام ودستورنا القرآن؟ وما نريد من أحد جزاء، ولا شكوراً، إلا أن نؤدي واجبنا نحو ديننا، وأن يرضى الله تعالى عنا، أيمكن أن يكون العمل للإسلام في بلد إسلامي جناية ينكل بنا من أجلها كل هذا النكال؟!

وانتقلوا من هذا السؤال إلى سؤال آخر: هؤلاء الوحوش الذين ينهشون لحومنا، ويضربوننا إلى أن نخرّ صرعى، يدوسون إنسانيتنا بأقدامهم، ويسبُّون ديننا، وينتهكون حرماتنا ويسخرون من صلاتنا وعبادتنا، ويجترئون أحياناً حتى على ربنا، حتى قال كبير لهم يوماً: (هاتوا ربكم وأنا أحطه في زنزانة!! ) هؤلاء هل يعدون مسلمين؟ وأين الكفر إذن إذا كان هؤلاء مسلمين؟ لا. إن هؤلاء كفار خارجون من الملة ولا دين لهم.

وانتقلوا من هذا السؤال إلى سؤال آخر: إذا كان هذا حكم هؤلاء الذين يعذبوننا إلى الموت فما حكم سادتهم الذين يأمرونهم ويوجهونهم ويصدرون إليهم القرارات؟ ما حكم أولئك القادة والحكام الذين في أيديهم سلطة الأمر والنهي والإبرام والنقض، الذين لم يحكموا بما أنزل الله، ولم يكتفوا بذلك حتى حاربوا بكل شدة كل من يدعو إلى الحكم بما أنزل الله؟

هؤلاء بالنظر إلى أولئك، أشد كفراً، وأصرح ردة عن الإسلام. وحسبنا فيهم قول الله تعالى: ((ومَنْ لمْ يحكمْ بِما أنزل الله فأولئك همُ الكافِرو ن)) [المائدة:44 ].

وبعد أن اقتنعوا بهذه النتيجة، وآمنوا بها، انتقلوا إلى سؤال رابع، توجهوا به إلى من معهم من السجناء والمعتقلين: ما قولكم في هؤلاء الحكام الذين لم يحكموا بما أنزل الله، وزادوا على ذلك التنكيل بكل من دعا إلى حكم الله؟

فمن وافقهم على تكفيرهم فهو منهم، ومن خالفهم أو توقف في الأمر فهو كافر مثلهم، لأنه شك في كفر الكفار، ومن شك في كفر الكافر فهو كافر.

ولم يقفوا عند هذا الحد، فقد انتقلوا إلى سؤال خامس: هذه الجماهير التي تطيع هؤلاء الحكام وتخضع لهم، وهم يحكمون بغير ما أنزل الله، ما حكم هؤلاء؟

وكان الجواب حاضراً عند هؤلاء: إنهم كفار مثلهم، فقد رضوا بكفر هؤلاء الحكام وأقروه وصفقوا له، والرضى بالكفر كفر ولا شك.

ومن هذا المنطلق انتشرت موجة تكفير الناس بالجملة، وتفرعت عن هذه الفكرة الأساسية أفكار فرعية متطرفة أخرى، وكانت البداية هناك في السجن الحربي العتيد. إنها سنة الحياة المشاهدة المجربة: إن العنف لا يولد إلا عنفاً، وشدة الضغط لا يكون من ورائها إلا الانفجار.

الفصل الثالث

فـي سـبـيـل العـلاج

والآن بعد أن ألقينا بعض الضوء على ما سموه التطرف الديني وبينا حقيقته وعلاماته، وكشفنا عن المهم من أسبابه وبواعثه ومثيراته، بقي علينا أن نسأل: ما العلاج؟ وما طرائقه؟ ومن يقوم به؟

وهنا يجب أن نؤكد أن العلاج لا ينفصل عن الأسباب، فإذا كانت الأسباب كما بينا، متعددة ومتنوعة، فلا بد أن يكون العلاج كذلك متعدداً ومتنوعاً.

ولا يتصور أن لمسة سحرية تعالج التطرف، وتعيد المتطرفين إلى خط الاعتدال، فإن الأمراض التي تتعلق بأنفس البشر وعقولهم أعمق وأعقد من أن تعالج بهذه السهولة، وإذا كان من الأسباب ما هو فكري، وما هو نفسي، وما هو اجتماعي، وما هو سياسي، فإن العلاج ينبغي أن يكون كذلك: فكرياً ونفسياً واجتماعياً وسياسياً، وأن يكون ذلك كله من منطلق الإسلام ، وفي ضوء الإسلام، لأن الظاهرة في أساسها دينية.

وأود أن أذكر هنا أني لست مع الجبريين الذين يرجعون أسباب الظاهرة كلها إلى المجتمع وحده، أو إلى الأوضاع الاقتصادية فحسب، ولا يحملون الشباب تبعة أعمالهم وتصرفاتهم، لأنهم يعتبرونهم كالريشة في مهب الريح، كما قال دعاة الجبرية الدينية قديماً.

كما لا يجوز أن نحملهم وحدهم عبء المسؤولية ونعفي المجتمع والحكم وأجهزته المختلفة، وخصوصاً المسؤولين عن التربية والتوجيه والإعلام، فهذا ليس من العدل أيضاً، فالمسؤولية إذن مشتركة، وكل له دوره كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته .

وهنا يقوم سؤال كبير، وهو: ماذا على المجتمع أن يفعل إذا أراد أن يغلب الاعتدال على التطرف؟

وماذا على الشباب أن يفعلوا ليقاوموا النزعة إلى الغلو وما يترتب عليها من آثار؟

هذا ما نحاول أن نجيب عنه في الصحائف التالية.

دور المجتمــع

لقد اتضح لنا من دراستنا السابقة أن مجتمعاتنا كان لها دور بارز- بتناقضاتها واضطراب أوضاعها ومجافاتها للإسلام - في ولادة ظاهرة التطرف ونموها. والواجب عليها إزاء ذلك أن يكون لها دور في علاجها.

ويبدأ هذا الدور من نقطة مهمة، هي أن يعترف هذا المجتمع بانتمائه للإسلام، وما يقتضيه هذا الانتماء من التزام وسلوك، فالإسلام ليس مجرد دعوى تدعى، ولا شعار يرفع، ولا مجرد نص في الدستور على أن دين الدولة الإسلام ، ثم تسير سفينة الحياة بعدها في خط يجافي الإسلام .

إن الإسلام منهج متكامل للحياة، يصبغها بصبغته الربانية، ويوجهها وجهته الأخلاقية، ويضع لها الإطار والمعالم والحدود التي تضبط سيرها، وتربطها بغاياتها، وتقيها الانحراف عن الجادة، أو السقوط في الحفر، أو الضياع في مفارق الطرقات.

لهذا كان الإسلام عقائد تقوم الفكر، وعبادات تطهر القلب، وأخلاقا تزكي النفس، وتشريعاً يقيم العدل، وآداباً تجمل الحياة.

ولا بد - لكي يكون المجتمع مسلماً حقاً - من الالتزام بالإسلام كله، ولا يكون كمجتمع بني إسرائيل الذين أخذوا ببعض أحكام التوراة، ولم يأخذوا ببعض، فقرعهم الله تعالى بقوله:

(( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلاّ خزي في الحياة الدّنيا، ويوم القيامة يردّون إلى أشدّ العذاب )) (البقرة: 85 ).

لا بد لكي يكون المجتمع مسلماً من الرضى بحكم الله ورسوله في كل شؤون الحياة: اجتماعية، أو اقتصادية، أو سياسية، أو فكرية. فهذا هو مقتضى عقد الإيمان ((فلا وربِّك لا يؤمنون حتّى يحكِّموك فيما شجر بينهم ثمَّ لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ممّا قضيت ويسلِّموا تسليماً )) (النساء: 65 ).

((إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون )) (النور: 51 ).

يجب على مجتمعاتنا أن تزيل هذا التناقض الصارخ القائم في حياتنا اليوم بين إيماننا بالإسلام عقيدة وشريعة من عند الله، وبين تجميدنا لأحكامه، وتعطيلنا لحدوده، وإغفالنا لتوجيهاته وآدابه، واستيرادنا لمذاهب وأنظمة من الغرب والشرق بديلاً عنه، وبعد ذلك نزعم أننا مسلمون!!

على حكام المسلمين أن يرجعوا إلى شرع الله

يجب أن يؤمن حكامنا بأنهم يعيشون في أوطان الإسلام ، ويحكمون أناساً مسلمين، ومن حق كل قوم أن يحكموا وفقاً لعقيدتهم، وأن تأتي دساتيرهم وقوانينهم معبرة عن معتقداتهم وقيمهم وتقاليدهم، وأن تصاغ مناهج التربية والتعليم وفقاً لها، وأن تسير أجهزة الإعلام والثقافة في اتجاه حمايتها وتثبيتها ونشرها، وأن توضع السياسات الاقتصادية والاجتماعية والداخلية والخارجية في إطارها، وفي خدمة أهدافها.

أما أن يدّعوا الإسلام ويرفضوا حكمه، ويعرضوا عن قرآنه وسنة نبيه، ويتنكروا لشعائره وشرائعره، فهذا ما لا يقبله عقل، ولا يرضاه دين.

ولقد بلغ تحدي الحكام في أكثر البلاد الإسلامية لضمائر جماهير المسلمين حداً لا يحتمل.

فمنهم من يرفض الإسلام جهرة منادياً بالتبعية للشرق أو الغرب، ولا يقبل أن يبقى للإسلام مجرد زاوية يعبر فيها عن نفسه، حتى المسجد أصبح الدين فيه موجهاً لتأييد النظام الحاكم، ومن اجترأ على المخالفة فياويله ثم ياويله!!

ومنهم من يدعي الإسلام ، ولكن إسلامه من صنع عقله هو، ومن إيحاء هواه، ومن تزيين شيطانه، يأخذ من الإسلام ما يروقه، ويدع منه ما لا يعجبه، فما قاله عن الإسلام فهو الحق، وما أنكره فهو الضلال، لا يعترف بالسابقين ولا اللاحقين ولا المعاصرين، ولا يبالي أن يخالف الأمة كلها سلفاً وخلفاً، من الصحابة فمن بعدهم، ولا حاجة به لأن يرجع لأئمة الفقه وعلماء الأصول، ومفسري القرآن، وشراح الحديث، فهو الفقيه والأصولي والمفسر والمحدث والمتكلم والفيلسوف، كما قال الشاعر قديماً:

ليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد

وهو هذا الواحد ولا ثاني له!! حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليس في حاجة إلى أن يأخذ عنه، ويتتلمذ عليه، لأنه استغنى - في زعمه - بالقرآن عنه! ونسي أنه هو المبين للقرآن، وأن القرآن نفسه يقول: ((من يطع الرسول فقد أطاع الله )) (النساء: 80 ).

ومنهم من استورد الأفكار والقوانين، ولكنه ترك للإسلام ركناً صغيراً على الرغم منه، مثل الأحوال الشخصية في القوانين، والحديث الديني في الإذاعة والتلفاز، والصفحة الدينية يوم الجمعة في الجريدة.. ونحوها.

على أن يعلم أن هذا الركن إنما هو للدين وليس للإسلام، والدين هنا بمفهومه الكنسي الغربي: علاقة بين ضمير العبد وربه، أما الحياة والمجتمع فدع ما لقيصر لقيصر وما لله لله!!

هذا هو الدين عند القوم: عقيدة بلا شريعة، ودين بلا دولة، وتعبد فردي بلا دعوة ولا جهاد، ولا أمر بمعروف، ولا نهي عن منكر.

فإن طوعت لك نفسك من فوق منبرك، أو من خلال صحيفتك، أن تنكر منكراً، أو تنقد انحرافاً، أو تنصر دعوة للحق، أو تقاوم فكرة للباطل، قيل لك: قد عدوت قدرك، وتجاوزت طورك، وأدخلت الدين في السياسة، ومزجت السياسة بالدين، وبعبارة أخرى: سيَّست الدين، وديّنت السياسة، وكان عليك أن تعلم غير ما علمك الله ورسوله وصحابته وتابعوهم بإحسان، وأسلاف الأمة وأخلافها: أن لا دين في السياسة، ولا سياسة في الدين!

لقد آن لحكامنا أن يعلموا أن لا خلاص لشعوبهم، ولا استقرار لمجتمعاتهم إلاّ بالإسلام ، وكما قال عمر بن الخطاب: نحن كنّا أذل قوم، فأعزّنا الله بالإسلام ، فمهما نطلب العزّ بغيره أذلّنا الله .

وما لم يحكم الإسلام في حياتنا، فستظل مجتمعاتنا تفرز بين حن وآخر متطرفين دينيين وغير دينيين.

عاملوهم بروح الأبوة والأخوة

وإن الخطوة الثانية في طريق العلاج ألا نحدث هؤلاء الشباب من فوق أبراج عاجية، مستعلين عليهم أو متبرئين منهم، مما يحفر بيننا وبينهم فجوة واسعة، أو هوة عميقة، فلا يثقون بنا ولا يستمعون لنا، كما أننا لا نستطيع بذلك أن نفهمهم، ونعرف أغوار حياتهم، وحقيقة مشكلاتهم.

ينبغي أن لا يكون موقفنا منهم موقف ممثلي الاتهام كل همنا أن نبرز مساوئهم، ونضخم سلبياتهم، ونشكك في نواياهم، ونطعن في أعمالهم، ونلتمس لهم بذلك أقصى العقوبات!!

إنما يجب قبل كل شيء أن نعاملهم بروح الأبوة الحانية، والأخوة الراضية، ونشعرهم أنهم منّا، وأننا منهم، وأنهم فلذات أكبادنا، وأمل حياتنا، ومستقبل أمتنا، وبذلك ندخل إليهم من باب الحب لهم، والإشفاق عليهم، لا من باب الاتهام لهم، والتكبر عليهم.

يجب أن نقف موقف المحامي عنهم، حيث تصوب إليهم سهام الاتهام من أمام ومن خلف، وعن يمين وشمال، بحق أو بباطل، ومع حسن النية أو سوئها.

فإذا لم نحسن أن نقف موقف الدفاع، لسبب أو لآخر، فلنقف موقف القضاء العادل، الذي لا يدين إلاّ ببينة، ولا يتحيز لمدع أو مدعى عليه.

إن من عيوبنا: أننا في القضايا الاجتماعية نتعجل الأحكام، ونعممها، ونصدرها نهائية باتة، لا تقبل النقض ولا الاستئناف، وقد نفعل ذلك دون أن نسمع دفاع المتهمين وحجة الخصوم، وهذا ليس من العدل في شيء.

إن الكثيرين يحكمون على هؤلاء الشباب من بعيد، دون أن يخالطوهم ويتعرفوا عليهم، ويعرفوا كيف يفكرون، وكيف يشعرون، وكيف يسلكون، وكيف يتعاملون.

وكثيرون يحكمون على جميعهم بتصرف عدد محدود منهم، مع أن الأقلية لا تحكم على الأكثرية، ولهذا قرر فقهاؤنا: إن للأكثر حكم الكل، وإن النادر لا حكم له.

وآخرون يحكمون على الشخص بتصرف واحد يصدر منه، قد يكون له دوافعه وملابساته الخاصة، وقد يكون له تفسير عند صاحبه لو سمعه من أنكره لرجع عن إنكاره. ومهما يكن من شيء فلا يجوز أن يقضى بالإعدام الأدبي على امرئ بتصرف أو تصرفين، إنما يقوّم الإنسان بمجموع أعماله، فمن رجحت كفة حسناته على سيئاته فهو من أهل الخير، وهكذا يعامل الله عباده ((فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون )) (المؤمنون: 102 ).

وغير هؤلاء يحكمون على هؤلاء الشباب من منطلقهم الخاص، من خلال نظرتهم إلى التدين والمتدينين، فهم في نظرهم شواذ أو مرضى، ويعانون عقداً نفسية، وعللاً باطنية! وقد يصدق هذا على أفراد معدودين منهم، ولكنهم في مجموعهم أصح ما يكونون نفساً، وأخلص ما يكونون عملاً، وأقرب ما يكونون توافقاً بين سرهم وعلانيتهم، وأبعد ما يكونون عن التناقض بين العقيدة والسلوك، وبين الباطن والظاهر.

وأشهد لقد خالطت هؤلاء الشباب في أكثر من بلد إسلامي، وعرفت الكثير منهم عن كثب، فلم أر منهم إلاّ قوة في دين، وصلابة في يقين، وصدقاً في قول، وإخلاصاً في عمل، وحباً للحق، وكراهية للباطل، ورغبة في الدعوة إلى الله، وبراءة من الدعوة إلى الطاغوت، وإصراراً على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتحرقاً للجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمته، واهتماماً بأمر المسلمين أينما كانوا، وتطلعاً إلى مجتمع يعيش حياة إسلامية متكاملة، توجهها العقيدة، وتحكمها الشريعة، وتضبطها الأخلاق.

لمست في هؤلاء الشباب إسلاماً جديداً حيّاً غير إسلامنا التقليدي الميت، وإيماناً متدفقاً حاراً غير إيماننا الموروث البارد، وإرادة صلبة في فعل الخير غير إرادتنا المخدرة، وجدت قلوباً عامرة بخشية الله وحبه، وألسنة رطبة بذكر الله وتلاوة كتابه، وعزائم معقودة على إحياء العمل بما مات من شرائع الإسلام وسننه.

رأيت فيهم قُوّام الليل، وصوام النهار، المستغفرين بالأسحار، المستبقين للخيرات، ولهذا استبشر بهم المستبشرون، وأملوا -وأملت معهم - أن يكون غد الإسلام على أيديهم خيراً. وطالما أعلنت في مصر في غير ما مكان: أن أعظم ما في مصر الآن هو هذه الثروة البشرية التي لا تقدر قيمتها بشيء مادي، وأعني بها هذا الشباب الناشئ في طاعة الله ونصرة دينه.

لا تتطرفوا في تصوير التطرف

وكذلك أرى أن من واجب كل من تصدى لعلاج هذا الأمر أن يتصف بالاعتدال والاتزان في حكمه، وألاّ يكون هو متطرفاً في حديثه عن التطرف، وطريقة علاجه.

وأول سمات الاعتدال هنا : ألاّ نبالغ في تصور هذا التطرف المزعوم وتصويره، وفي الخوف والتخويف منه، ونجعل ـ على طريقتنا ـ من الحبة قبة، ومن القط جملاً! والمبالغة هنا ضارة كل الضرر، لأنها تشوه الحقائق، وتقلب الموازين، وتفسد الرؤية الصحيحة للأشياء، وبالتالي يجيء الحكم لها أو عليها جائراً أو ناقصاً.

ومما يؤسف له أن كثيراً مما يقال أو يكتب، أو مما قيل أو كتب، بعد أزمة الشباب المسلم واصطدام السلطة به، وظهور ما سمي بـالتطرف الديني لم يخل من مبالغة وتطرف في تناول الموضوع، تأثراً بالجو المعبأ المشحون ضد الشباب، وجرياً على ما عليه أغلب النّاس.

كما قال الشاعر العربي قديماً:

والنّاس من يلق خيراً قائلون له ما يشتهي ، ولأم المخطئ الهبل!

حتى ضاق أحد أساتذة علم الاجتماع المراقبين لهذه الظاهرة فكتب في صحيفة الأهرام القاهرية -الأستاذ الدكتور سعد الدين إبراهيم - يستغيث من الذين يكتبون في هذه القضية بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.

وكان أولى بهؤلاء أن يسكتوا، أو يتكلموا بالحق والعدل، والنظر إلى هذا التطرف نظرة واقعية معتدلة.

فكثيراً ما يكون التطرف في التدين رد فعل لتطرف مناقض: تطرف في التحلل من الدين والإزراء عليه، والسخرية به، وهنا يكون هذا اللون من التطرف أمراً طبيعياً، لأنه مساير لقوانين الفعل ورد الفعل... وهو جدير بأن ينبه أولئك الشاردين للرجوع إلى الوسط المعتدل، وبالتالي يعود هؤلاء ليلتقوا مع أولئك في منتصف الطريق.

ومعنى هذا أن الحياة نفسها كثيرا ما تحتاج إلى قدر من التطرف، لنقاوم به تطرفاً آخر مضاداً له، حتى تعتدل كفتا الميزان بين المتشددين والمتسيبين، ولا يفل الحديد إلا الحديد، وهذا ما توجبه سنة التدافع بين الناس ((ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين )) (البقرة : 251 ).

والعجيب أن المتطرفين في جانب التحلل من قيود الدين، والمجافاة لقيمه وفضائله لا يلقون من الإنكار والمعارضة ما يلقاه المتطرفون في جانب التمسك بالدين والولاء له، وكان المفروض أن ينكر التطرف بشقيه.

فهل من الإنصاف أن ننحي باللائمة، ونصب جام غضبنا على الشاب الذي يعيش للإسلام وبه، محافظاً على الصلوات، هاجراً للمنكرات، محصنا فرجه، غاضاً بصره، حافظاً لسانه، يتحرى الحلال، ويتوقى الحرام، حريصاً على كل ما يعتقد أنه من أدب الإسلام، من لحية يطيلها، وثوب يقصره، وسواك يراه مطهرة للفم، مرضاة للرب، صائناً لوقته من اللغو، ولماله من الإضاعة فيما لا يفيد، حتى السيجارة لا يتناولها.. ننكر على هذا الشاب الناشئ في طاعة الله مهما يكن متشدداً أو متزمتاً.. على حين نسكت عن الشباب الذين أضاعو الصلاة، واتبعوا الشهوات، من المائعين الذائبين الذين لا تكاد تميز الفتى فيهم عن الفتاة، الذين لا يعرفون معروفاً، ولا ينكرون منكراً، ممّن فقدوا أصالتهم، ومشوا وراء الغرب، فكراً وسلوكاً، حذوا النعل بالنعل!!

