الأيام الحاسمة وحصادها

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
حسن العشماوي

جانب من قصة العصر

الأيام الحاسمة وحصادها

الإهداء

إلى الذين عشت معهم – عن قرب وعلى البعد – في ظل هذه الدعوة .. التي كانت قصة العصر والتي ستظل قصة العصر – رغم الشهادة والسجن والتشريد .. !!

إلى الذين نالوا الشهادة في الطريق ... وإلى الذين طلبوها ولم يبلغوها ... !!!

إلى الذين ضمتهم السجون فصمدوا ..

وإلى الذين حاولوا فلم يستطيعوا إلا طاقتهم ... !

إلى الذين شردوا في الأرض فجعلوا من تشريدهم هجرة في سبيل الله، وظلوا على العهد أوفياء .. والذين شق عليهم الطريق فكان تشريدهم لجوءا .. !

إلى جيل بعدنا سيحمل هذه الأمانة ... ومن حقه علينا أن يعلم هذه القصة بما فيها من روائع وأخطار ، وإلا فقد خدعناه .. وخنا الأمانة.

إلى التاريخ ..

ذلك العملاق الذي يخشاه الجميع .. حتى واضعوه..

إلى هؤلاء جميعا أهدي جانبا عن قصة العصر ...

[حسن]

بسم الله الرحمن الرحيم

{فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم ، فقل: تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ، ونساءنا ونساءكم ، وأنفسنا وأنفسكم ، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين} [قرآن كريم – آل عمران: 61]   بسم الله الرحمن الرحيم

تقديم

كتب حسن العشماوي رحمه الله مذكراته السياسية تحت عنوان (جانب من قصة العصر) وجعلها من قسمين:

1. (حصاد الأيام أو مذكرات هارب) حكى فيها قصة الصراع بينه وبين أجهزة الحكم الناصري في مصر منذ فر هاربا من حملة الاعتقال والمحاكمات والتعذيب التي شنها عبد الناصر على الإخوان المسلمين ، حتى استطاع الخروج من مصر بعد قريب من ثلاث سنوات قضاها متنقلا من مكان إلى مكان في صعيد مصر وصحرائها.

2. (الأيام الحاسمة وحصادها) وفي هذا القسم من مذكراته أثبت حسن العشماوي جانبا من الجوانب في تاريخ مصر الحديث، ومن أكثرها خفاء حتى على أكثر الناس اطلاعا على الأحداث وتطوراتها.

هو ما ضمته محاصر بعض الاجتماعات السرية بين قادة الإخوان المسلمين وقادة الضباط الأحرار قبل وبعد القيام بحركة الجيش في 23 يوليو 1952.

وتبين هذه المحاضر كيف بدأت الصلة بين الإخوان المسلمين والضباط الأحرار، وكيف تطورت، وكيف انتهت إلى صدام بينهما دفعت ثمنه البلاد – خسارة فادحة لطائفة من أخلص أبنائها- ودفع ثمنه الإخوان المسلمون ، سجنا وتشريدا وتعذيبا .. بل وشهادة في سبيل ما آمنوا به.

وفي الفصل الأخير من هذا القسم (حصاد ما سلف) يحلل حسن العشماوي – في دقة المطلع على أدق الأسرار وأخفاها – مسيرة العلاقات بين الإخوان والثورة ، وسير الأحداث داخل تنظيمات الإخوان ذاتها منذ مقتل الإمام الشهيد حسن البنا في فبراير 1949 وحتى قيام الثورة في يوليو 1952.

ولعل من أخطر ما في هذا الفصل من مذكرات حسن العشماوي أنه يبين لأول مرة في تاريخ الإخوان المسلمين المكتوب كيفية اختيار المرشد العام المرحوم حسن الهضيبي لقيادة الجماعة خلفا للإمام الشهيد حسن البنا ، وأنه يحكي – نقلا عن جمال عبد الناصر نفسه- صلة عبد الناصر بالنظام الخاص – التنظيم العسكري للإخوان المسلمين- وبقائده السابق عبد الرحمن السندي ، وكيف استفاد عبد الناصر من صلته بهذا النظام داخل جماعة الإخوان وخارجها وداخل الجيش وخارجه في الإعداد لحركته وكسب الأعوان لها، واختيار أسلوبها في التعامل مع الأعداء والأنصار على حد سواء.

وقد عاجل الأجل المحتوم حسن العشماوي في دار هجرته قبل أن يتم كتابة هذا الفصل الأخير من مذكراته ، وبعد أن كتب جانبا من تحليل العلاقة بين النظام الخاص – بوضعه القديم – وبين المرشد الأستاذ حسن الهضيبي بنظرته الجديدة للأمور.

وقد قضت ظروف نشر مذكرات حسن العشماوي أن تنشر في جزءين أولهما يضم الجانب الأول من (قصة العصر) (حصاد الأيام أو مذكرات هارب) والثاني يضم الجانب الثاني منها ( الأيام الحاسمة وحصادها) وهو محاضر الاجتماعات السرية بين قادة الإخوان المسلمين وقادة الضباط الأحرار.

وإنا لنرجوا أن يكون في نشر هذه المذكرات كشفا عن جانب من تاريخ مصر .. ذلك التاريخ الذي يجب أن يعلمه الجميع.

[الناشر]

عشرة أيام وساعة الصفر

عبد القادر: قانوني – عضو جمعية 31 سنة.

صلاح: ضابط بوليس – عضو جمعية 34 سنة.

حسن: محام – عضو جمعية. 31 سنة.

صالح: ديبلوماسي – عضو جمعية 35 سنة.

جمال: ضابط جيش 35 سنة

عبد الحكيم: ضابط جيش 32 سنة.

كمال: ضابط جيش 32 سنة.

سالم: ضابط طيار 35سنة

سليمان: ضابط مدفعية 32 سنة.

المستشار: مستشار سابق – رئيس جمعية 60 سنة.

منير: قانوني – عضو جمعية 38سنة.

أنور: ضابط 35 سنة.

فريد: مدرس – عضو جمعية 34 سنة.

عبد المنعم: ضابط – عضو جمعية 36 سنة.

عبد الحي: ضابط – عضو جمعية 36سنة.

حسن: أستاذ جامعي – عضو جمعية 37 سنة.

عبد الرحمن: موظف حسابات – عضو جمعية 37 سنة.

عودة: قاض سابق – عضو جمعية 40سنة.

الفصل الأول

ثلاثة أيام سابقة ...!!!

اليوم الأول

18 يوليو1952 [بعد الغروب بقليل، غرفة استقبال واسعة بسيطة الأثاث، حوائطها بالمصيص الأبيض، بها عدد من الكراسي المزدوجة والمفردة، في جميع الجوانب ، منضدة مستطيلة في الوسط ، ومناضد مربعة في الأركان بين المقاعد. الجو حار كما هو الحال في مثل هذا الشهر من العام، والنوافذ مفتوحة يدخل منها نسيم ليالي القاهرة، ولكن شعور الجالسين بالحرارة يزيد وطأة بسبب الجو المشحون بالترقب الذي كان يخيم على أمثالهم في هذه الأيام.

صلاح وعبد القادر وحسن يجلسون متفرقين في الغرفة ، كل منهم مسترخ على مقعده كأنما أرهقهم طول الانتظار ، أو طول الحديث ، أو طول التفكير.

صمت، لا يقطعه بين حين وآخر إلا إشعال (حسن) سيجارة، وتأفف (عبد القادر) من كثرة تدخين صديقه، يقطع صلاح الصمت مخاطبا حسن]:

صلاح: لقد تأخر صاحبك عن موعده!

حسن: إنما هو صاحبك أنت، ثم أحلته علي ..

صلاح: (مقاطعا) فأصبح صاحبك أنت.

حسن: ولكني أحلته على عبد الحي.

عبد القادر: يبدو أنه لم يعترف بهذه الإحالة، وإلا لما طلب لقاءك .. وهنا في بيتي أنا ... (يصمت لحظة ثم يواصل) أمتأكد أنت أنه وعدك باللقاء هنا ..؟ واليوم ..؟

حسن: متأكد طبعا.. لقد كلمني تلفونيا في الصباح، وذكر اسمه المستعار المعتاد .. زغلول عبد القادر .. وطلب مني مقابلته عندك اليوم في الخامسة مساء.

صلاح: والساعة قاربت السابعة ..!

حسن: لعل أمرا شغله بعض الشيء ... كم تأخرنا نحن عن مواعيد، [يسمع جرس الباب الخارجي]

حسن: (مسترسلا) لعله هو ...

عبد القادر: لا ... ليست هذه دقته للجرس .. [يخرج عبد القادر ويعود بعد لحظة ومعه عبد الحكيم].

عبد الحكيم: [وهو يسلم على الجالسين] عجيب .. ظننت أني تأخرت كثيرا .. أين جمال؟ ما الذي أخره؟ ... لا بد أن لديه جديدا من (سالم) وشلته.

عبد الحكيم: [في صوت عاتب] يرى جمال أن نصادق الجميع .. أو نهادنهم .. وإلا فلن نصل إلى ما نريد من تغيير (موجها حديثه إلى عبد القادر) هل أستطيع أن أذهب إلى دورة المياه ..؟

عبد القادر: طبعا [يصحبه إلى الخارج] .. [صمت حتى يعود عبد القادر وحده، ويستمر في حديثه مخاطبا الجالسين) أنا أحب هذا الشاب أكثر مما أحب (جمال)

صلاح: تعنى هذا الحشاش ، لاعب الكونان.

عبد القادر: ومن منا لم يظلم نفسه.

صلاح: ولكنكم تبتم.

عبد القادر: لعله يتوب يوما .. وعلى كل فإنه رجل .. إنه إنسان.

[جرس الباب يدق]

عبد القادر: هذا جمال [يخرج لحظة، ويعود معه جمال الذي يسأل وهو يسلم]

جمال: ألم يحضر عبد الحكيم؟

عبد القادر: بل سبقك بقليل .. إنه في دورة المياه.

جمال: [متسائلا] يتوضأ ..؟

عبد القادر: لا أظن.

جمال: هل أستطيع أن أتوضأ لأصلي المغرب .. فإنها تكاد أن تفوتني.

[يخرج مع عبد القادر .. ويعود عبد الحكيم ليجلس بجوار حسن ..]

ويعود جمال بعد لحظة وقد شمر أكمامه وبنطلونه .. ينتحي ناحية فيصلي ثلاث ركعات بسرعة ، يقوم بعده ليجلس مع الجالسين في صمت يقطعه صلاح موجها كلامه إليه]:

صلاح: هل طلبت لقاء (حسن) اليوم يا جمال

جمال: نعم.

صلاح: ألم يبلغك أن تتصل بعبد الحي إن أردت منا شيئا ..؟

جمال: أنا لا أثق في (عبد الحي) .. فإما أن أتصل بحسن ، أو أن أكف عن الاتصال بكم نهائيا.

صلاح: وما وراء اتصالك بحسن اليوم؟

جمال: لا بد أن نتحرك فورا .. يجب أن لا تفوت الفرصة ، كما فعلنا في مارس الماضي .. وإلا فقد انتهى الأمر نهائيا ..

صلاح: [في تعجب] نهائيا .. لماذا؟

جمال: قل لهم يا عبد الحكيم.

عبد الحكيم: لقد وصلت أسماؤنا جميعا إلى الملك .. فيما عدا جمال... ولا بد أن نبدأ .. وإلا قبض علينا، وأصبح المستحيل أن نعمل شيئا بعد ذلك.

عبد القادر: [متسائلا] أسماؤكم فيما عدا جمال .. جمال وحده ..؟

عبد الحكيم: نعم .. هو وحده الذي لم يعرفوا اسمه بعد.

عبد القادر: إنه هكذا دائما .. آخر من يعلم اسمه.

جمال: [في ضيق] ماذا تعني؟

عبد القادر: [في حدة] أنت تفهمني جيدا.

صلاح: [مقاطعا] وماذا تنوون الآن؟

جمال: ننوي أن نتحرك .. أن نحدد ساعة الصفر .. ولكن لا بد من الاطمئنان إلى تأييدكم الكامل .. إلى أننا نعمل معا .. (يخفض صوته) وإلى عدم تدخل الإنجليز.

عبد القادر: [في شيء من السخرية] والأمريكان؟

جمال: هؤلاء لا تشغل بالك بهم.

حسن: البركة في "كارتر وأمثاله .. هؤلاء مضمونون من جمال ومن معه ... وضامنون لهم أيضا ..

صلاح: [مقاطعا في ضيق] أما تأييدنا فأمر يحتاج الرجوع إلى المستشار ، وإن كنت أضمنه لكم .. أما الإنجليز فما تعني من ضمانهم .. إننا على استعداد لأن نقاتلهم معكم في الشوارع.

حسن: [مقاطعا] جمال لا يحب القتال السافر.

جمال: [محتجا] ماذا تعني؟

حسن: أعني أن أشير إلى ما سبق أن قلته أنت لي بنفسك .. لا عليك .. ماذا تريد من الإنجليز غير أن نقاتلهم إذا اعترضوا الانقلاب؟

جمال: هل يمكنكم الاتصال بهم لضمان عدم تدخلهم ..؟

صلاح: [مستنكرا] نحن لا نتصل بأية دولة أجنبية.

حسن: الحرب خدعة. أليس كذلك يا جمال؟

جمال: [في ضيق] أتسخر مني؟

حسن: لا .. ولكنكما مختلفان. تأكد يا جمال أنهم لا يستطيعون أن يفعلوا مع الإنجليز ما فعلته أنت مع الأمريكان، ولا حتى مع اليهود.

جمال: [في ثورة] ماذا تقصد باليهود؟

حسن: [في هدوء] أقصد لباقتك في اتصالك بالضابط إياه ..

عبد الحكيم: [مقاطعا في رجاء] لقد جئنا لنتفق لا لنختلف .. أنت وحسن يا جمال يفهم كل منكما الآخر .. فاسأل مباشرة ولا داعي للدوران .. وأجب يا حسن ، ولا داعي للسخرية ، ولا إلى التلميحات التي قد تثير حفيظة صديقك، أنا واثق من حبك لجمال، فلماذا تثيره؟

حسن: أنا لم أنكر أني أحب جمالا وأقدره .. وقد أبلغته مرارا أننا لا نستطيع الاتصال بسفارة أجنبية .. وأبلغته أيضا أن اتصاله بجماعتنا يجب أن يتم عن طريق عبد الحي.

عبد الحكيم: وقد أبلغتك أنه لن يتصل بعبد الحي ... فإما أن تتفقوا .. أو أن ننصرف دون اتفاق .. وليكن ما يكون.

حسن: وإذا لم نتفق، هل ستمضون في حركتكم؟

جمال: هذا يتوقف على ظروفنا.

حسن: وعلى ماذا نتفق؟

جمال: سأفضي بذلك إلى شخص واحد .. واحد فقط .. تعال معي إلى غرفة أخرى لنتفق.

حسن: اذهب فاتفق مع عبد الحي ..

جمال: قلت لك مرارا لن أتفق مع عبد الحي.

حسن: إذا فاعلم أني كنت أمثل صلاح .. فإذا لم تتفق مع عبد الحي ، فاتفق مع صلاح

جمال: وهو كذلك .. هيا يا صلاح.

[يخرج صلاح وجمال يقودهما عبد القادر إلى غرفة أخرى... يعود عبد القادر وهو يتنهد] عبد القادر: أنا لا أثق في جمال.

حسن: وأنا لا أحبه.

عبد الحكيم: وأنا كذلك.

عبد القادر: أخشى أن تعانيا كثيرا من حبكما له .. هل لكم في بعض الشاي [يخرج دون أن ينتظر جوابا .. صمت لحظة، يقطعه عبد الحكيم]

عبد الحكيم: لماذا يتكلم عبد القادر هكذا عن جمال؟

حسن: لا أدري .. إنه يحكم بمشاعره .. وكثيرا ما أخافتني أحكامه ..

عبد الحكيم: هل يداخلك أنت أي خوف من جهة جمال؟

حسن: لا ... قطعا .. لا ... ولكن ، ما سبب هذه الزيارة المفاجئة ..؟

عبد الحكيم: ثبت لنا أنه لا بد من القيام بالحركة خلال أسبوع على الأكثر .. لا بد من تنظميها معا، والاتفاق على الصورة التي تظهر بعد الحركة.

حسن: أهذا ما يريد جمال أن يتفق عليه مع واحد فقط؟

عبد الحكيم: لا .. إنه يتفق على نهاية الطريق مع واحد فقط .. تماما كما فعل من قبل مع الصاغ محمود لبيب.

حسن: رحمه الله .. وهل ما زال جمال عند اتفاقه ذاك؟

عبد الحكيم: طبعا .. كل ما هناك أنه لا يثق في عبد الحي ولا في عبد الرحمن طبعا .. حسن: [مقاطعا] رئيسه السابق؟

عبد الحكيم: لا تقلها أمامه .. إنها تغضبه.

حسن: طالما فعلت .. إنه واقع مضى ولا ضير منه.

عبد الحكيم: ولكنها تغضبه جدا .. صه .. ها قد عاد.

[يدخل صلاح ومعه جمال، كلاهما متهلل الوجه .. يدخل بعدهما مباشرة عبد القادر ومعه الشاي .. يوزع الأكواب عل الحاضرين ، ويجلس]

جمال: لعبد القادر في مرح] أليس هناك شيء آكله؟

عبد القادر: الآن .. لا أدري ما عندي .. ولكني أعتقد أن هناك شيئا يؤكل .. وهذا الوقت .. ليس عندي غير الجبن؟

جمال: جبن وقراقيش .. رائع هلم بنا.

[يخرج عبد القادر .. بينما ينتحي صلاح ناحية ويصلي وحده]

عبد الحكيم: [لجمال] أرى شهيتك تنفتح على أكل عبد القادر وسجائر حسن!

جمال: ألسنا إخوة .. أليست الأخوة بذلا ومحبة؟

عبد الحكيم: بذل ومحبة متباذلان...!

جمال: القادر اليوم يعين أخاه..!

حسن: دعك من الدعابة الآن يا عبد الحكيم .. ماذا هناك يا جمال؟

جمال: أما ما كان بيني وبين صلاح فهو مقصور علينا .. وأما ما عداه فسنناقشه الآن على ضوء آرائك السابقة .. ولكن للحديث بقية غدا يجب أن يحضرها غيرنا معنا، وإلا ظنوا أننا ننفرد بالأمر دونهم.

حسن: مثل من تريد أن يحضر معنا؟

جمال: كمال، سالم وعبد اللطيف مثلا.

حسن: وما قولك في عبد المنعم وعبد الحي من جانبنا، وأنور وزكريا من جانبكم؟

جمال: عبد المنعم وعبد الحي أنتم تمثلونهم .. لا نريد أن يحضر معنا منكم ضباط .. أما زكريا فغبي ، وأنور لا أثق به الآن .. المهم أن نعرف رأي المستشار .. هذا هو المهم عندنا الآن ..

حسن: والقاضي وعبد الرحمن؟

جمال: القاضي تبع للمستشار في ما أعلم .. وعبد الرحمن لا أحبه...

حسن: الحب أساس الثقة .. وبغير الثقة لا نستطيع أن نتعاون.

عبد الحكيم: [متدخلا] أرى لسانك انفلت اليوم يا جمال؟

جمال: مع حسن وحده.

[ينهي صلاح صلاته، وينضم إلى المجموعة ... يدخل عبد القادر يحمل صينية عليها بعض الجبن والقراقيش، يضعها على منضدة أمام جمال، الذي يحملها ينقلها إلى الأرض، ويجلس بجوارها .. يجلس حسن بجواره على الأرض، ويبدآن في الطعام]

عبد الحكيم: [موجها كلامه إلى صلاح] هل اتفقتما أنت وجمال..؟

صلاح: نعم ، الحمد لله ..

عبد الحكيم: إذا ، نطمئن على ظهورنا؟

عبد القادر: ومن يطمئننا نحن على ظهورنا؟

صلاح: اطمئن يا عبده ... اطمئن ..

عبد القادر: أنت رائع في حسن ظنك بالناس.

عبد الحكيم: لا تتشاءم يا عبد القادر، ولا تسئ ظنا .. المهم الآن أن نعرف رأي المستشار.

عبد القادر: [في هدوء] إني أتصور الآن رأيه ما سيكون..

عبد الحكيم: [في لهفة] ما هو رأيه؟

عبد القادر: انتظر حتى تسمعه منه.

عبد الحكيم: هل يوافق ..؟

عبد القادر: لا أدري ..

عبد الحكيم: هل يرفض ؟

عبد القادر: لا أدري ..

عبد الحكيم: كيف تتصور رأيه وأنت لا تدري أيوافق أم يرفض؟

حسن: [متدخلا] إنه يدري .. يدري بحاسته السادسة التي أخشاها.

جمال: [لحسن] من الخير أن تأكل أنت .. واترك الحديث لما بعد الطعام.

صلاح: ما رأيك يا عبد القادر؟

عبد القادر: لا أبدي رأيا قبل أن أسمع التفاصيل.

صلاح: ألم تسمعها من حسن منذ أوائل هذا العام؟

عبد القادر: ولكن في الأمر جديدا ... لقاء اليوم المفاجئ ، وهذا الذي بينك وبين جمال ..؟

صلاح: أما عن هذا فاطمئن.

عبد القادر: لم أعتد أن أطمئن لمجرد اطمئنانك .. أنا أحبك وأثق فيك .. ولكن أنصاف الحلول لا أقبلها .. الأمور الغامضة لا أقرها .. أما أنت فقد تقبل ذلك رغم طبيعتك الحاسمة في كثير من الأمور.

عبد الحكيم: أراكما اختلفتما فيما بينكما.

عبد القادر: لا .. لن نختلف .. سنتفق في النهاية دائما .. إن ما أخشاه أن نختلف معكم أنتم.

عبد الحكيم: [مستنكرا] أنختلف أنا وأنت يا عبده؟

عبد القادر: أقول نحن وأنتم .. أما أنت ، فأنا لا أنكر أني أقدر فيك خصالا أصيلة.

جمال: [متدخلا] كفى تبادلا للغراميات .. ادخل في الموضوع يا عبد الحكيم.

حسن: [لجمال] ألم تقل نرجئ الكلام إلى ما بعد الطعام؟

جمال: سيتحدث عبد الحكيم – لأنه لا يأكل معنا.

عبد الحكيم: لقد قررنا أن نقوم بالحركة خلال أسبوع، وإلا فات الأوان. ونريد الآن أن نطمئن إلى أمور ثلاثة: مساندة ضباطكم وجنودكم للحركة، ومساندة أفرادكم لها دون إعلان عن ذلك، ثم إمكانية الطمأنينة إلى موقف الإنجليز .. هل نستعد لحربهم، أم نتفق معهم سلفا لنضمن عدم تدخلهم لإحباط حركتنا ...

حسن: [متدخلا] ليس هذا ما يعنيني...

جمال: [مقاطعا إياه] قلت لك لا تتكلم حتى ننتهي من طعامنا.

صلاح: أما مساهمة ضباطنا وجنودنا، ومساهمة أفرادنا، فهذا ما أضمنه لكم .. أما الإنجليز فنحن لا نتصل بهم ولا بغيرهم .. ولكننا نستعد لقتالهم إذا احتاج الأمر.

عبد القادر: أنت تعبر عن رأيك وحدك.

صلاح: ورأيك أنت، ما هو؟

عبد القادر: قلت لك مرارا لا بد من انتظار رأي المستشار، وخاصة وأنه أحال هذا الاتصال إلى عبد الحي ..

عبد الحكيم: صدق عبد القادر .. المهم رأي المستشار.

صلاح: أنا أعرف الناس برأي المستشار ... ولذلك أتكلم مطمئنا.

عبد القادر: أنت واهم في هذا .. فأنت لا تعرف رأيه ..

صلاح: أتعرفه أنت؟

عبد القادر: كأني أعرفه، ولكني أنتظر حتى يقوله هو.

عبد الحكيم: إذا ، نكف عن الحديث حتى نعرف رأي المستشار.

حسن: [مقاطعا] لا .. بل حتى نعرف رأي زملائكم أيضا

جمال: ألن تكف عن المقاطعة؟

حسن: [ناهضا من جلسته على الأرض] لقد انتهيت من طعامي .. ألن تشبع أنت أيضا؟

جمال: بلى ... لقد شبعت.

[ينهض جمال ، ويحمل الصينية إلى عبد القادر الذي يخرج بها .. يجلس جمال وحسن متجاورين على أريكة.. يعود عبد القادر ، ويجلس بجوار عبد الحكيم]

جمال: ما رأيكم فيما قاله عبد الحكيم؟

صلاح: اتفقنا على كل شيء إلا الاتصال بالإنجليز أو غيرهم من الأجانب.

عبد القادر: اتفقنا بشرط موافقة المستشار.

صلاح: طبعا بشرط أن يوافق المستشار .. وإن كنت أضمن موافقته سلفا.

جمال: إذا، نرجئ الحديث حتى نعرف رأي المستشار ..هل يمكن ذلك غدا ..؟

عبد القادر: إن زوجة حسن تلد الليلة .. ولا أعتقد أنه يسافر قبل ولادتها .. ولا بد من وجوده معنا عند مقابلة المستشار .. فلننتظر إلى بعد غد .. ولكن يحسن أن نلتقي غدا في المساء ومعكم من تريدون منكم حتى يكون الأمر واضحا كله، .. وبذلك نعرض على المستشار كل شيء، وإلا فإني واثق أنه لن يعطي رأيه.

جمال: إذا سنرجئ الأمر إلى غد، وسيكون معنا سالم وكمال وعبد اللطيف .. وقد يكون معنا آخرون .. هل لديكم مانع ..؟

صلاح: لا طبعا ..

جمال: إلى لقاء غدا مساء .. هنا .. إن شاء الله.

[يخرج جمال وعبد الحكيم ومعهما عبد القادر .. ويجلس صلاح وحسن صامتين حتى يعود عبد القادر]

عبد القادر: اعلم يا صلاح أننا لسنا جزءا منهم.

صلاح: ولا هم جزء منا .. في إحساسي.

عبد القادر: إنما هم جزء منا.

حسن: ألا يمكن أن نكون طرفين يتعاونان.

عبد القادر: لا أدري إلى أي مدى .. سأطفئ لكما النور، تصبحان على خير.

[يطفأ النور]

اليوم الثاني

19 يوليو 1952

[مساء يوم 19/7/1952 ذات الغرفة التي بدت في المشهد السابق. جمال وحسن يجلسان متجاورين يتحدثان]

جمال: لقد تأخر الصحاب.

حسن: صلاح في اتصال بأعضاء الجماعة، وعبد القادر عند ضيوف بالداخل وفريد وصالح سيكونان هنا قريبا.

جمال: فريد وصالح .. من هما؟

حسن: أنسيتها .. إنهما صديقان من أعضاء الجماعة المسئولين فيها .. لا بد من وجودهما معنا في عرض الأمر على المستشار.

جمال: وأنت .. ألا يمكن أن تعرض الأمر على المستشار وحدك.

حسن: لا .. أنا لا أكفي .. فهؤلاء مسئولون .. وهما من رأينا في كل شيء .. فاطمئن.

جمال: لقد فاتتنا فرصة مارس الماضي.

حسن: لم تفتنا .. قد كان رشاد مهنا على حق في ذلك الوقت .. كنتم لم تتفقوا نهائيا مع الأمريكان.

