تأثير ثورات الربيع على ظاهرة الاسلام السياسي وعمليات الاصلاح في الوطن العربي

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
تأثير ثورات الربيع على ظاهرة الاسلام السياسي وعمليات الاصلاح في الوطن العربي


الأكاديمية العربية المفتوحة في الدنمارك

كلية القانون والعلوم السّياسية

قسم القانون والعلوم السّياسية

تأثير ثورات الربيع على ظاهرة الاسلام السياسي وعمليات الاصلاح في الوطن العربي

دراسة استشرافية للانعكاسات العامة للثورات العربية على التيارات الدينية السّياسية والقوى الإصلاحية في المملكة العربية السعودية

(2011-2013)

دراسة لاستكمال مقررات نيل درجة التخصص العالي "الماجستير"

إعداد الطالب/ محمّد عبد الغفور الشيوخ

الأستاذ المشرف/ الدكتور ميلاد مفتاح الحراثي

كلية الاقتصاد / قسم العلوم السّياسية

جامعة بنغازي / ليبيا

الأكاديمية العربية / الدنمارك

محتويات

الإهداء

إلى والديَّ وزوجتي وأبنائي الأعزاء.

إلى كلّ الأحرار الشرفاء الذين ثاروا ضدّ الظلم والاستبداد وفجّروا أعظم ثورة شهدها العالم العربي في عصره الحديث، إلى الشّهداء الذين سقطوا في ميادين العزّ والشّرف دفاعاً عن الحرية والكرامة، إلى المعذّبين في غياهب المعتقلات والزّنازين، والجرحى، والثّكلى الذين ضحّوا من أجل حريتنا وكرامتنا وعزّتنا جميعاً.

إلى الذين أضاؤوا النّفق المظلم ولا زالوا يكملون المسيرة الصعبة والمليئة بالتحدّيات الجِسام، إلى الذين ناضلوا من أجل تعزيز قيم الحرية والكرامة والعدل والمساواة والرّفاه، ويتطلّعون إلى إقامة نظام ديمقراطي حديث وفاعل.

إلى كافّة رفقاء الكلمة الصادقة والحروف النابضة والآراء السديدة الذين لم يبخلوا عليّ بعصارة فكرهم النيّر، إلى كلّ من عبّد لي الطريق لمواصلة التحدّي والإنجاز، أهديكم جميعاً هذا العمل المتواضع، سائلاً الله تعالى لهم التوفيق والسداد.

والشكر والتقدير موصول إلى الدكتور لطفي حاتم، والأكاديمية العربية بالدنمارك، وإلى كلّ العاملين بها، على جهودهم ونصائحهم وتوجيهاتهم الأكاديمية التي قدّموها إلي طيلة دراستي ومراحل الإعداد لهذه الرسالة، فلهم كلّ الشكر والتقدير، وإلى أستاذي الفاضل الدكتور ميلاد مفتاح الحراثي الذي كانت توجيهاته ورؤاه رافداً معرفيّاً وخارطة طريق وحافزاً كبيراً لمواصلة التحدّي والإنجاز.

مقدمة

لم يَدُرْ في خَلَدِ أحدٍ قطّ بأنّ النار التي أضرمها الشاب التونسي الجامعي محمد البوعزيزي في نفسه، بمدينة سيدي بوزيد النائية يوم الجمعة 17 ديسمبر/ كانون الأول عام 2010 م، وذلك تعبيراً عن غضبه على بطالته ومصادرة عربته التي كان يتجوّل بها لبيع الخضار، ستخلّف من ورائها في اليوم التالي زلزالاً لم يهزّ العالم العربي فحسب، وإنما هزّ العالم بأسره، من أقصاه إلى أقصاه.

حدث البوعزيزي الصغير في حجمه والكبير في معانيه وتداعياته، الذي كان كالصاعق الذي يختزل كلّ آلام الشارع العربي ومحنه وآهاته، فجرّ ما بات يعرف بـ «ثورة الياسمين» في تونس، والأخيرة ولّدت بدورها احتجاجات وانتفاضات وثورات شعبية عارمة اجتاحت العديد من أقطار العالم العربي، ولا زالت هناك أقطار عربية أخرى تنتظر وصول هذه الظاهرة إليها.

لقد أجبرت الثورة التونسية الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، الذي حكم البلاد بقبضةٍ حديدية طيلة 23 سنة، على التنحّي عن السلطة والهروب من البلاد خلسةً, فقد توجّه أولاً إلى فرنسا التي رفضت استقباله خشية حدوث مظاهرات للتونسيين فيها, فلجأ إلى السعودية، وذلك يوم الجمعة الموافق للرابع عشر من كانون الثاني/ يناير 2011 م.

وكذلك دفعت بالرئيس محمد حسني مبارك الذي حكم البلاد أكثر من ثلاثة عقود للتخلّي عن الحكم في 11 فبراير 2011 (الموافق 8 ربيع الأول 1432 هـ)، حيث أعلن نائبه عمر سليمان في السادسة من مساء الجمعة 11 فبراير2011 م في بيان قصير عن تخلّي الرئيس عن منصبه، وأنه كلّف المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شؤون البلاد.

وأطاحت بالزعيم الليبي الذي حكم البلاد أكثر من أربعة عقود، وأدّت إلى مقتله على يد الثّوار في سرت يوم 20 أكتوبر2011 م.كما أجبرت الثورة اليمنية الرئيس اليمني علي عبد الله صالح الذي حكم البلاد أكثر من ثلاثة عقود للتخلّي عن السلطة، حيث انتهت رئاسته للجمهورية دستوريًّا وقانونيًّا في يوم السبت 25 فبراير من عام 2012م، بعد انتخاب عبد ربه منصور هادي، رئيساً للجمهورية اليمنية، وبعد أداء عبد ربه منصور هادي القَسَم أمام مجلس النّواب، طاوية صفحة (علي عبد الله صالح) في رئاسته لليمن.

اللافت في تلك الثورات والاحتجاجات الشعبية، إنها أطاحت بالعديد من الأنظمة السّياسية في المنطقة العربية، التي كان ينظر لها دائماً على أنها أنظمة بوليسية قويّة راسخة، وفي فترة وجيزة جدًّا، ولا زالت هذه الثورات مستمرّة ومتنقّلة من قطر إلى آخر. لقد امتدّت شرارة الثورة التي حدثت في تونس إلى البحرين وسورية والسعودية والسودان ومسقط والأردن والمغرب والجزائر، ولا تزال العديدة من الدول، بحسب المحلّلين والمراقبين، مرشّحة لاستقبال هذه الظاهرة، مما يعني أن هناك أنظمة عربية أخرى على قائمة الانتظار ومرشّحة للانهيار والتهاوي أيضاً.

ولم ينحصر تأثير الثورات والاحتجاجات العربية على النظم السّياسية في المنطقة، وإنما أحدثت أيضاً متغيّرات على صعيد المعادلات والحسابات السّياسية على الصعيد العالمي، كما أفرزت أحلافاً جديدة لم تكن قائمة، وأجبرت العديد من دول العالم، ومن بينها الدول العظمى، إلى إعادة النظر والحسابات في سياساتها وبرامجها وتحالفاتها الخارجية، خصوصاً المرتبطة بالمنطقة العربية.

وتعتبر الثورات والاحتجاجات العربية، بخصائصها وشعاراتها ومطالبها وأساليبها وشكلها التي برزت به، ظاهرة فريدة من نوعها، ليس على مستوى العالم العربي فحسب، وإنما على مستوى العالم كلّه، وبما أنها ظاهرة سياسية لا زالت حديثة التكوين، أي لم يمضِ على اندلاعها حتى اللحظة، إلا عام واحد، وهي- بالمناسبة- فترة لا تعتبر طويلة وفق حسابات التاريخ وعمر الشعوب، فإنه من المرجح استمرارها ووصولها إلى أقطار جديدة أخرى، كما أن تداعياتها المحتملة ستمتدّ إلى عقود قادمة، والأهمّ من ذلك كلّه، أن هذه الظاهرة الجديدة، شكلاً ومضموناً، شكّلت انعطافة كبيرة في التاريخ السياسي للشعوب العربية والإسلامية.

لقد كان لمشهد النار التي التهمت جسد الشّاب التونسي الجامعي بائع الخضار، محمد البوعزيزي، تداعيات واسعة في العالم العربي تمثّلت في إشعال موجة واسعة من الاحتجاجات والثورات الفريدة من نوعها في العديد من الأقطار العربية، مما أثار في ذهن الباحث، كما الآخرين، العديد من التساؤلات، يتعلّق بعضها بماهيّة ودوافع الثورات والجهات التي تقف خلفها، وأخرى مرتبط بإمكانيّتها في إحداث إصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية في العالم العربي عامة، أو تحوّل ديمقراطي في دول الربيع العربي خاصة. ونوع ثالث من الإشكالات ارتبط بتأثير الثورات على عمليات الإصلاح، وحركات الإسلام السّياسي في العالم العربي، وهي تساؤلات لا زالت تؤرّق وتشغل بال الكثير وتحتلّ مساحة واسعة من تفكيرهم وأذهانهم.

ومنذ لحظة تحوّل النار، التي طوّقت جسد بوعزيزي كلّه، بعد أن أضرمها في نفسه احتجاجاًَ على الإهانة، إلى ثورة عارمة في تونس، أجبرت الرئيس بن علي على الفرار، ومن ثم سرعان ما انتقلت شرارتها إلى مصر وليبيا وأسقطت مبارك والقذافي، مروراً باليمين والبحرين وسورية وأقطار عربية وخليجية أخرى، بدأتُ، كملايين البشر في هذا العالم، اتابع الحدث لحظة بلحظة وأفكّر في تداعياته وانعكاساته، فوجدت حينها من الملائم أنْ أخصّص بعضاً من الوقت لدراسة هذه الظاهرة الجديدة والفريدة من نوعها، التي داهمت العالم العربي، ومن مختلف أبعادها وزواياها، وبصورة موضوعية، وبشكل معمّق أيضاً، لأسبر غور الظاهرة وأنظر إلى جذورها، وأستشرف مآلاتها الراهنة وانعكاساتها المستقبلية.

ولقد تزامن أختيار موضوع الدراسة، الذي تم بعد مرور عام عن بدايات وقوع هذا الحدث الهام، تزامن مع بداية دراسة الباحث في الأكاديمية العربية المفتوحة في الدنمارك بقسم القانون والعلوم السّياسية. فحينما طلب منّي أستاذي الفاضل سعادة الدكتور/ لطفي حاتم، تقديم موضوع البحث لنيل درجة الماجستير، وجدتها فرصة ملائمة لتقديم قراءة في الحدث الجديد، المتمثّل في ثورات الربيع العربي، للتعرّف على ماهيّته ورصد انعكاساته على عمليات الإصلاح، والإسلام السّياسي في العالم العربي.

وبعد صدور قرار إجازة العنوان السّالف الذكر من الأكاديمية، وتكليف أستاذي الفاضل سعادة الدكتور ميلاد مفتاح الحراثي، من جامعة بنغازي الليبية، مشرفاً على البحث، بدأت بالشروع في التعامل مع ظاهرة ثورات واحتجاجات الربيع العربي من منظور أكاديمي صرف.

الباب الأول: مدخل الدراسة

اولا: إطار الدراسة

لم تكتفِ هذه الدراسة بالتركيز على ظاهرة ثورات الربيع العربي، والتعريف بماهيّتها وتفسير أسباب اندلاعها، وإنما ستنـزع نحو رصد تأثيراتها العامّة على الإسلام السّياسي، وعمليات الإصلاح السّياسي في الدول العربية.وستناقش مدى قدرة هذه الثورات على إحداث تحوّل حقيقي نحو الديمقراطية في العالم العربي، مستعرضةً في هذا السياق خارطة الحركات الإسلامية، التي وصلت إلى سدّة الحكم، عبر آلية الانتخابات في دول الربيع العربي، كما ستُشير الدراسة إلى أبرز الأسباب التي ادت الى وصول تلك الحركات إلى سدّة الحكم، وهذا هو الإطار العام لهذه الدراسة.

أمّا إطارها الخاصّ فسيُركّز على التعريف بخارطة الإسلام السّياسي في المملكة العربية السعودية،بغية تقدّيم رؤية استشرافية للتأثيرات العامة للثورات العربية على الإسلام السياسي في السعودية، من خلال رصد التأثيرات التي طالت التيارات الدينية السّياسية والقوى الإصلاحية في محافظة القطيف، شرق المملكة، كنموذج معبّر عن الإسلام السّياسي في المملكة، وذلك بعد اندلاع ثورات الربيع العربي.

ثانيا: تساؤلات الدراسة

ومن أجل بلورة العديد من الإشكالات التي برزت مع حدث الثورات العربية فور اندلاعها، بغية تفكيكها ومعالجتها وتحليلها، تمّ صياغتها في التساؤلات البحثية التالية:

1- ما هي طبيعة ثورات الربيع العربي، وهل ستقود بالفعل إلى إصلاحات وتغييرات حقيقية من شأنها أن تُفضي إلى تحوّل حقيقي نحو الديمقراطية، سواءً في الدول التي نجحت فيها الثورات وحكمها الإسلاميّون الجدد، أو في عموم المنطقة العربية ككلّ؟

2- هل سيتمكّن الإسلاميّون الذين أوصلتهم الجماهير إلى سدّة الحكم، من بناء نظمٍ ديمقراطية فاعلة تحقّق آمال وطموحات الجماهير؟

3- هل سيقدّم الإسلاميّون نموذجاً جديداً في الحكم أفضل من الأنظمة السابقة التي ثاروا عليها، أم أنهم سيعيدون إنتاج الاستبداد ولكن بصورة مختلفة عن ذي قبل، كما حدث لثورات سابقة في بلدان مختلفة؟

4- ما هي طبيعة تلك التغيرات التي طرأت على الأنظمة العربية وبرامج الإصلاح عموماً، وحركات الإسلام السّياسي في العالم العربي خصوصاً، والتي مكنتها من الوصول إلى سدّة الحكم في أعقاب الاحتجاجات الشعبية وثورات الربيع العربي؟

5- ما هو شكل النظم السّياسية التي ينبغي أن تترسخ في بلدان الربيع العربي، والتي من شأنها أن تشكّل ضمانة في عدم إنتاج الاستبداد ثانية وتقود إلى تحوّل حقيقي نحو الديمقراطية؟

6- ما هي طبيعة تلك التأثيرات التي أحدثتها الاحتجاجات الشعبية وثورات الربيع العربي على خارطة التيارات الدينية السياسية والقوى الإصلاحية في المملكة العربية السعودية، وما هو موقفها من مبادئ وقيم الديمقراطية؟

7- ما هي طبيعة المشهد السّياسي في العالم العربي عامّة والمملكة العربية السعودية خصوصاً، ما قبل ثورات الربيع العربي وما بعدها، وما هي ردود فعل الأنظمة السّياسية حيال الحراك الشعبي؟

ثالثا: فرضيات الدراسة

وفي سبيل التحقّق من تساؤلات الدراسة، تم صوغ فرضيتان:

الأولى الفرضية العامّة: تختلف التأثيرات العامّة لثورات الربيع العربي على عمليات الإصلاح والتحوّل الديمقراطي باختلاف طبيعة كلّ وحدة سياسية عربية وخصائصها.

الثانية الفرضية الفرعية: ساهمت الثورات العربية في مضاعفة الحراك السياسي المطلبي، ورفع سقف مطالب حركات الإسلام السّياسي وقوى الإصلاح في المملكة العربية السعودية.

رابعاً: أهداف الدراسة

1- رصد وتحليل التأثيرات والانعكاسات العامّة لثورات الربيع العربي، على صعيد عمليات الإصلاح السّياسي، وعلى ظاهرة الإسلام السّياسي في العالم العربي، المتمثّلة في بعض الحركات الإسلامية التي وصلت إلى سدّة الحكم في دول الربيع العربي بعد الثورات، وكذلك التيارات الدينية السّياسية والقوى الوطنية الإصلاحيّة في المملكة.

2- تسليط الضوء على بعض ملامح المشهد السّياسي في العالم العربي عموماً، والمملكة العربية السعودية خصوصاً، سواءً ما قبل أو بعد ظاهرة ثورات الربيع العربي، لرصد المتغيّرات التي حدثت، وكذلك طبيعة الحراك الشعبي والمطالب الراهنة، وردود فعل النظم السّياسية للتيارات الدينية السّياسية، والقوى الوطنية المختلفة.

3- إيضاح خارطة حركات الإسلام السّياسي في دول الربيع العربي، إلى جانب التيارات الدينية السّياسية والقوى الإصلاحية الصّاعدة في السعودية، وكذلك إيضاح أبرز مواقفها وأفكارها وقناعاتها وتصوّراتها، حيال مواضيع عدّة في مقدّمها ظاهرة ثورات الربيع العربي، وما رافقها من مفاهيم، كمفهوم الحرية، وسيادة القانون، والديمقراطية، وحاكمية الشعب، وغيرها من المفاهيم المتعلّقة بالإصلاح.

4- رصد وتحليل أسباب النفوذ السّياسي للإسلاميين الجدد، الذي أدّى بهم إلى الوصول لسدّة الحكم عبر آلية الانتخاب، في دول الربيع العربي، وإمكانية إقامة نظم ديمقراطية تُفضي إلى تحوّل ديمقراطي في المنطقة العربية.

خامساً: أهميّة الدراسة

1- تفيد هذه الدراسة الباحثين والمهتمّين في تعرّف ماهيّة ظاهرة ثورات الربيع وأشكالها، وتأثيراتها، ومراحلها، والإحاطة بكلّ ما يتّصل بها من أحداث سياسية وعمليات اجتماعية وظواهر سياسية، إلى جانب القدرة على تحليل دوافعها الرئيسة ووضعها في سياقاتها الصّحيحة، وإمكان التنبؤ بنتائجها.

2- تقدّم رؤية استشرافية لصنّاع القرار السّياسي في المنطقة العربية، يمكن أن تعينهم على معالجة الأسباب الرئيسة التي تقف خلف اندلاع الثورات والاحتجاجات لتجنّب حدوثها من جهة.

3- تحفّز صانعي القرار وراسمي السّياسات في العالم العربي، على الشّروع في الإصلاح السّياسي، ولو بشكل متدرّج، تجنّباً للعنف وإراقة الدماء وإزهاق الأرواح وهدم الدولة، ولا سيّما أن معظم المؤشّرات والمعطيات السّياسية القائمة، تشيء بأنّ ظاهرة الثورات آخذة في التوسع والانتشار والديمومة، مما يعني أن هناك العديد من الأقطار العربية مرشّحة للاحتجاجات، بسبب وجود العوامل والأسباب ذاتها التي أدّت إلى اندلاعها في دول الربيع العربي ودول أخرى.

سادساً: أسباب اختيار موضوع الدراسة

ويرجع اختيار هذا الموضوع لعدّة أسباب، أهمّها:

1- وجود حالة من الغموض والتشويش في دوافع وأسباب وغايات ظاهرة ثورات الربيع العربية، نظراً لحداثتها وفرادتها في المنطقة العربية.

2- عدم وجود عمل سابق يرصد انعكاسات وتأثيرات ثورات الربيع العربي، سواءً على عمليات الإصلاح السّياسي في المنطقة العربية، أو على ظاهرة الإسلام السّياسي في العالم العربي بشكل عام، وفي السعودية بشكل خاصّ، وبصورة معمّقة ومن مختلف زواياه.

3- التعريف بخارطة حركات الإسلام السّياسي في دول الربيع العربي، إلى جانب التيارات الدينية السّياسية والقوى الإصلاحية في المملكة العربية السعودية.

4- تسليط الضوء على ردود فعل التيارات الدينية السّياسية والقوى الإصلاحية إلى جانب النظام السّياسي في المملكة، حيال ظاهرة ثورات الربيع العربي والإصلاح السّياسي في السعودية.

سابعاً: الحدود المكانية والزمنية للدراسة

سيقتصر البحث على الدول العربية، التي اجتاحتها الثورات والاحتجاجات الشعبية، لرصد انعكاساتها على عمليات الإصلاح، وحركات الإسلام السّياسي، التي وصلت لسدة الحكم في دول الربيع العربي، وكذلك التأثيرات التي طالت التيارات الدينية السّياسية، والقوى الإصلاحية في السعودية، منذ اندلاع الاحتجاجات والثورات عام 2011 م حتى منتصف 2013 م.

ثامناً: مصادر جمع بيانات وأدبيات الدراسة

اعتمد الباحث على جمع المعلومات ذات الصلة بظاهرة ثورات الربيع العربي وتأثيراتها العامّة، من خلال المتابعة الشخصية لكلّ ما يبثّ وينشر عبر مختلف وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة، الرسمية وغير الرسمية، ومواقع التواصل الاجتماعي كتويتر، والفيس بوك، واليوتيوب، وغيرها.

كما تمّ الاستعانة بكلّ الكتب والدراسات والمقالات التي كتبت في هذا المجال، وكذلك البيانات التي تتضمّن مطالب إصلاحية لدى بعض التيارات الدينية والقوى الإصلاحية في السعودية تحديداً. وتمّ الاعتماد على المواقع الإلكترونية الخاصّة بالتيارات والحركات الإسلامية، والأسطوانات الإلكترونية الممغنطة ذات الصلة.

وقام الباحث بإجراء سلسلة من اللقاءات والحوارات المباشرة وغير المباشرة مع بعض المهتمّين بهذه الظاهرة، من رموز وكوادر تلك التيارات والقوى، إلى جانب بعض النشطاء السياسيين، والأفراد من كلا الجنسين، وكذلك تم اللقاء مع بعض الاشخاص الذين شاركوا في التظاهرات والاعتصامات والنقاشات الإصلاحية في المملكة تحديداً. ولكن ليس بالضرورة هم منخرطون ضمن أيّ تشكيلات سياسية وقوى إصلاحية.

تاسعا: مناهج ومداخل معالجة موضوع الدراسة

يقصد بالمناهج، هي تلك الطرق العلمية الممنهجة التي يتبعها الباحث في دراسة موضوعٍ مّا للوصول إلى قانون عامّ. أو هي عمليات فنية لترتيب الأفكار بشكل ممنهج ودقيق، بحيث تؤدّي إلى كشف أو فهم حقيقة ما.

ولمعالجة موضوع الدراسة سيتمّ الاستعانة بالمناهج التالية:

1- منهج دراسة الحالة

لقد وردت تعاريف عديدة لمنهج دراسة الحالة، لعلّ أبرزها ما جاء على لسان الباحث روبيرت كي يين (Robert K. Yin)، الذي يرى أنه تحقيق تجريبي يبحث في ظاهرة معاصرة ضمن سياقها الواقعي، عندما تكون الحدود بين هذه الظاهرة وسياقها غير واضحة، وذلك باستعمال مصادر متعدّدة من الأدلة. وكذلك تعريف الباحث فيرشايلد (Fairchild)، الذي يرى بأنه عبارة عن منهج يمكن عن طريقه جمع البيانات ودراستها بحيث يمكن رسم صورة كليّة لوحدة معينة في علاقاتها وأوضاعها الثقافية المختلفة.

ويقوم منهج دراسة الحالة على أساس اختيار فرد أو جماعة أو مؤسّسة أو ظاهرة سياسية أو اجتماعية أو نظام سياسي محدّد، ومن ثم يتمّ جمع المعلومات التفصيلية والدقيقة عن ذلك الفرد أو تلك الوحدة أو الظاهرة وما يرتبط بها، وذلك عبر وسائل متعدّدة كالمقابلة الشخصية ودراسة الوثائق والسّجلات الرسمية والمذكّرات الشخصية وتقارير الأطباء وملاحظات الجهاز الإصلاحي داخل المؤسّسة وهوايات المبحوثين، وكذلك الملاحظة بالمعايشة، والفحوص والاختبارات، ونحوها، لمعرفة ماهيّتها وتحليل دوافعها وأسبابها ونتائجها، بغية الوصول إلى تعميمات يمكن تطبيقها على غيرها من الظواهر المشابهة لها.

ويعتبر منهج دراسة الحالة من المناهج الوصفية المميّزة في دراسة الظواهر المتنوعة، التي يتعذّر فهمها بسهولة؛ نظراً لوضعيّتها الفريدة أو تعقيداتها المتشابكة، مما يمكّن الباحث من التركيز عليها بمفردها. ويستعمل هذا المنهج عادة للإشارة إلى العملية التي من خلالها يتمّ جمع البيانات عن تلك الظاهرة، لتمكّن الباحث من التعمّق في دراستها وبحثها بشمولية.

وتتمّ دراسة الحالة عبر خطوات علمية محدّدة ممنهجة وواضحة، كتحديد المشكلة المراد بحثها، وإيضاح هدف الدراسة، وموضوعها، وإعداد مخطّط لتحديد مسار الباحث في اختيار أنواع البيانات المطلوبة والطرق المناسبة لجمعها وأساليب تحليلها، لفهم الحالة أو المشكلة المطلوب دراستها، ومن ثمّ صياغة الفرضية أو الفرضيات التي تعطي التفسيرات المنطقية والمحتملة لمشكلة البحث ونشأتها وتطورها وتأثيراتها.

وكذلك تنظيم البيانات وتصنيفها وتحليلها بالأساليب التي يرى الباحث أنها تخدم أهداف بحثه. وفي الأخير يوضّح الباحث النتائج والتوصيات التي تمّ التوصّل إليها، مشيراً إلى أهميتها وإمكان الاستفادة منها في دراسات أخرى.

وسيتمّ الاستعانة بمنهج دراسة الحالة في هذه الدراسة، لتحقيق الغايات التالية:

1- جمع وتحليل البيانات ذات الصلة بظاهرة ثورات الربيع العربي، بعد تحديدها ووضع فروضها وإيضاح مفاهيمها، من خلال الملاحظة أو عقد اللقاءات والحوارات المباشرة مع الأطراف ذات الصلة بالموضوع، عبر مختلف وسائل جمع البيانات المستعملة في هذا المنهج.

2- دراسة الظاهرة بشمولية وعمق، وعدم الاكتفاء بدارستها بصورة سطحيّة، بغية تعرّف ماهيّتها وارتباطاتها وتأثيراتها والعمليات والأحداث المرتبطة بها.

3- تحليل وتفسير دوافع وأسباب الظاهرة، إلى جانب الوقوف على تداعياتها وانعكاساته المختلفة، سواءً على عمليات الإصلاح أو على ظاهرة الإسلام السّياسي المتمثّلة في بعض الحركات الإسلامية في الوطن العربي بشكل عام، والتيارات الدينية والقوى الإصلاحية في المملكة العربية بشكل خاصّ.

4- مناقشة أسباب صعود الإسلام السّياسي لسدّة الحكم، عبر آلية الانتخاب، وذلك بعد سقوط العديد من الأنظمة السّياسية.

5- استشراف إمكانية حدوث تحوّل حقيقي نحو الديمقراطية جرّاء ذلك الحدث، سواءً في بلدان الربيع العربي أو عموم المنطقة.

6- الوقوف على ملامح المشهد السّياسي الرّاهن في العالم العربي عامة والسّعودي خاصّة، في ظلّ الاحتجاجات والثورات الراهنة.

7- التأكّد من صحّة الفرضية العامة والفرعية للدراسة.

2- مدخل المسح الاجتماعي

تهتمّ الدراسات المسحية غالباً بدراسة الظواهر الاجتماعية، بصورة شمولية دون الاهتمام بالعمق. وعادة ما تُعمّم النتائج للاستفادة منها لوضع الخطط والبرامج لإجراء الإصلاح الاجتماعي. وتُعَدّ الاستبانات والمقابلات المقنّنة أكثر الأساليب استعمالاً في تنفيذ المسوح الاجتماعية.

وتستعمل الدراسات المسحية لاكتشاف العلاقات الارتباطية بين المتغيّرات، مثلاً علاقة التفكّك العائلي ونسب الطلاق في مدينةٍ مّا، أو علاقة الثورات في دول الربيع العربي بالحراك أو تأثيراتها على القوى في المملكة.

ويُعرّف المسح الاجتماعي، بأنه عبارة عن دراسة عامّة لظاهرة موجودة في مكانٍ ووقت محدّدين. ولكن في الحاضر وليس في الماضي، وتتمّ دراسة الظاهرة دون الخوض في تأثيرات الماضي، كما أنه يدرس الظواهر كما هي، أي دون تدخل الباحث فيها والتأثير على مجرياتها.

وتقسّم المسوح الاجتماعية إلى نوعين رئيسين، هما:

1- المسح الشّامل، الذي يقوم على جمع معلومات شاملة حول جوانب الظاهرة المدروسة.

2- المسح بالعينة، وهو أكثر استعمالاً وشيوعاً من المسح الشّامل، وذلك لقلّة تكاليفه نسبيًّا، ولإمكانية الحصول على نتائج يمكن تعميمها على جميع وحدات مجتمع الدراسة.

والباحث في هذا النوع يكتفي بدراسة عددٍ محدود من الحالات أو المفردات وذلك في حدود الوقت والجهد والإمكانات المتوفّرة لديه.

والمسح الاجتماعي، كبقيّة المناهج العلمية، يسير وفق خطوات محدّدة تتمثّل في تحديد مشكلة البحث، وأهدافه، وجمع البيانات الخاصّة، وتحديد الأداة البحثيّة الملائمة لجمع هذه البيانات، وعادة ما يستعمل الاستبيان والمقابلة، وهي أكثرها شيوعاً. كما تستعمل الملاحظة، ويستفاد كذلك من الإحصاءات والسجلات الرسمية.

وسيتمّ الاستعانة بمنهج المسح الاجتماعي في هذه الدراسة، لتحقيق الغايات التالية:

1- دراسة ظاهرة ثورات الربيع العربي، بوصفها ظاهرة قائمة في زمن ومكان محدّدين، وبصورة أشمل وأوسع، من خلال جمع البيان الشاملة حول الظاهرة وجوانبها المختلفة.

2- اكتشاف العلاقات الارتباطية بين متغيرات الظاهرة، كالعلاقة بين تأثيرات حدث الثورات على ظاهرة الإسلام السياسي الجديد.

3- تقديم مسح عام لطبيعة المشهد السّياسي سواء في العالم العربي أو في المملكة العربية السعودية، ما قبل وما بعد انطلاق ثورات الربيع العربي.

3- المنهج المقارن

يعرف المنهج المقارن بأنه عملية عقليّة تتمّ بتحديد أوجه الشبهه والاختلاف بين ظاهرتين أو حدثين أو موضوعين أو أكثر، بغرض الحصول من خلالها على معرفة أدقّ للتمييز بين الظواهر المبحوثة.

ويركّز هذا المدخل على مقارنة جوانب التشابه والاختلاف بين الظواهر، بغرض معرفة العوامل أو الظروف التي تصاحب حدوث ظاهرة اجتماعية أو ممارسة معينة، على أن تكون المقارنة في حقبة زمنية واحدة، أو تقوم بمقارنة ظاهرة واحدة في نفس المجتمع، لكن في فترات زمنية مختلفة، لمعرفة تطورها وتأثيرها.

ولكي يحقّق الباحث أهدافه العلمية بتطبيق هذا المنهج عليه أن يقوم بعملية رصد دقيق للظاهرة المبحوثة وسماتها وظروفها السّابقة واللاحقة، ومن ثمّ تنظيم وتصنيف مشاهداته عنها، لتتمّ من خلالها عملية المقارنة، بغية الوقوف على المتغيّرات الطارئة وأوجه الشبه والاختلاف القائمة.

سيتمّ الاستعانة بالمنهج المقارن في هذه الدراسة، لتحقيق أهداف ومقاصد المنهج المقارن من حيث: ماذا نقارن؟ وكيف نقارن؟ ولماذا نقارن؟

1- رصد المتغيّرات التي أحدثتها ثورات واحتجاجات الربيع العربي، على سلوك بعض الإسلاميين الجدد، سواءً الذين وصلوا لسدّة الحكم في دول الربيع العربي أو المنتميين للتيارات الدينية والقوى الإصلاحية في السعودية، وذلك من خلال الوقوف على بعض مواقفهم وقناعاتهم وأفكارهم القديمة والحديثة، إزاء العديد من المفاهيم والقضايا المرتبطة بالإصلاح والمشاركة السّياسية والتحوّل الديمقراطي، وذلك في فترتين زمنيتين مختلفين: ما قبل ثورات الربيع العربي وما بعدها.

2- تعرّف المتغيّرات التي طرأت على المشهد السّياسي الجديد في دول الربيع العربي عموماً والسعودية خصوصاً، وذلك قبل ثورات الربيع العربي وبعدها.

3- تقديم تفسيرات أكثر قوّة للموضوعات المدروسة؛ لأنّ هذه التفسيرات استندت إلى أدلة جمعت في ظروف سياسية وزمنية مختلفة ومن عدّة مجتمعات أيضاً وليس من مجتمع واحد، مما يقلّل من تأثير عوامل الصدفة، والتحيّزات الثقافية المسبقة.

عاشراً: مراجعة أدبيات الدراسات السابقة

بعد عامٍ ونصف العام من اندلاع الثورات في العالم العربي، على الأرجح، صدرت بعض الدراسات الجادّة التي تناقش «ظاهرة الربيع العربي»، وبعض الظواهر المرتبطة بهذا الحدث، كظاهرة صعود الإسلام السّياسي وتأثيراته، ومدى إمكان حدوث تحوّل ديمقراطي في الوطن العربي وآلياته ولوازمه، خصوصاً في دول الربيع العربي.

وإلى جانب تلك الدراسات توجد دراسات عديدة ومهمّة، صدرت قبل حدث الاحتجاجات التي شهدتها المنطقة العربية عام 2011 م، وهي ذات صلة ببعض ظواهر الحدث، كموضوع الحراك الشعبي، والإصلاحات، وحركات الإسلام السّياسي والتحول الديمقراطي في المنطقة العربية ونحوها.

إنّ بعضاً من هذه الدراسات المهمّة سيتمّ الاستفادة منها في هذا البحث، وذلك نظراً لمتانة تحليلها لثورات الربيع العربي، وبعض الظواهر المرتبطة بها، التي لا تختلف كثيراً عمّا يميل إليه الباحث، ولملامستها أيضاً العديد من الموضوعات التي ستُناقش بمزيد من التحليل.

يشار إلى أن الدراسات التي سيُعرض بعض محاورها، خصوصاً تلك التي يتصل منها بالبحث، غايتها تعزيز فرضيات ورؤى وتصوّرات البحث، علماً بأن تلك الدراسات ليست بالضرورة هي أهمّ أو أفضل الدراسات التي تطرقت لظاهرة الربيع العربي، وإنما لكونها في متناول اليد، وبالتالي فإنّ مراجعتها ومناقشتها أو عرضها سيكون مفيداً للبحث، وذلك بالنظر إلى الاعتبارات المشار إليها أعلاه.

الدراسة الأولى: التحليل المكاني للربيع العربي

الدراسة الأولى: التحليل المكاني للربيع العربي - لماذا حصل هنا، لماذا لم يحصل هناك؟

يحاول الباحث أحمد صبري من خلال هذه الدراسة الإجابة عن الأسئلة التالية:

1- لماذا حصلت احتجاجات واسعة في دول عربية كتونس ومصر، وطالب المحتجّون فيها بإسقاط الأنظمة، في حين حدثت احتجاجات متواضعة في دول أخرى كلبنان، وغلب عليها المطالبة ببعض الإصلاحات، ولم تحدث أيّ احتجاجات في بلدان ثالثة كالصومال مثلاً؟

2- وبالمثل، لماذا بدأت بعض الاحتجاجات في دول أخرى سلمية ثم انتهى بها المطاف إلى أن تتحوّل إلى أعمال مسلّحة عنفية كليبيا وسورية؟

وللإجابة عن تلك الأسئلة بصورة تحليلية، حاول الباحث أن يُبيِّن طبيعة النظم السّياسية التي شهدت انتفاضات في2011 م، معتمداً على بحث سابق مهمّ للباحث (جان تيوريل)، الذي تقصّى من خلال بحثه حالات الانتقال الديمقراطي حول العالم ما بين عام 1972 حتى عام 2005 م،

وعزّز الباحث أثناء بحثه صحة فرضيتين مهمّتين:

الأولى: إن احتمال الانتقال إلى الديمقراطية تزداد في ظلّ الأنظمة التي تصنف كديكتاتوريات تعدّدية، على عكس الأنظمة الديكتاتورية الأحادية.

الثانية: أنه كلّما زادت هيمنة الحزب الحاكم في الدكتاتوريات التعدّدية قلّت فرص الانتقال الديمقراطي من داخل النظام.

