الصحافة والأقلام المسمومة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الصحافة والأقلام المسمومة

بقلم: أنور الجندي

دار الاعتصام

مدخل إلى البحث: صحافة النكسة

الكلام هنا عن الصحافة العربية بعامة في كل الوطن العربي ( لا صحافة قطر بعينه ) في مرحلة جد خطيرة هي مرحلة الهزيمة والنكبة والنكسة وهي المرحلة التي بدأت عام 1948 تقريبا بقيام رأس جسر للصهيونية في فلسطين إلى ما يطلق عليه النكسة عام 1967 وهو العام الذي سيطرت فيه قوي العدو الصهيوني على القدس.

إن خطورة هذه المرحلة على التاريخ الإسلامي العربي لا يواريها جسامة ولا يماثلها أثرا إلا مرحلة الحروب الصليبية والتتارية التي واجهها عالم الإسلام وما تزال حتى الآن تمثل أشد التحديات .

إن دراسة هذه المرحلة الجديد التي تجمعت فيها قوي النفوذ الاستعماري والصهيونية والشيوعية تحتاج إلى النظر في تلك الآثار التي تركتها الصحافة على الأحداث التي عاشتها المجتمعات الإسلامية والعربية وكيف استطاعت قوي كثيرة أن تعمل على تحطيم عوامل الحصانة والقوة والمقاومة في قلب هذه الأمة المجاهدة الصامدة عن طريق " بث " تلك لسموم التي ظلت تسري في العروق حتى خدرتها وحتى أحدثت تلك التحولات من القوة إلى الوهن , ومن الصمود إلى الاستسلام ومن المقاومة إلى تقبل ظلال التبعية والنفوذ الوافد في مختلف مجالات الفكر والاجتماع والاقتصاد والتربية .

وإذا كانت هناك قوي خطيرة عملت على توهين القوي بحيث خضعت للهزيمة والنكبة والنكسة :( ومنها الاستشراق والتبشير والتغريب والغزو الثقافي ) فقد كانت الصحافة عاملا هاما في احتضان كل ما قدمته هذه القوي وتفريخه وبثه وإذاعته يوما بعد يوم وفق ألأوان الطيف ومن خلال كل القنوات فقد كانت الصحافة ولا تزال أخطر وسائل التوجيه والتثقيف فهي الزاد اليومي الذي يصل إلى أيدي الناس جميعا وهي بأبوابها المختلفة من قصة ومسرح وكرة وجريمة وفن وأدب وسياسة واجتماع ودين قادرة على تقديم مفاهيم من شانها أن تحمل قراءها على تقبلها الاقتناع بها عن طريق الخير والصورة والكاريكاتير والتعليق , وهي قادرة أن تقدم وجهة النظر التي تراها متفقة مع الخط الذي تدافع عنه فهي تستطيع أن تصغر ما تعارضه وتكبر ما تدافع عنه ومقياسها في هذا تلك الخلفية التي تحكم المشرفين عليها ولقد كانت الصحافة في هذه المرحلة على خط واحد تحمل طابع الوطنية وتتحمس له في عبارات طنانة وتخفي غاياتها الخطيرة التي لا تنكشف إلا في المجالات الاجتماعية وصفحات المرأة والمسرح والجريمة فتلك هي الميادين التي يمكن بث السموم من خلالها وهدم قوي الشباب وتحطيم إيمانه ومنذ وقت طويل كشف هاملتون جب عن خطة الصحافة العربية فقال : إن معظم الصحف اليومية العربية واقعة تحت تأثير الآراء والأساليب الغربية , فالصحافة الغربية لا دينية في اتجاهها وكانت الصحافة العربية قد قامت أعمدتها بأيدي المارون خصوم الإسلام والعروبة منذ اليوم الأولي لا في مصر وحدها ( المقطم والأهرام والهلال ) ولكن في مختلف أجزاء الوطن العربي حتى المغرب الأقصى ثم تسلمت هذه الصحافة من بعد أيد عربية ومصرية كانت أشد عنفا وقسوة وأكثر ميلا إلى الكشف والإباحية .

مدرسة روزاليوسف ومحمد التابعي

(1)

ثم جاءت أخبار اليوم فعادت الصحافة في الوطن العربي على نحو أشد خطورة قوامه مزيد من التقليد للصحافة الأمريكية المثيرة القائمة على إرضاء رغبات الجماهير والاهتمام بالتفاهات والبعد عن الأصالة وتكوين أجيال لا تري في الحياة إلا هزلا ورقصا ومتعة وانصرافا عن التبعات الجسام التي تواجه المجتمع العربي الإسلامي وقد جاءت هذه الموجة الصحفية موازية للنفوذ الصهيوني والشيوعي في الوطن العربي وفي نفس الوقت الذي بدأت فيها سهام التغريب والغزو الثقافي تجتاح بلادنا بقوة وقد حملت سياسة تقبل الأمر الواقع , وتدعيم الأوضاع التي صنعها النفوذ الأجنبي وخاصة ما يتعلق بالانحراف في مجال المرأة والكرة والسياحة ونوادي الرقص والمسرح والسينما والدعوة إلى تنشئة أجيال معجبة بل غارقة في هذه التيارات وإقامة المسابقات لملكات الجمال وللمرشحات للعمل في مجال الغناء والمسرح والرقص وتقديم أفواج بعد أفواج منها تحت اسم الفن وإعطاء هذا الفن شيئا وافرا من القداسة والتكريم والاحترام والدفاع عن أهل الفن باعتبارهم طلائع النهضة وركائز المجتمع الراقي .

وبذلك فقد أدخلت الصحافة أعرافا جديدة تعارض تماما الأعراف الأصيلة ومفاهيم زائفة تضاد القيم الصحيحة وبدت ميادين الرقص والغناء والمسرح وكأنها دور لها قدر وجلال وخطر وانخدع الشباب المسلم بهذه المفاهيم التي آزرتها صور عارية وقصص مكشوفة وأغان خليعة وتقديم للمغنيين والممثلين على أنهم أبطال ومثل عليا ولهم تاريخ يروي وأحاديث تجري وذكريات تجدد بينما لم يحظ بمثل هذا علماء أفذاذ ولا أبطال مجاهدون ولا نوابغ قدموا لأوطانهم أجل الخدمات وضحوا في سبيل بلادهم واستشهدوا أو ماتوا مغتربين هذا هو الخطر الذي قدمته الصحافة العربية خلال فترة الهزيمة والنكبة والنكسة والذي كان بعيد الأثر في الواقع الذي يعيشه العرب والمسلمون اليوم.

وفي الواقع فإنك ل ن تستطيع أن تجد مقولة خطيرة أو مؤامرة مبينة أو كلمة مسمومة أو فكرة مدسوسة أو دعوي باطلة إلا وقد وجدت عن طريق الصحافة طريقا لها إلى الناس أيدتها صحف وعارضتها صحف ولكنها على كل حال استطاعت أن تبلبل خواطر الناس وتنال من كيانهم وتزلزل رواسيهم .

(2)

كان أول المخاطر فى تحول الصحافة هو تلك الدعوة المسومة التي تطرقت إليها تحت لواء الكسب المادي إلى الاهتمام بنشر الأخبار المثيرة والترويج لكل أسباب الإغراء للقارئ وهدهدة غرائزه ودعوته إلى الإباحيات والكشف ونشر كل يتصل بالذات والأهواء والجنس رغبة في كسبه في تجارة رخيصة تستهدف استدرار الموارد ببيع هذه السموم , وكان هذا خروجا بالصحافة من مسئوليتها الأدبية وأمانة الكلمة والالتزام الأخلاقي لحماية الشباب والفتيات والأبناء جميعا من أخطار الدعوات الهدامة وعواصف المذاهب الانحلالية .

وبذلك كانت الصحافة من أكبر العوامل في هدم مقومات الأسرة وتمزيقها وتدمير وحدتها والتأثير بالخطأ والانحراف على الأجيال الجديدة ( إلى جوار تأثير السينما والمسرح والإذاعة والتليفزيون ).

بل إن الصحافة نفسها هي التي هيأت لهذه الوسائل جميعا سبيل النشاط وأغرت الجماعات والأفراد بما تحتويه أفلامها ومسرحياتها ورددت حوارها ونشرت صورها العارية وأعلنت عن مسارحها ودورها وأبطالها ولخصت قصصها وأدوار ممثليها .

وقدمت الصحافة قصص الجريمة وقصص الجنس وأفاضت في نشر تفاصيل الأحداث وأولت جوانب الفساد فيها اهتماما كبيرا وعنيت بلفت النظر إلى الوسائل والأساليب التي قام بها المجرمون في سرقة البيوت أو ترصد الناس وعمدت إلى الاهتمام بنشر أساليب الفساد وكشفت للشباب الساذج والفتيات الطيبات عن كرق الاتصال بأصحاب الأهواء سواء بمخاطبتهم بالتليفون أثناء نوم أفراد الأسرة أو الخروج من البيوت في أوقات النوم أو غيرها من تفاصيل يشرحون بها صدور الشباب ويدلونه على الطرق لاقتراف الجريمة سواء كانت جريمة سرقة أو جريمة عرض .

ولم يقف عمل الصحافة عند حد نشر الوقائع بل إن كتاب القصة خلقوا وقائع أشد سوءا أو أكثر تفصيلا للحوار الذي يدور في غرف النوم , أو بين من أغواهم المجرم الأثيم وفيها إغراء وخداع , وتصدي لهذا العمل كتاب كبار لهم أسماء لامعة ودفعت لهم الصحف في سبيل هذه القصص المكشوفة أجور ضخمة راجت بها صحفهم ومجلاتهم وكسبوا منها مبالغ طائلة بالحرام والسحت , لم يقف الأمر عند هذا الحد بل لقد عمدت الصحافة إلى تبرير واقع المجتمعات الواقعة تحت النفوذ الأجنبي وذلك بخلق أعراف بعيدة عن فطرة الأمم المسلمة وذلك بإعلاء شأن الراقصات والمغنيين والعاملين فى مجال الفاحشة والإثم وبإطلاق اسم الفنانين عليهم ثم أذاعوا أن هذا الفن شئ مقدس له أصوله وقيمه وله حدوده التي لا يستطيع أحد أن يتخطاها ثم عملوا على تبرير هذه الصور الفاسدة ووصف الرقص مثلا بأنه تموج للأجساد وسمو بها واستعلاء عن الماديات مع أنه غاية الفحش وأعلي مراتب الإثم والإباحية ..

وهكذا استعملت الصحافة أساليب الكتابة وكلمات الخير والحق والجمال لتضفيها على هذه السموم.

وحين نستعرض برنامج بروتوكولات صهيون لهدم الأسرة ولإفساد الشباب نجد الصحافة قد قامت بدور كبير في تنفيذ هذا البرنامج وتطبيقه في مختلف مراحله وأجزائه فحين تدعو البروتوكولات إلى الرحلات المشتركة للطلاب والطالبات وتري أنها خير وسيلة لتدمير القيم والخلاق نجد الصحافة تنفق جهدا ضخما متصلا لا يفتر ولا يتوقف في تشجيع هذه الرحلات المشتركة وتبريرها وتصويرها على أنها الوسيلة المثلي للسعادة والصحة وغيرها بينما تخفي الصحافة ما يحدث في هذه الرحلات المختلطة من أمور تخجل وأعراض تذهب .

وحين تشير الصحافة إلى أزمات الشباب العربي المسلم لا تردها مطلقا إلى أصولها الصحيحة ولكنها تحاول أن تربطها بأزمات الشباب الغربي على الاختلاف البعيد والعميق .

ثم هي لا تنظر إلى الأمور نظرة الأمانة الصادقة والمسئولية الحقيقية ولكنها تكذب حين تقول أن شباب هذا الجيل بخير , وتكذب حين لا تواجه قضاياه مواجهة صحيحة فتقول له : إن مصدر الاضطراب هو الابتعاد عن منهج الله الذي هو الأسلوب الصحيح ومما يرثي له أن يرسل الناس مشاكلهم إلى الصحف والمجلات لتقع في أيدي هذه الأقلام المسمومة في يدلون الناس على خير ولا حق , وماذا يكون الأمر عندما يحل مشاكل الناس رجل لا خبرة له ولا أصالة في فهم أمور المجتمع , أوله اتجاه وجودي أو إباحي أو ماركسي أو له مفهوم ضال منحرف .

إن بعض كتاب القصة يقولون أن في أيديهم محاولة لحل مشاكل المجتمع بينما لا نجد من كتاب القصة كاتبا واحدا له تجربة أو فهم أو دراسة لقضايا المجتمعات وصلتها بالعقائد أو له مفهوم أصيل لمعرفة أدواء المجتمعات وإنما تعالج القضايا في القصص على أساس أهواء النفس , إن أمثال إحسان عبد القدوس وأنيس منصور ويوسف السباعي ونجيب محفوظ ويوسف إدريس إنما عاشوا في دن القصة الغربية الملء بالسموم ثم جاءوا بعد ذلك ليتصدوا لقضايا الناس ومشاكل المجتمع وهم خالون تماما من البعد الروحي والنفسي لدراسة المجتمعات والأسرة والشباب والطفولة وإذا كانوا قرأوا عنها لماما فإنما قرأوا وجهات نظر غربية أو مادية أو جودية لا تنفق مع مجتمعنا ولا تستطيع أن تمكنهم من إعطاء الناس إجابات صحيحة أو حلولا صادقة لمشاكلهم .

إن الأمور موسدة إلى غير أهلها إن هؤلاء العاملين في مجال المجتمع ليست لديهم أبعاد علمية ولا نفسية لحل قضايا هذا المجتمع الإسلامي الأصيل العميق الجذور إن كتابة القصة هؤلاء هم أقل الناس تجربة في مجال حل مشاكل المجتمعات وهم لا يملكون من التراث ولا من العلم ما يمكنهم من استيعاب القضايا أو وضع حلول لها سواء عن طريق القصة أو عن طريق المقال الاجتماعي والسياسي ولذلك جاءت كتاباتهم (بعد ترك مجال القصة ) في قضايا المجتمع والشباب معالجة الهوى والغرض فكانت كتاباتهم مزيجا من التفاهات والضلال .

وعندما تستعرض كتابات الصحف تدهش فأنت تري الصحافة مدافعة عن كل نظرية باطلة في علوم النفس أو الاجتماع أ الأخلاق فهي تدافع عن أدب الفراش والجنس , وتدافع عن العامية في اللغة وتدافع عن الشعر الذي يحطم عمود الشعر وتدافع عن الفرعونية وتذيع الترجمات الضالة المسمومة للآداب عن الخمر وتترك حيزا قليلا بعد ذلك لكلمات في الدين أو الأخلاق لا تخلوا من تهافت أو اضطراب بل إنها شاركت في إفساد المفاهيم الإسلامية بإثارة الشبهات التي قدمها الاستشراق والتغريب والغزو الثقافي ودافعت عنها وأفسحت الصفحات للشعوبيين وأصحاب الأهواء ليذيعوا آراءهم الفاسدة .

وكلما أمعنت في مراجعة مجلدات الصحف خلال هذه السنوات الطويلة ( 19481967) ( من النكبة والهزيمة إلى النكسة) يخيل إليك كأنما تتركز مهمة الصحافة في الدفاع عن هذه الركائز المسمومة الضارة التي أقامها النفوذ الأجنبي والاستعمار في أنحاء المجتمع الإسلامي وحمايتها والدفاع عنها والوقوف دون تحطيمها أو القضاء عليها .

هناك الدفاع الحار عن المسرح والفن والغناء والقصة والممثلات والمغنيات والراقصات والإشادة بهم والتحدث إليهم ونشر صورهم وأحاديثهم لا علي أنهم وسيلة من وسائل التسلية وإزجاء الفراغ ولكن باعتبارهم المثل الأعلي الذي يحتذي ب ويقتدي به إلى أن درجة أن أصبحت راقصة ما مثلا أعلى للمرأة المسلمة ومغن ما مثلا عاليا للشباب المسلم , في طعامهما وملبسهما وحديثهما .

بل وذهبت الصحافة إلى الدفاع عن هؤلاء الراقصات والمغنيات والممثلات وحمايتهم من النقد أو من الكشف عن فساد حياتهم الاجتماعية وذلك في سبيل الارتفاع بهم إلى مرتبة حيث تنشر عنهم بين حين وحين صفحات تمجيد وإعلاء وإشادة بالصوت الجميل والكلمة والموسيقي ,والمستمعين المخدرين بالحشيش في سهرات عاصفة تحشد لها الإذاعة والناس وياويل من يكتب كلمة في مهاجمة شئ من هذا سواء في مجال المسرح أو السينما أو الإذاعة أو التليفزيون فإن الصحف أولا لا تفتح له وإن فتح بعضها فإنها سرعان ما تثور ثورة عاصفة إزاء هذا التعرض لحمي الفن المقدس الذي لا يجوز أن توجه إليه أى عبارة امتعاض.

ويا ويل من يشير إلى فساد هذه المجتمعات أو انحرافها أو انحراف ما تقدمه من روايات ومسرحيات وأغان وحوار أو حتى مجرد الإشارة غلى الأخطار التي تحدثها في المجتمع .

وهناك تلك الصيحات المدوية لانتزاع المرأة من الأسرة ومن طبيعتها وهدم رسالتها وذلك بالحديث عن سبق المرأة في مجال الصحافة أو الرياضة أو العمل فالمرأة تتولي الوزارة , أو تتولي قيادة عمل ما , أو تسبق في مجال ما تهليل ضخم , فإذا نقص عدد النساء في البرلمان حزنت هذه الأقلام الضالة وأنحت باللوم على المتسببين , وإذا تحدث متحدث عن حق البيت أو لأسرة في عودة المرأة إليها ووجه هذا الاتجاه بالنقد الشديد ووصف بأنه رجعية ولم قدم احد المشايخ بناته إلى مجال الرياضة والعري صفقت له الصحف ووصفته بأنه تقدمي وجاء شيخ ضال آخر فأفتي له بسلامة عري بناته في نظر الشرع .

بل إن هناك ما هو أخطر من ذلك فإن هناك من الفنانين والفنانات من يساهمن في إنشاء الصحف أو من يدفعون مرتبات لصحفيين لامعي الأسماء حتى يدافعوا عنهم وينشروا أخبارهم ولقد بلغ الأمر برئيس مجلس إدارة إحدى الصحف الصحف أن أصدر قرارا بعدم نشر اسم فنان ما بعد أن أسرف رئيس التحرير في الكتابة عن هذا المعني وكانت هناك شركة من الكتاب قد اشترت هذا الفنان لعمل أغان ومسرحيات له وكان صديقه هذا ذو الاسم اللامع يقترض منه ألفا بعد ألف ويسددها له كتابات في يومياته .

(3)

إن مسئولية الصحافة في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ الأمة الإسلامية جد خطيرة ذلك أن الأقلام التي تسلمتها لم تكن وثيقة الإيمان بأمان الكلمة وبالتبعة الخطيرة التي تحملها إزاء الأخطار الخطيرة التي كانت تحيط بها وتتهدها انتقالا من النفوذ الاستعماري إلى النفوذ الصهيوني إلى النفوذ الماركسي ففي خلال هذه الفترة التي نحاول مراجعتها والحديث عنها نجد الصحافة وأقلامها المسموعة قد عملت من وراء الصورة الظاهرة التي تحمل طابع الحماس الوطني- على تعميق هذا النفوذ بنفس الأسلوب الذي اصطنعته الصهيوينة العالمية في الغرب حين سيطرت على مقدرات الصحافة والمسرح والسينما والأدب والفن وكل ما يتصل بالمجتمع والمرأة والأسرة وعملت فيه عملها لتدمير الأخلاق والأسرة بينما تركت الواجهة العامة السياسية للسياسيين ورجال الأحزاب والمجالس البرلمانية دون أن تتدخل فيها إيمانا منها بأن هذه الخطة هي الخطة القادرة على تغيير أعراف المجتمعات وهدمها دون مواجهة الإطار العام لقد بدأت هذه المرحلة في نفس الوقت الذي غزا فيه النفوذ الصهيوني والشيوعي البلاد الإسلامية من خلال واجهة الاستعمار الغربي حتى سقطت فسلطين في يد الصهيونية عام 1948 ثم سقطت القدس عام 1967 وكانت الهزيمة والنكبة والنكسة كلها ثمرة صحيحة لهذا العمل الخطير الذي قامت به الصحافة من وراء العمل السياسي الظاهر ونحن نذكر بلا ريب كيف أعلن الاستشراق منذ وقت بعيد أن الصحافة العربية التي أنشأها المارون في مختلف أنحاء البلاد العربية وتبناها أصحاب الولاء الفرنسي والأمريكي من بعد هي في حضانته وفي قيادته وطوع بأنه وانه أرسي قواعدها منذ يومها الأول .

ولقد استطاعت الصحافة العربية ( التي عملت في خدمة الاستعمار والصهيونية والشيوعية وعملت مع مختلف الأحزاب والهيئات في العالم العربي سواء في الدعوة إلى الإقليمية أو الطبقية أو الوجودية أو الماركسية أو الدفاع عن النفوذ البريطاني والفرنسي والأمريكي استطاعت أن تحقق هدفها الذي رسمه لها التغريب والغزو الثقافي بأن أصبحت لها واجهة وقناع أما واجهتها فهي الدفاع عن الوجهة الوطنية أو السياسية التي ترسمها السلطة الحاكمة أيا كانت هذه السلطة وقد عاشت الصحافة العربية في كل بلد عربي مؤيدة للنظام الموالي للنفوذ الأجنبي والوجود الإقطاعي ( الاستعمار والاستبداد) معا ) بكل أسوائه وفساده ومضت مبررة له وداعية إليه ما عاش هذا النظام فإذا سقط هذا النظام أو تغير سارعت بنقده وإبراز فساده والكشف عن أسوائه وإن كانت هي برجالها وصحفيها بأسمائهم اللامعة كانوا قادة هذا النظام ودعاته وكانت صحفهم من " عطاء " هذا النظام فالصحافة من هذه الناحية " الواجهة " موالية للأوضاع القائمة تمام الموالاة من الناحية السياسية بحيث لا تختلف مع السلطة الحاكمة ولا تعارضها ولكنها من ناحية أخري : " القناع " فهي مطلقة الحرية في الكتابات الاجتماعية ( الفن والمسرح والسينما والقصة والأدب والأسرة والمرأة والشباب) فهي تنطلق في هذا انطلاقا واسعا حرا فتنقل عن الصحف الغربية كل القصص المكشوفة والأحداث المثيرة وتكرم أسماء الراقصات والمغنيات وتنشر الشعر الخليع والروايات الجنسية وتكشف عن عصابة خطيرة من المجان يعملون من وراء الصحافة نفسها من أجل الوصول إلى قلوب رجال الأعمال والاقتصاد والحصول على الإعلانات عن طريق فتيات بارعات الجمال يتولين أمر " الإعلان " ويقدمن كل مثير في سبيل اقتناص الفريسة , وكذلك فتحت الصحافة من وراء السياسة والسياسيين أبوابا خطيرة لترضي القارئ وتقدم له ما يرغب إليه من أهواء الصورة العارية والنكتة الكاشفة والقصة الماجنة على أن يقدم هذا كله بأسلوب كله ذكاء ليكون كأنه واقع الحياة اليومية وليس كأنه قصص يروي أو ينقل من الكتب .

لقد اعتمدت الصحافة على الإثارة من أجل الكسب المادي أو المنافسة غير الشريفة ولكن من أجل هدف واضح محدد نصت عليه بروتوكولات صهيون , وهي تضير إلى مهمة الصحافة في مجتمعات غير اليهود " الجويم " أو الأميين من المسلمين والعرب وغيرهم لقد أخذت الصحافة أمانة أداء هذا الدور بكفاءة نادرة فجعلت الإثارة هي الأساس للعمل الصحفي كله وقصص الكشف والجنس والاهتمام بالمرأة من حيث تحرضها على الاندفاع وراء الرغبات والسخرة من القيم الإسلامية أو المسئولية الاجتماعية للطفل والزوج والبيت .

ولا يغرنك تلك الكلمات البراقة التي يقدمها بعض الكتاب في أبوابهم اليومية عن الاتصال بالله تبارك وتعالي أو الحديث عن الإيمان بالله فإن هذه كلها مداخل الشطان في الصحافة وهي أبواب الخداع التي تخفي الشباك في الصفحات التالية فإذا جد الجد نفض هؤلاء الكتاب أقنعتهم وبدوا في صورة المجاهدين من أهل تحرير المرأة وصفقوا لكل خير يرضي أهواءهم أو هاجموا من عارض آراءهم المهم أن يرددوا دائما أن الشباب حر لا وصاية عليه وأن المرأة حرة في كل تصرفاتها فإذا جاء مصلح ليقول كلمة الحق هوجم بعنف .

ولقد صورنا هذا المعني في كتابنا ( الفكر العربي المعاصر في معركة التغريب والتبعية الثقافية ) لقد فتحت الصحافة الطريق أمام مختلف الدعوات الوافدة وكانت لسانا حادا على كل من دعا إلى إصلاح أو اعتدال فهاجمت الدعاة إلى تأصيل مهمة المرأة والدعاة من قبل إلى إلغاء البغاء , واصطنعت أسلوب السخرية في مهاجمة كل باحث أو مصلح سواء عن طريق الكاريكاتير أو النكتة السياسية أو الاجتماعية .

وكان كتاب هذه الصحف يعمدون إلى إثارة الجماهير في مشاعرهم بترجمة القصص الفرنسية الماجنة وكتابة الفصول اللاذعة في مهاجمة القيم الإسلامية والعربة وتحوير معالم التاريخ الإسلامي على النحو الذي يصور بعض العصور على أنها عصور تحلل ومجون وفي ظل هذه الصحافة وحمايتها أعلن كثير من التغريبيين تحت اسم التجديد حمل لواء الأفكار الوافدة والدفاع عنها كما عمدت الصحافة إلى خداع الجماه وتضليلها عن خصيات لها دورها الخطير في دعم النفوذ الاستعماري والأجنبي أمثال لورنس وغردون وبلفور وهرتسل غيرهم كما عقدت لواء الزعامة لشخصيات غير صادقة الوطنية كما فعلت بالنسبة لسعد زغلول ولطفي السيد وقاسم أمين وساطع احصري كما حاولت أن تصور الثورة الفرنسية بأنها عمل بطولي بينما هي من عمل الصهيونية العالمة كذلك هاجمت الحركات الوطنية في البلاد العربية ووصفتها بالعصيان وانساقت في تيار الاستعمار الخفي فنشرت صفحات عما أسمته حقوق اليهود في فلسطين ودعت إلى العامة وتغاضت عن حملة التبشير الغربي التي هاجمت البلاد العربية ووصفتها بعض الأقلام بأنها زوبعة في فنجان .

(4)

إن الصحافة العربية في هذه الفترة ومسئوليتها في ( الهزيمة والنكبة والنكسة) ضخمة وعميقة قد عملت في تلك السنوات على تغيير أعراف هذه الأمة ونقلها عن طريق البث اليومي المسموم المنوع إلى أعراف وافدة مهدت لتدمير وجودها الأصيل الذي شكله الدين الحق .

ولقد أولت الصحافة اهتمامها بأشياء : فدعت إلى الخمر بالإعلان عنه وإلى علب الليل والربا وحما القانون الوضعي والنظام الاقتصادي الغربي .

بل إن أنيس منصور ( 10 -1 -1977 ) الأهرام علق على قرار شركة مصر للطيران بمنع توزيع وبيع الخمور على متن طائراتها بأنه قرار ضار سيسئ إلى سمعة شركة مصر للطيران في منافستها مع شركات الطيران العالمية كما حرصت على تقديم كل المسرحيات وأفلام السينما ( وفيها قدر كبير من العبارات المكشوفة والصور الخليعة ) بكل عجاب وتقدير , وشجعت كل ما يقدمه التليفزيون من أفلام الجنس وأحاديث اللغو والأغاني المختلفة في محتواها وأدائها دون أن توجه إلى هذه البرامج كلمة واحدة من الدعوة إلى الخير أو حماية أطفالنا وأبنائنا وفتياتنا من الصور والكلمات المسمومة التي تعرض عليهم كل مساء .

بل لقد أفسحت الصفحات الواسعة العريضة أمام أخبار الكرة حتى باتت بعض الصحف وهي لا تعتمد في توزيعها إلا على قراء أخبار الكرة بما تحمل من تفاهات .

وتقف الصحف موقف المعارضة لكل اتجاه سليم فهي في نفس الوقت الذي ترفض فيه نشر صورة نصف مليون حضروا صلاة العيد في ساحة من الساحات تنشر صور الذين زاروا حديقة الحيوان باحتفاء كبير ومن خلال تلك اليوميات التي يكتبها لويس عوض وتوفيق الحكيم ومصطفي بهجت بدوي وحسين فهمي تبدو محاولات لفرض مفاهيم زائفة وأفكار " تافهة " على الشباب لا توجهه إلى التسامي والمثل الأعلى ولكنها توجهه إلى البحث عن الأمور الصغيرة الحقيرة .

بل إن هناك محاولة لترويج أفكار الباطنية والمجوسية القديمة على أنها أدب ذلك بالحديث عن شعر ابن الفارض والحلاج .

ولسنا نعجب حين نري مصطفى أمين وزكي عبد القادر وإحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ وراءهم يشكلون مفهوما خطيرا يبثونه يوما بعد يوم:

أولا : نظرية تحديد النسل والتهويل من شأن التفوق البشري في العالم الإسلامي وهي نظرية صهيونية .

ثانيا : إطلاق حرية المرأة وهي نظرية صهيونية أيضا .

ثالثا : الكتابة عن الجنس والإباحية وتحويل القصة إلى مفهوم عام ( وتدهش حين تري بعضهم وقد بلغ السبعين أو قاربها يكتب قصصا جنسية مثيرة ويتطرق إلي جوانب من وحي شيطان الإغراء والفساد ) .

رابعا : تكريم الراقصات والمغنيات والممثلات وإعلاء شأنهن .

خامسا : تقديس المسرح تحت اسم الفن .

سادسا : تشجيع الكرة .

ولا تدهش حين تجد هناك عبارات موحية جد خطيرة يراد إذاعتها أو إذاعة مضامينها كان تجد على أمين يقول في عنوان ضخم لمقال له :

( لص شريف في حجرة نوم كل زوج )

ولقد خدعت الصحافة حين روجت لنظريات تلمودية ضالة في شأن التربية والشباب وحين قالت أن المنحرفين ضحايا وليسوا مجرمين مستهدفة القضاء على أسلوب التربية الذي يقوم على بناء الشباب منذ الطفولة في داخل الأسرة ومن أمثال ذلك تري جريدة الجمهورية تترجم كتاب ( بنيامين فاين ) الذي يتحدث عما أسماه الموجة العاتية من الانحراف التي تجتاح براعم الشباب في محاولة لبذر مفاهيم مسمومة في مجتمع آخر مختلف تمام الاختلاف عن مجتمعنا .

وكل الذين تحدثوا في هذا الموضوع حاولوا تبرير الخطر نفسه :

( خطر نوبة استهتار الشباب بسلطان الآباء الأهل والمدرس والمدرسة وآداب المجتمع وقوانينه مما أدي إلى وقوع الجريمة )

والكلمات كلها إيحاء وقد عولج الموضوع وفق المخطط الذي فرضته بروتوكولات صهيون وهو انه لا تثريب على الشباب لأن المسئولية على المجتمع وأن الأزمة عالمية تجتاح الأمم كلها , وردد هذا توفيق الحكيم ومحمد حسنين هيكل ونجيب محفوظ , وفق مخطط منظم يحمل نغمة واحدة وتجوهلت تماما وجهة نظر الإسلام والفكر الإسلامي التي تنظر إلى الأمر من ناحية بناء الأسرة ومسئولية الأب والأم واختلاف البيئة والدوافع والأساليب بين المجتمعات الغربية والمجتمع الإسلامي العربي وتجوهلت الفقرة التي أوردتها البروتوكولات والتي تقول أنه لابد من تدمير شباب الأجيال الجديدة في الأمم حتى تستطيع أن تستولي عليها ونحن نعرف مصدر الانحراف في شباب المجتمعات الغربية وكل ما يتصل به وهو لا ينطبق على مشكلتنا ولا على شبابنا ولقد زرعت التلمودية في البيئات الغربية عن طريق القصة والمسرح كراهية الأب والحقد عليه والدعوة إلى مقتة والدعوة إلى عدم توجيه الشباب الجديد وتركه لطبيعته عملا بنظرية فرويد في الكبت وقد تبين فساد هذه الوجهة ولكن القوي التلمودية ما تزال قادرة على دفع المجتمعات الغربية في طريق الدمار .

والواقع أن الآباء في الغرب قد فقدوا مسئولياتهم تماما إزاء الأبناء وعجزوا تماما أن يقدموا المثل الصحيح لهذا الشباب نظرا لأنهم غرقوا في انحرافات خطيرة وكذلك الأم فعلت نفس الشئ عندما وجدت الرجل قد انحرف فالصورة التي يجدها الشباب في الأسرة سواء للأب أو للأم منحرفة ومضطربة ولذلك فهو يحتقر هذه الأبوة وهذه الأمومة .

والانحراف لا يقتصر على أبناء الأسرات القليلة الدخل وحدها وإنما يرجع إلى إهمال الآباء وضعف حنان الأم ورعايتها وانهيار الأسرة وتفككها حين يهمل الأب أسرته بالسهر والانحراف وحين يوحي ذلك غلى الأطفال بأن الأب نبذهم وهجرهم , كذلك فإن من مقاتل الأسرة في الغرب ( واليوم في مجتمعاتنا) الانغماس في الظهور في المجتمعات والحفلات السهرات وإهمال الأبناء وتركهم في أيدي الخدم والمربيات الجاهلات مما لا يمكن أن يعوضه حنان الأمومة ولا توجيه الأبوة هذا الطفل الذي يجد والديه مشغولين عنه لا يلب ثان يبحث عن قضاء أموره وفهم قضاياه خارج البيت فينزلق إلى صحبة الأشرار .

هذا القول الصحيح لا نجد صحافتنا تعني به أو تواجه به القضايا المثارة لأنها لا تريد أن تقوله ولأن الذين يوكل إليهم حل مشاكل الشباب والرد على خطابات المتسائلين في المجلات الاجتماعية وغيرها هم أناس لهم انتماء وجودي أو ماركسي فهم لا يستطيعون تقديم وجهة النظر الصحيحة أو الخالصة وهم يفسرون الأمور من وجهة نظر مسمومة هي وجهة نظر فرويد وماركس ودرو كايم .

كذلك فإن الصحف لا تسمح بتقديم مفهوم الإسلام أن يعلو أو يظهر وهم يسمونها " رأى الدين " وهي عبارة كريهة بادية السوء لأنها توحي بأن ما يراه الدين ليس إلا رأيا أو وجهة نظر وهي واحدة من عدة وجهات نظر وهو أمر غير صحيح فما كان حكم الإسلام رأيا يؤخذ به أو يترك وليست أحكام الإسلام مما يمكن أن يستبدل بها رأي الفلسفة أو رأي علم الاجتماع أو رأي علما الاقتصاد أو غيره إنما هو الدين الحق خطاب خالق الكون كله وحقه عليهم وحدوده وتكليفه الذي لا سبيل إلى تجاوزه ولكن الصحافة لا تقر هذا المفهوم ولا تفسح لحكم الإسلام مكانه الحقيقي لى صفحاتها أما ما تقدمه تلك السطور التي يطلق عليها اسم الصفحة الدينية أو ما يشابه ذلك فإنها لا تقدم إلا تلك المقولة المغلوطة التي تقول إن الإسلام دين عبادة وصلاة وصيام .

أما مفهوم الإسلام الحقيقي بوصفه دينا ودولة , ودنيا ومنهج حياة فإن الصحافة قلما تعني به لأنه معارض لاتجاهها كله فهي لا تري في الإسلام إلا أنه دين من الأديان التي يتصل أمرها بأمور لا تلزم الصحافة بشئ . ولا ريب أن الصحافة بأسلوبها السياسي والاجتماعي تعارض الدين الحق من عدة وجوه فهي لا تقدم الحقيقة كاملة لأنها تتحدث عن وجهة نظر وانتماء لا يمكنها من أن تقدم كل شئ , ولأنها تري مذهب ميكافيلي في التعامل , وفلا تقيم للأخلاق وزنا ولا تجد عندها القدرة على أن تتراجع إذا بدا لها وجه الحق , ولها وسائلها الملتوية وعباراتها الخادعة في إخفاء حق أو توجيه خبرا أو تجاهل واقع ولقد وصف المرحوم مصطفي صادق الرافعي الصحافة فقال :" لو عرفت الصحافة وأهلها لرأيت أن العمل فيها أشق الأعمال على النفوس الكريمة فهذه ليست صحفا وإنما هي حوانيت تجارة"

ولقد سقطت الصحافة فيتلك السنوات في أيدي اليساريين فانحرفت انحرافا شديدا وهزمت فيها القيم هزيمة منكرة وعورضت كل مفاهيم الدين والأخلاق ولم يكن الشيوعيون وحدهم ولكن كان معهم الماسونيون والتلمود يون والبعثيون وكل أعداء الإسلام العرب وذد تجمعوا في صعيد واحد.

ولقد سحق تيار الشيوعيين في هذه الفترة كثيرا من أهل الأصالة وأهملهم ووضعهم في الظل ولم تستطيع الصحف أن تجد مجالا لكلم واحد عن الأخلاق والدين إلا ما كان ينشر تحت رقابة شديدة في مجلة منبر الإسلام يحمل توجيهات الخصوم للدعوة الإسلامية ورجالها وإلى دعوة التضامن الإسلامي .

وفاجأ الناس الدكتور صفي الدين أبو العز وزير الشباب بكلمته المسمومة حين هاجم التراث الإسلامي ووصفه بالجمود والرجعية وتبعه الدكتور يوسف إدريس فدعا إلى حرق التراث .

وجاءت كتابات [[لطفي الخولي]] وأحمد عباس صالح وأحمد عبد المعطي حجازي وعبد الرحمن الشرقاوي لترسم محاولة ماكرة في أن تجعل للشيوعية الإشتراكية والماركسية جذورا في الفكر الإسلامي وفي محاولة لتفسير تاريخ الرسول والصحابة على نحو تقسيمهم بين اليمين واليسار وجرت محاولات الرسول والصحابة والتقاط كلمات وعبارات وإخراجها عن سياقها وواقعها من كتابات عبد الله النديم وجمال الدين ومحمد عبده ورفاعة الطهطاوي وعبد الرحمن الكواكبي لمركسة مفاهيم الإسلام كما جري الاتكاء علي تيارات مشبوهة كان أصحابها أولياء للنفوذ الأجنبي والاحتلال والاستعمار أمثال شبلي شميل وأديب إسحق ويعقوب صنوع وفرح أنطون وأمين الريحاني وجيران وهو تيار مشوه يجب الكشف عن زيفه وانحرافه .

وجرت المحاولة لجعل كلمة الإشتراكية من مفاهيم الإسلام كما حاول الاستعمار من قبل في كلمة الديمقراطية ( اقرأ كتاب العقاد)

كانت الغاية هي تقديم اليسار على طبق إسلامي وهي محاولة ضالة ثبت فشلها وسرعان ما هزمت بالرغم من نفوذ الصحافة الماركسية أفسحت الصحافة العربية في هذه لفترة صفحاتها للدفاع والدعوة لعدة قضايا مسمومة :

أولا : مفهوم القومية الوافد المفرغ من القيم العربية والإسلامية

ثانيا : مفهوم الماركسية والتفسير المادي للتاريخ .

ثالثا : مفهوم الإباحية والجنس والكشف والإلحاد .

وهكذا صبت صحافة النكسة السموم عن طريق الأقلام الشيوعية والمادية والوجودية .

ولا ريب أنه كان لهذه الكتابات مسئولياتها الخطيرة في الهزيمة والنكبة والنكسة وفي الوصول إلى مرحلة التسليم والتقبل والاحتواء للنفوذ الأجنبي ممثلا في الشيوعية والصهيونية ( هذه المرحلة التي عاشتها البلاد العربية قبل العاشر من رمضان ) .

ولقد دحرت بشدة تلك الأقلام التي حاولت أن تكشف هذه الأخطار ممثلة فيما نشرته مجلة الرسالة عن لويس عوض ودور جريدة الأهرام وأغلقت تلك المجلات الثقافية لأنها كانت تعمل على طريق الأصالة وجرت إلى ذلك محاولة إحياء الماضي الفرعوني والإغريقي والجاهلي العربي وتمجيده وبعث الأساطير وإعادة صياغة الوثنيات والفلسفات السريانية والمجوسية والباطنية وإحياء عشتروت وزيوس وباخوس والهدف هو هدم التصورات الإسلامية وإخراجها من مفاهيمها الأصيلة والتشكيك في هذه التقولات وإخضاعها للمفهوم الماسوني الوثني القديم والحديث الذي يختلف بل ويتعارض مع مفهوم التوحيد الإسلامي .

واستغل الماركسيون رفاعة الطهطاوي كما استغله اللبيراليون لأنه تأثر بالفكر الغربي وبالدعوة إلى الوطنية وأعجب بمظاهر الحضارة الغربية وخاصة الرقص الغربي وتنافس عله خصوم الإسلام ودعاة الشيوعية جميعا .

وهوجم عزيز أباظة عندما أثار في حفل توزيع جوائز الدولة مسألة الفصحي هاجمه الشيوعيون بقوة وشراسة هاجمه صلاح جاهين وصلاح عبد الصبور . وقال صلاح عبد الصبور :" إنه رجل سلفي يؤمن بالجمود ويتحدث عن التطور كارها وقد فاته أن التعبير بالعامية لا يعادي اللغة العربية وقد نسي أو تناسي أو سمة منحت لصلاح جاهين وسعد وهبة ومرسي جميل عزيز وهم من كتاب العامية والقضية ليست قضية إطار لغوي ولكنها قضية تعبير عن العصر وفي هذا يتساوي من يعبر بالفصحي وأنا منهم ومن يعبر بالعامية مثل كتاب المسرح والأغنية واللغة العامة لغة تعبير موفقة في كثير من الأحيان ومكملة للعربية في كثير من الحالات .

وهكذا أفسحت الصحافة لمهاجمة الفصحي والدفاع عن العامية ووصفها بأنها لغة ولم يظهر رجل رشيد يدحض هذه الكلمات المليئة بالمغالطة والانحراف حين يري أن كل مدافع عن الفصحي سلفي مؤمن بالجمود أو دعواه الباطلة بأن التعبير بالعامة لا يعادي الفصحي .

وهكذا كانت الصحافة وعاء لكل تلك السموم وهددت الصحافة البشرية بالمجاعة موالية بذلك دعوي الرأسماليين وأصحاب الملايين اليهود وعارضت تطبيق الشريعة الإسلامية وغضت من شأنها وفتحت صفحاتها لكل من يستطيع أن يثير الخلاف أو يقدم الرأي الذي نتقص من الشريعى .

وحملت ترجمات القصص الأجنبية المكشوفة أمثال أزهار الشر وصورة دون جراي وهكذا تكلم زرادشت وعشيقة اللورد شترلي , وفتحت صفحاتها أسبوعا لترويج هذه السموم المكشوفة والصور الفاضحة .

وبالجملة فإن الصحافة العربية في فترة ( الهزيمة والنكبة والنكسة) - 19481967 التي نؤرخ لها وقد حملت كل الأفكار التي طرحها الاستعمار والتغريب وروجت لها وأشادت بها وقطعته أشواطا طويلة في الدعوة لها والدفاع عنها والإلحاح بها والبث يوما بعد يوما وفي مقدمتها الإشتراكية , الديمقراطية , القومية , الوطنية , وكلها مستمدة من مفهوم غربي من شانه أن يمزق الوحدة الإسلامية الجامعة وكان أغلب زعماء الصحافة في هذه الفترة ماسونا ومن غير دين الأغلبية يهودا وكاثوليك وموازنة ثم جاء من بعدهم أتباع الروتاوي وأولئك عن التفرقة بين الإشتراكية والشيوعية وبين الصهيونية واليهودية .

وهي التي والت النفوذ الأجنبي على مختلف جبهاته : فرنسيين مع فرنسا وإنجليز مع بريطانيا وأمريكيين مع الولايات المتحدة وروسا مع الاتحاد السوفيتي وهم من وراء ذلك موالون لما هو أشد خطورة للماسونية العالمية التي تربط بين الرأسمالية والشيوعية والصهيونية برباط خفي وهي التي حملت على رجال الدين وعلى الأزهر وعلى كل صيحة إسلامية وشوهت الأسماء اللامعة بالسخرية منها بالنكتة الفاضحة والكاريكاتير السخيف .

وهي التي أخفت كل الحقائق حتى يظل النفوذ الأجنبي قادرا على العمل خادعا للمسلمين وكم من حقائق وتصريحات لقادة عالميين كبار ويهود وغيرهم تكشف عن مخططات يراد بها هدم الإسلام أو تدمري المسلمين عملت الصحافة على تجاهلها ثم كشفت عنها الحقائق من بعد , وقد كانت الشخصيات التي حاربت الإسلام وخدعت العرب والمسلمين موضع الصحافة العربية من أمثال لطفي السيد وسعد زغلول وساطع الحصري وطه حسين وقاسم أمين وعلى العكس من لذلك كان كل المجاهدين العاملين من أجل إعلاء كلمة الله موضع تجاهلها والإغضاء والإنكار

الباب الأول: المرأة والصحافة

أولت الصحافة ( اليومية والأسبوعية ) اهتمام كبيرا للمرأة وظهرت صحف متخصصة لقضايا المرأة ( حواء والشرقية ) وغيرها تحمل هذه الأبواب الثابتة ذلك الفكر الذي يعتمد على مفاهيم مضللة عن حرية المرأة وعمل المرأة من خلال مفهوم يقوم على الهجوم الدائم المتصل على كل الدعوات التي تحمل لواء مسئولية المرأة في المنزل ورسالتها الحقيقية في الأسرة والزوج وتربية الأبناء وتركز على مجموعة من المفاهيم الخاطئة كالقول بأن عمل المرأة من شأنه أن يزيد دخل الأسرة ماديا وأن المرأة تعاون الزوج في نفقات البيت ثم تركز على مسائل الأزياء الجديدة وكل ما يتصل بالزينة والملابس والإغراء وهي تتمثل بأن هناك عداء للمرأة يحمل لواءه الرجل , وأن نظم الزواج والطلاق لا تحقق للمرأة رغبتها في التحرر وامتلاك الإرادة والقضاء على ما يسمي بالقوامة وتستمد هذه الكتابات مفاهيمها من دعوة منحرفة تقودها منظمات عالمية هي في الأغلب على صلة بالصهيونية العالمية وتعتمد على عبارات مسمومة ما يتردد في كتابات بعض دعاة الهدم أمثال سيمون دي بوافوار وفرنسوا ساجان وكثيرات ممن يجرين في نفس الفلك وهي في مجموعها مفاهيم ودعوات لا تمثل طابعنا العربي الإسلامي ولا تصلح لمجتمعنا .

ولعل مجلتي حواء والشرقية هي اشد المجلات عنفا وجرأة في هذا المجال حيث تشن حملات متسمرة شديدة متصلة على كل قيم الإسلام وقد حملت حملات واسعة على حركة العودة إلى الله التي ظهرت في مجال الطالبات الجامعيات والدعوة إلى الزي الإسلامي ووصفت هذه الحركة بكل تحقير كما أعلنت خصومتها لكل دعوة إلى الملابس المحتشمة أو أخلاقيات الملابس وسخرت من القائمين بها , كما حملت على القائمين على حدود الله في أمور الطلاق وتعدد الزوجات .

وقد بدأت صحافة المرأة في صورتها الأولي في مجلة روزاليوسف حيث حرصت هذه المجلة في سنواتها الأولي تحت اسم الفن وأهله على تمييع الخلق الإسلامي وتذويب الشخصية الإسلامية وضرب القيم الإسلامية عن طريق تقديم قصص مكشفة من ناحية والبحث عن أسرار البيوت الكبرى والإفاضة في الحديث عن الساهرات والراقصات وعن فنون الغواية حتى بدا أن هذه هي صورة المجتمع الطبيعية وكان لهذا كله أثره الخطير على تفكير المرأة العربية المسلمة ووجدانها .

إن ميدان المرأة في عالم الصحافة هو أكبر ميادينها وأوسعها مجالا لتقديم مادة الغزو الفكري واستغلال عواطف المرأة كقارئة ( سواء كانت أما أو زوجة أو طالبة" ودفعها دفعا إلى مجموعة من الأفكار تختلف كثيرا وتتعارض مع المفاهيم الأصيلة التي تحفظ كيان المرأة من الأخطار , وهي تقتحم هذه الميادين المليئة بالأخطار سواء في مجال العمل أو في مجال التعليم أو في مجال الاختلاط أو في مجال العلاقات الاجتماعية بالأصدقاء والجيران والزملاء .

ولن تجد واحدا من البارزين في مجال الصحافة العربية إلا هو من أكبر المتحمسين لهذه المفاهيم التي تحرض المرأة على الانطلاق والتخفيف من مسئولياتها في البيت والزوج وإنكار هذه التبعة والإغراء بالأجور المماثلة للرجل بما يوحي أن المرأة ما دامت تعمل وتكسب فإنه لا سلطان للرجل عليها أو أن هذه المقدرة المادية تستطيع أن تغير وضعها من الرجل بحيث يكون لها أن تكسر قوامته ولا تستسلم لإرادته ولا تعترف بأن له الرأي الأخير في أمر الحياة الزوجية المشتركة وفي هذا خروج واضح وأكيد ن قانون الزوجية الذي يعطي الرجل درجة بالمسئولية وكلمة نهائية في الأمور الأسرية من أجل دوام هذه الرابطة واستمرارها وسلامتها على المدى الطويل .

وما تزال المجلات النسائية في كمصر والبلاد العربية تحتضن في أعماقها خلفية من الكراهية للمفهوم الإسلامي وتعليما واضحا لبث هذه السموم يوما بعد يوم من خلال كل الموضوعات التي تعرض والمناسبات التي تمر تري ذلك واضحا في مجلات الشبكة وحواء وروزاليوسف والموعد وأخبار اليوم ( وتوزع مجلة الموعد والشبكة 30 ألفا في مصر و40 ألفا في الجزيرة والخليج ) .

وإليك بعض العناوين : ( راقصة تنتحر في منزل صديقها الطالب لأنه رفض أن يحضر لها المأذون ) الصفحة الأولي بالبنط العريض ( أخبار اليوم) 29 يونيه 1963 .

( خرجت التلميذة من جحرها وأصبحت تسافر للخارج بمفردها : جربوا هذه الفكرة ) أخبار اليوم 4 -5 -1963 أيهما أجمل بنت الأمس أم بنت اليوم ( الأخبار 19 -6-1965 ) موضة فوق الركبة ( 14 – 8 -1965 الأخبار ). انظر إلى زوجتك على أنها زوجة رجل آخر وسوف تجد أنها رائعة ( الأخبار 26 -8 – 1961 ) أجمل من رأيت في شارع كذا ( عنوان أسبوعي دائم تقديم من خلاله مجموعة من الأفكار التافهة مع صورة فتاة في مظهر غير لائق )

هكذا اندفعت الصحافة في مجال هدم الأسرة وتحطيم كرامة المرأة .

(2)

لقد حرصت الصحافة العربية على أن تغير العرف الإسلامي العام في مجال الاجتماع والمرأة والأسرة والعلاقة بين الرجل والمرأة مستهدفة تحطيم ذلك الحاجز القوي الذي أقامه الإسلام على أساس المحافظة على العرض والبكارة والشرف والخلق حين دعا إلى حماية كرامة المرأة بالفصل بينها وبين الرجل في المجتمعات ودوائر الأعمال وفي لقاء البيوت والأسر وهذه المحاولة التي قامت بها الصحافة لا ريب خطيرة ولها أثرها السريع في تحطيم العلاقات الأسرية وإفساد العلاقات الاجتماعية والقضاء على سعادة كثير من البيوت . ولا ريب أن المرأة تري في تلك المحاولة البراقة التي تقوم بها الصحافة صورة الحرية وعلاقة التحرر والانطلاق والقدرة على تحقيق رغباتها الفردية في الاتجاه الذي ترضاه وترغب فيه والذي تقودها إليه أهواءها وتطلعاتها ولكنها حين تندفع نحو ذلك لا تسير في الطريق الصحيح ولا تتجه نحو الحرية الحقيقية وإنما تتجه نحو الأسر والعبودية و تجعل من امتلاك إرادتها وسيلة للاسترقاق من حيث إن هذا الاتجاه لن يعطيها الأمان ولا السعادة وأن الذي يعطيها ذلك بحق هو طريق الإسلام المضئ المشرق الواضح الخالي من كل المؤامرات و العثرات هذا الطريق الذي رسم لها الضوابط وحملها من أن تكون قينة أو رقيقا أو مستعبدة لأهواء الرجل ومطامعه .

إن الإسلام قد أعطي المرأة من الحقوق ما تزال المرأة الغربية تجاهد من أجل الحصول على مثله أعطاها الحق الكامل في إدارة أموالها مستقلة عن ولاية زوجها وعلى الزوج أن يدفع لها المهر والنفقة ولا ريب أن ما تحاول الصحافة أن تسوق المرأة إليه إنما يرجع أصلا لفساد الأساس وهو التعليم والتربية التي قامت على أساس علماني بعيد عن مفهوم صحيح لمهمة المرأة ودورها الحقيقي ولا ريب أن تربية المرأة وتعليمها يعد عبثا ما لم يستهدف أمورا ثلاثة : تربية أنوثتها فهي هبة الله الكبرى وتربية أمومتها فهي جوهر ذاتيتها وتربية ذوقها فهو مفتاح شخصيتها .

وتنطلق النظرة الغربية الوافدة التي تحمل الصحافة العربية من خلفية آثمة تستهدف إخراج المرأة ممن دائرة حياتها الحقة : من مكانها الأصيل لتكون أداة التسلية والهوى والإفساد للمجتمعات حسبما تصور ذلك بروتوكولات صهيون تحت اسم تحرير المرأة وحقوق المرأة, فهي تجعل منها ألعوبة ووسيلة معا تدفعها إلى الخروج من الفطرة والأصالة لتكون وسيلة إلى إثارة غرائز الشباب واجتناب الشهوة المحرمة تحت اسم الحب والصداقة البريئة وتضخيم الإحساس بالجنس والوصول من ذلك غلى مجموعة من الأغراض والمكاسب الاستعمارية التي تعمل على تثبيت النفوذ الأجنبي واستشرائه وقد أكد كثير من الباحثين أن المرأة ما تزال سلعة يتلاعب بها يهود العالم وأن الصحافة هي وسيلتهم الكبرى في ترويج هذه السلعة .

إن من أشد مقاتل الصحافة ومصادر اتهامها أنها لا تقدم الحقيقة للمرأة وإنما تفضل أن تقدم لها الرأي المضل الخادع الغاش وأنها تخفي الحقائق الأصيلة فهي تحول بينها وبين التعرف على الواقع المعاش وهي نتائج واضحة تكفي حين تعرض أن تصرف المرأة عن هذا الأسلوب الوافد ومع الأسف فهي حين تحجب هذه الحقائق – لأنها تتعارض مع هدفها الأساسي في التدمير انسياقا وراء الغاية التي تخفيها – تكثر من تقديم كتابات الغرب الداعية إلى الفساد وتتجاهل عمدا عشرات الأبحاث الجادة التي تقول الحقيقة وتكشف عن فساد الواقع المعاش ذلك أن عشرات من كتاب الغرب المنصفين الغيورين على مجتمعاتهم قد كشفوا حقائق خطيرة ولكن صحافتنا عمدت إلى حجب هذه الدراسات لأنها ضد هدفها المدمر .

وفي أشياء كثيرة تكشف الوقائع والأبحاث الجادة والإحصائيات فساد ما تدعو إليه الصحافة وخاصة من وجهة نظر المجتمعات الغربية التي تنقل عنها صحافتنا .

أولا : في مسألة عمل المرأة وحريتها :

فقد كتب في هذا عديد من الباحثين في مقدمتهم الدكتور ألكس كاريل في كتابه " الإنسان : ذلك المجهول " وعدد من السيدات وبعض الدارسين في مجال الإحصاء . وأمامي كتاب السيدة مارتن باولي : ماذا حدث للإنسان في الغرب حيث تقول : لقد انهارت سلطة الأسرة ودمرت الوفرة كل الأفكار العظيمة .

إن الزوجة التي تعتبر آخر حجر في بنيان سلطة رب الأسرة بدأ وضعها يتغير أولا: بالتمرد على الالتزامات التي توثقها بالأسرة وثانيا : باندماج عدد كبير من الزوجات في العمل خارج المنزل مما يخضعهم لسلطة أخري هي سلطة المؤسسات وقوانينها ثم تزايد معدل الطلاق بحيث أصبح في طريقه لأن يصل إلى 50 في المائة من عدد الزيجات وصورة المنزل التقليدية تغيرت هي الأخرى وأصبحت مجرد خيال ... حتى العلاقة بين الآباء والأبناء أصبحت تعصف بها الشكوك .. إلخ .

وهنا دراسات أخري لعدد من السيدات وبعض الباحثين والدارسين في مجال الإحصاء كشفوا عن فساد الاتجاه الغربي المنحرف الذي ما زالت تتبناه صحافتنا وتقدم جوانبه التي تدفع إلى التدمير وتحجيب الحقائق عامدة :

ثانيا : في مسألة تحديد النسل :

كشفت دراسات كثيرة عن فساد الدعوة إلى تحديد النسل وكيف أن الغرب يدعو إلى ما يضادها من تشجيع النسل وكيف أن قادة الدين المسيحي رفضوا الموافقة على تحديد النسل .

وكشفت الأبحاث عن أخطار للأسرة وللعلاقات الزوجية نتيجة حبوب منع الحمل ولكن صحافتنا تحجب هذه الجوانب .

ثالثا : في مجال قضايا الشباب والأسرة :

كشفت دراسات كثيرة وفي مقدمتها ما كتبه برتراند رسل عن فساد الأسرة والواقع والمجمع الغربي الذي تصوره لنا الصحافة العربية بصورة براقة وتدعونا إلى اتخاذه مثلا أعلي ونبراسا .

إن الصحافة العربية متهمة بأنها تخفي عن قومنا أن المرأة في الغرب تجأر الآن بالشكوى وتطلب العودة إلى البيت ولكن إذا جاء رجل مثل سعد الدين الشريف وطالب بعودة المرأة إلى البيت في نظير أن تحصل على امتيازات كثيرة قامت في وجهه العاصفة وخرجت الأقلام كلها ترفض أن تعود المرأة لمهمتها الأساسية : تربية أطفالها , وإن كان ذلك يحقق لها أن تحصل على نصف مرتبها ويعفيها من متاعب الخروج الباكر والعودة المتأخرة وتنرك بيتها وأولادها وزوجها في أيدي الخادمات والحاضنات .

(3)

لا ريب أن المحاولة التي يقوم بها النسائيون دعاة تحرير المرأة في العصر الحديث لم تكن في الحقيقة إلا لحساب النفوذ الأجنبي وعلى حساب الأسرة المسلمة وحسابها المرأة نفسها فإنها محاولة مسمومة مضللة عمدت إلى تقديم مجموعة خاطئة من المسلمات ثم مضت تركز هذه المفاهيم خلال تلك السنوات الطويلة من قنوات الصحافة والإذاعة والسينما والمسرح والقصة وهي في مجموعها ترمي إلى خلق عقلية مضللة للمرأة تصورها بصورة القادرة على الحياة في المجتمع خارج نطاق الزوجية والأسرة والأمومة ومن حيث هي قادرة ماديا على أن تجد وردها الذي يعيش به , ومن حيث إن هذا القدر يعطيها الحق في أن تختار الطريق الذي ترضاه في الحياة الاجتماعية دون أن تعبأ بتلك الضوابط والحدود والأعراف التي رسمها الدين الحق كذلك فإن إباحة موانع الحمل والإجهاض كان عاملا هاما باعتراف دعاة التغريب والمخططات الصهيونية والتلمودية – في فتح الطريق أمامها إلى كل الرغبات والأهواء التي ساقها إليها الرجل ومن ثم أصبحت الفتاة قبل الزواج أو بعده قادرة على ممارسة كل رغباتها في ظل موانع طبية موفورة تعيد دم البكارة الأحمر إلى مكانه كما تحول دون حدوث الحمل .

ويمكن تلخيص عمل الصحافة في سبيل إفساد فطرة المرأة المسلمة في ميادين مختلفة :

أولا : في مجال الدعوة إلى حريتها الزائفة والتهليل والتصفيق لكل امرأة وليت عملا من الأعمال مناديه في البورصة سائقة تاكسي كناسة في شوارع روسيا .. إلخ .

ثانيا : خنق جو التبرج الصارخ والخروج عن الفطرة بالدعوة إلى موضات الملابس المتعددة حيث تدفع بيوت الأزياء كل يوم صنفا جديدا أكثر تبرجا وإبرازا لمحاسن المرأة وأكثر إغراء للرجال وقد وقف وراء بيوت الأزياء ووسائل لزينة والإغراء والدعاية يهود وسماسرة للجنس .

ولا ريب أن المرأة المسلمة لا تخضع لهذه التيارات وتختار لباسها المناسب طبقا لمعتقدها دون التقيد بأزياء العصر وغايتها هي الستر والحشمة والكمال كذلك فإن الإسلام يدعو المرأة إلى عكس ما تدعوها إليه الصحافة يدعوها إلى إغماد سلاح الفتنة أمام الرجال حتى لا تكون عامل إغراء وحين تدعو الموديلات إلى الملابس الضيقة يدعو الإسلام إلى الملابس الواسعة التي لا تشف ولا تصف وحين تدعو الصحافة والأقلام السينمائية إلى إيقاد الشهوات يدعوا الإسلام إلى تبريد العواطف .