جمال: ولكننا لم نتفق مع الإنجليز إلى اليوم، ولذلك كان القرار أن يؤجل كل شيء حتى نوفمبر.

حسن: لا بأس .. إن اتفاقكم المبدئي مع ذلك الموظف في السفارة يكفي .. ثم إن اتفاقكم الكامل مع الأمريكان يغطي الأمر كله.

جمال: [كالمناجي نفسه] إن لنا سبعة عشر ضابطا في القاهرة الآن.

حسن: [مقاطعا] ذلك بفضل إحراقك القاهرة.

جمال: [معاتبا] ألا زلت تعيرني بذلك .

حسن: أنا لا أعيرك .. ولكني أذكرك فقط.

جمال: أنا أذكر ذلك جيدا .. وأذكر أنك أخفيت عنا معالم ما فعلنا حين أخفيت ما تبقى من مواد في قريتك.

حسن: لقد أخفيتها قبل أن أعلم بفعلتك.

جمال: [معاتبا] أكنت لا تفعل لو علمت؟

حسن: لا أدري .. ولكني لا أحب الدم والخراب على أية صورة.

جمال: ولذلك رفضت أن نقتل حسين طنطاوي، وغضبت أن حاولنا قتل حسين سري عامر.

حسن: هذا صحيح .. ولا زلت أعتب عليك محاولتك قتل النحاس يوما، ومشاركتك في قتل الخازندار.

جمال: [مقاطعا] هذا تاريخ مضى .. عليك أن تنساه.

حسن: لقد نسيته تقريبا .. وإن كان لا يزال في السجن شابان بسبب قتل الخازندار.

جمال: ألم تقتلوا أنتم النقراشي؟

حسن: نعم .. قتلناه .. وإن كنت أنا لم أعلم بالأمر قبله.

جمال: إنك دائما لا تعلم ما لا يرضيك.

حسن: بل إن غيري يفعل ما لا يرضيني دون علمي.

جمال: [ضاحكا في بساطة] أنا أرتاح إلى الحديث إليك .. كأني بك لست من هذه الجماعة في أعماقك .. مع أني أنا منها في أعماقي .. ولكني أعقل ممن تصدى لتصريف أمورها .. [يصمت لحظة يشعل فيها سيجارة ثم يواصل حديثه]

حسن: ما قيمة اتفاقنا إذا لم يرضه الآخرون.

جمال: كلانا كفيل بأن يقنع أصحابه.

حسن: أراك تضمن أصحابك وغيرهم سلفا .. المهم .. ماذا تريد؟

جمال: لقد أعد أصحابي كشفا باعتقال مائتين لقتلهم ... ومائتين لاعتقالهم.

[يدخل عبد القادر .. ويدخل صامتا]

حسن: لا تبدأ حركتنا بالقاتل والاعتقال .. إن الناس سيرحبون بها حتى أعداؤنا ، فالكل ضائق بالوضع القائم . فلماذا سيظهر في البداية.

حسن: ولكنه عنوانك .. فلا تجعل عنوانك بغيضا إلى الناس.

جمال: أنا معك .. لا داعي للبدء بالقتل والاعتقال .. وخاصة وأن الأمريكان يطلبون تأمينا لحياة فاروق وحاشيته.

حسن: لا يعنيني ما يطلب الأمريكان والإنجليز .. إنما يعنيني ما نريده نحن ... ما يجدر بنا أن نفعله.

جمال: ومن يتولى الحكم في البداية؟

حسن: لعلنا اتفقنا من قبل أن يتولاه شخص يطمئن إليه الناس .. والدولة الأجنبية أيضا.

جمال: الدول الغربية تعني؟

حسن: لعلهم أصحاب المصلحة الأولى الآن.

جمال: علي ماهر تعني .. إنه يجمع بين الاسم الداخلي والسمعة الخارجية.

حسن: أجل أعنيه – وإن كانت ثقتي فيه محدودة.

جمال: أراك لا تثق في أحد ثقة كاملة.

عبد القادر: [متدخلا] الكمال لله وحده.

[يضحكون]

جمال: [ملتفتا إلى عبد القادر] ما كنت أحسبك تشاركنا الحديث.

عبد القادر: وإلا لتحفظت في كلامك على غير عادتك مع حسن.

جمال: لماذا تسيء بي الظن دائما ؟ ألا تعلم أني أحبك.

عبد القادر: [في شبه همس] إن من لا يحب أباه لا يمكن أن يحب أحدا.

جمال: [وقد سمع الهمس] دعك الآن من أبي .. نحن في أمر أهم من ذلك

عبد القادر: البداية هي دائما البداية .. وهي التي تشير إلى النهاية.

جمال: دعك يا عبد القادر من تعنيفي .. أنت لا تعلم لماذا لا أحب أبي.

عبد القادر: سمعت ذلك من حسن .. ولكني لم أقتنع .. ما علينا.. المهم أنت تنتهيا من حديثكما قبل أن يحضر الآخرون .. فأنتما أكثر تفاهما.

جمال: ولكني متفاهم مع صلاح أيضا.

عبد القادر: ذلك تفاهم لم نعلم عنه شيئا .. لا عليك الآن .. ماذا تريد بعد استبعاد القتل والاعتقال واختيار علي ماهر لرئاسة الحكومة .. والمفروض طبعا أن يعينه الملك .. قبل أن تطلبوا منه التنازل.

جمال: طبعا

عبد القادر: ماذا تريد بعد ذلك.

جمال: إني أنتظر المزيد من حسن .. فهو صاحب رأي صائب.

عبد القادر: أراك تنافق حسنا .. أبسبب السجائر؟

جمال: [ضاحكا] لا .. وإلا لنافقتك بسبب الأكل، ولكني لا أثق في رأي حسن وأحبه أكثر منكم جميعا .. اعذرني في ذلك .. أنا حقيقة أنتظر رأيه.

عبد القادر: لست أدري ماذا ينتظر حسن وعبد الحكيم منك .. فهما يحبانك أيضا ... ولكن حبهما لك يختلف عن حبك لهما.

جمال: ينتظرهما كل خير إن شاء الله .. استمرار مودة وتقدير وتعاون.

عبد القادر: ماذا تنوي أنت أن تفعل بعد نجاح الحركة؟

جمال: أنوي أن أعتزل العسكرية والسياسة بعد عشرة أيام .. سألبس جلبابي وأعود إلى قريتي مواطنا عاديا.

عبد القادر: [كالمخاطب نفسه] أفلح إن صدق .

جمال: ماذا تقول؟

عبد القادر: لا شيء .. خاطر مر بذهني.

حسن: [متدخلا] تخطئ إن فعلت يا جمال .. إنك وعبد الحكيم أعقل من في المجموعة .. عليك أن تبقى حتى يتم للأمر استقرار .. لا بد أولا من إعلان الجمهورية ... ووضع دستور جديد يضمن للناس حرية وكرامة وعدالة اقتصادية.

جمال: أبهذه السرعة نعلن الجمهورية؟

حسن: إن كنت قد شاركت في الحركة لأجل نفسك فلا عليك أن تعزل ملكا وتأتي بآخر، وإن كنت قد فعلتها لأولادك وأحفادك فالأمر يختلف .. إعلان الجمهورية واجب لا بد من الإقدام عليه .. فأنا لا أفهم الملكية على أية صورة من الصور.

عبد القادر: أنت هكذا دائما يا حسن ... تريد الجمهورية لأنك تراها صورة الحكم في الإسلام.

جمال: التسرع في إعلان الجمهورية خطأ فاحش .. يجب أن نؤجله حتى يرضاه الشعب ويقتنع به الغرب.

حسن: الغرب يشغلك دائما ..!

جمال: أتريد أن يشغلني الشرق؟

حسن: كلاهما عندي سواء

جمال: لا .. بل الغرب هو المهم .. إنه مستعمر نعرفه ويمكن أن نتفاهم معه .. أما الشرق وأما الشيوعية فلن نرضاها أبدا .. إنه مستعمر جديد شديد الوطأة .. علينا أن نتجنبه بكل سبيل. حسنك أرجو أن تتجنب وطأة الغرب والشرق معا .. أرجو الحياد بين المعسكرين .. أرجو الوجود الذاتي للمنطقة أن يقوم على عدالة اجتماعية أصيلة.

جمال: الغرب أهون .. والحياد غير وارد إطلاقا ..

حسن: هذا رأيك دائما .. لعل الأمريكان أغروك به .. ألم يستطع أصدقاؤك الشيوعيون تعديله؟ إني على ثقة أنك ستضطر إلى تغيير رأيك يوما.

جمال: أنا لن أضطر إلى شيء ، فأنا لن أحكم أبدا ..!

عبد القادر: [مخاطبا نفسه] أفلح إن صدق.

جمال: بم تغمغم؟

عبد القادر: لا شيء .. خاطر خطر لي .. لا عليك .. استمرا في حديثكما .. إنه يسعدني أن أسمعكما.

جمال: وأن لا تشارك في حديثنا إلا بغمغمتك التي لا أسمعها؟

عبد القادر: قد لا يرضيك سماعها ... لا عليك منها.

[يسمع جرس الباب .. فيخرج عبد القادر]

جمال: ترى من الذي حضر ..؟

[يعود عبد القادر ومع صلاح وصالح وفريد .. يتولى صلاح تقديم فريد وصالح إلى جمال]

جمال: أهلا .. آسف لقد تأخر أصحابي .. أخشى أن يمنعهم شيء من الحضور.

عبد القادر: [مداعبا] إذا لم تكن قد منعتهم فإنهم قادمون.

جمال: [إلى حسن] ألن تكف عني صاحبك؟

حسن: لم أستطع أن أكفه عن نفسي .. فكيف أكفه عنك؟

عبد القادر: إن إحساسي لا يطمئنني .. ولكني ..

حسن: آه من إحساسك الذي لا أدري له سببا؟

جمال: دعونا الآن من إحساسك عبد القادر .. ولنعش في الواقع الذي نعلمه، هل ترون أن تتولوا أنتم الحكم ما دمتم جماعة لها برامجها؟

صلاح: لا إن هذا يضر بالحركة كلية .. إنه يؤلب عليها إنجلترا وأمريكا .. وروسيا أيضا.

جمال: صدقت .. إذا نرجئ إشرافكم في الحكم .. بل نرجئ إعلانكم أي تأييد علني لها عند قيامها .. ولتكن الحركة وطنية من الجيش وحده ... يشاركه ويؤيده الشعب بطبيعة الحال .. أليس كذلك ..؟

عبد القادر: أهذه نصيحة أصدقائك الأمريكان؟

جمال: [في ضيق إني أقول ما أعتقده صوابا بغض النظر عن آراء من أتصل بهم لمصلحة الحركة.

حسن: أنا لا أقر جمالا على رأيه.

صلاح: وأنا كذلك.

عبد القادر: أراكما ستقرانه على رأيه حتى تقعا في شراكه.

حسن: ماذا تعني؟

عبد القادر: أنت تعلم ما أعني .. وإلا فأنت الغباء ذاته.

حسن: سامحك الله .. أنت تتهمني دائما بالغباء والذكاء معا.. ولست أدري أيهما تعني ..؟

عبد القادر: لعلك ذكي في العقليات وحدها .. غبي في الإحساسات.

جمال: إنما تعنينا العقليات والواقع الملموس .. هذا الذي نتداول فيه .. أما الإحساسات الداخلية .. أي الغيبيات فإننا نتركها لك .. ولصلاح في بعض الأحيان.

عبد القادر: [مقاطعا] لولا تعقله في كثير من الأحيان.

جمال: هلا نعود إلى أحاديثنا؟

صالح: ألا نفهم الموضوع أولا؟

حسن: ألم يشرح لكما صلاح؟

[يدق جرس الباب .. يخرج عبد القادر بينما ينصرف صلاح في حديث لا يسمع مع صالح وفريد .. يسود الصمت الغرفة حتى يعود عبد القادر ومعه عبد الحكيم وكمال وسالم يسلمون ويجلسون]

جمال: [مخاطبا من حضر] إن الصحاب متفقون معنا تماما.

سالم: كغيرهم؟

جمال: لا .. لا بل هم مشاركون في كل شيء

سالم: ماذا تعني بقولك مشاركون في كل شيء؟

جمال: لا .. لا .. لست أعني ما جال بخاطرك، فهم مشاركون في العمل والتأييد فقط .. متفقون في الرأي .. واقفون على كل الأسرار .. أما الحكم فإنهم لا يريدونه.

عبد القادر: نعم .. نحن قوم مشاركون في الغرم لا الغنم.

كمال: وإذا كنت تعتبر الحكم غنما، فلماذا تعرضون عنه؟

عبد القادر: هو غنم للبعض .. وغرم على البعض الآخر .. وهو لنا غرم لا نريده الآن.

كمال: لماذا وأنتم أصحاب مبادئ؟

عبد القادر: مبادئنا تأتي بالتدريج .. يجب أن يمهد لها السبيل وإلا سقطت في اختبار قاس .. هذا فضلا عن أن الدنيا ستتألب على الحركة إن وصفت بأنها حركة إسلامية.

جمال: ألم أقل لك ذلك .. وها قد سمعتموه منهم.

كمال: أهو رأيهم أم رأيك أنت أقنعتهم به لمصلحة؟

جمال: بل رأيهم .. قالوه قل أن أقول لهم رأيي .. سلوهم إن لم تصدقوني .. ومع ذلك فلا زلت أرى أن مجيء صلاح وزيرا للداخلية من البداية سيطمئننا كثيرا من جانب البوليس.

صلاح: [في حدة] قلت لك مرارا لا .. فلا تعد إلى فتح هذا الموضوع.

جمال: [في نشوة] أسمعتم؟

كمال: نحن لن نحكم، وهؤلاء لن يحكموا .. وكلنا لا يرضى حكم الشيوعيين ولا مصر الفتاة ... فمن ذا يحكم إذن ..؟ القدماء هم هم ..؟

حسن: ليحكم الشرفاء من القدماء حتى يأتي دور الجدد ..لم لا ..؟

كمال: علي ماهر تعني؟

حسن: لا بذاته .. ولكن بأوصافه .. أي شخص مثله.

فريد: الهلالي مثلا .. أم بركات ؟

حسن: الهلالي سيؤلف الحكومة القادمة بأمر ملكي .. فحسين سري سيستقيل أو هو استقال فعلا .. وبركات وارد إن قبل.

سالم: والسنهوري؟

حسن: إنه سياسي له لون حزبي واضح .. وإذا أخذنا حزبيا سابقا فالنحاس أولى ..

جمال: ماذا تقول .. النحاس ؟

عبد القادر: إنه يساير منطق أصحابك .. فبهذا المنطق يكون النحاس أولى .. فهو زعيم له شعبيته بغير نزاع .. وإن كنا لا نؤيده.

جمال: إذا دعونا من الحزبين القدامي .. وليكن علي ماهر

عبد الحكيم: أراك مصرا على الفكرة التي أوحى إليك بها حسن.

جمال: أنا مصر على فكرة اقتنعت بها.

عبد الحكيم: وإن سرق منكم الحركة؟

جمال: لن يستطيع .. فهو عديم الشعبية.

فريد: إن من عيوبه أن وزراءه مجرد سكرتيريين له.

جمال: هذه إحدى مزاياه .. لأننا سنتفاهم مع شخص واحد فقط.

كمال: وهل وافق المستشار؟

حسن: سنسافر صباح الغد لنعرض عليه الأمر.

كمال: وإذا لم يوافق؟

سالم: الأمر قد أبرم، فلا محل لموافقة أو رفض .. سنحدد معنا ومن ليس معنا في وضوح.

جمال: [مقاطعا] هذه ليست عبارتك .. إنها عبارات المجنون.

سالم: [في حدة] قلت لك لا تصف أخي بهذا الوصف أمام الناس.

جمال: [في هدوء] إني أتكلم أمام شركاء لنا في أخطر موقف تعرضنا له .. أتستنكر أن أداعبك أمامهم؟

سالم: ولكن هذا يغضبه .. وأنت تعلم.

جمال: لن أقوله أمامه .. ولن تقوله أنت أيضا.

حسن: [متدخلا] أريد أولا أن أفهم رأي سالم.

جمال: لا عليك .. هذا رأيه وحده ... وأنت تعرف تماما ... أما نحن فمتفقون على أن لا نقدم على شيء قبل موافقتكم .. وأنا أعلم أن موافقتكم متوقفة على المستشار.

حسن: أخشى أن يكون هذا رأيك وحدك .. ولكن ما هو موقف أصحابك من رأي سالم؟

صلاح: [في ضيق] دعك من هذا الجدال يا حسن .. إن كلام جمال واضح .. فلا داعي لإثارة غبار بسبب رأي لواحد من زملائه، أنت تعلم مكانته في الحركة .. إنه مجرد فرد فيها.

حسن: بل هو رئيس مجموعة .. أليس كذلك يا جمال؟ ومجموعته لها وزنها بسبب طبيعة عملها .. واتصالاتها أيضا.

صلاح: دعك من هذا الآن .. المهم ماذا تريدون الآن من القوم .. فإن وراءهم وورائي عمل هام يجب أن نفرغ له بعد أن ننتهي من الحديث معكم.

حسن: [متهكما] الحديث الفارغ معنا تعني؟

جمال: [في هدوء] لم يقل أحد لك ذلك .. إنها الخطوط السياسية التي سنلتزم بها .. فهاتوا ما عندكم .. أعني ما عند أصحابك يا حسن، فأنت قد ناقشت معك الأمر من قبل وآراؤك واضحة عندي.

سالم: بل لعلها متفقة أيضا مع آرائك.

جمال: صحيح أننا متفقان في كثير من الآراء .. ولذلك أريد اليوم أن أسمع غيره.

سالم: وهل آراء حسن متفقة مع آرائنا أيضا؟

جمال: بمقدار ما تتفق آرائي وآراؤكم .. كفى مناقشة يا سالم. ولنسمع الصحاب .. أريد أن أسمع منك يا أستاذ صالح.

صالح: فيما يختص بالأسلوب وبالأهداف البعيدة فإني من رأي صلاح الذي تعرفه والذي أتفق معك عليه... ولكن الذي يعنيني – من ناحية السياسة الخارجية- تدعيم الوحدة العربية لتصبح حقيقة واقعة .. فنحن أمة يمكن أن يكون لها وزن حقيقي .. وكذلك لا بد من الانفتاح على الدول الإسلامية لنسعى إلى تكوين كتلة إسلامية فيما بعد .. ولعلك سمعت هذا الكلام من حسن .. لا شك أنه نقل إليك رأيي فيه.

جمال: لقد فعل .. ولكن اسمح لي يا صالح برأيي .. إن الكتلة الإسلامية أو الانفتاح على الدول الإسلامية باسم الأخوة في الدين أمر واجب أقرك عليه .. أقرك عليه كوسيلة مؤقتة للحصور على تأييد هؤلاء الملايين من الناس .. ولكنها لا تشكل عندي غاية ... إنها مرحلة .. أما العرب فلعلك تعرف رأيي فيهم، وأعتذر لأني أعرف عروبتك .. ولكني لا زلت أقول فيهم ذلك المثل المشهور (العرب جرب ... لا تقربهم).

صالح: [مقاطعا] أعوذ بالله .. أهذا مثل تقوله..؟

سالم: [متدخلا في سخرية] ويقول عربي بني مرة.

جمال: [في هدوء] إن ثقتي في عروبتي كثقتي في نسبك الشريف يا سالم.

سالم: [في حدة] أو تشك في ذلك؟

جمال: لقد شارككم فاروق الانتساب.

سالم: تدليسا.

جمال: ونحن لا ندري إلى أي مدى كان التدليس في الماضي .. المهم أننا مصريون .. مصريون .. وحسب .. هذا أمر لا نختلف فيه .. وإني وإن كنت حريصا على صلاتي وصيامي فلا شأن لهذا بالسياسة .. وإن كنت حريصا على انتسابي العربي .. ولكني لا أثق في العرب .. فهم أهل غدر.

حسن: [مصفقا] تحيا الشعوبية.

سالم: ما هي الشعوبية؟

جمال: أمر ستعرفه فيما بعد .. ولكن ثق بقولي .. إن العرب أهل غدر.

صالح: [في غيظ] ومن أهل الوفاء إذا؟

جمال: اليهود.

الجميع: [فيما عدا صلاح وحسن اللذين يبتسمان] اليهود؟

جمال: [في إصرار وهو يبتسم] نعم ... اليهود أهل وفاء لذويهم ولمن يصاحبهم

صالح: أتنوي أن تصاحبهم؟

جمال: لا .. ولكني لا أنوي أن أحاربهم.

فريد: [في ضيق] أرانا على طرفي نقيض.

حسن: [متدخلا] إنه يمزح يا صحاب.

فريد: أهذا وقت مزاح؟

حسن: إننا ننام ثماني ساعات .. وهو لا يكمل ثلاثا .. أليس من حقه أن يسري عن نفسه بالمزاح وقت الجد...؟

عبد القادر: [هامسا لحسن] أشم في المزاح ريح جد ..[يرفع صوته مخاطبا جمال] ما معلوماتك عن البهائية يا جمال؟

سالم: [متدخلا] ما البهائية؟

جمال: شيء ستعلمه فيما بعد .. لا تتعجل العلم بكل ما يقولون.

سالم: أراكم تتكلمون اليوم بالألغاز.

جمال: لقد اعتدنا ذلك .. فلا تشغل بالك بنا.

عبد القادر: [في إصرار] لم تجبني على سؤالي يا جمال؟

جمال: [في هدوء] سأجيبك فيما بعد .. على انفراد.

[صمت قصير يقطعه صالح]

صالح: [كمن يكمل حديثا انقطع] هل أفهم من هذا أنك ترفض العمل المصري في المجال العربي؟

جمال: [في هدوء] هذا كلام تتحدثون فيه مع رئيس الوزراء القادم.

صلاح: [متدخلا في حدة] لا .. لا أسمح بهذا الرد أبدا .. نحن لا نعرف غيرك ... أنت تعد بما تقتنع به.

جمال: حتى إن اقتنعت .. فأنا أعمل في حدود قدرتي على إقناع غيري.

صلاح: [في ذات الحدة] بل في حدود وعدك .. هذا ما اتفقنا عليه.

جمال: [في تخلص] طبعا طبعا .. في حدود وعدي كما اتفقنا.. ولكن ذلك بالنسبة إلى الغاية .. أما الآن ، فنحن في صدد السياسة العاجلة ..

صالح: أنا أقول تدريجيا ..

جمال: لك ذلك .. ولكني لا أعد بشيء إطلاقا بالنسبة للوحدة العربية .. سنلوح بالتعاون .. ولكني لا أستطيع أن آخذ الوحدة مأخذ الجد.

عبد القادر: [متدخلا] هل ستأخذ مأخذ الهزل؟

جمال: [ في غيظ] لا .. بل مأخذ الدعاية الجادة إذا احتجنا إليها .. على كل .. ما وراءك يا أستاذ فريد؟

فريد: ليس ورائي غير الشباب والتعليم .. مزيدا من العلم النافع .. وكثيرا من التربية .. وشيئا من الجدية والاخشوشان للشباب .. هل يخالفني أحد في ذلك؟

جمال: لا ... بل كلنا معك .. ولكن، ماذا تعني بمزيد من العلم النافع .. أتقصد التعليم الديني؟

فريد: ماذا تقصد أنت بالتعليم الديني؟

جمال: مادة الدين التي تدرس في المدارس.

فريد: هذه مادة ضرورية، ولكنها تدرس بأسلوب يبغض الدين إلى أولادنا .. فلا شك في وجوب تغيير أسلوبها .. ولكن ليس هذا وحده ما قصدت من العلم النافع .. إنما قصدت كل علوم الدين والدنيا .. العلوم التي تنفع الناس .. الإسلام دافع إلى العلم .. كل علم ينفعنا ..

جمال: هذا رائع .. نحن متفقون إذا .. وأنت، ما وراءك يا عبد القادر؟

عبد القادر: أنا سأتكلم بعد أن أسمع رأي المستشار .. إن كنت أكاد أعلمه سلفا كما قلت لكم .. ولكن الآن أريد أن أسمع أصحابك .. وبالمناسبة، أين معروف؟ لماذا لم يحضر معكم؟

جمال: [متدخلا بسرعة] معروف مريض اليوم .. ولكنه معنا في كل خطوة.

عبد القادر: إذا نسمع من حضر من أصحابك .. ماذا عندك يا كمال؟

جمال: كمال منكم .. لا يختلف معكم في رأي.

كمال: هذا صحيح ... كلنا بعضنا من بعض.

عبد القادر: وأنت يا أخ سالم .. ماذا عندك، وماذا عند أخيك؟

سالم: أما أنا فليس عندي إلا محاولة إقناع الشعب بحل عصري لمشكلة الجلاء ومشكلة السودان.

حسن: صارتا مشكلتين .. وكانت واحدة.

عبد القادر: [غير ملتفت للمقاطعة] وما هو حلك العصري لهذه المشاكل؟

جمال: [متدخلا] إنه حلي أنا .. ويتفق معي فيه سالم .. سأبلغكم به فيما بعد .. لنسمع أولا آراء المجنون.

سالم: ألن تكف عن هذه الدعابة الثقيلة؟

جمال: عذرا .. فلتة لسان اعتدتها.

سالم: لعل جمال حدثكم عن رأي أخي في الإصلاح الزراعي وتطهير أجهزة الدولة والسد العالي.

جمال: حدثت حسن في هذا .. وسمعت رأيه .. ولكن هذه كلها أمور تفصيلية تأتي فيما بعد.

سالم: لمجرد الإزعاج؟ لا ... سيكون الإعلان النأول مجرد مطالب عسكرية للجيش، حتى نضمن عدم تكاثر الأعداء علينا .. ألستم معي في ذلك؟

حسن: أنا معك .. لكني أعلق على آراء سالم فيما بعد.

عبد القادر: وأنت يا عبد الحكيم .. ماذا عندك؟

عبد الحكيم: أنا سأنصرف إلى الجيش.

عبد القادر: [ضاحكا] خلفا لخالك؟

جمال: لا .. بل ليكون الجيش في يد أمينة.

حسن: أو في يد مأمونة...!

جمال: ما الفارق؟

حسن: لا تتغابى حين تفهمني.

عبد القادر: كفاكما هذا الحوار الثنائي .. أما كفاكما ما أمضيتما من شهور فيه؟

حسن: أنا لا أشبع قط من حوار جمال.

جمال: [يكظم غيظه] ولا أنا .. من حوار حسن.

حسن: إذا .. أين الجانب الآخر منكم .. أين هو وما رأيه؟

جمال: ستعلمون رأيه فيما بعد .. ولكن لماذا تسأل وأنت تعلم

حسن: أريد أن يسمع إخواني منك شخصيا.

عبد الحكيم: ماذا تعني بالجانب الآخر منا؟

حسن: أعني الحمار .. والأحمر .. والعميل .. والجاسوس .. والحشاش ... ومن إليهم..

كمال: [في تعجب] ماذا تقول؟

جمال: [مقاطعا] إنه يهزل ... كفى هزلا يا حسن .. ستسافرون غدا، ونلقاكم بعد غد مساء بإذن الله .. إلى لقاء.

[يخرج مع أصحابه .. يودعهم عبد القادر إلى الباب ويعود ليجد الجميع في صمت]

عبد القادر: ما رأيكم؟

حسن: لا أدري.

