الإخوان المسلمون والعمل السري والعنف

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإخوان المسلمون والعمل السري والعنف
غلاف الكتاب

أ‌.د عبد العظيم الديب

أستاذ ورئيس قسم الفقه والأصول

جامعة قطر . سابقا دار "دون" للنشر والتوزيع

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

نحمد سبحانه وتعالى حق حمده، ونصلى ونسلم على صفوته من خلقه وخاتم رسله سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته واهتدى بهديه، وعمل بسنته إلى يوم الدين

اللهم إنا نعوذ بك من الخطأ والخطل، والخلل والزلل، ونسألك التوفيق والسداد، والرشاد ، ونبرأ إليك من حولنا وقوتنا، ونلوذ بحولك وقوتك، سبحانك سبحانك لا حول ولا قوة إلا بك.

وبعد..

فهذه صفحات في تاريخ الجماعة الإسلامية، ما قدرت يوما أنى سأكتبها ، وأخطها بقلمي ، لا لأنها تحمل أفكارا عارضة لاحت لا فجأة، بل العكس الصحيح، فهي تحمل أفكارا ظلت تراوحني وتغادينى منذ أزمان بعيدة، تحدثت طويلا، وناقشت حولها كثيرا،

ودعوت إلى كتابتها وتدوينه ممن هم أقدر عليها،وأجدر بها، ولديهم الوسائل والإمكانات للإحاطة بدقائقها، والمعرفة بتفاصيلها ، كما منعني من ذلك أيضا ما أنا مستغرق فيه من عمل يملك على كل وقتي، ويملأ ليلى ونهاري، ويحتاج إلى أضعاف مضاعفة من ساعات الليل والنهار، يعرف ذل كل من له إلمام بالعمل في إحياء التراث وتحقيقه.. ولكن..

أستاذنا الأستاذ فريد عبد الخالق على العصر، وحين أمسكت بالقلم كنت أريد أن أوجه رسالة إلى الصحفي البارع الأستاذ أحمد منصور في نحو صفحتين أو ثلاث: تعقيبا على ما اعتبرته قراءة خاطئة أو تفسيرا غير فوصل إلى ما تراه بين يديك الآن، على غير ما توقعت وأردت.

في ضوء هذا أرجو أن تقرأ هذه الرسالة.صحيح لبعض الأحداث، ولكن امتد حبل الكلام. ثم إنني أردت بالدرجة الأولى أن أبين حقيقة التاريخ، وكيف يقرأ ، وكيف تفسر الأحداث، وتقدر المواقف، فالتاريخ ليس مجرد سرد للوقائع والأحداث، بغير استبطان ضمائر من قام بها، وإدراك العوامل والظروف التي دفعت إليها.

إن كل الأحداث التي تروى في كتب التاريخ محكومة بعوامل، وأسباب ومقدمات أدت إليها، هذه العوامل والأسباب هى التى ينبغي أن يجرى وراءها المؤرخ، ودون إدراكها والإحاطة بها ستكون القراءة للأحداث خاطئة، وسيكون التفسير للتاريخ فاسدا مفسدا، ولله در ابن خلدون حيث قال منذ ستمائة عام عن التاريخ.. بل هو نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع عميق" ا.هـ.

حاولت أن أطبق ذلك على نقطة أو جزئية صغيرة من تاريخ الجماعة، ألا وهى: العمل السري، والعنف.

وقد رتبت هذه الصفحات على تمهيد وفصلين وخاتمة:

التمهيد: مدخل للقضية وبيان لسبب الاهتمام بها.
الفصل الأول: حول شهادة أستاذنا فريد عبد الخالق وفيه تعليق على ما جاء من تفسير لبعض الوقائع.
الفصل الثاني: الإخوان والعنف، وفيه نتحدث عن التشكيلات شبه العسكرية (الجوالة) وعن التنظيم السري (الجهاز السري)،وعن الأحداث الدموية، النسف والاغتيالات.

وألحقنا بهذا الفصل طرفا عن جهاد الإخوان في فلسطين، لما لهذا الجهاد من أثر مباشر في حل الجماعة، وبدء مسلسل العنف، وردا على بعض المزيفين الذين ينكرون جهارا نهارا أن يكون للإخوان دور في هذا الجهاد.

وأحب أن أؤكد أننا لا نبغي بهذا ذبا عن أحد، ولا تبريرا لأخطاء أحد، وإنما غايتنا والله مطلع على نوايانا وعليم بما في صدورنا الحق والحق وحده، وإن بدا أحيانا أننا ندفع عن أحد، أو نسوغ فعل أحد، فهذا من خطأ القارئ وليس منا، ذلك أن تفسير الحدث، ومعرفة أسبابه، ودوافع من قاموا به ، ليس تبريرا له، ولا دعوة إلى تكراره، فالتفسير غير التبرير؛

ورجال القانون: مدعون أو قضاة أو محامون، دائما يبحثون عن الدوافع والأسباب، ويجعلون لها وزنها في الحكم على (الفعل) ولكن البعض مع الأسف يخلط بين التفسير والتبرير، تسرعا، أوتحاملا، أو مغالطة، أو بغير علم.

وإلى الله ضراعتي أن يعين أمتنا على ما نزل بها، وأن يأخذ بناصرها، وأن يرد عليها مجدها الغارب، وعزها الضائع، وأن يهبها رشدها، ويبصرها بطريقها، وأن يرزقنا الإخلاص، وطهارة القلب واليد واللسان، وأن يتقبل منا ويقبلنا.. إنه نعم المولى ونعم النصير.

كتبه أبو محمود
عبد العظيم الديب
أبريل 2004

تمهيد

من جهود الحركة الإسلامية ونجاحاتها

لقد بذلك الحركة الإسلامية جهدا خارقا في وقف آثار صدمة التدهور، ورد موجة التغريب والعلمنة التي كادت تسيطر على الفكر والسلوك، وتكرس عقدة النقص، وتشيع الروح الانهزامية.. عملت الحركة الإسلامية بذكاء ومهارة على وقف ذلك الطوفان الغالب ، وقدر الله لها النجاح، فأخرجت الإسلام من الزوايا الثلاث التي أريد له أن يكون سجينا فيها: أعنى طقوس دن الموتى، وصيغة عقد الزواج، وركيعات في المسجد..

نعم، أخرجت الإسلام من هذه الزوايا إلى دنيا الناس وحياتهم اليومية، وانتهت به إلى أن صار منهج حياة، كما أراده رب العالمين، فصار الإسلام حاضرا في كل مناحي الحياة:اللباس والزى، والمطعم والمشرب، والعلاقات الاجتماعية والحفلات، والمعاملات والتبادلات، وصارت المناداة والمطالبة باتخاذ القرآن دستورا يحكم الاقتصاد، والتعليم، والسياسة، والعلاقات الدولية، وكل شأن من الشئون، وعاد للأمة وعيها، وشموخها..

فصار نداؤها: "الإسلام صالح لكل زمان ومكان" . ثم تطور النجاح ، فصار النداء:" لا يصلح كل زمان ومكان إلا بالإسلام" . ولم يأت ذلك عفوا صفوا، بل كان ثمرة جهاد دائب، وعمل خالص مخلص، لنحو نصف قرن من الزمان.


وإذا شئت أن تعرف قيمة هذا الجهد، فعلم أننا أدركنا في أول الأربعينات من القرن الماضي من كان ينادى:" أنا الشرق عندي ديانات وفلسفات، من يبيعني بها دبابات وطائرات".

تأمل ووازن بين النداءين.

نجاح آخر

وواكب هذا النجاح وسانده نجاح آخر في ميدان البحث والتنظير، حتى امتلأت المكتبات بالمؤلفات المعاصرة في قضايا الناس الحياتية وعلاجها من منظور إسلامي، وبلغ هذا النجاح حدا جعل أقلاما قوية صادقة تشتغل بهذه الأبحاث الإسلامية؛

وإن لم يكن أصحابها من أبناء الحركة، أي لا ينتمون لها رسميا، ولا ينضوون تحت لوائها تنظيميا، وصار الكتاب الإسلامى هو الأكثر طلبا من القراء، والأكثر ذيوعا في المعارض والأسواق، فقد وجدت الأمة في الكتاب الإسلامى الخطاب الذي تفهمه، والنداء الذي يمس شغاف قلوبها، فأصاخت السمع، وأحسنت الإجابة.

إهمال التاريخ وإغفال أثره:

ولكن مع هذا الوعي فات الحركة ومنظريها أن يلتفتوا إلى دراسة التاريخ الإسلامى، دراسة علمية منهجية تحليلية، ليستخرجوا منه العظات والعبر، ثم ليقدموا النموذج التاريخي المشرق المضيء لينسج على منواله، ويقتدي به، فمع الأسف لم نجد عند علماء الدعوة ومنظريها شيئا من ذلك، بل ربما كانت رؤيتهم للتاريخ الإسلامى أسوأ من رؤية العلمانيين إلا من رحم ربك وقليل ما هم
ومن يتأمل يجد أننا نعزى بالتاريخ، وأن غلاة العلمانيين وملاحدتهم يعتمدون في رفضهم ومناوأتهم للعمل الإسلامى على ما يزعمونه من زوايا ومآسي التاريخ، نجد هذا في مؤلفاتهم، ومقالاتهم، ومحاضراتهم، ومناظراتهم، والأدهى والأمر أنهم يستشهدون بالإسلاميين وأقوالهم عن التاريخ الإسلامى، ولا يجد الإسلاميون دفعا ولا ردا، إلا تلك الجملة التي لا تغنى عنهم شيئا، وهى قولهم:" إن الإسلام يحكم على المسلمين ، والمسلمون لا يحكمون على الإسلام" وهذه القضية في حاجة إلى بحوث مطولة، لسنا لها الآن.

حتى تاريخ الجماعة

نعم، لم يقتصر نقص الوعي بالتاريخ على التاريخ الإسلامى فقط، بل ظهر ذلك جليا واضحا تجاه تاريخ الجماعة أيضا، ليس في عدم الاهتمام بتسجيل مادته ووثائقه كما ينبغي فحسب، بل في الإحساس به و تفسيره.

والدليل على ذلك ما نراه بصورة متكررة شبه يومية في حوارات ولقاءات على الهواء في الفضائيات، تتطرق إلى تاريخ الإخوان والعنف، فنجد من الإخوان محاورين أو مداخلين أسلوب الخجل والاعتذار، وأحيانا محاولات فاشلة لتحميل شخص أو أكثر هذه الأحداث.

ولو كانوا على وعى بتاريخ الجماعة لأحسنوا الإجابة ولأفحموا من يقول: إن الجماعة كانت تقوم على العنف والسلاح.

لو التفتوا إلى تاريخ الجماعة قليلا، لباهوا الدنيا بتاريخهم في هذا الجانب، ولأجابوا بالأرقام والحقائق أن الإخوان أبدا لم يتخذوا العنف منهجا، ولم يعتمدوه وسيلة، يشهد بذلك تاريخهم، وينطق فكرهم ،وتعلنه رسائل إمامهم، فليس هناك ما يعتذر عنه، هناك أخطاء لا شك، فتلك طبيعة البشر، وتلك سنة كونية، لا يوجد عمل بغير أخطاء، والذين لا يخطئون هم الذين لا يعملون.

من أجل هذا كانت هذه الرسالة التي يحاول كاتبها أن ينبه إلى خطورة التاريخ، ويحذر من أن الخطأ في تفسيره وقراءته لا يقل بشاعة عن إهماله وإلقائه ظهريا، متخذا من بعض ما جاء في شهادة الأستاذ فريد عبد الخالق، ومن اتهام الإخوان بالعنف مجالا ونماذج لما يحاوله ويدعو إليه.

الفصل الأول:هوامش على شهادة الأستاذ فريد عبد الخالق

مدخل الفصل:سر الخطأ في التاريخ

يقول ابن خلدون في مقدمته مبينا أسباب الغلط في قراءة التاريخ، وبمعنى أوضح: الغلط في تفسير التاريخ:

" ومن الغلط الخفي في التاريخ الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال بتبدل الإعصار ومرور الأيام، وهو داء دوى شديد الخفاء.. فلا يكاد يتفطن له إلا الآحاد من أهل الخليقة، وذلك أن أحوال العالم والأمم، وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة، ومنهاج مستقر، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة، وانتقال من حال إلى حال. ا.هـ.

هذا " الداء الدوى" الذي حذر منه ابن خلدون لم يحذره الإخوان في تفسير تاريخ دعوتهم، وكانت له تجليات في شهادة الأستاذ فريد عبد الخالق، وسأحاول أن أشير إليها فيما يأتي:

(1) هل كان حسن البنا فقيرا؟

تساءل الأستاذ أحمد منصور، كيف استطاع حسن البنا أن يقوم بتمويل حركته وانتقالاته في سبيل الدعوة، مع أنه كان فقيرا، فقد كان" مدرس ابتدائي" فمن أين له هذا؟
يقصد بهذا أن يقول: إنه كان إنسانا مطحونا مهموما برغيف يومه، ضعيف الشأن والمكانة، هذا ما أوحت به إشارة يده، ونغمة صوته.
وأقره الأستاذ فريد عبد الخالق، وأخذ يقدح ذهنه ليجد الجواب، إلى أن هداه الله إلى مخرج لطيف ، وهو " أن غناه جاءه من جهة أصهاره، فقد كان أهل زوجته من ألأثرياء" ثم وضح الأمر قائلا:" ومن المعروف عندنا في مصر أن أهل الزوجة الأغنياء يساعدون زوج ابنتهم" هذا معنى كلامه بالتحديد.
قلت: هذا هو الغلط الخفي الذي حذر منه ابن خلدون، (الذهول عن تغير الأحوال وتبدلها).
إن راتب المدرس المتخرج في دار العلوم في ذلك الوقت كان (ثمانية جنيهات مصرية) وهذه الجنيهات الثمانية في ذلك الوقت كانت ثروة، فقد كان التعامل اليومي (بالملاليم) ، وأنصاف الملاليم، وكانت القروش لا تذكر إلا عند استئجار البيوت ونحوها، أما التعامل بالجنيهات، فقد كان عند شراء العقارات والأطيان ونحوها. ولو عاد الأستاذ فريد بذاكرته لاستخرج ألف دليل ودليل على صحة هذا الكلام.
وإليك بعض الأدلة:
(أ‌) استضفنا أحد أساتذتنا ذات يوم، وهو خريج دار العلوم سنة 1927م، أي أنه من جيل حسن البنا، ولما رأى إعجابنا وإعجاب كل المدعوين بعظمة البيت وفخامته، وقد عرف الجميع أنه ملك وليس مؤجرا، لأن الشارع الذي يقع فسه مسمى باسمه (وكان هذا تقليدا معروفا عند البلدية: أن يسمى الشارع باسم مالك أول بيت يبنى فيه)؛
أقول: لما رأى أستاذنا الجليل ولا داعي لذكر اسمه إعجابنا، أخذ يحدثنا عن نشأته، وعمله مدرسا بالمدارس الابتدائية عقب تخرجه في دار العلوم، وأنه مع أعبائه الأسرية استطاع أن يدخر ثمانية جنيهات دفعها مقدم الثمن لقطعة الأرض هذه؛
ولكنه تأثرا بثقافته الدينية الأصيلة كان قلقا ضيق النفس من أقساط هذه الأرض، ويراها من الدين، الذي نتأسى برسولنا صلى الله عليه وسلم صباح مساء داعين: " اللهم إنا نعوذ بك من غلبة الدين".
ويقول أستاذنا: وبينما تراودني فكرة استرداد المقدم الذي دفعته تخلصا من دين الأقساط، يقول: إذا بأستاذة على الجارم يستدعيني إلى مكتبه، ويشد على يدي ويسلمني مظروفا وجدت به ثمانية جنيهات مكافأة على عمل ما كنت أنتظر عليه أجرا، ذلك أنى كنت قد راجعت له بعض مؤلفاته في أثناء طباعتها؛
وقد أثنى على دقتي واهتمامي، فأسعدني ذلك كثيرا، واعتبرته يومها وساما أباهى به، ولم أكن أتوقع أنه سيتبع ذلك بمكافأة مالية، ثم تابع قوله: كانت ههذ المكافأة سببا في عدولي عن فسخ صفقة الأرض هذه إذ أعانتني كثيرا على تسديد باقي الثمن، ثم أخذت أفكر في البناء.. وقص علينا مواقف رائعة في هذا الباب، لا داعي للإطالة بذكرها.
انظر، ثمانية جنيهات مقدم قطة ارض للبناء وثمانية جنيهات تعين على سداد باقي الثمن والرجل من جيل حسن البنا، وتخرج حيث تخرج حسن البنا ، وعمل بنفس عمل حسن البنا.
(ب) ودليل ثان كنت شخصيا شاهدا عليه، بل وطرفا فيه، إذ اشترى أحد الأهل في صفقة واحدة خمسة أفدنة بمبلغ مائتي جنيه (خمسة أفدنة في سوط الدلتا أغلى أرض في مصر) ، ولما كان المبلغ فوق طاقته، فقد طلب من أحد أقربائه أن يشترك بشراء فدان أو اثنين ، فلم يرض ، لأنه اعتبر السعر مرتفعا، وأعطاه ما كان معه قرضا، (تأمل .. ثمن فدان الأرض الزراعية أربعون جنيه).
المهم ومحل الشاهد أن الغفلة والذهول عن تبدل الأحوال، والأوضاع الاقتصادية جعلت من يتصدى لتاريخ حسن البنا يزعم أنه كان فقيرا.
(ج) وإن شئت دليلا آخر على صحة دعواي، فتذكر أحوال قريتك في منتصف الأربعينات، فحتى هذا التاريخ كان موظفو الحكومة، وأشهرهم في القرى مدرسو التعليم الالزامى، كان راتب الواحد منهم أربعة جنيهات، كان هؤلاء أصحاب الجنيهات الأربعة، أهنأ أهل القرى عيشا، وأيسرهم حالا، كان هؤلاء، أصحاب البيوت الفخمة والأثاث العصري؛
وهم أول من اقتنى جهاز الراديو الذي كان يعمل بالبطارية السائلة وهم الذين كانوا يشترون الأطيان الزراعية التي تعرض للبيع، أدركنا هذا ورأيناه حتى منتصف الأربعينات، فما بالك بأواخر العشرينات والثلاثينات، حيث كانت حياة حسن البنا.

(2) مدرس الابتدائي:

كثيرا ما نبذ حسن البنا بهذا اللقب (مدرس ابتدائي) ، تكرر هذا كثيرا من شانئيه، والحاقدين عليه، وعلى دعوته، يذكرونه في معرض الحط من شأنه، والانتقاص من قدره، وقد ظهر أثر هذا في نغمة صوت الأستاذ أحمد منصور..
وهو يريد أن يستثير ذاكرة الأستاذ فريد عبد الخالق ، حين قال له: كيف تسنى لحسن البنا وهو مدرس ابتدائي بسيط فقير أن يقوم بهذا العمل الكبير (معنى كلامه وليس بألفاظه)؟
وأجيب أنا عن هذا بكلام ابن خلدون مرة أخرى:" إن هذا ذهول عن تغير العوائد والأحوال" وبيان ذلك بالآتي:
(أ) إن مدرس الابتدائي في ذلك الوقت غير مدرس الابتدائي الآن، وذلك أن سلم المراحل التعليمية لم يكن على الوضع الذي هو عليه حاليا، فقد كان هناك أنواع وألوان مختلفة من المدارس قبل المدرسة الابتدائية، كان هناك المدرسة الأولية والإلزامية، والمعلمين، ولا يؤدى شيء منها إلى الجامعة؛
وكانت المدارس الابتدائية ومدتها أربع سنوات تؤهل للمدارس الثانوية، التي مدتها خمس سنوات، ووحدها تؤهل للجامعة، فلم تكن المدرسة الابتدائية في ذلك الوقت هى المدرسة التي تعلم ألف باء، بل كانت مرحلة متوسطة.
(ب) ثم إن عدد المدارس الابتدائية في مصر كلها في ذلك الوقت كان يعد بالعشرات، وكان المدرسون وهم صفوة المجتمع.
(ج) لم تكن صورة المدارس في المجتمع كما هى اليوم، كان المدرس ذا منزلة اجتماعية ومكانة علمية، وقد كان كثير من أعلام مصر من المدرسين..
نذكر منهم على سبيل المثال:
  1. النقراشي باشا رئيس الحزب السعدي ، ورئيس الوزراء.
  2. حفني بك ناصف الشاعر، وصاحب المؤلفات المعروفة.
  3. على بك الجارم الشاعر، وصاحب المؤلفات الأدبية والقصص الرائعة.
  4. إبراهيم بك سلامة.
  5. عبد الحميد بك العبادى.
  6. أحمد بك إبراهيم.
  7. حامد بك نبيه.
  8. مصطفى السقا.
  9. إبراهيم الابيارى.
  10. أحمد بك السكندري .
  11. على أحمد باكثير.
  12. على البجاوي.
  13. مهدي علام.
  14. إبراهيم بيومي مدكور.
  15. إسماعيل القباني.
  16. عبد العزيز القوصى.
  17. أحمد أمين.
  18. سيد قطب.
  19. مصطفى عناني.
  20. أحمد حسن الزيات.
هؤلاء بعض من أسعفتنا الذاكرة الآن. وبالجملة كل أساتذة الجامعات المصرية الذين التحقوا بالتدريس الجامعي قبل الأربعينات كلهم تقريبا كانوا من بين صفوف المدرسين. فكلمة مدرس ابتدائي التي نبذ بها ويلمز بها حسن البنا، لم يكن لها هذا المعنى، ولم تكن تحمل هذه الظلال التي تحملها الآن.
فانظر أي تزييف للتاريخ حينما يقول أحدهم على شاشة الفضائيات:" هو حسن البنا كان إيه؟ دا كان مدرس ابتدائي جاهل"، يقول ذلك باستخفاف واستهانة، والذين يسمعون ينظرون إلى صورة المدرس الابتدائي الآن؛
ولا يدركون الفرق الهائل، والبون الشاسع بين المدرس الابتدائي في العشرينات والثلاثينات، والمدرس الابتدائي في الستينات وما بعده (مع احترامي لكل مدرس ابتدائي، وتقديري لما يؤدونه من واجب ويتحملونه من متاعب).

عجيبة

من الطريف الظريف أن ابن خلدون وهو يتحدث عن الذهول عن تغير العوائد وتبدل الأحوال، وأثر ذلك في الغلط في التاريخ وتفسيره ضرب مثلا بالمدرس، فقد رأى أعداء الحجاج بن يوسف الثقفي يعيبونه بأنه كان معلم صبيان ساقط المنزلة؛

فقال (أي ابن خلدون):

وهذا غلط خطير ، سببه ذلك الداء الدوى، أي الذهول عن تبدل الأحوال وتغير العوائد، فقد كان التعليم في ذلك الوقت هو التبليغ والدعوة، ولم يكن يقبل ذلك إلا من علية القوم وإشرافهم، وسادتهم؛

وهاك نص عبارته:

"ولم يكن التعليم صدر الإسلام والدولتين (أي الأموية والعباسية) صناعة، وإنما كان نقلا لما سمع من الشارع أي الرسول صلى الله عليه وسلم، وتعليما لما جهل من الدين على جهة البلاغ، فكان أهل الأنساب والعصبية الذين قاموا بالملة هم الذين يعلمون كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

(3) حال الإخوان اليوم:

في الحلقة الأخيرة من شهادة الأستاذ فريد عبد الخالق وقد سئل عن رؤيته لحال الإخوان اليوم قال ما خلاصته: إن الإخوان المسلمين ينقصهم الوعي الكامل بالإسلام ودراسته دراسة شاملة ، وينقصهم بالتالي الرؤية الواضحة والبرنامج الشامل الكامل المفصل، وتابعه على ذلك ، وثنى على كلامه الأستاذ أحمد منصور، فأضاف في نغمة ساخرة:" (الإسلام هو الحل) يعنى مجرد شعارات".