ثالثا : تعمل الصحافة لتحقيق هدف خطير : هو دمج الرجولة في الأنوثة وتتحويل الأنوثة إلى رجولة والعكس , وذلك في نطاق ما أطلق عليه شياطين الصحافة " الجنس المشترك" وبالدعوة إلى إغراء الشباب بإطلاق الشعر في نفس الوقت الذي يدعون فيه إلى أن تقص المرأة شعر رأسها لتكون (ألاجرسون) أى غلمانية وكذلك بالدعوة إلى إلباس المرأة الجلابية الرجالي وإلباس الشباب القمصان الملونة الصارخة والأحذية العالية .

والإسلام يحتم الفصل الدقيق والعميق بين الرجولة والأنوثة ولا يقبل اختلاطهما بأى حال من الأحوال وقد حرص الإسلام على أن تحتفظ المرأة بكل مقومات الأنوثة وفلا تخوض المجتمعات العامة ولا تعرض مفاتن جسدها على الأنظار .

رابعا: إن دعوة الصحافة إلى إغراء المرأة باتخاذ حبوب منع الحمل هذه الدعوة تحمل في طياتها خطرا شديدا فقد أشارت أبحاث العلماء أن انتشار أقراص منع الحمل بدون رقابة أدي إلى انتشار الصلات الجنسية المحرمة ( الزنا) دون تحفظ ولا خوف مما نتج عنه تزعزع أركان الأسرة ومن ثم لم تعد الفتاة الغربية ومثلها الشاب يرون الزواج وتكوين الأسرة ضرورة اجتماعية .

خامسا : أشار تقرير عصبة الأمم ( 1927) إلى أن الدعوة إلى حرية المرأة وإطلاقها من ضوابط الدين الحق : قد خلق طائفة من الفتيات يجد سماسرة الأعراض بينهن موردا عظيما لا ينضب وهذه الطائفة هي الممثلات والراقصات وفتيات المسارح والحانات وأمثالهم . ومما يدعو إلى الأسف أن كثيرا من مديري تلك المسارح والحانات يشترطن في الفتيات اللائي يستخدمونهن ألا يرفضن بيع أعراضهن إذا طلب منهن ذلك وقد يتمادون إلى حد أن يشترطوا عليهم ذلك كتابة في عقود استخدامهن.

سادسا : أن الصحافة عن طريق نشر عشرات الحوادث على طريقه الإغراء بها وعشرات القصص وما تنقله عن المجتمعات الغربية إنما تستهدف أن تبدو العلاقة غير الشرعية في نظر الفتيات سهلة يسيرة بل ومقبولة ويحاول بعض كتاب القصة عن طريق الصحافة الإيحاء بأن الشرف والفضيلة والعرض كلها مسائل تافهة لا يتمسك بها إلا السذج والبسطاء ويحاول كتاب القصة تعميم هذه الظاهرة التي لا توجد إلا في إعداد قليلة جدا على المجتمع كله بإيحاء أن المجتمع كله لا ري أهمية للشرف أو البكارة ولا ريب أن ذلك من أسوأ ما حملته الصحافة الاجتماعية العربية وإنه معارض تمام المعارضة لهدف حماية المرأة وحماية الأسرة من الفساد واختلاط الأنساب وفساد الفطرة .

سابعا : كيف وقفت الصحافة من الجريمة الخلفية ؟

لقد كان موقف الصحافة العربية من الأحداث شيئا شديد السوء فإن الخبر هو أداة الصحافة في الكشف عن الوجهة التي تتجه إليها في صياغة الخبر نفسه تبدو الخلفية والغاية التي تريد أن تبثها في القارئ ولما كان الدين النصيحة فإن الصحافة عمدت إلى الغش والخلط والتمويه فهي تعرف أن أخبار الجرائم الأخلاقية تثير النفوس فتعرضها على نحو تهون فيه من شأنها وتوحي من وراء التعدد والموالاة والتكرار أن الظاهرة عامة وأنها طبيعية وأنها لا تؤثر على المجتمع وهي لا تحاول مطلقا أن تقدم مع الحدث الوجهة الصحيحة أو مصدر الخطر أو الدعوة إلى الإصلاح فذلك أمر تتجاهله تماما ولا تري أنه من مهمتها أو وظيفتها ولا ريب أن موالاة عرض الجرائم والأحداث أسبوعا بعد أسبوعا ويوما بعد يوم وإعداد صفحات دائمة وأبواب ثابتة لها هو من أخطر ما تقوم به الصحافة في سبيل توهين روابط المجتمع وليس عملها في هذا المجال أقل من اهتمامها بنشر التفصيلات الوافية عن أفلام الجريمة والجنس .

ولا ريب أن صفحة الجريمة الثابتة هي عامل أساسي في التوجيه الذي تقوم بها الصحافة فتنشي به في نفوس الفتيات المراهقات ذلك الإحساس بالاستهانة بالخلق والجرأة وفي الاندفاع إلى إقامة العلاقات مع الجنس الآخر دون احتياط ولا حذر من حيث تري هي أن المجتمع لا يسقط المنحرفات ولا ريب أن الصحافة العربية مسئولة عن نتائج هذه الاتجاهات وموالاة البث في هذا الطريق فقد استهان الناس بمسائل الشرف والعفاف ولم يعد لها فينظر الكثير منهم أى أهمية إزاء المطامع المادية .

كان من نتائج هذا أن نشأت عصابات تستدرج القاصرات كما تقول جريدة الأخبار ( 3-5-1972) من دور السينما إلى المقابر ثم إلى الضياع .

والعصابات تتاجر بالرقيق الأبيض ومن النتائج أيضا ما نشرته الصحف من أن 15 ألف زواج تم في سنة ونصف سنة وهو زواج يتم على أساس التوكيل , وقد انتهت هذه الزيجات في الغالب بإعادة الزوجات إلى القاهرة بعد إصابتهن بحالات من الانهيار العصبي الشديد , إذ تفاجأ الفتيات المخدوعات بأن الزوج في سن الستين أو السبعين بينما هي في العشرين 11-10 عام 1972 وفي اليوم التالي : 82 فتاة في المصيدة وإغراء الفتيات على السفر للعمل في الخارج ثم تجري محاولة إرغامهن على الخطأ .

هؤلاء الفتيات ضحايا ما تنشره الصحافة العربية من حوادث في صفحة الجريمة موجهة توجيها معنيا يوحي بأن الأخلاق والضوابط لا قيمة لها ولا فائدة منها أو نتيجة قصص ينشرها كتاب لهم أسماءه لامعة في صفحة الأدب أو نتيجة إيحاءات مختلفة متعددة تأتي من كل مكان لتدفع الفتاة المراهقة الصغيرة التي لم تعرف ما ينتظرها إلى الانطلاق .

ألم تقل لها أخبار اليوم في 4- 5- 1963 تحت عنوان :

لقد خرجت التلميذة من جحرها وأصبحت تسافر للخارج بمفردها قالت ما يأتي : إن عجلة الزمن دارت أسرع من ذلك حتى أخرجت الفتاة المصرية خارج حدود بلادها بمفردها لا والد ولا والدة ولا شقيق يرعاها ويخاف عليها حمل هذه الدعوة أحد دعاة الغرب ( عبد الفتاح شاهين ) فدعا بتعميم نظام الرحلات للبنات إلى الخارج وطالبت الصحافة المصرية لذلك وصفقت

ألم تكتب عايدة ثابت ( 17 ديسمبر 1970) في أخبار اليوم تحت عنوان ( حرية الفتاة بلا حدود ) قالت :

إن ما نسميه نحن انحلالا يفعلونه كأى ظاهرة طبيعية أخري فلم يعد في هذا المجتمع ( تقصد الأوربي ) شئ غير مباح وغير مقبول ولم يعد الشباب يواجه في سلوكه وعلاقاته كلمة ممنوع .

أليس هذا يوحي بالدعوة إلى تقليد مثل هذه المجتمعات بالرغم مما أشارت إليه الكاتبة من زيادة نسبة الجرائم بين الشباب وزيادة الشذوذ الجنسي نتيجة لهذه الحريات المطلقة .

إذن لماذا تحرص الصحافة على تقديم هذه الصورة وتغري بها شبابنا وفتياتنا ولا تتوقف الصحف عن تقديم هذه الصور المسمومة إلى شبابنا وبناتنا حينا بعد حين عن طريق تصوير المجتمع الغربي وهو تصوير يوحي بالتقليد ويقوم على أسلوب الإعجاب والإغراء به .

وفي عشرات الميادين الأخرى يأتي إغراء الصحافة للمرأة .

يأتي الحديث بالإغراء عن الرقص . يقول أنيس منصور :

" لو أردت أن تقول لنفسك عن مزايا الراقصات المصريات فإنك لا تدري بالضبط ما هي صفاتهن فالرقص متشابه الحركات والفاستين واحدة , تلتصق بالبطن ومفتوحة من الجانبين أما الصدر المشدود ذو الشراشيب فالموسيقي هي التي تهزه وتعطي من الحيوية والشباب ما ليس فيه نحن مشهورون برقص البطن في جميع أنحاء العالم وكنت إلى وقت قريب جدا أتصور أن الرقص الشرقي صعب أو كأي فن في حاجة إلى مجهود هائل وتدريب طويل ولكني لاحظت أن كل طفلة صغيرة تري التليفزيون تجد نفسها بلا أى مجهود ترقص زيزي مصطفي أجمل راقصة , وسهير زكي أخفهن دما , وزينات علوي أكثرهن دلالا ,ناهد صبري أكثرهن اجتهادا ونجوي فؤاد أشهر من الجميع ".

هكذا يقدم كتاب الصحافة لفتياتنا الوسائل التي تدفعهن إلى الإعجاب بالرقص فإذا جاء من يدعو إلى إلغاء هذا العمل المهين – الذي يسمونه فن – قامت قيامة الصحافة ضده واتهم بالرجعية والتخلف والعمل على هدم الحضارة والحيلولة بين البلاد العربية وبين النهضة .

وهناك في الصحافة النسوية اهتما بالغ بالمودة أو الموضة أى بالأساليب الجديد دائما للزي وهناك إصرار بالغ واهتمام كبير بهذه التغييرات .

وبالرغم من الأخطار التي يتحدث الباحثون عن آثارها في المرأة فإن موجة الاندفاع لا تتوقف يقول واحد من هذه الأبحاث :

إن المجتمع يدفع المرأة إلى الجنون ففي كل دقيقة تظهر موضة جديد وفي كل لحظة هناك منتجات ظهرت خصيصا للمرأة وتجد المرأة نفسها منجذبة حو هذا التيار الجارف من المعروضات لدرجة تكاد تدفعها إلى الجنون إنها تريد أن تجرب كل شئ وتشتري كل شئ وعندما لا تستطيع تصاب بعقدة ويقول علماء النفس : إن المرأة التي ليس لها رصيد من القناعة يصبح لها رصيد من العقد فهناك آلاف من الأشياء التي تجذب المرأة إليها والت تجعلها تفقد الاهتمام بزوجها والحل أن المرأة عليها أن تخلق التوازن وأن تحدد باقتناع ما تريد وتزن الأمور حتى لا تصح في النهاية فرصة للضياع في بحر من العقد .

هذا ما يقوله العلماء ولكن الصحافة العربية تقول غير هذا . تقول على لسان أنيس منصور " سوف تكون خيوط الموضة هذا الشتاء محتشمة جدا وسخيفة جدا لأن الفاستين سوف تكون طويلة وواسعة وسوف تبدو المرأة وكأنها شمعة تحمل هذه الفساتين وأن ما بينها وبين هذه الفساتين خصام فلا الفستان يحتضنها برفق على الصدر أو على النحر أو على الأرداف , ثم إن الفساتين تبدو وكأنها إهانة للمرأة فلا الساقان ظاهرتان ولا النهدان أو الردفان ولا الذراعان ولا العنق كأنها أنواع مختلفة من الخيام ,, وإن المرأة قد ضربت حولها وأمامها ووراءها الخيام فلا يراها أحد ".

أرأيت ما يقال للمرأة المسلمة تحريضا لها على العري والفساد ؟

ثم يقول الكاتب واسمه " محمد أنيس منصور ":

" إن ملوك الأناقة عوضوا المرأة هذه الخيمة بأشكال جميلة من قمصان النوم ومعني ذلك أن الموضة ستجعل المرأة جميلة في البيت وغير ذلك في الشارع على الرغم من أن المرأة حريصة على أن تبدو جميلة لكل الناس فإنها تحاول أن تلفت عيون الآخرين ولذلك فإن المرأة تسارع إلى الشارع وتتمتع بنظرات الناس إليها لأنها لا تجد هذه المتعة في البيت ".

وهذا هو التحريض على هدم كل القيم التي جاء بها الدين الحق للمرأة المسلمة من أن تكون زينتها قاصرة على بيتها وزوجها وألا تخرج إلا بالملابس الواسعة المحتشمة .

هذا هو الموقف من الملابس والزي فإذا جاءت جماعة من المسلمات لتستجيب للدين الحق وتفضل الملابس المحتشمة هوجمت هذه الجماعة بعنف ووصفت بالجمود والتأخر :

قالت أمينة السعيد ( 18 نوفمبر 1972 – مجلة حواء ) :

إن هذه الثياب الممجوجة قشرة سطحية لا تكفي وحدها لفتح أبواب الجنة أو اكتساب رضا الله فتيات يخرجن إلى الشارع والجامعات بملابس قبيحة المنظر يزعمن أنها " زي إسلامي " لم أجد ما يعطيني مبررا منطقيا معقولا لالتجاء فتيات على قدر مذكور من التعليم إلى لف أجسادهن من الرأس إلى القدمين بزي هو والكفن سواء .

وهذا الزي اسمه الخيمة عند أنيس منصور والكفن عند أمينة السعيد ولكن أمينة السعيد نسيت أن تري الزي الإسلامي هو الأصالة وأن الزي المتفشي هو الزائف الوافد .

وتستطرد الكاتبة في امتهان هذا الاتجاه الكريم فتقول :" بعضهم قال أنه تقليعة جديدة تلجأ إليها الفتيات من أجل لفت الأنظار بعد أن استنفذ الميني جيب أغراضها والبعض قال إنها الرغبة في الظهور بمظهر التدين سعيا وراء الزواج والتحايل على أزمة الزواج ".

وتقول أمينة السعيد أن التدين ليس بالتدثر بالأكفان وإنما التدين بالإيمان والعقيدة وطهارة النفس والعفة في السلوك .

ونحن نسأل من أين تأتي طهارة النفس وعفة السلوك إذا لم يكن لها مظهر من مظهر التماس رضاء الله والعزوف عن تعرية ما أمر الله أن يحجب أو الخوف من عقاب الله حين تعرض المرأة جسدها على الناس , وكيف تكون هذه متدينة وهي تعرف أن أول أسس الدين هي المظهر الخارجي . وهكذا تكشف الصحافة عن هدفها المبيت الدفين في التهوين بالمظهر الخلقي وبالعفاف والعرض .

وكما تعارض الصحافة وجهة النظر الأخلاقية تعارض وجهة النظر الصحية في أمور المرأة فهي تدعو إلى كل أسباب الزينة ولا تدع أمرا من أمورها كبيرا أو صغيرا إلا وتقدمه وتدعو إليه ومن ذلك دعوتها إلي تزجيج الحواجب وتقديم المودات الوافدة الجديدة في هذا المجال لإغراء المرأة بتقليدها والإعلان عن الأنواع المختلفة لأقلام الحواجب وغيرها من كاكياجات الجلد .

ومع ذلك فإن الدكتور وهبة أحمد حسن ( كلية طب جامعة الإسكندرية ) يقرر أن إزالة شعر الحواجب وغيرها من ماكياجات الجلد لها تأثيرها الضار فهي كلها مصنوعة من مركبات معادن ثقيلة مثل الرصاص والزئبق تذاب في مركبات دهنية مثل زيت الكاكاو كما أن كل المواد الملونة تدخل في بعض المشتقات البترولية وكلها تضر بالجلد. إن امتصاص المسام الجلدية لهذه المواد تحدث التهابات وحساسية أما لو استمر استخدام هذه الماكياجات فإن تأثيرها يمتد لى إلى الأجهزة المختلفة في الجسم فتحدث تأثيرا ضارا على الأنسجة المكونة للدم والكبد والكلي فهذه المواد الداخلة في تركيب الماكياجات لها خاصية الترسيب المتكامل فلا يتخلص منها الجسم بسرعة .

إن إزالة شعر الحواجب بالوسائل المختلفة تنشط المسام الجلدية فتتكاثر خلايا الجلد وفي حالة توقف الإزالة ينمو شعر الحواجب بكثافة ملحوظة وإن كنا نلاحظ أن الحواجب الطبيعية تلائم الشعر والجبهة واستدارة الوجه ".

ثامنا : إن أخطر محاولات الصحافة بالنسبة لتغيير العرف الإسلامي للمرأة هي رفع قدر الممثلات والراقصات والمغنيات وجعلهن مثلا عاليا للفتاة في أمور الملبس والمأكل والعادات والتقاليد .

( وبالنسبة للشباب فإن الصحافة تجعل المغنيين والممثلين مثلهم الأعلى أيضا ) والواقع أن الإسلام يفصل فصلا تاما بين سيدة الأسرة ( زوجة وأما وبنتا ) وبين الغانيات ( القائمات على المسرحيات والأغاني والرقص ) فإن من شأن إزالة هذا الفارق العميق أن تتبني المرأة المسلمة مفاهيم الغانيات وهي مفاهيم تستهين بالخلق والدين من حيث اختلاطهن بالرجال من وراء الكواليس وفي أدوار الحب والغرام ومن شأن ذلك إخراج المرأة المسلمة من مهمتها ورسالتها والتحريض على دفعها إلى كل مكان غير البيت .

ومن أسباب التغرير والامتهان أن يقال أن هذه الممثلة أو هذه المغنية أو هذه الراقصة أو كاتب القصة الجنسية فلان إنه يصلي أو إنها تصلي أى سخرية هذه بالعقول .

هذه عبارات رددتها الصحف كثيرا منسوبة إلى أم كلثوم وإحسان عبد القدوس بينما الصلاة لا قيمة لها إذا لأم تكن تصدر عن إيمان كامل بالمفهوم الإسلامي .

ولا ريب أن العمل في مجال الغناء والرقص والمسرح من الأعمال التي يحرمها الإسلام على الرجال والنساء .

تاسعا : فساد نظرة الصحافة إلى الأمور المتعلقة بالمرأة والعمل من حيث تركز على أن العمل للمرأة هو عامل مساعد على تحسين موارد الأسرة وأن المرأة بذلك تشارك زوجها في المسئولية والواقع أن هذه النظرة كاذبة وباطلة حين ننظر إليها من واقع الإحصائيات والأحداث والأوضاع التي نراها فالمرأة العاملة في الواقع عبء على الأسرة وكل مواردها تضيع في الملابس والمواصلات والمظاهر الخارجية ولا ستفيد منها البيت شيئا له قيمة أو أهمية ومهما يكن حجم مورد المرأة فإنه لا يساوي شيئا بالنسبة للخسارة المحققة للأسرة من ناحية الانصراف عن رعاية الأبناء والزوج والبيت .. فضلا عن أن هذه الأمور لا يمكن أن تقاس بالمقاييس المادية وإنما تقاس بالتقسيم الطبيعي للمسئولية الاجتماعية والدور الذي أعده الله تبارك وتعالي للمرأة .

وما تزال أمينة السعيد تثرثر بهذه الكلمات في هذه المناسبة وتردد هذه النظرية الباطلة التي ثبت فسادها وضلاها.

فهي تقول :" إن خروج المرأة إلى مجال العمل يعني زيادة دخلها ودخل أسرتها وبهذا تستطيع أن تمنح أولادها وزوجها معا فرصة أكبر للعيش في مستوي لائق .

ونحن نقول أى أهمية للعيش في مستوي لائق بالنسبة لفقدان أكبر عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية للطفل والأبناء , وهو رعاية الأم المباشرة لدائمة المتصلة يوما بعد يوم , وما قيمة أن تحسن الأسرة وجبات الطعام والشراب في مقابل أن تفقد الحنان والتربية والخلق وبناء الشخصية الذي تفقده فعلا لغياب المرأة عن مجالها الحقيقي في الأسرة .

إن الذين ينخدعون بهذه النظرية التلمودية المادية هم السذج والأغرار أما الذين يفهموم حقيقة المسئولية الاجتماعية ويعرفون خطورة التكوين الاجتماعي للأفراد فإنهم يعلمون أن خسارة تحل بكل أسرة تنصرف ربتها إلى العمل لأنها حين تنصرف تفقد عناصر الأسرة كلها وأفرادها جميعا ذلك العطاء الرباني الأصايل من الرضاعة والتربية والتشكيل النفسي وما أحسب السيدات العاملات إلا منصرفات باقي يومهن بعد عودتهن من العمل عن أداء ولو جزءا يسيرا من هذه المهمة بالسهرات أمام التليفزيون أو في زيارات الأصدقاء أو في دور السينما .

وتقول أمينة السعيد :

إن الخروج إلى العمل يكشف للمرأة الحياة كلها ويعطيها فرصة التعامل مع الناس ودراسة الحياة وهذا كله ينعكس على شخصيتها وعلى أسرتها بشكل إيجابي سليم يرقع من مستوي المجتمع .

والواقع أن هذا التفسير خاطئ ومظلل فإن المرأة في مجال العمل مع الأسف الشديد لا تجد إلا صورا من المجاملة والإعجاب الخفي والكلام المعسول الذي حملها على المقارنة بين الرجل في العمل وبين الزوج والذي يفقدها كثيرا من التقدير للأزواج فضلا عما يضلل النفس عن مفهوم المسئولية الزوجية نفسها والوقائع تشهد بآثار ذلك على الطلاق وعلى الانحراف إلا من رحم الله .

أما تعلم المرأة الذي تشير إليه أمينة السعيد بأنه يرتقي بها ذهنيا أو يجعلها أكبر كفاءة وقدرة على تربية أبنائها فإنه من باب التضليل والكذب ذلك لأن التعليم الذي تتلقاه المرأة لا يعطيها من قريب أو بعيد تلك الكفاءة المزعومة أو القدرة الحقيقية على تربية أبنائها لأنها لا تتلقي في المدارس على وجه الإطلاق أى منهج يشكلها كزوجة أو كأم وهي لا تعرف من هذا شيئا يعينها على بناء بيتها وأولادها ولو أنها علمت على هذا النحو لحقق ذلك نتائج إيجابية حقيقية تصرفها عن العمل وتري في مسئوليه البيت أكبر المسئوليات .

ولكننا نتابع الغرب في هذه المسألة متابعة عمياء الغرب يعترف اليوم بخسارته وتحطيم أسرته أفما آن لنا أن نرجع عن ذلك إن المرأة الشرقية مخدوعة بتلك الدعوات والذين يقدمون لها هذه المادة من الإغراء لا يريدون بها ولا بالأسرة ولا بالأمة الخير ولكنهم ينفذون مخططات وبروتوكولات صهيون .

وتمضي أمينة السعيد في بث سمومها في كل الآفاق فهي تعارض عودة المرأة إلى الزي الإسلامي وترمي فيه هوسا دينيا وفاتها أن هذه العودة إنما هي التماس للأصالة وعودة إلى الله بعد أن بلغت عوامل الانحراف بالسفور إلى تلك النتائج الخطيرة التي نراها ونسمع عنها .

وهي تعترف بأن قوامة الرجل على المرأة شئ مقرر في الإسلام ولكنها في نفس الوقت تعتبر القوامة اليوم لا مبرر لها لأن هذه القوام مبنية على المزايا التي كان الرجل يتمتع بها في الماضي في مجال الثقافة والمال وما دامت المرأة استطاعت اليوم أن تتساوي مع الرجل في كل المجالات فلا مبرر للقوامة ولا ريب أن هذه الآراء المسمومة التي ترددها أمينة السعيد هي التي طرحتها سيمون دي بوافوار ومجمع المؤامرات المنعقد على المرأة المسلمة .

ونحن نؤمن بأن القوامة أساس العلاقة بين الرجل والمرأة وأنه لا يتغير ولا يزول مهما كانت المرأة من الغني أو الرزق او القدرة أو الثقافة وأن عامل الاختلاف بين واقع المرأة اليوم من حيث العمل والارتزاق لا يغير منه شيئا فهو بمثابة الميزان الدقيق والمفتاح الصحيح لهذه العلاقة ولهذه الرابطة والمرأة المسلمة مهما كانت غنية ومثقفة فإنها دائما تضع مالها وثقافتها بين يدي زوجها وتقف منه موقف التسليم وتري أن راية هو الرأي الأخير "

عاشرا : فساد توجيه الصحافة لطالبات الإجابة عن المشاكل والقضايا وقد ذكرت فتان سقطت في خطاب لها إلى مجلة روزاليوسف (7- 4- 1966 ) أن جانبا من المسئولية في مأساتها يرجع إلى ما تنشره الأفلام والمجلات والأغاني من إثارة وتحلل وفي رودود المجلات ( روزاليوسف وصباح الخير وحواء ) وغيرها على السائلات سخرية واضحة عميقة بالدين واستهانة بالأخلاق ودعوة إلى التخفف من الحكم في جريمة الزنا واللامبالاة الاجتماعية بهذا النوع من الآثام والميل إلى اعتبار الآثار الخلقية داخلة في إطار الحرية الشخصية .

وينصح يوسف إدريس ( الجمهورية 12 – 5 – 1966) فتاة تشكو من حبها المصحوب بالحرمان إلى أن تخفف من حرمانها كوسيلة للتخلص من شدة عاطفتها أى أنه يدعوها إلى اقتراف المنكر وهو يسخر منها لأنها رفضت قبلة صديقها وفتاها ويقول أنها لو قبلت لاستراحت وبقي عليها مقاومة الحياة .

ولا ريب أن هذه النصيحة المسمومة ستريد إلى نحر يوسف إدريس بالجزاء الأوفى وبالنقمة والمثلة فإنه بذلك قد أفسد عقلية فتاة مسلمة وعاطفتها وكشف لمئات من القارئات عن الاستهانة بهذه الأمور وحرضهم على الاندفاع وراء الأهواء وتحمل وزر ذلك كله وجرمه عند الله تبارك وتعالي .

ونجد في الصحافة النسوية عشرات الأمثلة من هذه الإجابات قدمها أنيس منصور وإحسان عبد القدوس وأمينة السعيد وغيرهم:

وفي بريد حواء ( 1966) فتاة تشكو من قيود عائلتها المتدينة هذه القيود التي تمنعها من الخلوة بخطيبها وتندد المجلة بهذا الجمود , ولو أحسنت لقالت لها أن الخلوة حرام في هذه المرحلة وهي ليست جمودا وإنما هي بمثابة حفظ لها وحرص واحتياط لأن هذا الخطيب ربما تغيرت نظرته واختلف معها قبل أن يتم العقد فهي بذلك تكون قد حمت شرفها وعرضها عن المهانة .

ومن يريد حواء فتي متدين من أن بعض جاراته يحاولون لفت نظره بطرق شئ فماذا يكون الرد : الرد هو السخرية منه والتنديد بجموده وتقوقعه .

ولو أحسنت مجلة حواء لحذرت هذا الشاب من الوقوع في أخطار الحرام .

وتحمل مجلة صباح الخير لواء الدعوة إلى الاختلاط بين الجنسين في جميع مراحل التعليم وتسخر من المعارضين ولا ريب أن هذه الدعوة مسمومة الهدف .

كذلك تحمل بعض المجلات الدعوة إلى تعليم الجنس في المدارس وهي من الدعوات الخطيرة التي تريد هدم مقومات الأخلاق وهناك في الصحف النسوية والاجتماعية والأسبوعية بعد ذلك كله الصور المغرية الداعرة التي يندي لها الجبين ( أخبار اليوم وحواء وآخر ساعة ).

وتنصح أمينة السعيد في احدي المشكلات الواردة لها باللجوء غلى الزواج العرفي تخلصا من حكم القانون بسقوط حق الحضانة من المرأة عندما تتزوج مرة ثانية ( المصور 3- 12 -1965) هذه النصيحة على ما تتضمنه من احتجاج خفي على موقف الشرع من أحكام الحضانة فإنها دعوة إلى الهروب من القوانين .

وتهاجم صباح الخير ( 1965 ) بعض الآباء الذين يحيطون بناتهم بالحماية والرعاية ويحافظون عليهم من أخطار المراهقين وتصف هؤلاء الآباء بأنهم جهلة وأن هذه الرقابة تحرمهن من الحب ولا ريب أن عرض الأمور على هذا النحو فيه كثير من الخطأ فقد كان على المجلة أن تقدر رعاية الوالدين لبناتهم وحمايتهن من الأخطار , وأن تفتح الباب المشروع وهو أن يتقدم لها الزميل الذي يري أنها صالحة له ليخطبها لا أن يتصل بها من الأبواب الخلفية ودون علم والديها وبذلك تكون معرضة للفساد والخطر .

وما تزال كلمة " الحب " تستعمل في الصحافة العربية استعمالا ضالا مضلا عن طريق كتاب الجنس والقصة المكشوفة .

ونجد محررة روزاليوسف ( مديحة ) تدعو بحرارة إلى دعوة البغاء الرسمي كعلاج لانحراف قلة بغيضة من النسوة . قالت : يجب أن يخصص مكان معين للمحترفات بالرخصة تحت الإشراف الحكومي . وهي بهذا تدعوا إلى تنظيم الزنا تحت إشراف حكومة مصر الإسلامية , ولم يردعها بقية من حياء الأنثى المحصنة العفيفة من أن تغمس قلمها في ماء البهيمية القذرة وهناك دعوة صلاح حافظ إلى رفع ولاية الرجل على المرأة بدعوي أنها تحرص على الفضيلة بدافع ذاتي لا أثر فيه للرجل.

وهذا الكلام لا يعني أكثر من أن هؤلاء القوم يحاربون الإسلام دون أن يفهموه حتى يكونوا قادرين على معارضته وإلا فما العلاقة بين الفضيلة وولاية الرجل !

وتدعو أمينة السعيد إلى تحديد النسل وترمي المسلمين بالجهل في قولها في كلمة لها في المصور 20 -10 -1966 إن ملايين الجهال في بلادنا هم الذين يرددون أن الله رسل لكل طفل رزقه ويقول الدكتور يحى هاشم الذي انتفعنا بدراسته عن التيارات المعادية للإسلام : إن هذا القذف يتعدي الأشخاص إلى العقيدة التي يؤمنون بها, ويقول إنه بالرغم من أن بعض علماء الدين حاول أن يروج للدعوة إلى تحديد النسل بتطوعها لبعض قواعد الإسلام فإن ذلك لم يرض أصحاب هذه الدعوة لاختلاف المبدأ عند كل منهم .

حادي عشر : موقف الصحافة من الأحداث :

يبدو هذا واضحا من حادثة اكتشاف الرقيق الأبيض . فقد وقفت منها الصحافة موقفا رديئا ممالئا للشر ,وكان من المتوقع لو خلصت النيات أن تعالج صحافتنا هذه الظاهرة بما يتفق مع خطورتها على كيان المجتمع ولكن للعجب اكتفت أكثر الصحف بنشر الخبر بدون تعليق , وانبري صاحب ( فكرة ) للدفاع عن شخصية الفتيات الصغيرات اللاتي ضبطن ضمن بقية أفراد الشبكة ,وتمني أن تكون بينهن فتاة مظلومة تثبت براءتها فتقاضي الجرائد التي نشرت اسمها ويحكم لهذا القاضي بعشرة آلاف من الجنيهات ردا لشرفها وسمعتها .

إن الفتاة المظلومة التي تمني الكاتب ظهور براءتها لا يمكن أن تضع نفسها في هذا الوضع المهين , أو تتردد على أماكن الدنس والفجور ولكن كاتبنا يري أن الشرف والبراءة لا يتعارضان مع التردد على شبكات الرقيق وإن الدافع عن كرامة الساقطات أهم من الدفاع عن كرامة الوطن وسمعته .

وتساءلت مجلة الاعتصام : لحساب من يلقي بفتياتنا هكذا في مهاوي الرذيلة هل من أجل الالتحاق بمعهد الرقص أو البالية أو الفن أو الموسيقي أو السينما أو التمثيل بأجوائها العفنة المنتنة ؟ ماذا جنت تلك المسكينة حتى يقذف بها هذا الميدان الملوث الموبوء ؟ هل يستطيع ولي أمرها المستهتر وهو بعيد عنها أو قريب أن يحميها من نظرة ضارة أو قبلة حارة ؟ هل يستطع أن يدفع عنها الأسود المفترسة ويحرسها من الذئاب الجائعة ؟ هل يستطيع أن تعارض المخرج في وضع خارج أو لقطة مبتذلة أو منظر فاصح رخيص . لا تستطيع لأن هذه قواعد الفن الأصيل , ويحدث هذا باسم العلم وباسم الفن : الفن الذي يخدش حياة الفتاة وينال من شرفها وعفتها .

ويؤخذ على الصحف أنها حين تنشر أخبار الجرائم الخلقية تخفي نصف الحقيقة حماية للأهداف التي تدعو إليها فهي حين تتوسع في نشر الأحداث المثيرة تتحفظ إذا كانت تتعلق بإحدى الراقصات أو المغنيات أو الممثلات ( وهل حقا هن يدفعن لبعض رجال الصحافة مرتبات شهرية ) وهنا لا تنشر الصحف الأسماء حماية للراقصات وقد حدث هذا فعلا عندما نشرت الأخبار ضبط شقة بالجيزة تديرها للدعارة راقصة معروفة , وهنا نتساءل هل تكون الصحافة جديرة بالأمانة الملقاة على عاتقها . إن القرآن بتشريعه الحكيم يري عدم الاكتفاء بتنويع العقوبة على الساقطين والساقطات بل لابد من التشهير به نحتي يرتدع الغير وصدق الله العظيم .

( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) .

ثاني عشر : حملت الصحافة حملة شعواء على العلماء الذين قدموا حكم الإسلام في المرأة في مواجهة سمومهم وأضاليلهم وفي مقدمة هؤلاء محمد أبو زهرة ومحمد الغزالي فحمل أحمد بهاء الدين على الشيخ أبو زهرة وحمل موسى صبري على الشيخ الغزالي .

يقول بهاء الدين : إن بعض رجال الدين يريدون أن يحتكروا تفسير الدين وبالتالي يحتكروا تفسير الحياة ووصف عقولهم بأنها متحجرة في أغلب الأحيان لأنهم عاشوا حياتهم العقلية أسري بين جدران كتب محدودة ووصف معارضة الشيخ أبو زهرة للمفاهيم الماركسية المنحرفة في شأن المرأة بأنها مطالبة بموت هذه الأمة .

ويباهي بهاء الدين بانحراف الصحافة والإعلام في مسألة المرأة , فيقول إن التليفزيون يذيع ساعات طويلة من التمثيليات التي تشترك فيها النساء والأغاني التي تغنيها المطربات والدولة ترسل بعثات من الفتيات إلى الخارج , وإن البنت تذهب بمفردها إلى أوربا وإن في الأندية الرياضية آلافا من الفتيات يقدمن التمرينات والألعاب والاستعراضات.

ونحن نقول للكاتب وهل يكون هذا الانحراف عن المفهوم الأصيل لعمل المرأة ومهمتها وأوضاعها حجة على الإسلام نفسه ؟ إن المجتمعات قد تنحرف وقد تتحري الصواب ولكن مفهوم الإسلام يبقي فوق كل اعتبار هو الحق الذي لا مرية فيه ومهما كثر الانحراف فإنه هو الكلمة الأخيرة التي يجب على المجتمعات بعد أن تجرب وتنحرف أن تجد نفسها ولا سبيل لها إلا العودة إلى حدود الله .

إن هذه الصور التي يعرضها الكاتب هي حجة عليه . وهي علامة على الانحراف وليست دليلا على الأصالة أو على الطريق الصحيح , إن من وراء هذا كله بيوتا مضطرة ونفوسا مضطربة أيضا ولن يصلح أمر هذا المجتمع إلا بعودته إلى أوضاع الطبيعية من حيث أن تصبح المرأة مسئولة عن بيتها وزوجها وأطفالها ونحن نعلم أن وراء هذه الاتجاهات ضحايا كثيرة ومآسي عسيرة وإحساسا يملأ النفوس بأن هذا الطريق ليس هو الصحيح .

ويهاجم موسى صبري ( أخبار اليوم ) الشيخ محمد الغزالي لأنه أثار ضجة حول المرأة في اجتماعات المؤتمر الوطن ( 1962 ) يقول : يري الشيخ الغزالي أن الرجل والمرأة سواء في جميع الفضائل والتعاليم الدينية ومن حق المرأة أن تعمل في التجارة وتعمل مدرسة وطبيبة وممرضة ولا مانع من اشتغالها محامية ولكنه يري استحالة مساواة المرأة بالرجل في الوظائف وتولي المناصب القيادية فالرجال قوامون على النساء بحكم الطبيعة والدين الذي جعل حق الإنفاق وقيادة الأسرة للرجل وشهادة الرجل وميراثه كشهادة وميراث امرأتين , أما مساواة الرجل في الوظائف فإني أكتفي فيها بشهادة ديوان الموظفين عن مدي صلاحية المرأة للتوظف قبل وبعد الزواج وهي لا تصلح للمناصب الرئيسية ويهاجم موسى صبري هذه الآراء ويصف الشيخ محمد الغزالي بأنه عدو جديد للمرأة ولا ريب أن موسى صبري يعد متطفلا في هذه المسألة فإن القضية تتعلق بالمرأة المسلمة لا بالمرأة بصفة عامة , وهو من هذه الناحية لا يستطيع أن يفتي بحكم دينه وثقافته ويعد هذا منه تدخلا معيبا .

ثالثا عشر : الحرص على تقديم النماذج الفاسدة .

تهتم الصحافة اليومية بتقديم النماذج الفاسدة المنتقاة من جميع صحف العالم , وتعني بالمرأة الآبقة ( سيمون دي بوفوار ) وتردد كثيرا مقالتها وآراءها في الهجوم على العفة والأخلاق والقوامة .

وقد أولتها اهتماما خطيرا أثناء زيارتها لمصر مع جون بول سارتر وحاولت أن تصور هذه العلاقة بأنها أعلى وأكبر وأجل من علاقة الزواج من حيث أن سيمون ليست زوجة شرعية لسارتر ولكنها محظية ولقد نشرت الصحف فخرها بهذه العلاقة واهتمت بتصويرها وإعلاء شأنها مع أن تحسين هذه العلاقة يرمز إلى احتقار مفهوم الزوجية الشرعي ويدمر مفهوم علاقة الرجل بالمرأة في وضعها الطبيعي ومن الأسف أن اهتمت الصحف بعباراته التي قالتها عن أنها تدعو إلى تحطيم قوامة الرجل وأى وصاية من الرجل على المرأة.

ويصور هذا المعني تصويرا مسموما : الكاتب الماركسي محمد عودة ( الجمهرية 19 – 1- 1967) فيقول:

هي علاقة قد لا يفهمها البعض عندنا بمقياسنا الشرقية وذلك كمالا يفهمها أيضا البعض في أوربا المحافظة , ولكنها احدي العلاقات التاريخية التي تقوم على أعمق وأصدق ما تقوم ليه العلاقة بين الرجل والمرأة وقد أغنت الحياة الأدبية والعاطفية للعصر كله , وهي علاقة لابد أن يفهمها ويستشعرها شبابنا ووفتياتنا لأن الثورة الإشتراكية هي أيضا ثورة في أعم علاقة إنسانية وهي العلاقة بين الرجل والمرأة .

وهذه العبارات المسمومة لا تعني أكثر من قلب للمفاهيم الأصيلة التي يعرفها الناس جميعا عن العلاقات الشرعية بين المرأة والرجل حسبما أحل الله ذلك وان كل علاقة غير هذه أو من هذا النوع الذي يجهر به سارتر وسيمون هو نوع من الدعارة والزنا والفساد الذي لا يقره عرف ولا شرع والذي لا يرضي عنه أى دين أو أى مذهب أو أى نحلة فحين يحاول أمثال محمد عودة من الشوعيين تحسين هذه العلاقة وتصويرها على هذا النحو الفاسد إنما يروجون لمفهوم معروف في الشيوعية وفي المذاهب المادية وهو الإباحية فإذا قيل أنها أغنت الحياة الأدبية والعاطفية فبماذا أغنتها إلا بتلك الصفحات المسمومة السوداء التي تصور علاقة غير شرعية بين رجل وامرأة والتي تصور أسوأ من هذا تلك الانحرافات التي تتصل بالكتابة في علاقات أخري وهذا هو ما يسميه محمد عودة وغيره ثورة في العلاقات الإنسانية أى هدم لكل القيم وإن العلاقة بين سارتر وسيمون وما كتب عنها هي أسود صفحة في تاريخ العلاقات بين المرأة والرجل على السواء ولأنها هدم للمجتمع والدين والخلق على سواء .

رابع عشر : محاولة تصوير الدعاة إلى تحرير المرأة بأنهم أنصارها الذين يدفعونها إلى الحرية والعمل وأنهم هم المخلصون لها وأنهم يختلفون عن الدين يريدونها متاعا فقط والواقع غير ذلك فإن أنصار المرأة هؤلاء الذين يكتبون عنها في الصحف ويردون على أسئلتهم بالغش والغلط هم أعداؤها الحقيقيون الذين يريدون أن يخرجوها من طبيعتها ورسالتها وجوهر مسئوليتها وعن بيتها وعن تربية الأجيال الجديدة إلى أن تكون متعة خالصة في المرقص والعمل والشارع .

إن هؤلاء هم في الحقيقة دعاة الحريم الحقيقيون .

إن الذين يدفعونها إلى هذا الطريق لا يخلصون لها النصح ولا يقدمون لها الخير وإنما يريدون ن يخرجوها عن عرشها الحقيق ومكانها الطبيعي إلى الشارع إلى الفراغ والانحراف حيث الأعاصير والسموم التي تجتاحها من كل جانب .

ولقد آثر كتاب المرأة المضللون السبح في المياه العكرة وتقديم صفحات غاية في السوء مما نقلوه من كتب الغربيين وكتب التلموديين بالذات مما كتب بأسلوب معين واستهدف غاية واضحة وهي كتابات تثير الشبهات كل الشبهات في صورة تساؤلات لماذا يتزوج الشبان لماذا ينجبون الأطفال , ويصفون هذا كله بالغموض ويرون أن هذه العلاقات لا مفهوم لها , والحقيقة غير ما يقولون إن الدين الحق قدم للناس سر هذه العلاقات في وضوح , وكشف عنها في صراحة وقال إنها هي الفطرة الطبيعية التي ركب عليها الرجل والمرأة , وإن كان أنيس منصور يقول هذا فهو في تيه من الضلال وإن كان يترجمه فهذا أسوأ إنه ينقل هذه السموم وهو معترف بها مبشر لها وكان أولي به إذا قدمها أن يدحضها ويكشف فسادها ويقول أن للعرب والمسلمين من ثقافتهم وعقيدتهم وفكرهم ما يوضح لهم هذا الطريق ويضعهم على الجادة وأن هذا الخلط المزعج, والشكوك والوساوس التي تثيرها كتابات التلموديين في الغرب بهدف تمزيق الأسرة وتدمير ذلك المجتمع لا تستطيع أن تحقق شيئا في أفقنا الإسلامي ولو أنه يعرف الثقافة الإسلامية ولو أنه يؤمن بها لكان لسان صدق في الدفاع عن الحق ولكنه لا يقدم إلا السموم ولا ينشر إلا الشبهات .

إنه يردد مع الضالين " أن هناك من يقول عن الزواج أنه لحظة جنن أن يكون لنا أطفال وأن حبوب منع الحمل تستطيع أن تعطي الزوجين فرصة لعدم الحصول على أطفال فهل هذا بالله كلام يقوله رجل تعطي له الصدارة ليكتب صفحة أسبوعية في جريدة منتشرة مثل أخبار اليوم لمدة بضعة عشر عاما دون توقف يحشوها كل أسبوع بمثل هذا الهراء .

خامس عشر : يقول مصطفى أمين : حارب الأحرار في هذا البلد سنوات طويلة لتحصل المرأة على بعض حقها ويظهر أن بعض الناس يريدون العودة بنا إلى الوراء .

وقد يحدث هذا في أى مكان ولكن لا نفهم أن يحدث في الجامعة مهد التقدم والفكر الحر ( أخبار اليوم 5 نوفمبر 1977).

وهكذا يشهد مصطفى أمين على نفسه وعلى تلك المجموعة التي شكلها محمد التابعي في مجلة روزاليوسف لتحمل لواء هذه الدعوة وتتزعم تلك الصحافة التي تحرض المرأة على الخروج من القيم الدينية والأخلاقية وتدافع عن أمثال أم كلثوم وفاطمة رشدي وتحتفظ بأسماء أولئك الذين كشفت التحقيقات عن إدارتهن لبيوت الفساد في مخطط واضح دقيق مستمر وقد أشار بعضهم أكثر من مرة إن المرأة هي التي تشتري الجريدة من مصروف المنزل ولذلك فهم يؤيدونها ولكن المرأة الرشيدة تعلم أن ما يدعونها إليه ليس هو في مصلحتها أو من أجل إسعادها وما تري المرأة سعادتها في عمل يحرمها من تربية أبنائها ومن سهرات تحول بينها وبين دين الحفاظ على وجودها الذاتي وكيانها وأسرتها .

ونحن نضع أمام دعاة تحرير المرأة ما أذيع من توصيات مؤتمر الجريمة التابع للأمم المتحدة الذي انعقد في جنيف ( 1978) من أن حركة تحرير المرأة تعني مزيدا من النساء المجرمات , وقد أنذرت هذه الدراسة بأن الأمر لا يتوقف فحسب على ارتفاع نسبة الجريمة بين النساء بل إن النساء بدأن في اقتحام أنواع الجرائم التي اقتصرت على الرجال وحدهم مثل جرائم الاختلاس والعنف كذلك تشير هذه الدراسة الدقيقة إلى أنه حتى بالنسبة لمحترفات الدعارة فقد ظهرت بين النساء اتجاهات عدوانية ومحاولات للاستقلال عن الوسطاء من الرجال وفيما بين 1960 -1972 ارتفعت نسبة عدد النساء الذين قبض عليهم بتهمة السرقة 227% وجرائم السطو على المنازل – بنسبة 300%

هذه التجربة الأمريكية تشير إلى وجود علاقة بين ارتفاع نسبة الجرائم النسائية وتناقص التعاون الاجتماعي بين الجنسين تعني أن محاولة التقريب في المساواة بين الجنسين هي السبب المباشر في ازدياد نسبة الجريمة بين النساء .

والعجيب أن الغرب الذي يحاول الآن بواسطة خبرائه العودة إلى تصحيح مفاهيمه بالنسبة لوضع المرأة التي جرفها تيار العصر بل وبالنسبة لأخلاقيات المجتمع وسلوكه إذ بنا هنا في الشرق الإسلامي نصر ونتشبث بتقليد الغرب وننسي قيمنا والحدود الطبيعية المقررة بين الرجل والمرأة وندلل المرأة لتدفعها إلى طريق الأهواء والانحراف ونحن نعلم أنها في مجال العمل لا تؤدي مثل ما يؤديه الرجل ولا نصفه , ونعلم أنها تجري وراء زينتها وأهوائها ولكن وراء الدعوة التي تحمل لواءها الصحافة غايات خفية , تحرص الصحافة على إخفائها بتلك الكلمات البراقة التي تخدع بعض الناس من التوجه إلى الله بالدعاء .. وهناك الحديث النبوي المعروف في هذا من أن الرجل يقول يا رب يارب ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام فأني يستجاب له إن تجاوز الصحافة لمهمة المرأة الأساسية في بناء الأسرة وتربية الطفل هي نقطة الاختلاف بين طريق الانحراف , في فهم الأمور كلها أما هذا التهليل لامرأة تولت وزارة أو وظيفة أو منصبا فإنه أمر لا قيمة له في التقدير العام فبقدر ما تنصرف المرأة عن مهمتها الأصلية بقدر ما تترك من ثمرة الجريمة والخطأ والاضطراب في الطفل والأسرة والعلاقة الزوجية بل إن فساد الفطرة النسوية التي تعمل الصحافة – مع السينما والمسرح والأغنية – على تحقيقه قد أدي إلى أن تري مظاهر تتقزز لها النفوس لأنها تخرج عن طبائع الأشياء , كأن تري امرأة تدخل في معارك عن الأهلي الزمالك أو عن صوت امرأة مغنية أو أن تري امرأة تكتب تحليلا لقصص الجنس أو تدافع عن صورة الفساد الاجتماعي والخلقي في مجتمع الغرب .

سادس عشر : إن الصحافة تقود مؤامرة خطيرة ترمي إلى إخراج المرأة المسلمة من قيمها وأعرافها والحدود والضوابط التي رسمتها لها شريعة الإسلام والأوضاع الأخلاقية الكريمة وإحلال أعراف جديدة من شأنها أن تدفع المرأة إلى كراهية الأسرة وانتظار الحمل والولادة والهرب من مسئولية تربية الأطفال للبحث عن الأهواء والملذات والسهرات والتخفف من عملية البيت نهائيا .

وإن الهدف من وراء ذلك هو إسقاط الأسرة وذلك هدف كشفت عنه مخططات بروتوكولات صهيون وأسس الفكر الماركسي والمادي , فالصحافة تعمل بكل ما وسعها على تدمير كيان المرأة لإخراجها ودفعها إلى مجالات العمل التي لا تصلح له وللخروج من فطرتها وبيئتها وذلك بالسخرية من رسالتها وعملها الأصيل والتركيز دائما على تلك الصور الكاذبة التي يصورونها على أنها انتصارات للمرأة .

وقد رأينا كيف هزمت المرأة هزيمة منكرة في أكثر من بلد حين أسلمت إليها مسائل السياسة والحكم وجاءت تجربة بندرنيكا , وأنديرا غاندي, وإيفا برون , وجولدا مائير , كلها تجارب شاذة فاسدة لم يتحقق معها إلا الاضطراب والفوضي وكذلك ي كل عمل تولته المرأة وزيرة أو نائبة أو غيرها من صور الخداع البراق الكاذب التي يستهدف إلا إخراج المرأة من رسالتها الحقة ويعرف الذين عملوا مع المرأة في مجالات الاجتماع والاقتصاد والسياسة كيف هي قاصرة وفارغة وعاجزة لأنها تخوض أعمالا ليست معدة لها بطبيعتها ولا مهيأة لها بفطرتها وأنها مع الأسف ومع نقص تربيتها تربية خاصة بمهمتها لا تعرف إلا مسائل الأزياء وموضات التسريحات والأحذية ذات الكعوب العالية التي تترك عاهاتها الجسيمة في جسمها وأعصابها .

سابع عشر : كشفت الصحافة طرفا من خلفيتها في مسألة المرأة حين تقدم بعض المصلحين بدعوة المرأة إلى العودة إلى المنزل واستجابت المرأة لهذا النداء فقد حملت الصحافة لواء المعارضة لأنها تعلم أن في هذه الدعوة هدما لهدف خطير تقوم به فلم تلبث أن صدرت صفحات كثيرة تهاجم الدعوة وتتنكر لها وتصف الداعي بأنه عدو والمرأة وقال الصحفيون الأجلاء : هذا رجوع لعهد الحريم كيف تضعون الأسوار حول المرأة بعد أن حطمتها وكتبت روزاليوسف تقول : المرأة ترفض نصف الوقت بنصف الأجر , وقال محمد زكي عبد القادر : ليس من السهل إرجاع المرأة إلى البيت فغنه مخالف للتطور وللاتجاه العام فى العالم ثم إنه ردة إلى الوراء ليست مقبولة بأى منطق أو تبرير .

هذه الحملة لا تهدف إلى الوصول إلى علاج للمشاكل المتفاقمة نتيجة عمل المرأة ولكنها تهدف إلى إبقاء الوضع كما هو والحيلولة دون تغييره إلى الأصلح وبالرغم من كل ما قاله الباحثون الاجتماعيون الأعلام :

1- الدكتور أحمد دويدار وكيل وزارة الاقتصاد:

إن المرأة في مصر لا تصلح للعمل ما دامت تزوجت وأنجبت أطفالا ويجب على الدولة أن تضع قانونا يجبر المرأة على البقاء في المنزل إن هذا يوفر للدولة الكثير لأن إنتاج السيدات ضعيف جدا .

2- الدكتورة سميرة بحر , الباحثة :

نادينا منذ أكثر من عشر سنوات أن على المرأة أن نأخذ أجازة بدون مرتب لتربية أطفالنا فإذا أعطتها الدولة نصف المرتب فهذا تقدير لجهود المرأة في تربية أطفالها بدلا من أن تمتهن المرأة في المواصلات وتستنزف جهدها في العمل وبالها مشغول مع أولادها في البيت .

ولقد رأينا عشرات من السيدات الموظفات يوافقن على هذا الاقتراح ويرون أن رعاية أبنائهن أهم من العمل واجدي ولكن الصحافة كانت ضد الخير والحق والاتجاه الصحيح .

وقال سعد الدين الشريف : أنا لست عدوا للمرأة , إن المجتمع الذي لا يكرم المرأة هو مجتمع مريض إنني قدمت اقتراحي لصالح المرأة نفسها إنها تعاني يوميا من المواصلات وتتعرض لأنواع من الامتهان داخل وسائل المواصلات كلنا يعلمها وهذه المتاعب توصلها إلى المكتب وهي مرهقة مطحونة وفي طريق العودة تتعرض لنفس المتاعب وتصل إلى بيتها لتجد في انتظارها عملا أشق في البيت بالإضافة إلى رعاية الأطفال .

إنه لأكرم ألف مرة للمرأة أن تبقي في بيتها تؤدي رسالتها وتصون أخلاقها لأنه لا يمكن أن تزن العرض والشرف والصحة بالمال .

وإذا ضاع الحياء بيننا فلا دين ولا إيمان ولا حياة .

يقولون أن العمل المنزلي لا يحتاج إلى تفرغ كامل للمرأة ولكن ذلك مشروط بوجود الطباخة والسفرجي والمربية وجميع الأدوات الكهربائية اللازمة وهل هذا متوفر بالنسبة للغالبية العظمي من النساء العاملات الكادحات أما الذين يقولون أن عمل المرأة يمتص الخلافات الزوجية فأرد عليهم بأن هذه الخلافات تنشأ من توتر الأعصاب والإجهاد بعد العودة من العمل والمادة ليست كل شئ.

أن 85 في المائة من السيدات رحبن بالاقتراح وللأسف فإن أغلب المعارضين من الرجال ويقولون أن عودة المرأة إلى البيت هي ردة وعودة إلى عصر الحريم وينسون أننا نعطي المرأة العاملة نصف مرتبها إذا لزمت البيت مقابل تربية أبنائها جيل المستقبل الذي تحتاجه البلاد.

أنا أطرح على المعارضين السؤال: إذا كانت المرأة وزوجها في العمل فأين الطفل ؟

إن علماء النفس والتربية يؤكدون حاجة الطفل إلى حنان الأم وعطفها في السنوات الخمس الأولي حيث تتكون الطباع وأن الطفل يكون في هذه المرحلة سلوكه وأخلاقه التي تبقي معه طيلة عمره , وأن الطفل الذي لا يجد الرعاية والحنان يتحول إلى عاق شرير قاس .

وهذه طبيعة أغلب الأطفال الذين ترعاهم دور الحضانة أو الشغالات وإذا تدرجنا في مراحل نمو الابن نجده في حاجة إلى رعاية الأم وتوجهها في المرحلة الأولى من التعلم حتى سن المراهقة حيث إن الصبي أو الفتاة يكونان شديدي التأثر بالبيئة المحيطة بهما وفي حاجة دائمة إلى رقابة الأم التي تسارع غلى الأب إذا رأت أى عارض يعتري أولادها ويتعاون الاثنان بحكمة وتفهم وعلم إلى العلاج هذه الحالة قبل استفحالها .

إن الجهد الحقيقي للمرأة هو في رسالتها المقدسة قبل المجتمع وعليها أن ترعي الله سبحانه وتعالي في وطنها وأولادها وزوجها وبيتها إننا نحمل المرأة " الحامل " فوق طاقتها إنها لا تستطيع أن تؤدي عملها على الوجه الأكمل , وهي لذلك تلجأ إلى الأجازات من إجازة وضع إلى إجازة رضاعة إلى مرضية فإذا نادينا بإعفائها من هذا كله بإعطائها إجازة إجبارية بنصف مرتبها لمدة خمس سنوات أكون عدوا للمرأة .

ونقول : وهل من يفعل هذا يكون رجعيا وداعيا إلى عودة عصر الحريم ؟

الواقع أن الصحافة تقتل كل دعوة إلى الخير والحق وتجهضها حتى يظل طريقها ممهدا إلى الفساد والظلم والهدم ولكن إلى حين .

وتعلق جريدة الجمهورية في سخرية البعض يفضلونها ست بيت : ولكن السيدات يدمغن الصحافة فيقلن أن أغلب مرتب الزوجة يضيع في المواصلات والأحذية الملابس وهي بعد أن تفقد عافيتها تفقد أولادها الذين يتربون على أدي الخادمات وينشئون على عقوق كفة المكسب والخسارة .

الصحافة العربية تحارب التيار الإسلامي :

من ابرز الظواهر التي كشفت عنها الصحافة العربية في معارضتها للحق وفطرتها موقفها من التيار الإسلامي تحت اسم " العودة إلى الله " الذي حملت لواءه الفتاة المسلمة حين صدعت بالحق وخلعت الزي العصري والتمست الزي الإسلامي الأصيل , وإذا كان للصحافة لاحق أن تستكشف الظواهر الجديدة في المجتمع فإن من حق الناس عليها وإليها مسئولية الكلمة وأمانتها أنها إذا وجدت ظاهرة طيبة كريمة أن تشيد بها ولكن العكس هو الذي حدث فإن ذلك الصحفي الذي أوفدته مجلة صباح الخير إلى المدينة الجامعية للطالبات في جامعة أسيوط وتحدث إلى الطالبات عن حاضرهن ومستقبلهن لم يقبل اتجاه الأصالة والكرامة واتهم الطالبات بأنهن مضللات .

كان السؤال عن زوج المستقبل وكيف يكون اختيارهن له :

قالت إحداهن : إن الحب ليس شرطا للزواج وأن الواحدة منهن يجب أن تتزوج الرجل الذي يختار له والداها حتى لو كانت ترفضه .

فيعلق الصحفي فيقول ( صباح الخير 16 يناير 1975 ):

أى جامعة هذه وأى طالبات جامعيات هؤلاء في النصف الثاني من القرن العشرين حيث المرأة للرجل وتصعد إلى الفضاء إن كل ما يفعله المجتمع وكل ما تفعله الحكومة من تعليم البنت وتشغيلها وما تفعله زعيمات النشاط النسائي في مصر لتأكيد هذه المساواة وتربية المرأة المصرية على الخروج على عقلية الحريم تهدمه مثل هذه الأساليب في التربية والرعاية في المدن الجامعية للطلاب .

ثم سخر الصحفي سخرية واسعة من أن تنصاع الفتيات لرأي أسرهن في اختيار الزوج تخرجهن وتحدث عن العصور الوسطي كانت المرأة تستعذب الرق والخضوع للرجل والاستكانة إلى المنزل المتخلفة التي وضعها فيها بحكم السيطرة الاقتصادية .

وهكذا نجد أن الصحافة تحرص الفتيات على الخروج عن القيم والدين وطاعة الأهل وتدعون إلى التمرد والانحياز إلى دعاوي الانحلال والتحريض على الفساد وتحطيم قيم المجتمع .

كذلك ما نري من كتابة بعض المجلات النسوية من مهاجمة الفتاة المسلمة التي ترتدي الزي الإسلامي فقد كان انتشار هذا إلي طعنة في صدور تجار الفسق والفجور الذين يعيشون حياتهم العامة والخاصة دون قيم ولا مثل ولا شعور بكرامة الغرض .

إن أخطر تقوم به الصحافة أن تهاجم تيار الأصالة والكرامة والعرض الشريف وكل اتجاه كريم ويقوم صحفي قليل الثقافة والخبرة لا يعرف حدود الله ولا أصول الشرع لهاجم هذا الاتجاه وهو في ظل هذا الاتجاه يحمي أخته وابنته وأسرته من عوارض الفساد وتيارات الرذيلة وقد كان أول به أن يشجع هذه الظاهرة ويرعاها إلا من كان فينفسه مرض وله هوي مع الانحراف .

إن أخطر اتجاهات الصحافة هي تشجيع مثل هذا التيار الداعي إلى الانحلال المشجع لمثل هذه الانحرافات وغبن الاتجاه الأصيل في الطريق إلى الله وتحرير المجتمع من الفساد الذي قدمته الدعوات المنحلة والهدامة خلال سبعين عاما .

ولعلك تعجب حين تري جريدة وقورة كالأهرام تتهم السيدة خديجة رضي الله عنها بأنها حولت دارها إلى حزب نسائي ( الأهرام 21 -9 – 1975 ) ووصفتها بأنها كانت تدعو إلى تحرير المرأة

ويشير الدكتور يحى هاشم إلى انحدار الصحافة إلى هذا المستوي من الافتراء على احدي أمهات المؤمنين بأن ينسب لها ما هي منه براء دون بينة أو دليل معقول : إنه لا يوجد مرجع واحد يشير من قريب أو بعيد إلى هذه المزاعم الساقطة من دعوتها إلى حقوق المرأة أو منافستها الرجال في التجارة أو تزعمها النساء إلى تحرير المرأة ذلك أن هذه الحقوق نزل بها الإسلام بعد هجرة النبي إلى المدينة وتمكن من إيجاد المجتمع الإسلامي الآمن من كل سيطرة أو عدوان , والسيد خديجة توفيت قبل الهجرة بثلاث سنين , أما أنها كانت تنافس الرجال في التجارة فهو تعبير جارح لأنها رضي الله عنها ما تاجرت قط بنفسها بل وكلت عنها من يقوم بذلك من الرجال , وكان ذلك قبل الإسلام فلما تزوجت رسول الله صلي الله عليه وسلم تركت ذلك فلم تشتغل بأى تجارة لا قبل بعثته ولا بعدها وما سمعنا قط أنه كان للنساء أعياد خاصة بهن أو أن السيدة خديجة قد حولت دارها إلى مقر لحزب نسائي قبل الإسلام و لا بعده .