اليوم الثالث

21 يوليو 1952


(1) في الفجر

[ذات الغرفة .. يوم 21/7/1952 فجرا ... الغرفة في ظلام .. يفتح الباب ويضاء النور .. القادم عبد القادر يليه صالح ففريد فحسن .. يدخلون والإرهاق باد عليهم جميعا، وإن كان فريد أحسنهم حالا ... صلاح الذي كان نائما على الأرض في الغرفة يقوم من مكانه ويحيي القادمين قائلا]:

صلاح: حمدا لله على السلامة.. ماذا وراءكم .. ماذا قال المستشار يا حسن؟

حسن: لا أدري .. دعني أنام ، واسأل غيري.

صلاح: ما بالك متغير الوجه؟

حسن: لا شيء .. أريد أن أنام قبل أن أذهب إلى المحكمة في الصباح ... اتفقنا أن يروي لك فريد ما حدث .. وعلى كل فأمامنا وقت طويل .. وجمال لن يحضر إلا مساء.

صلاح: بل لقد حضر بالأمس ولعله يعود ثانيا، لأنه لن يبقى في بيته .. لقد جد لديه ما يستدعي استعجال ردنا وما يوجب معرفة رأي المستشار وما خشي معه أن يبيت في بيته.

حسن: ماذا جد لديه؟

صلاح: لقد عرض اسمه بالأمس على الملك كواحد من المتآمرين .. وبهذا اكتملت أسماء كل رؤساء حركة الضباط .. وكان آخرهم اسم جمال .. وقد يتم القبض عليهم.

حسن: وماذا قال الملك؟

صلاح: رفض القبض على أحد منهم حتى يكمل العدد 24 .. هكذا قال حسين سري عامر .. قال له: إنهم أربعة وعشرون شخصا .. فرفض الملك القبض على أحد منهم حتى تبلغ الأسماء في الكشف هذا العدد.

حسن: إن هذا الملك يسعى إلى حتفه.

صلاح: خير من أن نسعى إلى حتف أصحابنا.

حسن: إنه يسير مغمض العينين إلى قدر كأنه مكتوب عليه ..أن يفقد عرشه.

صالح: وعرش ابنه أيضا.

صلاح: واستقالت الوزراة .. والهلالي يشكل الوزارة الجديدة .. وسيأتي بالمراغي في الداخلية وسري عامر للحربية .. ستكون وزارة من الحاشية ..

حسن: الحاشية أكثر جنبا من غيرها .. لو جاء بالنحاس أو حتى بعلي ماهر لبقي ملكه .. ألست أقول لكم إنه يسعى إلى حتفه.

صلاح: المهم ماذا قال المستشار؟

فريد: قال إن الملكية إلى زوال .. ووافق على المبدأ مع بعض تحفظات.

صلاح: [منفعلا] أية تحفظات؟ ألم تقولوا له ما قلته لكم من أننا متفقون على أن هذه الحركة هي الخطوة الأولى للحركة الكبرى .. ألم تقولوا له إن جمالا منا ..؟ ألم تقولوا له إنه أقسم على المصحف أن يعمل للإسلام .. أن يعمل للدعوة.؟

[يرقد عبد القادر وحسن على الأرض في محاولة للنوم .. ويلقي صالح جسمه المرهق على أحد الكراسي في سبه إعياء .. ويجلس فريد بجوار صلاح المنفعل يحدثه]

فريد: قلنا له كل شيء .. ولكن يبدو أن آخرين يرون غير أريك. البعض يرى أن جمالا خان عهده مع محمود لبيب رحمه الله.

صلاح: [في حدة] من قال هذا؟ إنه أكد لي ذلك العهد.

فريد: على انفراد .. ودون حضور ضباط من الجيش منا .. فلا أحد يشهد بذلك غيرك.

صلاح: ألا يسعى بذمتكم أدناكم؟ لقد قطعت معه عهدا.

عبد القادر: [يرفع رأسه] وتحفظات المستشار؟

صلاح: على أي شيء تحفظ؟

عبد القادر: [وهو يضع رأسه ثانية] سيجيبك فريد.

فريد: لقد كان يوما مرهقا .. لقد بدأنا مع وكأنه لا يعلم شيئا عن الموضوع .. عن جمال وصلتكم به ... ولولا أن حسنا أكد لنا أنا كان ينقل إليه كل لقاء مع جمال وأصحابه منذ عام لعدنا إلى القاهرة فورا ... ولكننا آثرنا البقاء في الإسكندرية إلى المساء .. ورجعنا إليه فأنكر علينا أن نحدثه أمام أحد .. بل أن نحدثه كمجموعة ... وأخيرا قال: إذا كان الأمر قد أبرم فإننا لن نخونهم وسنؤيدهم وندعو لهم بالتوفيق ...ثم بالهداية بعد ذلك .. أما إذا كان الأمر لم يبرم بعد فإنه لا يثق في الانقلابات العسكرية .. و ...

صلاح: [مقاطعا] حتى لو كان الضابط الذي يقوم بالانقلاب العسكري منا ..؟

فريد: حتى لو كان منا ... ثم إنه لا يثق بأنه منا.

صلاح: ولكني أعتبره كذلك .. وحسن يشاركني الرأي ..

حسن: [دون أن يتحرك] وعبد القادر يخالفنا الرأي.

صلاح: وهل أبدى عبد القادر رأيه للمستشار؟

فريد: لا .. عبد القادر لم يتكلم .. ولكن المستشار حدثنا حديثا يشبه حديث عبد القادر لنا في الطريق إلى الإسكندرية .

وبالمناسبة لقد عتب المستشار على حسن لأنه عاود الاتصال بجمال.

صلاح: ألم يشرح له حسن ما يحدث؟ لقد كان الاتصال منه هذه المرة أيضا .. أنرفض ثم نواجه بالأمر الواقع..؟

فريد: لقد كان يفضل أن يتم الاتصال بعبد الحي وعبد المنعم.

صلاح: [متسائلا] عن عدم ثقة بنا؟

فريد: لا .. إنه يثق فيكم، ولكنه يعتقد أن عبد الحي وعبد المنعم يعرفان جمال وأصحابه أكثر منكم.

صلاح: وماذا نفعل نحن؟ أنفرض عليه الاتصال بمن لا يريده منا؟ .. وكيف لنا ذلك؟

فريد: لعل مرجع عدم ثقة جمال فيهم أنهم يعرفونه جيدا .. هكذا يعتقد المستشار .. وقد لاحظنا في جلسة المساء كأنه على علم بقرب الحركة.

صلاح: [متسائلا] من أين يعلم؟

فريد: لم يقل .. ولكن حديثه يشير إلى علمه .. ويشير إلى أن مصدر علمه هو عبد الحي أو عبد الرحمن.

صلاح: لا أعتقد أن عبد الرحمن يمكن أن يفاتح المستشار في هذا

فريد: أنا أعني بعبد الرحمن مجموعته .. أليس عبد الحي من مجموعته .... يمكن أن يكون هو ...

صلاح: يمكن .. كم أود أن ألقى حسين وحده ... لعلي أتحدث إليه في الأمر.

فريد: وما دخل حسين في الموضوع؟

صلاح: إنه عاقل وموثوق .. وهو يشرف على هذه المجموعات.

صالح: أيسلم له عبد الرحمن بالإشراف؟

صلاح: يستوي أن يسلم به أولا يسلم به .. إنه قرار المستشار.

عبد القادر: ولكنه قرار قصد به حل هذه المجموعات .. وهل يقبل عبد الرحمن ذلك؟

صلاح: عليه أن يقبل .. المهم .. دعونا من هذا الأمر .. ما هو قرار المستشار .. في رأيكم يا من قابلتموه دوني؟

فريد: لقد ألححنا عليك أن تكون معنا .. أو أن تذهب وحدك . ولكنك رفضت.

صلاح: يكفي حسن .. وقد كنت مشغولا .. ما هو القرار الآن .. فالرجل ينتظر، وقد يحضر بعد قليل..؟

فريد: القرار كما قلته لك من البداية إذا كان الأمر قد أبرم فهو يعد أن لا يخونه ويقبل أن يعاونه .. وإذا كان الأمر لا يزال تحضيرا لحركة يقوم بها هؤلاء أو غيرهم لحسابهم أو حساب الحركة الكبرى فهو ليس من هذا الرأي ... وخاصة أنه لا يثق في الانقلابات العسكرية ..

صلاح: إذا هو موافق على ما أبرمنا.

فريد: [في تعجب] أفهمت أنت مني هذا؟

صلاح: طبعا .. هذا واضح من قرار المستشار .. أليس كذلك يا حسن؟

حسن: دعني أنام حتى الصباح.

صلاح: [في عنف] ليس هذا وقت النوم .. الأمر جد وعاجل.

حسن: أنت أدرى باتفاقك مع جمال.

صلاح: بل أنت تعلمه أيضا .. وتعلم الكثير عن الموضوع .. فقل ريك بصدق كما عودتنا ولا تتهرب الآن ونحن في الموقف الحاسم.

حسن: [يجلس بادي الإرهاق ويتكلم بصوت ضعيف] أنا أشعر أن الأمر قد أبرم .. وأنهم مقدمون على الحركة بنا أو بغيرنا، ألم تقل: إن اسم جمال وصل إلى الملك .. إنه لن يتردد أن يضحي بأي شيء لتقوم الحركة .. لتنجح أو تخفق على يد غيره .. إن أمرا سيحدث .. ألست معي يا عبد القادر؟

عبد القادر: أنا معك فيما قلته .. ولكن ما صلة هذا بقرار المستشار؟

حسن: كيف ... ألم يقل إنه يوافق إذا كان الأمر قد أبرم ..؟ أتشك في أنه أبرم فعلا ..؟

عبد القادر: أبرم بسبب موقفك وموقف صلاح.

حسن: لا .. بل بسبب شخصية جمال .. أتنكر ذلك؟

عبد القادر: نعم .. لشخصيته دخل كبير .. وخاصة في إقناعكما وإقناع غيركما.

صلاح: إذا، سأبلغ جمالا ذلك حين يحضر .. سأنام في الداخل وأيقظاني عند حضوره .. [يهم بالخروج .. ينهض صالح قائلا]:

صالح: انتظر .. ألا ترى أنك تتصرف وحدك؟

صلاح: لا ... لقد اتفقنا .. وأنا أتصرف نباء على اتفاقنا وفهمي لقرار المستشار .. قد وضعت يدي في يده ولن أسحبها .. [يخرج]

فريد: إني مشفق مما يجري...

حسن: أخائف أنت؟

فريد: لا .. لست خائفا .. ولكن هل تثقون في هذا الرجل..؟

حسن: نعم.

عبد القادر: [مقاطعا] نم يا حسن .. أو اذهب إلى بيتك لعلك تنام هناك .. أو على الأقل ترى وليدك الذي ولد صباح الأمس ولم تره .. ماذا ستسميه؟ له ستسميه انقلابا؟

[صمت يقطعه عبد القادر بعد قليل وهو يدفع حسن بيده]

عبد القادر: ألن تقوم يا هذا ..؟

حسن: سأقوم ...

[يدق الباب دقا خفيفا ثلاث مرات .. يقوم عبد القادر فيفتحه ، ويدخل جمال]

جمال: [في لهفة] هل وافق المستشار؟

[لا أحد يجيب .. يخرج عبد القادر ويعود فورا مع صلاح الذي ينتحي ناحية جمال .. يتهلل وجه جمال ثم يقول]

جمال: إذا وافق المستشار .. الحمد لله .. [لا أحد يجيب] جمال مواصلا كلامه ... سأذهب الآن، وسأعود في المساء .. لن أكون في بيتي إذا جد أمر قبل المساء سأتصل بك يا حسن .. سيحضر عبد الحكيم وكما هنا في المساء .. إن هذا الخبر سيشجعهما حقا .. إلى اللقاء.

حسن: [ناهضا] سأذهب إلى بيتي ثم إلى المحكمة .. وأراكم في المساء.

عبد القادر: لا .. بل احضر إلى هنا ظهرا ... وأطفئ النور قبل أن تخرج.

[حسن يطفئ النور ويخرج]  

(2) في المساء

[ذات الغرفة عند الغروب .. جمال وحسن يجلسان متجاورين على أريكة .. يحتسيان قهوة ويدخنان .. ليس معهما أحد في الغرفة .. صمت يقطعه جمال قائلا]

جمال: إذا .. وافق المستشار.

حسن: [يتثاءب ولا يجيب]

جمال: ما لك لا تجيب؟

حسن: ألم تسأم هذا السؤال والإجابة عليه؟

جمال: لقد كان يستطيع أن يبيعنا للملك، وأن يقبض الحكم ثمنا.

حسن: ليست الخيانة من خلقه.

جمال: هذا صحيح إنه رجل واضح وصريح، ولكنه عنيد .. هكذا يقولون ..

حسن: عنيد فيما يراه حقا... أو إن شئت الدقة فهو صلب في الحق. لين أمامه.

جمال: أراك تحبه؟

حسن: طبعا ..إنه يستحق الحب.

جمال: ألم يكن من الخير أن تختاروا شابا من الجماعة بدلا عنه؟ القاضي مثلا إذا شئتم المظهر الهادئ

حسن: لا .. لم يكن يصلح سواه لما واجهنا من أحداث .. ولما سنواجه فيما أعتقد.

جمال: أحداث الحكم تعني؟

حسن: إنه يرفض الحكم كما قلت لك مرارا بانقلاب أو بغير انقلاب. هذا أمر يحتاج إلى تحضير حتى لا تكون فورة سرعان ما تنطفئ.

جمال: [في شبه همس] إذا سنقوم بالحركة غدا... بعد منتصف الليلة القادمة .. وستكون حركة الثالث والعشرين من يوليو ... ولكن قد نتأخر للضرورة أيام.

حسن: يوليو شهر الثورات .. الثورة الفرنسية .. واستقلال أصدقائك الأمريكان.

جمال: إن الشعب المصري في رخاء .. وقد أثبت التاريخ لي أن هذا الشعب يثور أو يؤيد الثورات وهو في رخاء ... أما إذا شغل بضيق الحال وشح الرزق انشغل عن الثورة.

حسن: أتعني أنك ستحرمه رخاء الحال لتضمن بقاءه تحت سيطرتك؟

جمال: لا .. لا طبعا ... لم أقصد ذلك .. يا لك من خبيث في تحليل أقوالي.

[يضحكان]

جمال: [مواصلا الحديث] في هذا الشهر منذ أربع سنوات كنت أفكر في الأمور .. كنت أجلس بانتظام مع الضابط اليهودي المقابل لي في الجبهة.

حسن: أكنت تأنس بالجلوس إليه يا جمال؟

جمال: ما معنى تأنس .. لقد كنت أستفيد.

حسن: أجل .. الفائدة هي التي تهمك.

جمال: وهل الفائدة حرام؟

حسن: الفائدة الحلال حلال...

جمال: كان واسع المعلومات ... لقد استفدت منه كثيرا في تفكيري وتخطيطي.

حسن: هل أحببته رغم عداوتك له؟

جمال: أنا ما كرهته ... أنا لا أكره إلا من يحاول قتلي.

حسن: ألم يحاول قتلك؟ ألم تكونا في قتال؟

جمال: لا .. لم يحاول أبدا .. وعلى كل فأنت تعلم أني ما حاولت قتالا طوالي وجودي في فلسطين .. إنما فعل ذلك أمثال نجيب، وعبد الحكيم ، وكمال ، ومعروف ، وعبد المنعم، وأحمد عبد العزيز، أما أنا .. فأنت تعرف رأيي في العواطف والبطولات.

حسن: [محاولا تغيير الموضوع] وما أخبارك مع أصدقاء موريس؟

جمال: ألن تكف عن هذا التغيير؟ لقد دخلت الخلايا الشيوعية لأستفيد منها .. لأتعلم جديدا ، وقد أخذت منهم ولم أعطهم شيئا.

حسن: أنت دائما تأخذ ولا تعطي.

جمال: [هامس] طالما أعطيت ولم آخذ

حسن: وكيف أصدقاؤك العملاء؟

جمال: العملاء .. الحشاشون .. الجواسيس .. الشيوعيون .. مصر الفتاة .... الوفديون .. كل هؤلاء معي .. أو هم على الأقل ليسوا ضدي .. إنهم يفيدونني عند اللزوم .. كلهم ... مطمئن إلي مباشرة أو بالواسطة .. ألم تقرأ كتاب الأمير بعد؟

حسن: قلت مائة مرة إني قرأته.

جمال: آه ... صحيح.. لقد قلت لي ذلك .. ولكن لماذا لم تلخصه لنا فيما لخصت من كتب؟

حسن: ألم تر أن لا يكون كل من معك ميكيافيليا؟ يكفي واحد؟

جمال: صدقت ... كم نصحت عبد الحي وعبد المنعم ومعروف بقراءته ولكن يبدو أنهم لم يفعلوا .. وإلا لكان لهم اليوم شأن آخر ..

حسن: لقد قرأته أنا .. ولا يزال شأني كما هو؟

جمال: أنت لست ضابطا في الجيش .. ثم أنت لم تقتنع بكل ما فيه.

حسن: وهل أنت ضابط في الجيش حقا .. كان رائعا أن تكون سياسيا.

جمال: سأكون ... إنما الجيش وسيلة.

حسن: تبررها الغاية.

[يضحكان]

حسن: [مواصلا] وماذا فعلت مع رشاد؟

جمال: سنبلغه قبل التحرك .. سيقوم سالم بذلك .. فإن خرج معهم كان منا .. وإلا اعتقلناه.

حسن: ونجيب ...؟

جمال: سيعلم بعد الحركة .. وسيكون الواجهة .. وسيلقي أنور البيان الأول في الإذاعة .. وسيتحرك يوسف وشديد وشوقي .. ومعروف طبعا .. وسيكون معهم من لنا في المواقع .. [يخفض صوته] وسأحتاط لأمري.

حسن: دائما تحتاط لأمرك ... فأنت كما تقول دائما لست عسكريا في أعماقك .. ولكن كيف ستحطاط؟

جمال: سأبقى في الكلية بالملابس المدنية .. وسيكون عبد الحكيم معي.

حسن: [مقاطعا] ولكن عبد الحكيم عسكري في أعماقه..

جمال: ولكني أريد أن أجنبه البداية .. لا تنسى قرابته بحيدر، وهذه القرابة التي أوغرت صدر الملك حين علم أنه من الضباط الأحرار.

حسن: ألا يزال صاحبك حسين سري عامر يوغر صدر الملك على حيدر؟

جمال: إن أمله أن يخلفه .. وقد فعل تقريبا.

حسن: وسيخسر المتسابقان .. وتخلفهما أنت.

جمال: بل يخلفهما عبد الحكيم ... أما أنا، فلا .. أنا سألبس جلبابي وأعود إلى قريتي.

حسن: اخدع غيري بمسألة الجلباب والقرية ..

[يضحكان .. ويدخل عبد القادر]

عبد القادر: أراكما تضحكان؟

حسن: إنما كنا نتناجى في انتظار القادمين.

عبد القادر: ما أطول نجواكما .. كأن لم تختلفا بعد ..

جمال: نحن لن نختلف أبدا.

عبد القادر: بل قل لم تختلفا إلى الآن ..

جمال: ولن نختلف بعد الآن ..

عبد القادر: لا تجزم بالمستقبل كيف يكون ... قد تختلفان لأهون الأسباب

جمال: [في استنكار] أنحن نختلف .. لماذا ...؟ أنحن نختلف يا حسن؟

حسن: لا أظن، آمل أن لا نختلف حين تأتيك السلطة.

جمال: السلطة .. لن تكون السلطة لي ولا لك .. ستكون للشعب.

حسن: دع الشعب وشأنه .. فأنت تعلم رأيي في الشعار.

جمال: ما أقساك على الشعارات.

حسن: أو تؤمن بها أنت؟

جمال: لا .. ولكني أؤمن بجدواها!!

حسن: أنت تستفيد منها .. كما تستفيد من كل شيء.

عبد القادر: [مصفقا] اختلفتما والحمد لله ..

جمال: لا .. لم نختلف والحمد لله .. [مغيرا الحديث] لقد تأخر القوم.

عبد القادر: صلاح هنا، عنده ضيوف في الغرفة المجاورة.

جمال: [في تعجب] ضيوف؟ من عنده؟

عبد القادر: [يهز كتفيه ولا يجيب]

جمال: [في إصرار] أرأيتهم؟

عبد القادر: [في هدوء] وهب أني رأيتهم.

جمال: أتعرفهم؟

عبد القادر: وهب أني أعرفهم ولا أريد أن أقول .. ما وجه إصرارك؟ أسأل صلاحا حين تلقاه.

جمال: أنت هكذا دائما.

[يدق جرس الباب .. ويخرج عبد القادر ويعود ومعه عبد الحكيم وكمال .. يسلمان متهللي الوجه]

عبد الحكيم: أصحيح أن المستشار وافق؟

عبد القادر: انتظر حتى يحضر صلاح ويقول لك.

عبد الحكيم: حتى موافقة المستشار لا بد أن تبلغ رسميا عن طريق صلاح؟

عبد القادر: ألم يبرم صاحبكم معه اتفاقا على انفراد؟

كمال: أي اتفاق؟

جمال: [مضطربا] ستعلم به في اجتماع الليلة عندي.

حسن: أين صالح وفريد؟ هل عادا إلى منزليهما؟

عبد القادر: لا .. إنهما نائمان في الداخل .. لم يعد أحد إلى منزله منذ بدأت لقاءاتنا هنا ... ولا أدري متى تنتهون، ويعود كل منكم إلى بيته وتتركوني وشأني.

[يفتح الباب ويدخل صلاح ... ويقوم عبد الحكيم وكمال للقائه]

صلاح: أهلا بالأحبة.

كمال: [وهو يحتضنه] أهلا بالحبيب .. ما وراءك .. هل وافق المستشار؟

صلاح: وافق .. كمالك ما مدى موافقته ..؟

صلاح: كل الموافقة .. نموت معكم في قتال إذا اقتضى الحال.

عبد الحكيم: الحمد لله .. إذا نترككم الآن .. فما جئنا إلا لنسمعها منكم. فإلى لقاء بعد الحركة .. هيا يا جمال.

صلاح: هلا بقيت لحظة يا جمال ... إني أريدك في أمر مهم.

جمال: اسبقاني أنتما .. وسألحق بكما.

[يخرج عبد الحكيم وكمال، يودعهما عبد القادر إلى الخارج ويعود .. بينما يجل يجلس صلاح بجوار جمال]

صلاح: أتدري من معي في الغرفة الأخرى؟

جمال: رفض عبد القادر أن يقول لنا.

صلاح: عبد الرحمن وعبد الحي .. ومعهما حسين.

جمال: [مقاطعا في استغراب] هل أبلغتهم أني هنا؟

صلاح: لا .. وإن كانت سيارتك ليست بعيدة عن بابا البيت كثيرا كما عودتنا أن تفعل.

جمال: إنها أمام المنزل المجاور .. وماذا يريدون؟

صلاح: إنهم يعلمون أن حركة في الجيش وشيكة الوقوع .. يسألونني عن ذلك.

جمال: وهل قلت لهم شيئا؟

صلاح: لا .. لقد أحلتهم على المستشار، يسألونه إن شاءوا..

جمال: حسنا فعلت .. فأنا لم أقل لهم شيئا..

صلاح: إذا قال لهم غيرك .. فهم يعلمون كل شيء فيما يبدو ..

حسن: [متدخلا] ولماذا لم يبلغ حسين؟

صلاح: لو جاء حسين وحده أو مع عبد الحي دون عبد الرحمن لقلت لهما ..

جمال: إياك أن تبلغ عبد الرحمن.

صلاح: إني أشعر أن عبد الرحمن أكثرهم علما بالأمر .. إن كل عامل في الظلام داخل الجيش يعلم به.

جمال: كيف؟

صلاح: ستعلم فيما بعد .. وعلى كل فلك أن تنصرف الآن قبل أن يخرجوا.

[يخرج صلاح ليعود إلى ضيوفه]

جمال: هل تبيت في منزلك الليلة القادمة يا حسن .. افعل أرجوك. لأني سأتصل بك تليفونيا أول شيء بعد دخولنا إدارة الجيش إن نجحنا .. لا تنس عند ذاك أن تذهب أو ترسل أحدا إلى بيتي لتطمئن أهلي .. وإذا لم ننجح فستتصل بك سيدة .. وتقول إنها تحية ... اسمع منها وحاول إنقاذي .. إلى لقاء وادع لنا.

عبد القادر: لماذا يجمع صلاح بين الطرفين في غرفة؟ ليتهم حضروا دون عبد الرحمن... 

الفصل الثاني

ثلاثة أيام تالية

اليوم الأول

23 يوليو 1952

[قبل الغروب، غرفة استقبال ذات أثاث مذهب مما جرت عادة متوسطي الناس في مصر أن يكون ضمن جهاز زواجهم. منضدة مستطيلة أمام أريكة طويلة، ويجلس عليها جمال وحسن وكلاهما بالبنطلون والقميص .. ويجلس عبد القادر على كرسي مجاور لهما .. يستمر الجالسون في حديثهم]

جمال: لقد ارتاح أهلي لهذه الطمأنينة التي وصلتهم مبكرا .. وإن كان أزعجهم الطرق على الباب في مثل ذلك الوقت .. حتى قبل إعلان نبأ الحركة في الراديو .. اشكر لي ذلك الشاب .. وأرجو أن أن يكون أحد من سيتولون حراسة بيتي هذه الأيام، فأنا متفق مع صلاح على وجوب الاحتياط إلى أن أنتقل إلى منزل آخر .. ولا بد من الاطمئنان إلى من نختارهم لذلك.

عبد القادر: سيكون إبراهيم أحدهم كما طلبت ..على كل سيكونون ثمانية يتناوبون ... اثنان كل ست ساعات .. وهو مسلحون طبعا، فلا تسمح لأحد الجنود أن يتعرض لهم.

جمال: لا ... اطمئن من هذه الناحية .. ولكن ما لهذا الموضوع أردت لقاءكم .. وبالمناسبة لم لم تحضرا إلى إدارة الجيش كما طلبت منكما أول الأمر.

حسن: إجراءات الدخول، لا نريد أن نتعرض لها .. ويحسن أن يكون معنا تصريح بالدخول إن شئت أن نلقاك هناك.

جمال: سأرسل لك الليلة التصريحين إلى مكتبك.

عبد القادر: [مقاطعا] أرسل تصريحا واحدا لحسن .. أما أنا فلن ألقاك إلا في منزلك أو أحد منازلنا.

جمال: لماذا؟

عبد القادر: أنت هناك مشغول .. و ... وشبه حاكم .. وأنا لا أحب أن أزيد مشاغلك ، ولا أميل إلى مقابلة الحكام.

جمال: يا لك من شخص غريب الأطوار.

حسن: هو هكذا .. لا تتعب نفسك معه .. المهم الآن، فيم أردت لقاءنا.

جمال: آه .. أردت أن اطمئن إلى أن لا يغادر المستشار الإسكندرية هذه الأيام .. وأن لا يصدر أي بيان تأييد للحركة .. فأنتم تعلمون أن هذا يضر بنا .. وليكن الأمر كما اتفقنا عليه.

عبد القادر: المستشار – كما اتفقنا – لن يغادر الإسكندرية إلا بعد أن نخطره .. ويمكنك أن تلقاه بعد حضوره.