وبالعودة إلى الباحث السعودي أحمد صبري، فإنه وضع ثلاثة معايير أساسية ليصنّف من خلالها الدول التي تعرّضت للربيع العربي في 2011 م، أي إنه يقصد البلدان التي حدثت فيها ثورات شعبية سلمية وأسقطت من خلالها رأس النظام، وكذلك الدول التي نحت مسار الثورة المسلّحة، وتتلخّص تلك المعايير، بحسب الباحث، فيما يلي:

أ‌- حصول مظاهرات شارك فيها الآلاف يغلب عليها الطابع السلمي.

ب‌- حصول تغييرات حكومية كبيرة بسبب الاحتجاجات السلمية.

ت‌- سقوط رأس النظام بسبب الاحتجاجات السلمية.

ووفق تلك المعاير، يرى الباحث أن تونس ومصر واليمن تعرّضت بالفعل للربيع العربي؛ لأنها استوفت تلك المعايير، بينما البحرين وسورية وجيبوتي والمغرب والأردن وعمان والكويت ، استوفت المعياريين الأوليين فقط (أ، ب)، ولم يسقط فيها رأس النظام، لكنها بحسب الباحث، عاشت ربيعها الخاصّ بها. كما يرى، أن الحالة الليبية لا تنطبق عليها معايير الانتفاضات العربية؛ لأنها نحت مسار الثورة المسلّحة في أوّل أيامها.

ويعتقد الباحث بأن الثورات المسلّحة ليست ممثلة لأغلب الشعب بالضرورة، ولا تعتمد على قوة الدعم الشعبي بقدر اعتمادها على المعايير العسكرية التقليدية، كحجم القوّات وتوفّر السلاح والذخيرة وخطوط الإمداد وقواعد التدريب… إلخ، لذلك يرى أن الثورة الليبية انتقلت من انتفاضة مسلّحة محدودة إلى ثورة مسلّحة منظّمة حين حصلت على منطقة حظر الطيران، وفي سورية يعدّ التفوّق العسكري للنظام من أهمّ أسباب استمراره إلى الآن، بحسب الباحث.

كما استثنى الباحث مجوعة من الدول: السودان، والصومال، وفلسطين ، والعراق ، مطلقاً عليها اسم بلدان «الاستثناء الحربي»، وذلك لأن هذه الدّول، بحسب رأيه، عاشت لعقود في حالات مستمرّة من الحروب والحروب الأهلية والكوارث الإنسانية والتدخل الخارجي. ويرى أنه من المتعذّر تحليل وضعها بنفس الطريقة التي حلّل بها وضع الدول الأخرى.

فبينما كانت الدول العربية تشهد ربيعها، كانت السودان تنقسم لدولتين بعد حربين أهليّتين تُعدّان من أطول الحروب الأهلية في التاريخ، والمعارك المستمرّة بين النظام في الخرطوم ومعارضيه في كردفان والنيل الأزرق وغيرهما، بالإضافة إلى عمليات القصف الإسرائيلي والأميركي على السودان.

أمّا الصومال، فقد عاش العقود الماضية كلّها ضمن حروب أهلية متكرّرة، ووقعت البلاد بين الحركات المسلّحة والقراصنة والمجاعات والتدخل العسكري المستمرّ من عدّة دول أفريقية، ومن أميركا والاتّحاد الأوروبي.

أمّا العراق فلم تتوقّف فيها الحرب منذ الحرب العراق ية الإيرانية في الثمانينيات، التي ذهب ضحيتها مليون قتيل تقريباً، تلتها حرب الكويت ثم الحصار والقصف لمدة 12 عاماً تقريباً، انتهت بالغزو في 2003 ، ثم استعار الهجمات الإرهابية الغامضة والاقتتال الطائفي اللذان لم يتوقّفا إلى تاريخ كتابة هذا البحث.

وحال فلسطين ، بحسب الباحث، تعيش الاحتلال وكافّة مظاهره من استيطان وتهجير وقتل وأسر وتعذيب وتجسّس وسرقة للمياه والموارد الطبيعية وتنفيذ عمليات الاغتيال وغير ذلك، كلّها عوامل تجعل فلسطين دولة عربية لا يصحّ تحليل وضعها بمثل ما نحلّل به وضع الدول الأخرى.

ولكن الباحث لم يضمّ سورية لهذا الاستثناء رغم وجود الاحتلال والاستيطان الإسرائيلي للجولان السوري منذ 1967 ، وذلك لأن الحالة العامة في سورية، بحسب رأيه، لم تكن أبداً حالة حرب منذ وقف إطلاق النار في 1973 ، على عكس حالة الحرب الواضحة في الحالات الأربع السابق ذكرها.

ويرى الباحث أن البلد الذي توجد به انتخابات برلمانية ورئاسية وأحزاب، هي خاضعة لنظم ديكتاتورية تعدّدية، وهي الدول التي حدثت فيها ثورات سلمية، من جهة، ويزداد فيها احتمال الانتقال إلى الديمقراطية، من جهة أخرى، على عكس الأنظمة الديكتاتورية الأحادية، التي تنحى فيها الثورات منحى مسلّح.

ويستشهد الباحث هنا بالحالة التونسية والمصرية في النموذج الأول، والحالة الليبية والسورية في النموذج الثاني، حيث يرى بأنه حين اشتدّت الثورة التونسية أمر بن علي الجيش بالقصف فرفض الجيش، وأن قيادة الجيش المصري رفضت أوامر بارتكاب مذبحة في ميدان التحرير، بينما في ليبيا وسورية رأينا القوات المسلّحة تطيع الأوامر في القتل حتى آخر لحظة، والعصيان لهذه الأوامر قوبلت بالإعدام؛ مما دفع الجنود لأن ينشقّوا ويهربوا من فرقهم العسكرية. وهذا يؤكّد فرضية الباحث (جان تيوريل).

وفيما يتعلّق بفرضية ارتفاع احتمال الانتقال الديمقراطي في الأنظمة الديكتاتورية التعدّدية، بحسب جان تيوريل، فإنها تُعزا لسببين:

الأول: هو أنه مهما كانت الممارسات التعدّدية صورية وسطحية فإنها تجبر النظام على التقرّب من الناخب ومحاولة كسب ودّه.

الثاني: يكمن في أن الممارسات التعدّدية تفتح الباب لوقوع خلافات بين النخب الحاكمة بعضها بعضاً، على عكس الأنظمة الشمولية ذات الحاكم الواحد والحزب الواحد، التي تميل أكثر إلى طاعة رأي واحد.

والترابط بين خلافات النخب الحاكمة واحتمال الدمقرطة هو ترابط متعارف عليه في دراسات الدمقرطة، ذلك أن عدداً كبيراً من حالات الانتقال الديمقراطي حول العالم قد حصلت بسبب خلافات النخبة وحتى دون وجود ضغط شعبي في الشارع في بعض الأحيان. وهذا يتناسب مع النظام العربي الذي رصد علماء السياسة مروره بمراحل تغيير النخبة في العقود الأخيرة، فصارت هناك نخب أمنية تزاحم العسكرية (مثل وزارات الداخلية التي ازداد نفوذها)، وبرزت نخب رجال الأعمال لتقلّل نفوذ رجال السياسة، ودخلت أجيال جديدة من المستبدّين أصغر بكثير من الأجيال المتربّعة على السلطة ونشأت بينهم حساسيات واختلافات.

ويرى الباحث صبري أن البلد الذي يحتضن كيانات غير سياسية كروابط مشجّعي كرة القدم في مصر (الأتراس)، وجمعيات الأطبّاء في البحرين، يتمكّن الناس بسهولة في حشد الجماهير. بينما في الدول التي لا تتيح مجالاً لإنشاء كيانات حقيقية تعمل في العلن سيجد أنصار التغيير صعوبة في الحشد، سواء للنزول للشارع، أو لإصدار بيان، أو للإضراب عن العمل، أو غير ذلك، كما أنّ الممارسة السّياسية التعدّدية في بلدٍ ما، حتى وإن كانت شكلية، فإنها تحدث تغييراً في طريقة التفكير الجمعي، وتدخل خيارات سياسية جديدة على الوعي العام وعلى طريقة التفكير الجمعي. وهذا يحدث فجوة بين ما يفضّله بعض المواطنين وما يفضّله النظام السّياسي، وبالتالي كلّما ازدادت الفجوة وازداد عدد المواطنين الذين يفضّلون مسارات سياسية مختلفة عن مسارات النظام السّياسي، زادت فرص الثورة السّلمية.

وعلى العكس تماماً من الأنظمة التي لا تسمح بهذا الهامش، والتي يكون فيها التفكير الجماعي في سبل التغيير غير موحّد، وليس واضحاً، مما يدفع الناس نحو التفكير في التغيير بالعنف بسبب غياب سبل التغيير السلمية. لذلك من الشائع أن تجد صحيفة كويتية تتكلّم عن مخالفة الدولة للدستور في قضيةٍ مّا مثلاً، أو أن تجد معارضاً مصريًّا أيّام حسني مبارك يقول إن التوريث مخالف للديموقراطية، وأن تجد غير ذلك من نقاشات التي تختلف اختلافاً شاملاً عن نقاشات المعارضة في الأنظمة التي حرمت التعدّدية مثل ليبيا أيّام القذافي، أو العراق أيّام صدام حسين.

ويرى الباحث أيضاً، أن الإصلاحات الصّورية التي يمنحها حاكم ديكتاتوريٌّ مّا لشعبه يمكن سحبها وإلغاؤها بشكل أكثر سهولة في الأنظمة الديكتاتورية غير التعدّدية عنه في الديكتاتوريات التعدّدية التي تجد نفسها مضطرّة لأن تجعل إصلاحاتها مؤسّساتية. فالحاكم الديكتاتوري في نظام غير تعدّدي يطلق وعوداً عن حرية الرأي مثلاً في خطابٍ له هنا، ويطلق وعوداً أخرى بمكافحة الظلم في تصريح هناك، وبعد ذلك يطبّق هذه الوعود أو يخالفها كيفما شاء، ولن يحاسبه أحد.

بينما في ظلّ الأنظمة الديكتاتورية التعدّدية تتم الإصلاحات في شكل مؤسّساتي أكثر ومرتبط بقرارات مكتوبة وقوانين مدوّنة ووزارات وأجهزة حكومية، وقد تتدخّل في تثبيت هذه الإصلاحات مجموعات مدنية، بمعنى آخر، يصبح سحب هذه الإصلاحات أصعب، خصوصاً مع كثرة اللاعبين على الساحة. وهنا يُعزّز الباحث صبري، ما قاله تويريل من أن التعدّدية في هذه الأنظمة يفتح الباب لانشقاقات النخبة وخلافاتها، وهذا بدوره يزيد من فرص الانتقال الديموقراطي.

وبحسب الباحث، فإنّ الربيع العربي هو كحلقة ضمن سلسلة من الحلقات السابقة للحراك، فهو ليس مجرّد حدث صدر من العدم، وإنما هو نتيجة تطوّر طبيعي لمجموعة من التطورات التي سبقته. والأمثلة كثيرة للتدليل على ذلك، منها على سبيل المثال، الحالة الكويت ية. في 2006 بدأت الحملات المطالبة بإسقاط رئيس الوزراء (وهو من آل الصباح) بشكل صغير ومحصور تقريباً في البرلمان فقط، وفي 2009 كانت حلقة جديدة حين كسبت هذه الحملات زخماً وقوّة ونجحت في النزول للشارع وفي استجواب رئيس الوزراء في جلسة سرّية بمجلس الأمة.

ولذلك في 2011 حظيت الكويت بنصيبٍ لا بأس به من الربيع العربي، حيث جاءت الحلقة الجديدة أقوى من سابقاتها وأطاحت فعلاً هذه المرّة برئيس الوزراء وغيّرت البرلمان. فلو تخيّلنا أن أوّل مطالبة لإسقاط الرئيس جاءت في 2011 لوجدنا أنه على الأرجح لم يكن ليسقط، بل ربما كانت جهود المعارضة لتستمرّ سنوات أخرى قبل أن تبني حلقة قوية تتمكّن من إزاحته من منصبه.

وهذا التراكم الحلقي مرتبط بمسألة الإصلاحات المؤسّساتية التي ذكرت أعلاه، حيث يمكن للمراقب أن يرصد بسهولة أنه، وقبل الربيع العربي، كانت المعارضة في الدول الديكتاتورية التعدّدية تطالب بإصلاح المؤسّسات والقوانين القائمة فعلاً، كالمطالب بنزاهة الانتخابات، وتوسيع صلاحيات البرلمان، وتسهيل إجراءات إنشاء الأحزاب، في حين الدول الديكتاتورية المطلقة كانت المعارضة في نفس الوقت مشغولة بالمطالبة بمجرد إيجاد هذه المؤسّسات والقوانين.

وفيما يتعلّق بالحالة السورية والليبية، فيرى أن انعدام الممارسة التعدّدية في تلك البلدان لا يعني أن النظام سينجح في البقاء للأبد، بل يعني أن البلاد قد تنجرف سريعاً للثورة المسلّحة والانشقاقات عن النظام. وهذا ما قد يفسّر بعض الحوادث السابقة في التاريخ العربي الحديث مع نظم سياسية لم تسمح بأيّ ممارسات تعدّدية كالثورة المسلّحة ضدّ حكم سياد برّي في الصومال ومحاولات الثورة المسلّحة ضدّ حكم صدام حسين في العراق .

وربما يكون هذا أحد أوجه تفسير بقاء الحركات المسلّحة ضد حكم القذافي على قيد الحياة منذ نشأتها في الثمانينيات والتسعينيات إلى أن شاركت في ثورة 17 فبراير، في حين انتهت الحركات المسلّحة في الجارة المصرية وضعفت إلى أن شاركت في ثورة 25 يناير السلمية، وانخرطت بعدها في العمل السّياسي السلمي مثل غيرها من القوى السّياسية في الساحة المصرية، علماً أن الاثنين قد برزا في الآونة نفسها تقريباً وتعرّضا للملاحقة الأمنية الشديدة. وفي سورية بدأت الثورة سلمية، ثم ما لبثت أن دخلت عليها المظاهر المسلّحة خصوصاً مع تنامي حركة الانشقاقات عن مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية.

ويلاحظ هنا أن البداية السلمية للثورة السورية قد يكون مرتبطاً بوجود هامش طفيف جدًّا من الممارسة التعدّدية قبلها، في حين بدأت الثورة في ليبيا مسلّحة من أوّل أو ثاني أسبوع ولم تشهد قبل الثورة أيّ ممارسة تعدّدية تذكر.

ووفق هذا التحليل يُعزّز الباحث فرضية الباحث (تويريل) الذي ساقها في بحثه (أنه كلما زادت هيمنة وسيطرة الحزب الحاكم في الأنظمة الديكتاتورية التعدّدية قلت فرص الانتقال الديمقراطي من داخل النظام أو كردّ فعل على الضغوط الشعبية)، وهذا ينطبق على الممارسة التعددية الهامشية في سورية التي كان حزب البعث يسيطر فيها على مختلف جوانب الحياة.

أمّا فيما يتعلق بزيادة احتمال الثورة المسلّحة في هذه الأنظمة، فيرجع الباحث الأسباب إلى ما يلي: انخفاض حالات تنازع النخب الحاكمة، مما يجعل قرار قمع الاحتجاجات مثلاً أمرًا مقبولاً عند كلّ النخب، لا سيّما النخب السّياسية والعسكرية والأمنية، التي تكون - على الأرجح - قليلة العدد وشديدة التجانس والترابط، وما إن تسقط حتى يسقط النظام كلّه (مثلما حصل بعد مقتل القذافي) على عكس النظم الأخرى التي قد ينهار فيها رأس النظام وتبقى بعض أطرافه ونخبه (مثل مصر واليمن).

ويدرك المطالبون بإسقاط النظام خطورة الوضع عليهم مبكّراً، وأنّ النظام لن يتسامح معهم، ولن يتعامل معهم بالّلين؛ مما يجعل المناخ خصباً لتبنّي خيار التسلّح مبكراً لدى هؤلاء المعارضين ولدى المتعاطفين معهم، وهذا بدوره يوفّر البيئة الخصبة لانتعاش الجهادية السلفية وخروجها من مجرّد تنظيمات صغيرة ومستترة إلى تيار يجذب الكثير من الشباب إليه.

ويرى الباحث صبري، أن إتاحة شيءٍ من الحريات والممارسات التعدّدية سيدفع بعض الجماعات الإرهابية في العالم العربي لإلقاء السلاح والتخلي عن خياراتهم العسكرية.

وفيما يتعلّق بدول الخليج، يرى الباحث، أنها الأكثر عرضة لاحتمال الثورة المسلّحة، أو انتعاش الحركات المسلّحة إذا لم تبدأ في تغيير نهجها السّياسي. وهذا يعطينا زاوية تحليلية أخرى، لازال الكلام للباحث، لفهم الحركات المسلّحة التي نشأت في عدّة دول عربية والبعد الانقلابي فيها، ومنها حركة جهيمان مثلاً، حيث إنّ الانتفاضات المسلّحة - كما أسلفنا - لا تعتمد على التأييد الشعبي. فهي كالبذور التي قد تتحوّل لغابة لو جاءتها ظروف حادّة تسقيها.

وكذلك فيما يخصّ عدم دخول جزر القمر على خطّ الربيع العربي، بحسب الباحث، فذلك عائد لكونها دولة لم تنل استقلالها إلا مؤخّراً في عام 1975، بل إنّ إحدى جزر الأرخبيل ما تزال تحت الحكم الفرنسي؛ لأنها الوحيدة التي صوّت أغلب سكانها ضدّ الاستقلال. ومنذ استقلال جزر القمر لم تخرج تماماً من هيمنة الدولة الفرنسية أو بعض المرتزقة الفرنسيين، لدرجة أن أحدهم قاد عدّة انقلابات في البلاد واستولى في آخرها بنفسه على الحكم، مما دفع الحكومة الفرنسية إلى إرسال قوّاتها لجزر القمر وخلع الرجل. إذاً، هي دولة لم تختبر بعد تراكم كبير في التجربة السّياسية وبناء الحلقات التي تحدث عنها، مما يفسّر عدم دخولها في الربيع العربي، بالرّغم من وجود الممارسة التعدّدية.

وبالإضافة إلى ذلك، هناك عوامل خاصّة بجزر القمر تعرقل نشوء الحراك الشعبي، مثل: صغر الحجم، وقلة عدد السكان وتوزّعهم على عدّة جزر. وفي الحالة اللبنانية،

يرى الباحث عدّة تفسيرات محتملة لوجود الاستثناء فيها:

التفسير الأول: يقول إن لبنان تقع ضمن «الاستثناء الحربي» الذي ذكرناه سابقاً وصنّفنا الصومال والعراق وفلسطين والسودان فيه. ففي نهاية المطاف، لبنان بلد لم تهدأ فيه المشاكل الأهلية من قبل إنشاء الجمهورية، وشهد حرباً أهلية ضارية امتدّت من 1975 إلى 1990 ولم تنتهِ تبعاتها وجروحها بَعْدُ، بما فيها أزمات المهجّرين داخل لبنان والمهاجرين خارجه (والذين تجاوز عددهم عدد سكان لبنان المقيمين فيه) وتجدّد الاشتباكات الأهلية من فترة لأخرى مثل الاشتباكات الأخيرة في بيروت وطرابلس.

وفوق ذلك، هناك الاعتداءات الإسرائيلية التي بدأت في 1948 ولم تنتهِ أبداً، بل وقبل 30 عاماً كانت بيروت أوّل عاصمة عربية تحتلّها إسرائيل، وظلّت إسرائيل محتلّة للجنوب اللبناني إلى عام 2000 ومعها فصيل منشقّ من الجيش اللبناني يحميها ويدافع عن احتلالها (جيش لبنان الجنوبي)، واشتبكت مع حزب الله مراراً وتكراراً بعد التحرير إلى أن نشبت حرب 2006 التي تلتها أيضاً حالات اشتباك مع إسرائيل، ناهيك عن عدم توقف عمليات التجسس واختراق السيادة وخطف المواطنين من على الحدود والتهديد المستمر بالحرب.

هذا كلّه، يضاف إليه الوجود العسكري السّوري الذي لم ينتهِ إلا في 2005 ، ودخول عددٍ كبير من الجيوش في لبنان في مراحل مختلفة (منها الجيش السعودي والأميركي والسوداني والإماراتي وغيرهم) فهل هذه الحقائق تضع لبنان في الاستثناء الحربي؟

التفسير الثاني: يقول بأنّ لبنان وقعت في الاستثناء؛ لأنّها أقرب النظم العربية للديموقراطية. فالممارسة التعدّدية في لبنان، مهما كانت سطحية وقاصرة، قد سمحت بوجود انتقال سلمي للسلطة في أغلب التاريخ اللبناني الحديث. فمنذ استقلاله في الأربعينيات شهد لبنان أكثر عددٍ من الرؤساء ورؤساء الوزراء، وهذا بدوره يصعب تبلور معارضة موحّدة ضد النظام، وذلك لأن النظام لا يرأسه شخص واحد يمكن توحيد الجهود ضدّه مثلما كان الحال في تونس ومصر مثلاً.

ومن المثير للاهتمام أنه في خضمّ انطلاقة الربيع العربي تمكنت المعارضة في لبنان من إسقاط الحكومة بشكل قانوني ومن دون الحاجة لتحريك الشارع أو استعمال السلاح. ورغم بعض الاضطرابات وأعمال العنف التي تلت هذه الخطوة، إلا أنّها سرعان ما انطفأت، وقبل سعد الحريري الرّحيل من منصبه، وقبلت كلّ القوى السّياسية بتنصيب نجيب ميقاتي رئيس وزراء لبنان الجديد، وما زالوا بعد أكثر من عام يتعاملون معه ولا يُشكّكون في شرعيّته، مما قد يعني أن الديموقراطية اللبنانية لم تتحقّق فقط بل «ترسّخت» أيضاً.

علماً أن التقييم السنوي للديموقراطية حول العالم الذي تقوم به وحدة الاستخبارات بالإكونوميست قد صنّفت لبنان على أنه أكثر البلدان العربية قرباً من الديموقراطية في تقريرها لعام 2010.

التفسير الثالث: للاستثناء اللبناني، هو أن الحجم الصغير للبنان وتوزّع السّكان على أكثر من 18 طائفة دينية وعرقية، يجعل تبلور معارضة وطنية متجاوزة للطوائف مسألة شبه مستحيلة. وليس خفيًّا أن أكبر الأحزاب اللبنانية (حزب الله، حركة أمل، تيّار المستقبل، الحزب التقدّمي الاشتراكي، القوّات اللبنانية، الكتائب اللبنانية، التيار الوطني الحرّ) كلّها مبني على خلفية طائفية ومناطقية أو إحداهما، في حين الأحزاب التي لا يهيمن عليها الانتماء الطائفي دائماً أضعف، مثل الحزب الشيوعي اللبناني والحزب السوري القومي الاجتماعي. فلا وجود حقيقيًّا للإحساس بـ «نحن وهم» أو «النظام والشعب» وذلك لأنّ النظام يُبدَّل بين الأحزاب والطوائف القوية، وكذلك المعارضة، فلا يوجد تبلور حقيقيّ لهويّة النظام أو هويّة المعارضة، أو الشعب( ).

الدراسة الثانية: تونس، ثورة المواطنة (ثورة بلا رأس)

لقد قدّم الباحث صديقي قراءة أوّلية للثورة التونسية منذ اندلاع شرارتها الأولى في سيدي أبو زيد وحتّى لحظة هروب الرئيس بن علي، ثم أشار إلى الإرهاصات والمحفّزات الشعبية التي دفعت بالجماهير التونسية إلى الخروج للشارع، كما أوضح طبيعة المقوّمات التي حافظت على استمرارية الثورة، وأنهى بحثه برؤية تحليلية لمكوّنات الحراك الشعبي التي أعادت إنتاج روح الديمقراطية، بحسب اعتقاده.

ففي أثناء مناقشته لمحاور البحث، حاول الباحث أن يستعرض ملامح الثورة التونسية من زوايا مختلفة لتقديم رؤية أوّلية للأحداث بصورةٍ أكاديمية، مؤكّداً على أن الثورة التونسية هي ثورة شعبية بكلّ المعايير، حدثت نتيجة لأسباب داخلية مرتبطة بطبيعة النظام، معتبراً إيّاه بأسوأ أنواع الحكم الاستبدادي، حيث حكم تونس مدّة ثلاثة وعشرين عاماً، وأنتج واقعاً اقتصاديًّا واجتماعيًّا مريرين وسياسيًّا صعباً، مما أدّى إلى تراكم حالةٍ من الاحتقان والشعور بالتهميش، والأخير بدوره أدّى إلى اندلاع ثورة عارمة أطاحت بالنظام يوم 14/01/2011.

وفي الإطار النظري للبحث، تبنّى الباحث صديقي مفهوم الثورة وفكرة التحوّل، الذي تبنّاها الباحث «أيرك هوبزباوم» (Eric Hobsbawm)، حيث يرى الأخير أنّ الثورة هي عبارة عن تحوّل كبير في بنية المجتمع (Transformation). وقد تحدّث هوبزباوم عن حالة التحوّل الذي شهدته أوروبا ما بين عامي 1789- 1848. وعليه، فإن الباحث صديقي يرى أن الثورة التي حدثت في تونس، ستؤدّي إلى قطيعة بين منظومة قديمة ومنظومة حديثة، وستُفضي إلى تحوّل نحو الديمقراطية.

وإلى جانب البحث في الأسباب والعوامل التي أدّت إلى اندلاع الثورة التونسية، وتفسير كيفية تمكّن الثورة من الوصول إلى هدفها المتمثل في إسقاط النظام، وبدون قيادة سياسية واضحة، كما يشير. وسعى أيضاً إلى استجلاء ما إذا كانت الثورة منظّمة أو عفوية وخارجة عن أيّ شكلٍٍ من أشكال التنظيم، مؤكّداً أن الثورة التونسية تختلف عن غيرها من الثورات الشعبيّة لعدم وجود قيادة سياسية على رأسها ظاهرة وواضحة، وذلك ما كان على الأقلّ في مراحلها الأولى، بحسب الباحث.

محفّزات الثورة التونسية

وفيما يتعلّق بالمحفّزات التي أسهمت إسهاماً كبيراً في استمرار الثورة ونجاحها بإسقاط النظام وهروب الرئيس المخلوع بن علي وحاشيته، يشير الباحث إلى ما يلي:

1- العصبية والحمية، إذ يؤكّد الباحث أن نظام الرئيس المخلوع بن علي استعمل ورقة العشائرية ضمن سياسة «فَرِّقْ تَسُدْ» من أجل تثبيت نظام حكمه؛ لكن سرعان ما تحوّلت هذه الورقة إلى أحد أبرز العوامل في تفجّر الثورة ضدّه. فعشيرة البوعزيزي مثلاً، أخذتها الحمية والعصبية القبلية لما تعرّض له ابنها الشّاب محمد البوعزيزي من إهانة على يد شرطية وعدم الاستماع إلى شكواه من قبل الوالي، ومن ثمّ حرق نفسه أمام مقرّ الولاية.

لقد حرّكت هذه الحادثة النزعة القبلية والعصبية العشائرية، وتجمّع أبناء العشيرة وقرّروا الانتقام من رموز النظام، وخرجت جموع الغاضبين في مظاهرات عارمة التحق بها عددٌ كبير من شباب المدينة واشتبكوا مع الشرطة، وتحوّلت المظاهرة إلى اشتباكات عنيفة انتهت إلى إسقاط النظام.

جَمْعٌ من الشّباب كانوا من أوائل متصدّري الثورة ضدّ نظام بن علي، يتحدّثون عن أنفسهم قائلين: «إنّ قوّات البوليس حوّلت مدينة سيدي بوزيد إلى ثكنة عسكرية، فأعوان النظام في كلّ مكان، ولذلك كنّا ننام في النهار ونخرج إلى الشارع في الليل، ننصب الكمائن لأعوان النظام في الأحياء المكتظّة وفي العديد من الشوارع، إلى أن استطعنا أن نرهق البوليس وأعوان الأمن».

لقد مثّلت الحميّة والعصبية القبلية وقوداً أمدّ الثورة في بدايتها بالطاقة، إلى أن التحقت بها القوى المجتمعية والحزبية واتّسعت رقعتها ووصلت إلى العاصمة تونس.

2- لقد كانت العفوية والدافعية الذاتية النابعة من الإحساس بالتهميش والظلم الاجتماعي والسّياسي، بحسب الباحث صديقي، سبباً أساسيًّا في تدفّق الشباب إلى الشارع والانخراط في الأحداث بكافة أشكالها. ولقد مثّلت الدافعية الذاتية للجماهير حافزاً للخروج إلى الشارع، دفعت بن علي للهروب خارج الوطن.

3- إنّ أزمة عدم الثقة بين النظام والشعب خلقت جداراً عالياً بين النظام والشعب، وبات الشعب مصمّماً على بلوغ هدفه في الحرية والخلاص من حقبة الاستبداد. وترى ميه الجريبي، رئيسة الحزب التقدّمي الاشتراكي، في تشخيصها لهذه العلاقة، أن نظام بن علي، وعلى مدار سنوات الحكم التي امتدّت لــ23 عاماً، خلق أزمة ثقة مع الشعب، وأن خطابات الرئيس المخلوع الأخيرة لم ترقَ إلى طموحات الناس، لكونها خطابات خالية من المصداقية. ولم تَحْوِ سوى التهديد والهذيان والوعيد.

4- العصا الغليظة، ويرى الباحث أن لجوء النظام إلى عصا الأمن الثقيلة، حوّل البلاد إلى جزر أمنية تلفّ بعضها بعضاً من أجل حماية الزعيم والنظام، وتُسخّر كلّ موارد الدولة وإمكاناتها من أجل هذه الغاية. فالرئيس التونسي جاء إلى الحكم عبر انقلاب أبيض قاده ضدّ الزعيم السابق لتونس، الحبيب بورقيبة، وورث عن نظام بورقيبة العقلية الأمنية. ومنذ ذلك التاريخ حكم البلاد بعصا الأمن الثقيلة.

لقد حظيت وزارة الداخلية بنصيب الأسد من موازنة الحكومة، وأغدق عليها بن علي الأموال وأولاها اهتماماً خاصًّا، وبلغ عدد قوّات الأمن في تونس أكثر من ضعف عدد قوات الجيش، وهناك تقريباً رجل أمن لكلّ 100 مواطن، وهو يُعَدّ بحسب «راشد الغنوشي»، رئيس حركة النهضة التونسية، من أعلى النسب في العالم.

ويستطرد الباحث قائلاً: «إنّ العقلية الأمنية سيطرت على مجمل جوانب الحياة في تونس، وكما يقول منصف بن جعفر، رئيس التّكتل من أجل العمل والديمقراطية، كان الأمن يتدخّل في أدقّ تفاصيل الحياة. لقد هيمنت أجواء الخوف والرعب وإرهاب الدولة المنظّم على أغلب مجريات الحياة العامّة للتونسيين، وأصبح هاجس الخوف من عصا النظام يسيطر على كلّ تونسي.

وخلقت هذه الأجواء حالةً من الجمود السّياسي، والإحباط الاجتماعي، وضعف مستوى إنتاجية الفرد، مما انعكس سلباً على مجريات الحياة السّياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد، وولد أزمات متلاحقة، على رأسها البطالة والبؤس الاجتماعي، وعزوف عن المشاركة السّياسية الفاعلة في الحياة العامة.

ولقد مارس العديد من رموز النظام الحاكم وحاشية الرئيس ما يطلق عليه إرهاب دولة منظم، حيثُ أرهب الناس بعصا الأمن، فانتشر الفساد السياسي والاقتصادي والمالي والأخلاقي، وسيطرت على تونس طبقة إقطاعية تتحكّم في مقدّرات البلاد وخيراتها، متّكئة في ذلك على عصا الأمن الغليظة. وهذا ما تكشفت عنه بصورة واضحة لا لبس فيها، قضايا فساد الرئيس المخلوع بن علي وحاشيته من أسرته وأسرة زوجته ليلى الطرابلسي، وبعض الرموز المحسوبة على النظام.

5- أمّا الشعر وخيال الحرية، إلى جانب الأغاني الشعبية وموسيقى الراب، فقد لعبا دوراً مهمًّا في إلهاب حماسة الثوار، ومثّلت للعديد من الشباب الصغار مصدر إلهام ثوريّ ومؤجّج للشعور الوطنيّ، فبيت أبي القاسم الشّابي الذّائع الصِّيت:

إَذَا الشَّعْبُ يَوْماً أَرَادَ الحَيَاةَ

فَلا بُدَّ أَنْ يَسْتَجِيْبَ القَدَرْ

كان حاضراً على الدوام.

مقوّمات الثورة التونسية

ويؤكّد الباحث صديقي على أن الثورة في تونس ليست عفوية، وإن كانت تبدو للكثير بأنها كذلك، أي ثورة بلا رأس، كما هو عنوان دراسته، مشيراً إلى أنّ الثورة توفّر لها العديد من المقوّمات، التي أسهمت بقوّة في انطلاق شرارتها، ومن ثمّ امتدادها إلى أغلب أقطار الوطن العربي.

ومن بين تلك المقوّمات ما يلي:

1- فُتُوَّة المجتمع التونسي، حيث تبلغ نسبة الشّباب في الفئة العمرية (15-39) سنة ما يقرب من 43.7%، وأنّ هذا العنفوان والقوّة الفتيّة كان المحرّك الرئيس للتغيير. وكانت النسبة الأكبر من شهداء الثورة من هذه الفئة، كما شكّلت هذه العناصر غالبية الفئة التي خرجت إلى الشوارع للتّظاهر، والغالبية التي تصدّت لقوّات البوليس، التي زحفت إلى العاصمة، وحاصرت قصر قرطاج يوم الجمعة 14/01/2011، واستمرّت بالتّظاهر وأسقطت محاولات الالتفاف وسرقة الثورة.

ويرى الباحث، أن هذه الخاصّية في المجتمع التونسي مثّلت دينامو التغير في المجتمع ككلّ، وجعلت من هذه الثورة ثورة الشباب بلا منازع. وما يميّز هذه الفئة هو وعيها السّياسي وإن كانت غير مؤطّرة سياسيًّا؛ لأن البيئة السّياسية لحكم بن علي أوجدت تصحّراً سياسيًّا، مما جعل لفئة الشبابية تتعطّش للمشاركة السّياسية التي حرمت منها أجيال سبقتهم.

إنّ قضية الشّاب محمد بوعزيزي، تعبّر في جوهرها عن الحرمان السّياسي من حقّ التعبير والمشاركة السّياسية؛ وعبر هذه الثورة صنع الشباب مناخاً سياسيًّا جديداً يوفّر فضاءً واسعاً من المشاركة السّياسية الفاعلة. ولعلّ هذه الرغبة الجامحة، تفسّر انخراط الشباب في هذه الثورة بصورة عفوية. وفي هذا السّياق، وبحسب الباحث، برزت فجوة كبيرة بين جيلين:

الجيل الأول، احتكر العمل السّياسي لسنوات وأصبح في منزلة الوصيّ على كلّ شيء، الذي يمتلك الحقيقة والحقّ في الحكم.

الجيل الثاني، شباب ينظر إلى حالة ما يعتريه من علل اقتصادية واجتماعية، وفي نفس الوقت يمتلك كثيراً من الطاقات الكامنة، التي تحتاج إلى الحكمة في توظيفها في عملية تنمية سياسية واقتصادية حقيقية.

مشيراً إلى أن الشّباب التونسي امتلك الإرادة أكثر من احتكامه إلى القيادة. فالقيادات السّياسية عجزت عن أن ترقى إلى التعبير عن آماله وطموحاته. ولقد دفع الشباب القيادات السّياسية إلى اللحاق بهم إلى ميدان الثورة، وأخذوا زمام المبادرة وصنعوا بإرادتهم فضاء التغيير.

2- يرى الباحث أنّ إرادة التغيير أوجدت حالة من التحدّي والصّمود أمام آلة القمع الرهيبة التي مارسها نظام بن علي. ولقد حاول النظام خلال الأيام الأولى من الثورة، اللجوء إلى استراتيجية «كَيّ الوعي»، من أجل تفتيت عَضُد هذا الشّباب الثائر وإجباره على الاستسلام ورفع الراية البيضاء.