هل من الإنصاف أن يتعالى الصراخ ويشتد النكير على ما سمي التطرف الديني وأن يلوذ الجميع بالصمت تجاه التطرف اللاديني ؟!!..

هل من الإنصاف أن ننكر على الفتاة التي تلبس النقاب على وجهها، ونسخر منها ومن زيها، وهي لم تفعل ذلك إلاّ إرضاءً لربها، واتباعاً لدينها، حسبما فهمت أو أفهمت، على حين نرى الصنف الآخر من الفتيات مميلات مائلات، كاسيات عاريات، بل عاريات غير كاسيات! في الشوارع وعلى الشواطئ، أو في الأفلام والمسلسلات، ولا يحرك أحد ساكناً، ولا ينبس ببنت شفة؛ لأن هذا من الحرية الشخصية التي كفلها الدستور! فهل حفظ الدستور الحرية الشخصية في جانب العري والابتذال، وصادرها في جانب التصوّن والاحتشام؟!

ولو أن المجتمع وقف موقفاً إيجابياً من المتنكرين للدين والمتحللين من أحكامه وغيّر ما يراه من المنكر بيده أو بلسانه. ما وجدت عندنا ظاهرة التطرف في الدين، ولو وجدت

- لسبب أو لآخر - لكانت أخف وطأة مما ظهرت به.

ثم إن العالم اليوم يزخر بأنواع من التطرف منه ما يتعلق بالدين، ومنه ما يتعلق بالسياسة، منه ما يتصل بالفكر، ومنه ما يتصل بالسلوك.

وإذا نظرنا إلى التطرف الديني وجدناه في كل بلاد الدنيا، شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، والمتطرفون الدينيون من غير المسلمين يعلنون عن أنفسهم بأقوال وأعمال وتصرفات تتسم بالتزمت أو العنف، ومع هذا لم ينكر العالم عليهم ما أنكره على من سموهم المتطرفين المسلمين، ولم تقف دولهم منهم موقف دول البلاد الإسلامية من هؤلاء.

رأينا التطرف الديني اليهودي في دولة الكيان الصهيوني إسرائيل ويتمثل ذلك في أحزاب ومنظمات تصرح بأهدافها، وتعلن عن مبادئها، في غير وجل ولا خجل، بل إن الدولة المغتصبة نفسها ما قامت إلاّ بوحي هذا التطرف، الذي استوحوه من أسفارهم وتلمودهم، وعلمهم أنهم وحدهم شعب الله المختار، وأن الأمم يجب أن تكون في خدمتهم، وأن ليس عليهم في الأميين سبيل، وأن دماء الآخرين وأموالهم وأوطانهم حلال في سبيل تحقيق مآربهم.

ورأينا التطرف الديني النصراني في لبنان، حيث يقوم الكتائبيون وأنصارهم بذبح المسلمين، وقطع مذاكيرهم وتعليقها في أفواههم، والتمثيل بجثثهم، وانتهاك حرمات نسائهم المسلمات بطرائق وحشية، وإحراق مصاحفهم، وكتبهم الدينية، ووطئها بالأقدام، وإهانة كل ما يدل على هويتهم الإسلامية، والعجيب أن يصنع هذا وأكثر منه تحت شعار النصرانية وباسم المسيح رسول المحبةً والسلام، والذي قال لأتباعه: أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، ومن ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدّك الأيسر!

رأينا التطرف الديني النصراني في لبنان، ورأيناه في قبرص ضد الأتراك المسلمين، ورأيناه في أثيوبيا ضد الإرتريين المسلمين، وفي الفليبين ضد الجنوبيين المسلمين، ورأينا متطرفين من الكاثوليك وآخرين من الأرثوذكس، وآخرين من البروتستانت.

ورأينا التطرف الديني الوثني في الهند حيث تقوم أحزاب هندوسية متعصبة جعلت أكبر همها قهر المسلمين، بل القضاء عليهم، ولا يكاد يمر عام دون أن تقوم مجزرة بشرية، ضحاياها أرواح الأبرياء من المسلمين المسالمين، والعجيب أن الذين يذبحون البشر، كما تذبح النعاج أو الدجاج، يحرّمون ـ من فرط رقتهم وحنوّهم ـ ذبح النعاج والدجاج، لأنها ذات روح!! ولا يستخدمون المبيدات الحشرية ضد البعوض والديدان ونحوها، لأنها ذات روح!! ويدعون الفئران تأكل ملايين الأفدنة من القمح ولا يتعرضون لها، لأنها ذات روح!! كأن البشر المسلمين وحدهم ليس لهم أرواح كأرواح الفئران أو البعوض والديدان!!!

وإلى جوار هذا ينبغي أن نعلم أننا في عصر القلق والتمرد، وهذا ناتج من الموجة المادية التي طغت على تفكير البشر وسلوكهم في هذا العصر الذي وصل فيه الإنسان إلى القمر، في حين لم يستطع أن يسعد نفسه على ظهر الأرض.

لقد نجحت الحضارة في الجانب المادي، ولكنها أفلست في الجانب الروحي.

وهذا ما جعل الشباب الغربي من الهيبيز وغيرهم يثور على مادية الحضارة، وآلية الحياة، ويخرج إلى البراري والريف، تاركاً الأزرار الأوتوماتيكية، والوسائل التكنولوجية، فقد شعر برغم كل أدوات الرفاهية بالضياع، ولم يعرف للحياة هدفاً ولا معنى، ولم تستطع الحضارة الصناعية أن تجيبه عن أسئلته: من أنا؟ وما رسالتي؟ ومن أين جئت؟ وإلى أين أذهب؟.

هذا التمرد والقلق وجد له صدى في أوطاننا على صور شتى، بعضها كان تحللاً من الدين وفضائله، وبعضها كان اندفاعاً نحو الدين، فقد وجد الكثير من الشباب عندنا لأسئلته جوابا في الإسلام، فرجع إليه بقوة، واندفع نحوه بحرارة، واجتمعت حرارة الشباب إلى حرارة الإيمان فكان لهما لهب يضيء وربما يحرق.

وليس منطقياً أن نتوقع الهدوء في عصر التمرد، ونلتمس الاعتدال في عالم يسوده التطرف، ونطلب حكمة الشيوخ من الشباب المتحمس، والإنسان ابن بيئته وعصره، وكل منهما يفرز من الأحداث والأفكار ما يناسبه، كما أن كل إناء ينضح بما فيه.

افتحوا النوافذ لنسيم الحرية

ثم علينا بعد ذلك أن نضرب صفحاً عن تلك الأساليب القديمة البالية التي يفكر فيها دائماً رجال المباحث وأجهزة الأمن، وهي أساليب العنف والتعذيب والتصفية الجسدية.

وأن يشيع جو الحرية، ونرحب بالنقد، ونحيي روح النصيحة في الدين، ونقول ما قال عمر رضي الله عنه: مرحباً بالناصح أبد الدهر، مرحباً بالناصح غدواً وعشياً.. رحم الله امرءاً أهدى إليّ عيوب نفسي!

وهكذا كان ابن الخطاب رصي الله عنه، يشجع ويؤيد كل ناصح له أو مشير عليه، أو ناقد لتصرف من تصرفاته.

قال له رجل: اتق الله يا أمير المؤمنين.. فأنكر عليه بعض الحاضرين، ولكن عمر قال له: دعه، فلا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نسمعها!

وخطب يوماً فقال: أيها الناس من رأى منكم فيّ اعوجاجاً فليقومني، فقال له رجل: والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بحد سيوفنا.. فلم يغضب عمر من قوله، ولم يأمر بحبسه أو التحفظ عليه أو التحقيق معه، بل قال له في ثقة وارتياح: الحمد لله الذي جعل في المسلمين من يقوِّم اعوجاج عمر بحد سيفه!!

وفي جو الحرية تظهر الأفكار في النور، فيمكن لأهل العلم مناقشتها، وتسليط أضواء النقد عليها، فتثبت وتبقى، أو تختفي وتذهب، أو تعدّل وتهذب، بدل أن تظل في ظلام السراديب التحتية، تلقن بلا مناقشة، وتطرح بلا معارضة، وتتفاقم وتستفحل يوماً بعد يوم، حتى يفاجأ الناس بها، وقد شبت عن الطوق، ولم يشهدوا قبل ذلك ولادتها ولا طفولتها.

إن علينا أن نستحضر أن هذا التطرف مصدره الفكر، ولهذا ينبغي أن يكون علاجه بالفكر أيضاً، فلا يفل القلم إلاّ القلم، ولا يقاوم الشبهة إلا الحجة، ولا يعارض كلام اللسان بكلم السنان.

ومن أكبر الخطأ اللجوء إلى القوة والبطش، لتصفية هذا الفكر، ومطاردة أهله، فإنه يختفي بالاضطهاد ولا يموت، ويكمن كمون النار في الكبريت ولا يزول.

إنما الواجب مخاطبة العقول المبلبلة حتى تستقيم، وطول الحوار بالحسنى حتى يزول اللبس، ويتضح الصبح لذي عينين، حتى وإن حملوا السلاح يجب أن يؤخذ منهم السلاح ولا يضربوا به.

أما دعاة الأيديولوجيات الانقلابية، ورجال المخابرات والمباحث، الذين ينادون بالسحق حتى العظم، والتعذيب حتى الموت، والتصفية حتى آخر فرد، فهم بهذا لا يقضون على التطرف، بل يزيدون ناره اشتعالاً، كل ما يستطيعونه أن يقصوا أجنحته حيناً من الدهر، ولكن سرعان ما ينبت الريش المقصوص، ويحلق الطائر المهيض الجناح!

حتى لو استطاعوا بالتصفية الجسدية أن يقضوا على جماعة متطرفة، فإنهم في نفس اللحظة يهيئون لميلاد جماعة بل جماعات أخرى قد تكون أشد تطرفاً وعنفاً.

ومن ثم كان واجبنا الأول العمل على تكوين وعي إسلامي رشيد، يقوم على فقه مستنير لأحكام الإسلام.. فقه ينفذ إلى الأعماق، ولا يقف عند السطوح، ويهتم باللباب قبل الاهتمام بالقشور.. فقه يرد الفروع إلى الأصول، والجزئي إلى الكلي، والظني إلى القطعي، ويأخذ الأحكام من المنابع الأصلية، غير مكتف بالقنوات الفرعية.

وإيجاد مثل هذا النوع من الوعي والفقه أمر ليس بالهين، وتحويل الإنسان من فكر اعتنقه وآمن بصحّته - صواباً كان أم خطأَ - يحتاج إلى جهد صادق، وصبر مصابر، واستعانة بالله.

وأصحاب السلطان يتصورون - أو يصور لهم - قرب هذا الأمر ويسره وسهولته، وما عليهم إلاّ أن يجندوا أجهزة الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية، فإذا العقول قد تغيرت، وإذا القلوب قد تحولت، وإذا الوجهة قد تبدلت، فاستدار النّاس من شرق إلى غرب أو من يمين إلى يسار!

وجهل هؤلاء أو تجاهلوا: أن أعجز النّاس عن التغيير المنشود، وإيجاد الوعي المطلوب: ألسنة السلطة وأقلامها وأجهزتها. فكلامهم مرفوض شكلاً، غير مقبول أصلاً.

ومن الوقائع المجربة ما حدث في بعض الأقطار، في بعض العهود، من تسخير العلماء والمحاضرين لتوعية المعتقلين، وغسل عقولهم مما علق بها من أفكار! فما أجدى هذا كله فتيلاً، ولم تلق هذه الدروس والمواعظ والمحاضرات إلاّ السخرية منها ومن قائليها.

إن التفقيه المنشود لا يمكن أن يقوم به إلاّ علماء بعيدون عن تأثير السلطان ورغبه ورهبه، حائزون على ثقة هؤلاء الشباب: ثقتهم بأصالة علمهم، وثقتهم بقوة دينهم. ولا يتحقق هذا إلاّ في مناخ طبيعي حر، بعيد عن بريق الوعود، وسوط الوعيد، لا تحده أبواب مغلقة، ولا أسوار محدقة.

ولا يتم مثل هذا بين عشية وضحاها بالتلقين الفوقي، أو الأوامر العسكرية، إنما يتم باللقاء الحر، والحوار البناء، والأخذ والرد، وعلى المدى الطويل.

لا تقابلوا التكفير بتكفير مثله

ومما أؤكد التحذير منه، والتنبيه على خطره: أن نقابل التطرف الفكري بتطرف فكري مماثل: فنواجه التعصب بتعصب، والرفض بالرفض، والبادي أظلم، كما قيل!

ومن ذلك : أن نتهم الذين كفّروا الناس بالكفر أيضاً، على حد قول من قال: من كفّرنا كفّرناه، وربما استدل بعضهم بالحديث القائل: من كفّر مسلماً فقد كفر

فالحق أننا لو فعلنا ذلك لوقعنا في نفس الهاوية التي وقعوا فيها.. والحديث لا يشمل من كفر مسلماً بنوع تأويل وشبهة قامت لديه، كما دلت على ذلك أحاديث صحيحة، ووقائع ثابتة عن الصحابة رضي لله عنهم.

ولنا في أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أسوة حسنة، في موقفه من الخوارج الذين قاتلوه واتهموه بأشنع ما يتهم به مسلم عادي، فكيف بعَلَم الأعلام، وفارس الإسلام ، زوج البتول، وابن عم رسول صلى الله عليه وسلم وسيف الحق المسلول؟

بيد أنه رضي الله عنه وكرم الله وجهه، أنكر عليهم باطلهم دون أن يقابل تهمتهم بمثلها، أو يكفرهم كما كفّروه، بل استبقاهم في دائرة الإسلام ، إحساناً للظن بهم، وحملاً لحالهم على أحسن المحامل.

وسأله بعض النّاس عن الخوارج: أكفّار هم؟ فكان جوابه: من الكفر فرّوا.. قيل له: فما هم؟! قال : إخواننا بالأمس بغوا علينا اليوم!

فلهم إذن حكم البغاة المناوئين، لا حكم الكفار المرتدين.

والبغاة هم الذين يخرجون على الإمام العادل بتأويل وشبهة عندهم.

وهؤلاء إذا كانوا ذوي شوكة وشهروا السلاح في وجه الإمام، فلا ينبغي أن يبادرهم بالقتال، بل عليه أن يرسل إليهم من يزيح عنهم الشبهة، ويقيم عليهم الحجة، ويجادلهم بالتي هي أحسن، حقنًا لدماء المسلمين، وجمعاً لكلمتهم، ما وجد إلى ذلك سبيلاً.

فإن أصروا على موقفهم، وأبوا إلا القتال، قوتلوا حتى يفيئوا إلى أمر الله. وفي المعركة: لا يتبع مدبرهم، ولا يجهز على جريحهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا تسبى نساؤهم، ولا تغنم أموالهم. فإنما هم مسلمون، يقاتلون لدفع أذاهم، وردهم إلى حظيرة الوحدة، لا لاستئصال شأفتهم، وإبادة خضرائهم.

فإذا كفّوا أيديهم وأعلنوا الطاعة في المعروف، وجب الكف عنهم، وإن بقوا على رأيهم. إن الآراء لا تنزع من العقول بالقتال، ولا تفرض على النّاس بالسيف.

وقد ورد عن الإمام علي هنا أيضاً موقف جدير أن يروى وينشر، لما فيه من برهان على أن حرية الرأي - ورأي المعارضة على الخصوص - بلغت في فجر الإسلام مبلغاً لم يرتق إليه العالم إلاّ بعد قرون وقرون.

فقد أنكر الخوارج على عليٍّ رضي الله عله رضاه بالتحكيم، فقالوا كلمتهم المعروفة: لا حكم إلاّ لله فردّ عليهم بقوله التاريخي البليغ: كلمة حق يراد بها باطل !

ومع إنكارهم عليه، ومعارضتهم له قال لهم في صراحة وجلاء:

لكم علينا ثلاث: ألاّ نمنعكم من المساجد.. ولا من رزقكم من الفيء.. ولا نبدأكم بقتال، ما لم تحدثوا فساداً .

فضمن لهم حرية العبادة في مساجد المسلمين، وإن خالفوا جمهورهم في الرأي.. كما ضمن لهم حقوقهم في الفيء ونحوه.. وألاّ يشهر عليهم سلاح ما لم يبدؤوا هم بالعدوان وإحداث الفساد.

هذا مع أن كل واحد من هؤلاء المعارضين إنما هو جندي مسلح مدرب قادر على القتال في أي لحظة بحكم طبيعة حياتهم في ذلك الزمان.

ومما ينبغي التنويه به في هذا المقام : أن جمهرة المحققين من علماء المسلمين تورعوا عن تكفير الخوارج برغم إصرارهم على تكفير كل من عداهم من الأمة، واستباحة دمائهم وأموالهم، وحملهم السلاح عليهم، ومع ما صح فيهم من الأحاديث التي وصفتهم بالمروق من الدين، وأمرت بقتالهم وقتلهم.

قال الإمام الشوكاني في (نيل الأوطار : 7/352-353 ):

ذهب أكثر أهل الأصول من أهل السنة إلى أن الخوارج مسلمون، وأن حكم الإسلام يجري عليهم لتلفظهم بالشهادتين، ومواظبتهم على أركان الإسلام ، وإنما فسقوا بتكفير المسلمين مستندين إلى تأويل فاسد، وجرهم ذلك إلى استباحة دماء مخالفيهم وأموالهم، والشهادة عليهم بالكفر والشرك .

وقال الخطابي: أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج مع ضلالهم فرقة من فرق المسلمين، وأجازوا مناكحاتهم وأكل ذبائحهم، وأنهم لا يكفرون ما داموا متمسكين بأصل الإسلام .

وقال عياض: كادت هذه المسألة أن تكون أشد إشكالاً عند المتكلمين من غيرها، حتى سأل الفقيه عبد الحق الإمام أبا المعالي عنها، فاعتذر بأن إدخال كافر في الملة، وإخراج مسلم عنها عظيم في الدين. قال: وقد توقف القاضي أبو بكر الباقلاني. قال: ولم يصرح القوم بالكفر وإنما قالوا أقوالاً تؤدي إلى الكفر .

وقال الغزالي في كتاب التفرقة بين الإيمان والزندقة : ينبغي الاحتراز عن التفكير ما وجد إليه سبيلاً، فإن استباحة دماء المسلمين المقرين بالتوحيد خطأ والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم مسلم واحد .

وقال ابن بطال: ذهب جمهور العلماء إلى أن الخوارج غير خارجين من جملة المسلمين، قال: وقد سئل علي عن أهل النهروان (وهم خوارج ): هل كفروا؟ فقال: من الكفر فرُّوا.

وعلى القول بعدم تكفيرهم يسلك بهم مسلك أهل البغي، إذا شقوا العصا، ونصبوا الحرب.

قال العلماء: وباب التكفير باب خطر ولا نعدل بالسلامة شيئا ً.

واجب الشباب

إن أول ما يجب على شبابنا أن يصنعوه هو تصحيح نظرتهم، وتقويم أفكارهم حتى يعرفوا دينهم على بصيرة، ويفقهوه عن بينة.

ونقطة البداية في هذا الفقه المنشود هي: سلامة المنهج الذي يجب أن يسلكوه في فهم الإسلام ، والتعامل مع أنفسهم ومع الناس والحياة على أساسه.

ولهذا اهتم علماء الأمة بوضع القواعد والضوابط اللازمة لحسن الفهم والاستنباط، فيما نص عليه الشارع، أو فيما لا نص فيه.

ومن هنا نشأ علم أصول الفقه ليضبطوا به فقههم، ويعنون بالفقه: التفكير الإسلامي في استنباط الأحكام العملية من أدلتها التفصيلية، ومن هنا كان بحثهم في الحكم والحاكم، والمحكوم به، والمحكوم عليه، وبحثوا في الأدلة الأصلية والتبعية، وبحثوا في الأمر والنهي، والخاص والعام، والمطلق والمقيد، والمنطوق والمفهوم، وبحثوا في مقاصد الشريعة وما جاءت به من رعاية المصالح، ودرء المفاسد، وقسموا المصالح إلى ضرورية وحاجيّة وتحسينية... إلى آخر ما جاء به علم أصول الفقه، على تنوع طرق التأليف فيه، وهو علم من حق المسلمين أن يفخروا به، لأنه لا يوجد له نظير عند الأمم الأخرى.

على أن هناك قواعد وضوابط قد لا تضمها كتب الأصول الرسمية، وإنما توجد منثورة في كتب أصول التفسير وعلوم القرآن، أو في كتب علم الحديث ومصطلحه التي يطلق عليها أيضاً: أصول الحديث .

وهناك غير هذه وتلك، قواعد وضوابط متناثرة في كتب أهل التحقيق، قد يجدها في كتب العقائد أو التفسير، أو في شروح الحديث، أو في كتب الفقه، أو غيرها، يلحظها من كان له بصر بالشريعة وأسرارها.

المهم إذن هو الفقه الواعي لدين الله، الفقه الذي لا يعتمد على قراءات فجة، ولا على فهم سطحي لنصوص الشرع، يخطف الآيات والأحاديث خطفاً، دون تبصر وتعمق لأسرارها ومقاصدها، إنما نريده فقهاً رشيداً متكاملاً، يقوم على منهج سديد.

هذا الفقه أو الوعي الذي ننشده لأجيالنا المسلمة الصاعدة يجب أن يراعي عدة أمور:

فقه الجزئيات في ضوء الكليات

أولاً: إن معرفة الشريعة لا تتم بمجرد معرفة نصوصها الجزئية متفرقة متناثرة، مفصولاً بعضها عن بعض، بل لا بد من رد فروعها إلى أصولها، وجزئياتها إلى كلياتها، ومتشابهاتها إلى محكماتها، وظنياتها إلى قطعياتها، حتى يتألف منها جميعاً نسيج واحد مرتبط بعضه ببعض، متصل لحمته بسداه، وممبدؤه بمنتهاه.