جمال: طبعا يهمني جدا أن ألقاه .. لقد كنت أخشى فقط أن يستقل برايه فيحضر .. أو يعلن تأييد الحركة، أو يطالب بعزل الملك .. فيكشف بذلك حقيقة حركتنا ...

عبد القادر: المستشار أعقل من ذلك .. وعلى كل فثق أنه لن يصدر بيان تأييد أبدا.

جمال: [في تعجب] أبدا ... ما تعني؟ حتى بعد أن تستقر الأوضاع؟

عبد القادر: حتى بعد أن تستقر الأوضاع .. قد يصدر بيان نصيحة أو توجيه لكم .. لا أكثر من ذلك.

جمال: آه ... فهمت ... أهلا بتوجيهه ونصحه ... إنه أخونا الأكبر.

عبد القادر: أستأذن في الانصراف الآن فأنا على موعد لا أريد أن أتأخر عنه .. وصلاح لن يحضر إليكم اليوم .. فهو مشغول جدا.

جمال: [ينظر في ساعته] وأنا مضطر أن أعود إلى إدارة الجيش بعد نصف ساعة على الأكثر .. ألا يبقى معي حسن قليلا؟

عبد القادر: هنيئا لك به.

[يتجه إلى الباب، ويذهب معه جمال ليودعه .. ويعود فيجلس مكانه]

جمال: هناك أمر أريد أن أقصه عليك .. لقد حضر إلي صباح اليوم معروف وعبد المنعم وعبد الحي .. [يصمت]

حسن: وبعد؟

جمال: غريب شأن معروف هذا .. أتعلم أن الضباط رفضوا التحرك بالأمس ما لم يكن معروف حاضرا معهم؟ ومعروف كان مريضا كما تعلم، فاضطررنا إلى نقله بملابس نومه إلى الثكنة .. ولولا ذلك ما تحرك أغلب الضباط..

حسن: [ساخرا] أنقلته أنت إلى الثكنة؟

جمال: [ضاحكا] لا .. لا .. وأنا وعبد الحكيم كنا في الكلية حين عثر علينا يوسف .. أخذنا إلى إدارة الجيش.

حسن: [يضحك هو الآخر] وهكذا صرتما بطلين بالنقل...

جمال: التدبير أهم من التنفيذ .. أليس كذلك؟

حسن: ما علينا .. المهم فيم جاءك الصحاب؟

جمال: آه .. نعم .. جاءني معروف بطريقته المعهودة .. هادئا صريحا دمثا .. قال لي إنه لا بد من وجود واحد على الأقل من الهيئة في لجنة الضباط التي ستسمى فيما بعد مجلس قيادة الثورة .. وقال في صراحة إنه لا يعتقد أني أرغب في مشاركته هذه المسئولية لأننا رغم صداقتنا لا أحب العمل معه، وهو على كل لا يريد أن يترك عمله العسكري في الجيش .. ولذلك فهو يرشح عبد المنعم فهو أيسر تفاهما معي من ناحية .. وهو أكثر تمثيلا للهيئة من ناحية أخرى .. وإلا فهناك عبد الحي وإن كان عبد المنعم أولى ، فهو من أوائل المؤسسين للضباط الأحرار.

حسن: كلام معقول .. وإني أفضل عبد المنعم أيضا إن اقتصر الاختيار على واحد.

جمال: لقد قلت له إني لا أملك الفصل في هذا الأمر، لأن الرأي فيه للجنة الضباط الأحرار القائمة عند الثورة ... وبهذا تخلصت من إحراجه .. لقد اضطررت أن أقول لهم إنهم كانوا في بيت عبد القادر عند وجودي .. أتذكر ..؟

حسن: مخطئ أن تقول ذلك بعد أن وعدت صلاح بغيره.

جمال: مخطئ أم مصيب، المهم أني تخلصت من الإحراج.

حسن: فيم أحرجك معروف، إنه عرض كريم من رجل كريم، تعرف قدره، ولا تنكر فضله عليك في عراق منشية.

جمال: أنا لا أنكر ما قام به ولكنه كان يريد بعمله وجه ربه .. وكفاه هذا ..

حسن: لست أفهم ..

جمال: اسمع يا حسن .. لا يجوز أن يضم هذا المجلس منتميا أو ذا شعبية في الجيش.

حسن: لماذا؟

جمال: المنتمي سيستند إلى الهيئة المنتمي إليها .. وذو الشعبية في الجيش سيلزمنا بما لا نرضى استنادا إلى شعبيته.

حسن: آه ، فهمت .. ولذلك يخرج ثروت وعبد المنعم وعبد الحي لانتمائهم .. ويخرج رشاد ومعروف لشعبيتهما في الجيش .. وأي شعبية أكبر من أن لا تخرج الثكنة إلا ومعروف يرقد فيها، ولكن ، قل لي .. كيف قبلت دخول خالد رغم انتمائه وعبد الحكيم رغم شعبيته في الجيش؟

جمال: خالد غير منتم .. لقد أخرجته معي .. إنه ذكي .. ذو ثقافة اشتراكية تنفعنا ولا تضرنا .. لكنه غير منتم كما قلت لك .. أما عبد الحكيم فشعبيته تنفعنا لأنه لن يفعل شيئا ضدي.

حسن: ألا تخشى أن تصبح لنجيب شعبية.

جمال: نجيب والد لنا كبرت سنه .. إنه رمز لحركتنا في مرحلتها الأولى ومع ذلك فنحن نحتاط له دائما.

حسن: [ساخرا] ما رأيك في انتمائك أنت ؟

جمال: أنا وارث الحركة التي أنتمي إليها وتنتمي أنت إليها .. بعد تطورها .. أنا شيء آخر ..

حسن: كأني سمعت كلاما كهذا من قبل .. من عبد الرحمن منذ أقل من عامين.

جمال: عبد الرحمن انتهى زمنه ... إنه يعيش في ماض.

حسن: وأنت تعيش في الواقع .. وعلى أي نحو أنت الحركة التي ينتمي إليها مثلي.

جمال: أنا فهمها الصحيح .. لا يجوز أن تسفر بوجه ديني إلا بمقدار ما يفيدنا ذلك .. أنا الفهم السياسي المناضل الذي يقبله مثلك من العقلاء .. أما الأغبياء فلا يجوز أن نقيم لهم وزنا أكثر من الهتاف والتصفيق .. والرضى بما نعمل.

حسن: وما تنوي أن تفعل مثلا؟

جمال: الملك نعم ... ذكرتني إياه..

حسن: أكنت قد نسيته ؟

جمال: لا تحاسبني على عباراتي .. أقصد ذكرتني أن أروي لك ما حدث معه .. لقد خضع لنا ... قبل استقالة الهلالي، وعين علي ماهر كما طلبنا ... وسيعين نجيب قائدا عاما للجيش .. ولكن ليس هذا كله هو المهم .. المهم أنه سعى إلى نهايته إلى خاتمة ملكه .. لقد كان في قصر المنتزه عندما علم بالانقلاب، فركب سيارته ومعه زوجته وابنه، واتجه فورا إلى قصر رأس التين، إلى حيث كان جده إسماعيل حين ترك البلاد متنازلا عن العرش .. لقد كانت معسكرات مصطفى باشا في طريقه .. والإسكندرية ليست معنا كما تعلم .. ولو أنه دخلها ومعه زوه وابنه لتغير الوضع .. كان قد أثار عواطف من هناك .. وكان علينا أن نحارب زملاءنا .. إنه أعفانا من ذلك .. والليلة تتحرك قواتنا آمنة إلى الإسكندرية سيكون عبد المنعم هو المسئول عن حصار فاروق في قصر رأس التين.

حسن: [كالساهم] صحيح أن الرجل يسعى إلى قدر آمن به.

جمال: ماذا تقول؟

حسن: أقول إنكم قد نجحتم.

جمال: يرى البعض أن نحاكمه ... ويرى المجنون أن نقتله.

حسن: هذه سخافات دعك منها .. إنه سيتنازل عن العرش.

جمال: وأنا أرى رأيك وسأصر عليه و... ومستر كفري يطالب صراحة بضمان حياة الملك وأهله.

حسن: بغض النظر عن أنه رأي مستر كفري .. فإياك أن تبدأ حركتك بدم ... فالدم لا ينسى في بلادنا .. أتركك الآن، وعد أنت إلى إدارتك .. وألقاك هناك إن لزم الأمر .. اذكر جيدا، إياك وسخافات أصدقائك.

[يتصافحان ويخرج حسن من الباب]

اليوم الثاني

26 يوليو 1952

[ظهر يوم 26/7/1952 قاعة اجتماعات في إدارة الجيش بمنشية البكري ... في جانب منها منضدة اجتماعات كبيرة حولها مقاعد ... وفي الجانب الآخر بعض المقاعد والأرائك الجلدية .. جمال وحسن يجلسان على مقعدين متجاورين يدخنان ويحتسيان القهوة ... ويتحدثان]

جمال: وهكذا تم كل شيء بسلام .. والحمد لله.

حسن:إذا، تنازل الملك؟

جمال: بهدوء .. لم يحدث شيء على الإطلاق إلا تلك الرصاصات التي أطلقها عبد المنعم وكتيبته على القصر ... وهكذا رضي فاروق أن يسافر اليوم .. في السادسة مساء اسمع الراديو .. [يضحك]

حسن: ما يضحكك؟

جمال: كم كان يكره أن يرى سليمان حافظ ... أصر أن يوقع التنازل في غيبته

حسن: لماذا؟

جمال: [ضاحكا] لا أدري ... كان يسميه التمساح العجوز.

حسن: [مشاركا في الضحك] وإنه يبدو كذلك .. ولكن لا تنس أنه من جناح الحزب الوطني الذي رفض المشاركة في الحكم .. وإن لم يعرض عليه هو شخصيا أن يشارك فيه

جمال: يقولون إنه صديق المستشار.

حسن: عملا معا طويلا .. وكل منهما يقدر الآخر فيما أعلم .

جمال: كم يشبهك؟

حسن: شكلا فقط – قيل لي ذلك.

جمال: وموضوعا .. لم لا ..؟

حسن: لا أدري موضوعه حتى أحكم.

[يدخل ضابط ينحني على جمال ويسر في أذنه شيئا]

جمال: [بصوت مسموع للضابط] لا بأس .. يحضر معه سالم .. وسأفرغ بعد قليل.

[يخرج الضابط]

حسن: [ناهضا] أتركك لمشاغلك.

جمال: [جاذبا إياه ليجلسه] لا .. بل ابق .. إن زائرا جاء لنجيب .. ونحن لا نتركه يقابل الزائرين وحده .. يكفي أن يكون معه أحدنا.

حسن: إنكم تحكمون الحصار حوله من البداية؟

جمال: لا ... مجرد احتياط .. فأنت تعرف بساطته .. هلا جئت لتقابله.

حسن: لقد مر من هنا قبل حضورك ، وتعارفنا ... وهذا يكفي.

جمال: المهم الآن .. متى يحضر المستشار؟

حسن: لقد علمت أنه يحضر مساء أو صباح باكر .. بل لعله في طريقه إلى القاهرة الآن، ولذلك أريد معرفة رأيك.

جمال: لعله من المناسب أن يحضر .. أريد أن ألقاه.

حسن: فليكن موعد لقائه غدا صباحا .. وسأبلغك الموعد تليفونيا.

جمال: هل سيحضر هنا في إدارة الجيش ..؟

حسن: لا أعتقد .. قد يفعلها فيما بعد مجاملة .. ولكن لقاءكما الأول يجب أن يكون في الخارج ... ولعل أنسب مكان هو منزل صالح، فهو قريب من هنا ، وأستطيع استدعاءك بمجرد حضوره ، فتلقاه وتعود إلى عملك ... أو إلى منزلك إن شئت.

جمال: [كالساهم] لا زلت أخشى عناد هذا الرجل.

حسن: شرحت لك من قبل معنى عناده .. ومع كل، أليس في عنقك عهد له؟

جمال: [في استنكار] لا .. إنما العهد كان لحسن البنا، وقد مات .. وصرت مسئولا منذ ذلك الوقت عن تصرفاتي ... قد أعطي عهدا لمن أرى .. أو آخذ العهد ممن أرى.

حسن: [في استياء] لا أفهم ما تعني .. إنك تكرر دائما أقوال عبد الرحمن.

جمال: لا تغضب .. الهدف هو المهم .. لا الأشخاص.

حسن: لا علي من ذلك .. فهذا أمر بينك وبين صلاح.

جمال: أجل ... أجل ... أتركه بين وبين صلاح. [بعد برهة] أتعلم ما بيني وبين صلاح..؟

حسن: [لا يجيب]

جمال: لماذا لا تجيب؟

حسن: لأني لا أريد أن أجيب.

جمال: أنت وشأنك .. [صمت]

حسن: [لنفسه كالهامس] إذا تنازل فاروق.

جمال: ما تقول؟

حسن: قل لي يا جمال، ما شعورك وقد تنازل فاروق .. وسيغادر البلاد بعد ساعات؟

جمال: [واضعا رأسه بين كفيه] مزيج غريب من الراحة والإشفاق ..

حسن: كيف؟

جمال: الراحة لأن العقبة الكبرى قد أزيحت من طريقنا ببساطة .. دون أن تلجئنا إلى أفعال لا أرضاها .. بل ولا أستطيعها.. أما الإشفاق، فلا أدري سببه .. إنه النظر إلى حال كل منهزم، كان يمكن أن ينتصر لو واتته الفرصة .. [يتنهد ويصمت]

حسن: [وهو يحملق فيه] قل لي يا جمال .. أأحببت فاروق يوما؟

جمال: أحببته وأخلصت له .. ومع ذلك ،كان يمكن أن يفعل شيئا مفيدا لهذا البلد .. ولكنه فسد .. أفسده من حوله .. أفسده كل الذين نزهوه عن الخطأ حتى ألَّهوه .. هذه مشكلة الحكم في فهمي .. وهذا ما أخشاه على نجيب بعد أن خلا الجو من فاروق ... بل هذا ما أخشاه على علي ماهر .. وأخشاه على الزملاء أيضا . أخشاه وأحذره.

حسن: احذر منه على نفسك يا جمال إذا..

جمال:[مستنكرا] أعوذ بالله .. أنا .. ؟ أنا أمقت المديح كما تعلم .. أمقت أي تعظيم لشخصي .. أمقت...

حسن: [مقاطعا] لأنك لم تحكم بعد.

جمال: ولا أنوي أن أحكم.

حسن بل ستحكم .. فاحذر المنزلق.

جمال: أف لك ... ما أكثر جدلك .. إني أضيق بالحاسة السادسة عند عبد القادر، وأضيق أحيانا بك حين تجادلني في شخصتي .. أنا أعلم منك بنفسي.

حسن: أرجو هذا .. وأتمنى أن لا يخدعك المديح مستقبلا.

جمال: سأضع في السجن من يمدحني .. أعدك بذلك.

حسن: المهم أن لا تضع في السجن من ينقدك ... من ينصحك .. من يعارضك..

جمال: أعوذ بالله منك .. إن رأيك في سيئ للغاية إن كنت جادا

حسن: بل رأيي فيك حسن للغاية .. ولذلك أنصحك في صدق .. أحاول أن أجنبك المزالق.

جمال: [مغيرا موضوع الحديث] قل لي بالمناسبة، فأنت قانوني ينفعنا رأيك في هذا الأمر .. سنواجه غدا مشكلة اختيار مجلس الوصاية على العرش، لأن الملك تنازل لابنه الطفل .. فمن هي الجهة التي ستعين الأوصياء حسب الدستور؟؟

حسن: [ساخرا] أبدأتم دراسة الدستور من الآن؟ اترك هذا لأصحابه ... وثق أهنهم سيرضونك فمستشاروك لن يعصوك بعد أن يسافر الملك ... وإن كنت أتمنى أن لا تؤثر فيهم.

جمال: وما رأيك أنت .. دون تأثير ..؟

حسن: لا قيمة لرأيي لأنكم لن تأخذوا به .. أهل الاختصاص سيقولون لك ما تقبله .. أو سيفتون بصحة ما تريد.

[يدخل ضابط آخر يسر في أذن جمال]

جمال: [في صوت مرتفع] سأحضر بعد لحظة.

[يخرج الضابط]

حسن: [ناهضا] أستأذنك أنا ، وأتركك لعملك .. ولكن لي كلمة أخيرة .. لا تنس إخوانا لك في السجون .. فأنت وأمثالك أدخلتموهم .. فعليك أن تخرجهم.

جمال: [ناهضا] سأفعل .. ثق في ذلك.

[يخرج حسن]

اليوم الثالث

27 يوليو 1952

[ضحى يوم 27 يوليو 1952 غرفة استقبال تشبه غرفة جمال إلى حد بعيد .. الأرائك والمقاعد المذهبة التي اعتاد أواسط الناس أن يكون ضمن جهاز زواجهم ... يجلس في الغرفة المستشار وعلى يمينه جمال، ويساره حسن .. وفي المواجهة منير وعبد القادر وصالح يتحدثون بصوت غير مسموع، بينا يجري حديث آخر بين المستشار وجمال]

المستشار: أكان هناك بينك وبين الإخوة على أمر معين ...؟

جمال: [مستنكرا] لا .. لم نتفق على شيء إطلاقا.

المستشار: لا بد أن هناك كاذب في الموضوع [ملتفتا إلى حسن] هل كذبت فيما نقلته لي عن صلاح؟

حسن: لا ... بل صدقت النقل عنه [مشيرا إلى الباقين] وهم يشهدون.

جمال: اسمعت مني اتفاق على شيء؟

حسن: [في حدة] قلت إني نقلت عن صلاح .. لقد كنتما وحدكما.

المستشار: [بحزم] اخفض من صوتك يا حسن [ملتفتا إلى جمال] ما علينا .. فلنعتبر أن اتفاقا لم يتم .. فما تريد مني الآن ...؟

جمال: أريد كما قلت لسعادتك من البداية بيانا بتأييدنا.

المستشار: بتأييدكم؟ في أي شيء؟

جمال: في الحركة التي قمنا بها .. وفيما نسعى إليه من عمل لصالح البلاد.

المستشار: أما الانقلاب العسكري فقد شاركنا فيه وحميناه .. أما تنحية الملك واستيلاؤكم على السلطة فقد تم فعلا ... ولا يؤيدكم فيه غير المنافقين .. أما ما تسعون إليه من عمل لصالح البلاد، فأمر نحكم عليه حسبما نراه .. ولكن هذا لن يمنعنا أن نصدر بيانا برأينا، احملوه محمل التأييد أو محمل المعارضة .. فأنت أحرار في رأيكم ، ولكننا سنبدي رأينا دائما بما نقتنع بصوابه.

جمال: ألا تبدون رأيكم لنا أولا لنتفاهم فيه قبل أن تعلنوه على الناس؟

المستشار: لماذا؟

جمال: لأننا الذين قمنا بالحركة.

المستشار: أتظن أن انقلابكم العسكري يجعلكم أوصياء على هذه البلاد وأهلها؟

جمال: إن السلطة في يدنا الآن.

المستشار: إلى حين ويجب أن ترد إلى أصحابها ... إياك أن يخدعك أحد بفكرة المستبد العادل، فليس الاستبداد عدلا في أية صورة.

جمال: أقصد أنها في يدنا الآن كما تقول ... فمن الخير أن نسمع منكم رأيكم قبل أن يسمعه الناس.

المستشار: سننصحكم أولا كما يجب أن ننصح أي حاكم .. فإن فعلتم خيرا كان بها ... وإلا فسنقول رأينا للناس، فهم أصحاب البلد.

جمال: ولكن هذا قد يظهرنا أمام الناس بمظهر الخلاف .. وهو ما لا أريده.

المستشار: ماذا تريد إذا؟

جمال: أن نتفاهم على كل شيء كما اتفقنا ..

المستشار: [مقاطعا] لقد قلت إنكم لم تتفقوا على شيء إطلاقا؟

جمال: [متخلصا] أقصد اتفقنا على مصلحة البلد ... وهذه المصلحة توجب تعاوننا..

المستشار: وما صورة التعاون التي تقترحها ..؟

جمال: [ناظرا إلى حسن] ما رأيك يا حسن؟

حسن: فيم؟

جمال: في صورة التعاون.

حسن: السؤال مطروح عليك.

جمال: عاوني في الرد عليه.

حسن: [ساخرا] من قبيل التعاون .. أم تنفيذ الاتفاق؟

المستشار: [باسما] أعنه يا حسن إن شئت؟

حسن: وإن لم أشأ؟

المستشار: أنت وشأنك؟

حسن: لقد أوقفني أمامك موقف الكاذب، ففيم أعينه ..

المستشار: لقد عرفت من الكاذب .. وهذا يكفيني.

حسن: يمكنه أن يعرض هو صورة التعاون التي يريدها .. أو التي اتفق عليها بين زملائه.

منير: [متدخلا] حسن محق يا أستاذ .. فليعرض البكباشي ، ولك أن تقرر ما ترى فيما يعرض.

جمال: المشكلة يا سعادة المستشار أنكم تريدون إعلان حكومة إسلامية تطبق القرآن فورا ... وهذا أمر غير ممكن عمليا.

المستشار: من طلب منك ذلك؟

جمال: أليست هذه دعوتكم؟

المستشار: لا داعي لأن نتكلم عن بقايا سابق فهم للدعوة .. أتعلم شيئا عن معنى تطبيق القرآن؟

جمال: [في ارتباك] معناه معروف طبعا.

المستشار: ما هو؟

جمال: تطبيق الشريعة .. يعني .. منع الخمر والربا .. وقطع يد السارق .. و ... وما إلى ذلك.

المستشار: [باسما] المهم، هو ما إلى ذلك .. هذا هو الذي لم تفهموه بعد ... اسمع يا بكباشي جمال، القرآن خلق، إذا تخلق به الناس صلح حالهم .. والشريعة طريق ، إذا سرنا فيه تكشفت حقائقه ... وما أظن وقتك أو وقت زملائك سمح لكم أو سيسمح بمعرفة المزيد عن هذا .. فالتزموا كريم الخلق في أنفسكم أولا يصلح الناس معكم .. وإذا شئت بعد ذلك رأيا في أمر معين، فلن نبخل به عليكم.

جمال: أنا والله العظيم مسلم – أنا أصلي وأصوم .. ولا أشرب الخمر .. لا شك أنك تعلم ذلك [ملتفتا إلى حسن] أليس كذلك يا حسن؟

المستشار: هل نازع أحد في ذلك؟

جمال: مجال التربية ... وبيان حكم الشريعة مجالكم الذي أتمنى سيركم فيه ... ولكن الذي أقصده الآن التعاون في مشاكلنا الحالية .. مشاكلنا اليوم ... كيف نواجه الفساد الذي كان متفشيا في الحكومة – كيف نرفع مستوى المعيشة بين الفقراء ... كيف ننهض ببلادنا اقتصاديا ..؟

المستشار: استشر من شئت في هذه الأمور تصل إلى الصواب ... وأوصيك أن تستشير من لا يرهبك ولا يرغب في رضاك، فهذان سيغشانك ارفع مستوى المعيشة، ولكن ابدأ بالضروريات .. امنع سيطرة الأغنياء ولكن دون إثارة نعرة صراع الطبقات ... أصلح الإدارة الحكومية ولكن لا تظلم الناس بالشبهات .. أصلح الأحزاب، ولكن لا تجعل في البلد حزبا واحدا هو حزب الحكومة .. أعط الناس حريتهم يصلح حالهم .. أصلحوا أنفسكم كما قلت لكم ، يصلح الناس معكم.

جمال: والإنجليز؟

المستشار: المعاهدة انتهت إلى غير عودة .. فلا تقرر في هذا الشأن أمرا جديدا بغير رضاء أصحاب البلاد...

جمال: وتقييد الملكية الزراعية؟

المستشار: ما المانع فيه ... وبالمناسبة هل قرأت كتاب (العدالة الاجتماعية في الإسلام) لسيد قطب؟

جمال: [ملتفتا إلى حسن] هل لخصته لنا؟

حسن: نعم.

جمال: إذا قرأت تلخيصه على الأقل..

المستشار: اقرأه ثانيا إن وجدت وقتا ... [ناهضا] والآن، وجب أن أنصرف .. فإني على موعد في بيتي ...

جمال: [ناهضا] أشكر لك هذا اللقاء وأطمع في غيره.

المستشار: بكل سرور .. حين تريد.

جمال: أرجو أن لا يكون هناك سوء تفاهم في معنى تعاوننا .. واتفاقنا على هذا التعاون.

المستشار: ليس هناك أي سوء تفاهم .. ولكن أريد أن أقول لك إنك بدأت حديثك معي اليوم بالكذب .. ولعلك تكف عن هذه الخصلة ...

[يتجه إلى الباب .. يخرج معه الجميع ويبقى جمال وحسن واقفين]

جمال: [في دهشة] ماذا يعني ..؟

حسن: كان كلامه واضحا..

جمال: إنه أكثر عنادا مما سمعت .. إنه يعاملني كأني طفل صغير .. ألا ترى ذلك؟؟ حسن لم أر ذلك ... ولكن الصراحة طباعه ..

جمال: [ساهما] لن أستطيع التعاون معه .. [مخاطبا حسن] ألا يعلم أني وحدي يؤيد الحركة في مجموعة الضباط الأحرار .. فلماذا يطلب مني فوق طاقتي ؟

حسن: هل طلب أكثر من حريات الناس.

جمال: حريات الناس تعني زوالنا ...

حسن: لصالح الناس ..

جمال: أف لك أيضا ..[يخرج]

الفصل الثالث

أربعة أيام أخر ...!!!

اليوم الأول

7 سبتمبر سنة 1952

(1) في الصباح

[صباح يوم 7 سبتمبر 1952 ، غرفة الاجتماعات في إدارة الجيش بمنشية البكري ، جمال وعبد الحكيم وحسن يجلسون معا يتحدثون .. بعض الضباط يروحون ويجيئون في الغرفة، يدخلون إليها ويخرجون منها .. يتحدثون .. الجو مشحون بتوتر لا يخلو من نشوة في نفوس الضباط، ولا يبدو أثره على حسن]

جمال: (كأنما يتم حديثا .... وهكذا لم نجد بدا من اختيار نجيب رئيسا للوزارة، على أن يكون سليمان حافظ نائبا له ... ولعلك تقدر كل هذه الظروف ... وآمل أن يقدرها المستشار أيضا.

حسن: هناك أمران يسحقان التحفظ، أولهما بدء دخول العسكريين الحكم في شخص نجيب.

جمال: إنه مجرد رمز تلتقي عنده الوزارة.

حسن: كان يمكن أن يشغل سليمان المنصب رأسا.

جمال: لقد رفض .... هو الذي أصر على أن يرأس نجيب الوزارة لتكون أكثر قوة وأكثر شعبية.

حسن: تقصد ليصبح العسكريون سندا لها.

جمال: فليكن، ما المانع من ذلك؟ على كل، ما تحفظك الثاني؟

حسن: مسألة الاعتقال الذي تم الليلة .. فأنت تعلم..

عبد الحكيم: (مقاطعا) إنه أمر كان لا بد منه .. هل تتصور أن فؤاد سراج الدين حين اعتقل كان في غرفة مكتبه لا يزال يعمل .. يكتب مذكرات في الثالثة صباحا ...!

حسن: وهل العمل جريمة؟ هل ستعتقلون كل من يعمل، وهل تتركون البلد للكسالى؟

جمال: لا يا حسن .. لم يقصد عبد الحكيم هذا .. ولكن فؤاد كان ضد الإصلاح الزراعي، ونحن ننوي السير فيه ... إنه يرى الاكتفاء بالضرائب التصاعدية.

