الإجابات

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإجابات

الشيخ سعيد حوى

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله. والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه

ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم

لا تتاح لي بسبب ظروفي المتقلبة أن أختلط بالناس كثيراً أو أن أوجد شبكة من العلاقات المنتظمة معهم، كما لا تتيح لي ظروفي أن أراسل من يرغبون في مراسلتي أو الاستفسار منّي عن موقف أو رأي أو مناقشتي في خطأ أو تصرّف، إلا أنني أتبع ما يقال مما يوجّه إليّ أو إلى كتبي من نقد، ونتيجة لهذه التتبعات فقد قررت أن أكتب مذكرّات وأن أكتب هذه الإجابات، المذكّرات لتوضيح المواقف والإجابات للرد على الاعتراضات، وقد اخترت هذه الصيغة – صيغة السؤال والجواب في رسالة الإجابات – حتّى لا يظن ظان أنني كتبت بردود فعل، فذلك ما أحاول أن أمنع نفسي منه. وقد لاحظت أنّ كثيراً من الذين يهاجمونني يتهجّمون على شخصي الضعيف بعنف يحوي في طيّاته كثيراً من الشحناء، وهذا الذي أتجازوه عنهم وأرغب فيه إليهم أن ينزّهوا أنفسهم عنه فإنّه من مخاطر الطريق إلى الله ومزالقه، فطريق أهل الإيمان مع بعضهم رفق ولين ومحبّة ومودة، وإذا قرّرت أن أتجاوز إي إساءة لشخصي فلا أقف عند هذه الملاحظة. أما ملاحظتي على ما يوجه لكتبي من نقد فهي:

أولاً: إنّ كثيراً من الناس يهاجمونني بما لم أقله، فإذا تحدّثت عن فكرة ما متبنياً لها جاءوا بفكرة أخرى بجانبها لا أتبناها وهاجموا الفكرة الثانية، وكأنّني أتبناها، موهمين بذلك القاريء أنّني صاحب الفكرة الثانية وهذا النوع من التدليس والتمويه والخداع لا أرضى لنفسي به ولا لإخواني المسلمين.

ثانياً: نجد بعضهم يدافع عن قضية ويهاجمني على نقيضها موهماً أنني لا أقول بما يدافع عنه بل أقول بنفيه وواقع الحال أنني لا أختلف وإياه على النقطة التي يدافع عنها وهذا كذلك خداع وتمويه.

ثالثاً: كثيراً ما يحشد بعض هؤلاء أدلّة على شيء ليس هو محلّ البحث، فمن قرأ لهم أدلّتهم ظنّ أنهم مستوعبون لما يناقشون، وأن حجّتهم فيه تسندها النصوص والأصول، وواقع الحال أنهم يتكلمون عن شيء آخر لا أكون متعرّضاً له أصلاً.

رابعاً: كثيراً ما أفتقد الدقّة عند هؤلاء الذين يتهجمون عليّ، دقة الفهم عني، ودقة النقاش فيما يهاجمونني فيه، فأنا بفضل الله أتخيّر عباراتي بما لا يؤاخذني عليه فقيه عليم وهم يفهمون من عباراتي مالا تحتمله ثم يناقشونني بما فهموه لا بما هو فحوى العبارة ونصها. والحقيقة أنّ بعضاً من هؤلاء هالهم أن يوجد في ساحة العمل الإسلامي من يقول الكلمة المعتدلة التي ترد الناس من الغلو إلى القصد، وقد دأبوا على الغلو فاندفعوا بغلوهم المعهود في هجوم غال مسرف لا يقبله منهم إلا أمثالهم، ولذلك فكرت طويلاً في ألا أرد على هؤلاء ثم وجدت المصلحة الإسلامية تقتضي كلاماً فكتبت هذه الرسالة ليعرف من اطلع على كلامهم أو سمعه أين نحن وأين هم؟ وأن الخلاف ليس بيني وبينهم بل هو خلاف بينهم وبين هذه الأمّة فيما استقر عليه ضميرها وإلا فإن أمثال هؤلاء عندما يهاجمونني ويهاجمون معي أمثال حسن البنا والغزالي في قضايا نرى فيها نفس الرأي الذي رآه أمثال النووي والسيوطي، فإن أي عاقل يعرف أين مثل هؤلاء المهاجمون؟ وأن الهجوم عليّ ما دمت في صف هؤلاء العلماء الفقهاء لا يضيرني.

إنني أعتقد أن هناك نقاطاً ليست محلّ خلاف بيني وبين هؤلاء، وإن حاولوا أن يجعلوها نقاط خلاف، أمّا نقاط الخلاف الرئيسيّة التي اشتدّ عليّ هؤلاء فيها في الحقيقة فهي:

أولاً: هل يحقّ للمسلم أن يتفقه على مذهب إمام أو لا؟

ثانياً: هل يسع المسلم غير المجتهد أن يمشي على مذهب إمام من الأئمة ولو لم يعرف دليله أو لا؟

ثالثاً: هل يصح الاجتماع على الذّكْر أو لا يصح؟

رابعاً: هل يجوز أن يذكر الإنسان الله باسمه "الله" أو لا يجوز؟

خامساً: هل أمثال النووي والسيوطي من الراسخين في العلم إذا أولوا آيات الصفات كفرةٌ أو ضلاّل أو لا؟

سادساً: هل يسع المسلم في آيات الصفات وأحاديثها الإيمان والتسليم مع التنزيه أو لا؟ وهل هي من المتشابه كما يقول حسن البنا وكغيره من العلماء أو لا؟

سابعاً: هل الإخوان المسلمون في الإطار الذي أقامهم عليه حسن البنا يعتبرون من الطائفة الظاهرة على الحقّ أو لا؟

ثامناً: هل يجوز تحسين الظن والثناء على جماعة الدعوة والتبليغ أو لا؟

تاسعاً: هل كل صوفي كافر أو أن الصوفية أنواع فمنهم من هو على خير ومنهم من ليس كذلك؟

عاشراً: هل كل كلمة قالها الصوفية ضلال أو أن هناك هدى في أقوالهم فإن تخيرناه، نستطيع الاستفادة منه؟

حادي عشر: هل التصوف علم من العلوم أو لا؟

ثاني عشر: هل هناك ضرورة لدراسة العقائد الإسلامية فيما استقرت عليه كي لا ينهج المسلم نهج فرقة ضالة أو لا؟

ثالث عشر: هل العمل الإسلامي المعاصر يحتاج إلى إطار تنظيمي وحركي واجتهادات تناسب العصر أو لا؟

رابع عشر: هل في إحياء علوم الدين للغزالي والرعاية للمحاسبي خير كثير يمكن الاستفادة منه أو لا؟

خامس عشر: هل الطائفة الظاهرة على الحق هم أهل الحديث وحدهم أو يدخل فيهم غيرهم، وهل هم الجماعة وحدهم أو يدخل فيهم علماء الدراية من أهل السنة والجماعة؟

سادس عشر: هل يجوز الثناء على أهل الفضل بما هو فيهم أو لا؟

إن هذه النقاط تقريباً هي لباب الخلاف، وهي التي بسبب موقفي منها اشتد هؤلاء عليّ ولم يشتدوا إلا بسبب غلوّ نشأوا عليه وفهم قاصر دأبوا علهي وعصبية عمياء ربّوا عليها وكلمات من الحق أرادوا بها باطلاً عاشوا عليها ويشوشون على الأمة بها، فهم كغيرهم من أصحاب الشعارات البراقة يأتون إلى مسلمة من المسلمات فيطرحونها ثم يحاولون أن يسيروا بالمسلم بعد ذلك إلى متاهات.

يرفعون شعار الكتاب والسنة – أفديهما بنفسي – ثم يحاولون أن يشككوا المسلم بكل ما استقر عليه ضميره من الثقة بالأئمة والعلماء والأولياء والصالحين والدعاة، حتى لو أنّك أخذت كلامهم لوصلت إلى نتيجة أنه لا يدخل الجنّة من المسلمين إلا هم وأفراد في كل عصر من أمثالهم، إنني أتمنى من كلّ مسلم سمع كلامهم أن يأخذ كتبي ويقرأها ليرى هل لهؤلاء من حجّة.

فليقرأ كتابنا: جولات في الفقهين الكبير والأكبر، وكتابنا: تربيتنا الروحية. ثم ليحكم بعد ذلك على الأفق الذي ننطلق منه والأفق الذي ينطلقون منه.

وهذه الرسالة التي صغناها على طريقة السؤال والجواب تعطيه تصوراً عن محل الخلاف، وتعطيه تصوراً عن موقفنا وموقفهم وما نريد وما يريدون، وهي في الوقت نفسه توضح كثيراً مما يشغل بال المسلم ويجب أن يطمئن إليه، ولولا إيماننا بفائدتها ما عرجنا على الرد، فالله عز وجل يدافع عن الذين آمنوا: {فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} [الرعد: 17]، ولم تزل أعلام الشبهة منكوسة ولم يزل أعداء العلماء والأولياء وجوههم مظلمة فسيماهم تدل عليهم.

إنني بفضل الله عز وجل لا أتجه إتجاهاً إلا إذا كان له دليل في الكتاب والسنة أو كليهما، وأعرف دوائر الاختلاف الجائز، وفي أي قضية هي محل خلاف لا أتجه إلا حيث وجدت أمامي إماماً من أئمة الفتوى المعتبرين ممّن هم محل القدوة، ولذلك فإنني مطمئن إلى أن ما أدعو إليه هو محلّ القبول إن شاء الله عز وجل، وإذا كان هناك من لا يعجبه شيء فحسبي أن هناك من يستفيد في الله ولله. ونستطيع أن نجمل ما هُوجمنا به تحت أربعة أبواب: فبعضه له علاقة بأفكارنا حول جماعة المسلمين وجماعة الإخوان المسلمين والطائفة المنصورة وحول حسن البنا رحمه الله وشيخنا الحامد.

وبعضه له علاقة بالذكر والاجتماع عليه.

وبعضه له علاقة بموقفنا من الفقه والتصوّف.

وبعضه له علاقة بكتبنا ومكتبتنا.

فاقتضى منّي هذا أن أجعل هذه الرسالة في أربعة أبواب:

الباب الأول: في الجماعة والطائفة وفي الإخوان وحسن البنا.

الباب الثاني: في الذكر والاجتماع عليه وما يحيط.

الباب الثالث: في الصوفيات والفقهيات.

الباب الرابع: في الدفاع عن كتبنا.


الباب الأول : توضيحات في قضايا الجماعة والطائفة المنصورةوفي أمر الإخوان المسلمين وحسن البنا وشخينا الحامد رحمهما الله


مقدمة الباب

أثار بعضهم زوابع حول كلامنا عن الإخوان المسلمين وعمّن هم جماعة المسلمين وحول ثنائنا على الأستاذ رحمه الله وعلى شيخنا الشيخ محمد الحامد رحمه الله، وقد رأينا أن نوضح ذلك ، فإن كان كلامنا في الأصل ملتبساً أو غير واضح فهذا التوضيح يشفي الغليل، وإن كان من تهجم قد ظلم فليعرف المسلمون وجهة نظرنا، وقد اضطرنا الدفاع للكلام عن بعض وجهات نظر كنّا نتجنّبها لما في الحديث فيها من مراق قد لا يستطيع أن يصعد لها كلّ أحد ممّا يؤدي إلى فتنة القاريء ولكنّا لمسناها اضطراراً برفق ونسأل الله الحفظ من الزلل والعفو والمغفرة وها نحن نبدأ عرض الأسئلة والأجوبة في هذا الباب:

س1: - يثور جدل حول فكرة جماعة المسلمين من هي؟ أرجو البيان:

جـ1: - من أهم الأمور التي يجب أن يعرفها المسلم في عصرنا وفي كل عصر فكرة الجماعة ومن هم الطائفة المنصورة ومن هم أهل الحق؟ لما يترتّب على الجهل في ذلك من مفاسد ولما في ذلك من إشكالات.

إن هناك نصوصاً تذكر أن الأمة الإسلامية ستفترق على ثلاثة وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة فمن هذه الفرقة؟ بالاتفاق هي التي تسمّى أهل السنة والجماعة فمن يدخل في أهل السنة والجماعة؟ يدخل في أهل السنة والجماعة كل من آمن بالكتاب والسنّة ولم يسر على متشابه ويترك المحكم، فبنص القرآن علمنا أن الذين في قلوبهم زيغ يتبعون المتشابه: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} [آل عمران: 07].

وبإجماع أهل السنة والجماعة على اختلاف من يدّعي النسبة إلى هذا الإسم، فإن المعتزلة والخوارج والشيعة والمرجئة وفرق الباطنية والمشبهّة من الفرق الضالّة.

وعلى هذا فكل نص اتكأ عليه هؤلاء ممّا يعارض محكماً فبالإمكان اعتباره متشابهاً ومن ههنا نقول: لا إنكار على حسن البنا وأمثاله من العلماء إذا اعتبروا آيات الصفات من المتشابه لأن المشبهّة اتبعوها وتركوا النصوص المحكمة التي تفيد التنزيه، وكذلك لا محل للإنكار على المسلم الذي يرى الإيمان والتسليم والتفويض والتنزيه في الآيات والأحاديث التي تتحدّث عن الذات الإلهية وظاهرها التعارض مع غيرها من النصوص، فالنصوص التي ظاهرها التعارض إما أن يكون موقفك منها ما مر وإما أن تؤول هذه أو هذه من مثل قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 05].

ومعه مثل قوله تعالى: {وهو معكم أينما كنتم} [الحديد: 04]. فمن قال: نؤمن بالاستواء وأنّه ليس كمثله شيء ونؤمن بالمعية وأنّها ليس كمثلها شيء أخذاً من قوله تعالى: {والراسخون في العلم يقولون آمنّا به كل من عند ربنا} [آل عمران: 07].

فذلك لا حرج عليه، كما أنه لا حرج على الراسخين في العلم من أمثال النووي والسيوطي إذا أوّلوا أخذاً من قوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} [آل عمران: 07].

وعلى هذا فكل هؤلاء من أهل السنة والجماعة لأنّهم آمنوا بالكتاب والسنة واتبعوا المحكم وآمنوا بالمتشابه وحملوه على المحكم، بينما الفرق الضالة سارت وراء المتشابه وعطلت المحكم وعندي أن كل فهم ضال لنص من النصوص نستطيع معه أن نسمّي هذا النصّ بالنسبة لهؤلاء متشابهاً فكأنّ المتشابه قضية نسبية فقد يكون نصّ بالنسبة لجميع الفرق محكماً إلا فرقة ضالّة فهمته فهماً خاطئاً فضلّت بذلك فيكون هذا النص في حقّها متشابهاً، فمثلاً ممّا يضل به ناس في عصرنا أن حملوا قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110].

على تأكيد العصبيّة للقومية العربية، بينما هذا النص في المسلمين من العرب وغيرهم فهذا النص الذي موّهوا به على بعض العامّة ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله يمكن أن تعتبره متشابهاً في حق هؤلاء بالنسبة لنصوص أخرى.

فأهل السنة والجماعة هم المؤمنون بالكتاب متشابهة ومحكمة، ولا يسيرون وراء متشابه تاركين بسببه المحكم، ويدخل في أهل السنة والجماعة كل من كان كذلك من أهل الرواية والدراية ومن تابعهم، ويدخل في ذلك حملة القرآن ويدخل في ذلك أهل الحديث ويدخل في ذلك العلماء والفقهاء والأئمة، ويخرج من ذلك بعض أهل الحديث وعلماء الفرق الأخرى. وقد استقر ضمير هذه الأمة على أن أبا حنيفة والشافعي ومالكاً وأحمد بن حنبل والنووي والسيوطي وابن حجر العسقلاني من أئمة أهل السنة والجماعة، كما استقر ضمير الأمة المسلمة على أن هناك دوائر من الاختلاف لا تخرج أصحابها من كونهم من أهل السنة والجماعة.

وأهل السنة والجماعة يدخل فيهم أئمتهم وعامتهم الذين يتابعون هؤلاء الأئمة، ومع أنهم هم الفرقة الناجية في الجملة لكن بعضهم يواقع المعاصي الظاهرة والباطنة، فقد يوجد في أفراد منهم الحسد والكيد كما يوجد في أفراد منهم الزنا وشرب الخمر، لكن هذا لا يخرجهم من حيث الاعتقاد عن أنهم من الفرقة الناجية وإن استحقوا دخول النار بسبب من ذنوبهم.

فهذا أوّل ما يدخل في كلمة الجماعة في الاصطلاح. فإذا كان لأهل السنة والجماعة خليفة راشد فمن بايعه ودخل في إمرته فهو من الجماعة وذلك اصطلاح ثان لكلمة الجماعة وحتّى لو كان للمسلمين خليفة جائر فلهم الالتفاف حوله ما دام يعترف لله بالحاكميّة ويقيم الصلاة، فالجماعة في الاصطلاح يدخل فيها مثل هذا لكنه اصطلاح ثان لكلمة الجماعة.

وهذان الاصطلاحان مهمان في المعرفة والتطبيق لما يترتّب على الدخول في الجماعة بهذين المصطلحين أو عدم الدخول ما يترتب من أحكام دنيوية وأخروية، فمن لم يكن من أهل السنة والجماعة وكان على مذهب فرقة هالكة فهو من أهل النار إلا أن يتجاوز ربنا سبحانه وتعالى عنه، ومن لم يدخل في بيعة الإمام الراشد فهو ظالم ويستحق بذلك دخول النار إلا أن يعفو ربنا عنه، ومن لم يدخل في بيعة الإمام الظالم فالأمر في حقه واسع لكن الأفضل له الدخول والطاعة. وهناك اصطلاح ورد في حديث يكاد أن يصل إلى حدّ التواتر:

"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق". فمن هي هذه الطائفة. الملاحظ أن أئمة الحديث أدخلوا هذا الحديث تحت عناوين مختلفة فمنهم من أدخله في باب العلم ومنهم من أدخله في باب الجهاد وهذا الذي جعلني أقول:

إن كل من حمل الحق وجاهد من أجله يدخل في هذه الطائفة فيدخل في ذلك علماء الحديث والمفسرون والفقهاء والعلماء والدعاة والوعاظ والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والمجاهدون في سبيل الله فكل من هؤلاء يدخل في هذه الطائفة. وفي عصرنا حيث فقدت الخلافة فما هو المطلوب من الإنسان؟ لا شك أنه يطالب أن يكون من أهل السنة والجماعة متنكبا آراء الفرق الضالة وأن عليه أن يكون من الطائفة الظاهرة على الحق، وابتداء أقول:

إن العلماء والدعاة والمجاهدين والقائمين في الخدمة الإسلامية ماداموا قائمين بأمر العلم وخدمته والدعوة والنصيحة والجهاد فهؤلاء من الطائفة المنصورة على الحق.

