الدعوة الفردية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الدعوةالفردية


مقدمة

الدعوة إلى الله واجب كل مسلم ومسلمة فى كل زمان وفى زماننا هذا أوجب لما تتعرض له الأمة الإسلامية من هجمات شرسة من أعداء الله بقصد سلب جوهر الدعوة الإسلامية من نفوس المسلمين.

الدعوة إلى الله شرف عظيم لصاحبها (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحآ وقال إننى من المسلمين).

الدعوة إلى الله ثوابها كبير وعظيم، وحديث رسول الله صلى الله عليه و سلم يقرر ذلك: (لأن يهدى الله بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس).

الدعوة إلى الله وإلى الطريق الصحيح من ألزم الأمور وسط هذا الخليط من الرايات والتيارات والتجهيل والتشكيك والتغريب والانحراف.

الدعوة إلى الله مرحلة هامة من مراحل العمل الإسلامى الجاد وهى مرحلة التعريف التى تسبق التكوين والتربية وهناك دعوة عامة فى المحاضرات والدروس ووسائل الإعلام كالكتاب والصحيفة والمجلة والشريط، وهناك الدعوة الفردية أيضا وهى لاتقل أهمية وهى التى سنخصها هنا ببعض التفصيل.

وسنجمل الكتابة فى أمرين:

الأول يتصل بالمعاني والأسلوب والتدرج على هيئة مراحل.

والثاني حول مميزات الدعوة الفردية وخصائص الداعى الذى يقوم بها.

أسلوب ومراحل الدعوة الفردية

يلزم أن نعلم الواقع الذى عليه من ندعوهم إلى الله من المسلمين- فنحن نحصر هنا الحديث على دعوة المسلمين إلى الله ليس غير المسلمين- لأن المطلوب هو أن ننتقل بهم من الواقع الذى يعيشونه وما فيه من قصور فى فهم أو فتور في عمل أو تطرف أو غير ذلك إلى فهم الإسلام فهما كاملا سليما شاملا نقيا كما جاء به رسول الله صلى الله عليه و سلم وإلى معرفة متطلبات هذا الإسلام كاملة ثم كيفية تحقيق هذه المتطلبات على الوجه الأكمل الصحيح.

وبشىء من الدراسة والتحليل لمجتمعاتنا نجد أن ضعف الإيمان أو الإيمان المخدر فى النفوس مع عدم المعرفة السليمة لحقيقة هذا الدين والغزو الفكرى أيضا كل ذلك وراء هذه الحال التى عليها الكثرة من المسلمين و التي يسرت لأعداء الله تسخير بعض المسلمين لمحاربة الدين من حيث يشعرون أو لايشعرون.

ولا ينتظر وعى وحركة و عمل وإنتاج للاسلام من أمثال هؤلاء إلا إذا استيقظ الإيمان أولا في نفوسهم فيدفعهم إلى المعرفة والحركة والعمل و الرقى بالنفس فى مدارج العاملين الصالحين.

ولعله من المفيد أن ننبه إلى أن التزام الترتيب فى المدارج لازم وهام حتى لايؤدى عدم الترتيب إلى انتكاسة أو قعود، وسنبدأ الدعوة مع شخصر غافل لاه ونتدرج به مرحلة مرحلة من باب توضيح كيفية البدء مع مثل هذا الصنف، وفى الحقيقة هناك أفراد أفضل حالا و أقرب استجابة والأولى أن نبدأ به أولا اقتصادا فى الوقت والجهد.

إن كثيرا من المسلمين الذين شغلتهم الدنيا و ألهتهم عن عبادة الله وطاعته أشبه ما يكونون بقوم نائمين مستغرقين فى النوم، وهناك نار تقترب منهم وستلتهمهم إذا بقوا على حالهم.