وهذا يفتح بابا إلى ملاحظات، وتساؤلات أعتقد أنها مشروعة نقدمها على النحو الآتي:

(1) بالنسبة للفهم الكامل للإسلام ودراسته دراسة شاملة لا أحد يستطيع أن يقول إنه وصل إلى نهاية العلم، فالعلم بحر لا ساحل له، ويكفينا ما روى عن الإمام الشافعي رضي الله عنه:" كلما ازددت علما ازددت علما بجهلي" فلا حرج أن نقول إن على إنسان ما أن يبحث ويدر حتى يزداد علما.
ولكن هذا هو ما يعنيه الأستاذ فريد عبد الخالق متعه الله بالصحة والعافية؟ ألا يوحى كلامه في هذا المقام، بهذا الأسلوب أن المحن والمصائب التي نزلت على الدعوة واكتوى بها الإخوان كانت بسبب (نفس فهمهم للإسلام)؟ مجرد سؤال يتبعه سؤال آخر: أين كان الأستاذ فريد؟
(2) لا أدرى هل الأستاذ فريد عبد الخالق مرتبط بالتنظيم الآن أم لا علاقة له به؟
فإن كانت الأولى (أي ما زال مرتبطا بالتنظيم) فكان عليه أن يقول ويبين لنا السبب في عدم وجود برنامج شامل كامل لدى الإخوان. وإن كانت الأخرى (أي ليس له علاقة بالتنظيم) فكيف يقطع بعدم وجود برنامج شامل واضح لدى الإخوان؟
من أين له القطع بذلك؟ ألا يعلم الأستاذ فريد عبد الخالق وهو من هو فهما للإسلام أنه لا يحل شرعا لمسلم أن يحلف على نفى الوجود، بل يكون الحلف على نفى العلم بالوجود فكيف فاته ذلك عفا الله عنا وعنه؟
إن هذه (الغاغة) حول عدم وجود برنامج واضح لدى الإخوان المسلمين تذكرنا بتلك الحرب الشعواء على جبهة الإنقاذ الجزائرية، وأنهم جماعة كثيرة الحركة، قليلة الفقه، عالية الصوت، لا تملك من المؤهلات التي تمكنها من سياسة الدولة شيئا؛
وليس لديها أية رؤية أو برنامج، حتى صدقت أنا شخصيا هذا الكلام، إلى أن شاهدت حوارا مع الأخ الدكتور محمد سليم العوا حول الإسلام والديمقراطية، وحاول محاوره وهو من أقدر وأبرع المحاورين أن يلقى في ثنايا الكلام بهذه (المعلومة) عن جبهة الإنقاذ ، على أنها مسلمة من المسلمات، وتمر الجملة في ثنايا الحديث، ولا يلتفت إليها الدكتور العوا، فتصبح أكثر مصداقية بسكوته عنها وإقراره لها.
ولكن الدكتور العوا بفطنته ووعيه، وسرعة بديهته أدرك ما يرمى إليه صاحبنا ، فقال له: لحظة من فضلك يا أستاذ (فلان) ، لابد من بيان هذا الأمر:
" أنا كان لي الشرف أن أكون ضمن هيئة الدفاع عن رجال جبهة الإنقاذ أمام المحاكم الجزائرية، وكان لابد لى أن أدرس وثائق الجبهة بدقة وعناية زائدتين من أجل الدافع، فتبين لى كذب هذا الاتهام الذي شاع وذاع، وأن لدى الجبهة برنامجا شاملا كاملا مفصلا، قد نختلف معه أو نتفق، كليا أو جزئيا ، ولكن المهم أن ما شاع على أنه الحقيقة بعينها هو الباطل بعينه.
وهنا أسقط في يد المحاور اللامع، وهو أحد (دبابات) الإعلام التي تحسن دك الحصون الإسلامية وتخريبها من داخلها وخارجها، وبراءة الأطفال في عينيه، فهو دائما مستفهم في هدوء، يوحى لضيوفه أنه يتعلم منهم، ويسألهم صراحة أن يعذروا جهله، ولكن لو تأملت ودققت ، ستجد أنه في كثير من الأحيان يلقى على ضيوفه الكبار ما يريده، ويجربه على لسانهم هم، وهذا ما حاوله مع الدكتور العوا، ولكنه لم يفلح.
نعود لموضوعنا، فنقول لأستاذنا الجليل فريد عبد الخالق : ما يدرك لعل لديهم برنامجا وأنت تلوم؟
(3) وبمناسبة المشروع الكامل الشامل، اندفع الأستاذ فريد عبد الخالق يتحدث بحماسة شديدة عن عصر المعلومات، وتدفق المعرفة، والانترنت، ولم أدر لهذا الكلام موقعا ولا مناسبة، إلا إذا كان يدعو الإخوان الآن فقد كان الحديث ما زال عنهم إلى التزود من هذه المعارف، وإتقانها، وهذه نصيحة لا يردها أحد، وإن كانت معلومة من الواقع بالضرورة ، ولكن لا بأس.
ولعل الأستاذ يريد أن يقول: إنه لا عذر للإخوان في عدم امتلاك برنامج مع إتاحة هذه الأدوات والوسائل التي تيسر الحصول على المعلومات، وهذا أيضا كلام مقبول، وعلى العين والرأس.
ولكن كيف غاب عن الأستاذ فريد وهو الرجل الحركي ما يجرى على الساحة من حوله؟ ألم يقرأ في الصحف أنه تم القبض على فلان وعلان من الإخوان المسلمين، وأنه بتفتيش المسكن والمكتب ضبط (كمبيوتر وديسكات) أي والله هكذا نشر، المضبوطات " كمبيوتر وديسكات"، مع أننا سمعنا من وزير التربية عن مشروع قومي شعاره (كمبيوتر لكل بيت)،ولكن عند القبض على الإخوان تصبح حيازة الكمبيوتر جريمة.
(4) إن البرنامج المفصل يحتاج إلى معلومات وإحصاءات ، وإلى لجان، وحلقات نقاش، ومؤتمرات ومناظرات، ومراجعات، فهل يتاح ذلك؟ في ظل قانون الطوراىء الذي يجرم اجتماع أي عدد من الأشخاص إلا إذا كان على طعان، أو شراب، أو غناء، أو رقص؟ أما ما عدا ذلك، فالاجتماع جريمة، أما المعلومات والإحصاءات ، فحيازتها ، حتى ما هو منشور منها قد يكون عند القبض على حائزها قرينة على سوء النية والتآمر، وقد يدفع بصاحبها إلى المحكمة العسكرية.
(5) كنا نتمنى من الأستاذ فريد عبد الخالق، وقد هزتنا حالة الشفافية الصوفية والروحانية والصفاء، التي كانت بادية عليه بوضوح، حتى كانت تمسك لسانه أن يقع في جلاديه، بل كان في أغلب الأحيان كأنه يعتذر عنهم، ويحاول أن يجد لهم حسنات، فحدثنا عن الذين رقوا له، وتألموا من أجله، أكثر مما حدثنا عمن عذبوه، وأهانوه، وهذا نبل وسمو لا يقدر عليه كل أحد.
كنا نتمنى من الأستاذ فريد، وقد تقدم إلى الإخوان بنصائحه، أن يتقدم أيضا إلى المسئولين بمثلها، وإلا لن يستطيع الإخوان العمل بنصيحته تحت وطأة هذه الأحوال.
كنت نتمنى أن يتقدم إلى أولى الأمر فينا أن يتركوا للناس حرية الاجتماع، والمناقشة، والتفكر،والحركة، والعمل، والكتابة والنشر، وعندها ستتفجر الطاقات لدى شباب هذه الأمة المكبوتة، وتتضح الطرق، وتتضح المناهج ، ويجد كل شاب بالتجربة والخطأ المكان المناسب له، فتتعافى الأمة، وتنهض مما هى فيه؛
فشبابنا الذي هو نصف حاضرنا، وكل مستقبلنا ضائع مضيع، لا تتاح له الفرصة لاختبار قدراته، واكتشاف مواهبه، أين هو من مؤسسات المجتمع المدني، ومشاركاته فيها؟ إن الأستاذ فريد عبد الخالق يعرف أن اجتماعات الطلاب بالجامعات ، وتظاهراتهم ، هى التي أنبتت لمصر زعماءها، وخطباءها، وشعراءها، وكتابها، وكشفت عن المواهب القيادية، والقدرات الجهادية؛
فكان يجب على الأستاذ فريد، وقد تصدى لدور الموجه وهو أهل لذلك أن يتوجه إلى المسئولين أن يرفعوا كابوس قانون الطوراىء ويتيحوا للأحزاب أنتخاطب الجماهير في اجتماعات عامة في السرادقات والصالات المفتوحة، ويرفعوا القيود عن إصدار الصحف، وإنشاء الأحزاب، والجمعيات، والروابط، بلا قيود ولا حدود، إلا قانون العقوبات، والقاضي الطبيعي؛
وعندها ستدب الحياة في المجتمع، وسيأخذ بعضه بيد بعض، ويجد الشباب المناخ الطبيعي، فيعبر عن نفسه في الضوء، وبصوت مسموع، وبهذا نقضى على خفافيش الظلام، فلا عذر حينئذ لمن يعمل تحت الأرض، هذا ما كنا نتمنى أن نسمعه من الأستاذ فريد عبد الخالق؛
أما الكلام عن عصر المعلومات، وثورة الاتصالات، فهذا كلام معاد مكرور يقوله كل أحد ، وأما من في قامة ومكانة أستاذنا فريد عبد الخالق، فكنا نتمنى أن نسمع منه ما هو به أليق وأجدر، والله من وراء القصد.

حسن البنا لم يمت نادما

ومما يدخل في باب التاريخ وحسن قراءته ووعيه، تفسير النصوص والأقوال التي تؤثر عن الكبار من قادة وأئمة ، فمن هذا مثلا ذلك القول الذي أثر عن حسن البنا طيب الله ثراه ونعنى به قوله " لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لعدت بالإخوان إلى قراءة المأثورات" ، روى عنه هذا القول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله وسمعناه من الأستاذ فريد عبد الخالق مد الله في عمره وحكاه كثيرون عنهما، وربما عن غيرهما؛

المهم أن بعض الإخوان كما حدث من الأستاذ فريد عبد الخالق يرددون هذا القول في مقام يوح بأن حسن البنا كان نادما على أنه دخل بالإخوان ميدان العمل السياسي، والتنظيم السري، والتدريب العسكري، ومعنى هذا أنه لو عاش لانسلخ من كل هذه الأنشطة، ولاكتفى بأن تكون هذه الجماعة جماعة أوراد، وأذكار، تجتمع وتنفض على ذلك، وانتهى الأمر.

وهذا فهم غير صحيح لهذه العبارة ،سببه قطعها عن سياقها، ومناخها، والواقع الذي قيلت فيه لقد قال الشيخ هذه العبارة في وقت عصيب، انفتحت فيه أبواب الجحيم، جحيم السجون والمعتقلات، لتستقبل الأطهار الأبرار من الإخوان المسلمين، وكشر الطغيان عن أنيابه، وأعلن لأنه لن يبقى على بقية من الإخوان؛

وشاعت وذاعت آنذاك أخبار التعذيب وأفانين الأهوال التي يلقاها الإخوان في السجون، التي وصلت إلى حد اعتقال الزوجات والأمهات، والبنات، وصارت الأحاديث تحكى عن العسكري الأسود، وهتك الأعراض، ماذا تنتظر من القائد المرشد في هذا السواد المدلهم؛

وهو يشعر أنه هو الذي جند هذا الجند، وصفه في الميدان، فإذا به يطعن في ظهره، ويحاط به من حيث لم يحتسب؟ قائد لهذا الجند الكريم، رهبان الليل وفرسان النهار، قائد لهذا الجند لابد أن يستشعر المسئولية عما يلاقيه جنده من بلاء، وما يلاقيه أهلوهم وذووهم من جوع وتشريد وامتهان.

ثم إنه قد تأكد أن أجله قد حان، وأنه ملاق حتفه اليوم أوغدا، في هذه اللحظات يتمنى الإنسان كل إنسان أن لو اشتغل طول حياته بتخليص نفسه، ولم يشتغل بغيرها، فكيف به وهو ينوء هذا الحل في ظل هذا الجو العاصف، والطغيان الجارف.

وليس حسن البنا بدعا في ذلك، فقد أثر عن كثير من السلف الصالح ، والأئمة الكبار مثل هذا ، ولم يعد ذلك منهم رجوعا، ولا ندما حاشاهم على ما قدموه من جلائل الأعمال، وما خلفوه من أثر باق أبدا على وجه الدهر .

فمن ذلك ما روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول: " يا ليثنى لم أك شيئا مذكورا ، يا ليت أمي لم تلدني" وروى عمران بن الحصين رضي الله عنه قوله:" يا ليثنى كنت رمادا تذروه الرياح" وعن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول:" يا ليثنى كنت نسيا منسيا" . (راجع في هذا الباب كتاب الخوف والرجاء من كتاب إحياء علوم الدين لأبى حامد الغزالي).

ثم إن التفسير الصحيح لهذه العبارة لا يكون إلا بوضعها مع كل ما أثر عن الشيخ في هذه الفترة من يوم صدور الأمر بحل الإخوان إلى يوم اغتياله وقراءته كله في نسق واحد، وفى ضوء حركته ونشاطه في تلك الفترة أيضا.

لقد عاش حسن البنا بعد قرار حل الإخوان 65 خمسة وستين يوما، كانت أياما عاصفة: فيها قتل النقراشي، وفيها جرت محاولة نسف محكمة الاستئناف، وفيها كانت تداعيات قضية السيارة الجيب التي كان ضبطها قبل حل الجماعة بثلاثة أسابيع.

في هذه الأيام العصيبة اكفهر الجو، ورجفت الراجفة، وصارت القلوب واجفة، والأبصار خاشعة، وراحت النذر تتوالى كل صباح، بل كل ساعة عن المزيد من المعتقلين ، وعن الجديد من أفانين التعذيب والقهر، والامتهان، والإذلال في هذه الأيام كان الإمام الشهيد دائم الحركة والنشاط، لم يكل، ولم يمل كان يسعى بكل ما أوتى من عزم لإنقاذ الإخوان؛

جدد اشتراكه في الشبان المسلمين، وخصص له رئيسها المجاهد محمد صالح حرب باشا مكتبا يليق به بمركزها الرئيس في شارع رمسيس، كان يتخذه مكانا يلقى فيه من يتوسم أنهم يمكن أن يقوموا بدور الوساطة بين الإخوان والحكومة؛

كما كان يزور فتحي رضوان كل ليلة في مكتبه من أجل هذا الغرض ذاته، جاء فيما نشره الأهرام على لسان فتحي رضوان ما نصه:" وكان رحمه الله يتفضل بزيارتي كل ليلة بالمكتب وكانت بداية الحديث بيننا قوله لى مداعبا"

" ماذا فعل الباشا لنا وبنا؟ نسينا أم غضب علينا؟ وكنا نضحك.. وكنت أقول له: أما قلت لك: إن الخلاف بينك وبين الحكومة خلاف مبدئي، لا تنفع فيه وساطة الوسطاء، وكنت تقول: هذا باب مفتوح يجب أن نطرقه، حتى لا تكون في نظر الناس قد قصرنا في شيء.

بجانب هذا النشاط الدائب ليل ونهار، بحثا عن أي وسيلة للتخفيف عن الإخوان، والتوفيق بينهم وبين الحكومة، بجانب ذلك قام بإعداد مذكرة ضافية تقع في أكثر من عشر صفحات، فند فيها الأسباب التي اعتمد عليها عبد الرحمن عمار وكيل وزارة الداخلية في مذكرته التفسيرية لقرار حل (الإخوان المسلمين) وتعد هذه المذكرة رجعا تاريخيا مهما، حيث فندت بالبراهين والأدلة الساطعة كل التهم التي وجهها عبد الرحمن عمار إلى الإخوان، وجعلها سببا موجبا لحل الإخوان.

ويهمنا نحن هنا ما جاء من تأكيد المرشد الشهيد أن عمل الإخوان بالسياسة ليس خروجا عن الدين، بل من صميم الدين، فقد جاء فيها:

" إن الإخوان المسلمين كهيئة إسلامية جامعة مزجت الوطنية بروح الدين، واستمدت من روح الدين أسمى معاني الوطنية، ولم تبتدع ذلك ابتداعا ، ولم تخترعه اختراعا، وإنما هى طبيعة الإسلام الحنيف، الذي جاء للناس دينا ودولة".
كما دافع أيضا عن اشتغال الإخوان بالتدريب العسكري، وجمع السلاح والذخيرة، وبين أن ذلك كان بتصريح من الحكومة، من أجل الجهاد في فلسطين، وأفاض في ذكر الوقائع والمعارك التي خاضها الإخوان، والمواقع التي احتلوها، والمساعدات التي قدموها للجيش المصري

وختم ذلك بقوله:

" كان طبيعيا أن تحصل الحكومة على بعض عتاد لم ينقل، وأن تجد لدى الإخوان بقايا من هذا السلاح، ولكن ليس معنى ذلك أبدا أن الإخوان المسلمين المؤمنين المجاهدين المحسنين قد أصبحوا خطرا يهدد سلامة الأهلين في الداخل ، وهم دعامتهم، أو سلامة الجيوش في الخارج، وهم زملاؤهم".

كما كان يشغله ويهمه أمر الإخوان المجاهدين الذين كانوا ما زالوا في الميدان في فلسطين رغم حل الجماعة حيث كان يخشى أن تؤثر أخبار الحل وما تبعها من سجن وتشريد وتعذيب في صفوف المجاهدين، وأدائهم في الميدان ، فوجه إليهم بيانا جاء فيه:" أيها الإخوان، لا يهمكم ما يجرى في مصر فإن مهمتكم هى مقاتلة اليهود، وما دام في فلسطين يهودي واحد، فإن مهمتكم لم تنته".

كما جاء في آخر ما كتبه، ونشرته جريدة المصري بعد وفاته، في عددها الصادر في أول أكتوبر سنة 1949م في صفحتها الأولى، وقالت:

" إن فضيلته أدلى إلينا بالحديث الخطير التالي مكتوبا بخط يده، ووقع فضيلته على كل إجابة، (وتأكيدا لصدق الجريدة نشرت صورة بالزنكوغراف للإجابة بخط فضيلته).

ويهمنا هنا من هذا الحديث ما جاء عن جهاد الإخوان في فلسطين، حيث كتب بخط يده:

" لا تزال القوات تجاهد في مراكزها ببسالة وشجاعة وإيمان، وهى تحارب الآن تحت إشراف الجامعة العربية، ولا يمكن الآن تحديد موقفها في المستقبل، وإن كانت القاعدة العامة أن الإخوان المسلمين جميعا قد عاهدوا الله على أن يظلوا مجاهدين في سبيله، حتى تتحرر فلسطين من عصابات الصهيونية المعتدية، وتعود إلى أهلها العرب.

في كل ما كتب حسن البنا بيده، وفى كل ما جرى معه من أحاديث، وفى كل ما قاله لجلسائه وأصفيائه، لم نجد فيه رجوعا ولا تراجعا، ولا ندما، بل رأينا العكس من ذلك تماما، ففي تفنيده لمذكرة عبد الرحمن عمار وجدناه يؤكد أي الإسلام دين ودولة، وأن العمل بالسياسة من الدين، ورأيناه يخاطب شباب الإخوان في الميدان محرضا على القتال، حاثا على الثبات، وعدم الالتفاف لما يقع على إخوانهم ف مصر؛

وفى آخر ما كتبه بيده يقول:

" القاعدة العامة أن الإخوان المسلمين جميعا، قد عاهدوا الله على أن يظلوا مجاهدين في سبيله حتى تتحرر فلسطين من عصابات الصهيونية المعتدية، وتعود إلى أهلها العرب" فأين هو الرجوع إلى قراءة المأثورات أو الأوراد؟

ثم هذه العبارة:

" لو استقبلت من أمري.. الخ" كم مرة قالها؟ ولمن قالها؟ وفى أي سياق قالها؟ ولماذا لم يكتبها فيما كتب ؟ لم يحكها عنه إلا الشيخ محمد الغزالي رحمه الله والأستاذ فريد عبد الخالق مد الله في عمره وهذا يؤكد تفسيرنا؛

فحينما يخلو من يستشعر دنو الأجل إلى نفسه، أو إلى من يحب، يعبر عن الخوف والرهبة، ويتمنى أن يلقى الله غير مسئول " فمن نوقش الحساب عذب" ورضي الله عن عائشة الصديقة بنت الصديق عندما قالت في مثل هذا المقام:" يا ليتنى كنت نسيا منسيا".

في ضوء هذا يجب أن نفهم عبارة الإمام الشهيد:" لو استقبلت من أمري ما استدبرت لرجعت بالإخوان إلى أيام قراءة المأثورات" فلا يحل لأحد أن يسوقها مساق الدليل على ندم الإمام على ما كان، وليس فيما كان ما يجلب الندم، أو يدعو إلى الأسف.

كما لا يصح لهؤلاء الإخوان الكرام الذين يغلبهم حسن النية، القول:

" بأن الإخوان تعجلوا، وشعروا بقوتهم، فاندفعوا إلى الجهاد في فلسطين، في استعراض واضح للعضلات، مما لفت إليهم الأنظار، واستعدوا الداخل والخارج".

غفر الله لهؤلاء الكرام، إنهم يقولون ذلك وهم بعيدون الآن عن الظروف، والأحوال ، والمشاعر والعواطف التي كانت في هاتيك الأيام، ولو انتظر حسن البنا بالإخوان دهرا ثم شارك في الجهاد بأبناء الجماعة وأبطالها ، لنالها مثل ما ناله في سنة 1948م.

إن القول بتعجل الإخوان حيف في الحكم ، ووضع للأمور في غير نصابها، بل فيه تبرير للطغيان، الذي خان الجهاد والمجاهدين، وطعنهم في ظهورهم، وكافأهم على بطولاتهم وتضحياتهم بالسجن والتعذيب والتشريد.

لم يخطى الإخوان، ولم يتعجلوا، والحكم الصحيح يجب ألا يجعل المعيار هو النجاة من ا لبطش والطغيان، بل يجب أن يظل الصواب صوابا، مهما وقع على صاحبه، بل الشأن دائما أن الابتلاء والمحن من نصيب أصحاب الحق الثابتين عليه، المؤمنين به، المستقتلين في سبيله.

ويقرب هذا المعنى ما حدث بعد نحو ثلاثين سنة حين نادى منادى الجهاد في بلاد الأفغان ضد السوفيت، فقد رأينا الدول والهيئات، الرسمية وغير الرسمية، تستنفر الشباب للجهاد دفاعا عن شرف الأمة، وذودا عن دينها، وبذلت المال في سبيل إعدادهم، وسخرت كل إداراتها في سبيل تيسير الطريق إلى بلاد الأفغان.

وفى سبيل ذلك جيشت العلماء لتعبئة النفوس، وملئها بمعاني البذل والفداء، فعقد العلماء المؤتمران، وتباروا في التأكيد أن هذا جهاد مقدس، وأن الموت فيه شهادة، واندفع شباب أمتي مطيعا لأمرائه، سميعا لعلمائه، فتركوا أهلهم وذويهم، ودراستهم، وأداروا ظهرهم لهذه الدنيا.

ودارت عجلة الجهاد، وطحنت منهم من طحنت، فبشروا أهلهم بالشهادة، وألفت الرسائل عن المعجزات التي نزلت عليهم في الميدان من السماء ، وكثر حديث العلماء عن " آيات الرحمن في جهاد الأفغان" وقرأنا كتابا بهذا العنوان موثقا ومعتمدا من أكبر الرؤوس في العلم والفتوى، واندحر الروس، وانتصر المجاهدون، وسقطت قوة عظمى من قوى عصرنا، فتمزق الاتحاد السوفيتي، وأصبح في خبر كان.

فماذا جنى المجاهدون؟ ماذا جنى المجاهدون الذين هيأتهم دولنا، وحرضهم علماؤنا؟ ماذا جنى الذين استنزلوا بإخلاصهم وصدقهم بركات السماء، فجددوا عصر المعجزات؟ ماذا جنوا؟

بين عشية وضحاها صاروا إرهابيين؟ وصكت لهم المصطلحات ، فهم أحيانا العرب "الأفغان" ، وأحيانا " تنظيم القاعدة" ، وحينا " الأصوليون" ، وحينا " المتطرفون" ، وحينا " الإسلاميون المتشددون".

وصاروا مطاردين مطلوبين للمحاكمة في نفس الدول التي أعدتهم وجهزتهم، وعقدت لهم الرايات، ورفعت لهم الأولوية وأعجب ما في الأمر هو غيبوبة العلماء، والدعاة، والهيئات والروابط العلمية التي عقدت المؤتمرات والندوات عن الجهاد، وفضل المجاهدين ، وجزائهم عند ربهم، وأثرهم في صيانة شرف الأمة، وحماية عرضها، ومن قبل ومن بعد حماية دين الله ، من الكفرة المارقين، والشيوعيين الملحدين.

أين ذهب العلماء؟ أين مؤتمراتهم؟ أين فتاواهم؟ ألا يرون؟ ألا يسمعون؟ لست أدرى. إن ما جرى للإخوان المسلمين في سنة 1948م يسبه هذا ، أو هذا يشبه ما جرى للإخوان المسلمين، والله وحده المستعان على كل بلية، ونعود فنكرر فلنحسن قراءة التاريخ.

الفصل الثاني:الإخوان والعنف

هذا هو الموضوع الأهم، وهو مقصودنا ومعودنا في هذه الصفحات، ذلك أن اللغط في هذه القضية لا ينقطع، ولا يكاد يمر يوم حتى تكال ههذ التهم للإخوان المسلمين، حتى سارت تساق مساق المسلمات، التي ثبتت، والبديهيات التي استقرت، ومن عجب أنه باللجاجة، والإلحاح، والتكرار صار ذلك مسلما بعد عند العامة، بل مع الأسف عند كثير من الإخوان، الذين وقعوا صرعى هذا القصف الاعلامى، وسقطوا ضحايا هذا التضليل المعلوماتى.

فها أنت ترى كثيرا من كبار الإخوان وشيوخهم في كتاباتهم ، وفى أحاديثهم يرددون هذه الاتهامات بصورة أو بأخرى، بحجة ضرورة النقد الذاتي، والالتزام بالموضوعية، ونحن لا نرضى بالموضوعية بديلا، ولا نبغي عن المنهج العلمي حولا ولا نرفض النقد الذاتي، بل نراه واجبا دينيا "حاسبو ا أنفسكم قبل أن تحاسبوا"

ولكننا نطلب أمرين: أحدهما التثبت من وقوع الحدث التاريخي، موضوع التحليل والدراسة وأنه وقع فعلا بالقدر والحجم، وعلى الهيئة التي وصل بها إلينا.

ثانيهما : قراء الحدث قراءة صحيحة، وتفسيره التفسير السليم، وذلك يستلزم ضرورة اتباع المنهج العلمي في قراءة التاريخ، الذي يقوم على الإحاطة بالظروف والأحوال التي وقع فيها الحدث، ومن ثم معرفة البواعث التي دفعت إليه، وهذا يستدعى القدرة على تمثل الحالة الشعورية والنفسية، لمن قام به، واستبطان عواطفهم، والإحساس بانفعالاتهم؛

وبالجملة، أو بتبسيط هذا المعنى، يجب على من يتصدى لكتابة التاريخ وتحليله، واستنباط قوانينه، واستخراج عظاته وعبره، يجب على أن يكون قادرا على الوقوف في المركز من دائرة الحدث التاريخي، ووضع نفسه مكان كل واحد من أبطاله؛

وهذا ما أجمله ابن خلدون في عبارته الرائعة التي نعيد ذكرها هنا:" عدم الذهول عن تبدل الأحوال في الأمم والأجيال ، بتبدل الإعصار ، ومرور الأيام" وجعل ابن خلدون هذا من الغلط الخفي في التاريخ، وقال :" إنه الداء الدوى شديد الخفاء الذي لا يتفطن له إلا الآحاد من أهل الخليقة".

فليحذر هذا الداء مؤرخون هذا الزمان، الذين صار كل همهم جلد الأسلاف وركلهم في كبرياء بغيض، واستعلاء كريه، باسم الموضعية الموهومة، والنقد الذاتي المغلوط.

ومظاهر العنف التي يعير بها الإخوان هى:

  1. التشكيلات العسكرية (الجوالة).
  2. النظام السري (الجهاز الخاص).
  3. الأحداث الدموي (النسف والاغتيال).

وسنتناول كل واحدة من هذه بالتفسير والتحليل في الصفحات التالية.

أولا: التشكيلات العسكرية

كان للإخوان فرق من الجوالة ، يلبسون القميص نصف كم، والبنطلون الشورت، وكلاهما من اللون الكاكى، ويضعون حول أعناقهم المنديل بالطريقة المعروفة لدى الكشافة، ويحلون صدورهم بشارة الكشافة وشعارها (كن مستعدا) ؛

وكانت تشكيلات الجوالة هذه تقوم برحلاتها الأسبوعية، ومعسكراتها الصيفية في طول البلاد وعرضها، ويراها الناس في غدوها ورواحها حاملة علمها، مرددة نشيدها، يجرى ذلك تحت سمع الدنيا وبصرها. كما كانت الجوالة تقوم على حراسة التظاهرات والاحتفالات الإخوانية وتنظيمها.

عاشت جوالة الإخوان ما عاشت، لم تسجل لها حادثة اعتداء واحدة، ولم يحدث من هذه التنظيمات شبه العسكرية على كثرة عددها، واتساع حركتها ونشاطها أي احتكاك، لا بتنظيم ، ولا جماعة، ولا بالمواطنين ، كما حدث من غيرها، كما سنبين لاحقا.

ومع كل هذه الاستقالات ، وكل هذا الانضباط ، نسمع الآن من يرفعون عقيرتهم في الفضائيات، ويطلقون ألسنتهم في المحافل والمجامع يتهمون حسن البنا والإخوان بالاستقواء ، واستعراض العضلات والتباهي بتشكيلاتهم العسكرية، وأنهم كانوا دولة داخل الدولة، إلى آخر هذا الهراء، وهذه المفتريات.

وبضدها تتميز الأشياء

تنظيمات الإخوان وتنظيمات غيرهم:

لم يكن الإخوان وحدهم الذين يملكون هذه التنظيمات شبه العسكرية، بل كانت تشكيلات الإخوان أبعد ما تكون عن الشكل العسكري، بزيها الذي وصفناه آنفا.

تنظيم الوفد العسكري:

كان لحزب الوفد تنظيم عسكري، وأقول " عسكري" وأقصد معناها، وقد سمى هذا التنظيم باسم: القمصان الزرقاء ، فقد كان الزى الذي يلبسه هذا التنظيم يتكون من قميص أزرق من قماش سميك، ويشبه في شكله وأزراره ملابس الجنود، أما البنطلون، فلم يختاروا الشورت لباس الكشافة، وإنما اختاروا البنطلون الطويل في لونه الكاكى العسكري، شكلا ونوعا.
وكان لهم استعراض أسبوعي، فمثلا كانوا في الإسكندرية يتجمعون يوم الأحد في منطقة الأزاريطة في مواجهة البحر، وعندما يلتئم جمع الفرق كلها، يبدأ الاستعراض، يتقدمهم قائدهم، والموسيقى العسكرية، والموتوسيكلات، ويطوفون بالشوارع والميادين الرئيسية.

ويقول الأستاذ محمود ثابت (من شهود المرحلة ومؤرخها):

" كانت جماعة القمصان الزرقاء تلزم الهدوء غالبا ما دام الوفد في السلطة، وكانت لهم صفة رسمية مبهمة.وأما إذا لم يكن الوفد في السلطة، فقد كانوا ينطلقون لتنفيذ معارك في الشوارع ، وشن هجمات على ممتلكات السياسيين المعارضين، وبلغت الأمور ذروتها عندما قام حشد من غوغاء القمصان الزرقاء بمهاجمة وحصار دار محمد محمود باشا ، وهو شخصية محترمة، وكان وزيرا وفديا ثم انشق على الوفد وأصبح رئيسا للأحرار الدستوريين".