وعندي أنه يدخل في ذلك من أهل عصرنا إخوان مسلمون وصوفيّون وسلفيّون وجماعة دعوة وتبليغ ومجاهدون وجمعيات إصلاحية وجمعيات خيرية فكل هؤلاء مظنة أن يكونوا من هذه الطائفة الظاهرة على الحق. وقد يستحق بعض من هؤلاء دخول النار إما بسبب إثم ظاهر أو باطن أو بسبب ابتداع في العقيدة والعمل أو بسبب موقف ظالم من بعضهم أو بسبب غلو أو تطرف.

وهذا الكلام ليس جديداً فمن قرأ كتبنا لم ير تناقضاً بين ما أذكر هنا وبين ما ذكرته من قبل فأنا لا أقول: إنه لا يدخل في الطائفة الظاهرة على الحق الجهة الفلانية وحدها وإنما أذكر أن هذه الجهة أو تلك تدخل في هذه الطائفة.

ومن عادتي أن أركز كثيراً على فكر الأستاذ البنا وعلى جماعة الإخوان المسلمين، أما فكر حسن البنا فلاعتقادي أنه قدم أحسن اجتهاد للمسلمين من أجل أن يتحركوا لإقامة الإسلام في هذا العالم، ولقد أخرج الأستاذ البنا جماعته من إطار العصبية ووضع أقدامهم على الطريق الصحيح في التعامل مع الغير من المسلمين، كما شرحناه في أكثر من مكان، فاجتمع له اجتهادات صحيحة في الغالب وأقام جماعته على ضوئها، وجعل موقف جماعته من بقية المسلمين هو الموقف الأمثل – وكلامي هذا عن فكر الأستاذ البنا بالذات – أما مواقف من انتسب له فلا أدعي أنها دائماً تمثل اجتهاده، فهاهو يجعل موقفه من المسلمين الآخرين الحب والدعم لكل ما هو إسلامي والحرص على الوحدة والاتحاد في الخير.

وأما تركيزي على دعوة الإخوان المسلمين فلأنه اجتمع في هذه الدعوة من الميزات الكثير لكن لم أقل: إنها جماعة المسلمين التي من خرج منها أو خرج عليها فقد خلع ربقة الإسلام عن عنقه، ومن حمّلني ذلك يكون قد خلط بين كلامي عن جماعة المسلمين وبين كلامي عن جماعة الإخوان المسلمين، لقد انشق عن الأستاذ البنا جماعة شباب محمد وأسسوا جمعية، فتوجه الأستاذ البنا وسجل نفسه في هذه الجمعية وبقي على مودة لهم وكان يحاضر عندهم فلا هو ولا أحد من فقهاء الدعوة المعتمدين ادعى أن جماعة الإخوان المسلمين هي جماعة المسلمين التي يفترض فريضة على كل مسلم أن يدخل فيها، أنا أدعو المسلمين ألا يتحسسوا منها وألا يمنعهم مانع من حسد أو كبر من الدخول فيها، لكن كان بعض شيوخنا ومنه الشيخ محمد الحامد نفسه يرون أن المصلحة الإسلامية تقتضي من بعض الناس إلا يدخلوها بل أقول: إن هناك فروضاً كفائية لا تتحقق من خلال الإخوان فإذا تعين بعض الناس لهذه الفروض حرم عليهم أن يكونوا من الإخوان المسلمين. المطلوب من مسلمي عصرنا أن يكونوا من أهل السنة والجماعة وأن يكونوا من الطائفة المنصورة وأن يتعاونوا من أجل إقامة فروض العين وفروض الكفاية من خلال الحب والإخاء والتنسيق ولا أشترط الوحدة التنظيمية، فقد يترتب على الوحدة التنظيمية في بعض الظروف ضرر..

وأحياناً قد تكون متعزرة وحتى الآن لم تنجح وحدة العمل الإسلامي في أي قطر من الأقطار لأنها تحتاج إلى شروط كثيرة لا يدركها الراغبون فيها، وإذا أدركوها فنادراً ما يستطيعونها أو يستطيعون الاستمرار فيها. أقول: ومن جملة فروض العين والكفاية العمل للوصول إلى الجماعة في المفهوم الثاني أي بأن يضم المسلمين كيانٌ وإمام مطاع، ومن هذه الحيثية أذكر أن الإخوان المسلمين في الإطار الذي وضعهم فيه الأستاذ البنا – وأصر على هذا القيد – هم أقرب الجماعات لأن تكون جماعة المسلمين من حيث إنهم أقرب الجماعات القادرة من خلال نظريات الأستاذ البنا أن تصل إلى هذا الهدف، ولكن إذا فرط الإخوان في نظريات الأستاذ البنا أو لم يستطيعوا تمثلها أو لم يكونوا حجة على الخلق فيها أو دخلوا في خصومات مع الدعاة بدلاً من الحب أو أسرتهم العصبية الحزبية عن الانفتاح على المسلمين أو كانت نظراتهم السياسية قاصرة وحركتهم بطيئة فالذنب ذنبهم، والغيب لا يعلمه إلا الله، وأما من الذي سيكرمه الله عز وجل بالوصول إلى شرف الدنيا والآخرة فيحقق للإسلام نصراً بإذن الله، فهذا علمه عند الله عز وجل.

نقول في حديث الطائفة

أخرج الحاكم حديث (لا تزال طائفة) بالنص التالي:

"لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم الدجّال" وقد أخرج أبو داود حديث الطائفة تحت عنوان (باب في دوام الجهاد) فأشار بذلك إلى أن هذه الطائفة المنصورة هم المقاتلة المجاهدة وعند أحمد جاء قوله عليه السلام "لعدوهم قاهرين" وعند مسلم عن أبي أمامة "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة" وقد ذكره مسلم في كتاب الإمارة خلال أبواب الجهاد، وهناك روايتان للدارمي لهذا الحديث أدخلهما الدارمي في كتاب الجهاد وترجم لهما "لا تزال طائفة من هذه الأمة يقاتلون على الحق" وجعل البيهقي هذا الحديث تحت عنوان (باب إظهار دين النبي صلى الله عليه وسلم على الأديان) وفي حديث عن أبي هريرة في الأوسط للطبراني: "يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها وعلى أبواب بيت المقدس..." وقد عنون البخاري للحديث في موطن من كتابه (وهم أهل العلم) كل هذا جعلنا نقول: إن الطائفة المنصورة يدخل فيها كل من حمل الحق وجاهد من أجله سواء كان جهاد لسان أو جهاد سنان، ولذلك أدخلنا فيهم في عصرنا الدعاة والعلماء والمجاهدين، فأدخلنا فيهم المحدثين وجماعة الإخوان المسلمين والعلماء وجماعة الدعوة والتبليغ والجمعيات الخيرية، فكل هؤلاء يحمل حقاً ويعمل من أجله وفي كل خير إن شاء الله، وما منهم أحد إلا على ثغرة من ثغور الإسلام لو أنه تركها لما استطاع الآخرون أن يملؤوها، ألا ترى أن الإخوان المسلمين يصلون إلى المثقفين أكثر من غيرهم، وأن جماعة الدعوة والتبليغ يصلون إلى أوطان وبيئات لا يصل إليها غيرهم، وأن بعض الأعمال الخيرية من فروض الكفايات لو تخلّى عنها أهلها لقصر المسلمون في شأنها.

نقل عن الترمذي والشاطبي في تفسير الفرقة الناجية: بعض الناس يستشهدون بما هو حجة عليهم ومثال ذلك أنه قد استشهد بعض الناس على حصر الجماعة والطائفة بأنهم أهل الحديث بتعليقين للترمذي والشاطبي وهما حجّة فيما ذهبنا إليه من تفسير الجماعة ابتداءاً. قال الترمذي: "وتفسير الجماعة عند أهل العلم هم أهل الفقه والعلم والحديث" .

وقال الشاطبي رحمه الله في تبيان من هي الفرقة الناجية: "وذلك أن الجميع اتفقوا على اعتبار أهل العلم والاجتهاد سواء ضموا إليهم العوام أم لا، فإن لم يضموا إليهم فلا إشكال أن الاعتبار إنما هو بالسواد الأعظم من العلماء المعتبر اجتهادهم، فمن شذ عنهم فمات فميتته جاهلية، وإن ضموا إليهم العوام فبحكم التبع لأنهم غير عارفين بالشريعة، فلابد من رجوعهم في دينهم إلى العلماء، فإنهم لو تمالأوا على مخالفة العلماء فيما حدوا لهم لكانوا هم الغالب والسواد. الأعظم في ظاهر الأمر لقلة العلماء وكثرة الجهال، فلا يقول أحد أن اتباع جماعة العوام هو المطلوب وأن العلماء هم المفارقون للجماعة والمذمومون في الحديث، بل الأمر بالعكس وأن العلماء هم السواد الأعظم وإن قلوا، والعوام هم المفارقون للجماعة وإن خالفوا، فإن وافقوا فهو الواجب عليهم" .

فتمسّك أخي بمذاهب أهل العلم من أهل الرواية والدراية على ضوء ما ذكرناه تكن من أهل السنّة والجماعة، وأعظم أهل العلم أئمة الاجتهاد فتمسّك بغرزهم تنج. تعليق:

هذان النقلان في موضوع الطائفة والجماعة يوصلاننا إلى اصطلاح ثالث لكلمة الجماعة نجدها في كلمة ابن مسعود التى رواها ابن عساكر بإسناد صحيح: "الجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك". ونجدها في كلمة عبد الله بن المبارك كما أخرجها عنه الترمذي في سننه 4/467: سئل عبد الله بن المبارك: من الجماعة؟ فقال: أبو بكر وعمر. قيل له قد مات أبو بكر وعمر.

قال: فلان وفلان. قيل له: قد مات فلان وفلان؟ فقال عبد الله بن المبارك: أبو حمزة السكري جماعة. قال الترمذي: وأبو حمزة هو محمد بن ميمون وكان شيخاً صالحاً وإنما قال هذا في حياته عندنا.

أقول: إن هناك ناساً من حملة الحق من أهل العلم والصلاح تتمثل بهم صيغة الحق المتوارثة في الأمة علماً وعملاً فهؤلاء علم على الجماعة فحيثما كانوا تكون الجماعة، وهذا من فضل الله على هذه الأمة أن جعل لها من تعرف بهم الحق، وإن كان الحق لا يعرف بالرجال، وإنما يعرف الرجال بالحق، ولكن الله عز وجل جعل في هذه الأمة أعلاماً للهداية: {إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً} [النحل: 120]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو سلك الناس شِعباً وسلك الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار".

وإن الأمة الإسلامية لم تخل من أعلام هدى يطمئن الناس من خلال الاقتداء بهم على أنهم سائرون في الطريق الصحيح من مثل الأئمة الأربعة والغزالي في عصره والنووي في عصره وابن كثير في عصره وابن حجر في عصره والسيوطي في عصره وحسن البنا في عصره وشيوخ كثيرون في أقطارهم كالإمام السرهندي في الهند وشيخنا الحامد وشيخنا عبد الفتاح أبو غدة وشيخنا عبد الكريم الرفاعي وشيخنا حسن حبنكة في سورية المعاصرة.

وعلى هذا فكل من عرف الحقّ وآمن به وحمله دون تقصير أو فسوق، فإنه يدخل في الجماعة بالمفهوم الأخير، ومن الفسوق أن يظلم المسلمون بعضهم بعضاً بالغيبة والتجريح الظالم، ومن الفسوق أن يبغض بعضهم بعضاً دون سبب شرعي، ومن الفسوق والتقصير ألا ينصر بعضهم بعضاً حيث يستطيعون النصرة.

س2- عندما نتحدث عن الجماعة في عصرنا فبأي مفهوم نتحدث عنه؟.

جـ2- رأينا أن كلمة الجماعة تطلق على ثلاثة اصطلاحات:

أولاً: الجماعة بما يقابل أهل الأهواء والمذاهب الفاسدة والفرق المنشقة.

ثانياً: الخليفة الراشد ومن اجتمع عليه.

ثالثاً: من تمثّل بهم الحق عقيدة وسلوكاً.

فأما الجماعة في المفهوم الأول فيطالب به كل مسلم.

وأما الجماعة في المفهوم الثاني فليست موجودة لفقدان منصب الخلافة.

وأمّا الجماعة في المفهوم الثالث فهو الذي ندندن حوله ولا نعطي لجهة أو لأفراد هذه الصفة إلا إذا توافرت شروط وأصبحت هذه الشروط متمثّلة في الأفراد أو في الجهة كأفراد وكمجموع وقد حاولت أن أستقريء هذه الشروط في بعض كتبي وقد رأيت أن هذه الشروط متمثلة في الإطار النظري الذي دعا إليه حسن البنا رحمه الله فلولا أن إخوانه تمثلوا دعوته سلوكاً وتنظيماً وحركة وظهرت فيهم هذه المعالم فإنهم أقرب إلى معنى الجماعة في الفهم الثالث، وكونهم أقرب ما يكون إلى الجماعة في المفهوم الثالث لا يعني أنهم وحدهم هم الجماعة بل كل من أصبح علماً على الهدى اعتقاداً وصلاحاً فإنه كذلك.

س3- هل تعتبرون جماعة الإخوان المسلمين هي جماعة المسلمين التي من فارقها يخلع ربقة الإسلام من عنقه ومن لم يدخل فيها ويعطها البيعة يموت ميتة جاهلية؟.

جـ3- لعلك أخذت الجواب مما مر ومع ذلك نزيد الأمر وضوحاً:

إن مثل هذا الكلام لم يخطر على بال أحد من فقهاء دعوة الإخوان المسلمين وهؤلاء مرشدو الجماعة، بمن في ذلك مؤسسها حسن البنا رحمه الله لم يقل ذلك ولم يتعاملوا مع الذين انفصلوا عن الجماعة على أن الأمر كذلك ولم يحكموا على من لم يدخل في الجماعة أي حكم يشير إلى ما ذكر.

كل ما في الأمر أنني أعتبرجماعة الإخوان المسلمين في الإطار الذي أقامها فيه الأستاذ البنا أقرب الجماعات إلى أن تتوافر فيها شروط جماعة المسلمين في المفهوم الثالث لكلمة الجماعة.

وإنما كانت جماعة الإخوان المسلمين في الإطار الذي أقامها فيه الأستاذ البنا أقرب الجماعات من الناحية النظرية إلى أن تتوافر فيها شروط الجماعة لأن من جملة نظريات الأستاذ البنا أن الفرد داخل الجماعة يقدم لبقية المسلمين الحب وأن الإخوان يؤيدون كل عمل يعتبر جزءاً من منهاجهم.

وهذا وحده كاف لمعرفة أن الأستاذ البنا لم يعتبر أن العمل الإسلامي محصور في الإخوان ولم يعتبر أن من لم يدخل في الإخوان غير مؤمن، بل قد يكون هو الجماعة.

لقد ذكرت في كتبي أن هناك علماء عاملين وصديقين صالحين غلب عليهم اجتهاد ألا يكونوا في الجماعة فهؤلاء قد يكونون عند الله في مقام القربى، وقد يكون هناك أناس في الجماعة هم محل الإبعاد وكيف لا أقول ذلك وشيخنا الحامد نفسه الذي أفتاني بوجوب العمل مع الإخوان قد اختار لنفسه من مرحلة مبكرة في حياته ألا يكون عضواً في الإخوان مع المحبّة لهم والحرص عليهم وموالاة نصحهم. ومذهبي تفصيلاً أو وجود الإخوان المسلمين فريضة لأن كثيراً من فروض الكفاية تقوم بهم.

لكنّ كثيراً من فروض الكفاية الأخرى لا تقوم بهم أو لا تقوم من خلال الانتساب إليهم فإذا تعين أناس لمثل هذه الفروض في مثل هذه الصورة فقد حرم على أمثال هؤلاء الانتساب للإخوان المسلمين، فالانتساب للإخوان المسلمين في حق بعض الناس فريضة وفي حق بعض الناس مباح وفي حق بعض الناس إثم فأنا لا أعتبر أنه يفترض في كل الأحوال على كل مسلم أن ينتسب إلى الإخوان، نعم قد توجد أحوال أو ظروف يكون الأمر كذلك إذا توافرت شروط معينة، أما قولي: (ينبغي على كل مسلم أن يضع يده بيدهم) فوضع اليد يفيد التعاون والتنسيق كما يفيد الالتزام.

ثم إن البيعة التي تعطى للجماعة ليست هي البيعة التي تعطى لأمير المؤمنين حال وجود الخلافة أو السلطان المسلم فتلك تجعل أمر الحاكم واجب الاتباع حتى في المباح إذا كان فيه مصلحة أمّا البيعة داخل الإخوان – وقل مثل ذلك في الجماعات الإسلامية الأخرى – فليس لها مثل هذه الصفة الإلزامية من الناحية الفقهية، فأمر القائمين على العمل الإسلامي في أوضاعنا لا يخرج الحكم الشرعي عما هو في الأصل، فالمباح يبقى مباحاً والواجب يبقى واجباً، والحرام يبقى حراماً، والعبرة للفتوى، ولمذهب العضو الفقهي احترامه، والبيعة على الطاعة تحكمها أحكام اليمين وهذا الكلام أشرت إليه في أكثر من مكان من كتبي فليس جديداً بل إنني أعتبر في هذه المرحلة أنه لابد من أعمال مكملة لأعمال جماعة الإخوان المسلمين حتى تقوم مجموعة فروض الكفايات المفروضة على هذه الأمة.