لكن جبروت هذا النظام قوبل بتحدٍّ وإصرار، وهو ما قاد شيئاً فشيئاً إلى رفع سقف مطالب الثورة، ومن ثم قدّم النظام العديد من التنازلات إلا أن الثوار أصرّوا على أن يرحل رأس النظام، فَرَحَل. ويعتبر الباحث أنّ الحصول على سيادة الشعب هو وليد لحظة الصّمود والتحدّي التي عبّرت عن نفسها بصور عاطفية.

فالعاطفة أيضاً كانت من بواعث انطلاقة الثورة، التي بدأت بدون رأس وبدون برنامج أيديولوجي محدّد، ولكنها عبّرت عن إرادة شاملة لإصلاح جوانب الحياة كافّة عبر استعادة سيادة الشعب.

3- كما يرى أن تسلّط النظام واستشراء الفساد في كافّة مفاصل الدولة وإهدار الكرامة وانتهاك الحقوق، قد شكّلت في مجملها حالة عامّة من عدم الرضا الشعبي والسخط والحنق على النظام الحاكم، وأوجدت حالةًَ من التضامن واسع النطاق في مناطق تونس كافّة، من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها. ومثّلت حالة التضامن بيئة حاضنة وحامية للثورة ، عزّزت من التأييد الشعبي، وضمنت انخراط كافّة فئات المجتمع على مختلف شرائحهم الاجتماعية وطبقاتهم الاقتصادية وتشكيلاتهم السّياسية في أحداث الثورة بقوّة.

والملاحظة التي يمكن أن تستوقف الباحث هنا، هي ما شكّلته الروابط العشائرية، ومثّلت عنصراً مهمًّا في الامتداد والتضامن الجماهيري مع الثورة. وبرز الحسّ العشائري والقبلي لأهالي سيدي بوزيد من «الهمامة»، بحسب الباحث، أقوى بكثير من انتمائهم المدني، وكانت غرائزهم وعواطفهم مع ابنهم الشّاب الذي حرق نفسه أمام الرأي العام البوزيدي عند باب الولاية.

لقد حاول النظام التخفيف من هذا الترابط العشائري والتضامن الشعبي عبر وسطاء ونقابيين وتقديم وعود للتنمية بملايين الدنانير، إلا أن ذلك لم يحدّ من حجم اتّساع التضامن الشعبي مع الثورة. لم يدّخر النظام جهداً في التعتيم إعلاميًّا على هذه الثورة، من خلال منع وسائل الإعلام من تناول أيّ حديث وطنيّ أو قوميّ أو إنسانيّ يجلب تعاطف الجمهور التونسي. وكان آخر من تناول أخبار سيدي بوزيد قناة السابعة الفضائية التونسية، ولم تتطرّق الصحافة التونسية إلى الأمر، نتيجة التعتيم والقمع.

كما ينقل الباحث عن المحامي محمد عبو قوله: «لقد ذهلتُ من حجم التضامن الشعبي مع مطالب الثورة، فقد خرج عشرات الآلاف إلى الشّوارع من كلا الجنسين ومن مختلف الأعمار، تهتف ضدّ النظام وتنادي بالإصلاح والعدالة الاجتماعية وتنشد النشيد الوطني التونسي، وكأنّ المشهد هو هبة جماهيرية كبيرة لحدث تاريخيّ مفصلي. وأكاد أجزم أنه لم يتبقّ أحدٌ في البيوت إلا من كان غير قادر على النزول إلى الشارع؛ فقد كانت مشاهد المظاهرات والاحتجاجات تبعث في النفس مشاعر العزّة وكانت الأحداث تسير بلا شكّ في اتّجاه حسم المعركة لصالح الشعب ضدّ هذا النظام الفاسد».

4- وفيما يتعلّق بشعارات الثورة، يؤكّد الباحث أنها حافظت على الثورة وحيويتها وديمومتها، وهي بالمناسبة شعارات متواضعة، لكنها معبّرة عن نبض الشارع وهموم الناس وقضايا المجتمع، فكانت أوّل مطالب هذه الثورة اجتماعية، وسرعان ما تحوّلت إلى سياسية، وعبّرت في مجملها عن تطلّعات وآمال شعب تونس في غدٍ أفضل.

ففي بدايتها أخذت هذه الشعارات تعبّر عن مطالب اجتماعية من قبيل «التّشغيل استحقاق، يا عصابة السراق»، و «خبز وماء، طرابلسية لا». ولأوّل مرّة جرى رفع شعارات ضدّ فساد أصهار بن علي، مثل: «لا لا للطرابلسية إللي سرقوا الميزانية»، وسرعان ما اتّخذت هذه الشعارات منحًى سياسيًّا وأصبحت تعبّر عن مطالب سياسية، مثل: «تونس حرّة حرّة، بن علي على برَّ»، و «تونس حرّة حرّة، والتجمّع على برَّ».

وينقل الباحث رأي حسين الدماسي، أستاذ الاقتصاد بكلية الحقوق بجامعة سوسة قوله: «إنّ تصلّب النظام في عدم الاستجابة لمطالب الثورة، رفع من سقف المطالب السّياسية، إلى أن رفعت الثورة الشّعار التاريخي الشهير، والذي أصبح عنوان المرحلة التاريخية الراهنة «الشعب يريد إسقاط النظام».

ويرى الباحث أنّ واحدة من أهمّ وظائف الشعارات المهمّة، هي مخاطبة العاطفة الشعبية واستنهاض العقل الجمعي من سُبات القبول بالواقع المهين. وفي السّياق الثوري، تعبّر هذه الشعارات عن نضجٍ سياسيّ واضح، على الرغم من مررو ربع قرن من القهر والاستبداد السّياسي.

5- وحسب صديقي، فإنّ التحاق قوى المجتمع المدني والأحزاب بالثورة كالاتّحاد التونسي، وهو أقدم وأعرق مؤسّسات المجتمع في تونس، إلى جانب مئات النقابات، ساهم إلى حدٍّ كبير في انتصار الثورة التونسية.

كان أوّل تحرّك نقابي تفاعل مع الثورة يوم 25 كانون الأول/ ديسمبر2010، أي بعد ثمانية أيّام على بداية الأحداث. وتجمّع المئات من النقابيين والحقوقيين في ساحة محمد علي في تونس العاصمة، للتعبير عن تضامنهم مع أهالي سيدي بوزيد، واحتجاجاً على قمع المسيرات الشعبية والاعتقالات واستعمال الرّصاص الحيّ ضدّ المحتجّين العزل. ودخلت النقابات بقوّة على خطّ الأحداث، عندما أعلنت نقابة المحامين عن إضراب يوم الخميس 9 كانون الثاني/ يناير 2011 ليومٍ واحدٍ.

ونجح هذا الإضراب في إقحام الحركة النقابية في أحداث الثورة، وصدر البيان الأول للاتحاد العام التونسي للشغل يوم 11/01/2011، الذي يقرّ فيه بمشروعية المطالب المرفوعة، ويطالب السّلطات الرسمية بالاستجابة لهذه المطالب.

وفي خاتمة بحثه، يرى صديقي أن الثورة التونسية تؤكّد حقيقة أن الشعب لا يمكن تدجينه وقمعه مدى الحياة، ولا بُدّ من حدوث لحظة «الإرادة»، كما يُسمّيها، كما أن الاحتجاجات أو الإضرابات السّياسية التي شهدتها الأقطار العربية في مراحل سابقة، وعلى مدار سنوات خلت، كانت ناجمة عن علل اجتماعية واقتصادية وسياسية، وإن كان الخبز والبطالة أبرز القواسم المشتركة لهذه الانتفاضات. مشيراً إلى أنّ تلك الانتفاضات تعيد صوغ الوعي السياسي للمحتجّين، وتمثل نضالهم من أجل العدالة الاجتماعية والحقوق المدنية.

كما يرى أن الانتفاضات لا تندلع بدوافع اقتصادية فقط، بل هي صرخات ضدّ الإحباط، وتعبيرات سياسية واعية من الغضب والاحتجاج ضدّ «الفروق الاجتماعية، والفساد والمحسوبية والتسلّط، وعدم كفاءة النظام». ومع تزايد تكلفة معيشة غالبية السّكان، على خلفية الركود الاقتصادي والإلغاء المطّرد والتدرّجي للدّعم الحكوميّ للسّلع الضرورية، تعجز الدولة عن الوفاء بالتزاماتها، ويصبح العقد هشًّا بينها وبين هذه الجماعات، وتفقد السلطة القمعية شرعيّتها الوظيفية.

ويشير صديقي إلى أن الشعوب العربية قد عاشت، خلال الربع الأخير من القرن العشرين، حالةً من الغليان الشّعبي، ساهم فيه عددٌ من العوامل أبرزها ارتفاع أسعار الخبز وسلع تموينية أخرى رئيسية. فشهدت مصر في 18و19 كانون الثاني/ يناير في العام 1977 انتفاضة أطلق عليها «انتفاضة الخبز»، كذلك شهدت كلٌّ من تونس عام 1984، والسودان عام 1985، أحداث انتفاضة مماثلة. أمّا في فلسطين فكانت انتفاضة الحجارة ضدّ المحتلّ الصهيوني كعلامة بارزة في التاريخ المعاصر، وشهدت الجزائر عام 1988 م، والأردن عام 1989 م إضرابات سياسية بسبب ارتفاع أسعار الخبز والسّلع التموينية، وعادت هذه الاضطرابات إلى الأردن ثانية عام 1996، وإلى تونس عام 2008، فيما عرف لاحقاً بأحداث الحوض المنجمي.

فهذه الأحداث، بحسب الباحث، تراكمت عبر فترات من الزّمن لكي تعيد إنتاج نفسها في حدث أكبر وأعظم، وهو «الثورة العربية الكبرى»، من أجل إعادة صوغ عقدٍ اجتماعي جديد يقوم على أساس العدالة الاجتماعية وحقّ المواطنة، وهذا ما يشهده العالم العربي اليوم.

كما يرى أن في الاحتجاجات الشعبية وسيلةً يتذوق الناس بها طعم المشاركة السّياسية ويقومون على رعايتها، ويطلقون العنان للانشقاق؛ عن طريق تحدّي السلطة السّياسية مباشرة. ويصبح الشارع الثائر رابطاً يجمع المعارضين السياسيين، والمهمّشين، والعاطلين عن العمل، والشّباب المحبطين، وهم جميعاً يتمكّنون من الحصول على التضامن العفوي. وفي وعيهم المشترك، هم ضحايا فعليّون أو محتملون للنظام، ويوجّهون غضبهم إلى مستويات عليا، هي رموز النظام.

ويعتقد الباحث بأنّ الثورات في العالم العربي تُجّدد الأمل في ديمقراطية عربية تأتي من داخل الوطن العربي، وتثبت بما لا يدع مجالاً للشك، أنّ العرب قادرون على التغيير وحدهم لا عبر الغرب، مضيفاً أن التجربة الدموية التي قادتها الولايات المتحدة للدمقرطة في العراق لم تأتِ بالديمقراطية بقدر ما جاءت بالخراب والدمار( ).

الدراسة الثالثة: حدود الديمقراطية الدينية: دراسة في تجربة إيران منذ 1979 م

فور اندلاع الثورات والاحتجاجات في العالم العربي 2011 م، ووصول الإسلاميين في دول الربيع العربي إلى سدّة الحكم، أثيرت عدّة أسئلة ذات صلة بطبيعة التأثيرات التي يمكن أن تحدثه تلك الثورات على المنطقة عموماً وحركات الإسلام السّياسي خصوصاً، وشكل النظم السّياسية التي ستحلّ محلّ النظم الدكتاتورية التي تهاوت، وعن إمكان التحوّل الديموقراطي في المنطقة العربية، وطبيعة الديموقراطية وحدودها وتطبيقاتها المتوقّعة، وستبقى تلك التساؤلات ونظائرها مثار بحثٍ ونقاشٍ وجدلٍ ساخنٍ ومستمرّ.

ومن بين أهمّ وأبرز تلك الأسئلة المثارة، على سبيل المثال وليس الحصر، التي يمكن أن تقدّم دراسة السيف إضاءات على بعضها، ما يلي:

1- هل ستشهد المنطقة العربية أو دول الربيع العربي على الأقلّ تحوّلاً حقيقيًّا نحو الديمقراطية، بعد موجة الثورات والانتفاضات التي اجتاحت المنطقة؟

2- هل الإسلاميون الذين رفعوا شعارات تتضمّن المطالبة بتطبيق قيم الديموقراطية جادّون أو قادرون بالفعل على إقامة نظم ديموقراطية شبيهة ولو في الحدّ الأدنى بالنموذج الإسلاميّ التركيّ؟

3- هل الإسلاميون الذين وصلوا إلى سدّة الحكم ووعدوا ناخبيهم بإقامة نظم ديموقراطية يؤمنون حقًّا بالديموقراطية ومبادئها، أم أنها ستبقى حبيسة الشّعارات فقط؟

4- ما هي طبيعة الديموقراطية التي يتطلّع إليها الإسلاميون، وما هي حدودها وإمكان تطبيقها على أرض الواقع؟

5- ما هي طبيعة العلاقة أساساً بين الدين والديمقراطية، أين حدود التوافق والاختلاف، وهل البيئات العربية مهيّأة بالفعل للتحوّل الديموقراطي أم لا زالت الأرضية غير ملائمة لذلك الاستحقاق؟

6- ما هي المسارات والآليات التي من خلالها يمكن إحداث تحوّلٍ حقيقيٍّ نحو الديمقراطية في البيئات العربية وخصوصاً في دول الربيع العربي؟

7- ما هي العوامل الفاعلة التي يجب توفّرها في المنطقة العربية لإحداث التحوّل الديمقراطي، أم أن حدث الثورات وحده كافٍ لإحداث ذلك التحوّل المنشود؟

8- ما هي طبيعة العقبات التي يمكن أن تعترض مسيرة التحوّل الديموقراطي في دول الربيع العربي، وإلى أيِّ حدٍّ يمكن أن يلعب العامل الديني وحركات الإسلام السّياسي من أثر في إحداث التحوّل أو إعاقته ومن ثم تجاوز تلك العقبات؟

الأسئلة السابقة نفسها ونظراؤها، أثيرت قبل ثلاثة عقود من الزمن في إيران، أي بعد انتصار الثورة الإسلامية ووصول الإسلاميين للحكم، ولا زالت مثار جدل في الوسط الإيراني وخارجه أيضاً.

تكمن أهمية دراسة الباحث السّيف، في أنها تجيب عن بعضٍ من تلك الأسئلة، أو تشكّل إضاءات لها. كما وتوفّر للقارئ فهماً أفضل لإمكانات عملية التحوّل الديمقراطي، سواءً في دول الربيع العربي أو عموم المنطقة العربية.

وتساهم في تشكيل رؤية أوسع للصّعوبات والعوائق المحتملة لذلك التحوّل المنشود، ومن ثمّ تمكّن الباحث التنبؤ بحدود تطبيقات الديموقراطية المتوقّعة في ظلّ حكم الإسلاميين الجدد، ومدى إمكان نجاحهم في تقديم نموذج لنظام سياسيّ إسلاميّ حديث، يزاوج بين الهوية الدينية والديمقراطية، ويضمن الشّراكة السّياسية الحقيقية للشعب، والتداول السّلمي على السلطة عبر آلية الانتخاب، أو مدى إخفاقهم في ذلك المسار.

إلى جانب ذلك، فإنّ الدراسة تعين في الكشف عن جانب مهمّ من الجدل الذي يمكن أن يدور بين تيارات الإسلام السياسي حول العديد من الموضوعات المتعلّقة بالحكم والدستور والمشاركة الشعبية وفاعلية المجتمع ودور العامل الديني في ميدان السّياسية وغيرها من الموضوعات ذات الصّلة بالشأن العام.

إنّ قراءة التجربة الإيرانية في الحكم، التي ناهزت ثلاثة عقود من الزمن أو بعضها، كما هي محاولة المفكّر السيف في دراسته الجادّة، التي سعى من خلالها إلى رصد بعض تأثيرات الثورة الإسلامية في إيران على عموم المجتمع الإيراني، والتيارات الدينية المشتغلة بالشأن العام، وكذلك رصد تطبيقات الإسلام السّياسي على أرض الواقع في إيران، ما بين عام 1979حتى عام 2004 م.

إنّ تلك القراءة يمكن أن تعطي الباحث تصوّراً مبدئيًّا عن التأثيرات المتبادلة والمحتملة لثورات الربيع العربي وانعكاساتها على المنطقة عموماً، وعلى حركات الإسلام السّياسي خصوصاً، وطبيعة ممارسة وأداء الإسلاميين الجدد المحتملة في ميدان الحكم والسلطة وإدارة الدولة المدنية المراد تحقيقها في دول الربيع العربي، وذلك نظراً لتشابه الانتماء الأيدلوجي لدى الفاعلين السياسيين الجدد في العالم العربي، ونظرائهم القدامى في إيران، ولوجه الشّبه الشّديد بين ما حدث في إيران من ثورة شعبية قبل 33 عاماً، وما حدث في العالم العربي من ثورات قبل عام، وما نجم عن الحدثين (الثورة الإيرانية، وثورات الربيع العربي)، وما تمخّض عنهما أيضاً من إرهاصات وتموّجات. من هذه الزاوية تحديداً، تأتي أهميّة دراسة الباحث السّيف.

لا شكّ بأن قراءة تجربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الحكم، بحسب مفكّرين وباحثين كُثْر، تمثّل فرصة فريدة لمراقبة تطبيقات الإسلام السّياسي واختبارها. ويرجع ذلك، بحسب الباحث السّيف، إلى أن المجتمع الإيراني كان قد عرّفَ منذ وقت طويل عدداً من مفاهيم الحداثة، مثل الدستور والانتخاب والحريات المدنية. كما عرّف بعض تمثّلات الحداثة في الاقتصاد والتعليم ونمط المعيشة.

مضافاً إلى ذلك، فإنّ النظام الإسلامي الحديث في إيران متولّد من رحم ثورة شعبية، مما يعني أنّ الشعب في معظمه منشغل بالشّأن العام وفاعل في الحياة السّياسية. وهذا يعني بالضرورة أن الشّعب الإيراني سيكون له تأثير كبير في شكل النظام السّياسي ومضمونه.

زِدْ على ذلك أنّ بعضاً من تقاليد المجتمع الإيراني مستمدّة من الفكر السياسي الحديث الذي طوّر في الغرب مجموعة من المفاهيم، مثل مفاهيم الجمهورية، والحقوق الدستورية، والانتخابات وغيرها من المفاهيم التي لم تكن من قبل موضع تداول في الأوساط الدينية في إيران، خصوصاً داخل الحوزات العلمية التي جاء منها أبرز قادة الثورة.

وقد افترض مؤسّسو النظام السّياسي الجديد أن ذلك التركيب سوف يوفّر فرصة للتفاعل في العمق بين المكونات الدينية التقليدية والحديثة، ويقود في نهاية المطاف إلى بناء نظام سياسي حديث ومَرِنٍ، وإنْ كان ذا صبغة ومضمون دينيين.

من خلال قراءته التحليلية للتجربة الإيرانية في الحكم كموضوع اختبار لفرضيات دراسته، ودور العامل الديني تحديداً في المجتمع الإيراني، بعد انتصار الثورة الإسلامية (1979- 2004)، ناقش الباحث السّيف إشكالية العلاقة بين الإسلام والديمقراطية، متعرّضاً للجدل الدائر في إيران بين قواه المختلفة حول هذه الإشكالية التي لا زالت قائمة.

وفي هذا السّياق طالب السّيف بتطوير نموذج مختلف للعلاقة بين الدين والدولة الحديثة، أو تصميم «نموذج ديمقراطي محلّي» قادر على التفاعل مع الهوية والقيم الدينية للمجتمعات الإسلامية. كما من شأنه أن يُعزّز المشاركة السّياسية. ويرى الباحث، إمكان بناء هذا النموذج المقترح لتتمّ المواءمة بين الدّين والديمقراطية في إيران أو أيّ بلدٍ إسلاميّ مشابه.

لقد حاول الباحث السّيف من خلال دراسته التأكّد من صحّة فرضيتين رئيستين:

الأولى تتعلّق بقابلية القيم وقواعد العمل الدينية، ولا سيّما تلك التي تتعلّق بالشأن العام، للتكيّف مع متطلّبات الحياة المتغيرة.

أمّا الثانية فتشدّد على الدور الحاسم للدين في إيجاد نظام سياسي يقوم على أرضية إجماع وطني، ويوفّر مجالاً واسعاً للمشاركة الشعبية.

وجرت مناقشة الفرضيتين وتطويرهما في إطار معالجة ثلاثية الأبعاد تتضمّن تحليلاً تاريخيًّا لتطوّر الفكر السّياسي الشيعي، وتحليلاً مقارناً للمناقشات الدائرة في إيران حول الدين والحداثة، والنكسات التي انطوت عليها التجربة السّياسية للجمهورية الإسلامية خلال ربع قرن من عمرها. ومن ثمّ أُجيبَ عن سؤال مفصليّ: أين يمكن أن ينجح الإسلاميّون في ممارسة السلطة، وأين يفشلون؟.

ويأتي التحليل الذي قدّمه الباحث للإجابة عن ذلك السّؤال في إطار دراسة حالة محدّدة تتمثّل في كيفية تطبيق مفهوم العدالة الاجتماعية على المستوى الاقتصادي، والعلاقة بين الدولة والمجتمع. وفيما يتعلّق بالتيارات الدينية داخل إيران، قدّم الباحث تصوّراتها ومواقفها من الديموقراطية وحدودها وتطبيقاتها ومدى انسجامها مع المبادئ العامّة للإسلام من عدمها، إلى جانب إمكان المزاوجة بين الدين والديموقراطية ومواطن الافتراق والاتفاق. وبحسب الباحث، فإنّ تلك التيارات تتألف من مجموعات فرعية عديدة، بعضها ذو ميول تقليدية، وبعضها الآخر ذو ميول حداثية، بالإضافة إلى الفوضويين وغيرهم، على حدِّ تعبيره.

ولكن من بين هذه الاتجاهات المؤثّرة راهناً وعلى المدى البعيد أيضاً، الذي لم يجتذب الاهتمام الواسع حولها، هو ذلك الاتجاه الذي يجادل دون إمكان صوغ خطاب سياسيّ جديد، يجمع بين المبادئ الكبرى للديمقراطية والإسلام. إنّ ذلك الخطاب الجديد لذلك الاتجاه، هو محور دراسة الباحث السّيف، التي تستهدف التحقّق من قابليته للتعامل مع العقبات الأيديولوجية والبنيوية والسياسية التي أعاقت، حتّى الآن، بحسب اعتقاده، عمليّة التحوّل الديموقراطي في إيران، إلى جانب العديد من المجتمعات الإسلامية.

تتناول الدراسة تطوّر الفكر السّياسي الشيعي، لا سيّما نظرية السّلطة الدينية في إيران، منذ قيام الثورة 1979حتى عام 2005 م، وما إذا كان ممكناً على ضوئها تطوير خطاب سياسيّ ديمقراطيّ على أرضية دينية. وتجادل الدراسة حول فرضية مؤدّاها: بأنّ انخراط الدّين في العملية السّياسية يمثّل عاملاً حاسماً في تطوّر الفكر الديني أكثر تقبّلاً لضرورات الدولة الحديثة وإلزاماتها، الأمر الذي سيقود بالضّرورة إلى تخلّيه عن المفاهيم التي ظهرت أو تطوّرت في ظلّ الدولة القديمة، وبقيت جزءاً من التراث الديني حتى اليوم.

أمّا اتجاه ذلك التطوّر، وما إذا كان يسير نحو احتضان الديمقراطية أو تسويغ نظام استبدادي، فإنه يتحدّد، وبحسب الباحث، في ضوء عوامل أخرى، ولا سيّما توازنات القوى في البيئة الاجتماعية لمصلحة حكم يقوم على المشاركة الشعبية أو على انفراد النخبة بالقرار، إضافة إلى الاتجاه العام في المحيط الدولي، ما إذا كان يتبنّى دعم الاتجاهات الديمقراطية أو العكس.

واعتمد الباحث في دراسته على منهج يجمع بين أكثر من مقاربة، لكنّه استفاد بدرجة كبيرة جدًّا من المقاربات التي طوّرت في حقل التنمية السّياسية، ولا سيّما النظريات التي تشدّد على دور الثقافة السّياسية في التنمية. وقد اعتمد على مفهوم التنمية الذي تبنّاه برنامج الأمم المتحدة للتنمية الإنسانية، الذي يُعرّف التنمية كتحوّل شامل يستهدف توسيع خيارات المجتمع.

كما استعمل مفهوم الديموقراطية، الذي يتناول المشاركة الشعبية في الحياة السّياسية، مع أنه لم يغفل عن نظريات الثقافة السّياسية، لاعتقاده بأنّ حيوية الحراك الديموقراطي أو تعثّره يعتمدان بدرجة كبيرة على الثقافة السائدة، ما إذا كانت تدفع إلى المشاركة أو الاعتزال.

ويشير الباحث إلى وجود أبحاث سابقة لمفكّرين إيرانيين مثيرة للاهتمام، قد ناقشت العلاقة بين الدين والديمقراطية في إيران، وأثارت العديد من الأسئلة، بعضها بقى دون أجوبة، وبالتّالي يؤكّد السّيف بأن دراسته لن تقدّم معالجات أو إجابات نهائية وتفصيلية عن تلك الأسئلة، وإنّما ستسعى جاهدة إلى تقديم احتمالات قابلة للأخذ والرّد، ليس أكثر.

فصول الدراسة

وتتكوّن الدراسة من سبعة فصول وخاتمة، تغطّي معظم النقاشات الجارية في إيران حول العديد من الموضوعات السّياسية والاجتماعية.

يناقش الفصل الأول المسار التاريخي الذي تطوّرت خلاله نظرية السّلطة الشيعية منذ القرن الثامن الميلادي حتى قيام الثورة الإسلامية عام 1979م. ويستعرض الظروف التي انبثقت منها الأسئلة المثارة حول حدود السلطة ومصادرها ودور المؤسّسة الدينية في الحياة العامّة. كما يحدّد الإطار السّياسي- الاجتماعي الذي أنتج نموذجاً تقليديًّا للسّلطة الدينية، ويؤكّد على المراجعات المتكرّرة لمفهوم السلطة التي كانت في الغالب انعكاساً لتغير الظروف السّياسية للمجتمع الشّيعي.

ويخلص إلى أن توفّر بيئة إيجابية، وفرصة واسعة للمشاركة السّياسية، هما أقوى العوامل وراء قبول المجتمع وزعمائه الدينيين لمراجعة المفاهيم الدينية المتعلّقة بالسّياسة على نحو يقرّبها من حقائق الحياة ومتطلّباتها. وبحسب الباحث، فإنّ هذا الفصل يختبر الفرضية التالية: إنّ قيام دولة دينية هو العتبة التي سينتقل عبرها الفكر السّياسي الديني إلى الحداثة.

بينما يناقش الفصل الثاني التعديلات المهمّة التي أدخلها آية الله الخميني على نظرية السّلطة الشّيعية التقليدية، التي بلغت، بحسب الباحث، المقوّمات الأساسية والوظيفية لنموذج السّلطة التقليدية. إذ يعتبر الخميني، لما يتمتّع به من كاريزما ومكانة روحية رفيعة، أنه جَسَّر الفجوة بين زمنين ثقافيين: زمن التقاليد، وزمن الحداثة، مما ساعد شعبه على إعادة النظر في الكثير من مسلّماته وتقاليده والالتحاق بركب الحداثة من دون قلق على خسارة هويته أو خصوصياته الثقافية، حتى أضحى الدّين دافعاً للمشاركة الشّعبية الواسعة والنشطة بدلاً من كونه دافعاً لاعتزال الحياة السّياسية.

كما يقدّم هذا الفصل مقاربة جديدة لمفهوم «الولاية المطلقة للفقيه» الذي تبنّاه الخميني، ومن ثم استعمله كوسيلة فاعلة لاستبعاد العنصر الميتافيزيقي في السّلطة الدينية، ومن ثم توحيد السّلطتين الدينية والسّياسية اللتين كانتا، حتى ذلك الوقت، في حالة تنازع وجوديّ أدّى على الدّوام إلى إضعاف مشروعية الدولة وإعاقة الإجماع الوطني.

أمّا الفصل الثالث، فيناقش نموذج السلطة الثوري الذي قام في إيران بعد الثورة على أرضية النظرية الدينية التقليدية، مستعرضاً مكوّناته ومبرّرات قيامه. كما يقدّم تحليلاً للتجربة السّياسية لهذا النموذج من خلال أبرز أهدافه (العدالة الاجتماعية)، حيث يناقش الإستراتيجيات التي تبنّاها النظام الإسلامي لتطبيق هذا المفهوم في جانبيه السّياسي والاقتصادي. كما يناقش أيضاً الأسباب الكامنة وراء التغيير المستمرّ في البيئة السّياسية الإيرانية منذ قيام الجمهورية الإسلامية حتي اليوم. وتركّز النقاش على التغييرات على المستويين البنيويّ والمؤسّسيّ.

أمّا السّياسي فقد تناوله بصورة عرضية، تماشياً مع الاتّجاه العام في دراسات التنمية في العالم الثالث، التي تحوّلت من التركيز على دور ما كان يوصف بالنخبة التّحديثية، إلى التركيز على البنية الاجتماعية ككلّ، باعتبارها محور التنمية والقوة الحاسمة وراء تقدّمها أو تعثّرها.

وفي ضوء هذا المنظور استعرض الباحث في هذا الفصل عدداً من التطوّرات الرئيسة المرتبطة بالتجربة السّياسية للنظام الإسلاميّ خلال ربع قرن، كمختبر لاستكشاف المحطّات الرئيسة في طريق التحوّل الديمقراطي في هذا البلد، مستعيناً في هذا السّياق نظرية «الانقلاب الباراديمي أو المنظومي» التي طرحها الفيلسوف الأمريكي توماس كون، كإطارٍ مفهوميّ لتفسير تعثّر النموذج الثوري التقليديّ وصعود النموذج الإصلاحي. وغرضه من ذلك تبيين الهوّة الواسعة التي تفصل بين نموذج السلطة والتنظيم الاجتماعي الذي يدعو إليه الإصلاحيّون، والذي ساد خلال الثمانينيات.

ويجادل هذا الفصل بأنّ تحوّل الرأي العام نحو النموذج الأخير يمثّل قطيعة نهائية مع مفهوم السّياسة ونمط التديّن الذي ينطوي عليه النموذج الأول. كما يستعرض العيوب التي أدّت إلى سقوط النموذج الثوري وأدّت لبروز نموذج جديدٍ مختلف، مضافاً إلى إمكانات التطوّر من داخل النظام الإسلاميّ، رغم الإشكالات المشهودة حاليًّا.

في حين يتّجه الفصل الرابع لتحليل الأيديولوجيا السّياسية للتيار المحافظ، ورؤيته للدولة الإسلامية وموقفه من القضايا موضع الجدل في إيران، كالمواطنة وما يتحلّق بها من الحقوق السّياسية، والشرعية وسيادة القانون، والجمهورية ودور الشعب. ويتّصل النقاش هنا بفرضية الدراسة الرئيسة: إنّ انخراط الدين في العملية السّياسية هو العامل الرئيس وراء تطوّر الخطاب السياسي الديني. معتبراً أن التيار الديني المحافظ، ينتمي للشريحة التقليدية في المجتمع الإيراني، ولا سيّما المؤسّسة الدينية وكبار تجار البازار. ويتبنّى هذا التيار الفقه الموروث، وبصورة عامّة التفسير الفقهيّ للدين كإطار مرجعي لفهم الأسئلة المثارة في الميدان الاجتماعي والسّياسي ومعالجتها.

ويتعرّض الفصل الخامس إلى الخلافات الجوهرية بين الخطاب الإصلاحيّ ونظيره المحافظ، مما يُعزّز فرضية الباحث القائلة بأنّ صعود الإصلاحيين إلى السلطة عام 1997م يمثّل انقلاباً منظوميًّا بالمعنى الذي اقترحه توماس كون. ويتوجّه الخطاب الإصلاحي إلى الطبقة الوسطى الحديثة، ويميل نحو الديموقراطية الليبرالية، كآلية حكم وفلسفة للتنظيم الاجتماعي. ويستعرض الخطوط العريضة للخطاب الإصلاحي، ولا سيّما فكرة الديمقراطية الدينية التي تمثل جزأه الجوهريّ، ومفهومه الخاصّ للعلمانية.

ويستعرض الفصل السادس خارطة الأحزاب الرئيسة في إيران، وخلفياتها الاجتماعية، وأبرز التحوّلات التي شهدتها، ويناقش فيه إمكان المصالحة بين الدين والديموقراطية، والفرص المتاحة لتطوير خطاب ديموقراطيّ على أرضية دينية، وقابلية الدين لاستيعاب الحداثة (استمرار المسار الديموقراطي)، والتكيّف مع متطلّباتها. ويقوده ذلك النقاش إلى تعزيز صحة فرضيتين كانتا محلّ اختبار:

الأولى: ترى عدم فعالية الخطاب الديمقراطيّ ما لم تحتضنه قوى ذات نفوذ وفاعليّة، تتولّى تحويله من طموح يُراود أقلّية من النخبة إلى هدف يثير حماسة الجمهور ويدفعه إلى التحرك.

والثانية: ترى أنّ تطور الخطاب السّياسي الديني باتجاه الديموقراطية أو الاستبداد يتأثّر إلى حدٍّ كبير بتوازن القوى في المجتمع، ما إذا كان يميل إلى هذا الخيار أو ذاك.

ويتحدّث الفصل السابع والأخير من الدراسة، عن الظّروف التي شهدت انتخاب محمود أحمدي نجاد رئيساً للجمهورية، القادم من المعسكر المحافظ الذي حقّق نجاحاً في السيطرة على البرلمان ورئاسة الجمهورية وعدد كبير من المجالس البلدية، مما يعكس القدرة الكبيرة على منافسة الإصلاحيين، وكذلك تأثير هذا التطوّر على الوضع الساسي الداخلي وعلاقات إيران الدولة.

لكن يعتقد الباحث بأنّ تجربة التيار الإصلاحي الذي يضمّ عدداً معتبراً من السّاسة والمفكّرين الإيرانيين، تمثّل موضوع اختبار نموذجيٍّ للفكرة التي ترى أن الفرصة الوحيدة لترسيخ الديموقراطية في المجتمعات الإسلامية تكمن في بزوغها داخل الإطار الثقافي لهذه المجتمعات.

ويرى أيضاً بأنّ رموز ومفكّري التيار الإصلاحي قدّموا معالجات مهمّة لعدد من القضايا الرئيسة، مثل: العلمانية، العلاقة بين الضوابط الأخلاقية والحريات المدنية، دور الشعب في تحقيق حاكمية الدين، ونحوها.

ويؤكّد الباحث على أنّ تبنّي التيار الإصلاحي المفتوح على الديمقراطية في صيغتها اللبرالية، وتأسيسه هذا الموقف على أرضية دينية متينة، يلخّصان أهمّ عوامل التمايز بين هذا التيار ومعظم المجموعات الإسلامية في الشرق الأوسط. ورغم إخفاق هذا التيار في المحافظة على مواقعه في السّلطة وتقدّم التيار المحافظ في نسختها الجديدة بقيادة نجاد، بحسب الباحث السّيف، إلا أنه قد نجح خلال سنوات حكمه الثّمان، أي فترة رئاسة الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي 1997- 2005 م، في تغيير بيئة إيران السّياسية.

في ختام دراسته يخلص الباحث إلى الاستنتاجات التالية:

1- إنّ العامل الديني لعب دوراً فاعلاً في الحياة السّياسية، وإنّه ليس جامداً، بل مرناً وله قدرة كبيرة على التكيّف مع التحوّلات المكانية والزمانية. لكنّ عملية التكيّف ناجمة عن حراك، تارةً يأخذ صبغة عقلانية وأخرى عفوية، يستهدف المحافظة على مكانة الدّين كفاعل مؤثّر في حياة الفرد والمجتمع، رغم تغيّر الأحوال والظروف.

2- انفتاح التفكير الديني على التطورات السياسية أو انغلاقه، ارتبط دائماً بدرجة انخراط المجتمع في السّياسية، مما يعني أن توفّر مساحة واسعة للمشاركة السّياسية تؤدّي غالباً إلى فتح الباب أمام تفسيرات جديدة تخفّف من حدّة المنظورات الكلامية والفقهية المتشدّدة. وهذا يؤكّد وجود علاقة طردية بين تطوّر الفكر السّياسي الديني وانخراط الدين في العملية السّياسية.