حسن: وهل ستعتقلون كل من ليس من رأيكم؟

جمال: إنه إجراء وقائي مؤقت بمناسبة الوزارة .. لقد وافق عليه سليمان حافظ .. هل أنت أكثر حرصا على القانون منه؟

حسن: لا شأن لي بموافقة سليمان ومدى حرصه على القانون .. إذا قلت إجراء مؤقت، قد فهمنا .. ولكن إياك أن تحارب الرأي بالاعتقال .. ستزول أنت ويبقى الرأي .

جمال: ثق أنه إجراء مؤقت ... وسيفرج عنهم إلا من يثبت ضده شيء .. ولكن الغريب أن تدافع عمن يخالفونك في المبدأ .. عن أعدائكم السياسيين...

حسن: أنا أدافع عن حرية الرأي وكرامة الناس ... إنهم ليسوا أعدائي ، بل هم أصدقاء ما داموا يسمحون لي أن أفكر، وأعبر عن فكري .. وسأدافع عن حقهم في التعبير عن رأيهم .. ويختار الشعب بعد ذلك من يشاء.

عبد الحكيم: (باسما) ما رأيك أننا كنا ننوي اعتقال بعض الإخوان..؟

جمال: لا تقلها ...

حسن: بل دعه يقولها .. فإني أرفض الاعتقال ذاته ، للإخوان أو غيرهم.

جمال: (في تخابث) هل تعبر في قولك عن رأي المستشار؟

حسن: أنا أعبر عن رأيي .. ولكني واثق أن المستشار من ذات الرأي ..

جمال: إذا ما رأيه في دخول بعض الإخوان الوزارة .. إنها الهيئة التي لم تلوث في الماضي .. ودخولها الوزارة يفيدنا ...

حسن: أسأله إن شئت.

جمال: لقد رأينا أن يدخل الوزارة ثلاثة من الإخوان، فساعدني على إقناع المستشار بقبول هذا ... وقد اخترنا اثنين ، وتركنا لكم اختيار الثالث .

حسن: (ساخرا) ما أوسع الاختيار التي تركتها لنا .. ومن اخترتم يا ترى ...؟

جمال: أنت والشيخ الباقوري .

حسن: [جادا] لست أدري إلى أي حد تسمح صلتك بالباقوري أن ترشحه أنت ، ولكن أنا ... لا .. ليس لك أن ترشحني.

إن من يمثلون الإخوان في الوزارة لا يملك ترشيحهم غير الإخوان..

جمال: [في نبرة عتاب] أنت أقرب صلة بي من الباقوري وغيره.. ولذلك رشحتك، وأنا على بينة أن المستشار سيوافق ..

حسن: هو الذي يرشح لا أنت ... وعلى كل، قم واتصل به تليفونيا واسأله عن المبدأ ...

جمال: ألا تكلمه أنت؟

حسن: لا .. أنت وعبد الحكيم – فالعرض منكم.

جمال: ولكن حديثك يساعدنا.

حسن: بل أنتم تعرضون وأنا لي رأيي حين ألقاه.

جمال: فليكن .. قم كلمه يا عبد الحكيم.

[يقوم عبد الحكيم إلى تليفون قريب في الغرفة يتحدث فيه، بينما استمر الحديث بين جمال وحسن]

جمال: ما رأيك في اشتراك الإخوان في الوزارة؟

حسن: سأقول لهم رأيي مباشرة.

جمال: وفي دخولك أنت شخصيا؟

حسن: إنه هيئة الإخوان هي أساس الصلة بيني وبينك، لن أفكر في الدخول إلا بترشيحها .. وأرجو أن لا تقبل ...

جمال: دخولكم كأفراد – لا هيئة – أنسب لنا جميعا .. أنت لا تدري ما لقيت من مشقة في إقناع زملائي بدخول بعضكم ...!

حسن: [ساخرا] كنت في غنى عن هذه المشقة ..

جمال: انتظر لحظة [يشير إلى أحد الضباط المارين في الغرفة ويسأله] تعال يا يوسف قل لي، ما رأيك في دخول الإخوان الوزارة الجديدة؟

يوسف: قلت لك إنها فكرة خاطئة يا جمال كف عنها .. إنهم أغبياء لا يصلحون لهذا العصر ..

جمال: [في ابتسامة] نسيت أن أقدم كلا منكما إلى الآخر .. [مشيرا إلى الضابط] البكباشي يوسف صديق عضو مجلس قيادة الثورة [مشيرا إلى حسن] '''حسن العشماوي''' ... من الإخوان.

يوسف: تشرفنا .. يقول جمال إنك لست غبيا كالآخرين .. ولكنك صغير السن جدا فيما يبدو ...

جمال: هذا كلام سليمان حافظ يكرره يوسف ...

حسن: [مخاطبا يوسف] أرجو أن لا نحكم على قوم لا تعرفهم ... ربما سمحت ظروفك يوما أن تتعرف بهم .. وعند ذلك ستغير رأيك ...

يوسف: أغير رأيي فيهم مستحيل ..

حسن: [مقاطعا] مستحيل سلفا .. يا لتمسكك بالحتمية ..

يوسف: لا داعي لمجادلتي .. فكلهم سخيف، سيطلبون إقفال البنوك، وقطع يد الفقراء، وتخريب البلاد اقتصاديا.

حسن: [في حدة] كفى لتشويه المغرضين ... تحدث موضوعيا إن شئت أو انصرف عني ..

يوسف: [في غضب] كيف تجرؤ أن تكلمني بهذه اللهجة ...؟

جمال: [متدخلا] هذه طريقة حسن في الكلام يا يوسف، فلا تغضب ... إنما أردت التعارف بينكما فحسب.

يوسف: كيف ألغيتموها أنتم في البلاد الشيوعية .. مثلا ..؟

يوسف: هل ستطبقون النظام الشيوعي ..

حسن: لا ... ولكن للشيء الواحد أكثر من بديل يصدر عن الأساس المختلف للعقيدة ..

جمال: [متدخلا] كفى نقاشا .. فهذا أمر يطول بينكما .. أجلاه إلى يوم آخر ..

يوسف: سأراك يوما في فراغ.

حسن: إن شاء الله.

[ينصرف يوسف .. ويعود عبد الحكيم إلى مجلسه]

عبد الحكيم: لم أفهم ...

حسن: [مبتسما] طبعا ...

جمال: ماذا قال لك ...؟

عبد الحكيم: شكرنا على الفكرة ... قال إنه لا يريد البت فيها وحده، ويترك ذلك لمكتب الإرشاد الذي سيجمعه اليوم ليعرض عليه الموضوع، فسألته وإذا وافق المكتب؟ فأجاب بأنه لا يوافق على ترشيح حسن، ويمكن التفكير في أربعة: الباقوري، ومنير، وعبد القادر عودة، وسيد قطب، إلى هنا والكلام يبدو مفهوما .. ولكنه أضاف إنه شخصيا يفضل أن يدخل الوزارة بعض أصدقاء الإخوان بالتفاهم معنا .. وأن يترك الإخوان الآن وشأنهم في تربية الشباب بعيدا عن الحكم إلى أن يقوم حكم دستوري .. ثم يضيف، أما الآن فالبركة فيكم .. هل فهمتم شيئا ..؟

حسن: لعلي فهمت ..!

جمال: ولكن كيف يرفض ترشيح حسن وكنت أظنه أقرب الناس إليه ..؟

عبد الحكيم: سألته، فقال إنه صغير السن.

جمال: ذات كلام سليمان حافظ ... هل اتفقا على هذا الكلام ..؟

عبد الحكيم: لا أظن أن سليمان حافظ اتصل به .. فنحن لم نكلفه بذلك .. على كل سأذهب وأسأله ..

[يخرج عبد الحكيم، يستمر الحديث بين جمال وحسن]

جمال: ماذا يقصد المستشار من كلامه؟

حسن: يقصد أولا أن يترك القرار لمكتب الإرشاد ويقصد ثانيا أن يجنب الإخوان الحكم في نظام غير دستوري .. ويقصد ثالثا أن البركة فيك يا جمال [يبتسم ساخرا]

جمال: إنه يقول البركة فيكم ..!

حسن: إنها مجاملة لعبد الحكيم .. وعلى كل فعبد الحكيم تبع لك.

جمال: وما الرأي بالنسبة للباقوري، وقد قبل الوزارة فعلا ..؟

حسن: الباقوري سيدخل ، فاطمئن.

جمال: وأنت ..؟

حسن: لا ..

جمال: أنت وشأنك .. ما رأيك في أن تشتغل في السلك الدبلوماسي؟

حسن: أتريد أن تخرجني من البلاد؟

جمال: لا .. أريد أن أستفيد منك؟

حسن: دعني في مكتبي وإذا أردتم شيئا فلن أتأخر.

جمال: قل لي يا حسن، ما سبب تمسكك بهذه الجماعة، وأنت تخالفها في كثير من الآراء؟

حسن: لم أتبين وجه الخلاف بيننا ..

جمال: أنت مثقف، متفتح الذهن..

حسن: فيها من هو أكثر مني ثقافة .. وتفتحا .. ولكنك لا تحسن الرؤيا ..

[يعود عبد الحكيم]

عبد الحكيم: سليمان لم يتحدث إليه، وسألته عن الأسماء التي رشحها المستشار، فقال إن منير وعبد القادر عودة من مرءوسيه وهو لا يعرف سيد قطب.

حسن: مضحك هذا .. إن كل رجال القانون من مرءوسيه إلا رئيس مجلس الدولة ورئيس محكمة النقض ...!

جمال: ما رأيه في حسن؟ هل سألته ثانية؟

عبد الحكيم: صغير السن .. هكذا يقول مرة أخرى.

جمال: كلنا صغير السن .. ألا نصلح وزراء .. أهي وقف على المسنين.

حسن: لا داعي لهذا الكلام .. فأنا غير وارد إطلاقا .. وأنتم ضباط جيش، هذا جواز مروركم عنده ..

جمال: اذهب إلى المستشار يا حسن، حاول إقناعه، إقناعه بدخول الإخوان الوزارة، وسنوافق على ترشيحاته.

حسن: سأذهب إليه ... ولا أضمن لكم شيئا .. إلى لقاء ..

[يخرج حسن]

(2) في المساء

[ذات الغرفة صلاح وحسن يجلسان معا يتحدثان وينتظران]

حسن: ماذا ستقول لهم؟

صلاح: سأقول ما حدث ، مكتب الإرشاد لم يوافق على دخول الإخوان في الوزارة.

حسن: أتدري الموقف بعد ذلك، ماذا عن الباقوري مثلا؟

صلاح: لا أدري ... ولكن لا بد من قول ما حدث ... وليفعل الباقوري ما شاء كما قال المستشار .. ولكن، قل لي : ما رأيك أنت؟

حسن: أن يدخل البعض الوزارة كأفراد .. وأن نكون قريبين من الحكم، هذا أفضل من البعد عنهم، فيحيط بجمال غيرنا .. ونحن لا ندري ما ومن سيكون ..

صلاح: أقلت رأيك للمستشار.؟

حسن: نعم قلته ... ولكنه رفضه .. وقال: من الخير أن نبقى بعيدين عن الحكم الآن .. إنه يرى ان السيطرة العسكرية ستتبلور عن شخص واحد يحكم.

صلاح: هل قلت رأيك لجمال ..؟

حسن: لا طبعا .. قلته للمستشار فقط ... ووحده.

صلاح: ما رأيك في دخولك أنت الوزارة؟

حسن: لا فائدة ترجى من وراء ذلك ... وعلى كل فقد رفض المستشار.

صلاح: ألست ترى أن نكون قريبين من الأحداث .. أن نكون داخلها لا خارجها.

حسن: لا قيمة لرأيي ما دام مكتب الإرشاد قد رفض.

صلاح: لماذا لم تحاول إقناع المستشار؟

حسن: أنت تعرفه ...

صلاح: وماذا كان موقف المستشار من مكتب الإرشاد؟

حسن: يبدو أنه لم يحاول توجيه المكتب إلى رأي معين، ولكن المكتب رفض – لا عن اقتناع- ولكن خشية أن يقع الاختيار على غير ذوي العقيدة الثابتة ... كما يقولون .

صلاح: ماذا يعنون بذوي العقيدة الثابتة؟

حسن: يعنون من أسميهم المتزمتين.

صلاح: أراك قاسي الحكم على إخوانك.

حسن: إني أراهم كما هم .. ولكني ألتزم رأيهم ما دامت منهم .. ولعلهم يؤمنون يوما بأن نظرية التطور ليست كفرا .. وبالمناسبة لقد قال لي المستشار وهو يبلغني قرار المكتب: يكفي في السلطة واحد.

صلاح: أيعني الباقوري ؟

حسن: بل يعني جمالا في نظري ...

صلاح: إنك تتوهم ما يعنيه.

حسن: ربما ، ولكن من يا صلاح؟ إن جمالا يحمل في أعماقه طباع ومشاعر المسئول عن النظام الخاص، في وضعه الذي انتهى إليه ... وإن خرج عن النظام .. فهو مؤيد به، إنه سيحكم كما كان يمكن أن يحكم عبد الرحمن ، ولكنه أفضل لأنه أكثر ذكاء وأوسع ثقافة وأكبر قدرة.

صلاح: ما أشد ظلمك لإخوانك.

حسن: سوف نرى .. ألم يحاولوا قتلك من قبل .. وسيحاولون قتل غيرك ؟

صلاح: لقد قلنا إنهم أتباع الملك الذين حاولوا قتلي ...!

حسن: قلنا ذلك ظنا قبل أن نتبين الحقيقة .. ولما علمناها سكتنا حفظا على وحدة الصف بين أنفسنا .. جمال سيفعل مثلهم، ولكن من مركز السلطة .. بطريقة أكثر ذكاء.

[يدخل جمال]

جمال: ما وراءكما؟ لم نتلق إلى الآن .. الباقوري وحسن ..؟

صلاح: لا أحد .. وإذا دخل الباقوري فبشخصه .. لقد رفض مكتب الإرشاد الاشتراك في الوزارة.

جمال: لا يمكن .. لقد قبل الباقوري، وسيحلف اليمين الليلة ...

صلاح: سيحلف بصفته الشخصية ، لا صلة للإخوان بذلك.

جمال: ولكن الكثير من الإخوان يؤيده ..!؟

صلاح: هذا قرار مكتب الإرشاد.

جمال: لقد بدا لي من حديث عبد الحكيم مع المستشار صباح اليوم أنه موافق.

صلاح: [في إصرار] لقد رفض مكتب الإرشاد؟

صلاح: افعل ما شئت.

جمال: ألا تتصل به يا حسن؟

صلاح: ليس لرأي حسن الآن قيمة ... إنه ستهم بأنك أخذته .. ومكتب الإرشاد لن يوافق.

جمال: عدلت عن اختياره ، فما العمل الآن؟

صلاح: اتصل بالمستشار إن شئت.

جمال: سأفعل.

[يتقدم جمال إلى التلفون بجواره، يستمر الحديث بين صلاح وحسن]

صلاح: ماذا ترى في الموقف؟

حسن: بداية أزمة .. أزمة ثقة مع جمال، وأزمة ثقة بين الإخوان .. إن جمالا يتصل بغيرنا في ذات الوقت .. سيتأزم الوضع خلال سنة إلى حد بعيد.

صلاح: وما العمل؟

حسن: لست أدري .. أنا من الإخوان .. ولكن جمالا سينتصر ..ز

صلاح: ألا تحاول شيئا..؟

حسن: كفاني .. إن محاولاتي لن تجدي .. أنا متهم اليوم من الجانبين: الإخوان وجمال، فدعوني وشأني .. كفى إرهاقا لي.

صلاح: (في حدة) أفهم ما تعني بداية الأزمة ... أتفهم الصدام الذي سيحدث؟ أتعلم نتائجه؟ ما قيمة الأرواح عندك، بل ما قيمة الدعوة ذاتها إذا قلت لي اتركوني وشأني فأنا مرهق.

حسن: افهمه .. وأعلم .. ولكن حيلتي ...؟

صلاح: أن تحاول.

[يحاول جمال متغير الوجه]

جمال: لا أفهم ما يقول .. ما معنى خذوا أصدقاء لا أعضاء.

المكتب لم يوافق ألا يستطيع إقناع المكتب؟

حسن: يستطيع ... ولكنه لا يريد أن يفرض رأيه ..

جمال: وما رأيه؟

حسن: سله .. لا أدري..

جمال: أتبدءوننا بعداء ... أترفضون المشاركة في حكم نحن وراءه؟

صلاح: لا طبعا .. لكن المكتب رفض دخول الهيئة .. خذوا أصدقاء كما قال لكم ، أو أفرادا بذواتهم ... وسيتركون عندئذ الهيئة.

جمال: لقد قبل الباقوري وانتهى أمره .. سيحلف اليمين بعد قليل.

صلاح: ليس من المصلحة ذلك .. إنه لم يحضر المكتب وهو عضو فيه .. إننا لم نستطع العثور عليه طوال النهار.

جمال: إن المستشار يراوغنا.

صلاح: ليست المراوغة من طبعه، هل قبل ثم عدل، أم أنه ترك الأمر من البداية في يد مكتب الإرشاد؟

جمال: قال: إنه يترك الأمر لمكتب الإرشاد .. ولكنه مناقشة المبدأ، وترشيحه بعض الأسماء ربما منهم الباقوري لدراستهم كان يعني أنه قبل.

صلاح: ومن سيدخل الوزارة لو أنه قبل؟

جمال: من رشحهم في الصباح أو بعضهم على الأقل ، نعم ، سيدخل الباقوري فيما بعد.

صلاح: [إلى حسن] هل تحاول معه مرة أخرى؟

حسن: لا ..

جمال: أدخل أنت إذا بشخصك، وسأقنع سليمان حافظ ومجلس الثورة

حسن: قلت لا ...

جمال: إذا ، أنتم تعلنون علينا حربا.

حسن: لا .. ولكننا لن ندخل الوزارة هذه المرحلة .. هذا قرار المكتب.

جمال: لا تقنعني بأن للمكتب أهمية .. أنا أعرف رأيهم ..كنت تستطيع إقناعه ، وكان المستشار يستطيع أن يفرض عليه رأيه.

حسن: إنه لم يعتد أن يفرض رأيه .. أما أنا فابعدني عن هذا الموضوع كله، فأنا أعلم نتائجه على أعضاء المكتب وغيرهم ممن اتصلوا بك .. سيقولون اتفقنا على أمر .. أنت وأنا ..

جمال: أراك تخاف الاتهام؟!

حسن: أنا لا أخاف شيئا .. ولكني لا أريد افرقة بيننا أن تقوم.

جمال: (كالهامس) إنها قائمة.

صلاح: (متدخلا) ماذا تقول؟

جمال: لا شيء.

حسن: بل يقول إن الفرقة قائمة بين الإخوان.

جمال: أف لك .. أترككم الآن .. وسأرسل عبد الحكيم ليكمل الحديث معكم .. لسنا في حاجة إلى تأييدكم .. وسيدخل الباقوري .. وسيكون له أتباع.

[يخرج جمال]

صلاح: ماذا ترى؟

حسن: الضباب مخيم .. لا أرى شيئا.

صلاح: سأكلم رشاد مهنا ليؤجل اليمين حتى نتفق .. وسيحدث دخول الباقوري فرقة.

حسن: الفرقة موجودة .. مشكلتنا أننا لا ندري ما نريد.

صلاح: إلا المستشار؟

حسن: أغلبنا لا يفهم المستشار .. كم عجبنا يوم قال لنا حين اخترناه: (تخلقوا بالقرآن أيها الإخوة... فلن يهزمكم أعداؤكم، ولكن تهزمكم نفوسكم) عجبنا من ذلك .. وهو الصواب .. إنه يخشى علينا فتنة الحكم ..نحن غير مؤهلين له الآن.

صلاح: إذا هو موافق على قرار مكتب الإرشاد؟

حسن: أظنه كذلك .. ولكن لغير الأسباب التي بنى عليها المكتب قراره.

[يدخل عبد الحكيم]

عبد الحكيم: ما الخبر .. جمال ثائر .. لماذا أغضبتموه؟

صلاح: لا شيء ... مكتب الإرشاد رفض دخول الإخوان الوزارة.

عبد الحكيم: ولكن كلام المستشار صباحا كان يفيد القبول.

حسن: لا ... لقد قلت أنت إنك لم تفهم .. وأبلغتنا أنه ترك الأمر لمكتب الإرشاد.

عبد الحكيم: وهل هذه طريقته كجمال؟

حسن: ما تعني؟

عبد الحكيم: سيبدي لكم جمال أحيانا أنه سيترك الأمر لمجلس الوزراء.

حسن: أي ماذا ..؟

عبد الحكيم: أي أنه لن يفعل شيئا.

حسن: لا .. المستشار شيء آخر.

عبد الحكيم: أعلم ذلك .. المستشار صريح.

صلاح: أتعني أن جمالا ليس صريحا؟

عبد الحكيم: لم أقصد ذلك تماما.

حسن: [باسما] تعني تقريبا.

[يقوم صلاح إلى التلفون المجاور .. ويتكلم فيه]

عبد الحكيم: هل سيحاول صلاح مع المستشار ثانية؟

حسن: لا أظن .. بل سيحاول تأخير حلف الباقوري لليمين.

عبد الحكيم: مستحيل .. ما الضرر من انتهائه؟

عبد الحكيم: أستحلفك بالله يا حسن .. هل موقفكم سليم؟

حسن: وأنا استحلفك بالله أولا .. هل كنتم جادين في عرض الوزارة على الإخوان؟

عبد الحكيم: [مترددا] بالتأكيد .. وهل شككت في ذلك ..؟

حسن: لست أدري.

عبد الحكيم: وما ستفعلون بالباقوري؟

حسن: في رأيي أن المستشار سيحاول أن لا يصدر المكتب قرارا بفصله.

عبد الحكيم: كيف سيكون وضعه إذا؟

حسن: ربما استقال هو من الإخوان .. فأنا أعلم حرصه على الوزارة.

عبد الحكيم: وأنت ألا تحرص عليها؟ أتريد العمل معنا على أية صورة من الصور؟

حسن: لا .. اتركوني لمكتبي .. فأنا أحب المحاماة .. وأنا سعيد بعملي في الحركة دون قيود الوظيفة أو الوزارة.

عبد الحكيم: ألا تخشى غضبة جمال من موقفك هذا؟

حسن: أنا لا أخشى غضب البشر.

عبد الحكيم: ولا من إخوانك؟

حسن: اسمع يا عبد الحكيم .. أنا أعلم أن جمالا أقنع الكثيرين من الإخوان بسلامة موقفه، وأنه سيستمر في ذلك . . إنه سيحارب المستشار وحده، وعند ذلك سيلتف حوله الكثيرون..

عبد الحكيم: أتتنبأ ...؟

حسن: لا .. بل أستنتج فقط.

[صلاح يعود من التلفون يتحدث وهو واقف]

صلاح: لم يكن ممكنا تأجيل اليمين .. سأذهب إلى المستشار وأبلغه رأيي .. هيا يا حسن.

حسن: العبرة الآن برأي مكتب الإرشاد.

عبد الحكيم: ثقا أن الكثير منهم موافق على دخول الباقوري الوزارة، وسيخذلون المستشار.

حسن: أعلم ذلك... وعلى كل فأنت تعلم مكاني إن شئت شيئا ..

[ينصرف صلاح وحسن]  

اليوم الثاني

[29 ديسمبر 1952 ]

[بعد ظهر يوم 29 ديسمبر 1952 – بعد الغداء – في منزل عبد القادر .. ذات الغرفة التي بدأت في الفصل الأول .. (الأيام السابقة) يجلس منير وفريد وصالح وصلاح وحسن وعبد القادر، وجمال وعبد الحكيم و'''أنور السادات'''، وعبد اللطيف وصلاح سالم وأحمد وأنور و'''كمال الدين حسين'''، موزعون في مجموعات .. يتحدث الجميع معا حينا وتتحدث كل مجموعة وحدها حينا آخر..]

[جمال وفريد وصالح في ركن .. ومنير وصالح وسالم وعبد الحكيم في جانب آخر .. أنور وعبد القادر وحسن في جانب ثالث]

جمال: [بصوت مرتفع موجها كلامه إلى عبد القادر] أراكم تتحدثون حديث الفقراء وتأكلون طعام الأثرياء.

عبد القادر: نحن لا نأكل أكثر مما تأكل في بيتك ، كلانا من الفقراء .. أو متوسطي الحال.

جمال: ولكن الطهو كان ممتازا.

عبد القادر: الفقراء يحسنون الطهو أحيانا.

حسن: [متدخلا] كف عن الرجل يا جمال .. فأنت تأكل ذات الأكل في بيتك .. وإن كان الطهو هنا أفضل ..

[تنصرف كل مجموعة إلى حديثها الخاص .. الصوت مسموع في مجموعة أنور وعبد القادر وحسن]

أنور: لن أنسى هذا البيت أبدا.

حسن: ذكر أنك معه تديره.

عبد القادر: [مغيرا الموضوع] قل لي يا أنور، إلى ماذا انتهيتم بالنسبة إلى إعلان الجمهورية.

أنور: يحسن سؤال جمال في هذا .. أما أنا فأنت تعرف رأيي.

عبد القادر: وما حال المفاوضات ..؟

أنور: فلننتظر حتى ينتهي جمال من حديثه مع فريد ونسأله.

حسن: ما سبب الجفاء بين جمال ورشاد مهنا؟ في رأيك أنت.

أنور: الجفاء بينهما قديم .. ولكن الأغلبية الآن مع جمال.

حسن: حتى أنت ..؟

أنور: نعم، حتى أنا .. إنه يحسن معاملتي.

عبد القادر: تعني يحسن الاستفادة بك، وبماضيك في الحركات الوطنية.

أنور: [في شبه همس] اسمع يا عبد القادر، سأقول لك رأيا في هذا الموضوع .. رأيا قررت أن أنتفع به، وأنصحكم أنتم أيضا بذلك: لا تعادوا جمال، فإنه سيأكل الجميع .. لن يبقى إلا من "يلبد بين أسنانه" .. إنه أسد الموقف.

عبد القادر: أعلينا ، لا نحسب ذلك ، وخاصة المستشار.

أنور: هل تعلم أن الكثير من الإخوان يريد أن ينادي به رئيسا لهم بدلا من المستشار، ولكنه يرفض.

عبد القادر: خيرا فعل.

أنور: لماذا .. إنه كسب لكم.

عبد القادر: لا أعتقد ... وإن كنت أوافقك على أنه سيأكل كل من يقف في سبيله.

أنور: وسنكون معه ضدكم.

حسن: ولو بغير حق ...؟

أنور: لم أقل ذلك، ولكنه ذكي، قوي ، ثابت الجذور، في الجيش ، ثم هو مخلص لوطنه.

عبد القادر: أو لنفسه ..

حسن: سينسف من حوله .. متى تفهم أن الإخوان لا يريدون عداءه؟

أنور: واجبكم أن تثبتوا هذا [يرتفع صوت فريد حيث يجلس بجوار جمال]

فريد: أسمعت ما يقول صديقك يا حسن؟

حسن: ماذا يقول؟

فريد: يقول إنه يريد أن يكون على مكتبي زران، إذا ضغط على أحدهما قام الشعب كله، وإذا ضغط على الآخر جلس الشعب كله .. ولا يريد في البلد عصاة ..