فجماعة التبليغ تكمل عمل الإخوان وشيوخ العلم والفقه والتربية يكملون عمل الإخوان وكثير من أعمال وزارات الأوقاف وأعمال الجمعيات الخيرية، وأعمال الحكومات تكمل عمل الإخوان وكثير من المبادرات الدعوية والجهادية الفردية أو الجماعية تكمل عمل الإخوان.

والذي أحلم به أن يفهم العاملون للإسلام جميعاً بعضهم بعضاً فيتذاكروا الإيجابيات ويتناصحوا في السلبيات ويجتمعوا على خير ويعذر بعضهم بعضاً فيما اختلفوا فيه مما للاجتهاد فيه نصيب.

ولقد أحصيت في الرسائل السابقة على هذه الرسالة مجموعة من الأعمال يجب أن تؤدى، ولم أشترط لذلك أن تنبعث عن الإخوان المسلمين، بل إنني لأتمنى أن ينطلق بعضها دون أن يكون للإخوان علاقة بها لأن ذلك وحده هو الذي يجعلها تؤتي ثمارها، ولكن هذا شيء وأن يدخل أحد مع الإخوان في مشاكسات ومهاترات شيء آخر.

فالأصل أن أهل الإيمان إخوة وأن عليهم أن يحب بعضهم بعضاً. أما أن يقول قائل:

إن من لم يدخل في الإخوان المسلمين آثم باغ بإطلاق، أو من خرج منهم فإنه فاسق أو ضال أو مرتد فما أظن أن عالماً يمكن أن يقول هذا الكلام لا عن الإخوان ولا عن غيرهم في أوضاعنا، فهناك علماء أولياء كأمثال الجبال اختاروا لأنفسهم العزلة أو عملوا بالقدر الذي استطاعوه دون أن يرتبطوا بأحد، ثم إن هذا لم يقله أحد من أئمة الجماعة ولا من فقهائها وكلامي في ذلك صريح وواضح، ولكن دخل اللبس على هؤلاء من عبارات، فمثلاً تحدّثت في كتابي (من أجل خطوة إلى الأمام) عن جماعة المسلمين مثلاً ولا أقصد بذلك جماعة الإخوان المسلمين وهذا واضح من كلامي ففهم بعضهم أني أقصد جماعة الإخوان المسلمين.

وبعضهم رآني أتحدث عن توافر شروط جماعة المسلمين النظرية في الإخوان المسلمين في أحد مفاهيم كلمة الجماعة وفي الإطار الذي أقامها فيه حسن البنا، ولكن هذا لا يعني أنني أعتبر من الناحية العملية الإخوان المسلمين هم وحدهم جماعة المسلمين في المفهوم الأول أو الثالث وأما أنهم هم جماعة المسلمين في المفهوم الثاني فذلك لا يكون إلا بعد الدولة وبشروط.

إنني أقول إن وجود الإخوان المسلمين فريضة شرعية لأنهم يحققون كثيراً من فروض الكفايات، والمسلم الذي يحقق فروض كفايات أخرى تحول دون انتسابه إليهم هو على خير وإلى خير، وهذا صريح كلامي وإلا فلماذا أثنيت على جماعة التبليغ، ولماذا ذكرت أن هناك أولياء وعلماء قد يكونون أفضل من الإخوان المسلمين غلبت عليهم اجتهادات تبعدهم عن الإخوان.

لكني أقول: إن من اقتنع بخط الإخوان المسلمين ورأى أنه يستطيع من خلالهم أن يحقق فروضاً مع استطاعته أن يتحمل عبء العمل في هذه الجماعة، فالانتساب في حق هذا من الناحية الشرعية يختلف عن إنسان لا يستطيع التحمل أو أنه يستطيع أن يحقق فروضاً عينية أو كفائية لا تتحقق من خلال الجماعة.

وإنما يأثم الإنسان إذا لم ينتسب إلى الجماعة إذا تعين لإقامة فروض عينية وكفائية من خلال الإخوان المسلمين، ومنعه الكبر عن ذلك ولم يكن له عذر.

ولقد كان شيخنا الحامد – رحمه الله – يرى أنه يفترض عليّ فرضاً عينيّاً أن أعمل في الإخوان المسلمين، بينما هو نفسه كان يرى أنه لا يصح أن يشارك في عمل الإخوان المسلمين، لأن ذلك يحول دون تحقيقه فروضاً كفائية. ولعل هذا أبلغ رد على من يتهمني أنني أعتبر جماعة الإخوان المسلمين بالمفهوم الثاني، كيف هذا وشيخي الأول تخلى عن الانتساب للجماعة في مرحلة متقدمة من حياته.

ولكن ألا ينتسب الإنسان للجماعة شيء وأن يكرهها شيء آخر، ألا ينتسب إليها شيء وأن يحارب منهجها فذلك شيء آخر.

فمنهج الأستاذ البنا في علمي يتضمن الفهم الصحيح للإسلام والحركة الصحيحة من أجله، كما يتضمن الموقف الصحيح من الآخرين إسلاميين وغير إسلاميين، فمنهج الأستاذ البنا أعتبره هو المنهج الصحيح لجماعة المسلمين في هذا العصر سواء كانوا إخواناً مسلمين أو كانوا علماء ربانيين أو كانوا سلفيين أو صوفيين، وأعتبر القرب والبعد من هذا المنهج للإخوان وغيرهم هو ميزان القرب والبعد من جماعة المسلمين في أحد مفاهيمها لأنني أعتبر هذا المنهج هو الفهم الأصح لنصوص الكتاب والسنة في عصرنا.

فمثلاً في منهج الإخوان المسلمين اعتراف بالإسلاميين الآخرين بحبهم وإجازة لأفراد الإخوان أن ينتفعوا منهم وأن يساندوهم في الخير إذا لم يحاربوا منهج الإخوان المسلمين، فإذا حارب الإخوان المسلمون أهل العلم والفضل ومنعوا إخوانهم من الاستفادة منهم، وإذا حاربوا الإسلاميين الآخرين ومنعوهم الحب والود فإنهم عندئذ يكونون بعيدين عن منهج حسن البنا وقل مثل ذلك في الصوفيين والسلفيين والإسلاميين الآخرين.

ومن منهج الإخوان المسلمين فهم الإسلام على ضوء الأصول العشرين للأستاذ البنا.

وأنا أرى أنه بمقدار البعد والقرب من هذا الفهم يكون البعد والقرب من جماعة المسلمين بالمفهوم الثالث.

س4- أنكر بعضهم على حسن البنا أنه وقف بالنسبة لآيات وأحاديث الصفات موقفاً اعتبره بعضهم كمذهب المفوضة فما تعليقك على ذلك؟.

جـ4- المفوضة والمعطلة والمؤولة كلمات يتهم بها أهلُ السنة والجماعة الفرق الإسلامية المنشقة، وبعض الناس يروق لهم أن يتهم بهذه التهم أهل السنة والجماعة أنفسهم، وهم منزهون عن الجانب الذميم من ذلك بإذن الله. فالتفويض المذموم أن تأتي إلى محكم القرآن وتقول أنا أفوض علمه إلى الله، والتعطيل المذموم أن تصرف ظاهر نص عن معناه المتبادر دون مبرر شرعي.

والتأويل المذموم هو أن تأوّل دون أن تكون مستهدياً بالمحكم وعلوم اللغة العربية التي أنزل بها القرآن، وحتى الذين يحملون الحملات المنكرة على التفويض والتأويل لا يسعهم أمام بعض النصوص إلا أن يفوضوا وإلا أن يؤوّلوا.

فالتفويض موجود عند الجميع والتأويل موجود عند الجميع حتى الذين ينكرون التأويل: أليس هذا الذي يقول بالفوقية المكانية للذات الإلهية مضطراً لتأويل قوله تعالى: {وهو معكم أينما كنتم} [الحديد: 04]. {ونحن أقرب إليه منكم} [الواقعة: 85].

{وهو الله في السموات وفي الأرض} [الأنعام: 03].

أليس هو مضطراً حتى لأن يؤول النصوص التي يستشهد بها على صحة دعواه: من مثل ما ورد في الحديث "قالت في السماء" أليست (في) في اللغة العربية تفيد الظرفية فهل يقول هؤلاء: إن السماء تحيط بالله عز وجل؟ إذن هم مضطرون في هذا النص إمّا إلى التأويل وإما إلى التفويض. وإذاً فليس التفويض على إطلاقه مذموماً وليس التأويل على إطلاقه مذموماً بل التفويض العليم محمود في كتاب الله، والتأويل من أهل الرسوخ في العلم محمود في محله وهذا وهذا نص القرآن الكريم.

ولكن لدقة هذه المقامات فقد كثر الإنكار على الخائضين فيها، وهناك مقام لا ينكر فيه أحد على أحد، هذا المقام هو إثبات آيات وأحاديث الصفات مع تنزيه الله عما لا يليق بمقامه من التشبيه والنقص، فهذا القدر لا ينكر فيه أحد على أحد، ومن ههنا وقف الأستاذ البنا عند هذا الحد، لأن هذا وحده هو محل الإجماع، ومتى تجاوزنا ذلك فقد وصلنا إلى الخلاف والاختلاف ولقد سبقه رحمه الله إلى تفضيل هذا الموقف أئمة أعلام. انظر إلى النووي رحمه الله في مقدمته للمجموع ماذا يقول:

"اختلفوا في آيات الصفات وأخبارها هل يخاض فيها بالتأويل أم لا فقال قائلون تتأول على ما يليق بها وهذا أشهر المذهبين للمتكلمين، وقال آخرون لا تتأول بل يمسك عن الكلام في معناها ويوكل علمها إلى الله تعالى ويعتقد مع ذلك تنزيه الله تعالى وانتفاء صفات الحادث عنه، فيقال مثلاً نؤمن بأن الرحمن على العرش استوى ولا نعلم حقيقة معنى ذلك والمراد به مع أنا نعتقد أن الله تعالى (ليس كمثله شيء) وأنه منزه عن الحلول وسمات الحدوث وهذه طريقة السلف أو جماهيرهم وهي أسلم إذ لا يطالب الإنسان بالخوض في ذلك فإذا اعتقد التنزيه فلا حاجة إلى الخوض في ذلك والمخاطرة فيما لا ضرورة بل لا حاجة إليه، فإن دعت الحاجة إلى التأويل لرد مبتدع ونحوه تأولوا حينئذ وعلى هذا يحمل ما جاء عن العلماء في هذا والله أعلم".

إنني أكره الخوض في هذا الموضوع، وعقيدتي فيه كما سجّلتها في أكثر من مكان الاثبات مع التنزيه في كل آيات وأحاديث الصفات، لكني لا أنكر التأويل العليم من أهله الراسخين في العلم، لأن التأويل يضطر إليه العليم إذا انتشرت البدع، ألا ترى إلى المعتزلة استدلوا بقوله تعالى: {إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون} [الزخرف: 03] على خلق القرآن لأن اللفظ القرآني (جعل) قد جاء في مواطن أخرى في القرآن بمعنى خلق {وجعل الظلمات والنور} [الأنعام: 01] ألا ترى أهل السنة والجماعة لابد أن يردوا ولابد أن يؤّولوا، وهذا الإمام أحمد وهو أبعد الناس عن التأويل نقل عنه كما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية تأويله لقوله تعالى {وجاء ربك....} [الفجر: 22] فقد روى البيهقي عن أبي عمر بن السماك أن أحمد بن حنبل تأوّل قول الله تعالى (وجاء ربك) أنه جاء ثوابه. قال البيهقي وهذا إسناد لا غبار عليه.

راجع البداية والنهاية لابن كثير في ترجمة أحمد / 10 – 325/. إن المواجهة مع المشبهة والمعطلة والفرق الضالة تجبر الراسخين في العلم على التأويل فإذا جاء التأويل العليم من أهله فلا محل للإنكار، وهذا مقتضى قوله تعالى: {وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} [آل عمران: 07] ولكن هذا التاريخ شاهد على أنه حيث حدث تأويل في صفات الذات الإلهية فقد فتحت معارك فإذا حاول الأستاذ البنا رحمه الله أن يثبت على التنزيه وأن يغلق باب الخوض في هذه الشؤون فلأنه أدرك ما يترتب على هذا الخوض من معارك لانهاية لها هذا مع أن الإثبات مع التنزيه لا يتناطح فيه عنزان، وهذا الشيخ محمد أمين الشنقيطي وهو ممن يعتد بكلامه عند من يشتدون على التأويل، يقول رحمه الله في تفسيره عند قوله تعالى: {ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار} [الأعراف: 54] هذه الآية الكريمة وأمثالها من آيات الصفات كقوله تعالى: {يد الله فوق أيديهم} [الفتح: 10] ونحو ذلك أشكلت على كثير من الناس إشكالاً ضل بسببه خلق لا يحصى كثرة فصار قوم إلى التعطيل وقوم إلى التشبيه – سبحانه وتعالى علواً كبيراً عن ذلك كله – والله جل وعلا أوضح هذا غاية الإيضاح ولم يترك فيه أي لبس أو إشكال وحاصل تحرير ذلك أن الله تعالى بيّن أن الحق في آيات الصفات متركب على أمرين:

أحدهما: تنزيه الله تعالى عن مشابهة الحوادث في صفاتهم سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً. والثاني: الإيمان بكل ما وصف الله به نفسه أو وصفه رسوله صلى الله عليه وسلم لأنه لا يصف الله تعالى أحد أعلم بالله من الله {أأنتم أعلم أم الله} [البقرة: 140] ولا يصف الله تعالى بعد الله أحد أعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال الله تعالى فيه {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} [النجم: 3-4] فمن نفى عن الله تعالى وصفاً أثبته لنفسه في كتابه العزيز أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم زاعماً أن ذلك الوصف يلزمه ما لا يليق بالله عز وجل فقد جعل نفسه أعلم من الله ورسوله بما يليق به سبحانه. ثم قال: ومن اعتقد أن وصف الله تعالى يشابه صفات الخلق فهو مشبه ملحد ضال، ومن أثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم مع تنزيهه تعالى عن مشابهة الخلق فهو مؤمن جامع بين الإيمان بصفات الكمال والجلال والتنزيه عن مشابهة الخلق سالم من ورطة التشبيه والتعطيل. والآية التي أوضح الله تعالى بها هذا هي قوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11] فنفى عن نفسه عز وجل مماثلة الحوادث بقوله (ليس كمثله شيء) وأثبت لنفسه صفات الكمال والجلال بقوله (وهو السميع البصير). فصرح في هذه الآية بنفي المماثلة مع الاتصاف بصفات الكمال والجلال).

لا يخرج كلام الأستاذ البنا – رحمه الله – عن هذا، وهذا ما أقف عنده.

س5- اتهم بعض الإخوان المسلمين بأنهم يهمهم التجميع ولو على حساب الحق، ولا تهمهم العقيدة وأنهم لا يبدءون بتصحيح العقيدة وأنهم يسكتون على الباطل.

جـ5- أقول: هذه تهم عجيبة: فمنْ مثل الإخوان المسلمين صحح عقائد الناس وأرجع الناس إلى فهم شمول الإسلام وإلى الالتزام بالكتاب والسنة، ولكن السياسة النبوية تقضي أن نبدأ بالأهم فالمهم، ألا ترى إلى حديث معاذ رضي الله عنه عندما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فأمره أن يبدأ بالدعوة إلى التوحيد فإذا تمت الاستجابة فليدعهم إلى الصلاة ثم إلى الزكاة... فالداعية ينبغي أن يكون حكيماً يبدأ بالأهم فالمهم، وأمّا أن الإخوان لا يفضحون سبيل المجرمين ولا يعالجون الشذوذات فهذا ليس صحيحاً ولكنهم يقولون بما يقول علماء الإسلام ومنهم ابن تيمية رحمه الله أنه إذا أدّى النهي عن المنكر إلى منكر أكبر يترك النهي عن المنكر، فمعالجة الشذوذ والبدع بالطرق الحكيمة أدب من آداب الإسلام، وإلا فمثل تحمّل من أهل عصرنا في صراع مع الجاهلية ما تحمله الإخوان المسلمون وهؤلاء شهداؤهم يشهدون.

أمّا اتهامهم من قبل بعض الكتّاب بأنهم لا يركزون على العقيدة فسببه واضح: أن هؤلاء يعنون بالعقيدة نقطتين: القول بالفوقية المكانية للذات الإلهية والقول بتكفير وتضليل من توسّل بالرسول صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، فالأستاذ البنا جعل المسألة الثانية من باب الفروع الفقهية لأن القائلين بجوازها يستندون إلى حديث صححه أئمة في الحديث كالمنذري وغيره وكفى بهما قدوة وأسوة، وأما القضية الأولى فلم يتكلم بها الأستاذ البنا رحمه الله لأن الصراع حولها شديد بين طرفين كلّ منهما يضلّل الآخر ويكفره، وكل من الطرفين في الذروة من العلم، ويكفي أن يعرف القارئ أنه لو طبقنا مذهب أن خزيمة لحكمنا على الإمام النووي بالإعدام وألقينا جثته في مقابر اليهود، فقضية هذا لازمها وهذا شأنها في الحساسية لم ير الأستاذ البنا أن يكون للإخوان فيها موقف سوى الموقف الذي أدبنا الله به.

{والراسخون في العلم يقولون آمنّا به كل من عند ربنا} [آل عمران: 07]. فالله عز وجل القائل: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 05]. هو القائل: {وهو معكم أينما كنتم} [الحديد: 04]. وهو القائل: {فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115].

وهو القائل: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} [ق: 16]. وهو القائل: {ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون} [الواقعة: 85].

والقرآن نفسه يستعمل الفعل (علا) وتصريفاته للتعبير عن علو المكانة لا المكان: {وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم} [الزخرف: 04]. {لا تخف إنك أنت الأعلى} [طه: 68].

{ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون} [آل عمران: 139]. فالأمر عند المختلفين على غاية من الحساسية فإذا وقف الأستاذ البنا عند الاثبات والتنزيه فذلك لا غبار عليه وذلك الذي يسع كل مسلم، ولن يعمى الناس عن معرفة الراسخين في العلم الذين تطمئن قلوبهم لمتابعتهم.