ولست تجد أغرب من مجلة مثل مجلة أكتوبر في اهتمامها بكباريهات شارع الهرم ومجتمع النساء الثرثارات فهي تفسح العديد من الصفحات للنساء التافهات وحفلاتهن الساطعة . ثم لأحمد عدوية مطرب السكاري والمخمورين والهاربين من وجه العدالة والقطط السمان في كباريهات الهرم , ثم هي توجه النقد والسخرية لمن يرتدين الزي الإسلامي ومن الدكتورة سعاد ماهر لأنها لو ارتدت هذا الزي الإسلامي المحتشم .

الباب الثاني: صحافة الإثارة والجنس

أولا : صحافة الإثارة والجنس

ثانيا : مدرسة الإثارة


الفصل الأول: صحافة الإثارة الجنس

(1)

لو أن مسابقة عالمية عقدت لتضع تعريفا موجزا للصحافة العربية في مرحلة الهزيمة والنكبة لما أمكن أن تخرج عن أنها صحافة الإثارة في كل ميادين الكتابة . صحافة البحث عن الكلمة الصارخة والحادثة المثيرة والموقف العنيف والصورة المكشوفة لقد كان رؤساء تحرير الصحف يسوقون المحررين والكاتبين يوما بعد يوم وساعة بعد ساعة للبحث عن المثير والغريب والشاذ.

وأن ذلك كان يستدعي أن تكون الحصيلة كلها هي التفاهة الإضحاك وتوهم أن الأمور حين يجري على طبيعتها وأن الأحداث حين تمضي في يسر فإن ذلك كله لا يعد عملا صحفيا ولم يكن هذا الاتجاه إلا واحدا من عدة اتجاهات في الصحافة الغربية ولكنه هو وحده الذي اختاره الذين أشرفوا على الصحافة العربية ليجعلوه منطلقا وحيدا إلى نقل الأحداث والأخبار والصور والمواقف إلى القراء في البلاد العربية إلى حد أن أحد رؤساء التحرير كان لا يقبل أن ينشر خبرا أو كلاما أو بابا من الأبواب إذا لم يكن " زاعقا " أو عاصفا أو فيه شقشقة الإثارة , فكل ما سوي ذلك يجب أن يلقي في سلة المهملات , وأن الصحيفة يجب أن تصدر وهي تحمل العناوين الصارخة وأن تتصدرها الأحداث المثيرة في الجريمة والجنس والحب والفن والمرأة .

ولقد كان من أثر ذلك أن نشأت في نفوس قراء الصحف في لبلاد العربية تلك " العادة " السيئة التي تضيق بالصحيفة إذا لم تكن تحمل المثير والغريب ولما كان المثير والغريب في طبيعة الأمور والحياة هو العارض الذي يحدث بين آن وآخر فقد أصبح ترقبه وانتظاره وطلبه عاملا خطيرا يدعو الكتاب إلى تصيد الأحداث وتحريف الواقع وخلق القصص الكاذبة والإضافة والحذف حتى يتحقق لهم إرضاء رؤساء التحرير بتقديم المثير والغريب إلى أن أصبح أحدهم يلجأ إلى التلفيق واختراع الأحداث .

وما بالك بخبر يروي عن جريمة من الجرائم فلا يهم الصحيفة إلا الجلباب ذي اللون الأحمر أو الأزرق الذي يلبسه المتهم أو الحذاء , أو القلنسوة أو أن تجد صحفيا ينقل فتاة تبيع أعقاب السجائر إلى لوكاندة فاخرة ويلبسها ملابس الراقصات أو الممثلات ثم يذهب بها إلى محل مصفف الشعر وإلى محلات الأزياء ثم إلى حفلات المثيرة وحفلات الرقص ليصور من ذلك كله " تحقيقا صحفيا " يقدمه للقراء .

هكذا تحولت الصحافة العربية في هذا المرحلة إلى صحافة الإثارة والجنس , من خلال تقديم الأخبار المثيرة والصور الصارخة , والبحث عن فتاة في عمار الناس و أو إجراء كلام مسموم على لسان ممثلة أو راقصة أو مغنية ن أولئك الذين ساهمن بجزء من أموالهن في رأس مال الصحيفة بإغراء أن تدافع عنها الصحيفة ضد من يحاولون الهجوم عليها أو ضد خصومها الآخرين .

والمعروف أن السيدة روزاليوسف الممثلة المشهورة قد اتجهت إلى إنشاء مجلة تحمل اسمها واستخدمت لها الأستاذ محمد التابعي بهدف واحد هو أن تهاجم خصومها من الممثلات المنافسات . ومن هنا أسهمت أم كلثوم في إنشاء أخبار اليوم التي حمتها من كتابات كانت تملأ الصحف عنها قبل ذلك .

وقد وصف محمد التابعي الذي كانوا يعدونه أستاذ الجيل كله من الصحفيين الذين خرجتهم مجلة روزاليوسف – الصحافة بأنها ذات تبعية خارجية متعددة الألوان, فقال بالنص :

" هذه الصحيفة ضيعة أمريكا وهذه الصحيفة مأجورة للإنجليز وهذه المجلة تصدر بأموال شيوعية وهذا الصحفي يتلقي أوامر ه ومرتبه الشهري من موسكو أو وارسو أو براج . وهكذا أصبحنا جميعا نحن الصحفيين بين فاسدين ومفسدين ومنافقين وخونة مأجورين للكتلة الغربية والكتلة الشرقية وأصبح الشعب في حيرة من لسانه المسموم , الصحف التي أيدت الطغيان ودافعت عن الفساد الصحفيون الذين مرغوا جباههم تحت أقدام الطغيان بعد أن أسفر الطغيان "( أخبار اليوم 25 – 10- 1952).

والمعروف أن محمد التابعي هو رأس مدرسة الإثارة , بدأها عام 1926 في مجلة روزاليوسف ثم بعد أن خردت روزاليوسف أجيالا من الصحفيين تبلورت المدرسة في دار أخبار اليوم التي صدرت عام 1943 واتسعت من بعد ووضعت اسم محمد التابعي على رأس جريدتها اليومية باعتباره الأستاذ الأعظم حتى قريبا من وفاته ( 1976).

وفي الناحية الأخرى كان فكري أباظة على رأس صحف دار الهلال فهو في مقدمة الذين عملوا مع أبناء زيدان ( إميل وشكري ) منذ عام 1926 أيضا إلى أن توفي عام 1979 وكان هو حامل لواء الصفحات المثيرة عن أخبار الناس وأخبار البلاج وملكات الجمال والسخرية بكل القيم الاجتماعية في مجلات المصور والكواكب وحواء ( وما تزال تصدر ) والدنيا الجديدة والفكاهة وكل شئ والاثنين ( وقد توقفت )

وقد مرت الصحافة بأدوار مختلفة كان أبرز اهتمامها أخبار الناس وتعقب الأسر والفتيات في البيوت وفي الأندية والاحتفال بأخبار علاقاتهم الخاصة والاهتمام بأخبار الممثلات والمغنيات والراقصات وتقديم ذلك على أوسع نطاق .

وقد تطورت أساليب الإثارة والإغراء بأن أصبحت هذه الأبواب تطعم ببعض الأخبار الجادة أو الأحداث التي تتعلق بالشخصيات العامة حتى تكسب ثقة القارئ فيها من باب الخداع ولكنها في الحقيقة لا تهدف إلا إلى تكبير صورة عالم الفن كما يسمونه والاهتمام به والتركيز عله وتكريم أهله ورفعهم فوق كل مستوي وآية ذلك باب :

أحاديث الناس في الأخبار بدون عنوان في الأهرام حديث المدينة في الجمهورية ولا يتوقف بث الإثارة عند هذا الحد بل أن يوزع توزيعا عادلا على صفحات السينما والمسرح والإذاعة وعلى صفحة الرياضة وصفحة الجريمة وصفحة الإذاعة ( هذا في الصحف اليومية ) أما فى المجلات الأسبوعية فإنه يتقدم إلى أبواب الرد على الأسئلة , والقصة , وهو وهي ,والبحث والكلمات المتقاطعة وباب الأدب وأسرار النجوم وغيرها وغيرها .

ففي كل هذه الأبواب سموم منثورة وأشواك مطروحة وكلمات موحية من هنا وهناك يراد بها تثبيت مفاهيم وأعراف وتقاليد تختلف تماما عن مفاهيم الإسلام وقيمه بل وتتعارض معها بحيث تصبح بتوالي النشر عنها أشبه بالمسلمات التي تبدو وكأنها مشروعة أو غير متعارضة مع ما تجري به الحياة الاجتماعية من انحراف واضطراب .

وفي مجال القصة والكرة والجريمة والصورة العارية والكاريكاتير الساخر والشباب والمرأة تجد السخرية اللاذعة بكل مفاهيم الدين ورجاله والدعوة إلى تجاوز الحدود والضوابط التي تحقق الأهواء والرغبات وفي المجموع العام للحصيلة التي تقدمها الصحافة تجد ظاهرة " التفاهة" فالمحاولة كلها تهدف إلى خلق مزاج نفسي اجتماعي من مجموعة من المعلومات السخيفة الساذجة التي تجعل من أبناء المجتمع جماعة من التافهين الذين لا يستطيعون الارتفاع إلى قدر من الثقافة العالية أو الفهم الأصيل للحياة أو امتلاك الإرادة لمعرفة وبحث ودراسة القضايا العليا .

يبدو ذلك واضحا في الموضوعات المثارة دائما :

الراقصة التي قادت مظاهرة في الأمم المتحدة.

من هي مدام نو : المرأة التي ترأس شبكة مخابرات مكونة من2 مليون فتاة وسيدة .

من هي الراقصة الثرية المشهورة التي كتب عنها الجراح نجيب محفوظ في مؤلفاته ومن ذلك قولهم : إن أم كلثوم مثل الأهرام .

وتمضي صحافة الإثارة في تتبع تفاصيل الفضائح بكل ما فيها من إثارة وقذارة وخروج على أبسط ما يجب أن تضعه أمامنا من حدود تفرق بين الخير وبين حواشيه الداعرة , وهي حين لا تجد قصصا جديدة تجدد القديم مثل قصة كريستن كيلر إنه انتقاء دائم للمثير الذي لا ينبغي أن يكتب ولا أن يقال ويري بعض الصحفيين أن الإثارة هي سر النجاح الصحفي ووسيلته .

وما من صحفي يذهب إلى بلد من البلاد إلا وتكون مهمته الأول هي هذا الجانب, , إبراهيم سعده يكتب من هونج كونج: خمر وجنس وأفيون سعيد سنبل يكتب من لندن عن التقليعات الشاذة والهيبة والنساء الداعرات والخنافس.

ويكتب أنيس منصور عن مؤتمر الأدباء في بغداد فيقول أن الأدباء كانوا يجلسون في عشرات المطاعم في شارع أبي نواس يأكلون ويشربون ويضحكون ويحبون وينظرون بعين واسعة جريئة إلى الميني جب تحت العباءة السوداء ثم يقول هذه العبارة الشريرة :( ويبدو أن هناك اتفاقا سريا بين النساء والرجال أن تكشف المرأة وبسرعة صدرها وساقيها بشرط أن ينظر الرجل )

وهناك مقالات عن بعض البلاد الأوربية لا تعدو أن تكون إعلانات للسياحة موضوعة في قالب مقال أو تحقيق صحفي عشرات المقالات للتابعي وطه حسين تتحدث عن الإغراءات وكيفية استقبال الربيع في باريس وصور عارية وخمور ونساء وحديث عن مونت كارلو التي تقوم على القمار وهناك صور الفساد المختلفة بهدف إغراء القادرين على الذهاب للإنفاق بل إن التابعي لم يتورع أن يكتب في يوم ما عن رحلات التصييف إلى مصايف إسرائيل !

ويفيض التابعي في الحديث عن الشذوذ الجنسي الذي أصبح في بريطانيا عملية قانونية أو ما يسمونه الجنس الثالث :نتيجة انتشار موضة الخنافس في أوربا .

ويقول التابعي أن هذا ليس غريبا فإن الشذوذ قديم قدم التاريخ ومنذ عهد لوط هل مهمة الصحافة : هي غرض الشر أم تبرير الشر .

تقول جريدة أخبار اليوم : كانت النتيجة ظهور جنس ثالث غير الرجل والمرأة جنس لا يمكنه أن يجزم بأنه فتي أو فتاة لأول وهلة ولقد أطلقوا على هذه التقليعة اسم الجنس الحيادي أو الجنس الموحد .

( الولد أشبه بالبنت والبنت أشبه بالولد إلى حد كبير )

هل هذه مهمة الصحافة غرض الشبهات دون تعليق هذا خبر غربي لا يتصل بمجتمعنا فلماذا الاهتمام به , وإذا عرض أفلا تقتضي الأمانة الصحفية ومسئولية القلم الذي أقسم الله تبارك وتعالي به والذي سوف يسأل أصحابه يوم القيامة لها الحقيقة : أن هذه المحاولة مؤامرة لها هدف ومخطط له ترتيب في بروتوكولات صهيون يرمي إلى القضاء على الأصالة وهدم رجولة الرجل وأنوثة الأنثي لا تثريب على الصحف أن تنشر أخبار العالم ولكن من مسئوليتها أن تهتدي إلى الحق وأن تفسر الأمور وأن تقول للمسلمين والعرب شيئا يتفق مع قيمهم ومفاهيمهم إنهم .

إن هذه الأخبار تستهدف إغراء ذوي النفوس الضعيفة والسذج والأغرار وترمي إلى نشر التفاهة ومحاولة إغراء القارئ العربي والمصري ليعجب بها وتلقفها ويحاول تقليدها على النحو الذي نراه من تأثير أفلام الجنس والجريمة حين يقوم الشباب بتقليد وقائعها ولا تستحي الصحف أن تقول إن ظهور الخنافس أدي إلى نجاحهم وجعل الشباب والفتيات يقلدونهم في كل شئ .

(2)

لا يتوقف بث السموم في مجال واحد , بل إنه متصل ومستمر على جميع الجيهات .

أولا : محاولة نقص مفاهيم هي من صميم الدين كالجدل حول الختان وإثارة الشبهات حوله والدعوة إلى إلغائه والسخرية به ووصفه بأنه مصدر الشر والسخرية بالقول الصادق من أن يحمي الفتاة من الانحراف لماذا ؟ لأن أصحاب الشهوات يريدون أن يحطموا أمرا يزعجهم هو ختان الفتاة المسلمة الي يجعلها بعيدة عن مؤثرات الإغراء إنهم يحاولون أن ينكروا علاقته بالدين يقولونه أنه عادة وأن عليه أن يختفي لا لأن الأوربيين لا يفعلونه بل إنهم يرونه مظهرا من مظاهر التخلف وهو ليس كذلك إن دعاة هذه القضية ورجال العلم المادي لا يعلمون أبعاد هذه الفريضة الدينية ويرددون أنها عادة سودانية تتبع لتجريد الفتاة الصغيرة التي تصل مرحلة البلوغ بحكم ظروف مناخ بلدها الحار في سن مبكرة لا تزيد عن عشر سنوات , تجريدها من أجزاء ذات حساسية في جسدها الصغير وتجعل نضوجها الجنسي يتأخر لأقصي درجة ممكنة وان هذه العادة تحقق السعادة لزوجها عند الزواج هذا ما يرددونه وهو كله كذب وهراء فإن الختان له آثار طيبة وقد أمر الرسول صلي الله عليه وسلم على نحو معتدل فقال :" ولا تنهكي" فهو نظام اجتماعي له أهميته ونتائجه الطيبة ولكنه يجد من الصحافة الهدامة دعوة مستمرة إلى الاعتراض .

ثانيا : ترويج نظريات فاسدة كاليوجا :

فإن الصحافة لا تلبث أن تردد هذه الدعوة الضالة وتوحي للقارئ بأنها علاج ونجاح وتجزم بالنتائج ولا تقول مرة أنها محاولة أو فكرة قد تصلح أو لا تصلح وتقدم تجارب إميل سمعان وغيره كنت تلميذا في مدرسة اليوجا ويردد هذا لهراء أحمد رجب وغيره .

ولو دروا أنهم مبطلون فإن في الإسلام كل خير في اليوجا وفي حماية من شرورها .

ما معني أن أميل سمعان يذهب إلى الهند ثلاثة شهور في السنة حيث يصعد احدي قمم الهملايا ويظل واقفا على رجل واحدة لمدة شهرين متنفسا من جانب واحد من أنفه لمدة شهرين ثم يعود مشيا على الأقدام وأن المشي فوق سطح المحيط الهندي ممكن لليوجي المخلص .

ما هذا العبث الذي تنشره الصحف لتضحك على ذقون الناس وتخدع السذج والأغرار وتنشر التفاهة تحت دعوي عريضة هي نشر الجديد والمثير .

ويتساءل أحمد رجب : أتري لو أخلصت لليوجا أصل إلى مرحلة الرادجايوجا وبذلك أقف على قدم واحدة ولكن بلا قدمين أصلا ويعني معلقا في الهواء , ويقول : تصورت أن الصديق يقوم معي بدور أبو لمعة وأنا الخواجة بيجو , ونحن نقول : إذن لماذا تقديم أمثال هذه التفاهات لأمة لها من مفاهيمها وصلاتها وعبادتها ما يحقق لها كل الآمال المرتجاة من التركيز والصبر وسلامة الرؤية وحسن العمل وبناء الإرادة .

يا قوم : لسنا في حاجة إلى أهوائكم وتفاهتكم فكفوا عنا .

إن المسلم ليس في حاجة إلى إراحة الأعصاب من التشنج أو التوتر المرهق لهما فهو يؤمن بأمر الله كله ويرضي عنه , وهو مستغن عن اليوجا التي تدعون أنها تركز الذهن بهداية القرآن وجمع القلب حول مناجاة الله باسم من أسمائه والإقبال عليه بالصلاة التي تعتبر أعلي درجات ذكره ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) فهذه طريق الإسلام إلى توفير سلام النفس وتخليص الإنسان من همومه اليومية وتوتر الأعصاب ..

ثالثا: الترويج للسوالف الطويلة والقمصان الملونة :

تهتم الصحافة بنشر أخبار الحلاقين الذين يتحدثون عن " موضات جديدة للسوالف وحضور مؤتمرات تعقد في أوربا لهذا الغرض ووصفات تتعلق بإضافة محلول كذا إلى الماء أو إلى العطر لإحداث تلميع أو تبريز للشعر وكان على الصحافة أن تكون أمينة على شباب الأمة وأن تكشف له عن خلفية السوالف الطويلة وأنها من ابتداع الصهيونية التي عملت على إشاعتها لتجرب مدي قدرتها على بث التقليعات القبيحة والشاذة بين الشباب ومدي تأثيرها عليهم وقصة سوالف اليهود معروفة منذ أخرجهم ملك بابل إلى أرضه 587 قبل الميلاد هناك أرادوا تمييزهم ليعرفهم الناس فأمروا أن يطيلوا سوالفهم واعتبرت هذه السوالف سمة لهم ( دبو الزلف) وفجأة ظهر ممثل يهودي في رواية سينمائية بسوالف طويلة لأنه يهودي يمثل دور يهودي متدين وبدأت اللعنة .

واستطاع اليهود خداع الشباب في العالم كله فجعلوا يهودي المظهر والهوية .

رابعا: مودة الصدر المكشوف :

وتعجب حين تري رجلا معدودا من العلماء أمثال الدكتور حسين فوزي يكتب في الأهرام ( 21 – 8 - 1964 ) عن مودة الصد المكشوف وبعد أن يفيض في هذا الحديث ويحسنه ويغري به كل قارئ يقول وفي الله بلادنا هذه التبرجات المهبولة ونقول : كيف نتقيها وفينا من يعرضها ويقدمها في إغراء شديد وإعجاب بالغ مع صور غاية في الكشف والإغراء .

والدكتور حسين فوزي لا يتردد في القول بأنه من دعاة الحضارة الغربية في فسادها ومجونها وانحرافها وفنونها الداعرة من موسيقي ورقص ومسرح ولا يترك فرصة دون مهاجمة الحضارة الإسلامية والادعاء كذبا بأنها انتهت ويكذب حسين فوزي حين يري أن شئون الزينة تتصل بالعادات والتقاليد بينما هي في الحقيقة من أصول الأخلاق .

خامسا: تأصيل كتابات الجنس :

وذلك باستغلال الأحداث وإبرازها والتوسع فيها وتحويلها من أحداث فردية إلى ظاهرة عامة في المجتمعات ونقلها إلى مجال القصة وإلى مجال الجريمة وإلى مجال الاجتماعات والتركيز على المرأة تركيزا شديدا : ملابسها , أزيائها , مفاتنها , المرأة في السينما , المرأة في الرقص , المرأة في الغناء تحت اسم الفن ووضع إطارهن وهمي زائف لهذه الصور واعتبار الفن علما له أصول وواقع له قداسة وتقدير معجبون ورسالة ووصف هذه الرسالة بأنها كرسالات الأديان ويهدف هذا كله إلى خلق مثل أعلي ( ضال ومسموم) للفتيات من الفنانات والراقصات والمغنيات وخلق مثل أعلي للشباب من لاعبي الكرة والممثلين والراقصين وهذه هي أخطر محاولة للصحافة وكل ما وراء الصحافة بعد ذلك لا قيمة له وقد رفعت الصحافة كتاب أدب الفراش وأغاني الجنس إلى أعلي الدرجات أمثال يوسف السباعي وإحسان عبد القدوس ونزار قباني .

ثم هناك الخوف المبيت من كلمة الدين واعتبارها مصدر الخطر والمراوغة في تفسير واعتبار كل من يدعو إلى أخلاقية المجتمع أو تطبق أصول الشرع مخرفا أو دجالا أو راغبا في الهدم هكذا تنطلق أقلام محمد التابعي وإحسان عبد القدوس ومصطفى أمين أحمد بهاء الدين .

وقد زيفوا المثل الأعلى للمرأة وقدموا للشباب صورة أخري باهتة تافهة وزيفوا المثل الأعلى للرجل وقدموا للفتاة صورة منحرفة خادعة ودخلت مفاهيم زائفة وكاذبة على علاقات الشباب والفتيات والمرأة والرجل هدمت الأسرة ولقد كان حقا للمرأة أن تسال : ما هو المثل الأعلى للشباب الذي يصلح زوجا , رجولة وإيمانا وخلقا وكذلك على الرجل أن يسأل عن الفتاة المؤمنة أما هذا الزيف فإنه مضروب بالباطل وذاهب إلى نهايات كلها هزيمة وشر .

سادسا: فساد مفاهيمهم عن الموت :

يقول يوسف إدريس في ظروف وفاة كامل الشناوي عن الموت :

"ولكن الغادر – أى الموت – لم ينتظر لكي يريه الفجر , ضن عليه ببضع ساعات يا موت رفقا بكامل الشناوي يا موت دعه يرى الشروق وهو يقبل على القاهرة كما كان يريد يا موت حين تحين النهاية اجعله ينام في سلام كما ينام الأطفال بربك خذه وهدهد عليه ضمه بحب كما كنا نضمه , كم كان شفافا أيها المعتم , كما كان ذهبا متوهجا يا أيها الغبي المغلق كم كان إنسانا , كم كان يخافك يا ملعون , يا حق , يا من لا مهرب منك , ولكن الموت , ذلك الصديق الغادر , في غل بارد وبإرادة حديدية متجمدة كان يضمر له النهاية فاجأه مرة بأن انقض عليه وحيدا من فرط ثقتي قد خلت أنه أقوي من الموت حتى لو ربط الموت في فراشه كنت متأكدا أنه خالد , يا كامل لا تمت تلك اللحظة التي تلقي فيها عدوا ظالما خشيته النهاية التي ليس بها إلا رفيق كثيب مستمر لا يأخذ ولا يعطي ولا يتكلم ".

هذه هي مفاهيمهم عن الموت وحديثهم معه , وهو حديث ضال مظلم يدل على أن صاحبه لم يعرف كلمة واحدة من المفاهيم التي قال بها الدين أى دين – عن الموت , لقد كان أولي به أن يخشع وينتظر نفس المصير ضربة القدر قبل الموت التي تلحق بكل هؤلاء الضالين المبطلين الذين لا يعرفون الله ولا يلتمسون طريقه الحق .

وماذا كان يفعل كامل الشناوي بالصباح إذا أشرق إلا أن يلقاه كما كان يلقاه دائما غارقا في أهوائه هل كان ينادي الله إذا أشرق الصباح أو يتذكر أن يوما جديدا قد أقبل من عمره وأن عليه أن يعمل فيه خيرا أم أنه كان يستقبل الصباح بالنوم , ويستقبل الليل بالسهر , دون أن يستجيب لحق واحد من حقوق الله عليه أى رفق يتوقع يوسف إدريس من الموت لهؤلاء الضالين الذين لم يضعوا جباههم على الأرض لله يوما وكيف يمكن أن يخاطب الموت بمثل هذه اللغة والموت حق نعلم جميعا أنه ينتظرك وأنه ينقلنا إلى عالم جديد وأن الموت ليس هو النهاية التي يتصورها يوسف إدريس حين لا يؤمن بالبعث من جديد والوقوف بين يدي الله والحساب والجزاء فما الموت إلا نقلة من حياة إلى حياة أخري وهي لا تخيف إلا الضالين والظالمين الذين لم يقدموا شيئا والذين عاشوا حياتهم في أهواء التيه والضلال .

أما كامل الشناوي فحسابه اشد عسرا لأنه حفظ القرآن وتعلم في الأزهر ونشأ في بيئة الدين ثم خرج على كل هذه القيم وهجرها وفضل حياة الضلال والهوي . ولا ريب أن إذاعة هذا المفهوم الفاسد عن الموت كما يصوره دعاة الفكر المادي وكتاب الوجودية والماركسية حين يتردد في مقالات تنشرها الصحف كل يحن إنما يوحي للقارئين بأنه مفهوم الموت بينما هو مفهوم زائف مضلل وأن مفهوم الإسلامي الأصيل يختلف عن هذا اختلافا كبيرا فنحن نؤمن بالموت كحقيقة أساسية يقوم عليها مفهوم العمل كله في الدنيا وان الدنيا مزرعة الآخرة ولذلك فنحن لا نخاف الموت ونؤمن بأنه يحمل للمؤمنين الرضوان والخير وأنه نهاية كل حي وأنه حين يأتي فتلك نهاية عمل الإنسان في الحياة يتقبلها في رضي واستبشار وليس في جزع وخوف وذلك أنه لا يخاف الموت إلا أصحاب الأعمال الشريرة الفاسدة أولئك الذين باعوا آخرتهم بدنياهم فهم يرهبون لقاء الموت لأنه يضعهم على حافة الحساب والعقاب .

سابعا : ترديد الدعوات المسمومة التي أذاعها الانحلاليون والماديون في الغرب ومن مثال ذلك ما تجد من عشرات الأحاديث والقصص والكتابات عن سارتر وفرويد وماركس وهربرت ماركوز وكلها كتابات تحفل بالعبارات المسمومة والإيحاءات الضالة .

فسارتر تصدي لقيم المجتمعات وسخر من المفاهيم الأخلاقية وحرض بالثورة على الآباء وتقاليدهم والتهكم على المجتمع والاستهتار بأوضاعه ونادي بأن الإنسان ما ولد إلا ليموت وما أحقر الحياة إذا لم يقطف الشباب قطوفها دون ما خوف من حساب أو عقاب مشكوك فيه وقرر أنه ليس وراء الموت إلا الموت وما الله – جل وتعالي عما يقولون علوا كبيرا وجنته إلا أفيون الشعوب , ونادي بالعودة إلى الدهرية القديمة وفكر الجاهلية الأولي .

ولا ريب أن سارتر وفلسفته قد أدت دورا كبيرا في هدم المجتمعات الغربية وإفساد الشباب وتدميره وكانت أحدث وسائل الفكر الصهيوني التلمودي في تدمير المجتمعات وقد ركزت على الشباب بالذات لتحطيم معنوياته ودفعه في طريق الغواية وتحرض الصحافة العربية على أن تقدم أفكار هربرت ماركوز اليهودي الذي اتهم كلا من الرأسمالية والإشتراكية بالمادية ووفرة البضائع الاستهلاكية وبعدهما عن الوجدان والروحانيات , والذي يتجه إلى هدفه الحقيقي من اتهامه وهو تحريض الطلبة والنساء والزنوج والمتنورين في كل مكان للخروج على المجتمع القائم إلى مجتمع اللذة تباح فيه المحظورات والاستمتاع الجنسي والعاطفي والجمالي بلا رادع من دين أو خلق أو تقاليد .

وتحاول الصحافة العربية أن تنقل نفس المادة وتقوم بنفس الدور الذي تقوم به الصحافة الغربية من حيث تخدير الشباب بواسطة الأغاني الصارخة والرقصات والاسطوانات وتيارات الخنافس وأمثالهم وخلق روح السلبية واللامبالاة والابتعاد عن المشاركة الجدية في مجتمعاتهم وقضاياها العامة لك يغرقوا في مشاكل فردية سواء أو تستحوذ عليهم العادات الاستهلاكية الرأسمالية .

ثامنا : وضع الكتابات الجنسية بسمومها في قالب خداع :

وقد حرصت الصحافة أن تنجح في الترويج لأهدافها عن طريق المراوغة والخداع والتضليل فجعلت في جزئيات من هنا وهناك كلمات تحمل طابع الحماس الوطني أو الدفاع الخلقي هذه السطور لا قيمة لها إزاء الصفحات الواسعة والموضوعات المتعددة المليئة بالسموم بل لقد برع كتاب الجنس في تقديم مادتهم فإنهم يأخذون من الأحداث الواقعة غلافا للإباحية من حيث استغلالهم للسياسة والأحداث الوطنية وغيرها ليجعلوها إطارا يصبون فيه سمومهم محاولين إرضاء القراء بإثارة مشاعرهم وأهوائهم تحت أسماء كثيرة وقد تعجب أن يقدم لك الكاتب كل الأحداث المشينة بتفصيلاتها التي تتقزز لها النفس ثم يختم القصة بأن يقول أن البطل هزم أو مات أو قتل أو تحطم لأنه كان فاسدا إن هذه النتيجة السريعة لا تؤثر في النفوس شيئا إزاء التفصيلات الواسعة والوقائع المريرة المكشوفة التي تبقي صورها في الذهن والنفس وتفعل في أعماق الشباب والفتيات ومن ذلك أكاذيبهم وأضاليلهم حيث يصفون المرأة القائمة على أسرتها وأولادها بأنها المرأة التي سجنها المجتمع وجعل وظيفتها في الحياة إنجاب الأطفال وتربيتهم وهذا يستدعي مهاجمة المجتمع الذي يظلمها ويطالب لها الكاتب بحقها في الحرية والحب ومثل هذا يفعله إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي , ونجيب محفوظ في قصصهم ونحن نسألهم : أين هي المرأة التي أزعجها أن تكون أما وربة أسرة ؟ ومتي أحست بأنها مظلومة أو مسجونة وما هي الحرية التي تطلبونها لها إلا أن تكون الفساد والإباحية .

وهم يطلقون على هذه الدعاوي المسمومة " تغيير المفاهيم الخاطئة في المجتمع بينما هم الخاطئون الذين يعملون على هدم القيم والأخلاق والأعراف الكريمة القائمة على المحافظة على العرض وصون الشرف وحماية العفاف .

وتقول الدكتورة بنت الشاطئ في هذا المجال :

إن كون الكاتب يصف موقفا أو مغامرة بكل دقائقها وتفاصيلها دون تحرج فهذا يمكن أن يقوم به رجل الشرطة حين يضبط واقعه فعل فاضح أما الأدب فهو شئ أخر إنه تعبير عن وجدان وليس طبعا الأصل إن هناك فرقا بين الكتابة للإثارة وكون الكاتب موقفا أو مغامرة .

تاسعا : العمل على تلخيص الكتب الجنسية والأفلام الجنسية وشرح الفلسفات المادية هذا عمل حرصت الصحافة العربية على تقديمه لإحداث بلبلة خطيرة في نفوس الشباب والفتيات , وقد تولي هذا صحفيون كثيرون في مقدمتهم أنيس منصور والذي قدم ركاما أسود مظلما من الفلسفات والمذاهب وانتحل أباطله المدمرة سواء منها اليونانية أو الشرقية أو الحديثة في موضوعات غامضة مختلفة كالسحر والأساطير خلط فيها بين جد الفلسفات وهزلها وبين صححيها وفاسدها في عملية عجيبة يحاول فيها تقديم الغريب والمثير دون تقدير لمسئولية الكاتب ومهمة صاحب القلم في حماية القارئ من السموم والعثرات و وتقديم الخير له , المرأة هي الرسالة الأولي المضطربة المضببة, تاريخ المرأة في بابل وآشور والحضارة الفرعونية وعند الهنود وعند الإغريق وعند الرومان ثم في الغرب الحديث أما عن الحضارة الإسلامية فلا شئ إلا سطور قليلة لا تشفي غلة ولا تكشف جوهر هذا الفكر وهذه الحضارة لأنها ليست مجالا لتقديم سموم – فهي متروكة بالكلية , وكأنما هو مكلف بإبتعاث كل فساد وسموم وسيئات الفكر البشر القديم الذي دفن ومات بمجئ الإسلام والذي أحيته التلمودية الحديثة إلى الفكر الغربي لتفسده وتزيفه وتدمر النفس الإنسانية به, ثم جاء أنيس منصور مع من جاء لينقله إلى العربية وينشره في صحف توزع الألوف والملايين ويقرؤها السذج لينقله والبسطاء والشباب الصغير دون أن يعرف خلفيات الكلمات ولا هدفها ولا وجهة نظر الإسلام فيها .

إن هؤلاء الكتاب متهمون بأنهم مثيرون للسموم مجددون لعناصر الإفساد فإن كانوا لا يعلمون مدي خطر الدور الذي يقومون به والأثر الذي يتركونه في نفوس الشباب والفتيات وعقولهم فتلك مصيبة وإن كانوا يعلمون الدور الذي يقومون به ويعرفون أبعاده فإن حسابهم عند الله جد عسير .

وتعجب حين تقرأ الأنيس منصور مثلا قوله : نحن نعيش في عصر الإثارة الجنسية وليس في عصر الجنس , فالجنس من ألف سنة كان أعنف وأقوي وأكثر تنوعا من الجنس الآن , وفي استطاعتك أن ترجع إلى ألف ليلة وإلى شعر أبو نواس وإلى مقامات الوهراني وإلى كتاب الروضة العطرة وإلى قصور الملوك في فرنسا أنها مليئة بأشكال وألوان من الجنس أكثر بكثير مما جاء في مؤلفات المركز دي أما العصور الذي نعيش فيه فإنه عصر الإثارة الجنسية , عصر بلبلة العواطف وتقليب المشاعر وتضليلها الأغاني مثيرة والمجلات والأقلام كذلك ,والرقص والانفجار ..."

ويحرص هؤلاء الكتاب أن يقدموا في الصحافة العربية نماذج مظلمة لماذا يحرصون على تقديم هذه الوجوه الطالحة والنفوس الشريرة المفعمة بالسوء والإثم .

إن أحد هذه النماذج التي يقدمها أنيس منصور : آندريه مالرو يقولوا " لقد انتحر جده وأبوه أيضا انتحر وكان مالرو في الرابعة عشرة من عمره ولا يعرف ماذا جري لأبيه , كل ما عرفه أنه ابتلع كمية من السم, وخشي الأب وهو يترنح أن يظل في غيبوبة دون أن يموت فأطلق على نفسه الرصاص , وحزن مالرو على والده ولم يحزن على ما صار إليه أمر الأسرة فالسرة لا تهمه وهي رباط متين ولا هي علاقة إرادية , ولا هي أى شئ . وكل ما كان يربطه بالأب هو أنه نسخة من أبيه , وصورة هذا الأب تطارده في أخلاقه على شكل قط أسود مخيف , فهو هارب من أحلامه هارب من شعوره ".

هذه هي نماذج تقدمها الصحافة الغربية في فترة النكبة والنكسة والهزيمة لأبناء الأمة العربية .

ما قيمة هذا كله في أن يقدم للقارئ العربي ألا يوجد لدي مالرو فكرة أو فكرتان إنسانيتان يمكن أن ينتفع بهما الناس ,و لكن الهدف من الترجمة هو تقديم سموم الناس لقد كان مالرو ملحدا وكان فاسقا فلأي شئ ننقل عنه إذا لم يكن لنا هدف .

عاشرا : تحسين الجريمة والخمر والبغاء :

لأول مرة نجد صحفيين مسلمين يدافعون عن البغاء وعن الفساد الاجتماعي ويقاومون كل صيحات الدعوة إلى الحد من القمار او الخمر في المجتمع نجد في مقدمة هؤلاء محمد التابعي في مقدمة هؤلاء الصحفيين في جرأة غالبة وتتبعه مدرسة أخبار اليوم وروزاليوسف هذه المجلات التي ما تزال تهدير بالسموم مجلة حواء وصباح الخير , وروزاليوسف , والكواكب , وآخر ساعة وأخبار اليوم من صور غاية وتجسيم للجنس حيث يكتب مصطفى أمين وزكي عبد القادر وهما فوق الستين قصصا غريبة , يقلد فيها مصطفى أمين وإحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ وينشر فيها زكي عبد القادر كل آراء تجري على ألسنة المفتونين والمغررين .وتجد الجريمة صفحات أسبوعية متصلة , تروي الجرائم المختلفة التي تقدم للشباب مجموعة من المفاهيم الخطيرة عن عصابات تسرق السيارات والبيوت ومصوغات السيدات وتقدم الصحافة التفاصيل الدقيقة لهذه الجرائم على نحو يجعلها أشبه بالبطولات وتكشف هذه الحوادث عن أن مجموعة كبيرة من الشباب والطلاب قد انحرفوا نحو هذا الاتجاه .

وتدافع الصحافة العربية عن الخمر بأن تنشر إعلاناته وأن تورده في كل قصة ورواية بل وتدافع عنه عن طريق شار بيه ومدمنيه الذين يدافعون عنه أمثال يوسف وهبي ( مجلة روزاليوسف - العدد 1457)

قال : لا أري تحريم أى شئ طالما أن الضرر أو النفع يعود على الشخص نفسه فأنا أمقت تحديد الحريات ما دامت هذه الحريات تعبر عن إطلاق القيود في المجتمع وكل امرئ مسئول عن عمله وكل فرد منا له عقل يعرف كيف يتصرف به , فإن من يمنع شيئا بالقوة مثل من يمنع اللص من السرقة بوضعه داخل أربع جدران وتحريم الخمر يماثل أمر الحاكم بأمر الله الذي قضي على زراعة الكروم ليمنع الناس من شراب النبيذ ".

وينسي يوسف وهبي أو يتجاهل مدي الأخطار الاجتماعية التي تصيب شارب الخمر وتحريم الشرائع والأديان لها بل ويتجاهل ما يقوله الأطباء من أخطارها على الكبد والمعدة والعقل .

ويتحدث موسى صبري عن حرية الحب في السويد , وينقل إلينا الصورة مع اختلاف البيئة والزمن والدين والتقاليد والقيم الاجتماعية ويقصد بحرية الحب , حرية الجنس ويفيض في الحديث عن التجربة التي تعلم الجنس للفتيات في سن مبكر واعتبار الجنس متعة كالطعام والشراب والملابس , ويردد عبارات أساطين الجنس والانحلال فيقلو : إن ما يباح للشاب يجب أن يباح للفتاة وأن أحدهم يقول أنه يحترم العلاقة الشاذة بين أخته وصديقها وإنها مسئولة عن نفسها تماما .

ولا يتردد موسى صبري أن ينقل لأبنائنا تلك السموم التي ترددها كتابات دعاة التحلل وتدمير المجتمعات كأنما هي " التصريح الذي يؤهلهم لتسم مراكز القيادة في الصحف ويتساءل موسى صبري ماذا تفعل الفتاة إذا أصبحت إما بغير زوج ؟ والجواب : هو إما أن تتخلص من من جنينها أو أن الدولة كفيلة برعايته , والابن غير الشرعي له تقدير في نظر المجتمع وهكذا نجد أن الصحافة تنقل لنا سموم المجتمع الغربي لا بقصد تفسيره في ضوء مجتمعاتنا ولا من أجل تبريره والدفاع عنه بل لهدف أخطر أشد خطرا هو أن تصبح مجتمعاتنا منقادة لهذه الأعراف عنه بل لهدف أخطر وأشد خطرا هو أن تصبح مجتمعاتنا منقادة لهذه الأعراف الفاسدة الضالة وقابلة لها وهم يضعون بين يدي المنحلين والفاسدين العبارات والوسائل والدفوع التي يتذرعون بها في دعواهم وفي محاولاتهم لخداع الفتيات واغتصاب البريئات :

" الابن غير الشرعي له كل تقدير في نظر المجتمع ".

هذه العبارة لا ترمي إلا إن تهدم مقومات هذا المجتمع المسلم الذي يقوم على أساس حماية العرض وإنكار الزنا وتقوم شريعته الإسلامية على أساس الضرب على أيدي المفسدين بالجلد والتنكيل .

ثم يصور لنا موسى صبري كيف أن هذه الدول التي يصل الدخل القومي فيها إلى أعلي مستوي في العالم يقوم شبابها على أساس إدمان المخدرات والخمور وأن عشر الذين يصلون إلى سن البلوغ في السويد يتعرضون لاضطرابات عقلية تلازم أمراضهم الجسدية ألا يكفي هذا في نظر الكاتب صاحب الأمانة لوطنه وقومه أن يتوجه إليهم بالحديث على نحو آخر .

ولكن هذه هي الصحافة ورسالتها كما فهمها هذا الجيل وهي التي وصلت بهذه الأمة إلى الهزيمة والنكبة والنكسة , وتتوالي كتابات هذا الجيل كله دفاعا عن فساد الواقع والشباب والمرأة هذه الكتابات التي حطمت القوائم الأخلاقية لهذا الجيل وأعدت الوسائل لتدميره فهم فرحون بذلك ولذلك فهم لا يوجهون هذا الجيل ولا ينصحونه ولا يدفعونه إلى الطريق الصحيح ولكنهم يغشونه ويدللونه .

وهم مستمرون في عملهم من أجل تحقيق الهدف الاسمي الأكبر وهو تدمير قوة هذه الأمة ممثلة في شبابها فلابد أن تجد أنيس أنيس منصور وموسى صبري وزكي نجيب محمود ويوسف إدريس يدافعون عن هذا الجبل بالباطل ولا يحاولون إصلاحه بل ويعملون في سبيل نقل أشد الصور اضطرابا وفسادا في الغرب ليضعوها تحت نظره ولتكون حجة له وأداة في الدفاع عن تحلله وهزيمته كأنما يدفعونه إلى مزيد من الانحراف والاضطراب .

ولقد عاش أنيس منصور سنوات عمره كلها يترجم هذه السموم ويقدم هذه الكتابات الجنسية والأساطير والقصص والصور الفاسدة والمضطربة التي يقرؤها الشباب والفتيات في طول لبلاد وعرضها عن طريق أخبار اليوم على أوسع نطاق وفي خلال سبعة عشر عاما يتصدر الصحيفة الأخيرة من الأخبار لينقل سمومه دون توقف .

حادي عشر : الدعوة إلى إعادة البغاء :

طالب يوسف السباعي أنيس منصور بالعودة إلى الدعارة العلنية بدعوي أن ذلك يقضي على القلق الذي يساور الشباب في المجتمعات ولو كانوا صادقين مخلصين في النصح لطالبوا بأسلوب من التربية الدينية والخلقية فهذا وحده هو الأسلوب الذي يؤدي إلى إنقاذ هذه الأجيال أما هذه الدعوي المسمومة فإنها لا تحقق إلا مزيدا من الفساد , وما تزال تجربة البغاء التي عرفتها البلاد العربية في ظل النفوذ الاستعماري معروفة وقد ظل معسكر العاهرات أكبر مصدر لنشر الأمراض السرية التي فتكت بأجسام وعقول الآلاف من الرجال والتي دمرت الآلاف من العائلات وأشاعت البؤس والشقاء بين آلاف الأسر .

كذلك فإن هناك الدعوة إلى الاختلاط في المدرسة والعمل بحجج واهية باطلة فقد ثبت أن هذا الاختلاط مصدر فساد شديد وكل ما يقال عن الاختلاط لن يحقق إلا مزيدا من عوامل الإثارة والإغراء ولن يكون مصدرا لسمو الذوق أو نبل الطبع كما يدعي المغرضون .

وهناك الدعاوي الباطلة التي تروجها الصحافة من القول بأن المجرمين ليسوا مرضي يجب علاجهم أو القول بأن تزايد الجرائم الخلقية ليست إلا ضربة يدفعها المجتمع بسبب التطور السريع كل هذه إجابات باطلة أو القول بأن هذه الحالة تزول في وقت قريب عندما نتعود عليها .

والقضية كلها ترجع أساسا إلى قصور التربية الإسلامية في البيت والمدرسة وفساد التوجيه والرعاية في أغلب الأسر وأن عوامل الإثارة المبثوثة في الصحافة والسينما والإذاعة والشارع هي المصدر الأساسي للانحراف .

ثاني عشر : هدف الإثارة والجنس والتفاهة هو الشباب:

يصف نعمان عاشور هذا الجيل من الشباب الذي كونوه بأنه " جيل بلا قيم , بلا إيمان , جبل يبحث عن نفسه في الجنس والرقص والمجون والمخدرات جيل بلا هوية يستعير أفكاره عواطفه وانفعالاته من عالم غريب عنا وعن تراثنا وتقاليدنا ومقدساتنا وهو في نفس الوقت جيل معذور فيمل يتردي فيه من سلوك لأن أحدا لم يمد له اليد ولم يمهد له الطريق ولم ينجح في أن يربطه بقيم وطنه ".

وهي كلمة حق , فإن المضللين كلما تحدثوا عن الشباب العربي والمسلم خلطوه بظاهرة عالمية فيقولون شباب قلق , وشعوب قلقة وعالم قلق , والواقع أن شباب الإسلام لا علاقة له بأى شباب لأن كل شباب تكونه قيمه وتقاليده ولا مانع أن يتأثر بالتيارات العالمية ولكن الخطر كله في أننا نأخذ أساليب الغرب في التربية والحياة والمجتمع فتقلدها وبذلك نفقد شخصيتنا وقيمنا وننهار فلا نحن لحقنا بالغربيين ولا نحن حافظنا على قيمنا والمسئولية تقع على الصحافة وأهل التوجيه وجيل الآباء والأمهات الضعيف الذي لم يستطيع أن يفهم الوسائل التي تشكل الأبناء والذي لم يقم وزنا للأصول التي يتشكل عليها الأحياء .

وهؤلاء المضلون إذ سئلوا عن الشباب قالوا : إنه خير من الأجيال السابقة خداعا ومكرا ولو كانوا صادقين لهدوه إلى الطريق الحق ولكنهم لا يملكون له الهداية وأن ما يحملون من سموم الدعوة إلى حرية الحب والجنس إلى آخر هذه المفاهيم لا ريب أنها تفسد الشباب .

ولقد استطاع الشباب أن يهتدي إلى الحق والخير وأن يعرف بطلان وزيف ما تقدمه الصحافة وآمن بأن الطريق إلى الله من شأنه أن يكشف عنه كل أسباب التمزق والحيرة والغربة والقلق وأن تلك العبارات الكاذبة التي يروجونها ضالة ولا قيمة أبدا لما يقال من اختلاف الأجيال والأزمنة فإن القيم الثوابت قائمة في كل العصور والأزمان والبيئات وإن تحولات المجتمعات أو تعثرات العصور لا تعني إلغاء القوانين الأخلاقية أو فهم القيم فهما مختلفا .

وهكذا نجد الصحافة العربية في قفص الاتهام تعتمد في نجاحها وتروجها على الكلمة المسمومة والأسلوب غير الكريم وتقوم على التفاهات والتحريض على الجنس والإثارة وقد لمعت فيها كثير من الأسماء التي تحمل في أعماقها أهدافا مدمرة .

وعندما يحاول مصلح أن يوجه الصحافة إلى الطريق الصحيح فإن هناك من يزعجه هذا الاتجاه أشد الإزعاج وسرعان ما تجد الصحافة الغربية تبكي على اختفاء الفضائح في الصحف العربية , وأن القراء قد فقدوا موردا خطيرا من نشر الثياب الداخلية القذرة على حد تعبير دريدة الأنكو منست وصحف لندن في مقدمة هذه الصحف , إيمانا بأن أنباء الجريمة والفضائح هي أحدث صيحة في الصحافة وهي صيحة يائسة أطلقها نفر من حملة الأقلام في الثلث الأخير من القرن الماضي حين كان الملل صالونات الفارغين وكانت أوربا الصناعية قد وضعت يدها على المستعمرات فراح نفر من الكتاب يداعبون هذه الملل ويقدمون روايات صارخة تتحدث عن الشذوذ والخيانات الزوجية وفرار البنات مع أول عاشق وكانت تلك هي روح الهزيمة وجريا وراء هذه الروح بدأ صحفيون في فرنسا المنهارة يعلنون في جرأة تبلغ حدا الوقاحة أن مهنة الصحافة هي مهنة نشر التفاهة والفضائح وبدا ( لو ) في نشر أنباء لجرائم المثيرة , ثم جاء أتباعه في بريطانيا وأمريكا يعلمون العرب هذا الفن وفتحت الأبواب لهؤلاء الكتاب ثم سيطروا على الصحافة العربية .

الفصل الثاني: مدرسة الإثارة

(1)

لا ريب أن محمد التابعي هو رأس هذه المدرسة الروزيوسفية التي خرجت مصطفى أمين وإحسان عبد القدوس وهيكل وأنه هو الذي وضع الأسس لصحافة ساخرة خليعة تعتمد على ألإثارة والجنس وتعقب الناس ومعرفة أسرار البيوت وكشف العورات .

وأن هذا اللون في الصحافة العربية لم يكن معروفا على هذا النحو قبل صدور مجلة روزاليوسف عام 1926 وقد عاش التابعي يرعي هذا العمل حتى نما واستحصد في آخر ساعة ثم في أخبار اليوم وهو الذي وسع نطاق الكاريكاتير الذي سياسيا في مجلة الكشكول فأصبح اجتماعيا وسياسيا في روزاليوسف وآخر ساعة وأخبار اليوم .

وكان على الجناح الآخر فكري أباظة في صحف دار الهلال , وقد أشار مصطفى أمين في السنوات الأخيرة إلى أنه كلف أمينة السعيد وهي طالبة في الجامعة بأن تكون مندوبة آخر ساعة وأن تجمع له ما يدور على ألسنة السيدات في البلاج وفي سهرات سان استيفانو وهذا يؤكد تلك الظاهرة الواضحة التي سجلها تاريخ الصحافة فإن مجلة آخر ساعة كانت تنشر من أسرار البيوت والبيوتات ما عجزت الصحف كلها عن الوصول إليه لسبب سري جدا هو أن مندوبي مجلته في هذا الباب كن من الصديقات اللائي لا يعرف أحد صلتهن بالتابعي .

ولقد عمل التابعي في مجلة المسرح ( عبد الحميد حلمي ) ثم في الأهرام بتوقيع هندس وكان عمله قاصرا على النقد المسرحي وكذلك بدأ عمله في (روزاليوسف ) ولكن حزب الوفد الذي كان قد أزعجته حملات مجلة الكشكول المعارضة أراد أن يواجه العمل بمثله فاتفق مع صاحبة المجلة على تحويلها سياسيا وقام مكرم عبيد بتدريب التابعي على هذا الفن الملعون .

فن الكاريكاتير والسخرية بالناس والبحث عن أسرار البيوت خصومهم للكشف عنها وكان التابعي من أشد دعاة الوفد المتحمسين والمدافعين عنه ولكن صداقته لأحمد حسنين ( باشا ) رئيس الديوان الملكي لم تلبث أن حولته إلى خصم عنيد للوفد حين شكلت تلك الجماعة المؤبدة للملك فاروق بعد حادث 4 فبراير عندما اقتحم المحتلون الانجليز قصر عابدين وفرضوا على الملك حكومة برئاسة مصطفى النحاس باشا .

وتشكلت هذه الجماعة من محمد التابعي أمين وكامل الشناوي وكثيرين ممن كانوا نواة جريدة أخبار اليوم عام 1944 التي أنشئت بواسطة السعديين المنشقين عن الوفد ( شيك بمبلغ خمسة آلاف جنيه ورخصة جريدة ) ودخلت أم كلثوم وساهمت بإغراء أن يكون لها دفاع وكانت تنوشها الصحف كل يوم ( 20 ألف جنيه).

وكانت هذه العصبة تلبس قفازا من حرير وتحتمي وراء مظهر الوطنية لتعمل عملها وتدفع المرأة خارج حياة الأسرة على النحو الذي عرفته الصحافة العربية تحت اسم صحافة الإثارة .

يقول التابعي : اعتدت أن أمضي كل سنة سبعة شهور أو ثمانية خارج مصر بين باريس والريفيرا وسان موريتز, وشبعت من كل مفاتن الحياة , ولم يعد هناك جديد يستهويني وأذكر أنني كنت أخذ معي إلى الكباريهات على ومصطفى أمين الذي كان يأت مرغما لأنه ليس له مزاج في شئ من الحياة إلا الجري وراء الأخبار والأحاديث وكان الناس يطلقون عليهم الحزب الخاص للتابعي .

وقد وصف الصحفي الذي أجري معه الحديث ( 8 – 10 – 1960) بأن غرفة مكتبة غرفة بار بغرفة المائدة .

ويصور التابعي حياته الصحفية في عديد من المقالات :

( كيف كنا نعيش في رأس البر ) 21 – 4 – 1956 أخبار اليوم , على الشاطئ الرملي البدائي الساذج خطرت العزلان : الغواني والغانيات يرتدين ثياب الاستحمام وأحدث أزياء الصيف التي كن اشترينها من دور فيل ونيس وكان وروما وباريس وكانت لى عشة صغيرة على شاطئ البحر مباشرة وكانت أشبه بدار ضيافة للأصدقاء فقد كنت أرجوهم أن يقيموا معي يؤنسوا وحدتي ( أم كلثوم وتوفيق الحكيم والصاوي , وحفني محمود , نجيب الريحاني , وسليمان نجيب , فكري أباظة, محمد عبد الوهاب وسعيد عبده ) وقد رووا قصصا مثيرة أو قصصا غامضة وكلهم يؤكد أن قصته حقيقية وأن حوادثها وقعت وأبطالها عاشوا ".

هذه هي الخلقية لصحافة الإثارة , يقول حافظ محمود :

بدأ محمد التابعي من المسرح وجو المغنيات والممثلات ثم جاءت السياسة فأداها بنفس مفهوم السخرية والبحث عما وراء حجرات النوم, وفي مجلة روزاليوسف استعار أسلوب النقد المسرحي وحوله إلى نقد سياسي وأنشأ بأسلوبه مدرسة من ناشئة الصحافة وكبر تلاميذه وتفوقوا عليه , وترك روزاليوسف وأنشأ آخر ساعة .

سفره إلى أوربا في الصيف والأقصر في الشتاء أول من اختاره أحمد حسنين لدعم الملك فاروق وجمع حوله المجموعة .

هاجم مصطفى النحاس لحساب القصر بعد أن كان أكبر نصراء الوفد وكان أصدق صديق لأحمد حسنين رئيس الديوان الملكي الذي كان يستخدم كل أسلحته لطعن الوفديين.

وكان يتقاضي أعلي مرتب وصل إليه صحفي ( 700 جنيه في الشهر ) في الخمسينيات وقد أشار كاتبون كثيرون إلى أنه عرف بإسرافه في الحديث عن المرأة أثناء نزوله في فنادق سويسرا وباريس يبحث عن النبيلات من الأسر المالكة التي قوضت الحرب والثورات عروشهن في أوربا والعصابات والجاسوسيات الدوليات والفنانات والهاويات من أنصاف الفنانات بوصفهن مخلوقات عجيبة يشتركن في مأساة الانهيار السياسي والاجتماعي الذي أصاب العالم بعد حربين عالميتن خرجت منها هذه النساء كحطام يبحث عن الحب أو الأمل في كأس أو مغامرة .

وكما فعل التابعي حين هاجم النحاس باشا والوفد لحساب الملك فاروق وصاحبهم في رحلة الحياة كشف سوءاتهم بعد حركة الجيش 1952 كذلك فعل مصطفى أمين .

كان الهدف الاجتماعي يختفي وراء الهدف السياسي .

إشاعة روح السخرية والاستخفاف بكل القيم الاجتماعية خلق أسلوب جديد تجتمع فيه العامية مع تفاهة المعني تمييع الحياة السياسية بإطلاق عبارات نازلة على السياسيين كوزير المصابرين ومأذون القرية .

ويتفاخرون بأمانة التابعي الصحفية وأنه قدم للمحاكمة , أما أمانته الصحفية فيكشف عنها موقفه في كشف أسرار الجهات التي ائتمنته عليها .

أما بالنسبة للمحاكمات فإنها لم تكن من أجل الوطن ولا من أجل كلمة الحق فالمقال الذي حوكم عنه التابعي يكفي ذكر عنوانه :

" ملوك وملكات أوربا تحت جنح الظلام "

ندد فيه بملوك أوربا وفضائحهم ولم يقتصر على الفضائح المترجمة بل أضاف إليها مما أبدع خياله .

وإن القضية الأخرى كانت ولاء حزبيا .

وقد وصف التابعي بأنه عاش معتزا بكبريائه وكرامته فأين هي هذه الكرامة وهذا الكبرياء ؟ في البحث عن عورات البيوت والأسر والمشاهير أم في تعقب الأميرات اللواتي سقطت عروشهن في أوربا .

هل عرف عن التابعي مقالا في مواجهة الأخطار التي تعرضت لها مصر أو البلاد العربية إن مقالة عن اليهود كان دعوة لزعماء العرب إلى التصييف في إسرائيل .

وكانت دعوته إلى إلغاء الأحزاب وإنشاد الحزب الواحد إبان دكتاتورية عبد الناصر من الصفحات السوداء في تاريخه .

وكانت حملاته على بعض ملوك العرب وزعمائهم متابعة للولاء الدائم للحاكم المستبد هذا فضلا عن عمله الخطير في تدمير القيم الإسلامية والخلقية بكتاباته الساخرة بالإسلام والشريعة والحدود ورجال الدين .

وبدعوته إلى كتابة قصص الجنس المكشوفة وأخبار الأسر بأسلوب غير كريم .

كان التابعي على مدي حياته رجلا مترفا منحلا يريد أن يذيع فلسفة الانحلال من خلال كتاباته الصحفية ليرضي عنه كل حاكم , وهو لا يبالي أن يكون مع الحاكم إبان حكمه ثم يكون ضده من بعده فيكشف عوراته ويصمه بأسوأ صور الفساد مع أنه كان مؤيدا له وذلك موقفه من فاروق قبل وبعد وكان حريصا على نشر قصص الفساد العالمي والتحدث عن سوءات البيوتات تلخيص قصص الجنس العالمية , من مثل هذا :

( كانت اللادي ديانا قد عرفت وهي لا تزال بعد دون العشرين من عمرها خادما في قصرها مفتول الذراعين قوي الساقين وأسلمته الفتاة نفسها سليلة الشرف والمجد المؤثل ثم تزوجت رجلا خامل الذكر بليد الفهم وعرف زوجها وأدمن الشراب ...).

هذه هي القصص التي كان يقدمها التابعي ويوليها اهتمامه الكبير بالإضافة إلى قصص عصبة المجان في رأس البر .

ويقول  : ( أعطيت أحد الزملاء ممن كانوا يتعاونون معي في تحرير آخر ساعة فكرة قصة وأمسك اليوم عن ذكر اسمه لأنه أصبح قصصيا ناجحا معروفا ) والقصة قصة فتاة من بنات البيوتات الكبيرة والأسرة الراقية .

وتزوجت الفتاة من فتي أحبها وأحبته واكتشفت ذات يوم أن زوجها هو عشيق أمها .

وهكذا نقل التابعي وقائع المجتمع التي تتعلق بخصوم سياسيين إلى مجال القصة حتى يفلت من العقوبة وكذلك تعلمت عصبة المجان هذا الأسلوب وهذه هي القصة التي حققت من أجلها النيابة معه وكان يدعي أنه سجن من أجل كرامة المهنة وشرف الكلمة .

وكان التابعي قد نشر ذلك في جريدة أخبار اليوم من بعد ويكتب محمد التابعي قصة عام 1960 يتحدث فيها عن رجل يخدع ويضحك عليه ويدبر له أمرا بإدعاء من سيدة تعطلت سيارتها ولاحقتها الأمطار وتريد أن تجفف ثيابها ثم عرفت بعد أنها راهنت عليه وكسبت الرهان وكيف أن المرأة ضحكت عليه وسخرت منه وبعبارة التابعي ( وكيف أنه حمار ومغفل وقد طب أمام سحرها ذي المقطف ) .