3- الحكم على قابلية الدّين لاستيعاب أنماط الحياة الحديثة والتفاعل معها، يتطلّب ضرورة الأخذ في الاعتبار العوامل الاجتماعية، أي الشروط والإلزامات والمتطلّبات الملحّة للمجتمع.

4- فشل الدولة في إقناع الجمهور بمشروعيتها وأهليتها لتمثيل مصالح الشعب، هو ما أعاق التحوّل الديموقراطي في إيران.

5- أن الديموقراطية غير قابلة للتحقيق دون مشاركة الشّعب الفاعلة في الحياة السّياسية، وأن المشاركة غير ممكنة دون إجماع بين المجتمع والدولة على شرعيّة النظام السّياسي وأهليّة الدولة لتمثيل مصالح المجتمع والتعبير عن قيمه وتطلّعاته، كما أنّ الإجماع لا يأتي إلا من خلال مصالحة الدين مع الدولة، أي قبوله بها كسلطة شرعيّة وليس أداة قهر وتسلّط.

6- أن عملية التحوّل الديموقراطي لا تأتي من خلال القرار السّياسي، بل هي عملية تدرّجية طويلة الأمد، يتوقّف استمرارها وحيويّتها على إقناع الجمهور بفائدة الديموقراطية كنظام للحياة السّياسية وممارسة السلطة، بوصفها أفضل من جميع البدائل الأخرى.

7- أن اعتبار العلمانية، وفق معناها السّائد في العالم الغربي، كشرط للتحوّل الديموقراطي، لم يكن عاملاً مساعداً في إيران.

8- تدلّ الملاحظة الميدانية لتجربة إيران خلال القرن العشرين، على أنّ دور العامل الدّيني يمكن تحديده ما إذا كان عاملاً مساعداً للديمقراطية أو معوّقاً لها، من خلال عوامل خارج إطار الدين نفسه.

9- يمكن أن تتمّ المصالحة بين الدين والديموقراطية، ولكن يلزم تعديل في الرؤية الدينية وتعديل موازٍ له في المبادئ الديمقراطية أيضاً، ومن ثمّ التوصّل إلى نموذج حكم قائم على المعايير الأساسية للديموقراطية والقيم الدينية التي يؤمن بها المجتمع، وأنّ هذه العميلة مليئة بالتعقيدات، مما يتطلّب قدراً عالياً من الحساسية أثناء التعاطي معها.

10- مسار المصالحة بين الإسلام والديموقراطية في الخبرة الإيرانية تمت من خلال مرحلتين:

المرحلة الأولى: التي أعقبت انتصار الثورة، واستهدفت في المقام الأوّل إدماج الدّين في مؤسّسة الدولة، وإلغاء التباين بين الاثنين. وقد أثمر ذلك فتح الطريق أمام تعديل موازٍ في الأحكام وقواعد العمل الخاصّة بكلٍّ من الدين والدولة؛ لجهة إزالة التعارضات وتسهيل استجابة كلا الطرفين لضرورات الآخر.

المرحلة الثانية: مرحلة ما بعد الخميني، استهدفت مصالحة الدّين مع الديموقراطية، من خلال تعديلات واسعة في المفاهيم الدينية المتعلّقة بدور الشعب وحاكمية القانون من جهة، وتعديل مفهوم الدولة المركزية من جهة ثانية.

وهذا يعني أن تطوّر الفكر السّياسي في الاسلام السّياسي الشّيعي المعاصر، خلال المرحلتين المذكورتين، يشير إلى أنّ قيام نظام ديموقراطي على أرضية دينية هو احتمال واقعيّ وقابل للتّحقيق.

11- اعتمد خاتمي، الذي يُعَدّ من أبرز رموز التّيار الإصلاحي في إيران، على برنامج سياسيّ جاذب أثناء ترشّحه للرئاسة، يدعو من خلاله إلى تغييرات واسعة في المسلّمات السّائدة حول الحكم والحياة الدينية والعلاقات الاجتماعية، لذلك اعتبر بعض الدّارسين نجاحه السّاحق في انتخابات العام 1997 م، هو كثورة ثانية، في حين اعتمد نجاد في وصوله للرئاسة على دعم ثابت من المؤسّسة السّياسية والدينية التقليدية.

12- إحكام سيطرة التيار المحافظ مؤخّراً على السلطة أعاق محاولات الإصلاحيين في تسريع التحوّل الديموقراطي، مما أفرز تياراً في الوسط الإصلاحي يتخلّى عن النهج الّلين في الإصلاح، الذي اتّبعه خاتمي، ويطالب في نفس الوقت بتغيير جذري للدستور، بعدما شعر بالإحباط إزاء الفشل المتكرّر للبرلمان والحكومة في كسر ممانعة التيار المحافظ.

13- إنّ المهمّة التي حدّدها التيار الإصلاحي لنفسه هي تغيير موقع الدولة في علاقتها مع المجتمع، من كونها سلطة فوق الشعب إلى سلطة في يد الشعب، وإن إخفاق التيار الإصلاحي في تحويل شعبية النموذج الإصلاحي إلى قوّة سياسية، لا يعني أنه لم يعد مؤثّراً أو أنه لم ينجز شيئاً مهمًّا.

14- النظام القائم في إيران لا يرفض الديمقراطية بِقَضِّهَا وَقَضَيْضِهَا، كما لا يفتقر إلى مؤسّسات النّظام الديموقراطي وبعض تقاليده. فدستور الجمهورية الإسلاميّة وما رسخ من أعراف دستورية وسياسيّة تحمل العديد من صفات النظام الديموقراطي.

15- لم يصل النظام الإسلاميّ في إيران إلى مستوى التطابق مع المعايير الدولية المعروفة للأنظمة الديموقراطية، ولا يزال الطريق بحاجة إلى كثير من الجهد، إلا أنه مع كلّ المؤاخذات على عملية التحوّل الديموقراطي في إيران، تؤكّد المؤشّرات الراهنة أنها تسير في هذا الطريق وإنْ كان ببطءٍ شديدٍ.

16- إنّ حجر الأساس للتحوّل الديموقراطي المنشود في إيران، مرهون بالتطوّر الحاصل على مستوى الثقافة السّياسية ومنظومة العلاقات الاجتماعية والمسار التّصاعدي للمأسسة، وصعود النموذج الإصلاحي عبر صناديق الانتخاب، والمعالجات المستمرّة للمفاهيم والموضوعات التي تستهدف المصالحة بين الدين والديموقراطية. وهذه كلّها تجسّد وعي الشعب بقدرته على التغيير بالطّرق الديموقراطية.

17- ما يعيق تطوّر النظام السّياسي في إيران، ووصوله إلى المستوى المتوسط للأنظمة الديموقراطية، بعض عقبات، مصدرها الدّستور، وأخرى مرتبطة بالثقافة السّياسية السائدة، وثالثة متعلّقة بتركيبة النخبة السّياسية وتوزيع الموارد، ورابعة ذي صلة بالتصوّرات الدينية للطبقة الحاكمة حول المشاركة الشعبية، وكذلك أخرى متعلّقة بالعلاقة بين مصادر القوة المختلفة، ومدى تمثيل الشرائح الاجتماعية المختلفة والأقاليم في القرار السّياسي.

18- ولتجاوز تلك العقبات، يتطلّب تنظيم دستوري ومؤسّسي يقوم على أرضية توزيع السّلطة وليس مركزتها، وإعادة صوغ فلسفة النظام السّياسي باتجاه التركيز على محورية الشعب، وكونه صاحب السّيادة والحاكمية، وتحديد سلطات الطبقة الروحانية الحاكمة، وتمكين الشّعب أو ممثليه من مراقبة أعمالهم ومحاسبتهم عليها، وجعلهم خاضعين للدستور، وترسيخ مفهوم المساواة بين المواطنين في الواجبات والحقوق وجعله معياراً رئيساً في منح السّلطات وممارسة الحقوق، ولا سيّما النساء والأقلّيات الأثنية.

19- لدى إيران إمكانيّة كبيرة للتحوّل إلى نظام ديموقراطي، لكن الأمر بحاجة إلى اعتبار الديموقراطية خيارها الأخير والقطعيّ، وإعادة صوغ القيم والمفاهيم التي تمثل أرضيّة للنظام، وإعادة تعريف المؤسّسات ومنظومات العمل على نحو يتناسب مع معايير العمل السّياسي والعلاقات الاجتماعية الديموقراطية المعروفة في العالم اليوم، وكذلك بذل جهود استثنائية للتخلّص من الهيكليات والعوامل المتأصّلة في النظام السّياسي، الداعمة لميول التسلّط والتمييز والقهر السّياسي والاجتماعي.

20- إنّ التردّد في المسير نحو الديموقراطية، أيًّا كانت مبرّراته، سوف يضرّ كثيراً بصدقية المؤسّسة الدينية في إيران، إلى جانب الإضرار بصدقية الدين الحنيف( ).

ومما سبق، فإنّ الدراسة أعلاه، تُعزّز الرُّؤى والتصوّرات التالية:

1- مع أنّ دراسة السّيف، قد صدرت قبل اندلاع ثورات الربيع العربي بثلاث سنوات تقريباً، وكان ميدانها الأساس السّاحة الإيرانية، إذ حاول من خلالها قراءة تجربة الإسلاميين الذين وصلوا للسّلطة بعد انتصار الثورة، لبحث إمكان تطوير النظام السّياسي الإسلامي بما يتواءم مع قيم الديموقراطية، إلى جانب إيضاح حدودها القائمة والمحتملة، إلا أنّ تلك الدراسة، يمكن أن تسهم في تعزيز بعض الأفكار والتصوّرات ذات الصلة بإمكان التحوّل الديمقراطي في المنطقة العربية بعد الثورات، لكونها تُجيب عن العديد من الإشكالات الحسّاسة والمماثلة للإشكالات القديمة.

2- كما يمكن أن تقدّم تصوّراً أوليًّا، حول إمكان إقامة نظم ديموقراطية في العالم العربي، مبنيًّا على تجربة عملية سابقة لإسلاميين وصلوا إلى سدّة الحكم، ومن ثم إعطاء فكرة أوسع عن العوائق والتحدّيات والصّعوبات التي من المحتمل أن تكون كثيرة ومعقّدة أمام التحوّل الديموقراطي المنشود، سواءً في دول الربيع العربي أو عموم المنطقة.

3- وبالقياس على ما أحدثته الثورة الإسلامية من تأثيرات كبيرة ومهمّة على المشهد السّياسي العام في إيران، التي رصد الباحث بعضاً منها بدقّة، فإنّ المشهد السّياسي العربي، هو الآخر تأثّر بلا شكّ بحدث الثورات، ولا زال عرضة للتأثيرات بشكل أوسع، نظراً لديمومتها، مما يعني أن الدّراسة الآنفة ستُسهم في إلفات نظر الباحث أيضاً إلى مواطن التأثيرات القائمة والمحتملة لثورات الربيع العربي، وتيّارات الإسلام السّياسي، التي وصلت لسدّة الحكم سواءً في دول الربيع العربي أو المنطقة العربية عموماً.

دراسات متعدّدة: في تفسر ظاهرة صعود الإسلام السّياسي

خروج بعض الحركات الإسلامية في تونس ومصر تحديداً، أبان اندلاع الاحتجاجات والثورات في الوطن العربي، من خندق المعارضة كقوى محظورة ومطاردة، ووصولها إلى السّلطة وفي مراكز صناعة القرار وبشكل مكثّف، ومن ثمّ تحوّلها إلى قوة اجتماعية وسياسية معترف بها، وذات ثقل ووزن كبيرين، لم يأتِ من فراغ. حدث ذلك التحوّل كنتيجة طبيعية لعوامل موضوعية وفّرها الإسلام السّياسي الجديد، ومن بينها الشعارات المتوائمة مع حركة الجماهير الغاضبة والمناهضة للاستبداد السّياسي والمطالبة بتطبيق الديمقراطية، التي رفعها الإسلاميّون.

إنّ التحوّل المهمّ لمكانة حركات الإسلام السّياسي دفع بعض الباحثين والمهتمّين بهذه الظّاهرة لإعادة التقييم والاهتمام بها، وبشكل موسّع ومركّز أيضاً. ذلك ليس لأنها تمثل حالة دينية أو سياسية أو حركية محضة فحسب، كما كان سائداً في السّابق، وإنّما بوصفها تمثّل ظاهرة سوسيولوجية بالغة التعقيد والتشعّب، إذ يختلط فيها الجانب الديني بالثقافي، والاجتماعي بالسّياسي، والتنظيمي بالحركي، الأمر الذي مكّن هؤلاء الباحثين الولوج إلى عمق بنيتها الفكرية والتنظيمية ومنظومتها الأيديولوجية بحثاً وتحليلاً، ومن ثمّ رصد سلوكها وشعاراتها وبرامجها وتحوّلاتها وقراءة تأثيراتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ضمن بيئتها الاجتماعية، بغية استشراف مساراتها وأدائها وتحوّلاتها في مختلف المراحل الزمنية والظروف المتغيّرة.

بَيْدَ أنّ الاهتمام بظاهرة صعود الإسلام السّياسي، سواءً بوصفها حالة دينية أو سياسية، على الصّعيد العالمي والعربي ليست مسألة حديثة، وإنما هي راجعة إلى عقود طويلة من الزمن. لذا تشير أدبيات الإسلام السّياسي العربية والأجنبية إلى أن «حركات الإسلام السّياسي العربي» في المشرق والمغرب العربي المعاصرة منها، والتقليديّة الفكر والمنهج، عرفت حالة زخم سياسيّ متواصل منذ تهاوي المدّ القوميّ العروبيّ، إثْر نكبة 1967 م، فغدت خلال ستة عقودٍ من الزّمن أحدّ أهمّ حقائق المشهد السّياسي في العالم العربي بمشرقه ومغربه، كما حظِيت باهتمام دولي بالغ مع انخراطها في الصّراع الدولي الإقليمى في ظلّ الحرب الباردة، لصالح المشروع الرأسمالي الغربي( ).

وما يميّز الأبحاث والدراسات المعاصرة لظاهرة صعود الإسلام السّياسي، التي صدرت بعد اندلاع الثورات تحديداً، أنّها لم تكتفِ بدراسة الظّاهرة بوصفها ظاهرة سوسيولوجية منعزلة فحسب، وإنما تشعّبت الدراسات واتّسعت إلى أوسع من ذلك، بحيث شملت رصد وتحليل تأثيراتها وتموّجاتها ومجمل الظروف المحيطة بها، لا سيّما بعد وصولها لمركز صناعة القرار، وكذلك رصد وقراءة العديد من الظّواهر الاجتماعية والسّياسية التي ارتبطت بحدث الاحتجاجات والثورات في العالم العربي.

الإسلام السّياسي بوصفه ظاهرة سوسيولوجية

ففيما يتعلّق بنموذج الدراسات التي ركّزت على ظاهرة صعود الإسلام السّياسي بوصفها ظاهرة سوسيولوجية، يمكن الإشارة إلى ما تضمّنته، على سبيل المثال وليس الحصر، مجلة السّياسة الدولية الفصلية البحثية في عددها 187، يناير 2012، الصادرة عن مركز الدراسات السّياسية والإستراتيجية بمؤسّسة الأهرام، ما تضمّنته من دراسات عبر ملحقها الذي جاء بعنوان «تحوّلات إستراتيجية واتجاهات نظرية».

إنّ ما تضمّنه هذا الملحق من أبحاث سعت إلى الاقتراب من ظاهرة صعود الإسلاميين، في محاولة منه للإجابة عن تساؤل رئيس: هل نحن بصدد «حقبة إسلامية»؟ أم أنّ هذا الصّعود يمكن أن ينتهي إلى مآل آخر يختلف عمّا قد توحي به المشاهد الأولية في اليوم التالي لنجاح تغيير أنظمة الحكم في بعض دول الربيع العربي( )؟

وفي هذا السّياق يعتبر الملحق أن ظاهرة صعود الإسلامين (الانتقال) يمثل بالنسبة لأنصار التيارات الإسلامية فرصة لا ينبغي إهدارها لترسيخ هذا الصّعود، ليصبح حضوراً ثابتاً نسبيًّا، بل وربما، حسبما يطمح البعض، لقيادة عملية تغيير واسعة النطاق في مجتمعاتها باتجاه التفضيلات القيمية لتلك التيارات. كما حاول هذا الملحق قراءة الواقع الذي تبلور في إطاره هذا الصّعود الإسلامي، واستكشاف خريطة القوى الإسلامية، عقب التحوّلات التي سيفرزها هذا الصّعود في أوضاعها ومواقفها، وأخيراً حول المعضلات التي قد تواجه هذا الصّعود.

وقد تضمّن الملحق ستّ أوراق بحثية مهمّة لمناقشة هذه القضية الجوهرية، إضافة إلى مقدّمته التي حاول فيها الأستاذ مالك عوني، محرّر الملحق، تحديد الأسئلة الإشكاليّة التي يثيرها هذا الصّعود الإسلامي، مع التأكيد على أن الرؤى التي يتضمّنها الملحق إنما هي محاولات اقتراب أولية لا تستهدف التوصّل إلى نتائج كليّة أو نهائية، بقدر ما تستهدف فتح المجال أمام دراسات وقراءات أكثر عمقاً وشمولاً.

وافتتح الملحق بورقة للدكتورة نادية محمود مصطفى- أستاذة العلاقات الدولية بجامعة القاهرة- تحت عنوان: «بين فقه الواقع وفقه التاريخ: حالة (الصّعود الإسلامي) في ظلّ الثورات العربية»، حيث حاولت هذه الورقة استجلاء حالة الصّعود وفهمها على ضوء فقه الواقع وفقه التاريخ، لتحديد موقع الصّعود ومآلاته المحتملة، في ظلّ الثورات العربية الراهنة وتداعياتها، فهذا الفهم ضروري لتحديد الأهداف التي يتعيّن على الحركات الإسلامية أن تسعى لتحقيقها في المرحلة المقبلة، وكذا تحديد الأدوار التي يتعيّن أن تلعبها، وما يجب استخلاصه من مبادئ لتنظيم سلوك تلك الحركات على ضوء الأطُر المرجعية المختلفة التي تتوفّر لها.

وحاولت الدكتورة في بحثها تقديم رؤية تجيب عن السؤال الرئيس الذي يواجه الحركات الإسلامية في المرحلة الراهنة، وهو: ما نمط الإصلاح والتجديد المطلوب داخليًّا وخارجيًّا استجابة لتحدّيات اللحظة التاريخية وحتى تصبح الحقبة القادمة إسلامية وطنية حرّة ومستقلة؟

وتجيب الدراسة انطلاقاً من أبعاد رؤية حضارية من منظور فقه حضاريّ إسلاميّ عن آفاق ومتطلّبات التغيير الحضاري المنشود، باعتبار أن الصّعود الإسلامي الراهن بقدر ما يمثّل فرصة للحركات الإسلامية وأحزابها إلا أنه يمثل أيضاً اختباراً ويتطلّب شروطاً. فمرجعية إسلامية للتغيير بعد ثورة لا تقتضي فقه الثوابت فقط، بل فقه التغيير وفقه الفكر، إلى جانب فقه الحركة وفقه إرادة الشعوب مع فقه سلطة الحكم.

إلى جانب تلك الدراسة عرض الدكتور كمال حبيب، الباحث المتخصّص في شؤون الجماعات الإسلامية، تأثير حالة الصّعود تلك على خريطة القوى الإسلامية والتحوّلات التي يمكن أن تشهدها تلك الخريطة جرّاء تغيّر المواقع السّياسية لتلك القوى، وتوجّهاتها إزاء العملية السّياسية، وما قد ينجم عن ذلك من انشقاقات أو نشوء حركات أو أحزاب جديدة تعكس توجّهات جديدة، في مقابل البعض الآخر من تلك القوى الذي استمرّ في الحفاظ على مواقعه وتوجّهاته أنّ الكمّ الهائل من الدراسات حول ظاهرة الإسلام السّياسي، التي برزت منذ بدأ الاحتجاجات في العالم العربي، ونوعيّتها أيضاً، يعطي مؤشّراً إيجابيًّا على أنّ تناول هذه الظاهرة من جوانبها المتعدّدة وتأثيراتها، سيكون أكثر سعةً وشموليّةً وتركيزاً وحيادية من ذي قبل.

وتحت عنوان «الاقتراب الحذر: هل تعيد الحركات الإسلامية الصّاعدة هيكلة الدولة العربية؟»، يعتمد الدكتور أسامة صالح، مدرّس العلوم السّياسية بجامعة القاهرة، على تحليل خطاب تلك القوى والحركات الإسلامية الصّاعدة، في كلٍّ من مصر وتونس، ومقاربته مع منطلقاتها الفكرية، ومع معطيات الواقع المحيطة، للإجابة عن سؤالين محدّدين:

1. هل يمثّل الصّعود الإسلامي إلى الحكم بعد ثورات الربيع العربي مؤشّراً على بدء مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة؟

2. وهل يمكن توقّع نمط استجابة واحد من قبل تلك الحركات تجاه التعاطي مع مفهوم الدولة وشكل نظامها السياسي ومبادئه الحاكمة، في الدول المختلفة التي شهدت صعودها الأخير، أم أنماط استجابة متعدّدة؟.

وقد قدّم الباحث قراءة وصفية تحليليّة للبرامج السّياسية للأحزاب والتيارات الإسلامية وتصوّراتهم لقضايا الدولة والسّلطة والديمقراطية والإصلاحات السّياسية والدستورية ومفاهيم المرجعية والهوية والقيم قبل الثورة وبعدها، متوقّفاً عند طبيعة الفكر السّياسي لكلٍّ من الإخوان المسلمين وحزب النّور في مصر وحركة النهضة في تونس، بالإضافة إلى تصوّراتهم حول قضايا التنمية الاجتماعية والاقتصادية ومواقفهم من الحرّيات الفردية والسّياحة.

ومن جهةٍ أخرى، يحاول الدكتور هشام بشير، الباحث المتخصّص في شؤون الاقتصاد السّياسي، في مقاله المعنون بـ «من التشدّد إلى الاعتدال: رؤية القوى الإسلامية الصّاعدة للمسألة الاقتصادية»، حيث تناول بالتحليل النماذج الثورية الأربع التي صعد فيها الإسلاميّون، مفكّكاً المميزات والخصوصيات السّياسية والاجتماعية لكلٍّ من النموذج التونسي والمصري والنموذج الليبي والمغربي، وقد رصد الباحث مواقف هذه التيارات من السياحة والبنوك وقضايا الاستثمار والعدالة الاجتماعية، كما رصدت الدراسة مميزات الاقتصاد الإسلامي في تصوّر الإسلاميين وطبيعة رؤيتهم لسبل تنزيل مبادئ الاقتصاد الإسلامي على أرض الواقع بوصفه حلاً للأزمات والمشاكل الاقتصادية التي تعانيها دول الربيع العربي.

كما اعتمدت الدراسة في عرضها للموقف من السياحة مثلاً، مقاربة مقارنة لتصوّرات التيارات الإسلامية بخصوص المسألة الاقتصادية، إذ يلاحظ الباحث مثلاً بعد استعراضه لكلٍّ من تصوّرات حركة النهضة التونسية وحزب الحرية والعدالة المصري وحزب العدالة والتنمية المغربي والتيار السلفي المصري، أنّ هذه البرامج والتصوّرات اتفقت على المبدأ، وهو الوعي بأهميّة القطاع السياحي في الدينامية الاقتصادية، وتوفير فرص العمل وجذب الاستثمارات، رغم اختلافها في التفاصيل والآليات والوسائل التنزيلية، لكنه في سياق المقارنة يؤكّد أنه بشأن السياحة نجد التيار السّلفي في مصر هو الأكثر تشدّداً، وإن كانت هناك اتجاهات بداخله تحاول التخفيف من حدّة خطابه وموقفه، في حين أن النهضة في تونس والعدالة والتنمية في المغرب قد اتّخذا موقفاً براجماتيًّا عمليًّا.

ويناقش كلٌّ من: الدكتورة ولاء البحيري، مدرّس العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والأستاذ أبو الفضل الإسناوي، الباحث المتخصّص في شؤون الجماعات الإسلامية، الانعكاسات المحتملة لصعود تلك التيارات الإسلامية على السّياسة الخارجية لدولها، وكذا على التفاعلات الإقليمية، في دراستهما بعنوان: الجغرافيا المحيّرة: كيف تفكّر التيارات الإسلامية في معضلة الإطار الإقليمي؟.

فقد شهدت المنطقة العربية صعود التيارات الإسلامية بشكلٍ لافت للنظر، وغير مسبوق على صعيد المشاركة في عملية صنع القرار، بعد ثورات الربيع العربي، إذ صعدت في خضمّها تيارات عدّة، منها: تيار الإخوان المسلمين، والتيار السّلفي بمصر، وحزب النهضة في تونس، والإخوان المسلمون في ليبيا، وحزب العدالة والتنمية في المغرب.

وقد سعت الدراسة إلى استجلاء تأثير صعود الحركات الإسلامية في السّياسات الخارجية لدولها، وفي التفاعلات الإقليمية، مع محاولة استكشاف آلياتها في التعامل مع المشكلات القائمة في المنطقة، وذلك من خلال رصد وتحليل برامجهم التأسيسية والانتخابية؛ لكي يعمّق بحثه في تصوّرات القوى الإسلامية للإقليم ومفهومه وحجم هذه الرؤية، وأنماط التفاعل المتصوّرة مع قضايا الإقليم، من خلال قضايا محدّدة بعينها، حصرها في الموقف من القضية الفلسطين ية وقضية أمن الخليج وقضايا التكامل العربي والإسلامي والعلاقة مع الخارج.

ويختتم الملحق بمقال تحت عنوان «حقبة اللايقين: معضلات بناء نموذج إسلاميّ بعد الثورات العربية»، الذي أعدّه الأستاذ سعيد عكاشة، الباحث المشارك بمركز الدراسات السّياسية والإستراتيجية في مؤسّسة الأهرام، لتقديم رؤية عامّة للعقبات والتحدّيات التي قد يواجهها هذا الصّعود الإسلامي.

إذ ترى الدراسة بأنه لم يفاجئ الصّعود الكبير لقوى الإسلام السّياسي في العالم العربي، بعد الثورات التي وقعت منذ أواخر عام 2010 الكثير من المحلّلين والمراقبين. فالأمر ببساطة، لدى البعض منهم على الأقلّ، كان متوقّعاً، في ظلّ فشل النظم والأفكار «شبه العلمانية» التي حكمت أغلب البلدان العربية بعد الحرب العالمية الثانية، في تحقيق التنمية الاقتصادية-الاجتماعية، والحفاظ على الأمن والسّيادة الوطنيين من التدخّلات الأجنبية( ).

وهناك كمٌّ هائلٌ من المقالات العلميّة والكتب التي صدرت بعد الاحتجاجات العربيّة، والتي حَاولت أن تُفَسِّر الظاهرة الاحتجاجية والتنبؤ بموقع الحَركات الإسلاميّة بعد الرّبيع، ككتاب «الإسلاميّون والربيع العربي: الصّعود.. التحدّيات.. تدبير الحكم»، للدكتور بلال التليدي، الذي نشره مركز نماء للبحوث والدراسات في فبراير (شباط) 2012 م.

ففي مقدّمته، يُشير مدير مركز نماء للبحوث والدراسات، بعد أن سجّل - التليدي- تباين الرّؤى حول الاحتجاجات، أدار النِّقاش حول بُروز الإسلاميين، مُتَسائلاً عن العوامل التي أدّت إليه، فهل يَرجع ذلك لسِمات يفتقدها غيرهم، أم مَردّه للسيّاق الدّولي الذي ساهم في إدماجهم والتمكين لهم، أم السِّر يكمن في قُدرة الإسلاميّين على استغلال اللّحظة الثّورية وتحويلها لمادة للمكسب سياسي؟..

كما قدّم الكتاب مواقف الحركات الإسلامية من الرّبيع العربي، مُستحضرًا تراتبيّة الثّورات وتأثيرها على بعضها، فالثورة التونسيّة قدّمت مادة مهمّة للثّورات المصريّة واليمنيّة والليبيّة، كما منحت احتجاجات20 فبراير (شباط) المغربيّة مادّة لتوجيه رسائل سياسيّة، وقد استغلّتها الحركات الإسلاميّة أحسن استغلال( ).

وفي ورقته العلميّة يقدّم الدكتور ميلاد مفتاح الحراثى، الأستاذ بقسم العلوم السّياسية في كليّة الاقتصاد بجامعة بنغازي، يقدّم فيها قراءة تحليلية من منظور معاصر، لتفكيك ألغاز الإسلام السّياسي، إذ يرى أن تسييس حركات الإسلام السّياسي وانخراطها في العمل العام وفق ما تسمح به ظروف الدول التي تنشط فيها، وإن كان قد منح لبعض حركات الإسلام السّياسي فرصة الولوج إلى السّلطة والمشاركة في الحكم، بأقدار متفاوتة، إلا أنها كشفت فيما بعد عن أزمة حقيقية تعيشها حركات الإسلام السّياسي، تتعلّق ابتداءً بالبرنامج العام الذي يكتنفه الغموض، وتحيط به الشّكوك وعلامات التعجّب، وطبيعة إجاباتها عن قضايا العصر، مثل: الحرية، وفصل الدين عن السياسة، وتوطين معالم الحضارة الغربية، وكيفية التعامل مع الحداثة، وقضايا المرأة، وشكل الدولة، وموضوع تطبيق الشريعة، ومعضلة وولاية الفقيه، وحاكمية الله.

ويضيف الدكتور الحراثي، إنه من المآخذ الكبرى على حركات الإسلام السّياسي، أنها تتعامل مع الديمقراطية من منطلق برغماتي لا يدلّ على التزام حقيقي بالقيم الملازمة للديمقراطية الليبرالية أو قبول نتائجها، وإن كانت بعضها قد قطعت خلال العشرية الأخيرة خطوات مهمّة على صعيد التكيّف مع الديمقراطية، والقبول بآلياتها المتعلقة بطريقة الوصول إلى السّلطة، وإمكانية تداولها سلميًّا، والصّعود لحركات الإسلام السّياسي في مصر وتونس والمغرب وليبيا، مؤشّرات لا ينبغي تجاوزها( ).

الظواهر المرتبطة بالثورات الشعبية

أمّا فيما يتعلّق بالأبحاث التي ركّزت على بعض الظواهر الاجتماعية والسّياسية المرتبطة بحدث الاحتجاجات الشعبية في العالم العربي، فهي أيضاً ليست قليلة. ويمكن اللجوء إلى ملحق المجلة الآنفة الذّكر، الذي يهتمّ بدراسة الاتجاهات النظرية في الوضع الدولي الرّاهن والتحوّلات الجارية في الوطن العربي، مستنداً على أطُر ومقاربات منهجية جديدة، ومفكّكاً أهمّ ملامح المشهد الثوري الراهن، حيث ركّزت قضية هذا الملحق على تحوّلات الشّارع وتفاعلاته مع الدولة، وأهمّ الظواهر التي نتجت عن تغيّر الشارع العربي وتطور تأثيراته وظهور قوى اجتماعية جديدة مؤثرة. هذا ما يحاول التقرير تقديمه بنوعٍ من التركيب التحليلي لأهمّ الدراسات والأبحاث المنجزة ضمن الملحق.

ومن بين تلك الدراسات ما قدّمته رانيا مكرم، الباحثة في وحدة دراسات الرأي العام بمركز الأهرام للدراسات، عن الرأي العام بوصفه أحد المظاهر المعبّرة عن الشارع العربي، بغية دراسته وتحليل اتجاهاته لفهم مسار تطور الأوضاع في الدول التي تمرّ بمراحل انتقالية. وبعد أن ساقت الباحثة العديد من تعاريف ومقوّمات الرأي العام، معرّجة على تطوّر المفهوم التاريخي، خلصت إلى أن جُلّ التعاريف تدور في أغلبها حول فكرة عريضة، مفادها أنّ الرأي العام عبارة عن حكم صادر عن أغلبية في مجتمعٍ مّا، إزاء مسألة تثير اهتمامه. كما حدّدت خمسة مقوّمات يتحتّم وجودها كشرط لوجود ما يمكن تسميته بالرأي العام، وهي:

- المقوّم الأوّل يتمثّل في وجود قضية مهمّة ومؤثّرة محلّ اهتمام الجماهير.

- المقوّم الثاني يتجلّى في وجود زمن محدّد، فكلّ حقبة زمنية لها ظروفها الاقتصادية والسّياسية والاجتماعية التي تؤثّر في طبيعة الرأي العام السّائد.

- المقوّم الثالث يتعلّق بعلانية النقاش العمومي، فهو من أهمّ سُبُل تكوين رأي عام تجاه قضية معيّنة.

- المقوّم الرابع ينصرف إلى وجود رأي سائد للأغلبية.

- المقوّم الخامس يرتبط بوجود رأي عام يسعى لتحقيق المصلحة العامّة، أي مصلحة مجتمعية لا نخبوية.

وعالج هذا البحث، الرأي العام باعتباره من أكثر الطرق انضباطاً من حيث تحليلها لتوجّهات الشّعوب، ولكنها الأقلّ تأصيلاً من النّاحية النظرية، خاصّة في الأدبيات العربية.

كما حلّلَ أساليب قياس الرأي العام، وأيّها أكثر ملاءمة لقياس الرأي العام في المراحل الانتقالية، كما ناقش أنماط تأثير الرأي العام في السّياسات الداخلية والخارجية للدول، ومدى تأثّره بالعوامل الدينية. إذ يُعَدّ العامل الديني من أكثر العوامل المؤثرة في الرأي العام إثارة للجدل في المرحلة الحالية، خاصّة مع ما كشفت عنه نتائج الانتخابات في كلٍّ من مصر وتونس، من صعود التيارات الدينية، مما يطرح أسئلة خاصّة بقدرة الجماعات الدينية على توجيه الرأي العام والتأثير فيه.

وتحاول الورقة التي جاءت بعنوان «المحتجّون: كيف تؤثّر المظاهرات والاعتصامات في سياسات الدّول؟، للباحث في العلوم السّياسية، أشرف عبد العزيز عبد القادر، تحاول تحليل المظاهرات بأنواعها والاعتصامات، باعتبارها معبّراً عن جزء من الشارع، خاصّة في الدول التي تمرّ بمراحل انتقالية، مثل مصر وتونس وليبيا، وتحليل تأثيرها في السّياسات الداخلية والخارجية للدول.

في مناقشة لدور المحتجّين كقوّة مؤثّرة في الشارع، تعبّر عن نفسها من خلال المظاهرات والاعتصامات، حيث تُعَدّ هذه الظاهرة أحد المداخل التقليدية في تحليل «المزاج السّياسي» للشارع، والأكثر انتشاراً في دول الربيع العربي، ولكنها الأقلّ انضباطاً في دراستها، خاصّة في الأدبيات العربية.

ويناقش الباحث تكتيكات واستراتيجيات الاحتجاج، وما طرأ عليها من تطوّر، في ضوء الثّورات التي شهدتها المنطقة العربية، كما يناقش المداخل المختلفة لتحليل تأثيرها في سياسات الدول. وقد انتهى إلى أنه عند تحليل تأثير المظاهرات والاعتصامات في السياسة الخارجية، لا بُدّ من التمييز بين الخطوط الأساسية للسياسة الخارجية، واتخاذ القرار في مجال معيّن لتلك السّياسة.

فقد كشفت التحوّلات الأخيرة التي شهدتها الدول العربية عن نوع جديد من التكلفة المترتبة على عدم الاستجابة، وهو قابلية تحوّل المظاهرات والاعتصامات إلى ثورات كاملة، حين تتحوّل مطالب المتظاهرين من المطالبة بالتغيير، في إطار النظام القائم، إلى المطالبة بتغيير النظام كاملاً، بسبب رفض النظام التغيير الجزئي الذي يطالب به المتظاهرون.

ويختم الباحث دراسته بأنه على الرّغم من أن سلوك التظاهر والاعتصام يُعَدّ من الإنجازات الحقيقية للثورات العربية، حيث أتاحت للمواطن العادي البسيط فرصة للتعبير عن مطالبه وآرائه، فإنّ مستقبل المظاهرات والاعتصامات بالنسبة لمصر وللمنطقة العربية يحمل تخوّفين رئيسين، في نظره:

ينصرف التخوّف الأول إلى التخوّف من أن يصبح هذا السلوك ظاهرة متأصّلة ومستمرّة في الشارع المصري والعربي، على نحو قد يعطّل مسيرة «التحوّل الديمقراطي» التي تشهدها بعض هذه الدول، وهو ما قد يؤثّر بالسلب في هيبة الدولة وأجهزتها المختلفة. ويزيد من تلك المخاوف أن المظاهرات والاعتصامات في مرحلة ما بعد الثورات باتت تتّسم بطابعين سلبيين، هما: الطابع الفئوي، والانقسام بين ثنائية التأييد والرفض.