س6- من الواضح أنك مغرم بشخصين غراماً كبيراً: حسن البنا ومحمد الحامد حتى اعتبر ذلك بعض الناس مأخذاً عليك، واعتبروا الإطراء عليهما مأخذاً شرعياً. واستدل بحادثة موسى والخضر على دعواه في تخطئتك واستدل بحادثة الثناء على عثمان بن مظعون على خطئك في الثناء عليهما، فما الجواب؟.

جـ6- أما حبي لهما فقد تغلغل في سويداء قلبي وكنت كتبت لشيخنا الحامد رسالة قبيل وفاته بعد نبأ شاع أنه أجريت له عملية ونجحت، من قرأها يعرف شدة الحب والوجد الذي رزقني الله إياه للشيخ، ومن لامني على حب الشيخ أو حب حسن البنا فهو الملوم وكما قال ابن عمر رضي الله عنهما:

يلومونني في سالم وألومهم ::: وجلدة بين العين والأنف سالم

وفي الحديث: "يحشر المرء مع من أحب" فاللهم فأحشرني معهما.

وأما أن في كلامي تزكية لهما دون احتراس فمن المعلوم أن الإنسان إذا تكلم فإطلاقات كلامه محمولة على تخصيصاته أو على اعتقاده، وأهل السنة والجماعة مجمعون على أن كل إنسان مات وليس في شأن عاقبته وحي فهو إلى مشيئة الله صائر فإذا أطلقوا في حقه كلاماً فكلامهم محمول على ذلك، ولم تزل الأمة جيلاً بعد جيل تثني على أهل الفضل من علمائها وأوليائها دون نكير، فمن أنكر فقد بعد، وفهم بعض النصوص وغاب عنه بعضها الآخر، انظر إلى النووي رحمه الله وهو المحدّث الفقيه، في رياض الصالحين كيف وضع هذا العنوان (إجراء أحكام الناس على الظاهر) وكيف عنون لموضوعنا بهذا العنوان اللطيف: (باب كراهة المدح في الوجه لمن خيف عليه مفسدة من إعجاب ونحوه وجوازه لمن أمن ذلك في حقه) وقد ذكر رحمه الله في هذا الباب الأحاديث التي تنهى عن المدح في الوجه ثم قال: فهذه الأحاديث في النهي، وجاء في الإباحة أحاديث كثيرة صحيحة، قال العلماء: وطريق الجمع بين الأحاديث أن يقال: إن كان الممدوح عنده كمال إيمان ويقين ورياضة نفس ومعرفة تامة بحيث لا يفتتن، ولا يغتر بذلك، ولا تلعب به نفسه فليس بحرام ولا مكروه، وإن خيف عليه شيء من هذه الأمور، كُره مدحه في وجهه كراهة شديدة، وعلى هذا التفصيل تنزل الأحاديث المختلفة في ذلك. ومما جاء في الإباحة قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه: "أرجوا أن تكون منهم" أي من الذين يدعون من جميع أبواب الجنة لدخولها. وفي الحديث الآخر: "لست منهم" أي لست من الذين يسبلون أزرهم خيلاء، وقال صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه: "ما رآك الشيطان سالكاً فجاً إلا سلك فجاً غير فجك". والأحاديث في الإباحة كثيرة، وقد ذكرت جملة من أطرافها في كتاب الأذكار.

ولعل ثناءنا على الشيخين بعد وفاتهما يدخل في معنى الحديث الذي ذكره السخاوي في المقاصد الحسنة وهو:

حديث: "اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساويهم" أبو داود في الأدب والترمذي في الجنائز من حديث معاوية بن هشام عن عمران بن أنس المكي عن ابن عمر رفعه بهذا، وقال الترمذي والطبراني إنه غريب، وقال الحاكم: إنه صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وفي البخاري عن مجاهد عن عائشة مرفوعاً: لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا، ولأبي داود من حديث وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عنها مرفوعاً: إذا مات صاحبكم فدعوه لا تقعوا فيه، وكذا هو عند الطيالسي في مسنده عن عبد الله بن عثمان عن هشام، وللنسائي من حديث منصور ابن صفية عن أمه عنها قالت: ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم هالك بسوء فقال: لا تذكروا هلكاكم إلا بخير، وفي الباب عن غير واحد من الصحابة. ألا يحق لي أن أخاطب هؤلاء المنكرين عليّ بما قاله الشاعر:

فقل للذي يدّعي في العلم معرفة ::: عرفت شيئاً وغابت عنك أشياء

وليعلم الناقد أنني لست وحدي الذي يثني على البنا والحامد فما أعرف أحداً عرفهما إلا وأثنى عليهما وذلك عندي علامة على ولايتهما، وهذه نصوص أضعها بين يدي الناقد لعله ينتفع بها:

أبو ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "أرأيت الرجل يعمل من الخير، ويحمده الناس عليه؟ قال: تلك عاجل بشرى المؤمن" أخرجه مسلم.

وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم:" يا رسول الله كيف لي أن أعلم إذا أحسنت وإذا أسأت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا سمعت جيرانك يقولون قد أحسنت فقد أحسنت وإذا سمعتهم يقولون قد أسأت".

رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. وعن ابن عمر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل وأبا موسى إلى اليمن فقال: تساندا وتطاوعا وبشرا ولا تنفرا، فخطب الناس معاذ فحثهم على الإسلام والتفقه والقرآن وقال أخبركم بأهل الجنة وأهل النار إذا ذكر الرجل بخير فهو من أهل الجنة وإذا ذكر بشر فهو من أهل النار. رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثقون.

وعن سعد بن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنباوة أو بالنبأة يقول يوشك أن يعرفوا أهل الجنة من أهل النار قالوا: بما يا رسول الله قال: بالثناء الحسن والثناء السيء. رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير الحسن بن عرفة وهو ثقة.

عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المقة من الله عز وجل – قال شريك هي المحبة – والصيت من السماء فإذا أحب الله عبداً قال لجبريل: إني أحب فلاناً فأحبوه قال: فتنزل له المحبة في الأرض وإذا أبغض عبداً قال لجبريل: إني أبغض فلاناً فأبغضوه قال: فينادي جبريل إن ربكم بيغض فلاناً فأبغضوه قال فيجرى له البغض في الأرض. رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط ورجاله وثقوا. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من عبد إلا وله صيت في السماء فإن كان صيته حسناً وإن كان صيته في السماء سيئاً وضع في الأرض رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.

ألا ترى أن الصيت الحسن والثناء الطيب علامتان نتعرّف بهما على خيارنا؟ وهل عليّ من حرج أن أثنى على من كان الثناء عليهما علامة على الفضل؟

س7- هل بالإمكان أن تعطينا صورة عن الشيخ محمد الحامد رحمه الله.؟

جـ7- كان رحمه الله من أورع خلق الله فيما نعلم، شهد بذلك كل من عرفه، ولقد قال عصام العطار في خطبة ألقاها في ألمانيا الغربية بتاريخ 198201/08/: إن الشيخ الحامد رحمه الله هو شيخ حماة وشيخ سورية ولا أعرف ولا أعلم ولم أسمع عن شخص في مشرق الدنيا ومغربها أورع من الشيخ الحامد. ابتدأ حياته سلفياً فقرأ الكثيرلابن تيمية ثم استقر على مذهبية سلفية تتمسك بالنصوص، وعلى تصوف فقهي يتقيّد بالفقه، كان آية في التحقيق العلمي وكان متشدداً في الفتوى وكان لا يفتي إلا إذا درس ودارس واطمأن وكان ناصحاً مشفقاً يحس كل المسلمين بشفقته ورحمته وخلوص نصيحته، لا يقابل السيئة بمثلها وكم كان حريصاً على وحدة المسلمين، فهو لا يرى أن هناك تناقضاً بين المسلمين يبيح لهم أن يدخلوا في خصومات مع بعضهم وينسوا الردة والمرتدين، وكان بحراً في العلوم كلها لا تطرق باباً من العلم إلا وقد أخذ بذؤابته ويعرف دخنه وينبه على الأخطاء المحتملة فيه، كان بحراً في العقائد وفي الفقه وفي التصوف وفي الأصول وفي التفسير والحديث والتاريخ، وكان عارفاً بعصره عارفاً بأنواع الضلال فيه هذا مع أدب لا يبارى ولا يجارى، كان شاعراً فصيحاً إذا خطب لا تمسك عليه غلطة، وكان قريباً بعيداً حسّاس النفس، كريمها، عفّ اللسان، متأدباً مع العلماء،

انظر نقاشه للدكتور السباعي وردّه عليه في اشتراكية الإسلام فإنك لا تجد أروع من ذلك يرد وهو في أعلى درجات الحب وكم أرجو أن يأخذ كل مسلم من ذلك درساً، وكان يخشى على عقائد الناس وسلوكهم فإذا رأى فكرة خاطئة لم ينم حتى يطمئن أنه قام بواجبه نحو الله فيها فإذا قرأ جريدة فرأى خطأ أو جاءته رسالة تشعره بخطأ أو عرف أن هناك خطأ ينتشر صال وجال كثيراً ما كادت مواقفه تودي بحياته أو بوظيفته، وكم من مفاهيم صححها وضلالات دفنها في الاعتقاد أو في السلوك وساعد على ذلك ثقة لا حدود لها فإذا قال للإخوان المسلمين شيئاً قالوا سمعاً وطاعة وإذا قال للصوفيين شيئاً أخذوا به وتركوا ما ينبههم عليه، وإذا قال للسلفيين شيئاً كان محل قبول لأنه يأتي مع الكلمة بدليلها، وكان لا يسكت على مخطئ يقول أمامه كلمة بل كان ينصح ويصحح، فكم صحح لغة وكم صحح بيت شعر فيه غلو أو خطأ يقوله منشد، وكان مع المذهبية ومع التحقيق، كان يخشى من دعوى الاجتهاد وما يترتّب على ذلك من فوضى في الفتوى، خاصّة وهو يرى أنّ من تصدر للاجتهاد كانوا يخالفون الإجماع في فتاواهم، كان ذلك منه شفقة على الإسلام والمسلمين لا سدّاً لباب مفتوح فهو يرى التحقيق ويحترم أهله، أمّا عبادته وتقواه فحدّث بها ولا حرج فقد كان دائم التلاوة لكتاب الله مداوماً على الذكر اليومي لحلقات الذكر مع تحرير ذلك كله مما يقره أهل العلم.

ولقد صاغ مدينته حماة صياغة جعلها مؤهّلة لكل خير ومن ههنا وجد في حماة جيل يشكل النموذج لما ينبغي أن يكون عليه أبناء العالم الإسلامي، جيل اجتمع فيه العلم الصحيح المنبثق عن عقيدة سليمة وتقوى عارمة تملأ القلب ورغبة في رضوان الله تحرّك روح الجهاد فاجتمع لشباب حماة علم وتقوى وجهاد ولولا الشيخ ما كان شيء من ذلك وما خرج على يد إخوانه وتلامذته من خير فإن ذلك أثر عنه، وكان مع جلالته وهيبته ذا دعابة صادقة وفكاهة نادرة تأتي في محلها تطييباً وتطبيباً بشكل يحار فيه من لا يعرف الشيخ، لقد ربى إخوانه على التمسك بالنصوص وعلى احترام أهل العلم والفقه وعلى الأخذ من الأولياء والتلقي منهم مع التمسك بالنصوص والفقه وربى إخوانه على حب حسن البنا وحب الإخوان المسلمين وحب جميع المسلمين وكان يربي إخوانه على أن يضعو يدهم بيد كل مسلم مهما علا من أجل أن تقمع هذه الردة، وكان مع هذا كله جميل الهيكل وضيء الوجه من نظر إليه نظرة أدرك أنّه أمام وليّ لله عز وجل.

وهو مع هذا غزير العبرة كثير البكاء ولم أر بين علماء المسلمين ممن رأيت وقابلت من ينطبق عليه قوله تعالى: {إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً} [مريم: 58] إلا شيخنا الحامد وشيخنا الشيخ عبد الفتاح أبو غدة.

لقد كان رحمه الله مستوعباً لمذاهب أهل السنة والجماعة في العقائد والفقه والسلوك كما كان مستوعباً لعقائد الفرق الضالة عارفاً دقائقها وكان درّاكاً لضلالات العصر عارفاً ببدع الاستغراب عارفاً بوجهات المستشرقين والمستغربين ولذلك كان كثير التصويب لمن يسمع لهم لأنه كان يعرف القول ولازمه ولازم لازمه فإذا أحسن بشيء ما من الخطأ في القول أو بلازمه أو بلازم لازمه كان يصححّ ومن ههنا كان لا يستغرب من عايشه أن يصحح له في الجلسة الواحدة الكثير، ومن ههنا تأتي القصّة التي رواها بعض الناس على لساني وحملها مالا تحتمل من أنه سجّل الشيخ إحدى عشرة ملاحظة على محاضرة من محاضرات الأستاذ البنا، فالذي يعرف شيخنا الحامد ويعرف دقته لا يستغرب أن يسجّل الملاحظات الكثيرة على كل من يتكلم أمامه فلقد كان دقيق التدقيق على الكلام وعلى لازمه ولازم لازمه، وكان رحمه الله يذكر لنا هذه الحادثة مزكيّا حسن البنا، وكيف أن حسن البنا أعلن في محاضرة لاحقة عن أن الشيخ الحموي لاحظ عليه كيت وكيت وأن الحق معه في كيت وكيت، كان الشيخ يقص علينا هذه القصة من باب أن حسن البنا على عظمته لم يكن يستنكف أن يعلن أمام الملأ أجمع عن أنه أخطأ إذا كان فعلاً قد وقع في الخطأ.

وقد اجتمع له رحمه الله مع الاستقامة الكرامة، وقد عرفت له الكرامة من شبابه وقد رأى إخواننا في مصر من كراماته وقد رأى تلامذته من كراماته الكثير وبعض كراماته مشهورة في حماة معروفة. وما ذكرته هو بعض مافيه فهل يلومني في حبه إلا سفيه.

وكان الشيخ رحمه الله على وزنه العلمي وعلى قوة شخصيته يرى أن حسن البنا رحمه الله مجدد قرون وليس مجدداً لهذا القرن فحسب وقد واطأه على ذلك الأستاذ الندوي حفظه الله وقد فهم بعضهم من ذلك أنه نفي لوجود مجدد دين في القرون الخالية وليس هذا صحيحاً بل نوعية التجديد كانت من السعة في دعوة الأستاذ البنا بحيث شملت جوانب واستهدفت أهدافاً لم تتطرق إليها دعوات التجديد في بعض القرون السالفة.



الباب الثاني : في الذكر والاجتماع عليه ما يحيط به


مقدمة الباب الثاني :

جواذب الدنيا في كل عصر كثيرة كبيرة.

والله عز وجل قال: {بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى} [الأعلى: 16-17] لكن عصرنا برزت فيه زينة الحياة الدنيا أكثر من أي عصر مضى، وغلبت فيه الماديات، وتبرجت فيه الشهوات، مما يقتضي حسن معالجة لأدوائه، وحسن تأت لأمراضه، وهذا الذي جعلني أركز كثيراً على الجانب القلبي والروحي، وما ينعش هذا الجانب، وكان من آثار ذلك أن دعوت إلى تجديد فكرة الاجتماع على الذكر وتحريرها مما يؤخذ عليها، كإحدى الوسائل لإنعاش القلب وإيقاظ الهمم للإقبال على الله عز وجل، كما دعوت إلى الإكثار من الذكر كثرة لا يقيدها إلا احتياج القلب، والقلوب ليست واحدة في الاحتياج لأن القلوب تختلف فيحتاج كل قلب إلى علاج. قال النووي رحمه الله في مقدمة المجموع: "أما علم القلب وهو معرفة أمراض القلب كالحسد والعجب وشبههما فقال الغزالي:

معرفة حدودها وأسبابها وطبها وعلاجها فرض عين، وقال غيره: إن رزق المكلف قلباً سليماً من هذه الأمراض المحرمة كفاه ذلك ولا يلزمه تعلم دوائها وإن لم يسلم نَظَرَ إن تمكن من تطهير قلبه من ذلك بلا تعلم لزمه التطهير كما يلزمه ترك الزنا ونحوه من غير تعلم أدلة الترك وإن لم يتمكن من الترك إلا بتعلم العلم المذكور تعين حينئذ والله أعلم". وعلى كل فقد حمل عليّ بعضهم لأنني دعوت إلى الاجتماع على الذكر واعتبر الاجتماع على الذكر منكراً وإباحتي ذكر اسم "الله" منكراً ومع أن القلب المسلم بفطرته يدرك الحق في هذا وذاك فقد رأيت أن أناقش هذا الذي أنكر لماذا أنكر:

س8- لقد دعوت إلى اعتماد الاجتماع على الذكر ومنه الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتاب تربيتنا الروحية كوسيلة من وسائل النهوض بالهمة، مع العلم بأن بعضهم يعتبر ذلك بدعة فما دفاعك عن مثل هذا؟ خاصّة وهم يستشهدون بموقف ابن مسعود من مثل ما دعوت إليه:

فقد أخرج الدارمي (1/68) بسند صحيح، والإمام أحمد في "الزهد" وأبو نعيم في "الحلية": "أن نفراً من التابعين كانوا جالسين على باب عبد الله بن مسعود، فجاء أبو موسى الأشعري فجلس معهم، فلما خرج ابن مسعود قال له أبو موسى الأشعري: "يا أبا عبد الرحمن، إني رأيت في المسجد آنفاً أمراً أنكرته، ولم أر والحمد لله إلا خيراً"، قال: ما هو؟ فقال: "إن عشت فستراه، رأيت في المسجد آنفاً قوماً حلقاً جلوساً ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة" قال ابن مسعود: فماذا قلت لهم؟

قال أبو موسى: ما قلت لهم شيئاً انتظار رأيك، أو انتظار أمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم ألا يضيع من حسناتهم شيء؟ ثم مضى ومضينا معه، حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليهم فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعدوا سيئاتكم، فأنا ضامن ألا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم؟ هؤلاء صحابة نبيكم متوافرون وهذه ثيابه لم تَبْلَ، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، أو مفتتحو باب ضلالة؟ قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، فقال: وكم مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله حدثنا: "إن قوماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم" وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم، فقال عمرو بن سلمة: "رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج".