ثم يستطرد الأستاذ عادل محمود ثابت قائلا:

" وعند هذه النقطة ينبغي أن نستطرد قليلا، ونسجل هذه الحقيقة العجيبة، وهى أن مستر إيدن في لندن، والسفير الإنجليزى في القاهرة كانا يلقيان بكامل ثقلهما وراء الوفديين ، الذين كانوا يتصرفون بهذه التشكيلات العسكرية مثل النازيين ا.هـ .
يعنى أنه يعجب من حملة بريطانيا على النازي، بسبب الأساليب العسكرية التي يستعملها في إرهاب خصومه، ثم يقفون وراء الوفد الذي يتبع نفس الأساليب (سياسة الكيل بمكيالين) ولا جديد تحت الشمس.
ولقد سمعت بأذني من أحد أساتذتنا، ونحن في السنة ألأولى الثانوية سنة 1947 قال أستاذنا وهو ممن أدرك القمصان الزرقاء ، ويحكى عنهم حكاية شاهد عيان قال: " لقد استفحل أمر القمصان الزرقاء، حتى كان الواحد منهم إذا كانت له حاجة في إحدى الدواوين الحكومية يدخل منتفخ الأوداج، معرفا بنفسه قائلا: من القمصان الزرقاء (قائد فيلق) .. (قائد فرقة)، ثم يهدد طالبا إنجاز موضوعه فورا وإلا..
بل أكثر من ذلك كانوا يدخلون الأسواق والمحال التجارية ، ويقلبون البضائع ويساومون البائع، ولكنهم في النهاية يأخذون ما يريدون، ولا يدفعون إلا الثمن الذي يعجبهم، ويتهمون البائع بالمغالاة، ولا يملك المسكين لهم ردا، هذا خلاصة ما قاله شاهد عيان.

القمصان الخضراء:

وعلى نفس المنوال كان تشكيل القمصان الخضراء، التابع لحزب مصر الفتاة، ومع أنهم كانوا أقل عددا من القمصان الزرقاء، إلا أنهم كانوا من عناصر ذات عقيدة اشتراكية وطنية، وأكثر تشددا في وطنيتهم، وسموا في أهدافهم.
وكثيرا ما كان القمصان الزرقاء تعجبهم كثرتهم، وتلعب النشوة برؤوسهم فيفتعلون معارك ومصادمات مع القمصان الخضراء من وقت آخر.

القمصان السوداء:

ولقد بلغ شيوع هذه التشكيلات شبه العسكرية، ومسألة القمصان هذه أن الايطاليين المقيمين في مصر كان لهم فرق تسمى القمصان السوداء . وكان يستعرضها السفير الايطالي علنا في القاهرة، وهو يرتدى كل الشعارات الفاشية، ويرفع ذراعه بالتحية الرومانية، تحت أنظار كبار الشخصيات المصرية الذين كان يظهر في عيونهم الإعجاب بهذه المناظر.

في فلسطين وفى السودان:

ولم تكن التشكيلات شبه العسكرية هذه قاصرة على مصر فقط، فقد عرفت منها في فلسطين (النجادة) و(الفتوة)، وكان في السودان (شباب الأنصار) التابع لحزب الأمة، و(شباب الختمية) التابع للحزب الوطني الاتحادي.

مصدر هذه التشكيلات والتنظيمات:

ويبدو أن هذه التشكيلات جاءتنا من أوربا، وبخاصة من ألمانيا وإيطاليا، فقد كانت الأنباء تتوالى عن هذه التنظيمات التي كانت تسمى القمصان البنية والقمصان السوداء تجوب شوارع برلين وروما، والمدن الألمانية، والايطالية...
وهى تنشد الأناشيد الوطنية، وتتقدمها الموسيقى العسكرية، وتأتينا الأنباء عن البعث الجديد لألمانيا التي كانت قد تحطمت تمام في الحرب العالمية الأولي، وترفع رأسها الآن، وتتوثب للانتقام من عدوها، فكان هذا داعيا على نحو ما لاستلهام أساليبهم، فعدونا وعدوه واحد.
يعنيا من كل ما تقدم أن اتهام حسن البنا والإخوان باستحداث هذه التشكيلات العسكرية، إرهابا للآخرين واستعراضا للعضلات اتهام باطل، لا أصل له، فها أنت ترى أن هذه التشكيلات عسكرية، أو شبه عسكرية كانت سمة العصر في الغرب في الشرق، في البلاد العربية وفى مصر ولم يكن حسن البنا مبتدعا أو منشئا لها.
بل إن الواقع يؤكد أن حسن البنا نأى بالإخوان عن هذه الصورة العسكرية، عندما اختار لهم القميص نصف كم والشورت، وسجل تنظيمه ضمن جمعية الكشافة العالمية، ولذا لم يشملها قرار الحل حينما تدخلت السلطات لوضع حد لتجاوزات ههذ التنظيمات، وأصدرت القرار الحاسم بحلها.

ومرة أخرى نؤكد:

أن تشكيلات الإخوان هذه (الجوالة) لم يعهد منهم، ولم يؤخذ عليهم أي تجاوز، وإنما كانوا مثالا للالتزام الكامل بالأخلاق والآداب، قبل الالتزام بالقانون.

ثانيا:التنظيم السري أو الجهاز الخاص

لم يكن التنظيم السري رجسا من عمل الشيطان، وليس هو المسئول عن النكبات التي أصابت الجماعة:من حل وإلغاء لها، وسجن لقادتها، وتشريد لأعضائها، وقتل لمرشدها، وذبح لأبنائها، ووأد لزهرة شبابه كما يحاول بعض إخواننا الكبار تطوير ذلك..

إن هؤلاء العقلاء من كرام إخواننا يرون أن الجهاز الخاص بقتله للنقراشي جر على الإخوان كل الكوارث التي أحاطت بهم، ويظنون لحسن نيتهم أنه لو لم يقم الجهاز الخاص بهذا لما حدث للإخوان ما حدث، ولا كان ما كان.

وهذا إفراط في حسن النية، شبيه بقول من يقول:

" إن المقاومة الفلسطينيين وعملياتها الاستشهادية هى التي تعطى الذرائع لإسرائيل لتقوم بما نراه من عمليات الإبادة، وإهلاك الحرث والنسل للشعب الفلسطيني.

والواقع عند من يتأمل قليلا أن إسرائيل ماضية في تنفيذ (إستراتيجيتها) وليست في حاجة إلى ذرائع، ودليلنا على ذلك أمور:

  1. أن الفلسطينيين وقعوا معاهدة (أوسلوا) وأخلصوا لها، وتحدث أبو عمار أمام العالم كله في حفل نوبل للسلام عن صورة المستقبل القادم، وأطفال الفلسطينيين والإسرائيليين الذين يلعبون معا في حديقة واحدة، ويتبادلون الزهور والورود، ويتنافسون في قنص الفراشات الملونة.. إلى آخر ما قال.
  2. أن الفلسطينيين أذعنوا وأطاعوا ، وقاموا بتغيير الميثاق الوطني الفلسطيني، فاعترفوا بإسرائيل ، وألقوا السلاح، ونبذوا الجهاد، وأعلنوا أن السلام خيارهم الاستراتيجي الوحيد.
  3. وبناء عليه تداعى العرب، وتنادوا في الأمم المتحدة بإلغاء القرار السابق الذي كان قد صدر من المنظمة الدولية بأن إسرائيل دولة عنصرية.

وفعلا ويا للهول تم إلغاء لقرار بتوجيه من الدول العربية وتحريضها. وانتظر الفلسطينيين أكثر من سبع سنين ذلك السلام المنشود، فلم يأتهم إلا التخريب والتدمير، والقهر والإذلال، والقتل والسحل، والاستيطان والتهام الأرض والثروات.. إلى آخر ما كان.

فالتنكيل بالإخوان المسلمين وتشريدهم، وإقصاؤهم كان هدفا مقصودا، من حكام الداخل، وأعداء الخارج، سواء كانت هناك ذرائع أو لم تكن، وهذا الآن أمر اتضحت معالمه، وظهرت أبعاده، ونشر ما كان مطويا من أسراره ووثائقه.

لم يكن الإخوان بدعا في إنشاء الجهاز الخاص، فقد كان العمل السري من طبيعة المرحلة، وخصائص ذلك الوقت، بل قل:إنه كان موضة العصر، قد كان العمل السري هو ألأسلوب المتبع في العامل كله: في الغرب والشرق، فقد كانت التنظيمات السرية هى عماد حركات التحرر والنضال في أوربا ضد القوى التي أتاح لها الانتصار في الحرب العالمية الأولي أن تمزق ألمانيا ومن كان معها، وأن تجثم على صدرها.

وفى مصر منذ مطلع القرن العشرين كانت التنظيمات والتشكيلات السرية هى عماد النضال الوطني، وكان أبناء الزعماء والباشوات هم عماد ههذ التنظيمات، فقد أعدت دراسة أكاديمية بعنوان (الحزب الوطني والنضال السري من 1907- 1915) تحدثت عن التشكيلات السرية المتعددة للحزب الوطني، وأعمال العنف التي ارتكبتها، والمساندة التي تلقتها، واحتفاء بهذا النضال السري نشرت هذه الدراسة مؤسسة حكومية رسمية هى (الهيئة العامة للكتاب).

  • وكان لحزب الوفد جهازه السري، بل أجهزته، وجهازه الشهير بقيادة عبد الرحمن فهمي هو الذي كان وراء محاولة اغتيال رئيس الوزراء (يوسف وهبة باشا) .
  • وكان أحمد ماهر باشا رئيس الحزب السعدي، ومحمود فهمي النقراشي باشا الذي خلفه في رئاسة الحزب، كانا من رجال الأجهزة السرية، ووقفا في قفص الاتهام في محكمة الجنايات.
  • وكان للقصر في عهد الملك فاروق أجهزته السرية الخاصة به، حتى في الفترة التي كان الملم فيها ملتصقا بالشعب، والنضال ضد الاحتلال. يقول عادل محمود ثابت مصورا حالة الغضب الشعبي المكتوم عقب حصار قصر عابدين بالدبابات ، وفرض النحاس باشا رئيسا للوزراء؛

يقول:

" وفى المساء جاءني صديقي.. وقال:لدى رسالة خاصة لك، لقد وقع الاختيار عليك كواحد من قوات (التشكيل الجديد) وسوف تصرف لك الملابس الرسمية، والأسلحة، وستعين في وظيفة مهمة، لا أستطيع أن أذكرها لك بالضبط؛
ولكن سيكون عليك على الأرجح أن تقتل أحد الوزراء الوفديين ، إنه بطبيعة الحال شرف عظيم، ولن تستطيع أن ترفض، كان الملك حتى ذلك التاريخ أمل الشعب، وعنوان النضال ضد الاحتلال، ولذا اعتبر حصار قصره وإهانته في ذلك الوقت إهانة للأمة كلها.
وقد تعاون الحزب السعدي، حزب أحمد ماهر، والنقراشي، وإبراهيم عبد الهادي مع القصر وأجهزته، بعدما انحرف فاروق، ووجد أن مصانعة الإنجليز، والوقوف في وجه النضال أسلم له، وأبقى على ملكه في هذه المرحلة تعاون الحزب السعدي مع أجهزة القصر، وأشارت إليهم أصابع الاتهام في أبشع محاولة اغتيال شهدتها مصر، وهى نسف قصر النحاس باشا بسيارة مفخخة.
  • والأعجب من كل هذا أن ينشىء عبد الناصر الذي كان يسخر علنا في خطب مذاعة على الهواء من الإخوان ونظامهم السري، ويتهمهم بالخيانة عبد الناصر هذا ينشىء الجهاز السري الطليعي داخل الاتحاد الاشتراكي ومنظمات الشباب، وكانت له خلاياه السرية، ونشراته التي عليها أرقام كودية سرية، ومكتوب عليها التحذير الشديد بعدم إفشاء أسرارها، أو أسماء أعضائها بصفة تهديدية ، وكان لها تقاريرها السرية، وكان أعضاؤها منتقون بعناية.
  • وأعجب العجب أن الرئيس السادات عندما أنشأ الحزب الوطني، حاول أن ينشىء داخله جهازا سريا، وكلف الوزير منصور حسن بذلك، وقام فعلا بتكوينه، واختيار أعضائه، ولولا أن تسربت أنباؤه، وعارضه نائبه حسنى مبارك، لما توقف. كانت التنظيمات السرية إذا من طبيعة المرحلة، كان هذا روح العصر، ولم تكن عارا وشنارا كما هى الآن.

وإذا أردت مثالا يقرب لك هذه الصورة، فانظر إلى ما هو كائن الآن من الإيمان الكامل بالخصخصة، واقتصاد السوق، وحرية التداول، وانظر إلى ما كان في الستينات من القرن الماضي من الحديث عن الإشتراكية والتأميم، وسيطرة القطاع العام؛

يومها كان الحديث عن الخصخصة واقتصاد السوق مجرد الحديث يعتبر خيانة للمسئولية، وعداء للشعب ، حتى كانت تتردد بذلك الأغاني والأهازيج، التي كانت تصدع رءوسنا بكرة وعشيا:" ونزمر لك كداهه ، ونصفر لك كادا هه، ونقول لك: يا عديم الإشتراكية، يا خاين المسئولية".

أعود فأقول: كانت التنظيمات السرية مقبولة من الجميع، واعتمدتها كل القوى السياسية، واتكأت عليها، بل فاخرت بها، ولم يكن الإخوان بدعا في هذا، وأصدق مثال، وأبلغ دليل على الإعجاب بالأجهزة السرية، وتقدير العمل السري ذلك المقال المشهور، الذي أعجب به كثيرون ممن يعيبون العمل السري الآن ذلك المقال المشهور نعرضه فيما يلي:

مهندسو القاع ومهندسو السطح:

كان هذا عنوان مقال أعجبنا به، وما زلت أذكر كيف اجتمعنا ونحن يومها طلاب بالثانوي حول أحدنا، وهو يقرأ لنا المقال بصوت عال، ويضغط على مخارج الحروف، ويضخم ويفخم الكلمات بحسب المعنى الذي يريد أن يلفتنا إليه، ونحن نتابع بإعجاب، وإصغاء، واستيعاب ووعى، ما زلت أذكر عباراته وجمله وألفاظه.
كان المقال يصور (جماعة الإخوان) بالسفينة العظيمة التي تتكون من عدة طوابق، وتبحر في أعالي البحار والمحيطات، تقهر الأمواج والأنواء، والعواصف والأعاصير .. هذه السفينة يسيرها جماعتان من المهندسين، جماعة في قاع السفينة بين ضجيج الماكينات والآلات ، وحرارة الوقود والغازات، ورائحة الزيوت والكيماويات، تتلطخ ثيابهم وأيديهم بهذا وذاك، هؤلاء هم مهندسو القاع.
أما مهندسو السطح، فهم الذين يروحون ويجيئون على سطح السفينة ، ويترددون بين طوابقها، ويختالون في ممراتها، وفى جنبات مطاعمها، ونواديها، بملابسهم البيضاء، وحللهم الزاهية، وشاراتهم المذهبة، ينظر إليهم السفر في إجلال وإكبار ، وهم يبتسمون في أناقة، ويتحركون في رشاقة، ملء السمع والبصر، ومحل التقدير والإعجاب من المسافرين.
أما مهندسو القاع، فلا يراهم أحد، ولا يسمع بهم، ولا بنظر إليهم، ولا يشعر بمكانهم، ولو صعدوا إلى السطح ، لأقحمتهم الأعين، وازدرتهم النظرات وتحاماهم الركاب، وتحاشوا القرب منهم.
وإذا تدبرنا وتأملنا لأخذ منا العجب كل مأخذ ، فمهندسو القاع هؤلاء هم الذين يسيرون السفينة على الحقيقة هم الذين يزودونها بالوقود، ويمنحونها الطاقة ويعطونها القوة، ويعملون على سلامتها وصيانتها، فدونهم لا يمكن للسفينة أن تتحرك، ولا أن تنجو من العواصف والأنواء" انتهى ملخصا.
يضرب الكتاب صاحب المقال السفينة مثلا للدعوة ولجماعة الإخوان، فمهندسو القاع هم جماعة الجهاز الخاص، ومهندسو السطح هم قيادة الجماعة الظاهرة، أصحاب الألقاب والأسماء، والرؤساء والنقباء والكتاب والخطباء.

صاحب هذا المقال:

لقد كان صاحب هذا المقال هو الدكتور عبد العزيز كامل طيب الله ثراه، وغفر لنا وله كتب ذلك فيما بين منتصف 1946- 1947 م (على ما أذكر)، ثم رأيناه بعد ذلك من أشد الساخطين على الجهاز الخاص، ومن أعنف المهاجمين له، الذين يحملونه وزر كل ما أصاب الجماعة، وصارت (موضة) وتبارت أقلام في الحط على الجهاز الخاص والنيل من قادته ورجاله ووصفهم بما هم منه براء.
وليس هذا النقد من الدكتور عبد العزيز كامل ومن معه بالنقد المقبول، الذي يدخل في باب المراجعة والاستفادة من ألأخطاء، فهذا لا حرج فيه، بل هو ضرورة لابد منها، وقد كان لدى الجهاز الخاص أخطاء لا شك، فلا تثريب على من يناقشها، ويعلنها، ويحدد العوامل التي أدت إليها، ويكشف المسئول عنها، ويرسم الطريق لتفادى تكرارها والوقوع فيها، كل ذلك مطلوب مرغوب، بل من آكد الواجبات والفروض.
ولكن أن ينقض على الفكرة من أساسها بالهدم، ويراها خللا وخطلا، ناسيا أنه كان من أول الداعين لها بالأمس، فهذا ليس من الرأي والنصح في شيء، فكيف صار مهندسو القاع الذين بهم تسير السفينة، ولا تتحرك إلا بجهدهم..

كيف أصبح هؤلاء الأبطال الذين أنكروا ذواتهم، ورضوا أن يكونوا في القاع تبتلا، وإخلاصا وزهدا في الأضواء، وبعدا عما تشرئب له الأعناق، وتتطلع له الأحداق كيف صار هؤلاء بين عشية وضحاها هم أصل النكبة، وسبب المحنة؟ حقا إن المحنة عند البعض تذهب اللب، وتطيش الأحلام،

وما أصدق قول الشعر:

يقضى على المرء في أيام محنته
حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن

من هم شباب الجهاز السري؟

لقد ضم الجهاز السري، أو النظام الخاص أكثر شباب الإخوان إخلاصا وتجردا لله، غيبوا أنفسهم طواعية عن الأضواء، وتحملوا عبأين: عبء المنهج التربوي التثقيفي التعليمي للإخوان، ومعه عبء التدريب العسكري العنيف، ولم يتطلعوا لارتقاء المنابر، واعتلاء المنصات، والإمساك بالميكروفونات، لينالوا نظرات الإعجاب، ويسعدوا بكلمات الثاء، وينتشوا بعبارات الإطراء ويحصلوا على الألقاب؛
لم يكونوا عاجزين عن ذلك لو أرادوه فقد رأينا منهم أصحاب أقلام رشيقة، ولغة أنيقة، وعقلية ناضجة، ظهر ذلك فيما رأيناه لبعضهم من مذكرات ، ومقالات، وما سمعناه من حوارات، بل استدرك بعضهم ما فاته ، ولحق بالركب في عمله المهني، ووصل إلى قمة الهرم الوظيفي في فنه وتخصصه ، بما أظهره من مهارة وجدارة ، وبعضهم دخل ميدان البحث والتأليف، فأجاد وأفاد، وأتى بما لم يأت به الأكاديميون المتخصصون.
على سبيل المثال: مؤلفات أحمد عادل كمال في التاريخ الإسلامى. فما بالهم لو لم تذهب منهم هذه السنوات في سبل التدريب العسكري، وفنون القتال، وصناعة أجهزته وأدواته، وكانت أزهى سنوات العمر.لماذا قلت هذا ؟
إنما دفعني إلى تسجيل هذه الحقيق أن بعض الأحبة، وكان قد أظهر ضعفا وجزعا وهلعا في أيام المحنة ولا عليه، فالله خلق الخلق متفاوتين راح هذا الأخ الكريم يغمز ويومئ حينا ، ويصرح حينا بأن الجماعة لم تستطع أن تستوعب العقول الكبيرة، ولم تفسح المجال للمفكرين والمنظرين..
وسيطر عليها أصحاب الفكر المحدود، والعقلية الضيقة من جماعة الجهاز السري، وكنت تلمح فيه زهوة الديك ببضعة كتب أصدرها في التاريخ، وربما لم يعد أحد يسمع عنها، ولا عنه غفر الله له، وعافانا وإياه مع أن كتابا واحدا من كتب أحمد عادل كمال يعدل كتبه كلها.
من أجل هذا أحببت أن أقدم الدليل على أن شباب النظام الخاص لم يكونوا الصفوة في الإخلاص، والتجرد، والشجاعة، والبذل " والجود بالنفس أقصى غاية الجود " لم يكونوا كذلك فقط، بل كانوا أيضا صفوة في الرأي والفكر.
ولسنا علم الله ننتقص قدر من عداهم حاشا لله ففي كل خير، وكل ميسر لما خلق له، حتى لو عدنا لما ضرب من مثل: إلى مهندسي القاع ومهندسي السطح، فسنجد أن السفينة أيضا لا غنى لها عن مهندسي السطح، فلا مجال في الواقع للمفاضلة بين العاملين للدعوة، في أي موقع كانوا؛
والله وحده المطلع على النوايا والخفايا، ومنه وحده الجزاء، نسأله سبحانه أن يسدد الخطى، وأن يعصم من الزلل ، وأن يعين على الإخلاص وتطهير القلوب، وألا يكلنا إلى أنفسنا، وأن يرد عنا كيد الكائدين، وعدوان الظالمين، إنه ولى ذلك والقادر عليه.

والآن:

دعونا نتفق أن العمل السري لم يعد مقبولا، ولا مستساغا، بل يعتبر شيئا كريها، ومسلكا مستبشعا، خارجا عن روح العصر وطبيعة المرحلة، نعم هو كذلك الآن باتفاق.

كذلك نتفق أن الجهاز السري للإخوان وقع في أخطاء ، نقول ذلك ، ونعلنها بصوت عال، يجب أن يقال ذلك دون مواربة، ويجب أيضا أن تدرس هه الخطاء، وتستخرج منها العظات والدروس، ونرجو ألا يزيد علينا أحد من ادعياء الموضوعية والنقد الذاتي، فنحن لا نرضى بالموضوعية بديلا.

أما أن يعتبر الجهاز السري في ذاته خطأ، وأن يصل وجوده كل خللا وخطلا، فهذا في الواقع هو الذي حذر منه ابن خلدون ، وسماه (الداء الدوى) " سبب الغلط الخفي في التاريخ" عنى بذلك "الذهول" عن تغير العوائد وتبدل الأحوال"؛

وبعبارتنا نحن نقول:

إن الأحداث والأفكار يجب أن يحكم عليها إن أردنا حكما صائبا بمعايير ومقاييس الوقت الذي وقعت فيه، والزمان الذي كانت به، وليس بمقياس العصر والزمان الذي يكتب فيه الكاتب، وفى عبارة القاضي المؤرخ المستشار طارق البشري عن ههذ القضية نقرأ قوله:" إن ما يظن كونه هدفا، أو فكرا، أو موقفا صائبا في زمان الكاتب، لا يقوم معيارا تقوم به تيارات مرحلة لم ينطرح لديها هذا الهدف أو هذا الفكر أصلا".
وهذا كلام واضح مبين، نرجو أن يقرأه مع كلام ابن خلدون الإخوان وغير الإخوان، لنتعلم كيف نقرأ إحداث الماضي، وكيف نفهم تاريخنا الحديث والقديم، وبأي الموازين نزن، وبأي المقاييس نقيس، ذلك أمر واجب، لا من أجل الإخوان، ولكن من أجل الحقيقة ، والإنصاف؛

ولذا ندعوا الإخوان خاصة أن يكفوا عن جلد الذات، باسم الموضوعية، ونحذرهم من الوقوع في هذا الخطأ المنهجي الخطير الذي يغفل عنه الغافلون. ونقول بملء الفم" هاؤم اقرءوا كتابيه".

وأما غير الإخوان فنقول لهم:

تعالوا إلى كلمة وساء، أن ندرس تاريخ مصر الحديث وننشر أوراقه بين أيدينا، ونضع أصابعنا على كل الأجهزة السرية، لجميع الأحزاب والهيئات، ونزن أعمال كل منها، لنرى حجم ما كان منها في النضال الصحيح ضد أعداء الأمة، وما حدث من أخطاء استهدفت بعض المصريين بحجة أنهم من المتواطئين مع الأعداء.
وعندها سنرى أن أهداها سبيلا، وأقومها طريقا، واقلها أخطاء هو الجهاز السري للإخوان المسلمين ، وهذا ما سنحاوله في الصفحات الآتية.

ثالثا:حوادث العنف والاغتيالات

هذا هو الجانب الثالث بعد التشكيلات العسكرية والجهاز السري من مظاهر العنف الذي اتهم به الإخوان، هذا الاتهام الذي ظلت تردده الألسنة، وتلوكه الأشداق، بمناسبة وغير مناسبة؛

حتى صار بالإلحاح واللجاجة كأنه حقيقة من الحقائق، وبديهية من البديهيات التي تطلق من غير أن يسأل قائلها عن دليل أو برهان، حتى جاز لمن يتهم الإخوان بالعنف إذا سئل عن دليل أن يتمثل بقول القائل: وليس يصح في الأذهان شيء

وصار طبيعيا مألوفا أن نسمع (دكتورا) أكاديميا يقول على ملأ من ملايين المشاهدين:

" أنا والحمد لله علماني ولست إسلاميا، يدي لم تتلوث بالدم، ورقبتي طليقة، ليست مطلوبة لقصاص، وذمتي بريئة، ليست مدينة بدية من الديات" يقول ذلك ساخرا، مستهزئا بمحاوره الإسلامية.. يتردد هذا القول في مواجهة الإسلاميين على شاشات الفضائيات، من المحاورين ، ومن المداخلين، ولا نجد من الإسلاميين إلا الارتباك والاضطراب، والاعتذار، المتهافت؛

وهذا يدل على عدم الوعي بتاريخ العنف والاغتيال في السياسة المصرية، فمن يقلب هذا التاريخ سوف يجد أن حظ الإخوان في هذا المجال لا يساوى شيئا بالنسبة لما حدث ووقع من جرائم العنف والاغتيال، بل على العكس يشهد الواقع عندما نقرؤه قراءة صحيحة أن الإخوان كانوا وما زالوا ضد العنف، لا يؤمنون به منهجا، ولا يرونه سبيلا.

ولذا سنحاول في الصفحات الآتية أن نقوم بدراسة، أو بالأحرى إلقاء نظرة سريعة على وقائع الاغتيالات والعنف، وإحصائها وعدها، ليظهر ما قام به الإخوان منسوبا إلى ما قام به غيرهم من الأحزاب والتنظيمات، إحقاقا للحق، وكشفا للغشاوة عن أعين الأجيال، من أجل الحقيقة والتاريخ، قبل أن يكون من أجل الإخوان.

وقد اخترنا أن تكون هذه النظرة إلى الفترة التي تبدأ من سنة 1915م، لأن الفترة التي سبقتها كانت محاولات لبعث الروح الوطنية، بعد انكسار الثورة العرابية ، فاعتبرنا الفترة الأولي من فترات النضال الوطني فترة طفولة، لا تهوينا من شأنها ، وشأن من قاموا بها، وإنما من باب التسامح والتساهل تقضى بذلك طبيعة الأشياء. أيا ما كان الأمر، فقد بدأنا إحصاءنا ورصدنا من سنة 1915م.