أما أن يعثر على نص من حديث نبوي ، يفيد ظاهره حكما، فيتشبث به، دون أن يقارنه بالأحاديث الأخرى، وبالهدي النبوي العام، وبهدي الصحابة والراشدين، بل دون أن يرده إلى الأصول القرآنية نفسها، ويفهمه في ضوء المقاصد العامة للشريعة، فلن يسلم من الخلل في فهمه، والاضطراب في استنباطه، وبذلك يضرب الشريعة بعضها ببعض ، ويعرضها لطعن الطاعنين، وسخرية الساخرين.

ولهذا اشترط الإمام الشاطبي في موافقاته لتحقيق الاجتهاد في الشريعة: المعرفة بمقاصدها وكلياتها، قال: إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين:

أحد هما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها.

والثاني: التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها (الموافقات: 4/105-106 )

وهذا لا يتأتى إلا بسعة الاطلاع على النصوص، وخاصة الأحاديث والآثار، والتعمق في معرفة أسباب ورودها، وملابسات وقوعها، والغايات المتوخاة منها، والتمييز بين ما هو عام خالد منها، وبين ما بني منها على عرف قائم ، أو ظرف زمني موقوت، أو مصلحة معينة ، فيتغير بتغيير العرف أو الظرف أو المصلحة. انظر كتابنا شريعة الإسلام .

كنت في إحدى الندوات أتحدث عن الزي الشرعي للمرأة المسلمة، في ضوء ما جاء في القرآن والسنة، فقام أحدهم ، وقال : يجب أن يكون من زي المسلمة جلباب تدني منه عليها، ويعني بالجلباب: ثوبا خارجيا إضافياً كالعباءة أو الملاءة ونحوها.

قلت له: الجلباب ليس غاية في ذاته، ولكن المهم هو اللباس السابغ الساتر، لكل ما أمر الله بستره، أيًّا كان اسمه أو شكله، فهذه وسيلة تختلف باختلاف البيئات والأزمان.

بيد أن صاحبي صاح في وجهي كالحمل الهائج، قائلاً: ولكن هذه وسيلة نص عليها القرآن في قوله تعالى: ((يدنين عليهنّ من جلابيبهنّ )) (الأحزاب: 59 )، فليس من حقنا أن نبدلها بغيرها.

قلت له: إن القرآن الكريم قد ينص على بعض الوسائل، لأنها هي القائمة والمعمول بها في وقت نزوله، لا ليتعبّدنا باتخاذها أبد الدهر، فإذا وجد ما هو مثلها أو خير منها فلا حرج في تركها واتخاذه، ويكفي أن أضرب مثلاً قول الله تعالى: ((وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّةٍ ومن رباطٍ الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوّكم )) (الأنفال :60 )، فإنما نص على رباط الخيل لأنه إحدى الوسائل القوية المعروفة في ذلك الوقت، ولا حرج على المسلمين في عصرنا، وقبل عصرنا، إذا ما أعدوا بدل رباط الخيل، رباط الدبابات والمدرعات وغيرها، ما دامت تحقق الهدف الذي أومأت إليه الآية الكريمة، وهو إرهاب أعداء الله وأعداء المسلمين.

ومثل هذا يقال في لبس الجلباب فيمكن أن يستبدل به أي لباس آخر ما دام يحقق الهدف الذي أشارت إليه الآية كذلك في قوله تعالى: ((ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين )) (الأحزاب : 59 ).

وإذا كان مثل هذا وقع في القرآن الذي طابعه الشمول والخلود، فإن وقوع أمثاله في السنة أكثر وأكثر، لأن فيها ما هو تشريعي، وما هو غير تشريعي، ومنها ما هو تشريع خاص، وما هو تشريع عام، ومنها ما هو ثابت دائم، وما هو قابل للتغير بتغير موجباته وأسبابه.

ففي قضايا الأكل والشرب واللبس مثلاً، نجد فيها سنناً تشريعية، وسنناً غير تشريعية، فمن غير التشريعية ـ فيما أرى ـ الأكل باليد دون استعمال أداة كالملعقة ونحوها، فقد كانت هذه هي عادة العرب وطريقتهم، وهي الأقرب إلى فطرتهم، وبساطة معيشتهم، ولكن هذا لا يعني أن الأكل بالملعقة بدعة أو حرام أو مكروه، وخصوصاً إذا تيسرت هذه الوسائل لكل النّاس، ولم يعد استعمالها دليلاً على سرف أو ترف، كما في ملاعق الذهب والفضة وأوانيهما التي حرّمها الإسلام .

وهذا بخلاف الأكل باليمين والشرب باليمين، فالتشريع في هذا واضح، ولهذا جاء الأمر به سمّ الله وكل بيمينك (متفق عليه ) والتحذير من ضده لا يأكل أحدكم بشماله، ولا يشرب بشماله، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله (رواه مسلم ) ويقصد التشريع في السنة هنا إلى خلق آداب إسلامية مشتركة ذات اتجاه متميز، ومن ملامح هذا الاتجاه: الحرص على التيامن في كل شيء.

ومن ذلك أن المسلمين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرفوا المناخل قط، وكانوا يعجنون الدقيق خشناً دون أن ينخلوه، ثم عرفوا المناخل بعد ذلك واستخدموها، فهل يعد ذلك من البدع المحرمة أو حتى المكروهة؟ كلاّ…

ومن ذلك موضوع الثوب القصير الذي تشبث به كثير من الشباب المتدين، وأصروا على لبسه، وإن جرّ عليهم متاعب جمّة، كأنما هو من شعائر الإسلام، أو من فرائضه اللازمة.

وحجتهم في كونه ثوباً: أن هذا هو لبس النبي صلى الله عليه وسلم ، ولبس أصحابه، وأن الأزياء الأخرى تجرنا إلى التشبه بالكفار، ومن تشبه بقوم فهو منهم، أما حجتهم في تقصيره، فهو ما ورد من أحاديث في التحذير من إسبال الإزار أو الثوب، كحديث وما أسفل من الكعبين من الإزار فهو في النّار .

أما الاحتجاج للبس الثوب بفعله صلى الله عليه وسلم، فالثابت من هديه عليه الصلاة والسلام أنه كان يلبس ما تيسر له، ولهذا لبس القميص، ولبس الرداء والإزار، ولبس الحلل والبرود اليمنية، ولبس جبّة كسروانية مكفوفة بالحرير، وغير ذلك مما كان معروفاً في زمنه، وسهل عليه اقتناؤه، كما أنه لبس على رأسه العمامة تحتها القلنسوة، ولبس القلنسوة بغير عمامة.

قال الإمام ابن القيم في الهدي النبوي :

إن أفضل الطريق طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، التي سنّها، وأمر بها، ورغّب فيها، وداوم عليها، وهي أن هديه في اللباس أن يلبس ما تيسر من اللباس، من الصوف تارة، والقطن تارة، والكتان تارة... ولبس البرود اليمانية، والبرد الأخضر، ولبس الجبة، والقباء، والقميص، والسراويل والرداء، والخف والنعل… وأرخى الذؤابة من خلف تارة، وتركها تارة… (زاد المعاد: 1/143 ).

ولم يكن عند القوم غزل ولا نسج ولا خياطة، بل كانوا يلبسون ما يجلب إليهم من البلاد الأخرى التي تصنع هذه الأنواع من الملابس، كاليمن ومصر والشام.

وها نحن نلبس من الألبسة الداخلية ما لم يكن معروفاً على عهده صلى الله عليه وسلم ، ونغطي رؤوسنا بما لم يكونوا يغطونها بمثله، ونلبس في أرجلنا من الجوارب والأحذية ما لم يكونوا يلبسون، ولا يرى أحد في ذلك بأساً فلماذا التشدد في أمر الثوب وحده؟‍‍‍‍‍‍..

وأما التشبه بالكفار، فالممنوع منه ما كان من خصائصهم المميزة لهم باعتبارهم أصحاب دين مخالف، كلبس الصليب مثلاً، وهو من خصائص النصارى، وارتداء ملابسهم الكهنوتية المميزة، ويدخل في ذلك الاحتفال بأعيادهم الدينية، ونحو ذلك مما فصّله شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه القيم: اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أهل الجحيم .

وما عدا‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ هذه الأمور الشاخصة البارزة، فالمدار فيه على النية والقصد، فمن قصد إلى التشبه بهم باعتبارهم مخالفين لدينه، فهم مؤاخذ بنيته وقصده، ومن لم يخطر التشبه بباله، بل البيئة التي نشأ فيها فقط، أو أخذ بما هو أيسر عليه، أو أعون على مهمته، كالعامل أو المهندس الذي يلبس ما يسمونه الأفرول في مصنعه أو مجال عمله، فلا حرج عليه، ولكل امرئ ما نوى .

هذا وإن كان من المستحسن دائماً أن يتميز المسلم عن غيره في كل أمور حياته المادية والمعنوية، ما وجد إلى ذلك سبيلاً.

أما تقصير الثوب فهو مستحب، ولكن تطويله ليس بحرام إذا كان مجرد عادة وليس على سبيل الخيلاء، كما أشرنا من قبل.

والأمثلة التي ذكرتها تتعلق كلها بالسلوك الشخصي للأفراد، ولهذا يعتبر الأمر فيها سهلاً، بالنسبة لغيرها، من الأمور التي تتعلق بعموم المجتمع، أو شؤون الدولة، أو العلاقات الدولية، وهنا يكمن الخطر على الجماعة والدولة والانسانية، إذا لم يرزق المجتمع بفقه نيٍّر بقدر للحاجات البشرية والمصالح الاجتماعية قدرها.

فحين ندعو إلى استئناف حياة إسلامية حقيقة، يقوم عليها مجتمع إسلامي متكامل، تقوده دولة إسلامية معاصرة، تتعامل مع عالم متشابك العلاقات، متعدد المذاهب، تقاربت فيه المسافات والحواجز، حتى أصبح كأنه بلد واحد.. يجب علينا أن ندرك أن في المجتمع القوي والضعيف، والرجل والمرأة، والشيخ، والطفل، وفيه الظالم لنفسه بجوار المقتصد والسابق بالخيرات، فيلزمنا أن نراعي هؤلاء في التوجيه والإفتاء والتشريع.

قد يشدد الفرد على نفسه، ويأخذ بأشد الآراء تزمتاً واحتياطاً، فيحرم على نفسه اللهو والغناء والموسيقى، والتصوير كله، حتى الفوتوغرافي والتليفزيوني، ونحو ذلك، ولكن هل تستطيع دولة معاصرة أن تقوم على ذلك؟ وهل تقوم صحافة مقروءة لها وزنها في عالم اليوم بغير التصوير؟ وهل تستغني وزارات الداخلية وإدارات الهجرة والجوازات وتحقيق الشخصية، والمرور، والمدارس والجامعات وغيرها عن الصور والتصوير اليوم، وقد أصبح وسيلة هامة لمنع التزوير وضبط المزورين؟

وهل تستطيع دولة اليوم أن تتجاهل عصرها، وتحرم شعبها من هذا الجهاز العجيب الذي يضع أحداث العالم كله بين يديك، تشاهدها كأنك تعايش أصاحبها في الشرق والغرب، وأنت على مقعدك أو في سريرك، لم تتحرك يمنة ولا يسرة؟ هل يسع دولة مسلمة معاصرة أن تكتفي بالإذاعة، وترفض التلفزة لأنها تقوم على التصوير وهو حرام، كما يرى بعض إخواننا من طلبة العلم الديني إلى اليوم؟

والذي أؤكده هنا : أن تشديد المرء على نفسه في سلوكه الشخصي يمكن أن يحتمل، وأن يقبل، ولكن الذي لا يحتمل ولا يقبل أن يفرض هذا على المجتمع كله، بجميع فئاته، وتنوع مستوياته، وعلينا هنا أن نتمسك بالتوجيه النبوي الكريم: من أم الناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف، والمريض وذا الحاجة وهذا وإن ورد في إمامة الصلاة، فإنه بفحواه دليل هاد لمن قاد النّاس في أي جانب من جوانب الحياة.

الفقه في مراتب الأحكام وأدب الخلاف

ومن الفقه الذي يغفل عنه بعض المتدينين: معرفة مراتب الأحكام الشرعية، وأنها ليست في درجة واحدة من حيث ثبوتها، وبالتالي من حيث جواز الاختلاف فيها.

فهناك الأحكام الظنية التي هي مجال الاجتهاد، وتقبل تعدد الأفهام والتفسيرات، سواء كانت أحكاماً فيما لا نص فيه أو فيما فيه نص ظني الثبوت، أو ظني الدلالة، أو ظنيهما معاً، وهذا شأن معظم الأحكام المتعلقة بالعمل، كأحكام الفقه، فهذه يكفي فيها الظن، بخلاف الأحكام المتعلقة بالعقيدة، التي لا يغني فيها إلاّ القطع واليقين.

والاختلاف في الأحكام الفرعية العملية والظنية، لا ضرر فيه ولا خطر منه، إذا كان مبنياً على اجتهاد شرعي صحيح، وهو رحمة بالأمة، ومرونة في الشريعة، وسعة في الفقه، وقد اختلف فيها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان، فما ضرهم ذلك شيئاً، وما نال من أخوتهم ووحدتهم كثيراً ولا قليلاً.

وهناك الأحكام التي ثبتت بالكتاب والسنة والإجماع، ووصلت إلى درجة القطع، وإن لم تصبح من ضروريات الدين، فهذه تمثل الوحدة الفكرية والسلوكية للأمة، ومن خالفها خالف السنة، ووصف بالفسق والبدعة، وقد ينتهي به الأمر إلى درجة الكفر.

وهناك الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة، بحيث يستوي في العلم بها الخاص والعام، وهي التي يكفر من أنكرها بغير خلاف، لما في إنكارها من تكذيب صريح لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم .

فلا يجوز إذن أن توضع الأحكام كلها في إطار واحد، ودرجة واحدة، حتى يسارع بعض النّاس إلى إلصاق الكفر أو الفسوق أو البدعة بكل من عارض حكماً ما، لمجرد اشتهاره بين طلبة العلم، أو تداوله في الكتب، دون تمييز بين الأصول والفروع، ولا تفريق بين الثابت بالنص، والثابت بالاجتهاد، وبين القطعي والظني في النصوص، وبين الضروري وغير الضروري في الدين، فلكل منها منزلته، وله حكمه.

إن فقهاءنا الكبار قد اختلفوا أحياناً في بعض المسائل اختلافاً قد يتجاوز الآحاد إلى العشرات من الأقوال، وقد تجد في المسألة الواحدة كل الأقوال التي تقتضيها القسمة العقلية، كأقوالهم فيمن قتل مسلماً معصوم الدم تحت تأثير الإكراه: هل يجب القصاص على المكره الذي باشر القتل؟ أم على المكره الذي أجبره وهدده، لأن المتسبب القاتل لم يكن إلاّ مجرد آلة له؟ أم عليهما معاً‍‍ .. هذا بمباشرته وذلك بإكراهه وإجباره؟ أم ليس على واحد منهما القصاص، لأن جريمة القتل لم تكتمل لدى كل منهما؟ بكل هذه الاحتمالات قال بعض الفقهاء، ولكل وجهته وتعليله.

بل في داخل المذهب الواحد من المذاهب المتبوعة نجد العديد من الأقوال، أو الروايات، أو الوجوه، أو الطرق، واختلاف التصحيحات والترجيحات فيما بينها لدى علماء المذهب.

وبحسبي هنا أن أذكر أن الخلاف في مذهب مثل مذهب الإمام أحمد، وهو مذهب يقوم على اتباع الأثر، قد اتسع للعديد من الروايات والأقوال بحيث ملأت كتاباً من اثني عشر مجلداً هو كتاب الإنصاف في الراجح من الخلاف .

لهذا كان من المعاني الكبيرة التي يجب على شبابنا أن يحسنوا التفقه فيها: أن يعرفوا ما يجوز فيه الخلاف، وما لا يجوز، وأن منطقة ما يجوز فيه الخلاف أوسع بكثير مما لا يجوز، وأهم من هذا كله أن يتعلموا أدب الخلاف وهو أدب ورثناه من أئمتنا وعلمائنا الأعلام، علينا أن نتعلم منهم كيف تتسع صدورنا لمن يخالفنا في فروع الدين.

كيف تختلف آراؤنا، ولا تختلف قلوبنا؟ كيف يخالف المسلم أخاه المسلم في رأيه دون أن تمس أخوته، أو يفقد محبته أو احترامه لمخالفته.. ودون أن يتهمه في عقله أو في علمه أو دينه؟

يجب أن نتعلم أن الخلاف في الفروع أمر واقع، ما له من دافع، وأن لله حكمة بالغة حين جعل من أحكام الشريعة القطعي في ثبوته ودلالته، فلا مجال للخلاف فيه، وهذا هو القليل، بل الأقل من القليل، وجعل منها الظني في ثبوته أو دلالته، أو فيهما معاً، فهذا بما فيه مجال رحب للاختلاف، وهو جلّ أحكام الشريعة، وهناك من العلماء من العلماء من آتاهم الله القدرة على التحقيق والتمحيص والترجيح بين الأقوال المتنازع فيها، دون تعصب لمذهب أو قول، مثل الأئمة: ابن دقيق العيد، وابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، وابن حجر العسقلاني، والدهلوي، والشوكاني، والصنعاني.. وغيرهم، ولكن محاولات هؤلاء من قبل، لم ترفع الخلاف، ومحاولات غيرهم من بعد، لم ترفع الخلاف ولن ترفعه.

ذلك، لأن أسباب الخلاف قائمة في طبيعة البشر، وطبيعة الحياة، وطبيعة اللغة، وطبيعة التكليف، فمن أراد أن يزيل الخلاف بالكلية، فإنما يكلف الناس والحياة واللغة والشرائع ضد طبائعها.

على أن الخلاف العلمي في ذاته لا خطر فيه، إذا اقترن بالتسامح وسعة الأفق، وتحرر من التعصب والاتهام وضيق النظر.

وقد اختلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في كثير من المسائل الفرعية، أو الأحكام العملية، فوسع بعضهم بعضاً، ولم يعب بعضهم على بعض.

وجاء تلاميذهم من التابعين لهم بإحسان، فوجدوا في هذا الخلاف سعة ورحمة للأمة، وخصوبة وثراء للفقه، ولم تضق بذلك صدورهم، كما فعل أناس من المتأخرين بعد، يقول خامس الراشدين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: ما وددت أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا، اختلافهم رحمة.

وكيف لا يختلف الصحابة ومن بعدهم، وقد اختلفوا في حياة الرسول نفسه، وأقر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هذا الاختلاف، دون أن يلوم أحداً من المختلفين.

وهذا ثابت في قضية صلاة العصر في بني قريظة، حين قال لهم بعد غزوة الأحزاب: من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة وصلى بعضهم في الطريق قبل فوات الوقت، وقالوا: إنما أراد منا سرعة النهوض لا تأخير الصلاة عن وقتها، وأبي الآخرون إلاّ أن يقفوا عند ظاهر النص، وأن ينفذوه بحرفيته.. أخذ الأولون بالفحوى، وأخذ الآخرون بالظاهر، فأولئك ـ كما قال ابن القيم ـ سلف أهل القياس والمعاني، وهؤلاء سلف أهل الظاهر، والمهم أن النبي عليه الصلاة والسلام، لما بلغه صنيع الفريقين، لم يلم هؤلاء ولا هؤلاء، مع أن أحدهما مخطئ بلا ريب، فدلّنا ذلك على أن العمل إذا تم بناء على اجتهاد، فلا ينبغي أن يكفر أو يؤثم.

وقد عرفنا في عصرنا أناساً يجهدون أنفسهم، ويجهدون الناس معهم، ظانين أنهم قادرون على أن يصبوا النّاس في قالب واحد يصنعونه هم لهم، وأن يجتمع النّاس على رأي واحد، يمشون فيه وراءهم، وفق ما فهموه من النصوص الشرعية، وبذلك تنقرض المذاهب، ويرتفع الخلاف، ويلتقي الجميع على كلمة سواء.

ونسي هؤلاء أن فهمهم للنصوص ليس أكثر من رأي يحتمل الخطأ، كما يحتمل الصواب، إذ لم تضمن العصمة لعالم فيما ذهب إليه، وإن جمع شروط الاجتهاد كلها. كل ما ضمن له هو الأجر على اجتهاده، أصاب أم أخطأ.

ولهذا لم يزد هؤلاء على أن أضافوا إلى المذاهب المدونة مذهباً جديداً!

ومن الغريب أن هؤلاء ينكرون على أتباع المذاهب تقليدهم لأئمتها، على حين يطلبون من جماهير النّاس أن يقلدوهم ويتبعوهم.

ولا تحسبن أني أنكر عليهم دعوتهم إلى اتباع النصوص، أو اجتهادهم في فهمها، فهذا من حق كل مسلم استوفى شرائط الاجتهاد وأدواته، ولا يملك أحد أن يغلق باباً فتحه رسول الله صلى الله عليه وسلم للأمة، إنما أنكر عليهم تطاولهم على مناهج علماء الأمة، واحتقارهم للفقه الموروث، ودعاواهم العريضة في أنهم وحدهم على الحق، وما عداهم على خطأ أو ضلال، وتوهمهم أن باستطاعتهم إزالة الخلاف، وجمع النّاس قاطبة على قول واحد، هو قولهم.