جـ8- إن مذهب الصحابي إذا تعارض مع النصوص الصحيحة الصريحة المرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يترك، وهذا الذي يستشهد بحادثة ابن مسعود من أكثر الناس إقراراً بذلك وأخذاً له، وههنا الأمر كذلك فقد ورد حديث صحيح صريح في الاجتماع على الذكر، وفهمه ابن حجر وهو من أئمة الحديث بأن المراد منه الاجتماع على التسبيح والتحميد لا كما يحاول بعضهم أن يحمله على العلم، وها أنذا أذكر لك الحديث وأذكر لك بعد ذلك كلام ابن حجر في الفتح ثم أعقب على ذلك بكلام السيوطي وهو محدث فقيه: عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن لله تعالى ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله عز وجل تنادوا: هلمّوا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، فيسألهم ربهم – وهو أعلم - : ما يقول عبادي؟ قال: يقولون: يسبحونك، ويكبرونك، ويحمدونك، ويمجدونك، فيقول: هل رأوني؟ فيقولون: لا والله ما رأوك.

فيقول: كيف لو رأوني؟ قال: يقولون لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيداً، وأكثر لك تسبيحاً. فيقول: فماذا يسألون؟ قال: يقولون: يسألونك الجنة.

قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يارب ما رأوها. قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصاً، وأشدّ لها طلباً وأعظم فيها رغبة. قال: فممّ يتعوذون؟ قال: يقولون: يتعوذون من النار، قال: فيقول وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله ما رأوها. فيقول: كيف ولو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشدّ منها فراراً، وأشد لها مخافة، قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة قال: قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم" متفق عليه.

وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن لله ملائكة سيارة فضلاء يتتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكرٌ قعدوا معهم، وحفّ بعضهم بعضاً بأجنحتهم حتى يملئوا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء فيسألهم الله عز وجل – وهو أعلم - : من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عبادٍ لك في الأرض: يسبحونك، ويكبرونك، ويهللونك، ويحمدونك، ويسألونك. قال: وماذا يسألوني؟ قالوا: يسألونك جنتك. قال: وهل رأوا جنتي؟ قالوا: لا أي رب. قال: فكيف لو رأوا جنتي؟ قالوا: ويستجرونك قال: ومم يستجيروني؟ قالوا: من نارك يا رب. قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا.

قال: فكيف لو رأوا ناري؟ قالوا: ويستغفرونك؟ فيقول: قد غفرت لهم، وأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا. قال: يقولون ربّ فيهم فلانٌ عبدٌ خطاء إنما مرّ فجلس معهم. فيقول: وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم".

قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله: قوله (يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك) زاد إسحق وعثمان عن جرير "ويمجدونك" وكذا لابن أبي الدنيا، وفي رواية أبي معاوية "فيقولون تركناهم يحمدونك ويمجدونك ويذكرونك" وفي رواية الإسماعيلي "قالوا ربنا مررنا بهم وهم يذكرونك الخ" وفي رواية سهيل "جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك" وفي حديث أنس عند البزار "ويعظمون آلاءك ويتلون كتابك ويصلون على نبيك ويسألونك لآخرتهم وديناهم" ويؤخذ من مجموع هذه الطرق المراد بمجالس الذكر وأنها التي تشتمل على ذكر الله بأنواع الذكر الواردة من تسبيح وتكبير وغيرهما وعلى تلاوة كتاب الله سبحانه وتعالى وعلى الدعاء بخيري الدينا والآخرة، وفي دخول قراءة الحديث النبوي ومدارسة العلم الشرعي ومذاكرته والاجتماع على صلاة النافلة في هذه المجالس نظر، والأشبه اختصاص ذلك بمجالس التسبيح والتكبير ونحوهما والتلاوة فحسب، وإن كانت قراءة الحديث ومدارسة العلم والمناظرة فيه من جملة ما يدخل تحت مسمى ذكر الله تعالى.

وقال رحمه الله: وفي الحديث فضل مجالس الذكر والذاكرين، وفضل الاجتماع على ذلك، وأن جليسهم يندرج معهم في جميع ما يتفضل الله تعالى به عليهم إكراماً لهم ولو لم يشاركهم في أصل الذكر.

وفيه محبة الملائكة بني آدم واعتناؤهم بهم، وفيه أن السؤال قد يصدر من السائل وهو أعلم بالمسئول عنه من المسئول لإظهار العناية بالمسئول عنه والتنويه بقدره والإعلان بشرف منزلته.

وقيل إن في خصوص سؤال الله الملائكة عن أهل الذكر الإشارة إلى قولهم (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) فكأنه قيل لهم: انظروا إلى ما حصل منهم من التسبيح والتقديس مع ما سلط عليهم من الشهوات ووساوس الشيطان، وكيف عالجوا ذلك وضاهوكم في التسبيح والتقديس، وقيل إنه يؤخذ من هذا الحديث أن الذكر الحاصل من بنى آدم أعلى وأشرف من الذكر الحاصل من الملائكة لحصول ذكر الآدميين مع كثرة الشواغل ووجود الصوارف وصدوره في عالم الغيب، بخلاف الملائكة في ذلك كله".

وقد ذكر السيوطي في كتابه (الحاوي للفتاوي) سؤالاً وأجاب عليه وهذه صيغة السؤال والجواب. سألت أكرمك الله عما اعتاده الصوفية من عقد حلق الذكر والجهر به في المساجد ورفع الصوت بالتهليل وهل ذلك مكروه أولا؟ الجواب – أنه لا كراهة في شيء من ذلك وقد وردت أحاديث تقتضي استحباب الجهر بالذكر – وأحاديث تقتضي استحباب الإسرار به والجمع بينهما أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص كا جمع النووي بمثل ذلك بين الأحاديث الواردة باستحباب الجهر بقراءة القرآن [والأحاديث] الواردة باستحباب الإسرار بها وها أنا أبين ذلك فصلاً فصلاً. (ذكر الأحاديث الدالة على استحباب الجهر بالذكر تصريحاً أو التزاماً)

(الحديث الأول) أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -: "يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه" والذكر في الملأ لا يكون إلا عن جهر.

(الحديث الثاني) أخرج البزار، والحاكم في المستدرك وصححه عن جابر قال: "خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس إن لله سرايا من الملائكة تحل وتقف على مجالس الذكر في الأرض فارتعوا في رياض الجنة قالوا: وأين رياض الجنة؟ قال: مجالس الذكر فاغدوا وروحوا في ذكر الله".

(الحديث الثالث) أخرج مسلم، والحاكم واللفظ له عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"إن لله ملائكة سيارة وفضلاء يلتمسون مجالس الذكر في الأرض فإذا أتوا على مجلس ذكر حف بعضهم بعضاً بأجنحتهم إلى السماء، فيقول الله: من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عبادك يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويهللونك ويسألونك ويستجيرونك فيقول ما يسألون؟ وهو أعلم، فيقولون: يسألونك الجنة فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا يا رب فيقول: فكيف لو رأوها؟ ثم يقول: ومم يستجيروني؟ وهو أعلم بهم فيقولون: من النار، فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا، فيقول: فكيف لو رأوها ثم يقول: اشهدوا أني قد غفرت لهم وأعطيتهم ما سألوني وأجرتهم مما استجاروني فيقولون: ربنا إن فيهم عبداً خطاء جلس إليهم وليس منهم فيقول: وهو أيضاً قد غفرت له هم القوم لا يشقى بهم جليسهم".

( الحديث الرابع) أخرج مسلم، والترمذي عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده".

(الحديث الخامس) أخرج مسلم، والترمذي عن معاوية "أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده فقال: إنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة".

(الحديث السادس) أخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكثروا ذكر الله حتى يقولوا مجنون".

(الحديث السابع) أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن أبي الجوزاء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أكثروا ذكر الله حتى يقول المنافقون إنكم مراءون" – مرسل، ووجه الدلالة من هذا والذي قبله أن ذلك إنما يقال عند الجهر دون الإسرار.

(الحديث الثامن) أخرج البيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر".

(الحديث التاسع) أخرج بقي بن مخلد عن عبد الله بن عمرو "أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بمجلسين أحد المجلسين يدعون الله ويرغبون إليه والآخر يعلمون العلم فقال: كلا المجلسين خير وأحدهما أفضل من الآخر".

(الحديث العاشر) أخرج البيهقي عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله إلا ناداهم مناد من السماء قوموا مغفوراً لكم قد بدلت سيئاتكم حسنات".

(الحديث الحادي عشر) أخرج البيهقي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الرب تعالى يوم القيامة: سيعلم أهل الجمع اليوم من أهل الكرم فقيل ومن أهل الكرم يا رسول الله؟ قال: مجالس الذكر في المساجد".

(الحديث الثاني عشر) أخرج البيهقي عن ابن مسعود قال: إن الجبل لينادي الجبل باسمه يا فلان هل مر بك اليوم لله ذاكر؟ فإن قال نعم استبشر ثم قرأ عبد الله (لقد جئتم شيئاً إدّاً تكاد السموات يتفطرن منه) الآية وقال أيسمعون الزور ولا يسمعون الخير.

(الحديث الثالث عشر) أخرج ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس في قوله: (فما بكت عليهم السماء والأرض) قال: إن المؤمن إذا مات بكى عليه من الأرض الموضع الذي كان يصلي فيه ويذكر الله فيه، وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي عبيد قال: إن المؤمن إذا مات نادت بقاع الأرض عبد الله المؤمن مات فتبكي عليه الأرض والسماء فيقول الرحمن: ما يبكيكما على عبدي فيقولون: ربنا لم يمش في ناحية منا قط إلا وهو يذكرك. وجه الدلالة من ذلك أن سماع الجبال والأرض للذكر لا يكون إلا عن الجهر به.

(الحديث الرابع عشر) أخرج البزار، والبيهقي بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله تعالى: عبدي إذا ذكرتني خالياً ذكرتك خالياً وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ خير منهم وأكثر".

( الحديث الخامس عشر) أخرج البيهقي عن زيد بن أسلم قال: قال ابن الأدرع "انطلقت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فمر برجل في المسجد يرفع صوته قلت: يا رسول الله عسى أن يكون هذا مرائياً؟ قال: "لا ولكنه أواه" وأخرج البيهقي عن عقبة بن عامر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل يقال له ذو البجادين إنه أواه وذلك أنه كان يذكر الله"، وأخرج البيهقي عن جابر بن عبد الله أن رجلاً كان يرفع صوته بالذكر فقال رجل: لو أن هذا خفض من صوته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعه فإنه أواه".

(الحديث السادس عشر) أخرج الحاكم عن شداد بن أوس قال: "إنا لعند النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: ارفعوا أيديكم فقولوا لا إله إلا الله ففعلنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إنك بعثتني بهذه الكلمة وأمرتني بها ووعدتني عليها الجنة إنك لا تخلف الميعاد ثم قال أبشروا فإن الله قد غفر لكم".

(الحديث السابع عشر) أخرج الزار عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن لله سيارة من الملائكة يطلبون حلق الذكر فإذا أتوا عليهم حفوا بهم فيقول الله تعالى: غشوهم برحمتي فهم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم".

(الحديث الثامن عشر) أخرج الطبراني، وابن جرير عن عبد الرحمن بن سهل ابن حنيف قال: "نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بعض أبياته (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي) الآية فخرج يلتمسهم فوجد قوماً يذكرون الله تعالى منهم ثائر الرأس وجاف الجلد وذو الثوب الواحد فلما رآهم جلس معهم وقال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم".

(الحديث التاسع عشر) أخرج الإمام أحمد في الزهد عن ثابت قال: "كان سلمان في عصابة يذكرون الله فمر النبي صلى الله عليه وسلم فكفوا فقال: ما كنتم تقولون؟ قلنا نذكر الله قال إني رأيت الرحمة تنزل عليكم فأحببت أن أشارككم فيها ثم قال: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم".

(الحديث العشرون) أخرج الأصبهاني في الترغيب عن أبي رزين العقيلي "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ألا أدلك على ملاك الأمر الذي تصيب به خيري الدنيا والآخرة؟ قال: بلى، قال: عليك بمجالس الذكر وإذا خلوت فحرك لسانك بذكر الله".

(الحديث الحادي والعشرون) أخرج ابن أبي الدنيا، والبيهقي والأصبهاني عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأن أجلس مع قوم يذكرون الله بعد صلاة الصبح إلى أن تطلع الشمس أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس ولأن أجلس مع قوم يذكرون الله بعد العصر إلى أن تغيب الشمس أحب إليّ من الدنيا وما فيها".

(الحديث الثاني والعشرون) أخرج الشيخان عن ابن عباس قال: إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم قال: ابن عباس كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته.

(الحديث الثالث والعشرون) أخرج الحاكم عن عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة ورفع له ألف ألف درجة وبنى به بيتاً في الجنة" وفي بعض طرقه "فنادى".

(الحديث الرابع والعشرون) أخرج أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه، والنسائي وابن ماجه عن السائب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "جاءني جبريل فقال: مر أصحابك يرفعوا أصواتهم بالتكبير".

(الحديث الخامس والعشرون) أخرج المروزي في كتاب العيدين عن مجاهد أن عبد الله بن عمر وأبا هريرة كانا يأتيان السوق أيام العشر فيكبران لا يأتيان السوق إلا لذلك، وأخرج أيضاً عن عبيد بن عمير قال: كان عمر يكبر في قبته فيكبر أهل المسجد فيكبر أهل السوق حتى ترتج منى تكبيراً، وأخرج أيضاً عن ميمون بن مهران قال: أدركت الناس وإنهم ليكبرون في العشر حتى كنت أشبهها بالأمواج من كثرتها.

(فصل) إذا تأملت ما أوردنا من الأحاديث عرفت من مجموعها أنه لا كراهة البتة في الجهر بالذكر بل فيه ما يدل على استحبابه إما صريحاً أو التزاماً كما أشرنا إليه، وأما معارضته بحديث "خير الذكر الخفي" فهو نظير معارضه أحاديث الجهر بالقرآن بحديث المسر بالقرآن كالمسر بالصدقة، وقد جمع النووي بينهما بأن الإخفاء أفضل حيث خاف الرياء أو تأذي به مصلين أو نيام والجهر أفضل في غير ذلك لأن العمل فيه أكثر ولأن فائدته تتعدى إلى السامعين ولأنه يوقظ قلب القارئ ويجمع همه إلى الفكر ويصرف سمعه إليه ويطرد النوم ويزيد النشاط".

وقال الأستاذ البنا رحمه الله:

الذكر في جماعة:

ورد في الأحاديث ما يشعر باستحباب الاجتماع على الذكر ففي الحديث الذي يرويه مُسلم: "لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده".

وكثيراً ما ترى في الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم خرج على جماعة وهم يذكرون الله في المسجد فبشرهم ولم ينكر عليهم.

والجماعة في الطاعات مستحبة في ذاتها ولا سيما إذا ترتب عليها كثير من الفوائد مثل: تألف القلوب، وتقوية الروابط، وقضاء الأوقات فيما يفيد، وتعليم الأمي الذي لم يحسن التعلم وإظهار شعيرة من شعائر الله تعالى.

نعم إن الجماعة في الذكر تكره إذا ترتب عليها محظور شرعي كالتشويش على مصلّ، أو لغو وضحك، أو تحريف للصيغ، أو بناء على قراءة غيره، أو نحو ذلك من المحظورات الشرعية، فحينئذ تمنع الجماعة في الذكر لهذه المفاسد لا للجماعة في ذاتهأن وخصوصاً إذا كان الذكر في جماعة بالصيغ المأثورة الصحيحة، كا في هذه الوظيفة التي جمعها الأستاذ البنا من السنة النبوية فحبذا لو اجتمع الإخوان على قراءتها صباحاً ومساءاً في ناديهم أو في مسجد من المساجد مع اجتناب هذه المكروهات.

ومن فاتته الجماعة فيها فليقرأها منفرداً ولا يفرّط في ذلك. لقد رأيت فيما ذكرناه لك كلام ابن حجر، وكلام السيوطي، وكلام حسن البنا وهم من أعلام الهدى فهل ترى عليّ من حرج فيما بنيت عليه من كلامهم؟ على أن حادثة ابن مسعود يمكن أن تحمل على معنى آخر، فقد رأينا أن أكثر هؤلاء الذين كانوا مجتمعين قد قتلوا على الخارجية فلربما توسم فيهم ابن مسعود معنى اجتمعوا من أجله، أو توسم فيهم أنهم على أبواب غلو فأنبأهم، أو أنهم فعلوا هذا من عند أنفسهم دون دليل، وعلى كل حال فقد يكون مذهب ابن مسعود مذهب من يفهم هذا النوع من النصوص التي نقلناها أنها في العلم وهو مذهب مرجوح كما رأينا وعصرنا أولى العصور باعتماد المذهب الراجح لما في الاجتماع على الذكر من فوائد قلبية وروحية تغسل بها الأوضار وتمحى بها الذنوب وتستجاش بها عواطف الإيمان.

س9- يتهجم عليك بعضهم لأنك ذكرت الاجتماع على الذكر وعلى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وأشرت إلى إمكانية أن يكون ذلك يوم الجمعة، واعتمد في هجمومه عليك على نهي الرسول صلى الله عليه وسلم أن يخص يوم الجمعة بصيام أو قيام ثم أتى بحديث فيه نهي عن التحلق يوم الجمعة وإنشاد الشعر في المسجد، فجمع في إنكاره عليك في هذه المسألة ثلاثة أشياء:

1- تخصيص يوم الجمعة، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تخصيص يوم الجمعة بصيام أو ليلته بصلاة. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم".

2- التحلق قبل صلاة الجمعة، وفيه حديث صحيح تضمن نهياً صريحاً.

3- إنشاد الشعر في المسجد، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشراء والبيع في المسجد وأن ننشد فيه ضالّة، وأن ينشد فيه شعر، ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة".