حسن: [موجها كلامه إلى جمال] إنك لا تريد شعبا إذا، بل ولا قطيع أغنام .. إن الاراكوزات وحدها التي يمكن التحكم فيها بالأزرار.

جمال: لا .. بل هذا هو النظام في مفهومي ..

حسن: ألم أقل لك إنك تريد أن تكون مشروع دكتاتور فاشل. ستخسر البلد كثيرا بذلك ..؟

جمال: [في غضب] لا تخاطبني هكذا .. تعال إلى جواري وقل لي ما تشاء .. بيني وبينك .. أنا احتملتك لصداقتك فقط... ولكنك تصر أن تكون من العصاة ..

حسن: [وهو يقوم ليجلس إلى جوار جمال] بل أريد – وبحرص – أن نكون أحرارا .. هذا ما كنا نتحدث فيه .. نريد شعبا هو مجموع أحرار.

جمال: الحرية الزائدة عصيان يعصف بالبلد ومصالحها..

حسن: نجعل لها ضوابط قانونية واضحة، ولا نترك الضوابط لك.

جمال: بلا شك الفوضى..

حسن: دعك من هذا .. إن السيادة للقانون المعروف سلفا للناس ..

جمال: أي قانون تريد .. كم أراك مولعا بمهنتك ..

حسن: القانون المستمد من الدين، المحقق لمصالح الناس. جمال: لا تتهمني بغير دليل .. ألم أخرج كل من كان لكم من السجون.

حسن: كان حقا عليك أن تفعل ..

جمال: حقا علي ! لماذا ؟

حسن: لأنك شريكهم ..!

جمال: لا تقل هذا أمام الناس .. فإنه يضايقني .. لقد وعدتك ووفيت بوعدي ..

حسن: صحيح أنك فعلت ..

جمال: إذا .. هلا أديت لي خدمة ..؟

حسن: وما هي؟

جمال: هيا بنا إلى ذلك الركن [يشير إلى ركن خال]

[يقومان معا ويجلسان فيه]

جمال: [مواصلا حديثه] أنت تعلم حاجتنا إلى مال .. وقد أبلغني الفضيل الورتلاني أنه يمكن الحصول على قرض بعشرين مليون جنيه استرليني من الكويت .. فما رأيك؟

حسن: لا أعلم شيئا عن الكويت وإمكانية الاستدانة منها .. ولكن. ماذا فعلتم في الأرصدة الاسترلينية .. المجمدة لنا في إنجلترا..

جمال: لم ننته منها بعد .. ولكن الفضيل يقول إنه يمكن الحصول على هذا القرض وبدون فوائد. حسن: لا أعلم ..

جمال: هل يمكنك السفر معه إلى هناك لتتولى الأمر ..؟

حسن: ولماذا لا يسافر وحده ..؟

جمال: أنت مصري ومحل ثقة، فسفرك معه يطمئننا ..

حسن: أسأل المستشار في ذلك ..؟

جمال: وما دخل المستشار في هذا الموضوع.

حسن: قلت لك أني منهم .. لن أقوم بعمل لكم إلا بموافقتهم ..

جمال: أنت وشأنك، ولكن أجبني برد، فالأمر عاجل وحاول إقناع المستشار بالموافقة.

حسن: لا أعتقد أنه يرفض.

جمال: إنه لا يثق في.

حسن: وأنت السبب.

جمال: كيف؟

حسن: أنت تريد من يوافقك لا من يخلصك النصح.

جمال: إنه يخالفنا في كل شيء .. ونحن أصحاب السلطة.

حسن: هو ينصحكم .. وأنتم تفعلون ما شئتم .. اسمحوا للناس. أن يقولوا لكم الحق، لا تصدقوا من يوافقك دائما..

جمال: أنا أستطيع أن أعصف به إني أملك النظام الخاص معي الآن وخاصة هو يحاول إلغاؤه أو تغيير قياداته .. لا أدري ..

حسن: كلمه في هذا وسيبذل لك الصدق لأنه لا يكذب .. بالمناسبة: لقد طلب مستر (إيفانز) مقابلة بعض الإخوان للتعرف على رأيهم في المفاوضات .. وطلب مني المستشار أن أبلغك ذلك، وقد اختار لذلك منير وصالح..

جمال: لا مانع من مقابلة مستر (إيفانز) ونرى أن تكون أنت معهم ..

حسن: قلت لك إنه اختار فعلا .. ومن اختارهم أفضل مني ..

جمال: ولكن وجودك يطمئنني.

حسن: أنا أطمئن إليهما أكثر من نفسي ..

جمال: [بصوت مرتفع] عبد الحكيم هلا جئت لحظة [يقوم عبد الحكيم يحضر إليه] لقد طلب مستر (إيفانز) مستشار السفارة البريطانية مقابلة بعض الإخوان وأنا أفضل أن يكون حسن من بين من يقابلهم، هلا أقنعته ..

عبد الحكيم: لماذا لا تكون مع من سيقابلهم ..؟

حسن: لأن المستشار اختار منير وصالح، وهما أفضل مني .. فلا داعي لأن أكون معهما ..

عبد الحكيم: جمال يثق فيك.

حسن: وأنا أثق فيهما أكثر من ثقتي في نفسي ..

عبد الحكيم: أعرض الفكرة على المستشار إرضاء لجمال ...

حسن: لا .. لا أفعل ..

جمال: وي .. لقد عاوده العناد هلا نقوم ..

[يسلمون وينصرفون] 

اليوم الثالث

25 فبراير 1953

[منزل منير – أثاث ينم عن ذوق سليم، غرفة الجلوس .. بعد الغداء .. يجلس المستشار ومنير وصالح وخميس .. جمال وسالم الصغير وعبد الحكيم وكمال .. يدخل حسن وعبد القادر قادمين من سفر يسلمان مصافحة باليد على الجالسين ، ويرحبون بهما .. ثم يتم المستشار حديثه] المستشار: [متما حديثه] هذا هو رأينا بوضوح .. جلاء غير مشروط فإذا عجزتم عن ذلك، وبقيت القاعدة قابلة لعودة الإنجليز عند قيام الحرب أو خطر الحرب، يجب أن يقرر خطر الحرب مجلس الأمن .. أو اتفاق الطرفين ..

كمال: رائع ..إن هذا الموقف المتشدد يساعدنا كثيرا في التفاوض.

المستشار: ماذا تعني بالموقف المتشدد ..؟

كمال: أعني الوقوف على الحياد بين المعسكرين الدوليين ..!

جمال: [متدخلا] اسمح لي يا أستاذ .. هل تقصد هذا الرأي حقيقة أم أنك إنما تقصد الظهور بموقف المتشدد عونا لنا .. أعني لنحصل على أكبر كسب ممكن في التفاوض؟

المستشار: أنا لا أقول إلا ما حقيقة .. ولكن، ما هو التشدد الذي ترونه في هذا القول .. إنه الطلب الطبيعي للحركة الإسلامية .. ولكل وطني مخلص لوطنه ... لسنا أنصار غرب ولا شرق .. إن احتلال أرضنا أمر غير مشروع، لذلك نرفضه في أية صورة، .. بمعاهدة أو بغير معاهدة ..!

جمال: ولكنك تعلم أن وضعنا الطبيعي أننا من أنصار الغرب ..

المستشار: لماذا ؟

جمال: لأننا مرتبطون بالغرب طبيعيا، فالشيوعية لا نرضاها دينا ولا وطنية .. والغرب جربنا استعماره، وهو أهون مما لم نجرب .. فضلا عن أن أمريكا لا تعتبر مستعمرا في الوقت الحاضر .. إنها تعاون العرب على الاستقلال ..

المستشار: إذا كنتم قد جربتم الاستعمار الغربي وارتضيتموه، فلماذا تحاربونه .. إن كل استعمار فكري أو عسكري أو اقتصادي مرفوض، بما في ذلك استعمار الأمريكان ..

جمال: أترتضي الشيوعية وهي مخالفة للدين ..؟

المستشار: أنا لا أرتضي استعمار الكرملين، فكلاهما مخالف للدين.

جمال: إذا لماذا تصر على الحياد.

المستشار: لا ، لأن طبيعة أمتنا وأصول ديننا ترفض الاستعمارين.

كمال: [متدخلا] فإذا لم نستطع الحياد .. إذا لم نستطع الخروج من معاهدة 1936 إلا بمعاهدة جديدة؟

المستشار: قلت لكم رأيي في ذلك .. [يصغي]

منير: الواقع أن رأي المستشار في هذا الموضوع واضح .

صلاح: [في استحياء] ولكني لم أفهم بعد، فهل يمكنك شرحه لي .. لو سمحت ..!

منير: طبعا يمكنني [ينظر إلى المستشار كالمستأذن – فيبتسم الأخير، فيواصل منير حديثه] إن الأخ الكبير يقدم موقفكم ، واستحالة عدم حصولكم على مطلب الجلاء بغير معاهدة مستغلة القاعدة الحربية في السويس .. ولذلك فهو يرى أولا أن تكون مدة الارتباط بعودة الإنجليز إلى القاعدة محدودة، ثم إن تكون أساسا في حالة تعرض مصر أو إحدى الدول العربية لهجوم مسلح من دولة أجنبية .... أما مسألة قيام خطر الحرب، أي خطر الاعتداء على إحدى هذه الدول ، فإنه أمر يجب أن تتفق عليه لجنة من الطرفين المتعاقدين، مصر وإنجلترا .. هل هذا واضح؟

كمال: واضح ومعقول؟

جمال: فإذا لم يتفق الطرفان ..؟

منير: تكون العودة بقرار من مجلس الأمن بوجود حالة خطر الحرب .. خطر الاعتداء على إحدى تلك الدول.

سالم: وما دخل مجلس الأمل في هذا الأمر ..؟

جمال: وجيه هذا التساؤل .. لماذا ندخل في دوامة مجلس الأمن.

منير: لأن مجلس الأمن لن يتخذ قرارا متحيزا في هذا الشأن .. فحق الفيتو (الاعتراض) مكفول لكل من المعسكرين المتخاصمين، ولذلك لن يوافق عليه جميع المتخاصمين إلا إذا كان خطرا حقيقيا .. أو خطر يأتي من غيرهما .. وبهذا نضمن الحياد عند توتر العلاقات بين المعسكرين .

جمال: ولكن هب أن الخطر كان حقيقة .. من روسيا ... وروسيا ستستعمل حق الفيتو لتعطل القرار.

صالح: أتساءل جادا إذا كان الخطر حقيقيا فستعمل مصر للعودة إذا لم تستطع هي وحدها رد العدوان.

جمال: آه صحيح هذا أمر مفهوم، ولكن هل يقبله الإنجليز؟

منير: هذا واجبكم في المفاوضة.

سالم: وما المدة التي ترونها معقولة للجلاء ؟

منير: سنة ..كما قال الأخ الكبير.

جمال: لم يستطع صدقي أن يصل إلى أقل من ثلاث سنوات.

المستشار: [متدخلا] كان هذا منذ مدة كان سنة 1946 أي أن الجلاء كان سيتم عام 1949 لو أن الاتفاقية تمت وقتذاك.

جمال: [يطرق لحظة، ثم يرفع رأسه] فإذا لم نستطع إقناعهم بسنة؟

المستشار: [لا يجيب، ويومئ إلى منير]

منير: لماذا؟

جمال: إن عملية الجلاء ذاتها تحتاج إلى أكثر من سنة، ولا تنس أننا سنستلم أثناء الجلاء أجهزة ومعدات معقدة لم نعتد عليها.

عبد القادر: [مقاطعا] أتتكلم الآن كعسكري أم كسياسي مفاوض؟

جمال: [هامسا] ليتك لم تتكلم ..! [ثم يرفع صوته مجيبا] الاثنين ... الاثنين [ملتفا إلى حسن] أليس كذلك

يا حسن؟

حسن: [ضاحكا] لا تعتمد على تأييدي لك فأنا متهم ..؟

المستشار: [بجدية] لست متهما وإن كنت صديقا لجمال .. فهذا لا يعني اتهامك.

حسن: الحمد لله .. ولكن أجب أنت وحدك يا جمال.

عبد القادر: [مقاطعا] لقد أجاب .. كفتني إجابته .. ولم أقتنع بها.

جمال: لماذا لم تقتنع بها.

المستشار: [متدخلا] لا يهم هذا .. ولكن ماذا تعني أنت يا جمال؟

جمال: أعني أن الجلاء ذاته يحتاج إلى أكثر من سنة.

المستشار: إلى كم سنة يحتاج؟

جمال: إلى ثلاث سنوات على الأقل.

المستشار: إذا لم تأت بجديد، فهذا سمعناه قديما.

جمال: [مستدركا] سنحاول أن نختصرها ما استطعنا.

منير: أجل .. حاولوا.

المستشار: ولكنكم نسيتم أمرا .. أمرا هاما.

منير: [في تعجب] ما هو؟

المستشار: إن الأمر كله بيد هذه الأمة تقرره بممثليها الذين انتخبوا انتخابا صحيحا .. وكل ما يتبقى من محاولات واجتهادات منكم، تؤجرون عليها إن خلصت نيتكم.

منير: أنا لم أثر هذا فهو كان واضحا منذ بدء حديثك.

جمال: الآن .. ما معنى .. [مخاطبا حسن] ماذا يعني بالأمة؟

حسن: يعني هذا الأمة ... ومن يمثلها تمثيلا صحيحا في انتخابات حرة ..! إن هذه الأمة ليس لأحد الوصاية عليها لمجرد أنه قام بحركة انقلاب عسكري .. أنت تعلم أنه يعني ذلك .. فلماذا تتجاهل ذلك الآن؟!

جمال: آه .. تذكرت .. ولكن [ينظر إلى صحابه] هل تعتقدون أن الوقت مناسب الآن لانتخابات حرة؟

حسن: لقد انقضت الشهور الستة التي ضربتموها موعدا..

جمال: ولكن ظروفا جدت ... ظروفا تقتضي التأجيل.

المستشار: أرجو أن لا تدعوكم الظروف إلى تأجيل طويل .. [يقف] أستأذن الآن ... أستودعكم الله.

[يقف الجميع يتصافحون ويغادر الغرفة ومعه منير وعبد القادر]

[يظل الجميع واقفين يتحدثون فرادى حتى يعود منير .. يسلمون ويخرجون الواحد بعد الآخر ..] 

اليوم الرابع

ظهر يوم 15 مايو سنة 1953

[ظهر 15 /5/1953 غرفة مكتب في مجلس قيادة الثورة بالجزيرة، سالم الصغير وحسن يجلسان متجاورين على أريكة جلدية يتحدثان بصوت خفيض .. يدخل جمال فيقوم سالم من مكانه تاركا إياه لجمال الذي يجلس ثم يصافح حسنا باليد وهما جالسان]

جمال: جميل منك أن حضرت .. لقد طلبت من عبد الحكيم أن يبلغك رغبتي في لقائك على انفراد .. جميل أن استجبت له .. يبدو أنك تستجيب إلى عبد الحكيم أكثر من استجابتك لي .. ومع ذلك سأتكلم معك أنا، ثم يلحق بنا عبد الحكيم .. ولكن اسمح لي بلحظة أنهي فيها أمرا مع سالم ...

حسن: سأترككما وأجلس عند أمين شاكر حتى تنتهيان.

جمال: لا ... لا .. بل ابق معنا، فليس ما بيننا سرا عليك [موجها كلامه إلى سالم الذي يجلس على مقعد مجاور بحيث يكون خلف حسن] ستذهب إليه إذا .. ولا تزد عما اتفقنا عليه.

سالم: تقصد .. [يضع قبضته تحت ذقنه ويضحك]

جمال: نعم [مخاطبا حسن] هل فهمت قصد سالم من حركته؟

حسن: لم أعتن بأن أفهم ..

جمال: [يضحك] لا بد أن تفهم لتعلم أي شيطان يجلس معنا ... إنه يقصد المستشار .. إنه يعنيه حين يضع قبضتيه تحت ذقنه كأنها لحية طويلة ... إنه يتهمه دائما بأنه شيخ متزمت.

حسن: [في تأفف] ومع ذلك ينافقه في الحديث .. على كل أنت أعلم بأصحابك من الملائكة والشياطين.

جمال: [يضحك] صدقت .. صدقت ..

سالم: [غاضبا] ما كان لك يا جمال أن تفضحني أمام حسن .. أنت توقع بيننا .. وتوقع بذلك بيني وبين المستشار..!

جمال: أردت هذه الوقيعة عامدا .. ومع ذلك فليس فيها جديد، فحسن يعلم رأيي فيك .. والمستشار يعتبرك كاذبا، وهو لا يحب الكذابين .. [يضحك] سالمك [في غيظ] وكيف أذهب إليه إذا .. ؟

جمال: ستنتهي من مقابلته قبل أن يراه حسن .. فالأمر لم يتغير ... [يضحك] اذهب الآن .. اذهب قبل فوات الأوان ..

[سالم يخرج]

جمال: [مخاطبا حسن] ... إيه .. ما وراءك؟

حسن: ليس ورائي شيء .. إني أرقب الآن ما أمامي.

جمال: أمامك كل خير .. سأكلمك بصراحة .. فأنت تعلم مكانتك عندي .. إن لك عندي تقديرا خاصا .. أنت تعلم ذلك .. ألا تعلم ..؟

حسن: أعلم .. ولكن المهم ... لماذا طلبت لقائي على انفراد اليوم، وقد كنا بالأمس جميعا عند منير .. لقد بدا لي أنك كنت لا تريد أن تتحدث .. كنت تزوغ من كل مناقشة .. كأنك إنما ذهبت لتتعشى فقط.

جمال: [مقاطعا] على كل كان عشاء طيبا.

حسن: [في ضيق] أنا لا أهزل الآن .. لماذا طلبتني على انفراد ورفضت بالأمس أن تتكلم في أي موضوع .. بل كأني بك قد أرضيت زملاءك بذلك.

جمال: [في جد واضح] سأكلمك بصراحة.. ولذلك أردت أن ألقاك وحدك .. لقد استقرت اليوم أقدامنا، ولم نعد في حاجة إلى الإخوان ... تماما كما لم نعد في حاجة إلى نجيب. كنتما ضرورتين إلى هذه المرحلة، أما الآن فلا .. لقد استفدنا من موقفكما في كل شيء .. في الداخل والخارج [يصمت]

حسن: وبعد ..؟

جمال: وبعد، سأعرض عليك عرضا شخصيا .. يستفيد منه كلانا .. وتستفيد منه البلد.

حسن: [مقاطعا] أسألك ، وبعد بالنسبة إلى الإخوان لا إلى شخصي .. احتفظ الآن بعرضك الشخصي علي .. احتفظ إلى حين .. ماذا عن الإخوان ..؟

جمال: الإخوان عصاة .. عصاة لا يمكن ترويضهم ولا استمرار التفاهم معهم [يصمت ناظرا إلى حسن في استفزاز]

حسن: عصاة استفدت من عصيانهم .. استفدت داخليا وخارجيا كما تقول .. أليس كذلك..؟

جمال: الاستفادة تمت وانتهى أمرها .. وأنا مثلك أرقب أمامي ..

حسن: وماذا ترى أمامك ..؟

جمال: [في جد واضح] أنا لست على استعداد لأن أظل تحت وصاية المستشار ومن حوله .. ولست على استعداد أن أأتمر بأمر صلاح الذي يظن أنه قدم لنا يدا يجب أن لا ننساها .. ولست على استعداد لتحقيق مطالب الأغبياء منكم .. أنا على استعداد لاستغلالهم للتخلص من سيطرة الهضيبي وصلاح .. ولكني لست على استعداد للسير وراءهم .. وراء إرهابهم .. [يصمت مطرقا]

حسن: [كاظما عيظه] وبعد ..؟

جمال: [يرفع رأسه ويتكلم بحدة] كم أنتم معشر الإخوان .. ثلاثون في المائة من البلد؟ .. أنا على استعداد أن أضحي بثلاثين في المائة لأنقذ السبعين .. أفهمت؟

حسن: رحم الله أيام فاروق .. كان يقول إنه على استعداد لأن يضحي بعشرة في المائة فقط.

جمال: [غاضبا] لا تقارني بفاروق .. فأنا مخلص لبلدي.

حسن: [في حدة] كان هو أيضا يقول ذلك..

جمال: [في رفق مفاجئ] هلا سمعت عرضي الشخصي عليك ..؟

حسن: أسمعه .. فهاته .

جمال: [يطرق لحظة ثم يرفع رأسه] هل لي أن أعرف أولا رأيك في هيئة التحرير ..؟ رأيك أنت لا رأي المستشار .. ولا رأي الإخوان ...؟

حسن: رأيي أن هيئة التحرير محاولة هزيلة فاشلة لإنشاء حزب الشعب .. هل تذكره؟

جمال: [في استنكار رقيق مصطنع] أتقارنني بصدقي ..؟

حسن: طبعا لا .. لا أقارنك به أبدا ... هو أكثر منك ذكاء وقدرة .. ولذلك أرى حزبه الذي أسميناه حزب القش أفضل من حزبك الذي تسميه هيئة التحرير .. إن حزبك لم ولن يجذب إلا الانتهازيين وحثالة النفعيين.

جمال: [في أسف] هذا رأي قاس في هيئة التحرير لم أكن أنتظره منك ... يبدو أنه رأي المستشار ؟؟ وعلى كل ..؟

حسن: [مقاطعا] أنا لم أسمع رأي المستشار بعد ... ولكني قلت لك رأيي الشخصي ... فماذا تريد بعد ذلك ..؟

جمال: يبدو أن لا مجال لما كنت سأعرض عليك ... وعلى كل فاعلم أن هيئة التحرير ستبقى وإن تغير اسمها وأسلوبها مع الوقت والتجارب .. إن هذا الهيئة وجدت لتبقى مهما فعلتم ..

حسن: [مقاطعا في سخرية] كما يقال عن إسرائيل.

جمال: [في جد] نعم .. كما يقال في إسرائيل إن شئت هذه المقارنة التي لا محل لها في حديثنا .. إننا نتكلم عن مصر، وعن مستقبلها السياسي .. إن إسرائيل وقضية فلسطين ليست جزءا من برنامجنا معشر الضباط الأحرار .. وأنت تعلم ذلك وإن حاولت تغيير موقفي .. وعلى كل مادمت قد قارنت بيني وبين صدقي، فهل تعلم رأيي فيه ..؟

حسن: يسرني أن أعلمه .. لعله السياسي الوحيد الذي لم أسمعك تتحدث عنه.

جمال: أولا .. أنا لا أشك في وطنيته وإن خالفتني أنت والكثيرون في ذلك.

حسن: [مقاطعا] ولا أنا أشك في وطنيته.

جمال: [متمما حديثه] لو قدر لهذا الرجل أن يحكم عشر سنوات لتغير وضع مصر وتاريخها ولكنه لم يستطع .. حال بينه وبين ذلك وجود الملك والأحزاب والإنجليز .. وغياب أمريكا عن المنطقة كقوة موجهة .. أو معاونة .. ولكن وضعنا الآن قد تغير .. لقد تخلصت من الملك .. ومن الأحزاب ... وسأتفق مع الإنجليز بعون أمريكا.

حسن: [مقاطعا في همس] بعون الله وموقف المستشار.

جمال: [متما حديثه وقد سمع الهمس] كل هذا بعون الله .. ولكن الله جعل لنا عقولا، وأمرنا أن نستعين بالأسباب، ومنها أمريكا وموقف المستشار إن شئت.

حسن: [في همس] إياك نعبد .. وإياك نستعين.

جمال: [في ضيق] لم أعرفك درويشا .. فدعك من الدروشة أرجوك .. إننا نناقش واقعا.

حسن: استمر في حديثك، فإنني أراك نسخة مشوهة من صدقي في مصر ونوري السعيد في العراق.

جمال: [مقاطعا] لا شأن لي بغير مصر .. فهي بلد .. وصلاح حالها مطلبي..

حسن: [في هدوء] .. أريد الآن أن أسمع عرضك الشخصي علي ... وإن كنت أكاد أبينه .. ولكني أريد سماعه منك.

جمال: لا أعتقد أن هناك جدوى من سماعك إياه بعد أن عرفت رأيك .. وإن كنت –والله – أقصد من ورائه مصلحة البلاد .. ومصلحتك أيضا ..

حسن: لا عليك مما عرفت رأيي . أريد أن أسمع العرض، وأقول لك رأيي فيه.

جمال: لك ذلك .. ولكن أريد أولا أن أسألك سؤالا .

حسن: أراك تواصل الأسئلة ولا تعرض شيئا.

جمال: هذا آخر سؤال.

حسن: سله إذا إن كان الأخير.

جمال: قل لي يا حسن .. هل تتفق مع الإخوان في كل آرائهم .. لا أعتقد ذلك .. فإني أرى فيك شيئا آخر يختلف عن الكثير منهم.

حسن: أنا أتفق مع الإخوان في الأصول .. وقد أختلف معهم في بعض التفاصيل .. وهذا أمر طبيعي .. نصفيه فيما بيننا بالمناقشة والإقناع.

جمال: لا أعتقد ذلك ... أؤكد لك أنك تختلف عن الإخوان في كل شيء .. أنت لست منهم في رأيي.

حسن: [مقاطعا في حدة] قلت لك أكثر من مرة أن لا تردد هذا القول .. لقد أحرجتني به أمام الكثيرين، وهذا أمر لا يرضيني .. وأنت تظن أنك تمدحني بقولك هذا، في حين أنك تؤذيني،

جمال: [هادئا] لا تغضب .. فأنا أعلم ما أصابك من الإخوان .. أعلمه .. أفهم موقفك منه .. ولكن ما أصابك يسرني كثيرا لأنه يقرب بيننا ..

حسن: [مستمرا في حديثه] لا يعنيني ما ينقله إليك أعوانك – وعيونك – في صفوفنا فلست منهم .. ولن أكون.

جمال: [محتفظا بهدوئه] لم أفكر يوما أن تكون لي عينا على الإخوان كما تقول فأنا أعلم أخلاقياتك .. وإن لم أقرك على الكثير منها .. ولكني أؤكد لك أن رأيي فيك أنت شيء آخر .. إنها لخسارة أن أخسرك مع من سأحارب من الإخوان .. فاسمع عرضي عليك .. وكن عاقلا .. فأنا أكره أن أحدثك في بعض الأمور، ومع ذلك أقدرك .. اسمعني يا حسن جيدا ولا تتعجل في الرد علي .. إن هيئة التحرير معي .. ومن يرفض فهو من العصاة .. هو ممن يريدون إحداث الفرقة، والقلاقل في البلاد ، ولن أسمح لهم بذلك إني أعرض عليك شخصيا أن تعمل معي لمصلحة بلدنا وأن تترك الإخوان .. فإني سأقضي عليهم بأية وسيلة .. فهمت؟

حسن: [متمالكا نفسه] فهمت .. فهمت أنك فشلت في إقناع سيد قطب أن يعمل أمينا عاما لهيئة التحرير، فلجأت إلي لما بيننا من صلة قديمة ... أليس كذلك؟

جمال: لا ... ليس الأمر كذلك .. لقد حاولت مع سيد قطب ولكنه رفض متاثرا برأي المستشار .. أما أنت فوضعك مختلف.. إنه لا يعنيني ما سأفعل بسيد قطب الذي رفض عرضي .. أما أنت فإني أريد أن أجنبك المشاكل من ناحية، وأريد أن تبقى معي من ناحية أخرى .. لأننا متفقون في كثير من الآراء .. إني أرى في عبد الحكيم ساعدي العسكري .. وأرجو أن أجد فيك ساعدي المدني .. أتوافق؟ فكر أولا ثم أجبني .. لست ألزمك بالعمل حاليا في هيئة التحرير .. لست ألزمك بالعمل الداخلي الآن .. لك إن شئت أن أعينك وزيرا مفوضا في الخارج .. فتبقى بعيدا حتى أنتهي من معركتي مع الإخوان ..