ويوجد وسط النائمين بعض المستيقظين الذين يشهدون هذا المنظر ولا يملكون دفع هذه النار عن النائمين. فالواجب يملى عليهم أن يوقظوا النائمين ليتدارك كل واحد منهم حاله ويبتعد عن هذه النار، وأى محاولة لتحذيرهم من النار قبل ايقاظهم لاجدوى منها ولن يستجيبوا لأنهم نائمون لايسمعون هذا التحذير، فلابد من الإيقاظ أولا، ثم التحذير.

ولكن كثيرا ما يحدث عند إيقاظ نائم أن يطلب ممن يوقظه أن يتركه يسترسل فى نومه لأنه مستمع بالنوم ولا يريد أن يقلقه أحد. إنه يطلب ذلك وهو لازال نائما ولم يستيقظ لأنه لو استيقظ فعلا ورأى النار لسارع بالفرار منها، وإذا قال أنه قد استيقظ لايطمأن إلى هذا القول الا إذا اقترن بالحركة و الابتعاد، هكذا يكون حال الداعى إلى لله تعالى مع من يدعوهم إلى لله، فعليه أن يصبر على دعوتهم ويتحمل ماقد يصدر منهم نحوه من إساءة أو أذى ويحتسب ذلك عند لله مقتديا فى ذلك برسولنا الحبيب صلى الله عليه و سلم الأسوة الحسنة، فقد كان يدعو ويتعرض للأذى ويصبر ويستمر فى الدعوة ويقول: (رب اهد قومى فإنهم لا يعلمون). وفى هذا المعنى كان الإمام البنا يقول للإخوان المسلمين: كونوا مع الناس كالشجر يرمونه بالحجر ويرميهم بالثمر.


المرحلة الأولى:

ولنبدأ بالمرحلة الأولى فى الدعوة الفردية: وهى إيجاد صلة وتعارف بمن تريد دعوته وإشعاره عمليا باهتمامك به والسؤال عنه إذا غاب، وغير ذلك دون الحديث فى أى أمر من أمور الدعوة حتى ينفتح قلبه ويتهيأ لاستيعاب مايقال له ليستفيد منه.

وبقدر ماتنال هذه المرحلة من اهتمام وعاطفة بقدر مايتجاوب المدعو ويستجيب إلى مايدعي إليه. و أى حديث معه قبل ذلك ربما يكون سببا في نفوره و صدوده. ويمكن أن تستغرق هذه المرحلة بعض الأسابيع.

المرحلة الثانية:

المرحلة الثانية: وهى إيقاظ الإيمان المخدر فى نفس المدعو، ولا يكون الحديث حول قضية الإيمان مباشرا و لكن الأفضل أن يأتي طبيعيا وكأنه دون قصد، بانتهاز فرصة رؤية طائر أو نبتة أو حشرة أو أي مخلوق من خلق الله ويتحدث معه عن قدرة لله وإبداعه وعظمته فى هذا الخلق ويوضح مثلا كيف ينبت هذا النبات من طين و ماء و يختلف بعضه عن بعض فى الساق و الأوراق و الأزهار والثمار و الألوان و الرائحة و الطعم وهى تسقى بماء واحد ومن طين واحدة (صنع الله الذى أتقن كل شىء) (هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه) وهل يستطيع العلماء مع ماوصلوا إليه من علم أن يصنعوا حبة قمح مثلا فى معاملهم بحيث لو وضعوها فى الأرض ورويت بالماء أن تنبت عودا من القمح؟ إنهم لن يستطيعوا لأن سر الإنبات فى الحبة التى خلقها الله من اختصاص الله وحده، رلا يستطيع بشر أن يودعه في حبة صناعية. كما أن أهل الأرض جميعا لو اجتمعوا ليخلقوا ذبابة ما استطاعوا، فالخلق والحياة من اختصاص الله وحدد.

و هكذا بمثل هذا الحوار و تكراره و التفكرفي خلق الله سيثمر بإذن الله تنزيها وتعظيما و تقديسا لله سبحانه.