لحساب من هذه القصص الصارخة التي تريد أن تعلم فتياتنا أساليب ماكرة من الغواية والاغتصاب هذه هي قصصهم التي تجددت من بعد تحويل حادثة معينة إلى قصة وتحويل إلى ظاهرة اجتماعية .

ويدخل التابعي في مناقشات مع علماء الدين ليسخر منهم وليؤكد هدفه في إذاعة الفحش والفساد .

ويتساءل التابعي في بعض مقالاته :

" كان بعض أصحاب الفضيلة من رجال الدين قد أثار في وقت ما ضجة حول الصور العارية التي تنشرها الصحف والمجلات ولم يقل لنا أحد يومئذ هل الاعتراض مقصور على الصور العارية لكواكب السينما الأجنبيات ومن في حكمهن والصور العارية لنساء وفتيات غير معروفات بالاسم واللقب والصور العارية المرسومة من الخيال أم بعض صور سيدات وآنسات المجتمع المصري كما يظهرن في الحفلات والمآدب والليالي الساهرة التي تقام في أندية عامة أو في بعض الفنادق .

ثم ما هو المقصود تماما وعلى وجه التحديد من كلمة الصور العارية هل يكفي مثلا أن تكون الصورة لسيدة قد عرت ظهرها وصدرها ونحرها نزولا على أحكام آخر موضة جاءتنا من باريس أو روما أو لندن إن الأجساد العارية في الأفلام وإعلانات الجدران خاضعة لرقابة الأفلام ولكن لأي رقابة تخضع الأجساد العارية في حفلات مواسم الأوبرا .

هذا هو أسلوب التضليل والخداع والنفاق وإثارة الشبهات والفتنة الذي كان يتبعه لتابعي الذي عمل للسيدة روزاليوسف في مجلتها ثم انفصل عنها والذي عاش قلما مدافعا عن كل الفنانين والراقصات .

كتب التابعي عن إحدى الممثلات :

" إنها فقدت كل شئ , مالها وشبابها وجمالها ولكن شيئا واحدا لا تزال تحتفظ به وتعتز هو كبرياؤها وعزة نفسها لقد كسبت عشرات الألوف من الجنيهات وأنفقتها كلها في سبيل التمثيل وسمعت من ثقة أنها باعت أدوات المطبخ واليوم قبلت أن تظهر على مسرح كذا لا لتمثل ولكن لترقص وتغني إنها مأساة "

وهذه هي المأساة في نظر التابعي: امرأة راقصة أو مغنية فقدت المال الذي جمعته لأنه حرام ثم أخذت تتسول والتابعي هو محامي هذا الصنف من الناس , والتابعي هو الذي قدم قصة مرغريت فهمي التي قتلت على فهمي كامل وقصة أسمهان تلك الفاجرة التي كانت جاسوسة للاستعمار البريطاني والصهيونية والتي قيل أن التابعي إبان الحرب العالمية الثانية كان يسافر إلى القدس ليجتمع بها والتي كانت بحكم زواجها من أحد أمراء الدروز الموالين للخلفاء كانت تطلعه على كثير من الأسرار.

هذه هي صحافتهم التي ابتدعوها : تذليل العقبات أمام كل صور الفساد والإباحية والاغتصاب . ويتساءل محمد التابعي : هل هناك حياة بعد الموت ويحيل الإجابة على السؤال إلى يوسف وهبي الذي ليس إلا عمودا خطيرا من أعمدة التغريب والغزو الثقافي وهو ثالوث طه حسين وأم كلثوم . لقد كان التابعي على رأس مدرسة الدفاع عن كل باطل ما دام في خدمة المخططات الأممية تحت لواء الليبرالية ظاهرا وهدم المرأة والأسرة هو العمل الأول .

وله كتاب ( نساء في حياتي ) يصور فيه مغامراته الدنسة ويقول أنه لا يؤمن بالحب العذري ولكن التابعي لم يفلت من ضربة القدر فقد قاسي المرض العضال في آخر أيامه دون أن يرعي أو يعود إلى الله .

يقول : لقد عشت حياتي بالطول والعرض .

ونقول : نعم , ولكن في مجال الاستمتاع الذاتي بالحرام وإشاعة الحرام وتبريره ومحاربة كل كلمة شريفة .

(2)

أما البطل الثاني في مدرسة الإثارة فهو فكري أباظة الذي عاش أغلب حياته في أوربا بحثا عن الجنس والمرأة والحب وهو رجل ساخر بكل شئء لا يكف عن الحديث عن غرامياته ومغامراته واهتمامه بالرياضة والتمثيل وقد دافع عن المسرح في مجلس النواب عندما حاول بعض المخلصين أن يصور فساد هذه المؤسسة وساير مل أجيال المسرح والغناء والرقص ,أزرها بقلمه : روزاليوسف وأم كلثوم والريحاني وكل المغنيات والراقصات وله رسائل متبادلة مع التابعي .

ولقد كان كالتابعي يتخذ من كتابات السياسة والوطنية غلافا للكتابات الاجتماعية المكشوفة والقصص.

ولقد ابتدع لأول مرة ما أطلق عليه ( أخبار البلاج) وهي صفحات خطيرة كانت تنشر خلال الصيف كل أسبوع عن النساء العاريات على شاطئ البحر وفلان وفلانة في الكازينو وبعد الغروب إلخ وهو يدافع عن الصور العارية تحت كلمة ( اشمعني)

" لماذا الصحافة وحدها يطلب إليها ذلك ولا يطلب من السينما يقول لك الناقدون أن الصحافة تنشر القصص المغرية المثيرة للغرائز , وقد يصبح بعض المجلات تنشر هذه القصص ولكن أين عدالة الناقدين والطاعنين على الصحافة المصرية وأين شجاعتهم وهم يسمعون في الإذاعة وغيرها من الإذاعات الخارجية : الأنات والتأوهات والنغمات والمغريات الصوتية التي ترن في آذان الملايين ومن بينهم أطفال لا يقرأون الجرائد ونساء وأميون . واشتدت الحملة ولا تزال مشتدة على الصورة العارية التي تنشرها بعض المجلات ويا سبحان الله ألا يلمح الناقدون الطاعنون هذه الصور متحركة ناطقة لاعبة بالألباب أمام أولادهم وبناتهم على شاشة السينما ألم يلمحوها في موسم الصيف على البلاجات متحركة سابحة فاتنة لاعبة بالألباب , ألم يلمحوها في الحفلات والأفراح والمراقص راقصة متحركة لاعبة بالألباب: الصحافة وحدها الصحافة وحدها ".

هذا هو منطق دعاة الإثارة والكشف من زعماء الصحافة العربية لماذا نحن وحدنا الذين يطلب منا الالتزام بالأخلاق وهذا هو نفس منطق التابعي المدرسة كلها على طريق الفساد .

ولعلك تدهش حين تري بعض المغرر بهم الذين كتبوا عن فكري أباظة يكرمونه بعد موته وهو دعامة خطيرة من دعامات صحافة الإثارة والحقيقة أن الوطنية المدعات لم تكن إلا غلافا رقيقا لتعطية هذا العمل الخطير ومع ذلك فمن الذي يستطيع ن يقول أن التابعي وفكري أباظة كانا وطنيين مخلصين وهما دعاة التسوية مع الاستعمار والصهيونية ؟

ولم تكن الحياة عندهم إلا كأسا من الخمر أو راقصة أو مغنية سواء هنا في مصر أم في أوربا.

ويحفل المصور خلال خمسين عاما بمذكرات فكري أباظة وتعقباته للنساء في أوربا وكلماته التي يؤيد بها انطلاق المرأة إلى كل ما يطمح إليه أصحاب الأهواء , دعوة ملحة مستمرة متخفية تحت قناع كاذب من ادعاء الأخلاق الفضيلة .

(3)

ونشأت أخبار اليوم على أنفس الخطط والمبادئ وإن كانت قد عدلت من الأساليب تعديلا يتناسب مع تغيرات الزمن وفساد الطرق التي ابتدعها الرواد الأوائل . قد كتب مصطفى أمين عما أسماه مدرسة التابعي التي تعلم منها وهو وعلى أمين , وكانت المدرسة هي مجلة روزاليوسف : مدرسة السخرية والتقريع واللمز للمثلين والممثلات . قال : 13 – 11- 1954.

" مدرسة التابعي الصحفية لها أثرها في تاريخ الصحافة , لقد قرر أسلوب الصحافة الساخرة من السجاع والمترادفات. فهو الذي أدخل اللغة الكاريكاتورية في الصحافة بضعة خطوط سريعة تعبر كأنها لوحة فنية كلمة واحدة تلتصق بشخصية السياسي وتحوله من رجل وقور إلى مسخرة لقد كانت لغة الصحافة قبل ذلك أشبه بفساتين السيدات في الماضي مليئة بالذيول والكشكشة والكلف فجعل لغة الصحافة بسيطة كأثواب السيدات الآن .

وقد وصف التابعي بأنه : ضعيف أمام النساء متلاف في النفقات الضخمة وكان قبل زواجه كما يعيش هارون الرشيد "

هذه هي الصحافة لتي صنعها أحمد حسنين لحساب الملك فاروق وجند لها التابعي ومصطفى أمين وآخرين عندما اهتزت مكانته بعد حادث 4 فبراير وحاول أحمد حسنين أن يجمع حوله أكبر عدد من الصحفيين للدفاع عنه وبدأ العمل أولا من خلال آخر ساعة ومجلة الإثنين تم بإنشاء أخبار اليوم ثم صدرت المصري ( التابعي كريم ثابت محمود أبو الفتح )

وكتبت في مدح الملك فاروق مثل ما كتبه التابعي ومصطفى أمين .

ولأول مرة لصدور أخبار اليوم هوجم الوفد هجوما عنيفا عن طريق الخبر والقصة والرد الصحفي المثير بمقالات عنوانها " لماذا ساءت العلاقات بين النحاس باشا والقصر؟".

رفعت توزيع أخبار اليوم منذ العدد الأول ارتفاعا كبيرا وقد جمع مصطفى أمين جلال الحمامصي وزكي عبد القادر والصاوي , ثم استطاعوا بعد ذلك ضم العقاد وتوفيق الحكيم والمازني وسلامة موسى .

وقد أخذ مصطفى أمين الخيط من روزاليوسف وآخر ساعة وجند التابعي عنده أما هو فكان صانع الإخراج والكاريكاتير وتوجيه سياسة الصحيفة وكانت أبرز قدرات مصطفى أمين .

ثانيا : القدرة على وضع السموم في علب ملونة حلوة المظهر تخدع القراء.

ثالثا: الاختباء وراء النغمة الوطنية أو نغمة مناجاة الله في سبيل تنفيذ لغرض الأكبر : الدفاع عن قيم الغرب وحضارته ودفع المرأة المسلمة إلى ما يسمونه آفاق المجد والعمل خروجا عن الأسرة وتربية الأبناء .

رابعا : القدرة على الدفاع عن الحاكم ثم القدرة على تدميره بعد سقوطه .

وقد كتب مصطفى أمين ألوف المقالات عن فاروق تمجيدا وتشريفا وإعلاء ثم هدمه بعد ذلك وكشف عوراته وكذلك فعل مع عبد الناصر ولم يكن الهدف إلا أداء الرسالة الخاصة بتسميم قيم المجتمع في مسائل المرأة والأسرة .

وفي ظاهر لعمل الصحفي السياسي أن مصطفى أمين عمل مع أحزاب الأقليات ومع الملك ضد حزب الوفد لتحطيمه :

وقد وصف مصطفى أمين ( مجلة النداء إحدى صحف الوفد 26 -2- 1952)

بأنه كان يرأس تحرير مجلة أسبوعية مصورة وكان يوقع مقالات خفيفة مضحكة بإمضاء مستعار ( مصمص) وعرف القراء مصمص الذي يضحكهم بالحديث عن البنت التي خربشته من تحت المائدة أمام الضيوف ويضحكهم بالحديث عن بدانته التي تضايقه أثناء الرقص .

ودفع الطموح – على حد تعبير مجلة النداء - أن يرأس تحرير مجلة يكون هو صاحبها والذين يستغلون بالصحافة يعلمون أن إصدار جريدة ليس أمرا سهلا إن المال الكثير لابد أن يتوفر , ولم يكن مصطفى أمين يملك سوي قلمه وقلم شقيقه على أمين , ولم يكن يملك عندما جمع أوراقه وغادر دار الهلال, اختلف مع أصحاب دار الهلال لأنه أراد أن يجعل من مجلة الإثنين مجلة تنطق بلسان حكومة السعديين .

وتحدثت الصحيفة عن الاجتماع الذي تم بين مصطفي وعلى والباشا حيث رسمت سياسة أخبار اليوم فيه وفي سرعة تم كل شئ وبعد أيام صدرت أخبار اليوم واختاروا المادة الصحفية التي تثير انتباه الشعب .

( لماذا ساءت العلاقات بين القصر والنحاس باشا)

ومضت أخبار اليوم تلعب دورها العمل على تحطيم الوفد , وإعطاء الفرصة لأحزاب الأقلية لكي تحكم مصر كانت الأحاديث تدور وراء الكواليس تتضمن تفاصيل المؤامرة الكبرى كان مصطفى أمين يصنع الأصنام ويعيدها يحاول أن يجر الشعب معه ليسجد لتلك الأصنام ".

أشارت النداء إلى تلك الأعداد التي صدرت بعد 8 أكتوبر 1951 تلك الأحداث الوطنية : عدد آخر ساعة وصورة الغلاف هي لاستر وليامز لينسي الناس الاستعمار وهم يشاهدون غلاف آخر ساعة والافخاذ العارية كان موقفه مع الاستعمار البريطاني واضحا .

وهاجموا ما نشرته الصحف الوطنية حتى لقد قالت آخر ساعة العدد 897 أن كثير من الصحف جرفها التيار إلى نشر هذه القصص الخيالية والصحف حتى الآن ما تزال تبالغ إن الأكاذيب والمبالغات لها نتيجة واحدة , إنها تخدعنا نحن ولا تخدع أحد سوانا , وتعطي الناس فرصة للسخرية منها " هذه هي الصورة من وجهة نظر أخري وإذا كانت الأحزاب السياسية كلها شر ولها تاريخ اسود فإن مناصرة أحزاب الأقليات ومناصرة الملك فاروق تكون أشد سوءا أو شرا ولقد حاول مصطفى أمين أن يقلل من الحركة الوطنية التي قامت في الإسماعيلية لمقاومة الانجليز ولم يلبث النظام الملكي أن سقط وسرعان ما اندمج مصطفى أمين مع حركة الجيش وبدأ يكشف سوءات لعهد الملكي .

وسرعان ما أودعته حركة الجيش السجن في يوليو 1965

فقد اتهم مصطفى أمين وجاء في قرار الاتهام بأنه تخابر مع أشخاص يعملون لمصلحة دولة أجنبية بقصد الإضرار بالمركز الحربي والسياسي والاقتصادي للدولة وذلك بأن اتفق مع أشخاص يعملون لصالح دولة أجنبية على أن يمدهم بمعلومات وأخبار عن القوات المسلحة العربية والأوضاع السياسية والاقتصادية للدولة في الداخل والخارج وسلم لشخص يعمل لمصلحة دولة أجنبية أسرارا خاصة بالدفاع عن البلاد واشترك بطريق الإنفاق والمساعدة مع أجنبي مقيم في مصر في التعامل بالنقد المصري ".

ومهما قيل من بعد من أن الاتهام جاء بعد أن وقع الخلاف بين عبد الناصر ومصطفى أمين حول أسلوب العمل السياسي الذي كان يقوم به الأخير بتكليف من الأول , وقد جاء ذلك بعد أن اختلف عبد الناصر مع الأمريكيين وإن مكان مثل هذا الاتهام قد وجه أيضا إلى محمد حسنين هيكل .

وإن كان مصطفى أمين لم يكشف أهدافه في وضوح غير مرة واحدة فإن ما قاله إذ ذاك يكفي لكي يضي لنا طريق حياته ووقائعها كتب مصطفى أمين في مجلة الإثنين ( 15 مارس 1943) تحت عنوان الأهداف التي ستعمل مصر لها بعد الاستقلال .

وقد جعل من أهدافه التي سيعني بها ويقود لها الرأي العام بعد الحرب أن يحارب التعصب الديني وأن يجدد الأزهر وأن ينادي بتحرير المرأة قلبيا لأن الحب الطاهر لا يزال جريمة يعاقب عليها المجتمع والمجتمع المصري إلى اليوم مجتمع لا روح فيه لأنه خال من المرأة , والشباب المصري لا شخصية له لأنه ليس في حياته امرأة , ومن أهدافه أن يشجع المرأة على المطالبة بحقوقها السياسية وتولي الوظائف وأن ترث كم الرجل تماما وان يدعو إلى اتحاد شرقي ( لا اتحاد إسلامي بهذا النص ) على نظام الولايات المتحدة الأمريكية .

هذه الصورة التي كانت تجول في ذهن مصطفى أمين تكشف الأهداف التي ظلت كامنة وراء عمله الصحفي كله : إشاعة روح تحرير المرأة قلبيا وإشاعة الحب بين الرجل والمرأة حتى يكون في حياة كل شاب امرأة ومن وراء هذا المعني يقف هدف الصحافة الأكبر : الإثارة والجنس .

كما تحدث الكثيرون عن السر في انتشار أخبار اليوم فقد أشار أحد كتابها إلى هذا المعني حين قال : ( كان لنفوذها في الدوائر البريطانية والأمريكية أثره في تقديم أخبار جديدة لفت الأنظار وشدت القراء إليها استطاعت هي في هذا الوقت ومن خلال هذا الولاء السياسي – خدمة الأهداف الكبرى ).

نعم : لقد استطاع مصطفى أمين بنفوذه في الدوائر السياسية الأجنبية والداخلية أن يحقق أهدافا سنة 1943 تحرير المرأة قلبيا حين كانت ترسم الخطط خلال الحرب العالمية لرسم خريطة جديدة للمجتمع العربي والإسلامي .

ولقد كان المدى بعيدا بين عام 1943 حين رسم مصطفى أمين مخططه هذا وبين ما كتبه عام 1979 يطالب برد الإيمان إلى قلوب أبناء الجيل الجديد فإن موجة الكفر والإلحاد هي المسئولة عن استهتار بعض شباب العالم بالمثل العليا وضعف المستوي الخلقي وانتشار الجرائم والمخدرات بين الذين سيتسلمون مصير العالم بعد سنوات .

وليست هذه الدعوة الجديدة نتيجة لتغيير في الخطط وإن كانت نتيجة لتعبير في الأسلوب فما زال مصطفى أمين بالرغم من كتاباته المملوءة بعبارات الحنان مؤمنا بكل الأهداف وما زال ينتفض إذا جاء بأن امرأ ة ما تولت عملا جديدا حتى ولو كانت كناسة في شوارع موسكو وما زال مصطفى أمين يضرب أمثلة البطولة والنجاح واحتمال الجهد في سبيل الشهرة بأم كلثوم وعبد الحليم حافظ وما زال يؤكد أنه حضر ثورة 1919 مع أنه ولد عام 1916 ولقد كان خليقا بالسجن الذي آوي إليه تسعة أعوام أن يدفعه لأن يغير خطته إلى خدمة القيم العليا للحياة الإنسانية ولكنه لم يفعل بل خرج من السجن ليكتب قصصا جنسية أشد عنفا مما كان يكتب من قبل ويؤكد مفاهيمه السابقة ويصر عليها .

إن كتابات مصطفى أمين تقف في قوة في وجه الشيوعية ولكنها تخدم الديمقراطية الغربية والكتابات الأخير بعد السجن تكشف عن ظاهرة عميقة الدلالة هي " الجنس الصارخ" ونحن ندهش كيف يمكن أن يحدث ذلك بعد ارتفاع السن وكيف يجمع المتناقضات بين قصة جنسية وعامور ( فكرية ) بما يحمل من اتجاه إلى الله أحيانا ودعوة إلى الخير ( وفي عدد 6 يوليو 1974 يكتب على أمين أيضا عن الجنس والرقص ) وكيف يمكن إقناع القارئ بهذا التناقض ولكن الذي يفهمه الناس جميعا أن كلمات ( فكرة ) خدعة ومصيدة لتضليل القارئ عن مؤازرة الكاتب لهذا الاتجاه الواضح الظهور اليوم في الصحافة الأمريكية تصدر الإباحية والصحافة السوفيتية تصدر الإلحاد ونحن بينهما في طاحونة شديدة لماذا لا تعطي هذه التجربة الخطيرة بالسجن تسع سنوات فرصة لمراجعة العمل والحياة ولماذا لا تعطي إحساسا حقيقا بالعودة إلى الله يتمثل لا في جمع القروش لليلة القدر ولا في الكلمات البراقة , ولكن في التوجه الحقيقي لشخصية لها وزنها وثقلها في عالم الصحافة إلى العمل الخالص وكفي ذلك التاريخ الطويل السابق وتلك المحاولة الخطيرة المتصلة التي حملت لواءها الصحافة العربية في العصر الحديث لعمل على إفساد القيم الأخلاقية والدينية لقد جاء السجن ضربة قوية لإيقاظ النفس ثم جاءت العودة إلى المكانة الصحفية حجة عليكم من الله تبارك وتعالي حتى يعلم الناس العبرة والواقع أن الله تبارك وتعالي سبحانه وليس أحد غيره هو الذي وضعكم موضع العقوبة ثم هو الذي عفا عنكم وأعادكم إلى العمل ورد اعتباركم وهو قادر على أن يعيدكم إلى عقاب اشد ولعذاب الآخرة أشق فليعلم مصطفى أمين أنه موضع رقابة شديدة من الله وأنه على حافة خطر عظيم .

ولقد كتب مصطفى أمين يطالب برد الإيمان إلى قلوب أبناء الجيل الجديد فما هو العمل الذي قدمه حقيقة في هذا الميدان هل حاول أن يقدم القصة الأخلاقية والكلمة الكريمة هل حاول أن يخفف من هذه السموم المبثوثة في صفحات الجريمة والرياضة والمرأة هل فتح بابا جديدا لزرع الإيمان في النفوس وإعادة الإيمان إلى الصدور أو هي ألفاظ وكلمات خادعة مضللة يحملها عامود لتكون " تغطية" على ذلك الركام الشديد السواد الذي ما تزال تقدمه الصحافة .

إن اللمسة الإنسانية في تبني قضايا المظلومين وتحقيق رغبات المحرومين في ليلة القدر لا تكفي إذ أن التغيير يتطلب الوصول إلى أعماق النفس إن الدور الذي يشيدونه به له في الصحافة هو دور مادي رفع المرتبات إدخال فنون جديدة للإخراج إغراء القراء بالصحيفة عن طريق دغدغة أهوائهم وتقديم مزيد من المرغبات والمثيرات للقارئ هذا شئ لا يمكن أن يتم إلا علي حساب القيم الأساسية للدين والخلق لهذه الأمة .

وقد علق أحد الكتاب على مدرسة مصطفى أمين فقال:

أولا : إن مقياس النجاح عند مصطفى أمين هو الإيراد الذي تحققه الجريدة من الإعلانات والتوزيع وإيراد الإعلانات بضع صاحبه في الخدمة المباشرة للشركات الأجنبية والرأسمالية وبذلك ظلت صحافة مصطفى أمين قبل يوليو 1952 مخلصة للاستعمار والرأي وأحزاب الأقلية وكبار الرأسماليين .

ثانيا : صفحات أخبار اليوم تطفح بالإثارة المفتعلة والأخبار الكاذبة والصور العارية والتحقيقات التي تهدف إلى جذب أنظار الناس عن الأحداث الجارية .

ثالثا : كثيرا ما صدرت أخبار اليوم بمانشيتات مبتذلة في وقت كانت تتفجر فيه أحداث وطنية وأحداث عامة وكثيرا ما أسدلت الصور العارية والفضائح الشخصية ستارا من الإثارة على موضوعات هامة وحيوية .

ولا ريب أن تحكيم الإعلان في الصحافة من أكبر أخطار الصحافة من أشدها خطر الإعلانات المكتوبة على هيئة مقالات .

غير أن أسلوب تقديم الأخبار على النحو الذي ابتكره مصطفى أمين يعمل على تفتيت الأحداث بدلا من إعطاء الظاهرة الأساسية الكبرى وراء تجميعها في منطلق واحد , وضآلة القدر المعطي للأصالة والإسلاميات وضياع هذا القدر وسط البرامج المختلفة بل وفساد مضمونه الأساسي.

وقد وصف أحدهم مدرسة مصطفى أمين بأنها مدرسة الرجل الذي غض كلبا أى أنها تقدم الإثارة على الحقيقة ولا سيما في توافه الأمور التي تروق للبسطاء .

ومن الناحية التاريخية فلحساب الولاء لسعد زغلول غيرت أخبار اليوم حقائق كثيرة وفي مقدمتها تشويه مذكرات محمد فريد بالإضافة إليها والحذف منها ( عام 1964) وقد نفلت من مذكرات سعد زغلول ما تحاول به تكذيب وقائع محمد فريد فهي تؤيد سعد زغلول على طول الخط وسعد عدو ومخالف لمحمد فريد وقد حاول فريد كشف خططه .

بل إن مصطفى أمين أخفي أخطر ما في مذكرات سعد زغلول عندما نشرها في الأخبار أخفي 150 صفحة منها عن تجربة سعد زغلول مع القمار .

ولعل أسمي ما تطمح إليه الأمة هذا العصر هو تطبيق الشريعة الإسلامية ومع ذلك فإننا نجد مصطفى أمين يسفه هذا المطلب ويقول أن حضارة مصر عمرها سبعة آلاف سنة ولا يمكن أن تعود القهقري إلى الخلف وهو يعرف أن تطبيق الشريعة هو المنطلق هو المنطلق الوحيد لهزيمة صحافة الإثارة وهو الخطر المترصد بهذه الكوكبة الضالة .

(4)

قدمت الصحافة العربية لأنيس منصور ركاما ضخما من الكتابات المترجمة عن الغرب تميز على كثرتها وتنوعها بأنها تمثل ذلك الهدف الخطير الذي عمدت إليه الصحافة في موقفها من الأدب والفكر والترجمة والنقل من الفكر الأجنبي : وهو الإثارة ولقد كانت دراسة أنيس منصور متصلة – بالفلسفة أول الأمر , وكان أكبر أمانته للفلسفة الوجودية ومن هنا فقد اتسمت كل كتاباته بهذا اللون حتى بعد أن سقطت الفلسفة الوجودية وتكشف زيفها وفسادها وانطفأت تلك الشمعة التي أوقدها سارتر وسيمون دي بوفوار وكامي وحل محلها ذلك اللون من العبث الذي عرف عن بكيت وكافكا والهيبيين .

ولقد ظهر في فترة من الفترات أن أنيس منصور قد استجاب للفكر الإسلامي واتصل بمفاهيمه وقيمه في محاولة إعلانية صحفية خطيرة تمثلت في زيارته للكبة والمشاهد المقدسة وفي خلال ذلك كتب صفحات حاول فيها أن يسترد إيمانه بالله ولكنه لم يلبث بعد ذلك إن عاود كتاباته المثيرة عن الراقصات والأزياء العارية وكل ما يتصل بالوثنيات الغربية التي تتمثل في الأفكار المثيرة التي تتصل بالثورة الجنسية والمسرح والرقص ولم تعد أمانته للمفاهيم الإسلامية إلا أثرا بعد عين ذلك أن محاولته لم تكن في الحقيقة رغبة صحيحة إلى التماس المفهوم الأصيل ولكنها مظاهرة صحفية بعد تقلص ظل النفوذ الماركسي من الفكر الإسلامي وهي أشبه بالمظاهرة الصحفية الخطيرة التي بدأ بها حياته الصحفية حين نقل إلى الصحافة العربية فكرة السلة والقلم الذي يكتب بغير كاتب وهذه العملية الساخرة التي نقلها من بلاد الوثنية الشرقية وكافأة عليها أصحاب أخبار اليوم بمنصب رئيس تحرير مجلة " الجيل الجديد " ولقد أمضي أنيس منصور سنوات طويلة يكتب الصفحة الأخيرة من أخبار اليوم وينقل فيها خليطا من تلك الفلسفات الوثنية والأساطير والخرافات وكتابات متضاربة وينقل فيها خليطا من تلك الفلسفات الوثنية والأساطير الخرافات وكتابات متضاربة عاصفة تعصف بنفوس الشباب حين تقتلع من الجذور أسباب الإيمان وتبث الشكوك في القلوب حتى كان الباحثون يتساءلون :

ما هي الفلسفة التي يحاول مثل هذا الكاتب أن يغرسها في القلوب والعقول ؟ وكيف يفهم الشباب الطرير الذي ليس له خلقية كافية من الإيمان بالله , أبعاد الحياة وأمور الدنيا وشئون المجتمع هل هذا العمل هدف صحفي قاصر يراد به كسب القراء بالإثارة أم أنه جزء من خطة التعريب الضخمة التي يراد إغراق الثقافة والفكر الإسلامي فيها بترجمة فلسفات وسموم لم يكن المسلمين والعرب يوما في حاجة إلى نقلها .

لقد لخص عشرات الكتب الغربية التي لا تهدف بعرضها دون مقدمات أو تعليقات تلقي الضوء على مضامينها أو تكشف عن سلامة هذه المضامين أو زيفها – إلا إفساد العقل الإسلامي والذوق الإسلامي والمزاج الإسلامي وتحويله إلى مفاهيم غربية صارخة تستمد أساسها الأول من نفس قلقة ومزاج مريض ورجل قد تحوطته الأمراض والهواء جميعا فضلا عن علاقة البدء في حياته الفكرية والثقافية الأساسية وهي الوجودية المستمدة من مفهوم الفلسفة المادية والتي تستهين بكل القيم وتحتقر كل المفاهيم الأخلاقية أو الدينية .

ولقد كانت كتابات أنيس منصور يوما ما – ككتابات لويس عوض – لا يعرف هل هي ماركسية أو ليبرالية أم أنها من مدرسة معروفة هي مدرسة العلوم الاجتماعية التي تنكر كل القيم وتحتقر الفطرة وتعلي شأن الماديات ولقد عرف أنيس منصور نفسه ذات يوم فقال :

أنا أول من قدم ( يائل ) ديان إلى القراء .

أنا أول من قدم الكاتب اليهودي العظيم البرتومورافيا إلى المصريين والعرب عام 1947 وترجم له أكثر من مائة قصة قصيرة وقابلته هنا وفي بلاده أمريكا عشر مرات .

وعندما ترجمت صحيفة جيوش أوبررفر : صفحات من كتابه ( وداعا أيها الملل ) قالت : أن المؤلف ينتسب إلى قبائل الفجر الفسلفية التي تضم الكاتب اليهودي كافكا وغيره من الضائعين والتائهين يقول إني لم أغضب لأن هذا ليس رأي المجلة وحدها ولكنه رأي أنا أيضا ولكني غضبت لأنها ساقت المقال على هيئة اكتشاف ونسيت أنني اعترفت بذلك دون أن أدين بهذا القلق لكافكا أو لغيره ( الأخبار 5 يونيه 1974)

والحقيقة أن أنيس منصور قدم في هذا الميدان " ركاما " كثير بلبل به الأذهان وحطم به النفوس وأدخل إلى قلوب كثير من الشباب شكا وقلقا ويأسا وما تزال كتبه التي تحمل هذه السموم تطبع ويقرؤها الكثيرون على أنها فاكهة محركة وتسلية ومتعة للغرائز والأهواء ولكنها في الحقيقة ليست إلا أهواء البشرية الضالة الممزقة وهو خلاصة ما قدمه الكتاب التلموديون لتمزيق النفس الإنسانية وهدمها وتحطيم قيمها منذ ظهرت هذه الكتابات على أيدي فرويد ونيتشه وميكافيلي ورينان وأوجست كونت وبودلير وسارتر وعشرات الهدامين .

بل إن أنيس منصور قد ذهب إلى أبعد من هذا فعني بترجمة كلمات الممثلات صوفيا لورين ومرجريت بردو ومارلين دتريش وغيرهن , وغني بالكتابة عن الشقراوات المتوحشات بالإضافة إلى الأفلام العارية والأدوار الشاذة وكتابات الإباحيين ومحاولة تصوير هؤلاء الممثلات على أنهن " الآلهات الرومانيات " وذهب في الأغراء بالكلمة إلى أبعد حد في الحديث عن الأجساد لعارية وما يتصل بالفنانين من تماثيل وطوابع بريد وعملات ذهبية وعمد إلى استغلال الجنس إلى أبعد حد في إفساد مفاهيم العلاقة بين الرجل والمرأة وكان في كتاباته حريصا على الاستشهاد بالتوراة وبسفر خاص فيها يتحدث عن الجنس فضلا عن فكر أرسطو وأفلاطون .

وحرص أنيس منصور على هدم الصلة بين الآباء والأبناء وإثارة الأبناء على الآباء حين وصف هدف ويسفر خاص فيها يتحدث عن الجنس فضلا عن فكر أرسطو وأفلاطون .

وحرص أنيس منصور على هدم الصلة بين الآباء والأبناء وإثارة الأبناء على الآباء حين وصف هذه العلاقة كما وصفها فرويد والتلموديون بأنها " سيطرة " في حين أنها ليست إلا رعاية وتوجسا وحماية من الكبير للصغير في مرحلة من أخطر مراحل الحياة وهو يري أن الصحافة قد أخضعت الشباب لنفوذ آخر نفوذ الآباء وأن الصحف شجعت الشبان على الثورة والتمرد على البيت والأسرة والكنيسة ويري أن انتشار مرقص 0 الروك آند ورل" دليل على اهتمام الشباب بإزعاج الآباء على هدم الرأي العام ولا ريب أن ترديد هذا الكلام مرات متعددة إنما يرمي إلى الإيحاء والتوجيه وإفساد من لم يفسد ودعوة إلى حلق جو من التمرد للقضاء على روح الإيمان والخلق بين الأجيال الجديدة .

ويتحدث أنيس منصور عن الفتاة الجامعية في الغرب التي تجد حبوب منع الحمل في أجزخانة الكلية ولا أحد يسألها عن سبب شرائها للحبوب .

ويري أن العري لم يعد كافيا لإثارة الجنس وأن هناك الإثارة العنيفة بالكلام والحركة وأن الأغاني أكثر من الأفلام وكذلك يري أن الرقص الجديد يقضي على خجل الشباب وحين يتحدث عن الزواج يقول أنه هو وحده الذي انفرد بالملل لأن كل شئ فيه يتكرر بانتظام وينسي أن الزواج هو الطريق الكريم للعلاقة بين المرأة والرجل وهكذا لا يتوقف أنيس منصور عن ترديد آراء فلاسفة الجنس والمادية والإباحية الذين يصدرون عن بروتوكولات صهيون لهدم المجتمع الغربي ثم هو ينقل ذلك إلى المجتمع المسلم بقوة وحماسة واستمرار وعمل لا يتوقف .

وعندما يتحدث ( محمد أنيس منصور ) عن السيد المسيح يردد مسألة الصليب والصلب غير وارد في مفهوم الإسلام .

ويدافع أنيس منصور بعد كتاباته عن الكعبة والأراضي المقدسة عن الخمر ويهاجم قرار شركة مصر للطيران بمنع توزيع وبيع الخمور على طائراتها وبتهجم على التعليم الديني في المدارس ويتحدث بإعجاب عن الأدب المكشوف والقصص الجنسي الأوربي, ويكشف عن خلاصة تجربته في 27-1-1973 ( أخبار اليوم) فيقول: إن كل ما قرأت وتعلمت لم يكن ينفعني في الإجابة عن شئ لم أجد من كل ألوف الكتب التي أمضيت فيها عمري وأطفئت نور عيني وأوجعت فوقها رأسها وظهري لم أجد واحد يقول لي شيئا يريحني أو يجعل أيامي أسهل , لا شئ إنني لم أكن قريبا إلى نفسي أو إلى أحد وإلى هذا الحكيم المجهول القوي الذي لا نعرفه والذي هو هناك هو هنا , في كل واحد كل شئ إنا قطعت عمرك كله مسحوبا من عقلك وقلبك وغرائزك وأنك في ساقية تدور وتدوخ وأنك أسلمت نفسك لجلاد هو الليل والنهار هو المال والجاه والأولاد واللذة والخوف والطمع واليأس والشك ".

والحق أن هذا أمر يرثي له , أن يكون قارئ هذه المخلدات الضخمة على حافة الشك وعلى حدود الهاوية مع لو اتجه نحو كتاب واحد من الكتب الأصيلة لوجد نفسه ولفهم نفسه ولفهم مهمته في الحياة ولعرف رسالته الحقة ومسئوليته وأمانة القلم والجزاء الأخروي ولاستطاع أن يقدم خيرا كثيرا لعل الله يغفر تلك الصفحات السوداء التي قدمها لإثارة الشكوك في العقيدة والتمزق النفسي خلال أكثر من عشرين عاما .

لقد صدق أنيس منصور حين طلب حرق كتبه وقال : إن حرصي احتراق كتبي فلأنها لا تساوي شيئا فلا هي أشبعتني ولا هي روتني ولا أراحتني ولذلك يجب أن تكون ترابا أدوسها بترابي .

وكان أنيس منصور قد تمني أن يحرق جسده بعد موته مع هذه الكتب وهذه نفحة بوذية خطيرة لا يمكن أن يقولها رجل يؤمن بالله واليوم الآخر .

ولعل من أبرز أخطاء أنيس منصور متابعة الفكر التلمودي في القول بأن ( الرب في خلق العالم في ست أيام واستراح في السابع ) مع إن هذا المعني يتعارض مع مفهوم أقل المسلمين ثقافة وفهما للإسلام وهو في هذا متابعة لليهود ( اعرف عدوك) كما أنه تابع المستشرقين في القول بأن فرعون هو الذي أخرج اليهود من مصر أيام موسي عليه السلام والعكس هو الصحيح فإن اليهود بقيادة موسي خرجوا فارين بدينهم من ظلم فرعون وأن فرعون هو الذي تابعهم ليقضي عليهم فنجوا وغرق فرعون وأغرق الله قومه .

الباب الثالث: الصحافة والفن

(السينما والمسرح)

أفسحت الصحافة العربية للفنون  : ( المسرح والسينما والأغنية والموسيقي وغيرها ) صفحات دائمة أبوابا مقررة واتخذت من هذه الفنون وتحمي تلك التيارات الخطيرة التي تقوم من وراء هذه الفنون بل ولقد خلقت الصحافة لهذه الفنون لونا من القداسة وأسلوبا من الحصانة ووصفت هذه الأعمال بأنها ذات أصول علمية وفنية واستغل المسرح واستغلت السينما استغلالا كاملا لحمل تلك السموم التي احتوتها فلسفات التحلل والمادية والإلحاد والإباحة وسيطرت عليها دعوات الفكر الماركسي إذ سيطر الماركسين ومفاهيم الرأسمالية واليبرالية وهم بين هذا وذلك لا يقدمون مفهوما عربيا أو إسلاميا أصيلا بل هم لا يقيمون وزنا للأخلاق ولا للقيم وهي تسرف إسرافا شديدا في تمييع العلاقات بين الرجل والمرأة وتقيم المحاورة كلها على أساس الاغتصاب أو الجري وراء الزوج الآخر أو إغراء امرأة بأن تترك زوجها أو التأمر والخداع وهي صورة قليلة في المجتمع ونادرة ولا يجوز مطلقا أن تقدم على أنها ظاهرة عامة وخاصة في المجتمعات الإسلامية والعربية

ومن الأسف أن ننقل إلى بلادنا ومجتمعاتنا الصور المختلفة والمذاهب المتعارضة والمناهج المتضاربة بين غرب أوربا وأمريكا وروسيا الماركسية السوفيتية كل هذه الفنون المسمومة التي كتبتها أقلام جريئة تهدف إلى الإثارة والكسب تصب كلها في مجتمعنا الإسلامي بهدف تمزيق وحدته والقضاء على مقوماته وهدم أخلاقياته وفي هذه المرحلة التي نؤرخها سيطرت القصة والمسرحية كوسيلتين للتعبير صحيح أن هذا اللون من الأدب قد ظهر قبل ذلك بكثير ولكنه مسيطر على الساحة الآن كان الجيل السابق يعتمد على المقالة فكان لابد أن يقدم فكرا عميقا وأن تكون له ثقافة واسعة أما الآن فإن القصة والمسرحية هما القالب السائد في التعبير قد جعلتا الكاتب يلتفت إلى الناس ويرصدهم ويتابعهم ويعبر عنهم والخطورة هنا أن كتاب القصة لا يحملون أى ثقافة تاريخية أو اجتماعية أو فلسفية تمكنهم من اتجاهات المجتمع العربي الإسلامي وأصوله وعقائده فهم يقدمون تلك الصور الباهتة المريضة التي يعيشها المجتمع في واقعه ومع الأسف فهم يختارون أسوأ ما فيها لأن المسرحية تقوم على عقدة وتقوم على مأساة فلابد من البحث عن تلك الصور المريضة والضالة والفاسدة لتقديمها للناس .

وبذلك أصبحت صورة المسرح لدينا صورة مسفة مفزعة , سواء في مجالها الضاحك أو القائم على تصوير المآسي ,أما المسرح الهزلي( الكوميدي ) فإنه يقوم على إهدار القيم الاجتماعية والاستخفاف بالثقافة وبالتالي تلهية الناس عن واقع حياتهم عن طريق الفكاهة المفتعلة وهي في مجموعها محاولات لخداع الناس سواء عن واقعهم أو خداعهم عن المفاهيم الأصيلة, تدور في قصص لا تنقصها سذاجة الفكر ولا سطحية المشاعر والأحاسيس, وبذلك يصبح المجتمع صدي لمجتمعات الخنافس والعبث واللامعقول وغيرها من فنون الانهيار الفكري والتصدع الاجتماعي وأبرز معالم هذه الفنون النزول بأذواق المشاهدين إلى حد الإسفاف .

أما مسرح المأساة فإنه يقوم على قصص ذات وقائع مفتعلة , ليست من طبيعة الحياة تستهدف خلق روح القلق والتمزق في النفس الإنسانية وهي منقولة نقلا ومترجمة فعلية من المسرح الغربي بأحداثه وظروف مجتمعه ولا تمثل مجتمعنا بوجه من الوجوه .

ومع ذلك فإن الصحافة تكذب أهلها , ولا تحمل الأمانة الحقيقية حين تؤازر وتؤيد وتنشر وتنمي هذه السموم في مجتمعاتنا لأنها تجارة " رابحة من الناحية المادية ولأن أغلب القائمين عليها لهم ارتباطات خارجية يعرفها كل من يعبر البحر حيث توجد الخلاء التي تلتقط العابرين لتجعلهم في خدمة جهات معينة وأهواء خاصة والإخاء ليكون خاضعا لإطارات الفكر الغربي ولينصهر في بوتقة مفاهيم المسرحية المأسوية القائمة على الصراع بين الآلهة والإنسان حيث لا يوجد في الفكر الإسلامي والشخصيات والأحداث لتصب في قوالب قائمة على مفهوم الخطيئة المسيحية وعلى أساس النهاية المحتومة في هزيمة البطل واندحاره وهذه المفاهيم لا يعرفها الفكر الإسلامي ولا التاريخ الإسلامي ولا المجتمع الإسلامي ولكنهم يعمدون إلى جعلها قوالب لفكرنا في سبيل خدمة أهداف الماسونية والصهيونية والشيوعية والنفوذ الأجنبي .

وكان أولي بالصحافة العربية أن تواجه هذه الأخطار المدمرة التي تسيطر على المسرح والسينما والتليفزيون والمسلسلات وان توجه المؤلفين والمخرجين غلى تقديم مفاهيم الأصالة وقيم الإسلام وأخلاقياته وبطولاته الحقيقية .

ولكنا نجد العكس نجد حملة ضخمة متصلة عن طريق تقديم الفن الغربي معربا إلى إفساد الفطرة العربية الإسلامية وإفساد الذوق العربي الإسلامي في الأغنية والموسيقي والمسرح بل نجد أسوأ من ذلك , نجد الصحافة جادة في الدفاع عن هذه الركائز المسمومة الضارة والوقوف دون تحطيمها أو القضاء عليها , وفي مقدمتها الدفاع عن المسرح والفن والغناء والإباحية والممثلات والمغنيات والراقصات والإشادة بهم والتحدث إليهم ونشر صورهم وأحاديثهم وإحياء ذكريات المتوفين منهم ( دون أن يحظي بمثل ذلك أكبر الناس قدرا في تاريخ هذه الأمة من أبطالها وأعلامها ومفكريها وقادتها ) بل إن الصحافة تقدم هؤلاء الناس إلى الأجيال الجديدة على أنهم المثل الأعلى الذي يفتن به الشباب والفتيات ويا ويل من يكتب كلمة في مهاجمة هذه المؤسسات أو معارضتها أو الإشارة إلى إفسادها أو إلى الأخطار التي تحدثها في الأمة وعندما يصل الكلام إلى الملايين الضائعة التي تصرف على المسرحيات والفنانين تطوي الأوراق بسرعة وإذا جاء ذكر المرأة الراقصة أو الممثلة فإنما هناك الصيحات العاليات للدفاع عن " قداسة الفن " وكرامة الفن , مع أن الدنيا كلها تعرف كيف تجري الحياة بين الكواليس , وتهتم الصحف بتقديم أدق التفاصيل عن حياة الممثلات والراقصات الخاصة .

ولقد لفت هذا العبث أنظار الكثيرين وتعالت الصيحات تدمغ الصحافة بالانحراف وأشار الدكتور إسماعيل السباعي ( نحو النور 3 -1-1977) إلى ما يعرض على شاشة التليفزيون وإن جانبا كبيرا منه يتركز حول الفن والفنانين والفنانات كأنما الدنيا ليس فيها احد غيرهم , وكأن حياة الشعب لا تستمر ولا تزدهر إلا بوجودهم ووجودهم وحدهم .

ولقد اعترف الباحثون بأن هناك فقدانا للتوازن بين العناصر التي تقدم وأن هذا يؤدي إلى اختلال المجتمع اختلالا لا شك فيه .

هذه المحاولة في إعلاء شأن أهل الفن والمغنيات والراقصات والممثلات لإعطائهم هذه الصورة من البطولة وجعلهم في مواجهة الأمة مثلا تقتبس منه السيدات ملابسهن وكلامهن ومشيتهن , وكل هذا باطل ومضلل , فإن المجتمعات المسلمة عرفت دائما ذلك الفارق العميق بين سيدة البيت , وبين أهل الفن الذين يقوم عملهم – أو عملهن – على التسلية والإضحاك وإزجاء الفراغ وتقديم بعض الفكاهات أو السخافة وأنه لا يمكن لأن يستوي هؤلاء وهؤلاء مهما جرت محاولة الصحافة في إعلاء شأنهن حتى ليقول الصحافي بلسان احدي هؤلاء قداسة هذا المعبد – أى المسرح وإنها تخدم فيها وتدافع عن هذه القداسة وإن الفنان على المسرح ليس أجيرا وإنما يؤدي رسالة وإن هذه كرامة وإن الفن كرامة تعيش لها وتموت من أجلها .

لا ريب أن هذا اللغو كله لا قيمة له من الوجهة الحقيقية وإنما هي كلمات من يريد أن يعلي من شأن السلعة وإلا فهذه الفنون في مقاييس التقدير الصحيح وفي مجال البحث العلمي والدراسة الاجتماعية الصحيحة لا تساوي شيئا وليس لها قيمة إطلاقا إلا من حيث إنها وسيلة مسمومة من وسائل النفوذ الأجنبي لهدم مجتمعاتنا .

وتقدم الصحافة مثل هذه الكلمات وتقدم تلك الأسماء اللامعة التي تتردد في الأفلام السينمائية وعلى المسرح أمثال يوسف وهبي وزكي طليمات وعبد الوهاب وأم كلثوم وتحية كاريوكا وعشرات بمثابة أسماء لامعة في هذا المجال ولكنها لن تكون مثلا أعلي لأمة ناهشة وإنما تستمد الأمم مثلها العليا من العظماء والأبطال .

ويدهش الباحث لمثل هذه العبارات المجافية لأبسط المفاهيم العلمية : من الذي أعطي المسرح هذه القداسة التي يدعونها وهو بيئة الفساد والإباحية علما وعملا نحن نعرف ما هي مهمة المسرح الحقيقية هذه المهمة التي صورها لينين حين قال إنه البديل عن الكنيسة إنه الملتقي الخطير الذي تصهر فيه الأفكار المسمومة وتقدم للغافلين والسذج والأغرار لقد كان كذلك في عهد اليونان والرومان وكان كذلك في عهد المسيحية وكان كذلك ولا يزال في عهد الرأسمالية والإشتراكية إنه أداة الخداع والتضليل التي يضحك بها على الشعوب لتذلل إلى الأهداف التي ترسمها القوي المسيطرة إنه وسيلة تغيير المفاهيم والأعراف والقيم ولذلك فقد كان المجتمع الإسلامي في غير حاجة إليه لأنه مفاهيمه طليقة بسيطة سليمة لا تقبل التأويل ولا تحتمل الشك ولا تقبل التجسيم وكان هذا الوضوح هو لب العقيدة حيث لا يوجد ما يصعب فهمه أو يحتاج إلى مثل ما احتجت إليه الوثنية القديمة والعقيدة المسيحية من بعد لعرضه وشرح تعقيداته وتفسيره عن طريق المسرح حتى يمكن الاقتناع به وتقبله هذا فضلا عن أن المسلم لا يقر " تكنيك" المسرح أساس الذي يقدم على صراع البطل مع الآلهة والقدر فالمسلم في سلاح مع الله الواحد الأحد ومع إيمانه بالقدر لا يحول دون السعي وإن كان يحول دون المصارعة والصراع .

وصراع الإنسان مع الله أمر لا يفهم ولا قبل مع التوحيد الذي هو قمة العقائد في الإسلام ولذلك فإن المسلمين والعرب لم يجدوا أنفسهم في يوم من الأيام في صراع مع القدر ولما كانت فلسفة المأساة الغربية تقوم على الخطيئة والقصاص والغفران وتري أن الإنسان مرتبط بخطيئة أولية وهي خطيئة آدم فإن هذا المفهوم غير مقبول إطلاقا في المفهوم الإسلامي فإذا حاولت المسرحية ( مؤلفوها ومخرجوها ) إدخاله على العقلية الإسلامية فإنهم يحاولون باطلا ويزيفون المفهوم الأصيل .

المسرح

وهكذا تنطلق الصحافة بمفهوم الفنون الغربي الوافد المضاد والمخالف والمعارض لمفهوم الإسلام لتذيعه وتنشره وتبثه يوما بعد يوم على مدي طويل ( ولا عبرة بمقال يكتب مرة أو مرتين بين فساد مفهوم المسرح) فإن هناك من يحاول التأويل والتعليل وبتر النصوص والدفاع عن المفهوم الخاطئ ولقد كان من الضروري الكشف عن هذا الزيف في وضوح ذلك أن أخطر ما يدعو إليه الأمر هو دراسة المجتمع ن طريق المسرحية وهو خطأ محض لأن كتاب المسرحية لا يستعملون أوضاع المجتمع إلا بقدر ما تحقق أهواءهم وانتماؤهم وأهداف كتاباتهم فدعاة الإباحية يعملون على تصوير المجتمع كله على أنه غارق في الإباحية ودعاة الماركسية لا يرسمون إلا الجوانب المتصلة بالفقر والعوز والحرمان ودعاة المادية يفسرون أحداث المجتمع من حيث هي عوامل اقتصادية محضة وهكذا فإن كتاب المسرح يعتمدون على مسلمات باطلة ومسمومة مستمدة من فرويد ومن ماركس ومن سارتر ومن فريزر وهي في الأغلب قصص وأساطير وخرافات قديمة والواقع أن من الخطأ ومن الضلال اعتبار قصص نجيب محفوظ ويوسف السباعي ويوسف إدريس وإحسان عبد القدوس نماذج بشرية صحيحة مستمدة من واقع المجتمع , ذلك أن هذه الكتابات تجافي مفاهيم الاجتماع الصحيحة اختلافا واضحا مع الأسلوب العلمي الذي يصل إلى نتائج محددة ذلك أن الروائي يتناول المجتمع من خلال زاوية معينة ونظرة خاصة ويتأثر بوراثياته وظروفه وأهوائه واستنتاجاته الخاصة فعمله ليس علميا أصلا ولا هو قائم على أساس سليم والتسلية هي الهدف الغالب والغاية الواضحة ولسنا نحن الذين نصل إلى هذه النتائج بل إن أناسا من المؤمنين بالمسرح نفسه يرون هذا الرأي فهذا لويس عوض يقول : إن كل كتاب المسرح مهرجون اجتماعيون امتدادا لمسرح الريحاني _ ويستثني لويس عوض الفريد فرج لغرض خاص ) ولكن تبقي الحقيقة الماثلة وهي أن كتاب المسرح مهرجون اجتماعيون يستهدفون إضحاك الناس والحصول على حصيلة الشباك . فإن هناك حقيقة تقول لا يمكن أن تحقق غايات عليا ومن ناحية أخري فإن هناك حقيقة تقول : إن المسرح يتحول تدريجيا إلى ملهي يؤدي نفس الدور الذي يقوم به شارع الهر م في إنهاك الوجدان وإغراقه في المتعة الفارغة واللامعني وهذا جزء واقع من واقع ثقافي عام يتخلف على الرغم منه ويفرض عليه التخلف .

ولن يستطيع المسرح في أى حال من أحواله أن يكون أداة للخير فقد وضعت أسسه على أنه أداة للشر ومقاومة الخير فهو لا يقدم إلا المفاهيم المنحرفة ولا يعني إلا بالمواقف الشاذة فهو يعمل مثل الصحافة على إرضاء الغرائز والإثارة ولأنه بدأ في محيط الحرب لكل القيم وللتمرد على الإيمان بالله وخلق الصراع مع القيم والنظم والمقدسات والضوابط والحدود التي فرضتها الأديان على البشرية فإنه لن يستطيع أن يقدم قيما بناءة أو مثلا راجحة أو أخلاقيات سليمة وقد دمغ المسرح والسينما والفنون والعنف تطغي على أفلامنا السينمائية والمساخر الفكاهية الهزيلة التي تسيطر على النشاط المسرحي والمسلسلات العقيمة المتفشية في التليفزيون وهذا الهذر السخيف الذي تفيض به فقرات البرامج الثقافية ناهيكم بالكتابات الفارغة الفجة التي تملأ صفحات الكتب والمجلات وإنما يخلقها دائما الانهيار الفني والتردي الأدبي وهبوط المستوي الثقافي وكل ذلك منبعث عن مصدر واحد هو " اعتبار الفن مجرد أداة من أدوات التسلية والترفية التي يصلح بيعها كسلعة تدر الربح ".

وهذه حقيقة لا يمكن إخفاؤها مهما خدعتنا الصحافة العربية بالادعاء بقدسية الفن وكرامة وعظمة الفن إنما هذه كلها محاولات للخداع والضحك على الأذقان وتخدير السذج الأغرار فهذه الفنون كلها تجارة وأداة من أدوات التسلية والترفية وسلعة تباع وينتظر منها الربح وهناك من ينتفع بآثارها على المجتمع نفسه , خداعا وتضليلا "

و لا ريب أن المجتمعات الغربية تحت تأثير هذه الفنون قد سادتها موجات الجريمة والجنس والقسوة والعنف وبدأت تنهار أخلاقيا تحت وطأة ما تعانيه من مادية جارفة وخواء فكري وروحي .

وإنه لمن الخطر أن يتعرض مجتمع كمجتمعنا لمثل هذه التيارات الضارة وهو المجتمع القائم على قيم من الأخلاق والكرامة والرحمة .

مثل هذه الحقائق لا تكشفها الصحافة العربية ولا تقدمها لأهلها , وإنما تقدم ما يضادها ويخالفها كمسرح بكيت ويونسكو وغيرهم وهي مسرحيات مظلمة ضالة تدعو إلى الانسلاخ من الناس والمجتمع والحياة وتخريب أرواح الشبان والانسلاخ بهم عن الحياة وإلغاء عقولهم وقلوبهم في متاهة ليس لها أول ولا آخر وإن ذلك من شأنه أن يملأ أدمغتهم بالضباب وقلوبهم بحلوكة اليأس وإضعاف عزائمهم وصرفهم عن البناء وتدويخهم في ظلمات ما بعدها ظلمات ونحن نعلم أن بكيت ويونسكو يهوديان مخربان مسرفان في العمل لتخريب الأمم يؤديان رسالة خطيرة مثل كافكا وبرندياو وسارتر وألبير كامي , ومع ذلك فإن الصحافة العربية تنساق لتقدم لنا ذلك في إطار من الإعجاب والتقدير وترفع من قدر هذه السموم حين تسميها الروائع وتضلل الأمة عن الحقيقة وكان أولي بها أن تقدم لها المفهوم الأصيل لهذه الأضاليل بأن تقول لنا أن هذا هو فن سخط على الحياة وتخريب للنفوس وتدمير للعزائم ونسف للآمال وارتماء في أحضان الهزيمة والانحلال وقد يقال هذا الشر كله تحت اسم حرية الفنان وحرية الفتان كلمة ضالة مضللة حين يدعو أمثال توفيق الحكيم وغيره إلى حية الفنان المطلقة التي تتجاوز القيم والضوابط وأخلاقيات المجتمعات المسلمة والتحلل من كل الارتباطات الاجتماعية حتى يبدو الفنان الأكثر حرية هو الأكثر تحللا من المجتمع والواقع أن الحرية ليست هي حرية السقوط أو الانتحار أو الانعزال عن المجتمع أو تحقيق الرغبات والنزوات الفردية .

ولا ريب أن هناك زحفا خطيرا الفن والقصة إلى قلب المجتمع الإسلامي تقوم الصحافة بالدور الأكبر منه فإن كل المفاهيم المسمومة والضالة تقدم في سهولة ويسر وبساطة عن طريق هذه الأجهزة وتستوعب عقول الشباب الغض والمرأة في البيت وتثير روحا جديدة مخالفة تماما لروح الإسلام هي روح التشاؤم والشك والعنف والرقص والإنكار لكل شئ قائم .

وهكذا تجند كل المفاهيم في تكنيك العمل المسرحي في محاولات لتخدير النفوس والوصول إلى اللاوعي بأنه لا قداسة لأي شئ وإشعال الحرائق في كل القداسات .

ومن أخطر ما يدعونا إليه الفن ( المسرح والسينما ) هو خلق عالم آخر عالم وهمي خيالي ضال باطل قائم على الأهواء مختلف عن عالم الواقع يراد تحكيمه في قضايا المجتمعات والإنسان والحياة اعتمادا على الأسطورة واللامعقول حيث تعطي القصة أو المسرحية الكاتب حق الخروج عن الواقع بأحجامه ومقاييسه وعن الحقيقة التاريخية وحيث يجري في ضوء المأساة التي تحطم البطل المصارع للقدر وإقامة الصراع بين الإنسان والآلهة ومحاولة تقليد الطبيعة وتصوير الجانب المظلم من النفس الإنسانية والجانب المسف من طبائع البشر وتغيير خلق الله هذا هو أخطر ما يواجهنا عن طريق الصحافة التي تخدعنا وتغشنا حين تقول أن هناك ما يسمي الحقيقة الإنسانية والحقيقة الفنية والواقع أن هناك حقيقي واحدة هي الحقيقة الإنسانية أما الصورة الفنية المتوهمة القائمة في عالم المسرح أو الخيال فهذه باطلة تماما .

ولا ريب أن كل هذه المفاهيم من تقديس الأشخاص أو عبادة الناس ورفعهم إلى مقام الآلهة أو عقيدة الخطيئة أو معارضة القدر أو النظر إليه نظرة غير عادلة كمصدر لتمزيق الإنسان فإن ذلك كله باطل ولكنه بالبث اليومي وبالخداع والتضليل يراد إقناع النفس العربية الإسلامية به واعتناقه لا ريب أنه لا توجد في الإسلام خطيئة يستحق من أجلها الإنسان التمزق وأن هناك خطأ أكيدا في فهم العدالة الإلهية , وفهم القدر نفسه فليس هناك ما يسمي تمزيق البطل الخاطئ أو أن القدر يتحكم في البشر ولا يوجد في الإسلام الصراع العمودي بين الإنسان والآلهة ولا يوجد الصراع الأفقي الذي يدور بين الإنسان والمجتمع ( بعاداته وتقاليده وأحكامه وفنونه ) ولا يوجد الصراع الديناميكي الذي يدور بين الإنسان والقدر ولا يوجد الصراع الداخلي الذي يدور في داخل الإنسان من عواطفه وعقله ويرجع سقوط ذلك وتلاشيه في المجتمع الإسلامي إلى عظمة الإسلام نفسه ويسر مفاهيمه التقائه بالفطرة وبعده عن أسباب الصراع إن الإسلام سعي لخلق التوازن بين جانبي الصراع في نفس المسلم مما منع الثورة والتمرد عن نفسية المسلم وأبعدها عن مسببات الصراع بمعطيات دينية أخلاقية .

السينما

احتضنت الصحافة العربية السينما احتضانا شديدا ورأت فيها مصدرا من المصادر المادية كما وجدت فيها الأداة القادرة على تحقيق أهداف التغريب والغزو الثقافي على نحو أشد خطورة من المسرح وقد كشف كثير من الباحثين بأن السينما لم تعد نشاطا تجاريا هدفه الربح فقط بل أصبحت أداة لترويج الأفكار المذهبية والسياسية وأن الفن ليس إلا عميلا لغايات استعمارية أو استبدادية وقد فاقت السينما في تأثيرها الثقافي كل الوسائل المعروفة من كتابات ومؤسسات ومحاضرات وأحاديث مباشرة وهي المسئول الأول عن كل المظاهر التي طرأت على سلوكنا وأفكارنا ومن ذلك ظاهرة الفوضي الجنسية مثلا هي ظاهرة لم تنتعش إلا بسبب إقبال الجمهور على مؤلفات فرويد .