حسن: أتسمع ردي الآن ..؟

جمال: بل فكر وأجبني غدا أو بعد غد.

حسن: إن ردي حاضر .. حاضر منذ وقت طويل .. فاسمعه الآن اختصارا للوقت.

جمال: إن شئت ..

حسن: [في هدوء] لقد عرفتك يا جمال عن طريق الإخوان .. ولولا هم ما عرفتك .. وأنت تنوي حربهم، وتستعين عليهم بكل وسيلة، تفرق بينهم، وتستعدي عليهم الناس والدول، وتستعمل أجهزتك في القضاء عليهم .. إن أغلب الظن عندي أنك ستنتصر عليهم .. ثم ها أنت تأتي لتعرض علي أن أتركهم وهم في محنة لأعمل معك وأنت في السلطة .. هم في هبوط وأنت في ارتفاع .. لا .. إن وفائي لهم ولمبادئي يمنعني من ذلك .. يمنعني من قبول عرضك .. وأنا على يقين أن لك عليهم النصر في هذه الجولة ..[يصمت]

جمال: [بعد لحظة] أتعلم يا حسن أني جاد في حربي للإخوان ..؟

حسن: نعم .. أعلم ..

جمال: ومع ذلك تقول إنك ترفض عرضي وفاء لهم .. ليس هذا بالوفاء .. إنه التهور والغفلة ...

حسن: لا تغنيني تسمياتك للأشياء .. فنحن مختلفان في التسميات عادة .. ولكن تعنيني الحقائق كما أراها .. العبرة بالمسميات لا بالأسماء يا جمال .. فما قد تسميه أنت غفلة لأنه يخالف المصلحة الشخصية أسمه أنا وفاء.

جمال: فكر يا حسن ولا تتعجل الرد فإني سأقضي على الإخوان لن أسمح للعصاة بالبقاء.

حسن: هل العصاة عندك من قد يخالفونك الرأي أحيانا.

جمال [في ضيق] نعم ..

حسن: [في هدوء] اعتبرني من العصاة إذا .. [يهم بالقيام] اسمح لي بالانصراف .. فقد انتهى حديثنا فيما أعتقد.

جمال: [ممسكا بذراع حسن ليجلس] بل ابق قليلا .. فعبد الحكيم قادم الآن .. أريد أن يعلم أني بذلك جهدي.

حسن: [في تعجب] عبد الحكيم؟ وهل يعلم عرضك علي ...؟

جمال: طبعا .. وكان يريد أن يتولى هو العرض عليك .. ولكني آثرت أن أقوله شخصيا .. ومع ذلك فشلت بسبب غفلتك، وإصرارك على الوفاء لقوم لست منهم.

حسن: هبني لست منهم في رأيك .. المهم قل لي .. هل من سبيل – لأجل هذا البلد – ننهي به الخصومة بينك وبين الإخوان دون صدام؟

جمال: هذا يتوقف عليهم .. أما أنا فقد بذلت جهدي .. إنهم يعارضونني في كل شيء .. إنهم يعملون ضدي في كل مجال ... إنهم يفرضون علي وصاية لست على استعداد لقبولها.

حسن: وتأييدهم الداخلي في أحرج المواقف .. هل نسيته ..؟

جمال: لقد استفادوا هم منه أكثر مما استفدت أنا.

حسن: وموقفهم في التفاهم مع الإنجليز ..؟ ألم يسند ظهرك في مفاوضاتك الجارية؟

جمال: ذاك موقف، موقف استفدت منه وانتهى .. ولكنهم صاروا عصاة .. لا يجوز أن أتركهم كذلك.

حسن: [مقاطعا] أكل من خالفك الرأي عاص ..؟

جمال: [في تسرع] نعم ..

حسن: اللهم فاشهد أني من العصاة في نظر جمال .. جمال رحمه الله.

جمال: [يكتم غيظه] هلا كنت معي أكثر رفقا ..؟

حسن: وهل كنت أنت يوما رفيقا بأحد ..؟ جزى الله مكيافيلي وعبد الرحمن السندي بما يستحقان .. قد ..

جمال: [مقاطعا في حدة] لا تحدثني هكذا .. قد كنا أصدقاء .. وأنت اليوم تنفض يدك من صداقتي.

حسن: الحمد لله أن قلتها أنت [صمت .. كلاهما مطرق .. يدخل عبد الحكيم]

عبد الحكيم: [يسأل ضاحكا] ما بكما .. أراكما صامتين كمن يجلس في مأتم .. مأتم من يا ترى ؟؟

[جمال وحسن ينظران إليه صامتين .. يقف حسن ليسلم ويجلس ثانية]

عبد الحكيم: [مواصلا] ما بالكما ... أراكما صامتين كأسدي كوبري قصر النيل .. [يأخذ صوته طابع الجد] هل عرضت عليه ما اتفقنا عليه يا جمال ..؟

جمال: عرضت عليه ورفض .. رفض بحجة الوفاء لمن كان السبب في تعارفنا وكأنما ليس لمصلحة البلد وحب الوطن شأن في الأمر.

حسن: دعك من الحديث عن الوطن وحبه .. فالكل يدعيه.

عبد الحكيم: ولماذا رفضت يا حسن .. لقد أردنا أن نبقيك بعيدا عن المعركة حتى تنتهي .. إنه أمر بسيط.

حسن: قلت لكم مرارا أني لن أحاربكم بأية وسيلة غير مشروعة .. ولكن لي الحق في أن أقول رأيي وإن خالفكم.

عبد الحكيم: أرجئ رأيك حتى ننتهي.

حسن: لن أتخلى عن الدعوة التي عشت فيها.

عبد الحكيم: احتفظ بها في قلبك حتى تنتهي الأمور .. وهذا مطلب عسير ..؟

جمال: [متدخلا في الحديث] أرأيت يا عبد الحكيم كيف يسعى إلينا الكثير من الإخوان يحاولون إرضاءنا .. ونسعى نحن لإرضاء حسن .. ولكنه يرفض .. ماذا نفعل ...؟

حسن: قل لي يا عبد الحكيم ... أنسيتم ما فعله لكم الإخوان .. لماذا حربهم ..؟ أمامن سبيل إلى التفاهم ..؟

عبد الحكيم: ما فعله الإخوان لمصلحتنا أمر تم وانتهى .. هكذا يرى جمال .. ونحن معه في ذلك .. حتى موقفكم من الإنجليز سنستفيد منه، ولكن لا يجوز أن يكون لأحد فضل غيرنا .. غير جمال أعني .. فهو يمثل نيابة عنا آمال مصر ومستقبلها .. إننا نريد بلدا موحد الكلمة وأنتم – أقصد الإخوان – لا تريدونها كذلك ... تعقل يا حسن، فأنت تعلم أننا ماضون في طريقنا ولن تقف أمامنا عقبة .. فكن معنا .. لا تكن علينا ..

حسن: لن أكون عليكم .. لن أكون معكم .. سأظل كما أنا وفيا لدعوة آمنت بها .. واعلم أن رأيي لا يزال كما هو .. إن جمالا يريد أن يكون دكتاتورا يأكل الجميع .. حتى أنت .. ومع ذلك أراك تعينه على ذلك .. سيكون مشروع دكتاتور فاشل.

جمال: [يكظم غيظه] اسمعت أسمعت.

عبد الحكيم: [محاولا تهدئة الجو] لا .. لا .. لا تقل هذا يا حسن .. إنه مجرد انفعال مؤقت .. فكر في الأمر .. وقابلنا مرة أخرى ..

حسن: صوت سيده ..

جمال: أسمعت ... أسمعت .. عبد الحكيم: أتحاول إغضابي أنا الآخر يا حسن .. لا .. لن أغضب .. فكر في الأمر وقابلنا مرة أخرى .. تعقل قبل أن تتخذ قرارا ..

حسن: لقد فكرت وقررت .. ولا أعتقد أني سأراكما بعد اليوم إلا أن تطلباني أو يرسلني المستشار .. وأرجو أن لا يفعل .. وما دام الأمر قد انتهى بيننا، فأرجو أن تستلما ما لكم من أسلحة ومتفجرات في العزبة .. لم تعد لها محل الآن .. فهي لكم، لا يعلم بها حتى الإخوان.

جمال: لا .. بل دعها عندك .. ليست لنا مائة مخزن مثل الذي عندك .. من يدري .. لعل الظروف تتغير فنحتاجها.

حسن: أرجوك يا عبد الحكيم .. أرسل من يتسلمها فأنا لا أريدها عندي.

عبد الحكيم: لا داعي للعجلة .. سنفعل ذلك فيما بعد .. ولكن دعها عندك الآن .. أرجوك.

حسن: إلى حين .. وأستودعكما الله .. وأسأله أن يهديكما الرشاد .. وأنا في انتظار من يتصل بي لاستلام ما عندي لكم من أسلحة ..

[يخرج حسن عازما أن لا يعود .. ينظر جمال وعبد الحكيم كل منهما إلى الآخر ويقول عبد الحكيم قبل أن يغادر حسن الغرفة]

عبد الحكيم: خسارة هذا الشاب .. كنت أريده معنا .. جمال: سنستفيد بذلك يوما ..  

الفصل الرابع

حصاد ما سلف ...؟!

إن الأيام التي عرضتها في الفصول الثلاث السابقة، تمثل ما حدث – حسب علمي المباشر – بين الإخوان في مصر، وبين الثورة التي جمعت قيادتها العسكرية أشتاتا من الضباط، عرفت باسم الضباط الأحرار.. أشتاتا تمثل اتجاهات فكرية مختلفة .. اتجاهات اتفقت فيما بينها على أمرين رئيسيين؛ فساد النظام القائم، ووجوب تغييره من الداخل .. ومهما قيل عن الضباط الأحرار وأصلهم وتنظيمهم وأغراضهم، فلا خلاف أنها جماعة سرية قامت داخل الجيش، كان محورها والمحرك الأول فيها هو جمال عبد الناصر .. ثم زالت هي ، وبقى هو ؛ لأنه احتواها وما احتوته ...!

ولذلك كان حقا علي – قبل تحليل تلك الأيام الحاسمة بين الإخوان والضباط الأحرار – أن أعود إلى بعض ذكريات الماضي القريب أستعرضها ؛ ذكريات الإخوان، وذكريات جمال .. أعود إلى ذلك الماضي الذي قد يخفى على الكثيرين .. وبذلك يمكن أن أمهد لتحليل تلك الأيام التي اخترت ، وعرضها فيما سلف.


1. الباحث عن الأسلوب والأعوان.

لا يعنيني أن أتحدث عن طفولة جمال ونشأته ودراسته وأوائل مراحل شبابه، فهذه أمور فيها الكثير من الحق والباطل .. وليست هي مجال التحليل الذي أرمي إليه .. صحيح أني أعلم عن هذه الأمور الكثير، ولكن أغلب هذا الكثير لا يتصل بموضوعنا .. ثم إن جمالا ائتمنني عليه في جلساتنا الخاصة منذ تعارفنا ، وليس من الأمانة في شيء أن أفشي سرا لا طائل من وراء إفشائه إلا التفاخر بمعرفة ما يعرفه الناس.

الذي يعنيني من ذكريات الماضي أن جمالا – منذ شغل نفسه جادا بالحركة الوطنية – راح يتصل بالأحزاب والهيئات والجماعات العلنية السرية القائمة في مصر وقتذاك أقول إنه راح يتصل بها، وأعني من وراء ذلك أنه كان ينضم إلى بعضها، ويصادق أعضاء في البعض الآخر .. ويكسب ثقتهم على نحو استطاع به أن يعرف ما يجري داخل الحزب أو الهيئة أو الجماعة، دون أن يعلم عنه بقية أعضائها شيئا.. وهكذا استطاع جمال أن يتصل بالوفد، والجناح المتطرف من الحزب الوطني ، ومصر الفتاة، والحرس الحديدي للملك فاروق، وحزب الفلاح وخلايا الشيوعيين ، والإخوان المسلمين وغيرها ... بل استطاع أن يجمع في الوقت الواحد بين عضويته في أكثر من هيئة، مبقيا على اتصاله بهيئات أخرى ... حتى أنه يجمع حينا بين البغيضين؛ فكان عضوا في خلية شيوعية، وعضوا في مجموعة من النظام الخاص الذي هو الجهاز السري- كما يسمونه – للإخوان المسلمين.

وقد ظن الكثيرون من المقربين إليه أن سبب تنقله بين الهيئات عدم قبول الالتزام بمبدأ واحد، فضلا عن طبيعة الملل فيه، رغم شدة صبره .. وفي هذا الظن بعض الصحة، ولكن لا يعتبر تماما السبب في هذا التنقل المستمر بين الهيئات .. صحيح أن من طبيعة جمل املل وعدم الالتزام بمبدأ واحد – كما بدا فيما بعد – ولكن الأصح أن هاتين الخصلتين ليست وحدهما الدافع له فيما فعل .. كان وراء ذلك دافع آخر ..! كان جمال معجبا بأحمد عرابي أشد الإعجاب ؛ معجبا بموقفه من الخديوي ومن الإنجليز .. كان يرى فيه ذاته؛ فكلاهما فلاح مصري من صميم الريف، وكلاهما يحاول أن يؤدي لبلده التي يحبها شيئا. وكلاهما رجل عسكري جعلته الوطنية العسكرية من متوسطي الحال في مصر .. ولكن هناك فارقا واحدا بينهما؛ إن عرابي قد فشل لسذاجة أسلوبه وانعدام أعوانه، وجمال لا يريد أن يفشل .. ولذلك كان جمال دائما يبحث عن أعوان له وعن أسلوب يتبعه ..

وقد فكر جمال حينا أن يتخذ مصطفى كمال أتاتورك قدوة له في أسلوبه .. أسلوبه الذي قوض به الخلافة العثمانية في محاولة للسيطرة أولا .. وفي محاولة لتجديد شباب تركيا – مثله أيضا – على استعداد لنقض أي عهد إذا وقف في طريقه ... ولكن ظروف مصر غير ظروف تركيا .. وخلق جمال غير خلق أتاتورك ؛ كان جمال متدينا في أعماقه، ذلك التدين الساذج في مفهوم الريف المصري .. كان محافظا كما نقول: لكنه كان مع ذلك يرى أن الحركة الوطنية؛ أو التحرك السياسي، قد يقضي على بعض ما يراه المسلمون من الإسلام .. وكان لا يجد حرجا في إعلان رأيه هذا أحيانا .. وفي تنفيذه دائما .. ولكنه لم يستطع أن يستقر على اعتبار أتاتورك قدوته ..!

كيف يتجنب جمال الفشل الذي أصاب عرابي، وكيف يوائم بين وسيلة أتاتورك وبين تدينه بالمفهوم الريفي الساذج .. هذه هي المشكلة التي راح جمال يجد لها حلا في جميع الأحزاب والهيئات والجماعات التي كانت تملأ مصر في ذلك الوقت .. ومن هنا كان تنقله بين هذه الهيئات جميعا، بحثا عن أسلوب .. بحثا عن أعوان ..! وقد خرج جمال من كل حزب وهيئة وجماعة بما أراد ؛ بجانب من الأسلوب وبعض الأعوان وكثير من المؤيدين .. وحصل كذلك على تجربة .. خرج من الوفد بفكر سياسي، وبأسلوب الزعامة الشعبية التي ترضي الجماهير ... وكان له من الوفد أعوان .. وحصل على تجربة معاداة الملك، مع مداراته عند اللزوم ..!

وخرج من مصر الفتاة بالأسلوب النازي في التحرك السياسي .. وكان له منهم أعوان .. وحصل على تجربة التخريب الداخلي إذا اقتضى الأمر ذلك..!!

وخرج من الشيوعيين بتخفيف وطأة القيد الديني على تصرفاته، وبأسلوب الخلايا السرية .. وكان له منهم أعوان ... وحصل على تجربة السعي إلى غايته مضحيا بالمبادئ والأخلاقيات إن اقتضى الحال ..!

وخرج من الإخوان المسلمين بأسلوب الإثارة العاطفية، والتجميع حول الشعارات – وإن صدرها بعد ذلك – وبوجوب الانفتاح على العالم العربي والإسلامي، وبأسلوب إلزام الآخرين بالوفاء بعهد قطعوه .. وكان له منهم أعوان .. وحصل من خلال النظام الخاص – على تجربة الاغتيال إذا اقتضى الأمر ذلك ..!

وخرج من حزب الفلاح ، بأسلوب إمكان التعاون مع دولة أجنبية في سبيل إصلاح حال البلاد .. ولم يكن له في تلك الهيئة أعوان .. وإن كان له مؤيدون . وحصل على تجربة الاتصال بالأمريكان في سبيل دعم تحركه السياسي ..!

وهكذا ، خرج جمال من كل هيئة بما يريد .. وزاد أن حصل على تجربة قام بها .. ثم استفاد منها بعد ذلك .. ولكنه جمع كل هذه الأساليب والتجارب ليصنع منها أسلوبا خاصا به .. أسلوبا وافقه ونجح فيه ... وأعود إلى جوهر حديثي ، أعني به صلة جمال بالإخوان في ماضيه .. وإلى أين انتهت هذه الصلة ، حتى أوضح ما كان من أمر الأيام الحاسمة في الخلاف بينه وبين الإخوان ...

وإني حين أتحدث عن هذه الصلة القديمة بالإخوان لا أحكي أمرا شهدته بنفسي، ولكني أنقل عن آخرين .. والمصدر الرئيسي لي في النقل هو حديث جمال شخصيا معي منذ عرفته إلى أن قامت الثورة. كان أنور السادات وعبد المنعم عبد الرءوف الضابطان في الجيش – صديقين منذ ظهرا على مسرح الحركة الوطنية في أوائل الحرب العالمية الثانية، مع الفريق عزيز المصري ، في محاولة للتخلص من الاحتلال الإنجليزي، ولو عن طريق التعاون مع النازية الهتلرية التي كانت دعواها وقتذاك محاربة اليهود ومصادقة العرب ..

ظهر أنور وعبد المنعم على مسرح الحركة الوطنية حين كان جمال .. ومن شاركه بعد ذلك ، بعيدين كل البعد عن هذا الظهور .. كان بعضهم مشغولا بمنصبه العسكري .. أو بملذاته الخاصة .. وكان جمال – فيما يبدو – يفكر في الأمر دون أن يحاول الظهور ، لأنه – كما قلنا من قبل – كان يبحث عن أسلوب يجنبه الفشل.

وكان حتما أن يحاول أنور – صديق جمال وعبد المنعم – أن يجمع بينهما ... وكان عبد المنعم قد انضم إلى الإخوان المسلمين .. وحدث ما كان حتما أن يحدث .. فجمع أنور بين جمال وعبد المنعم، .... وزاروا حسن البنا – رحمه الله – معا .. وبدا أن جمالا اقتنع بهذا اللقاء ، فانضم هو الآخر إلى جماعة الإخوان المسلمين .. انضم عضوا عاملا في الجهاز السري .. وبقي أنور صديقا ومؤيدا دوام التزام.

وهكذا دخل جمال جماعة الإخوان المسلمين – لا يدرى عن اعتقاد أم استمرارا في بحثه عن الأسلوب والأعوان .. وعلى كل فقد بايع حسن البنا – رحمه الله . وأقسم يمين الولاء لعبد الرحمن السندي ، رئيس النظام الخاص ... ثم بدأ نشاطه في النظام الخاص .. يتعرف عليه .. ويبحث في أسلوبه عن ضالته ... ويجمع له فيه أعوانا..

وشارك جمال في وضع خطة مقتل المستشار أحمد الخازندار عام 1947 ذلك الحادث الذي لم يكن لجماعة الإخوان فيه يد، فقد استقل بالقرار فيه النظام الخاص وحده وعلى رأسه عبد الرحمن السندي .. شارك جمال في ذلك الحادث بأن وضع خطة، واشترط وجود سيارة قريبة لتنقل القاتلين بعد .. ولكن عبد الرحمن – رغبة في الاستبداد بالرأي أو الاقتصاد في النفقات لا أدري – استبدل بالسيارة دراجة .. فضبط القاتلان .. وكانت مشكلة كبرى؛ فالقاتلان من الإخوان .. والأمر قد اكتشف .. والمرشد لا يعلم عنه شيئا ، بل ويستنكره أشد الاستنكار ..!

وإذا كان حسن البنا – رحمه الله – قد غضب للحادث في ذاته، فقد غضب جمال لأن رأيه في الخطة لم يؤخذ به، ولو كان قد أخذ به – على حد قوله – لما انكشف الأمر، ولظل الخازندار حادث مجهول الفاعل. وبلغ الغضب بحسن البنا – رحمه الله – أن هدد بإلغاء النظام الخاص، أو بحل الجماعة كلها وإنشاء جماعة أخرى .. وبلغ الغضب بجمال أن طالب بوضع معين في النظام الخاص وإلا تركه؛ طالب أن يكون وحده المسئول عن أية خطة إرهابية يقوم بها، ولكن '''عبد الرحمن''' السندي – رئيسه في النظام الخاص وقتذاك – رفض طلبه ، مما دعى جمالا إلى التفكير في مجال آخر ..

ولكن، ماذا يفعل جمال في بيعته لحسن البنا الذي كان يقدره .. وماذا يفعل في عهده لعبد الرحمن السندي الذي علم أنه لن يتورع عن قتله إذا خرج عن طاعته أو نقض عهده له ..! كان لا بد لجمال من أن يجد مخرجا لهذا الوضع ..

ووجد المخرج .. وجده في اتفاق المرحوم الصاغ محمود لبيب؛ وعهد بأن يظل على بيعته، وأن ينشئ جماعة الضباط الأحرار داخل الجيش.

كان الصاغ محمود لبيب – رحمه الله – ضابطا في الجيش ، أحيل على التقاعد من زمن بعيد وبرتبة صغيرة لعدائه السافر للإنجليز .. وكان المسئول عن ضباط الجيش في الإخوان المسلمين إلى أن حلت الجماعة في ديسمبر عام 1948 .. ولكن مسئوليته العامة تلك لم تمنع تبعية بعض الضباط إلى أجهزة أخرى داخل الإخوان.

اتفق جمال مع الصاغ محمود لبيب عام 1947 على أن يخرج من الجماعة برضائها، ليؤسس جماعة سرية مستقلة في الجيش، يضمن له استقلالها أمرين: أولهما التخلص من القيادة المدنية في النظام الخاص، وثانيهما: تخفيف القيود على بعض المنضمين إليها من ناحية السلوك الإسلامي، مع منع هؤلاء من الوصول إلى مراكز القيادة .. وبذلك يتسع عمل الحركة الإسلامية في الجيش، ويمكن أن يفعل شيئا .. وفي النهاية، فإن الأمر للدعوة تتصرف فيه كما تشاء.

أو- بتعبير آخر – ردده لي جمال: (اتفقنا على أن نكون جهازا جديدا من أجهزة الدعوة يعمل مستقلا .. لا تتحمل الدعوة أخطاره أو فشله، وتجني – لمصلحة الإسلام – نتائج نجاحه) واقتنع المرحوم الصاغ محمود لبيب بذلك ، وعرضه على المرشد – رحمه الله – فأقره مرددا ( أفلح إن صدق .. وإلا فمن نكث فإنما ينكث على نفسه) وهكذا بدأت الجمعية التأسيسية للضباط الأحرار من خمسة أشخاص، لا زلت أذكر منهم أربعة؛ جمال وأنور وعبد المنعم ومعروف. وبدأ نشاطها في الجيش بين الضباط .. في حين ظل صلاح مسئولا بجوار البوليس – عن ضباط الصف والجنود وإن بقي معه- ومع عبد الرحمن – بعض الضباط.

بدأ جمال نشاطه في صفوف ضباط الجيش – أو استعاد نشاطه مستقلا مسنودا بتأييد هيئة – واستعان بغيره حينا ، وبصبره ودقته في البحث عن الأشخاص ... ففي مجالس الجد والهزل، والحشيش والقمار والخمر ، وتحضير الأرواح والذكر والدراسة والرياضة ، كان جمال يجلس في صمته المعهود، يراقب، ثم يختار .. يختار صديقا، أو مؤيدا ، أو عضوا، أو مسئولا عن مجموعة .. وكان حريصا على أن لا يعرف أعضاء المجموعات عنه شيئا، حتى أن علي صبري – مثلا- لم يعرف أن جمالا في الحركة إلا بعد نجاحها فجر يوم 23 يوليو سنة 1952.

2. تجارب الجبهة .. بغير قتال ...!

ذهب جمال وعبد الحكيم وعبد المنعم ومعروف إلى فلسطين عام 1948 ثم حلت جماعة الإخوان في نهاية ذلك العام، واستشهد حسن البنا – رحمه الله – في فبراير سنة 1949 والصاغ محمود لبيب في المعتقل، وتوفي في العام الذي أفرج عنه فيه .. وهكذا لم يعد في عنق جمال عهد لأحد من الأحياء ... أما المبادئ ، فإنه يمكن إرجاؤها إلى حين، ويمكن دائما تأويلها بما يحقق مصلحة المجهول الذي كان لا يزال يبحث عنه .. وإن اتضحت له بعض معالمه أثناء وجوده في عراق منشية ، على الجبهة في فلسطين .. صامدا لا مقاتلا ..

استفاد جمال كثيرا من وجوده في جبهة فلسطين .. ولا أقول اشتراكه فيها، فيقيني – كما أكد لي – أنه لم يشترك فيها برصاصة واحدة .. كان يعتبرها جلسة من جلساته المشهورة للتعرف عن الناس والآراء، وللبحث عن ذلك المجهول .. عن أسلوب النجاح الذي يجنبه فشل عرابي، ويوائم عنده بين أسبابا نجاح أتاتورك وعدم مصادمتها الشعور الديني للمواطن المصري العادي ..

كسب جمال أثناء وجوده في فلسطين كثيرا من الأعوان .. وأفاد أسلوبا ..؟ كسب أعوانا ومؤيدين وأنصارا من بين الضباط الذين ذهبوا إلى فلسطين تنفيذا لأوامر صدرت إليهم، أو بدفعة من شجاعتهم، أو بدافع من إيمانهم ... وكسب كذلك من الشباب المجاهد من الإخوان المسلمين .. الذين اندفعوا – غيرة على دينهم ومقدساته – إلى فلسطين يجاهدون في سبيل الله، وكان جزاؤهم عند الناس أن استدعتهم الحكومة بعد حل هيئة الإخوان، لتزج بهم في معسكرات الاعتقال وفي السجون.

قال لي جمال يوما قبل حريق القاهرة: لو أن هؤلاء الشباب لم يشتركوا في القتال في فلسطين ، واندفعوا ببسالتهم وإيمانهم إلى القاهرة يحطمون الحكم فيها، لاستولت الجماعة على الحكم منذ ذلك الحين .. ولم يكن هناك ما يردها .. فالكل في ضيق، والجيش مشغول على الجبهة يلعق جراحه ويناقش آلامه وآماله.. وأجبته وقتذاك: وإذا انقض عليهم الإنجليز وعدنا إلى حيث انتهى عرابي؟ فأطرق قائلا: معك حق لم نكن قد وجدنا الأسلوب بعد.