فماذا عندكم حول هذا الإنكار؟

جـ9- أقول: إن هذا الإنكار لعجيب، لقد استشهدوا بنصوص تطلب ألا يخص يوم الجمعة بصيام أو قيام، وكان المفروض أن يأتوا بأحاديث تنهى أن يخص يوم الجمعة بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محل البحث فإذا علمت أن النصوص جاءت في الحض على تخصيص يوم الجمعة بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم تدرك أن هؤلاء يوجهون سهامهم دون وعي: قال النووي رحمه الله في رياض الصالحين: وعن أوس بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا من الصلاة فيه، فإنّ صلاتكم معروضة عليّ" قالوا يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ (أي بليت) قال: (إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء) رواه أبو داود بإسناد صحيح وذكر السخاوي في المقاصد الحسنة ما يقوي هذا المعنى. قال رحمه الله حديث: أكثروا الصلاة عليّ في الليلة الزهراء، واليوم الأغر، فإن صلاتكم تعرض عليّ، الطبراني في الأوسط من حديث أبي مودود عبد العزيز بن أبي سليمان المدني، عن محمد بن كعب القرظي عن أبي هريرة رفعه بهذا، وقال لا يروى عن محمد عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد تفرد بهذا أبو داود، ولو شواهد بينتها في "القول البديع"، منها ما رواه ابن بشكوال بسند ضعيف أيضاً عن عمر بن الخطاب مرفوعاً به بزيادة: فأدعو لكم وأستغفر، والليلة الزهراء ليلة الجمعة واليوم الأغر يومها.

أما النهي عن إنشاد الشعر في المسجد فانظر ما يقوله في ذلك صاحب الفتح الربّاني، مفسراً إنشاد الشعر والحلق المنهي عنها:

أي المذمومة كالمباهاة والافتخار، لا ما كانت في الزهد وذم الدنيا والدفاع عن الإسلام كما فعل حسان، فقد ثبت عند البخاري والإمام أحمد وغيرهما وسيأتي في الباب التالي أنه أنشد الشعر في المسجد يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بل قال له النبي صلى الله عليه وسلم أجب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا له فقال اللهم أيده بروح القدس (وقوله وعن الحلق) بكسر الحاء وفتح اللام جمع حلقة بفتح الحاء وسكون اللام أي القعود حلقاً حلقاً لأنه يقطع الصفوف مع كونهم مأمورين يوم الجمعة بالتبكير والتراص في الصفوف فيكره فعل جميع المذكورات والله أعلم. وأمّا المناوي فقد ذكر في شرح الحديث الذي استشهد به المنكر:

(وأن ينشد فيه ضالة وأن ينشد فيه شعر) وورد في غير ماخبر الترخيص فيه وجمع بحمل النهي على التنزيه والرخصة على بيان الجواز وبأن المرخص فيه الشعر المحمود كالذي في الزهد ومكارم الأخلاق والمنهي عنه خلافه مر رجل بالمسجد يبيع فقال له عطاء عليك بسوق الدنيا فإنما هذا سوق الآخرة (ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة) لأنه ربما قطع الصفوف مع كونهم مأمورين يوم الجمعة بالتبكير والتراص في الصفوف الأول فالأول. فأنت ترى أن هذه الإنكارات ليست في محلّها.

س10- أنكر عليك بعضهم إباحتك أن يذكر الله عز وجل باسم "الله" فما رأيك في هذا الإنكار؟

جـ 10- لا أظن أن شيئاً أوضح في التمثيل لرؤية المعروف منكراً والمنكر معروفاً من هذا الإنكار. قال ابن عابدين رحمه الله وهو من فقهاء الحنفية المشهورين. والجمهور على أنه (أي لفظ الجلالة الله) عربي علم مرتجل ومنهم أبو حنيفة ومحمد بن الحسن والشافعي والخليل وروى هشام عن محمد عن أبي حنيفة أنه اسم الله الأعظم وبه قال الطحاوي وكثير من العلماء وأكثر العارفين حتّى أنه لاذكر عندهم لصاحب مقام فوق الذكر به كما في شرح التحرير لابن أمير حاج.

ومن عرف أن فتوى الأئمة بإباحة شيء تخرجه عن كونه بدعة سيئة أدرك خطأ الإنكار علينا وحسبي أني أدعو إلى ما أجازه أئمة الفتوى. ومن احتج عليّ بقول عالم فلا عليّ من ذلك، لأنّ الحجة إنما تقوم على من خرق إجماع أهل العلم أمّا من رجح قول بعضهم فأخذ به فلا عليه من حرج، وقد ذكرت وجهة نظري في هذا الشأن وما استندت عليه في هذا الشأن في كتاب تربيتنا الروحية فليراجع.


الباب الثالث : صوفيات وفقهيات

مقدمة الباب الثالث:

لقد دعوت إلى دراسة العقائد الإسلامية والفقه والتصوف وأصول الفقه على مذاهب أهل السنة والجماعة كدراسات اختصاص في علوم انبثقت عن الكتاب والسنة وفرضتها المسيرة العلمية للأمة الإسلامية. ودعوتي لدراسة هذه العلوم لا أعني بالضرورة التسليم بكل ما كتب فيها ولا أعني بالضرورة تزكية لكل كلمة في كتبها بل نبهت في أكثر من مكان من كتبي إلى أن كتب المتأخرين فيها شيء من دخن وطالبت أبناء الحركة الإسلامية المعاصرة من اجتمع لهم وعي وعلم وتخصص أن يكتبوا في هذه العلوم لينقوها وينقحوها ويقدّموها للناس غضّة طريّة. ولما كان أخطر العلوم علم التصوّف فقد كتبت فيه كتاب (تربيتنا الروحية) وسأصدر كتابين آخرين كل ذلك لشعوري أن هذا العلم قد داخله ما داخله، وحاولت أن أحرر هذا العلم وظني أن من قرأ كتبنا لا يجد عليها مأخذاً ينكره أهل العلم.

ولقد تهجم عليّ ناس بسبب دعوتي لدراسة هذه العلوم أو بسبب دلالتي على كتب فيها يمكن الرجوع إليها أو بسبب كلامي في موضوعات لغيري كلام فيها فتهجم عليّ وكأنني أنا القائل بذلك الكلام، ومن دقق في عباراتي وجد أنها متسقة مع كلام أهل العلم ومع ما استقر عليه ضمير الأمة الإسلامية، وهذه وقفات عند بعض الاعتراضات.

س11- لقد دافعت عن الغزالي رحمه الله بالنسبة لإهماله الكلام عن الجهاد في إحيائه بأنه ذكر أبحاث الجهاد حيث يبنغي أن تذكر وهي كتب الفقه فوجد من رد عليك أن الغزالي تحدّث في إحيائه عن الفقه، ثم ذكر أن تربية الغزالي كانت عاملاً من عوامل إضعاف روح الجهاد في الأمة؟

جـ11- الذي أقوله: إن الغزالي لم يتعرّض في الإحياء لتفصيلات فقهية إلا في الحدود التي يحتاجها الفرد ولم يتعرض في الإحياء للقضايا التي هي من اختصاص الدولة كالقضاء والقصاص والجهاد وإقامة الحدود لكنه تعرض لهذا في كتبه الفقهية، وهذا كتابه الوجيز في الفقه فإنك تجد فيه كلاماً عن الجهاد من صفحة 186 إلى 205، أما الحروب الصليبية فقد كانت مفاجأة في مرحلتها الأولى ولو أنك قرأت تاريخ ابن كثير لرأيت أن رد الفعل تجاهها قد وجد حوالي خمسمائة وخمس أي في العام الذي توفي فيه الغزالي، ثم هو لم يكن في بلاد الشام وقتذاك على القول الراجح، فالمفروض أنه غادر بيت المقدس حوالي /490/ هـ بينما سيطر الصليبيون على القدس سنة /492/هـ.

أما أن التربية الغزالية تضعف روح الجهاد فهذا ليس صحيحاً فالمعروف أنه بقدر ما يرتقي الإنسان قلبياً وروحياً تكون استعداداته للتضحية في سبيل الله أكثر، وهذا القرآن حكم فالله عز وجل عندما ذكر بيع النفس له وصف أهل ذلك بصفات من مثل التوبة والعبادة والحمد قال تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} [التوبة: 111].

ثم وصف الذين يشرون أنفسهم فقال: {التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين} [التوبة: 112]. وكتاب الإحياء يرتقي بالإنسان في هذه المعاني كلها، واقرأ كلام الغزالي عن التوبة والعبادة والطاعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإحياء فإنّك لا تجد أقوى منه.

ثم إن الغزالي الذي ركزّ على الإخلاص والتوكل، والخوف من الله عز وجل لا يمكن أن يكون كلامه إلا لصالح الجهاد الخالص. ولو أنك تأملت الحركات الجهادية التي قامت في العصور المتأخرة فإنك تجد أكثرها كان متأثراً بالفكر الصوفي الفقهي فحركة الشيخ شامل النقشبندي في تركستان وحركة الشيخ سعيد الكردي في تركيا وحركة السنوسيين في ليبيا وحركة الدراويش في السودان وحركة حسن البنا في مصر وخارجها، كل ذلك كان متأثراً بهذا النوع من التصوف.

س12- يحاول بعضهم أن يعتبر الصوفية بإطلاق فرقة من فرق الضلالة كالخوارج والمعتزلة والمرجئة فما الموقف من ذلك؟

ج12- أقول: إن التصوف أنواع، والحكم على التصوف حكم على شيوخه وأفكارهم، فهناك من شيوخ التصوف من هو من أكابر أهل السنة والجماعة كالجنيد والقشيري والشيخ عبد القادر الجيلاني الذي يقول عنه ابن تيمية رحمه الله: إن كراماته منقولة تواتراً، فحيثما وجد الصوفي الذي يتبنى في العقائد مذهب أهل السنة والجماعة ويلزم نفسه بفقههم فهذا من أكابر أهل السنة والجماعة، وإذا تأملت حال علماء الأمة الإسلامية منذ قرون فإنك تجدهم كذلك أو تتلمذوا على من كان كذلك، فإذا استثنيت هؤلاء وأدخلتهم في أهل السنة والجماعة فإنك تستطيع أن تقول: إنه وجد عند بعض الصوفية غلو وانحراف تجعل بعضهم يدخل في الفرق الهالكة، بل إن بعض الصوفية يقول كما نقل ذلك الشيخ أحمد الزروق في كتابه قواعد التصوف: احذر هذا الطريق فإن أكثر الخوارج منه، وإنما هو طريق الهلك أو الملك، فمن حقّق علمه وعمله وحاله فقد نال عز الأبد وإلا فقد هلك مع من هلك.

إن هناك بعض الصوفية وصلوا إلى سقوط التكليف فاستباحوا المحرمات وتركوا العبادات، وبإجماع أهل الحق من الصوفية وغيرهم إن هؤلاء كفرة، فهذه فرقة صوفية تستطيع أن تسميها (الإباحية) وهي فرقة هالكة.

وبعض الصوفية قالوا بوحدة الوجود بمعنى أن الخلق جزء من الخالق وهذا كفر بنص القرآن: {وجعلوا له من عباده جزءاً إنّ الإنسان لكفور مبين} [الزخرف: 15] فهذه فرقة كافرة بإجماع أهل الحق وقد أشرت إلى مثل هذا في كتابنا (تربيتنا الروحية) وإذن فهناك من انتسب إلى التصوف وتستطيع أن تصنفه في الفرق الهالكة، ولكن أهل الحق منهم هم من كبار الفرقة الناجية بفضل الله.

والخلاصة أن من التزم الصوفية بالكتاب والسنة وبعقائد أهل السنة والجماعة ومذاهبهم الفقهية وفتاوى الأئمة فأمثال هؤلاء هداة مهديون عند أهل التحقيق والإنصاف من أهل العلم أمّا القائلون بسقوط التكليف أو القائلون بوحدة الوجود أو الذين يأتون ناقضاً من نواقض الشهادتين أو الذين يفعلون مالا يجيزه أهل الفتوى فكل من هؤلاء له حكمه الخاص به والثلاثة الأولون يعتبرون من الفرق الخارجة الهالكة، أمّا الآخرون فأهل بدعة، ولم يزل العلماء يفرّون من التسرع بالتكفير والتضليل، ومتى رأيت إنساناً يهجم على التكفير والتضليل دون ضوابط فاعلم أنه داخل في دائرة الغلو.

س13- بمناسبة التهجم على كتبك تهجم بعضهم على من أثنيت عليهم من أمثال الجنيد رحمه الله والغزالي، كما تهجم على أفراخ الخلف دون تفصيل فما الموقف من ذلك؟

جـ13- لم يزل المسلمون يتحامون الهجوم الظالم على العلماء والأولياء وفي الحديث الصحيح: "من عادي لي وليّاً فقد آذنته بالحرب" فلحوم العلماء والأولياء مسمومة، والملاحظ أن بعض الناس بحجة الجرح والتعديل ينبشون ما قاله أهل العصور ببعضهم لمبلابسات معينّة ويحاولون أن يعمموه مع أن الذي استقر عليه علم الجرح والتعديل أن الأئمة تجاوزوا القنطرة ثم إن بعضهم يتهجمون على الخلف، وبالتحقيق فإنهم يريدون أمثال النووي والسيوطي فلو أنّك أتيت إلى هؤلاء وقلت لهم: من تقصدون بفراخ الخلف فإنهم يقولون: ذلك الذي يقول كيت وكيت فإذا قلت لهم: الغزالي والنووي والسيوطي وابن الجوزي وأمثالهم يقولون بهذا الكلام، فإنهم عندئذ يصرحون، ولو أنك تأملت كلام هؤلاء لوجدت أنهم بقدر ما يوافقون على الاجتهاد والتجديد يحاربون أهل الاجتهاد والتجديد على مر العصور وإنما يدافعون عن هذه الأمور ليصلوا بالناس إلى نتيجة هي أنهم هم المجتهدون وهم الأئمة فسلموا لنا. ويكفيني لتعرف غلو هؤلاء أن تقرأ كلامهم عن الجنيد وتقارنه بما قاله أعلام العلماء ممن لا يتهمون كالذهبي وابن كثير فهذان لا يتهمهما إلا ظالم جائر غال، قال بعض المتهجمين:

(إن التصوف يشتمل على أساس التقية دون أن يعلن ذلك على الملأ وذلك حين بدأ يتخذ سبيله إلىعقائد دونها قطع الرقاب فقد كان الجنيد عاملاً بالتقية...).

(وأما اتهامهم للقائلين بالعقائد الضالة بأنهم زنادقة فليس كما يتوهم بعض المسلمين أنهم تبرؤوا منها ومن أصحابها بل هو مدح لهم واعتزاز بمواقفهم وهو تطبيق واقع للتقية فهذا الجنيد يحدثنا عن ذلك...).

(وآخرون قالوا: إن شيوخ التصوف الذين ذكرتهم أسندوا الحديث ووثقهم علماء الجرح والتعديل ومثال ذلك إبراهيم بن أدهم والجنيد، إن هذه المقولة التي تضع بيننا وبين الحقيقة ستاراً كثيفاً من الشك سرعان ما يذوب ويتلاشى أمام نور الحقيقة...).

"لقد فرق جمهور علماء الحديث بين المبتدع الداعية والمبتدع غير الداعية... إذا علمنا هذه القاعدة المهمة والتي سار عليها علماء الحديث يتضح لنا لماذا أخرج هؤلاء العلماء لهؤلاء المتصوفة ورووا عنهم وقد مر معنا أن الجنيد كان يستتر بالفقه حتى مات....."

"لذلك سارع السذج من المسلمين وعامة المقلدين إلى الصوفيين ليتعلموا العلوم بسرعة البرق... وهذا الأمر تتضح صحته وتظهر أدلته إذا عدنا إلى التاريخ واستقرأنا حياة المتصوفة... الجنيد بن محمد: فارسي من نهاوند توفي عام 297 هـ وهو من أئمة القوم ويسمى سيد الطائفة وقد كان فقيهاً على مذهب أبي ثور...."

"ولو استقصينا سيرة أعلام التصوف لوجدناهم ينتسبون إل مذهب من المذاهب الأربعة..." هذا بعض الكلام الذي قاله هؤلاء في الجنيد، قارن كلامهم عن الجنيد بما ترجم له الذهبي وابن كثير لتعلم أن كلام هؤلاء سم يجب أن يتحاشى، وأن دورهم في المجتمع الإسلامي دور المشوّش الذي لا يعرف كيف يبني ويحاول أن يهدم كل بناء. قال الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمته للجنيد / المجلد 14 ص 66 من طبعة الرسالة:

الجنيد

ابن محمد بن الجنيد النهاوندي ثم البغدادي القواريري، والده الخزاز. هو شيخ الصوفية، ولد سنة نيف وعشرين ومئتين، وتفقه على أبي ثور، وسمع من السّري السقطي وصحبه، ومن الحسن بن عرفة، وصحب أيضاً الحارث المحاسبي، وأبا حمزة البغدادي، وأتقن العلم، ثم أقبل على شأنه، وتأله وتعبد، ونطق بالحكمة، وقل ما روى. حدث عنه: جعفر الخلدي، وأبو محمد الجريري، وأبو بكر الشبلي، ومحمد ابن علي بن حبيش، وعبد الواحد بن علوان، وعدّة.

قال ابن المنادي: سمع الكثير، وشاهد الصالحين، وأهل المعرفة، ورزق الذكاء وصواب الجواب. لم يُرَ في زمانه مثله في عفة وعزوف عن الدنيا. قيل لي: إنه قال مرة: كنت أفتي في حلقة أبي ثور الكلبي ولي عشرون سنة. وقال أحمد بن عطاء: كان الجنيد يفتي في حلقة أبي ثور. عن الجنيد قال: ما أخرج الله إلى الأرض علماً وجعل للخلق إليه سبيلاً، إلا وقد جعل لي فيه حظاً. وقيل: إنه كان في سوقه وورده كل يوم ثلاث مئة ركعة، وكذا كذا ألف تسبيحة. أبو نعيم حدثنا علي بن هارون وآخر قالا: سمعنا الجنيد غير مرة يقول: علمنا مضبوط بالكتاب والسنة من لم يحفظ الكتاب، ويكتب الحديث، ولم يتفقه. قال عبد الواحد بن علوان: سمعت الجنيد يقول: علمنا – يعني التصوف – مشبك بحديث رسول الله.