وانتهينا بسنة 1954م، وبالتحديد بآخر مارس 1954 ذلك أن هذا التاريخ يعد علامة فارقة في تاريخ مصر، فبعده دخلت مصر في نظام حكم جديد اعتمد الشرعية الثورية كما يقولون وأسقط الشرعية القانونية، وأعطى القانون إجازة بنص عبارة المسئولين آنذاك ، وليس ذلك نقدا ولا تقييما لتلك المرحلة؛

ولكننا نقول: في مثل هذا يصعب الحكم على الأحداث وتقييمها تقييما صحيحا، ولن يستطيع أحد إلى ذلك سبيلا، إلا بعد أن تتوافر ظروف وشروط ما زالت بعيدة للآن، أقلها أن تعاد تلك المحاكمات أمام القضاء المدني والقاضي الطبيعي؛

وتتاح الفرصة للدفاع لدراسة وثائق الاتهام، وأدلته ، وتقديم مرافعاته القانونية في حرية تامة، حتى يأتي حكم القضاء عنوان الحقيقة، كما هو الأصل في القضاء. إلى أن تتوافر هذه الشروط سيظل البحث النزيه المبرأ عن الهوى واقفا عند آخر مارس 1954م.

كما أننا من ناحية أخرى سجلنا الأحداث التى قصد بها مصريون، أو التي ذهب ضحيتها مصريون، أما الأحداث التي وقع ضحيتها أجانب، أو كانت محاولة لم تتم والمقصود فيها الأجانب، فلم نسجلها لأن المقصود هو إحصاء الحوادث والوقائع التي هناك إجماع على تجريمها أما الاغتيالات والتفجيرات التي قصد بها الأجانب : الإنجليز أو اليهود، فقد يختلف فيها الرأي ، فيعدها بعضهم نضالا وطنيا ويراها آخرون غير ذلك.

هذا ، ولم نسلك مسلكا واحدا في عرض هذه الأحداث، فبعضها أفضنا في تصوير الظروف والأحوال والدوافع التي أدت إليه، وبعضها أوجزنا، وبعضها اكتفينا بمجرد سرد الواقعة، وهذا لسبب واحد، وهو ما أتيح لنا من مصادر أو معايشتنا للحدث.

وإليك هذه الأحداث بتسلسلها التاريخي:

(1) محاولة اغتيال السلطان حسين:
في 8 أبريل سنة 1915م قام الشاب محمد خليل التاجر بمدينة المنصورة بإطلاق النار على موكب السلطان حسين بميدان عابدين وكان قد حضر من المنصورة خصيصا لهذا العمل وكادت الرصاصة أن تصيب السلطان حسين، ولكن الحرس عاجله وشل حركته وقبض عليه وحوكم محكمة عسكرية عاجلة أمام محكمة عسكرية بريطانية وقضت بإعدامه ونفذ الحكم في 24 أبريل سنة 1915م.
محاولة ثانية لاغتيال السلطان حسين:
وكان ذلك بالإسكندرية في 9 يوليو 1915م، وقام بهذه المحاولة كل من محمد نجيب الهلباوي، ومحمد شمس الدين، وتم القبض عليهما، وأدينا أما مجلس عسكري بريطاني وحكم عليهما بالإعدام شنقا ثم خفف إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، بتدخل من السلطان حسين نفسه.
(2) محاولة قتل إبراهيم فتحي وزير الأوقاف:
وفى سبتمبر من العام نفسه 1915م، قام الشاب صالح عبد اللطيف، الموظف بوزارة المالية بطعن إبراهيم باشا فتحي وزير ألأوقاف ثلاث طعنات قاتلة في كتفه ووجهه بخنجر كان يخفيه في طيات ثيابهن وذلك على رصيف محطة القطار، حيث كان الوزير متجها إلى الصعيد من القاهرة، وتم إنقاذ الوزير قبل الإجهاز عليه، وقبض على صالح عبد اللطيف وحوكم أمام مجلس عسكري بريطاني، وحم عليه بالإعدام شنقا ونفذ فعلا في 3 أكتوبر 1915.
(3) محاولة اغتيال محمد سعيد باشا رئيس الوزراء:
قام الطالب سيد محمد على بإلقاء قنبلة يدوية على رئيس الوزراء محمد سعيد باشا فأخطأته القنبلة وقبض على الطالب، وقدم لمحكمة الجنايات، حيث حكم عليه بالأشغال الشاقة لمدة عشرة أعوام. (وقد وقعت هذه المحاولة بعد شهور قلائل من تولى محمد سعيد باشا رئاسة الوزارة في 21 مايو 1919).
(4) محاولة اغتيال يوسف باشا وهبة رئيس الوزراء:
في 15 ديسمبر سنة 1919 م بعد أقل من شهر على تعيين يوسف باشا وهبة رئيسا للوزراء تربص له شاب في مقهى (ريش) ، وألقى على سيارته أثناء عبورها بشارع سليمان باشا قنبلتين انفجرتا وأخطأتاه؛
كوقبض على الشاب وهو يهتف: يحيا الوطن وتبين أنه طالب في كلية الطب، واسمه عريان يوسف سعد، من ميت غمر ، والتعرف بارتكابه الحادث لدوافع، وطنية، وعجز البوليس أمام رباطة جأش عريان وصلابته أن يصل إلى من وراءه إلا زميلين له بكلية الطب، هما:
تادرس المنقبادى ، وجورج شحاتة، قبض عليهما، ولم يستطع البوليس أن يثبت عليهما شيئا، فأفرج عنهما سريعا، وحوكم عريان يوسف سعد، وحكم عليه بالسجن عشر سنوات. وأظهرت الوثائق السرية فيما بعد أن عريان يوسف سعد كان عضوا في التنظيم السري بالوفد، الذي كان يتزعمه عبد الرحمن فهمي.
(5) محاولة اغتيال إسماعيل سرى وزير الأشغال:
في 28 يناير سنة 1920م قنبلة على سيارة إسماعيل سرى باشا وزير الأشغال و تمكن من الفرار، وقيدت الحادثة ضد مجهول، وأعلنت السلطات عن مكافأة قدرها 500 جنيه مصر لمن يساعد في القبض على مرتكبي الحادثة، وأظهرت التحقيقات فيما بغد في قضايا أخرى أن الذي القي القنبلة شاب يدعى محمد توفيق.
(6) محاولة اغتيال وزير الزراعة محمد شفيق:
في يوم 22/3/1920م ألقيت قنبلة على سيارة محمد شفيق وزير الزراعة، ولكنها لم تنفجر، وقبض على الشاب عبد القادر شحاتة، الطالب بالمدرسة الإلهامية، الذي ألقى القنبلة وعلى زميله عباس حلمي، وقدما للمحاكمة أمام محكمة عسكرية إنجليزية قضت بإعدامهما لكن الحكم خفف إلى الأشغال الشاقة المؤبدة.
(7) محاولة اغتيال حسين درويش وزير الأوقاف:
في يوم 8 مايو 1920م ألقيت قنبلة على سيارة حسين درويش وزير الأوقاف، ولكنها انفجرت بجوار السيارة ولم يصب الوزير، وقيد الحادث ضد مجهول.
(8) محاولة اغتيال محمد توفيق نسيم رئي الوزراء:
في يوم 12 يونيه 1920م ألقيت قنبلتان على سيارة محمد نسيم باشا في وسط القاهرة، وتساقط الحراس الذين كانوا يحيطون السيارة بالموتوسيكلات ، ولكن رئيس الوزراء لم يصبن وأسفرت جهود الشرطة عن القبض على الشاب حسن إبراهيم مسعود، وقدم للمحاكمة وحكمت عليه المحكمة العسكرية البريطانية بالإعدام شنقا. وهذا هو الحادث الرابع في نحو ستة أشهر.
(9) محاولة اغتيال محمد بدر بك مراقب الجنايات بإدارة الأمن العام:
في يوم 5 يناير 1923 م أطلق عليه الرصاص، وأصيب ولكنه بريء من إصابته غير القاتلة ، ولم يتوصل إلى الفاعل وقيد الحادث ضد مجهول.
(10) محاولة قتل عبد الخالق ثروت باشا:
في 26 يناير سنة 1922م، أعدت خطة لاغتيال عبد الخالق ثروت باشا ، ولكن اكتشف البوليس المحاولة قبل تنفيذها، والذي كان محددا لها يوم 26 يناير 1922م، وقبض على المتآمرين وضبطت المسدسات والقنابل في منزل بحي السيدة زينب؛
واتهم في هذه المؤامرة سبعة أشخاص هم:
  1. محمد حسن فرغلى.
  2. عبد الحي كيرة.
  3. محمد حسن سعد.
  4. عبد الحكيم محمود.
  5. على رحمي.
  6. عبد الحليم غنيم.
  7. محمود حنفي سامي.
وحوكموا أمام محكمة عسكرية إنجليزية، وقضى عليهم بالسجن أحكاما متفاوتة، حيث حكم على محمود حنفي بثلاث سنوات مع الشغل، ومحمد حسن ، وعلى رحمي سنتين مع الشغل.
(11) محاولة اغتيال مستر براون:
في 12 أغسطس 1922م أطلق مجهولون الرصاص على مستر توماس براون مدير قسم البساتين بوزارة الزراعة، فقتل سائق عربته، وجرح هو ونجله، وخادمته.
ومع أننا نلتزم في هذا الإحصاء بذكر الحوادث التي تقع على المصريين فقد ذكرنا هذه الواقعة لأن الذي ذهب ضحيتها السائق المصري، وليس توماس براون.
(12) مقتل حسن باشا وإسماعيل بك زهدي:
في 16 نوفمبر 1922م تقدم عدد من الشبان إلى كل من حسن باشا عبد الرازق، وإسماعيل بك زهدي وأفرغوا فيهما رصاص مسدساتهم، فلقيا مصرعهما على الفور وذلك عقب خروجهما من اجتماع مجلس إدارة حزب الأحرار الدستوريين، عندما هما بركوب عربتهما، وكان الجناة يعتقدون أنهما عدلي يكن باشا وحسين رشدي باشا
وذلك أن عدلي باشا كان من الذين انشقوا على الوفد، وعلى رئيسه سعد زغلول ، وقد وقع عليه الاختيال ليكون رئيس الحزب (حزب الأحرار الدستوريين الذي تألف من الذين انفضوا عن الوفد، والمعارضين لسعد زغلول؛
فكان مقصودا بالاغتيال لذلك، وكان حسين رشدي باشا أيضا من المستهدفين لذلك، ولكن شاء القدر أن يشتبه الأمر على الجناة فيقتل حسن باشا عبد الرازق، وإسماعيل بك زهدي وكان لمقتلهما رنة حزن عمت البلاد من أقصاها إلى أقصاها.
(13) قنبلتان في حي الأزبكية أمام ميدان الخازندار:
في 4/3/ 1923م ألقيت قنبلتان إحداهما على دكان بائع سمك، كان به ثلاثة من الجنود الإنجليز، فجرح الثلاثة جروحا خفيفة، وأصيب أربعة من المواطنين، مات أحدهم متأثرا بجروحه والقنبلة الثانية ألقيت على معسكر للانجليز في نفس المنطقة، ولكنها لم تنفجر.
(14) محاولة اغتيال سعد زغلول:
في 12 يوليو 1924م كان سعد وزملاؤه على موعد للسفر إلى الإسكندرية لتقديم التهاني إلى الملك فؤاد بمناسبة عيد الأضحى، وبينما كان سعد على رصيف محطة القطار متجها إلى الصالون الخاص به أطلق عليه شاب الرصاص من مسدسه، فأصابه في ساعده الأيمن..
وقبل أن يثنى برصاصة أخرى قبض عليه وتبين أنه يدعى عبد الخالق عبد اللطيف، وأنه طالب يدرس الطب في برلين، وتبين من التحقيق أن دوافع القتل سياسية، وأودع الطالب مصحة عقلية.
(15) مقتل السردار السير لى ستاك:
في يوم الأربعاء 19 نوفمبر كان السردار لى ستاك عائدا إلى منزله بالزمالك، من مكتبه بوزارة الحربية، وما إن تحرك موكبه قليلا وبالتحديد في شارع إسماعيل أباظة حتى أطلق عليه الرصاص من خمسة أشخاص، أمطروا سيارته بالطلقات من جميع الجهات؛
فأصيب السردار في بطنه، ويده وأصيب ياوره الإنجليزى وأصيب سائق سيارته وجندي بلوك من حرس مخفر وزارة المعارف أراد أن يتعقب الجناة وقد توفى السردار متأثرا بجراحه يوم 3 نوفمبر 1924م.
ومع أننا نستشهد هنا بالحوادث التى أصيب فيها مصريون، أو وجهت ضد مصريين، إلا أننا عنينا بذكر هذا الحادث لما جره على البلاد من كوارث، ولما أصيب فيه من مصريين.
يقول المؤرخ عبد الرحمن الرافعي:
" ارتجت البلاد لهذا الحادث المروع، وتوقع له الناس عواقب خطيرة، وفى الحق إن مقتل السردار قد أضر بالبلاد ضررا بليغا، عليه نتائج أليمة، تمثلت في الاعتداء على حقوقها وسيادتها، حتى إن سعد زغلول رئيس الحكومة آنذاك كان يقول:" إن هذه الجريمة قد أصابت مصر، وأصابتني شخصيا" (بنصه من كلام الرافعي).
وحقا ما قاله سعد زغلول، فقد استغلت انجلترا هذا الحادث أبشع استغلال ، ووقعت على مصر عقوبات مست كرامتها، وأصابتها بخسائر كبيرة إذ طلب الإنذار الذي وجه إلى مصر ما يلي:
  1. اعتذار الحكومة المصرية عن الجناية.
  2. أن تتعقب الجناة، وتنزل بهم اشد العقاب (حكم على جميع المتهمين التسعة بالإعدام).
  3. أن تمنع من الآن ،وبكل شدة وقوة كل تظاهرة شعبية سياسية .
  4. أن تدفع الحكومة المصرية لبريطانيا غرامة مالية قدرها نصف مليون جنيه (كان ذلك المبلغ يمثل ثروة ضخمة في ذلك الوقت).
  5. إخلاء السودان بسحب الجيش المصري منه.
  6. ألا تعارض الحكومة المصرية رغبات بريطانيا فيما يتعلق بحماية مصالح الأجانب في مصر، وأن تبقى منصبي المستشار والقضائي، وتحترم سلطتهما وامتيازاتهما، وكذا القسم الأوروبي في وزارة الداخلية.
وقد استقالت حكومة سعد، وجاءت حكومة زيور، فاستجابت لكل ما جاء في الإنذار.
(16) محاولة اغتيال إسماعيل صدقي باشا:
تعرض صدقي باشا لأكثر من محاولة اغتيال نذكر منها:
في 25 أغسطس 1930م كان إسماعيل صدقي باشا يركب القطار من الإسكندرية عائدا إلى العاصمة، واشتبه حرس الباشا في شاب بين خدم عربات البولمان يلبس ويهم ويحاول أن يتصرف مثلهم، وبتفتيشه عثر معه على بلطة مرهفة الحد، كان يخفيها تحت قفطانه الأبيض لينقض بها على الباشا في الوقت المناسب.
واتضح أنه يدعى حسين محمد طه من خريجي كلية الهندسة، نجل محمد طه عضو مجلس النواب سابقا وحكم عليه بالجن سبع سنوات، وتوفى في السجن سنة 1932م.
في 16 مايو سنة 1933م أطلق محمد على الفلال الرصاص على صدقي باشا بمحطة مصر ولكنه أخطأه وقبض عليه وقدم للمحكمة التي قضت بسجنه خمسة عشر عاما مع الأشغال الشاقة.
(17) اغتيال أحمد ماهر باشا:
تولى أحمد ماهر باشا رئاسة الوزارة عقب إقالة الملك وزارة النحاس باشا، تلك الوزارة المشهورة التي فرضها الإنجليز على فاروق عندما حاصروا قصر عابدين بالدبابات في 4 فبراير سنة 1942م؛
وظل فاروق يتحين الفرصة ليثأر لكرامته حتى إذا آذنت الحرب بالانتهاء، وبدا أن وزارة النحاس استنفدت أغراضها وأن الإنجليز لم يعد يعنيهم أمرها ، هنا ثأر فاروق لنفسه إذ فوجئ الناس يوم 8 أكتوبر 1944م بخبر في صحف الصباح يقول:
" تفضل حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم فقبل الاستقالة التي تقدم بها رئيس الوزراء مصطفى النحاس باشا " وفوجئ النحاس باشا كما فوجئ الشعب فلم يكن النحاس تقدم باستقالة ولا يحزنون ولكنها لطمة وثأر للكرامة الجريحة، التي ظلت تنزف من يوم 4 فبراير سنة 1942م، وفى نفس اليوم كان تكليف أحمد ماهر باشا غريم النحاس وخصمه العتيد بتشكيل الوزارة.
وما إن استقر أحمد ماهر في كرسي الحكم حتى بدأ يفكر في أن تعلن مصر الحرب على المحور (ألمانيا، واليابان) بحجة أن علامات هزيمة المحور قد ظهرت وأن دخول مصر الحرب سيجعلها عضوا في مؤتمر الدول المنتصرة التي ستقرر مصير العالم.
ولكن ذلك لم يكن مقنعا لا للعامة ولا للخاصة من أهل الفكر والسياسة ، فقد كان معنى إعلان الحرب أن نزج بجيشنا في اليوم التالي إلى أتون المعارك دفاعا عن الإنجليز، وهم أعداؤنا الحقيقيون الذين يحتلون بلادنا ويعسكرون في وسط مدننا، ويجوبون بلادنا طولا وعرضا باستكبار واستعلاء وينهبون ثرواتنا من أجل جنودهم؛
وكنا نشاهد أنهم يدفعون الجنود من أبناء المستعمرات إلى حقول الألغام، ومرمى نيران العدو حماية للجندي الإنجليزى، فعلو ذلك بالفرق الهندية والنيوزلندية، فكيف نقدم الجيش المصري ليكون دروعا بشرية للانجليز أعدى أعدائنا؟ كان هذا رأى الشارع المصري.
وفى اليوم المحدد للحصول على موافقة البرلمان على إعلان الحرب دخل الشاب محمود العيسوي المحامى إلى البرلمان وعندما كان يعبر أحمد ماهر باشا البهو الفرعوني بين مجلس النواب والشيوخ تقدم إليه محمود العيسوي وأفرغ فيه رصاصات مسدسه فأرداه قتيلا وكان ذلك في مساء 24 فبراير سنة 1945م، فكانت في مدته في الوزارة أربعة أشهر وخمسة عشر يوما وأما محمود العيسوي فقد حكم عليه بالإعدام ونفذ فعلا.
(18) محاولة اغتيال النحاس باشا:
تعددت محاولات اغتيال مصطفى النحاس باشا ولكن أخطرها وأحقها بالحديث محاولتان:
إحداهما كانت خطورتها من جهة شخص مرتكبها وثانيتهما جاءت خطورتها من جهة بشاعتها وفظاعتها وأعجوبة النجاة منها.
أما التي كانت خطورتها من حيث شخص مرتكبها، فقد كان ذلك الشخص هو الرئيس محمد أنور السادات وقد تحدث عن تلك المحاولة مباهيا بها بعد أن صار رئيسا للجمهورية ، ذكر ذلك للمزحوم فؤاد سراج الدين باشا ، وحكي ذلك فؤاد سراج الدين بالتفصيل في برنامج تليفزيوني مع عماد الدين أديب.
قال السادات: إنه هو الذي ألقى القنبلة على سيارة النحاس باشا عند نهاية شارع المبتديان بالتقائه مع شارع قصر العيني، حينما توقع أن السيارة ستقف لاحمرار إشارة المرور، ولكن السائق كانت لديه تعليمات بعدم الوقوف للإشارة الحمراء إذا استطاع لذلك سبيلا، ولذا أفلتت السيارة وأخطأتها القنبلة.
ولم تكن هذه المحاولة هى الوحيدة من السادات فقد حاول ذلك أكثر من مرة ، كان ذلك معروفا متداولا ثم تحدث به السادات مباهيا بعد أن صار رئيس الجمهورية.
أما المحاولة التي كانت خطورتها من جهة بشاعتها، فهى محاولة نسف قصر النحاس باشا ، بواسطة سيارة مفخخة وفعلا نجحت المحاولة فقد نسفت جدران القصر فعلا ، وبالتحديد سقطت جدران حجرة نوم الرئيس وطارت نوافذها في الهواء..
وتناثرت الشظايا في داخلها ولكن أعجب العجب أن النحاس لم يمس بسوء، مع كل هذا التفجير والتدمير فقد أظهرت صور الحادث قطعة محترقة من رفرف السيارة المفجرة متعلقة (بالناموسية) فوق السرير الذي كان عليه الرئيس؛
ومن هنا راح أنصار النحاس يتفننون في تصوير هذه الأعجوبة وجعلها كرامة أكرمه الله بها النحاس وأظهرها على يديه ، وأذكر أنى قرأت لأحدهم قوله:
" سبحان الله كيف اشتبك هذا النسيج الحريري الرقيق مع الحديد الملتهب وانتصر عليه، سبحان الله هذا النسيج الخفيف الرقيق الذي أريد منه أن يمنع البعوضة يشتبك مع الشظية الملتهبة؛
فإذا أحرقت منه جانبا تصدى لها جانب آخر، وتشبث بها ومنعها من أن تمس الباشا أو تصيبه بأدنى أذى ، صورة عجيبة غريبة لا يصدقها العقل، ولا يمكن أن يكون ذلك إلا كرامة من الكرامات التي يظهرها الله على يد أوليائه ولا يمكن لهم، فهذه كرامة من كرامات النحاس باشا " ولا عجب أن خرجت تظاهرات الوفديين لتهنئة النحاس باشا وهى تهتف:" لا إله إلا الله ، النحاس ولى الله" .
ولآن الوفد كان خارج السلطة، فقد وقعت حادثة بهذا الحجم الخطير في العالم المجهول، ولم يتمكن البوليس السياسي الذي كان يعد على الناس أنفاسهم أن يقدم أي متهم في القضية، مما جعل أصابع الاتهام كلها تتوجه للقصر ولحكومة النقراشي وقد كان ذلك في ليلة 25/4/1948م (وقد كانت هذه أول سيارة مفخخة في مصر).
وهناك محاولة اغتيال سابقة زمنا لهاتين المحاولتين، فقد كانت من الثائرين الرافضين لمعاهدة سنة 1936م التي وقعها النحاس مع الإنجليز، وقد كان الرافضون لها كثيرين، حتى من داخل حزب الوفد الذي هو برئاسة النحاس فقد انشق على الحزب جمع من كبار رجالاته، يتزعمهم أحمد ماهر باشا ومحمود فهمي النقراشي باسا وكونوا ما عرف بالحزب السعدي نسبة إلى سعد زغلول برئاسة أحمد ماهر باشا .
في هذا المناخ المتوتر أقدم الشاب عز الدين فهمي على إطلاق النار على النحاس باشا ولكنه لم يصب وقبض على الجاني وحكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة.
(19) مقتل أمين عثمان باشا:
في مساء السبت 5 يناير سنة 1946م حوالي الساعة السادسة مساء عقب دخوله عمارة رقم 14 بشارع عدلي بالقاهرة قاصدا مقر رابطة النهضة ، سمع أمين عثمان باشا صوتا يناديه، وما أن التفت صوب الصوت حتى أمطره صاحب الصوت برصاصات قاتلة لم تمهله إلا سويعات ، فلفظ أنفاسه بمجرد وصوله إلى المستشفى.
كان أمين عثمان باشا يمثل مدرسة في السياسة المصرية ، ترى أن معاداة المحتل ومنازلته ومطالبته بالجلاء ليست من الحكمة ولا من مصلحة مصر وكانت هذه المدرسة ترى أن صداقة الإنجليز ومهادنتهم وحسن التعامل معهم أجدى على مصر وأنفع لها وأن الإنجليز هم الذين سيأخذون بيدنا في طريق النهضة والرقى ، وأن علينا أن نتعلم منهم كيف تكون الحضارة (وكان الناس يسمون هؤلاء " برادع الإنجليز") .
كان أمين عثمان من رجال ههذ المدرسة ولكنه كان أكثرهم فجاجة ومعالنة ، لا يبالى بمشاعر الوطنية الملتهبة، ثم اثر عنه أنه خطب في حفل بكلية فيكتوريا بالإسكندرية وهى المدرسة التي تخرج فيها
فكان مما جاء في خطبته:
"إن العلاقة التي بين مصر وانجلترا علاقة زواج كاثوليكي، لا طلاق فيها ولا فراق، فلن ننفصل أبدا عن بريطانيا" أضف إلى ذلك ما عرف عنه من أنه زار بريطانيا عقب الحرب وقدم 100000 مائة ألف جنيه للحكومة الإنجليزية، على أنها هدية من الشعب المصري للمساعدة في تعمير ما خربته الحرب ، هذا إلى ما كان معروفا من أن زوجته الإنجليزية وراء تقريبه من المندوب السامي (الحاكم الفعلي آنذاك).
وقبض على القاتل: حسين توفيق أحمد المحامى، وهو ابن أحد وكلاء الوزارات، وقدم للمحاكمة وقدم معه خمسة وعشرون متهما أشهرهم: محمد أنور السادات (الرئيس السادات فيما بعد) ومحمد إبراهيم كامل (الذي صار وزيرا للخارجية)..
وحكم على حسين توفيق أحمد بالسجن عشر سنوات، ولكنه هرب من السجن، ووجد مأوى لدى شخصيات كبيرة حتى دبروا له وسيلة للخروج من مصر ولم تصل إليه يد وكان لخروجه رنة فرح في مصر كلها (عشنا هذه الأيام وشاهدناها).
(20) مقتل المستشار أحمد الخازندار بك:
يوم 22 فبراير سنة 1948م كان يوما مشئوما ، ففي صباح هذا اليوم تقدم فتيان في أول مراحل الشباب إلى المستشار أحمد الخازندار ، وأطلقا عليه الرصاص فأردياه قتيلا، وتبين أنهما: حسن عبد الحافظ، ومحمود زينهم وأنهما من طلاب المرحلة الثانوية، وأنهما ينتميان إلى الإخوان المسلمين.
كان لهذا الحادث أسوأ الأثر لدى الجميع بلا استثناء، حتى الشباب الأهوج الطائش الذي كان يظهر الرضا بمقتل الزعماء الذين يعتبرهم خونة، حتى هذا الشباب أصابه الوجوم وغشاه الحزب.
لم يشفع لهذين الجانبين ما قد شاع وذاع من أن الخازندار قد حكم على شابين ألقيا قنبلة على ناد للضباط الإنجليز بالقاهرة بأقصى العقوبة، على حين استخدم أقصى ما يمكن من الشفقة والرأفة في الحكم على سفاح الإسكندرية الشهير في ذلك الوقت (حسن قناوي) الذي كان يستدرج ضحاياه إلى حدائق الشلالات ويرتكب معهم جريمة الشذوذ...
ثم يقتلهم فكان نصيبه السجن سبع سنوات، تلقاها بابتسامة، فقد شغلت الصحافة الناس بأخبار جرائمه وتصوير بشاعتها حتى بات الناس يرون حكم الإعدام أقل ما يمكن أن يناله هذا السفاح. لم يشفع هذا الذي شاع عن الخازندار لهذه الجريمة البشعة.
وكان أشد الإنكار والسخط على جريمة اغتيال الخازندار من الإخوان المسلمين ، عشنا هذه الأيام ونحن شهود عليها وكان أشد الإخوان غضبا وإنكارا بل جزعا وفزعا من هذه الجريمة المرشد العام الشيخ حسن البنا رحمه الله .
قد الجانيان إلى المحكمة ، فكانت أرأف بهما من الإخوان فقد راعت ظروفهما وحكمت عليهما بالأشغال الشاقة على حين كلن الجميع يرى الإعدام لهما حكما محققا.
(21) اغتيال النقراشي باشا:
في صباح 28 ديسمبر سنة 1948م عندما كان محمود فهمي النقراشي باشا رئيس الوزراء ووزير الداخلية متجها إلى المصعد بوزارة الداخلية يصعد إلى مكتبه وحوله حراسه ، تقدم إليه شاب في ملابس ضابط البوليس وبسرعة أخرج مسدسه وأفرغ رصاصاته في صدر النقراشي فخر صريعا في الحال ، وقبض على الجاني وتبين أنه طالب في كلية الطب البيطري وأن اسمه عبد المجيد حسن وتبين أنه من الإخوان المسلمين.
كان عام 1948م عاما مشحونا بالأحداث والكوارث العظام، فقد بدأ وانجلترا تتهيأ للانسحاب من فلسطين، توطئة لقيام إسرائيل ، والعالم العربي يدق طبول الحرب على مختلف الأصعدة ، الجيوش الرسمية متأهبة والمتطوعون يتقدمون والأسلحة تجمع وتعد، وكل ألوان الطيف السياسي تتنادى للجهاد.
ثم جاء يوم 15 مايو 1948م فدخلت الجيوش العربية، وكان قد سبقها جماعات المتطوعين ، ومعظمهم من الإخوان المسلمين، وكانت الأرض تتكلم: (حرب، حرب، جهاد ، جهاد) وما هى إلا أيام قلائل، وبدأ الانهيار: حصل ما سمى بهدنة الأسابيع الأربعة ، ثم .. ثم .. ثم إلى أن بدأ تكميم الأفواه، والقبض على مجاهدي الأمس، وصاروا مجرمي اليوم وهم الذين دعوناهم للتطوع؛
وذهبوا مشيعين بالإجلال والإكبار، وحملوا أرواحهم على أكفهم وتركوا الدنيا وراءهم ، أصبحوا اليوم مجرمين وأصبح من أعدهم ودربهم وهيأهم مثلهم،فقد أريد تغيير الوجهة لدخول القضية الفلسطينية إلى ميدان المفاوضات بدل ميدان القتال فكان لابد من إخراس ذلك الصوت ، فجاء قرار حل هيئة الإخوان المسلمين ومصادرة أموالها، وكل ما يحمل اسمها من شركات ومؤسسات وكان ذلك في يوم 8 ديسمبر سنة 1948م.
كان إيقاع الأحداث سريعا، لم يدع فرصة للتعقل والتفهم، فما بين هؤلاء المجاهدين أبطال رفعوا رأس مصر عاليا وأدوا أعظم المعونات للجيش المصري في الميدان، إذا بهم مجرمون خونة ما بين الصورتين كان وقتا لا يسمح بالتأمل والتعقل؛
فلم يتعد بضعة أسابيع صار فيها الأبطال المكرمون مجرمين إرهابيين ، زد على ذلك ما عرف من أن قرار الحل كان بتوجيه وإيحاء من الإنجليز. في هذا الجو العاصف جاء مقتل النقراشي باشا .
(22) محاولة نسف محكمة الاستئناف:
في 13 يناير 1949م في الصباح الباكر من هذا اليوم وصل إلى محكمة الاستئناف شاب يحمل حقيبة، وتوحي هيئته بأنه محام قادم من السفر، جاء به القطار مبكرا قبل وقت لجلسة، وجاءه عامل البوفيه بالشاي فغافله وانصرف مسرعا، بعد أو وضع الحقيبة في الجناح الخاص بمكتب النائب العام فارتاب الرجل ومعه بعض الفراشين في الأمر فأخرج أحدهم الحقيبة مسرعا من المبنى وجرى الآخر خلف من أحضر الحقيبة، واستغاث بالمارة؛
فقبض على الشاب وتبين أنه عضو في الإخوان المسلمين واسمه شفيق إبراهيم أنس، وكانت الحقيبة تحوى كمية من المتفجرات، ومعها جهاز توقيت لتنفجر مبكرا قبل ساعات العمل الرسمي في مكتب النائب العام ، بقصد إحراق الأوراق والمستندات الخاصة بقضية السيارة الجيب...