قال لي واحد من طلبة العلم المخلصين من تلاميذ هذه المدرسة مدرسة الرأي الواحد : ولم لا يلتقي الجميع على الرأي الذي معه النص؟

قلت: لا بد أن يكون النص صحيحاً مسلماً به عند الجميع، ولا بد أن يكون صريح الدلالة على المعنى المراد، ولا بد أن يسلم من معارض مثله أو أقوى منه من نصوص الشريعة الجزئية أو قواعدها الكلية، فقد يكون النص صحيحاً عند إمام ضعيفاً عند غيره، وقد يصح عنده ولكن لا يسلم بدلالته على المراد، فقد يكون عند هذا عاماً وعند غيره خاصاً، وقد يكون عند إمام مطلقاً، وعند آخر مقيداً، وقد يراه هذا دليلاً على الوجوب أو الحرمة، ويراه ذلك دالاً على الاستحباب أو الكراهية وقد يعتبره بعضهم محكماً، ويراه غيره منسوخاً.. إلى غير ذلك من الاعتبارات التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه رفع الملام عن الأئمة الأعلام وذكرها حكيم الإسلام ولي الله الدهلوي في كتابه حجة الله البالغة ، وفي رسالة الإنصاف في أسباب الاختلاف وفصّلها العلامة الشيخ على الخفيف في كتاب أسباب اختلاف الفقهاء ..

خذ مثلاً هذه الأحاديث:

1- عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أيما امرأة تقلدت قلادة من ذهب قلدت في عنقها مثلها من النّار يوم القيامة، وأيما امرأة جعلت في أذنها خُرصاً (أي :قرطا ً) من ذهب، جعل في أذنها مثله يوم القيامة (رواه أبو داود والنسائي ).

2- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

من أحب أن يحلق حبيبه حلقة من نار، فليحلقه حلقة من ذهب، ومن أحب أن يطوق حبيبه طوقاً من نار، فليطوقه طوقاً من ذهب، ومن أحب أن يسور حبيبه سواراً من نار، فليسوره بسوار من ذهب، ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها (رواه أبو داود ).

3- ومثل ذلك حديث ثوبان رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على فاطمة رضي الله عنها سلسلة من ذهب كانت تتحلى بها، فباعتها واشترت بثمنها عبداً فأعتقته، فحدّث بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: الحمد لله الذي أنجى فاطمة من النار (رواه النسائي ).

هذه الأحاديث كان للعلماء منها مواقف مختلفة.

1- منهم من نظر في سندها فوجد فيها من أسباب الضعف ما جعله يردها، ويحكم عليها بالضعف، ولا سيما أن الحكم بالتحريم يقتضي التثبت والتحري، وخصوصاً في أمر اشتهر القول بحله والعمل عليه، ويكاد يمس كل بيت مسلم.

2- ومن العلماء من صححها، ولكنه ذهب إلى أنها منسوخة، فإنه قد ثبت إباحة تحلي الذهب للنساء بأدلة أخرى، ونقل البيهقي وغيره الإجماع على ذلك، واستقر عليه الفقه والعمل.

3- ومنهم من خصصها بأن هذا في حق من لا يؤدي زكاته دون من أدّاها، ويستدل لذلك بأحاديث لم تسلم من النقد أيضاً، والخلاف في زكاة الحلي للنساء بين المذاهب أمر معروف.

4- ومنهم من أوّلها بأن الوعيد إنما هو في حق من تزينت به وأظهرته، أي: أن الوعيد فيها على الاختيال لا على مجرد الزينة، وقد ذكر النسائي بعض هذه الأحاديث تحت عنوان: باب الكراهية للنساء في إظهار حلي الذهب .

وقال بعضهم: إن الإنكار إنما كان على ما فيه غلظ وضخامة من الحلي فإنه مظنة الفخر والخيلاء.

5- وذهب الشيخ ناصر الدين الألباني في عصرنا مذهباً جديداً في هذه الأحاديث، فحكم بصحتها، ورآها نصاً محكماً في تحريم الذهب المحلق على النساء، مخالفاً بذلك ما نقل من الإجماع على إباحته، وما استقر عليه الفقه في جميع المذاهب، وما مضى عليه عمل الأمة طوال أربعة عشر قرناً.

فليت شعري هل منع وجود هذه الأحاديث من الخلاف في ثبوتها ودلالتها؟

وهل تستطيع المدرسة الأثرية الحديثة أن ترفع الخلاف، أو تجمع النّاس على قول واحد، ما دام معها حديث أو أثر تحتج به؟

الجواب واضح، وسيظل النّاس يختلفون في مثل هذه الأمور، ولا حرج في ذلك ولا ضير إن شاء الله ((ولكلِّ وجهةُ هُو مولِّيها )).

ولم أجد في دعاة الإسلام ومصلحيه في هذا العصر من فهم قضية الخلاف وأدبه وفقهه كما فهمها الإمام حسن البنا، وربى عليها أبناء مدرسته.

فرغم حرصه أشد الحرص على وحدة الصف الإسلامي، ومحاولاته الجادة والواعية لتوحيد كلمة الجمعيات والهيئات الإسلامية، وجمعها على الحد الأدنى من الأصول والمفاهيم الإسلامية، وفي ذلك وضع أصوله العشرين المعروفة، رغم ذلك كان يؤمن بأن الخلاف في فروع الدين وأحكامه العملية الجزئية، لا مفر منه، ولا يمكن تجنبه، وقد عرض لذلك في أكثر من رسالة من رسائل دعوته، فأجاد وأفاد.

في رسالته التي عنوانها دعوتنا يتحدث عن خصائص دعوته بأنها دعوة عامة، لا تنسب إلى طائفة خاصة، ولا تنحاز إلى رأي عرف عند النّاس بلون خاص، وهي تتوجه إلى صميم الدين ولبه، وتود أن تتوحد وجهة الأنظار والهمم، حتى يكون العمل أجدى، والانتاج أعظم وأكبر، وهي مع الحق أينما كان، تحب الإجماع وتكره الشذوذ، وإن أعظم ما ابتلي به المسلمون الفرقة والخلاف، وأساس ما انتصروا به الحب والوحدة، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلاّ بما صلح به أولها.

ومع هذا الإيمان بضرورة الوحدة وكراهية الفرقة، يقول الشيخ رحمه الله:

ونحن مع هذا نعتقد أن الخلاف في فروع الدين أمر لابد منه ضرورة، ولا يمكن أن تتحد في هذه الفروع -الآراء والمذاهب - لأسباب عدة منها:

اختلاف العقول في قوة الاستنباط أو ضعفه، وإدراك الدلائل، والجهل بها، والغوص على أعماق المعاني، وارتباط الحقائق بعضها ببعض، والدين آيات وأحاديث ونصوص يفسرها العقل والرأي في حدود اللغة وقوانينها، والنّاس في ذلك جد متفاوتين، فلابد من خلاف.

ومنها سعة العلم وضيقه، وأن هذا بلغه ما لم يبلغ ذلك، والآخر شأنه كذلك، وقد قال الإمام مالك لأبي جعفر: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقوا في الأمصار، وعند كل قوم علم، فإذا حملتهم على رأي واحد تكون فتنة.

ومنها : اختلاف البيئات، حتى إن التطبيق ليختلف باختلاف كل بيئة، وإنك لترى الإمام الشافعي رضي الله عنه يفتي بالقديم في العراق، ويفتي بالجديد في مصر، وهو في كليهما آخذ بما استبان له، وما اتضح عنده لا يعدو أن يتحرى الحق في كليهما.

ومنها: اختلاف الاطمئنان القلبي إلى الرواية عند التلقي لها، فبينا نجد هذا الراوي ثقة عند هذا الإمام تطمئن إليه نفسه، وتطيب بالأخذ منه، تراه مجروحاً عند غيره لما علم عن حاله.

ومنها: اختلاف تقدير الدلالات، فهذا يعتبر عمل الناس مقدماً على خبر الآحاد مثلاً، وذاك لا يقول معه به .. وهكذا.

كل هذه أسباب جعلتنا نعتقد أن الإجماع على أمر واحد في فروع الدين مطلب مستحيل، بل هو يتنافى مع طبيعة الدين، وإنما يريد الله لهذا الدين أن يبقى ويخلد ويساير العصور ويماشي الأزمان، وهو لهذا سهل مرن هين لين لا جمود فيه ولا تشديد.

نعتقد هذا فنلتمس العذر كل العذر لمن يخالفوننا في بعض الفرعيات، ونرى أن هذا الخلاف لا يكون أبداً حائلاً دون ارتباط القلوب، وتبادل الحب، والتعاون على الخير، وأن يشملنا وإياهم معنى الإسلام السابغ بأفضل حدوده، وأوسع مشتملاته، ألسنا مسلمين وهم كذلك؟وألسنا نحب أن ننزل على حكم اطمئنان نفوسنا وهم يحبون ذلك؟ وألسنا مطالبين بأن نحب لإخواننا ما نحب لأنفسنا؟ ففيم الخلاف إذن؟ ولماذا لا يكون رأينا مجالاً للنظر عندهم كرأيهم عندنا؟ ولماذا لا نتفاهم في جو الصفاء والحب إذا كان هناك ما يدعو إلى التفاهم؟

هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخالف بعضهم بعضاً في الافتاء، فهل أوقع ذلك اختلافاً بينهم في القلوب؟ وهل فرق وحدتهم أو مزق رابطتهم؟ اللهم لا، وما حديث صلاة العصر في بني قريظة ببعيد.

وإذا كان هؤلاء قد اختلفوا، وهم أقرب النّاس عهداً بالنبوة، وأعرفهم بقرائن الأحكام، فما بالنا نتناحر في خلافات تافهة لا خطر لها؟ وإذا كان الأئمة، وهم أعلم النّاس بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، قد اختلف بعضهم على بعض، وناظر بعضهم بعضاً، فلم لا يسعنا ما وسعهم؟ وإذا كان الخلاف قد وقع في أشهر المسائل الفرعية وأوضحها، كالأذان الذي ينادى به خمس مرات في اليوم الواحد، ووردت به النصوص والآثار، فما بالك في دقائق المسائل التي مرجعها إلى الرأي والاستنباط؟

وثم أمر آخر جدير بالنظر، إن النّاس كانوا إذا اختلفوا رجعوا إلى الخليفة فيقضي بينهم، ويرفع حكمه الخلاف، أما الآن فأين الخليفة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فأولى بالمسلمين أن يبحثوا عن القاضي، ثم يعرضوا قضيتهم عليه، فإن اختلافهم من غير مرجع لا يردهم إلاّ إلى خلاف آخر.

يعلم إخواننا كل هذه الحيثيات، فهم لهذا أوسع النّاس صدوراً مع مخالفيهم، ويرون أن مع كل قوم علماً، وفي كل دعوة حقاً وباطلاً، فهم يتحرون الحق ويأخذون به ويحاولون في هوادة ورفق إقناع المخالفين بوجهة نظرهم، فإن اقتنعوا فذاك، وإن لم يقتنعوا فإخوان في الدين، نسأل الله لنا ولهم الهداية.

هذا هو رأي الأستاذ البنا في الخلاف الفقهي وموقفه منه، وهو يدل على عمق فهمه للدين، وللتاريخ، وللواقع جميعاً.

ومن المواقف العملية التي تروى عنه -وربما رويت عن علماء آخرين أيضاً - مما له دلالة بليغة في موضوعنا: أنه ذهب لزيارة إحدى القرى لإلقاء محاضرة هناك، وكان ذلك في رمضان، وقد انقسم أهل القرية إلى فريقين يختصمان حول صلاة التراويح، أهي عشرون ركعة كما صليت في عهد عمر، وتوارثها النّاس على مر القرون بعد ذلك، أم هي ثماني ركعات فقط، كما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان لا يزيد على ذلك في رمضان ولا غيره؟ رأيان تعصب لكل منهما فريق من أهل البلدة حتى كادا يقتتلان وكل يدعي أنه على الحق والسنة، وأن الآخر على خطأ وبدعة، فلما عرفوا أن الشيخ المرشد البنا قادم إليهم، رضوا أن يحتكموا إليه فيما اختلفوا فيه، وكل فئة تحسب أنه سيحكم لها ضد الأخرى.

ولكن الأستاذ الإمام رحمه الله اتجه يهم وجهة أخرى.

قال: ما حكم صلاة التراويح؟

قالوا: سنة، يثاب من فعلها، ولا يعاقب من تركها.

قال: وما حكم الأخوة بين المسلمين؟

قالوا: فريضة دينية، ودعامة من دعائم الإيمان.

قال: وهل يجوز في شرع الله أن نضيع فريضة للمحافظة على سنة؟

إنكم لو أبقيتم على أخوتكم ووحدتكم، وانصرفتم إلى بيوتكم، ليصلي كل منكم في بيته ما ترجح له واطمأن إلى دليله : ثماني ركعات أو عشرين لكان خيراً من أن تحتصموا وتقتتلوا.

ذكرت ذلك لبعض النّاس، فقال: هذا فرار من قول الحق، وبيان السنة من البدعة، وهذا واجب.

قلت : هذا أمر فيه سعة، وأنا ـ وإن كنت أصلي ثماني ـ لا أبدّع من صلى عشرين.

قال: ولكن الفصل في الخلف واجب لا يجوز الهرب منه.

قلت: هذا صحيح حين يدور الأمر بين حلال وحرام، أو بين حق وباطل، أما الأمور التي اختلفت فيها المدارس الفقهية.. وغدا لكل منها فيها وجهة، ودار الأمر فيها عادة بين الجائز والأفضل، فلا داعي للتشدد والتعنت فيها.

وهذا ما قرره العلماء المنصفون في وضوح وجلاء:

قال في شرح غاية المنتهى ، من كتب الحنابلة:

من أنكر شيئاٍ من مسائل الاجتهاد، فلجهله بمقام المجتهدين، وعدم علمه بأنهم أسهروا أجفانهم، وبذلوا جهدهم، ونفائس أوقاتهم في طلب الحق، وهم مأجورون لا محالة أخطأوا أو أصابوا، ومتبعهم ناج، لأن الله شرع لكل منهم ما أداه إليه اجتهاده، وجعله شرعاً مقراً في نفس الأمر، كما جعل الحل في الميتة للمضطر، وتحريمها على المختار، حكمين ثابتين في نفس الأمر للفريقين بالإجماع، فأي شيء غلب على ظن المجتهد، فهو حكم الله في حقه وحق من قلده .

ونقل ابن تيمية في الفتاوى المصرية قوله:

مراعاة الائتلاف هي الحق، فيجهر بالبسملة أحياناً لمصلحة راجحة، ويسوغ ترك الأفضل لتأليف القلوب، كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم بناء البيت من خشية تنفيرهم، نص الأئمة، كأحمد على ذلك في البسملة، ووصل الوتر وغيره، مما فيه العدول من الأفضل إلى الجائز ، مراعاة للائتلاف أو لتعريف السنة، أو أمثال ذلك، والله أعلم .

ويشير بترك بناء البيت إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه لعائشة: لولا قومك حديثو عهد بجاهلية، لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم (رواه البخاري ).

وهذا العلامة ابن القيم يتحدث في زاد المعاد عن القنوت في صلاة الصبح، بين من أنكره مطلقاً، في النوازل وغيرها، واعتبره بدعة، وبين من استحبه مطلقاً في النوازل وغيرها، ويرجح أن هديه صلى الله عليه وسلم هو القنوت عند النوازل، كما دلت عليه الأحاديث، وأن هذا ما أخذ به فقهاء الحديث، فهم يقنتون حيث قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويتركون حيث تركه، فيقتدون به في فعله وتركه، ويقولون: فعله سنة، وتركه سنة: مع هذا فلا ينكرون على من داوم عليه، ولا يكرهون فعله، ولا يرونه بدعة، ولا فاعله مخالفاً للسنة، كما لا ينكرون على من أنكره عند النوازل.. إلخ، بل من قنت فقد أحسن، ومن تركه فقد أحسن.

قال: وركن الاعتدال (أي: من الركوع )، محل للدعاء والثناء، وقد جمعهما النبي صلى الله عليه وسلم فيه، ودعاء القنوت ثناء ودعاء فهو أولى بهذا المحل، وإذا جهر به الإمام أحياناً ليعلم المأمومين فلا بأس بذلك.

فقد جهر عمر بالاستفتاح ليعلم المأمومين، وجهر ابن عبّاس بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة ليعلمهم أنها سنة، ومن هذا أيضاً جهر الإمام بالتأمين.

وهذا من الاختلاف المباح، الذي لا يعنف فيه من فعله ولا من تركه، وهذا كرفع اليدين في الصلاة وتركه، وكالخلاف في أنواع التشهدات، وأنواع الأذان والإقامة، وأنواع النسك (يعني الحج ) من الإفراد والقران والتمتع.

وليس مقصدنا إلاّ ذكر هديه صلى الله عليه وسلم فإنه قبلة القصد، وإليه التوجه في هذا الكتاب، وعليه مقدار التفتيش والطلب، وهذا شيء، والجائز الذي لا ينكر فعله وتركه شيء، فنحن لم نتعرض في هذا الكتاب لما يجوز، ولما لا يجوز، وإنما مقصودنا في هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يختاره لنفسه، فإنه أكمل الهدي وأفضله، فإذا قلنا: لم يكن من هديه المداومة على القنوت في الفجر ولا الجهر بالبسملة، لم يدل ذلك على كراهية غيره، ولا أنه بدعة، ولكن هديه أكمل الهدي وأفضله (1/144 ).

وأكثر من ذلك أن للمأموم أن يصلي وراء إمامه، وإن رآه يفعل ما ينقض الوضوء، أو يبطل الصلاة في نظره هو، أي : المأموم، ما دام هذا سائغاً في مذهب الإمام.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

المسلمون متفقون على جواز صلاة بعضهم خلف بعض، كما كان الصحابة والتابعون ، ومن بعدهم من الأئمة الأربعة، يصلي بعضهم خلف بعض، ومن أنكر ذلك فهو مبتدع ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع المسلمين .

وقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأ بالبسملة، ومنهم من لا يقرأ بها، ومع هذا، كان بعضهم يصلي خلف بعض، مثلما كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وغيرهم يصلون خلف أئمة أهل المدينة من المالكية، وإن كانوا لا يقرؤون بالبسملة لا سراً ولا جهرا ً.

وصلى أبو يوسف خلف الرشيد وقد احتجم، وأفتاه مالك: لا يتوضأ، فصلّى خلفه أبو يوسف ولم يعد .

وكان أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الحجامة والرعاف، فقيل له: فإن كان إمامي قد خرج منه الدم ولم يتوضأ، أصلي خلفه؟ فقال: كيف لا تصلي خلف سعيد ابن المسيب ومالك؟ قال: وفي هذه المسألة صورتان :

إحداهما: ألاّ يعرف المأموم أن إمامه فعل ما يبطل صلاته، فهنا يصلي المأموم خلفه باتفاق السلف والأئمة الأربعة وغيرهم، وليس في هذا خلاف متقدم.

الثانية: تيقن المأموم أن الإمام فعل ما لا يسوغ عنده، مثل أن يمس ذكره، أو النساء لشهوة، أو يحتجم أو يفصد، أو يتقيأ، ثم يصلي بلا وضوء ـ فهذه فيها نزاع مشهور، وصحة صلاة المأموم هو قول جمهور السلف، وهو مذهب مالك، وهو قول آخر في مذهب الشافعي وأبي حنيفة. وأكثر نصوص أحمد على هذا ، وهذا هو الصواب. (الفواكه العديدة: 2/181 وانظر كتابنا فتاوى معاصرة ص 201 - 204ط ثانية ).

العلم بقيم الأعمـال ومراتبهــا

ومن أهم ثمرات العلم والفقه في الدين: معرفة قيم الأعمال ومراتبها الشرعية، والاحتفاظ لكل منها بموضعه في سلم المأمورات أو المنهيات، دون خلط أو إخلال بالنِّسب، أو تفريق بين المتماثلات، أو تسوية بين المختلفات.

لقد جاء الإسلام فوضع لكل عمل قيمة خاصة وسعراً خاصاً بحسب تأثيره في النفس والحياة، ما نعلم منها وما لا نعلم.

كما وضع للأمور المحظورة درجات ونسباَ أيضاً، حسب ضررها وآثارها المادية والمعنوية أيضاً.

مـراتب المأمـورات

ومن هنا كانت الأمور المطلوبة في الإسلام مراتب ودرجات: منها المستحب الذي رغِّب الشارع في فعله ولا حرج في تركه.

ومنها المسنون سنية مؤكدة، وهو ما واظب النبي صلى الله عليه وسلم على فعله ولم يتركه إلاّ نادراً، ولم يطلبه طلباً جازماً، وقد كان من الصحابة من يترك مثل هذا أحياناً حتى لا يعدّه النّاس واجباً فيحرجوا أنفسهم، كما ورد أن أبا بكر وعمر كانا يتركان الأضحية لذلك.

ومنها : الواجب - كما في بعض المذاهب ـ وهو ما أمر به الشارع وإن لم يصل الأمر إلى درجة القطع.

ومنها: الفرض، وهو ما ثبت وجوبه بطريق قطعي لا شبهة فيه، ورتب الشارع على فعله الثواب، وعلى تركه العقاب، ويلزم من تركه الفسق، ومن جحده الكفر.

ومن المعلوم أن الفرض نوعان: فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين.. وفرض عيْن على كل من يلزمه.

وفرض العين كذلك درجات، فهناك فرائض اعتبرها الإسلام أركاناً أساسية، وهي خمس: شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا ً.

وهناك فرائض أخرى دون هذه في الأهمية والمنزلة، وإن كانت مطلوبة في دين الله طلباً جازماً.