ويتعلّق التخوّف الثاني باحتمالات استغلال بعض التيارات الإسلامية، ذات الشعبية الكبيرة، هذه الظاهرة لتحقيق مكاسب سياسية خاصّة بها، لا سيّما وأن الفترة القليلة الماضية عكست إلى حدٍّ ما قدرة هذه التيارات على توظيف التظاهر والاعتصام، على النحو الذي يخدم مصالحها الخاصّة في المقام الأول.

وفي دراستها حول نموذج اللاحركات الاجتماعية في تحليل سياسات الشارع، تحاول الباحثة رضوى عمّار، تحليل القوى الزاحفة غير المنظّمة، التي تحتشد تلقائياً، أو تتبع سلوكاً مّا بصورة تلقائية وغير منظمة لإحداث تغيير، ويناقش نموذج اللاحركات الاجتماعية Social Non-Movements، الذي طوّره «آصف بيات» كمدخل لدراسة هذه القوى، حيث يُعَدّ هذا النموذج إحدى المحاولات الجادّة لدراسة وتحليل توجّهات الشارع، ولكنه الأقلّ اختباراً في تحليل وتفسير حالة الحِراك التي تشهدها دول الربيع العربي، مشيرة إلى أنّ نظريات الحركات الاجتماعية تعكس خبرات المجتمعات الغربية بشكل رئيس.

وتعتمد على مقاربة «آصف بيات» لتعريف مفهوم اللاحركات الاجتماعية، التي يقصد بها تلك الأنشطة الجماعية التي يقوم بها فاعلون غير جمعيّين non-collective actors.

ويمكن تحديد أربع سمات رئيسة لها:

أ - تتمثّل السّمة الأولى في أنها عبارة عن ممارسات يشترك في القيام بها أعداد كبيرة من البشر العاديين دون اتفاق فيما بينهم.

ب - وتتعلّق السّمة الثانية بأنه ينتج عن تشابه ممارساتهم تغييراً اجتماعيًّا مّا.

ج - وتنصرف السّمة الثالثة إلى أنه نادراً ما يتحكّم في أنشطتهم أيديولوجية معيّنة.

د - وتتعلّق السّمة الرابعة بأنه عادة لا تكون هناك قيادات أو منظّمات معروفة، فهؤلاء الفاعلون يعملون بصورة تلقائية، ويبدأ تحركهم بردّ فعل فردي يتّسم بالعفوية في تعاطيه مع متغيّرات الواقع.

وتجادل رضوى عمّار، الباحثة في العلوم السّياسية، في هذا القسم، بأنّ التأثير الرئيس لهذه الظاهرة لا يمسّ الدول التي تشهدها، بقدر ما يمسّ سياسات الدول الأخرى التي تتعامل معها، التي تنزع إلى الاعتماد أكثر على الدبلوماسية الشعبية لحماية مصالحها في الدولة التي تشهد هذه الظاهرة. وترى الدراسة أنه في مرحلة ما بعد الثورات التي تمرّ بها دول، مثل: تونس ومصر وليبيا، لم تنتهِ حالة الحراك المجتمعي Social Struggles، فلا تزال هناك مطالب قديمة، وأخرى جديدة بحاجة إلى التفاوض حول كيفية حلّها.

وجزء من هذا الحراك يمكن فهمه من خلال مدخل اللاحركات الإجتماعية. إذ يمكن القول بأن اللاحركات الاجتماعية تستطيع تقويض أركان نظام دولةٍ مّا، لكن تظلّ قدراتها على بناء نظام جديد غائبة، ما لم تتحوّل إلى حركات اجتماعية فاعلة في المجتمع. فنشاط اللا حركات كتهديد لأيّ قواعد في المجتمع، وتظلّ حدود قدرتها على التأثير مرتبطة بقدرتها على التحوّل إلى حركات، لها هيكل منظّم، وبرنامج واضح، يحدّد أهدافها وآلياتها.

بينما تناقش دراسة الدكتورة أمل حمادة، القوى التي تتحدّى السّلطة، والتي أصبحت جزءاً مهمًّا من الشارع في دول الربيع العربي. وأهميّة هذه الظاهرة مرتبطة بأنّ القوى التي تتحدّى السّلطة لم تعد قوى خارجة على القانون، اعتادت أعمال النّهب أو السّرقة، بل هي قوى معروفة بانضباطها، ولكنّها رأت في تحدّي السّلطة مدخلاً لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والشارع.

وتتطرّق في هذا الجزء د. أمل حمادة، أستاذ العلوم السّياسية بكليّة الاقتصاد والعلوم السّياسية بجامعة القاهرة، حالة الألتراس في مصر كمعبّر عن هذه القوى. وتجادل بأن الألتراس يلعب دوراً مهمًّا خلال المرحلة الحالية في إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والشارع في مصر، ولكن لا ينبغي أن نبالغ في الحديث عن تحوّله إلى قوّة سياسية؛ لأنه غير قادر على تقديم بدائل بنّاءة لرسم العلاقات الجديدة بين الدولة والشارع.

وتدرس الباحثة جماعات الألتراس كحركات اجتماعية، قد تحتفظ بالعديد من الأنماط من العلاقة بين الدولة وسياسات الشارع، مع ملاحظة أن نمط الصّدام والصّراع هو النمط المميّز لعلاقاتها مع الدولة، خلال الفترة الحالية، خاصة في حالة مصر التي ركّزت عليها الورقة. إذ تشير إلى أن مفهوم الألترا (Ultra) إلى الشيء الفائق والزائد عن الحدّ، وكان تقليديًّا يوظّف لوصف مناصري قضية معيّنة بشكل يفوق ولاء أصحاب القضية الأصليين لها، ثم انتقل المفهوم إلى مجال الرياضة، حيث استعمل لوصف مشجّعي نادٍ معيّن.

ونميزّ في هذا الإطار بين الألترا والألتراس (Ultra and Ultras)، حيث إنّ الألتراس كمفهوم، يستعمل في الأدبيات لوصف جماعات المشجّعين المتشدّدين الذين تقترب أطُرهم الفكرية والحركية من الحركات الفاشية التي ظهرت وسادت في أوروبا في القرن العشرين.

وبعد أن عرّج البحث على تاريخ ظهور الألتراس في أوروبا وأهمّ السّمات والخصائص التي تتصف بها هذه الجماعات، توقفت عند النموذج المصري وسياقه السّياسي متسائلة عن الدور السّياسي الممكن أن يلعبه الألتراس، لتخلص بأنّ جماعات الألتراس، بحكم تكوينها وقناعاتها الفلسفية، يمكنها هدم الأطُر القديمة على المستوي الفكريّ، وتقديم نوع من الحماية للفئات الأضعف في مواجهاتها مع قوات الأمن، ولكنها غير قادرة على تقديم بدائل بنّاءة لرسم العلاقات الجديدة بين الدولة والشارع.

وبالتالي، قد لا تكون قادرة على التحوّل إلى قوّة سياسية، ولكنّها قد تكون مفيدة لقوى سياسية موجودة، أو في طور التكوين، كما تستطيع استيعاب المطالب السّياسية والاقتصادية والاجتماعية للشارع، والتعبير عنها بشكل حقيقي.

في حين تناول الباحث أحمد محمد أبو زيد، ظاهرة البلطجية كقوّة فاعلة في الشارع، لم يعد بالإمكان تجاهل وجودها في الدول التي تمرّ بمراحل انتقالية بعد سقوط النظم فيها، وانتشار حالة من الفوضى الأمنية بها. حيث يناقش أحمد أبو زيد، الباحث في العلوم السّياسية، الخصائص العامّة المميّزة لظاهرة البلطجة، والقوى الرئيسة المحرّكة لها، وتأثيراتها في الحياة السّياسية والأوضاع الأمنية، مع الاهتمام بالحالة المصرية، باعتبارها الحالة التي تطوّرت فيها أعمال البلطجة بصورة ملحوظة بعد سقوط نظام الرئيس السابق حسني مبارك.

فقد صاحب الحالة الثورية العربية تزايد انتشار ظاهرة البلطجة Thuggery، حتى أصبحت جزءاً لا يتجزّأ من سياسات الشارع العربي. وقد تنوّعت أسماء هذه الظاهرة من دولة لأخرى. فعلى سبيل المثال، أطلق عليها النظام في مصر اسم «البلطجية». ومع تزايد الاحتجاجات في سورية، تردّد اسم «الشّبيحة» ليعبّر عن جماعات مسلّحة معروف انتماؤها لطائفة معيّنة، هي الطائفة العلوية، تقوم بمهاجمة منظّمة للمتظاهرين السّوريين. كما تعرف هذه الجماعات في اليمن باسم ««البلاطجة».

تؤكّد الورقة بأن حالة ضعف الدولة في مراحل ما بعد الثورات، التي تمرّ بها بعض الدول العربية، أدّت إلى تطوّر هذه الظاهرة، وتكشّفت عنها أبعاد لم تكن معروفة من قبل. حيث حاولت الدراسة تحليل الأبعاد المختلفة لظاهرة البلطجة في فترات ما بعد الثورات في المنطقة العربية، مناقشة المقصود بظاهرة البلطجة وأسبابها، ومداخل دراستها، وأبعاد تطوّرها، مع التركيز على الحالة المصرية.

وتختم الورقة خلاصتها في كون السبب الرئيس وراء تزايد أعداد البلطجية في المراحل الانتقالية، واتّساعها في الشارع المصري خاصّة والعربي عامّة، يرجع بالأساس إلى ضعف الدولة ومؤسّساتها الرسمية، وسيادة قيم عدم احترام القانون، وتآكل هيبة الدولة، وغلبة الشّعور بالاستبعاد الاجتماعي على الشعور بالاندماج في المجتمع.

فظاهرة البلطجة هي نتيجة حتميّة لما يعرف في أدبيات التنمية الدولية بالدولة الرخوة، التي تعني الدولة التي تصدّر القوانين ولا تطبقها، ليس فقط لما فيها من ثغرات، ولكن لأنه لا أحد يحترم القانون. لتعود لتؤكّد من جديد بأن استمرار أوضاع عدم الاستقرار والاضطراب المجتمعيّ في مصر وغيرها من الدول العربية، التي تمرّ بمراحل مشابهة، سَيُسْهِم في استمرار هذه الظاهرة وتوسّعها، على نحوٍ قد يهدّد الأمن القومي للدولة، وربما الوجود المادّي للدولة ذاتها.

وقد تتطوّر جماعات البلطجة في المستقبل من كونها جماعة من المجرمين والمسجلين خطراً إلى جماعات وأمراء حروب Warlords، أو إلى عصابات جريمة منظمةOrganized Crime Gangs ، لديهم من القدرات والإمكانات التسليحية ما قد يؤهّلهم لمواجهة الدولة، وربما لهزيمتها. وهذا التطوّر قد ينقل الصراع بين البلطجية والدولة إلى مستوى أكثر تعقيداً. فهذه الجماعات لم تعد تسعى إلى فرض سطوتها على الشارع فقط، وإنما على الدولة ذاتها.كما قد يتحوّل البلطجية إلى فاعل رئيس في المجتمع، وفي العملية السّياسية، بصورة قد تصل معها لأن يكونوا خصماً للدولة ذاتها.

ويعرض القسم الأخير من الملحق وجهتي نظر، إحداهما أكاديمية، وأخرى عملية، حول تأثير الاهتمام بالشارع في مجال العلوم السّياسية، وفي عملية صنع القرار. حيث تناقش الدكتورة هبة رؤوف، أستاذة العلوم السّياسية بكليّة الاقتصاد والعلوم السّياسية بجامعة القاهرة، من وجهة نظر أكاديمية، كيفية تأثير تزايد أهميّة الشّارع في دارسات المجال العام، من حيث القوى المؤثرة فيه، ونوع القضايا التي تتمّ مناقشتها، واستراتيجيات وأدوات عمل تلك القوى. وتجادل بأنه ترتّب على هذا التأثير تحوّل مستمرّ ومتداخل الأبعاد في المجال العام، على مستوى الذات الفاعلة فيه، وعلى مستوى مساحات المجال العام، وعلى مستوى عنصر الزمن.

كما يناقش السفير الدكتور هاني خلاف، مساعد وزير الخارجية الأسبق للشؤون العربية، كيفية تأثير تزايد أهميّة الشارع في عملية صنع قرار السّياسة الخارجية في الدول العربية، وفي علاقاتها الخارجية بصفة عامّة. ويجادل بأن قدرة الشارع على التأثير في قضايا السّياسة الخارجية لا تزال محدودة، وأن هناك خمسة عوامل ستزيد من قدرة الشارع على التأثير في قضايا السّياسة الخارجية، منها:

- تزايد أهميّة المؤسّسات البرلمانية المنتخبة في عملية صنع القرار.

- تزايد أعداد الشباب المتعلّم في أجهزة صنع قرار السّياسة الخارجية.

- تزايد قوّة التيارات الإسلامية في الحياة السّياسية داخل البلدان العربية( ).

يتّضح مما سبق، أنّ الدراسات التي اهتمّت بظاهرة صعود الإسلام السّياسي، وكذلك حدث اندلاع ثورات واحتجاجات الربيع العربي، أنها اتّجهت إلى منحيين رئيسين، شكّلا محور الاهتمام بشكلٍ أكبر:

المنحى الأول، حاول أن يقرأ ظاهرة صعود الإسلام السّياسي الجديد وتأثيراتها بصورة تحليلية أكثر عمقاً وشموليةً ، أي بوصفها ظاهرة سوسيولوجية متعدّدة الأبعاد. والمنحى الثاني، حاول تعرّف ماهيّة حدث الاحتجاجات والثورات التي اندلعت، وكذلك الظواهر المرتبطة به.

ويمكن الخلوص إلى أن هذا المنحى المركّز من الأبحاث الجادّة، سيساهم بلا شكّ في التعريف بصورة أكبر على ظاهرة صعود الإسلام السّياسي الجديد في سياقاته الاجتماعية والسّياسية، وكذلك معرفة الكثير من الظواهر المرتبطة بهذا الصّعود وانعكاساته المختلفة حاضراً ومستقبلاً. كما سيساعد أيضاً في قراءة الحدث، الذي أفرز تلك الظاهرة، بصورة أكثر عمقاً وشمولية.

إنّ استحضار تلك النماذج من الدراسات، التي تمّ إيرادها كمؤشّر على هذين المنحيين، لا يعني بكلّ تأكيد أنّ كلّ الدراسات التي كتبت حول ظاهرة الربيع العربي وما يرتبط بها، مختزلة في هذين المنحيين فقط. فإلى جانب تلك الدراسات، هناك دراسات أخرى عديدة ناقشت ظاهرتي صعود الإسلام السّياسي، واندلاع الثورات والاحتجاجات في العالم العربي، من زوايا أخرى لا تقلّ أهميّة عن تلك الزوايا التي تم استعراضها آنفاً.

بقي أن نشير إلى أن علم الاجتماع الديني، وهو أحد فروع علم الاجتماع العام، هو الحقل العلمي المعني بشكل مباشر بدراسة الظّواهر الدينية وتقصّي وتحليل آثارها وتيّاراتها السّائدة في المجتمعات الإنسانية على اختلاف العصور والبيئات الاجتماعية، وبالتالي هو معنيٌّ بدراسة «ظاهرة صعود الإسلام السّياسي».

كما أنّ علم الاجتماع السّياسي، وهو الآخر أحد فروع علم الاجتماع العام أيضاً، هو الحقل العلمي المعني بشكل مباشر بدارسة «ظاهرة الاحتجاجات والثورات»، في سياقاتها المختلفة، مضافاً إلى اهتمامه بظواهر سياسية أخرى كبنية السلطة السّياسية، وتطوّر أنظمة الحكم، وسائر الظواهر السّياسية ضمن محيطها الاجتماعي.

الحادي عشر: الاطار المفاهيمي والمعرفي للدراسة

غالباً ما تكون المفاهيم، خصوصاً المرتبطة بالحقل السّياسي، عرضةً للتبدّل والتطور السريع. فالأحداث والمتغيرات السّياسية المتسارعة، وما تفرزه من متغيرات كبرى، مضافاً إلى تطوّر وسائل الصراع وأساليبه وأدواته، كلّها تؤثّر على المفاهيم ودلالاتها، وتضفي عليها ظلال التجربة البشرية وتخضعها لمقتضياتها غالباً، وقد يصل الأمر إلى حدوث تغييرات جوهرية في المحتوى المعرفي لتلك المفاهيم، استجابةً لمتغيرات الواقع ومتطلباته. من أمثلة ذلك: مفهوم الدولة، والسيادة، والمجتمع، والحدود، والقوة، وغيرها من المفاهيم الأخرى التي طرأ عليها التغيير والتطوّر مع مرور الزمن.

بَيْدَ أن تأثير الأحداث والمتغيرات الإجتماعية والاقتصادية الكبيرة، لا يتوقّف عند حدود إضفاء تغييرات شكلية أو جوهرية في المفاهيم أو تغييرات طفيفة أو عميقة في معانيها ودلالتها، وإنما هناك العديد من المفاهيم السّياسية الجديدة، هي وليدة لتلك الأحداث والتطورات والتغيرات التي شهدها العالم، كمفهوم العولمة مثالاً.

وحيث إنّنا سنوظّف عدداً من المصطلحات والمفاهيم، المرتبطة بالإطار المعرفي والمفاهيمي لموضوع الدراسة وفرضياتها، التي ستكرّر دائماً في ثنايا البحث، لذا سنحدّد ونوضّح معاني تلك المفاهيم بدقة، بشيء من الايضاح، بما يتناسب مع مقتضيات الحاضر وظروفه الراهنة، لتوصيف الأحداث كما هي، وتحليلها، ووضعها في سياقاتها الصحيحة قدر الإمكان، ولكي لا تختلط المفاهيم وتشوّه الأفكار أيضاً، ومن ثم يلفّها الغموض والإبهام. ويمكن اجمال المفاهيم والمصطلحات فيما يلي:

الربيع العربي

تتباين الآراء حول مصدر مصطلح «الربيع العربي»، فمنهم من نسبه إلى الفيلسوف الأمريكي (جورج سنتيانا)، الذي توفي عام 1952م، وكان يقصد منه التحرّر من قيود حياة غير محبوبة، أو عمل غير مرغوب فيه إلى حياة وعمل أفضل. وآخرون نسبوه إلى كبار صنّاع القرار السّياسي الأمريكي لأغراضٍ وغايات سياسية، كما يذهب الكاتب نايف علوش، إذ يقول: «وقد ظهر هذا المصطلح، لأوّل مرّة، على لسان كبار صنّاع القرار السّياسي الأمريكي، على إثر الانتفاضات الشعبية، التي جرت على الساحة العربية، والتي أطاحت ببعض رموز النظام السّياسي العربي الرّاهن.

وقد تمّ تداوله، أي المصطلح، في معرض وصفهم للتغيرات الجارية على الساحة العربية، التي تعكس تغيّراً واضحاً في موقف الإدارة الأمريكية، من حلفائهم بالأمس الذين أطاحت بهم الانتفاضة الشعبية بتخلّيهم عنهم، ومسايرتهم بشكل جليّ للوضع الجديد.

لذلك فإنّ مبادرة مراكز صنع القرار الأمريكية، لإطلاق وصف الربيع، كعنوان برّاق على حركة التغيير الجارية في الأقطار العربية، يكتنفه الشك والريبة، ليس فقط لأن الإدارات الأمريكية بسياساتها الامبريالية، هي التي حكمت على العرب بأن يعيشوا في شتاءٍ دام سباتهم فيه طويلاً، وذلك من خلال دعمها للأنظمة المستبدّة، طيلة العقود الماضية، بل لأنّ ترسيخها لحالة التجزئة، والتمادي في تشظية الكيان القُطْري، وبشكلٍ مقصود، إلى كانتونات معزولة عن بعضها بعضاً، والتزامها المطلق ضمان تفوّق الكيان الصهيوني على العرب، وضمان أمنه، يلقي بظلال الشّك على مصداقية الطرح الأمريكي، مما يعطي الانطباع للرأي العام في الشارع العربي، بأنّ الربيع العربي المتطلّع إلى نقيض الحال الراهن، بموبقاته المزمنة كلّها، يؤرّق الإستراتيجيات الدولية، التي ترى ربيعها الحقيقي، في ديمومة شقاء الحال العربي على ما هو عليه من واقع منهك، والذي قد تكون الفوضى الخلاقة بديله المقترح في المرحلة القادمة ( ).

وتجدر الإشارة إلى أن عام 2011 م، كان البداية الفعلية لاندلاع سلسلة الثورات في العالم العربي، بدأ من الثورة التونسية التي كان الشاب البوعزيزي فتيلها. منذ ذلك العام أصبح هذا المصطلح محلّ تداول على نطاق واسع عبر وسائل الإعلام وعلى ألسنة السّاسة والباحثين والكتّاب، للتعبير عن العصر الجديد الذي دخله العالم العربي، إبّان انتشار الثورات والاحتجاجات الشعبية، التي أطاحت بأعتى رؤوس الأنظمة السّياسية الدكتاتورية في العديد من الأقطار العربية.

فاصطلاح الربيع العربي، الذي أصبح محلّ جدل لكثيرين، ولا يزال، وبغضّ النظر عن مصدره، صار تعبيرًا مجازيًّا عن حقبة زمنية جديدة بدأ يعيشها العالم العربي، بسبب زلزال الثورات والاحتجاجات التي اجتاحته وعصفت به. ومن غير المستبعد أن تضع هذه الثورات حدّاً أو فاصلاً نوعيًّا بينها وبين الماضي الأليم، ومن ثم تقود العرب، إذا ما أحسنوا استغلال الفرصة واستثمارها، إلى الانتقال لعصر الحرية والأمان والرفاه والتقدّم، من خلال إقامة أنظمة سياسية تُعزّز الشراكة السّياسية وقيم الديمقراطية، التي بدورها يمكن أن تحقّق لهم ما عجزت عن تحقيقه النظم الاستبدادية الشمولية البائدة، التي ثاروا ضدّها.

مفهوم الثورة

وبما أنّ الثورة تعني مجمل الأفعال والأحداث الشعبية الواسعة، التي تؤدّي إلى قطيعة بين منظومة قديمة ومنظومة حديثة، وتقود إلى تحوّلات كبرى وواسعة وتغييرات جذرية وعميقة، في الواقع السّياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وينتج عنها إعادة توزيع لموازين ومصادر القوّة في المجتمع، لذا سوف يُستَعْمَلُ مصطلح «الثورة» لوصف حركة الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي حدثت في المنطقة العربية، سواءً التي أطاحت ببعض الأنظمة السّياسية المستبدّة في المنطقة، كالنظام التونسي والمصري والليبي، أو تلك الاحتجاجات التي لم تتمكّن بَعْدُ من إسقاط الأنظمة الأخرى، كما هو الحال في أكثر من بلدٍ عربي آخر.

كما سيتمّ توصيف كلّ شكلٍ من أشكال الحراك الذي حدث في أيّ قطرٍ من أقطار المنطقة العربية ولا زال، بتوصيفاته الخاصّة التي تنسجم معه وتعبّر عن خصوصيته، وذلك مراعاة للدّقة العلمية في التوصيف، فما جرى أو يجري في عموم الأقطار العربية أو الخليجية مجتمعة، لا يمكن وصفه بكلّ تأكيد بـ « الثورة»، كما سيتبيّن لاحقاً.

ثورات الربيع العربي

يُقصد بها تلك الاحتجاجات والتظاهرات والانتفاضات الشعبية السلمية الواسعة، التي بدأت شرارتها من تونس2010 م، وفي مدينة سيدي بوزيد تحديدًا، بعد أن أضرم الشاب التونسي محمد بوعزيزي النّار في نفسه احتجاجاً على الوضع القائم، وسرعان ما انتقلت تلك الشرارة إلى العديد من الأقطار العربية كمصر وليبيا واليمن والبحرين وسورية وغيرها.

وقد اندلعت تلك الثورات نتيجة لأسباب وعوامل داخلية قديمة تراكمت مع مرور الزمن، مما أدّى إلى احتقان الشارع لدرجة كبيرة جدًّا، وبمجرّد أن حانت الفرصة الملائمة للانفجار حدث الانفجار الهائل ووصل صداه إلى العالم كلّه.

كما أن تلك الثورات والاحتجاجات لا تنحصر مهمّتها في استهداف إسقاط النظم السّياسية القمعية القائمة فقط، وإنما تسعى إلى أنْ تستبدل بها نُظماً ديمقراطية تحقّق ما عجزت عن تحقيقه تلك النظم الفاشلة، لتطوي بذلك صفحة الماضي المرير، وتفتح صفحة جديدة تسعى من خلالها إلى بناء تاريخها السّياسي، عبر الشراكة الشعبية الواسعة، وهذه هي الغاية القصوى من الثورات العربية التي حدثت، كما يمكن اعتبار عملية إسقاط النظم القائمة، هي كالخطوة الأولى في المشوار الطويل والشائك.

دول الربيع العربي

هي تلك الدول التي تمكّنت فيها الثورات من إسقاط رأس النظام أو كافّة شخوصه، ومن ثم دخلت في مرحلة جديدة لبناء نظم جديدة، كما هو الحال في تونس ومصر وليبيا. بينما الدول التي لم تتمكّن فيها الثورات من تحقيق ذلك الإنجاز أو تجاوز تلك المرحلة، كالبحرين وسورية، وغيرهما من الدول التي حدثت فيها اضطرابات واحتجاجات كالكويت والسعودية ومسقط والعراق والسودان والأردن، فإنها لا تندرج ضمن هذا المصطلح، كما ويُعَدّ اليمن في هذا السياق استثناءً، لأنّ رأس النظام خرج بتسوية سياسية خليجية، أي إن عملية إزاحة رأس النظام أو تبديله لم يكن بفعل الثورة مباشرة، كما كان يطمح اليمنيّون. ويعتقد الكثير من المراقبين والمحلّلين بأن الثورة في اليمن أجهضت، وهو شعور يشاطرهم فيه معظم الثّوار في اليمن، لذا، على الأرجح، ستظلّ الاحتجاجات في اليمن مستمرّة تعبيراً عن حالة عدم الرضا على ما تمّ من تسوية مجحفة بحقّ الثورة.

التأثيرات (الانعكاسات) العامّة للثورات العربية

ويقصد بالتأثيرات أو الانعكاسات العامة للثورات العربية في العموم، هي: تلك المتغيّرات الملموسة والواضحة والقابلة للملاحظة والرصد، والتي طرأت بعد فعل الثورات، وكانت نتيجة مباشرة لها، وانعكست على الشعوب وردود فعل الأنظمة السّياسية، وحركات الإسلام السّياسي، وتمثّلت في سلوك أو مواقف وبرامج عمل، وكذلك مختلف التغيّرات التي طرأت على الأنساق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الوطن العربي، جرّاء فعل الثورات التي شهدتها المنطقة.

ولقد بات واضحاً، بأنّ ظاهرة الثورات العربية، كحدث سياسي وفعل اجتماعي، أفرز آثاراً وتموّجات هائلة محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا، وعلى أكثر من صعيد. ولقد شبّه الكثير من المراقبين «سلسلة الثورات العربية» التي اندلعت بـ «الزلزال»، الذي هزّ العالم بأسره، وليس العالم العربي فحسب.

فما ردّده المتظاهرون الأمريكيّون الذين احتلّوا «وول ستريت» مثلاً، من شعارات وهتافات، بعضها باللغة العربية أيضاً وتحاكي ذات الشعارات التي طالب بها المتظاهرون والمحتجّون العرب، يعكس جانباً من تلك التأثيرات العامة التي أحدثتها ثورات الربيع العربي على شريحة واسعة من الشباب في أمريكا، مما يعني أن حدث الثورات العربية قد تعدّى الحدود الجغرافية للعالم العربي إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.

لكن، عملية رصد ومناقشة مجمل التأثيرات للثورات العربية، سواءً في الساحة العربية أو خارج حدودها، هي عملية مُضنية، وبالتالي لن يستوعبها هذا البحث، بكلّ تأكيد. وعليه، فإنه سيُكتفى برصد التأثيرات العامّة، التي أحدثتها الثورات على ظاهرة الإسلام السّياسي في دول الربيع العربي، ومن بينها التيارات الدينية السّياسية والقوى الإصلاحية في المملكة العربية السعودية، إلى جانب التأثيرات التي تـمّت على عمليات الإصلاح السّياسي في الدول التي طالتها الاحتجاجات، ولكنها لم تتمكّن من إسقاط الأنظمة فيها.

ظاهرة الإسلام السّياسي

وهي من بين المفاهيم التي برزت على السطح مؤخّراً، ولا يزال الجدل حولها قائماً بين دارسي الفكر الإسلامي. وهذه الظاهرة ليست محبّبة للكثير من الإسلاميين عموماً، ولا يزال البعض يراه مشيناً.

ففي كتابه «الإسلام السّياسي والتعدّدية السّياسية من منظور إسلامي»، يؤكّد الدكتور محمّد عمارة هذا المعنى بقوله: «إنّني لا أستريح كثيراً لمصطلح الإسلام السّياسي، رغم شيوع هذا المصطلح، وصدور كثير من الكتابات حول هذا الموضوع، وتحت هذا العنوان، وفيما أذكر، وفي حدود قراءتي؛ فإنّ أول من استخدم مصطلح الإسلام السّياسي هو الشيخ محمد رشيد رضا، لكنه استخدمه في التعبير عن الحكومات الإسلامية التي سمّاها الإسلام السّياسي، ويعني الذين يسوسون الأمّة في إطار الأمّة الإسلامية، لكن مصطلح الإسلام السّياسي يستخدم الآن ومنذ العقود الثلاثة الماضية وصعود المدّ الإسلامي والظاهرة الإسلامية، بمعنى الحركات الإسلامية التي تشتغل بالسياسة( ).

أمّا الباحث الإسلامي عطية الويشي، فيرى أن أوّل من استعمل هذا المصطلح، هو (هتلر)، حين التقى الشيخ أمين الحسيني مفتي فلسطين آنذاك، إذ قال له: إنني لا أخشى من اليهود ولا من الشيوعية، بل إنني أخشى الإسلام السّياسي( ).

وبصرف النظر عن الجدل الدائر حول مصدر هذا المصطلح وتحفّظ بعض الإسلاميين عليه، فما هو محلّ اتّفاق بين أغلب الباحثين الإسلاميين، أن هذا المصطلح أصبح مصطلحاً سياسيًّا وإعلاميًّا وأكاديميًّا شائعاً ومألوفاً، استعمل لتوصيف حركات التغيير السّياسية التي تؤمن بالإسلام باعتباره نظاماً سياسيًّا للحكم، خصوصاً بعد بروز العديد من الحركات الإسلامية التي انتشرت في العالم العربي وباكستان والهند واندونيسيا وماليزيا وغيرها، وكانت تدعو حكومات دولهم إلى تطبيق حكم الشريعة، أو تكون هي الوسيلة إلى تلك الغاية بعدَما تؤول السلطة إليها( ).

ولقد وردت مجموعة تعريفات لمفهوم الإسلام السّياسي، الأمر الذي يعكس أهميّة هذا المصطلح، من بينها على سبيل المثال وليس الحصر، ما يلي:

أ- هو مجموعة من الأفكار والأهداف السّياسية النابعة من الشريعة الإسلامية التي يستخدمها مجموعة من المسلمين الأصوليين الذين يؤمنون بأن الإسلام «ليس عبارة عن ديانة فقط وإنما هو عبارة عن نظام سياسي واجتماعي وقانوني واقتصادي يصلح لبناء مؤسسات دولة»( ).

ب- إن الإسلام السّياسي في نظر الدّارسين للأوضاع والسياسات في العالم الإسلامي منذ الستينيات من القرن الماضي، هو تلك الحركات والتنظيمات التي تمارس العمل السّياسي بشعارات إسلامية، أو أنه تلك الحركات التي تسعى بشتّى الوسائل لإقامة دولة إسلامية تطبّق الشريعة( ).

ج- هو الإسلام الذي يدعو إلى المزج بين الدين والسياسة في الشؤون المحلية والعالمية, ويرى في مبدأ «دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر» شذوذاً عن طبيعة الإسلام كدينٍ شامل للدّين والدنيا. فالإسلام السّياسي, أو دعنا نقول حركات الإسلام السّياسي بمجملها لا تؤمن بفصل الدّين عن الدولة وتسعى في استراتيجيتها وبرامجها إلى إقامة دولة إسلامية تطبّق الإسلام كدين ودولة ونظام حياة( ).

ومما لا شكّ فيه أنّ مفهوم « الإسلام السّياسي»، بعد الربيع العربي، اختلف عن الإسلام السّياسي قبل ثلاثة عقود من الزمن. فحركات الإسلام السّياسي بالأمس كانت تدعو إلى تطبيق حكم الشريعة بوصفها المصدر الوحيد للحكم، من خلال إقامة دولة إسلامية دينية، بينما اليوم صار الإسلاميون الجدد يدعون إلى تطبيق مفاهيم ومبادئ وقيم الديمقراطية اللبرالية، وذلك من خلال إقامة نظمٍ ديمقراطية مدنية حديثة وفاعلة، يخضع فيه المواطنون إلى حكم القانون، الذي قد يتعارض مع الشريعة أحياناً، علماً بأن الدين في الدولة التي ينادي بها الإسلاميون الجدُد ليس هو المصدر الوحيد للحكم. وهذا عكس ما كان سائداً بالأمس تماماً.

لم تكن تجربة الإسلاميين العرب في الحكم، خصوصاً في الثلاثة العقود الماضية على الأقلّ، مشرقة، مما أدّى، بطبيعة الحال، إلى تضاؤل الثقة والاهتمام بظاهرة الإسلام السّياسي في العالم العربي. إلا أن ثورات الربيع العربي، خصوصاً بعد صعود نجم الحركات الإسلامية ووصولها إلى سدةالحكم في تونس ومصر وليبيا، أعطى زخماً جديداً من الآمال في النفوس، كما أعاد النقاش مجدّداً حول دور حركات الإسلام السّياسي في المستقبل، وكلّ ما يرتبط بها.

وبحسب العديد من الدراسين لظاهرة الإسلام السّياسي في الوطن العربي، ومن بينهم الباحث خالد الحروب مثلاً، فإنهم يرون بأن المرحلة القادمة في المنطقة العربية (مرحلة ما بعد ثورات الربيع العربي)، ستتميّز بوجود مكثّف للإسلاميين في السلطة بشكلٍ أو آخر، وفي أكثر من بلد عربي أيضاً( ). وهذا يعني عودة الإسلاميين مجدّداً بقوّة للامتحان في ميدان السياسة مرّة أخرى، لكن بلباس جديد، وفي مرحلة مختلفة عن المرحلة التي حكم فيها نظراؤهم الإسلاميّون القدامى، أي قبل ثلاثة عقود من الزمن ويزيد.

وبحسب مجلة السياسة الدولية، في ملحقها عدد 188، أبريل 2012، المتضمّن مجموعة من الأوراق البحثية، المخصّصة لمناقشة ظاهرة الصعود الإسلامي، تؤكّد على أن الثورات العربية صنعت عصراً جديداً للإسلاميين، حيث حوّلت القوى الإسلامية من قوى اجتماعية وسياسية محظورة إلى قوى اجتماعية وسياسية معترف بها، وذات ثقل ووزن كبيرين، مما أدّى إلى بزوغ ظاهرة جديدة في العالم العربي، هي انتقال الإسلاميين من صفوف المعارضة والمطاردات إلى مراكز صنع القرار.

فعودة الاهتمام مجدّداً بظاهرة الإسلام السّياسي في العالم العربي، وعلى المستوى الشعبي تحديداً، كما يبدو أنه سيكون مختلفاً هذه المرّة عن ذي قبل. ذلك لأنّ وصول الإسلاميين للسلطة، في ظلّ ثورات الربيع العربي، تزامن معه حالة متقدّمة من النضج السّياسي، الذي بدأ يسود الشارع العربي برمّته، وتجلّى ذلك في الساحات التي ضجّت بالهتافات والشعارات، التي ردّدها المحتجّون مطالبين بالحرية والانعتاق من زمن العبودية والاستبداد.