وكان بها تفاصيل كاملة عن الجهاز الخاص وأفراده. انفجرت الحقيبة عقب نقلها مباشرة خارج المبنى فكانت الأضرار لا تذكر وقدم شفيق أنس للمحاكمة.

(23) اغتيال حسن البنا:
في مساء 12 فبراير 1949م وقعت أبشع جريمة شهدتها مصر ، وتأتى بشاعتها من حيث مرتكبها وطريقة تنفيذها ومن حيث من ارتكبت في حقه.
أما من حيث المجرم الذي ارتكبها، فيأتي من جهة أن الدولة ممثلة في أعلى سلطة أو أكبر راسين فيها هى التي ارتكبت هذه الجريمة، كان وراء التخطيط لهذه الجريمة الملك فاروق رمز الدولة، وإبراهيم باشا عبد الهادي رئيس الوزراء، واستخدم في تنفيذ الجريمة وارتكابها رجال الأمن الذين أصل عملهم مقاومة الجريمة ومنع وقوعها.
أما طريقة التنفيذ ، فقد اتبع فيها كل ما لا يتصوره العقل من الخداع والكذب والتمويه على الإمام الشهيد، ومارس ذلك أناس أصحاب ألقاب ومناصب ووجاهة ومنزلة لا يقبل عقل سليم أن ينحطوا إلى هذا الدرك.
ثم بلغت بهم الخسة والنذالة منتهاها أن يتتبعوا ضحيتهم للإجهاز عليه في مستشفى قصر العيني، بعد أن أغشاهم الله فلم تصب رصاصاتهم منه مقتلا، فعلى سرير المستشفى تم بكل خسة ونذالة الإجهاز على الرجل بتركه ينزف، وتأخير إسعافه.
وأعجب العجب أن يأخذ رئيس الوزراء إبراهيم عبد الهادي باشا المخبر الذي احضره من جرجا لتنفيذ الجريمة وأحد الذين أطلقوا الرصاص على الإمام الشهيد، يأخذ إبراهيم عبد الهادي هذا المخبر، ويذهب به إلى حرم النقراشي باشا ويقول لها..
" دا اللي أخذ بثأر زوجك" فتعطيه قطعتي قماش صوف هدية، وبقشيش 600 جنيه، وتكرمه بإعطائه صورة للنقراشي باشا بتوقيعها، بعد أن كتبت عليها " هدية إلى بطل الصعيد من جرجا".
ولاطمئنان هؤلاء القتلة لعملهم أنهم في حماية أعلى السلطات في البلد لم يهتموا كثيرا بالتغطية على آثارهم، كما لم يهتموا بكتمان أمورهم، فما هى إلا أيام قليلة حتى شاع وذاع اسم الأميرالاي (العميد) محمود عبد المجيد مدير المباحث الجنائية، على أنه هو الذي قاد زبانيته من أزلام الأمن والمباحث الجنائية لتنفيذ الجريمة،
وبدأت تشيع على ألسنة الناس الكيفية التي ارتكب بها الجريمة بالتفصيل، وأسماء من شاركوا فيها ودور كل واحد منهم، ذلك أنهم كما أشرنا كانوا يثرثرون بما اقترفوا من غير تحفظ استنادا إلى سطوة من وراءهم.
ولكن خيب الله ظنهم فقد ذهب سادتهم ودالت دولتهم فأعيد فتح ملف القضية بعد أن قيدت ضد مجهول وقدم هؤلاء للمحاكمة بعد ثورة يوليو، وقد كانت محاكمة جادة يكفى دليلا على ذلك أنها عقدت 34 جلسة، وسمعت 33 شاهدا..
وبلغت محاضر الجلسات ألف ومائة صفحة 1100 وعدد أوراق القضية نحو أربعة آلاف صفحة 4000 وشغلت حيثيات الحكم نحو 500 صفحة، وصدر الحكم في 2 أغسطس 1954 بمعاقبة أحمد حسين جاد بالأشغال الشاقة المؤبدة، وكل من محمد محفوظ، والأميرالاي (العميد) محمود عبد المجيد بالأشغال الشاقة خمسة عشر عاما، والبكباشي (المقدم) محمد محمد الجزار بالحبس مع الشغل لمدة سنة.
(اقرأ تفاصيل كثيرة بأدلة وافية موثقة في كتاب الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ ، الجزء الأول والثاني).
(24) محاولة اغتيال إبراهيم عبد الهادي:
في 5 مايو 1949م أطلقت النار على موكب مهيب في طريقه من المعادى إلى القاهرة، وكان الظن أنه موكب إبراهيم باشا عبد الهادي رئيس الوزراء، فإذا به موكب حامد جودة رئيس مجلس النواب وأخطأه الرصاص، فعرفت القضية باسم محاولة اغتيال حامد جودة، كان المعتدون يقصدون إبراهيم عبد الهادي، لما عرف من صلته بمقتل الشيخ حسن البنا وتدبريه إياه؛
ولم يقبض على أحد في مكان الحادث، ولكن المباحث ساقت عشرة من الإخوان واتهمتهم بهذا الحادث دون أدنى قرينة إلا أنهم من الإخوان ولذا أضيفت هذه القضية وأدمجت في قضية أخرى عرفت باسم (قضية الأوكار) ويقصد بها الأماكن التي قبض على بعض الإخوان فيها، ووجد بها أسلحة أو متفجرات وضمت هذه القضية خمسين متهما، منهم الشعرة الذين كانوا متهمين في قضية حامد جودة.
(25) محاولة اغتيال اللواء حسين سرى عامر:
هذه المحاولة قام بها الرئيس جمال عبد الناصر ، قبل قيام الثورة فقد أطلق عليه النار وهو في حديقة منزله من مدفعه الرشاش ، ولكنه أخطأه فنجا من القتل وقد اعترف عبد الناصر بذلك وكان يتباهى به.
(26) قنابل محطة مصر وعنابر السبتية ومخازن السكة الحديد:
في سنة 1954م حينما هاجت البلاد مطالبة بالديمقراطية والحرية والبرلمان، وعودة الضباط إلى ثكناتهم ومطالبتهم بالوعد الذي قطعوه على أنفسهم في أول (ملصق) رأيناه في شوارع القاهرة بعد الثورة؛
كان عبارة عن صورة لقبة البرلمان وتحتها كتاب مفتوح عليه كف مبسوطة وتحتها جملة تقول:"نحن حماة الدستور" .. فلما اشتدت هذه التظاهرات، انحنى لها عبد الناصر وأعلن أنه لابد من العودة إلى الحياة النيابية، وأنه لا يرضى بالديمقراطية بديلا.
حتى إذا هدأت الأحوال، فوجئ الناس بانفجارات في أماكن متعددة في القاهرة في محطة القاهرة ، وفى مخازن السكة الحديد، وفى عنابر السبتية وراحت الإذاعة تحذر وتنذر وتهدد وتتوعد، وعلا صوت عبد الناصر حذرا من الرجعية التي تتربص بالثورة.
يقول خالد محيي الدين في مذكراته عن هذه القضية:
" وهنا بدأ جمال عبد الناصر في ترديد مقالة وظل متمسكا بها طوال هذه الأيام" إما ديمقراطية مطلقة، وإما سياسة الحم، واستمرار الثورة، إما حرية كاملة، وتخلينا عن دورنا، وأما أن يعود مجلس الثورة ليمارس سلطاته بكل حزم"..
وكنت أحاول القول بأنه لا ضرورة لوضع الاختيارين وجها لوجه. وأنه بالإمكان استمرار الثورة في ظل الديمقراطية ، ولكن عبد الناصر تمسك بمقولة " إما .. وإما" .
ثم خرجت أخبار اليوم وبها تصريح مثير للاهتمام أدلى به جمال عبد الناصر، قال جمال:
" نحن ثوار ولسنا سياسيين" ، وأثار هذا التصريح هواجسي ، وسألت جمال عن مغزاه ولماذا أدلى به في هذا الوقت بالذات ، وبعد كل ما توصلنا إليه من قرارات في المؤتمر المشترك بين مجلس قيادة الثورة ومجلس الوزراء؟
(يقصد قرارات عودة الديمقراطية وإجراء الانتخابات ، لعقد جمعية تأسيسية بعد أربعة أشهر، لمناقشة مشروع الدستور الجديد وإقراره وإلغاء الأحكام العرفية قبل انتخابات الجمعية التأسيسية).

فروى لى عبد الناصر واقعتين:

"الأولى أن عددا كبيرا من الضباط، وضباط الصف الثاني من ألأحرار زاروه، وأبدوا قلقهم من الاندفاع نحو الديمقراطية وإنهاء دور مجلس الثورة، وقال: إنه خلال هذه المناقشات شعر بالورطة، ولم يجد حججا مقنعة لهؤلاء الضباط.
أما الثانية ، فإنه أثناء عودته هو وعامر من مقابلة الملك سعود (كان ضيفا على مصر في ذلك الوقت) احتشدت الجماهير حول عربته، وهتفت للثورة وحيتها تحية حارة. انتهت إجابة جمال.

ويستطرد خالد محيي الدين قائلا:

" وأحس جمال بأنه يمتلك الآن سندا من الضباط والجماهير وارتفعت روحه المعنوية وبدأ يعيد حساباته من جديد.
وثمة واقعة أخرى لابد من وضعها في الاعتبار، فقد وقعت ستة انفجارات دفعة واحدة في مدينة القاهرة، منها انفجار في الجامعة وانفجار في جروبى وآخر في مخزن الصحافة في محطة السكة الحديد بالقاهرة.. صحيح أنها لم تتسبب في خسائر مادية، ولكنها أثارت هواجس شديدة وسط الجميع، حول مخاطر انفلات الوضع، ومخاطر إطلاق العنان دون قبضة حازمة للدولة.
وقد روى لى عبد اللطيف البغدادي (وعاد فأكد ذلك في مذكراته) أنه في أعقاب هذه الانفجارات زار جمال عبد الناصر في منزله، هو وكمال الدين بأنه هو الذي دبر هذه الانفجارات لإثارة مخاوف الناس من الاندفاع في طريق الديمقراطية والإيحاء بأن الأمن قد يهتز وأن الفوضى ستسود وبطبيعة الحال فإن كثيرا من المصريين لا يقبلون أن تسود الفوضى بصورة تؤدى إلى وقوع مثل هذه الانفجارات.
(27) تظاهرات 29 مارس 1954 والاعتداء على رئيس مجلس الدولة:
كانت هذه التظاهرات مع الانفجارات المذكورة قبلها من تدبير رأس واحد ولهدف واحد ، كانت من تدبير عبد الناصر، وهدفها الانقضاض على قرارات 5 مارس ، بعد عودة الديمقراطية .
وقد شاهدناها بأعيننا، فنحن نحكى عنها حكاية شاهد عيان، فقد فوجئت القاهرة يوم 28 مارس 1954 بتظاهرات غريبة المنظر والهيئة، فقد عهدنا التظاهرات تخرج في جماعات تسير على أقدامها، تحمل لافتاتها تنبئ عن أصحابها وتلمح فيها أثر التنظيم، والقيادة؛
وهى دائما للطلبة بزيهم وسمتهم المعروف أو للطلبة مع العمال، وزيهم أيضا معروف، أما هذه التظاهرات تظاهرات 28 مارس فقد رأينا فيها طابعا غريبا، ومنظرا غير مـألوف وذلك أن عامة المتظاهرين كانوا يركبون عربات نقل ضخمة؛
وتنطق ثيابهم ومظهرهم أنه مجلوبون من خارج القاهرة، وأنهم يمارسون هذا العمل (التظاهر) لأول مرة وأن الأمية صفة غالبة عليهم ففي كل عربة نقل بعض ممن يفكون الخط بصعوبة يقرأون الهتافات المكتوبة بصوت عال ويردده الآخرون بصعوبة
وكم كان التندر عليهم وهم يرددون:
" يسكت المسكفين" أي " يسقط المثقفين" " يسكت الديمكراتية" يعنون " يسقط الديمقراطية" ويقولون " يسكت البلمان" يريدون " يسقط البرلمان" وكنت تعرف المناطق التي أتوا منها من لوحة السيارة التي يركبونها .
وانضم إلى هؤلاء عمال الترام والأتوبيس والمترو بالقاهرة ، وتعطلت الحياة تماما وأصيبت القاهرة بالشلل الكامل، وكان الناس يعجبون كيف التقت إرادة هؤلاء العمل الحكوميين من مختلف الوزارات، ومختلف الجهات على الإضراب والتظاهر في القاهرة؟ ولماذا لا يتظاهرون في أماكن عملهم؟ ومن الذي مكنهم من السيارات الحكومية يحتشدون فيها؟
ولم تقف موجة التظاهرات عند هذا الحد فقد ظلت جماهيرها تطوف بدواوين الحكومة مطالبين موظفيها بترك أعمالهم، حتى خلت القاهرة من مظاهر الحياة تماما.
كما وقعت محاولات تخريب من بعض فرق هذه التظاهرات، مثل الذين اتجهوا إلى دار جريدة المصري، وقذفوها بالحجارة وأصابوا بعض نوافذها الزجاجية وأحدثوا بها بعض الأضرار كما أصابوا بعض رجال البوليس الحربي الذي كان حول الدار.
وأبشع ما كان من هذه التظاهرات هو الاعتداء على مجلس الدولة، رمز القانون وحصن الحق والوصول إلى رئيسه القانوني الكبير الدكتور عبد الرازق السنهوري، وسمعنا أيامها أنهم ضربوه بالأحذية، وكادوا يفتكون به ولم يستطع أن يخرج من ديوان المجلس إلا بعد أن ذهب إليه الصاغ صلاح سالم، وصحبه إلى منزله.
ونذكر هنا نص كلام خالد محيي الدين وتصويره بألفاظه لهذه التظاهرات وبواعثها، ومن وراءها قال:" أدرك عبد الناصر أن خطة 5 مارس لا يمكن تنفيذها مع استمرار احتفاظه بالسلطة، وبدأ في الالتفاف على هذه الخطة وترتيب الأمر للاتجاه في مسار آخر مضاد تماما.
وطوال هذه الأيام انهمك عبد الناصر في تنفيذ خطته فحشد أكبر قدر من الضباط حوله، وبالتحديد حشدهم حوله على أساس رفض الديمقراطية وأنها ستؤدى للقضاء على الثورة، وبدا عن طريق الضابطين عبد الله طعيمة وإبراهيم الطحاوى في ترتيب اتصالات بقيادات عمال النقل العام لترتيب الإضراب الشهير.
ولك عزيزي القارئ أن تتصور إضرابا لعمال النقل تسانده الدولة وتحرض عليه وتنظمه وتموله وأتوقف تحديدا أمام كلمة (تموله) هذه ، فقد سرت أقاويل كثيرة حول هذا الموضوع ولكنني سأورد هنا ما سمعته بنفسي فعند عودتي من المنفى التقيت بعبد الناصر وبدأ يحكى لى ما خفي عنى من أحداث أيام مارس الأخيرة، وقال بصراحة نادرة : لما لقيت المسألة مش نافعة قررت أتحرك، وقد كلفنا الأمر أربعة آلاف جنيه" انتهى بنصه من كلام خالد محيي الدين.

ملاحظات وضوابط:

هذه هى وقائع العنف السياسي التي جرت في مصر في الفترة من 19151954 وقد بلغت سبعا وعشرين واقعة (27) وأحب أن أؤكد أنها تزيد على ذلك لا شك فهذه هى الوقائع التي أتيح لنا رصدها على ضيق في الوقت وبعد عن المصادر والمراجع فهذا ليس إحصاء أو استقصاء شاملا؛
فهناك أكثر من حادثة نعرف أنها وقعت، ولا تسعفنا الذاكرة بأخبارها بصورة نطمئن إليها، ولا نملك من المصادر والمراجع الآن ما يمكننا من تسجيلها منها على سبيل المثال: مقتل الضابط عبد القادر طه وحادثة سليم زكى حكمدار العاصمة، ومقتل الطالب صادق مرعى الذي قتله طلاب الوفد في ساحة المدرسة.
الملاحظة الثانية: أننا عند النظر في هذه الوقائع يجب أن نسوى بين الاغتيالات التي تمت والمحاولات التي فشلت لأننا ننظر في هذه الوقائع لنوقع القصاص على أصحابها ولكننا نرصد حجم اللجوء إلى العنف ثم إن عدم إتمام الحادثة لم يكن لتراجع المخطط أو المنفذ، بل كان الأمر خارج عن إرادته ، وهو قدر الله سبحانه فلم يحن الأجل بعد.
والملاحظة الثالثة: ن كل محاولة ينبغي أن تعد واقعة من وقائع العنف قائمة بذاتها، بمعنى أنه لو حدث محاولات لاغتيال شخص واحد لعدت ثلاث جرائم، وهى تحسب كذلك في الواقع، فتسجل كل محاولة قضية مستقلة.وعلى هذا ستزيد عدد وقائع العنف التي حصرناها آنفا على ثلاثين واقعة.

الأرقام لا تكذب ولا تتجمل:

وبالنظر إلى وقائع العنف السياسي التي سجلناها يمكن أن نقرأ فيها الحقائق الآتية:

  1. أن جميع الهيئات والأنظمة العاملة في المجال السياسي في مصر شاركت في هذه الأعمال.
  2. أن نصيب الإخوان من هذه الوقائع لا يزيد على (عشرة بالمائة) فقط، مع أن الإحصاء بالنسبة للإخوان حصري دون غيرهم بمعنى أننا لو أتيحت لنا مصادر ومراجع وافية، وقمنا بالاستقصاء الكامل لزاد العدد كثيرا على ما سجلناه على حين أن ما وقع من الإخوان لن يزيد على (الحوادث الأربعة المذكورة).
  3. أن الذين نسبت إليهم أعمال العنف ومحاولة الاغتيال منهم خمسة ارتقوا إلى أعلى المناصب في الدولة على النحو الآتي:
(أ) اثنان نالا رئاسة الجمهورية وهما: جمال عبد الناصر، وأنور السادات.
(ب) اثنان نالا رئاسة الوزراء وهما أحمد ماهر باشا ومحمود النقراشي.
(ج) واحد صار وزيرا للخارجية وهو محمد إبراهيم كامل.
  1. أن الإخوان لم يبتدعوا العنف والاغتيال السياسي وإنما هذه كان شيئا موجودا على الساحة السياسية في مصر توالت وقائعه وأحداثه منذ بدء النضال الوطني ضد الاحتلال، فوقع بعض شباب الإخوان في تقليد من سبقهم من شباب الأحزاب الأخرى.
  2. أن الوقائع الأربع التي نسبت على الإخوان، ثلاث منها وقعت بعد حل الجماعة والزج بقياداتها في السجون وفى فورة الحماسة الوطنية، وحمل السلاح للجهاد في فلسطين، فاندفع شباب غير مسئول وبيده السلاح إلى هذه الأعمال ولم يكن له قيادة تمنعه أو تدفعه فكيف تحمل الجماعة وزر أعمال وقعت في وقت مزقت الحكومة كيانها واعتقل قياداتها وأصحاب الرأي والكلمة فيها؟
  3. ثم إن هذه الأحداث الثلاث وقعت متسارعة متتابعة في الفترة ما بين 8 ديسمبر سنة 1948م و5 مايو 1949م في اقل من خمسة أشهر . فكيف يحكم بهذه الأشهر الخمسة على تاريخ طويل لجماعة كبرى بحجم جماعة الإخوان المسلمين؟
  4. والحادث الرابع (مقتل الخازندار) ارتكبه مراهقان صغيران من طلاب المرحلة الثانوية، ويشهد الله والتاريخ ومل من يعرف الإخوان أنه لم يوعز أحد من الجماعة به بل لم يرض به أحد إذ وقع.
  5. أن قيادة الإخوان المسلمين ممثلة في المشرد العام هى التي استنكرت هذه الأعمال من الشباب المنسوبين إليها، مع أن ذلك كما قلنا وقع في وقت لم يكن له رحمه الله سلطان على الجماعة ولا قدرة على الاتصال بهم، على حين سكت كل قادة الأحزاب الأخرى ولم نسمع منهم اعتذارا وذلك يدل لا شك على أنهم مسئولون عن جرائم العنف التي حصلت من أنباء أحزابهم، وأنها كانت بتحريضهم وتخطيطهم، بل من الثابت تاريخيا أن بعضا من قادة هذه الأحزاب كان يحضر الاجتماعات التي يتقرر فيها ارتكاب أعمال العنف، ويشارك في رسم خطط التنفيذ ويباركها.

فأين هذا من منهج الإخوان الذين قام منهجهم على الدعوة بالتي هى أحسن ولم يغلطوا يوما في قول ولم يخاشنوا أبدا في فعل؟

على هذا مضى تاريخهم على طوله، وها هى رسائلهم التي تحدد منهجهم، وصحفهم التي تنطق بلسانهم لم يعهد فيها هجوم على أحد ، أو إساءة إلى أحد وإنما إن وجد فهو النقد البناء والمناقشة الجادة لقضايا الأمة، بقصد بيان وجه الحق والبحث عن الصواب وأتحدى أي أحد أن يدلني على لفظة واحدة فيها دعوة إلى العنف.

الانشقاق أبلغ دليل:

لقد حدث في تاريخ الإخوان أكثر من فتنة أدت على اختلاف وخصومة وخروج هذا أو ذاك لكن حالة الانشقاق الوحيدة التى حدثت بسبب المنهج وكانت أخطرها وأقساها تشهد ببعد الإخوان عن التطرف والعنف..

فقد كانت هذه الحركة تعيب على الإخوان أمورا ثلاثة:

الأول: تهادنها مع الحكومات وعدم مواجهتها بالحقيقة التي قررها القرآن في قوله تعالى:" ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" وأنه يجب مصارحة الحكومة وإعلان خروجها عن شرع الله ، ومن ثم مقاتلتها والثورة عليها.
الثاني: قضية المرأة والتبرج والسفور ولماذا لا يخرج الإخوان لمقاومة ذلك المنكر باليد ومنع النساء منه بالقوة.
الثالث: قضية فلسطين ولماذا لا يخرج الإخوان جميعا كان ذلك سنة 1938 إلى فلسطين ولماذا يكنفون بالدعوة لتأييد القضية وتزويد الفلسطينيين بالمال والسلاح.
كان هذا منهج المنشقين ولم ينفعهم قول القيادة لهم: إن مقاومة الحكومات بالقوة تؤد إلى فتنة، وإن التصدي للنساء المتبرجات في الشوارع بالقوة لن يكون مجديا، وسيكون عدوانا على الغير وخروجا على القانون؛
وإن دخول فلسطين وقتها كانت تحت الاحتلال الإنجليزى بغير ترتيب وتنسيق مع القيادة الفلسطينيين لن يكون وراءه إلا الهلاك ولفت نظر الإنجليز وإن المرشد على اتصال دائم بمفتى فلسكين الحاج أمين الحسيني ويقدم الإخوان دائما عن طريقه كل ما يطلب منهم للجهاد والمجاهدين.
كانت هذه أكبر محنة لقيها الإخوان المسلمون عامة، ولقيها المرشد الأول الشيخ حسن البنا خاصة، ذلك أن هؤلاء المنشقين كانوا من أطهر شباب الجماعة وأتقاهم وأنقاهم ، فخيل لهم إخلاصهم هذا الاندفاع ولم يرعوا في اندفاعهم حقا لأحد عليهم فقد كانت المرة الأولى والأخير التي تعرض فيها المرشد للتهجم والإساءة بل والبذاءة.
لا يعنينا هنا أخبار وتفاصيل ما كان ولكن الذي يعنينا أن منهج الإخوان كان ضد استخدام العنف والقوة وسيلة لتحقيق الأهداف وأن صفوف الجماعة لم تتسع للمتطرفين الداعين إلى العنف ولم تتهاون معهم .
خرج هؤلاء عفا الله عنهم من الجماعة ليحققوا برنامجهم فتفرقت بهم السبل : فمنهم من أنشأ جماعة (شباب محمد صلى الله عليه وسلم) ومنهم من عمل وحده وقد حكم التاريخ أي المنهجين أقوم.