والإسلام ولا شك يقدم فرض العين على فرض الكفاية، ولهذا يقدم بر الوالدين وطاعتهما على الجهاد ما دام فرض كفاية، ولا يسمح للابن بالجهاد حينئذ بغير إذن الوالدين، كما صحت بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ويقدم فرض العين المتعلق بحق المجموع على الفرض المتعلق بحق فرد أو أفراد، كالجهاد وبر الوالدين، فالجهاد إذا أصبح فرض عين على قوم ـ كما في حالة هجوم عدو كافر على أهل بلد ـ مقدم على حق الوالدين في البر والطاعة.

ويقدم الفرض على الواجب، والواجب على السنة، والسنة المؤكدة على المستحب.

والإسلام كذلك يقدم القربات الاجتماعية على القربات الفردية، ويفضل ما يتعدى نفعه إلى الغير على ما يقتصر نفعه على فاعله.

ولهذا يفضل الجهاد على العبادة الفردية، ويفضل الفقه والعلم على العبادة، والفقيه على العابد، وإصلاح ذات البين على التطوع بالصلاة والصيام والصدقة.

ويفضل عمل الإمام العادل في رعيته على تطوعه بنوافل العبادات بأضعاف مضاعفة: ليوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة .

كما أن الإسلام يؤثر أعمال القلوب على أعمال الجوارح، ويقدم العقيدة على العمل، ويعتبرها هي المحور والأساس.

ومما وقع فيه المسلمون في عصور الانحطاط أنهم:

(1) أهملوا ـ إلى حد كبير ـ فروض الكفاية المتعلقة بمجموع الأمة كالتفوق العلمي والصناعي والحربي.. ومثل الاجتهاد في الفقه واستنباط الأحكام، ومثل نشر الدعوة إلى الإسلام ومثل مقاومة السلطان الجائر.

(2) وأهملوا بعض الفرائض العينية، أو أعطوها دون قيمتها، مثل فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

(3) واهتموا ببعض الأركان أكثر من بعض، فاهتموا بالصوم أكثر من الصلاة، فلهذا لم يكد يوجد مسلم مفطر في نهار رمضان ولا مسلمة، ولكن وجد من المسلمين ـ والمسلمات خاصة ـ من يتكاسل عن الصلاة، ووجد من ينقضي عمره دون أن ينحني لله راكعاً ساجداً، كما أن أكثر النّاس اهتموا بالصلاة أكثر مما اهتموا بالزكاة، مع أن الله تعالى قرن بينهما في كتابه الكريم في (28 ) موضعاً، حتى قال بعض الصحابة: من لم يزك فلا صلاة له ! وقال الصديق أبو بكر: والله لأقاتلنّ من فرق بين الصلاة والزكاة .

(4) واهتموا ببعض النوافل أكثر من اهتمامهم بالفرائض والواجبات، كما هو ملاحظ عند كثير من متأخري المتصوفة الذين أكثروا من الأذكار والتسابيح والأوراد، ولم يولوا هذا الاهتمام لكثير من الفرائض الاجتماعية، مثل: إنكار المنكر، ومقاومة الظلم الاجتماعي والسياسي.

(5) واهتموا بالعبادات الفردية، كالصلاة والذكر، أكثر من اهتمامهم بالعبادات الاجتماعية التي يتعدى نفعها، كالجهاد، والفقه، والإصلاح بين النّاس، والتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالبر والرحمة.

(6) وأخيراً اهتم كثير من الناس بفروع الأعمال، وأغفلوا أساس البناء كله، وهو العقيدة والإيمان والتوحيد، وإخلاص الدين لله.

مراتب المنهيــات

كما أن الأمور التي ينهى عنها الإسلام تتخذ أيضاً مراتب ودرجات.

منهــا : المكروه تنزيهاً، وهو ما كان إلى الحلال أقرب.

ومنهـا : المكروه تحريماً، وهو ما كان إلى الحرام أقرب.

ومنهـا : المشتبهات التي لا يعلمهن كثير من الناس، فمن وقع فيها وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه.

ومنهـا : الحرام الصريح، الذي فصّله الله في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ((وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم )) (الأنعام : 119 ).

والحرام نوعان: صغائر وكبائر، والصغائر تكفرها الصلاة والصيام والصدقة ((إنّ الحسنات يذهبن السّيِّئات ِ)) (هود : 114 )، وفي الحديث الصحيح: الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر .

أما الكبائر، فلا يغسلها ولا يمحوها إلا توبة نصوح، صادرة من قلب كواه الندم، وطهره الدمع السخين.

والكبائر نفسها تتفاوت، فمنها ما عدّه النبي صلى الله عليه وسلم أكبر الكبائر وعلى رأسها: الإشراك بالله تعالى، وهو الذنب الذي لا يُغفر أبداً إلاّ بالتوبة ((إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دُون ذلِك لمن يشاء )) (النساء: 48 ).

ويليه ذنوب أخرى ذكرتها الأحاديث، مثل: عقوق الوالدين، وشهادة الزور، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات المؤمنات.

ومما وقع فيه الخلل والاضطراب:

1- اشتغال كثير من النّاس بمحاربة المكروهات، أو الشبهات، أكثر مما اشتغلوا بحرب المحرمات المنتشرة، أو الواجبات المضيّعة، ومثل ذلك: الاشتغال بما اختلف في حله وحرمته عما هو مقطوع بتحريمه.

2- انصراف الكثيرين إلى مقاومة الصغائر مع إغفال الكبائر الموبقات، كالعرافة، والسحر، والكهانة، واتخاذ القبور مساجد، والنذر، والذبح للموتى، والاستعانة بالمقبورين، ونحو ذلك مما كدّر صفاء عقيدة التوحيد.

مراتب النّـاس مع الأعمـال

وكما أن الأعمال ـ مأموراتها ومنهياتها ـ مراتب، فالنّاس كذلك مراتب، وأقصد بالنّاس هنا : أهل الإسلام ، ولهذا يخطئ بعض المتدينين أشد الخطأ حين يعامل الناس كل النّاس على أنهم في مرتبة واحدة، دون تمييز بين العموم والخصوص، وخصوص الخصوص، ولا تفريق بين المبتدئ والمنتهي، ولا بين الضعيف والقوي، مع أن في الدين متسعاً للجميع، حسب مراتبهم واستعداداتهم، ولهذا كان فيه العزيمة والرخصة، وفيه العدل والفضل، وفيه الفرض والنفل، والالتزام والتطوع، وقديماً قالوا: حسنات الأبرار سيئات المقربين، وقال الله تعالى: ((ثُمّ أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا: فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله )) فاطر: (32 ).

وقد فسر الظالم لنفسه بأنه: المقصر في بعض الواجبات، والمرتكب لبعض المحظورات.

وفسر المقتصد بأنه : المقتصر على فعل الواجبات وترك المحرمات.

وفسر المقتصد بأنه : المقتصر على فعل الواجبات وترك المحزمات.

وفسر السّابق بالخيرات بأنه : الذي لا يكتفي بفعل الواجبات، بل يزيد عليها السنن والمستحبات، ولا يقف عند ترك المحرمات، بل يضيف إليها اتقاء الشبهات والمكروهات، بل يدع بعض ما لا بأس به حذراً مما به بأس.

وهذه الأصناف الثلاث جميعا -بما فيها الظالم لنفسه - داخلة في الأمة المصطفاة التي أورثها الله الكتاب بنص الآية الكريمة: ((ثمّ أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا )) (فاطر :32 ).

ولهذا كان من الخطأ والخطل إخراج بعض النّاس من الملة والأمة لمجرد أنهم عصاة ظلموا أنفسهم.

وكان من الخطل أيضاً إسقاط هذه المراتب، ومعاملة الناس على أنهم كلهم يجب أن يكونوا سابقين بالخيرات بإذن الله.

ومن المتدينين المخلصين من يدفعه الحماس الدافق، والحس المرهف، فيسارع إلى رمي بعض المسلمين بالفسوق عن الدين، ويتخذ منه موقف الجفاء أو العداء لمجرد ارتكابهم لبعض صغائر الذنوب، وربما بعض المشتبهات التي يختلف العلماء في حكمها، وتتعارض فيها الأدلة، ولا ترقى إلى الحرام المقطوع به بحال.

لقد نسي هؤلاء المخلصون الطيبون أنه لا يجوز أن نسقط اعتبار الآخرين بمجرد إلمامهم ببعض صغائر الذنوب، فإن القرآن الكريم استثنى اللمم فلم يعده مسقطاً لإحسان المحسنين، كما أعلن أن اجتناب الكبائر مكفر للصغائر.

يقول تعالى: (( ولِلَّه ما في السّماوات وما فِي الأرضِ ليجزي الّذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الّذين أحسنوا بالحسنى الّذين يجْتنِبونَ كبائِر الإثمِ والفواحِش إلاّ اللّمم إنّ ربّك واسِعُ المغفرة ِ)) (النجم : 31-32 ).

وفي معنى اللمم المستثنى في الآية الكريمة وجهان ذكرهما المفسرون، ينبغي ألاّ نغفل عنهما، لما فيهما من بيان سعة مغفرة الله تعالى، المذكورة في الآية.

قال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية (4255-256 ):

فسر المحسنين بأنهم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، أي:

لا يتعاطون المحرمات الكبائر، وإن وقع منهم بعض الصغائر، فإنه يغفر لهم، ويستر عليهم، كما قال في الآية الأخرى: (إن تجتنبوا كبائر ما تُنهون عنه نكفِّر عنكم سيِّئاتهم ونُدخلكم مُدخلاً كريما ً) (النساء : 31 )، وقال ههنا: ((الّذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلاّ اللّمم )) وهذا استثناء منقطع، لأن الّلمم من صغائر الذنوب ومحقرات الأعمال.

ثم ذكر ابن كثير الحديث الذي رواه أحمد والشيخان عن ابن عبّاس قال:

ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين: النظر، وزنا اللسان: النطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو بكذبه .

وهكذا جاء عن ابن مسعود وأبي هريرة تفسير اللمم بنحو: النظرة، والغمزة، والقبلة، والمباشرة، ما لم يمس الختان الختان، وهو الزنا.

التفسير الآخر للّمم مروي عن ابن عبّاس أيضاً، قال: هو الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب، وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

إن تغفر اللهم تغفر جما وأي عبد لك ما ألما ؟!

(نسبه ابن كثير إلى ابن جرير والترمذي، وقال الترمذي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب، وقال ابن كثير: في صحته مرفوعاً نظر ).

وعن أبي هريرة والحسن نحوه.

ووجه هذا القول: أن اللمم والإلمام ما يعمله الإنسان بعض الأحيان ولا يتعمق فيه، ولا يقيم عليه يقال: ألممت به إذا زرته وانصرفت عنه، ويقال: ما فعلته إلا لماما وإلماماً، أي : الحين بعد الحين .

وهذا يدل على أن في دين الله متسعاً لكل من لم تصبح الكبائر خطاً ثابتاً في حياته، وأن مغفرة الله تسع كل الذنوب لمن تاب منها.

ومن روائع الدروس التربوية الإسلامية ما جاء عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه في تعليم الناس كيف يتغاضون عن صغائر الذنوب وتوافه العيوب، إذا وقعت ممن يؤدي الفرائض، ويجتنب الكبائر، فليس هناك إنسان معصوم، وكل بني آدم خطاء، ولم يخلق الله البشر ملائكة مطهرين.

روى ابن جرير بسنده عن ابن عون عن الحسن البصري: أن ناساً سألوا عبد الله بن عمر بمصر، فقالوا : نرى أشياء من كتاب الله عزوجل، أمر أن يعمل بها، لا يعمل بها، فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك.. فقدم وقدموا معه.. فلقي عمر رضي الله عنه ، فقال: متى قدمت؟

قال : منذ كذا وكذا..

قال : أبإذن قدمت؟

قال الحسن : فلا أدري كيف رد عليه

فقال: يا أمير المؤمنين، إن ناساً لقوني بمصر، فقالوا : إنا نرى أشياء في كتاب الله أمر أن يعمل بها، فلا يعمل بها، فأحبوا أن يلقوك في ذلك .

قال: فاجمعهم لي.

قال: فجمعتهم له (قال ابن عون : في بهو )، فأخذ أدناهم رجلاً

فقال : أنشدك بالله، وبحق الإسلام عليك: أقرأت القرآن كله؟

قال : نعم .

قال : فهل أحصيته في نفسك؟ (يعني : هل استقصيت العمل به في تصحيح نيتك وتطهير قلبك، ومحاسبتك نفسك؟ ).

فقال: اللهم لا. (ولو قال : نعم، لخصمه ) أي: لأفحمه وألزمه الحجة.

قال: فهل أحصيته ببصرك؟ فهل أحصيته في لفظك (أي: كلامك )؟ فهل أحصيته في أثرك (أي : في خطواتك ومشيك )؟

ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم. (يعني : وهو يسألهم : هل استقصيتم العمل بكتاب الله كله في أنفسكم وجوارحكم، وأقوالكم وأعمالكم، وحركاتكم وسكناتكم؟ وهم بالطبع يجيبون : اللهم لا ) فقال: ثكلت عمراً أمه! أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله (أي: بالصورة التي تفهمونها أنتم، ولم تقيموها في أنفسكم باعترافكم ).

قد علم ربنا أن ستكون لنا سيئات.. وتلا : (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفِّر عنكم سيِّئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً ) (النساء : 31 ).

ثم قال : هل علم أهل المدينة ـ أو قال: هل علم أحد ـ بما قدمتم؟

قالوا: لا..

قال: لو علموا لوعظت بكم ! (أي: لجعلتكم عظة ونكالاً لغيركم )

[ذكره ابن كثير في تفسيره عن ابن جرير، قال عقبه : إسناد صحيح، ومتن حسن ].

وبهذا الفقه العمري الواعي لكتاب الله ، حسم أمير المؤمنين رضي الله عنه هذه القضية في بدايتها، وسد باباً للتشدد والتنطع، لو كان تساهل فيه، لربما هبت منه رياح فتنة لا يعلم إلاّ الله مدى عواقبها.

تقدير ظروف النّـاس وأعذارهم

ومن الفقه المطلوب والمتمم لما ذكرناه: تقدير مستويات النّاس وظروفهم وأعذارهم وضعف احتمالهم في مواجهة القوى الضاغطة عليهم.

فمن الخطأ أن نطالب عموم الناس أن يلحقوا بجوار سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، فيقوموا إلى أئمة الجور، وطواغيت الحكم، فيأمروهم وينهوهم ويأخذوا على أيديهم، ليظفروا بالشهادة في سبيل الله، وهي أعلى وأغلى ما يتمناه مسلم لنفسه.

فهذه المنزلة فضيلة لا يقدر عليها إلاّ أولو العزم وقليل ما هم، وليست فريضة يطالب الناس بها ويحاسبون عليها.

وقد يكتفي بعض النّاس بأن يقول كلمة الحق من بعيد، وقد يلتزم الصمت لأنه لا يرى فائدة من الإنكار باللسان بعد أن رأى شحاً مطاعاً وهوى متبعّاً ، ودينيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأى أمراً لا يدان له به ـ كما جاء في حديث أبي ثعلبة الخشني ـ فعكف على خويصة نفسه، وترك عنه العوام، وقد يرى فائدة الإنكار، ولكنه يعجز عن تحمل نتائجه، فيقتصر على التغيير بقلبه، وذلك أضعف الإيمان.

وقد يرى البعض أن التغيير إنما يبدأ من القاعدة لا من القمة، وأن الإصلاح يجب أن يتجه إلى الأفراد أولاً، فإذا صلحوا صلحت بهم ومعهم الجماعة، وقد يرى بعض آخر أن تغيير الأنظمة الفاسدة التي قامت على التغريب والعلمانية لا يتم إلاّ بعمل جماعي، واضح الأهداف، مدروس الوسائل، طويل المراحل، عميق الجذور، تقوم به حركة إسلامية شعبية قادرة على نقل الأحلام إلى واقع معاش.

ويدخل في هذه المعاني : أن من الجائز - بل من المطلوب - شرعاً، السكوت على المنكر، مخافة وقوع منكر أكبر منه، احتمالاً لأهون الشرين، وارتكاباً لأخف الضررين، كما تقرر ذلك القواعد الشرعية.

ومن الأدلة الخاصة لذلك ما ذكره القرآن الكريم عن نبي الله هارون، أخي موسى وشريكه في الرسالة إلى فرعون وقومه، فقد ترك موسى أخاه هارون عليهما السلام، خليفة في قومه، وذهب لمناجاة ربه، وكان ما كان من أمر السامري وعجله الذهبي الذي فتن به بني إسرائيل، حتى عبدوه ((ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإنّ ربّكم الرّحمن فاتّبِعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتّى يرجع إلينا موسى ))

(طه : 90-91 ).

وسكت هارون على هذا الانحراف الخطير، وأي انحراف أكبر من الشرك وعبادة عجل لا يرجع إليهم قولاً، ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً، ولا يهديهم سبيلاً؟

ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً لما أحدثه قومه من بعده، قائلاً: بئسما خلفتموني من بعدي، وألقى ألواح التوراة، وأخذ برأس أخيه يجره إليه في حدة وغضب ((قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلّوا ألاّ تتَّبعنِ أفعصيت أمري )) (طه : 93 )، فماذا كان جواب هارون (( قال يابن أمّ لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إنّي خشيت أن تقول فرّقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي )) (طه : 94 ).

فهنا يعتبر هارون عليه السلام الحفاظ على وحدة الجماعة حتى يعود زعيمها الأول، حجة له في السكوت على ضلال القوم، حتى لا يقول قائل: إنه تعجل القرار، وفرق الجماعة، ولم ينتظر عودة موسى.

ومن ذلك حديث عائشة في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال لها: لولا أن قومك حديثو عهد بشرك، لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم أي: إنه عليه الصلاة والسلام ترك فعل ما يرى أنه مطلوب خشية أن يثير فتنة - عند قوم لم يتمكن الإسلام من أنفسهم بعد - بسبب هدم الكعبة وبنائها من جديد.

ومن ذلك أمره صلى الله عليه وسلم بالصبر على جور الأئمة إذا لم تكن هناك قدرة على خلعهم واستبدال آخرين صالحين بهم، مخافة فتنة أكبر، ومفسدة أعظم، تراق فيها الدماء، وتنتهك الحرمات، وتذهب الأموال، ويتزعزع الأمن والاستقرار، دون أن يتحقق تغيير.

وهذا ما لم يصل الأمر إلى الكفر الصريح، والخروج السافر عن الإسلام ، كما في حديث عبادة بن الصامت في الصحيحين إلاّ أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان .

ومن هنا يتبين لنا خطأ المثاليين الحالمين الذين يطالبون النّاس بالإسلام الكامل في عقائدهم وعباداتهم، ومعاملاتهم، وأخلاقهم وآدابهم، أو يتخلوا عن الإسلام بالكلية، فلا وسط عندهم ولا درجات، فإما إسلام تام مطلق أو لا إسلام.

حصر هؤلاء تغيير المنكر في مرتبة واحدة، هي التغيير باليد، وأسقطوا المرتبتين الأخيرتين، وهما : التغيير باللسان، والتغيير بالقلب، حسب استطاعة المكلف ووسعه.

ونسي هؤلاء أن التكليف في شرع الإسلام بحسب الطاقة والوسع، وأن طاقات الناس تتفاوت، وظروفهم تختلف، ولهذا راعى الشرع الأعذار والضرورات، وجعل لها أحكامها الخاصة، حتى إنه ليبيح بها المحظورات، ويسقط الواجبات.

وما أعدل ما قاله الإمام ابن تيمية في ذلك:

إن الله تعالى قد أخبر في غير موضع أنه لا يكلف نفساً إلاّ وسعها، كقوله: ((لا يكلّف الله نفسّاً إلاّ وُسعها )) (البقرة : 286 )، وقوله تعالى: ((والّذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلِّف نفساً إلاّ وُسعها )) (الأعراف: 42 )، وقوله: ((لا تكلِّفُ نفس إلاّ وسعها )) (البقرة : 233 )، وقوله: ((لا يكلِّف الله نفساً إلاّ ما آتاها )) (الطلاق: 65 ).

وأمر بتقواه بقدر الاستطاعة، فقال: ((فاتّقوا الله ما استطعتم )) (التغابن: 16 )، وقد دعاه المؤمنون بقولهم: ((ربّنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الّذين من قبلنا ربّنا ولا تحمِّلنا ما لا طاقة لنا به )) (البقرة: 286 )، فقال: (قد فعلت ) فدلّت هذه النصوص على أنه لا يكلّف نفساً ما تعجز عنه، خلافاً للجهمية المجبرة، ودلت على أنه لا يؤاخذ المخطئ والناسي خلافاً للقدرية والمعتزلة.

وهذا فصل الخطاب في هذا الباب. فالمجتهد المستدل من إمام وحاكم وعالم وناظر ومفتٍ وغير ذلك: إذا اجتهد واستدل فاتقى الله ما استطاع كان هذا هو الذي كلفه الله إيّاه، وهو مطيع لله، إذا اتقاه ما استطاع، ولا يعاقبه الله البتة، خلافاً للجهمية المجبرة، وهو مصيب، بمعنى: أنه مطيع لله، لكن قد يعلم الحق في نفس الأمر وقد لا يعلمه، خلافاً للقدرية والمعتزلة في قولهم: كل من استفرغ وسعه علم الحق، فإن هذا باطل كما تقدم، بل كل من استفرغ وسعه استحق الثواب.