مصداقا لقول الله تعالى: (ويتفكرون فى خلق السماوات والأرض ربنا ماخلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار) فالآية تؤكد أن ثمرة التفكير تنزيه وتعظيم الله ويدفع هذا إلى تذكر اليوم الآخر وما فيه من جزاء يدفع المؤمن إق دعاء الله بأن يقيه عذاب النار. و هكذا بأستيقاظ الإيمان بالله و وحدانيته وصفات القدرة والكمال يبدأ القلب يحيا بمعرفة الله ويستيقظ من غفلته و يتهيأ لاستكمال قضية الإيمان باليوم الآخر و ما فيه من بعث وحساب جزاء وكذا التعرف على المهمة التى خلقنا الله من أجلها فى هذه الحياة الدنيا وهى عبادة الله ولا يتصور لهذا الخالق العظيم أن يخلقنا عبثآ. ولعله من المفيد توضيح قضية تكريم الله لبنى آدم بسبب النفخة من روح الله التى أهملها كثر من الناس وعاشوا جانب الطين فقط و مطالب الجسد و أن العقيدة السليمة لازمة لهذه الروح وفيها سعادة الدنيا و الآخرة.

و هكذا يستمر الحوار حول قضايا الإيمان وعندما تستيقظ هذه القضايا سيبدأ الفرد فى مراجعة نفسه ويشعر أنه لو بقى على حاله من الإهمال والتقصير والغفلة وإقباله على معصية الله و عدم طاعته فإنه سيتعرض إلى عذاب الله يوم القيامة ولا مفر ولا منقذ له. وحينئذ يسلس قياده ويسهل توجيهه إلى مايدعى إليه من التزام تعاليم الإسلام.

المرحلة الثالثة:

وعندئذ تبدأ المرحلة الثالثة: وهى معاونته فى تدارك حاله بالتعرف على طاعة لله والعبادات المفروضة وممارستها والانتظام فيها والأبتعاد عن المعاصى والتحلى بالأخلاق الإسلامية.

ويفضل تزويده بما يقرؤه من الكتب الميسرة فى العقيدة والعبادة والأخلاق كما يدعى إلى حضور بعض الدروس والمواعظ ويتعرف على أهل الخير والصلاح ويصرف عن أهل السوء، وهكذا يهيأ له المناخ الذي يساعده على استكمال شخصيته الإسلامية. ويلزم الصبر ومتابعته حتى ترسخ قدمه فى هذا الطريق ولا يترك مدة طويلة دون تعهد ومعاونة كى يواصل السير فى الطريق و يتجنب عوامل الفتور أو الكسل أو التفريط، وقد يستغرق ذلك عدة أسابيع أو بعض الآشهر حتى تستقر شخصيته الإسلامية دون اهتزاز.

وهنا نقول ان هناك نوعيات كثيرة موجودة فعلا على هذه الصورة ويمكن البدء بها فى المرحلة الرابعة التالية ولكن بعد تحقيق المرحلة الأولى وهى إيجاد صلة وعلاقة طيبة تهيء لمواصلة الحوار والقيام بواجب الدعوة.

المرحلة الرابعة:

المرحلة الرابعة: وهى توضيح المعنى الشمولى للعبادة وعدم قصره على الصلاة والصوم والزكاة والحج ولكن يشمل كل مناحى الحياة من طعام وشراب ولباس وعلم وعمل وزواج ورياضة ورعاية للأبناء إلى آخر كل هذه الأمور وذلك بتوفر شرطين وهما النية والمطابقة للشرع بأن نقصد بهذه الأمور الاستعانة بها على طاعة الله وتحقيق مراد لله فى استخلافنا فى الأرض.

فنتقوى بالطعام والشراب على طاعة الله وعبادته فيتحول الأكل والشرب إلى عبادة ننال عليها ثوابأ، وكذلك نتعلم لنفيد المسلمين ودولة الإسلام فيتحول العلم إلى عبادة وننال ثوابا على كل مانبذله فيه من وقت وجهد ونعمل فى أى تخصص لنفيد المسلمين ودولة الإسلام ولنكسب المال الحلال الذى نقيم به حياتنا وضروراتنا فيتحول العمل إلى عبادة.