وعن أبي العباس بن سريج: أنه تكلم يوماً فعجبوا! فقال: ببركة مجالستي لأبي القاسم الجنيد. وعن أبي القاسم الكعبي أنه قال مرة: رأيت لكم شيخاً ببغداد، يقال له الجنيد، م رأت عيناي مثله! كان الكتبة – يعني البلغاء – يحضرونه لألفاظه، والفلاسفة يحضرونه لدقة معانيه، والمتكلمون يحضرونه لزمام علمه، وكلامه بائن عن فهمهم وعلمهم. قال الخلدي: لم نر في شيوخنا من اجتمع له علمٌ وحال غير الجنيد. كانت له حالٌ خطيرة، وعلمٌ غزير، إذا رأيت حاله رجحته على علمه، وإذا تكلم رجحت علمه على حاله.

أبو سهل الصعلوكي: سمعت أبا محمد المرتعش يقول: قال الجنيد: كنت بين يدي السري ألعب وأنا ابن سبع سنين، فتكلموا في الشكر، فقال: يا غلام ما الشكر؟ قلت: أن لا يعصى الله بنعمه، فقال: أخشى أن يكون حظك من الله لسانك. قال الجنيد: فلا أزال أبكي على قوله.

السلمي حدثنا جدّي ابن نجيد قال: كان الجنيد يفتح حانوته ويدخل، فيسبل الستر ويصلي أربع مئة ركعة.

وعنه قال: أعلى الكبر أن ترى نفسك، وأدناه أن تخطر ببالك – يعني نفسك. أبو جعفر الفرغاني: سمعت الجنيد يقول: أقل ما في الكلام هيبة الرب جل جلاله من القلب، والقلب إذا عري من الهيبة عري من الإيمان. قيل: كان نقش خاتم الجنيد: إن كنت تأملُه فلا تأمنه.

وعنه: من خالفت إشارته معاملته، فهو مدّع كذاب. وعنه: سألت الله أن لا يعذبني بكلامي وربما وقع في نفسي: أن زعيم القوم أرذلهم. وعنه: أعطي أهل بغداد الشطح والعبارة وأهل خراسان القلب والسخاء، وأهل البصرة الزهد والقناعة، وأهل الشام الحلم والسلامة، وأهل الحجاز الصبر والإنابة.

قال أبو محمد الجريري: سمعت الجنيد يقول: ما أخذنا التصوف عن القال والقيل، بل عن الجوع، وترك الدنيان وقطع المألوفات. قال الذهبي: هذا حسن، ومراده: قطع أكثر المألوفات، وتركُ فضول الدنيا، وجوع بلا إفراط. أما من بالغ في الجوع كما يفعله الرهبان، ورفض سائر الدنيا، ومألوفات النفس، من الغذاء والنَّومِ والأهل، فقد عرّض نفسه لبلاء عريض، وربما خولط في عقله، وفاته بذلك كثير من الحنيفيّة السمحة، وقد جعل الله لكل شيء قدراً، والسعادة في متابعة السنن، فزن الأمور بالعدل، وصم وأفطر، ونم وقم، والزم الورع في القوت، وارض بما قسم الله لك، واصمت إلا من خير، فرحمة الله على الجنيد، وأين مثل الجنيد في علمه وحاله؟. قال ابن نجيد: ثلاثة لا رابع لهم، الجنيد ببغداد، وأبو عثمان بنيسابور، وأبو عبد الله بن الجلاء بالشام. وقال ابن كثير رحمه الله الجنيد بن محمد بن الجنيد:

أبو القاسم الخزاز، ويقال له القواريري، أصله من نهاوند، ولد ببغداد ونشأ بها، وسمع الحديث من الحسين بن عرفة. وتفقه بأبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، وكان يفتي بحضرته وعمره عشرون سنة، وقد ذكرناه في طبقات الشافعية، واشتهر بصحبة الحارث المحاسبي، وخاله سري السقطي، ولازم التعبد، ففتح الله عليه بسبب ذلك علوماً كثيرة، وتكلم على طريقة الصوفية، وكان ورده في كل يوم ثلثمائة ركعة، وثلاثين ألف تسبيحة، ومكث أربعين سنة لا يأوي إلى فراش، فتح عليه من العلم النافع والعمل الصالح بأمور لم تحصل لغيره في زمانه، وكان يعرف سائر فنون العلم، وإذا أخذ فيها لم يكن له فيها وقفة ولا كبوة، حتى كان يقول في المسألة الواحدة وجوهاً كثيرة لم تخطر للعلماء ببال، وكذلك في التصوف وغيره. ولما حضرته الوفاة جعل يصلي ويتلو القرآن، فقيل له: لو رفقت بنفسك في مثل هذا الحال؟ فقال: لا أحد أحوج إلى ذلك مني الآن، وهذا أوان طيّ صحيفتي، قال ابن خلكان: أخذ الفقه عن أبي ثور ويقال: كان يتفقه على مذهب سفيان الثوري، وكان ابن سريج يصحبه ويلازمه، وربما استفاد منه أشياء في الفقه لم تخطر له ببال، ويقال: إنه سأله مرة عن مسألة.

فأجابه فيها بجوابات كثيرة، فقال: يا أبا القاسم لم أكن أعرف فيها سوى ثلاثة أجوبة مما ذكرت، فأعدها عليّ. فأعادها بجوابات أخرى غير ذلك، فقال له: لم أسمع بمثل هذا فأمله عليّ حتى أكتبه. فقال الجنيد: لئن كنت أجريه فأنا أمليه، أي إن الله هو الذي يجري ذلك على قلبي وينطق به لساني، وليس هذا مستفاد من كتب ولا من تعلم، وإنما هذا من فضل الله عز وجل يلهمنيه ويجريه على لساني. فقال: فمن أين استفدت هذا العلم؟ قال: من جلوسي بين يدي الله أربعين سنة والصحيح أنه كان على مذهب سفيان الثوري وطريقه والله أعلم.

وسئل الجنيد عن العارف؟ فقال: من نطق عن سرك وأنت ساكت. وقال: مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في مذهبنا وطريقتنا. ورأة بعضهم معه مسبحة فقال له: أنت مع شرفك تتخذ مسبحة؟ فقال: طريق وصلت به إلى الله لا أفارقه. وقال له خاله السري: تكلم على الناس. فلم ير نفسه موضعاً.

فرأى في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: فتكلم على الناس. فغدا على خاله فقال له: لم تسمع مني حتى قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فتكلم على الناس، فجاءه يوماً شاب نصراني في صورة مسلم، فقال له: يا أبا القاسم ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله"؟ فأطرق الجنيد، ثم رفع رأسه إليه وقال: أسلم فقد آن لك أن تسلم: قال فأسلم الغلام" البداية والنهاية مجلد /11/113 – 114.

س14- أنكر عليك بعضهم تركيزك على تسمية التصوف علماً وعلى بعض كلامك في هذا الشأن؟

جـ14- إن من قرأ كتابي (تربيتنا الروحية) واطلع على ما يقوله هؤلاء يعرف أنهم ظالمون في الإنكار، ومن اطلع على كتابي (جولات في الفقهين الكبير والأكبر) أدرك أن هؤلاء ظالمون في إنكارهم عليّ دعوتي لدراسة العقائد والفقه والتصوف، ولذلك فإنني أحيل القارئ إلى هذين الكتابين ثم هو يحكم بنفسه، والنقطة الوحيدة التي دندنوا حولها كثيراً هي ذكرى لما يجري على يد أبناء الطريقة الرفاعية من خارقات، فهم يعتبرونها سحراً وأنا لا أعتبرها كذلك، ولم أذكر هذا الموضوع لتأييد تصوف، وإنما ذكرته كشيء يفيد في الرد على من أنكر معجزات الأنبياء في عصر أصبح لنشر الفكر المادي مؤساته، وكنت قد طلبت من شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز أن يرسل لنا ملاحظاته على الكتاب ووعدته أن أنشرها في أول طبعة لاحقة، ليرى المسلم الرأي والرأي الآخر، كما ذكرت له وجهة نظري في تأليفي للكتاب، وإذا تركت التشويش والتهويش فإنك لا تجد أحداً تقدم بنقد واضح على نقطة من نقط الكتاب، بل يحملني بعضهم مالا أقول ويهاجمني على ضوء ذلك أو يهاجمني على شيء لا تقوم به حجّة.

أمّا اسم التصوف فإنني لا أرى الحساسية منه، والعبرة بالمضمون، وفي كتابي (تربيتنا الروحية) شدة على انحرافات المنحرفين من أهل التصوف، وكنت أتعجب من بعض الناس أنهم يهاجمون ما أهاجم، ولكنهم يوردون ذلك في سياق يفهم منه أنني أقول بما يهاجمونه فالمشتكى إلى الله. وبمناسبة ما يجري على يد أهل الطريقة الرفاعية ذكرت هناك أن رأيي في هذا الموضوع هو رأي الفقهاء لكني لا أعتبر ما يجري على يدهم من باب السحر وطالبت بعض المسلمين أن يندبوا أنفسهم لدراسة هذه الظاهرة فهي ظاهرة جديرة بالتأمل، وأنا أعتبر ما يجري على يد فساقهم استدراج ولكنه في الوقت نفسه نوع كرامة للشيخ الأول، وهذه محاولة مني لتفسير ظاهرة تعتبر من أغرب ظواهر العالم، ومن هاجمهم من العلماء ليس معصوماً، إنني أدعو إلى التحقيق في هذا الموضوع فإذا كانت مجرد الدعوة إلى التحقيق في شأن فيه اختلاف كثير يعتبر خطأ فإنني لا أرى ذلك، دعنا نحقق لإنقاذ الذين لا زالوا يؤمنون بما عليه هؤلاء ومن يحسن الظن بهم على الأقل؟ والذي دعاني إلى فتح باب التحقيق أن زميلين لنا من مدرّسي التربية الإسلامية اجتمعت لهما نزعة عقلانية ويغلب على أحدهما الطابع السلفي تابعا هذا الشأن فخرجا بنتائج أقلّها أن هذا لا يمكن أن يكون سحراً وقد استشهد أحدهما ولا زال الآخر حيّاً، إن فتح باب التحقيق في هذا الشأن قد يوصلنا إلى أشياء جديدة.

س15- أنكر عليك بعضهم دعوتك إلى التفقه على مذهب إمام من الأئمة فما الرأي في هذا؟

جـ15- إن هذا ليس إنكاراً عليّ، بل هو إنكار على ملايين العلماء من هذه الأمة، ولو أنّك تأمّلت لعرفت قمية هذا الإنكار، دعني أفترض أن أصحاب المذاهب مؤلفون إسلاميون عاديون، ودعني أعتبر أن من خدم مذاهبهم من هذا القبيل، فهل يحرم على أحد أن يقرأ كتاباً من هذه الكتب، وإذا وثق بدقة المأخذ فهل عليه حرج إذا تابع من وثق بدينه وعلمه؟ ودعك ممّن يزعم أن هؤلاء ساروا في طريق والدليل كان في طريق آخر؟ فهذا إتهام لهؤلاء في ديانتهم، وعلى كل فقد ناقشت هذه المسائل كلها في كتابي (جولات)، وظنّي أن المنصف لا يسعه إلا أن يسلم بما ذكرته هناك.

لقد تحدث بعضهم في هذه الشؤون موهماً وكأنني مختلف مع الذين يأخذون بالحديث الصحيح إذا خالف مذهب إمام، وناقشني وكأنني أدعو إلى مذهبية مغلقة، بينما أنا أدعو إلى قراءة السنة وشروحها وتحقيق العلماء وأدعو إلى دراسة كتب الفقه، ومن الذي يحرم على الإنسان أن يقرأ لأبي حنيفة أو الشافعي أو مالك أو أحمد ومن يدّعي أن من سار على فتوى هؤلاء فإنه ضال مضل؟ إلا أن من يدّعي مثل هذه الدعوة عليه أن يراجع نفسه. لقد اشتد بعضهم على دعوتي إلى التفقه على مذاهب الأئمة، وكأنني أدعو إلى التفقه على كارل ماركس ولينين، ياهذا أترى أنّه يجوز للناس أن يقرأوا كتبك ويأخذوا بما فيها ولا يجوز لهم أن يقرأوا فقه أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وأن يأخذوا بما فيه، فإن قلت أنا لا أقول بلا دليل، فكأنّك اتهمتهم وزكيت نفسك، وإن قلت أنا أنكر على التفقه على كتب تلامذتهم وأبناء مدارسهم فاعلم أن ابن حجر شافعي والنووي شافعي والطحاوي حنفي والزيلعي حنفي والعيني حنفي وأي واحد من هؤلاء لا ترقى إلى بعض شأنه.

إنه من المعروف أن أخذ الإمام المجتهد بحديث يعتبر تحسيناً للحديث وتقوية له، ولقد ذكرت هذا في بعض كتبي وأشرت إلى أن بعض الأحاديث التي أخذ بها الأئمة ولم تصلنا من طريق صحيح أو حسن لا تؤثر على أصل توجه الإمام، فهناك احتمال أن بعض العلم قد فاتنا أو لازال مدفوناً. وأنا أسأل حتى طبع صحيح ابن خزيمة وعثر عليه، ومتى طبع معجم الطبراني الكبير وأين مسند بقي بن مخلد وإنما أذكر ذلك في قضية توثيقها منها، وإنما أحتمل زيادة التوثيق مع أن ما اتجه إليه الأئمة كلّه مناقش ومحرّز ولهم في توجهاتهم أعذارهم وحتى عندما يتركون حديثاً صحيحاً من جهة السند على أنني أفتح الباب واسعاً أمام الأخذ من أقوال أهل الحديث، كما أدعو إلى العمل بالحديث الصحيح إذا قال به إمام ولو خالف المذهب. فهذا نوع من الهجوم الظالم الذي يحاول صاحبه أن يوهم الناس أن فلاناً يقول بكذا ويهاجمه فيه وهو أبعد الناس عنه، كما تهجم بعضهم عليّ، بسبب أنني أدعو إلى دراسة علم العقائد، وينقل بهذه المناسبة ذم العلماء لعلم الكلام والذي يعرفه العام والخاص، إن دعوتي لعلم العقائد غير الدعوة إلى علم الكلام المذموم، ومن العجيب أن يهاجمني بذلك ويهاجم الإخوان المسلمين بأنهم لا يركزون على العقائد.

س16- لقد أشرت إلى علم المنطق ودعوت إلى دراسات فيه فأخذ عليك بعضهم ذلك لما ورد من ذم العلماء لهذا العلم، فما جوابكم؟

جـ16- أقول: إن قسماً كبيراً من المعرفة البشرية الحالية للمنطق دخلٌ فيها، فمعرفة قوانين الكون وتقدم علم الرياضيات إنما هما أثران عن الاستنتاج والاستقراء، ولكل من الاستنتاج والاستقراء ضوابط، ومحل هذين العلمين هو كتب المنطق الاستقرائي والاستنتاجي، فأن تستنكر دراسة أصول المعرفة وضوابط المعرفة الكونية، وأن تستنكر معرفة قوانين العقل والمعرفة العقلية فذلك نوع من البعد عن الزمان والمكان، هناك المنطق الجدلي وهو مذموم، وهناك المنطق السوفسطائي وهو مذموم، وهناك تحكيم الألفاظ المنطقية في الحقائق وذلك مذموم، وهناك المنطق المزخرف لإبطال حقيقة أو حجة أو معنى صحيح وهو مذموم، أما المنطق الذي تعرف به الحكم العقلي أو الحكم العادي فلا حرج فيه، وهذا هو الحد الذي أرى أن يكون لبعض الدارسين دراسة فيه.

س17- هاجمك بعضهم لدعوتك أن يتخذ الإنسان مربياً مرشداً فما رأيك؟

جـ17- هؤلاء المهاجمون استغلوا هذه المناسبة فهاجموا أفكاراً لم أذكرها ولم أتعرض لها بل ذكرت ما ينقضها، وإن هذا الهجوم لظالم فلم يزل المسلمون كابراً عن كابر يتتلمذون على أهل العلم والفضل والتربية دون نكير، ولقد هاجم هؤلاء حسن البنا بهذه المناسبة على شيء لا يمكن أن يكون مأخذاً، فالتربية على التقوى والطاعة سنة المرسلين "فاتقوا الله وأطيعون" فأن يربي الأستاذ البنا حملة الإسلام على التقوي والطاعة للقيادة الراشدة فأي حرج في هذا، أما ذكر التصوف من قبل الأستاذ البنا فله في ذلك أسوة بملايين العلماء الذين لا يتحسسون من ذكر اسم التصوف.

س18- هاجمك بعضهم على تأكيدك صعوبة وجود المجتهد المطلق فما رأيكم؟

جـ18- ما أظن أن عاقلاً يشك في أن وجود المجتهد المطلق من الصعوبة بالمكان العظيم، وحتّى هؤلاء الذين هاجموني في ذلك أشاروا إلى أنواع من الاجتهاد في سياق ذلك موهمين أنني أنكرها مع أنني في الأبواب التي ذكروها أفتح باب على مصراعية بل إن الأستاذ البنا – وقد حاولت أن أدافع عن كلامه – يرى التدرج العلمي ليصل المسلم إلى أن يكون من أهل النظر ولكن بعد أن يتفقه على مذهب إمام ويتعرف على أدلة إمامه، فإذا كان الهدف هو الوصول إلى الاجتهاد فكيف يزعم أنني أغلق باب الاجتهاد، ولكني أقول مع العلماء: إنّ من ادعى منصب الاجتهاد وليس أهلاً له فإنه ضال مضل، لأنه على شفا تحريم الحلال وتحليل الحرام.