لماذا الإخوان وحدهم؟

لماذا هذا الإلحاح وهذه اللجاجة التي لا تنقطع عن عنف الإخوان وإرهاب الإخوان؟ لماذا لم نسمع عن إرهاب حزب الوفد؟ لماذا ؟ مع أن تنظيم عبد الرحمن فهمي هو الذي كان وراء محاولة اغتيال رئيس الوزراء يوسف وهبة باشا ، وشبابه هم الذين هاجموا منزل محمد محمود باشا؛
وبأيدي الوفد كان مصرع حسن باشا عبد الرازق، وإسماعيل زهدي بك، اللذين قتلا بدلا من عدلي يكن باشا وحسين رشدي باشا بسبب التشابه وما زال حزب الوفد حيا يرزق يشارك في الحياة السياسية، والعمل الوطني ولم يقل لهم أحد: أيديكم ملوثة بالدماء؟
لماذا لم نسمع عن إرهاب الحزب السعدي وقد وقف رئيساه الأول والثاني (أحمد ماهر والنقراشي) في قفص الاتهام، كما كان الحزب السعدي هو المتهم بأبشع جريمة وهى نسف قصر النحاس باشا بجاردن ستى؟
ولماذا لم نسمع هذه المعزوفة عن الحزب الوطني أشرف أحزاب مصر وأصدقها نضالا وأول من سن سنة الاغتيال السياسي والعمل السري في مصر، وكان رئيسه محمد فريد من أكبر القمم الوطنية يحضر بنفسه الاجتماعات السرية، والتخطيط للاغتيالات السياسية، وأعمال العنف والنسف لماذا يعد ذلك نضالا وتقدم عنه الدراسات الأكاديمية، وتنشرها الدولة ممثلة في الهيئة العامة للكتاب باسم "الحزب الوطني والنضال السري"؟؟
بل بلغ الإعجاب بالحزب الوطني حدا أن الرئيس السادات لما أراد أن ينشىء حزبا سماه الحزب الوطني، وهو الحزب الذي يحكم مصر برئاسة الرئيس حسنى مبارك .

لماذا يعد هذا نضالا ويعد هذا إرهابا؟

لقد قدمت أعمال فنية وأفلام سينمائية تمجد أعمال بعض هذه الأحزاب، باعتبارها نضالا وطنيا وفيها دعوة صريحة لتمجيد العنف والاغتيال لساسة مصريين بدعوى أنهم خونة يتعاونون مع الإنجليز.
أما الإخوان فحتى قنابلهم على نوادي الضباط الإنجليز يعدونها عليهم أعمالا إرهابية. فقد وجدنا المذكرة التفسيرية لقرار الحل تعدد جرائم الإخوان أن كانت سببا في قرار الحل، فتذكر منها أعمالا ضد الإنجليز، وضد اليهود وتجعلها إرهابا.

شهادات تاريخية:

وما نقوله من أن أعمال العنف لم ينفرد بها الإخوان دون غيرهم، ونطقت به الحقائق والأرقام فيما وضعناه بين يديك هو ما شهد به رجال يمثلون القمة في الوطنية والقانون ، منهم على سبيل المثال فتحي رضوان، فقد قال في بيان أصدرته اللجنة العليا للحزب الوطني عقب صدور قرار حل الإخوان المسلمين في 8 ديسمبر 1948 منعت الرقابة نشره؛

ثم نشر فيما بعد قال في هذا البيان:

" إننا لا نحتج على حل هيئة الإخوان المسلمين تشيعا لها، ولا تشيعا ضد خصومها وإنما نصدر في ذلك الاحتجاج عن الحرص على نص الدستور وروحه..

ثم قال:

" إنه لا توجد هيئة سياسية لم ينسب إلى أفراد أو جماعات من التابعين لها ارتكاب الجريمة أو الجرائم ، وقد صدرت أحكام ضد البارزين في كل هيئة سياسية في مصر، ومع ذلك لم يقل أحد: إن هذه الهيئات تتحمل وزر عشرة أو عشرين من أعضائها.
ولعل من أبلغ الأمثلة على أن ما يلقيه التطاحن السياسي عن الأحزاب والجماعات السياسية من الجريمة يكون ظالما، أو على الأقل يكون عارضا يزول مع الزمن إن غاندي وهو الداعي إلى المسالمة قضت عليه محاكم الهند أكثر من مرة على أساس مسئوليته عن جرائم التخريب والشغب والقتل.
ونحن لا نزال نذكر أن المرحومين أحمد ماهر والنقراشي اتهما بالقتل ولم ترتض بريطانيا الحكم الصادر ببراءتها . أ . هـ بنصه.

شهادة أخرى:

جاء في مرافعة الأستاذ على منصور المحامى في قضية اغتيال النقراشي ما نصه:

" وعن جمعية الإخوان المسلمين نرى أنه لا تثريب على هؤلاء الشباب في انضوائهم تحت لواء جماعة آزرتها يوما الطبقات المختلفة في البلد، وعضدتها الأحزاب المصرية مع تضارب نزعاتها، واحتضنتها لفيف من كبرائنا ، وذوى الرأي فينا، حتى إن مذكرة الحل استندت إلى أمور كانت مبررة في نظر ولاة الأمر.
ثم إن ما ثبت من جرائم قام بها بعض الأفراد، لا يمكن أن يضار به المجموع إطلاقا وإلا لحكمنا على جل هيئاتنا السياسية بما لا نرضاه لأنفسنا، فقد نبت في هذه الهيئات من ارتكب الجريمة كذلك، أو من عزى إليه ارتكابها ومن هؤلاء ذات المجني عليه (يعنى النقراشي باشا) ومع ذلك لم توصم هذه الهيئات بوصمة الإجرام ولا اتسمت بسمة الإيعاز يعنى لا وصفت بالإجرام ولا بتشجيع الإجرام فما بال الإخوان وحدهم؟
فهذه شهادة باتة قاطعة كالتي قبلها، لعلمين من أعلام السياسة والقانون يشهدان بأن جميع الأحزاب والهيئات السياسية في مصر ارتكب بعض أفرادها جرائم سياسية، أواتهم في جرائم سياسية، ومع ذلك لم تنسب هذه الأحزاب إلى العنف ولا وصمت بالإجرام والإرهاب كما هو حادث مع الإخوان المسلمين .

إيحاء وتوجيه الاستعمار والصهيونية وراء تشويه الإخوان:

إن السبب في اتهام الإخوان وحدهم بالعنف والإرهاب هو محاولة إقصاء التيار الإسلامى من الساحة السياسية، مع أنه أوسع التيارات انتشارا، وأصدقها وطنية، وأكثرها إخلاصا وأطهرها يدا بل ربما لأنه الأوسع والأصدق والأطهر والأكثر إخلاصا كان يجب إقصاؤه.
إن محاولة إقصاء جماعة الإخوان وتسليط القصف الاعلامى على أعمال العنف التي وقعت منها وحدها دون آخرين سياسة مرسومة مقصودة، يجب أن تفهم في ضوء موقف الغرب من الإسلام ، فليس تخوف الغرب من الإسلام وليد هذه الأيام..
وليس كتاب نيكسون (انتهزوا الفرصة) الذي يدعو الشيوعية هو أول صيحة تحذير من الإسلام بل ذلك داء قديم متأصل لدى الغرب منذ الحروب الصليبية التي ما زال شبح هزيمتها يؤرقهم إلى اليوم ، فهم يعلمون أن الإسلام وحده هو القادر على تقديم النظام البديل للحضارة الغربية؛
وهو وحده الذي يملك مشروعا حضاريا كاملا متكاملا قاد البشرية من قبل في طريق الأمن والأمان والإخاء والسلام نحو ألف عام ومن أجل هذا يحذرون أشد الحذر أن يستيقظ هذا العالم الإسلامى الممتد من طنجة إلى جاكرتا؛
ويرصدون أية مبادرة لصحوة هذا العملاق، فيحيطون بها ويئدونها قل أن تؤتى ثمارها وفى سبيل ذلك لا يتورعون عن استخدام أي وسيلة من الوسائل : من التزييف والافتراء والكذب والادعاء وتشويه القادة والدعاة والتخويف منهم والإيقاع بينهم وبين المسئولين في دولهم.
إن التاريخ يشهد أن مقاومة الغرب وهيمنته الاستعمارية كانت مقاومة إسلامية في حقيقتها كان الإسلاميون عمادها ووقودها تأمل أثر الأزهر والعمائم في هزيمة نابليون وإفشال مشروعه، وتأمل ثورة الجزائر ومن قام بها فهي ثورة مشايخ: الشيخ عبد الحميد بن باديس ، والشيخ البشير الابراهيمى، وجمعية العلماء، ومن قبلهم في الجزائر أيضا كان الأمير عبد القادر الجزائري...
وتأمل حركة المقاومة الليبية والشيخ عمر المختار، وثورة السودان والشيخ محمد أحمد المهدي، وبطل الريف المغربي عبد الكريم الخطابي ، ثم علال الفارسي وثورة فلسطين والشيخ عز الدين القسام قديما بل وحديثا (كتائب القسام).
ولا تنس الشيخ القعيد أحمد ياسين، وشباب الجهاد ، تأمل تجد أن الإسلام والإسلاميين هم الذين قادوا كل الثورات التحرر ضد الهيمنة الغربية وما زالوا ولذا كان لابد من إقصاء الإخوان المسلمين وإخراجهم من المعركة .

من الذي أمر بحل الإخوان المسلمين؟

عندما تنادت الأمة للجهاد في فلسطين ضد إقامة الدولة الصهيونية في منتصف سنة 1948م فوجئ الإنجليز وقد كانوا موجودين في فلسطين ومصر بقوات المتطوعين من الإخوان المسلمين تخوض المعارك، وتحرز الانتصارات بصورة تنبئ عن درجة عالية من التدريب، واستيعاب فنون القتال مع شجاعة نادرة تدل على الرغبة في الاستشهاد؛
مما أوقع الرعب في قلوب كل من واجههم أو تصدى لهم فأيقن الإنجليز أن ألأمر جد وليس بالهزل وأن ما كانوا يظنونه مجرد استعراضات للجوالة وهتافات، وخطب وتظاهرات وراءه صحوة حقيقية أنبتت رجالا يطبقون فعلا ما كانوا ينادون به " الموت في سبيل الله أسمى أمانينا" فلم يضيعوا وقتا فالأمر لم يعد يحتمل التأجيل ولذلك تقدم قائد القوات الإنجليزية في الشرق الأوسط بطلب حل الإخوان المسلمين إلى النقراشي باشا؛
وقدم الدفاع في قضية مقتل النقراشي إلى المحكمة صورة زنكغرافية لهذه الوثيقة بتوقيع الكولونيل أ. م. درموت ، وارتبك الادعاء وادعى أن الوثيقة غير صحيحة ونشرت الصحف في حينها أن رئيس الوزراء إبراهيم باشا عبد الهادي سعى إلى السفارة البريطانية لتنقذ ماء وجه الحكومة فأصدرت السفارة تكذيبا جاء فيه:
" إن أمر حل الإخوان المسلمين أو ما شابه ذلك كما زعم الدفاع لم يثر، ولم يكن محل حديث بين السفارة والحكومة المصرية، ولعلكم ترون أن من الضروري لمصلحة العدالة إحاطة المحكمة علما بما تقدم" التوقيع (مورى جراهام المستشار القانوني للسفارة البريطانية).

ولكن الدفاع سخر وحق له أن يسخر من هذا التكذيب، قائلا:

" إن التكذيب لا يكون إلا ممن وقع الوثيقة، فهو وحده الذي يستطيع أن ينكر توقيعه وهو حي يرزق ويسمع قولنا ويقرأ اتهامنا" وفعلا لم يستطع الكولونيل أن ينكر توقيع نفسه على الوثيقة.
ودائما المجرمون يقع منهم مهما بلغ حرصهم ما يكشف جريمتهم ، فقد نشرت جريدة (الأساس) لسان حزب الحكومة مقالا تحت عنوان " (لماذا يتلكئون؟) جاء فيه:
" إن الحكومة السعدية تعجب لعدم تسليم الثلاثة من الإخوان الذين هربوا إلى برقة في حين أن السفارة الإنجليزية هى التى كانت تطلب إلى السلطات المصرية وضع حد لنشاطهم بمصر، فلما اشتدت وطأة البوليس المصري على الإرهابيين ، حمتهم السلطات البريطانية في برقة، والسلطات المصرية في انتظار تغير موقف السلطات البريطانية في برقة، حتى ينسجم مع موقف السفارة البريطانية في القاهرة"أ.هـ.
هذا هو نص ما نشرته جريدة الحزب الحاكم وهو كلام واضح مبين يفضح المستور ويكشف المخبوء " السفارة البريطانية تطلب وضع حد لنشاطهم" فاستجابت الحكومة وبالغت في الاستجابة فلم تكتف " بوضع حد لنشاطهم" ولكن " اشتدت وطأة البوليس المصري عليهم " يعنى بالاتهام وتزوير الأدلة ضدهم وسجنهم وتشريدهم حتى اضطروا إلى الفرار من وطنهم.
جاء هذا المقال صريحا على لسان الحكومة في جريدتها الناطقة بلسانها . وكان دليلا دامغا ضمن الأدلة التي قدمها الدفاع لإثبات صحة الوثيقة التي طلبت انجلترا بمقتضاها حل الإخوان المسلمين.
ثم قدم الدفاع دليلا آخر يؤكد صحة الوثيقة، وذلك عندما سأل (أي الدفاع) محمد صالح حرب باشا الرئيس العام لجمعية الشبان المسلمين أمام المحكمة محمد صالح حرب باشا الرئيس العام لجمعية الشبان المسلمين أمام المحكمة عما دار بينه وبين النقراشي باشا بخصوص طلب الإنجليز تنحيته عن رئاسة جمعية الشبان المسلمين فقال:
" حدد لى النقراشي باشا موعدا للقائه بمكتبه برئاسة الوزراء وهناك عرض على خطابا باللغة الإنجليزية من اللورد كيلرن السفير البريطانى يقول فيه:
" إنه أي السفير ومعه القائد العام للقوات البريطانية في مصر والقائد العام للطيران في الشرق الأوسط يطلبون تنحية محمد صالح حرب عن رئاسة جمعية الشبان المسلمين وقطع كل صلة له بها"
وما إن رفعت رأسي بعد قراءة الخطاب حتى بادرني النقراشي باشا قائلا:" ما رأيك؟" فقلت له: "إنني أعجب من أن تتدخل السفارة البريطانية في شئوننا الداخلية حتى في رئاسة جمعية كجمعية الشبان المسلمين إنني لن أستقيل".
فقال النقراشي باشا :" إنك ستسبب لنا مشاكل وأرجو ألا يكون هذا آخر ما عندك وأن تعيد النظر في الأمر". فقلت له:" إن هذا آخر ما عندي .. وأنا لن أستقيل ، ولا توجد قوة في الأرض تحملني على الاستقالة".
وقال النقراشي باشا ، وهو يبسط خطاب السفارة إمامه، ويضع أصبعه على كلمة قائد قوات الطيران في الشرق الأوسط:" انظر، قائد قوات الطيران في الشرق الأوسط" فقلت له :" إن قوة بريطانيا كلها لا تستطيع حملي على الاستقالة، وإن الذي يحملني على الاستقالة هو شيء واحد هو أن ترغب جمعية الشبان المسلمين نفسها في ذلك".
إن انجلترا التي تتدخل لحمل محمد صالح حرب باشا على الاستقالة من رئاسة جمعية الشبان المسلمين ليس غريبا ولا عجيبا منها أن تتدخل بطلب حل الإخوان المسلمين.

الوثائق الأجنبية الخاصة بالإخوان:

حتى هذه الساعة لمتفرج انجلترا وأمريكا عن الوثائق الخاصة بالإخوان المسلمين في تلك المرحلة، برغم مضى أكثر من خمسين عاما، مع أن قانون الوثائق السرية عندهم يسمح بالاطلاع عليها بعد مضى ثلاثين سنة، ويستثنى منها ما هو (شديد السرية)
فلا يفرج عنه إلا بعد خمسين سنة، أما الوثائق الخاصة بالإخوان المسلمين فيبدو أنها غير قابلة للنشر لأنها فيما أقدر تحوى أو تكشف عن درجة من الانحطاط والخزي والعار لا يمكن لأبطالها المشاركين فيها ومن وراءهم أن يتحملوا كشفها أو لأنها- كما يقولون- تتعلق بقضية ما زالت متصلة الحلقات.
سواء كان هذا لسبب أو ذاك هو الشر في عدم كشف هذه الوثائق فذلك الحجب يدل لا شك على مدى تورط أنظمتنا في الخضوع والخنوع لرغبات قوى الهينة الغربية، إنجليزية وأمريكية، ويدل أيضا على أن قضية الإخوان ما زالت مفتوحة لدى قوى الاستكبار العالمي، وما زالوا يمارسون ضغطهم وألاعيبهم.
فإذا كان هؤلاء وراء قرار حل الإخوان المسلمين وإذا كانت الوثائق السياسية المتعلقة بالإخوان هى وحدها غير القابلة للنشر ألا يدل ذلك على أن هذه القوى (الامبريالية) من الاستعمار والصهيونية وراء هذا التشويه البشع للإخوان والتخويف منهم وجعلهم فزاعة يخيفون بها كل القوى السياسية ومن قبلها الأنظمة الحاكمة؟
وليس هذا من باب جعل الغرب شماعة نعلق عليها كل قصورنا وعجزنا ولا من باب نظرية المؤامرة بل مع الأسف هو الوقاع المشاهد، الواقع الأليم فإعلامنا مسلوب الذاكرة، مسلوب الإرادة ، مسلوب العقل، إعلام ببغائي ينطبق عليه قول أمير الشعراء أحمد شوقي على لسان أحد شخوص مسرحية كليوباترا:.
انظر الشعب( ديون)
كيف يوحون إليه

يا له من ببغاء

عقله في أذنيه

نعم، إعلامنا الذي يصنع عقل الأمة، ويصوغ عواطفها، ويوجه مشاعرها عقله في أذنيه.
وهذا أمر واضح لا يحتاج إلى دليل ، فإعلامنا فيما عدا ومضات قليلة مجرد ببغاء يردد ما يلقى إليه ويكفى أن تنظر إلى هذا الكم الهائل من الاتهامات والافتراءات والأكاذيب التي شوهت بها جبهة الإنقاذ الجزائرية عندما فازت بالانتخابات من خلال الصناديق الشفافة؛
وكيف تحول المجني عليه إلى جان وتحول المقتول إلى قاتل ووضع رئيس الدولة الفائز في الانتخابات في السجن بدلا من قصر الرئاسة وتم التنكيل به وبمن معه وعاشت البلاد أيشع صور الديكتاتورية ويا للمهزلة باسم الخوف على الديمقراطية من عباس مدني وجبهة الإنقاذ، أبيدت قرى بأكملها : رجالا ونساء وأطفالا لأنها صوتت لجبهة الإنقاذ ويقال إرهابيون.
ومن المفارقات العجيبة أنه في الوقت الذي بارك الغرب فيه الانقلاب على جبهة الإنقاذ في هذا الوقت عينه كانت القوات الأمريكية تخوض حربا فعلية في (هاييتى) لإعادة الرئيس (أرستيد) إلى كرسي الرئاسة بحجة أنه الرئيس المنتخب.
نعود فنقول: نحن لا نبحث عن شماعة الغرب لنعلق عليها مآسينا وبلاوينا ولكننا ننبه إلى خطورة هذا التضليل المعلوماتى وهذه التبعية الفكرية التي من أهم أسبابها هذا الإعلام الببغائى الذي صنع هذه الأكذوبة الكبرى (عنف الإخوان وإرهاب الإخوان) .

كيف نقرأ التاريخ؟

مرة أخرى نذكر بكلمة ابن خلدون المضيئة:

" إن من أسباب الغلط في التاريخ الذهول عن تغير العوائد وتبدل الأحوال" فإذا أردنا أن نحكم على الأعمال التي نستبشعها اليوم ونسميها جرائم فلننظر إليها بمعيار (العوائد والأحوال التي وقعت في ظلها)
فهذه الأحداث التي وقعت من الإخوان لم تكن كذلك في حينها فالظروف والدوافع والجو النفسي والمناخ العاطفي والعقل الجمعي يكون له أثر كبير في الحكم على السلوك والأفعال وما يعد جريمة منكرة في وقت ما ومكان ما، قد يعد بطولة ونضالا ووطنية في وقت آخر ومكان آخر.
وإذا شئت مصداقا لهذا ، فاقرأ صحف هذه الأيام التي وقعت فيها تلك الأحداث ، وانظر في قائمة المحامين الذين تولوا الدفاع عن مرتكبيها واقرأ دفاعهم ، بل وانظر في حيثيات الأحكام التي صدرت عليهم ، سترى عندئذ الحكم الصائب على هذه الأفعال؛
والتقييم الصحيح لهذه الجرائم وسيظهر لك أن هذا الجنوح إلى العنف كان نتيجة لظروف ودواع وبواعث دفعت شبابا طاهرا بريئا إلى هذه الأعمال التي عدها مخطئا نضالا في سبيل الوطن ، فلم يكن هذا الشباب منطويا على حقد على المجتمع، ولا مجرما بطبعه وإنما طلب الحق فأخطأه؛
لم يكن أنور السادات مجرما حين ألقى القنبلة على سيارة النحاس باشا ولما لم تصبه عاود الكرة مرة ثانية وثالثة، لم يكن أنور السادات مجرما حين خطط وتآمر وساعد على قتل أمين عثمان لم يكن جمال عبد الناصر إرهابيا حين أطلق النار على اللواء حسين سرى؛
واعتقد أنه قتل وجرى يبحث عن مخبأ، ولم يكن الوزير محمد إبراهيم كامل ذلك الوزير الوطني الذي استقال احتجاجا على معاهدة كامب ديفيد لم يكن محمد إبراهيم إرهابيا حين اشترك في اغتيال أمين عثمان.
كانت الصحافة على تفاوت بينها تتناول أحداث العنف من هذا الشباب بصورة لا تخلو من إيماءات الرضا والتشجيع ، فعلى سبيل المثال كانت إحدى الصحف تنشر مذكرات حسين توفيق قاتل أمين عثمان التي تفيض بتفكيره وتخطيطه وتتحدث عن آماله في حرية الوطن والتضحية في سبيله، كانت تنشر هذه المذكرات وكأنها تنشر مذكرات زعيم الزعماء الكبار ولم يصل إلى الصحيفة رسالة واحدة تقول: إن هذا فيه إيحاء بتشجيع العنف والثناء على القتلة.
ولما هرب حسين توفيق من السجن راحت الصحف تتابع أخبار هروبه واختفائه في نبرة لا تخلو من التعبير عن الارتياح لنجاته من السجن ، بل كنت ترى له في بعض الصحف صورا فوتوغرافية على هيئات وأضاع توحي بالإعجاب بصاحبها وتقديره.
وكان يختفي وينتقل من بيت إلى بيت في حماية ورعاية شخصيات وطنية مرموقة، إلى أن يسروا له الخروج من البلاد ، فتناقلت الصحف الخبر في نغمة لا تخلو من شعور بالفرح وزهو بالانتصار.

هيئات الدفاع:

وانظر أيضا إلى محامى الدفاع واقرأ دفاعهم لقد كانت هيئات الدفاع في هذه القضايا تتألف من خيرة زعماء مصر وصفوة رجال القانون والوطنية في البلاد ،كانوا يتطوعون للدفاع في هذه القضايا ويتبارون في تشخيص الحالة الوطنية السياسية، وأثرها في دفع الشباب إلى هذا المضيق ،ولن تجد زعيما سياسيا واحدا لم يدافع في واحدة من هذه القضايا على الأقل (وكان زعماء مصر كلهم تقريبا من الحقوقيين).

هيئة الدفاع عن حسين توفيه مثالا:

كان من أعضائها:

  1. فتحي رضوان
  2. على الخشاشنى
  3. زكى عريبى
  4. زهير جرانة
  5. وهيب دوس
  6. شوكت التونى
  7. على منصور
  8. محمد هاشم
وكلهم من أعلام السياسة والقانون.

أما صولات الدفاع وجولاته داخل المحكمة ، فقد كانت محاضرات في الوطنية وخطبا عصماء في الجهاد، لا يتسع المقام لذكرها فقد تصل في بعض القضايا إلى أكثر من ألف صفحة، فليقرأها من يشاء في الكتب التي أرخت لهذه القضايا، ولكنا نجتزئ منها بما قاله القانوني الضليع على بك بدوى في ختام مرافعته عن محمود العيسوي، قاتل أحمد ماهر باشا...

قال مخاطبا هيئة المحكمة:

" لقد قدمت دفاعي عن هذا الشاب الذي قام بما يعتقد أنه خلاص لمصر من ويلات حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل ، فإذا قدرتم هذه الظروف وتلك الدوافع فإن هذا هو الأمل في عدالتكم وإن رأيتم غير ذلك وحكمتم على هذا الشاب بالإعدام فإنني أبكى في هذا الشاب أخلاقه النبيلة وحال هذه الأمة التعيسة".

(ولم يكن على بك بدوى مجرد محام يريد إرضاء موكليه ، كلا، لقد كان رجلا يعرف ما يقول كان على بك بدوى قامة من لقامات القانونية والفكرية فقد كان أستاذا فعميدا لكلية الحقوق واستقال ليعمل بالاستشارات القضائية، حيث كان مرجعا بمؤلفاته وآرائه في معضلات القانون ولم يكن يعمل بالمرافعات أمام المحاكم إلا نادرا جدا، وفى بعض القضايا السياسية ذات الشأن وغالبا ما يكون متطوعا بذلك)

فحينما يبكى رجل في قامة على بك بدوى محمود العيسوي وأخلاقه النبيلة ، وحال هذه الأمة التعيسة ،حينما نرى هذا نعرف كيف كانت النظرة إلى أعمال العنف السياسي ومرتكبيه في هاتيك الأيام.

هكذا تكلم القاضي:

وإذا كنا قد هزتنا كلمة على بك بدوى في ختام دفاعه عن قاتل أحمد ماهر، فأبلغ منذ لك وأقوى حكم المحكمة في قضية السيارة الجيب المشهورة فقد برأت المحكمة 14 أربعة عشر متهما من بين 32 اثنين وثلاثين متهما ، وحكم بالسجن ثلاث سنوات على 5 خمسة من المتهمين ، وبالسجن سنتين على 12 اثني عشر متهما وسنة واحدة على متهم واحد.
وليس هذا مع دلالته محل الشاهد، ولكن ما جاء في حيثيات الحكم هو الذي يهمنا أن نلفت النظر إليه، ففي 13،4،1951 م نشرت الصحف خبرا يقول:" وقع أمس أحمد بك كامل رئيس محكمة الجنايات.. حيثيات الحكم في قضية السيارة الجيب، ويقع الحكم في 385 صفحة فولسكاب ، وكان مما جاء في هذه الحيثيات:" ..
وكان لابد لمؤسسي هذه الجماعة لكي يصلوا إلى أغراضهم أن يعرضوا أمام هذا الشباب مثلا أعلى يحتذونه، ووجدوه في الدين الإسلامى وقواعده التي تصلح لكل زمان ومكان ، فأثاروا بهذا المثل العواطف التي كانت قد خبت في النفوس؛
وقضوا على الضعف والاستكانة والتردد وهذه الأمور تلازم عادة أفراد شعب محتل مغلوب على أمره فقام هذا النفر من الشباب يدعو إلى التمسك بقواعد الدين والسير على تعاليمه وإحياء أصوله سواء أكان متصلا بالعبادات والروحانيات، أو بأحكام الدنيا.
ولما وجدوا أن العقبة الوحيدة في سبيل إحياء الوعي القومي في هذه الأمة هو جيش الاحتلال، الذي ظل بين المحتل وبين فريق من الوطنيين الذين ولوا أمر هذا البلد مباحثات ومفاوضات على إقرار الأمور ليخلص الوادي لأهله (يقصد وأدى النيل) ولم تنته هذه المفاوضات والمحاولات الكلامية إلى نتيجة طيبة، ثم جاءت مشكلة فلسطين، وما صحبها من ظروف وملابسات.
لما كان كل هذا اختل ميزان بعض أفراد شباب جماعة الإخوان المسلمين فبدلا من أن يسيروا على القواعد التي رسمها زعماؤهم والتي كانت جديرة حتما على تربية فريق كبير من أفراد الشعب وتثقيفهم وإعلاء روحهم المعنوية بدلا من السير على هدى هذه المبادئ أرادوا أن يختصروا الطريق ظنا منهم أن أعمال العنف تبلغ بهم أهدافهم من سبيل قصير.
فاتحدت إرادتهم على القيام بأعمال قتل ونسف وغيرها، مما قد لا يضر المحتلين بقدر ما يؤذى مواطنيهم، وذهبوا في سبيل ذلك مذهبا شائكا، منحرفين عن الطريق الذي رسمه لهم رؤسائهم، والذي كان أساسا قويا لبلوغهم أهدافهم.
وحيث إنه يتبين من كل هذا أن هذه الفئة الإرهابية لم يحترفوا الجريمة وإنما انحرفوا عن الطريق السوي فحق على هذه المحكمة أن تلقنهم درسا.
على أن المحكمة تراعى في هذا الدرس جانب الرفق ، فتأخذهم بالرأفة تطبيقا للمادة 17 من قانون العقوبات لأنهم كانوا من ذوى الأغراض السامية التي ترمى أول ما ترمى إلى تحقيق الأهداف الوطنية لهذا الشعب المغلوب على أمره".ا.هـ.