ومن الظواهر الخطيرة أن أذواق الفتيات أصبحت توجهها أخبار الممثلات : كيف يلبسن وكيف يصففن شعورهن وكيف يمشين وكيف يعاملن الرجل , وقد تبين أن الأفكار التي تتردد على شفاه العامة لم يقرأوها في الكتب العلمية ولكن سمعوها من ممثل يقوم بدور الطبيب النفسي أو محام يدافع عن موكله : الضجة البريئة التي جنت عليها ظروف اجتماعية معينة .

وهكذا أصبحت السينما أخطر الأدوات الثقافية والتربوية تأثيرا لأنها تمثل أفكارا حية تعيش أمام المشاهد ولذلك فإن تأثيرها لا يقتصر على الأفكار النظرية كما هو تأثير المؤلفات وإنما ينطبع بصورة أشد على سلوكنا ومظاهرها كذلك فإن أفكار السينما ترسخ أكثر لأنها تظهر حقيقة معاشه وليس مجرد خاطر نقرؤه .

ولم تعد السينما قاصرة على روادها بل أصبحت تدخل البيوت عن طريق التليفزيون ولقد حملت رياح الأفلام السينمائية سموما كثيرة فعمر الشريف الذي رفعوه إلى قمة المجد وفتحت الأسواق أمام أفلامه لم يتورع في أحدها من أن يسخر من القرآن والرسول وقد حشت الأفلام أفكار الناس بصور الحضارة الغربية ونقلت كل أمراضها وقد أصبحت الخيانة الزوجية في أفلام السينما غذاء يوميا وصورة متكررة لا تمل حتى كأنما هي أمر طبيعي لا اعتراض عليه وكأنه مشروع ومستساغ ولا ريب أن هذا التكرار لتلك المفاهيم المسمومة يؤثر في حس المشاهد فيصبح شيئا عاديا لأن عدوي الإغضاء عن الخيانة قد أصابته في أخلاقه فغيرت مفهوم " العرف " الأصيل بأعراف زائفة ولقد حملت أفلام السينما عشرات من ظواهر الانحلال في المجتمع الغربي والتناقضات بين أعرافنا ومقاييسنا الاجتماعية والأخلاقية .

كل هذه المفاهيم تحجبها الصحافة العربية عن القارئ المسلم والعربي وتغشه بإعلانات زائفة ودعايات كاذبة لهذه الأفلام المسمومة التي حملت منذ وقت قريب ظاهرة الجنس المكشوف الداعر في أشد صوره حتى أصبح يعرض أكثر عما يدور في غرف النوم على نحو واضح صريح وأصبحت البلاد العربية والإسلامية تصرح بمثل هذه الأفلام ويدعو صناع السينما المحليون إلى تقديم ما هو أشد عنفا وأكثر خطرا لينافسوا الأفلام الأجنبية وليحصلوا على الربح ونحن نعرف أن السينما العالمية كلها في قبضة اليهود إلا قليلا مما هو خاضع لأهدافهم وأساليبهم وليست سيطرة اليهود على صناعة السينما إلا أمرا مبيتا قد أشارت بروتوكولات صهيون إلى أنه واحد من أهدافها في إشاعة الرذيلة في المجتمعات غير اليهودية لتخريبها وتدميرها فإن الغرض من أفلام الهوس الجنسي الرائجة الآن واضح هو إدخال الأمة الإسلامية في مرحلة الانهيار الخلفي والاجتماعي .

ولا شك أن اليهودية العالمية قادرة اليوم عن طريق المسرح والسينما والأغاني والرقص والألعاب الرياضية والكرة على إحكام قبضتها على الشباب العالمي وتدميره كما أنها ترمي إلى إعلاء المفاهيم المادية والإباحية والماركسية وقد اتخذت الغربية من الماركسية وسيلة إلى تدمير شعوب العالم الإسلامي ووسيلة لإفقار الدول النامية وتمزيقها وجرها إلى السيطرة الغربية وقد نجحت هذه السياسة في الكثير من البلدان التي جربت النظام الشيوعي وقد أصبح الترويج للشيوعية سلاحا تستخدمه السينما الأمريكية لخدمة الأهداف الغربية الرأسمالية ( عبد الحميد جوده السحار ) .

كذلك فقد عملت السينما على الترويج للأفكار السياسية الهدامة والترويج للجريمة عن طريق أفلام التقدميين ودعاة الحرية والترويج للرذيلة عن طريق أفلام الجنس وليست السينما تجارة فحسب ولكنها أداة ثقافية وسياسية خطيرة موجهة بصورة خاصة إلى عامة الناس وتحركها الصهيونية والرأسمالية من هوليود ولا ريب أن روح الثقافة الغربية ( المادية الإباحية ) يسري الروح دون أن يشعر .

أما الأفلام المحلية العربية فإنها رديئة وتافهة ومهينة ولا تقوم إلا بتقديم أحط التصورات الاجتماعية والحوار البذيء ومنها " احترسي من الرجال يا ماما " و" الكباريه" وتعطي الجوائز لفيلم رقيع اسمه " نساء الليل" .

وتجمع أفلام السينما كل أنواع الشبهات والسموم فهي تجمع بين الرقص والكباريه وإدمان المخدرات والأوضاع الشاذة والاغتصاب .

ولقد دمغ علماء النفس والاجتماع والسينما وكشفوا عن خطرها : فهم يرون أن السينما ذات أثر في الانحراف الشائع في المجتمعات وأن الفيلم السينمائي يبرر السلوك الانحرافي ويؤدي إلى الاضطراب في القيم الأخلاقية - جورج هوير وأوتو – ورأى يري أن السينما ذات أثر مباشر للانحراف عن طريق التقليد والمحاكاة للأفلام البوليسية والمغامرات التي تمجد الجريمة ومخالفة القانون ويؤيد هذه النظرية تارد وهربرت بلوز.

وهناك أفلام مصممة على نحو خطير : تجمع دعوة صريحة للفتاة للخروج عن طاعة أسرتها والهرب مع أول صعلوك لا عمل له ولا مستقبل وفرض الأمر الواقع على الآباء والأمهات , ومن هذا فيلم ( البنات لازم تتجوز ) ويزداد الخطر شدة عندما يقدمه التليفزيون داخل البيوت وأمام الفتيات الصغيرات فيعطهن الإحساس بشرعية هذا التصرف ويملأ قلوبهن جرأة على الاندفاع في طريق الشر .

ويحدث هذا كله والصحافة العربية تقدم هذه الأفلام في تقدير كبير ودعاية واسعة وأقلام مسمومة تحاول أن تصور هذه الأفلام بأنها أعمال مجيدة ويتحدث عبد الرحيم سرور ( وحسابه عند الله) عن المعالجة الفنية الهادفة للجنس ويحاول أن يبرر السماح بعرض أفلام الجنس المثيرة فيقول أنه يمنع أفلام الجنس الرخيص : ويحاول أن يدخلنا في متاهات العالمية فما ينطبق على فرنسا وانجلترا وأمريكا ينطبق علينا وكيف يمكن أن يحدث هذا وهناك خلاف التزامن الحضاري والعقائد والمفاهيم .

يقول : ليس صحيحا أن مجتمعنا لا يحتمل عرض أفلام الجنس وأن مفهومه لا يتسع لموضوعاتها , فليس هناك أى تعارض بين مفاهيم مجتمعنا ومعالجة مشاكل الإنسان إن الجنس مشكلة من مشاكل الإنسان ومن الطبيعي أن يواجه الإنسان العلمي والواقعي مشكلة الجنس ويعالجها بما أوتي من علم وفن .

ونقول للأستاذ سرور أن هذه المفاهيم باطلة وزائفة ومضللة وأن الجنس لم يكن مشكلة في المجتمع الإسلامي كلية لأن الإسلام أفسح له ووضع له الضوابط في نفس الوقت الذي أعطي به الإباحة في أوضاعه الطبيعية ولم يكن الجنس قط من قضايا مجتمعاتنا وإنما هو قضية هناك حيث تقول تفسيرات الأديان أشياء كثيرة باستقذار العلاقات الجنسية ولا يعتقد أن الإنسان يستطيع مواجهة مشكلة الجنس بتفسيرات فرويد وسارتر ودوركايم التي تقول عنها أنها علمية واقعية وإنما يواجه المسلمون جميع مشاكلهم استمدادا من مفاهيم الإسلام والقرآن والسنة الواضحة الصحيحة .

إن دعوة هؤلاء المضللين في الحديث عن معالجة الجنس والفرق بين المعالجة الفنية والمعالجة المبتذلة كلها كلمات رخيصة مضللة ..

إن هؤلاء المضللين يدافعون عن الأفلام الجنسية وعن السينما في وضعها هذا المهين بالحديث عن تبرير أفلام الجنس ويتحدثون عما يسمونه الأسلوب الرفيع المنزه عن الترخيص ومن العجب أن يكون في مستنقع الشهوات أسلوب رفيع . وقد أجمعت أبحاث الاجتماعيين المنصفين على فساد الآثار المترتبة على الفيلم السينمائي الغربي بصفة عامة , أما الفيلم العربي فإن هناك تأكيدا بتفاهنه وأنه رخيص هزيل حيث لا تخرج موضوعات هذه الأفلام عن شاب ساقط الأخلاق يغرر بالفتيات ويهرب, وهناك الفتاة الساذجة التي لا تقدر العواقب فتستسلم عند أول كلمة وهناك مؤامرة خدعة آخر القصة بالانتقام بعد أن قدم الفيلم خلال ساعتين كل صور الفساد والإباحية وعبارات الحوار المريض وتعلم الشباب منه كيف تخدع الفتاة أمها بدعوي مغايرة لتخرج , أو تخفي التليفون لتتحدث فضلا عن رقص البطن ونكات الخدم , وشرب الخمر, والرقص الإباحية وأخبار مهربي الحشيش الأغاني القذرة المليئة بالإغراء .

هذه التبعة الخطيرة تقع على كاتب الفيلم الذي لم يتق الله في قلمه وأمانة الكلمة وأمته , والذي يضلل العشرات بل المئات من الشباب الصغير القليل الثقافة عن طريق الحق , وتقع التبعة على جماعة المخرجين الذين قامت عقلياتهم على مفاهيم مغايرة وتقع التبعة على جماعة المخرجين الذين قامت عقلياتهم على مفاهيم مغايرة لمفاهيم الفكر العربي الإسلامي يخدمون غايات مخالفة للقيم الصحيحة, وقد أخضع كتاب السينما ومخرجوها قصصهم وأفلامهم إلى نظريات الغرب : النظيرة المادية , نظرية التفسير المادي للتاريخ , نظرية الجنس فكانت هذه الأفلام سبة في وجه مصدريها وعاملا خطيرا في نشر الفساد والكلمة البذيئة والصورة المكشوفة وكانت تستهدف من وراء ذلك غايات أقلها الرواج المادي , وقد حملت صورة سيئة لمجتمعها إلى المجتمعات الأخرى لأنها حاولت أن تنافس الأفلام الجنسية الوافدة وأن تتغلب عليها تجاريا مع أنه يجب أن يكون لكل أمة قصصها وأفلامها ومفاهيمها ولا ريب أن الأفلام السينمائية أخطر الوسائل الإعلامية وهي في بلادها تستهدف غايات كبري منها الدعاية لمجتمعاتها الغربية وللحضارة المتحللة أو للصهيونية فهي تحمل تلك الأفكار لتذيعها في مختلف أقطار الأرض .

وهي من أجل ذلك تنشر العاميات والكلمة المكشوفة والأغنية القذرة وأسلوب الحوار النازل الهابط الذي سرعان ما ينتقل بين الناس ولعلك لا تدهش عندما تري مجلة آخر ساعة تنشر تحت عنوان أسود في 16 – 1 سنة 1968 " شمس البارودي تظهر عارية في فيلم بأمر المخرج ".

والمخرج هو حسام الدين مصطفي الذي أصر على تصويرها عارية وقال إن هذه القصة ضرورية في الفيلم , فيلم ومركب وعرض البحر ويلقي بها في الماء عند شاطئ مهجور , وتخلع ملابسها لتجففها في الشمس هذا الضلال كله يصدر عن نفسيات ضالة حرمت من نور الإيمان بالله , والحفاظ على أمانة أعراض هذه الأمة .

بل إن هناك ما هو أخطر من ذلك وهو محاولة ضرب القيم الإسلامية ومن هذا النوع فيلم " أريد حلا "

" وهي محاولة خبيثة للنيل من الشريعة الإسلامية والطعن في تعاليمها فالقصة التي قام عليها تصور حياة شابة اكتشفت بعد الزواج أن زوجها رجل فاسد الطباع منحرف الأخلاق فلجأت إلى القضاء الشرعي تطلب الطلاق للضرر, واستطاعت أن تثبت ذلك الضرر , وبدلا من أن ينصفها ذلك القضاء سد في وجهها أبواب الرحمة باسم الدين وضيق عليها منافذ الحياة باسم تعاليم الشريعة الإسلامية ثم ألجأها إلى رهبانية رهيبة لا يعرفها الإسلام, رهبانية امتصت رحيق شبابها وحيويتها وجعلها تصرح ( أريد حلا ) ولم تجد حلا فعاشت للعذاب والشقاء , وهكذا صوروا لها الإسلام وصوروه لكل من شاهد الفيلم الإسلام الذي أعز المرأة ورفعها إلى المستوي الإنساني بعد أن كانت تعامل معاملة السائمة والعبيد في أمريكا والذي سوي بينها وبين الرجل في الحقوق والواجبات وجاء بتشريع كامل شامل ينظم الأسرة ويضمن للمرأة كافة أسباب الحياة الكريمة زوجة وبنتا وأما .

ونتساءل كيف حدث هذا فتتجه أصابع الاتهام إلى المخرج فهو مسلم بحكم شهادة الميلاد . وهو من ألد أعداء الإسلام بحكم نزعته واتجاهه لقد أخذ قصة تنقد بعض أوضاع الحاكم الشرعية في مصر فحولها إلى معول . لهدم الشريعة واستند في إخراجها إلى عناصر لا دينية ولها انتماءات ماركسية ثم أعد لها دعاية ضخمة بلغت تكاليفها أكثر من ميزانية الفيلم نفسه وطبعا دفعت هذه المبالغ جهات لها مصلحة في النيل من الإسلام وزعزعة إيمان ضعاف النفوس من أبنائه والعجيب أن الرقابة على الأفلام في مصر صرحت بالفيلم مع التقدير الشديد والهيئات النسائية رحبت به ترحيبا خياليا واعتبرته الدفاع الصحيح عن المرأة التي ظلمها الإسلام والأعجب أن أحد من علماء الأزهر لم يتنبه إلى خطورة ما يهدف إليه الفيلم وخطورة الحملة الدعائية التي صاحبت ظهوره وجعلته يعرض في الدول العربية وجعلت الناس يتهافتون على مشاهدته ثم جعلت نساء البلد الذي أنتجه يطالبن بضرورة تعديل بعض القوانين الأحوال الشخصية المستمدة من الشريعة الإسلامية واستبدالها بقوانين مستوردة من الكتلة الشرقية ( أمينة الصاوي )

ولست أدري لماذا نحن المسلمين الذين نفتح الأبواب لكل الأفلام مع أن أصحاب الأديان الأخرى يصدرون نشرات لذويهم عن الأفلام التي يجوز مشاهدتها والتي لا يجوز والمراكز الكاثوليكية للسينما منتشرة في جميع أنحاء العالم تحت رئاسة الباب في الفاتيكان ومهمتها تنبيه أذهان المتفرجين إلى القيم الأخلاقية للفنون التعبيرية التي تعرض عليهم مثل السينما والمسرح حيث تقوم هذه المراكز بتوزيع نشرات على المدارس والكنائس بأسماء الأفلام لتي لا يجوز تعريض عقليات الشباب والفتيات لما تحمله من فساد وقد كان الأولي بنا نحن المسلمين أن نفعل ذلك وكان أولي بصحافتنا أن تهدينا إلى الحق والخير .

الأغاني

إن من أخطر ما تقدمه الفنون ( المسرح والسينما ) تلك الأغاني المبتذلة الرديئة التي تدور حول الحب المريض حيث تدور الأغنية العربية حول محور واحد هو الحب المريض الشاكي المعول وقد وصلت الأغاني العربية في السنوات الأخيرة إلى قدر كبير من التدلي والفساد وانهيار القيم وهي ترمي في مجموعها إلى طرح مفاهيم زائفة تجعل من الأهواء والفساد والإغراء والاغتصاب كلمات مشروعة ولقد تمددت الأغنية كما تمددت الأفلام السينمائية وانحدر المؤلفون انحدارا شديدا وراء إثارة الغرائز والشهوات وهي قوية ثائرة في الإنسان لا تحتاج إلى من يثيرها أو يؤججها .

وتتسم هذه الأغاني بأنها دعوة إلى فنون رخيصة من الغزل والحب والتعامل الفاسد بين الرجل والمرأة وهي تحمل اسم الحب الذي يقصد به إلى الجنس وقد تعالت كلمات الحب حتى ملتها الألسنة والأسماع وليس في كلمات الأغنية أى إثارة توحي بمعني شريف أو كريم من معاني العلاقات بين الرجل والمرأة ..

يقول الدكتور عبد المنعم النمر : إن الراديو يتولي تعليم أولادنا فنون الحب والدخول إليه ويتولي تفتيح عيونهم وكأننا مكلفون بهذا العمل تقوم به الدولة وأجهزتها وإذا تحدث أحد أو اعترض عن هذه الإثارات قالوا كيف إنه الحب , الحب شئ ضروري في الحياة ولكن الكثيرين لا يفهمون الحب إلا علي أنه نوع خاص يتصل بالجنس والأغاني مع الأسف وقد تعالي في هذه الناحية حتى كاد يقتصر عليها ومن هنا يجئ الخطر .

وتغزو الإذاعة آذان الجميع في البيت والشارع بهذه الأغاني الخليعة ولم يكتف مؤلفو الأغاني ولا المغنون بهذا النوع ولكنهم أخذوا يزحفون إلى نوع خطير وقد أخذ المنتجون يتجهون إلى الجنس وهو شر وبلاء من الحب يقول أحد كتاب الأغاني : نستطيع أن نقود الجمهور ونوجهه كما نريد وبكل بساطة ويقول إنه كتب اثنتي عشرة أغنية كلها تدور حول الجنس الصارخ لأربعة أفلام وهكذا يكون الزحف نحو الهاوية فليس هناك هادم لهذه الأمة ومعنوياتها مثل هذه الأغاني فالمنتجون يريدون الثراء ولكن على حساب هدم المعنويات مثل هذه الأغاني . فالمنتجون يريدون الثراء ولكن على حساب هدم المعنويات دون أن يراعوا حق هذه الأمة الناهضة عليهم وهذه الحقائق كلها تخفيها الصحافة تدسسها ولا تدافع عن كرامة هذه الأمة ولا تهاجم هذه الألوان النازلة من التعبير ولكنها تكرم هذه الأفلام الجنسية وتشيد بها ولا تعتقد أن الغرض هو الأجر المادي وحده .

الرقص

أولت الصحافة العربية اهتماما واسعا ومتصلا بالراقصات والمغنيات والممثلات وفرض السادة الرواد تعليمات خطيرة وأعرافا خطرة في هذا الصدد.

وحمل التابعي ومصطفى أمين وتلاميذهم لواء الدفاع عن هذا الصنف من الناس وأغروا كثيرا من المخرجين والعاملين في حقل السينما بتصوير حياة الراقصات وتقديمها على أنها بطولات تاريخية وصفحات من حياة أولئك الذين قدموا تلك الصفحات المظلمة من العلاقات غير المشروعة بين العاشقين والسكارى والندامى وحفلت الصحف بالدعاية لهذا اللون من الأفلام , وجاءت أفلام خطيرة الاسم وخطيرة المضمون : امرأة لكل رجل , المرأة الخائنة.

وكان حقا علينا أن نتساءل : لماذا هذا الاهتمام بتصوير حياة الراقصات وما يعشن فيه من ابتذال وفحش بين النوادي الليلية والصالونات .

ولا ريب أن تصوير هذه الحياة يؤدي النظر ويخدش الأذن ويعطي مثلا بالغا غاية السوء للشباب والفتيات ولا يشفع في هذا أنه تاريخ أنه تصوير حادثة حقيقة فليس كل التاريخ مما يكتب ويروي ويجسد وليست كل الحقائق تقال , وإلا فهل يجوز تصوير ما يجري في البيوت سيئة السمعة من عبارات وألفاظ وحركات ويعتذر عنها بأنها حقيقة واقعة من الحقائق الواقعة في المجتمع وفي الحياة . وكان حقا على الصحافة العربية التي تحمل أمانة الأداء للعرب والمسلمين أن تتساءل : لماذا هذه الأفلام وما مدي خطورة الجانب الأخلاقي وجانب القدوة السيئة للشباب وهل بمثل هذه الأفلام يمكن تدعيم المجتمع ثم كيف تفتح أمام الشباب أبواب الضياع والسلبية وهي تقدم لهم زادا أقل ما يقال فيه أنه دعوة صريحة إلى الفساد .

وهل تري لابد أن نعيد للأذهان أسوأ ما كان يجري منذ الثلاثينيات الأربعينيات مع أنه كان في هذه الفترة صور حقيقية من البطولة والكفاح والنضال في سبيل نيل الحرية ومقاومة الغاصب .

ولا يقف الأمر عند هذا الحد فهناك محاولة تحويل الرقص بخلفياته المعروفة ووجوهه الكريهة , وطوابعه الإباحية والمخمورة والفاسدة إلى مثل عليا وقيم مع اللعب بالألفاظ وخداع السذج على النحو الذي يكتبه دكتور وعميد كلية عن ابنته الراقصة حيث يقول تلك العبارات الضالة :" كلنا نرقص بشكل أو بآخر , ولكنها وحدها تتخطي الجسد وتتجاوز الإيقاع لتصبح وحدها إيقاعا مميزا

وهذه هي محاولات الخداع في اتخاذ الأسلوب الأدبي والعبارات البراقة مدخلا إلى إغراء الشباب الصغير قليل الثقافة ولقد كان حقا على هؤلاء المضللين أن يسموا هذه العائلة بالعائلة ( المقدسة ) وأن يسموا الرقص ( ثقافة) وأن يسموا الفن خالدا , وأن يؤلف عن ذلك الكتب وتدبج الصفحات وتقدم الصحافة العربية ذلك كله في إعجاب وتقدير .



لقد كشفت الأبحاث الاجتماعية الرصينة عن أن الأفلام السينمائية مدخل خطر إلى تحسين الخبائث التي نهي عنها الإسلام وتزيينها في نظر الناس وأنها تتخذ إلى هذه الغاية وسائل ماكرة باسم تحرير المرأة ومساواتها وإنصافها أو تحرير الغرائز والأهواء أو إطلاق الغرائز من عقال التقييد والتنظيم وكل هذا يدخل في تخطيط الماسونية الذي يستهدف انتزاع عقائد الناس ومكارم أخلاقهم ولقد خضعت بلادنا لهذه التيارات فقدمت مجموعة من الأفلام العربية كانت أسوأ إخراجا وأفسد مادة من الأفلام الغربية وخسرت مؤسسة السينما في احدي البلاد العربية سبعة ملايين جنيه وحصل الممثلون والممثلات على جوائز قدرها 25 ألف جنيه ولم تقدم السينما لقاء ذلك سوي التبذل والجنس الرخيص ( أبي فوق الشجرة) الفيلم الذي وزعت خمس وخمسون قبلة فقط , أو فيلم ( شباب امرأة ) وغيرهم من الأفلام:( عريس لبابا) , ( بابا آخر من يعلم ) أسهمت في تدهور الأخلاق بين شبابنا وفتياتنا بصورة مزرية حتى إذا قدمت شيئا من تاريخنا قدمته مهلهلا مشوها لم يرحم من زج الجنس الرخيص عليه والجنس الرخيص هو مركز الثقل في معظم أفلامنا ولقد تقاطرت في السنوات الأخيرة أفلام مسفة خليعة رقيعة .

رحلة في امرأة , دعونا نحب , بنت اسمها محمود .

وكلها أفلام تساعد على انحراف الشباب والشابات بعيدة عن واقعنا فيها خروج على تقاليدنا , تغرس في النفوس الذلة والرخاوة , وهي في مجموعها دعوة صريحة لهدم نظام المجتمع من حيث الاستهانة بالأخلاق والدين .

ولعلك لا تدهش عندما تجد كاتبا له اسم لامع كإحسان عبد القدوس أو مصطفى أمين عندما يتحدث عن نجاح الفنان ويقدم لك اسم الراقصة نجوي فؤاد ويقول لك أنها قدمت شخصية جديدة في الأداء , في أداء الرقصات الشرقية ويقول لك أن فنها يتطور , وأن هناك فنانين جدد قرأ أسماءهم في الإعلانات ذهبت أبحث عنهم فوجدتهم في زحام السكارى يقدمون فنهم مرة للويسكي ويثيرون غواء المخمورين . إنهم يحاولون أن يجدوا طريقا بين هؤلاء السكارى ليصلوا إلى عالم النور . إن كثيرا من الفنانين الكبار خطوا أول خطواتهم في زحام السكارى .

ونتساءل : أى نور هذا , أو أن الكلمات لم يعد لها معني , أو أن الكلمات أصبحت تخدع الناس وتحمل قناعا براقا يخفي وراءه السموم التي تراق كل يوم على قراء الصحف .

لا ريب أن الصحافة العربية قد حملت في ذلك مسئولية خطيرة في عدة أمور :

(أولا ) في أن أصبحت مستأجرة لأصحاب الأفلام والراقصات وقد تقدم الكثيرون بدعم هذه الصحف ودفع مبالغ شهرية على هيئة قروض أو على هيئة مكافآت للذين يكتبون هذه الأبواب .

( ثانيا ) أن أصبح الإعلان فنا خطيرا فهو ليس ذاك الذي ينشر داخل البراويز ولكنه يتحول الآن إلى مقال في صفحة السينما أو المسرح وهناك إعلان عن الخمر في مقال وإعلان عن الأفلام الإباحية في مقال آخر لقد انتقل فن الإعلان إلى كتابة المقالات في أعمدة كبار الكتاب وهذه أخطر مرحلة في صحافة النكسة .

( ثالثا) أم الموالاة الخطيرة للسموم سواء في مسائل الجنس أو الجريمة من شأنها أن تجعل هذه الأمور مألوفة وعادية فهي تري كل يوم في الأفلام وفي التليفزيون وتقدمها الصحافة بتقدير كبير فهي علامة " الشرعية " للفساد ولقد يذهب البعض ساخرا بعقول الناس فيقول أنها أداة من أدوات التسلية والترفيه يعرضها التليفزيون يوميا في مسلسلاته أو تنشرها الصحف في أبوابها الفنية أو تعرضها السينما في أفلامها ثم يقرؤها الناس في كتب أرسين لوبين وجيمس بوند الواسعة الانتشار وبذلك تصبح ممارستها أمرا ميسورا لأنها أصبحت من صور الحياة اليومية العادية والأمر أخطر ما يكون بالنسبة للأطفال فإن عرض المجرم أو الداعر في صرة بطل تقرب مشهد الجريمة أو الإباحية من حس الطفل فيألف الجريمة ويعايشها ويقدر المجرم وبطولته وما نراه كل يوم من أحداث وجرائم يقوم بها الأحداث إنما هو نتيجة لهذا وعلى الصحافة العربية تبعته ولقد كان حقا أن يقال : فن من أجل إضحاك الجماهير ولكن دون أن يفقدهم قيمهم أو يؤذي المشاعر أو يفد الأخلاق أما أن يقال فن من أجل الثقافة فذلك هراء وتضليل حاول الماركسيون إذاعته حين أطلقوا على الرقص والتمثيل كلمة ثقافة وما كان من الممكن أن يقدم هذه الفنون إلا ذلك التهريج الرخيص والتفاهة ونقل العقليات من الفكر الأصيل إلى المعاني الرخيصة الساذجة وإلى الإثارة .

(رابعا) أن تقديم بطولة زائفة للمثلات والمغنيات والراقصات هي من أخطر المحاولات المسمومة التي يقدمها النفوذ الأجنبي لهدم قيمنا عقائدنا وعقليتنا الإسلامية الرصينة القائمة على الخلق والفطرة والنبل والارتفاع عن الدنايا .

وما تزال صحف المسرح والسينما تعلي من شأن الممثلات والمغنيات وتقيم لهم بطولات زائفة وقد جندت لها عشرات من الكتاب الذين يعملون في هذه المجالات والذين يغمسون أفلامهم في السم ليكتبوا تلك القصص والمسرحيات ومن هنا فقد شهد الباحثون الاجتماعيون بأن كل أفلامنا السينمائية ومعظم مسرحياتنا وتمثليات الإذاعة والتليفزيون – إلا قليلا – تبذر بذور الفساد والانحراف والخيانة .

وما بالك بجريدة كالأهرام تفرد أربع صفحات كاملة للرقص الشرقي وهز البطن وإذا كان لنا أن ندرس هذه الفنون فإننا نتساءل إلى أى حد وصل كتاب القصة والمخرجون في فهم مسئوليتهم أمام الله وأمام أمتهم ومجتمعهم وما هي ثقافتهم وخلفياتهم في دراسة الإسلام والعروبة والوطنية ومدي إيمانهم بمسئولية القلم وشرف الكلمة والالتزام الأخلاقي ومدي غيرتهم على البذور الصغيرة والنبت وحمايته من التدمير . إن أغلب ثقافة كتاب القصة والمخرجين هي الثقافة غربية وافدة وهم يؤمنون بقيم ليست قيم أمتنا , ويخضعون لأساليب في تناول المادة المسرحية لا تمت بسبب إلى مفاهيم التوحيد والعدل والرحمة والإخاء الإنساني التي يقدمها الإسلام ولكنها خاضعة للصراع بين الآلهة والبشر وخاضعة لمفاهيم زائفة مدمرة مثل الخلاص والخطيئة وإن الإنسان ساقط ولقيم مدمرة هي الإباحية والكشف وإيقاد نار الشهوات وإباحة الجنس .

وهم يبحثون عن المواد المادية للفيلم ويضحون في سبيلها كل القيم ويرون حشد أكبر قدر من الرقصات والعري والعبارات الشائعة من مقاييس النجاح وهم لا يخضعون لمفهوم الإسلام في أسبقية الأخلاق على الجمال وأسبقية القيم العليا على المنفعة فالماركسية تقول بالمنفعة واللبرالية تقوم بالجمال والإسلام يقول بالأخلاق .

ومن هنا فإن هؤلاء الكتاب الذين يقولون أن الفن هو المتعة الجمالية مخطئون في مفهوم الإسلام ولقد هاجم احدهم تولوستري الذي قال بمفهوم الأخلاق وهاجمه كل الوجوديين والماديين وقالوا أنه رجل عجوز له معدة مريضة, ولو فكروا لرأوا أنهم هم ذوو القلوب المريضة الضالة .

ولعل أخطر ما يقاس عليه ما يقدم لمجتمع أن يكون تجربة خاصة لفنان كانت أمة راقصة أو عاش في بيئة منحرفة فحمل في نفسه وأعماقه كراهية الخلق والكرامة ومضي يحطم بقلمه كل ما في المجتمع من قيم .

الباب الرابع: الصحافة والأدب

أولا : الأدب

ثانيا : الشعر


الفصل الأول: الأدب

(1)

وتفتح الصحافة للأدب أوسع الأبواب لأنه مدخل خطير لتحقيق الغايات التي تهدف إليها حيث هناك عصابة المجان أمثال نزار قباني وصلاح جاهين وأودنيس وكل الكارهين لهذه الأمة وفكرها وعقيدتها وسلاحهم هو الأدب والشعر وهم عن طريق الأدب يهاجمون الإسلام في أعظم عطياته تحت اسم التراث ويقدمون الجنس في أسوأ صورة عن طريق الكلمات المضللة ويهاجمون الفصحي عن طريق الشعر الحر والعاميات ويجدون في الأدب طريقا ممهدا لإحياء الفرعونية والفينيقية ومعاداة القيم وإعلاء الأهواء فالأدب مملكة خطيرة أعطت لها الصحافة حرية كاملة في أن تقول كل شئ وأن تستعلي على وضع الأدب الحقيقي كجزء من الفكر الإسلامي يخضع له ويعمل في إطاره ويحافظ على ضوابطه وقيمه وحدوده .

ولقد هللت الصحافة وكبرت لكل محاولات الأدباء والكتاب في هدم القيم وكانت دائما في صف المطالبين بحرية الفكر والانطلاق من القيم والحدود الأوضاع وهي التي هللت وصفقت لكل خارج على مقومات هذه الأمة:

طه حسين وسلامة موسى ولويس عوض ومحمود عزمي وعلي عبد الرازق حتى يقول المستشرق كامفاير : إن المحاولة الجريئة التي قام بها طه حسين ومن يشايعه في الرأي لتخليص دراسة العربية من شباك العلوم الدينية حركة لا يمكن تحديد آثارها على مستقبل الإسلام وليس عجيبا أن نري أن كل محاولات الانتقاض على قيم الأمة وعقائدها جاء عن طريق الأدب وكانت الصحافة منطلقة ومسرحه .

ولقد كانت السياسة الحزبية منطلقا للأدباء للخروج على كل القيم وعلى إفساح المجال لأسلوب من الهجاء بالغ الخطر وعلى اتخاذ وسائل الهجوم والتآمر والمكر والدناءة دون أى اعتبار للقيم الأخلاقية وسجل عليهم ذلك الدكتور محمد أحمد الغمراوي حيث يقول .

" إن أنصار الجديد يضيقون ذرعا بالقيود الأخلاقية التي قيد الدين بها الناس ويريدون أن يتحللوا منها فيوعزوا إلى الناس أن هذه الأخلاق وقيودها إن هي إلا عرف وتقاليد وأن العرف والتقاليد في الفن والأدب يعوق الفن ويحول دون ترقي الأدب . فيجب إذن ترقي الفن وتحرر الأدب من تلك القيود " وهذه مؤامرة خطيرة ظلت تحمل الصحف العربية لواءها وتبثها في الناس جيلا بعد جيل داعية إلى التحرر من ضوابط الخلق والعقيدة ولقد عملت الصحافة العربية بواسطة كتاب التجديد ( وهم دعاة التغريب) إلى محاولة رفع القداسة عن القرآن وإزاحة الكرامة عن صحابة الرسول ومهاجمة الشخصيات الممتازة في تاريخ المسلمين : ابن خلدون والمتنبي الغزالي والاهتمام بشخصيات معينة في تاريخ الإسلام :

  • الاهتمام بأبي العلاء المعري بوصفه جريئا على الأديان والمقدسات .
  • ابن الراوندي والسهروردي وابن عربي والحرج باعتبار أن مفاهيمهم عن وحدة الوجود والحلول الاتحاد خارجة عن مفهوم التوحيد الإسلامي .
  • الاهتمام بحركات مشبوهة كالزنج والقرامطة وصفها بأنها كانت تحمل لواء الحرية والعدل .

والواقع أن هناك تحفظات كثيرة على كتابات من يسمون بالرواد ( ومن تجري المحاولات اليوم لإعادة ابتعاثهم ) فقد وقع أغلب هؤلاء الرواد تحت مؤثرات حجبت عنهم كثيرا من الحقائق ودفعتهم في طريق مغلق ولم تجعل الرؤية الصحيحة لأبعاد الأمور ميسورة لهم نقول هذا بالنسبة لرفاعة الطهطاوي وعبد الرحمن الكواكبي ولطفي السيد وقاسم أمين وطه حسين وعلي عبد الرازق وساطع الحصري .

وفي هذه المرحلة التي نؤرخها كانت ظاهرة إخضاع الأدب العربي والفكر الإسلامي وتاريخ الإسلام للتفسير المادي للتاريخ أمرا منتشرا بعد أن سيطر الماركسيون على الصحافة وأخضعوا الفكر والأدب كله لمفاهيمهم ولم تكن هذه المرحلة أقل سوءا من المرحلة السابقة التي أخضع فيها الأدب والفكر والتاريخ للتفسير الليبرالي الديمقراطي الرأسمالي الغربي فكلاهما عدو للفكر الإسلامي وعامل على هدمه والنيل منه وانتفاضة بأسلوب أو بآخر .

ولقد أخضع أدباء العرب عن كريق الصحافة الفكر الإسلامي والأدب العربي واللغة العربية وتاريخ الإسلام والعرب إلى نظريات الاستشراق ومفاهيم المستشرقين التي هي عصارة سموم المؤسسات التبيشيرية وظهر في هذه الفترة استشراق غربي مسيحي واستشراق ماركسي واستشراق صهيوني يهودي وكل من هذه المنظمات يعمل في ميدان ولكنها تلتقي جميعا على عملية الهدم .

ولقد كان الأدب هو أوسع الأبواب مدخلا لتقديم السموم المختلفة وأيسرها لتقديم الأساطير والخرافات التي تزخر بها الآداب الغربية عن اليونان والفرس والمجوس القديمة ولقد كان للقصة الغربية المترجمة مكان واسع واحتلت كتابات كل دعاة الجنس وتدمير القيم ما سارتر إلى بكيت إلى دور كايم إلى كامي إلى كفكا مكانا بارزا فنقلت إلى أفق الفكر الإسلامي عن طريق الصحافة مترجمات مسمومة وأفكارا مضللة ولم يتوقف الأمر كما كانوا يقولون عن الروائع – بل إنهم لم يتركوا شيئا على مختلف المستويات والمذاهب حتى أشدها ضلالا إلا قدموه وهم يهدفون بذلك إلى إثارة موجه من الاضطرابات والبلبلة نتيجة هذا التضارب الشديد .

وكان أنيس منصور على رأس هؤلاء الذين نقلوا ركام الفكر الغربي الحيث وكان لويس عوض وغيره من ناقلي ركام الفكر الوثني الغربي وكلها أفكار تدور حول الجنس والمرأة والهواء .

وهم حين يترجمون لا يؤصلون الأشياء ولا يعرفون القارئ العربي بالمترجم لهم ولا يذكرون مثلا أنه كان مجنونا أو مصابا بأشد أنواع انفصام الشخصية كنيتشة أو فرويد . ولكنهم يقدمون كل لك كأنه علم وكأنه حقيقة بينما هو في الحقيقة من أهواء النفوس الضالة المغموس في أشد ألوان الفساد والانحراف ويتركون التساؤلات دون إجابة زيادة في التعمية . وكل الأسئلة المحيرة التي يوردها الباحثون إلى الحقيقة التي يعلمها لماذا يتركونه في متاهات ومجاهل وتساؤلات والإجابة يسيرة؟ لماذا يخلقون هذا الجو من الحيرة والشك .

إن القارئ المسلم يعرف أنه ليس في حاجة إل كل هذا الركام ويفهم أن هذا الركام من حثالة أقوام ضلوا وانحرفوا فهو لا يستطيع أن يهديهم أو يقدم لهم شيئا نافعا وأنه من صنع بيئة أخري فلماذا يترجمونه ويقدمونه ويملئون به الصفحات إلا إن كانوا يريدون خداع الذين لا خلقية لهم وتضليلهم.

إن الأمانة تقتضي من الصحافة العربية حين تقدم قصة أو كتابا أو موضوعا غربيا أن تقدم كاتبه بأمانة وتقدم ظروف البحث بأمانة أن توازن بين مفهومنا الإسلامي وبين مفهومهم وبين حاجتنا إلى ذلك أم العكس .

أما أن تعرفنا الصحافة العربية في باب الأدب بكل هذا الركام من المترجمات التي تزيد من حيرة الشباب الصغير الذي يكون في هذه المرحلة في حاجة إلى إضاءة الطريق أمام نفسه القلقة إلى معرفة الخير والنور والهدي والرشاد فإن أصحابنا مسئولون أمام الله عن هذه الجرائم لماذا لا يضعون الإجابات عن تلك الشبهات والتساؤلات , لماذا لا يضعون أبحاثهم المترجمة في إطارها الصحيح لماذا لا يقدمون الطيب والكريم والنافع ويؤثرون عليه الخبيث والفاسد والمنحرف منذ أن اصطنع لهم طه حسين ترجمه القصة الفرنسية المكشوفة ( ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ) وفي مجال التراث تفسح الصحافة العربية أعمدة كثيرة كثيرة وموضوعات متعددة وترمي تراثنا بأنه صحائف صفراء كما يقول يوسف إدريس وغيره وهو قول باطل فإن تراثنا تشهد له الدنيا كلها وعلماء الغرب المنصفون يعرفون قدره ولا يماري في هذا إلا عدو أو جاهل أو ملل ولقد تراثنا الغرب عليه الحضارة المعاصرة واعترف له أهل الفضل فماذا ينكره أبناء هذه الأمة من أهل العقول أولياء القوي الغاصبة والضالة ليرضوا بكتاباتهم أولئك الذين يرسلون لهم من وراء البحار الدعوات والجوائز والهدايا ويكونون بهذه الأفكار المسمومة خصوما لهذا الأمة .

ولقد تولي مهاجمة التراث وزير الشباب في عصر بائد هو الدكتور صفي الدين أبو العز ونعي على الأمة ما تبذل من مال وجهد وقال إن الاهتمام بالتراث يعوق حركة الشباب وحد من انطلاقه .

وبذلك جري في مجري التغريب وخضع لمخططاته حيث لم يكن التراث علامة الرجعية ولا دليل التخلف أو التحجر ولعل صاحب هذه الدعوي المسمومة لم يطالع وجه تراثنا في صورته الحقيقية المشرفة .

ولعله لم يعرف أن من بين أعلامنا ومفكرينا القدامي من عالجوا القضايا التي تشغل الإنسان المعاصر اليوم وتركوا في هذا كتابات رائعة ونادرة لو أنها قدمت للشباب من جديد لاهتدي بها ولكانت خيرا مما يترجمونه له من سموم الفكر الوافد .

" ولو شاء أن أعرض معه بعض هذه النماذج لقدمت قوائم مستفيضة بكل الذين قالوا لا عبر تراثنا وأضاءوا بالكلمة طريق أمتهم في أحلك الظروف نذكر منهم الإمام الصامد أحمد بن حنبل في محنته الشهيرة والإمام الأعظم أبو حنيفة وما جري له حين رفض ولاية القضاء , وهناك العز بن عبد السلام الذي أفتي في ظروف كظروف أمتنا بأن يسهم السلطان كما يسهم المواطنون في بعثات الجهاد فإذا عجزت خزائنه بيعت جواريه وغلمانه فإذا لم تف بنصيبه نظر في أمر عرضه للبيع وهناك حروب الصليبين ونضال نور الدين وصلاح الدين فيها .

" ولدينا من التراث مكتبة سياسية تحدد حدود سلطة الحاكم وحدود التزام المحكومين , كما تضع الأسس العامة لبناء الحكومة ويمتاز هذا الفكر السياسي في هذا التراث بنظرة واقعية إذ يجعل قضية الحرية والعدل فيه مطلقة لا تحتمل المساومة أو التحايل ولدينا مكتبة اقتصادية تعالج شئون المال وإخراج ونظم الإدارة أما تراثنا العلمي فلدينا مكتبة ضخمة وكلها تؤكد قدرة الإنسان العربي المسلم على الامتياز والتفوق .

" فإن كانت تطورات العصر قد جاوزت ما كان يفكر فيه الأجداد وجاوزت ما كانوا يحلموا به فإن هذا لا يعني أن ندير لهم ظهورنا لأن في هذا خطرا كل الخطر إذ نصبح شعبا بلا أصل ولا ماضي.

" وما أضيع الأمة حين يكون حاضرنا لا أصل له ولا ماض ولا تاريخ "

(2)

أتخذ خصوم الفكر الإسلامي الصحافة العربية منطلقا للهجوم على التراث الإسلامي تحت عنوان الأدب فتصدي لويس عوض ويوسف إدريس وغيرهم لهذا العمل في ذكاء وكانت تجربة القوميين السوريين أيضا من أخطر هذه المحاولات .

فالدكتور لويس عوض يهاجم ابن خلدون ويحاول أن يصوره تلميذا للفكر اليوناني والروماني ويلتمس خيوطا مهلهلة ليربط فكره بهذا الاتجاه ويرجح بالبالطل أن يكون ابن خلدون قد عرف اللاتينية لأنه ذكر أسماء مؤرخين أو علماء مفكرين أوربيين أو هو ذكر وقائع منسوبة إلى هؤلاء المفكرين الأوربيين مع أن هذا الأمر وحده – كما يقول الأستاذ أحمد رشدي صالح – لا يقوم دليلا بل على العكس " إن استقراء تربية كبار المفكرين العرب ومنهم ابن خلدون تدلنا على أن الرجل عرف من عرف من المفكرين غير العرب من خلال الترجمات الكثيرة التي زخرت بها اللغة العربية في عصر استعمل اللاتينية أو السبانية لسبب ثان هو أن ابن خلدون أرسل في سفارة إلى بلاط بطرس القاسي ملك اشبيليه ومن المرجح جدا أن يكون قد استخدم الأسبانية أثناء سفارته تلك وهو استنتاج خاطئ فليس شرطا في رجل يسفره العرب لهم أن يعرف لغة أجنبية ليخاطب ملك أشبيليه بهذه اللغة وكان يكفيه الاستعانة بمترجم وكانت قصور أمراء المسلمين وقصور أمراء المسيحيين تحتوي على ناس وظيفتهم الترجمة .

والواقع أن ابن خلدون أخذ من المصادر العربية ولم يتعامل مباشرة مع مصادر الثقافة الأوربية وقد حرص ابن خلدون على أن يعرفنا بأساتذته والعلوم التي قرأها لكنه لم يذكر ولو بكلمة واحدة ما يرجح أنه استعان بأفكار أجنبية ولو كان ابن خلدون استعان باللغة اللاتينية والمراجع الأجنبية لكان أعداء ابن خلدون قد فشوا عنه وقالوه وخاصة أنهم زعموا عنه مختلف المزاعم الشخصية .

وقد حاول لويس عوض أن يرسم صورة مضلل لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية أعطي قيادتها الأدبية لثلاثة :

" محمد مندور ونجيب محفوظ ولويس عوض ".

مدعيا أن هؤلاء الثلاثة هم الذين وضعوا بذور النهضة والتقدم خلفا للمدرسة التي خرجت طه حسين وسلامة موسى ومحمود عزمي وأنهم :انوا النور المضئ في ظلمات هذه المرحلة .

وقد ردت الدكتور بنت الشاطئ على لويس عوض فقالت :

إن أحدا لم يدر شيئا عن البذور الخفية التي قال إنه ألقاها هو ومحمد مندور ونجيب محفوظ في أحشاء التربية المعتمة والأرض الخراب لأن هذه البذور بصريح اعترافه لم تكن لتري النور قط , إذن فمن أين استمد الشعب زاد وعيه ونور بصيرته وري وجدانه , والذي يسجله الواقع التاريخي أنه هناك دائما نبع سخي لم يغض أبدا و يمد جماهير الشعب الأمي بالري المستديم ويفيض عليها من منهله الصافي ما يرهف وجدانها وينير بصيرتها ويشحذ إرادتها للنضال من أجل الوجود الحر الكريم كان هناك " القرآن " يتلي في البيوت والأكواخ والمساجد والزوايا وينفذ إلى أعماق القري ونأئي النجوع منفردا بالسيطرة الكاملة علي الوجدان الشعبي ,الذي لم ينفذ إليه قط من أى سبيل دعوات التقدميين ومقالات التطوريين وإذا كانت الأمية قد فرضت على عامة الشعب وحيل بينهم وبين قراءة أى كتاب أو مجلة فقد بقي لهم كتابهم الخالد ينسخ أمينتهم بمدد سخي من الوعي ويمزق عن بصيرتهم حجب الجهل وغشاوة العمي وغطاء الغفلة ويلح على عقولهم ونفوسهم بكلمات الله في حقوق الإنسان وكرامة البشر من هذا النوع السخي وجدت الأرض الطيبة من الري المستديم ما يحميها من العقم والجدب من هذه المدرسة تلقي الشعب الأمي الشح للاقتحام العنيد لكل العوائق والمواقع التي تعرض حياته عصيا على كل المحاولات التي تغير نصا لكلمات الله التي يتلوها الأميون مصبحين وممسين دينا وعقيدة لن يرفضوا الإقرار بالعبودية إلا لله وحده أن يقاوموا البغي والظلم والباطل ويسحقوا جبروت الطغاة "

وتقول الدكتور بنت الشاطئ في دحض هذه الدعوات المسمومة التي حمل لواءها لويس عوض في الدعاية لطائفة المضللين من التقدميين والعلمانيين ودعاة المادية والماركسية في صدر جريدة الأهرام :

يجهل تاريخنا من يظن أن هذا الشعب في جمهرته العامة بقي جامد الضمير مخدر الحواس بصليل الأغلال حتى جاء دعاة التطور وأنصار التقدم فعلموه , وبجهل شخصية هذه الأمة من يتصور أنها اطمأنت إلى شئ من البضاعة الفكرية والثقافة المجلوبة أو انفعلت بها وهي تتأهب لاقتحام العنيد لكل العوائق والموانع التي تحول دون وجودها الحر , فقبل أن تسمع الدنيا بالمذاهب الحديثة والحركات المعاصرة كان هذا الشعب الأمي يفرض وجوده على الغزاة والطغاة من كل جنس وملة فيحسبون له ألف حساب , فلم يدعهم يهدءون لحظة من كل من ليل أو نهار وقد أعيتهم منه شتي الحيل فما أجدت عليه يد حديدية ولا لهفة معاهدة ولا انطلت عليه حيلة المفاوضات وفرض وجوده على القصر والأحزاب لم يستورد الشعب زاد وعيه من الخارج وإنما هو سره الخالد تلقاه جيل عن جيل أمانة صعبة وميراثا محتوما فالشعب الذي قهر الصليبيين وهزم التتار ودوخ الجبابرة ولفظ الغزاة على مسار الزمن لم يكن بحاجة إلى من ينقل عليه مقالا في التطور يستثير به نخوته أو يستورد له شغلة من وراء السور الحديدي تشحذ إرادته ولديه النبع الصافي يعصمه من الغفلة والضلال وفيه ميراثه العريق يزوده بطاقة متجددة على تحدي البغي والشر هذا ميراثنا قد تلقاه جيل عرابي عن قاهري الصليبيين والتتار ثم تركه للجيل المخالف مباشرة جيل مصطفي كامل فكان وقودا لثورة 1919 ولا يقل قائل أن دعاة التقدم هزوا في الأمة ضميرا جامدا وحواس معطلة ووجدانا أصم فلقد قامت بينهم وبين الوجدان الشعبي سدود وأبواب وهكذا نري كيف قادت الصحافة عن طريق الأدب معركة التجهيل والهزيمة ومحاربة التراث الأصيل .

ولقد كان من أخطر أخطار هؤلاء الذين تسلطوا على الصحافة باسم الأدب في تلك الفترة وهم عتاة الماركسيين والوجوديين والعلمانيين إن حاولوا خلق " وجود " لهم في مجال الشعر والمسرح والنقد الأدبي والقصة والرواية فقدموا أسماء ممسوخة ضالة لم تلبث أن سقطت لأنها لم تكن جديرة بالبقاء أو الاستمرار ولأن الهالة الكاذبة التي أضفتها عليها الصحافة العربية لم تحقق لها نفوذا أو سلطانا .

ولعل أخطر الخطر أن هذه الطائفة تحملت مسئولية خطيرة أمام التاريخ للجريمة الشديدة الخطر التي قامت بالدعوة لها وهي فصل الأدب العربي المعاصر عن الأدب العربي في قرونه الثلاثة عشر الممتدة من الإسلام وفصل ما أسموه الفكر العربي عن الفكر الإسلامي وأنها حاولت إقامة جدار عريض يحجب الضوء والهواء عن ميراثنا القديم فإذا قدم عرض له بالاحتقار والسخرية والانتقاص على النحو الذي رسمه الاستشراق وفسره تفسيرا ماديا وغض من قدره .

كذلك فإن النقد ودراسة الأدب العربي لم يكن إلا ترجمة غربية كاملة لأسلوب ومناهج النقد الأدبي ودراسة الآداب الغربية فالنقد الأدبي كان كله ترجمة .

1- كتاب الأسلوب لأحمد الشايب منقول من مادة كتاب مع أمثلة وشواهد عربية .

2- كتاب أصول النقد الأدبي منقول من مادة كتاب مع شواهد عربية .

3- كتاب النقد الأدبي لأحمد أمين ( الجزء الأول ) تلخيص من كتاب الموضوعات هي الموضوعات مع الشواهد من الأدب العربي .

4- الجزء الثاني من النقد الأدبي اعتمد على مادة دائرة المعارف – البريطانية وعلى سينتسري المعروف .

والدكتورة سهير القلماوي انصرفت إلى دراسة النقد الأدبي والنظريات الغربية معتمدة على كتاب سينتسري الذي لعب دورا هاما في كلية الآداب , وكتبت سهير القلماوي ( رسالة في المحاكاة ) عرضت فيها نظرية أرسطو وما كتب عنها النقاد الغربيون .

وإذا كانت القصة العربية هي القصة الغربية مترجمة مع تغيير لأسماء الأماكن فإن النقد الأدبي كان كذلك .

بل إن كلية الآداب نفسها كانت قطعة عمل التغريب .

وكل هذا من الحقائق التي حاولت الصحافة العربية إخفاءها والتدليس عليها .

تقول الدكتور بنت الشاطئ :

لم ينقض لى عجب وأنا أري كلية الآداب دون غيرها من الكليات تستأثر بكل هذا الاهتمام من الدول ذات النفوذ الاستعماري مع أن الكلية كانت في حساب قومي أقل الكليات أهمية وأهونها ثم هيأ الله لى من كشف سر هذا اللغز المحير .

فهذه الكلية بالذات هي التي تتولي دراسة وجدان الأمة ومزاج الشعب وتكشف عن عناصر شخصيته ومقومات وجوده مما تقوم به من دراسة للغة الأمة وآدابها وتاريخها وفلسفتها ثم هي التي تتولي في الوقت نفسه فتح النوافذ الغربية أمام عقول الشباب بما تدرس من آداب أجنبية قديمة وحديثة وبما تختا من تيارات الفكر الغربي ومذاهبه فأى عجب في أن تتصارع الدول الأجنبية على مناطق النفوذ فيها وأن يعدوها مركزا للغزو الفكي والتأثير الوجداني والدراسة في الكليات الأخرى علمية موضوعية لا مجال فيها لتسلل الغزو ولا فرصة فيها لتشويه أو تحريف وأدركت قيمة الكنز الذي نملكه من تراث المعرفة والذي طالما اغرنا مغرون بالصد عنه والزهد فيه وألحوا علينا في إهماله ونبذه في الوقت الذي كانت دوائر الاستشراق تحرص أشد الحرص على جمعه وتعكف في شبه رهبنة على درسه ووعيه إذا اشتغلنا نحن العرب بتراثنا اتهمنا بالرجعية ووصمنا بالتأخر وشبهنا بالهياكل الحفرية وإذا اشتغل به أمثال جب ومر جليوث وماسنيون يعتز بهم العربي الحديث .

هل نتوقع أن تصبح ونمسي فإذا شيوخا الذين يدرسون لنا القرآن والحديث وتاريخ الإسلام قد استبدل بهم خواجات من الغرب . يهتم المهتمون منا بدراسة تاريخ الإسلام فيقال إننا نصر على أن يظل الشرق العربي في مكة الاستراتيجي بمقابر الأنبياء وأما إذا عشنا في أساطير اليونان مع زيوس وباخوس ومارس وديان وما لا أدري من آلهة خرافية فنحن ذوو ثقافة عصرية تستحق منا جائزة الدولة .

وتتحدث الدكتورة بنت الشاطئ عمن كشفوا فساد الجامعة ( كلية الآداب 9 كان المستعمر يقدر أن مصيره رهن بالوعي الفكري يتولي قيادته مفكرون أمناء وكتاب أحرار , ومن جانب آخر كان القصر والأحزاب السياسية في اشد الحاجة إلى دعاة فهم يؤثرون الرأي العام ويخدرون وجدان الجماهير وعقولها في أعقاب ثورة 1919 وكان الظن بها – أى الجامعة – أن تظل حارسه على الوعي الفكري . حيث لم تلبث آفة السياسة أن أحدثت ثغرة نفذت منها إلى الحصن الذي طالت مقاومته وكان ما كان وامتلأ الميدان بالأدعياء والمأجورين والمحاسيب والوصوليين من هؤلاء من لم يحتمل مشقة الجهد المضني بحثا عن اللباب الحر وآخرون قطعوا الأشواط ولكن على أكتاف غيرهم وعبروا الطريق على أجنحة غير مشروعة حيث وجدوا أيدي تخلي عنها ضميرها تمنحهم الألقاب والرتب وكسوة التشريفة ومنح تخلع من القصر على من يحوزون الرضي السامي أو يدفعون الثمن وفريق التمس فئات الموائد الغربية ثم ظهر في الميدان يتشدق بألفاظ ضخمة رنانة ويقدم إلى السوق بضاعة مستعارة جمعها من هناك ومن هنا لك وأعطاها عناوين خلابة براقة .

ونقول : وحين كان طه حسين يفاخر بأنه رفض أن يعطي الدكتوراه لبعض الوزراء من حزب معارض لحزبه , كان يعطيها لبعض الصعاليك المنافقين السائرين في ركبه ومنهم خدام الصهيونية والغزو الفكري أمثال اليهودي :" إسرائيل ولفنسون ".

(3)

ولم تتوقف المعركة عند التراث وحده ولكنها شملت ميادين كثيرة منها إحياء الفراعنة والإغريق فنجد الصحافة العربية وقد حشدت حسن عثمان ( الكوميديا الإلهية) ولويس عوض ( المسرح اليوناني ) ومحمد صقر خفاجة ( هوميروس) وهناك حديث الدكتور مندور الذي هو يحكم تكوينه الجامعي الأول تلميذ مخلص لليونان وعاشق لفنهم وعارف لحضارتهم وصفحات عريضة تقدمها الصحافة عن حصان طروادة وحضارة اليونان والإلياذة والأوديسا دون أن تكطون هناك دائما صفحة واحدة عن خالد بن الوليد أو سعد بن أبي وقاص وهم يذكرون دائما أستاذهم وعميدهم طه حسين الدي كان أول من حمل لواء هذه الأساطير التي كانت تسمي علم الأصنام وهم يقولون أن طه حسين تعلم من هذه الأساطير الشك في الشعر الجاهلي وفي التراث الشعري الضخم الذي نسب إلى قيس بن الملوح أو مجنون بني عامر ولا ريب أن هذا التراث الذي حفلت به الصحف العربية كان يهدف أساس إلى تغيير مفاهيم المسلمين التي قدمها لهم الإسلام حيث تسيطر عليه تلك المفاهيم القائمة على الصراع بين الآلهة والإنسان ومفاهيم الصلب والخطيئة وغيرها وكذلك كانت الصحف معنية كل العناية بدانتي الكوميديا الإلهية , وهي وجهة نظر مسيحية قدمها دانتي وخدمها حسن عثمان وكرمها لويس عوض , وكلها مفاهيم خاطئة من وجهة نظر الإسلام. وكان على المترجمين أمانة أن يشرحوا لنا خلفيات الأحداث ووجوده الاختلاف بين مفهوم دانتي للجنة والجحيم وبين مفهوم الإسلام حتى نعرف على الأقل كيف يمكن أن يدخل الجنة من ذهب إلى الجحيم وكيف يقتحم الشر وأن يعود إلى الجحيم .

ونجد أيضا ذلك الاهتمام الواسع العميق بالفرعونية وبالكتابة عنها وبالكشف عن تاريخها وآدابها وقد تخصص في هذا كمال الملاخ ولويس عوض وبطرس غالي وكثيرون باهتمام كبير لتاريخ قديم جاء الإسلام ليضع فاصلا قويا بيننا وبينه أسماه المؤرخون " الانقطاع الحضاري " ولست أدري لماذا هذا الاهتمام كله من الصحف العربية .

وإن لغتنا الآن ليست لغة الفراعنة التي ماتت منذ قرون وديننا ليس دينهم , وعاداتنا وتقاليدنا إسلامية عربية وأدبنا عربي أصيل أما أدب قدماء المصريين وكل تراثهم وقيمهم وتقاليدهم فقد اندثرت مع حضاراتهم أما تراثنا الفكري ومقومات حياتنا القائمة اليوم فإنها مرتبط أوثق ارتباط بالإسلام والقرآن .

ولا ريب أن تلك المحاولات التي تحتضنها الصحافة بمحاولة إبتعاث صلات وعلاقات بيننا وبين الفرعونية القديمة إنما تصدر عن حقد دفين و عبث بالغ فإن المصريين سواء من قدم منهم من الهجرات العربية المتعددة التي بدأت قبل الفتح أو من صهرته البوتقة العربية فأصبح عربيا هذا الشعب مبتور الصلة بالقدماء المصريين ولا تربطه بهم رابطة حضارية ذات بال ولا ريب أن الحضارة الفرعونية هي من الحضارات الميتة التي انقرضت دون أن تتطور منها حضارة أخري وهذه هي النتيجة التي انتهي إليها اكبر فلاسفة التاريخ وفي مقدمتهم أرنولد توينني إذ يري أن الحضارة المصرية القديمة قد انقرضت في القرن الخامس الميلادي .

وليس أعجب مما فعل الدكتور لويس عوض حين حاول إحياء التاريخ القديم في ثوب مسرحي أو قصصي بمسرحية " الراهب" عن قصة ( أيانوفر) راهب الإسكندرية وقد حاول أن يضفي عليه تلك الصورة البطولية من أنه ضحي بحياته من أجل إنقاذ روح مصر وأنه قاد المقاومة الشعبية وأعطي الصورة ذلك اللون العنصري الإقليمي بمفهوم تخليص مصر من الرومان وقوي التسلط الأجنبية .