ونتزوج لنعف أنفسنا ونقيم البيت المسلم الدعامة القوية فى بناء الدولة الإسلامية ولننجب الذرية الصالحة التى نتعهدها بالتربية على قواعد الإسلام ليعز الله بها دينه فيتحول هذا الزواج إلى عبادة و التعب فى تربية الأولاد إلى عبادة وننال على ذلك ثوابا من الله.

بل ونتريض لنقوي أجسامنا لنستطيع القيام بأعباء الدعوة و الجهاد في سبيل الله فتصير الرياضة عبادة.

و هكذا تصير الدنيا محرابا كبيرا نتعبد فيه الى الله بكل عمل نزاوله فيها بفضل هذه النية الصادقة لله.

و الشرط الثاني: موافقة هذه الأعمال لشرع الله سبحانه و تعالى و تعاليم الإسلام فلا نأكل الا حلالا و لا نشرب الا حلالا و لا نلبس الا حلالا و لا نزاول اي عمل من هذه الاعمال الا بما وافق الشرع حتى تكون عبادة مقبولة، اذ لا يتصور مثلا أن نأكل حراما لنتقوى به على طاعة الله.

هكذا فى هذه المرحلة ينضبط الفرد المسلم فى حياته وحركاته وسكناته مع شرع الله والتعبد إلى الله بكل هذه الأعمال بدلا من قصر مفهوم العبادة على الفرائض الأربعة المعروفة.

المرحلة الخامسة:

المرحلة الخامسة: هى التى يوضح فيها للمدعو أن ديننا لايكتفى منا بأن نكون مسلمين فى ذواتنا كأفراد نؤدى العبادات ونتحلى بالأخلاق الحسنة ولا نؤذى أحدا و لا شىء غير ذلك.

بل إن إسلامنا دين جماعى إنه نظام حياة و حكم وتشريع ودولة وجهاد وأمة واحدة. وهذا الفهم الصحيح للاسلام يملي علينا مسئوليات وواجبات عامة علينا أن نؤديها تنفيذآ لأمر الله كى يقوم المجتمع على قواعد الإسلام فى كل نواحيه سياسية أو اقتصادية أو تشريعية أو اجتماعية إلى آخره، ونعلم أيضا أن من واجباتنا نحو هذا الدين أن نعمل على التمكين له فى الأرض (حتى لاتكون فتنة ويكون الدين كله لله) وعلينا تبليغ هذا الدين للناس كافة.

ولا يمكن أن يعيش المسلم إسلاما صحيحآ كاملا منعزلا عن إخوانه المسلمين غير متأثر بما يحدث لهم ما يتعرضون له من ضربات وأحداث وفتن على يد أعداء الله فى أجزاء متفرقة من العالم الإسلامى (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم). وحول هذه المعاني يستمر الحوار مع المدعو حتى يتولد عنده الشعور بالمسئولية العامة نحو الإسلام والمسلمين ويخرج من عزلته. وبعد ذلك يوضح له ما تمليه هذه المرحلة التى تعيشها الدعوة الإسلامية على المسلمين من واجب العمل على إقامة الدولة الإسلامية وإعادة الخلافة الإسلامية بعد أن كاد لها أعداء الله وأسقطوها و وجوب توضيح مايتعرض له العالم الإسلامى من تمزق وخلافات وضربات من أعداء الله وفتنة للمسلمين عن عقيدتهم وتخريب للمساجد،وهتك للأعراض ونهب للأموال و اغتصاب لأرض المسلمين وتنشئة الأجيال على غير الإسلام كل ذلك بسبب عدم وجود دولة الإسلام التى تردع أعداء الله وتمنعهم من هذه الاعتداءات والتى تجمع المسلمين وتوحد كلمتهم وتقيم شرع الله فيهم.