هذه الكلمات واضحات من قاض عاش أربعة أشهر متتابعة يصل الليل بالنهار في دراسة نحو عشرة آلاف صفحة هى أوراق القضية ويستمع لممثل الاتهام يقدم له (الأعضاء الإرهابيين في الجماعة المنحلة) ويستدل على اتهامه ببيانات الإخوان وبرامجهم وأحاديثهم ومن جانب آخر يسمع دفاع المحامين

يفند أقوال النيابة ويفسر ما تتقدم به من أوراق الإخوان وبرامجهم على عكس الوجه الذي تفسره النيابة، ويستمع إلى الشهود ويناقشهم ويستمع إلى مناقشة الدفاع والنيابة للشهود ويتأمل ويقارن ويوازن ليعرف الحقيقة.

"إن الحقائق نسبية لجميع البشر إلا للقاضي ،فإنه لا يعرف إلا حقيقة واحد مطلقة ، إن الكلمة التي تخرج من بين شفتي القاضي يسمونها كلمة القدر" فإذا قال القاضي عن هؤلاء الشباب " إنهم من ذوى الأغراض السامية التي ترتمي أول ما ترمى إلى تحقيق الأهداف الوطنية لهذا الشعب المغلوب على أمره"

إذا قال القاضي الذي طلب إليه الفصل في أمرهم وقد قدموا إليه بأنهم أعضاء إرهابيون في الجماعة المنحلة إذا قال القاضي: "غنهم من ذوى الأغراض السامية" فما بال هؤلاء المضللين لا يملون ولا يكلون من الإلحاح واللجاجة في وصمهم بالعنف والإرهاب؟ وما بال بعض الطيبين من إخواننا ينطلي عليهم ذلك، فيسمعون ويصمتون ولا يردون ولا يدفعون ؟وكأنهم يصدقون.

وشهادة القاضي المؤرخ:

وإذا كنا قد سمعنا شهادة القاضي الذي حاكمهم وكيف أنصفهم فنريد عليها شهادة الفاضى المؤرخ الذي حاكم المرحلة كلها وهو المستشار طارق البشري في كتابه (الحركة السياسية في مصر من سنة 1945م- 1952م)
ونجترئ هنا بما يخص اتهام الإخوان بالعنف ،فبعد أن تحدث عن فساد هذه السلطات التي اتهمت الإخوان بالعنف ووصفتهم بالإرهاب وملأت بهم السجون والمعتقلات وأذاقتهم العذاب ألوانا وصنوفا ، قال بعد أن تحدث عن ذلك بإفاضة:" على أن هذه الأعمال (أي التعذيب والتنكيل)
كانت جرما بشعا بالغ الشناعة مس الكبرياء المصري وترك في النفوس كلها جراحات عميقة شائهة، كما ترك إحساسا عاما بأن الوضع السابق يستحيل أن يعود وحكم على حزبي السعديين والأحرار بالإعدام السياسي.. فقد سقطا كقوة سياسية يمكن أن تقوم بأي دور في المستقبل وأنه لن يستطيع إرجاعها إلى الحكم في أية ظروف ، سواء بتزييف الانتخابات أو بالقهر كما كان يحدث من قبل". انتهى بنصه.
تأمل " كان ما ارتكبه هؤلاء الطغاة في حق الإخوان جرما بشعا وبالغ الشناعة". واسمع " حكمت هذه الأعمال بالإعدام السياسي على حزبي السعديين والأحرار الدستوريين" (كانت حكومة إبراهيم عبد الهادي مكونة من الحزب السعدي برئاسته ومن حزب الأحرار الدستوريين)
فجاء حكم الشعب بالإعدام عليهما معا، وقد ظلا يتبادلان التهم، فتنصل منها حزب الأحرار وزعم أنه لا علم له بهذه الجرائم وأن اشتراكه في الحكم كان قاصرا على الوزارات المسندة إليه فقط.
لقد حكم الشعب لصالح الإخوان المسلمين حكم بأن المجرمين غيرهم وأن هذه الجرائم التي ارتكبت في حق الإخوان أذت الشعب عامة، فجاء حكم الشعب على قدر شناعة الجرائم،" الإعدام سياسيا".

المتهم الأول:

ثم قامت الثورة فأضافت إلى الحكم بالإعدام سياسيا حكمها بالإعدام بدنيا على إبراهيم عبد الهادي باشا فقد كان المتهم الأول أمام محكمة الثورة.
ولم يكن عجيبا ولا غريبا أن الذي أنقذه من حبل المشنقة هم الإخوان المسلمون، فقد سعى المرشد العام حسن الهضيبي حتى خفف الحكم عنه، فذلك هو دأب الإخوان في العفو والصفح، فمن يطالع أدبيات الإخوان يجد أنهم لم يفجروا أبدا في الخصومة، لامع الملك والسعديين وأحزاب ما قبل الثورة ولا مع الناصرية والناصريين، فهم دائما ينظرون إلى المستقبل والأمل في إصلاح الأمة.

شهادة فوق كل شبهة:

ويحسن أن نسجل هنا شهادة صدق، تؤكد صواب قولنا وصحة تفسيرنا لهذه الأحداث ومبعث حفاوتنا بهذه الشهادة أمران:
الأول: أنها مبرأة من أي رغبة أو رهبة.
الثاني: أن صاحبها الأستاذ صلاح عيسى أحد الرموز الثقافية المصرية ذات التوجه الاشتراكي الناصري، فلا محل للقول بأنه يمالئ الإخوان المسلمين أو يناصرهم. وسنحاول أن نأتي بألفاظه بنصها، ولولا خوف الإطالة لأتينا بمقاله كاملا، ولكننا تركنا منه ما يدخل في باب الشرح والتفصيل، أو ما ليس لع علاقة بما نريده.

كان المقال من عنوانه صريحا منبئا عن موضوعه إذ كان بعنوان:

" حسن البنا.. لا عنف.. ولا تزمت"
وبدأه قائلا:" الذين يضعون فأس اتجاه التيارات الإسلامية في مصر والعالم العربي نحو التزمت ثم العنف، في عنق الشيخ حسن البنا يسيئون عن عمد قراءة وقائع التاريخ ويقحمونه في الصراع السياسي القائم الآن بينهم وبين التيار الإسلامى بمجمل فصائله، فلا يسئيون بوضعهم الجميع في سلة واحدة لوقائع التاريخ فحسب؛
ولكنهم وهذا هو الأخطر يؤججون نيران الغضب، حيث يتوهمون أنهم سيقضون عليه، ويقودون الأمة إلى صراع عبثي لا جدوى من ورائه، يتوهم خلاله كل تيار من تياراته الرئيسية في الحركة السياسية العربية، أن باستطاعته استئصال الآخرين وبذلك تطيش خطواتها نحو المستقبل في الألفية الثالثة، كما طاشت في الألفية الثانية.
وما يتجاهله الذين يحملون الشيخ حسن البنا المسئولية عن نشأة تيار العنق ، هو أن تشكيل المنظمات شبه العسكرية كان موضة لدى كل التيارات السياسية في الثلاثينات في إطار النتائج الايجابية التي حققتها نظم الحكم في ألمانيا وإيطاليا الفاشية التي نجحت استنادا إلى عسكرة المجتمع في استعادة ما أضاعته الحرب العالمية الأولي من حقوق البلدين الوطنية وإن فرق الجوالة التي أنشأها البنا وعرفت بفرق القمصان الكاكية؛
لم تكن الوحيدة في الساحة فقد كانت هناك فرق القمصان الخضراء التى شكلتها جماعة مصر الفتاة وكان من أعضائها جمال عبد الناصر ، بل إن الوفد وهو الحزب الديمقراطي العتيد قد شكل هو الآخر فرق القمصان الزرقاء وكل الشواهد التاريخية تؤكد أن جوالة الإخوان كانت أكثر هذه الفرق انضباطا سواء من الناحية الأخلاقية أو من ناحية الالتزام بالقانون.
ومما يتجاهلونه كذلك أن الإخوان المسلمين لم يكونوا هم الذين بدءوا باستخدام الرصاص في الحوار السياسي مع القوى السياسية المحلية، فقد كان أول استخدام له في هذا الاتجاه عام 1922، وقبل ست سنوات من تشكيلهم عندما اغتال مجهولون يشك في أنهم من المتعاطفين مع الوفد اثنين من زعماء الأحرار الدستوريين إبان الصراع العنيف بين الطرفين؛
كما أن أحدا من الإخوان المسلمين لم يشارك في محاولات الاغتيال التي تعرض لها إسماعيل صدقي، وكان أحد أعضاء مصر الفتاة هو الذي حاول اغتيال مصطفى النحاس عام 1937 والذي قتل أحمد ماهر لم يكن إخوانيا بل كان من المنتمين الشباب الحزب الوطني.
وليس حسن البنا هو الذي أسس تيار التزمت في الفكر الإسلامى، إذ الحقيقة أن هذا التيار قد تأسس ضده ونشأ تمردا على قيادته وكان وراء أول انشقاق عن جماعته أسفر عام 1938 عن تشكيل جماعة شباب محمد التي اتهمته بالقعود عن الجهاد وبمهادنة القوى التي تماطل في تطبيق الشريعة، وبالتواطؤ مع الذين لا يحكمون بما أنزل الله ، وطالبته بالتخلي عن قيادة الجماعة أو اتخاذا موقف جهادي واضح يجابه الحكومة بأنها كافرة ويقاوم المنكر في المجتمع بالعنف.
وكانت مصر الفتاة في سياق التنافس مع الإخوان هى التي ارتادت على الصعيد الحركي طريق مقاومة المنكر باليد حين قام أنصارها عام 1939 بالهجوم على الحانات لتحطيمها والاعتداء على روادها وفى المرتين قاوم البنا هذا الاتجاه وأعلن أنه ضد الخروج عن القوانين، مهما كان رأيه في درجة إسلاميتها".

ثم قال ما خلاصته:

" إن المسئول الأول عن الارهابى في المنطقة العربية هم الذين زرعوا دولة عنصرية دينية في أرض فلسطين عن طريق الإرهاب والمجازر الوحشية، وعصابات الهاجاناه، وأرجون زفاى وأخواتها".

ثم أردف قائلا بنصه

" كان ذلك هو التحدي الذي استجاب له البنا، فشرع بمشورة من المجاهدين الفلسطينيين في تشكيل الجهاز الخاص للإخوان المسلمين، ليكون بمثابة جناح عسكري للجماعة يجند طاقات لشبان الأكثر حماسا واستعدادا للتضحية من خلال دراسات فقهية حول نظرية الجهاد في الفقه الإسلامى؛
وبرامج للتدريب العسكري للأسلحة والمتفجرات لكي يكونوا مؤهلين لمواجهة الغزو الصهيوني والاحتلال الأجنبي لبلاد المسلمين ، وبصرف النظر عن مدى صواب ذلك أو عدم صوابه، فإن المسئول عن نشوء العنف الديني في المنطقة ليس صاحب رد الفعل ولكنه صاحب الفعل الذي يملأ الدنيا الآن في بلاد الغرب صراخا ضد هذا النوع من العنف"

ثم قال:

" ومن الإنصاف أن نقول بأن عمليات العنف ضد مصريين لم يتجاوز ثلاثة هى قتل القاضي أحمد الخازندار بسبب أحكام قاسية أصدرها بحق بعض الذين قاموا بأعمال عنف ضد قوات الاحتلال، واغتيال رئيس الحكومة محمود فهمي النقراشي ردا على قراره بحل جماعة الإخوان ومصادرة ممتلكاتها واعتقال قياداتها، وأخيرا محاولة نسف محكمة الاستئناف لإحراق الأوراق السرية للجهاز الخاص التي كانت قد ضبطت في سيارة جيب لتدمير أدلة الاتهام ضد قياداتها وتأمين من لم يقع في أيدي الشرطة منم أعضائه .
ولم يكن البنا طرفا في هذه العمليات الثلاث، فقد نفذت أولاها دون علمه وغضب غضبا شديدا لوقوعها ، ونفذت الثانية والثالثة بعد حل الجماعة وتفكك روابطها التنظيمية بسبب اعتقال قادتها ، ووضعه هو نفسه تحت رقابة بوليسية صارمة
حال بين الذين خططوا لهما وبين عرض الأمر عليه، وحالت بيه وبين الاعتراض على التنفيذ بل إنه اعتر أن الرصاصات التي وجهت إلى النقراشي قد أصابته هو نفسه، ونظر إلى محاولة نسف محكمة الاستئناف باعتبارها تحديا له إذ كان يجرى مباحثات سياسية لكي يلغى قرار الحل".

وختم مقاله بعبارة تكفى بما حملته من صدق العاطفة وعاطفة الصدق للوفاء بكل المعاني التي جاءت بالمقالة وذلك قوله:

" والمؤكد أنه لولا غياب حسن البنا لتغير وجه النصف الثاني من القرن العشرين عما صار إليه ولاختلف استقبالنا للألفية الثالثة عما نحن فيه"ا.هـ.

الفصل الثالث: الإخوان والأحزاب المعارضة والتأييد

بعد أو وضعنا الأقلام وطوينا الصحائف، وأخذ أهل الاختصاص هذه الأوراق لطباعتها أو لتنضيدها على الحاسوب، شاءت الأقدار أن يتأخر ذلك العمل الذي كنت أقدر له أسبوعا، فلا يتم إلا بعد نحو عام ونصف العام، في هذه الفترة جرت مياه كثيرة، وتحركت رواكد وجدت أمور فكان أن رأينا وسمعنا بعضا من الناس ينحون بالملائمة على الإخوان؛

هذه المرة ليس على العنف والعمل السري بل لأنهم على طول تاريخهم لم يعرف لهم خط سياسي، بل بدلوا تحالفاتهم يمينا ويسارا فتحالفوا مع الوفد حينا ومع صدقي حينا ومع السعديين حينا ومع القصر حينا ولم يستقروا على حال مع طرف من هذه الأطراف.

وهذا الكلام قد يجوز على بعض الناس الطيبين حسنى النية ، وهو يردنا ثانية إلى قضيتنا الأساسية التى من أجلها كتبنا ما كتبنا ألا وهى قضية قراءة التاريخ وتفسير الأحداث.وبيان ذلك أن الإخوان ناصروا فعلا وحقا هذا وذاك، هذه وقائع وحقائق تاريخية ثابتة لا مجال للحديث أو التشكي فيها.

ولكن يبقى وراء ذلك أن نسأل لماذا كان ذلك؟ كيف تقرأ هذا الحدث؟ وكيف تفسره؟ هذا هو عمل المؤرخ وهذه هى حقيقة التاريخ.

الحياة الحزبية في مصر:

" الاستعمار على يد سعد ولا الجلاء على يد عدلي"
هذا الهاتف الذي بحث به الحناجر في تظاهرات هادرة تطوف أرجاء مصر كلها ريفها وحضرها هذا الهتاف يمثل المنهج والأساس الذي قامت عليه الحزبية في مصر قامت على التعصب الأعمى، والحب والكره عواطف جارفة ومشاعر هائجة دون أي محاولة للفهم والوعي.
كان هذا مبكرا منذ فجر الحياة الحزبية منذ سعد وعدلي في العشرينات ، واستمر على ذلك حتى كان يقول قائلهم: " لو رشح الوفد حمارا لانتخبناه" ..
يعرف ذلك ويدركه كل شهود المرحلة، أو من جالس شهودها وسمع منهم وأصغى إليهم. يعرف ذلك ويدركه كل شهود المرحلة أو من جالس شهودها وسمع منهم وأصغى إليهم.
هذه الحياة الحزبية التي نشأت فاسدة واستغل زعماؤها وقادتها عواطف الجماهير، وتاجروا بها هذه لحياة هى التي جعلت أمير الشعراء أحمد شوقي يندد بها في قصيدته التي جاء فيها:
إلام الخلف بينكم؟ إلاما؟
وهذى الضجة الكبرى علاما؟

وفيم يكيد بعضكم لبعض

وتبدون العداوة والخصاما؟

وأين الفوز لا مصر استقرت

على حال، ولا السودان داما؟

شببتم بينكم في القطر نارا

على محتلة كانت سلاما

وعندما قامت جماعة الإخوان المسلمين كانت الحياة الحزبية قد ازدادت فسادا، فكان الصراع بين الساسة والأحزاب قد بلغ الذروة من العنف والإسفاف والتجريح واستخدمت فيه كل الأسلحة ما يجوز وما لا يجوز ، وكان العنف والاغتيال بعض هذه الوسائل فما من زعيم مرموق إلا وتعرض لاعتداء مسلح نجح ذلك الاعتداء أو لم ينجح
سعد زغلول ، صدقي باشا، رئيس الوزراء عبد الخالق ثروت باشا ، النحاس باشا ، رئيس الوزراء محمد نسيم باشا ، رئيس الوزراء محمد سعيد باشا ن رئيس الوزراء يوسف وهبة باشا ، إسماعيل سرى باشا وزير الأشغال ، رئيس الوزراء أحمد ماهر باشا ، أمين عثمان باشا .

الإخوان نمط جديد:

في هذا المناخ قامت جماعة الإخوان المسلمين فكانت روحا جديدا ومنهجا جديدا في السياسة المصرية، كانت مدرسة جديدة في العمل السياسي تمزج السياسة بالدين، بمعنى أن العمل السياسي عبادة وتقوى لله رب العالمين؛
فلابد أن يكون الإنسان فيها مبرأ من هوى النفس، وحظوظ الذات بعيدا عن هذا الصراع القائم الذي وصل فساده حتى النخاع ذلك الصراع من أجل المناصب والجاه والسلطة والمال والاستغلال ولذا أعلن الإخوان أنهم سيناصرون العمل وينظرون في ألأداء بصرف النظر عن صاحبه فحينما يتصدى فلان لعمل وطني فنحن وراءه نشد أزره ونعلن ولاءنا ومساندتنا إياه ناظرين للعمل وده بصرف النظر عن صاحبه وتاريخه.
بصر النظر عن صاحب هذا العمل من يكون، وأيا كان تاريخه من الجهاد أو الفساد من أجل هذا ساند الإخوان كل الحكومات وعارضوا كل الحكومات بل وحاربوا وشاركوا في إسقاط كل الحكومات.
كانت الحكومة أية حكومة عند بدء عملها وأول تكليفها تعرض برنامجا براقا وتعطى وعودا معجبة فيبادر الإخوان بتأييدها ويسعون لدعمها ويحشدون الجماهير للوقوف وراءها لا يعنيهم لونها الحزبي ولا تاريخها ولا أمجادها وإنما ينظرون في عملها وما من حكومة إلا وقد أرسل إليها الإخوان بيانا بتأييدها مقدمين إليها النصح والإرشاد
داعين إياها للعمل على تحقيق آمال الأمة في قضيتها الأولى قضية الجلاء ووحدة وأدى النيل والاهتمام بقضايا الداخلية، وينتظرون بها ويعطونها المهلة اللازمة ويشجعون كل خطوة في سبيل الإصلاح ويثنون على كل لبنة توضع موضعا فالبناء.
حتى إذا تم الأعذار وبرئت الذمة واستنفدت الحكومة مهلتها وانكشف أمرها ووقعت في مهاوى الصراع الحزبي والتهافت على المغانم وبدا أن برنامجها الذي تقدمت به كان مجرد حبر على ورق، عندئذ يسحب الإخوان تأييدهم ومساندتهم ويطالبون الحكومة بالوفاء بما وعدت به أو الاستقالة ويبدأ الصراع معها من أجل إسقاطها.

حكومة صدقا نموذجا:

كانت البلاد تغلي وتفور عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية مطالبة الإنجليز بإنجاز وعودهم بالجلاء ووحدة وأدى النيل وحاولت حومة النقراشي قمعها والقضاء عليها، ولكن الجماهير بإصرارها واستمالتها أشعلت الغضب في كل مكان فعمت التظاهرات أرجاء البلاد وسقط الضحايا والجرحى في مدن القطر المختلفة...
في القاهرة والإسكندرية وبور سعيد وشبين الكوم والزقازيق والمحلة الكبرى وطوخ وأسيوط وطنطا والمنصورة وعطلت الدراسة في جامعة الإسكندرية أسبوعا وصودرت صحيفة مصر الفتاة وأجريت التحقيقات مع صحف البلاغ والوفد والمصري.
وتوجت هذه المواجهات بمذبحة كوبري عباس الى قدر ضحاياها بنحو مائتي مصاب وبلغ عنف قوات الحكومة وسطوتها حدا جعل الطلاب يلقون بأنفسهم في النيل اتقاء لجحيم النيران. إزاء هذه الأحداث الجسام استقالت حكومة النقراشي وكلف الملك إسماعيل صدقي باشا بتأليف الوزارة.
وحاول صدقي منذ أول لحظة أن يكسب ثقة الجماهير ويعمل على تهدئة ثائرتها فظهر بمظهر الذي يتفهم هذه الثورة العارمة والتعاطف معها وأنه جاء لتحقيق آمالها ولذا لم يحاول وقف تيار التظاهرات فجأة بل لعله كان يرى أن في بعض منها تقوية لموقفه في وجه الإنجليز فقرر منع لتعرض للتظاهرات.
كما حاول أن يوحى للجماهير بأنه طوف صفحة العنف والقسوة التي كان عليها في مطلع الثلاثينات، وأنه في أخريات حياته يريد أن يصنع شيئا يخدم به وطنه ويختم به عمره. من أجل هذا أعلن أنه على استعداد للتعاون مع جميع القوى الوطنية حتى الوفد عدوه التقليدي.
وظهر ذلك جليا في تشكيل وفد المفاوضات مع الإنجليز، فقد مثل فيه جميع الأحزاب حيث اختار منكل حزب عضوا إلا حزب الوفد فإنه جعل له عضوين ولكن حزب الوفد رفض ذلك وطالب بأن تكون له أغلبية الأعضاء وأن ت كون له الرئاسة أيضا.
ورغبة منه في توحيد صفوف الأمة في مواجهة المفاوض الإنجليزى زار المركز العام للإخوان المسلمين طالبا التأييد ووحدة الصف مظهرا بعده عن العنف والكبرياء داعيا إلى أن ننظر إلى ما هو عليه الآن لا إلى ما كان مؤكدا أنه يريد أن يقوم بعمل يحقق به آمال الأمة في الجلاء ووحدة وأدى النيل ، وأنه على استعداد للاستقالة إذا لم يستطع أن ينجز ذلك.

هذه كانت الظروف والأحوال التي جاءت فيها حكومة صدقي:

  • حكومة تدعو للوحدة وتخطب ود الجميع.
  • نعم كان صدقي معروفا بعنفه واستبداده، وإلغائه الدستور.
  • ولم يكن الآخرون أحسن حالا منه، فالسعديون هم أصحاب المجازر التي لم تجف الدماء التي سالت بسببها بعد.
  • والوفديون الذين يزعمون أنهم يملكون توكيلات رسمية عن الأمة كانوا قد غرقوا إلى آذانهم في الفساد وكانت مأساة 4 فبراير 1942 ما زالت حاضرة في الأذهان ماثلة للعيان، وكانت فضائح انشقاق مكرم عبيد والكتاب الأسود تزكم الأنوف.
فلم يكن صدقي بدعا فيما نسب إليه ووصم به فكلهم كانوا صدقي ربما اختلف اللون أو الطعم أو الدرجة.

في إيجاز شديد:

كان صدقي يفاوض الإنجليز ويطلب من الإخوان وغير الإخوان مساندته إنها مسألة قومية وقضية وطنية فكيف يتخلف الإخوان أو غير الإخوان؟ لم يؤيد الإخوان صدقي في استبداده ، ولا في جبروته وكبريائه ولا في رؤيته للمشاكل الداخلية وإنما أيدوه مفاوضا في وجه الإنجليز.

فماذا في ذلك؟

بل إن هذا التأييد كان مشروطا بألا يفاوض صدقي في الحصول على الحد الأدنى من مطالب الأمة في الجلاء والوحدة الكاملة بين مصر والسودان.

المعارضة الواعية:

أدعياء التنوير والليبرالية يقرعوننا صباح مساء ويعيروننا بأننا متخلفون وأننا لا نعرف كيف نمارس الديمقراطية، وأن بيننا وبين الغرب ثلاثمائة سنة حتى نعرف كيف نمارس الديمقراطية مثلهم انظروا إن المعارضة عندهم معارضة رشيدة لا تعارض الحكومة بإطلاق ولا تؤيدها بإطلاق، وإنما تعارض إذا وجدت خالا أو ظنت خطأ أو رأت رأيا مخالفا في قضية من القضايا .
أما حينما يتضح وجه الصواب في قضية من القضايا فلا مجال للمعارضة بل تأييد كامل ومساندة للحكومة وذلك مثل القضايا القومية والوطنية فأنت تجد الحزب الديمقراطي في أمريكا لا يتردد لحظة في التصويت لصالح الحكومة الجمهورية وفى انجلترا نجد حزب المحافظين يصوت لمساندة الحكومة العمالية حينما تكون القضية وطنية قومية أو حتى داخلية يتضح وجه الصواب فيها، مثل الخطوط العامة للاقتصاد والتعليم الصحة ونحو ذلك.
هذا ما يعزفه حملة المباخر للفكر الغربي ، فلنسألهم؟ ماذا فعل الإخوان؟ ألم يؤيدوا صدقي وحكومته في مفاوضته للانجليز ؟
أليس هذا هو الوعي في المعارضة التي يطالبوننا به؟ أم إنه يكون صوابا ورشدا ووعيا ونموذجا يحتذى ويتعلم منه إذا قام به الغربيون فإذا فعله الإخوان فهم يؤيدون الاستبداد والطغيان؟
إن الذين يقولون بهذا ويعيرون الإخوان بتأييدهم لوزارة صدقي هم العنوان والمثال لفساد الحياة السياسية، والتحزب الأعمى والمعارضة لذات المعارضة ولا نظر عندهم إلى التصرف الذي يعارضونه صوابا كان أو خطأ .

مثال ينطق بالفرق:

ووقائع التاريخ وأحداثه تؤيد ذلك ولأضرب مثلا بما جرى في سنة 1956 م حين أطاحت بالبلاد القوى الاستعمارية الغادرة عندما أظلمت القاهرة وأمطرتها قنابل انجلترا وفرنسا واجتاحت إسرائيل سيناء ونزلت قوات العدو ببور سعيد وبدا أن مصر قد أحيط بها من قبل جيوش لا طاقة لا بها.

يقول التاريخ:

كان الإخوان المسلمون في السجون والمعتقلات في ذلك فماذا صنعوا : لقد كتبوا عريضة وقعوها بدمائهم ورفعوها إلى ناصر يقولون فيها: إنهم يرجون منه أن يسمح لهم بالخروج للانضمام إلى صفوف المقاومة الشعبية على وعد يشهدون اله عليه بأنهم سيعودون طواعية بعد دحر العدو إلى أماكنهم في السجون والمعتقلات، دون أن يكلفوا أحدا أن يطلب منهم ذلك .