ولا أعتقد أن لويس عوض قد حصل على مصادر تاريخية حقيقية تمكنه من إيجاد خلقية حقيقية لهذه المسرحية ولكنها هي المحاولات الخيالية التي لا قيمة لها في أن تقدم شيئا حقيقيا نافعا .

وفي مفهومنا أن الذين ثبتوا على المسيحية أمام اضطهاد الرومان شهداء وأن الذين قاوموا النفوذ الروماني أبطال ولكن لويس عوض لم يقصد هذا وإنما قصد أهدافا أخري قائمة على التعصب والهوى .

ولقد قام ( أنيس منصور ) بدور كبير في إحياء الأساطير الفرعونية في مقالات متصلة وقدم ركاما كثيرا عن الفكر الفلسفي والديني عن الفراعنة وهو من نافلة القول التي لا تقدم ولا تؤخر فلم يعد هناك من يؤمن بهذه الأساطير كذلك فقد كانت من خداعات الكتاب ذلك الحديث المكرر المعاد عن ديانة التوحيد عند أختاتون ولم يكن أخناتون إلا أحد مؤلهي الشمس أما ما عرفه الفراعنة من النظريات الطبية والفلكية وما بلغوه في مجال الهندسة والعمارة والزراعة فذلك تراث الأجيال الذي قدمته لهم الأديان السماوية أساس ولكن الفراعنة لم يكونوا إلا مسخرين للأساطير والأشباح والأرواح والسحر وما يسمونه سر الأرقام وقوي الحروف وهي من الخدع الباطلة, أما إيمان الفراعنة بالحياة بعد الموت فهو مستمد من أديان السماء . والهدف معروف لتقديم كل هذه الأساطير وهو بلبلة الأذهان وصرفها عن مفهوم الدين الحق والتوحيد الأصيل .

(4)

ونجد ذلك الاهتمام البالغ من الصحافة بالفكر البشري وبالصيحات الخارجة عن مفهوم الإسلام فهي تولي إهتماما كبيرا للزنادقة فقد وسع طه حسين على الناس بالحديث عن شعوبية أبي نواس وحسين الضحاك وبشار وقد كشفت الصفحات عن صلات هؤلاء الزنادقة بالقرامطة وحقدهم على الإسلام والعرب ولم يقف أحدهم عند وصف الخمر والمجون بل بلغوا إلى أسوأ من ذلك إلى أقسي صور الهجاء وأدب الغلمان .

وقال طه حسين في وصف أحدهم أنه شاعر خليع متهالك على اللذة إذن فلماذا تفرد الصحف صفحات لهؤلاء وتذهب أكثر من ذلك فتدافع عن تفسير ابن عربي للقرآن الكريم الذي يدعو جهارا إلى الزندقة .

وابن عربي معروف بأنه متأول لنصوص القرآن والسنة النبوية المطهرة تأويلا يفرغ هذه النصوص المقدسة من محتواها ويحشوها بالخرافات والعبث وقد تبين أن هناك اتفاقية بين جامعة السربون ( معهد الدراسات العليا بباريس وبين المجلس الأعلى للآداب والفنون لبعث هذا التراث المخرب ونشره بين يدي الناس وخاصة كتابه ( الفتوحات المكية)

وخفتت أصوات الصحف العربية عن الإشارة إلى الأيدي الخفية التي خططت وأعانت على تفويت هذه الصفقة المشبوهة ويقال أن الأيدي الآثمة هي وراء معهد دير الآباء الدومنيكان وهو معهد تبشيري يتخذ من العمل الفكري ستارا له لنشر سمومه بين طلاب العلم وأساتذة الجامعات ولا ريب أن أفكار محيي الدين بن عربي في وحدة الوجود وتطاوله على الذات العلة وعلى الأنبياء والرسل وعلى النبوة والقرآن الكريم أظهر من أن تخفي وهناك فتاوي العلماء بكفره ومروقه وخلعه لربقة الدين ومن هؤلاء العز بن عبد السلام وابن تيمية والكتاني والحسين بن الأهذل اليمني ومحمد ابن عبد الوهاب وقد ورد للإمامين ابن تيمية وابن عبد الوهاب ما يؤكد كفره ويصفانه بأنه أغلظ من كفر اليهود والصابئة ( محمد الشرقاوي ) وقد قامت قيامة الشعوبيين والتغريبيين على قرار إيقاف كتاب الفتوحات وأيدتهم الصحافة في ذلك كل التأييد .

ويعرف الكثيرون أن ابن عربي له كتابات خادعة يداري بها سمومه ويستدل بها الماكرون من أتباعه لمحاولة تصحيح صورته في نظر الناس ولكن الباحث الحقيق لفكره يجده يقول في نصوص الحكم أن فرعون هو الرب الأعلى أى أنه لم يكذب حينما قال لقمه أنا ربكم الأعلى وقد احتضن نظرية ( وحدة الوجود ووحدة الشهود) التي انتقلت من الفلسفة اليونانية واخذ بها الصوفية قديما وحديثا ودافعوا عنها باللف والدوران .

ويقرر ابن عربي في جميع مؤلفاته أنه لا عذاب في الآخرة , ويقول يسمي عذابا من عذوبة طعمه ويقرر بأنه ليس للوعيد وجود يوم القيامة ويصف الذات الإلهية وصفا ماديا مخالفا تمام المخالفة لصفته القرآنية التي يؤمن بها أهل السنة والجماعة فإنه يقول أنه عين الأشياء وان العالم صورته وهو روح العالم المدرك وهذا المفهوم باطل وخاطئ وليس هو مفهوم أهل السنة والجماعة " ليس كمثله شئ " وأنه لا يحل في الأشياء سبحانه وتعالي عما يقولون كبيرا .

(5)

وتفسح الصحافة العربية صفحاتها للعناية بالأدب المكشوف والوجودية فنري عميد الإمام يقدم كتابا اسمه ( المومس في الأدب ) للدكتور هارولد جربنو ولد وهو دراسته عن محترفي البغاء في أمريكا , وماذا يهمنا في هذا والمشكلة ليست مشكلتنا , ويعني الكاتب بأن يتتبع ما تضمنته الأعمال الأدبية في مختلف العصور عن بائعات الهوى وتميز البغايا عن سائر النساء ويشير إلى أن الرغبة في الانتقام هي من بين الأسباب التي تدفع بعض النساء إلى البغاء فهن حين يمتهن أجسادهن يعتقدن أن ذلك يلحق العار بذويهن أو يثارن من المجتمع الذي ظلمهن أو ينتقمن من رجل معين أو جنس الرجال بوجه عام ويعني الكتاب ومرتجمه بعاهرات قدماء المصريين وقدماء الإغريق .

ويعني أنيس منصور بالوجودية وكتابات فرنسوا ساجان ويملأ الصفحات على امتداد الأسابيع والشهور بهذه الأفكار المسمومة عندما تعالت صيحة الوجودية وحاولت احتواء الفكر البشري ثم لم تلبث أن سقطت لأنها لم تستطع أن تستجيب للفطرة الإنسانية وإنما كانت تمثل الأوهام والمطامع والشهوات والصرخات الصاخبة ولذلك سرعان ما انطفأت الوجودية وسارتر وفرانسوا ساجان .

ويعني أنيس منصور بأن يترجم سموم ساجان ليطلع شبابنا وبناتنا على ما لم يقرأوه فيقول أنها فتاة كافرة تقول الصدفة أرادت الصدفة شاءت ونعرف أن وراء هذه التفاهات قوي تنشرها وتملأ بها الدنيا وتجند لها أسباب الشهرة والمال لأنها سموم يتلقفها الشباب فيزداد رخاوة ومرضا .

وتتحدث الصحف العربية عن أدب الجنس الذي يحتضر وتنحسر موجته في حزن عجيب ويجددون الدعوة إلى أصحاب فلسفة الاعتلاء بالجنس الذي يمكن أن يقوم عليه الكثير من الأعمال الأدبية والفنية مارافيا , ساجان , نونيكوف وغيرهم .

وقد وصلت حرية الكتابة في الجنس إلى حد الابتذال .

ولقد تنبه العاملون في هذه السموم إلى أن ذلك الدوران حول الجنس قد أعماهم عن كل ما عداه وأصبحت روايات الجنس بغيضة إلى النفوس وقد كان يجب أن يكون معروفا أن هذه الموجة ضالة وأن الإنسان مهما كانت دوافعه وأهدافه ونكسات حيويته لا يعيش بالجنس وحده على الدوام ولقد تبين أن جذوة الفروديدية التي هبت منها موجة الجنس والوجودية والهيبية قد خبت تماما ولكنهم ما زالوا يوقدون النار .

ونجد ذلك الاهتمام والتفاخر بأن مورافيا يحاكم للمرة الرابعة ولا يستحقون عن نشر ذلك معليين أن اتهامه كان في كل مرة جنسيا وبأنه يفسد الأخلاق ومع ذلك نجد من يسافر للحديث معه ويستقدمونه وهو سادر في ضلاله ومن العجب أن يرسلوا له فتيات ليتحدثن في الجنس ويترجمن الجنس ويكتبن عن الجنس .

هذه رابع مرة يدخل فيها إلى المحكمة متهما بسبب رواية من رواياته الرواية الأخيرة " السأم " وقد أقيمت قضية ضد الكاتب يتهم فيها بإفساد الأخلاق عن طريق روايته ويصونه بأنه تلميذ دستوفسكي أستاذ العنف في الأدب البشري كله ".

(6)

ولا يتوقف الأمر عند هذا بل نري دعاة العامية والحروف اللاتينية تفسح لهم الصحف العربية أعمدة وتهتم بهم وإذا جاء عزيز أباظة وتحدث عن اللغة الفصحي وهاجم اللهجة العامية وكتابها شنت عليه الحرب من الماركسيين والوجوديين على السواء كأنما هناك اتفاق مشترك بين القوي المضادة على محاربة الفصحي وبالرغم من أن أنيس منصور يتحذلق أحيانا في الدعوة إلى الفصحي إلا أنه هاجم عزيز أباظة .. يقول : أخطأ عزيز أباظة مرتين : ( أولا ) عندما جعل مشكلة الفصحي والعامية نوعا من الشكوى وكان في استطاعته أيضا أن يشكو من الشعر الحر ومن الفنون التجريدية في الرسوم ( ثانيا ) جعل القصة شكوى أو بلاغا أو تهمة في حين أن مشاكل اللغة والفن هي وجهات نظر تجارب يقوم بها الأدباء والفنانون في مجالات مختلفة في الشكل والمضمون والأداء ولابد أن يكون هناك تطوير لأدوات التعبير ".

وهذا الكلام المسموم الذي يقوله أنيس منصور هو ذلك النص المكتوب الذي قدمه الاستشراق التبشير لطه حسين وسلامة موسى وكل أعداء الفصحي ليقولوا به خداعا وإلا فمن قال أن اللغة العربية الفصحي تخضع لمثل هذه المفاهيم وهي لغة القرآن الكريم ولغة ألف مليون من البشر من حيث العقيدة والفكر ولغة مائة مليون من العرب وكل محاولة ترمي إلى ما تسمي بتطوير أدوات التعبير إنا تستهدف إيجاد فاصل عميق بين بلاغة القرآن وبيانه وبين أسلوب الأداء العربي ولا ريب أن يدعي محاولات التغريب والغزو الثقافي التي يراد بها فصل الأجيال الجديدة عن أسلوب القرآن وعن التراث الإسلامي ويكذب أنيس منصور حين يقول أن اللغة وسيلة من وسائل المواصلات بين الناس وأنها تتطور فإن هذا القول إن كان معروفا ما وراءه فإنه يمثل دعوة خطيرة وإن كان لا يعرف ما وراءه فإنه يمثل جهلا بأبعاد قضية مرتبطة بالعقيدة والفكر والثقافة إلى أبعد حد.

وفي هذا المجال تجد من يحاول أن يحمل هذه السموم ويذيعها في غلاف خادع كما يفعل فاروق شوشة برنامجه ( لغتنا الجميلة ) فهو ليس من أنصار الفصحي ولكنه من خصومها في حقيقة الأمر وبالرغم من ذلك الغشاء الخادع وليس أصدق في هذا المجال من أقوال قلاقة :

1- قول الدكتور أنطون غطاس كرم : أن الدراسة الأدبية في العالم العربي من زمن جورجي زيدان إلى عهد طه حسين قد نحت نحو المستشرقين إذ حقق المتشرقون أعمالا في غاية الجلال من حيث إحياء هذا التراث الأدبي وضبطه وشرحه ورده إلى أصوله .

2- قال أحمد أبو سعد : إن الأدب العربي الذي قدمته الأجيال المعاصرة من الشعوبيين والماركسيين : هو أدب المرتزقة والندامي .

3- قال عبد الرحمن بدوي : إن الأدب الذي ظهر في مصر والبلاد العربية خلال الخمس والعشرين سنة الأخيرة يتصف بالإسفاف والضحالة والتفاهة والفقر في الابتكار وانعدام الشرائط الفنية .

الفصل الثاني: الشعر

(1)

على طريق الصحافة العربية في خدمة أهداف التغريب والشعوبية والغزو الثقافي كان احتفالها بالشعر الحر واهتمامها بدراسته وإفساح الطريق أمام كتابه وقد تبينت خلفية ذلك كله حين كشف دعاة القومية السورية والفينيقية الرموز المسيحية من المدارس اللبنانية عن غايتهم وأهدافهم من حيث اتخاذهم الشعر الحر وسيلة لضرب عامود الشعر الأصيل ومهاجمة اللغة العربية في أعظم ميادينها على أساس أن حرب الفصحي تتركز في إذاعة العامية والحروف اللاتينية والشعر الحر .

ولم يقف الأمر عند هذا بل إنه اتصل بالتراث فعني كتابه على ابتعاث أبي نواس وبشار بن برد والفلسفات المستترة خلف الباطنية والمجوسية في شعر دعاة التصوف الفلسفي فجري إحياء الحلاج إلى جوار عشتروت وفينق وتموز وأدونيس وظهر أدب الهزيمة والإباحية في شعر نزار قباني والفرض لكل قيم المجتمع الإسلامي في شعر سميح القاسم ومحمود درويش , وفي هذا الجو المسموم ظهر أمثال صلاح عبد الصبور الذي نصبه الكاهن الأكبر لويس عوض أمير الشعراء الشعوبيين وقد نمت هذه الحركة بتأييد الاستشراق ودعم أمثال جاك بيرك وسعيد عقل ويوسف الحال لها حتى تقدمت رسالة دكتوراه في الجامعة اللبنانية عن تطور مفهوم الحب والمرأة في نزار قباني وإشاعة مفاهيم الإباحية الجنسية في الدراسات الجامعية فضلا عن رسالة أدونيس عن الشعوبية العربية خدمة لمذهب القوميين السوريين الذي جند العشرات ومنهم القصاصة غادة السمان التي جري على نسقها الكثيرات في أسلوب الكشف الجرئ من أمثال جاذبية صدق وغيرها .

هذا هو التيار الذي احتضنته الصحافة العربية وجندت له الكثيرين باعتباره عاملا هاما في حركة الهدم الضخمة التي تقوم بها لحساب النفوذ الأجنبي .

ولقد عمدت حركة اليسار أول ما عمدت لتثبت هذا التيار أن قامت بضرب الاتجاه الصحيح الذي قامت عليه حركة الشعر العربي الممتدة منذ فجر الإسلام إلى اليوم بتحطيم الإطار الأصيل ومهاجمة عامود الشعر والدعاة إليه وإتاحة الفرصة لأمرين : للشعر الحر الذي يقوم على غير أساس صحيح والشعر العامي والزجل والفلكلور والبحث عن كل التفاهات التي قالها السكاري والمخرفون على مدي العصور على أساس أنها تراث الفلكلور ترمي كلها إلى التحرر من قيود اللغة العربية والنحو في محاولة هروبية للخروج من مأزق الجهل إلى كبرياء الادعاء بأن الفصحي شاقة وعسيرة.

وتولي أمثال السياب والبياتي وأدونيس الدعوة إلى تمسيح الشعر وصعلكته وابتعاث الأساطير القديمة وإحيائها في عداء شديد الفحصي وما وراءها من قيم الإسلام والقرآن .

وجاء غالي شكري ليغمز كل ماله اتصال بالتراث أو الدين أو الوطنية من الشعر ووصفه بالعقم مع تأكيده للخطة التغريبية التي يعمل عليها شعراء الرفض وشعراء لعامية .

وهكذا دافعت الصحافة عن هذه المفاهيم المسمومة وأفسحت لها ومكنت لهؤلاء الذين ظهروا في ذلك الاتجاه أن يتفتحوا في رحابها وأن تلمع أسماؤهم والهدف هو ضرب اللغة العربية وضرب القيم والأخلاق ما خلال ما تحمل هذه الكتابات من مفاهيم مضللة زائفة منحرفة وإحلال ظلام الوجودية والمادية والإباحية والماركسية المعقدة ومفاهيمها الضالة محل روح الأصالة والرحمة والعدل والتوحيد الخالص التي يمثلها الأدب العربي الأصيل .

بل إن هذه الموجة قد زلزلت مفاهيم الكثيرين فانحرفوا عن عامود الشعر الأصيل إلى هذا الاتجاه أمثال محمود وحسن إسماعيل وعبد الرحمن الخميسي وغيرهم .

(2)

استهدفت حركة الالتفاف حول الأصالة العربية الإسلامية خلق مثل أعلي مغاير للمثل العربي الإسلامي يقوم على مفاهيم وثنية مضللة بعث الحضارة الفينقية التي ظهرت في سوريا ثم قال في شمال أفريقيا قبل الميلاد بثلاثمائة عام تقريبا باعتبار أن الدعوة إلى سوريا الكبرى هي إعادة لمجد الفينيقيين وحضارتهم وبعث للعظمة الفينقية والسيادة الحقيقية على البحر المتوسط وسوريا الكبرى أو فينيقيا المجيدة التي هي الفردوس المفقود والحلم الضائع وهي الأمل الكبير بالنسبة لكل أعداء الوحدة العربية وعلى هذه المفاهيم وفي إطار هذا المعني يدور الأدب الذي قام عليه أدونيس ويوسف الخال وجريدة النهار وأزره لويس عوض وصلاح عبد الصبور كذلك فقد ركزت هذه المحاول على رمز تاريخي هو القائد الفينيقي السوري القديم هنيبال الذي دخل حروبا طويلة مع الرومان خلال الفترة الممتدة من 264 – 204 قبل الميلاد وقد وصلت جيوش هانيبال إلى أبواب روما واستولت تحت راية الفينقيين على كل شمال إيطاليا وفي هذا الإطار جاءت محاولة السياب والبياتي وأدونيس إلى إحياء الأساطير القديمة التي تساعد هذه الدعوة وترمز إليها ولما لم يجدوا للفينقيين القدماء أساطير معروفة لجأوا إلى الأساطير البابلية والآشورية لإحيائها وبعثها والعمل على استخدامها في الأدب الجديد وأهم هذه الأساطير التي وقف عندها القوميون السوريون : تموز وعشتار وأدونيس .

هذه هي الأفكار التي احتضنتها الصحافة العربية لتغرسها في نفوس الشباب العربي المسلم والتي جندت لها عشرات من شعراء الرفض الذي يرفضون الحضارة العربية الإسلامية أساس ويصمونها بكل نقيضة .

ويعتقد أصحاب هذه الأفكار أنهم يعيشون في الأرض الخراب التي هي العالم العربي الإسلامي فهم لكل هذه القيم كارهون ولها محاربون . في سبيل انبعاث الأساطير البابلية القائمة على الوثنية والإباحية والتي تتكامل مع الدعوة إلى الفرعونية أيضا , وقد وصفها احد الكتاب بأنها مغالطات مقصودة تهدف في النهاية إلي خلق فكرة مغرية يمكن لصغار النفوس وصغار العقول أن يلتفوا حولها بحماسة وحتى تكون هذه الفكرة مدرسة قوية لتخريج عملاء يحاربون الفكرة العربية والدعوة الإسلامية داخل الوطن العربي أن هذه المغالطات تهدف إلى المساعدة على بعث الأقليات الفكرية والدينية والعنصرية الأخرى .

وهكذا استطاعت الصحافة العربية أن تحشد حشدا هائلا من دعاة الشعر الحر الذين انطووا في هذه المفاهيم عارفين لها أو جاهلين تحت اسم فينيقيا القبلة الروحية التي يعود المجد الغابر إلى هذه المنطقة من خلالها ويعتبر ( على أحمد سعيد ) الذي غير ملته واسمه فأطلق عليه زعيم القوميين السوريين أنطون سعادة قبل أن يشتق اسم الإله البابلي القديم وجعله أمير شعرائهم وكان قد خرج من بلاده هاربا منذ سنوات وعاش في لبنان وباريس وهيئت له كل الأسباب التي تجعله في مركز الصدارة وأسندت إليه رئاسة تحرير مجلة شعر ثم مجلة مواقف .

وقد حمل أدونيس كل مفاهيم أنطون سعادة في كراهية العروبة والإسلام واحتقار الواقع المعاصر والدعوة إلى تغييره وإحياء تراث الفينيقي القديم باعتبار فينيقيا هي الفردوس المفقود عن القوميين السوريين .

يقول رجاء النقاش " وقد أدرك الاستعمار قيمة هذه الفكرة فوقف وراءها وساندها فهي في حقيقتها جزء من الثورة المضادة للعروبة لأنها تحاول أن تثير الشك في سلامة الفكرة العربية والإسلامية ".

والاستعمار هو راعي الفكرة ومغذيها إلى أبعد مدي يريد أن يستفيد منها في خلق جيل مشبع بوهم الروح الفينيقية كاره للوحدة العربية كل هذا انتهي بأدونيس إلى كره العرب والعروبة كراهة عميقة لذلك فهو يتبني كل ما يوحي بابتعاده عن العروبة وسخطه عليها بالإضافة إلى غنائه النائح حو فينيقيا وإلى تسمية نفسه باسم أدونيس كرمز من الرموز التي يدعو القوميون للسوريون إلى إحيائها بالإضافة إلى هذا كله فقد سمي نفسه في قصيدة أخري مهيار الدمشقي ويشبه أدونيس نفسه بمهيار على اعتبار أن مهيار لا ينتمي إلى العرب لأنه من أصل فارسي وبذلك يتبرأ أدونيس من عروبته ويعلن أنه مهيار من أصل غير عربي مهيار الدمشقي فينيقي وهو يقول  : المصريون فراعنة والسوريون فينيقيون ويقول رجاء النقاش : لقد أصبح واضحا بعد مرور أكثر من ربع قرن أن قيادات حزب القوميين السوريين كانت متصلة من ناحية التمويل والتوجيه بالسلطات الاستعمارية الأجنبية وكان الهدف من قيام الحزب أن يكون عنصرا من العناصر المساعدة على تمزيق الأمة العربية وإعاقة أى تطور مادي أو فكري لها وهكذا نجد الإجابة على السؤال الحائر: لماذا يعملون على زحزحة الناس عن القيم الأصيلة وينقلون الناس من مفاهيمهم التي صنعها الإسلام أربع عشر قرنا .

وما يقال عن أدونيس : يقال عن بدر شاكر السياب الذي كان مضطرب المواقف الفكرية السياسية بين الوطنية المحلية والشيوعية وبين الارتباط بالقوميين ثم بجماعة مجلة شعر القوميين السوريين يقول رجاء النقاش:

"وكان الذين يهاجمون السياب يرون فيه منافقا عريقا وانتهازيا كبيرا وكانوا يعتبرونه باحثا عن مصلحة لا عن مبادئه وما يقال عن السياب يقال عن البياتي "

(3)

وفي هذا المجال شجعت الصحافة العربية شعراء الرفض هؤلاء الذين خرجوا على عامود الشعر من ناحية أخري وأبرز هؤلاء الذين حملا راية الرفض لكل قيم العروبة والإسلام : نزار قباني , أدونيس , أحمد عبد المعطي حجازي , مضافا إليهم عبد الوهاب البياتي والسياب وأسماء أخري يرددها لويس عوض ولكنها مجهولة مجهلة مهما نشرتها الصحف والمجلات العربية في صفحاتها الأولي .

وصدق لويس عوض في وصف شعراء لارفض بأنهم " رافضون للقديم مرفوضون من أصحاب القديم , يلتقون على رفض تقاليد الشعر العربي الموروثة عن القدامي والمقننة في الخليل بن أحمد وهي التقاليد القائمة على وحدة البيت ووحدة القافية ووحدة الصوت "

وكلمة القديم كلمة غامضة مضببة ابتكرها طه حسين والمستشرقون ومعني القديم هو كل قيم الإسلام والقرآن والفكر الإسلامي والتراث والتاريخ واللغة .

وعن هذا أنهم ثائرون على كل ما يمثل أتنا وأنهم يجرون وراء الأهواء المضلة ويودون تحطيم هذا الكيان القوي المتين الذي قامت عليه أمتنا أربعة عشر قرنا وشأنهم في ذلك شأن ناطح صخرة ليوهنها .

ولم يكن تيار الشعر العربي كما يقول لويس عوض قد أسن ولكن النفوس المريضة هي التي لم تعد تتذوق .

ومن يك ذا فم مر مريض يجسد مرا به المساء الزلال ومهما يقولون في مدح الجديد فإن التجربة بين أيدينا الآن وقد وصلت إلى نهايتها ركاما ضحلا تافها مظلما .

إن حصاد شعراء الرفض قد أصبح الآن شيئا لا وجود له في الحقيقة فقد سقط بسقوط أولئك القرامطة الجدد الذين أقاموه حين استولوا على الصحافة وأداروها لحساب الشعوبية والتغريب .

هذا الشعر الذي كان حفيا بأن يقدم " أسوأ " ما في العامية وعبارات الشارع من كلمات " الأحذية القديمة" والسعال والخصيتان وصدق من قال : لقد كان هذا الشعر ساقطا شكلا وموضوعا .

أما شعر نزار قباني الذي أوسغت له الصحافة العربية الصفحات فيكفيني في التعريف به ما كتبه محمد سالم غيث في كتابه " الحب والجنس في شعر نزار قباني " يقول : لقد خلع نزار ثياب الرجل كثيرا ولبس ثياب المرأة وتقمص شخصيتها وتحدث بلسانها فهل صحيح أنه يفعل ذلك " دفاعا عن المرأة التي حكم عليها هذا الشرق الغبي بالإعدام حتى يقدم كتاب يوميا امرأة لا مبالية إلى طالبات الجامعة الأمريكية ويقول : إنه كتاب , كتاب كل امرأة حكم عليها هذا الشرق الغبي الجاهل بالإعدام , ونفذ حكمه فيها قبل أن تفتح فمها ولن هذا الشرق غبي وجاهل ومعقد يضطر رجل مثلي أن يلبس ثياب امرأة ويستعير كحلها أساورها ليكتب عنها أليس من مفارقات القدر أن اصرخ أنا بلسان النساء ولا تستطيع النساء أن يصرخن بأصواتهن الطبيعية ".

ما سر نيابته عن المرأة في الحديث عن الإحساسات التي لا يحاسب المجتمع عليها المرأة إذا هي كتبتها لماذا لم يكتب هذه المعاني بصوت الرجل وإحساساته ما سر تدخل الشاعر في أشياء لا تشعر بها إلا امرأة . إننا نري أن شاعرنا من الفئة التي تعرف إحساسات المرأة وطبائعها لا اتفاق معها في الطبع والشعور وإن إسراف نزار في استخدام الأسلوب النسائي ليصرخ نيابة عن المرأة هل عبر المرأة الشرقية ؟ نقول : لا".

تكشف الدراسات كثيرا من جوانب نزار قباني , وأبرزها أنه لم يجب أبدا على السؤال لذي وجه إليه : لماذا فصل من السلك السياسي السوري وقد تحداه أن يجيب عن ذلك كثيرون في الصحف علنا يقول صالح جودت " لو غرفتم الجواب لأدركتم لماذا هرب نزار قباني من سوريا ولماذا تلبنن " لا رحم الله نزار . لقد مات كسوري ومات كعربي ومات كشاعر ومات كإنسان ".

ومن الأحاديث التي أجريت معه أجاب هذه الإجابات التي تكشف خبيئته:

" لو كنت حاكما للأغيت مؤسسة الزواج وختمت أبوابها بالشمع الأحمر " " العري أكثر حشمة من التستر " .

" مع حبيبتي لا أخرج من الغرفة ومع زوجتي لا أدخل الغرفة أساسا " هذه هي المفاهيم التي قدمها نزار قباني في شعره الذي تحتفل به الصحافة العربية ولعل من أبرز سيئات نزار قباني قصيدته " افتح صندوق أبي "

تلك التي أعلن فيه الرفض لكل ما هو عربي وإسلامي , وقد سمي سيف الدولة " مغرورا" وهو الذي قضي حياته مجاهدا في سبيل الله حتى جمع من غبار ثيابه في معاركه مع الروم ما جعل منه وسادة أوصي بوضعها تحت خده بعد موته .

ومن شعراء الرفض " صلاح عبد الصبور " الذي تبناه لويس عوض وحمل لواء الكلمات المسيحية في الشعر الحديث .

ويعني صلاح عبد الصبور بتطويع مفاهيم الفلسفات المادية والمفاهيم الباطنية التي يرددها أمثال الحلاج وغيره ليقدمها مرة أخري في أسلوب فني جديد وهو يشير في ذكرياته أنه كان على اتصال بالدين في أول عمرة ثم مرق مروقا شديدا بعد أن التقي بالفيلسوف الهدام الذي مات مصرعا نيتشة وقد تأثر بمفاهيمه المضللة وهو بشير إلى تجربته الإيمانية بعد الخروج عنها فيقول لم تمنحني هذه التجربة السكنية بل لعها زادت قلقي إن يكن ذلك عطاء من الله فلم لا يعطيه لى دون جهد وقد عشت في بلبالها عاما كاملا ويقول ربما كانت قراءة بسائط الدارونية تلخيص سلامة موسى وقراءة نيتشه في صيحته المرعبة ( إن الله قد مات ) هي التي دفعتني إلى الطرف الآخر من الموضوع وأصبحت أتزين بالأفكار وأجمع القرائن عليه من كل الفلسفات والأفكار كما يجمع المدعي أدلة الاتهام " هذا الاعتراف ولا حول ولا قوة إلا بالله يكشف عن فساد تجربة صلاح عبد الصبور أساسا وأنها كانت شيطانية ولم تكن ربانية ذلك لأن من يتجه إلى الله تبارك وتعالي فإن الله يهديه إلى طريقه أما فكرة نيتشه فإنها فاسدة ولو أنه قرأ ما كتبه المسيحيون الغربيون أنفسهم عنه لصحح له مفاهيمه وأما مفاهيم دراون فهي باطلة ولو أنه قرأ كتاب الدكتور وموريس بوكاي يرغبه الوصول إلى الحقيقة لانتفع به .

يقول : " ساعدتني الفلسفة المادية التي كنت قد اقتربت منها اقترابا كبيرا وخاصة بعد تخرجي من الجامعة عام 1951 على أن أجد في الأفكار لونا من المواقف الفكري الموحد التماسك وأن ديواني ( الناس في بلادي ) معبر عن هذا الإحساس "

والواقع أن كتابات الشكوك والانحراف التي قدمها صلاح عبد الصبور وأنيس منصور قد كشفت عن فساد الخط الثقافي الذي نشأ فيه جيل كامل وكان طه حسين وسلامة موسى على رأس الدعوة إليه .

ونحن نسأل الله لهما الهداية فإن الحقائق اليوم ناصعة وواضحة لمن أراد أن يعرف حقيقة دينه وربه وعقيدته .

والواقع أن شعراء الرفض قد تتلمذوا على الملاحدة والإباحيين من شعراء الغرب وكتابه أمثال هايدجرد وسارتر وكامي وشعرهم يقوم على رفض القيم والإغراق في اليأس والتحلل والتمزق النفسي .

وحين يشتد بهم الانحراف يصل الواحد منهم إلى حالة التشبع بالأفكار وهو ما يسمي " الطبع " على القلب فقد طبع الله على قلوبهم فهم لا يهتدون .

ولم تقف الصحافة عند هذا الحد بل أفسحت لدعوة سعيد عقل إلى الحروف اللاتينية فقد ابتكر سعيد عقل واحدا وثلاثين حرفا وبها أنشأ ديوانه الشعري " يارا" يقول إن الحرف العربي ليس غلا مؤسسة من مؤسسات الإنسان العربي وأنا أهاجم الحرف العربي ولا أهاجم الإنسان العربي ويدعي أن الحروف اللاتينية قادرة على إلغاء الأمية .

ودعوي سعيد عقل باطلة أصلا ولكن الصحافة العربية لم تفسح المجال لمن ينقضها .

خطران قامت الصحافة العربية بالاهتمام بهما في سبيل تغريب الفكر والقضاء على الأصالة :

أولا : الاهتمام بالفلكلور

يستهدف الاهتمام بالفلكلور أو ما يسمونه التراث الشعبي إلى جمع بعض الأغاني والمواويل والأمثال الساذجة التي تمثل طفولة البشرية سواء في الأفراح أو الأحزان , وهي فغي مجموعها متخلفة عن المفهوم الإسلامي الذي مثل أصالة البشرية والذي يرتقي عن الأوهام والوساوس والأهواء الضالة .

ويستهدف الفلكلور إحياء الأقليات والوثنيات والتقاليد والعادات التي انحرفت عن مفهوم العقائد الصحيحة مما صنع الإنسان الضعيف في حالة الفرح والحزن وفي خلال مراحل الالتقاء الاجتماعي العام وهي في مجموعها خارجة عن أصول الدين الحق الذي هيدنا إليه .

وإحياء هاذ النوع من التراث هو إحياء الدعوة السوقة والجهل والتمزق ذلك أن قدرا أكبر من هذا التراث يتعارض مع القيم الأساسية التي ينشئها الإسلام في نفوس أهله .

ثانيا : الاهتمام بالشعر العامي

كذلك فقد احتفلت الصحافة العربية بالشعر العامي وأفسحت له المجال وأبرزت أمثال صلاح جاهين والأبنودي وغيرهم وكان ذلك على حساب الفصحي وعلى حساب الكلمة البليغة والمعني الرفيع فما تناول هؤلاء إلا معاني ساذجة وجروا على طريق أعوج مضلل فما كانت العامية قادرة على أداء المشاعر وما كان الشعر العامي إلا مثلا متدنيا للأفكار العامية والتافهة لقد كانت دعوة الشعر العامي كلها تستهدف الفصحي وتستهدف البيان العربي وكان دعاتها يبطنون مفاهيم خطيرة وخلفيات ضالة تحمل أهواء التغريب والشعوبية وهذا ما لم يكن يقصد إليه بيرم التونسي أو بديع خيري .

وإن كان إبراز هذا اللون من شأنه أن يعارض الفصحي وقد ارتبط الشعر العامي بالكاريكاتير وبالإثارة وخلق تيارا من التعبير والحوار والأداء صرف الناس عن كثير من القيم العالية والمعاني الرفيعة .

الشعر الحر :

إن أخطر الظواهر التي نراها في الشعر الحر وخاصة في كتابات : صلاح عبد الصبور, معين بسيسو , بدر شاكر السياب , نزار قباني هي ظاهرة مشتركة مستمدة من القراءات التوارئية والفكر الوثني والتلمودي والتراث المسحي حتى أن لويس عوض احتفل بها واحتفل خاصة بكتابات صلاح عبد الصبور وأطلق عليه من أجلها لقب أمير الشعراء في هذا العصر بعد أن قال أن صلاح عبد الصبور يقرأ الإنجيل بحماسة وأنه داخل دائرة الخلاص المسيحية وأنت حين تقرأ كتابات صلاح عبد الصبور تجده يكتب ما يشبه فكرة الصلب التي ينكره الإسلام .

ومن هذا قصيدة حكاية قديمة " الذين أسلموه للجنود لقاء حفنة من النقود " إلخ ومنهم من يتعمد نظم أبيات شبيهة بنشيد الإنشاد :

المجد للذين في العذاب يبسمون
المجد للذين بالرغيف يقنعون

نجد هذا في بكائيات هؤلاء ونجد عند نزار قباني عبارات " مصلوبة الشفتين " " والصليب الذهني " ونجد عند عبد الوهاب البياتي " صليب الألم " والظاهرة التي لا يشك فيها أحد أن أغلب قصائد الشعر الحر هي التي تحتضن هذا الاتجاه .

وهذا الاتجاه يعني التبعية لتيار لبناني مسيحي منحرف عن الفكر الإسلامي ومعاداة للقصيدة العمودية وللتراث العربي .

ووراء هذا يوسف الخال ولويس عوض ,ادونيس

الباب الخامس: الصحافة والقصة

أولا : الصحافة والقصة

ثانيا : كتاب القصة


الفصل الأول: الصحافة والقصة

كانت الصحافة العربية هي المجال الأوسع للقصة التي وصفت بأنها عربية ولم تكن في حقيقتها إلا ترجمات للقصص الغربي مع التصرف في السماء والأماكن ودون الخروج عن الخواطر المشاعر الأفكار ولذلك فقد حملت منذ اليوم الأول صورة غير حقيقية عن مجتمعنا , ولم تكن القصة في حقيقة الأمر من فنون الأدب العربي فإن العرب لم يجدوا في القصة وسيلة للتعبير عن مشاعرهم أوو تصوير وجدانهم وقد تحقق لهم ذلك بأوفي نصيب عن طريق النثر والشعر ولذلك فإن القصة كانت وما تزال دخيلة على الأدب العربي وقد وجدت فيها الصحافة العربية منطلقا لتحقيق غاياتها في إذاعة دعاوي الحب والجنس والاغتصاب والتحلل وهي معان تهيئ لها القصة وسائل الذيوع والانتشار باعتبارها فنا من الفنون الوافدة التي عرفت بأسلوب ومدخل وطريقة وحبكه ونهاية فكانت من أسوأ الأوعية الأدبية لحمل وسائل الفساد وأساليب الغواية وكشف سوءات العلاقات بين الرجل والمرأة وهي تريديها الدائم أسمائها المختلفة لا تعدو أن تكون صورة مكررة لقصص الحب الآثم والعلاقات الفاسدة بين الرجل والمرأة .

وقد شهد الباحثون بمدي خطر استشراء القصة على صفحات الصحف والمجلات العربية وكيف أفسدت عقول الشبان والفتيات نتيجة تلك العبارات المكشوفة الهابطة وتلك الدعاوي الباطلة من الإغراء والخداع وأساليب الاغتصاب وأبرز ما كتبته الصحافة قصص التابعي ما وصفه بأنه قصص واقعي وما كشف عن صور الإباحية والفساد في الاتصال بالأسر والبيوت وما قدمه مصطفى أمين من مسلسلات جانحة إلى الكشف والعري الإثارة وما كتبه يوسف السباعي وإحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ وخاصة تلك القصص التي اتخذت الغلاف السياسي والوطني إطارا لتصوير المخازي والفضائح وتحت اسم الكشف عن فساد العهد الماضي سياسيا – الذي شاركوا فيه وكانوا أعلامه – بتقديم هذه الصور الإباحية وهذا من خداع كتاب القصة الصحفية للناس بأنهم يخدمون فكرة وطنية أو هدفا سياسيا ليكون ذلك مبررا ووعاء وإطار لتقديم الصور الجنسية المكشوفة .

وقد بدأت الصحافة العربية بترجمة القصة الغربية ثم ظهر من كتاب القصة من استطاع في إطار عربي أو مصري أو شرقي التقليد لهذه القصة وقد قدمت للقارئ في أول الأمر كفن من فنون التسلية والترويح عن النفس ثم أصبحت من بعد خطرا بعيدا الأثر في النفس العربي الإسلامية لأنها آثرت إبراز جوانب الشهوات والفساد والإباحية وأولت اهتمام شديدا للمسائل الجنسية فأفسدت كثيرا من الأسر والفتيات وقادتهم إلى الرذيلة وأوحت إليهم لكثرة ما نشر ولا استمراره بأنه من الأمور الطبيعية المشروعة وقد كان هدف كتاب القصة وهدف الصحافة متصلا بالكسب المادي وكان في الأكثر متصلا بترويج مفاهيم اجتماعية أو سياسية تحاول قوي النفوذ الأجنبي بثها في النفوس لتخديرها وخداعها وصرفها عن التماسك والخشونة والقدرة علي مواجهة الأخطار والأحداث .

ولقد حاولت الصحافة العربية عن طريق هذه القصص أن تكسر الحواجز الطبيعية الخلقية بين الرجل والمرأة بتصوير الخيانة الزوجية على أنها شئ لا غبار ولا أهمية له وهو في الأخلاق الإسلامية عمل شائن وخطير ومتصل بالأعراض والسلوك ومن هنا كانت دعوة كتاب التغريب بالبعد عن التعصب وهي دعوي الماسونية وذلك أن القصة الغربية تصور أن زلة الزوجة وخيانتها تنتهي بصفح أو عقوبة ضمير وهذا مختلف عن موقف المسلم اختلافا واضحا عميقا فالمسلم والعربي قد يصل به الأمر إلى الانتقام والقتل .

كذلك فإن الشريعة الإسلامية لها موقف واضح إزاء هذه العلاقات الاجتماعية فهي تحرم الاختلاط وتحرم التقاء الزوجة بأي غريب في غيبة الزوج وتوالي قصص الخيانة والزلل من شأنه أن يزعزع العقيدة الإسلامية وهذا ما وقع فيه المجتمع الإسلامي نتيجة استشراء هذا النوع من القصص وهو هدف مقصود ومدير ومبيت تحت اسم الفن من ناحية أو تسلية الجماهير من ناحية أو معالجة مشكلات المجتمع من ناحية أخري .

ولقد استهدفت القصة في الصحافة أمرين :نشر الإباحية في القصص الجنسية ونشر الجريمة في القصص البوليسية .

وهناك ركام ضخم من هذه القصص يملأ الأسواق وتتطوع الصحافة العربية بتقديمه القاتل الخطير اللص اللطيف نوابغ المجرمين قاطع الطريق العبقري خاطف النساء الشريف .

وكل هذه القصص من الحب والقتل والنزاع والخداع والتجسس منسوبة إلى أبطال ووقائعها السرقة والانتقام والاعتداء على الأعراض وتزيف النقود والاتجار بالرقيق الأبيض والأسود والمخدرات والعبث بالطفولة البريئة وخطف النساء وألوان من الفسق والفجور .

ولقد كان لاستشراء هذه القصص عن طريق الصحافة ما يمكن أن تحمله من تبعة وقائع الجرائم والسرقة والاغتصاب التي تنشرها الصحافة أيضا فهي التي عملت الشباب أساليب ذلك كله بما قدمته من قصص فضلا عن إفساد العقليات والنفوس والأذواق ودفع مجموعات الشباب إلى مجالات خطيرة من الأهواء والمفاسد .

وقد صور الأستاذ حامد بدر الآثار الخطيرة المترتبة على استشراء القصة فقال : إنها تملأ فراغ المراهق بالأفكار الملوثة وتسكب في غريزته الظامثة ما يزيده للانحراف ظمأ ويوجه طاقته أسوأ توجيه ويتساءل لماذا ننفث في وعي الناشئين والناشئات سموما من القصة المبتذلة المتبرجة ؟ إن المدد الذي يسود به الكاتب الكتب والصحف إنما هو دواء شاف أو سم زعاف , وإن السم الذي يدسه بعض محترفي الأدب فيما يسمي بالقصص الواقعي لهو أشد السموم خطرا أو فتكا وتاجر القصة المنحدرة مثل بائع الحلوي المتجول الذي لا يحصل على الربح إلا من أيدي ضحايا أبرياء في الحارات والأزقة لا يفتحون عيونهم ليروا الأتربة والذباب عندما يفتحون أفواههم لالتهام الحلوي المكشوفة الملوثة فكاتب القصة المكشوفة إنما يستثير غرائز قارئه السطحي وينحدر به متملقا غريزته تملقا مكشوفا لأنه لا يملك وسيلة يستميله ويجذبه بها سوي تلك الوسيلة وغايته أن يضعف الجبان أمام الغريزة الهائجة وان تهون في تقديرها كل القيم . تلك هي السموم التي تدخل بيوتنا في قصص وروايات فيقرؤها أبناؤنا وبناتنا على أنها ترفيه وتسلية وهي الوباء كياننا من حيث لا ندري إن الطاقة الهادمة تتجه إلى الانحطاط وتستسهله وتمضي فيه ولا سيما إذا وجدت تغاضيا وتهاونا بل تشجيعا ورعاية عكس البانية التي تتجه دائما نحو الصعود".

وليس أدل على أن كتاب القصة يستهدفون أمرا خطيرا , أن نجد كتابا قد دخلوا في الحلقة السابعة من العمر ومع ذلك فهم يتخذون أسلوب القصة الجنسية المكشوفة إطارا لوضع سمومهم وأهوائهم وأبرز ما تري في ذلك كتابات مصطفى أمين بعد خروجه من السجن سنة أولي حب وغيرها .

كذلك فإن زكي عبد القادر يقدم نماذج مضطربة ممزقة لا يجوز لرجل مثله أن يطرحها بهذه الصورة العارية لأنها تؤدي إلى إحداث آثار خطيرة في نفوس الفتيات وكان أولي ألا يتوسع في تصوير الإثم والخطأ والفساد وأن يتوسع في التحليل وبيان الأخطار التي ترجع في مصدرها إلى سوء التربية وغيرها .

ومن ذلك قصة فتاة يصورها على أنها متطلعة دائما إلى الرجال وأنها مغرمة بالعبث بهم وإيقاعهم في حبائلها , ,أنها لا تعرف الحب مع ذلك , وهي تصلي وتفعل الخير , ولكنها تعمل دائما على اقتحام عالم جديد للبحث عن اللهو والتسلية والعبث بالناس ويمضي زكي عبد القادر في التوسع على أعمدة أربعة في تصوير خواطرها المسمومة وهو يعني بأن يقدم هذه الخواطر دون أن يعلق عليها لو كان يريد حقيقة أن تهدي إلى الرشاد ولكنه لا يفعل شيئا تجاه ذلك ولا يصور خطأها وانحرافها وكأنما هو معجب به راض نه وهو في السبعين من العمر يهدهد هذه الغرائز ويزيدها اشتعالا في نفوس أناس ربما كانوا يثقون في كتاباته , ويضعونه في قائمة أخري غير قائمة أنيس منصور ويوسف إدريس وغيرهم وفي أكثر من كلمة يتكشف اهتزاز القيم الإسلامية الأصيلة في نفس الكاتب ولو كان مؤمنا بها لكانا حاسما في معالجة القضايا التي يتعرض لها ولما شغف بين آن وآخر بتقديم هذه القصص الإباحية .

ولست أدري لماذا يهتم بأن يقول أنها فتاة لها أنوثة طاغية وأنها نشأت دون رعاية أو رقابة وأنها فتاة مغرورة ليس لها قدر من ثقافة وإيمان تجري مع الأهواء لماذا الاهتمام بمثل هذه الرسائل وقد نشر منها العشرات في سياق ما كان ينشره من كلمات يتحدث فيها عن الخلق والفضيلة .

هل هذا هو واجب الصحفي صاحب القلم وهل هذه هي رسالته الإلحاح على صور الفساد دون أن يقدم العلاج , والتوسع في رسم صور الإباحة والوقوف عند ذلك دون أن يحلله أو يظهر خطأه أو يوجه أهله إلى الخير , ولماذا الاهتمام بمثل هذه التي وصفها بأنها شيطانة تضج منها الشياطين ( أخبار 12 – 3- 1978)

وهي تكذب حين تقول أنها تصلي أو تعرف الإيمان أو المصحف الذي في حقيبتها أو أنها حجت وطافت باللعبة ثم هي تخاف أن يقع ابنها أو زوجها على هفواتها ومن التبجح أن يقولوا أنها تعتقد أن السماء تحفظها ولن تتخلي عنها وان الله يغفر لها ويحفظ سرها مع أنها لم تزمع التوبة . هذا الكلام يراد به تخفيف الجريمة في نظر أصحابها والتهوين من شأنها وهي محاولة خطيرة في نشر الفساد فإن للتوبة شروطها فإن ستر الله ورحمته لا يكون مع الضالين المفسدين ولكن مع المؤمنين أو التائبين الذين يستنكرون صفحاتهم السوداء المظلمة ولا يعلنون بها إن هذه هي محاولة خطيرة في وضع وقائع زائفة في صورة القصة وهي أسوأ ما تقوم به الصحافة في العصر الحديث .

المرأة في قصص كتاب الإثارة

كشفت الأبحاث التي أجراها بعض النقاد عن أن الأدباء الذين كتبوا القصة شوهوا صورة المرأة في قصصهم وتفرغوا لتصوير الأحاسيس الشاذة للمرأة أو التعبير عن نساء الليل وأعلنت أن معظم الأدباء يحتقرون المرأة لدرجة أنهم جعلوا المرأة على هامش حياة الرجل وأن العقاد والحكيم ونجيب محفوظ كتبوا عن المرأة الشاذة .

ولهذا الكلام إجابتان : ( الأولى ) أن القصة كانت تصويرا للجوانب المثيرة وأنها ليست عملا أصيلا وقد دخلته أهواء الكتاب وصورة المرأة الحديثة المنحرفة في الحقيقة عن الطريق الأصيل ( الثانية ) أن المرأة العربية في هذه المرحلة قد خرجت عن الأسلوب الحقيقي للمرأة المسلمة ولذلك فإن الصورة ليست غريبة ولقد عبر إحسان عبد القدوس عن قلة نادرة من الفتيات المنحرفات ولا نستطيع أن نقول إن كل الفتيات على هذا النسق ولكنه أراد أن يعمم الصورة لغرض في نفسه وهوي في أعماقه وقد قال البعض أن مثال جاذبية صدقي تكتب أسوأ مما يكتب إحسان عبد القدوس .

الفصل الثاني: كتاب القصة

(1)

قدمت الصحافة العربية عددا من كتاب القصة وأولت العناية بعدد قليل منهم هم كتاب الجنس والغرف المقفلة أو ما أطلق عليه ط أدب الفراش " هؤلاء الذين اهتمت بهم الصحف وأذاعت أسماءهم لأنهم يقدمون جوانب مثيرة من العلاقات بين المرأة والرجل , ويصورون المرأة العربية المسلمة على أنها أداة للجنس والشهوة وأنها تجري وراء أهوائها وأن علاقة الرجل بها هي علاقة المطاردة والإغواء والإسقاط بالخداع في براثن الإنهيار حتى إذا قضي منها لبانته تغير كل شئ وانصرف عنها هذا هو الطابع الذي عرفه كتاب أدب الفراش والذي أولته الصحافة العربية اهتمامها ولم تشأ مرة واحدة أن تقدم قصة ذات هدف كريم أو على غير قاعدة الجنس ولقد ترددت كلمة " الحب " على ألسنة الكتاب والشعراء والقصاصين على نحو أزري بهذه اللفظة ومرغها في الوحل وجعل منها عبارة مبتذلة لا تدل على شئ إلا علي ذلك الشئ القذر الذي يسمونه الجنس .

ولقد كان لذيوع هذا النوع من القصص عن طريق الصحافة أولا وخاصة المجلات الأسبوعية ( أخبار اليوم , روزاليوسف , آخر ساعة , صباح الخير , الحوادث , الموعد , الصياد والشبكة ) أثره البعيد المدى في المجتمع فهو الذي أيقظ في الشباب والشابات تلك المفاهيم المنحرفة وتلك الدعوات المضطربة حتى تري بعض الفتيات تطالب بالتحرر قبل الزواج أو بالتجربة قبل الزواج .

وفي عديد من استفتاء ماجن خبيث أجرته المجلات بين طالبات الجامعات ( روزاليوسف ) مثلا في العدد الخاص بالمرأة ( أبريل 1975) استفتاء أجرته المجلة بين طالبات الجامعة كانت أجوبة الفتيات مثيرة للفزع فأربع مسلمات قلن بالحرف الواحد :

( والحب والجنس وجهان لعملة واحدة لماذا لا أمارس الجنس مع من أحب إنني لا أعتبر الزواج شرطا أساسيا لممارسة الجنس ما دمت أحب وأثق فيمن أحب حتى ولو كان ثمن ذلك نظرة عدم احترام من المجتمع )

والواقع أن كتاب القصة الذين تثيرهم هيئات التحرير لكتابة الصور الصارخة من القصص وما قدمه إحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ ويوسف السباعي ويوسف إدريس وموسى صبري ومن قبل أمين يوسف غراب غيره هو مصدر هذه الأفكار المسمومة التي سرت في الفتيات سريان النار في الهشيم ولو أن هذه القصص كانت موجهة إلى صالح المجتمع لكشفت عن فساد هذه المفاهيم ولفتحت أمام الفتيات طريقا مضيئا إلى معرفة الخير والشر ولأعطتهن العبرة والحرص في التعامل مع الشباب والحذر واتخاذ بيت الفتاة وأبيها أهلها المرجع والملاذ لكل علاقة يراد بها الزواج حقيقة حتى ينكشف الخداع .

إن تعالي مثل هذه التساؤلات عن حق المرأة في أن تمارس الجنس قبل الزواج يرجع إلى ما قدمه أنيس منصور وغيره من مترجمات للكاتبة الفرنسية الإباحية أمثال فرنسوا ساجان وبهذه القصص المترجمة والمؤلفة على غرارها شاعت الفاحشة باسم الفن وبلغ الشطط بالكتاب العرب أن بلغوا مراحل أشد سوءا مما كتب الغربيون منافسة لهم وكل هذا هو الذي خدع المرأة ودفعها إلى طريق الشر فهجرت مجال البيت والأسرة وتربية الطفولة وبحثت عن الأهواء واللذات .

(2)

وقد بدأ هؤلاء الكتاب عن غير طريق أصيل أو ثقافة أصيلة وإنما تخطفت المجلات الأسبوعية كتاباتهم لأنها وجدت فيها ما يؤدي إلى الذيوع والانتشار , وقد كان يوسف السباعي لا يجيد الكتابة بالعربية إلا بصعوبة شديدة ويفضل العاية ويتحدي في وقاحة شديدة ويسخر من الفصحي ومن سلامة الكتابة على أصول اللغة وقد هوجمت قصص يوسف السباعي ( وخاصة قصة إني راحلة ) لأنها عامة اللغة , وأن الكاتب العربي الذي يكتب لمائة مليون عربي يجب أن يجيد الفصحي ولا يحصر نفسه في دائرة العامية المصرية .

ولا يبالي يوسف السباعي أن يقول :" إني لا أهتم مطلقا بمبادئ اللغة واعتبر أن أسلوبي ( كويس كده) وليس في حاجة إلى المحسنات اللفظية والواقع أن لغتنا العربية سخيفة وفيها حاجات ( مش معقولة ) واحد مجنون مثلا قال لنا ( خلي لكلمة دي تبقي كده) وخلاص وهي عملية مجهدة لا معني لها ولا نهتم بها الآن أو يحافظ عليها المصححون في الجرائد وأنا على كل حال اعتبر اللغة وسيلة وليست غاية ".

إن مثل هذا الهراء لو وضع موضع النقد الحقيقي لكان حفيا بأن يطر كاتبة من ساحة الكتابة الأدبية ونأسف لأن جريدة تنشر مثل هذا الكلام ( جريدة المساء ).

وإذا كان هذا هو موقف يوسف السباعي من اللغة فلا ريب أن موقفه على ظاهرة الكشف والتي تقوم العلاقة فيها بين الرجل والمرأة على أساس المطاردة والخداع والاغتصاب . هذه القصص التي كان يقال أنه يكتبها في كابينة على البلاج يذهب إليها ومعه كراسة بيضاء وزجاجة ماء ملون ويعود بها لتنشر في الصحف مع الاحتفال بها ثم تنشر في مجلد ضخم تقوم مكتبة الخانجي بنشره ثم يتحول إلى سيناريو سينمائي وكان يوسف السباعي عضوا في لجنة اختيار الكتب لمكتبات وزارة المعارف ومدارسها , وكان يوسف يدخل اللجنة ومعه قائمة الخانجي فيعرضها على اللجنة بمعدل 3 آلاف أو ألفي نسخة من كل قصة يحصل من ورائها على ألوف الجنيهات ويحصل ثلاثة آلاف طالب وطالبة على سموم الإباحة والانحراف الخلقي .

ثم يحصل على أجور مضاعفة من الأفلام السينمائية بعد أن تكون هذه القصص الجنسية المسرفة في تصوير الغرائز وإفساد الشباب قد وصلت إلى كل بيت ولقد وضع نفسه في أحضان طه حسين الذي كان يعرف أنه حين يقدم سما من نوع خطير إلى الأجيال الجديدة فيخدم به دعوته ويكون جيلا يحمل أفكاره ( كل ما هنالك أن طه حسين كان يخدع الناس حين يدعو هؤلاء إلى الكتابة باللغة الفصحي التي لا يعرفونها ) فقد أعلن طه حسين أكثر من مرة أن يوسف السباعي يجهل اللغة والنحو ومع ذلك فقد مضي طه حسين يشجع هذه العناصر ويحميها ويدفعها إلى الأمام في صحافة لها هوي مع كل منهج مضاد للأصالة .

ولقد كشف النقاد أمر يوسف السباعي منذ وقت بعيد فقد نشرت مجلة الآداب ( أغسطس 1955) رأي خصومه فيه حيث قال أحدهم :

" إن يوسف السباعي لا يمثل إلا الوجه المرفوض غير الأصيل في الثقافة المصرية ولكنه مع ذلك استطاع أن يصل إلى هذا المستوي الذي لمع فيه وأن كثيرا من الشباب المتفتح الواعي يميلون إلى اعتبار أدبه غذاء سوفيا تجد فيه الطبيعة البرجوازية المترفة موضوعا لغرائزها وهو يؤدي نفس الدور الذي تؤديه الأفلام المصرية السخيفة ويهدف إلى افتعال حياة غير حقيقية للمستمع المصري حتى يظل بعيدا عن واقعه الصحيح بما فيه من مشكلات .

لقد بلغ يوسف السباعي حقا جو ثقافي أثقلته القيود والأغلال ولقد كانت مفاهيم يوسف السباعي منحرفة حقا ضئيلة تدل على فقر شديد في الثقافة إنها ثقافة الحي الذي عاش فيه , ثقافة الأحياء البلدية الزجل والمواويل وكلام المقاهي , وذلك فهمه للعلاقات بين الرجل والمرأة ولذلك غلب عليه طابع اللامبالاة بالقيم ومن أجل انتشار قصصه غلب طابع الجنس .

بل إن يوسف السباعي ذهب إلى أبعد من هذا حين جعل " السخرية" طابع كتاباته فهو يسخر من كل شئ , حتى من القيم المقدسة , وأية ذلك رواية ( نائب عزرائيل ) وتدهش حين تري يوسف السباعي يوجه كلامه إلى الملك المكرم سيدنا عزرائيل ملك الموت فيقول " ستلمس لى العذر إذا علمت أني رجل أحب المزاح ,أو أنني أري أن المرء لا يربح في حياته إلا ساعات الضحك وإذا علمت أيضا أن الإنسان بطبيعته مخلوق مهرج إنه لا يغريه شئ كالهزل والتهريج وإنك إذا ما أردت منه أن يستمع إليك فاضحك أولا ثم قل له ما تريد قوله . لا تظن بقولي هذا تزلفا فالتزلف لا يكون إلا لخشية أو حاجة وما كان بي من خشية منك ولا حاجك إليك :

ويقول : ( ولا يمكن أن يكتب هذا عاقل في وعيه الكامل ) : لن أكف عن الغرور إلا في نهاية العمر عندما أقف على شفا الموت وأتلفت ورائي فاكتشف مبلغ حمقي وإضاعتي عمري هباء وجهدي سدي في سبيل شهرة أو خلود , وهذا الكتاب يا سيد عزرائيل أنت بطله فهو منك وإليك حاولت أن أظهرك للبشر على حقيقتك وأن أزيل من أذهانهم تلك الصورة الشوهاء التي يتخيلونك بها ".

بهذه اللغة الرديئة يتحدث مثل يوسف السباعي إلى الملك المكرم كيف يستطيع يوسف السباعي الذي لم يقرأ شيئا من الفقه أو السنة أن يصور ذلك الملك الكريم ملك الموت الذي يقبض أرواح البشر ؟ وكيف يتصور يوسف السباعي أنه يستطيع أن يصور هذا الملك الكريم على حقيقته من خلال رواية هزيلة ومن خلال سخريات خليعة . إن جهل يوسف السباعي بمفهوم الموت في الإسلام وموقف الإسلام من الملائكة هو الذي أورده هذا المورد الخطير فهو يحاول أن يصور أمر الموت على أنه خبط عشواء " وأن مع ( عزرائيل ) قائمة وأن فيها طبيبا يموت قبل مريضه ,عروسا قبل زواجها بينما يجد الشحاذ الضرير لا يزال حيا بلا خوف ".

والواقع أن حكمة ذلك كله لها مفهوم في تقدير الله تبارك وتعالي عزوجل لا يصل إليه يوسف السباعي إلا إذا فهم حكمة الخلق والوجود والموت أما سيدنا عزرائيل فإنه ملك مكلف من قبل ربه تبارك وتعالي وما هكذا يتناول الكتاب أو القصاص مثل هذه الأمور .

وهكذا يمضي يوسف السباعي في جرأة وسخرية وفساد رأى وعجز عن فهم الأمور ليكتب وليكتب بعد ذلك عن كل شئ فيفتي في اللغة وهو يجهل كل شئ عنها كما يفتي في أمور الخلق والموت دون أن يجد من يقول له : قف عند حدك , ذلك لأن ظروفا أخري جعلت يوسف السباعي في موضع من صحافة ضعيفة عاجزة عن أن تضع كل كاتب في موضعه .