ويجب توضيح أن مسئولية إقامة الدولة الإسلامية ليست قاصرة على الحكام أو العلماء ولكنها مسئولية كل مسلم ومسلمة موجودين فى هذه الفترة من عمر الدعوة الإسلامية وأن المسلمين جميعآ آثمون إن لم يعملوا على إقامة الدولة الإسلامية.

وهكذا يستمر الحوار حول إيقاظ الشعور بهذه المسئولية بصورة تدفعه إلى التفكير الجاد الى كيفية أدائها والقيام بمتطلباتها.

المرحلة السادسة:

وهنا تأتي المرحلة السادسة: وهى توضيح أن هذا الواجب لا يمكن أن يتم فرديا فكل فرد وحده لا يستطيع ان يقيم دولة الإسلام ويعيد الخلافة ولكن لابد من الجماعة التى تجمع هذه الجهود الفردية لتستعين بها على تحقيق هذا الواجب الضخم. و القاعدة الشرعية المعروفة أنه مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فما دام واجب إقامة الدولة الإسلامية لا يتم إلا بالجماعة فقيام الجماعة واجب. ولا يتصور أحد أن يكون كامل الإسلام وهو يعيش وحده دون أن يعمل فى جماعة لتنفيذ مبادىء الإسلام وواجباته ومن أهمها فى الظرف الحالى السعي المتواصل لإقامة الدولة الإسلامية.

وهذه الخطوة أساسية فكثير من المسلمين لايرون ضرورة قيام الجماعة أو الارتباط بجماعة خشية الالتزام بتكاليف، أو إيثارا للعافية ودفعا للأذى الذى يمكن أن يتعرض له بسبب ارتباطه بجماعة. وبقدر توضيح عظم المسئولية الملقاه على عاتقهم نحو الإسلام وأن القيام بهذه المسئولية لايتم إلا من خلال الجماعة يكون الاقتناع بضرورة الجماعة مهما كلفهم ذلك، خاصة بعد توضيح الخير العظيم المترتب على ذلك.

المرحلة السابعة:

وتأتي بعد ذلك المرحلة السابعة: وهى الإجابة عن السؤال الذى يفرض نفسه: مع أى جماعة يعمل؟ وهذه المرحلة هامة و دقيقة وتحتاج إلى حكمة وقوة إيضاح وإقناع ففى الساحة جماعات متعددة ومتحركة وتدعو الشباب إلى الانتماء إليها وكلها تحمل، لافتة الإسلام ولكل جماعة شعاراتها ووسائلها التى تجذب بها الشباب. والمفروض أن يفهم كل شاب مسلم أن قضية العمل للإسلام قضية مصيرية أساسية وعليه أن يحسن اختيار الطريق الذي يسير فيه ويطمئن إلى سلامته و الا يندفع أو يتسرع فى اختيار الجماعة التى يعمل معها لتحقيق مبادىء الإسلام إذ ليس له غير عمر واحد ونفس واحدة فلا يخاطر بهما ولكن يسترشد ويستوثق ويبذل الوقت والجهد فى التبين، والاطمئنان أفضل من أن يختار طريقا غير سوى ويندفع فيه من غير تبين.