كما أنّ تجارب غالبية الأنظمة العربية الرسمية التي حدثت في دولها ثورات، يضاف إليها تجارب الحركات الإسلامية التي وصلت لسدّة الحكم، لا زالت مترسّخة في الأذهان، مما يعني عدم وجود، من الناحية النظرية على الأقلّ، أيّ قابلية للمواطنين العرب تجريب المجرّب أو العودة ثانية لتكرار الإخفاقات والفشل من جديد، ومن ثمّ الرجوع لعهود الاستبداد مرّة أخرى، سواءً في شكله الديني أو السّياسي أو المختلط، كما هو الحال في أغلب البلدان التي حكمها الإسلاميّون القدامى.

هذا التحوّل، كما يبدو، سيشكّل ضغطاً حقيقيًّا على الإسلاميين الجدد، وسيدفعهم إلى السّعي جدّياً لتطبيق الشعارات والبرامج التي تبنّوها أثناء حملاتهم الانتخابية، والتي على ضوئها تم انتخابهم وإيصالهم لسدّة الحكم. مما لا شك فيه، فإنّ عملية بناء دولة مدنية حديثة في العالم العربي، هي الأمنية الأكبر للمواطنين العرب الذين ثاروا ضدّ الاستبداد وصنعوا هذه الثورات، بيد إن تلك الأمنية، ستكون مهمّة بالغة الصعوبة والتعقيد على الإسلاميين الجدد.

لكن، وحتى اللحظة، لا يمكن لأحدٍ التكهّن بنجاح الإسلاميين الجدد في تحقيق تلك الأمنية، نظراً لحداثة التجربة، وكثرة التحدّيات القائمة والمقبلة، وفي حال تحقق هذا الحلم، سيُعدّ ذلك إنجازاً كبيراً وعظيماً لحركات الإسلام السّياسي في الوطن العربي، سيساهم في مضاعفة نفوذ حركات الإسلام السّياسي، وسيتعاظم وزنها السّياسي، وسيزيد من رصيدها الشعبي بصورة أكبر مما سبق، أمّا حين الإخفاق، وهذا ليس أمراً مستبعداً على الإطلاق، فإن النتائج ستكون قطعاً عكسية تماماً، بل سيصاب الشارع العربي بإحباط مضاعف إزاء حركات الإسلام السّياسي، مما سيترتّب عليه آثاراً وخيمة على صعيد الثقة والمصداقية بتلك الحركات.

وبات واضحاً، بأن ما يطمح إليه المواطنون العرب من ثوراتهم، التي قدّموا فيها التضحيات الكبيرة، هو إقامة نظم سياسية حديثة تُعزّز الشراكة السّياسية وتصون الحقوق وتطلق الحريات وترسي دعائم العدالة بمفهومها الشامل، وبعبارة أدقّ إنهم يطمحون في إقامة أنظمة تلبّي ما عجزت عن تلبيته الأنظمة السابقة. وهذا ما يتعيّن على حركات الإسلام السّياسي إنجازه في مرحلة ما بعد سقوط الأنظمة. وهو الامتحان الأصعب لها.

يبدو أن أبرز نموذج في الحكم، في الوقت الراهن، لحركات الإسلام السّياسي في العالم الإسلامي، هو النموذج التركي المتمثّل في حزب العدالة والتنمية. هذا الحزب استطاع أن يقدّم نموذجاً مقبولاً في الحكم وإدارة الدولة المدنية الحديثة الفاعلة والناجحة، وبات، على ما يبدو، المثل الأعلى لكلّ حركات الإسلام السّياسي في العالم العربي، خصوصاً تلك التي وصلت للسلطة بعد الثورات، فيما بات يسمّى بدول الربيع العربي.

ولا زال مبكراً التكهّن بنجاح أو فشل الإسلاميين الجدد على هذا الصعيد، إلا أنّ طروحات وبرامج الإسلاميين الذين وصلوا للسلطة مؤخّراً، تبعث على الاطمئنان لدى الكثيرين، حتى اللحظة على الأقل. واللافت في الأمر، أن طروحات الإسلاميين الجدد مختلفة اختلافاً جذريًّا عن الطروحات التي تبنّاها نظراؤهم الإسلاميون قبل عقود من الزمن، سواءً في إيران أو السودان أو أفغانستان أو حتى في غزّة.

لقد وصل الإسلاميون القدامى إلى سدّة الحكم، وكان شعارهم الأبرز «حاكمية الشريعة». في حين أنّ شعار الإسلاميين الجدد، بعد ثورات الربيع العربي، الأبرز هو «حاكمية الشعب». هذان الشّعاران، أي شعار الأمس وشعار اليوم، يعكسان منظومة من القيم والمفاهيم والرؤى والأفكار المتباينة حول طبيعة الحكومة المنشودة وماهيّتها وطبيعتها ووظائفها وأدوارها وعلاقتها مع المواطنين.

شعارات الإسلاميين الجدد، التي بموجبها، وصلوا إلى سدّة الحكم، هي مؤشّرات إيجابية وتبعث على الاطمئنان، وقد طمأنت بالفعل العديد من المواطنين حيالهم ودفعتهم إلى منحهم الثقة عبر التصويت لهم عبر صناديق الإقتراع. وتشير العديد من المؤشّرات، ومن بينها نتائج الانتخابات في بلدان ما بعد الثورات، بأنّ الرابح الأول سياسيًّا واجتماعيًّا من ثورات الربيع العربي، هو الإسلام السّياسي في قالبه الجديد.

لكن منح الإسلاميين الجدد الثقة من الجماهير العربية لا يعني بالضرورة تفويضاً أعمى لهم، أو هو كالشيك المفتوح، كما يقال، بل هو على العكس من ذلك تماماً. يبدو أنّ هذه الثقة ستفرض عليهم قيوداً شعبية أكثر صرامةً من ذي قبل، مما يعني إنهم سيكونون عرضة وبشكل مستمرّ للمحاسبة والنقد والمطالبة بسرعة تحقيق وعود الناخبين وتجسيدها على الأرض.

وبمعنى آخر، إنّ حجم الضغوط الشعبية التي سيواجهها الإسلاميون الجدد اليوم، ستكون أشدّ مما تعرّض له نظراؤهم القدامى، الذين رفعوا شعار «حاكمية الشريعة» أو «الإسلام هو الحل». كما أنّ الإسلاميين الجدد معنيّون بتمثيل إرادة الجماهير والوفاء بوعودهم التي قطعوها مع المواطنين أثناء الحملات الانتخابية، ما يعني أنهم سيصبحون تحت رقابة جماهيرية صارمة وتهديد مستمرّ بالضغوط الشعبية، التي باتت بعضُ مؤشّراتها واضحة للعيان في كلٍّ من تونس ومصر مثلاً.

لقد ولّدت الثورات العربية للجماهير شعوراً متعاظماً بالقوّة والقدرة على إجبار أيّ سلطة منتخبة على التنحّي حين الفشل أو التقصير. هذه القوّة الجديدة تدركها الحكومات الجديدة جيّداً، وهي كفيلة بأن تشكّل حصانة حقيقية للمكاسب التي حقّقتها الثورات، وضمانة بعدم العودة للوراء.

ونظراً لشيوع الحركات الإسلامية، ونفوذها السّياسي والاجتماعي الواسع، وتأثيرها الكبير في العالم العربي والإسلامي، صار مألوفاً وَسْمُها بـ «الظاهرة». وهذا ما أكّد عليه المشاركون في ندوة التوجّهات الغربية نحو الإسلام السّياسي، التي عقدت في الجامعة الأردنية في نوفمبر عام 1998م، إذ أكّدوا على أن التعدّدية في الرّؤى والتصوّرات والإستراتيجيات لدى الإسلاميين السياسيين، تستدعي أن يطلق عليها حركات الإسلام السّياسي بدلاً من إفرادها بحركة واحدة للإسلام السّياسي أو المسلمين.

وأضافوا، بأنّ إضفاء صبغة السّياسي على الإسلام تحدث خلطاً وتشويشاً يتعلّق أساساً بمصطلح الإسلام السّياسي، الذي يرفضه أتباعه ومعتنقوه( )، مطالبين، على ما يبدو، بتجنّب هذا المصطلح حفاظاً على نقاء الإسلام وسمعته.

وبالعودة إلى حركات الإسلام السّياسي، فإنه بمجرّد وصولها للسلطة، فيما بات يسمّى بعصر الربيع العربي، بدأ النقاش يعود مجدّداً وبزخم أكبر حول كلّ ما يرتبط بظاهرة الإسلام السّياسي في الوطن العربي. وتعيد هذه الحالة الأذهان إلى ما كان سائداً في نهاية سبعينيات القرن المنصرم، حيث انشغل المهتمّون بالشأن السّياسي والاجتماع والفكر، بعد قيام الثورة في إيران 1979 م، واغتيال السادات، وبروز بعض الحركات الجهادية في أفغانستان وغيرها، انشغلوا حينها بتلك الظاهرة مكثّفاً، وصاروا يتحدّثون على الاسلام السّياسي، يومذاك، في مختلف المحافل السّياسية والمنابر الإعلامية والمراكز البحثية.

ومع إقرارنا بأنّ هذه العودة استصحبت معها بعض النقاشات القديمة ذات الصلة بحركات الإسلام السّياسي، إلا أنها ستكون مفيدة للباحثين للفكر الإسلامي عموماً، وللحركات الاسلامية خصوصاً، وذلك لتعرّف أبعاد هذه الظاهرة الحيوية من مختلف زواياها المتعدّدة، خصوصاً في جانبها الفكري والسّياسي، وكذلك رصد تأثيراتها المتشعّبة في المرحلة المقبلة، أي بعد خروجها من خندق المعارضة ووصولها إلى سدّة الحكم.

وبناءً عليه، فإنّ ظاهرة الإسلام السّياسي في العالم العربي، محلّ الدراسة، بحسب الباحث، تعني الآتي:

أ- الحركات الإسلامية التي وصلت إلى سدّة الحكم في دول الربيع العربي، عبر آلية الانتخابات، بعد سقوط الأنظمة، كحركة النهضة في تونس، وتنظيم الإخوان، وحزب النور السلفي في مصر.

ب- التيارات الدينية السّياسية السنية في المملكة العربية السعودية، كالسلفية الرسمية وغير الرسمية، والصحوة، والإخوان المسلمين، وغيرها.

ج- التيارات الدينية السّياسية الشيعية في المملكة العربية السعودية، كتيّار الإصلاح الوطني، وخطّ الإمام، وحركة خلاص، وغيرها.

د- بعض النماذج من القوى الإصلاحية الوطنية (السنية، الشيعية) الجديدة، في المملكة العربية السعودية، كالناشطين السياسيين الجدد، والمراكز الحقوقية، وائتلاف الحرية والعدالة في محافظة القطيف، ونشطاء الإعلام الجديد، وغيرها.

التحوّل الديمقراطي

الدولة التي يطمح العرب إلى إقامتها في دول الربيع العربي خصوصاً، والمنطقة العربية عموماً، والتي تجلّت أبرز ملامحها في الشعارات التي رفعها المتظاهرون والمحتجّون على الأنظمة الاستبدادية، هي تلك الدولة الدستورية، المدنية، الحديثة، التي تستمدّ شرعيتها من الشعب، وتخضع لحكم القانون.

كما وتقبل بالتعدّدية السّياسية، التداول السلمي للسلطة، وتكفل لجميع المواطنين الحقوق والحريات الأساسية، خصوصاً حقوق الأقلّيات بموجب الدستور، وتؤكّد على شراكة الجميع في صناعة القرار السّياسي ومساواتهم في التمثيل، وتقوم على التوزيع العادل للثروة، ومبدأ فصل السلطات، والبعد عن المركزية في إدارة شؤونها العامّة.

الدولة التي تقوم على تلك الأسس والمبادئ، وتكفل تلك الغايات، تسمّى بالدولة الديمقراطية الليبرالية، وهي السائدة حالياً في أوروبا والأمريكتين والهند وأنحاء أخرَى من العالم. فالديمقراطية هي شكل من أشكال الحكم السّياسي، قائمٌ بالإجمال علَى التداول السلمي للسلطة وحكم الأكثريّة، بينما الليبرالية تؤكّد على حماية حقوق الأفراد والأقلّيات، وهذا نوع من تقييد الأغلبية في التعامل مع الأقلّيات والأفراد بخلاف الأنظمة الديمقراطية التي لا تشتمل على دستور يلزم مثل هذه الحماية والتي تدعى بالديمقراطيات اللاليبرالية( ).

كان بالإمكان تأسيس مثل تلك الدولة في العالم العربي، بدلاً من النظم الاستبدادية، كما كان بالإمكان أيضاً أن تتحوّل تلك النظم، ولو بشكل متدرّج، إلى نظم ديمقراطية متطورة وحديثة. لكن، ولأسبابٍ عديدة ومعقّدة لم يحدث شيءٌ من ذلك في المنطقة العربية طيلة عقود ماضية من الزّمن.

ولسوء حظّ العرب وجدوا أنفسهم أمام أنظمة سياسية استبدادية سلطوية مغلقة وجامدة وشرسة في آنٍ، إذ تُقاوم بضراوة حدوث أيّ تغيير جوهري أو تحوّل نوعي في بنية النظام السّياسي. هذا الانسداد السّياسي هو واحدٌ من بين أبرز الأسباب التي دفعت المواطنين العرب للثورة على تلك النظم، ومن ثم الدعوة إلى استبدالها، خصوصاً بعدما تلاشت جميع فرص التغيير السلمي في بنية النظم الحاكمة.

وبعيداً عن أنماط التحوّل الديمقراطي في المنطقة، وآلياته ومعوّقاته وإمكان حدوثه من عدمه، فإن المقصود من التحوّل الديمقراطي في العالم العربي، والمؤمّل حدوثه بعد اندلاع موجة ثورات الربيع العربي، هو عملية تبدّل جوهري في بنية المجتمع، من خلال العمليات التغييرية الجذرية التي تحدثها الثورات الشعبية في البنى الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب شكل وجوهر النظم السّياسية الاستبدادية القائمة، ومن ثمّ يُستبدل بها نظماً ديمقراطية فاعلة وحديثة تضمن الشراكة السّياسية، وتسود فيها الحريات العامة، وحاكمية القانون، والتداول السلمي للسلطة.

التيارات الدينية السّياسية

وهي عبارة عن مجموعة أفراد لديهم توجّهات وتصوّرات وأهداف مشتركة، يشكّلون سويًّا، فيما بات يعرف بـ «التيار»، الذي له امتداداته وتأثيراته الشعبية الواسعة، ويسعى إلى تحقيق أهدافه وتطلّعاته من خلال برامج وأنشطة مختلفة. لكن أفراد التيار لا يخضعون في الغالب إلى أيّ شكلٍ من أشكال التنظيم، كما هو شأن الحركات والأحزاب والجمعيات الإسلامية.

- القوى الإصلاحية الوطنية الجديدة

ويقصد بالقوى الإصلاحية الوطنية الجديدة في المملكة، هي تلك الجماعات الصغيرة والأقلّ حجماً من التيار، لكنها ذات اتجاهات فكرية، سياسية، أيدلوجية، التي تتفق معاً على أهداف أو مطالب مشتركة، وتسعى إلى تحقيقها عبر برامج وأنشطة مختلفة، إمّا بصورة مشتركة أو بصورة منفردة.

ولعلّ أبرز ما يميّز هذه القوى الإصلاحية الوطنية الجديدة، أنها بدأت تتجاوز الأطر الأيديولوجية والسّياسية والمناطقية، كما تسعى إلى تحقيق أهداف وطنية عامة مرتبطة غالباً بسيادة القانون وتعزيز المواطنة وحماية حقوق الإنسان والدعوة للمشاركة السّياسية، عبر آلية الانتخابات، واستقلالية القضاء وفصل السلطات، وإطلاق الحريات العامة وتحقيق العدالة والمساواة، وغيرها من القضايا الوطنية المشتركة، التي تعزّزت أكثر بعد اندلاع الثورات العربية.

ويوجد في المملكة نماذج من القوى الإصلاحية الوطنية (السنية، الشيعية) الجديدة، كالناشطين السياسيين الجدد، والمراكز الحقوقية، وائتلاف الحرية والعدالة في محافظة القطيف، ونشطاء الإعلام الجديد، وغيرها.

- الإصلاح السّياسي

لقد أصبح مصطلح «الإصلاح السّياسي» من أكثر المصطلحات شيوعاً في العالم العربي، خصوصاً بعد اندلاع ثورات الربيع العربي. ويستهدف هذا المصطلح، بحسب المنادين به، إعادة صياغة العلاقة التعاقدية بين الشعوب وأنظمتها السّياسية، وإصلاح مكامن الخلل في مختلف الأنساق الاجتماعية والاقتصادية والتربوية والفكرية، وكذلك مكافحة الفساد المالي والإداري بكافّة أشكالهما ومظاهرهما.

إن أصل مفهوم «الإصلاح»، بحسب المعاجم اللغوية، يرجع إلى فعل «أَصْلَحَ، يُصْلِحُ إِصْلاحاً»، وهو نقيض للفساد، ويعني الانتقال أو التغيّر من حالٍ إلى حالٍ أحسن، أو التحوّل عن شيءٍ والانصراف عنه إلى سواه، ويدلّ على الإقامة والتوفيق والخير.

أمّا اصطلاحاً فيعرفه قاموس«أكسفورد» بأنه «تغيّر أو تبديل نحو الأفضل في حالة الأشياء ذات النقائص، وخاصّة في المؤسّسات والممارسات السّياسية الفاسدة أو الجائرة، وإزالة بعض التعسّف أو الخطأ».

وفيما يتعلّق بمفهوم «الإصلاح السّياسي»، بحسب قاموس «وبستر» للمصطلحات السّياسية (1988)، فهو يعني «تحسين النظام السّياسي من أجل إزالة الفساد والاستبداد»، أو بأنّه تعديل أو تطوير غير جذري في شكل الحكم أو العلاقات الاجتماعية، أي دون المساس بأسسها.

وعليه، فإنّ مفهوم الإصلاح السّياسي يختلف كليًّا وجذريًّا عن معنى الثورة، فالأوّل يستهدف التغيير المتدرّج والجزئي للنظام السّياسي والبنى الاجتماعية، بينما الثورة تستهدف التغيير الكلّي لكافّة النظم والأنساق وعلى رأسها النظام السّياسي، وبشكل دراماتيكي وجذري.

ومن خلال التعريفات السابقة لمفهوم الإصلاح يتبيّن أن كلمة «إصلاح» تطلق على كلّ ما هو مادّي ومعنويّ، وهو يوازي فكرة التقدّم، كما ينطوي جوهريًّا على فكرة التغيير نحو الأفضل، في حقلٍ معيّن من حقول النشاط الإنساني. ومع ورود العديد من التعاريف المتداولة لمفهوم الإصلاح السّياسي، إلا أنه لا زال يكتنفه الغموض بعض الشيء، وذلك نظراً لتداخله وتشابكه مع الكثير من المفاهيم الشائعة مثل: التنمية السّياسية، أو التحديث السّياسي، أو التغيير السّياسي، أو التحول السّياسي، أو التطور السّياسي، وغيرها من المفاهيم.

يشار إلى أن الإصلاح السّياسي يعتبر ركيزة أساسيةً لترسيخ الحكم، كما هو ضمانة أيضاً لفاعليته وكفاءته. ومن أبرز المظاهر الأساسية التي يتمتّع بها النظام السّياسي، الذي يمارس وظيفة الإصلاح باستمرار، الاحتكام إلى القانون وسيادته وتمتّعه بالشفافية والمشاركة الشعبية في اتّخاذ القرار والعدل الاجتماعي وفعالية الأجهزة الحكومية والإنجاز وكفاءة الإدارة والمحاسبة والمساءلة، وتمتّعه بحسن التخطيط والرؤية الإستراتيجية للسياسات الداخلية والخارجية.

ومما سبق، فإن مفهوم «الإصلاح السّياسي» الذي يميل إليه الباحث، هو تغيير تصوّرات وممارسات النظام السّياسي والاجتماعي والمؤسّسات المرتبطة بهما، نحو الأفضل، وكذلك محاربة مظاهر الفساد والضعف والخلل فيهما، من خلال مختلف الوسائل السلمية المؤثرة، كإسداء النصح وتقديم الاقتراحات والمشورة، وكشف مظاهر الخلل، والمشاركة الإيجابية في الوزارة والبرلمان، وإقامة الأحزاب الحرّة، وتفعيل مؤسّسات المجتمع المدني وتقويتها، وممارسة المزيد من التحفيز والضغط للدفع باتجاه الإصلاحات السّياسية.

- الثورات السّلمية

يقصد بالثورات السلمية، هي مجموع الأنشطة والممارسات الاحتجاجية الشعبية السّلمية الواسعة، التي تستهدف أولاً إسقاط النظام القائم، ومن ثمّ إحداث تغييرات جذرية وعميقة في مختلف أنساق البناء الاجتماعي، وهي على النقيض تماماً من الثورات العنفية وفي مقدمها الثورات المسلّحة.

ما هو لافت للنظر ومثير للدهشة أيضاً، أنّ كلّ الثورات التي اندلعت في العالم العربي عام 2011م، بلا استثناء، كانت في الأساس ثورات سلميّة خالصة، سواءً على صعيد الممارسة أو على مستوى الشّعار، بل إن الشعار الأساس والأكثر تردّداً لدى المتظاهرين كان شعار «سلميّة سلميّة سلميّة». وكان هذا الشّعار يعبّر عن منهج الثورة في تحقيق تطلعاتها وغاياتها. لقد مثّل هذا النهج أحد أهمّ مصادر الشرعيّة والقوّة والجاذبية للثورات العربية، كما منحها زخماً كبيراً للاستمرار، وأكسبها تعاطفاً شعبيًّا واسعاً محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا.

وبما أنّ صفة «السلميّة» هي السّمة الأبرز للثورات العربية، لذا نالت هذه السّمة إعجاب ودهشة العديد من المراقبين والدّارسين لهذه الظاهرة الفريدة من نوعها. ومن جهة أخرى، دلّل هذا النّهج على مشروعية الحراك، وعدالة مطالب الثوار، ومستوى نضجهم السّياسي، ورقيّ نضالهم السّلمي، كما وضع من جهة ثالثة الأنظمة السّياسية في زاوية حرجة، بحيث أصبحت حائرة في كيفية التعاطي مع المحتجّين والمتظاهرين السّلميين، خصوصاً في ظلّ التغطية المباشرة لمجمل الحراك من قبل وسائل الإعلام المختلفة، وفي مختلف السّاحات العربية.

ولقد برز مصطلح الثورة السّلمية، التي كانت تسمّى أحياناً بالثورة «الناعمة» أو «المخملية»، خصوصاً في مطلع التسعينيات، عندما استطاع المجتمع المدني في أوروبا الشرقية والوسطى من تنظيم اعتصامات سلمية للإطاحة بالأنظمة الشمولية. وسميت بالمخملية؛ لعدم تلوثّها بالدّم واستعمال العنف، مما دعمت هذه التحرّكات مفهوم المجتمع المدني ووضّحت أهميّته في رسم السّياسات الخارجية والداخلية لهذه الشعوب، دون حصرها في إطار حكوميّ، حتى أصبح دور المجتمع المدني كبيراً في مقاومة الاستبداد والطغيان من خلال الفعاليات السّلمية( ).

- الثورات المسلّحة

«الثورة المسلّحة»، هي عملية تمرّد عسكريّ ضدّ النظام. وقد يكون مصدر هذا التمرّد ناشئاً من عملية انشقاق في صفوف الجيش أو القوّات المسلحة عن النظام، أو نتيجة لجوء الثّوار إلى التسلّح واستعمال السّلاح للثأر من النظام، أو كخيارٍ أساسٍ لتحقيق غايات الثورة وأهدافها، وفي مقدّمها إسقاط النظام. مصدر السلاح، سواءً كان ذاتيًّا أو مزوّداً من جهات أو أطراف خارجية لا يُغيّر في المفهوم شيئاً. فعملية التمرّد ضدّ النظام والتوسّل بالسّلاح لتحقيق الغايات، بغضّ النظر عن مصدره، هو العنصر الأهمّ لِوَسْمِ الثورة بتلك الصّفة.

ما هو لافت حقًّا، أنّ كلّ الشّعوب العربية الثائرة، حرصت قدر الإمكان، على المحافظة على سلميّتها إلى أقصى حدٍّ، وذلك لإدراكها التّام بفاعلية هذا النّهج، باعتباره أسرع وأسلم الطّرق لتحقيق غايات الثورة وكلفته الأقلّ بالمقارنة مع الخيارات الأخرى. مع ذلك، إلا أنّ الأنظمة القمعيّة ومنذ البداية سارعت إلى التوسّل بالعنف المفرط ضدّ المحتجّين والمتظاهرين، لإجهاض حركتهم.

وقد استعملت في هذا السّياق بحقّ المتظاهرين أقسى درجات القمع والتنكيل بهم، وعلى إثْر ذلك قُتِلَ العديدُ منهم إمّا دهساً أو قنصاً أو رمياً بالرّصاص، أو عبر مختلف وسائل التعذيب الوحشي في غياهب السّجون. كان غرض الأنظمة من ممارسة العنف والقتل ضدّ الثّوار هو استفزازهم والدّفع بهم إلى مربّع الاحتكاك والمواجهة المسلّحة مع الأنظمة، خصوصاً أنّ المعركة لن تكون متكافئة حينذاك؛ نظراً لما تتمتّع به الأنظمة من قدرات وإمكانات وسلطات، وذلك لتحقق غايتين مهمّتين:

الأولى: توفير الغطاء الملائم لاستعمال القوّة ضدّ المحتجّين، وبصورة أكثر وحشية وقساوة، وذلك بوصفهم متمرّدين على النظام ومناهضين للدّولة( ).

الثانية: تستهدف تشويه حراك الثّوار إلى جانب تضييق الخناق عليهم وتقليص رقعة التأييد الشّعبي لهم، الأمر الذي من شأنه أن يعزل الثّوار شعبيًّا ويحجّم الحراك إلى أضيق الحدود، ثم تكون عملية الالتفاف على الثورة أو إجهاضها عملية يسيرة وغير معقّدة.

ففي تونس، ومصر، واليمن والبحرين، على سبيل المثال، عمدت الأنظمة هناك باكراً إلى تشويه الثورات والتشكيك في دوافع الثّوار، ومن ثمّ استفزازهم لإخراجهم عن سلميّتهم، ودفعهم لممارسة العنف، لكنها لم تتمكن من ذلك. وهذا عائد إلى أسباب مختلفة، يستحسن دراستها.

مع ذلك، ففي مصر وتونس تحديداً لم تحدث صدامات عسكرية بين المتظاهرين والجيش؛ لأنّ الجيش اتّخذ موقعاً محايداً إلى حدٍّ مّا. وقد غلب على الثورة في هذين البلدين شكل الصراع المدني السلميّ، مع الإقرار بوجود مناوشات بين بعض المتظاهرين وأفراد من الأجهزة الأمنية التابعة للنظام، ومن بينهم كان يرتدي الزّيّ المدنيّ.

الأمر الذي أدّى إلى مقتل وجرح العديد من المتظاهرين وإحداث ربكة في صفوفهم. لكن في النهاية تمكّن الثوار في تلك الدول وخلال بضعة أسابيع من إسقاط رأسي النظام هناك، وكانت أعداد الضحايا بالمقارنة مع ما جرى في ليبيا وسورية مثلاً قليلة جدًّا، وكذلك الخسائر والأضرار المادية أيضاً.

إذاً في ليبيا وسورية، كان المشهد مختلفاً تماماً، إذ لجأ النّظامان هناك إلى العنف المفرط واستعمال الأسلحة والآليات العسكرية الثقيلة كالدبابات، والطائرات، والصواريخ ضدّ المحتجّين، مما أتاحا الفرصة للتدخّل الخارجي عسكريًّا عبر حلف الناتو، كما في الحالة الليبية، وكذلك تمّ تدويل الأزمة السورية وتعقيدها، وذلك نتيجة للاستعمال المفرط للقوة ضدّ المحتجّين، وتغليب الخيارات الأمنية والعسكرية على الحلول السّياسية في إدارة ومعالجة الأزمة.

وبحسب مناهضي الأنظمة التي توسّلت بالعنف المفرط حيال المتظاهرين، فإنّ عملية «عسكرة الثورة» هي ردّ فعلٍ في المقام الأول على عنف النظام، وإنّ استعمالهم للسّلاح كان الغرض منه تمكينهم من حماية أنفسهم من بطش النّظام، إلى جانب الثّأر، ومن ثمّ المضيّ قدماً باتجاه تحقيق أهداف وغايات الثورة وعلى رأسها الإطاحة بالنظام.

لقد تَمّ عسكرة الثورة في ليبيا منذ الأسابيع الأولى من اندلاعها في 17 فبراير 2011 م، بينما تَمّ عسكرة الثورة في سورية بعد ستّة أشهر من اندلاعها، أي تحديداً في آذار/ مارس 2011 م. وقد أقرّ النّظام السّوري في بادئ الأمر بسلمية الاحتجاجات قبل عسكرتها وبعدالة المطالب ومشروعيّتها.

إنّ لجوء الثّوار إلى استعمال السّلاح، بصرف النّظر عن مبرّراته ومشروعيّته وغاياته، يوفّر الذريعة المناسبة للنظام لممارسة المزيد من القمع، وتصوير ما يجري بوصفه إرهاباً ضدّ الدولة والمجتمع. كما أنّ توسّل الثّوار بالعنف من شأنه أن يقلّص دائرة التعاطف الشّعبي مع الثورة، وهو على عكس ما تحقّقه الثورات السّلمية، التي غالباً ما تحظى بتأييد شعبيّ واسع النّطاق.

ولعلّ أبرز مساوئ الثورة المسلّحة أو عسكرة الثورة، خصوصاً في ظلّ عدم تكافؤ موازيين القوى بين الأطراف المتصارعة، هو إطالة أمد الصّراع، وإراقة المزيد من الدّماء والتدمير، إلى حدِّ إنهاك المتصارعين أحياناً. مضافاً إلى تضاؤل فرص إحداث تغييرات جوهرية، يمكن أن ينتج تحوّلاً حقيقيًّا نحو الديمقراطية، خصوصاً بعد إنهاء الصّراع لصالح الثوار.

إنّ الفرق بين الثورة السّلمية، والثورة العسكرية، هو في آليات التغيير. فالثورة المسلّحة تسعى إلى إسقاط النظام بالقتال والقتل، من خلال حمل السلاحَ وخوض المعارك المسلّحة ضدّ الخصم (النظام)، فتقتل عناصره وتغتال رموزه وتهاجم مراكزه بالسّلاح، ويمكن أن تلجأ إلى العمليات الانتحارية لاستهداف مراكز وشخصيّات أمنية، إلى غير ذلك من أوجه استعمال السّلاح بكلّ شكل ٍمتاح.

بالمقابل، فإنّ الثورة السّلمية ترفض أن تستعمل السّلاح في فعالياتها الثورية، وتعتمد على الضّغط الجماهيري البشري السّلمي( ). يشار إلى أنه ليس بالضرورة دائماً أن تنزع الثورة منحى التسليح، كردّ فعل على عنف وبطش النظام، إذ من الممكن أن تكون الثورة مسلّحة من الأساس وبدون ذلك المبرّر.

ولكن، وفي كلتا الحالتين (حالة تسلّح الثورة كردّ فعل على عنف النظام، وحالة أن تكون الثورة مسلّحة من الأساس)، يطلق عليها اسم «الثورة المسلّحة»، بينما يطلق مفهوم «عسكرة الثورة» غالباً على الثورات التي بدأت سلميّة ثم تحوّلت لاحقاً إلى ثورة مسلّحة. كما أنه ليس بالضرورة أيضاً أن تندلع الثورات المسلّحة بغرض إسقاط النظم الحاكمة المحلية المستبدّة فحسب، أو أن يكون العمل المسلّح هو خيارها الوحيد في المعركة.

فهناك العديد من الثورات المسلّحة حدثت ضدّ الاحتلال كما في فلسطين أو ضدّ الاستعمار الأجنبي، وتوسّلت إلى جانب العمل العسكري بالعمل السّياسي، كثورة التحرير الجزائرية التي اندلعت في 1 نوفمبر 1954 ضدّ الاستعمار الفرنسي، الذي احتلّ البلاد منذ سنة 1830، ودامت طيلة 7 سنوات ونصف من الكفاح المسلح والعمل السّياسي، وانتهت بإعلان استقلال الجزائر عام 1962 م، بعد أن سقط فيها أكثر من مليون ونصف مليون قتيل جزائري، وذلك ما أعطى الجزائر لقب بلد المليون ونصف المليون شهيد في الوطن العربي.

وقد دارت الحرب بين الجيش الفرنسي والثوار الجزائريين، الذين استعملوا حرب العصابات بصفتها الوسيلة الأكثر ملاءمة لمحاربة قوّة جرَّارة مجهّزة أكبر تجهيز، خصوصاً وأن الثوار لم يكونوا يملكون تسليحاً معادلاً لتسليح الفرنسيين. استعمل الثوار الجزائريون الحرب البسيكولوجية بصفة متكاملة مع العمليات العسكرية( ).

- الإضراب العام والعصيان المدني

بالرّغم من اشتراك العصيان المدني مع الإضراب (وخصوصاً الإضراب العام) في كونهما وسيلتين تستعملهما الجماهير للمطالبة برفع ظلم أصابها، إلا أنّ الإضراب متعلّق عادةً بحقوق العمّال في مواجهة صاحب العمل (الذي يمكن أن يكون هو الحكومة). في حين يعتبر العصيان المدني عملاً سياسيًّا موجّهاً للسّلطة ويقوم به عامّة الناس غالباً، ويخاطب حسّ العدالة لدى المجتمع. وقد تمثّلت إحدى أبكر تطبيقات العصيان المدني وأوسعها نطاقاً في لجوء المصريين إليه ضدّ الاحتلال البريطاني في ثورة 1919 السلمية( ).

مفهوم الإضراب يستعمل غالباً للتعبير عن رفض أو امتناع مجموعة كبيرة من العمّال عن العمل مؤقّتاً, وذلك نتيجة لمنازعات تحدث بينهم وبين أصحاب العمل، أو لسوء ظروف العمل، أو للاحتجاج على القوانين غير العادلة. ويتّصف فعل الإضراب عن العمل بصفتين أساسيتين: الإضراب الجماعي، والامتناع المؤقّت عن العمل. فامتناع أحد العمّال عن العمل لا يسمّى إضراباً بالمعنى الشّائع لمفهوم الإضراب، كما أن ترك العمل بصورة نهائية لا يسمّى إضراباً أيضاً.

وقد أصبحت الإضرابات العامّة من الوسائل الفعالة والشائعة، أثناء الثورات. ففي أوروبا أثناء الثورة الصّناعية مثلاً، خصوصاً بعدما أصبح العمّال عنصراً مهمًّا في المصانع و المناجم، كان هذا الأسلوب شائعاً هناك. وفي البداية تمّ اعتبار الإضرابات العمّالية غير شرعيّة نظراً للسّلطة السّياسية القوية التي يمتلكها أصاحب المصانع بالمقارنة بالعمّال. معظم الدول الغربية جزئيًّا أصبحت تجيز الإضرابات العمّالية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين( ).

ولمفهوم الإضراب معانٍ عدّة، منها ما يلي:

أ- هو أحد الطرق التي ثار بها الناس على القوانين غير العادلة، وقد استعمل في حركات مقاومة سلميّة عديدة موثّقة؛ في الهند مثل حملات غاندي من أجل العدالة الاجتماعية، وحملاته من أجل استقلال الهند عن الإمبراطورية البريطانية، وفي جنوب أفريقيا في مقاومة الفصل العنصري، وفي حركة الحقوق المدنية الأمريكية( ).

ب- رفض الخضوع لقانون أو لائحة أو تنظيم أو سلطة تعدّ في عين من ينتقدونها ظالمة. وينسب هذا المصطلح للأمريكي هنري دافيد ثورو، كان قد استعمله في بحثٍ له نشر عام 1849، في أعقاب رفضه دفع ضريبة مخصّصة لتمويل الحرب ضدّ المكسيك، بعنوان «مقاومة الحكومة المدنية». وفي أوروبا، حتى وإنْ كان اللجوء إلى مفهوم العصيان المدني قد تأخّر صياغته، فإنّ فكرة مقاومة قانون جائر أو غير عادل كانت موجودة قبل القرن التاسع عشر.