(3)

وكذلك نجد ( نجيب محفوظ ) يسقط في حلقة الاحتواء التغريبي وتخدم قصصه نفس الأهداف بل نجد الماركسين يواتونه اهتماما كبيرا اهتماما كبيرا ويرون في كتاباته خدمة لغاياتهم وفكرهم وتفسيرهم المادي للتاريخ وقد استخدموه في دعوتهم إلى الإباحية وإلى المفاهيم الهدامة في الأسرة والفتاة وعمل المرأة وعلاقتها بالرجل وقد كان نجيب محفوظ مهيأ لذلك كله لأنه من خريجي قسم الفلسفة- ثم كان اتصاله بسلامة موسي عاملا هاما من عوامل تكوينه وقد كانت فكرته عن الألوهية فاسدة وقائمة على مفاهيم الماديين .

ونجيب محفوظ هو الذي " ابرز في رواياته صورة الرجل الشاك في كل قيمة المذبذب في كل فكرة الضائع في كل واد المتحدي لعقيدة الأمة والمتجه ناحية المشارب الأخرى يعب منها وقد كانت اتجاهاته الثلاثة واضحة في تطوره القصصي على التوالي : اتجاهه الإلحادي واتجاهه المادي واتجاهه الماركسي الأخير , وهو الذي تقلب في التبعية للمذاهب الوافدة الغربية والشرقية على السواء في الرومانسية والواقعية والرمزية المغرقة حتى في اتهامه للأزهر بأنه لا يقرأ لأن الأزهر وقف ضد فساده وهو يصور أنبياء الله تلك الصورة السفيهة, وقد توالت كتاباته واستمرت ووجدت من يدفعها إلى الإمام ويشجعها " وتسارع هيئات السينما لنقلها إلى الناس على أبشع ما يجد الذوق وأردأ ما يون التقديم وأسوأ ما يجترأ على الأخلاق والفضائل بل هناك من حاول أن يكتب عن قصص نجيب محفوظ وكأنه من دعاة الإسلام وهو القائل :

" الخلق أنني معجب بالماركسية بما تحققه من عدالة اجتماعية ورؤية إنسانية سامية واعتمادها على العلم ولكني أرفض دكتاتوريتها وفلسفتها المادية " ولست أدري أين عدالتها ونحن نري تجربتها بعد خمسين عاما وقد أفقرت الأغنياء ولن تغن الفقراء ولست أدري أين علميتها وهي تقوم على فروض تغيرت وأين عدالة الشيوعية وقد قتلت مئات الألوف غيلة أيام ستالين بواسطة السفاح بريا وهي التي حشدت إلى سيبيريا ألوفا أخري بمحاكمات صورية أو بدون محاكمة , وكيف أن الشعب يعيش على مستوي الكفاف وأن أعضاء الحزب الشيوعي هم الوحيدون المتمتعون من النظام , هذا إلى ملاقته الشعوب الإسلامية في الاتحاد السوفيتي على يدي الشيوعية مما ينفي وجود أى عدالة أو إنسانية فقد كانت أقاليم الأورال واستراخان سيبيريا القرم والقوقاز والتركستان أقاليم إسلامية قبل الثورة الشيوعية ولما قدمت الثورة واجهها كثير من المجن وجه زعماء الشيوعية ومنهم لينين وستالين بيانا موجها إلى شعوب روسيا المسلمين طالبين منهم الثورة على الرأسمالية والاستعمار واعدين إياهم بأن تكون حرية عقائدهم وعاداتهم موضع احترام وتقدير فأعلنت هذه الأقاليم استقلالها ولكنها رفضت الشيوعية نظاما لها فلما استتب الأمر للثورة الشيوعية تجاهلت ذلك النداء واقتحم الجيش الأحمر 1918 في حروب دامية هذه الأقاليم الإسلامية غدرا وغيلة واستبسل فيها المسلمون دفاعا عن أوطانهم أيما استبسال .

وقد استمرت الحروب حتى 1964حينما سقطت بلاد الشركس والقوقاز آخر الأقاليم الإسلامية التي أنجبت كثيرا من العلماء كالبخاري والزمحشري والفارابي وابن سينا وكلما سقط بدأت حرب جديدة من الإبادة والتجويع والنفي والتهجير حتى أن سكان بعض الأقاليم المسلمة هاجروا بأكملهم إلى أقاليم أخري من الاتحاد السوفيتي وأحلت الحكومة الشيوعية محلهم آخرين من الروس والسلاف والأكران ثم هدمت الجوامع وحرق القرآن ومنع تدريس الدين الإسلامي .

إن ما حدث للإسلام والمسلمين مثله لليهودية واليهود.

وما حدث في الاتحاد السوفيتي حدث مثله في دول أوربا الشرقية ومع ملايين المسلمين بل إن البانيا كانت دولة إسلامية وقد حدث بها من تعذيب المسلمين مثلما حدث في روسيا ومثله حدث في الصين .

هذه صورة المذهب الشيوعي الذي يحترم العدالة الإنسانية على النحو الذي دعا إليه نجيب محفوظ .

وهكذا سار نجيب محفوظ في طريق اليسار وعاش مع هذا التيار الذي ظن أنه يرفع من أسهمه وشهرته وقد حاول بعد أن سقطت هيبى الشيوعيين في مجال الإعلام والصحافة والسينما أن يتراجع ويتراجع ولكن بعد أن وصمته هذه الأفكار وقضت على كل محاولة لاستنفاذه وقد وصفه بعض النقاد المطالع لرواياته يزداد اقتناعا بأن الرجل لا شئ إذ انه يمثل الضياع العقائدي كما يمثل الضياع الفكري أو التبعية للاستعمار الثقافي في بلادنا .

وقد تابع نجيب محفوظ دكتاتورية الناصرية وكان من المؤيدين لها فلما سقطت هاجمها بعنف وحاول تقليد توفيق الحكيم في نقد الماضي الذي كان مشتركا فيه مستغلا لخدمته وأن الباحث في آثار نجيب محفوظ يجد ظاهرتين خطرتين : الأولي الجنس والثانية الإلحاد .

(أولا) طابع الجنس واضح في معظم روايات نجيب محفوظ , شأنه في ذلك شأن إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي ولكنه عند محفوظ أشد خطورة فهو يجعله نتيجة للفقر ولا يري للمرأة إذا جاعت إلا طريقا واحدا وهو أن تبيع عرضها ولا ريب أن هذا الفهم خاطئ من ناحية ولا يمكن تعميمه على كل الناس فإن كثيرا من الناس لا يبيعون أعراضهم ولو ماتوا من الجوع وهو في هذا الفهم يرسم صورة مادية فردية لا يعرفها المجتمع الإسلامي الكريم القائم على الإيمان بالله وإنما هي منقولة ومقتبسة ومسروقة من قصص الغرب حيث لا يقيم الناس أى اعتبار للعرض والشرف والكرامة .

ولقد جري نجيب محفوظ انطلاقا من مفاهيم المادية والوثنية والإباحية إلى أن يجعل أغلب بطلات قصصه ممن يضغط عليهن الفقر فيلجأن إلى الجنس أى الدعارة المقنعة ونجيب محفوظ في هذا الاتجاه يجري مجري المتطلعين إلى مسرحية أم فيلما سينمائيا فيقول : أن الجنس ظاهرة من ظواهر الحياة مثل الحب والزواج والجريمة والعقيدة وهي عنده ظاهرة تصلح موضوعا للعمل الفني وكل ظاهرة عرضة للاستغلال التجاري .

ويدافع نجيب محفوظ عن الجنس في أدب إحسان عبد القدوس ويراه مرتبطا بمناقشة التقاليد الجامدة وحرية المرأة وانحلال بغض الطبقات .

ولا ريب أن نجيب محفوظ لم يعرف حقيقة المجتمع الإسلامي وأغواره وان ما يعرفه عنه إنما يتمثل في بعض النماذج الفاسدة التي اتصل بها أما جوهره الحقيقي فهو ليس معروفا له وشأنه في هذا شأن إحسان عبد القدوس وكلاهما متأثر بالوسط الضيق الذي عاش فيه فليس كما يقول أن المنحرفة يرجع انحرافها إلى أسباب اجتماعية أو أن المجتمع هو الذي يؤدي إلى انحرافها .

وليس من شك أن المرأة التي تتخذ من البغاء والدعارة المقنعة وسيلة إلى الحياة الطيبة هم قلة قليلة ,وليس أغلب المنحرفات كان الفقر مصدر انحرافهن أو سقوط المرأة بسبب الفقر , أو أن سبب الانحراف هو سبب اجتماعي هذا كله مفهوم ماركسي ومادي , وليس صحيحا على إطلاقه وليس صحيحا بالأولي في المجتمع الإسلامي ويخطئ نجيب محفوظ حين يقول أن أوربا استطاعت حل المشكلة الجنسية بطريقتها الخاصة وهذه الطريقة أن البنت وعمرها 16 سنة تلتقي في حرية تامة مع أى شاب حيث لا مشكلة جنسية ولا مشكلة عفاف ولا بكارة .

وليس هذا الذي يقوله نجيب محفوظ مما يصلح لتطبيقه على مجتمعنا أو أنه حل حقيقي لهذه المشكلة .

والواقع أن كتاب القصة ( نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ويوسف السباعي ويوسف إدريس وغيرهم ) هم أقل الكتاب المعاصرون تجربة في مجال الدراسات الاجتماعية بل إن آراءهم في هذا المجال تدل على سذاجة شديدة وعلى فقر كبير فهم مع الأسف لم يقرأوا إلا مجموعة من القصص الغربية ثم نقلوها – بعد أن انقضي عهد الترجمة – إلى تأليف عربية حث أبقوا على القيم والمفاهيم والتقاليد الغربية في كثير من القضايا التي يختلف حلها في إطار المجتمع الإسلامي وفي ضوء قيمه ومفاهيمه وهذه المفاهيم التي يقدمها نجيب محفوظ في قصصه المختلفة , لا تمثل حقيقة هذا المجتمع ولا مشاكله ولا يقدم حلولا حقيقية له ولذلك فإن هؤلاء الكتاب عندما يخرجون من دائرة القصة إلى دائرة الكتابة الاجتماعية على النحو الذي عرفناه في كتاباتهم ( من مفكرة الأهرام ) ينكشف قصورهم وعجزهم .

وتمثل كتابات نجيب محفوظ في عبارة جامعة " الضياغ " ففي رواياته الشحاذ وثرثرة فوق النيل وميرامار والمرايا يبدو المثقفون وكأنهم كائنات ضائعة هاربة من الواقع في الحشيش والجنس وتبدو كذلك شخصيات أنانية إلى حد المرض و وقد قال ( رواياتي تنبع من ماء الهزيمة الآسن ) وبطولاته أحد اثنين: أناس لا يعيشون وأناس يحيون بفضل الانحراف والجريمة .

وقد اتهمه لويس عوض في محاضرة بإحدى الجامعات الأمريكية أنه باع نفسه للناصريين فكرمه النظام الناصري وكان الثمن هو تشويه ثورة 1919 وزعيمها سعد زغلول حتى لا تبقي على سطح التاريخ السياسي لمصر في القرن العشرين سوي 23 يوليو , وقال نجيب محفوظ أنا لم أع نفسي لأحد ولم يطالبني أحد بذلك .

سأله أحدهم : أثار الناصريون في الفترة الأخيرة أنك انضممت إلى توفيق الحكيم واليمين في مهاجمة جمال عبد الناصر وعصره ومنجزاته في رواية الكرنك مع أنك نلت في عصر عبد الناصر أعلي جوائز الدولة وأعلي المناصب الرسمية ( درجة نائب وزير ) وعشت في عصر عبد الناصر دون أن يوجه إليك نقد , فما سر حملتك في روايتك الكرنك ؟ قال : الكرنك تدين الإرهاب لا المنجزات وقد كانت رواياتي كلها نقدا للعصر لقد تبين لي أن العهد يبني بيد ويهدم بالأخرى وأنه سلم مؤسساته إلى أناس بلا كفاءة ولا خلق ينغمس قادتها في الترف والثراء , تنكل بأهل الرأي من مخالفيها تنكيلا وحشيا وتشهر سيف الرعب والإرهاب تزج بنفسها في مغامرات دون اعتبار لقوتها الحقيقية وتأتي النتيجة فقد هزمنا شر هزيمة في تاريخنا كله وتتركنا بلا آمال ولا كرامة هكذا برر نجيب محفوظ نحوله من تأد عصر كان فيه من أبرز دعائه .

( ثانيا) طابع الإلحاد وهذا الطابع واضح في مختلف كتابات نجيب محفوظ ويرجع إلى إيمانه بالفلسفات المادية وإعجابه بالماركسية واتصاله بسلامة موسى وقصوره وعجزه عن مطالعة الفكر الإسلامي أو الاتصال به ولقد كان من أسوأ بادرات نجيب محفوظ ( التهكم) على الله تبارك وتعالي عما يقولون علوا كبيرا حيث يقول :

" لقد أعطانا الله سبحانه أرضا كثيرة ولكنها فقيرة في غالبها , ثم أين مساحة الأرض التي قسمها الله للعرب من مساحة الأرض التي تملكها روسيا وهذا الكلام يدل على قصور نجيب محفوظ حتى في معرفة أبعاد وأعماق المنطقة العربية الزاخرة بالثروات والخيرات والواقعة بين القارات الثلاث والتي تمر منها جميع المواصلات الجوية والبرية والبحرية فضلا عن مكانتها الجغرافية الضخمة وحيث هي " الأمة الوسط " التي قامت على كلمة الله الحق والتي كان جندها وسيل خير أجناد الأرض وإليها حماية الدعوة والأرض والعقيدة ".

وأين من موقع الأمة الإسلامية موقع روسيا غير روسيا أليس هذا هو الجهل المركب من المغرورين الذين يتصدرون للزعامات الأدبية .

ويبدو فساد عقيدة نجيب محفوظ ومفاهيمه في الإلوهية في قصة ( أولاد حارتنا ) التي تقوم على السخرية بالأنبياء والرسل ودعوة الله الحق والتي استقبلها المستشرقون ودعاة التغريب بالتقدير والإعجاب وكتبوا عنها البحوث الصافية ورفعوا صاحبها إلى أعلي ذري العبقرية .

وقد حاول نجيب محفوظ في هذه القصة أن يقولوا بالرمز كل ما عجز عن قوله صراحة عن مفهوم مادي زائف وعقيدة مضطربة ونحن لا نستغرب هذا الفهم من نجيب محفوظ الذي هو في الأساس من تلاميذ سلامة موسى الذي دربه على الفكر المادي وأعده ليكون واحدا من هذه المدرسة التغريبية وغرس فيه مفهوم احتقار الأديان والقيم والاندفاع نحو الفرعونية ثم الماركسية ثم نحو معارضة كل القيم الأساسية لهذه الأمة في عشرات المواضع من كتاباته وقصصه وفي استعلاء طابع الجنس على رواياته واستهانته بكل القيم والمقدسات وقد احتفلت ( أهرام هيكل ) برواية أولاد حارتنا وظنوا أنها يمكن أن تمر على الناس بسهولة فلما اكتشف الناس رموزها وعرفوا أنها تهدف إلى الانتقاص من ذات الله تبارك وتعالي عما يقولون علوا كبيرا علت صيحاتهم فأوقفت الرواية ومنع نشرها ونشرت في بيروت وصفق لها سهيل إدريس ناشرها واحتفل بدراسات عنها ثم تبين من بعد فساد طريقها وهدفها وأنها حملت حملة شعواء على رسل الله وأنبيائه وأنها أعلت شأن الفكر المادي على الأديان .

وليست شخصيات القصة رموزا بل هي تحرير لغوي لا غير لأسماء الأنبياء موسي وعيسي ومحمد ويقال أن القصة مشاركة من نجيب محفوظ في ذلك الحوار الواسع الذي جري على المنابر المصرية بتوجيه من جهات مسئولة لتحديد اختبارات فكرية واضحة ولعل ذلك في الوقت الذي كانت تجري المحاولة فيه بواسطة مراكز القوي على إقناع منظمات الشباب بقبول العقيدة المادية وإنكار وجود الله واحتقار الأديان فكان نجيب محفوظ أداة طيعة في هذا الاتجاه .

ويري الكثيرون أن نجيب محفوظ في قصة ( أولاد حارتنا) يفسر التاريخ تفسيرا يتفق مع مفهوم المادية التاريخية وأنه يتجاوز الماركسية ويقول المستشرق فرنيس شيتات إنه من العسير على الكثيرين أن يفصحوا عن المقصود بالجبلاوي وأنهم حين يتحاشون الخوض في هذه المسألة وجدناهم يتحدثون عن المطلق أو عن الإله .

ويري المستشرقون أن جاك جويد هو أول من نبه الغرب إلى " أهمية هذه الرواية عندما قدمها في محاضرة له في أمستر دام , تبين أن كثيرين من المستشرقين أولوها اهتمامهم ( ساسون سوفيج) وفايكونيس وتساءل أحدهم هل ينكر نجيب محفوظ وجود الله في قوله أن الميتافيزيقيا تتراجع أمام الضرورات الأرضية ويري الآخرون أن هذا هو أهم مراحل التطور العلماني في الكتابات العربية الموالية للتغريب وأن هذه القصة مساهمة طيبة في هذا المجال .

وقد ووج نجيب محفوظ بنقد صريح من الباحثين في مجال القصة والأدب العربي المعاصر فيقول أحمد محمد عبد الله : إن نجيب محفوظ روائي مشهور جاز مرتبة في هذه الناحية نقل للناس كثيرا من الخرافات والأكاذيب وقليلا من الصدق والوضوح حتي الوضوح لا تتضح فيه الرؤية تماما فعليها من الغشاوة ما عليها وقد بحثت عن خيال للفضيلة فيما يسطر فوجدت أن الحقيقي ترفس رفسا وأن الفضيلة ما وجدت إلا لينال منها أو يسخر بها وعرفت أن الهالة التي تبني حول هؤلاء إنما هي من قبيل البروز للكاتب والمكتوب معه إن نجيب محفوظ يمثل جزءا من قتامة التفكير في عالمنا العربي والإسلامي فما كان ينتر منه وهو الذي نال شهرة واسعة أن يكون قائد الميدان نحو الانحدار وما عهدنا رجلا حمل المشعل وسار به إلا وتقاذفه السفهاء من كل جانب ليطفئوا مشعله فلربما سقط وحمل المشعل آخرون المسيرة باقية وأما الذي يرفع صوت الشيطان وصورته فنجد سياجا من الفوضي والبربرية تحيط به وتملأ صراخا وتصفيقا وتصفيرا .

وقد برز نجيب محفوظ في رواياته بصورة الرجل الشاك في كل قيمه المتذبذب في كل فكره الضائع في كل واد المتحدي لعقيدة الأمة والمتجه ناحية المشارب الأخرى يعب منها حتى يطفح فيقيض ما عليه على غيره وينتكس بعد ذلك إلى غيره ".

(4)

أفسحت الصحافة العربية لإحسان عبد القدوس مكانا واسعا عريضا على مدي أكثر من ثلاثين سنة كسب خلالها شهرة واسعة ومالا وفيرا وصفه في فترة قريبة ( 600 قصة قصيرة أو طويلة 19 رواية 4 قصص للسينما 46 فيلما , بستان عشرون فدانا في الهرم فواكه , خمسة آلاف جنيه في العام من الصحافة) هذا غير ما كسبه من الأفلام والقصص وهو كثير جدا فوق ما يتصور الجميع .

وبالرغم من أن إحسان عبد القدوس الآن ( 1980 ) على أبواب الستين من العمر فإنه ما زال ممعنا في ذلك الطريق المظلم الأسود الذي شقه لنفسه منذ مطالع شبابه وما زال مدافعا عن أدب الفراش الذي يكتبه بدعوي أنه أدب واقعي وبأنه محب لحرية المرأة مدافع عن حقيها في الجنس والانطلاق وراء الأهواء , ولقد كانت قصصه مصدر فساد كبير واضطراب عميق في نفوس جيل كامل من الفتيات اللاتي انسقن وراء الصور التي ساقها عن المرأة المنحرفة والتي حاول فيها أن يجعل المرأة المنحرفة ظاهرة طبيعية في المجتمع أو أن يصبح المجتمع متقبلا لهذا الانحراف نتيجة إقناعه بهذا المفهوم المسموم في محاولة خطيرة لتغيير أعراف هذا المجتمع الإسلامي الأصيل الفهم لمعني العرض والبكارة والعفاف مهما طغت مظاهر الحياة المادية عليه وآية هزيمة فلسفة إحسان عبد القدوس هذا التيار الإسلامي الجديد للمرأة الذي يرفض هذه المفاهيم المنحرفة التي نقلها إحسان عبد القدوس لا عن سارتر ألبيرتو مورافيا وكامي وحدهم لكن عن طريق فرانسو ساجان وسيمون دي بوفوار حينما تقمص شخصية المرأة في كتاباته ولعله مما يزعج حقيقة أن يؤلف كاتب رجل قصة يطلق عليها ( ونسيت أني امرأة ) ويرجع اتجاه إحسان عبد القدوس في هذه الجرأة على الحرمات والقيم وتصوير ما وراء غرف النوم وكتابة ذلك اللون الذي عرف به والذي وصمه الأستاذ العقاد بذلك الاسم الشهير بأنه أدب الفراش بالرغم من علاقة مدعاة بين إحسان عبد القدوس والعقاد وقد وصفه يحيي حقي بحق حين قال :" لا عجب ن كانت ألفاظه كبالونات المراقص المتواثبة أمام عينك فكيف تريد منها أن تستقر على الورق الويل له إن كان فتي يافعا أو فتاة في مقتبل الصبا فإن السحر يصبح نوعا من التخدير كبقية المكيفات لا يخلو من خطر ".

ولعل أبلغ وصف ما وصفه به أحد المسئولين حين قال له في مؤتمر صحفي : إنني لا أدخل صباح الخير إلى بيتي وأمنع بناتي من قراءتها .

قال : إحسان عبد القدوس في حديث إلى راجي عنايت كاشفا عن خلفيات قصصه : أنا ( أمينة ) في قصة ( أنا حرة ) .

وقد أدهشني دهشة الناس من تصوري لعواطف النساء بدقة وتنوع وسؤالهم عن وسيلتي لدراسة هذه العواطف وقد فكرت في هذا الموضوع طويلا ووصلت إلى نظرية وهي أن عواطف الرجل هي عواطف المرأة ولكن الاختلاف فقط يكون في التصرف والنزوع .

وهذا المفهوم الذي يقوله إحسان عبد القدوس لا يصدق على مفاهيم التحليل النفسي الصحيح للمرأة وللرجل وللفوارق لعميقة بينهما والتي تتصل بالتركيب البيولوجي المختلف والعميق الاختلاف بينهما إلا أن يكون للرجل الذي عاش في بيئة النساء زمنا طويلا من القدرة على تصوير عواطف المرأة .

ونحن إذا راجعنا قصص إحسان عبد القدوس لم نجد تحليلا لمشاعر المرأة وإنما وجدنا تصويرا جنسيا صارخا بصيحات مراهق كبير محروم ونماذج المرأة في قصصه لا تعطي صورة المجتمع الإسلامي العربي المصري أبدأ فالبطلة في النظارة السوداء من سلالة أجنبية وفي ( راقصة في إجازة) نموذج لراقصة أجنبية حلت بمصر وهناك فتاة نشأت شاذة منحرفة وامرأة خلابة لعوب صاحبها يمسك في يديه كأس خمر طول مدة السهر متهورا إلى حد الوقاحة متحللا من كل قيد .

يقول أحمد حسين الطلماوي : من يتأمل معظم قصص إحسان التي أدارها على لسان أبطاله يجد أنها جاءت مناسبة لتفكير المراهقين محركة لغرائزهم يقبلون عليها إذا فيها ما يثير حواسهم وما يجعل شهواتهم تتراكض مستشرية في نفوسهم والصور الوصفية التي يعرضها لا يمكن أن تكون تصويرا اجتماعيا فمثلا يصف أمينة " وقد ألقت بجسدها فوق جسد شاب وتركت خصلات شعرها تدغدغ وجه وتملأ أنفه بعبير أنوثتها ثم أحست بكفه تتحرك فوق ظهرها وتتردد بين كتفيها كأنه كف أعمي يبحث عن باب الدخول " هذه في ( أنا حرة ) وفي ( الطريق المسدود ) يقول : قررت أن تكون سافلة ومنحطة وأخلاقها زفت علشان الطريق ينفتح قدامها . فهل هذه الأوصاف تعبر عن الحياة الاجتماعية وهل من الحكمة أن يكون الانحلال واستطلاع أخبار البغاء ورصد الشذوذ هي أفضل الموضوعات لدراسة المجتمع إننا لا نطلب من الكاتب أن يلغي مفعول الغرائز ولكنه يجب أن يعمل على تهذيبها وصقلها ويعبر عنها بطريقة لا ينفعل القارئ بها انفعالا شهوانيا بل يحس بتأثيرها الوبيل عليه لو انغمس فيها وفي هذه الحالة نجا منها وهو يعرفها ويتجنب الوقوع في حمأتها ما استطاع " كذلك فإن تصويره للشخصيات فيه مغالطة كبيرة وافتراء على الواقع فالأم تأخذ بيد بنتها لتسلمها للضياع وتساوم الرجال عليها وكأنها قوادة( قصة أنف وثلاث عيون ) وهذا أبشع تصوير للأم والزوجة تقف في جنازة زوجها وتمسك بعلبة البودرة ( الطريق المسدود) والطبيب يدمن المخدرات ويقنع الناس بفائدتها بفائدتها وكأنها روشتة من الطبيب إلى المريض لكي ( يروق دماغه ) والزوجة حينما تختلي بزوجها تتحمله فوق صدرها وهي تحسب الثواني ليقوم عنها ( أين عمري ) .

" هذه هي شخوص إحسان عبد القدوس وهي شخصيات منحرفة عن الواقع ".

إن شخصيات الرواية لا تريد ولكنها منقادة تعمل لإرادة المؤلف فيها والقصاص هو المتحكم في سلوك أبطاله ومصائرهم أنه من مهام الكاتب تحليل المشاعر ومعرفة أعماق الوجدان وتصوير النفس وتحري أسرارها وإماطة اللثام عن مستدق أحوالها ووزن أفعالها فتكون القصة بعد ذلك دراسة للنفس ونزاعها مع ما يحيط بها ونزوعها إلى ما تريد من خير وضير"

وعندما لا يستطيع ذلك يترك عالم النفس والخاطر إلى دنيا الشهوة والغرائز ومواخير البغاء حيث الحياة الملوثة المريعة :

" ويشهد إحسان في رسالة عن ذلك الذي كان يكتب قصصا أشد صراحة من قصصه هذا أحد كتاب الغرب إن قصص إحسان بما فيها من إثارة جنسية تصبح والحالة هذه لا عمل لها إلا لأنه الهمم الغلابة وقد وجدت من يعتنقها من نساء المجتمع ورجاله ومن ذلك ما نشرته نوال السعداوي التي تطالب بالتحرر الجنسي ".

ولكن ما هو موقف إحسان من الاتهامات التي توجه إليه :

يقول : إن إيماني بحرية المرأة ليس له حدود وربما كان أحد دوافعه الأساسية في البداية مستمدا من إيماني بتفرد تجربة أمي ( فاطمة اليوسف ) هذه السيدة التي أثبتت وجودها في عالم الرجال ونجحت في فرض نفسها عليهم وحققت مالم يستطع كثير من الرجال أن يحققوه .

ولا شك أن الأستاذ إحسان ليس مستوعبا لأبعاد هذا المعني وحقيقته فالسيدة فاطمة اليوسف كانت ممثلة شهيرة كان لها في مال المسرح خصوم وصداقات وقد رأت يوما أن تحارب خصومها بأن تخرج مجلة تهاجم فيها هؤلاء الأعداء بسلاح الصحافة هذا كان هو الهدف الأول ولكن المجلة تغير اتجاهها بعد أن رغب حزب الوفد في أن يتخذ منها منبرا سياسيا عن طريق أسلوب الكاريكاتير في مواجهة مجلة الكشكول التي كانت تصلي حزب الوفد نقدا شديدا ولم تكن السيدة روزاليوسف كاتبة أو صحفية في الحقيقة وما نسب إليها من مقالات أو مذكرات فإنما هو بقلم بعض أتباعها وتلاميذها وهو يحوي وجهة نظرها إلى الأمور ولكنه ليس بقلمها .

ولذلك فإن ما يذكره إحسان عبد القدوس في هذا المجال في حاجة إلى مراجعة ولابد أنه كان للسيدة فاطمة اليوسف دور ودور خطير في حياة ابنها إحسان : يقول تحت عنوان " أمي ":

أن أمي لا تريد أن تنسي أنها تعتبت في حملي تسعة أشهر فتطالبني بالتكفير عن هذه الشهور التسعة طوال حياتي كنت مقتنعا بأن أمي تعاملني معاملة فراخ التقفيصة تطعمني ما شاءت وتذبحني إذا أرادت مع اعتقادها أن (لكي) الكلب أشد إخلاصا لها مني .

ومع اعتقادي هذا نتيجة وقائع وظروف أحاطت بي فقد تفتح وعي فإذا بي بين يدي أم ليست ككل الأمهات . أم ليس لها نعومة السيدات ولا ضعفهن نحو أبنائهن ولا يستقيم مع أخلاقها تدليل الأطفال ومناغاتهم بل كانت أما طاغية طغيان مارد عنيدة عناد جبار .

ولا شك أنها سهرت بي الليالي كما سهرت كل أم , ولكن كل ذلك حدث قبل أن أعيي وقبل أن يتنبه إحساسي , وإنما تفتح وعيي وتنبه إحساسي فإذا بأمي هي السيدة فاطمة اليوسف صاحبة مجلة روزاليوسف الأسبوعية ثم اليومية وإذا بها تخاصم حكومات وتناضل زعماء وأحزابا وإذا بها تستدعي إلى النيابات ويحقق معها كل يوم ثم تسجن في إحدى المرات .

وأحسست بالجفاف الروحي وسط هذا الجو الذي أعيش فيه ولم أكن أري أمي إلا ساعة الغداء وكان يحز في قلبي أن أري طفلا تلاعبه أمه في حديقة أو تسحبه من يده أو تضمه إلى صدرها ومن حق أمي على أن أذكر أن عملها لم يفقدها حنان الأم فقد كانت تعود في المساء فتجلس إلى جانب سريري لتطمئن إلي , وربما كانت ساعتها تناغيني وتقبلني ولكني في هذه الساعة أكون نائما وقد أرادت أمي أن تخلق مني صحفيا بنفس الطريقة التي خلقت بها صحيفتها فعينتني محررا في مجلتها وخصصت لى راتبا شهريا ينقطع إذا انقطعت عن التحرير فإذا حاولت أن أعاملها كأم ناسيا أنها رئيسة تحرير , أوقفتني نظراتها الغاضبة عند حدي وأخيرا تغلب ما أرادته وأصبحت علاقتي معها لا تتعدي علاقة رئيسة تحرير بأحد المحررين .

والسيدة والدتي عنيدة في عملها عنادا أحس به كل من عمل معها أو اتصل بها وكان على أن أنفذ أوامرها بلا مناقشة وأعتنق آراءها بلا محاولة ولكن من سوء حظي أنني ورثت عنها كل هذا العنا فكنا إذا اختلفنا في الرأي اصطدمنا لم تكن تلين أبدا أو ترحم أعصاب ابنها البكر الوحيد , بل كانت دائما طاغية جبارة ولم تقابلني ابدأ كأم إلا مرة واحدة عندما تذكرت أن من حقوق الأم أن تضرب ابنها علقة فضربتني علقة .

وبلغت مصادماتنا حدا وصل إلى طردي من تحرير المجلة عدة مرات هكذا يصور إحسان عبد القدوس علاقته بأمه , وهي علاقة مضطربة غريبة ولا شك أن اتجاه إحسان إلى هذه الكتابات المثيرة التي يريد بها أن تحدث الدوي هي نتيجة ذلك " الاضطهاد " الذي عاشه في حياته الأولي التي شكلت عواطفه ومشاعره واتجاهاته كلها ولقد كانت الصحافة لإحسان عبد القدوس حرفة ومورد رزق ولم يكن مورد الرزق الصحفي في هذه الفترة إلا أحد عملين : الكتابة السياسية الحزبية التي تؤيد بها حزب ضد حزب وهذا ما كانت تقوم عليه مجلة روزاليوسف وكان صراعها أنها كانت في صف أحزاب الأقلية التي كانت لا تصل إلى الحكم إلا عن طريق الدكتاتورية التي يشكلها القصر مع الاستعمار , وهناك كتابة القصة وهي مصدر توزيع خطير وقد كتب ( محمد إحسان عبد القدوس ) في أول أيامه في السياسة ثم فضل أخيرا أن يقدم لمجلة روزاليوسف مصدرا ضخما من التوزيع وهو القصة الجنسية المكشوفة التي رفعت من توزيع المجلة أضعافا مضاعفة ولم يكن إحسان عبد القدوس يقدم قصصه في غرف سياسي أو وطني إلا ليخدع الناس وليفتح الطريق للفكرة المسمومة في مجال القصة وهي الكشف والإباحية ولذلك فإن إحسان عبد القدوس يكذب حين يقول :

" أنا لست محترفا , أنا من الهواة "

ذلك أن كتابات إحسان عبد القدوس كلها توحي بإشاعة روح الفن كم يفهمه دعاة التغريب جنسا خالصا وهوي متبعا مما جعل كاتبا مثل صبري حافظ يقول : هذا ( ...) الذي أغرق كتاباته في طوفان اللحظة الشبقية ما جعله ينجح تماما في دس أغلب كتبه تحت وسائد المراهقات رغم ضخامة حجم هذه الكتب وغلاء ثمنها غي المبررين ".

ولقد حرص إحسان عبد القدوس فترة طويلة على كتابه خواطر فنية يوجه فيها الراقصات والمغنيات ليصور لهم أصول الفن وقداسته ويقول لهم هذا عيب وهذا واجب وعلى الفتاة فلانة أن تخس كذا كيلو حتى يتلاءم جسدها مع دورها الذي تمثله ولا يعقل أن تظهر البطلة بثلاثة فاستين فقط في مسرحية ولا تبدو في الصباح بثوب نسائي مجرجر.. إلى مثل هذه الكتابات التي تدل على استبطان عجيب لأساليب المخرجين .

ولا ريب أن إحسان عبد القدوس قد دخل في السنوات الخيرة مرحلة أشد خطورة بقصصه في جريدة الأهرام منذ سنة 1974 ذلك أنه كان في الماضي يعايش القصة ويحاول أن يجعل من الخطيئة ظاهرة أساسية في مجتمع أبطاله فهم جميعا منحرفون تدفعهم أهواؤهم وشهواتهم وملاذهم ولم يكن المجتمع في حقيقته كذلك ولكنه كان يريد أن يفرض حالة ( خاصة ) ليجعلها ظاهرة عامة وأن يجعل من التجربة والظروف والخلفيات الفردية منطلقا لصورة عامة ولم يكن في هذا الأمر إلا جريئا على أصول الدراسات الاجتماعية وسنن الأمم والجماعات منكرا لأصالة المجتمع الإسلامي الذي يتميز في مجموعه بالعفة والطهر والخلق والحرص على العرض البكارة والبعد عن الاغتصاب ما عدا بعض حالات ليست أصيلة وليست من شيم المسلمين وأخلاق العرب وإنما دخلت عليهم من الأمم الأخرى والنحل التي حاولت أن تنصهر في مجتمع الإسلام فحملت معها أو شابها وخطاياها وتواريثها إذ لن يستطع الإسلام بعد أن يطهرها وينقيها ويدفعها إلى البحر الواسع بأمواجه الطاهرة فبقيت على حفافي الجداول أمل الموجة الجديدة في قصص وكتابات إحسان عبد القدوس فهو يحاول أن ينقل من الحياة صورة حية للخطيئة فهي لم تعد قصة في مجال الخيال والبناء الفني وإنما هي أشبه بواقع منتزع من الحياة نفسها فكل الذين يكتب عنهم يدعي أنه قابلهم فعلا ودخل معهم في تجربة "المطاردة والاغتصاب " هذه الطبيبة الانجليزية التي قدمت جسدها للعبد الأسود الأفريقي, أو تلك المهاجرة من بور سعيد إلى القاهرة أو تلك الفتاة البدوية التي كانت طالبة داخلية في أحد معاهد العاصمة العربية .

كل هؤلاء نماذج جديدة حية من الرجال والنساء يلغون في الخطيئة – تلك الظاهرة التي يراها إحسان عبد القدوس طبيعية في المجتمع العربي وفي كل المجتمعات البشرية ويعجب كيف يدسونها أو يكتمونها , وأن ظاهرة المرأة الخاطئة وظاهرة الخمر وظاهرة تقديم الجسد عن رضي لأى رجل لم تعد في تقدير إحسان عبد القدوس بالأمر الذي يستلفت النظر وكأنه يريد أن يقرر ظاهرة جديدة في المجتمع العربي : هو انتهاء طابع الغيرة والحفاظ على العرض من هذا المجتمع الإسلامي الأصيل وبروز بادرة الرغبة والشهوة من المرأة إلى الرجل , فا تزال المرأة متصونة ومتعززة ومطلوبة ولم تصل إلى مثل هذا الانحراف الذي يعرفه المجتمع الغربي الذي ينقل منه هذه القصص بعواطفها وأحداثها وتحدياتها وما يوجد لدينا من انحراف إنما يتمثل في نماذج قليلة من بنت من أمهات منحرفات أو لسن مسلمات على الأصح .

إنما يحاول إحسان عبد القدوس وطائفة من الكتاب اليوم في إصرار عجيب على تقديم صور الجنس وقصصه وأحاديثه ومع كوكبة من أمثال لويس عوض ونجيب محفوظ ومصطفى أمين ويوسف إدريس في نفس الوقت الذي أخذته فيه ظاهرة المرأة المسلمة المحتشمة تبدو واضحة في كل مكان على أنها واقع أصيل يصفع الدعاة إلى الشهوات والآثام وقد علقت مجلة المجتمع الكويتية في عددها ( 18 -1 – 1977 ) على قصة إحسان عبد القدوس ( خذني من هذا البرميل ) فقالت :

إحسان عبد القدوس أحد المسئولين عن إفساد هذا الجيل بما كتبه من روايات تجر الشباب جرا إلى القاع , وتقتل فيهم نوازع السمو والسعي نحو مستوي خلقي أفضل إنه يرضي مظاهر واتجاهات الانحراف فيشجعها ويمجدها ويفلسفها ويرصد اتجاهات الاستقامة والفضيلة فيخذلها ويصد عنها ويحاربها ولقد فسر بعض المفكرين هذا السلوك الذي يضيق بالطهر ويفرح بالانحطاط فاكتشف أن هذا الشخص ينطلق من عقدة خاصة تدفعه إلى تلويث المجتمع كله بالرذيلة وأنه يمضي في طريقه تحت شعار : لتسقط متحدين . وفي جريدة الأهرام نشر كاتب الرذيلة قصة من ثلاث حلقات عنوانها : أرجوك خذني من هذا البرميل .

والقصة عن امرأة من الكويت صورها مختنقة في برميل من البترول وتريد الخروج منه وفي الحوار الجاهلي الطويل حول الخروج من البرميل والبحث عن حواجز بث ما يريد بثه من أفكار السقوط والجرائم الأخلاقية وفي الحوار أيضا لجأ إلى أسلوب التعميم فجعل الكل يبحث عن حواجز ويعمم الأحكام حين يقول عن بطل القصة على لسانها : إنه كان رجلا من الكويت يستأجر كل ليلة امرأة دون أن يحس بأنه يخون زوجته .

وفي ثنايا الحوار نقمة على الكويت كله ونحن كما ندين كتابات هذا الشخص الرامية إلى إفساد المجتمع المصري ندين قصته هذه ولا ننكر أن في المجتمعات انحرافات لكن هذا شئ والرغبة في الإفساد تعبيرا عن عقد مرضية وأحقاد مهتاجة شئ آخر إن القصة هجوم سياسي صيغ في أسلوب فني ".

وكذلك هناك قصة إحسان عبد القدوس التي يقول على لسان بطلها عندما أراد أن يتزوج عشيقته اليهودية :" أنت تستطيع أن تتزوج دون أن تغير دينك إنها أنانية الإسلام البنت المسلمة لا تستطيع أن تتزوج غير المسلم ولكن الرجل المسلم يستطيع أن يتزوج من كل الأديان ".

والحقيقة أن هذا الكلام تشويه للإسلام لأن الشريعة الإسلامية هي خير الشرائع عامة وفي النواحي الاجتماعية خاصة وقد أسلم كثيرون لفك قيدهم الاجتماعي من الأديان الأخرى .

والإسلام حينما ينادي بأنه لا زواج للمسلمة من غير المسلم فذلك حكمة عظيمة وهي ألا تمتهن المرأة المسلمة ولا يكون لغير المسلم عليها ولاية وحتى لا ترتد يوما عن دينها وحتى لا يخرج أبناؤها على دين أبيهم اليهودي أو المسيحي أما أن يتزوج المسلم من الكتابية فإن الرجال قوامون على النساء وباستطاعة الرجل أن يؤثر على زوجته فتتبع دين الإسلام مثله أو على الأقل ينضم الأبناء لدين أبيهم وهو الإسلام والواجب أن نظهر للناس هذه المعاني لخير الأديان بدلا من تشويه صورته التي يحولها بعض ذوي الأغراض إلى طعنات قاتلة للنيل من ديننا .

وفي ضوء مفاهيم إحسان عبد القدوس المنقولة من كتاب الجنس الغربيين والتي تعتمد أساس على مفاهيم فرويد الزائفة التي كشفت الأبحاث الميدانية والعلمية عن ضلالها ينطلق إلى مفاهيم غاية في الفساد والاضطراب ومن ذلك أن الموت راحة وان الانتحار ليس جبنا أو هروبا أو كما يقول : إنه عندي إقرار بالشبع وبأنك لم تعد تحتاج من الدنيا أكثر من ذلك ولا أطول .

وليس أدل على فساد عقلية إحسان عبد القدوس من مثل هذا القول الذي يضاف إلى دعواه العريضة بأنه بقصصه يعلم الفتاة ويجعلها أكثر قوة على مواجهة الحياة ومتى كان تضليل المرأة عن مهمتها وعن حق الله عليها وعن الطهارة والعفة هو توجيه لها لتكون أكثر قدرة على مواجهة الحياة .

فإذا أضفنا إلى هذا أن مجلة روزاليوسف في خلال رئاسة إحسان عبد القدوس قد روجت لكثير من الدعوات الهدامة ومنها العلمانية والبهائية والإباحية وآية ذلك ما نشرته روزاليوسف ( 17 سبتمبر 1956 ) يتحدث عن أن عددا كبيرا من المؤمنين بالدين البهائي ولكنهم لا يعلنون عن إيمانهم مكتفين بإتباع التعاليم في السر وكل ما نعرفه أن يمصر والسودان خمسة عشر محفلا ويقول المقال لكي تكون بهائيا يجب أن تؤمن بموسي وعيسي ومحمد وبالتوراة والإنجيل والقرآن ثم ببهاء الله وكتابه الأقدس .. إلخ

بل إن إحسان عبد القدوس " يسرق " من استيفان ذي فايج يصل إلى أبعد منه جرأة وإباحية يقول الدكتور مندور أن زفايج قصد في قصة السر المحرم إلى إظهار هذه الغيرة الاجتماعية على الشرف ولا أدل على ذلك من أن زفايج قد جعل الطفل يرفض أن يبوح لأبيه بسقوط أمه وجريمتها المخلة بالشرف , أما إحسان فقد اكتفي باستحياء الإطار العام للقصة والذي راقه كان فيما يبدو هو استسلام الزوجة للذة الآثمة أكثر من معني الشرف عند الطفل الصغير وذلك بدليل أن الطفل في قصة إحسان قد اكتشف بسرعة سقوط أمه وهنا كان الواجب أن تثوب الأم إلى رشدها ولكنا نراها مع ذلك – على يد إحسان – تعود فتلتقي بعشيقها في الأحراش وتستسلم له مرة ثانية وهذا هو أسلوب التوغل في المسائل الجنسية .

ويكشف يوسف إدريس عن هويته واضحة تجاه الأدب العربي كله حق يدعو إلى نبذ التراث العربي كله وإلقائه في البحر أو إحراقه حيث يقول في مجلة البلاغ الأردنية أن تراثنا تحريفات وزخرفات لغوية وان التراث سخيف وليس فيه شئ للقراءة .

ويقول : أنا قرأت عشرات من كتب التراث ولم أع منها فكرة واحدة باستثناء بعض الكتاب أمثال الغزالي وابن رشد ولذلك يجب أن تحرق كتب التراث كلها .

والواقع أن أكثر الناس جهلا هم أجرأ الناس على الاتهام ومن جهل شيئا عاداه والواقع أن يوسف إدريس لم يقرأ شيئا من التراث لأنه ليس له أرضيه أساسية لمثل هذا فهو قد شكل نفسه على قراءة بعض القصص الأدبية الماجنة والإباحية ومنها استمد مفاهيمه ثم عرف الفكر الماركسي فخلق ذلك كله في نفسه العداء للفكر الإسلامي الذي لم يعرفه وإن كان قد ذكر اسم الغزالي وابن رشد فلكي يعلي من شأن نفسه وإلا فأين ابن تيمية وانب حزم , وابن القيم والشافعي ومالك وأبو حنيفة والجاحظ وعشرات من رواد التراث الأعلام والواقع أن هذه صيحة عداء وخصومه للفكر الإسلامي يحملها كاتب ماركسي يساري لمك يكن شيئا حتى أعطاه الدكتور طه حسين صك الشهرة والظهور وهو من أصحاب الأفكار الإباحية التي يروجها سارتر وكامي وكافكا وكل المنحرفين وليس إلا واحدا من هؤلاء الذين ظهروا خلال فترة المد الماركسي في العالم العربي وهو نبت هش لا جذور له ولا قيمة له ولا وزن له في ميزان القصة أو النقد .

وما نعرف كاتبا يحترم نفسه يهاجم تراث أمته على هذا النحو إلا إذا كان متعصبا ضد هذه الأمة كارها لفكرها خادما لأهداف أعدائها , بل إنه لا يمكن لكاتب يقدر مكانته في أمته ويكتب بلغتها يقول مثل هذا القول بل إن أعتي المستشرقين غلوا وأكثرهم تعصبا وأشدهم كراهة للإسلام والقرآن واللغة العربية لم يصرح بمثل هذه العبارة وإن كان يستبطئها في أعماقه وهذا يدل على الحمق على أن الكاتب قد باع نفسه ولم يعد له سهم واحد من المكانة في أمته ذلك لأن التراث الإسلامي قد اعترف بمكانته أشد أعدائه عداوة له بعد أن تكشف مدي الأثر الضخم الذي تركه في الفكر الغربي والفكر العالمي سواء في مجال التقنية والعلم أم في مجال العلوم الاجتماعية أم في مجال القانون والتشريع باعتراف عشرات من أعلام الغرب المتخصصين مما يصفع يوسف إدريس ويثبت تبعيته وتعصبه وحقده على الفكر الإسلامي الأصيل .

وهكذا يكشف كتاب القصة عن حقيقة واضحة هي أنهم أعجز الناس عن التفكير في أفق المجتمع الإسلامي أو دراسة قضاياه لأنهم يعيشون في أعماق القصص الغربي وقضاياه كما تعيش الأسماك في أعماق المحيطات .

وذلك من تفاهة الصحافة العربية التي تحاول أن تفرض على القصاصين والممثلين والراقصين أن يقولوا رأيهم في قضايا المجتمع ماذا يقول هؤلاء للناس وهم ينظرون إلى الحياة من جانب الطراوة والرخاوة والاستهانة بالقيم واستنقاص الجد والبحث عن الدعابة والفكاهة .

وبعد فهل يمكن لكاتب القصة أن يكون كاتبا اجتماعيا على النحو الذي تري الصحافة وقد استخدمت فيه نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس ويوسف السباعي لا ريب أن هذا التركيب الثقافي الخيالي القائم على الأرضية الواهمة الخيالية التي كونتها مدرسة القصة الجنبية بأساطيرها وأوهامها وخيالاتها ومفاهيمها وما يتصل بها من نظرة للمجتمع لا تقوم على العقيدة ولا تؤمن بالأخلاق ولا تحنو على الفضائل ويمكن أن تسخر من كل شئ وتعمل على إبراز الجوانب المثيرة والخاطفة والإباحية في المجتمع وغلبة طابع التطلعات المكشوفة هذا التكوين الذي عرفه هؤلاء القصاص كيف يمكنهم من أن يكونوا قادة في الفكر السياسي أو الاجتماعي لقد كانت عملية الكتابة السياسية في بعض الظروف " تكأة " أو حجابا أو ستارا يستترون به باسم الوطنية ليمكنهم من إذاعة الجوانب المريضة والمنحلة في قصصهم ولذلك دخلت السياسة إلى القصة للخداع والتمويه وقصص نجيب محفوظ إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي السياسية والوطنية كانت تحاول أن تحمل طابع الحماس الوطني لتغطية الفساد الاجتماعي المبطن الذي تهدف إلى تقديمه للقارئ من خلال هذه الهالة الوطنية الكاذبة .

الباب السادس: الصحافة وتغريب المجتمع

أولا : الصحافة وتغريب المجتمع

ثانيا : كتاب التغريب


الفصل الأول: الصحافة وتغريب المجتمع

(1)

كان من نتائج العمل الخطير الذي قامت به الصحافة أن تشكلت مدرسة تؤمن بهذه القيم وقامت طبقة من الصحفيين المحترفين الباحثين عن التوافه والجرائم والإثارة , وقد زحفت هذه الطبقة إلى صحف البلاد العربية تحمل هذه المفاهيم المسمومة وتستأجر نفسها لهذا الأسلوب التغريبي المدمر القائم على الإغراء الإباحية والبحث عن التفاهات والغرائب .

فقد ظهرت في مختلف البلاد العربية مجلات تتولي تحت ستار الفن وأهله تمييه الخلق الإسلامي وتذويب الشخصية الإسلامية وضرب كل القيم وهي مجالات جنسية وإباحية تعمل على الفتك بأخلاق الشباب والشابات من المسلمين وإغرائهم بالتحلل وتزيد لهم المعاصي والرذائل من كل لون .

وقد وقعت مجموعة جريدة الأهرام ( هيكل , لويس عوض , توفيق الحكيم , حسين فوزي , نجيب محفوظ , أحمد بهاء ) في هذه المرحلة في مواجهة الدعوة لاتخاذ الإسلام أساسا لقيام نهضة حضارية عصرية في البلاد العربية تكون هي منطلق نداءات الوحدة والتضامن مع بروز الطابع اليساري الماركسي العلماني الذي كشفته الندوات ورفض التيار المطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية وجعلها أساسا لقيام مفهوم جامع للأمة العربية الماركسية والرأسمالية على أى انتماء أصيل وكانت روح الحقد والكراهية للإسلام واضحة في مختلف الكتابات فضلا عن محاربتهم للمجلات الإسلامية والعربية والدعوة إلى إيقافها ( الرسالة والثقافة )

وكان طابع العمل الصحفي واضحا عبارات محددة كتبها أحمد بهاء الدين كأنما هي دستور للصحافة العربية في هذه المرحلة قال أحمد بهاء الدين : لابد من مواجهة الدعوات الإسلامية في أيامنا مواجهة شجاعة بعيدا عن اللف والدوران وإن الإسلام كغيره من الأديان يتضمن قيما خلقية يمكن أن تستمد كنوع من وازع الضمير , أما ما جاء فيه من أحكام وتشريعات دنيوية فقد كانت من قبيل ضرب المثل ومن باب تنظيم حياة نزلت في مجتمع بدائي إلى حد كبير ومن ثم فهي لا تلزم عصرنا ومجتمعنا ".

وكانت هذه صيحة تلك المرحلة والعلامة البارزة التي سبقتها النكبة ولحقتها النكسة وهي ليست صيحة دعاة الحضارة الغربية ولا الاستعمار وإنما هي كلمة كل أعداء هذه الأمة ماركسيين وصهيونيين وغربيين ذلك القول المردود بكل دليل القول الباطل بأن الإسلام لا علاقة له بحياة المجتمع ولا تنظيمه لا دخل له في التشريع ولا في الأحكام والعمل على إبعاد القرآن والسنة وكل ما جاء به الرسول من عند الله عن حياتنا الاجتماعية والسياسية على أن يبقي فقط وازعا خلقيا وهذا ما يسمي بتمسيح الإسلام وهي صيحة كرومر وطه حسين وماركس وسارتر وكل أعداء الإسلام .

ولقد كان الماركسيون جميعا يحملون هذه الدعوي ويعتقدون أن ماركسيتهم هي وحدها علاج المجتمعات الإسلامية فإذا بهم داؤها وشرها وعلى أيديهم وفي ظل نفوذهم جاءت القاصمة للأمة العربية في نكسة 1967 ومن الطبيعي أن تكون دعوتهم إلى إبعاد الإسلام لتحل محله الماركسية ولما وجدوا الهزيمة في دعواهم تراجعوا فطالبوا المصالحة بين الإسلام والماركسية من حيث يرون أن الإسلام دين لا هوتي يقوم على مسألة وازع الضمير وتجعل للماركسية وظيفة الحياة وتنظيماتها وكان هذا من الأهواء الكاذبة فإن الإسلام بوصفه دينا ربانيا سماويا لا يقبل المشاركة ولا المقارنة ولا أن يصبح مبررا لدعوات أو حضارات سواء الديمقراطية الغربية أو الماركسية الشيوعية وإنما هو نظام أصيل له ذاتيته الخاصة وهو دين ونظام مجتمع في نفس الوقت وقد قدم منهجا جامعا ونظاما للحياة والمجتمع لن تستطيع أن تلحقه الديمقراطية ولا الماركسية .

كذلك وقفت الصحافة موقف الإغضاء والمحافة من رغبات الشعب وعمدت إلى التمويه والخداع فيها وخاصة من التشريع الإسلامي حين وجدت الإحساس الجارف فأخذت تخضعه وتهون من شأنه وتقدم كتابات تحاول أن تحول مجراه وكانت موازراتها لكل وجهة تخالف الشريعة الإسلامية بهدف إسقاط الإسلام من الحساب بالنسبة لتطبيق الشريعة في المجتمع وقضية المرأة حتى يقول زكي نجب محمود في جريد الأهرام من الخطأ الظن بأن التشريع الإلهي قد غطي كل معضلات الحياة ووقف توفيق الحكيم يدعو إلى تطوير الشريعة لتلائم الزمن ودعا غيره إلى أن تكون الشريعة مصدرا من مصادر متعددة وليست المصدر الوحيد وفتحت أبواب كثيرة للقول بأن القيم مرتبطة بالزمن وذلك للغض من شأن ثبات الشريعة , وهناك الدفاع عن الربا وسندات الاستثمار وهي محاولات ترمي إلى تطويع الشريعة للواقع الاجتماعي الفاسد في المجتمعات الإسلامية وهناك موقف الصحافة من تحديد النسل والصفحات الواسعة المخصصة للكلام نعن الانفجار السكاني وتحليل شراب البيرة وإخضاع المجتمعات والاقتصاد لمغريات السياحة من الخمر وغيرها من الموبقات بوصفها مصادر للموارد المالية .

ويمكن القول بأن أخطر ما تدعو إليه الصحافة وتلح عليه وتعمل له هو تثبيت الواقع الخاطئ الذي شكلته عادات وتقاليد ومفاهيم دخيلة ووافدة استمرت فترة طويلة حتى أصبحت من المسلمات مع الإيحاء باستحالة تغيير هذا الواقع أو الكشف عن زيفة في ضوء الإسلام ومفاهيم الدين الحق واستمرار البناء على هذا الواقع الخاطئ , ومن هنا كانت ضرورة الكشف عن هذه الزيوف وخلفياتها .

ولقد كان فصل الدين عن السياسة أخطر الأطروحات التي قدمتها الصحافة لتثبيت النظم الوافدة : سواء الديمقراطية أو الماركسية وكان أول من ابتدعها ونادي بها في البلاد الإسلامية مصطفي كمال أتاتورك وقلده حكام العرب المسلمون وكان وراء ذلك جهد من الاستعمار الذي غذي هذه الفكرة المسمومة وعمل على انتشارها .

وكانت الأطروحة المسمومة هي أن الدين علاقة بين الإنسان وربه على النحو الذي قالت به الديمقراطية الغربية في وجه نفوذ الكنيسة وحيث لا يوجد مثل هذا النفوذ في الإسلام ومن حيث إن الإسلام دين ومنهج حياة فإن هذه الأطروحة ضالة مضلة ولقد كانت هي أول الطريق للسخرية والانتقاص من كل ماله طابع ديني أو روحي أو إسلامي في مختلف مجالات المجتمع أو الأسرة أو الحياة العامة بهدف إفساح الطريق أمام المخططات الأجنبية القائمة على الربا والخمر والزنا وتدمير المجتمعات بقصد السيطرة عليها وامتلاك ثرواتها وتهريبها إلى خارج البلاد وخلق طبقة تخده هذا النفوذ .

وفي الفترة التي استغلت فيها الماركسية وسيطرت كانت الحملة حامية على الأزهر والمنظمات الإسلامية وكان كل كلام مسموم يهاجم المرأة التي تلبس الملابس الإسلامية مع الانتقاص من حقوق الميراث والشهادة والقول بأن حركة عظمي من حركات الإصلاح الاجتماعي والعدالة الاجتماعية تدعو إلى العدالة والمساواة .

ولقد بالغ دعاة الماركسية إبان تسلطهم على الصحافة وغلوا في الدعوة بمفهومهم المسموم حتى قال أحدهم أنهم ورثة محمد ( صلي الله عليه وسلم ) مع أننا نعلم علم اليقين أن الماركسيين واليسار ودعاة الشيوعية والإشتراكية في البلاد العربية نشأوا وترعرعوا في أحضان اليهودية العالمية وبرعايتها بل بزعامتها وأن زعماء الحزب الحزب الشيوعي في مصر والعراق وسوريا ولبنان كانوا يهودا .

يقول لطفي الخولي : إن اليسار في مجتمعنا هو الوريث الحقيقي لدين محمد ابن عبد الله ولدين عيسي بن مريم ولفضل أبي بكر وعمر وهي محاولة فاسدة وكاذبة ومضللة ترمي إلى رفع دعاة الشيوعية من الحضيض إلى قمة الأنبياء والصحابة وقادة الفكر وهيهات أن يصلوا إلى مستوي أقدامهم أو أفعالهم .

وقد ارتبطت هذه الموجة المسمومة في الصحافة العربية بالدعوة الصهيونية التلمودية لأنها شقها الثاني ولأن الترابط بينهما واضح وأكيد وكلها ترمي إلى التركيز على المادية والفردوس الأرضي وصدق القائل بأن الدعوة إلى الله كانت تدعو إلى الخير والصبر والعزاء والأمل فلما ظهرت الشيوعية دعت إلي عبادة الأفراد وجسدت الدعوة في أشخاص يحقدون على البشرية وعلى مقتهم اليهودي كارل ماركس وكما عبد بنو إسرائيل العجل الذهبي عبد الشيوعيون العجل اليهودي , ومن هنا نشأ تفسيرهم للتاريخ والتصقت التعاليم الشيوعية بالمادة دون غيرها لأن العقل اليهودي لا يمكن أن يسمو ويرتفع إلى ما فوق المادة التي عبدها وكرس حياته وقصرها عليها"

ولعل أخطر دعاوي الصهيونية والماركسية مجتمعة ما أعلن عنه كامل زهيري حين قال للأستاذ على الجندي : إننا نريد أن نهدم القديم كله التراث كله وليس الشعر فحسب .

وعلى يد الصحافة العربية ظهرت كل دعوة إلى تدمير التراث الإسلامي وكل نظرية تفصل العرب عن تراثهم وتضعهم في نهج جديد مستقل تحت اسم الفكر العربي المعاصر أو الثقافة العربية فضلا عن تاريخ أربعة عشر قرنا من الفكر والأدب واللغة ولقد باءت هذه الدعوة بالفشل كما باءت الخطط التي سارت عليها تجربة القومية العربية وهي التي حققت نكسة 1967.

وقام بعد ذلك مفهوم أقرب إلى الأصالة يربط العروبة بالإسلام وأصبح مكبنا ذلك أن العرب لن يقبلوا وجودا قوميا منفصلا عن الامتداد الإسلامي أو منفصلا عن العقيدة الإسلامية .

كذلك سقطت كلمة الثورة بمفهومها الماركسي ولقد كانت محاولة فرض المفهوم القومي على الثقافة العربية عاملا لحجب طابعها الإسلامي ولجعلها قاصرة في مجال المفهوم الإسلامي الجامع وقائمة معه على مفهوم مادي أو علماني ( وهي فكرة نبعت من لبنان بمحض ظروفه الخاصة ) ولكنها لا تصلح للبلاد العربية ولقد تبين أن تجربة القومية العربية الجديدة التي قادها البعث والناصرية وحمل لواءها ساطع الحصري وميشيل عفلق قد سقطت وأن البلاد العربية منذ 1967 ترسم منهجا جديدا لم يتبلور بعد في إطار التضامن الإسلامي في نطاق المفهوم الإسلامي القائم على الشريعة الإسلامية ولقد سقطت تلك التجربة وفشلت بالرغم من ركام الصحافة الذي توالي سنوات عديدة لأنها عجزت عن أن تحقق شيئا .