و مما يجدر الإشارة إليه فى هذا المجال أنه لتحقيق مطالب الإسلام وإقامة الدولة الإسلامية يلزم أن ننهج طريق رسول لله صلى الله عليه و سلم فى إقامة الدولة الإسلامية الأولى حيث أرسى العقيدة فى نفوس المؤمنين ورباهم فى دار الأرقم على مائدة القرآن وفى مدرسته عليه الصلاة والسلام، فتخرج من هذه المدرسة رجال عقيدة استحوذت عليهم العقيدة وملئت عليهم مشاعرهم و وجدانهم وصارت هى كل شىء فى حياتهم، يسخرون لها كل ما يملكون من وقت وجهد وصحة وفكر ومال و نفس، يثبتون عليها ويتحملون فى سبيلها كل إيذاء و عنت ولا يتخلون عنها، ينشرونها ويدافعون عنها و يجاهدون في سبيلها بأموالهم وأنفسهم، فكان هؤلاء هم الدعائم القوية فى أساس الدولة الإسلامية الأولى، ثم آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه و سلم ونظمهم وأخذ عليهم العهود رالمواثيق ليدافعوا عن هذا الدين بكل ما يملكون. فتحقق على أيديهم النصر والتمكين بفضل الله.

وبهذا حقق رسول الله صلى الله عليه و سلم قوة العقيدة ثم قوة الوحدة ثم قوة الساعد والسلاح، إذ عندما تتكون القاعدة المؤمنة الصلبة المتماسكة تستطيع أن تواجه أعداء الله و ترد الاعتداء عليها بالقوة (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن لله على نصرهم لقدير) أما قبل تكوين القاعدة ولما كان المسلمون قلة كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يوصى المؤمنين بالصبر على ألاذى والثبات على الحق الذى آمنوا به مع الاستمرار فى تبليغ الدعوة إلى غيرهم، و لم يطلب منهم أن يواجهوا الباطل بالقوة.

إذن فالجماعة التى تسير على نفس الطريق هى الجديرة بالعمل معها أما أى جماعة لاتقدم جانب التربية والإعداد على الوحدة والترابط وعلى استعمال القوة فهى جماعة تقامر بعملها هذا وتضر بالعمل الإسلامى. فمحاولة الوصول للحكم بطريق القوة دون التربية والوحدة أو بطريقة الأحزاب السياسية دون التربية مخاطرة بل إجهاض للعمل الإسلامى قبل أن ينمو نموا طبيعيا على قاعدة صلبة و لا يتحقق له استقرار ولا استمرار.

إذ الأبد من قاعدة صلبة ترتضى هذا الحكم الإسلامى وتحميه وتدافع عنه ولا تسمح لغيره أن يستقر عليها. وهكذا فالبناء يبدأ من الأساس وليس من القمة وكلما كان البناء ضخمآ كلما احتاج إلى أساس عريض وعميق والبناء المنشود هو دولة إسلامية عالمية لأن دعوتنا عالمية وأعداؤنا عالميون كذلك. والزمن فى هذا المجال يقاس بعمر الدعوات والأمم وليس بعمر الأفراد.

وبفضل الله نجد أن الإمام الشهيد حسن البنا قد اقتبس هذا الطريق من سيرة رسول الله صلى الله عليه و سلم واكد ضرورة إعداد الفرد المسلم رجل العقيدة، والأسرة المسلمة والمجتمع المسلم كقاعدة صلبة تقوم عليها الحكومة فالدولة الإسلامية والخلافة الإسلامية بإذن الله تعالى.

كا يجب أن يوضح للمدعو أن الجماعة الجديرة بالعمل من خلالها يلزم أن تأخذ الإسلام بشموله وتكامله عقيدة وعبادة وخلقآ وتشريعآ وحكمآ وجهادآ، وكل نواحى الحياة، ولا يصح أن تهتم بجوانب وتغفل جوانب أخرى إيثارا للعافية أو لأى سبب آخر.

كما أن الجماعة التى يرجى منها تحقيق الواجب والجديرة بالعمل معها يلزم أن يكون لها الامتداد الأفقى فى العالم لتهيء الأسباب لتكوين القاعدة العريضة للدولة الإسلامية العالمية لا مجرد حكم محلى فى بلد ما.

وكلما كانت الجماعة صاحبة تجربة وخبرة كلما كان ذلك أدعى إلى الثقة فى تحقيق الأهداف وسرعة الإنتاج و حسن استغلال الوقت والجهد و تكون في فهمها وحركتها بعيدة عن التفريط و الإفراط بعيدة عن الانحراف والاجتزاء مطابقة لهدى رسول الله صلى الله عليه و سلم وما كان عليه السلف الصالح.