فماذا فعل الحزبيون؟

يومها اجتمع الرءوس من فول الأحزاب، وأرسلوا على ناصر من يقول له: إنهم شكلوا لجنة منهم لتتولى استلام زمام الحكم ومفاوضة المعتدين إنقاذا للبلاد ويطلبون مقابلة جمال عبد الناصر للبحث في الخطوات العملية لتنفيذ هذا الأمر.
وقد كان رد عبد الناصر يومها رائعا إذ قال: إنه على استعداد للقائهم فعلا لا للتشاور لكن ليقتلهم رميا بالرصاص في حديثة مجلس الوزراء.

في ضوء هذا يمكن التمييز بوضوح بين مفهوم الإخوان ومفهوم الأحزاب للمعارضة ، فالإخوان مع معارضتهم واختلافهم مع عبد الناصر الذي كان في ذروته لم يمنعهم ذلك من مساندته والعمل تحت رايته والتأكيد لقيادته وزعامته ما دام لم يقتل أعداء الوطن هنا انتهت المعارضة وحل مكانها الفداء بالروح والدم.

أما فلول الأحزاب فتلك "شنشة أعرفها من أخزم" ها قد أحيط بمن يعارضونه وصار في مأزق فلنجهز عليه ولو كان ذلك في ظل القوى الاستعمارية الباغية أو حتى لا مانع أن يكون بمعاونتها. هذا هو الفرق بين مفهوم الإخوان ومفهوم الأحزاب للمعارضة.
الإخوان: معارضة الحكام مشروعة أما معارضة الأوطان فممنوعة بل خيانة.
الأحزاب: معارضة حتى الوصول إلى الحكم وتحت ظلال الاحتلال.
في السياق نستطيع أن نقول : فهمنا الآن لماذا أيد الإخوان صدقي ولماذا يعيب الحزبيون هذا التأييد.
وإن كنت في حاجة إلى تأكيد هذا المفهوم والإخوانى للمعارضة فاعلم أن الإخوان الذين أيدوا صدقي في 15 فبراير 1946 عند توليه للوزارة وبدء مفاوضاته للانجليز هم الذين قادوا المعارض وحركوا الانتفاضة الشعبية التي أسقطته في 7 ديسمبر 1946 حينما عجز عن انتزاع حقوق مصر من المفاوض البريطانى ولم يعترف بذلك بل حاول أن يوهم الشعب بتصريحات فيها كثير من المغالطة أنه أتى له بالنصر وحقق له كل أمانيه.
هذا هو تأييد الإخوان لصدقي الذي يردده الآن أحد زعماء الأحزاب فيكشف عن حزبيته العمياء قبل أن يسيء للإخوان

وأخيرا:

إن منهج الإخوان في التأييد والمعارضة ليس بدوات ومصادفات، وإنما هو خط مرسوم مدروس عبر عنه صراحة المرشد العام الأستاذ حسن الهضيبي رحمه الله حين قال:
"نحن لا نؤيد وزارة تأييدا مطلقا.. لقد أيدنا الوفد في نقطة واحدة فقط هى إلغاء معاهدة سنة 1936م واتفاقيتي السودان أما وزارة رفعة على ماهر باشا فقد لقيت منا كل تشجيع فيما كانت تعتزمه من المطالبة بحقوق البلاد ولم نتجاوز ذلك أبدا.. وبالنسبة للهلالي نقول له: اعمل على إخراج الإنجليز في وقت معقول.

بقى أن نقول:

إن هذا الذي يقال عن تأييد الإخوان لهذا وذاك، وتبديل مواقفهم، قد لا يدخل في باب الغلط الخفي للتاريخ الذي أردنا عليه هذه الرسالة بقدر ما يدخل في تعمد الكذب والتزييف والتضليل .
وآية ذلك أن الإخوان أصابهم المحن والبلاء من هذه القوى جمعاء، من الملم ومن الوفد ومن السعديين ومن صدقي وغيره وما ذاك إلا لأنهم لم يكونوا يوما من طلاب مغنم أو ربح بل كانوا يدورون مع الحق حيث دار؛
فحينما يتصدى فصيل أو قبيل لمجابهة أعداء البلاد أو محاربة الفساد، وإنصاف العباد كانوا يقولون :" نعم" وعندما يرون تخاذلا وتفريطا أو فسادا في قضايا البلاد أو تلاعبا وإفسادا لأرزاق العباد كانوا يقولون: " لا" مهما كلفهم ذلك وقد دفعوا الثمن غاليا يعرف ذلك القاصي والداني ولو تهاونوا وساوموا لما أصابهم ما أصابهم.

وهكذا دائما العصا المستقيمة في وسط حزمة من العصى المعوجة تكون عجيبة غريبة وتكون مرفوضة مبغوضة لأنها تظهر العوج في الأخريات.

جهاد الإخوان في فلسطين:

ليس هذا من موضوعنا ولا من غرضنا الآن وإنما سنعرض لطرف من تاريخ هذا الجهاد لسببين:
الأول: أن لجهاد الإخوان في فلسطين علاقة وثيقة بما نحن بصدده من القراءة التاريخية لعلاقة الإخوان بالعنف فلو لم يدخل الإخوان فلسطين ولو لم تظهر بطولات متطوعيهم الخارقة لو لم يكن ذلك ما طالب الإنجليز بحل جماعتهم ونزع صفة الشرعية عنهم وفتح السجون والمعتقلات وتحويل أبطال الجهاد إلى مجرمين وإرهابيين.
أجل لو لم يكن حل الجماعة لما كان مقتل النقراشي ولا قضية السيارة الجيب ولا محاولة نسف محكمة الاستئناف ولا محاولة اغتيال حامد جودة . نعم يتضح لكل ذي بصر وبصيرة أنه لولا جهاد الإخوان في فلسطين لما جرت الأحداث في ها المجرى ولما كان لها هذا التسلسل.
والسبب الثاني: أنا مع الأسف وجدنا من نشط في السنوات الأخيرة لتشويه الإخوان المسلمين واستغل هذا الصمت النبيل وراح يبدى ويعيد، ويكرر في لجاجة وإلحاح قوله:" إن الإخوان لم يكن لهم جهاد في فلسطين ولم يصل أحد منهم إلى الميدان وإنما كانوا يستعرضون الذين يسمونهم متطوعين بالسلاح للتدجيل وخداع العامة ولإرهاب الخصوم" كذا قال .

وهو في هذا يتكئ على أمرين:

أولاهما: عدم رغبة الإخوان في الحديث عن جهادهم، وثانيهما: أن هناك أجيالا ناشئة لن تعش هذا التاريخ ولن تسمع به من قبل فهي على استعداد أن تتلقى بالقبول أول ما يلقى إليها.
وإنا لنعجب له كل العجب لا من أجل هذا الحقد الذي يغلى بصدره على الإخوان ولا لإنكار الحقائق وتزييفه الوقائع الواضحة وضوح الشمس، والتي يعلمها هو نفسه علم اليقين، ولكنه يكذب ما رأته عيناه وليس هذا موضع العجب فحسب ولكن العجب العاجب أنه بلغ السن التي يتوب فيها الفاجر ويؤمن فيها الكافر فكيف لم تمنعه سنه ولم يردعه شيبه؟
إن له زملاء كانوا معه في نفس موقعه فبله وبعده ولكنهم غفر الله لنا ولهم لزموا بيوتهم في صمت، وراعوا حق الشيخوخة والكبر ومنهم من يسر إلى خاصته بندمه على ما فرط منه ويتوب إلى الله ويستغفره ومنهم من يعالن بتوبته ولكن صاحبنا هداه الله يتصدر شاشة الفضائيات بجرأة عجيبة على الحق والحقيقة ، حتى رأيناه ينكر حقائق ووقائع التعذيب التي اقترفتها يداه وهو يعلم أن شهودها أحياء يرزقون.
ومن أجل هذا وذاك أردنا أن نسجل هذه اللمحة من جهاد الإخوان في فلسطين، ولن نعتمد فيها على شهادة الإخوان بل نسجلها بأقوال وأقلام لغير الإخوان.

شهادة القائد العام لمنظمة الشباب الفلسطيني:

كانت ههذ الشهادة أمام المحكمة التي تنظر قضية السيارة الجيب، باعتبار أن من التهم الموجهة الى ا لمتهمين حيازة أسلحة وذخائر، فطلب الدفاع شهادة عدد من القادة الذين عملوا في فلسطين ، وكان منهم القائد العام لمنظمة الشباب الفلسطيني المعين من قبل الهيئة العربية العليا لإنقاذ فلسطين، وهو الصاغ محمود لبيب

وقد جاء في شهادته قوله:

" بدأ المتطوعون قبل دخول الجيوش العربية بقيادته بمهاجمة قوافل الصهاينة ، ومستعمراتهم ونسف أنابيب المياه، ثم هاجموا (دير البلح) لاستكشاف قوة اليهود. ثم توزعوا على المستعمرات الصهيونية، وقاموا بتطهير المنطقة ما بين رفح حتى مدينة غزة تماما، حتى إن الجيش المصري دخل غزة دون إطلاق رصاصة واحدة.
وفى جبهة أخرى بقيادة الشهيد البطل أحمد عبد العزيز قام الفدائيون بغزو المستعمرات، حتى وصلوا حدود القدس الجديدة ، كل ذلك في 13 يوما (قبل دخول الجيوش العربية).
وروى كيف تمكن المتطوعون ببسالتهم قبل دخول الجيوش النظامية من تمير ثماني مصفحات يهودية، والاستيلاء على أربع كما غنموا كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة والمؤن. وتحدث عن سقوط (راما تراحيل) في يد الإخوان وكيف أن ذلك كان ضروريا لحصار القدس فتقدم الإخوان إليها واحتلوها.
ثم ذكر كيف جاءت فرقة من جيش الملك عبد الله، وطمعت في الاستيلاء على (راما تراحيل) فأخلاها الإخوان لهم ولكنهم انشغلوا بما غنموه منها، فأجلاهم اليهود وعاد الإخوان فاحتلوها للمرة الثانية ، وعاد جنود الملك عبد الله لما فعلوه من قبل وأجلاهم اليهود مرة أخرى فاحتلها الإخوان ثالثة ،ولكن لن يظهر لهم جنود الملك عبد الله هذه المرة، ولعلهم (اختشوا على دمهم).
وكانت أسلحة المتطوعين بنادق ورشاشات وتومى وقنابل إيطالية وألمانية وقال: إنه حدث في نوفمبر سنة 1948 أن أرسل إليه عزام باشا (الأمين العام للجامعة العربية) وقابله باللواء أحمد منصور بك ضابط الاتصال، وأخبره بأن إشارة وردت للجامعة العربية بضرورة إرسال كتيبتين من الإخوان بالذات لفك حصار الفالوجة.
وقرر أن الجيش المصري في فلسطين حدث أن طلب من الإخوان إمداده ببعض المتفجرات لأن الجيش لم يكن لديه سوى أسلحة إنجليزية في حين أن المتطوعين كانوا يملكون أسلحة وذخائر ألمانية وإيطالية.
وأجاب الشاهد عن أسئلة النيابة بأنه بعد دخول الجيوش النظامية إلى فلسطين كان الجيش يمد المتطوعين بالمؤن، أما الأسلحة فكانت ترسل إلى المتطوعين بوسائلهم الخاصة عن طريق الهيئة العربية العليا، وغيرها لا عن طريق الحكومة.
وهذا كلام موثق أمام المحكمة لا يحتاج إلى تعليق ، ويكفى أن نشير إلى تدخل الجامعة وطلبها إرسال كتيبتين من المتطوعين لفك حصار الفالوجا .

شهادة اللواء أحمد المواوى بك:

كان اللواء المواوى أول قائد للجيش المصري في فلسطين ، وقرر في شهادته أمام المحكمة
" أن هؤلاء المتطوعين كانت روحهم المعنوية قوية واشتركوا في معارك كثيرة، وقاموا بانتزاع الألغام من النطاق الخارجي للمستعمرات اليهودية واستعملوا هذه الألغام ضد اليهود الذين تكبدوا بسببها الخسائر حتى أنهم تقدموا إلى مراقبي الهدنة الأولى شاكين ، وكان هذا العمل من الإخوان له أهميته إذ لم يكن لدى الجيوش النامية ألغام".
رثم ذكر اللواء المواوى كيف استمات الإخوان حتى استردوا (العسلوج) بعد أنفقدها الجيش وكانت رياسة الجيش قد أرسلت أمرا باستردادها مهما كان الثمن، لخطورة موقعها" انتهى بنصه.

مكافأة الإخوان رسميا من الجيش:

صدرت النشرة العسكرية في مايو سنة 1949 تحمل أسماء خمسة عشر جنديا من الإخوان المسلمين المصريين والفلسطينيين ، الذين أنعم عليهم بأوسمة عسكرية رفيعة تقديرا لجهودهم في حرب فلسطين.
ولذلك قصة حكاها أحد قادة كتائب الإخوان المسلمين، الأستاذ كامل الشريف قال بعد أن وصف إحدى المعارك الحاسمة التي أبلى فيها الإخوان بلاء حسنان وقدموا للجيش المصري معونة خطيرة، إذ دونها كانت السبل ستنقطع بمجموعات كبيرة من الجيش ويتكرر حصار الفالوجة...

قال:

" في صباح هذه المعركة زارني مندوب من قبل القائد العام وأخبرني بأن اللواء فؤاد صادق (القائد العام للجيش المصري) يرغب في مطالبة الحكومة بالإنعام بأوسمة عسكرية رفيعة على الإخوان: إشادة بفضلهم، واعترافا بجهادهم في هذه المعركة وغيرها وهو يريد منى كتابة كشف بأسماء الإخوان الذين اشتركوا في معركة الأمس فامتنعت في البداية عن تقديم هذا الكشف
لهذا السببين وقلت: إن الإخوان لا يعملون بغية أوسمة وشارات ولكنهم طلاب ثواب ومغفرة، وليس لهم مطمع من جهادهم غير الاحتفاظ بكرامة أمتهم وجيشهم والإبقاء على عروبة فلسطين كجزء من وطنهم الإسلامى الكبير، فإن حققوا ذلك فقد وصلوا إلى أقصى ما يريدون من نتائج.
ولكنه ألح إلحاحا شديدا، وحاول إقناعي بأن الإنعام على الإخوان لا يعد انتقاصا لبلائهم وثوابهم بل هو اعتراف بفضل الدعوة التي صنعتهم.
وأمام هذا الإلحاح لم أجد بدا من إجابة مطلبه، فأعطيته الكشف المطلوب، وقد أخبرني بعض ضباط الرئاسة أن اللواء (فؤاد صادق) تقدم للحكومة السعدية طالبا منح نياشين رفيعة للإخوان المسلمين، غير أن الحكومة اعتبرت تنفيذ هذا لمطلب اعترافا منها بجهاد الإخوان وحسن بلائهم، فكيف توفق الحكومة بين ذلك الاعتراف وبين خطتها في القضاء على جماعة الإخوان وتشويه كل مظهر من مظاهر نشاطها.
وكيف توفق بين هذا المسلك وبين ما تكتبه صحف الحكومة من طعن وتوشيه للإخوان، فماطلت الحكومة السعدية زمنا طويلا ، وحاولت إقناع اللواء (فؤاد صادق) بالعدول عن مطلبه غير أن الرجل الشجاع أصر على ذلك، واعتبر هذه المماطلة امتهانا لكرامته، وإحراجا لمركزه؛
مما اضطر الحكومة إلى إجابة طلبه فاختارت حلا وسطا، وصدرت النشرة العسكرية تحمل أسماء خمسة عشر جنديا من الإخوان المسلمين المصريين والفلسطينيين ، ورأت الحكومة أن تدارى موقفها المخجل فسمتهم في نشرتها (جماعة المتطوعين المصريين) ثم تتابعت النشرات العسكرية تحمل الإنعام على أبطال الإخوان المسلمين في (بيت لحم) و(صور باهر) وغيرها من المناطق:
ومن المضحك المبكى أن تصدر النشرات العسكرية وفيها اعتراف رسمي ببطولة جنود الإخوان في الوقت الذي كان فيه هؤلاء الأبطال المنعم عليهم لا يزالون يقاسون مرارة الاعتقال ويعيشون كالمجرمين الخطرين خلف الأسلاك الشائكة في معتقلات رفح والطور وهايكستب.
وهكذا أباحت العقلية المنكوسة لنفسها معاملة طائفة من الناس على أنهم أبطال مغاوير ومجرمون خطرون في آن واحد.

شهادة إحسان عبد القدوس:

كتب إحسان عبد القدوس مقالا في مجلته روزاليوسف جاء فيه:

" والإخوان المسلمون اليوم كما كانوا بالأمس هم الذين يمثلون دعوة الدين إلى الجهاد ، وبفضل دعوتهم هذه شهدت ساحات فلسطين أبطالا منهم ، وقفوا وقفة العمالقة وهتفوا باسم الله فإذا بالبطل منهم وفي صدره عشرة أبطال..
ولا يستطيع ضابط ممن اشتركوا في حملة فلسطين، أو مراقب ممن راقبوا معاركها، أن ينكر فضل متطوعي الإخوان المسلمين فيها، أو ينكر بطولتهم وجسارتهم على الموت والعبء الكبير الذي تحملوه منها راضين فخورين مستشهدين في سبيله".

وتستمد هذه الشهادة أهميتها من ناحيتين:

أولاهما: إن إحسان عبد القدوس كان في ذلك الوقت أبعد ما يكون عن مجاملة الإخوان المسلمين وعن الاتجاه الذين يمثلونه.
والثانية : إن إحسان عبد القدوس كان أكثر الصحفيين والكتاب معرفة بحرب فلسطين، وأكثرهم إحاطة بخباياها وأسرارها وانشغالا بها فهو الذي فجر قضايا الأسلحة الفاسدة، وقصور الأنظمة وخلل القيادة مما جعل القادة وكبار الضباط يسربون إليه كثيرا من الوثائق ويفضون إليه بأدق الأسرار التي كان لنشرها دوى هائل زلزل الحياة السياسية في مصر.
المهم أنها شهادة خبير غير منحاز.

شهادته بما جرى للإخوان:

لم تقتصر شهادة إحسان عبد القدوس على بطولة الإخوان وتضحياتهم فقد جاء في المقال نفسه:
" لنكن منصفين لقد عاد الإخوان من حملة فلسطين، وفى ظهر كل منهم خنجر مسموم.. عادوا ليشردوا ويعتقلوا وليروا رجلهم الأول يغتال في ظلام".

كتب إحسان عبد القدوس هذا المقال، بعد إلغاء معاهدة سنة 1936 م في 8 أكتوبر سنة 1951م وتحرك البلاد للمقاومة في القنال، حيث كان للانجليز ثمانون ألف جند يربضون على شاطئ القناة بموجب معاهدة سنة 1936م.وبمقتضى هذا الإلغاء أصبح وجودهم غير مشروع وتحركت كل القوى الوطنية للمقاومة.

ولم يكن الإخوان قد اخذوا موقعهم في الحياة السياسية بصفة رسمية بعد، ذلك أن الحكم بإلغاء قرار الحل لم يكن قد صدر من مجلس الدولة إلا في 30/6/1951م، وتأخر الحكم بوقف بيع ممتلكات الإخوان ومركزهم العام إلى 17/9/1951م ، ولم يتم تسلم المركز ا لعام إلا في 16/12/1951م، ولم يتم انتخاب المرشد العام الجديد إلا في 19/10/1951م.

ومن هنا جاء هذا المقال من إحسان عبد القدوس يتساءل أين الإخوان من هذه المعركة؟

سيذكرني قومي إذا جد جدهم
وفى الليلة الظلماء يفتقد البدر

وكأنه يعزيهم ويواسيهم ويخفف عنهم ما نزل بهم ويذكرهم بأن للتاريخ رأيا آخر فجهادهم مذكور، ونضالهم مشكور، والغدر الذي وقع بهم معلوم مرصود مردود مشجوب ولذا راح يتساءل:

" فهل تتكرر عليهم المأساة لو اشتركوا في حرب التحرير؟ وهل من حقهم أن يسألوا أنفسهم مثل هذا السؤال؟
ثم أجاب نيابة عنهم إجابة تؤكد أنهم لن يترددوا ، ولن يتخلفوا فإنهم أهل إيمان ودين وأهل الإيمان والدين لا يردهم عن الجهاد والنضال في سبيل إيمانهم ودينهم غدر الغادرين، ولا خيانة الخائنين؛

وهاك نص كلامه:

"هل كفر نبي بدينه، وتخلى عن دعوته لمجرد أنه خدع في فريق من أنصاره، أو أوذى من قومه؟ أقولها وفى القلب أمل لا يزال قويا : فيوم أن يتحرك الإخوان المسلمون ويعرفون كيف يتحركون وإلى أين فيومئذ اكتملت لمصر قواها الشعبية وضنت لأيام الجهاد الاستمرار.
وقد صدق الإخوان إجابة إحسان عبد القدوس ، ولم يمنعهم كفران الحكومات لجهودهم وغدرهم بمجاهديهم وسجنهم أبطالبهم واغتيالهم لإمامهم وتقدموا الجهاد في القنال، وما تزال آثار القيود في أرجلهم وآلام السياط في ظهورهم بل كان منهم من لا يزال مغيبا وراء القضبان، ومع ذلك تقدموا للجهاد الصادق الخالص المخلص فسجلوا صفحات رائعة وبطولات خارقة وسقط منهم الشهداء الأبرار واستحق جهادهم إعجاب الجميع وتقديرهم ؛
فرأينا يوما جنازة شهدائهم تشيع من جامعة القاهرة سيرا على الأقدام إلى مسجد الكخيا (قرب ميدان الأوبرا) ويشارك في حمل النعش الأستاذ الدكتور عبد الوهاب مورو باشا مدير جامعة القاهرة، وكان يومها يلبس الزى العسكري (الكاكى) لفدائي الإخوان المسلمين؛
والأستاذ الدكتور عبد الله الكاتب جراح مصر العظيم، وعميد كلية الطب وحسن الهضيبي مرشد الإخوان المسلمين ، كانت أعراس الشهداء تجمع أعلام مصر ورجالاتها تقديرا وعرفانا لجهود الإخوان المسلمين.

وزن وتقدير:

نحن هنا لسنا في مجال الحديث عن جهاد الإخوان في فلسطين، ولا في القنال، ولكنا أشرنا إلى لمحات من هذا الجهاد مجرد إشارة لكي ننعطف على موضوعنا الاساسى،وهو العنف والإرهاب الذي اتهم به الإخوان المسلمون.
فنقول ثانية إن حوادث العنف الأربعة التي نسبت للإخوان المسلمين مع أنهم ليسوا بدعا في هذا الباب، ولم ينفردوا به دون باقي الأحزاب هذه الحوادث إذا وقعت من أناس عملهم القتال، ودأبهم التدريب والاستعداد وصناعتهم المتفجرات والسلاح؛

فقد تكون أقل وقعا إذا حدث من أناس لم يعرف عنهم استخدام السلاح إلا في قتل واغتيال عدد لا يتجاوز الأصابع من جنود الاحتلال، ومع ذلك حدث منهم عدوان على المواطنين أكثر مما حدث من الإخوان ومع ذلك تؤلف الكتب والأطروحات في نضالهم..

خاتمة

نتائج وخلاصة

ونختم هذه الرسالة بخلاصة ونتائج لما قدمناه.

  1. إن جماعة الإخوان المسلمين قد أحدثت أثرا هائلا ليس في الحياة لمصرية وحدها، بل في حياة ألأمة الإسلامية كلها، فقد كانت تيارا سرى في الأمة أحياها من موات ، وحماها من صدمة التدهور التي اجتالتها عن الطريق، وأفقدتها ثقتها بنفسها، وأوشكت أن تحرمها من ذاتيتها.
  2. إن على الإخوان المسلمين ومنظريهم أن يهتموا بدراسة التاريخ الإسلامى مثل اهتمامهم بالتنظير لقضايا النظام السياسي ، فعسى أن يشقوا هذا الطريق ويلفتوا إليه نظر الباحثين فإن دراسة التاريخ الإسلامى، دراسة عملية وتحليله وفلسفته أحد الشروط الغائبة لنهضة أمتنا. وعن طريق هذه الدراسة العملية الجادة سنجد النموذج والمثال الذي يصح أن نقدمه للناس ونقول لهم : إذا طبقنا الإسلام وجعلناه هو الحل ستعود لنا ههذ الأمجاد التي ضاعت منا، وستعود أمتنا لريادة الإنسانية وقيادتها في طريق الأمن والإيمان والسلام والعدل والرخاء والاستقرار.
  3. على الإخوان أن يبذلوا أقصى جهد ممكن في جميع تاريخ الجماعة، وتسجيله وتوثيقه ومن ثم دراسته وتحليله وألا يثنيهم عن ذلك أية مشاق أو فقات فعائد ذلك وفائدته أكبر من كل جهد أو نفقة.
  4. على علماء الإسلام ودعاته إلى أن يتم دراسة التاريخ الإسلامى أن يراجعوا محصولهم مما درسوه في التاريخ، فهو ثمرة المناهج الدنلوبية.
  5. لقد ثبت بالدليل القاطع أن التشكيلات العسكرية لم يبتدعها الإخوان ولم ينفردوا بها، ومعه ذلك كانت تشكيلاتهم (الجوالة) الأكثر انضباطا والأنقى خلقا وسلوكا.
  6. إن الجهاز السري لم يكن هو المسئول عما أصاب لجماعة وحل بها من محن.
  7. إن أعضاء الجهاز السري كانوا في جملتهم صفوة من ألأطهار الأخيار ، الذين باعوا أنفسهم لله وما كان منهم أو من بعضهم من خطأ لا يبرر أبدا هذه الحملة الظالمة على الجهاز وأعضائه.
  8. إن الحياة السياسية المصرية شهدت أعمال عنف، واغتيالات شاركت فيها كل الأحزاب.
  9. إن الإحصاء الرقمي الدقيق يثبت أن الإخوان المسلمين كانوا أقل الهيئات والجماعات مشاركة في أعمال العنف.
  10. إن العنف السياسي في مصر سواء من الإخوان أو من غيرهم- قام به شباب من صفوة المجتمع ثقافة ومنزلة ومكانة.
  11. إن جهاد الإخوان المسلمين في فلسطين هو الذي جر عليهم كل هذه الويلات، وعرضهم لهذه المحن.
  12. بعض حسنى النية الذين يقولون إن الإخوان تعجلوا بالدخول إلى ساحة الجهاد في فلسطين فلفتوا الأنظار إلى قوتهم فأصابهم ما أصابهم. نقول لهؤلاء: لو انتظر الإخوان ألف سنة ودخلوا ساحة الجهاد، لتألبت عليهم الدنيا كل الدنيا ولم يفلتوا مما يراد بهم.
  13. لا يصح ولا يجوز عقلا ولا شرعا أن نجعل مقياس الصواب والخطأ هو تحقيق الهدف، فكثيرا ما يؤدى الإنسان كل ما عليه على أحسن وجه، ثم يتدخل عامل لا إرادة له فيه، ولا طاقة له به فيحول بينه وبين غايته.
  14. حين البنا لم يتراجع حتى لحظة وفاته عن القول بأن الإسلام دين ودولة، وأن السياسة من الدين، وأن على الإخوان أن يؤدوا دورهم في الدفاع عن الإسلام في مصر ، وفى فلسطين وفى كل مكان يذكر فيه اسم الله .

والجملة التي رويت عنه: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لعدت بالإخوان إلى قراءة المأثورات" يجب أن تفهم في سياقها النفسي، وواقع المأساة التي كان يعانيها: بسبب ما نزل بالإخوان، ولا يصح أبدا أن يؤخذ منها على أنه تراجع أو ندم ، بل إن آخر كلماته المكتوبة بخط يده تنفض هذه الجملة ، طيب الله ثراه، وجعل الجنة مثواه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


ظهر الغلاف