أمّا اليوم فقد اتّسع هذا المفهوم ليشمل العديد من الأشخاص الذين يمارسون أفعالاً تسعى للإحلال إعلاميًّا محلّ «الحركات المناهضة للدعاية». ولا يرى البعض في هذه الأفعال إلا نوعاً من الإضرار بالممتلكات. أمّا البعض الآخر فيجدونها أفعالاً مفيدة تهدف إلى تغيير سياسة السّلطات( ).

وقد يكون الإضراب اعتياديًّا وعلنيًّا بترك العمّال محلّ العمل وعدم المجيء إليه في وقت العمل، وعدم العودة إليه إلا بعد تنفيذ مطالبهم, وقد يكون الإضراب باستمرار العمل مع التقاعس فيه والتباطؤ وعرقلة الإنتاج، ويسمّى إضراب التباطؤ أو الإضراب بالقطّارة, وقد يكون إضراباً مع الاعتصام، وهذا يعني أنّ العمّال يبقون في محلات عملهم وهم متوقّفون عن العمل ولا يسمحون لغيرهم حتى أصحاب العمل بالدخول. قد يكون الإضراب عامًّا ويشمل جميع العمّال في جميع أنحاء البلد، وتقوم به غالباً النقابات واتحاداتها والاتحاد العامّ، وهو أكثر الإضرابات تأثيراً، وتترتّب عليه آثار اقتصادية وسياسية واجتماعية كبيرة( ).

كما لمفهوم العصيان المدني معانٍ عدّة، منها:

أ‌- مفهوم راولزوج الذي يُعرّفه على أنه عمل عام، سلميّ، يتمّ بوعيٍ كامل، ولكنه عمل سياسيّ، يتعارض مع القانون ويطبّق في أغلب الأحوال لإحداث تغيير في القانون أو في سياسة الحكومة. وباتخاذ هذا المسلك، يخاطب العصيان حسّ العدالة لدى غالبية المجتمع( ).

ب‌- بالنسبة لهابرماس، فيرى أن العصيان المدني ينطوي على أعمال غير قانونية، ونظراً لطابعها الجماعي، فهي توصف بأنها عمل عامّ ورمزيّ في آنٍ واحد، وتتضمّن كذلك مجموعة من المبادئ. فهي أعمال تشتمل في المقام الأول على وسائل للاحتجاج غير عنيفة تنادي بالقدرة على التعقّل وتخاطب حسّ العدالة لدى الشّعب( ).

- التظاهر المدني

المُظَاهَرةُ لغويًّا تعني: المعاونة أو إظهار القوّة. وهي عبارة عن تجمّع عدد من الأشخاص بطريقة سلمية في مكان أو طريق عام أو بالقرب منهما، بقصد التعبير عن رأي، أو الاحتجاج على موقف صادر عن السلطة، أو المطالبة بتنفيذ مطالب معيّنة. وتسمّى أحياناً بالمظاهرات أو المسيرات، والمفرد منها مظاهرة أو مسيرة.

وتعتمد التظاهرات أو المسيرات غالباً على عنصري السلمية واستعراض القوّة، من خلال زيادة عدد المتظاهرين في الشّارع، بغرض لفت الانتباه وإيصال آرائهم ومطالبهم لأكبر عددٍ من الناس، بغرض التأثير في الرأي العام وتشكيل ضغطٍ حقيقيٍّ على الحكومة، يجبرها على الاستجابة إلى مطالبهم وتحقيق تطلّعاتهم، التي من أجلها خرجوا للتظاهر. فالتّظاهرات المدنية هي فعل سياسيّ ليس عفويًّا، وإنما هي شكل من أشكال الاحتجاج السّلمي المقصود والمنظّم في آنٍ. وقد يكون أقوى الاحتجاجات السّلمية وأكثرها تأثيراً.

يعبّر مصطلح «التظاهرات المدنية» غالباً عن ردِّ فعلٍ احتجاجيّ على سياسيات خاطئة أو تجاوزات قائمة، وتكون على شكل ممارسات وأنشطة ومواقف مدنية سلميّة متنوّعة مصحوبة بشعارات وهتافات يُردّدها المتظاهرون بطريقة مدروسة ومنظّمة تعبّر عن أهدافهم ومطالبهم وتطلّعاتهم، وغالباً ما يتمّ تحديد الشعارات والاتفاق عليها من قبل منظّمي تلك التظاهرات والمسيرات مسبقاً.

يُشار إلى أنّ التّظاهرات ليست بالضرورة فعلاً سلبيًّا على الدوام، أي بالضدّ من السّياسات القائمة أو كردِّ فعل عليها، فهناك تظاهرات إيجابيّة، غرضها تأييد أو دعم بعض المواقف أو الأشخاص أو السّياسيات القائمة.

- الثورة المضادّة

الثورة بمعناها العامّ هي عملية تغييرية جذرية للواقع قائم، تتبنّاه الأغلبية المقهورة، بعد تمكّنها من إسقاط النظام القائم. وغالباً ما يصاحب عملية الثورة حزمة من القوانين والتشريعات، غرضها نقل السّلطة الجديدة إلى حكومة تمثّل إرادة الشعب، وذلك لضمان استمرار الحرية السياسية والرفاهية الاجتماعية وما يستلزمها من نظم اقتصادية( ).

ويطلق مفهوم «الثورة المضادّة» على الحركة المضادّة التي تعقب ثورة ما ويكون من شأنها إذا نجحت إبطال ما أحدثته الثورة الأولى من أعمال( ). ليس هنالك وقتٌ محدّدٌ لبداية الثورة المضادّة، إذ قد تبدأ أثناء اندلاع الثورة مباشرة، أي قبل أن يتمكّن الثوار من إسقاط رأس النظام، وقد تبدأ بعد إسقاط رأس النظام ولكن قبل إسقاط كافّة رموزه وشخوصه، وربما تبدأ بعد إنجاز الهدفين السّابقين، أي أثناء الشروع في تشكيل النظام السّياسي الجديد.

بل هناك الكثير من الثورات تعرّضت لثورات مضادّة وتمّ الالتفاف عليها، وهي في مراحل متقدّمة جدًّا، اي بعد أن أحدثت تغييرات جذرية وجوهرية في البناء الاجتماعي، وذلك راجع إلى طبيعة شكل النظام السّياسي، الذي تمّ إقامته على أنقاض النظام القديم.

- الانتفاضة الشّعبية

الانتفاضة الشعبية بالمعنى العامّ هي أُسْلوبُ شائع من أساليب النِضال الشّعبي المنظّم ضدّ السّلطة، الذي يَعْتَمِدُ على العنف المسلّح كركيزة أساسية في النّضال وتعبئة مختلف القوى الشعبية، لشنّ الهجمات المسلّحة، وخوض حرب الشوارع الإستنـزافية والقيام بالعِصْيانِ الْمَدَنِيِّ. وبحسب معجم المعاني، فإنّ الانتفاضة تعني حركة تمرّد وعصيان ضدّ الحكومة أو سياساتها. أوهي حالة من التمرّد الشعبي العلني الذي يغلب عليه القوّة والعنف والهيجان، لكنها في الغالب لا تتمكّن من تحقيق غاياتها، بسبب قهر السّلطة لها، خصوصاً في ظلّ عدم توازن القوى.

- الاعتصامات

الاعتصام في اللغة يأتي بمعنى الاحتماء أو الامتناع. وبالمعنى السّياسي يعني شكلاً من أشكال الاحتجاج السّلمي المدروس والمخطّط له، وقد يكون من أبسط وسائل النضال السّلمي.

وللاعتصامات أشكال وصوّر متعدّدة، فمنها ما يكون على شكل مرابطة في مكان معيّن، أو الجلوس بجانبه، أو الوقوف أمامه، بغية إيصال رسالة احتجاجٍ مّا، ثم ينفضّ الاعتصام. وهناك نوع آخر من الاعتصامات يسمّى بالاعتصام المفتوح، الذي لا ينتهي إلا بعد تحقيق المطالب التي من أجلها نَفَّذَ المعتصمون اعتصامهم.

- الانقلاب العسكري

الانقلاب بمعناه العامّ هو عملية تغيير محدودة يقوم بها مجموعة من الأفراد، تستهدف الإطاحة برأس النظام الحاكم ووضع بديل محلّه. أو هي عملية إزاحة للحكومة عن مراكزها الإدارية والسّياسية والسّيادية، ومن ثم تتبوّأ تلك المجموعة المواقع التي أصبحت شاغرة بعد عملية الإزاحة التي تمت. وفي كلتا الحالتين، فإنّ العملية التي حدثت، لا تستهدف إحداث تغييرات جذرية في النّظم والسّياسات والممارسات السّابقة. فالعملية برمّتها لا تعدو أكثر من تغييرات شكلية، سواءً على مستوى الشخوص أو السّياسات العامة.

والمعنى الشائع للانقلاب العسكري، يعني قيام أحد العسكريين بالوثوب على السّلطة من خلال قلب نظام الحكم, بغية الاستئثار بالسّلطة والحصول على مكاسب شخصيّة من كرسيّ الحكم( ).

- الحركة الاحتجاجية في القطيف

هي عبارة عن مزيج من التظاهرات والمواقف السّياسية والمناقشات للتيارات الدينية السّياسية وقوى الإصلاح الشيعية في محافظة القطيف شرق السعودية، حول الإصلاح السّياسي، وإطلاق سراح السّجناء السّياسيين، ومعالجة التمييز الطائفي الذي يتعرّض له الشيعة في المملكة.

الثاني عشر: خطة الدراسة

تحتوى الدراسة على ثلاثة أبواب وخلاصة واستنتاجات وتوصيات. ويتناول الفصل تقديماً للإطار النظري والمعرفي والمفاهيمي لموضوع الدراسة، من خلال المعالجة التحليلية لمفاهيمها المختلفة، ومراجعة أدبياتها، وتفكيك مشكلتها، وصياغة فرضياتها وأسئلتها، وكذلك تحديد مناهجها ومداخلها العامّة، مع الإشارة لحدودها الزمانية والمكانية ومصادر بياناتها، وتحليل أسباب ومبرّرات اختيار موضع الدراسة.

والباب الثاني خُصّص للتعريف بظاهرة الثورات العربية، دوافعها، سماتها، إشكالياتها، انعكاساتها العامّة، على ظاهرة الإسلام السّياسي، والإصلاحات السّياسية في العالم العربي، إلى جانب مناقشة إمكانية التحوّل الديمقراطي في دول الربيع العربي خاصة والعالم العربي عامّة، مضافاً إلى رصد وتحليل الأسباب التي أدّت إلى وصول الإسلام السّياسي للسلطة.

كما يرصد التأثيرات العامّة لثورات الربيع العربي على الإسلام السّياسي في السعودية، متّخذاً من التيارات الدينية السّياسية والقوى الإصلاحية في محافظة القطيف شرق المملكة، كنموذج يعبّر بشكل أو بآخر، عن كافّة التيارات الدينية السّياسية والقوى الإصلاحية المختلفة في المملكة العربية السعودية، التي تأثرت بالربيع العربي.

أمّا الباب الثالث فإنه يسعى إلى بيان خارطة الإسلام السّياسي والقوى الاصلاحية الجديدة الصاعدة في المملكة،بشيء من التفصيل، بغرض معرفة طبيعة العلاقة بينها وبين النظام السياسي القائم والعلاقة المتبادلة، من جهة. ومن جهة أخرى، يستهدف الوقوف على منظومتها الفكرية وأهدافها وتطلعاتها وأنشطتها ومواقفها السياسية حيال موضوعات عديدة أبرزها الإصلاح السياسي والحريات العامة والديمقراطية، سواء ما قبل الربيع العربي وما بعده.


الباب الثاني: قراءة في ثورات الربيع العربي وانعكاساتها العامة

الفصل الأول: ماهية الثورات العربية وانعكاساتها

أولاً: المشهد السياسي العربي قبل الثورات العربية

يقصد بالمشهد السّياسي للعالم العربي، هو مجمل الأوضاع والأحداث السياسية العامّة، وكلّ ما يرتبط بها من تحوّلات وما ينشأ عنها من تفاعلات وظواهر سياسية واجتماعية واقتصادية. وبما أن عملية رصد الأحداث وتحليل الوقائع المشكّلة للمشهد السّياسي العربي بحاجة إلى عمل منفرد ومستقلّ بذاته، لذا سيتمّ الاكتفاء بالإشارة إلى أبرز وأهمّ الأحداث السياسية، التي عصفت بالمنطقة العربية أو الأحداث ذات الصلة بها، وكان لها الأثر البالغ عليها سلباً أو إيجاباً، خلال الثلاثة عقود الماضية،كما سيتمّ توصيف مختزل للواقع العربي في بعض أقطاره، التي من خلالها يمكن أن تقدّم صورة معبّرة قدر الامكان عن عموم المشهد السّياسي العربي، وذلك قبل اندلاع الثورات العربية.

هذا العمل من شأنه أن يساعد على إبراز المتغيّرات التي طرأت على المشهد السّياسي الجديد في العالم العربي، أي يعد اندلاع الثورات العربية عام 2011 م. ففي العقود الثلاثة الماضية، شهدت المنطقة أحداثاً سياسيةً هامّة، كان لها بالغ الأثر في رسم المشهد السّياسي العربي القديم، ولا زال تأثير بعضها قائماً حتى اللحظة. في عام 1979م اندلعت الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني، وهي ثورة شعبية أطاحت بنظام الشّاه محمد رضا بهلوي، وحوّلت إيران من نظام ملكي إلى نظام جمهوريّ إسلاميّ عن طريق الاستفتاء.

كان لهذه الثورة تداعيات كبيرة على الصّعيد الإقليمي والدولي، كما كان لها تأثير مباشر على الأنظمة السّياسية والشعوب العربية. فبعد حدث انتصار الثورة في إيران وجدت المنطقة نفسها في أتون حرب مدمّرة استمرّت ثمانية أعوام (بدأت من سبتمبر1980 حتى أغسطس 1988).

وأطلق على هذه الحرب اسم «حرب الخليج الأولى» أو «الحرب الإيرانية العراق ية»، وقد خلّفت نحو مليون قتيل وخسائر مالية بلغت400 مليار دولار أمريكي, وأصبحت بذلك أطول نزاع عسكري في القرن العشرين، وواحدة من أكثر الصراعات دموية في المنطقة. ولقد أثّرت تلك الحرب على المعادلات السّياسية لمنطقة الشرق الأوسط، وكان لنتائجها بالغ الأثر في العوامل التي أدّت إلى حرب الخليج الثانية والثالثة( ).

وقد أعقب تلك الحرب غزوٌ عسكريٌّ للكويت، قاده الرئيس العراق ي صدام حسين، وقد أحدث هذا الغزو الذي تم في آب/ أغسطس1990 زلزالاً إقليمًّا وعالميًّا، الأمر الذي دفع بالمملكة العربية السعودية إلى الاستعانة بقوّات أجنبية، أمريكية بشكل رئيس، لحماية أراضي المملكة من هجوم عراقيّ محتمل، وعبر هذه القوات تمّ تحرير الكويت ، وسميت هذه الحرب بحرب الخليج الثانية. ولقد كان لهذا الحدث تأثيرات وانعكاسات سياسية واجتماعية واقتصادية مباشرة على المنطقة عموماً، والمملكة العربية السعودية خصوصاً.

وقد نحت دراسة الباحث ستيفان لا كروا، التي جاءت بعنوان: زمن الصحوة «الحركات الإسلامية المعاصرة في السعودية»، نحت باتجاه رصد بعض تأثيرات أحد تأثيرات ذلك الغزو المتمثّل في استعانة المملكة بالقوّات الأمريكية على الدّاخل السعودي والنظام السّياسي القائم.

لقد أفرز هذا الحدث في الداخل السعودي، بحسب تعبير الباحث، «انتفاضة الصحوة»، وقد قارن لا كروا بين تأثير هذا الحدث وانعكاساته، مع بعض الأحداث التي حدثت في المملكة، وتحديداً حركة جهيمان العتيبي، التي استولت على المسجد الحرام بمكّة المكرمة في تشرين الثاني/ نوفمبر 1979، مشيراً إلى أنّ حركة جهيمان لم تستطع تعبئة أكثر من بضع مئات من المناصرين. بيد أن الوضع كان مغايراً للغاية في آب/ أغسطس1990، عندما استقطبت الخطب الحماسية الشّاجبة للوجود الأمريكي عشرات الآلاف من الشباب المتحمّسين في أرجاء المملكة كافّة بوصفه علامة على فشل أخلاقي وسياسي «للنظام» السعودي، الذي سرعان ما تحوّلت المظاهر الاحتجاجية إلى حملة منظمة ضدّ النظام، ووقّع بعض المثقفين والنخب الدينية في المملكة عدّة التماسات طالبت بإدخال إصلاحات جذرية. ويرى الباحث أن النظام السعودي «اهتز» لأوّل مرّة في تاريخه بعد أن بدا منيعاً حتى ذلك الحين. وكنتيجة لتداعيات الحدث استمرّت الاضطرابات حتى سنة 1994، وأدّت إلى اعتقال عدّة آلاف من أنصار المعارضة.

وفي عام 2001 م شهد العالم أحداث 11سبتمبر، وهي مجموعة من الهجمات الإرهابية شهدتها الولايات المتحدّة، بعد أن تمّ تحويل اتجاه أربع طائرات مدنية لتصطدم بأهداف محدّدة تمثّلت في برجي مركز التجارة الدولية بمانهاتن ومقرّ وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون). ونتيجة لهذه الأحداث سقط 2973 ضحية و24 مفقوداً، إضافة إلى آلاف الجرحى والمصابين بأمراض جرّاء استنشاق دخان الحرائق والأبخرة السّامة( ).

لقد كان لهذا الحدث تأثيرات كبيرة على العالم والمنطقة العربية عموماً، كما أثّر بصورة مباشرة على السعودية؛ وذلك لأنّ معظم الذين نفذّوا تلك الهجمات سعوديين (15سعودي من أصل 19). وبعد ذلك الحادث صار ينظر إلى المملكة بوصفها حاضنًا أساسيًّا للإرهاب العالمي، وصار مطلوباً منها، أمريكيًّا على الأقلّ، إعادة النظر في العديد من سياساتها الداخلية، ولا سيّما المتعلّق منها بمناهج التعليم ورعاية بعض التيارات والتوجّهات الدينية المتشدّدة وتمويلها ودعمها.

وعلى خلفية أحداث11سبتمبر، التي شكّلت انعطافة في طريقة تعاطي أمريكا مع العالم الإسلامي، تمّ غزو أفغانستان وإسقاط نظام طالبان. وقد مثّل يوم الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001 يوماً فاصلاً في تاريخ حركة طالبان، إذ اعتبرت الولايات المتحدة أفغانستان وحركة طالبان هدفاً أوليًّا لانتقامها، بعد أن رفضت الحركة تسليم بن لادن لعدم تقديم الأدلة التي تثبت تورطه( ). بعدها تحرّكت الولايات المتحدة سريعاً للإجهاز على نظام طالبان، في ذات العام الذي تعرّضت له بالهجمات، وذلك بعد أن تبنّاها زعيم القاعدة بن لادن.

بعد إسقاط نظام طالبان، كردّ فعل انتقامي، على أحداث سبتمبر، شهدت المنطقة العربية حرباً أخرى سميت بـ «حرب الخليج الثالثة»، والتي أدّت إلى احتلال العراق عسكريًّا عام 2003 م، من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول المتحالفة معها. وبدأت عملية غزو العراق في20 مارس 2003 من قبل قوّات الائتلاف بقياده الولايات المتحدة الأمريكية وأطلقت عليها تسمية «ائتلاف الراغبين».

وكان هذا الائتلاف يختلف اختلافاً كبيراً عن الائتلاف الذي خاض حرب الخليج الثانية؛ لأنّه كان ائتلافاً صعب التشكيل، واعتمد على وجود جبهات داخلية في العراق متمثّلة في الشيعة في جنوب العراق بزعامة رجال الدين، والأكراد في الشّمال بزعامة جلال طالباني ومسعود برزاني. شكّلت القوّات العسكرية الأمريكية والبريطانية نسبة %98 من هذا الائتلاف. ولقد خلّفت هذه الحرب أكبر خسائر بشرية في المدنيين في تاريخ العراق وتاريخ الجيش الأمريكي في عدّة عقود. انتهت الحرب رسميًّا في 15 ديسمبر2011 م، بإنزال العلم الأمريكي في بغداد وغادر آخر جندي أمريكيّ العراق في 18 ديسمبر 2011 م( ).

مجمل الأحداث السّياسية التي حدثت في المنطقة العربية خصوصاً، وفي منطقة الشرق الأوسط عموماً، في الثلاثة عقود الماضية، أي ما بين عام 1979 م إلى عام 2011 م، أثّرت سلباً على مشروعات التنمية والإصلاح السّياسي، كما منحت الأنظمة السياسية الفرصة الملائمة لتعزيز قوّتها وتعطيل مشروعات الإصلاح، وتغييب الحريات العامّة، وفي مقدّمها حرية التعبير، وعدم العناية الكافية بالعدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان، مما ساهم في زيادة مستويات الفقر والبطالة، وارتفاع معدّلات الأمية، وتدنّي الصحة العامّة، وضعف البنى الاجتماعية، وشيوع الفساد المالي والإداري، وانسداد فرص تصحيح الأوضاع السياسية والاقتصادية، والاجتماعية، وفشل برامج الإصلاحات الاقتصادية، وزيادة تبعية اقتصاديات البلدان العربية الاقتصادية للدول المتقدّمة.

تلك الأوضاع السّيئة كرّست انطباعاً خاطئاً عن صورة الشعوب العربية، حيث صار ينظر لها بوصفها شعوباً خانعة وبليدة ومتخلّفة، أي ليس لها القدرة على النهوض والخروج من واقعها المتخلّف، وهي صورة مغايرة تماماً لما هي عليه اليوم. ومردّ التخلّف الذي عاشته الشعوب العربية راجع إلى أسباب كثيرة.

ولعلّ السبب الأكثر بروزاً يتمثّل في تغييب الإرادة الشعبية وعدم إشراكها في صناعة القرار. لذلك وجدت الشعوب العربية نفسها مضّطرة للجوء إلى الثورة على النظم الاستبدادية القائمة، بوصفها كانت تمثّل العائق الأول أمام نهضة الشعوب ورقيها ورفاهيتها.

وفيما يتعلّق بآفاق التنمية والإصلاحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فإنّ معظم الأقطار العربية، خصوصاً في بلدان الربيع العربي، إلى جانب البلدان التي عصفت بها الاحتجاجات ولا زالت مستمرّة فيها، كانت وقت ذاك تعيش حالة من الإحباط الشديد، وكان المرجو وقت ذاك من الأنظمة القائمة، في إجراء إحداث تغيير اجتماعي واقتصادي وسياسي، يُسهم في تعزيز الحقوق والحريات وإشراك الشعوب في صناعة القرار السياسي. لكن لم يحدث شيئاً من ذلك أبداً. وكان الاعتقاد السائد آنذاك، بأنّ الدعوات الإصلاحية، في ظلّ تلك النظم الاستبدادية، لم تعد مُجدية. كما أن خيارات التغيير وفرص الإصلاح أصبحت محدودة جدًّا( ).

في المقابل لم يكن يطرأ على بالِ أحدٍ أنّ الثورة في مثل تلك الأجواء، خصوصاً في ظلّ استحكام القبضة الأمنية والقمع والترهيب، هي أمر وشيك الحدوث. لكن بعد نجاح الثورة في تونس ومصر، على الأقلّ، أصبح خيار الثورة في نظر الشّعوب العربية، هو الخيار الأبرز للإصلاحات الجذرية، وربما الأمل الوحيد لإحداث تغييرات عميقة، يمكن أن تُفضي لتحوّل حقيقيّ نحو الديمقراطية.

ثانياً: العودة مجدّداً للمفاهيم الثورية

حينما تسوء الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وتتفشّى البطالة، ويستشري الفساد المالي والإداري، وتسود لغة القمع والإذلال في المجتمع، ويداهم اليأس نفوس المواطنين إزاء عجز الأنظمة السياسية الحاكمة، في معالجة الأوضاع القائمة والقيام بإصلاحات، ولو بشكل متدرّج، لا يجدون خياراً سوى الاحتجاجات أو الثورات كملاذ أخير لتغيير الأوضاع القائمة والتأسيس لمرحلة جديدة تُفضي إلى صناعة أوضاع جديدة مغايرة لما عاشوها سابقاً.

والثورة، كمصطلح ومفهوم وسلوك سياسيّ أيضاً، أثار جدلاً بين الدّارسين والمراقبين للاحتجاجات والثورات على طول التاريخ، ومن بينها الثورات الجارية حاليًّا في المنطقة العربية. ولقد برزت بعض الكتابات والاتجاهات توصف ما يجرى في المنطقة، وترى أن فعل الاحتجاجات لا تعدو أكثر من حالة عبثية غير هادفة ولا يستحقّ أن يطلق عليها مفهوم «الثورة», بينما البعض الآخر يضعها في خانة «الفوضى الخلاقة»، التي رسمت من دوائر غربيّة لإقامة شرق أوسط جديد، أو تقسيم المنطقة وإضعافها، ولا علاقة لها بإرادة الشعوب وسخطها على الأنظمة القائمة، وأنّ فعلها لا يعدو أكثر من تحرّك غير إرادي، أي إنه يجري التحكم به من الخارج ليس إلا.

وفي المقابل هناك طرف ثالث يوصف ما جرى ولا زال، باعتبارها ثورات شعبية حقيقية، ناجمة من أسباب داخلية ولا علاقة لها بالعوامل الخارجية. ولكنهم لا ينفون وجود بعض الأطراف والجهات الخارجية، ولأغراض مختلفة، تحاول جاهدة ركوب هذه الموجة واستغلالها بما يتناسب مع مصالحها.

وحقيقة الأمر، فإنّ ما يجتاح العالم العربي اليوم من أقصاه إلى أدناه، هو عبارة عن حركات شعبية احتجاجية كبيرة، يمكن تسميتها بـ «المدّ الاحتجاجي». فخلال أقلّ من عام، كانت الاحتجاجات تنتشر في أكثر من 100 مدينة حول العالم، مما جعل منها ظاهرة عالمية، لها قواسم مشتركة تتقاطع فيها جميع حركات الاحتجاج في العالم.

وبقراءة السّياق الزماني والمكاني لهذه الظاهرة، يمكن التكّهن بأنها لن تقف على حدود الدول التي لم تعرف الديمقراطية بعد، بل ستتعدّاها لتصل إلى العواصم الأغنى في العالم، أي عواصم المال والأعمال. وهنا يتداخل العامل المحلّي مع الكوني في هذا «المدّ الاحتجاجي»، الذي كانت الثورات العربية ملهمة ومؤثّرة فيه على أكثر من صعيد( ).

إنّ ما حدث مؤخراً في كلّ قطر عربي له وصفه الخاصّ، الذي قد يختلف عن القطر المجاور له. كما أنّ الدوافع لكلّ ما جرى، في مختلف الأقطار، متشابهة إلى حدٍّ كبير. ففي تونس مثلاً بدأت الثورة بشرارة تمثّلت في إشعال الشّاب الجامعي النار في نفسه، ومن ثم تحوّلت إلى احتجاجات حتى اتّسعت وأصبحت ثورة شعبية أسقطت النظام.

وفي مصر يمكن وصف ما جرى في بدايات الحراك، أي بعد نزول بعض النّاشطين المحتجّين في ميدان التحرير بالقاهرة وبعض ميادين المدن الأخرى، يمكن وصفها بالاحتجاجات الشّبابية الصغيرة، لكنها سرعان ما تحوّلت فيما بعد إلى ثورة شعبية عارمة، أسقطت رأس النظام. وما جرى في ليبيا وسورية على سبيل المثال، كان في البداية أشبه بما جرى في تونس ومصر، ولكن تحوّلت فيما بعد إلى شيءٍ مختلف تماماً.

وبحسب تعبير (روجر بيترسن)، مؤلّف كتاب المقاومة والتمرّد، عند دراسته لسلوك ثورات في أوروبا الشرقية، وعند إجابته عن سؤال: كيف يستطيع الناس العاديّون التمرّد على أنظمة قوية ووحشية عنيفة؟ يقول الكاتب في تفسيره النظري لذلك: إنّ الثورة تبدأ على شكل احتجاجات، وهذه الاحتجاجات تأخذ بعداً شعبيًّا، فتكسر حاجز الخوف، أو ينسى الناس الخوف، ومن ثمّ تتحوّل إلى غضب شعبي عارم يطلق عليه «ثورة ».

وفي العقدين الماضيين، أي قبل بزوغ فجر الثورات العربية وبعد أن خَفَتَ وهْج الثورة في إيران، تضاءل الحديث عن الثورات وصار شبه نادر. ولكن مع بداية اندلاع موجة الاحتجاجات والثورات في المنطقة العربية 2011 م، عاد الحديث مجدّداً عن الثورات وبزخم أكبر. حينها برزت على السطح مجموعة من المفاهيم والاصطلاحات ذات الصلة بمفهوم الثورة.

حضور مفهوم الثورة والمفاهيم الثورية، وكثافة الأحاديث والنقاشات عن ضرورة التغيير، والإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وضرورة المشاركة الشعبية، وحماية حقوق الإنسان، والعدالة وتوزيع الثروات بصورة عادلة، والقضاء على الفساد، والتداول السّلمي للسلطة، وتأمين الحريات الفردية والعامة وسيادة القانون، وأهمية شراكة المرأة وعدم إقصائها وتهميشها، ومرجعية الشعب وسيادته، كان متزامناً مع الاحتجاجات الشعبية الواسعة في العالم العربي، كما وتعتبر أيضاً كلّها إرهاصات طبيعية لزلزال الثورات الذي حدث، وهي تفصح بما لا يدع مجالاً للشك، عن الرغبة الجامحة لهذه الشعوب في التغيير الجذري والشامل المفضي إلى تحوّل حقيقي نحو الديمقراطية.

ومع بروز مفهوم الثورة وبقية المفاهيم ذات الصلة على السطح، أي بعد اندلاع الثورات العربية، تزامن معه أيضاً بروز مشكلة منهجية وقع فيها العديد من الكتّاب والإعلاميين وبعض السّاسة أيضاً. تتمثل هذه المشكلة في الخلط الواضح والفاضح للمفاهيم، مما أدّى إلى الغموض في تفسير الكثير من الأحداث والمفاهيم وعدم دقّة توصيف ما جرى وما يجري.

ويلحظ ذلك في العديد من الكتّابات والنقاشات المثارة، فمثلاً هناك من لا يفرق بين مفهوم «الثورة» كحركة شعبية واسعة تعبّر عن الرغبة في التغيير الجذري للأوضاع القائمة، وبين مفهوم «التظاهر» أو «العصيان المدني» أو «الإضرابات»، التي تعبّر غالباً عن الاحتجاج على فعل معيّن، وتستهدف الضغط على النظام السّياسي لتعديل سلوكه تجاه قضية ما، أو لفت النظر لمشكلةٍ مّا، أو إيصال رسالةٍ مّا إلى المعنيين، أو الدعوة للإصلاحات السّياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.

كما أنّ هناك من يخلط بين مفهوم الثورة المسلّحة ومصطلح النزاع الطائفي أو الانقلاب وغيرها من المفاهيم ذات الصلة. ويجري استخدام مصطلح «ثورة » لدى البعض، دون التأكّد من الدلالة الصحيحة لهذه الكلمة، وغالباً ما يُستعمل هذا المصطلح لوصف انقلاب عسكري أو انتفاضة أو هبة شعبية مؤقّتة، تقود إلى تغيير تجميلي في نظام الحكم السائد( ).

من هنا تؤكّد هذه الدراسة على ضرورة الوقوف على مفهوم الثورة وتلك المفاهيم لتحديدها بدقّة، كي لا يستمرّ ذلك الخلط أولاً، الذي يبعد الباحث عن التوصيف الحقيقي للأحداث، وفهم طبيعتها وماهيتها. ومن ناحية ثانية، يتجنّب الباحث الوقوع في إشكالات منهجيّة متعلّقة بتفسير الظاهرة محلّ الدراسة، وتشخيص سماتها وتحليل أسبابها، إلى جانب بقية الظواهر المرتبطة بها.

ويختلف مفهوم «الثورة» في اللغة العربية عمّا يقابله في اللغات اللاتينية. فقد استعمل العرب كلمة «ثار، يثور» بمعنى الغضب والانتشار، وبمعنى الهياج. ومعنى «ثار عليه» تعني: تمرَّد عليه، وأعلن الثورة والعصيان. ومن ذلك اشتقاق اسم الثور (ذَكَر البقر) لغلبة الهياج عليه. كما يربط اللسان العربي لفظ «الثورة» بمعاني عدم الانضباط والغضب.

وغيرُ خافٍ على الجميع، بأنّ مفهوم الثورة، هو واحد من المفاهيم الأكثر شيوعاً في حقل التاريخ والسّياسة. فهو مفهوم سياسيّ له معانٍ متعدّدة، من بينها الآتي:

1- الخروج عن الوضع الراهن وتغييره، إمّا إلى الأفضل أو إلى الأسوأ، باندفاع يحرّكه عدم الرضا، والتطلّع إلى الأفضل( ).

2- الاندفاع العنيف من جماهير الشعب نحو تغيير الأوضاع السياسيَّة والاجتماعية تغييرًا جذريًّا.

3- الخروج عن الوضع الرّاهن لإحداث تغيير سريع وجذري في شتى مناحي الحياة السّياسية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية.

4- عملية انفجار شعبيّ هائل، يأتي بعد عناء وتحمّل الشّعب أكثر مما يحتمل جرّاء سوء الأوضاع السّياسية والاقتصادية والاجتماعية.

5- فعل مكلّف، وهي أقرب إلى المغامرة والمقامرة منها إلى أيّ شيءٍ محسوب بدقّة، والميل الإنساني التاريخي نحو التغيير والتخلّص من الأمر الواقع الفاسد يفضّل الإصلاح التدريجي إن كان قيد الاستطاعة، على الثورة العارمة، مضيفاً إن الإصلاح التدريجي يوفّر على المجتمعات أكلافاً كبيرة تضطر لدفعها في خضم اندلاع الثورة، ذلك أن الثورة عندما تنفجر مدفوعة بأسباب حقيقية تطال شظاياها كلّ جوانب حياة المجتمعات، وتزلزل ما استقرّ من زمن طويل، لكن عندما تنسدّ كلّ منافذ الإصلاح التدريجي أو حتى البطيء جدًّا تجد الشعوب نفسها أمام خيار الثورة بكلّ أكلافه( ).

التعريفات المعجمية للثورة :

أ- التعريف التقليدي القديم الذي وضع مع انطلاق الشرارة الأولى للثورة الفرنسية، هو قيام الشعب بقيادة نخب وطلائع من مثقفيه لتغيير نظام الحكم بالقوة. وقد طور الماركسيّون هذا المفهوم بتعريفهم للنخب والطلائع المثقفة بطبقة قيادات العمال التي سمّاهم البروليتاريا.

ب- التعريف المعاصر وهو الأكثر حداثةً، ويعني التغيير الذي يحدثه الشعب من خلال أدواته «كالقوّات المسلّحة» أو من خلال شخصيات تاريخية لتحقيق طموحاته لتغيير نظام الحكم العاجز عن تلبية هذه الطموحات ولتنفيذ برنامج من المنجزات الثورية غير الاعتيادية. والمفهوم الشعبي الدّارج للثورة يعني الانتفاض ضدّ الحكم الظالم.

وقد تكون الثورة شعبية مثل الثورة الفرنسية عام 1789 م، وثورات أوروبا الشرقية عام 1989 م، وثورة أوكرانيا المعروفة بالثورة البرتقالية في نوفمبر 2004 م، أو عسكرية وهي التي تسمّى انقلاباً، مثل الانقلابات التي سادت أمريكا اللاتينية في حقبتي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، أو حركة مقاومة ضدّ مستعمر، مثل الثورة الجزائرية (1954-1962)( ).

وبحسب موسوعة المعرفة، فإنّ مفهوم الثورة أصبح يستعمل في سياقات متعدّدة، كالثورة الصناعية، والثورة العلمية، والثورة الالكترونية، والثورة المعلوماتية، والثورة النفطية، وما شابه ذلك. واستُعمل مفهوم الثورة في الأدبيات السّياسية العربية بمعانٍ إضافية، أهمّها:

أ- وصف تحرّك المقاومة المسلّحة ضدّ احتلال أو عدوان أجنبي، كالثورة الجزائرية ضدّ الاستعمار الفرنسي، والثورة السورية الكبرى، وثورة إبراهيم هنانو وأمثالها في سورية ضدّ الاستعمار الفرنسي أيضاً، كما وصفت المقاومة المسلّحة الفلسطين ية ضدّ الاستعمار الاستيطاني الصهيوني بالثورة الفلسطين ية، وجميع ذلك وأمثاله لا يثير إشكاليات كبيرة تتجاوز حدود الاختلاف اللغوي وتعدّد النظرات في استعمال مفاهيم اصطلاحية.