كما يلزم أن تكون الجماعة منظمة مترابطة تسير بخطة لا أن تكون مفككة أو تتحرك ارتجاليآ دون خطة ولا تنظيم.

كما يجب توضيح خطأ وخطر الفرقة وتوزيع الجهود فى تجمعات صغيرة فالأصل أن من يريد أن يعمل للإسلام أن يضم صوته وجهده للجماعة التى تمثلت فيها الصفات السابقة، ولا يجوز له أن يرفع راية جديدة ولا أن يسير وراء جماعة حديثة التجربة وذلك حتى لايساعد على تشتيت الجهود. ولا يجوز له مفاصلة هذه الجماعة الكبيرة ذات التجربة إلا إذا وجدها فى مجموعها على فسق أو ضلال.

و هكذا بهذا التوضيح المفصل فى هذه المرحلة يظهر لكل صادق مخلص أن الصفات اللازمة فى الجماعة التى يختارها متوفرة فى جماعة الإخوان المسلمين بفضل الله تعالى وتوفيقه.


توصيات خاصة بالدعوة الفردية

الدأب وأخذ الأمر بجد ومتابعة ومراجعة على فترات للاطمئنان على الاستمرار وعلى حسن الأداء والإنتاج. الذين يقومون بالدعوة الفردية يحسن توجيههم وترشيدهم حول الأسلوب والمعاني وتسلسلها.

يمكن معاونتهم فى عملهم فى صورة لقاءات لمن يدعونهم يقدم فيها زاد وتوضيح وترسيخ للمعاني.

المراحل السبعة المذكورة يجب أن تتحقق وتستقر فى نفس من يدعو الواحدة تلو الأخرى لأن مخالفة هذا الترتيب قد يكون سببآ فى رفض المدعو لما تدعوه إليه فقد روعى أن كل مرحلة تترتب على أهمية التى قبلها والاقتناع بها، فمثلا إذا دعى لأن يكون فى جماعة دون الاقتناع بالمسئولية العامة التى توجب الجماعة فلن يستجيب و هكذا.

لايصح أن تكون الرغبة فى الوصول بالفرد المدعو إلى المرحلة الأخيرة سببآ فى السرعة والتعجل للوصول دون إتقان واطمئنان كامل لكل مرحلة منعآ للانتكاس إذا تعرض للتشكيك.

يستحسن أن يتم حوار حول المراحل السبعة رما تحتاجه من أدلة أو أسباب تعين على الإقناع بها تيسيرآ لهذه المهمة مع من سيقومون بها.

يلزم مع تزكية طريق الدعوة السليم بكل متطلباته، القيام أيضآ بدحض الشبهات المثارة حول العمل الإسلامى ومتطلباته والقائمين عليه حتى لايكون هناك آثار للتشكيك فى نفسه.

يلزم إبراز الخير الكبير والفوز العظيم الذى يحوزه من يجيب داعى لله. وكذا الخطر العظيم لمن لايستجيبون، ففى أسلوب الترغيب والترهيب عون على تأثر المدعو بما يقال له.

على الداعين إلى الله أن يتعاونوا ويسترشدوا ببعضهم البعض فيما يعترضهم من عقبات وكيف يتخطونها و الإفادة من تجارب بعضهم فى هذا المجال.

يمكن الاستعانة أثناء المراحل بالكتب و الرسائل والمجلات تعطى للمدعوين و يطلب منهم أن يسألوا عما يبهم عليهم فيها لتوضيحه لهم.

بقدر الإخلاص و الدأب و سعة الصدر و الصبر تكون البركة و يكون التوفيق باذن الله.

الدعوة الفردية تتم في كل الظروف و الاحوال بخلاف الدعوة العامة التي تتعرض للتضييق أحيانا.