وكذلك الكفار: من بلغه دعوة النبي صلى الله عليه وسلم في دار الكفر، وعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فآمن بما أنزل عليه، واتقى الله ما استطاع، كما فعل النجاشي وغيره، ولم تمكنه الهجرة إلى دار الإسلام ، ولا التزام جميع شرائع الإسلام ، لكونه ممنوعاً من الهجرة وممنوعاً من إظهار دينه، وليس عنده من يعلمه جميع شرائع الإسلام : فهذا مؤمن من أهل الجنة، كما كان مؤمن آل فرعون مع قوم فرعون، وكما كانت امرأة فرعون، بل وكما كان يوسف الصديق عليه السلام مع أهل مصر، فإنهم كانوا كفاراً، ولم يمكنه أن يفعل معهم كل ما يعرفه من دين الإسلام ، فإنه دعاهم إلى التوحيد والإيمان فلم يجيبوه، قال تعالى عن مؤمن آل فرعون: ((ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبيّنات فما زلتم في شكٍّ ممّا جاءكم به حتّى إذا هلك قلتم : لن يبعث الله من بعده رسولاً )) (غافر :34 ).

وكذلك النجاشي هو وإن كان ملك النصارى، فلم يطعه قومه في الدخول في الإسلام ، بل إنما دخل معه نفر منهم، ولهذا لما مات لم يكن هناك أحد يصلي عليه، فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، خرج بالمسلمين إلى المصلى فصفهم صفوفاً وصلى عليه، وأخبرهم بموته يوم مات، وقال: إن أخاً لكم صالحاً من أهل الحبشة مات .

وكثير من شرائع الإسلام أو أكثرها لم يكن دخل فيها لعجزه عن ذلك، فلم يهاجر، ولم يجاهد، ولا حج البيت، بل قد روي أنه لم يصل الصلوات الخمس،ولا كان يصوم رمضان، ولا يؤدي الزكاة الشرعية، لأن ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونه عليه وهو لا يمكنه مخالفتهم، ونحن نعلم قطعاً أنه لم يكن يمكنه أن يحكم بينهم بحكم القرآن، والله قد فرض على نبيه بالمدينة أنه إذا جاءه أهل الكتاب لم يحكم بينهم إلاّ بما أنزل الله إليه، وحذره أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله إليه.

وهذا مثل الحكم في الزنا للمحصن بحد الرجم، وفي الديات بالعدل، والتسوية في الدماء بين الشريف والوضيع، النفس بالنفس والعين بالعين، وغير ذلك، والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن، فإن قومه لا يقرونه على ذلك، وكثيراً ما يتولى الرجل بين المسلمين والتتار قاضياً بل وإماماً، وفي نفسه أمور من العدل ولا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها.

وعمر بن عبد العزيز عودي وأوذي على بعض ما أقامه من العدل، وقيل: إنه سُمَّ على ذلك. فالنجاشي وأمثاله سعداء في الجنة، وإن كانوا لم يلتزموا من شرائع الإسلام ما لا يقدرون على التزامه، بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها. (مجموع الفتاوى: 19/216-219 ).

الفقه في سنة الله في خلقه

ومن الفقه اللازم كذلك: مراعاة سنن الله الكونية والشرعية في التدرج، والصبر على الأشياء حتى تنضج وتبلغ مداها، ذلك أن العجلة التي هي طبيعة الإنسان عامة، والشباب خاصة، والسرعة التي هي من طبيعة هذا العصر، تجعل كثيرين من الشباب المتحمس لدينه، يريد أن يغرس اليوم ليجني الثمرة في الغد، أو يزرع في الصباح ليحصد في المساء، ذاهلين أن سنة الله الكونية تأبى هذا، فالنواة لا تصبح شجرة مثمرة إلا بعد مراحل تقصر أو تطول، حسب نوعها وتربتها ومناخها، وظروف نمائها، إلى أن تؤتي أكلها بإذن ربها.

والجنين يتكون : نطفة، فعلقة، فمضغة، فعظاماً يكسوها الله لحماً، ثم ينشئه خلقاً آخر، حتى يخرج إلى الحياة طفلاً ((فَتباركَ الله أحْسنُ الخَالِقين )) [المؤمنون:14 ].

والطفل ينزل من بطن أمه وليداً، فرضيعاً، ففطيماً، فصبياً، فيافعاً، حتى يبلغ أشدّه. وهكذا تتدرج الحياة في كل صورها، من مرحلة إلى مرحلة حتى تكتمل سنة الله في خلقه ، وكذلك بدأ ديننا أول ما بدأ: عقيدة سهلة، ثم أنزل الله التكاليف شيئاً فشيئاً، وفرض الفرائض، وحرم المحرمات، وفصل الشرائع بالتدريج، حتى كمل البناء، وتمت النعمة. ونزل قوله تعالى: ((اليَوْم أكْمَلْتُ لكُمْ دِينَكُمْ وأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دينا ً)) [المائدة:3 ].

يجتمع بعض الفتية المتحمسين إلى أمثالهم، فيتشاكون ويتألمون، لما انتهى إليه حال المسلمين، فيؤلفون من أنفسهم جماعة لإصلاح ما فسد، وبناء ما انهدم، وهنا يتمنون فيسرفون في التمني، ويلمون فيغرقون في أحلام اليقظة، يحسبون أنهم قادرون على أن يحقوا الحق، ويبطلوا الباطل، ويقيموا دولة الإسلام في الأرض، بين عشية وضحاها، ذاهلين عن العوائق والعقبات وما أكثرها! مضخمين لما معهم من إمكانات وما أقلها! فهم كالرجل الذي قال لابن سيرين: إني رأيت في منامي أني أسبح في غير ماء، وأطير بغير جناح، فما تعبير رؤياي؟! قال: أنت رجل كثير الأمانيّ والأحلام!

ورضي الله عن الإمام علي حين قال لابنه في وصيته: ... وإيَّاك والاتكال على المنى، فإنها بضائع النوكي! يعني: الحمقى .

وما أصدق ما قال الشاعر قديماً:

وَلاَ تَكُن عَبْد المُنــى

فَالْمُنى رُؤُوس أَمْوَال المَفَالِيس!

إن الواقع السيئ لا يتغير بالأماني الطيبة، فإن لله سنناً في تغيير المجتمعات والأقوام لا تحابي أحداً.

وقد كتب الباحث السوري الأستاذ جودت سعيد كتاباً قيماً في سنن تغيير النفس والمجتمع جعل عنوانه حتى يغيِّروا ما بأنفسهم اقتباساً من الآيتين الكريمتين:

1- ((إنَّ الله لا يُغيِّرُ ما بِقوْمٍ حتى يُغيِّروا مَا بِأَنْفُسِهِم ْ)) [الرعد:11 ].

2- ((ذلِكَ بِأّنّ الله لَمْ يَكُ مُغيِّراً نِعْمةً أنْعمَها على قَوْمٍ حتّى يُغيِّروا ما بِأَنْفُسِهم )) [الأنفال:53 ]، وهو دراسة نفسية اجتماعية عميقة في ضوء القرآن الكريم.

ومن جيد ما قاله في مدخل بحثه:

في شباب العالم الإسلامي من عندهم استعداد لبذل أنفسهم وأموالهم في سبيل الإسلام، ولكن قلّ أن تجد فيهم من يتقدم ليبذل سنين من عمره ليقضيها في دراسة جادة، لينضج موضوعاً، أو يصل به إلى تجلية حقيقية، مثلاً: كمشكلة الانفصال الذي يعيشه المسلم بين سلوكه وعقيدته، إذ كثير من الأسئلة التي تطرح، ولا جواب شافياً لها، مع أنه لا يمكن التغيير من وضع إلى وضع، إلاّ بعد إجابة موضوعية عن هذه الأمثلة، ولا يمكن ذلك إلاّ بعد الدرس والتحصيل.

والسبب في بطء نمو دراسات من هذا النوع، هو أنه لم تكشف بعد قيمة الدراسة في الوسط الإسلامي، والذي ظل وقتاً طويلاً يرى السيف أصدق أنباء من الكتب ، ولم يكن اتجاهه إلى أن (الرأي قبل شجاعة الشجعان ).

وظلت هذه الآراء المختلفة في ظلمات بعضها فوق بعض، ولم يروا العلاقة الصحيحة بينها، ولا الترتيب الطبيعي لها.

كما لم تدرس بعد في العالم الإسلامي شروط الإيمان، وليس معنى هذا أنهم لم يحفظوا أركان الإيمان والإسلام، ولكن نعني بشروط الإيمان، الشروط النفسية، أي: ما يجب تغييره مما بالنفس، لأن هذا التغيير هو الذي يتيح ثمرات الإيمان، أي: شروط مطابقة العمل مع العقيدة،وموانع إعطاء العقيدة ثمراتها.

وإلى الآن ينظر إلى بذل المال وبذل النفس على أنهما أعلى المراتب، دون مراعاة ما يجعل بذل المال والنفس مجدياً، إذ ليس الأمر مجرد بذل وكفى، لأن البذل لا يعطي نتائجه إلاّ بشروطه الفنية.

إنّ هذا النظر، يساعد على إمكان أن يبذل الشاب المسلم ماله ونفسه، بينما لا يتيسر له حبس نفسه على بذل الجهد المتواصل للدرس والفهم.

وهناك سبب آخر، وهو أن بذل المال وبذل النفس، يمكن أن يتم في لحظة حماس وتوتر، ولكن طلب العلم لا يتم في لحظة حماس، وإنما يتم في جهد متواصل يحتاج لنوع من الوعي، كوقود، يجعل الاستمرار ممكناً.

نعم: كثير من الشباب، في لحظة من لحظات الحماس، يبدؤون أعمالاً ودراسات في مواضيع مختلفة، ولكن بعد جلسة أو جلستين أو أكثر من ذلك، يفتر الحماس، وينزل الملل، ثم ينقطع ما بدأ من عمل، كما ينطفئ المصباح حتى يفقد وقوده.

فلا بد من درس هذه النظرات المعوقة، وكشف عوامل الغفلة عن الدراسة، أو الانقطاع عنها بعد البدء، لأن ذلك يحدث ضمن شروط معينة دقيقة، تخفى عن النظرات العجلى. .

وكذلك من المفارقات، أن نتطلع بشوق إلى تغيير الواقع، دون أن يخطر في بالنا، أن ذلك لن يتم، إلاّ إذا حدث التغيير قبل ذلك بما بالأنفس، ونحن مطمئنون إلى ما بأنفسنا، ولا نشعر أن كثيراً مما فيها، هو الذي يعطي حق البقاء لهذا الواقع الذي نريد أن يزول، ونحن نشعر بثقل وطأته علينا، ولكن لا نشعر بمقدار ما يساهم ما في أنفسنا، لدوامه واستمراره.

فهذا ما يريد القرآن أن يعلمه البشر، في تفسير ما يحل بهم، حين يلح في إظهار: أن مرد المشكلة إلى ما بالنفس وليس من الظلم الذي يحيق بالإنسان من الخارج، بل، من الظلم الذي ينزله الإنسان بنفسه، وهذا هو لب التاريخ، وسنة الاجتماع، الذي يقرره القرآن، وبإغفاله تظلم الحياة، وتنشأ الفلسفات المتشائمة الخانعة، أو الفلسفات المتسلطة المارقة.

ومن أكبر الظلم الذي ينزله الإنسان بنفسه أن لا يرى العلاقة التسخيرية الموجودة بين الإنسان والكون والمجتمع الآفاق والأنفس فيهمل نفسه، ولا يضعها في المكان الذي يسخر الآفاق والأنفس على أساس السنن المودعة فيها، وبناء على هذا يمكن أن نقول:

إن العقل يمكن أن يتخذ أحد موقفين إزاء المشاكل: إما أن يفرض فيها أنها تخضع لقوانين، وبالتالي يمكن أن تخضع المشكلة للسيطرة عليها وتسخيرها، وإما أن يفرض فيها أنها لا تخضع لقوانين، أو لا يمكن كشف قوانينها، وبين هذين الموقفين مواقف متعددة، يتفاوت فيها القرب من أحدهما والبعد عن الآخر.

إن لكل من الفرضيتين نتائج عملية، تظهر في مواقف البشر وسلوكهم، بصور متفاوتة، على حسب الخضوع لأحد الموقفين.

وعجز المسلمين أن يعيشوا وفقاً للعقيدة الإسلامية، مشكلة لا يحتاج إثباتها إلى بذل جهد كبير.

ولكن بعد التسليم بأنها مشكلة، يبقى أن يظهر، أي الموقفين يتخذ المسلمون إزاءها؟ هل يتخذون الموقف الأول؟ بأن يفرضوا وجود قوانين تخضع لها المشكلة، وبكشفها يمكن السيطرة عليها وتسخيرها؟ أم يعتقدون أن المشكلة لا تخضع لقوانين يمكن أن يكشفها الإنسان، وبالتالي لا جدوى من جد الإنسان للبحث عن هذه القوانين، لأن القوانين التي تخضع لها المشكلة، حسب اعتقاد البعض، تعمل في حياة البشر بطريقة سحرية خارقة، غامضة الأسباب .

إن طرح هذا الموضوع بصيغة تجعله تحت وعي المسلم، يفيده لأن يحدد عن وعي موقفه من المشكلة، ويخرج من الموقف الغامض الذي يتخذه، وفي أحيان كثيرة يختلط الموقفان بصورة مشوشة في ذهنه، بحيث يشل أحدهما مفعول الآخر، فيبقى الموضوع في غموض وشلل.

إن لسلامة النظرية، أثراً هاماً في الوصول إلى الحل، بل يتوقف الحل،على صحتها ومقدار وضوحها.

حــوار حــول ســنن النصـر وشـروطــه

قال لي بعضهم يوماً: ألسنا على الحق، وخصومنا على الباطل؟

قلت: بلى.

قال: ألم يعدنا ربنا بأن ينصر الحق على الباطل، والإيمان على الكفر، وكان وعد ربي حقاً؟

قلت : بلى، ولن يخلف الله وعده. .

قال: فماذا ننتظر؟ ولماذا لا نبدأ المعركة مع الباطل؟

قلت: قد علمنا ديننا أن للنصر سنناً لا بدأن تراعى، وشروطاً لا بد أن تستجمع،ولولا ذلك لقام النبي صلى الله عليه وسلم بإعلان الجهاد العسكري على الوثنية منذ أوائل العهد المكي،ولم يقبل أن يصلي عند الكعبة وحولها الأصنام من كل جانب.

قال : وما تلك السنن والشروط؟

قلت : أولاً، لا ينصر الله الحق لمجرد أنه حق، بل ينصره بأهله ورجاله المؤمنين المترابطين المتآخين على كلمة الله، كما قال تعالى لرسوله: ((هُوَ الذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤمِنينَ، وألَّف بَيْنَ قُلُوبِهم )) [الأنفال:62 ].

قال: وأين الملائكة التي تنزل بالنصر إعزازاً لحق، وإذلالاً للباطل؟ تلك التي أنزلت في بدر والخندق وحنين؟

قلت: الملائكة موجودة، ويمكنها أن تتنزل - بإذن الله - بالمدد والنصر،ولكنها لا تتنزل في فراغ، وإنما تتنزل به على مؤمنين يجاهدون ويعملون في الأرض، ويحتاجون إلى مدد من السماء يعينهم ويثبتهم، وفي هذا يقول القرآن في قصة بدر ((إذْ يُوحِي ربُّك إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعكُم فَثَبِتوا الذين آمنوا ))، فلا بد أن يوجد الذين آمنوا أولاً، حتى يكونوا أهلاً لنزول الملائكة عليهم.

قال : وإذا وجد المؤمنون جاء النصر؟

قلت : لا بد أن يعملوا جاهدين لنشر دعوتهم، وتبليغ رسالتهم، وتكثير عددهم، وتوسيع قاعدتهم، وإقامة الحجة على مخالفيهم، وكسب الرأي حولهم، حتى يكون معهم القوة التي يقدرون بها على مواجهة أعدائهم، فليس من المقبول عقلاً ولا شرعاً أن يواجه الواحد مائة أو ألفاً، وأقصى ما ذكره القرآن أن يواجه الواحد من المؤمنين عشرة من الكافرين ((إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون َ)) [الأنفال:65 ] وهذا في حال القوة والعزيمة، أما في حال الضعف والرخصة، فقد قال تعالى: ((الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ )) [الأنفال:66 ]

قال: ولكن خصوم أهل الحق لا يمكنونهم من نشر فكرتهم، وأداء أمانتهم، بل يزرعون الأشواك في طريقهم، ويطفئون الشموع بين أيديهم، ويضعون الألغام تحت أرجلهم.

قلت: وهنا يأتي شرط لا بد منه لاستحقاق النصر والتمكين، هو الصبر على الأذى وطول الطريق، والثبات في مواجهة الاستفزاز والتحدي كما في حديثه صلى الله عليه وسلم لابن عمه عبد الله بن عبَّاس واعلم أن النصر مع الصبر .

ولهذا أوصى الله رسوله صلى الله عليه وسلم في ختام عدد من السور المكية بالصبر.

ففي آخر سورة يونس: ((وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِين َ))

وفي آخر سورة النحل: ((وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ . إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُون َ))

وفي آخر سورة الروم : ((فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ )) وفي آخر سورة الأحقاف: ((فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُم ْ))

وفي آخر سورة الطور: ((واصْبِر لِحُكْمِ رَبِّكَ فإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُوم )).

قال صاحبي: ولكن الصبر قد يطول دون أن نقيم للإسلام دولة تحكّم شريعته، وتحيي أمته، وترفع في الأرض رايته.

قلت: ألا يتعلم على يديك جاهل؟ ألا يهتدي ضال؟ ألا يتوب عاص؟ ألا.. ألا..

قال : بلى ...

قلت: هذا في ذاته كسب كبير، وغنم عظيم، وكل فرد تنتشله من وحل الجاهلية إلى صراط الإسلام يقربنا من الهدف الأكبر، بل هو نفسه هدف تحقق، وفي الحديث الصحيح: لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم .

ثم إن الذي علينا، والذي نحاسب عليه، أن ندعو ونربي ونعمل، وليس علينا أن نحقق النصر، علينا أن نبذر الحب، ونرجو الثمر من الرب.. إن الله لن يسألنا: لماذا لم تنتصروا؟ ولكن سيسألنا: لماذا لم تعملوا؟!

((وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون َ)) [التوبة:105 ].

الفصل الرابع

نصائح أبوية إلى شباب الإسلام

في دراستي السابقة التي نشرتها مجلة الأمة في رمضان سنة 1401هـ عن صحوة الشباب الإسلامي وما أخذ عليها من سلبيات بجوار مالها من إيجابيات أكدت في ختامها حقيقتين:

الأولى: أن هذه الظاهرة ظاهرة صحية وطبيعية، ودلالتها واضحة، فهي عودة إلى الفطرة، ورجوع إلى الأصل، والأصل في ديارنا هو الإسلام، مهما شرد عنه الشاردون، أو ضلل عنه المضللون، منه المبتدأ، وإليه المنتهى، وفي ساعة العسرة واشتداد الكربة، والتباس السبل، وغلبة اليأس، لا يجد الناس هنا إلا دينهم، يهرعون إليه، ويلوذون به، يستمدون منه روح القوة، وقوة الروح، وحياة الأمل، وأمل الحياة، ونور الطريق، وطريق النور.

وقد جربت مجتمعاتنا الحلول المستوردة من الغرب والشرق، فلم تحقق أملها المنشود في تزكية الفرد، ورقي المجتمع، ولا في صلاح الدين، وعمارة الدنيا، ولم تجن من ورائها إلا النكسات والتمزق الذي تشهد آثاره اليوم.

فلا غرو أن يتجه الرأي العام في أقطار أمتنا إلى التنادي بحتمية الحل الإسلامي، وتطبيق الشريعة الإسلامية في كل مجالات الحياة، وأن يأخذ الشباب في هذا المجال دورهم الذي يمثل القوة والاندفاع، ولا يؤمن بلين السياسة، ولا بسياسة اللين.

والأخرى: أن ظاهرة التشدد والصرامة عند هؤلاء الشباب لا تعالج بالعنف، ولا تقابل بالتهديد، فالعنف لا يزيدهم إلا تشددا، والتهديد لا يزيدهم إلا إصراراً، كما لا تعالج بالتشكيك والاتهام، فإن أحدا لا يستطيع أن يشكك في إخلاص هؤلاء الشباب و صدقهم مع ربهم، ومع أنفسهم.

وإنما تعالج حقاً بالاقتراب منهم، وحسن التفهم لمواقفهم وأفكارهم، وحسن الظن بنواياهم ودوافعهم، والعمل على إزالة الفجوة بينهم وبين المجتمع الذي يعيشون فيه، وإجراء الحوار العلمي بالحسنى معهم، حتى تتضح المفاهيم، وتزول الشبهات، ويتحرر موضع النزاع، ويعرف المتفق عليه من المختلف فيه.

نحـــــو حــــوار بنـــــــــاء

وفي سبيل هذا الحوار تقدمت لهذا الشباب بجملة نصائح أو وصايا، رجوت ألا أبتغي بها غير وجه الله تعالى، والدين النصيحة، كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، والمؤمن مرآة المؤمن، والتواصي بالحق والصبر من أسباب النجاة من خسران الدنيا والآخرة.

ولا أقصد بهذه الوصايا إلا أن أضع علامات على الطريق، تدلنا على الهدف، وتجنبنا العثار، وتحول بيننا وبين الانقطاع عن السير، أو الدوران حول أنفسنا، أو الاتجاه إلى غير الغاية.

1- احترمـــوا التخــصص:

أنصح هؤلاء الشباب أولا: أن يحترموا التخصص، فلكل علم أهله، ولكل فن رجاله، فكما لا يجوز للمهندس أن يفتي في أمور الطب، ولا للطبيب أن يفتي في شؤون القانون، بل كما لا يجوز أن لطبيب متخصص في فرع أن يقتحم حمى فرع آخر، كذلك لا يجوز أن يكون علم الشريعة كلأ مباحاً لكل من هب ودرج من الناس، بدعوى أن الإسلام ليس حكرا على فئة من الناس، وأنه لا يعرف طبقة رجال الدين التي عرفت في أديان أخرى.