وعاد جمال من فلسطين بأسلوب .. أسلوب يصلح – على حد قوله- لمصر ومستقبلها – أسلوب تعلمه عن طريقين ؛ أولهما طول إصغائه لما يجري بين زملائه في فلسطين .. وثانيهما ضابط يهودي كان في الموقع المقابل له في عراق منشية ..

كان اليوزباشي كوهين قائد الموقع المقابل لذلك الذي يقوده جمال .. وكانت هدنة .. هدنة أولى عقدت ثم نقضت .. ثم قامت هدنة ثانية .. وأثناء الهدنة الأولى وبينها وبين الثانية كان جمال – وهو محاصر – لا ينوي قتالا .. كان يريد أن يجنب نفسه وجنوده قتالا لا يدفعهم إليه دافع .. فآثر أن تستمر الهدنة المحلية بينه وبين الموقع اليهودي المقابل، وأن يجلس القائدان معا لتنظيم هذه الهدنة المحلية .. وربما كان يكفي هذا الأمر جلسة أو جلستان .. ولكن الذي حدث أن جمالا أعجب بالضابط اليهودي ومعلوماته .. وكان يبحث عن أسلوب .. فلماذا لا يبحث عنه عند هذا العدو المرابط أمامه ..؟ لقد نجح اليهود في إقناع العالم كله أن يكون لهم وطن ..! نجحوا وهم مجموعة جمعيات سرية، تربطهم قيادة تظهر حينا وتختفي حينا آخر .. ! فلماذا لا يستفيد من تجاربهم – لا من خلال الكتب وحده – ولكن في مناقشة صريحة مع واحد منهم ..؟!

وكان لجمال ما أراد .. اجتمع مع ذلك الضابط اليهودي أكثر من ثلاثين اجتماعا .. كان جمال يفعل ذلك دون علم قيادته أو زملائه .. وكان الضابط اليهودي – في تقديري – يفعل ذلك بإذن وتوجيه من قيادته ..!

حين قص علي جمال أمر تلك الاجتماعات، لم أجد فيها منه خيانة لوطنه أو مبادئه .. ولكنه – مع ذلك – حرص على إخفائها عن الناس .. لست أدري لماذا؟ هل لأنه كان يحس أنه يرتكب إثما ..؟ أم لن أغلب الناس لا تستسيغ اجتماعا بالعدو على جبهة القتال ..؟

وأفاد جمال كثيرا من زميله – أو عدوه – الإسرائيلي ... استكمل منه أغلب جوانب الأسلوب الذي كان يبحث عنه .. عرف كيف يجمع في سربه أشتاتا من الضباط يكفي أن تلتف كل مجموعة على غاية ولو قريبة .. عرف منه أهمية أمريكا في تسيير سياسة العالم، وأن الاستعانة بها تفيد في حل كثير من المشاكل .. حتى المشاكل مع الإنجليز أنفسهم .. عرف منه أن رضاء الغرب حتم لكل حركة ناجحة في المنطقة، وإن كان الواجب أن لا يصادق الشيطان في سبيل تحقيق هدفه .. عرف منه – أخيرا – أن الغاية تبرر الواسطة، فقرأ ميكيافيلي في كتابه الأمير بإمعان زائد ..!

وهكذا عاد جمال من فلسطين بأعوان وأسلوب .. وبدأ ينشط .. ولكنه فوجئ ببعض رواسب الماضي تعوقه .. أو تؤخره قليلا .. فؤجئ بأن اسمه ورد على لسان واحد في قضية (السيارة الجيب) التي كانت السبب المباشر والظاهر لحل الإخوان .. ورد اسمه لأنه كان يدرب شباب الإخوان في مركز الصف بمديرية الجيزة .. ولكن تعليمات الملك فاروق كانت واضحة في أن لا يمس أحد ضباط الجيش إلا بإذنه، لأنه يعتمد عليه في بقاء عرشه .. فاستدعاه رئيس الأركان وقتذاك، وصحبه إلى رئيس الوزراء وهناك ، لم يثبت عليه شيء .. وصرف النظر عن أمره .. ولكنه احتاط لهذا الأمر ..

هدأ جمال فترة .. ثم عاود نشاطه .. أخذ ينشط بأسلوبه الجديد شبه المتكامل؛ فاستطاع منذ نهاية 1949 حتى أوائل سنة 1952 أن يكون له من الضباط أربعمائة ضابط – أغلبهم لا يعرفه، وكان له اتصال بكثير من الهيئات، لتكون له عونا، أو لترضى عما قد يفعل ، ومع ذلك فقد ظلت قيادة الضباط الأحرار في يد تسعة أشخاص، أهمهم وأكثرهم معرفة للأسرار جمال.

لقد جمع حوله – أو في يده – المتدينين والمتهوسين والمقامرين والحشاشين والمنافقين والجواسيس وعملاء أمريكا وروسيا ، دون أن يعلم أحد – بالدقة – ما يحدث .. لأن جمالا – وحده – هو الذي سيقرر .. مستعينا بصديقه وصفيه عبد الحكيم ..

وفي أقرب ما يكون من هذه الصورة عرفت جمالا ، عرفته عن طريق الإخوان .. هكذا كان جمال .. فأين كان الإخوان عند ذاك ؟

3. الشهيد .. والمتطلعون إلى خلافته .. !

حين استشهد الإمام حسن البنا برصاصات غادرة في 12 فبراير سنة 1949 كانت الهيئة منحلة رسميا .. وأعضاؤها بين سجين ، ومعتقل وهارب .. ومطلق السراح مجاملة أو لجهل السلطات به .. واضطربت الأمور حقا، وكانت بداية الاعترافات في القضايا التي يجري فيها التحقيق .. وبداية التهور من جانب الإخوان قبل أن ينفرط عقدهم.

وكانت – أيضا – بداية تفكير البعض في أن يخلف المرشد العام الراحل، فظن كل من يطلق لحيته ويطيل صلاته ويخفض من صوته .. أنه قد جمع المؤهلات التي ترشحه للمركز، وما علم أنه مركز محفوف بالمخاطر التي تمهد إلى استشهاد جديد، على صورة أخرى. فقد توارى أولئك الطامعون بعد ذلك، أو أولئك الذين فكروا في خلافة الشهيد .. تواروا ولم يعد لهم بين الإخوان أو العاملين في الحركة الإسلامية أو مؤيديها أو محبيها أ وزن.

لا أريد أن أعرض بأحد .. ولكني أتساءل .. والجميع يعلم الجواب ..!

أين أحمد حسن الباقوري، الشيخ الخطيب الشاعر اللبق ، الذي وضع نشيد الإخوان، والذي كان مطلق السراح، والذي ظن أن مكانته في الإخوان وصلته بالحكام تؤهله للإرشاد العام مقابل اللين من جانبه .. واللين من جانب السلطات؟ أين صالح عشماوي الذي كان وكيل الإخوان .. والذي طالما تلقى بيعة أفراد النظام الخاص – في ظلام – يقسمون على المصحف والمسدس ..

أين: عبد الرحمن الساعاتي شقيق الإمام الشهيد ، الذي أطلق لحيته وأشهد رسميا على تغيير اسمه إلى عبد الرحمن البنا ؟ أين عبد العزيز كامل الذي رشحته طريقته المدرسية ووضعه العلمي بين الشباب أن يكون خليفة المرشد ..؟ بل أين عبد الرحمن السندي رئيس النظام الخاص، والذي أسمى نفسه الإمام الخفي والذي استقل فعلا بشعبة من الإخوان، وظن أن الجميع يخشاه، وأن من استولى على السلطة في الدولة كان أحد مرءوسيه .. فعجز هو عن أن يكون لصاحب السلطة تلميذا .. فاكتفى بأن يكون لديه أجيرا ..؟ هؤلاء – وأمثالهم – علمنا أنهم تطلعوا إلى المنصب الشاغر المحفوف بالمخاطر .. وأعلنوا ذلك بأنفسهم على لسان مؤيديهم.

ولكن الأمر كان يحتاج إلى وضع آخر .. وضع يلتقي حوله الإخوان من ناحية ، وتحترمه السلطات – لا تشتريه – من ناحية أخرى .. وضع يحفظ للدعوة جوهرها واستقامتها وخلوصها لله.

كان الأمر يحتاج إلى من يعلم يقينا أن مركز المرشد العام غرم لا غنم .. إلى من يرغب عنه ولا يرغب فيه .. إلى من يحتسب عند الله كل شيء ليظل ثابتا على جادة الإسلام ..! هذا ما رأيناه .. وما استخرنا الله عليه وأعملنا فيه العقول لنصل إليه.

4. أول لقاء مع المستشار.

كنت عام 1949 وكيلا للنائب العام في المنيا – في صعيد مصر – وقدمت من مقر عملي إلى القاهرة يوم 2 فبراير سنة 1949 بناء على طلب الأستاذ الشهيد .. وكان – رحمه الله – في ذلك الوقت ضعيفا مرهقا .. ومع ذلك كان مستبشرا، ينتظر – كما قال – إحدى الحسنين؛ نصرا بانفراج الأزمة التي وقع فيها الإخوان .. أو شهادة يلقى بها الله راضيا مرضيا ..

وجلست إليه جلسة طويلة، ذكر فيها عزمه على السفر، وطلب إلي أن أستعد للاستقالة من عملي والاشتغال بالمحاماة .. وأنهي حديثه قائلا: لا يعلم إلا الله متى أعود، إن قدر لي أن أعود .. فإن احتجتم في غيابي إلى رأس فالتمسوه عند حسن الهضيبي المستشار بمحكمة النقض .. فإني أحسبه عند الله مؤمنا صادقا صائب الرأي .."

وكان وداع .. استشهد بعده بعشرة أيام .. وعلمت بالخبر، فعدت فورا إلى القاهرة، عاقدا العزم على أن لا أعود إلى عملي .. وكيف أعمل لحكومة قتلت رجلا أن يقول ربي الله ..!

عدت إلى القاهرة، فلقيت منيرا وصالحا وعبد القادر، وكان ثلاثتهم مطلقي السراح .. وكانوا – رغم الحادث الخطير- متمالكين لأعصابهم كما بدا لي .. واتفقنا على أن أقابل المستشار حسن الهضيبي ألتمس عنده رأيا في أمور ثلاثة: ماذا نفعل، وكيف نتصل بالمسئول عن الإنفاق على عائلات الإخوان المعتقلين .. وهل أستقيل الآن من عملي في النيابة العامة كوصية الإمام الشهيد ..؟

وكان أول لقاء لي مع المستشار، إذ فاجأته بالزيارة في منزله مساء يوم 17 فبراير سنة 1949 وقدمت نفسي كوكيل للنائب العام، وزميل لابنه، وواحد من الإخوان لم أكن قد التقيت به من قبل ، وإن كنت رأيته على منصة القضاء، صامتا، مسندا ذقنه إلى كفه، منصتا إلى المتخاصمين لا ينم وجهه عن شيء .. وسمعنا عنه كثيرا، وقرانا أحكامه ...

وكان لقاء عسيرا، دخل علي – وهو لا يعرفني من قبل – مرتديا عباءته ... وجلس جلسته التي رأيته عليها في المحكمة .. واستمع إلى حديثي، ثم أصدر حكمه في نقاط محدودة.

- إنه ليس عضوا في جماعة الإخوان المسلمين ...!

- إنه صديق محب لحسن البنا ، يقدره، ويعتبره مجدد الدعوة الإسلامية لهذا القرن ..!

- إنه أراد أن يسير في جنازته، ويصلي عليه ولكن الحكومة منعته قسرا ..!

- إن يعتبر قتل حسن البنا جريمة في حق الإسلام سيحمل وزرها من فعلها ومن أرادها ومن رضي عنها ..!

- إنه ليس على استعداد للحديث معي أو مع غيري في أي أمر من الأمور، بل إنه يعجب كيف دخلت منزله، وأنا موظف حكومي – برغم أن منزله مراقب منذ استشهاد المرشد ..!

وعبثا حاولت أن أحمله على الحديث أو على مجرد الثقة بي – فاستأذنت في الانصراف، وذكرت له – وأنا واقف أسلم – حديثا جرى بينه وبين المرشد حين زاره يوم أول فبراير .. فأمسك بيدي التي بسطتها مسلما وقال:

- من أعلمك هذا الحديث ..؟

- أعلمني إياه الإمام الشهيد ..!

- صدقت ... لقد كنا وحدنا .. اجلس ... ماذا تريد ..؟ وجلست وأعدت أسئلتي ... وسمعت إجاباته – كما اعتاد على ما يبدو- أحكاما موجزة قاطعة:

- المسئول عن الإنفاق على العائلات فلان وسأبلغه أن يتصل بمن ذكرت ويتعاون معه...

- لا تستقل الآن، وإلا لفت إليك الأنظار، وأضررت بنفسك وبغيرك ممن لا نعرف، ولم تفد دعوتك شيئا ..!

- التزموا الهدوء وإياكم والتهور .. لا تعالجوا الجريمة بجريمة ..! ووجدت نفسي أسأله – دون مقدما – ترى من يخلفه رحمه الله؟ فأطرق، ثم أجاب: في الليلة الظلماء يفتقد البدر ... إن الدعوة أوسع نطاقا من مصر ... لماذا لا يكون واحد مثل عمر الأميري مثلا؟ على كل .. البركة فيكم .. عليكم بشخص من صفوفكم.

وسألته متطفلا: أتحملها أنت ؟ فأجاب: لا ليس مثلي لها .. وتركته وانصرفت ... انصرفت وأنا أردد: هو لها .. ليته يقبلها .. أو يحمل على قبولها حملا ... ولقيت من أوفدوني، فأعلنت لهم ما رددته في نفسي .. ولكن لم يكن ذلك الوقت – بما فيه من هول وإشفاق

– وقت تفكير في اختيار مرشد – كان لا بد أولا من الاتصال بمن في السجون والمعتقلات ، نحاول تخفيف الوطأة عليهم – وعلى أنفسنا- ومنع الفرقة بينهم – وبيننا ..!

5. المستشار أصبح مرشدا.

حين عدت إلى القاهرة في أواخر مايو 1949 – على عزم أن أبقى حتى أستقيل إن أمكن – كان جل المسئولين من الإخوان في المعتقلات أو خارج القاهرة ... ولم يكن مطلق السراح ممن أعرف غير منير وأحمد الباقوري والمحامي فهمي أبو غدير .. وبعض الشاب...

وكانت الاعترافات في التحقيقات قد تمت .. ومحاولة اغتيال إبراهيم عبد الهادي قد أخفقت .. وقضية مقتل النقراشي في طريقها إلى المحكمة وكان يشغلنا في ذلك الوقت أمور ثلاثة، مرشد جديد ... وقضايا الإخوان ... والإعانة المالية لعائلات المعتقلين والمسجونين.

وكان الشيخ الباقوري – فيما بدا لنا – قد اتفق مع الحكومة السعدية أن يصبح هو المرشد العام، وأن تصبح الجماعة دينية بالمعنى الضيق المفهوم لدى المسيحيين .. وكان المحامي فهمي أبو غدير مخدوعا به دون بينة من أمره .. وكانت الأنباء تأتي من المعتقلات والسجون عن المتطلعين إلى مركز الإرشاد العام .. وكان منير يفكر في الهضيبي، و كنا نشاركه التفكير ، وأبلغنا تفكيرنا إلى من وراء القضبان، فأيدنا البعض، ورفض البعض الآخر وإن غلفوا رفضهم بقبول محوط بالتحفظات والتساؤلات! هل يوافق؟ هل يرضاه شباب الإخوان؟ ما خطته التي سيسير عليها ..؟ ولم يكن لدينا رد على هذه التساؤلات ، فالأمر لا يزال فكرة نتناولها وبنحث جوانبها.

وفجأة استقالت وزارة إبراهيم عبد الهادي – أو أجبرت على الاستقالة- في صيف سنة 1949 وخلتفها برئاسة حسين سري لتحل مجلس النواب، وتجري انتخابات جديدة .. وبدأ الإفراج عن المعتقلين، حتى أغلق المعتقل أبوابه في فبراير سنة 1930.

وظل الإخوان منذ بدأ الإفراج عنهم يجتمعون، فيبحثون ويساءلون ... وبعد؟! من سيكون المرشد؟ وعلى أي نهج نسير ..؟

وبدا أول الأمر أن ليس هناك اتفاق على واحد .. وكثر تردد الإخوان على منزل حسن الهضيبي ليتعرفوا عليه، وإن كان بعضهم يعرفه من قبل حين كان يحضر معهم درس الثلاثاء الذي كان يلقيه الأستاذ البنا – رحمه الله – أسبوعيا في المركز العام .. فكان بعض الإخوان يراه، ويجلس صامتا يستمع .. قليلا ما يعلق .. فإذا كان حديث فإنما يجري بينه وبين المرشد العام على انفراد بعد الدرس.

وكان الزائرون للمستشار من الإخوان يتحدثون إليه،وينصتون إلى الكلمات القليلة التي يقولها ... ولكن أحدا منهم لم يحاول – في البداية أن يفاتحه في أمر اختياره مرشدا عاما للجماعة.

وتقرر أن يعقد اجتماع موسع في منزل منير دلة – رحمه الله- في منتصف مايو سنة 1950 لبحث الموضوع، موضوع اختيار مرشد عام يخلف الشهيد حسن البنا، وتم التحضير لهذا الاجتماع بعدة جلسات تحضيرية، فجلسة لمكتب الإرشاد .. وأخرى للطامعين في مركز المرشد العام .. وثالثة لأعضاء النظام الخاص ... ورابعة لبعض ذوي المكانة الخاصة والكلمة المسموعة بين الإخوان عامة.

وفي هذه الجلسات التحضيرية استعرضت أسماء، فمن بين أعضاء الهيئة التأسيسية للجماعة لم يعد مرشحا غير الباقوري وصالح عشماوي... ومن خارج أعضاء الجماعة الرسميين، كان المرشحون عبد الرحمن عزام، ومحمد العشماوي ، وحسن الهضيبي – ولم تطل المناقشات ، كل مرة وكانت تنتهي إلى اتفاق على شخص واحد هو حسن الهضيبي .. ذلك المستشار المؤمن الصامت ..!

لا زلت أذكر سؤالا وجهه إلى الشهيد الشيخ محمد فرغلي يوما إذ قال:

- أسألك بالله، أيهما أقدر عليها، محمد العشماوي أم حسن الهضيبي ..؟

- يعلم الله أن ليس على وجه الأرض أحب إلي من أبي، وليس عندي منزلة أكبر من منزلة المرشد العام ... ولكني أشهد الله أن الهضيبي أقدر عليها ..

- إذا، لا محل للتفكير في غيره .. وجزاك الله خيرا...! وحين عقد الاجتماع الموسع في منزل منير دلة – رحمه الله – لم يكن هناك مرشح غير حسن الهضيبي، واتفق على البدء في الخطوتين التاليتين؛ الحصول على ترشيح الهيئة التأسيسية له رسميا بأغلبية الثلثين، والحصول على موافقته.

أما الهيئة التأسيسية فكانت تضم رسميا مائة وخمسين عضوا، ترك الجماعة منها عضوان، ووافق الباقون بالإجماع على الترشيح.

وأما المستشار فقد ذهب إليه منير ومعه أربعة من مكتب الإرشاد يحملون قرارا من المكتب، وموافقة الهيئة التأسيسية، ويعرضون عليه الأمر ... فرفض .. وأصر على الرفض..

وشاع نبأ رفضه بين الإخوان، فراحوا يتوافدون عليه في منزله جماعات وأفرادا، يصرون أن يقبل ، ويبايعونه رغما عنه .. ويقول له قائلهم: إن كنت ترى قتل حسن البنا إثما لا يغتفر .. فكيف ترى تشتيت هذا الجمع في الله؟ أليس إثما أكبر؟

وهكذا، وافق .. وافق وبشروطه.

- أن نقدر سنه وطبعه ..

- أن نتعاون في حمل العبء عنه، فلا نختلف حتى نجد بيننا من يحل محله ..

- أن لا جهاز سري في الجماعة .. فالدعوة عامة، والجهاد ليس مفروضا على البعض دون البعض الآخر .. فيجب أن يتهيأ الجميع لتحمل أعبائه.

ووافق الإخوان على شروطه، وعند أول اجتماع رسمي للهيئة التأسيسية في الدار المؤقتة للإخوان في أواخر عام 1950 حيث بايعت المرشد الجديد، واختارت مكتب الإرشاد .. واختارت وكيلا للجماعة، الشهيد عبد القادر عودة، الذي كان قاضيا واستقال من منصبه القضائي ليعمل في الجماعة التي كان أحد أبنائها من قديم.

وبدأ عهد جديد ... بأسلوب جديد .. لم يتغير فيه الهضيبي عن طريقته التي عرفناه عليها قاضيا .. فكان مرشدا مستشارا ..

6. المرشد المستشار ... وأسلوبه ..!

كثيرا ما يحاول البعض أن يعقد مقارنة بين حسن البنا وحسن الهضيبي .. بين مؤسس الحركة ومن خلفه عليها .. ويرفدون مقارنتهم بلو ... ثم لو .. ولست ممن يرفضون هذه المقارنة، أو يفكرون فيها ... فهما رجلان .. وكل رجلين يختلفان ... هذ سنة الله في خلقه .. هذا رأيي، دون مقارنة أو تفضيل.

كان حسن البنا معلما .. فهو يأخذ ويعطي .. وهو يلقي الدروس الطوال .. وكان حسن الهضيبي قاضيا ... فهو لا يتكلم إلا مجيبا على سؤال ... وهو ينصت ثم يفكر، ويصدر حكمه في الموضوع.

كان حسن البنا يؤلف القلوب ، فهو مؤسس حركة .. كان يقبل من الإخوان أخطاءهم بل خطاياهم ... ويترفق بهم إذ ينبههم إليها .. ويبرم من الأمور ما يرى وإن خالف مشورتهم..

وكان حسن الهضيبي يتولى حركة بلغت رشدها في اعتقاده، فهو يعلم الكاذب أنه كاذب .. ويعلم المخطئ أنه مخطئ ... لا يسعى إلى الناس، ويسأل الله أن يسعى الناس إلى الدعوة ويخلصوا لها ...

وبدأ الإخوان – والناس- يواجهون، أسلوب المرشد الجديد .. يواجهونه برضى حينا ، وبحذر حينا آخر ... وباستنكار حينا ثالثا .. فبدأ بعض الناس ينتظرون من ورائها خيرا، وبدأ بعض آخر يخشاها ... وبدأ بعض الإخوان يخرجون عنها ، وبدأ بعضهم ينافق وهو باق داخلها .. ودخل كثيرون فيها عن صدق وإخلاص .. ويكفي لذلك مثلا دخول الشهيد سيد قطب للجماعة، وإيثاره إياها على رضاء السلطان حين أصبح مرغوبا مرهوبا، وتنكر للإخوان ...

وكان أول ما واجهنا من أسلوب القاضي حديث المرشد الجديد إلى الإخوان في اجتماع الثلاثاء .. ذلك الاجتماع الذي اعتاد الإخوان أن يفدوا عليه ليستمعوا إلى مرشدهم طويلا، ثم يسألون، فيجيب على أسئلتهم كانو يأتون إلى هذا الاجتماع بشعور عميق نحو الاستماع، واللقاء الطويل، حتى أسموا اجتماعهم الأسبوعي هذا عاطفة الثلاثاء

وكان أول ثلاثاء بعد اختيار المرشد الجديد .. فوقف ، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله وآله وصحبه ومن دعا بدعوته، ثم تحدث عن كتاب الله، وكيف أنه أساس هذا الدين .. فأوصانا به، تلاوة وفهما وتخلقا، فإننا إن تخلقنا بالقرآن كنا ربانيين، وإن قلنا للشيء كن فيكون .. ثم ختم حديثه وجلس... وكان هذا أمرا عسيرا على الإخوان، فقد اعتادوا أن يأتوا إلى عاطفة الثلاثاء فيستمعون إلى معلم داعية يخاطبهم ساعتين أو ثلاثا، يخاطبهم فيفصل لهم الخطاب .. ويجيب على أسئلتهم فيقلب الأمر على وجوهه، يسبب إجابته .. فإذا هم- فجأة بعد انقطاع دام عامين – يستمعون إلى حديث لم يزد عن خمس دقائق، يذكرهم الله، وكتاب الله، ويدعوهم إلى العودة إليه، تلاوة وتخلقا بهديه .. لم يفهم الإخوان ذلك وقتذاك، وليتهم فهموا، إذا لعلموا أن الرجل بدأ من البداية ..

وكان ثاني أمر واجهنا به أسلوب القاضي موقف المرشد من كثير من الإخوان حين يقول لأحدهم: كذبت .. والكذب لا يقبل من مسلم.

أو " أخطأت في كذا ... فاستغفر ربك وتب إليه ... ولا تعد إلى ذلك .." أغضب هذا الأسلوب الواضح القاطع النابع عن فهم المرشد لقول الله تعالى: وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا.. ذلك القول الذي يلقي فيه الكلام كحكم صدر من قاض أغضب هذا الأسلوب الكثير من الإخوان الذين اعتادوه من قبل ... والذين ظنوا أن (سابقتهم في الدعوة) لا تجيز أن يواجهوا به ..

وكانت ثالث ما واجهناه ( مشكلة النظام الخاص) .. وكانت كبرى المشاكل .. فالمرشد لا يرى محلا لوجوده .. لكن النظام كان قد استقر في نفوس كثير من الإخوان، وزاده استقرارا مفهوم فريضة الجهاد عندهم، ومواجهة حل الجماعة أو وقف نشاطها بتنظيم سري ... وزاد الأمر تعقيدا مصلحة خاصة لدى البعض في بقاء (القوة الضاربة) للجماعة في يده .. وبلغ الغضب بهذا البعض الأخير – حين ظن أن قرار المرشد إنما يخفى وراءه استبدال نظام يرأسه صلاح شادي بنظامهم – أن أطلقوا الرصاص على صلاح أثناء سيره بسيارته في شارع الهرم .. ونجى الله صلاحا بقدرته ،، ولا زلنا نحتفظ بالمصحف الذي كان يحمله في جيبه فوق قلبه، والذي تلقى الرصاصات، فاستقرت فيه رصاصتان، ورفض صلاح أن يبلغ الجهات الرسمية، وقد ظن – أول الأمر- أن الفعل كان بتدبير الحرس الحديدي للملك .. فلما اتضح لنا الأمر ، ظل مخفيا حقيقته حتى عن الإخوان، كي لا تكون فتنة ..

واقتنع أغلب الإخوان – داخل النظام الخاص وخارجه – برأي المرشد، وبأنه ليس هناك تلازم حتمي بين وجود تنظيم سري وبين فريضة الجهاد في الإسلام ... ولكن بقيت الأقلية الرافضة هذا الرأي – عن اعتقاد مصلحة – تواصل متاعبها، وكان لها ضحاياها .. وعانى منها المرشد عناء كبيرا، قبل الصدام مع جمال وبعده. ومع ذلك .. هل استطاع المرشد المستشار أن يتخلص نهائيا من النظام الخاص، أو من مفهومه في بعض الأحيان ..؟ لا أعتقد ، كما سأوضح فيما بعد ...