س19- اعترض عليك بعضهم أنك نسبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم القول: (لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذو الفضل) وقال: والذي عليه أهل العلم بالحديث الشريف أن هذا الحديث موضوع ولا تصح نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فمن أين أتى به الأستاذ، أم أنها قلة الزاد في علم الحديث؟

جـ19- أقول: وهذا الكلام نموذج على التسرع في الإنكار علينا دون مبرر، فلقد ذكر السخاوي هذا الحديث في المقاصد الحسنة، وذكر أن ابن عساكر قد رواه عن ثلاثة من الصحابة كما ذكره غيره، والحديث وإن كانت كل رواية من رواياته ضعيفة فإن معناه صحيح، كما ذكر السخاوي. قال السخاوي رحمه الله:

"212 – إنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذو الفضل، العسكري في الأمثال، والخلعي في تاسع فوائده واللفظ لأولهما من طريق محمد بن زكريا الغلابي حدثنا العباس بن بكار حدثنا عبد الله بن المثنى عن عمه ثمامة عن أنس قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد إذ أقبل عليّ فسلم، ثم وقف ينظر موضعاً يجلس فيه، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم في وجوه أصحابه أيهم يوسع له وكان أبو بكر رضي الله عنه عن يمينه فتزحزح له عن مجلسه وقال: ههنا يا أبا الحسن، فجلس بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أبي بكر، فعرف السرور في وجه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: يا أبا بكر، إنما يعرف وذكره، وهو عند الديلمي في مسنده من جهة حسين بن الفضل حدثنا مأمون بن سعيد بن يوسف حدثنا سليمان عن سليم عن أبي سعيد رفعه: يا أبا بكر إنما يعرف الفضل لذوي الفضل أهل الفضل وفي ترجمة العباس من تاريخ دمشق من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان جالساً مع أصحابه وبجنبه أبو بكر وعمر فأقبل العباس فأوسع له أبو بكر فجلس بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أبي بكر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم وذكره وهما ضعيفان ومعناه صحيح، ولا يخدش في إجماع المسلمين على تقديم أبي بكر وفضله على سائر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين."

س20- لقد أنكر عليك بعضهم أنك ذكرت كتاب / مراقي الفلاح / في فقه العبادات عند الحنفية مشيراً به على من أراد التفقه في فقه الحنفية بحجة أن في هذا الكتاب سقطة ذوقية علمية فما الجواب؟

جـ20- ترى هل هناك كتاب في العالم بعد كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إلا وعليه ملاحظات، فإذا كان الأمر كذلك فمن الغوغائية أن يقال انظروا إلى هذه السقطة في ذلك الكتاب وانظروا أن فلاناً يدعو إليه، لقد حاولنا في كل ما كتبنا أن نضع بيد المسلم ميزاناً دقيقاً ليأخذ العلم وهو يزن ما يأخذه على ضوء منهج محدد، وعلى ضوء ذلك نشير بكتاب، مع أننا ذكرنا أن في كتب المتأخرين بعض الدخن كما طالبنا بكتابة جديدة في كل علم، وأما كتاب مراقي الفلاح فهو متوفر في الأسواق، ومجموع المسائل التي تعرض لها في فقه الصلاة خاصة ندر أن تجدها في كتاب ميسر، أما أن الكتاب فيه مسائل لم يهضمها ذوق بعضهم فالمسألة ترجع إلى فهم قضية الفقه أصلاً، فالفقه مهمته التفصيل لدقائق حياتية، ومهمته الإجابة على التساؤلات الكثيرة والافتراضات المحتملة، وكنت قد ذكرت حكمة ذلك في كتابي / جولات / ومسائل الحياة فيها الشاذّ وفيها وفيها، فإذا ما توسع الفقيه في التفصيل فلا حرج عليه، ومَنْ مِنَ البشر لا يزيد أو ينقص عن الحد اللازم، فمن يريد أن يسقط كتب أهل العلم بسبب مسألة لا تناسب ذوقه، أو بسبب مسألة لم ير فيها حاجة إلى التفصيل، أو حتّى بسبب مسألة غلط فيها المؤلف، وقد تكون مدسوسة عليه فكأنه يريد أن يسقط الكتب كلها ماعدا كتاب الله، لأنه لا يوجد كتاب لمؤلف إلا ويمكن أن يوجد فيه شيء من ذلك. {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً} [النساء: 82]. لا شك أن المسألة التي ذكرها صاحب مراقي الفلاح ليست مناسبة ولكن لا أرى أن تسقط الكتاب بسبب ذلك.



الباب الرابع : دفاع خجل

مقدمة:

تهجم بعض الناس على كتبي هجوماً شديداً ممّا اقتضاني أن أذكر شيئاً عن الأسباب التي أدت بي إلى كتابة ما كتبت:

إنني أعتبر أن نقطة البداية في استقامة الإنسان وفي النهوض بالأمة هي الثقافة ومن ههنا انصب تفكيري منذ مرحلة مبكّرة في حياتي على التفكير في المناهج الثقافية للمسلم المعاصر، وقد كان الكثيرون من أبناء الحركة الإسلامية ينادون بضرورة وجود "منهج" لكن هذه الكلمة كانت تأخذ طابعاً غائماً غير واضح فبعضهم كان يتكلم عن المنهج ويريد به المناهج العلمية التي ينبغي أن يأخذها كل مسلم ليعرف إسلامه ويحقّق فروض عينه ويحدّد طريقه، وبعضهم يعتبر المنهج هو الإطار الحركي الذي ينبغي أن تسير عليه الحركة الإسلامية لتحقيق أهدافها وبعضهم يتحدث عن المنهج ويريد به وجهات نظر الحركة الإسلامية في صياغتها للحياة المعاصرة وفي خضم.

هذه الفهوم لقضية المنهج يبقى هناك شعور عام بأن الحركة الإسلامية تحتاج إلى منهاج، وتجد الناس من ههنا وههنا كل يقول: نريد منهجاً، ومن ههنا اتجهت همتي لتحقيق هذا المطلب المهم، فحاولت أن أوجد منهجاً يحقق الهدف الدراسي لكل مسلم، ويحقق بآن واحد في طيّاته التعرّف على منهج الحركة للعاملين في الإسلام، والمنج الذي يريده أبناء الإسلام للتطبيق، وعلى ضوء ذلك كانت كتاباتنا ومؤلفاتنا، وإذ كان الكثير المطلوب موجوداً فقد اتجهت للاستفادة من الموجود وصياغة المفقود. كنت أرى أن المسلم المعاصر يحتاج إلى ثقافة إسلامية متوارثة، وثقافة معاصرة، ويحتاج إلى تكامل في سلوكياته وأخلاقياته، ويحتاج إلى تركيز على قضايا القلب والروح، وكأثر عن ذلك اتجهت إلى أن تكون كتاباتي مراعية ذلك. لقد كتب الكثير في الثقافة المتوارثة وما على الإنسان إلا أن يختار وجاءت الدراسات الإسلامية المعاصرة مكملة، وكانت هناك نقاط بحاجة إلى تركيز ومن ههنا اقتضى وضع العصر التركيز على الإيمان بالله والإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم وشرح الإسلام وشرح أنظمته، فنظام يقابل نظاماً، فهناك النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي والاعتقادي ونظام العبادات، فهذه الأمور اقتضاها وضع العصر والإسلام يكافح، ومن ههنا قلنا:

إنه لا بد من ثقافة إسلامية متوارثة وثقافة معاصرة وكأثر عن استقراءاتي وتجربتي فقد أصبحت أرى أنه من الناحية الثقافية يحتاج المسلم المعاصر إلى أن يلمّ بثلاث عشرة وحدة دراسية وقد حاولت أن أكتب في كل ما أعتبره احتياجاً لابد منه ولي فيه نظرة خاصة. وهذه الوحدات الدراسية التي أرى ضرورتها وخاصة للذين يتصدرون للدعوة والقيادة هي:

أولاً: كتب الإسلاميين المعاصرين والمجلات الإسلامية المعاصرة.

ثانياً: ثقافة وأخلاق الربانيين جنداً وقادة.. وقد كتبت في ذلك. جند الله ثقافة وأخلاقاً، من أجل خطورة إلى الأمام، جولات في الفقهين الكبير والأكبر، في آفاق التعاليم، كي لا نمضي بعيداً عن احتياجات العصر.

ثالثاً: الأصول الثلاثة. وقد كتبت في ذلك الكتب التالية: الله جل جلاله، الرسول، الإسلام.

رابعاً: علوم القرآن، وتلاوته، ومعرفة مفرداته، والكتب في هذا كثيرة ولذلك لم أكتب فيها شيئاً.

خامساً: علوم الحديث والتعرّف على مكتبته والكتب في هذا كثيرة ولذلك لم أشأ أن أكتب فيه ولكنني كتبت في السنّة كما سأعرض.

سادساً: علوم اللغة العربية والكتب في ذلك كثيرة ولذلك لم أشأ أن أكتب في هذا.

سابعاً: أصول الفقه والكتب في هذا كثيرة فلم أشأ أن أكتب فيه.

ثامناً: الفقه والكتب فيه كثيرة فلم أشأ أن أكتب فيه.

تاسعاً: العقائد والكتب فيها كثيرة فلم أشأ أن أكتب في ذلك.

عاشراً: التصوّف والكتب المحررة التي تناسب العصر فيه قليلة لذلك كتبت فيه الكتب التالية:

تربيتنا الروحية، المستخلص في تزكية الأنفس، مذكّرات في منازل الصدّيقين.

حادي عشر: فقه الدعوة، وقد كتبت فيه: المدخل، دروس في العمل الإسلامي.

وأنصح فيه بدراسة مذكّرات حسن البنا ورسائله، ولي مذكرات هي خلاصة تجربتي سأنشرها إن شاء الله تعالى.

ثاني عشر: المنهج، وهو معرفة الكتاب والسنة، وقواعد المعرفة وضوابط الفهم للنصوص، وقد كتبت فيه الكتب التالية: الأساس في التفسير، الأساس في السنة وفقهها. الأساس في قواعد المعرفة وضوابط الفهم للنصوص.

ثالث عشر: التاريخ وسأكتب فيه الوجيز في التاريخ الإسلامي واستقراءات أحداثه، وإنني أرى أن كل مسلم يحتاج إلى أن يأخذ حظّه التدريجي من هذه الوحدات الدراسية، ولتنظيم هذا المعنى كتبت رسالة إحياء الربانية ودعوت إلى إنشاء جمعيات الربانية وما تستتبعه من مؤسسات لتنظيم إيصال هذه الثقافة وإيجاد الأجواء التي تساعد على إيصال الأخلاقية الربانية والحياة الروحية والقلبية لكل مسلم.

وإذا اتضح هذا أكون قد أجبت علمياً على الكلام الذي ألقاه بعضهم حول كتبي والذي أجيب عليه من خلال إجابتي على الأسئلة اللاحقة.

س21- هل الكتابة عندك تجارة أو مبادرة؟ وهل تنطلق في التأليف من خلال نظرية أو من خلال عشوائية؟

جـ21- لولا أن بعض الناس ذكروا التجارة لما كان يصح أن أتكلم، أما وقد ذكرها بعضهم فإن المعروف أنني حاولت ألا أدخل جيبي قرشاً واحداً من ريع التأليف وقد استمررت على ذلك حتى قطع راتبي ولم يبق لي مصدر رزق فعندئذ بدأت آخذ من ريع كتبي، وإخواني يعلمون أنّ طريقي في الحياة ألاّ أكنز مالاً بفضل الله، أمّا مؤلفاتي فجميعها بفضل الله تنبثق عن نظرية متكاملة. لقد تقدمت للإخوان المسلمين في سورية بمشروع لنظرية تربوية ثقافية في عام 1946 وقد أجمعت الجماعة على قبولها وقتذاك بمؤسساتها كلها وكلفني أن أضع هذا المشروع موضع التنفيذ وكل كتاباتي بعد كانت أثراً عن ذلك. لقد انطلقت في التأليف من خلال نظرية تلحظ احتياجات المسلم في هذا العصر، وما من كتاب تقدمت به أو سأتقدّم إلا وله محله في هذه النظرية، ولذلك فإنني أعتبر كل كتاب طرحته أو سأطرحه يشكل احتياجاً من احتياجات العصر، ولا يعني هذا أنه كل ما يحتاجه المسلم، ولكن عادتي ألا أعمل في مشروع كتاب إلا إذا وجدت ضرورة لذلك.

س22- ماذا أنجزت؟ وماذا تعمل؟ وما محل كل من كتبك في النظرية الثقافية التربوية التي يحتاجها العصر؟

جـ22- لقد أنجزت سلسلة الأصول الثلاثة (الله) (الرسول) (الإسلام) وهي مادة رئيسية في الثقافة الإسلامية المعاصرة فالمسلم بحاجة إلى أن يتعرف على أدلة وجود الله وعلى إيجابيات الاعتقاد الإسلامي في باب الألوهية، كما أنه بحاجة إلى معرفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومعرفة بأدلة رسالته، وهو كذلك بحاجة إلى أن يعرف الإسلام عقيدة وعبادة ومناهج حياة ومؤيدات وهذا الذي أبرزته في سلسلة الأصول الثلاثة، ولا أعرف أنه يوجد في المكتبة الإسلامية مثلها، ولقد عملت فيها على أساس أخذ الموجود واستكمال المفقود، فيها أبحاث أخذتها من غيري وفيها الكثير الذي كتبته، ولقد شكلت من الجميع عقداً من اللؤلؤ تحتاجه المكتبة الإسلامية، وقد استفدت في كتاب (الله جل جلاله) من أهم الكتب العلمية التي كانت موجودة في السوق من مثل (قصة الإيمان) لنديم الجسر و (مصير البشرية) لليكوثت دي نوي و (الله يتجلّى في عصر العلم) لمجموعة من علماء الكون و (العلم يدعو إلى الإيمان) لكريسي موريسون و (الله والعلم الحديث) لعبد الرزاق نوفل (الله) لعباس العقاد و (مع الله في السماء) لأحمد زكي، وغير ذلك من المؤلفين المحدثين، ومزجت هذا مع كلام الإسلاميين من قدامى المؤلفين ونقلت بعد ذلك نقولاً عزوتها لأصحابها وأمّا كتابي (الرسول) و (الإسلام) فكل نقل فيهما قد عزوته لأصحابه، وقديماً كان بعض المؤلفين يجمع بين كتابين أو أكثر أو يكتفي بالاختصار ومع ذلك لا يسأل لماذا فعلت؟ إذا كان فعله فيه مزيد فائدة، أليس عجباً أن يوجد ناس يقولون لماذا ألفت هذه السلسلة.

ولقد أنجزت كتاب (تربيتنا الروحية) و (المستخلص في تزكية الأنفس) وأنا الآن أعمل في كتاب (مذكرات في منازل الصدّيقين) ومحل هذه الكتب الثلاثة يأتي في فقرة السلوك إلى الله وتزكية الأنفس، ومن قرأ الكتب الثلاثة عرف أنه لا يوجد لها مثيل في المكتبة الإسلامية المعاصرة في كونها ركزت وأكدت وحررت هذا العلم حتى غدا صافياً محرراً على الأصول العلمية والفقهية.

ولقد أنجزت كتاب جولات في الفقهين الكبير والأكبر وأعتبره من أقوى كتب العصر وهو يصلح أن يكون تمهيداً لدراسة أصول الفقه، والفقه، والعقائد، والتصوف، وعلوم اللغة العربية.

ولقد أنجزت: جند الله ثقافة وأخلاقاً، ومن أجل خطوة إلى الأمام والمدخل وفي آفاق التعاليم ودروس في العمل الإسلامي وكي لا نمضي بعيداً عن احتياجات العصر وفصول في الإمرة والأمير وظنّي أنه ما من كتاب من هذه الكتب إلا وله ميزة لا توجد في غيره من الكتب المطروحة في السوق هذا إذا كان لنا فيه مشارك.

ولقد أنجزت كتاب الأساس في التفسير وهو كتاب يطرح لأول مرة في تاريخ الأمة الإسلامية نظرية متكاملة في الوحدة القرآنية. وأنا الآن أعمل في كتاب (الأساس في السنة وفقهها) وسأعمل إن شاء الله في كتاب: قواعد المعرفة وضوابط الفهم للنصوص.

وعندي مشروع كتابة موجز للتاريخ الإسلامي مع استقراء أحداثه. وظني أن كل جهد بذلته كان أثراً عن رؤية متكاملة للنظرية الثقافية والتربوية المعاصرتين وأنه يشكل احتياجاً لثقافة المسلم المعاصر، ودعني من الذي ينكر علي أن أقدم شيئاً لعصري بحجة أنه لا جديد يحتاجه العصر.

س23- يلاحظ أنك تكرر بعض المعاني في كتبك فما السر في ذلك؟

جـ23- تتكرر بعض المعاني باختلاف السياق، وهذا القصص القرآني يتكرر بسبب من تعدد السياقات التي يرد بها، ومن ثم فإنني لا أعتبر مثل هذا التكرار مأخذاً، وأحياناً أكرر بعض المعاني لمناسبة تقتضيها، وأحياناً أكرر لمجرد التأكيد وخاصة في القضايا التي أصابها نسيان أو إهمال، وسأحاول في طبعة لاحقة لكتبنا أن أحذف من المكرر كل ما يمكن الاستغناء عنه إن شاء الله تعالى.


س24- نشرت مجلة سيارة كلمة ذكر فيها كاتبها: إن في كتابك (تربيتنا الروحية) ما يتنافى مع الإسلام الصحيح واستضعف كتابك (دروس في العمل الإسلامي).

جـ24- ليس لي حيلة أن يقول قائل ما يقول، وأتمنى على كل من يضع نفسه قاضياً وحاكماً أن يتأنى في الحكم، وأما أن في تربيتنا الروحية ما يتنافى مع الإسلام فستجد الجواب عليه في هذه الرسالة، وأما أن كتاب (دروس في العمل الإسلامي) ضعيف فأظن أن الكثيرين ممن قرأوه لا يشاركون الكاتب رأيه ولنا أعذارنا في أننا لم نتوسع، أما أنه يمكن أن يكون أحسن فما من كتاب بشري إلا ويمكن أن يكون أحسن، ولكن عذري الواضح أن موضوعات ذلك الكتاب تحتاج إلى التلميح أكثر مما تحتاج إلى تصريح وإلى إيجاز أكثر مما تحتاج إلى إطناب.

وأخيراً فقد قال قائلون:

إن هناك أقلاماً تستعد للهجوم عليك وألسنة قد انطلقت تهاجم ولا أقول إلا: {حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران] .

{ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين} [الأعراف: 89].

الأحد 1 صفر الخير 1404 هـ

6 تشرين الثاني 1983 م


.