فالواقع أن الإسلام لا يعرف طبقة رجال الدين، ولكنه يعرف علماء الدين المتخصصين، الذين أشارت إليهم الآية الكريمة (فلولا نفر من كلّ فرقة منهم طائفة ليتفقّهوا في الدّين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلّهم يحذرون ) (التوبة:122 ).

وقد علمنا القرآن والسنة أن نرجع فيما لا نعلم إلى العالمين من أهل الذكر والخبرة بقوله تعالى: ((فاسألوا أهل الذِّكر إنْ كنتم لا تعلمون )) (الأنبياء:7 )

وقال تعالى: ((ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم )) (النساء:83 ) وقال سبحانه: ((فاسأل به خبيراً )) (الفرقان: 59 ) ((ولا يُنبِّئك مثل خبير )) (فاطر:14 ).

وقال النبي صلى الله عليه وسلم في صاحب الشجة، الذي أفتاه بعض الناس بوجوب الغسل رغم جراحته، فاغتسل فمات. قال : قتلوه قتلهم الله: هلا سألوا إذا لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال .

وإن مما راعني أن أجد من يجترئ على الفتوى في أخطر القضايا، وإصدار الأحكام في أهم الأمور، دون أن تكون عنده مؤهلات الفتوى، وقد يخالف جمهور العلماء قديما وحديثا، وربما تطاول فخطأ الآخرين وجهّلهم، بزعم أنه ليس مقلدا،وأن من حقه أن يجتهد، وأن باب الاجتهاد مفتوح للجميع، وهذا صحيح، ولكن للاجتهاد شروطا قد لا يملك أيّ واحد منها.

لقد عاب أسلافنا من محققي العلماء على بعض أهل العلم في أزمانهم، ممن يتسارعون إلى الفتوى دون تثبت وروية كافية، وكان مما قالوه:إن أحدهم يفتي في المسألة لو عرضت على عمر لجمع لها أهل بدر! ومن مأثور القول: أجرؤكم على الفتيا، أجرؤكم على النار .

وكان الخلفاء الراشدون ـ مع ما آتاهم الله من سعة العلم ـ يجمعون علماء الصحابة وفضلاءهم عندما تعرض لهم مشكلات المسائل، يستشيرونهم، ويستنيرون برأيهم، ومن هذا اللون من الفتاوى الجماعية نشأ الإجماع في العصر الأول.

وكان بعضهم يتوقف عن الفتوى، فلا يجيب ويحيل إلى غيره، أو يقول: لا أدري. قال عتبة بن مسلم: صحبت ابن عمر أربعة وثلاثين شهرا، فكان كثيرا ما يسأل، فيقول: لا أدري!

وقال ابن أبي ليلى: أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أحدهم عن المسألة، فيردها إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول، وما منهم من أحد يحدث بحديث، أو يسأل عن شيء، إلا ود أخاه لو كفاه؟

وقال عطاء بن السائب: أدركت أقواماً إن كان أحدهم ليسأل عن شيء فيتكلم وإنه ليرعد .

وإذا انتقلنا إلى التابعين نجد سيدهم وأفقههم سعيد بن المسيب، كان لا يكاد يفتي، ولا يقول إلا قال: اللهم سلمني، وسلم مني .

وبعد التابعين نجد أن أئمة المذاهب المتبوعة لا يستنكفون من قول لا أدري فيما لا يحسنونه. وكان أشدهم في ذلك مالك رحمه الله، فكان يقول: من سئل عن مسألة، فينبغي له قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة والنار، وكيف يكون خلاصه في الآخرة، ثم يجيب فيها .

وقال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول: إني لأفكر في مسألة منذ بضع عشرة سنة، فما اتفق لي فيها رأي إلى الآن .

وسمعه ابن مهدي يقول: ربما وردت علي المسألة، فأسهر فيها عامة ليلي .

قال مصعب: وجهني أبي بمسألة -ومعي صاحبها - إلى مالك يقصها عليه، فقال: ما أحسن فيها جواباً، سلوا أهل العلم .

قال ابن أبي حسان: سئل مالك عن اثنتين وعشرين مسألة، فما أجاب إلا في اثنتين بعد أن أكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله .

ولست أمنع الشباب المسلم أن يدرسوا ويتعلموا، فطلب العلم فريضة، وهو مطلوب من المهد إلى اللحد. ولكني أقول: إنهم مهما درسوا، فسيظلون في حاجة إلى أهل الاختصاص، فإن للعلم الشرعي أدوات لم يتوفروا على تحصيلها، وأصولا لم يتمرسوا بمعرفتها واستيعابها، وفروعاً ومكملات لا تسعفهم أوقاتهم ولا أعمالهم أن يتفرغوا لها، ولكل وجهة هو موليها، وكل ميسر لما خلق له.

كما أني لا أقر ما يصنعه بعض هؤلاء الشباب من ترك كلياتهم النظرية، كالآداب والتجارة، أو العلمية، كالطب والهندسة، للتخصص في دراسة الشريعة، بعد أن قطعوا أشواطا في تخصصاتهم، وكثيراً ما ظهر تفوقهم فيها، وجهل هؤلاء أو تجاهلوا أن طلب هذه العلوم- بل التفوق فيها - فرض كفاية على جماعة المسلمين، وأن السباق بينهم وبين مخالفيهم في هذه الميادين على أشده، وأن من خلصت نيته في طلب هذه العلوم الدنيوية والتعمق فيها، كان في عبادة وجهاد.

وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم وللصحابة مهن وأعمال يتكسبون منها، فترك كلّ امرئ منهم في حرفته، ولم يطلب إليهم أن يدعوها ويتفرغوا للعلم أو الدعوة، إلا من طلب لمهمة، فعليه أن يوطن نفسه على القيام بها.

وأخشى ما أخشاه أن يكون وراء هذا التحول شهوة خفية للظهور والتصدر في المجالس والحلقات، ربما لا يشعر بها صاحبها، ولكنها مستكنة في أعماقه، تحتاج إلى تدقيق وتفتيش، والنفس بالسوء أمارة، ومداخل الشيطان إليها كثيرة ودقيقة، والموفق من توفق عند مفارق الطرق، واجتهد في تحليل خواطره ودوافعه وخطواته: أهي للدنيا أم للآخرة؟ أهي لله أم للناس؟ حتى لا يخدع نفسه، وحتى يمضي على بينة من ربه وبصيرة من أمره. ((ومن يعتصم بالله فقد هُدِيَ إلىَ صِراطٍ مُسْتقِيمٍ )) (آل عمران:101 ).

2- خذوا عن أهل الورع والاعتدال:

وإذا كان لكل علم أهله ورجاله، فنصيحتي للشباب المسلم أن يأخذوا العلم الشرعي من ثقات العلماء الذين يجمعون بين سعة العلم والورع والاعتدال.

وأساس العلم الشرعي هو: الكتاب والسنة، ولكن لا غنى لمن يريد فهمهما عن تفسير المفسرين، وشرح الشراح، وفقه الفقهاء، ممن خدموا الكتاب والسنة، وأصّلوا الأصول، وفرعوا الفروع، وخلفوا لنا تراثا عريضاً، لا يعرض عنه إلا جاهل أو مغرور.

فمن ادعى علم الكتاب والسنة، وطعن في علماء الأمة فليس بمأمون على تعاليم الدين، ومن أخذ عن العلماء وكتب المذاهب، مهملاً دلائل القرآن والحديث، فقد أهمل أصل الدين ومصدر التشريع.

وقد يوجد من علماء الدين من يتخصص في فرع من فروع الثقافة الإسلامية، لا يتصل اتصالاً مباشراً بالكتاب والسنة (كالعلم بالتاريخ أو الفلسفة أو التصوف مثلا ) فهؤلاء يستفاد منهم في مجالهم، ولكنهم ليسوا أهلا للفتوى، ولا يصلحون لتلقي العلم الشرعي عنهم.

وقد يكون بين هؤلاء من يجيد فن القول والدعوة والخطابة، والقدرة على التأثير في الجماهير وهز أوتار القلوب، ولا يعني هذا أنه من أهل التحقيق العلمي، فكثيرا ما يجمع بين الغث والسمين، وما يخلط بين الأصيل والدخيل، وما يمزج بين الحقيقة والخرافة، وكثيرا ما تشتبه عليه المسائل، فيفتي بغير علم فيضل ويضل، وكثيراً ما تختلط عليه المراتب، فيضخم الصغير، ويصغر الكبير، ويعظم الهين، ويهون العظيم، وكثيرا ما يعتقد السامعون المبهورون بحسن الأسلوب، وسحر البيان: أن مثله جدير أن يؤخذ عنه، ويتلقى منه.

ولا يخفى أن الوعظ والخطابة فن، وأن الفقه والتحقيق فن آخر، وليس كل من يحسن أحدهما يحسن الآخر.

ولا يقبل العلم من عالم، ما لم يجمع إليه العمل به، وهو ما عبرنا عنه بالورع، وأساسه خشية الله تعالى، التي هي ثمرة العلم الحقيقي ((إنما يخشى الله من عباده العلماء )) (فاطر: 28 ).

وهذا الورع أو تلك الخشية هو ما يمنع العالم أن يقول على الله بغير علم، أو يوظف علمه في خدمة نظام أو سلطان، فيبيع دينه بدنيا غيره.

والصفة الثالثة لمن يؤخذ عنه العلم في عصرنا هي: الاعتدال الذي هو خاصة دين الإسلام، وقد ابتلينا في عصرنا بصنفين متقابلين ممن ينتسبون إلى العلم: المفرطين والمفرطين، أو الغلاة والجفاة، كما قال الحسن البصري رحمه الله: يضيع هذا الدين بين الغالي فيه والجافي عنه.

نجد من هؤلاء من يكاد يحرم على الناس كل شيء، وفي مقابلهم من يكاد يبيح لهم كل شيء.

نجد من هؤلاء من يوجب التقليد لمذهب بعينه ويغلق باب الاجتهاد، وفي الجهة الأخرى من يطعن في المذاهب كلها، ضاربا بجهودها واجتهاداتها عرض الحائط.

نجد من هؤلاء الحرفيين المتمسكين بظواهر النصوص، دون نظر إلى المقاصد، أو رعاية للقواعد، ونجد في مواجهتهم المؤولين الذين حولوا النصوص في أيديهم إلى عجينة قابلة لما شاءوا من معانٍ ومضامين.

والصنف المطلوب المأمون: هو الصنف الوسط المعتدل بين الغلاة والمتسيبين، الذي يجمع بين عقل الفقيه وقلب التقي، ويلائم بين الواجب المطلوب، والواقع المعاش، ويميز بين ما يرتجي الخواص وما يعانيه العوام، ويعرف أن لحالة الاختيار والسعة حكمها، وللضرورات أحكامها، ولا يدفعه التيسير إلى إذابة الحواجز بين الحلال والحرام، كما لا يدفعه الاحتياط إلى التشديد والتعسير على عباد الله، ورحم الله إمام الحديث والفقه والورع، سفيان الثوري حين قال: إنما العلم الرخصة من ثقة، أما التشديد فيحسنه كل أحد!!

3- يســروا ولا تعســروا:

وأنصح هؤلاء الشباب ثالثاً : أن يتخلوا عن التشدد والغلو، ويلزموا جانب الاعتدال والتيسير، وخصوصاً مع عموم الناس الذين لا يطيقون ما يطيقه الخواص من أهل الورع والتقوى، ولا بأس بأن يأخذ المسلم في مسألة أو جملة مسائل بالأحوط والأسلم، ولكن إذا ترك دائما الأيسر، واتبع دائما الأحوط، أصبح الدين في النهاية مجموعة أحوطيات لا تمثل إلا الشدة والعسر، والله يريد بعباده السعة واليسر.

والناظر في نصوص القرآن والسنة وهدي النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، يجدها تدعو إلى اليسر ورفع الحرج، والبعد عن التنطع والتعسير على عباد الله.

وحسبنا من القرآن قوله تعالى بعد آيات الصيام: (( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر )) (البقرة:185 ).

وفي آية الطهارة: ((ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج )) (المائدة:6 ).

وعقب آيات النكاح: ((يريد الله أن يخفّف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا )) (النساء:28 ).

وفي آية القصاص وإجازة العفو والصلح فيه: (( ذلك تخفيف من ربّكم ورحمة )) (البقرة:178 ).

وحسبنا من السنة ما ذكرنا من قبل مما رواه ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم : إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين (رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم بإسناد صحيح ).

وما رواه ابن مسعود عنه أنه قال: هلك المتنطعون، قالها ثلاثا (رواه مسلم ) وهو يشمل التنطع في القول، أو في العمل، أو في الرأي.

وما رواه أبو هريرة قال: بال أعرابي في المسجد، فقام الناس إليه ليقعوا فيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوه وأريقوا على بوله سجلا من ماء، أو ذنوبا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين (رواه البخاري ).

وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسر هما، ما لم يكن إثماً (متفق عليه ).

وقال لمعاذ لما أطال القراءة بالقوم، أفتان أنت يا معاذ؟! وكررها ثلاثا. ومعنى هذا أن التشديد على الناس وأخذهم بالعزيمة دائما فتنة لهم.

وإذا جاز للإنسان أن يشدد على نفسه طلباً للأكمل والأسلم، فلا يجوز أن يشدد على جمهور الناس فينفرهم من دين الله من حيث لا يشعر، ومن هنا كان النبي صلى الله عليه وسلم أطول الناس صلاة إذا صلى لنفسه، وأخفهم صلاة إذا أمَّ غيره، وقال في ذلك: إذا صلى أحدكم للناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه، فليطول ما شاء (متفق عليه ).

وعن أبي قتادة أنه صلى الله عليه وسلم قال: إني لأقوم إلى الصلاة، وأريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز (أي أخفف) في صلاتي، كراهية أن أشق على أمه (رواه البخاري ). وقد بين مسلم في صحيحه صورة هذا التخفيف في رواية له: أنه كان يقرأ السورة القصيرة.

وعن عائشة أنها قالت : نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال (وهو وصل يوم بآخر في الصيام) رحمة لهم، فقالوا: إنك تواصل. قال : إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني (متفق عليه ).

ولئن كان التيسير مطلوباً في كل زمن، فإنه في زماننا ألزم وأكثر تطلباً، نظراً لما نراه ونلمسه من رقة الدين، وضعف اليقين، وغلبة الحياة المادية على الناس، وعموم البلوى بكثير من المنكرات حتى أصبحت كأنها القاعدة في الحياة، وما عداها هو الشاذ، وأصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر، وكل هذا يقتضي التسهيل والتيسير، ولهذا قرر الفقهاء: أن المشقة تجلب التيسير، وأن الأمر إذا ضاق اتسع، وأن عموم البلوى من موجبات التخفيف.

4- ادعوا بالحكمة والحسنى:

وأنصح هؤلاء الشباب المتدينين، رابعا: أن يتبعوا المنهج الذي رسمه القرآن في الدعوة إلى سبيل الله وجدال المخالفين، وهو ما جاء في خواتيم سورة النحل خطابا للرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكي نهتدي بهديه من بعده: (( ادع إلى سبيل ربِّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجاد لهم بالّتي هي أحسن )) (النحل: 125 ).

ومن تأمل الآية الكريمة وجد أنها لا تكتفي بالأمر بالجدال بالطريقة الحسنة، بل أمرت بالتي هي أحسن، فإذا كان هناك طريقتان للحوار والمناقشة، إحداهما: حسنة، والأخرى أحسن منها، وجب على المسلم أن يجادل بالتي هي أحسن، جذباً للقلوب النافرة، وتقريبا للأنفس المتباعدة.

ومن التي هي أحسن: ذكر مواضع الاتفاق بين المتجادلين، والانطلاق منها إلى مواضع الخلاف، عسى أن يتفق عليها كما في قوله تعالى: (( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاَّ بالتي هي أحسن إلاّ الذين ظلموا منهم وقولوا: آمنَّا بالذي أُنزل إلينا وأُنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون )) (العنكبوت:46 ).

أما مواضع الاختلاف، فالحكم فيها إلى الله يوم القيامة: ((وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون )) (الحج : 68-69 ).

وإذا كان هذا أسلوب جدال المسلم لغير المسلم، فكيف يكون جدال المسلم للمسلم وقد أظلتهما وحدة العقيدة والأخوة في الدين؟

إن بعض الإخوة يخلطون بين الصراحة في الحق والخشونة في الأسلوب، مع أنه لا تلازم بينهما، والداعية الحكيم هو الذي يوصل الدعوة إلى غيره بألين الطرق، وأرق العبارات، دون أدنى تفريط في المضمون.

والواقع المشاهد يعلمنا: أن الأسلوب الخشن يضيع المضمون الحسن، ولهذا ورد في الأثر: من أمر بمعروف، فليكن أمره بمعروف.

وقال الإمام الغزالي في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الإحياء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا رفيق فيما يأمر به، رفيق فيما ينهى عنه ، حليم فيما يأمر به، حليم فيما ينهى عنه، فقيه فيما يأمر به، فقيه فيما ينهى عنه .

ومما ذكره هنا رحمه الله: أن رجلا دخل على المأمون، الخليفة العباسي، يـأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، فأغلط له القول، وقسا في التعبير، ولم يراع أن لكل مقام مقالاً يناسبه، وكان المأمون ذا فقه فقال له: يا هذا، ارفق، فإن الله بعث من هو خير منك إلى من هو شر مني، وأمره بالرفق، بعث موسى وهارون، وهما خير منك، إلى فرعون، وهو شر مني، وأوصاهما بقوله: ((اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا ليِّناً لعلّه يتذكر أو يخشى )) (طه:43 )

وبهذا حج المأمون ذلك الرجل وخصمه، فلم يجد جواباً. ومما علمه الله لموسى أن تكون دعوته لفرعون بهذه الصيغة اللينة الرقيقة: ((فقل: هل لك إلى أن تزكّى وأهديك إلى ربك فتخشى )) (النازعات: 19 ).

ومن اطلع على حوار موسى مع فرعون في القرآن الكريم، يجده قد وعى وصية الله له، ونفذها بكل دقة برغم تجبر فرعون واستعلائه، وتهجمه واتهامه وتهديده، كما يتبين ذلك من سورة الشعراء.

ومن درس سيرة رسول الله تعالى صلى الله عليه وسلم وسنته في هذا الجانب رأى في هديه: الرفق الذي يرفض العنف، والرحمة التي تنافي القسوة، واللين الذي يأبى الفظاظة: كيف لا، وقد وصفه الله بقوله: ((لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتم حريصٌ عليكمْ بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم )) (التوبة: 128 ).

وصور علاقته بأصحابه في قوله: ((فَبِما رحمة مِنَ الله لِنْت لهم ولو كنت فظًّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك )) (آل عمران: 159 ).

ولوى بعض اليهود لسانه في تحيته صلى الله عليه وسلم قال: السام عليكم (أي: الموت ) بدل السلام عليكم فغضبت عائشة وردت عليه رد عنيفاً، ولم يزد عليه السلام على أن قال: وعليكم. ثم قال لعائشة: إن الله يحب الرفق في الأمر كله (متفق عليه )، أي في أمر الدين والدنيا، قولاً أو عملاً.

وعنها أنه قال: إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على سواه (رواه مسلم ).

وعنها أيضا أنه قال: وإن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه (رواه مسلم ) بهذا التعميم الذي يشمل كل شيء.

وعن جرير بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من يحرم الرفق يحرم الخير كله (رواه مسلم ) وأي عقوبة أشد وأقسى من أن يحرم الإنسان الخير كل الخير؟!

وأحسب أن في هذا القدر من النصوص ما يكفي لإقناع أبنائنا -الذين اتخذوا التهجم والعنف سمة لهم - بالعدول عن طريقتهم الخشنة إلى طريق الحكمة والموعظة الحسنة.

في أدب الدعوة والحوار

وأحب أن أركز هنا على عدة نقاط في أدب الدعوة والحوار، لما لها من أهمية خاصة:

أولا: يجب مراعاة حق الأبوة والأمومة والرحم، فلا يجوز مواجهة الآباء والأمهات بخشونة، ولا الإخوة ولا الأخوات بغلظة، بدعوى أنهم عصاة أو مبتدعون أو منحرفون، فإن هذا لا يسقط حقهم في لين القول، وخاصة الأبوين.

وحسبنا أن الله قال في حقهما: ((وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به عِلْمٌ فلا تُطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً )) (لقمان: 15 ).

وليس هناك ذنب أعظم من الشرك، إلا المجاهدة لتحويل المؤمن إلى مشرك، ورغم صدور هذا من الوالدين، نهى الله عن طاعتهما فيه، وأمر بمصاحبتهما بالمعروف.

ومن قرأ حوار إبراهيم عليه السلام لأبيه في القرآن ـ في سورة مريم ـ رأى كيف يكون أدب الأبناء في دعوة الآباء، ولو كانوا مشركين.

فكيف إذا كان الأبوان مسلمين، وإن عصيا وخالفا، فإن لهما، مع حق الوالدية، حق الإسلام؟

ثانيا: مراعاة حق السن، فلا ينبغي إسقاط هذا الفارق، ومخاطبة الكبير مخاطبة الصغير، ومعاملة الشيوخ كما يعامل الشباب، بزعم أن الإسلام يسوي بين الناس جميعا، فهذا فهم مغلوط للمساواة التي يراد بها: المساواة في الكرامة الإنسانية، والحقوق العامة. وهذا لا ينافي أن هناك حقوقاً خاصة يجب أن ترعى، مثل حقوق: القرابة والزوجية والجوار وولاية الأمر وغيرها.