وكذلك سقطت تلك الدعوي التي حملها أتاتورك وسعد زغلول وجمال عبد الناصر وشاه إيران وسوكارنو وهي المحاولة التي قام بها الحاكم المسلم المتغرب في سبيل فرض نظام مجمع من أنظمة متعارضة منها الماركسية والديمقراطية وكلها تهدف إلى تدمير النظام الأصيل .

لقد صفقت الصحف لكل هؤلاء بالرغم من أنهم كانوا على غير طريق الأصالة وأكبرت الصحف من شأن من لا يستحق الإكبار واستصغرت من يستحق التقدير أكبرت من شأن الخائنين : مصطفى كمال أتاتورك وغاندي وسعد زغلول والمعلم يعقوب .

وكرمت البطولات الكاذبة عبد الحليم حافظ وأم كلثوم ويوسف وهبي وطه حسين .

لقد أخرج سعد زغلول أسلوب العمل السياسي عن منهجه الأصيل وكما كان عليه من قبل ملتمسا مفهوم الإسلام فجعله معتمدا على أسلوب الغرب وأقام العمل على أساس الولاء للغرب أو الإعجاب والمتابعة وإنكار أسلوب الإسلام وإهماله مع أنه كان من المتعلمين من الأزهر ( شأن طه حسين)

ومن وراء هذه الفتنة الجديدة سار حكام البلاد العربية والإسلام وقد أمكن عن طريق هذه النماذج أن يقدم أسلوبا مغايرا لأسلوب الفكر السياسي الإسلامي والفكر الاجتماعي الإسلامي والفكر الاقتصادي الإسلامي .

بل إن كتابنا الذين خاصموا الاستعمار الإنجليزي في السياسة كانوا تلاميذ في الفكر فسرعان ما أصبحت هناك مدرسة فرنسية ومدرسة إنجليزية ثم جاءت مدرسة أمريكية ومدرسة روسية .

وكانت هناك الدعوة إلى إحياء حضارة البحر الأبيض المتوسط ..

وكانت الصحافة العربية حاضنة الدعوة الإقليمية ثم الدعوة القومية المفرغة من القيم الإسلامية وكانت الدعوة الوطنية وكانت الدعوة إلى إحياء الفرعونية والفينيقية .

وحملت الصحافة لواء الدعوة إلى كتابة التاريخ من وجهة نظر مصرية محضة :

محمد رفعت شفيق غربال محمد صبري وكان هدفها هو إعلاء شأن مصر على الدولة العثمانية والعرب ومحاولة القول بأن مصر ليست عربية وأن الإسلام لم يؤثر فيها ثم اعتمدت القومية المصرية الضيقة مدخلا وهدفا مما يتعارض مع الوحدة العربية من ناحية ومع الوحدة الإسلامية من ناحية أخري .

ومصر في الحقيقة لها طابع عربي وطابع إسلامي وما يقال أن علاقتها بالعرب والإسلام كانت علاقة غزو أجنبي هو محض كذب وكذلك القول بأنها ظلت محتفظة بمقوماتها قادرة على تجتاز محنة الاحتلال كل هذا الكلام لا يقوم على أساس ما لم يكن معلوما أن الإسلام هو مصدر كل قوة وقدرة على المقاومة .

وكانت الصحافة العربية ضالة ومضلة في اعتمادها على دعاوي الجنس والعنصر والإقليمية مدخلا إلى الفكر بعد أن جعل الإسلام وحدة العقيدة والثقافة أساس فالثبات أمام الغزاة مصدره العقيدة هذه التي حكمن بامتصاص الدخيل أو إجلائه عن الأرض هذه العرافة المصرية كلها مصدرها الإسلام وليس أى شئ آخر ولا ريب أن العقيدة الإسلامية هي المناعة الوحيدة دون الانصهار في الفكر البشري الوافد .

ولا ريب أن الصحافة العربية كانت مسرفة في الانحراف في احتضانها لمفاهيم الأقليات والقوميات وما تناثر منها من دعوات متعددة ومتضاربة دعوة ترفض الأقلية والقومية معا وتنادي بالفكرة العالمية الغربية ودعوة أقلية ترفض القومية العربية إيثارا لوطنيات ضيقة باسم الفرعونية والفينيقية والآشورية ودعوة للقومية العربية أوربية الشكل والمضمون ودعوة للقومية العربية ترفض الدين وتشترط هذا الرفض , ودعوة لاتحاد العرب داخل إرادة الحكومات ( الجامعة العربية ) ودعوة للقومية العربية يتبناها الماركسيون مفرغة من مفهوم التاريخ واللغة والتراث كل هذه الدعوات تعمل في محاولات لمواجهة الفكرة الأساسية : فكرة وحدة العالم الإسلامي وجامعته .

وقد كانت الدعوة إلى تفسير التاريخ الإسلامي تفسيرا قوميا وتصور معارك الإسلام وكأنها محاولات للقومية العربية المضللة .

وقد حملت الصحافة العربية سموم فكرة أخري : تجري لتصوير معارك حطين والقدس ودمياط والمنصورة وعين جالوت على أنها معارك " عربية " أو مصرية ضد القوي الأجنبية الغازية مع إخفاء وتجاهل وحجب البعد الإسلامي والتسلسل التاريخي وقضية الخصومة والخلاف بين الغرب وعالم الإسلام وهذه محاولة مسمومة ذلك أن هذه المعارك ( حطين 583, القدس 583, دمياط 615,المنصورة 648, عين جالوت 658) هي منطلق لمعركة ضخمة بين الغرب المسيحي وعالم الإسلام وأنها كانت تستهدف اقتلاع هذا الإسلام من جذوره .

كذلك فإن هناك من يحاول تصوير " حملة نابليون " على أنها حملة عسكرية استعمارية في صراع بين فرنسا إنجلترا على احتلال مصر وهذه نظرة قاصرة للأمور .

وكذلك فقد أخفت الصحافة العربية كثيرا من الحقائق :

أخفت أن اليساريين والعصريين في كل العصور كانوا من أصحاب الولاء الغربي والتابعين فعلا للمحافل الماسونية أو المنظمات الشيوعية ولم يكن لهم ولاء وطني أو عربي أو إسلامي واضح وأن شبلي شميل كان يدافع عن الإنجليز مع أصحاب المقتطف والمقطم وكان سلامة موسى على ولاء واضح للنفوذ الأجنبي وكذلك طه حسين ولويس عوض وجبران وفرح أنطون والصحفيون المارون أما اليساريون المحدثون فمعروف ولاؤهم وتبعيتهم وهم جميعا بدائل الإرساليات التبشيرية وثمرتها .

وفي الوقت الذي كان طه حسين يدعو فيه إلى المتوسطية كان العقاد يدعو إلى سياسة مصرية ( لا عربية ) المصور 9 -12 -1949.

" ينبغي أن تكون سياسة مصر مصرية على الدوام مصرية قبل كل شئ مصرية في علاقتنا بالأمم العربية ومصرية في علاقتنا بالأمم الأوربية ".

وقد ووجهت الفكرتان بالنقد والتفنيد أما أولاهما فهي تدعو إلى ولاء واضح مع فرنسا التي كانت تقود سياسة الدعوة المتوسطية أما دعوة العقاد فقد كانت تدعو إلى الإقليمية وتجمد المثل العليا وتمزق وحدة العرب

(2)

عمدت الصحافة العربية إلى إحياء التراث القديم السابق للإسلام ( الوثني والفرعوني والهليني) واعتبرت هذا الإحياء تقدمية وعصرية بينما وقفت من تراث الإسلام موقف التشكيك والسخرية والانتقاص. والواقع أنه لم يكن قبل الإسلام إلا تراث الأجيال من الوثنية والخرافة ولجهل والبغاء والربا والقمار ومعاقرة الخمور واضطهاد الضعفاء والحروب الكثيرة بين القبائل ومئات الشرور الأخر ولذلك جاء الإسلام نقيا خالصا قائما على التوحيد ولم يكن هناك ما يسمي الانفتاح على الفكر البشري الموجود وإنما كان البحث عن الحكمة نتاج العلوم والدراسات , دون أن يختلط هذا بالفلسفات أو الوثنيات أو مقررات الحضارات العبودية الفرعونية والفارسية واليونانية ذلك أن الإسلام جاء محررا للإنسان من عبوديته الوثنية ومن عبودية الإنسان ومصححا للتحريفات والأخطاء التي وقع فيها رؤساء الأديان السابقة , ومن هنا فقد كان من الخطأ تلك الحملات التي حملتها الصحافة تحت اسم تقارب الأديان أو وحدة الأديان وكان ذلك من صنع الاستشراق ذلك أن هذه الأديان قد حرفت وجاء الإسلام بالدين الحق كرة أخري وأن بين الأديان فروقا عميقة , وقد تلتقي في بعض القيم الأساسية ولكن التحريف غالب على المفهوم العام " ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين " ومن هنا تجئ تلك الأخطاء والشبهات التي تردد وكأنها المسلمات وأهمها خطأ القول بأن ترجمة المأمون للفكر اليوناني كانت خطوة صحيحة على طريق الفكر والحضارة الإسلامية ذلك لأن ما دعا إلى ترجمته المأمون لم يكن من العلوم الطبيعية وإنما كان إحياء لعلم الأصنام عند اليونان وللوثنيات والأساطير .

إنه ليس تراثا إنسانيا ولكنه ركام بشري ولقد جاء الإسلام " ليظهره على الدين كله " ومن هنا خطأ مسألة الانفتاح على الفكر اليوناني والروماني والفارسي والهندي والاستفادة منه .

ولقد عمدت الصحافة إلى تبرير فساد الفلسفة المادية والطبيعية على السواء لأنها تقوم على افتراضات ومعتقدات من شأنها إثارة القلق أو الشكوك لم يصل أصحابها إلى شئ عن طريق أسلوبهم المادي ومنحاهم الوثني وما حاجتنا نحن إلى ذلك حيث يريد زكي عبد القادر أن يحبب إلينا هذا الركام من خلال ضلال الفلاسفة ونحن نملك أهدي منهج وقدم لنا الحق تبارك وتعالي مفهوما كاملا للغيب فلم نعد في حاجة إلى البحث الذي تعوزنا أدواته ولا نمتلك مقوماته والذي لم يحقق على طول هذا لزمن الذي قطعه الفلاسفة شيئا وما هذه الفلسفات إلا احتلال يريد أن يبرره زكي عبد القادر ويحسنه في نظرنا لندخل في ذلك التيه حين يصفه بأنه " يشحذ العقل ويضئ الفكر ويملأ القلب ".

هؤلاء الذين لا يقدمون لضال كلمة الله أبدا فإذا سألهم عن النجاح أو سألهم عن الانتحار أو سألهم عن القلق لم يقولوا له الكلمة التي هي الترياق لأنهم لا يؤمنون بها .

يقول زكي عبد القادر ( 1-11 -1978) :

" العالم كله مضطرب ومتلعثم في الأدب والسياسة والاقتصاد والاجتماع .

وهو مضطرب في العلاقات بين الأفراد والعلاقات بين الطبقات أنظر إلى الصداقة والحب والكراهية انظر إلى الزواج والعلاقات الأسرية بين الزوج وزوجه , بين الآباء والأمهات , انظر إلى مفهوم الأخلاق والسلوك ألا تري أنه يتميع ويتداخل انظر إلى الرأسمالية والإشتراكية والشيوعية وانظر إلى علاقة الفرد بالدولة بالمجتمع وانظر إلى مفهوم الحرية ألا تري أنه متميع ومتداخل ومتشابك.."

هذا الكلام ماذا يخدم لماذا إثارة الشكوك حول كل شئ ؟ وما هو العلاج لماذا لم يقدم الكاتب للناس العلاج إن هذا الأسلوب هو أسلوب الماسونية التي تتقنع الآن تحت اسم ( الروتاري ) وهو مفهوم الصهينية التلمودية هذه الدعوة المدمرة إلى إثارة الشبهات وترك الناس بدون حلول .

ومن أخطاء زكي عبد القادر قوله بأن تربية الأبناء الصحيحة وإعدادهم الإعداد الكامل هو محاولة لصب هؤلاء الأبناء في قوالب الآباء وإلزام لهم بمنهج التفكير والتصور الذي نشأوا عليه وأنهم بذلك يقضون على شخصياتهم ويطعنون الإلهام والفتوة والقدرة فيهم من قال هذا إن زكي عبد القادر يريد أن يتابع ذلك اليهودي الذي استشهد به والذي قال أن ابنه له الحق في أن يعرب عن رأيه بحرية ولو خالف وجهة نظره هو .

والحق أن هذه محاولة للإيهام بأن هذا الأسلوب صحيح والواقع أنها محاولة لإقرار مفهوم مضلل وافد ولا ريب أن إثارة مثل هذه الملاحظات وترديدها إنما يوحي بالهدف الذي يرمي إليه زكي عبد القادر وهو متابعة منهج الماسونية الذي يقول مثل هذا .

ويكتب زكي عبد القادر تحت عنوان ( الانفصال عن العصر ) في دعوة مسمومة لترك كل القيم والحدود والضوابط التي رسمتها الأديان في سبيل لخضوع للعصر وهذا ليس إلا مغالطة واضحة للحقائق الأساسية التي يقوم عليها بناء الأمم من أخلاق وقيم وعقائد .

وأن هذا الكلام يعني ما يقوله الماركسيون والماديون والوثنيون من إخضاع الأخلاق والقيم للمجتمعات والعصر ويتعرض زكي عبد القادر لعلاقات المرأة بالرجل والزواج والجنس وأزمة الشباب والجريمة وهو يقصد في هذا أن تتحرر هذه العلاقات من ضوابطها الحقيقية ويقال هذا ويردد في أفق المجتمع الإسلامي وفي الصحافة العربية بهدف واضح هو تدمير المجتمعات خدمة للماسونية وإن كان يقال في حرص شديد ومكر شديد أيضا ومن الأفكار المسمومة التي نشرها كتاب الصحف قول أمين اسكندر  :

" إن مصر حافظت على وجودها وشخصيتها القومية إزاء الأديان . وأن الأديان التي عرفها مصر سواء بالنشأة أو بالانتساب لم تغير من مصر طابعها القوي وإنما تحولت إلى جزء من هذا الطابع كان لمصر مسيحيتها الخاصة وإسلامها الخاص ".

وهذه نغمة مسمومة كاذبة فليس هناك إسلام مصري مختلف ليست مصر كما يقولون أخضعت الإسلام الحقيقة أن روح الإيمان التي عرفت في مصر قبل الإسلام وقبل المسيحية إنما هي ثمرة من ثمار الحنفية السمحاء التي حمل لواءها دين الله الإسلام الذي دعا إليه سيدنا إبراهيم عليه السلام وهو صاحب كل الميراث الخلق والروحي الذي غرفته المنطقة العربية قبل الإسلام بألف وأربعمائة سنة وهذا هو ما كان موجودا في مصر قبل الإسلام ولا ريب أنه من الإسلام نفسه ( هو الذي سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ) ( وأوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ).

ذلك أن هناك علاقة كاملة بدأها إبراهيم عليه السلام في هذه المنطقة بدعوة التوحيد الخالص وختمها محمد صلي الله عليه وسلم وجاءت في ثناياها رسالة موسي ورسالة عيسي وسائر الأنبياء فلماذا هذا التضليل الكاذب بإعلان شأن العنصريات والقوميات والإقليميات على هذا النحو البغيض إن شخصية مصر الحقيقية في جوهرها هي عصارة التوحيد والدين الحق ولم يكن لمصر شخصية أساسية مطلقا قبل الإسلام فقد نبذت مصر الدين واللغة التي امتدت خلال الحضارة الرومانية قبل الإسلام ألف سنة .

ومن هذه السموم التي تبثها الصحافة العربية وصف الغزو الفكري الغربي بأنه خرافة على حد قول محمد عودة الماركسي الذي يدعو إلى ما يسمي " لامتصاص المتبادل لتجارب الآخرين وليس صحيحا أن الغزو الفكري يعني الفكر القادم من الشرق من العالم الشيوعي فحسب وإنما يعني الغزو كل التيارات الوافدة من الغرب ومن الشرق على السواء .

ويكذب عودة حين يقول أنها انهيار المسلمين بدأ حينما أقفلوا باب الاجتهاد والامتصاص الفكري والروحي والحقيقة أن المسلمين لم يمتصوا في الصدر الأول قيما ولكن أخذوا وسائل وأساليب وكان جوهر فكرهم الأصيل هو الحكم على كل الوافد فلما جاءت عواصف الحروب الصليبية والتتار وغيرها كان إقفال باب الاجتهاد بمثابة التحفظ من سيطرة الفكر الوافد نفسه عن طريق الغزو , ولا ريب أن من أكبر الأكاذيب تلك الادعاءات التي نشرها هؤلاء المغرضون بأن الإسلام استفاد من فلسفة أرسطو أو من ماركس وانجلز , أو من غيرهم من المفكرين فقد كان الإسلام وقائما على منهجه الأصيل منذ اليوم الأول, وقد رفض كل هذه المحاولات التي قام بها ابن سينا والفارابي للتوفيق بين الفلسفة اليونانية ومفاهيم الإسلام . وسيظل الإسلام متميزا بطابعه الخاص بالرغم من كل محاولات دعاة الليبرالية أو الماركسية .

وقد كان من المحاولات المسمومة التي قامت بها الصحافة العربية إفساحها المجال للأقلام الماركسية التي تقول بإقامة حوار بين الإسلام والماركسية إذ كيف يمكن قيام حوار بين عقيدة ربانية وبين منهج بشري ولقد كان الإسلام دائما فوق كل محاولة لمقارنته بالمذاهب البشرية سواء أكانت ديمقراطية أم ماركسية تقوم على أهواء البشر وعلى الفكر المادي وعلى الإلحاد والإباحية .

كذلك فقد فتحت الصحافة العربية أبوابها لكتاب تحت اسم الإسلام يحاولون تأويل مفاهيم الإسلام وإبراز الفوارق المذهبية وإحياء الخلافات القديمة مرة أخري فهم يقولون أن الإسلام يختلف باختلاف الشعوب ويختلف باختلاف الأجناس , وأن لكل إسلام طريقا خاصا في فهم القرآن والسنة وحاولوا نشر شروح مضللة تعمل على بلبلة الإفهام حول تعاليم الإسلام ومنهم من دعا إلى تطوير الإسلام بدعوي أن الدين يساير الحياة وهي دعوي باطلة وكل كلام عن التطوير إنما يرم إلى تصحيح سير منهج بشري وضعي أما المنهج الرباني الموحي به فإنه فوق التطوير لأنه بطبيعته جاء موافيا ومتابعا ومصححا لكل العصور والبيئات .

يقول سامي محمود " إن مجرد نظرة إلى هذا الرتل الرهيب من الأسماء يوضح لنا المدى الذي وصل إليه انقسام فرق المسلمين وما فعلته فيهم الفلسفات والجدل والتأويل والكلام هذا الكلام ليس خالصا لوجه الحق , ومبالغ فيه وصاحبه غير قادر على التعرف على أبعاد ما يقول , ذلك لأن هذه الجماعات كانت قليلة جدا وكانت منبوذة من المجتمع وأنها سرعان ما تهدمت وماتت لأنها قامت بالأهواء وكانت متفرقة على طول العالم الإسلامي وعرضه وكانت عاجزة عن أن تكسب لنفسها إلا أولئك الذين تغريهم اللذات أو المتاع المادي وأنهم كانوا يتصلون بها ثم يخرجون منها ساخرين أما المجموعة الإسلامية الضخمة الشاسعة الحاشدة فإنها كانت " سنية " وكانت مؤمنة وكانت بعيدة عن هذا الترف الفلسفي وهذا الضلال الذي شكلته ترجمة الفلسفة اليونانية وكانت منكرة بقلوبها لهذه الزندقة وكان علماء المسلمين على موقف صلب إزاء هذه الشبهات وأن هذه الفرق كانت مرتبطة بالأحوال السياسية على فترات زمنية متباعدة ثم فترت وماتت بعد أن هزمها مفهوم السنة الجامعة حتى جاء الزنادقة الجدد والمستشرقون فجددوها وأثاروها مرة أخري ولا يوجد الآن قدرية ولا صفاتية ولا خوارج ولا معتزلة وان المسلمين الآن ( سواء أكانوا سنة أم شيعة أم متصوفة ) يؤمنون بالله الواحد الأحد .

ولقد كانت الصحافة مؤيدة ومهللة لكل رسالة وكل عمل يعارض مفهوم العقيدة والدين لكل ضال وماكر ومضلل كان ذلك موقفها من كتاب الشعر الجاهلي لطه حسين وكتاب الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق وكتاب الفن القصصي في القرآن، لخلف الله ورسالة أصوات المد في القرآن مؤيدة لكل ما فيه هجوم على الإسلام أو القرآن أو الرسول , مسارعة إلى تأييد الموقف المعارض لحماية العقيدة والدين تحت اسم براق هو حرية البحث العلي .

ومن سموم الصحافة دفاعها عن المبطلين حتى ولو كانوا من الأسماء اللامعة المعارضين لحق الله فهي تفسح محمد التابعي أن ينتقص من الحدود الإسلامية ويقول : إن لكل عصر ما يلائمه وقطع يد السارق لا يلائم العصر الذي نعيش فيه والقانون يعاقب على تجارة المخدرات وعلى الرشوة بالأشغال الشاقة المؤبدة فهل استطاعت هذه العقوبة أن تقضي على الرشوة وتجارة المخدرات وهل استطاعت عقوبة الإعدام أن تقضي على جرائم القتل ومن هنا هل قطع يد السارق يقضي على جرائم السرقة والحقيقة أن المريب يكاد يقول خذوني وأن السارقين وحدهم هم الذين يهتزون في عنف عندما يتحدث الناس عن قطع يد السارق وهم قد سرقوا وأفسدوا وعملوا كل شئ فهم يخافون هذا المصير .

ومن تلك الأخطاء قول الصحافة العربية أن الإسلام ثورة والإسلام في الحقيقة ليس ثورة ولكنه شريعة الله ومعاذ الله أن يعتقد مسلم أن الإسلام هو ثورة اجتماعية فإن معني هذا أن الإسلام مثل الإشتراكية والديمقراطية كذلك الخطأ في القول بأن الإسلام اشتراكية أو ديمقراطية ليس الإسلام ثورة وإنما هو رسالة سماوية ووحي إلهي ودين وشريعة منزلة دستورها كتاب الله الخالد الحكيم ذلك أن الثورة عمل مؤقت يحاول تغيير وضع ثم تنتهي مهمته أما الإسلام فليس كذلك . وإنما هو رسالة ربانية دائمة ممتدة وليست مرحلية وليست علاجا لوضع مؤقت ولو كانت ثورة كما يقول الدكتور محمد الفحام لكان لها طابع عنصري محض , ولكان عملا بشريا لا وحيا إلهيا فالثورة في استطاعة الإنسان القيام بها أما الشريعة فإنها أعلي وأجل وأرفع من أن توصف بأنها ثورة لأنها دين الله الخالد الباقي على اختلاف الزمان والمكان وتعاقب العصور والأيام لو كان الإسلام ثورة اجتماعية لكان عملا بشريا , ولما كان من داع لنزول الوحي السماوي العظيم ولكان في عداد أى ثورة من الثورات التاريخية التي حدثت في العالم للمطالبة بحقوق فرد أو جماعة أو طبقة أو أمة أو جنس ولقد يروق لبعض الكتاب وصف الإسلام بأنه دين ديمقراطي أو اشتراكي وربما سوي ذلك من الأسماء والمذاهب المعاصرة وما كان لدين الله أن يوسف بأى وصف من المذاهب الاقتصادية والسياسية ولا يصح وصفه إلا بما وصفه الله عزوجل " قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا".

(3)

ما تزال الصحافة تمهد لكل الخرافات وتعيد الناس إلى عصر الكهوف والمغاور وإلى العصور التي كان الناس يتشبثون فيها بالأوهام وما يسمي بالأرواح الشريرة والأساطير والسحر وتأثير الكواكب وتتوالي الكتابة في هذا الشأن كأنها حملات مرتبة مستمرة ( 15 – 5 -79 - , 7-5 – 1979 الأخبار ) .

بالإضافة إلى أندية الروتاري والليونز التي لها خلفيات معروفة وأهداف واضحة مع الحديث عن انتصارات وهمية للمرأة .

وهناك ( أخبار الناس ) وما تحمل من سموم , ,ابرز ا فيها الاهتمام بذكريات الممثلات والمغنيات فما تخلو يوما من الإشارة إلى أنه قد مر خمسة أعوام أو عشرة على فلانة أو فلان مع أن هناك عشرات من أعلام هذه الأمة لا يحتفل بهم أحد ولا يذكرهم ذاكر, إن تجديد الذكريات للفنانين والفنانات من دون الناس جميعا يوحي بأنه ليس في الدنيا غير الفنانات والراقصات ومن أخبار الناس خمسة آلاف جنيه عن فساتين لفايزة أحمد وهناك العناية الشديدة بالفندقة أو السياحة التي تحمل ظلال كثيرة من الصور الشائنة .

ومن أخبار الناس : توفي سيد كراوية أشهر عازف طبلة في مصر والذي عمل مع جميع راقصات مصر الشهيرات مثل تحية كاريوكا .

ويعلن مصطفى أمين أنه لو كان له ولد لعلمه ليكون عازف طبلة تقديرا للدخل الكبير , والمقاييس عنده مادية .

وفي مجال الرياضة هناك الدعوة إلى الرحلات المشتركة ( الرجال والنساء ) وهي دعوة تشجعها بروتوكولات صهيون لأنها تفسد العلاقات وتثير الغرائز .

وهناك الاهتمام العجيب بالكاريكاتير وطوالع النجوم والمرة والموالاة الخطيرة للجريمة .

وحين يدير زكي عبد القادر مذكراته عن امرأة لابد أن تكون شاذة , تقول أنها ضائعة بين الانحراف والتوبة , ويقول : أن الإيمان مهتز في نفسها ( أحس أحيانا بأني إرادة الشيطان آويت إليه لعله يعطيني الأمان والاطمئنان ".

هل مثل هذا يقال للشباب والفتيات من رجل يحمل اسمه كثيرا من التوقير وهل يستطيع الشيطان أن يعطي الأمان , ما كان أجدر زكي عبد القادر حين ينشر هذا أن يجعله منطلقا إلى ربط الإنسان بالله , فيقول لها ومتي كان الشيطان يستطيع أن يهدي أو يقدم الخير كان يجب أن تكون المحاولة وصولا إلى الخير وخروجا من الانحراف وليست تبريرا للانحراف أو إثارة للشبهات .

وهناك محاولة القول بأن " روح مصر " أكبر من " روح الإسلام " وأن مصر أرض وعبقرية أولا ثم يجئ الدين والقيم وهذا ما يذهب إليه الكثيرون منهم فهمي عبد اللطيف إنهم يقولون أن عطاء النيل هو الذي كون روح الشعب المصري وهل يمكن أن تتكون روح الأمم من المادة, الحقيقة أن الأديان والقيم هي التي تشكل روح الأمم أما هذه الأهرام الشامخة التي يعتزون بها فإنها تمثل مفهوم دين الفراعنة الوثني ذلك الكلام الخادع : قهر الفناء الذي يحطم حياة الحي وسبعة آلاف سنة الحقيقة أن مصر عرفت التوحيد باكرا وعرفت رسالة السماء في إدريس وإبراهيم وفي يوسف وأنها هي مصدر تلك الأصالة وليس النيل أو الأهرام كما يدعون .

ويتحدث التابعي عن تحضير الأرواح ويتساءل هل هناك حقا حياة بعد الموت ويتساءل عن خلود الروح , وكل هذه عناوين مضللة تهدف إلى نقل التشكيك من دائرة ضيقة هي تحضير الأرواح إلى دائرة أوسع .. تهدف إلى التشكيك في الحياة الأخرى ولو كانت الصحافة تحمل الأصالة لقالت أن الروح من أمر الله وأن البعث حق والجزاء حق .

ويذهب زكي عبد القادر إلى ترديد كلام الباطنية حين يقول أن الله في داخل الإنسان وأن في كل فرد جزءا إلهيا ولا يعرف الإسلام هذه العبارات بل هي من نتاج الهندوس والفراعنة والمسيحية أما المسلمون فإنهم ينزهون ذات الله العليا عن التلبيس بالمادة سموا بها عن المماثلة وأن الله تبارك وتعالي كما وصف نفسه :" ليس كمثله شئ ".

الصور الساخرة ( الكارياتير)

نقلت الصحافة العربية فنا غريبا من فنون النقد الاجتماعي والسياسي هو الكاريكاتير أو الصور الساخرة وهو عمل يقوم لى السخرية من كل القيم ويحارب كل مفاهيم الأصالة في سبيل الله إضحاك القاري وتبدأ الحملة فيه على كل وجه من وجه الخير من نقد لعلماء الدين أو زي المرأة المسلمة أو الغمز للصوم والصائمين , أو الهجوم على شهر رمضان أو إذاعة التفاهات من الكلمات والفكاهات والعبارات النازلة وقد كان من أسوأ هذه الصور كاريكاتير متلوف الذي استمر في مجلة روزاليوسف سنوات في نقد لاذع لكل القيم التي يمثلها عالم الإسلام بل إن صلاح جاهين قد جاوز بعد ذلك كل الحدود حين أجري الكاريكاتير على أعلي قيم الإسلام وجاء مصطفى حسين فرسم الديك وزوجاته التسع وكتب تحته :

( محمد أفندي والزوجات التسع ).

والهدف معروف من وراء هذه الإشارة كما نشرت جريدة صباحية كاريكاتورية رسما للاعب كرة وهو يضرب عمامة أحد علماء الأزهر بدلا من كرة القدم .

وعلى أثر حادث الإرهابيين في فيينا رسم صورة كتب تحتها يصف الإرهابيين بهذه الأوصاف : خديجة مائير , أحمد ليفي , إلى أخر هذه الأسماء لماذا اختار هذه الأسماء الإسلامية الكريمة ليصلها بأبغض الأسماء . وفي المجال الاجتماعي تجد الصور الكاريكاتيرية التي تصور الزوجة على أنها خائنة لأنها لاحظت ثلاثة في الدولاب وهناك الاهتمام بالجريمة والست التي تتطلب الطلاق لأن قلب زوجها مريض.

هذه الصور ليست صور مجتمعنا هذه مظاهر دخيلة علينا وهذا انحراف في الاتجاه يرمي إلى التركيز والتكرار لجوانب خافية ويسيرة يراد بذلك إبرازها وإشاعة أمرها وهي الكارتير المكشوف المتصل بالناحية الجنسية .

هذه الأشياء تمثل شذوذا في المجتمع ولا تمثل طبيعته الحقيقية وليس من الطبيعي أن يبقي الجنس دائما موضوع مناقشة ولماذا يركز الكاريكاتير على العورات , ولماذا يكون منطلقا لحملات التشهير على الحياة الخاصة بالناس .

ولعل من أقسي صور الكاريكاتير ما تعرض للإسلام في جرأة وقبح ومن هذا كاريكاتير صباح الخير عبارة عن شاب وشابة بالمايوه كتب تحتها على لسان الشاب يخاطب الشابة .

- ما تيجي ننزل الميه على سنة الله ورسوله .

- هكذا تغذي مجلة صباح الخير وصحافة الكاريكاتير الشباب بسمومها وتنشر الجنس الرخيص برسومها .

لقد بدأ الكاريكاتير كسلاح للصراع السياسي والتطاحن بين الأحزاب ثم تحول إلى الميدان الاجتماعي فغدا موجها توجيها خطيرا لتدمير القيم وتحطيم الأخلاق وهو كما يعبر عنه قاموس الروس الفرنسي ( عمل صورة لشخص أو لشئ بالقلم أو الفرشاة تدعو للسخرية وفي مفهوم الإسلام :" لا يسخر قوم من قوم عسي أن يكونوا خير منهم ولا نساء من نساء عسي أن يكن خيرا منهن " والكاريكاتير كالمسرح محاولة لتقديم صورة وهميه مضخمة مغايرة للحقيقة تقوم على المبالغة وتقوم على انتقاص قدر الإنسان أو العمل وإذا كان الكاريكاتير يهدف إلى الإضحاك عن طريق تحميل الأوضاع أو الصور غير ما هي في الحقيقة فإنه لا يمثل في ميزان الإسلام إلا الشر المحض لأنها تمزج المبالغة بالسخرية وكلاهم خروج عن الفطرة وعن الطبيعة وعن الأوضاع الصحيحة وليس الإضحاك في مفهوم الإسلام إلا عملا منكرا ومحرما وكذلك السخرية وانتقاس الناس.

وقد وصف الكاريكاتير في الغرب بالمقت لأنه فضح عاهة لا ذنب لصاحبها فيها ومن الحق إغضاء العين عنها ومن ناحية أخري لوقوعه في براثن قسوة لا مبرر لها " أنك لن تضحك من دعاية بل ستتأفف من سقم ذوق وقلة أدب وطول لسان ".

فهذه فنون ضالة باطلة ودخيلة .

ولقد عرف العاملون في الكاريكاتير أنهم جماعة من طلاب " الغياب " عن الواقع بواسطة ما لتصور تلك الأوضاع المنحرفة والضالة التي يرسمونها . وقد جمع بعضهم بين سخرية الرسم وعامية الأداء وعرف بعضهم الآخر بالنرجسية والماركسية .

وينطبق على الكاريكاتير حكم الإسلام على الرسم بصفة عامة على رسم الإنسان سواء كان هذا الرسم بالتكبير والتحسين أو بالانتقاص والسخرية فكلاهما محرم والفنان المسلم لا يحاكي الطبيعة ولا الإنسان ولكنه يرسم فنا آخر بعيدا كل البعد عن صنعة الخالق الأكبر .

طوالع النجوم والخرافات

لا ريب أن الصحافة العربية كانت تهدف إلى حشد أكبر قدر من التفاهات وأساليب الإثارة عند ما قدمت طوالع النجوم التي تخدع مئات الألوف من القراء يوميا حين يقرءونها على أنها حقيقة أو أنها عمل من أعمال علماء الفلك والكواكب , بينما هي كتابات زائفة يكتبها محرر مجهول حين لا يجد شيئا يترجمه من الكتب الأجنبية وإلا فمن الذي يصدق أن الملايين التي ولدت في يوم واحد يمكن أن تتشابه حظوظها في هذا اليوم وما تقوله الكتب الأجنبية هراء .

ومن وجهة نظر صحيحة وعلمية فإن الإسلام يرفض الاعتقاد في تأثير الأفلاك على حياة الناس وسلوكهم .

وهناك عدد كبير من الخرافات تثيرها الصحافة حول الزواج والحمل والصحة والمرض والتفاؤل والتشاؤم والحسد والإنجاب والعقم كل هذه الخرافات بقايا تركة الفكر الوثني القديم ما تزال تتجدد وهناك ما تثيره الصحافة حول الرقم 13 وأكثر الخرافات تدور حول الحمل والزواج والموت وخرافة ساعة النحس يوم الجمعة وخرافات الأحجبة والتعاويذ المصنوعة من الجلد والمحشوة برأس الهدهد وقراءة البخت هذه التفاهات كلها التي دعا الإسلام إلى إنكارها وتجاوزها تعيد الصحافة إذاعتها .

( الكرة)

- تركز الصحافة تركيزا كبيرا على لعبة الكرة وتفرد لها صفحات بل وتصدر لها صحفا أسبوعية متعددة تشغل الناس بالدوري والكأس والأهلي والزمالك , بل إن بعض الصحف اليومية الصباحية تصدر في المساء ساعة خروج السينما لتوزع نسبة معينة على محترفي الكرة التي لم تعد رياضة في الحقيقة وإنما أصبحت عملا خطيرا يستهدف احتواء الجماهير وشغلهم وقد اتسع نطاق هذه الهواية الضارة حتى شمل السيدات في البيوت اللائي يدخلن في معارك تحمسا لهذا الفريق أو ذاك , واللائي يتركن أعمال بيوتهن ساعات ليتابعن هذه المباريات .

ولكم حدثت معارك ومصادمات نتيجة الصراع والحماس والحزبية الكروية ذلك أن جمهور الكرة لا يقتصر دوره على مشاهدة المباراة بل يتجاوز ذلك بأعصاب مشدودة ومشاعر مهتاجة إلى الانفعال الشديد , بل إنه يجعل الكثيرين يقفزون داخل بيوتهم أمام التلفيزيون ويصيحون صيحات منفرة نتيجة الإعجاب أو الاستياء وقد تفلت منهم أعصابهم فتقع أحداث شديدة الخطورة .

والحق أن الصحافة هي المسئولة عن توسيع دائرة الكرة بعد أن كانت لا تتجاوز أعضاء النوادي الرياضية وفريقا من طلاب المدارس وقد أطلق عليه مرض العصر أو مرض الهوس والجنون حيث يبلغ التحمس الجنوني للفرق إلى حد الهوس ووقوع الاضطرابات المتوالية والأحداث المثيرة .

وقد كشفت الأحداث عن أن مشجعي الأندية يحملون في عقولهم التعصب وفي نفوسهم النزق وأن ذلك كله قد خلق جوا مثيرا من السخرية والسباب والاصطدامات والتوتر .

وقد أشار احد الباحثين الأجانب إلى ظاهرة الكرة وسر انتشارها فقال : إن رياضة الكرة مثل رياضة مصارعة الثيران والوحوش أيام الرومان فقد قامت هذه الرياضة وازدهرت في عهد القياصرة الذين سلبوا الشعب حرياته وبلغت أوجها في عهد طغيان القياصرة . الذين أخذوا يخشون انتشار المسيحية وإقبال الفقراء التعساء على اعتناقها فأرادوا شيئا يلهي الناس عن حرياتهم المفقودة ويصرفهم عن الديانة التي تزحف عليهم حاملة مشاعل العدالة فأقاموا تلك المباريات التي كانت ينزل إليها رجال ضخام الجثث مفتولوا العضلات يصارعون الأسود وهي تنطلق من أقفاصها , وقد يفتك اللاعب بالأسد ويشق شدقية بيديه العاتيتين وقد يلتهم الأسد هذا اللاعب الضخم ويمزق جبهته إربا إربا أمام الناس الذين يفقدون صوابهم وهم يصيحون ويصرخون لا فرحا ولا غضبا ولا ألما ولكن في هوس وجنون وقد نسوا أنهم فقدوا اهم شئ وهو حريتهم وأنه قد حيل بينهم وبين المستقبل المشرق الذي يمثل الديانة الجديدة كذلك كرة القدم لعبة تنظمها السوقة التي تنفق عليها ويشرف عليها كبير من الأغنياء ورجال الأعمال لتصرف الناس عن حقوقهم الضائعة وعن حرياتهم المقيدة وتلقي بهم في عالم من الانتصارات والهزائم الوهمية في عالم الخيال البعيد عن واقع الحياة .

ذلك هو تفسير الرأسمالية الغربية للكرة وقد نقلنا هذه الهواية نقلا بغيضا دون أن نفكر في آثارها الاجتماعية الخطيرة هي لا تقل عن آثر القصص الجنسية وقصص الجرائم وهي محاولة خطيرة لتمزيق وحدة المجتمع فضلا عن آثارها الاجتماعية في شغل الناس بالتفاهات عن العمل الإيجابي النافع .

وما تزال الصحافة مسئولة عن جرائر كل إثم وخطر يتهدد المجتمعات الإسلامية .

الفصل الثاني: كتاب التغريب

(1)

استقطبت الصحافة العربية عددا كبيرا من كتاب التغريب الذين كانوا عدتها في سبيل تبرير مفاهيم الإقليمية والفرعونية والتنكر لمفاهيم الوحدة الإسلامية وترابط العروبة والإسلام وكان في مقدمة توفيق الحكيم ولويس عوض وحسين فوزي .

وما يزال توفيق الحكيم منذ الثلاثينيات يحمل لواء التفرقة بالتجهيل للعرب والإعلاء للمصرية طوال أكثر من خمسين عاما وهي تفرقة لا تقوم على أساس علمي وإنما تعتمد شبهات المستشرقين وخصوم العرب والإسلام فتوفيق الحكيم يدعي أن هناك شخصية مصرية مميزة عن الشخصية العربية الإسلامية ويري بين المصرية والعروبة خلافا بل وتضادا .. حتى يقول : ( إن مصر والعرب طرفا نقيض ) وهي نفس الدعوة التي حملها طه حسين

ومحمد عبد الله عنان وسلامة موسى . ويحملها اليوم لويس عوض وبطرس بطرس غالي وكثيرون من المتأثرين بالتاريخ القديم السابق للإسلام والذين يتجاهلون ما أثبته المؤرخون من " الانقطاع التاريخي " بين مصر الإسلامية العربية وبين ما قبل ذلك .

وكل الذين يفاخرون بميزات لمصر يجهلون أن مصدر هذه الميزة هي تلك الموجات العربية المتوالية التي أخرجتها الجزيرة العربية وأهمها الموجة الإسلامية التي حملت معها مفهوم التوحيد الخالص وهم يجهلون ذلك الترابط الوثيق الذي أوجده دين الحنيفية السمحاء  : دين إبراهيم الذي عم وشمل كل هذه المناطق بدعوة الإسلام الأولي التي صدرت عنها من بعد رسالات الأنبياء موسي وعيسي ومحمد .

فلماذا هذا الاستعلاء العنصري بالمصرية المستمدة من الفرعونية , وقد أثبت المؤرخون أن الفراعنة عرب أصلا وأن جميع الموجات الفينيقية والآشورية والبابلية كلها موجات انبثقت من قلب الجزيرة العربية , وأن كل معطيات المصريين تتلخص في أمرين ك العقيدة واللغة ومن ثمارها القيم والخلق والمقومات , وكلها جاءت من الإسلام والقرآن, فليس هناك في الحقيقة طرف مصري مناقض للعرب وإنما هي كلمات من المبالغة والتعصب والعنصرية تذاع وتستشري في فترات الضعف و وقد ذاعت إبان الاحتلال البريطاني وتجري اليوم على الألسنة إبان تحدي الاحتلال الإسرائيلي لسيناء والواقع أن الجامع الحقيقي هو الإسلام وليس العروبة وليست المصرية إلا دعوة مشابهة لدعوات الإقليمية التي تتحرك على أفق العالم الإسلامي هنا وهناك تحت تأثير موجة القوميات الضيقة الوافدة ولا ريب أن العالم , الإسلامي كله مقبل على الوحدة والالتقاء وأن هذه الدعوات لا تجد لها مجالا حقيقيا إلا عند ذوي الغايات القصيرة والأغراض الخاصة .

بل إن مصر إذا عزلت عن العزوبة والإسلام فإنها لا تبقي شيئا سوي تماثيل وأهرامات أحجار الأقصر ووادي الملوك, وهذا يكذب عبارة توفيق الحكيم الذي يقول :" إن الاختلاط بالروح العربية كاد ينسي المصريين أن لهم روحا خاصة تنبض ضعيفة تحت ثقل الروح الأخرى الغالبة" وإني لأتساءل ماذا كانت أو تكون الروح المصرية الخاصة بدون الروح العربية أتكون روح فرعون والعبودية والظلم عبادة الآلهة المتعددة والوثنية المغرقة في السحر :( أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ) .

ويذهب توفيق الحكيم في هذا الطريق المظلم الموحش إلى أن يدعو مصر إلى أن تكون فندق العالم , أى أن تصبح دارا مفتوحة لكل السائحين وطلاب الحاجات وأن تفقد شخصيتها الحقيقية التي شاء الله أن يصنعها لها بالإسلام وهي حماية المقدسات وحمل لواء الجهاد والمرابطة على هذا الثغر الخطير في العالم .

ولقد كانت أكبر أخطائه , تخبطه بين تأييد الاستبداد الناصري ومحاولة تخلصه منه بعد لاستقبال عصر جديد فقد كتب يقول أن السلطان في الفترة السابقة قتل الحريات وكمم الأفواه وانه أخضع له الكتاب والمفكرين فجروا في طريقه وأيدوه , ولذلك فهو يطالب بمحاكمة هؤلاء الكتاب ويطالب أول الأمر بمحاكمة توفيق الحكيم نفسه الذي أيد السلطان في هذا الاتجاه ويقول أنه جري في هذا الطريق حتى وفاة عبد الناصر فطالب بإنشاء تمثال ضخم فيميدان عام تقديرا لعظمة وبطولة ذلك السلطان , وقد جاءته مئات الخطابات المؤيدة لرأيه غير أن خطابا واحدا من بيتها جاء فيه : صحيح أن السلطان يستحق تمثالا كبيرا يناسب شهرته ومكانته ولكن أين يقام هاذ التمثال ... ثم اقترح أن يقام هذا التمثال في تل أبيب .

ولقد كان توفيق الحكيم على مدي حياته مضطرا إلى الخطأ غير كاشف لأبعاد الأحداث فإن انغماسه في الأساطير والقصة الغربية وما وراءها من خيالات قد حال بينه وبين الرؤية الصحيحة لأحداث العصر والمجتمعات .

فهو عندما دعا إلى لخلاص من الطربوش دعا إلى اللجوء إلى القبعة وعندما ضرب الفرنسيون دمشق بالمدافع ونشروا الرعب والعدوان لم يزده ذلك على أن قال :

لتذهب دمشق ومئات مثل دمشق إلى الهاوية وتبقي فرنسا .

وهو الذي قال مرة : إذا لم تكن لنا حضارة فلنأخذ الحضارة الغربية وتنتهي .

كل هذا يعطي صورة البساطة والخيال وعدم العمق في تناول الأمور ويعطي مفهوم رجل المسرح والرواية والأساطير القديمة الذي يعجز عن متابعة الأحداث وكل كتاب القصة على هذا النحو .

يقول محمد المجذوب : كتبه أكبر شاهد على تنكره لمثل أمته حتى ما كان منها متصلا بالسيرة النبوية لكتابه محمد ( صلي الله عليه وسلم) أو مسرحية أهل الكهف وبه مواطن دسائسه على الرسول . وفي أهل الكهف :" تحوير شائن لمضمون القصة القرآنية التي قامت على إثبات حقائقها الكتب الدينية السابقة والحفريات الأثرية المعاصرة".

ولقد كان عمل توفيق الحكيم الحقيقة قائما على إحياء التراث اليوناني والوثني والأساطير ( وأوديب) وبثها في أفق الفكر الإسلامي , وإحياء مفاهيم لحضارة الفرعونية ( إيزيس ) وإحياء تراث اليهودية ( الملك سليمان) وإحياء مدرسة اللامعقول وأدب اليهودية يونسكو وبكيت ( يا طالع الشجرة ) والماركسية الإشتراكية , وكان له إلى ذلك كله هدف مبيت دفين هو إفساد التراث الإسلامي وتغيير مضامينه بما كتب معارضا لما جاء في القرآن سواء في أهل الكهف أو الملك سليمان , وهو يعيش تحت سيطرة مفاهيم الفلسفة المادية ومذهب مدرسة العلوم الاجتماعية والمفاهيم الماركسية التي تقول بالصراع بين العقل والعاطفة وبين المثالية والمادية وبين العاطفة والواقعية ويري أن هذا الصراع هو جوهر الفن والحقيقة أن توفيق الحكيم قد غفل عن مصدر ثري لفهم بين البشرية فهما صحيحا وهو القرآن : ومفهوم التوحيد الخالص الجامع الذي يحول بين البشرية وبين التمزق أو الصراع أو انقسام وحدة النفس المؤمنة الربانية الاتجاه . وقد عمل على ترجمة كل الاتجاهات والمدارس والمذاهب الغربية بخيرها وشرها وما يحس تقديمه للفكر الإسلامي ومالا يجوز تقديمه فكانت كتاباته حصيلة مختلطة وركاما مضطربا وقد أفسد أمانة القلم ومسئولية الكلمة حين عجز أن يقدم لأمته خير ما في هذا الفكر من مثل أو أن يدل الناس على حقيقة هذه التيارات وخلفياتها لتكون على بينة مما في هذه الكتابات من سموم وأهواء .

بل لقد دافع توفيق الحكيم عن تدريس الكتب الإلحادية في الجامعة وقال ( لماذا كل هذا الفزع كلما وقع بصرنا ف كتاب على عبارة تمس الإسلام ) تحت مظلة حرية الفكر الباطلة وهو يعلم هذا الشباب ليس له من حصيلة إسلامية كبيرة تحميه من الشكوك التي تثيرها هذه الكتب .

وحمل توفيق الحكيم مجموعة من المفاهيم الفلسفية المضطربة تجعله غير قادر على الوصول إلى مفهوم الأصالة الإسلامية فهو يقيم مفاهيم في النفس والمجتمع على الأساطير التي لا تمثل واقع الحياة في شئ كقصة أوديب الذي تزوج أمه وهو يعتنق مفهوم هيجل في القول بأن التناقض قانون الحياة .

كما أنه يروج لمفهوم حرية الفنان المطلقة الذي لا يتقيد بقيم الأخلاق أو الدين كما أنه يقيد نفسه بمفهوم الصراع اليوناني بين الإنسان والقدر وبين إرادة الإنسان وإرادة الله , ويري رأيهم في أن القوة الخارجية تتحدي الإنسان وتبطش به ويري أن الإنسان سجين في إطار معين من الزمان والمكان وأن إرادته ترتطم أحيانا بكل هذه العوامل وهو بذلك يجهل مفهوم الإسلام في إرادة الإنسان المحدودة , داخل إرادة الله تبارك وتعالي والتي هي مناط المسئولية والجزاء الأخروي , وهو في كل أرائه متأثر بالفلسفة المادية والفلسفة الوجودية ومدرسة العلوم الاجتماعية والماركسية على شذرات وشظايا من هنا وهناك متجمعة ومضطربة لاتصل به إلا إلى مفهوم غامض مضطرب.

ولعل أخطر مواقف توفيق الحكيم هو هجومه ضد عروبة مصر ونفيه لانتمائها الإسلامي ووجهها العربي وقد اتهم فكرة حمار الحكيم مأخوذة من فكرة الأديب الأسباني ( خمينز) وقد كانت لتوفيق الحكيم صلاته بالصهيونية العالمية , وفي عام 1943 ترجم له أبا إيبان يوميات نائب في الأرياف إلى اللغة الإنجليزية وفي عام 1947 انتقل توفيق الحكيم إلى تل أبيب التقي هناك بالفنانين المسئولين عن المسرح ودار الحوار مسرحية ( سليمان الحكيم )التي استوحي وقائعها من التوراة وعرضوا عليه ترجمة المسرحية إلى العبرية .

ويدعو توفيق الحكيم إلى التعاون الثقافي بين الفكر العربي واليهودي وإنشاء جمعية عربية إسرائيلية مقرها العاصمة الفرنسية للعمل من أجل السلام وهكذا تعطي كتابات توفيق الحكيم صورة التخبط والاضطراب وضعف الرؤية العامة ولو اقتصر توفيق الحكيم على أن يكون من رجال المسرح ومترجمي التراث اليوناني والغربي لكان ذلك خيرا له , ولكنه حاول أني يكون عن طريق الصحافة من رجال الفكر والرأي فكانت أمانته للتغريب والغزو الثقافي والشعوبية واضحة جلية .

(2)

كذلك فقد سود لويس عوض صفحات كثيرة من الأهرام خلال الفترة بين عام 19561970 قدم فيها كل ما يحمل من سموم كاشفا عن هويته في كراهية التاريخ الإسلامي والفكر الإسلامي داعيا إلى فكر إقليمي مصر يحاول عن طريقه إحياء صفحات ميتة من تاريخ الوثنية اليونانية القديمة وهو في كل المؤتمرات التي تجمع المستشرقين والشعوبيين التي عقدت هنا وهناك كان ينفث هذه السموم الحاقدة المليئة بالاحتقار للهوية المصرية العربية الإسلامية وهو وتوفيق الحكيم من دعاة العنصرية واستعلاء الجنس , وإضفاء طابع من القداسة الكاذبة على المصرية والفرعونية مستمدا من أوهام يسمونها تاريخ خمسة آلاف سنة أو النيل أو الأهرام أو آثار القصر وغيرها من الوثنيات الضالة .

وهو على هذا الطريق يحاول أن يصم كل الأعلام الباحثين المسلمين بأنهم كانوا تلاميذ للفكر الغربي أو الروماني كما فعل بالنسبة لابن خلدون أو رفاعة الطهطاوي وتتركز اهتماماته حول المسح والأساطير الوثنية اليونانية .

ودعواه العريضة المضللة هي أن التيار الغربي الوافد مع الثورة الفرنسية هو التيار الرئيسي الأصيل وأن التيار الإسلامي الأصيل هو التيار الفرعي وليس يصدق هذا أو يعتقد أنه صحيح حتي أشد المستشرقين تعصبا .

فإن الثورة على الحملة الفرنسية والثورة العرابية وثورة 1919 كلها نتاج إسلامي أصيل صدر عن إيمان بأن الدفاع عن الأرض والعرض هو جزء من الجهاد في سبيل الله , وقد سدرت هذه المقاومة جميعها عن الأزهر الشريف .

أما التيار الذي يربط لويس نفسه به فهو التيار الذي صنعه كرومر والنفوذ الأجنبي في سبيل إنشاء أجيال لها ولاء غربي وهو التيار الذي برز فيه لطفي السيد وطه حسين وسلامة موسى ومحمود عزمي وحسين فوزي وتوفيق الحكيم والذي ظهرت من خلاله دعوي الليبرالية والماركسية والوجودية الإشتراكية والعلمانية وكل الدعوات المضللة التي حاولت أن تحطم وحدة الفكر الإسلامي وكان من ثمارها النكبة والهزيمة والنكسة على مدي تاريخ المسلمين والعرب منذ وعد بلفور إلى اليوم ذلك أن المسلمين والعرب لم يعرفوا الفاشية والنازية والدكتاتورية إلا عن طريق هذه المدرسة التي يعتز بها لويس عوض وينسب نفسه إليها والذي لم يكن فيها إلا تابعا ضئيلا .

وليس صحيحا ما ادعاه لويس عوض في كلمته المسمومة أمام مؤتمر التاريخ المصري الحديث في جامعة لندن ( أكتوبر 1966) من أن التيار الإسلامي هو تيار ثيوقراطي فإن هذه الثيوقراطية لم يعرفها الفكر الإسلامي ولا التاريخ الإسلامي على مختلف مراحله وأنه لم يقيم في تاريخ الإسلام حكومة ثيوقراطية ولو لمدة يوم واحد وإنما هذه كلمات يلتقطها هؤلاء من الفكر الغربي وتاريخ المسيحية والكنيسة في أوربا ويلصقونها زورا وبهتانا بالإسلام .

ولقد كانت للويس عوض دعاوي كثيرة باطلة تحدث فيها عن حركة عبد الناصر ووصفها بالبطولة والعبقرية ثم عاد فغير رأيه بعد عبد الناصر كما فعل صديقه توفيق الحكيم وكتب عن الرجل ذو الوجوه السبعة .

ولقد كان لويس عوض بوقا لكل الدعوات المضادة للأصالة الإسلامية والعربية فهو اشتراكي وديمقراطي ووجودي وعلماني ومن دعاة الإلحاد والإباحية ومن باعثي الأساطير اليونانية وهو من دعاة كسر عامود الشعر وهدم اللغة العربية الفصحي وإعلاء العاميات والحروف اللاتينية وهدفه واضح في كل هذا وهو حرب اليقظة الإسلامية ومعارضتها .

وللويس عوض صفحات من الأدب المكشوف روج بها للدعوة الزائفة التي تقودها بعض جماعات الهيبز والوجوديين في الغرب وما يسمي الثورة الجنسية يتحدث فيها عن فكرة الشذوذ الجنسي وكونها أحد حقوق الإنسان المعترف بها , وهذه الجماعة التي اتصل بها في جامعة كاليفورنيا ( لوس أنجليس ) لإشاعة الوعي الشذوذي بين المواطنين واليت أطلقت علي نفسها اتحاد الطلبة الشواذ أو المرحين بعد أن غدت كلمة ( جاي ) أى مرح تعني في أمريكا الشواذ جنسيا وتعمل هذه الجماعة على نشر الإباحية .

ويتحدث لويس عوض بإعجاب عما يسميه تراث الشذوذ من سافو إلى ليونارد دافنشي , ويقول قديم قدم المدنية نفسها ويتحدث عن دعوة هؤلاء الضالين في العمل على كسر عقدة الخجل كلما ذكر الشذوذ الجنسي وأشار كذلك إلى ما أسماه الزواج الرسمي بين الرجال والرجال والنساء والنساء .

ولا يمكن أن يكتب كاتب بالعربية هذه الصفحات المستفيضة عن ذلك الإثم إلا إذا كان صاحب هدف معين وغرض مبيت مدفون , وإلا فلماذا يروج لمثل هذه الدعاوي المسمومة ولماذا تسمح الصحف العربية بنشر هذه الأقذار .

ويستطرد لويس عوض إلى الحديث عن أفلام الدعارة وصحافة الدعارة في المجتمع الأمريكي وإلى الدعوي الجديدة ( ستريكرز) وهي العرايا من الرجال والنساء الذين يظهرون فجأة في الشوارع والميادين ويعلل هذا بأنه مرض نفسي .

ويري أن الإباحية هي العلاج لأنها سوف تجعل الأمور عادية بعد قليل وهذه هي تفسيرات دعاة التلمودية والصهيونية والمادية وقد غرق فيها لويس عوض إلى الآذان كراهية وحقدا للوجه المشرق للغرب والمسلمين في هذه المرحلة من حياتهم .

ونحن نعرف أن الثورة الجنسية في أوربا هي رد فعل الرهبانية المسيحية القديمة وأنها نهاية الشوط المقابل للأخلاق التي عرفتها أوربا إبان تحريم ما أحل الله من طيبات الحياة الدنيا والمرأة وهي قضية بعيدة كل البعد عن مجتمعنا الإسلامي الذي لم يعرف إلا نظاما كاملا جامعا يعطي للإنسان حقه في تحقيق رغباته ولا يسوقه إلى رهبانية أو حرمان, ولذلك فإنه لا يذهب به أبدأ إلى هذا الانطلاق المجنون في الشهوات التي تعرفه أوربا ويعرفه الغرب اليوم ولو كان لويس عوض ناصحا أمينا حفيظا على أمانة القلم والكلمة لقال لقومه كل هذا ولحرص على ألا يغرقهم في هذه الأمواج المتلاطمة من السموم .

ولقد عرض لويس عوض في حديثه عن العقاد إلى دعاة الإسلام الأبرار فأثار حولهم الغبار واتهمهم , واتخذ من حديث العقاد عنهم تكأة وسترا يستر به خصومته وأحقاده وكل ما قال به أو نسبه إلى العقاد من اتهامات فقد ثبت بطلانها بحكم القضاء ولم تكن كتابات العقاد – خلافا لما ذكر – إلا فهما جزئيا للإسلام و تصلح لأن تكون بديلا عن المفهوم الجامع الصحيح, ولقد عدد الباحثون أخطاءها واضطراب منهجها وخاصة ما يتعلق بما كتب عن الديمقراطية في الإسلام فالإسلام فوق الديمقراطية والإشتراكية وهو مخالف لهما جميعا ولكل مذهب حديث .

ولقد تبين أن لويس عوض يتصيد الأحداث ليرضي بها هواه وموقفه من الراهب ( أبا نوفز) وجمهورية همام كلاهما لا يثبت أما التاريخ الصحيح لأنه أقامه على خيوط وهمية ليس لها رصيد أكيد من الوثائق المعروفة .

وفي الختام نحن نتساءل :

هل استطاعت الصحافة العربية أن تقدم للشباب زادا روحيا وعقليا رفيعا يرده إلى الأصالة ويضعه على الطريق لقد كانت صفحة الشباب في الصحافة العربية تافهة تهدف إلى تمييع القيم .

هل استطاعت الصحافة العربية أن تضع المرأة في مكانها الطبيعي وتدلها على خير نفسها وعلى رسالتها الطبيعية .

لقد أسرفت الصحافة العربية في النقل عن المنحرفات أو المغاليات في الغرب أمثال سيمون دي بوافوار وفرانسو ساجان أو عن أصحاب المذاهب لهدامة : أمثال سارتر والبيرتو ومورافيا وكافكا وكامي مع أن في الغرب كتابات وكتابا آخرين يعرفون سر أزمة الإنسان المعاصر وأزمة الحضارة الغربية ولكن صحافتنا الباحثة عن الإثارة تركت الأصالة وبحثت عن الانحراف .

لقد أسرفت الصحافة العربية في نقل آراء الكاشحين والكراهين للغة العربية والإسلام والقرآن الحضارة الإسلامية مع أن في الغرب كثيرا من المنصفين الذين يقدرون عظمة العطاء الإسلامي في مجال الفقه والعلم التجريبي والبحوث الاجتماعية ولكن صحافتنا تجاهلت هؤلاء وبحثت عن الكارهين والمتعصبين .

لقد كان أخطر ما قدمته الصحافة العربية هو ذلك المفهوم المسموم للفن الذي تهدف به إلى إطلاق الغرائز وفك قيادها واستثارة الشهوات وقدمت مفاهيم جديد جعلت منها ممثلات السينما وراقصات الليل وبنات الهوي وفتيات الكباريهات بطلات مكافحات .

كما قدمت أفلام الجنس ومسلسلات الرعب التي تمجد الخيانة الزوجية وتبنت كل فاسد من الأفلام والمسرحيات المليئة بالمشاهد الفاضحة والمراودات الفاجرة وخلفت مظاهر الصراع والعداء والبغضاء بين الآباء والأبناء وشجعت صالات الرقص وهز البطون .

وقد كان نتيجة كل هذا ما حاق بالوطن العربي من هزيمة ونكبة ونكسة خلال هذه السنوات الثلاثين وكان أخطرها نكسة 1967 التي ما تزال آثارها مستمرة حتى الآن بالرغم من كل محاولات التخلص منها .

ولا ريب أن التاريخ يدمغ الصحافة العربية لهذه التبعة الثقيلة والمسئولية الخطيرة .