ومن أدب الإسلام هنا: أن يحترم الصغير الكبير،كما يجب أن يرحم الكبير الصغير، وفي الحديث النبوي: ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويعرف لعالمنا أي يعرف له حقه. وأي شيء أشد من هذه البراءة ليس منا مهما تأولها من تأول؟ (رواه أحمد عن عبادة بن الصامت بإسناد حسن بلفظ: ليس من أمتي. والطبراني والحاكم ).

وفي الحديث الآخر: إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم …. (رواه أبو داود عن أبي موسى بإسناد حسن، كما في التيسير للمناوي: 1/347 ).

ثالثا: مراعاة حق السابقة، فمن كان له فضل سبق في الدعوة إلى الله، وتعليم الناس الخير، أو كان له بلاء حسن في نصرة دين الله تعالى، فلا ينبغي جحود فضله، وإهالة التراب على سابقته، أو الطعن فيه، لفتوره بعد نشاط، أو ظهور ضعف منه بعد قوة، أو تفريط بعد استقامه، فإن رصيده من الخير وسابقته في الجهاد تشفع له.

ولا أقول هذا من عند نفسي، بل هو ما قرره النبي صلى الله عليه وسلم في شأن حاطب بن أبي بلتعة، حين زلت قدمه إلى ما يشبه الخيانة، حيث كتب إلى مشركي قريش في مكة، يخبرهم بما أعده النبي صلى الله عليه وسلم من عدد وعدة لفتح بلدهم، هذا مع شدة حرصه عليه الصلاة والسلام على سرية التحرك.. وهذا ما جعل عمر بن الخطاب يقول : دعني يا رسول الله أضرب عنقه فقد نافق: فكان الجواب النبوي الكريم ما يدريكم: لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم .

إن سابقة الرجل وجهاده يوم بدر- يوم الفرقان - جعلت النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يقبل منه اعتذاره، ويقول لأصحابه عن أهل بدر عامة ما قال.

عايشـوا جماهـير النــاس

وأنصح الشباب -خامساً - أن ينزلوا من سماء الأحلام والمثالية المجنحة إلى أرض الواقع، ليعايشوا الناس، الجماهير من المواطنين والحرفيين والفلاحين والعمال وغيرهم من الجاهدين والمجاهدين، في الأحشاء الدقاق من المدن الكبيرة، إلى الحارات والأزقة، في القرى الكادحة، وسيجدون هناك الفطرة السليمة، والقلوب الطيبة، والأجسام المكدودة من العمل.

أوصي الشباب أن ينزلوا إلى هؤلاء في مواقعهم، ليسهموا في تعليم الأميين حتى يقرأوا، وفي علاج المرضى حتى يصحوا، وفي تقوية المتعثرين حتى ينهضوا، وفي مساعدة المتبطلين حتى يعملوا، وفي معاونة المحتاجين حتى يكتفوا، وفي توعية المتخلفين حتى يتطوروا، وفي تذكير العصاة حتى يتوبوا، والأخذ بيد المنحرفين حتى يستقيموا، وكشف المنافقين حتى يختبئوا، ومطاردة المرتشين حتى يرتدعوا، وإنصاف المظلومين حتى ينتعشوا.

على الشباب أن ينشئوا لجاناً لمحو الأمية، وجمع الزكاة وتوزيعها، ولإصلاح ذات البين، ولمحاربة الأمراض المتوطنة، ولمعالجة الإدمان على التدخين أو المسكرات أو المخدرات، ولمقاومة العادات الضارة، ونشر العادات الصالحة بديلاً عنها.

وما أكثر الميادين التي تحتاج إلى جهود الشباب، وعزائم الشباب، وحماس الشباب!

يا شباب الإسلام، لا تتقوقعوا على أنفسكم، تاركين الشعب وهم آباؤكم وأمهاتكم وإخوانكم وأرحامكم. انزلوا إلى الشعب واختلطوا به، وعيشوا في همومه، وشاركوه متاعبه، اربتوا على أكتاف المهمومين، امسحوا دموع اليتامى، ابتسموا في وجوه البائسين، خففوا الحمل عن كواهل المتعبين، أغيثوا الملهوفين، اجبروا كسر المكسورين، داووا جراح القلوب الحزينة، بموقف عملي، أو بكلمة طيبة، أو ببسمة صادقة.

إن القيام بخدمة المجتمع، وتقديم العون له ـ وخصوصاً للفئات الضعيفة فيه ـ عبادة رفيعة القدر، لم يحسنها كثير من المسلمين اليوم، برغم ما ورد في الإسلام من تعاليم تدعو إلى فعل الخير، وتأمر به، وتجعله فريضة يومية على الإنسان المسلم.

ولقد بينت في كتابي العبادة في الإسلام : أن الإسلام قد فسح مجال العبادة ووسع دائرتها، بحيث شملت أعمالاً كثيرة لم يكن يخطر ببال الناس أن يجعلها الدين عبادة وقربة إلى الله.

إن كل عمل اجتماعي نافع يعده الإسلام عبادة من أفضل العبادات، ما دام قصد فاعله الخير، لا تصيد الثناء، واكتساب السمعة الزائفة عند الناس، كل عمل يمسح به الإنسان دمعة محزون، أو يخفف به كربة مكروب، أو يضمد به جراح منكوب، أو يسد به رمق محروم، أو يشد به أزر مظلوم، أو يقيل به عثرة مغلوب، أو يقضي به دين غارم مثقل، أو يأخذ بيد فقير متعفف ذي عيال، أو يهدي حائراً، أو يعلم جاهلاً، أو يؤوي غريباً، أو يدفع شراً عن مخلوق، أو أذى عن طريق، أو يسوق نفعاً إلى ذي كبد رطبة، فهو عبادة وقربة إلى الله إذا صحت فيه النية.

أعمال كثيرة من هذا النوع جعلها الإسلام من عبادة الرحمن، وشعب الإيمان، وموجبات المثوبة عند الله تعالى.

وإننا لنقرأ أحاديث النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في هذا الباب، فنرى أنه لم يكتف بفرض هذه العبادة العامة على الإنسان من حيث هو إنسان فحسب، بل يشتد في طلبها، فيفرضها على كل ميسم من مياسمه، أو كل مفصل من مفاصله!

فيروي أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كل سلامي من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس : يعدل بين الاثنين صدقة، ويعين الرجل في دابته، فيحمله أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة (متفق عليه ).

ويروي ابن عباس نحو هذا عن الرسول صلى الله عليه وسلم إذ يقول: على كل ميسم من الإنسان صلاة كل يوم! فقال رجل من القوم: هذا من أشد ما أنبأتنا به! قال: أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صلاة، وحملك عن الضعيف صلاة، وإنحاؤك القذر من الطريق صلاة وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صلاة (رواه ابن خزيمة في صحيحه ).

ونحو ذلك ما رواه بريدة عنه صلى الله عليه وسلم قال: في الإنسان ستون وثلاثمائة مفصل، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منها صدقة. قالوا : فمن يطيق ذلك يا رسول الله؟ - ظنوها صدقة مالية- قال: النخامة في المسجد تدفنها، والشيء تنحية عن الطريق.. (رواه أحمد وأبو داود وابن حزيمة وابن حبان ).

وقد وردت أحاديث عديدة تجعل تبسم المسلم في وجه أخيه صدقة، وإسماع الأصم، وهداية الأعمى، وإرشاد الحيران، ودلالة المستدل على حاجته، والسعي بشدة الساقين مع اللهفان المستغيث، والحمل بشدة مع الضعيف، وما يدور في هذا الفلك من الأعمال، عده رسول الله عبادة كريمة، وصدقة طيبة.

وبهذا يعيش المسلم في مجتمعه ينبوعاً يفيض بالخير والرحمة، ويتدفق بالنفع والبركة، يفعل الخير ويدعو إليه؛ ويبذل المعروف ويدل عليه، فهو مفتاح للخير، ومغلاق للشر، كما حثه النبي الكريم، كما في حديث ابن ماجه طوبى لعبد جعله الله مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر .

يقول بعض المتحمسين:

ولكن هذه الأعمال الاجتماعية تعطل المشتغل بها عن نشر الدعوة إلى الإسلام، وتوعية الناس بحقيقته، وهذا أوجب ما يجب الاشتغال به.

وأقول لهؤلاء: إن العمل الاجتماعي هو لون من الدعوة، فهي دعوة للناس في مواقعهم، وهي دعوة مقترنة بالعمل.

فالدعوة ليست مجرد كلام يقال أو يكتب، بل الاهتمام بأمر الناس، وحل مشكلاتهم يقربهم من الفكرة، ورحم الله الإمام حسن البنا، فقد وعى ذلك كل الوعي، وأنشأ مع كل شعبة يفتحها قسماً للبر والخدمة الاجتماعية.

ثم إن المسلم مأمور بفعل الخير للناس، مثلما أمر بالركوع والسجود وعبادة الله تعالى. يقول القرآن: ((يأَيُّهَا الّذينَ آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون. وجاهدوا في الله حقّ جهاده هو اجتباكم.. )) (الحج: 77/78 ).

فهذه شعب ثلاث لرسالة المسلم في الحياة: شعبة تحدد علاقته بالله، وتتمثل في عبادة الله تعالى.. وشعبة تحدد علاقته بالمجتمع، وتتمثل في فعل الخير.. وشعبة تحدد علاقته بقوى الشر، وتتمثل في الجهاد في الله حق الجهاد..

فمن شغل نفسه بفعل الخير في المجتمع لم يشغل نفسه إلا بما أوجب الله عليه، ومن فعل ذلك فهو مأجور عند الله، محمود عند الناس.

ويقول بعض هؤلاء المتحمسين أيضاً:

إن جهود الداعين إلى الإسلام يجب أن تتركز في إقامة الدولة الإسلامية، التي تحكم بما أنزل الله، وتقيم الحياة كلها على أساس الإسلام ، تطبقه في الداخل، وتبلغه في الخارج.

وحين تقوم هذه الدولة، ستتولى هي كل ما ذكرت من حاجات المجتمع ومطالبه، ستوفر التعليم لكل جاهل، والعمل لكل عاطل، والضمان لكل عاجز، والكفاية لكل محتاج، والدواء لكل مريض، والإنصاف لكل مظلوم، والقوة لكل ضعيف... وعلينا أن نعمل لإيجاد هذه الدولة، ولا نضيع الوقت في ترقيعات جزئية، وإصلاحات جانبية، أشبه بالأقراص المسكنة للآلام، وليست بالأدوية التي تستأصل الأمراض من جذورها. ونقول لهؤلاء الإخوة:

إن إقامة الدولة المسلمة، التي تحكم بشريعة الله، وتجمع المسلمين على الإسلام ، وتوحدهم تحت رايته، فريضة على الأمة الإسلامية، يجب أن نسعى إليها، وعلى الدعاة إلى الإسلام أن يعملوا بكل ما يستطيعون للوصول إليها، متخذين أمثل المناهج، سالكين أفضل السبل، ليجمعوا الجهود المبعثرة، ويقنعوا العقول المرتابة، ويزيحوا العوائق الكثيرة، ويربوا الطلائع المنشودة، ويهيئوا الرأي العام المحلي والعالمي لتقبل فكرتهم وقيام دولتهم.

وهذا كله يفتقر إلى وقت طويل، وصبر جميل، حتى تتهيأ الأسباب، وتزول الموانع، وتتوافر الشروط، وتنضج الثمرة.

وإلى أن يتحقق هذا الأمل، ينبغي أن يشتغل الناس بما يقدرون عليه، ويتمكنون منه، من خدمة لأهليهم، وإصلاح لمجتمعاتهم، التي يحيون بين ظهرانيها، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. على أن في ذلك تربية للطلائع المرجوة، وصهراً لها، وامتحاناً لقدرتها على قيادة المجتمع والتأثير فيه.

ولا يجمل بمسلم يرى مريضاً يستطيع أن يقدم له العلاج عن طريق مستوصف شعبي، أو مستشفى خيري، فيرفض ذلك حتى تقوم الدولة الإسلامية، فتتولى هي علاج المرضى!

ولا يحسسن بمسلم يرى الفقراء والأرامل والعاجزين، وهو قادر على أن يعاونهم بإنشاء صندوق للزكاة، يأخذها من الأغنياء ليردها إلى الفقراء، فلا يفعل حتى تقوم الدولة المسلمة، فتقوم هي بهذا الدور، عن طريق تكافل اجتماعي شامل.

ولا يليق بمسلم يرى الناس من حوله يختصمون ويقتتلون، فيقف متفرجاً، ونار الخصومة تأكل أخضرهم ويابسهم، منتظراً قيام الدولة الإسلامية، لتصلح بين الناس بالقسط، وتقاتل الفئة التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله.

إنما الذي يليق بالمسلم أن يقاوم الشر ما أمكنه، ويفعل الخير ما استطاع، ولا يقف مكتوف اليدين، وفي قدرته أن يعمل مثقال ذرة من خير، والله تعالى يقول: ((فاتّقوا الله ما استطعتم )) (التغابن : 16 ). ولقد ضربت مثلا للدولة المسلمة المنشودة بأشجار الزيتون والنخيل تغرس في بستان، لا ينتظر أن تؤتي ثمارها إلا بعد سنين، فهل يقف صاحب البستان بلا عمل يعمله، ولا ثمرة يقطفها، حتى يثمر النخيل والزيتون؟ كلا، إنه يزرع من الخضروات والزروع ما هو أسرع نتاجاً وأقرب ثمرة، وبذلك يخصب أرضه، ويعمر وقته، ويشغل نفسه بما ينفعه وينفع من حوله، وفي الوقت ذاته يتعهد زيتونه ونخله بالرعاية حتى يأتي أوان حصاده بعد حين.

أحسنوا الظن بالمسلمين

وأنصح أبنائي الشباب ـ سادساً وأخيراً ـ أن يخلعوا منظارهم الأسود، عندما ينظرون إلى الناس، وأن يفترضوا الخير في عباد الله، ويقدموا حسن الظن، وأن يعلموا أن الأصل هو البراءة، وحمل حال أهل الإسلام على الخير.

ومما يساعد على هذا السلوك المتفائل نظرات ثلاث:

الأولى: أن يعاملوا الناس باعتبارهم بشراً على الأرض، وليسوا ملائكة أولي أجنحة، فهم لم يخلقوا من نور، وإنما خلقوا من حمأ مسنون، فإذا أخطأوا فكل بني آدم خطاء، وإذا أذنبوا فقد أذنب أبوهم الأول : ((ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً )) (طه : 115 ).

فلا غرابة إذن أن يعثر الناس وينهضوا، وأن يخطئوا ويصيبوا، وعلينا أن نفتح لهم باب الأمل في عفو الله ومغفرته، بجوار تخويفهم من عقاب الله وبأسه، فالعالم كل العالم من لم يوئس عباد الله من روح الله، ولم يؤمنهم من مكر الله، وحسبنا هنا قول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم (( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنّ الله يغفر الذّنوب جميعاً. إنّه هو الغفور الرّحيم )) (الزمر : 53 ). فانظر إلى إيناسه سبحانه لهم، حين ناداهم يا عبادي وأضافهم إلى ذاته المقدسة، تلطفاً بهم، وتقريباً لهم من ساحته، ثم كيف فتح باب المغفرة على مصراعيه لكل الذنوب، فإنها مهما عظمت فعفو الله أعظم منها.

الثانية: أننا أمرنا أن نحكم بالظاهر، وأن ندع إلى الله أمر السرائر، فمن شهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله حكمنا بإسلامه، في ظاهر الأمر، وتركنا سريرته إلى علاّم الغيوب، يحاسبه عليها يوم تظهر الخفايا، وتنكشف الخبايا، وفي الصحيح أمرت أن أقاتل النّاس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها، وحسابهم على الله .

ولهذا عامل النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين ـ الذين يعلم نفاقهم الباطن ـ حسب ظواهر هم، وأجرى عليهم أحكام الإسلام ، وهم يكيدون له في الخفاء، ولما اقترح عليه بعض الناس أن يقتلهم ويستريح من شرهم ومكرهم، أجابهم بقوله: أخشى أن يتحدّث الناس أن محمداً يقتل أصحابه! .

الثالثة: أن كل من آمن بالله ورسوله، لا يخلو من خير في أعماقه، وإن انغمس ظاهره في المعاصي، وتورط في الكبائر. والمعاصي ـ وإن كبرت ـ تخدش الإيمان وتنقص منه، ولكنها لا تقتلعه أبداً من جذوره، ما لم يفعلها من يفعلها متحدياً لسلطان الله تعالى، أو مستحلاً لحرماته، ومستخفاً بأمره ونهيه.

وأسوتنا في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد كان أرفق النّاس بالعصاة، ولا تمنعه معصية أحدهم أن يفتح له قلبه، وينظر له نظرة الطبيب إلى المريض، وليس نظرة الشرطي إلى المجرم.

جاء فتى من قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الزنى، فثار الصحابة وهموا به، لجرأته على النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم وقف منه موقفاً آخر: قال : ادنُه. . فدنا، فقال: أتحبّه لأمك؟ قال: لا والله جعلني الله فداك! قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، ثم قال له مثل ذلك في ابنته وأخته وعمته وخالته.. في كل ذلك يقول: أتحبه لكذا؟ فيقول: لا والله، جعلني الله فداك، فيقول صلى الله عليه وسلم : ولا الناس يحبونه .. فوضع يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهِّر قلبه، وحصن فرجه.. فلم يكن بعد ذلك يلتفت إلى شيء (رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح، كما في مجمع الزوائد : 1/129 )، وإنما عامله صلى الله عليه وسلم بهذا الرفق، تحسيناً للظن به، وأن الخير كامن فيه، والشر طارئ عليه، فلم يزل يحاوره حتى اقتنع عقله، واطمأن قلبه إلى خبث الزنى وفحشه، وكسب مع ذلك دعاء النبي صلى الله عليه وسلم .

قد يقال: هذا رجل لم يقترف المعصية بعد، فهو أهل أن يعامل بالرفق والملاينة، بدل الفظاظة والمخاشنة.

فإليك هذا المثل، وهو تلك المرأة الغامدية التي زنت، وهي محصنة، وحملت من الزنى، وجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليطهرها بإقامة الحد عليها، فما زالت به حتى أقام عليها الحد، ولمما بدرت من خالد بن الوليد جملة فيها سبها، قال له النبي صلى الله عليه وسلم : أتسبها يا خالد؟ والله لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين بيتاً من أهل المدينة لوسعتهم! وهل ترى أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل؟ (رواه مسلم وغيره ).

قد يقال : هذه عصت، ولكنها تابت..

فإليك هذا المثل الأخر:

هذا الصحابي الذي ابتلي بالخمر وأدمنها، وأتي به عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة شارباً، فيضرب ويعاقب، ثم يغلبه إدمانه أو شيطانه، فيعود إلى الشرب، ثم يؤتى به، فيضرب ويعاقب.. وهكذا عدة مرات، حتى قال بعض الصحابة يوماً، وقد جيء به شارباً: ما له لعنه الله؟ ما أكثر ما يؤتى به!

وهنا لم يسكت النبي صلى الله عليه وسلم على لعن هذا المسلم، رغم مقارفته لأم الخبائت، وظهور إصراره عليها وإدمانه لها، وقال للاعنه: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله.

وفي رواية: لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم!

فانظر رحمك الله وإيانا إلى هذا القلب الكبير كيف وسع هذا الإنسان وأحسن به الظن، رغم تلطخه بالإثم! وكيف لمح كوامن الخير في أعماقه، برغم ظواهر الشر على غلافه! فوصفه بأنه يحب الله ورسوله ولهذا نهى عن لعنه، لأن هذا يحدث فجوة بينه وبين إخوانه المؤمنين، فيبتعد عنهم، ويبتعدون عنه، وهنا يقترب منه الشيطان، وهذا من أسرار قوله لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم ولم يفصم عروة الأخوة بينه وبينهم، بسبب المعصية، وهي كبيرة تكررت، لأن أصل الإسلام يجمعهم به، ويجمعه بهم.

فليفقه هذه النظرة النبوية العميقة، وهذه التربية المحمدية العالية، أولئك الذين يسيئون الظن بجمهور الناس، ويسقطون عصاتهم من الحساب، وليتعلم من هذا الدرس المنزلقون إلى بدعة التكفير بالمعاصي، فلو فقهوا وتأملوا، لعلموا أن الذين يكفرونهم ليسوا مرتدين يجب أن يقتلوا، بل جاهلين بحقيقة الدين يجب أن يعلموا، أو متورطين في المعصية بتأثير صحبة السوء وبيئة السوء يجب أن ينقذوا، أو غافلين عن الآخرة بمشاغل الدنيا يجب أن ينبهوا ويذكروا، والذكرى تنفع المؤمنين.

إن لعن الناس ولو كانوا عصاة منحرفين، لا يصلحهم ولا يقربهم من الخير، بل هو أحرى أن يبعدهم عنه، وأولى من هذا الموقف السلبي أن تتقدم من أخيك العاصي، فتدعوه أو تدعو له، ولا تدعه فريسة للشيطان.. وقد قال الحكيم: بدل أن تلعن الظلام أضئ شمعة تنير الطريق!

هذا ما أردت أن أنصح به لأبنائي من شباب الإسلام المتوقد، الذين أكن في قلبي أعمق الحب لهم، وأعظم الاشفاق عليهم، ولا أقول إلا ما قال خطيب الأنبياء، شعيب عليه السلام: ((إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلت وإليه أُنيب )) (هود: 88 ).