ب- إطلاق كلمة ثورة على تحرّك قوة عسكرية ضدّ سلطة قائمة، على نطاق واسع كما كان مع ما سمّي بالثورة العربية الكبرى ضدّ السّلطة العثمانية، أو في حدود بلد من البلدان (انقلابات)، كما كان مع «ثورة 23 يوليو» المصرية ضدّ آخر سلاطين سلالة محمد علي باشا، ويسري ذلك على الانقلابات السورية، وآخرها ما سمّي «ثورة شباط التصحيحية»، وعلى انقلابات مشابهة في العراق وليبيا واليمن والسودان وسواها. وهنا تتجاوز الإشكاليات الجانب اللغوي إلى «المفهوم الاصطلاحي» وإلى مقدّمات الحدث وتقويمها، ووقائعه وتفسيرها، وحصيلته وموقعها من الرّؤى والتصورات المتباينة والمتعدّدة وما ينبثق عنها من أهداف التغيير( ).

بينما الثورة كمصطلح سياسي يعني: قيام الشعب بقيادة نخب وطلائع من مثقّفيه لتغيير نظام الحكم بالقوة. ووجد هذا التعريف مع انطلاق الشرارة الأولى للثورة الفرنسية. في حين يصرّ العديد من علماء الاجتماع على تعريف «الثورة» بوصفها عملية تغيير شامل وجذري في توزيع مصادر القوّة وعمليات الإنتاج في المجتمع( ).

وفي تعريفه لمفهوم الثورة، يقول «أيرك هوبزباوم»: إن الثورة هي تحوّل كبير في بنية المجتمع. ويركز هوبزباوم على فكرة التحوّل في إطار الأوضاع الأوروبية ما بين عامي (1789 – 1848).

ويشير هذا التحليل إلى أربعة عناصر يجب النظر إليها عند الحديث عن الثورة:

العنصر الأول: الخصوصية، وهنا يركز هوبزباوم على أن لكلّ ثورة خصوصيتها من حيث الزمان والمكان، وليس هناك تشابه أو تطابق بين ثورتين. وينطبق ذلك على السياق العربي، حيث لكلّ بلد خصوصيته من التكوين الديموغرافي والطبيعية الجغرافية وحتى الطبائع البشرية. فتونس تختلف بتركيبتها الديموغرافية وطبيعتها الجغرافية وطبائع شعبها عن الشعوب المجاورة، فلها خصوصيتها التي تميّزها عن الآخرين.

العنصر الثاني: انتصار منظومة جديدة على منظومة قديمة. وفي الإطار العربي، يمكن الحديث عن غلبة منظومة قيمية عربية جديدة بكافّة جوانبها على منظومة قيمية قديمة.

العنصر الثالث: يتّخذ من البعد الجغرافي للثورة وحدة تحليل، حيث يشير هوبزباوم إلى تأثير الثورات في مناطق دول الجوار، وفي صيرورة التحوّل فيها، في إشارة منه إلى أوربا وأمريكا الشمالية.

وفي السياق العربي، يبرز هذا البعد بصورة جليّة في انتقال الثورة من دولة إلى أخرى، وذلك نظراً للتقارب الجغرافي، ووحدة الدين واللغة، والتاريخ المشترك، والتقارب في الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي لأغلب الدول العربية. وثورة تونس يجب أن تفهم ضمن هذا السياق، حيث امتدّت موجات الثورة إلى مناطق جغرافية مجاورة في اتجاه الشرق والغرب.

العنصر الرابع: يعتمد على التراكمية، وهنا يرجع هوبزباوم تفجّر الثورة إلى عوامل متراكمة عبر السنين، حيث أحدثت ضغطاً على القاعدة، فولّدت الانفجار الذي يجسّد حالة الثورة. وفي السياق العربي، تعتبر الثورات العربية، هي نتاج تراكم عوامل ضغط اجتماعية واقتصادية وسياسية على القاعدة الشعبية، مما أدّى إلى تفجّر الثورات، وهذا ينسحب على العديد من الدول العربية التي شهدت وستشهد ثورات مشابهة. وفي السياق الأوروبي، تحدث هوبزباوم عن أزمات الأنظمة البائدة شمال وغرب العالم، وعن فقدان الشرعية واستفحال الاستبداد ومصادرة الحرية، بالإضافة إلى الأزمات الاقتصادية.

وهذه الأزمات تمثّل القاسم المشترك مع الواقع العربي، حيث تولّدت في السنوات الأخيرة عدد من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وأزمات حقوق الإنسان والحريات، التي أسهمت بشكل رئيس في تفجّر هذه الثورات العربي( ). وبغضّ النظر عن اشتقاقات مفهوم الثورة لغويًّا وتعاريفها المتعدّدة، فإنّ الإيحاءات الكامنة له تشير إلى الآتي:

- ارتبط بمعنى التغيير الشّامل أو الجذريّ.

- يشير إلى وجود تحوّلات كبرى ورئيسة في البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

- يشير إلى تغيّرات تحدث عن طريق العنف أو الانقلاب في شكل حكومة بلدٍ مّا.

- وصف حدث يغيّر الأوضاع بصورة شاملة أو جزئية في نطاق جغرافي واسع أو في إطار بلدٍ من البلدان، انطلاقاً من طاقة الغضب والرفض إزاء وضعٍ مّا، وصولاً خلال فترة وجيزة نسبيًّا إلى هيكل سيطرة جديدة.

ومعنى الثورة الذي يميل إليه الباحث في هذه الدراسة، يتقاطع إلى حدٍّ كبير مع المفاهيم السابقة، إلا أنه يقترب كثيراً إلى المفهوم الذي ذهب إليه أيرك هوبزباوم. فالثورة، تعني مجمل الأفعال والأحداث الشعبية الواسعة، التي تؤدّي إلى قطيعة بين منظومة قديمة ومنظومة حديثة، وتقود إلى تحوّلات كبرى وواسعة وتغييرات جذرية وعميقة، في الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وينتج عنها إعادة توزيع لموازين ومصادر القوّة في المجتمع.

وتجدر الإشارة إلى أن الثورة كفعل احتجاجي شعبيّ واسع ذي طابع سياسيّ، قد ينشأ بصورة عفوية وبطريقة غير منظّمة، كما في الحالة التونسية، وقد يكون بقصد وبصورة منظّمة، كما في الحالة المصرية. ففي كلتا الحالتين ستؤدّي الثورة، بحسب توصيف هوبزباوم، إلى قطيعة بين المنظومة القديمة والمنظومة حديثة، كما أنّ مجمل الثورات العربية، ناجمة في الأساس عن حالة الغضب الكامن لسنوات طويلة، ومن المتوقّع أنها ستطوي خلفها حقبة طويلة وقاسية من الاستبداد السّياسي، وستفضي، ولو بعد حين، إلى إقامة نظم سياسية تؤمن بمبادئ وقيم الديمقراطية، وتلك بدورها ستخلق أوضاعاً مختلفة عمّا سبق. لكن كل ذلك، لن يحدث بسهولة وبدون تحدّيات أو في فترة زمنية قصيرة أيضاً، فالمسألة قد تحتاج إلى تجاوز العديد من العوائق وعقود من الزمن.

ثالثاً: ماهيّة ثورات الربيع العربي

الحدث الذي تمثل في إضرام الشّاب الجامعي محمد البوعزيزي النار في نفسه بتونس في 17 ديسمبر 2011 م، في بلدة سيدي بوزيد( )، في الجنوب التونسي، اصطلح على تسميته بـ «شرارة الربيع العربي». هذا الحدث الصغير في حجمه، والكبير في معناه ومضامينه، سرعان ما تحوّل فيما بعد إلى فعل احتجاجي من قبل بعض الأفراد التونسيين الغاضبين والمقهورين، ثم إلى تظاهرات حاشدة امتدّت إلى معظم المدن التونسية بما فيها العاصمة، والأخيرة تحوّلت إلى ثورة عارمة أطاحت بزين العابدين بن علي، وأطلق على تسميتها بـ «ثورة الياسمين».

كان لافتاً أنّ فاعل الحدث فردٌ واحدٌ، ثم تحوّل إلى فعل احتجاجي قامت به مجموعة من الأفراد قد لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد الواحدة، ثم تحوّل إلى تظاهرات حاشدة ضمّت المئات ثم الآلاف، حتى تحوّلت لاحقاً إلى ثورة شعبية عارمة شارك في صناعتها معظم أبناء الشعب التونسي. كان يمكن أن يمرّ حدث بوعزيزي الصغير، كأيّ حدث عابر يبدأ ثم سرعان ما ينتهي. لكن سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، مضافاً إلى الاحتقان السّياسي في تونس الذي قد بلغ أقصى مداه طيلة حكم زين العابدين بن علي الذي دام 23 عاماً، كان هو العامل الذي حوّله إلى حدث هائل، لا زالت مفاعيله قائمة ومستمرّة.

كما كان بالإمكان أيضاً ألا يتعدّى ذلك الحدث أبعد من حدود تونس، لولا وجود أرضية خصبة في العالم العربي، مشابهة تماماً لما هو موجود في تونس، تتمثّل في الظلم والفساد والقهر والحرمان، وهي الأرضية التي تعتمل فيها براكين الاحتجاجات والثورات. وهذا ما يفسّر سرعة انتشار الثورات إلى سائر الأقطار العربية، كانتشار النار في الهشيم.

إنّ تداعيات الحدث الذي تمّ في تونس لم تقف في حدود جغرافيا هذا البلد فحسب، وإنما امتدّت وبسرعة هائلة إلى مصر، ثم ليبيا، ثم اليمن، وأسقطت الأنظمة الحاكمة هناك، ولم تنتهِ فصول المشهد بعد إلى تلك الأقطار فقط، وإنما اتّسعت الدائرة بشكل أوسع لتصل الشّرارة إلى أقطار خليجية وعربية أخرى كسورية والبحرين، والسعودية، وسلطنة عمان والمغرب والأردن وغيرها من الأقطار، ولا زالت تداعيات الحدث آخذة في الاتّساع والتمدّد.

إنّ عملية انتقال الثورة من تونس إلى العديد من الأقطار، وكذلك سرعة استجابة الشعوب العربية للثورات، يؤشّر على مدى حجم السخط والاحتقان الذي يكتنفها. علماً بأن الشعوب العربية بطبيعتها مسالمة ولا تحبّذ الصدامات والنزاعات والثورات، كما تودّ الاستقرار والتعايش السلمي مع أنظمتها السياسية، إلا أن حالة القمع والفساد والجمود والاضطهاد والاستبداد السّياسي، هي التي تدفع شعوب المنطقة لتبنّي الثورات كخيار وحيد وأخير للإصلاح والخلاص ووضع حدّ للفساد والاحباطات.

كما أن فعل الشاب التونسي الذي أضرم النار في نفسه، هو الآخر لا يعبّر عن غضبه الذاتي فحسب، وإنّما يعبّر عن سخط الشارع العربي كلّه، ولهذا التقط التونسيون تلك اللحظة وحوّلوها إلى فرصة تاريخية مفصلية طوت عهد الاستبداد. كما أن الشرارة التي انطلقت من مدينة بوزيد التونسي النائية، أحدثت زلزالاً هزّ العالم كلّه، وتجلّت مفاعيله في سلسلة من الاحتجاجات والثورات الشعبية العارمة والواسعة، التي غيّرت العديد من المعادلات والحسابات السياسية الدولية وأسقطت أربعة من أعتى الأنظمة الاستبدادية في المنطقة.

ولقد أطلق على ظاهرة الثورات بحجمها الواسع الذي شهدها العالم العربي تسمية «الربيع العربي»، وهو المصطلح الذي بات يعبّر عن حقبة زمنية جديدة ومختلفة، بدأ يعيشها العالم العربي بكلّ حمولاتها ومفاعيلها السّياسية. كثيرون وصفوا ظاهرة الاحتجاجات والثورات في العالم العربي، التي اجتاحته وعصفت به من أقصاه إلى أقصاه، بـ «الزلزال». وبعد تلك الثورات والاحتجاجات أثيرت أسئلة عديدة في أوساط سياسية وثقافية وإعلامية بحثية متنوعة، بغرض تعرّف ماهيّة هذه الظاهرة الجديدة، ودوافعها ومحرّكاتها وكلّ ما يتصل بها.

وبهذا يمكن النظر إلى عام 2011، بوصفه عاماً تاريخيًّا ومفصليًّا، لسببين، على الأقل:

أولاهما: إنّ المتغيرات الكبرى التي حدثت في العالم العربي ولا تزال، من قبيل تغيير بعض النظم السّياسية، ستلقي بظلالها وتأثيراتها على أجزاء كثيرة في العالم، خصوصاً الذي تتشابك مصالحه الاقتصادية والسّياسية، وبشكل مباشر، مع مصالح هذه المنطقة الحيوية والمهمّة استراتيجيًّا، وسياسيًّا، وجغرافيًّا.

هذا فضلاً عن الأهمية الاقتصادية، التي تمثّلها المنطقة العربية نظراً لتنوّع مواردها الاقتصادية، واحتوائها على كميات هائلة من النفط والغاز الطبيعي، كما تمثل أيضاً رابطاً بين قارات العالم، مما ينعكس تأثيرها إيجاباً أو سلباً على الاقتصاد العالمي وطرق التجارة العالمية، مضافاً إلى أن المنطقة العربية تشرف على ثلاث بحار مهمّة هي البحر الأحمر والمتوسط والخليج العربي، التي تلعب دوراً مهمًّا على الصّعيدين التجاري والاقتصادي العالمي.

والسبب الثاني، يعود إلى طبيعة الأحداث والمتغيّرات التي حدثت في المنطقة العربية، بعد موجة الربيع العربي، فهي أحداث إستراتيجية كبرى وليست أحداثاً اعتيادية وهامشية، مما سيكون لها تداعيات كبيرة، حاضراً ومستقبلاً، وعلى صُعُدٍ متعدّدة.

فحدث فرار الرئيس التونسي زين العابدين بن علي على متن طائرة خاصّة خارج بلاده، وسجن الرئيس حسنى مبارك في مصر وخضوعه للمحاكمة في بلاده، وكذلك الرئيس الليبي، وإعلان الرئيس اليمني علي عبد الله صالح رحيله من البلاد. هذه الحوادث، التي رافقها تغييرٌ في بنية الأنظمة السّياسية، التي كان على رأسها هؤلاء الحكّام، على سبيل المثال وليس الحصر، هي أحداث كبيرة في دلالاتها وعميقة في مفاعيلها وتداعياتها.

وبما أنّ الشعوب العربية، ومنذ زمن طويل، كانت تحلم وتترقّب حدوث مثل هذه المتغيّرات الجوهرية، لهذا تفاعلت معها وبشكل مذهل، مما أدهش كلّ المراقبين. هذا التفاعل هو الآخر، يؤشّر على حالة التّوق الشديد للحرية والشراكة السّياسية، كما هو مؤشّر على حالة اليأس والإحباط الشّديدين من الأنظمة الحاكمة، التي لم تتمكّن من تحقيق أدنى أحلام وتطلّعات هذه الشعوب، مع توافر كلّ الإمكانات البشرية والمادية.

بيد أن سقوط أربعة من الأنظمة السّياسية في المنطقة، بسبب الثورات الشعبية وفي فترة وجيزة جدًّا، إذ لم تتجاوز العام الواحد تقريباً، خلّفت وراءها العديد من الأسئلة والنقاشات، كما أفرزت العديد من المتغيّرات، أبرزها تمثّل في البحث في مدى إمكانية إقامة أنظمة سياسية جديدة في تلك البلدان، تؤمن بالتعدّدية والحرية والشراكة السّياسية والتداول السّلمي للسلطة. وفي حال تمّ بناء هذا النمط من الأنظمة السّياسية ستتغيّر صورة المشهد السّياسي العربي، وبشكل دراماتيكي، خصوصاً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن النّسق السّياسي في العالم العربي هو أكثر الأنساق تأثيراً على سائر الأنساق.

رابعاً: فلسفة ثورات الربيع العربي وأهدافها

ليس بإمكان أيّ ثورة أن تنجح وتصل إلى أهدافها أو بعضها بدون رؤية واضحة وخطة مدروسة وتنظيم محكم وتوجيه دائم، كما أن الثورة التي لا تتضمّن تلك العناصر مآلها الفوضى والتخبط ثمّ الفشل. لكن المتابع للكيفية التي من خلالها اندلعت ثورات الربيع العربي بدءاً من تونس ومروراً بسائر الأقطار العربية، التي شهدت تلك الاحتجاجات، خصوصاً في بداياتها، لا يرى أنها تحتوي على أيٍّ من تلك العناصر المشار إليها أعلاه، بل ما هو أكثر إلفاتاً في تلك الثورات، أنّها قد بدأت بصورة عفوية وفجائية وبدون سابق تخطيط.

عدم وجود تخطيط أو برنامج مسبق للثورات العربية في بداية انطلاقتها، لا يعني بالضرورة أنّها استمرّت على هذا النحو. ولو كان الأمر كذلك لما كتب لبعضها النجاح، وفي فترة قصيرة جدًّا، كما في الحالة التونسية والمصرية مثلاً. لقد اعتمدت هذه الثورات بشكلٍ أساسٍ، كما يشير أحد الباحثين، على الحسّ العفوي كمصدر أساسيّ لنظرية الثورة، وعلى خفّة الحركة كأسلوب أساسٍ لممارسة الثورة. وعليه، فإن الثورات العربية استلهمت نظرية وأسلوب الثورة من مصدر قريب منها، تمثّل في الثقافة الشعبية العامّة( ). ولقد أصبح القهر والحرمان الممزوج بالذلّ، كالوقود الذي فجّر وأشعل شرارتها في تونس، وزوّدها بالاستمرار والانتشار السّريع في العديد من الأقطار العربية.

مع أنّ الغضب الكامن في نفوس المواطنين العرب هو أحد محرّكات الثورات الأساسية، إلا أنّ مسارها لم يكن هو الانفعال والهيجان، ولو كان الأمر كذلك لكان الطابع العام للثورات العربية هو العنف والفوضى، في حين أنّ نقيض ذلك السلوك هو الذي برز على السطح.

لهذا أصبحت «السّلمية» هي السّمة الأبرز للثورات في معظم الأقطار العربية. واستطاع الثّوار الشبّان الذين نزلوا إلى الميادين والساحات، واكتّظت بهم، استطاعوا أن يحوّلوا الغضب الجماهيري الكامن في النفوس إلى قوة سياسيّة فاعلة وضاغطة، استطاعت أنْ تحرّك عجلة التغيير في بعض الأقطار العربية، وتحديداً في دول الربيع العربي، بعدَما أجبرت الأنظمة الدكتاتورية فيها على التنحّي عن السّلطة والتخلّي عن مناصبهم، كما أوصلت رسالة بالغة الوضوح إلى العديد من الأنظمة العربية الأخرى، مؤدّاها: أنْ بادروا في الإصلاحات المرجوة قبل أن يجرفكم طوفان الثورة القادم، ومن ثم يصبح مصيركم كمصير نظرائكم.

صحيح أنّه لم يكن على رأس الثورات العربية قيادات ملهمة، تحرّك الجماهير وتوجّهها الوجهة التي تريد، كما هو شأن الثورة الإسلامية في إيران 1879م مثلاً، كما خلت الثورات العربية أيضاً من وجود فلاسفة ومنظّرين للحراك الثوري، الذي يتناسب مع مختلف مراحل التغيير، ولم يكن خلفها أحزابٌ سياسية تعبّئ الجماهير وتشحذ هممهم وتوجّه طاقاتهم لممارسة مختلف أشكال الأعمال الثورية المطلوبة.

كلّ تلك العناصر، ووفق الأشكال التقليدية المعهودة سابقاً، لم تكن موجودة. لكنّ الشيء المؤكّد أن ثَمَّةَ رؤية جماعية مشتركة للثوار، كانت تُصنع في الشوارع والميادين، وعبر مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك من خلال عملية الحوار المستمرّة، حتى أضحت هي البديل الموضوعي عن القائد الموجّه والفيلسوف المنظّر والحزب المنظّم. وتولّدت أساليب جديدة من الحراك الثوري لم تكن معهودة من قبل.

إنّ بروز هذه الأنماط الجديدة من العمليات والعناصر، التي أضحت سمات بارزة للثورات العربية، مردّه تطوّر وسائل الاتصال وتقنياته، وسهولة التواصل بين الناس، إلى جانب ارتفاع مستوى الوعي السّياسي والحقوقي في صفوف الشباب، الذين يمثّلون الشريحة الأوسع والأكثر تأثيراً في العالم العربي. مضافاً إلى حالة الإبداع الذي يتمتّع به الشّبان.

وفيما مضى سمّيت الثورة في إيران بثورة «الكاسيت»؛ لأنّها اعتمدت على الكاسيت كوسيلة أساسية وبارزة للتوجيه والتعبئة والتثقيف السّياسي، في حين أنّ ثورات الربيع العربي اعتمدت بشكل كبير على مواقع التواصل الاجتماعي، والقنوات الفضائية التي كانت تنقل الأحداث لحظة بلحظة، مضافاً إلى الحوارات السّياسية التي كانت تجري في الشوارع والميادين باستمرار. زِدْ على ذلك، عملية محاكاة الثورات لبعضها بعضاً واقتباس الثّوار منها ما يتناسب مع ظروف وخصوصيات البلد الذي بدأ يعيش حراكاً ثوريًّا جديداً.

فالرؤية التي تبنّتها الثورات العربية، لم تكن معقّدة أو غامضة، بل كانت في غاية البساطة والوضوح. لقد اختزلت الرؤية تقريباً في مطلبين أساسين لم يختلف عليهما اثنان:

الأول: ضرورة انعتاق المجتمع من هيمنة الاستبداد السّياسي، وبصورة سلمية.

وثانيهما: إقامة نظم سياسية تُعزّز حاكمية القانون والشّراكة الشعبية وتحقّق العدالة والمساواة الاجتماعية وتحترم الحريات العامّة.

إنّ سلمية الحراك الثوري وبساطة ووضوح الرؤية التي تبنّاها الثوار، حقّقا العديد من المكاسب المهمّة، كان أبرزها تبنّي غالبية الثّوار لها، مما شكّل إجماعاً حقيقيًّا حولها، إذ أصبحت هي البديل الموضوعي للقيادة الجامعة.

إلى جانب ذلك، فقد لاقت الثورات العربية ترحيباً وقبولاً دوليًّا، مما شكّل إلحاح الثوار بالمطالبة بتجسيدها، ضغطاً حقيقيًّا على النظم السّياسية التي ثار الناس ضدّها. في ظلّ هذه المعطيات الجديدة، وجد رأس النظام في تونس ومصر، على الأقلّ، نفسه مجبراً على الاستجابة لضغط الشّارع والانصياع التّام لمطالب الثّوار، ولا سيّما انّ مواقف الدول الكبرى كانت تدفع في هذا الاتّجاه وإن جاءت متأخرة.

أمّا بالنسبة إلى النهج الذي سلكته الثورات العربية، فلقد كان سلميًّا في معظم الأقطار العربية التي اندلعت فيها الثورات، واتّضح ذلك من خلال الشّعارات التي ردّدها المتظاهرون في مختلف الميادين والسّاحات، وكذلك أيضاً من خلال مجموع الأعمال الثورية المدنية، التي اعتمدها المحتجّون كوسائل ضغط لإسقاط الأنظمة المستبدّة.

وفيما يتعلّق بأهداف الثورات العربية، فيمكن إجمالها في هدفين رئيسين، كانا محلّ إجماع لمعظم المواطنين العرب، وهما:

1- الإطاحة بالنظم الاستبدادية بكافّة شخوصها ورموزها، وهذا يتطلّب إحداث قطيعة كليّة مع الحقبة الماضية المليئة بالمآسي والحزن والألم والتخلّف والفساد.

2- إقامة نظم ديمقراطية حقيقية وفاعلة، تحقّق ما عجزت عن تحقيقه النظم السّابقة، وتلبّي الحدّ الأدنى والمعقول من تطلّعات الجماهير التي صنعت التغيير.

وهذا يُعزّز الفكرة القائلة: بأنّ الثورات العربية، وإنْ انطلقت في بدايتها بدون برنامج مسبق، إلا أنّها لم تَبْقَ على هذا النّحو، فالادّعاء بذلك، هو تشخيص يخلو من الموضوعية، كما أن القول بأنّ ما جرى ويجري في العالم العربي، الذي انفجر من أقصاه إلى أقصاه، ما هو إلا مجرّد مؤامرة أو تمرّد وسخط وهيجان اجتماعيّ فوضويّ وعبثيّ، وإن الثورات تفتقر إلى فلسفة (رؤية) أو فلاسفة ومنظّرين، أيضاً هو الآخر تشخيص لا يستقيم مع الواقع. مع وجود مؤاخذات عديدة على الرؤية أو برامج العمل أو بعض التفاصيل المرتبطة بهما، ولكن هذا لا يلغي أو ينفي وجودهما.

كما أصبح الثوار الشّباب في العالم العربي بإبداعاتهم الثورية ووعيهم وحواراتهم المستمرّة، كالفلاسفة والمنظّرين والقادة الموجّهين الذين قادوا ونظروا للثورات التاريخية الكبرى التي حدثت في التاريخ الغابر، وفي أكثر من مكان. وهذه ميزة جديدة تميّزت بها الثورات العربية، وهي بحاجة إلى المزيد من الدراسة والتأمّل. ولقد برهنت الثورات العربية على أن قابلية معظم الشعوب العربية للتعايش مع الأنظمة الاستبدادية التي ذاقت منها الأمرّين قد نفذت أو أنها في طريقها للنفاذ.

يبدو أنّ شعوب المنطقة فقدت الثقة من الأنظمة القائمة. والتفكير الذي يشغل بالها اليوم يتمثّل في كيفية الإطاحة بها، وفي أن يُستبدل بها نُظُماً سياسية ديمقراطية، وإنّ الطريق الأمثل والأقصر إلى تحقيق ذلك الحلم، صار في نظرهم هو خيار «الثورات السّلمية المدنية».

هذه القناعة ما كان لها مجال لتتولّد لدى الشعوب العربية وتنمو إلا بعد سيادة حالة الإحباط وفشل كلّ وسائل ومحاولات وتجارب الإصلاح الأخرى. والسبب في ذلك يعود إلى تعسّف وجمود الأنظمة، كما أن التجارب القائمة، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أيضاً بأن لدى الشعوب العربية مخزوناً هائلاً من الاستعداد الكبير للتضحية في سبيل تغيير واقعها السّيئ لأجل العيش بحرية وكرامة ورفاه.

خامساً: الاتجاهات التفسيرية لظاهرة ثورات الربيع العربي

بعد اندلاع الاحتجاجات والثورات في العالم العربي برزت اتجاهات عديدة سعت إلى تفسير هذه الظاهرة، وكان أبرزها ثلاثة اتجاهات:

1- الاتجاه الأول: ويرى أصحابه بأنّ ما حدث في العالم العربي هو عبارة عن تمرّد عبثي وغوغائي، مصدره الشباب العابث والعاطل عن العمل، وهم قلّة لا يمثّلون إلا أنفسهم، بحسب هذا الاتّجاه، كما أنّ هؤلاء المتظاهرين يستهدفون من خلال التظاهرات والاحتجاجات التي يمارسونها في الشوارع والميادين الإضرار بالمجتمع وتخريب الممتلكات العامّة وإشاعة الفوضى وزعزعة الأمن وتهديد الاستقرار في الوطن.

كلّ الأنظمة الاستبدادية التي حدثت في بلدانها ثورات واحتجاجات بلا استثناء، كان حكّامها ينتمون إلى هذا الاتّجاه، ويتبنّون هذا التفسير. فالرئيس المصري المخلوع حسني مبارك مثلاً كان يصف الثّوار بـ «شويّة عيال»، والرئيس القذّافي الذي قتل على يد الثّوار وسمهم بـ «الجرذان»، والرئيس اليمني وبعض مشيخات الخليج وصفوا المحتجّين بـ «المخرّبين» و «الانقلابيين».

قادة الأنظمة السياسية ليس وحدهم من تبنّوا ذلك التفسير ووصفوا الثوار بأقذع الصفات، وإنما المرتبطون بهم أو المحسوبون عليهم كالوعّاظ والعلماء وبعض المثقّفين والإعلاميين والكتاب، راحوا يردّدون الأوصاف نفسه التي أطلقها الحكّام؛ بغية التقليل من شأن المحتجّين والثّوار وتطويق تأثيرهم، وتشويه حِراكهم، وتبرير قمعهم.

وهذا ما حدث في أكثر من قطر عربي، بل إنّ بعض الدّعاة، ذهبوا إلى أبعد من ذلك، ففي مقال له، بعنوان «الثورات معصية لله»( )، كان يرى الشيخ السعودي سعد بن عبد الرحمن الحصين، أنّ الثورة معصية لله يتولاها العلمانيّون والانتهازيّون. مضيفاً أنّ هذه الثورات العاصية لله ولرسوله ولولاة الأمر من العلماء والأمراء يُحرِّكها شياطين الجنّ والإنس بقنوات الفتنة، مثل: «الجزيرة» القومية، و «المجد» الحركية، و «اقرأ» الصوفيّة، وبمجلات الفتنة، مثل: «البيان» القطبية، و «الأسرة» الإخوانية.

ويستطرد قائلاً: إنّ شرّ وسائل الفتنة هي مواقع الشبكة العالمية، وأشرسُها على الإسلام اليوم بمختلف عناوينه ومؤسّساته، ثم يتلقّفها الانتهازيّون وتّجار السّياسة الرخيصة، ومن أبرزهم في الشّر والفتنة، جماعة الإخوان المسلمين، هداهم الله، أو عجّل بالقضاء عليهم، وأراح عباده الموحّدين من شرّهم وتلبيسهم ودجلهم.

مشيراً، إلى أنّ نجاح أيّ ثورة هو تشجيع للغوغاء لإحداث فتنة وثورة في بلدٍ عربيّ آخر، وبخاصّة في هذه البلاد والدولة المباركة (يقصد المملكة العربية السعودية، والكلام لا زال للشيخ)، التي ميّزها الله بالدين والدنيا، وكثر حسّادها والحاقدون عليها، وحرص شياطين الإنس والجنّ في الداخل والخارج على خلخلة أسسها والتحريض عليها، ولا شكّ في أنّ هذا هو دافع الوسائل الإعلامية الموصوفة بالإسلامية أو العلمانية.

2- الاتّجاه الثاني: يتّفق ممثّلوه مع ما يتبنّاه أصحاب الاتّجاه الأول، لكنهم يرون، علاوة على ذلك، أنّ المتظاهرين والمحتجّين ينفّذون بالضّرورة أجندة خارجية، وأنّ أفعالهم موجّهة من قوى وجهات أجنبية معادية، تستهدف نشر الفوضى الخلاقة في البلدان العربية، بغية تقسيمها والإطاحة بأنظمتها، وتأجيج النزاعات والحروب والفتن الداخلية، لإضعاف تلك البلدان وتفتيتها والسيطرة على مقدّراتها.

فما عبّر عنه مفتي عام المملكة العربية السعودية، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، بشأن المسيرات والمظاهرات التي تشهدها بعض البلدان العربية، في فبراير 2011، بحسب نبأ نيوز، الرياض، هو تجسيد لهذا الاتّجاه. فمفتي المملكة يرى بأن الاحتجاجات الشعبية والثورات العربية «مخطّطة ومدبّرة» من أعداء الإسلام، غايتها تفكيك الدول العربية الإسلامية، وتحويلها من دول كبرى قوية إلى دول صغيرة متخلفة.

وقال آل الشيخ في خطبة الجمعة التي ألقاها في جامع الإمام تركي بن عبد الله بالرياض: إنّ مخطّطات مثيري المظاهرات إجرامية كاذبة لا هدف لها إلا ضرب الأمّة والقضاء على دينها وقيمها وأخلاقها وتفريق كلمتها وتشتيت شملها وتقسيم بلادها والسّيطرة على خيراتها، معتبراً نتائجها سيّئة وعواقبها وخيمة، لما فيها من سفك الدماء وانتهاك للأعراض وسلب الأموال والعيش في رعب وخوف وضلال.

مضيفاً، إن الغاية من تلك الإثارة بعيدة المدى تتمثّل في ضرب الأمّة في صميمها، وتشتيت شملها واقتصادها وتحويلها من دول كبيرة قوية إلى دول صغيرة متخلّفة. داعياً إلى الوقوف موقف الاعتدال والتنّبه من شاحني الأنفس المبتعدين عن السّاحة.

ووصف آل الشيخ مخطّطات مثيري المظاهرات بـ «الإجرامية الكاذبة» لضرب الأمّة والقضاء على دينها وقيمها وأخلاقها. ودعا المسلمين إلى التبصّر في الواقع والعلم بأنّ أعداء الإسلام لا يريدون لنا خيراً، وأنّ الفوضويات التي انتشرت في بعض البلدان العربية جاءت للتّدمير من أعداء الإسلام، الذين يطيعون لهم ويظنّون النّصح من ورائهم، قائلاً:

يا شباب الإسلام، كونوا حذرين من مكائد الأعداء وعدم الانسياق والانخداع خلف ما يروج لنا والذي يهدف منه الأعداء إلى إضعاف الشعوب والسّيطرة عليها وإشغالها بالترّهات عن مصالحها ومقاصدها وغاية أمرها. وحذّر آل الشيخ، مما يبثّ في وسائل الإعلام خصوصاً التي وصفها بـ «الإعلام الجائر» الذي يبثّ الأحداث على غير حقيقتها، وشحن القلوب بلا حقائق لتسيير الأمّة حسب ما خُطّط لها بهدف «التدمير والتخريب».

وأبان آل الشيخ أنّ من نعم الله بعد الإسلام، نعمة الأمن والعافية، فبالأمن يحافظ المسلم على دينه، وتحقن الدّماء، وتصان الأعراض، وتحفظ الأموال، وتؤدّى الحقوق، فلا لذّة للحياة بمالٍ دون أمنٍ، ولا عيش دون أمن. مضيفاً «متى فقد الأمن ساءت الحياة والأحوال، وتبدّلت النّعم، وحلّ الخوف محلّ الأمن، والفقر محلّ الرّغد بالعيش، وحلّت الفوضى مكان انتظام الكلمة واجتماعها، والظلم والعدوان محلّ الرّحمة».

واستشهد آل الشيخ بالأمن والاستقرار في المملكة نتيجة تحكيمها لشريعة الله، ودستورها كتاب الله وسنة رسوله، مما جعل دول العالم تضرب الأمثال بها، داعياً الله أن يوفّق حكّامها وولاة أمرها وقيادتها الرشيدة( ).

3- الاتجاه الثالث: وهو على النقيض تماماً من الاتّجاهين السابقين، إذ يرى أصحابه بأنّ ما حدث في العالم العربي ولا زال، هو فعل احتجاجي شعبيّ واسع النطاق، وليس عبثيًّا. يتصدّره الشّباب الذي يمثّل الشريحة الأوسع والأكبر في الوطن العربي. ولهذا الحراك أشكال وتعبيرات وصور مختلفة، فأحياناً يكون على شكل احتجاجات متفرّقة، وأخرى في صورة اعتصامات منظّمة، وثالثة في شكل هيجان شعبيّ واسع «ثورات مليونية عارمة».

بَيْدَ أنّ تلك الأشكال ناجمة عن الغضب والاحتقان الشّديدين لدى شرائح واسعة من الشعب، كما تعبّر عن السّخط الكبير على الأنظمة الاستبدادية القائمة، التي أساءت إلى الشعب طيلة عقود، وصادرت حقوقه وحرمته من التمتّع بثرواته، وفشلت فشلاً ذريعاً في إرساء مبدأ العدالة وتحقيق التنمية المستدامة والمتوازنة، ولم تفسح المجال للشّراكة الشّعبية، واستفردت بصناعة القرار السّياسي، وأخّرت البلد لعقود طويلة.

والغرض من تلك الاحتجاجات أو الثورات، بحسب ممثّلي هذا الاتّجاه، يتراوح بين الضغط على تلك الأنظمة لإجراء إصلاحات واسعة، خصوصاً في بداية الحراك، أو التغيير الجذري لها، وإقامة أنظمة ديمقراطية على أنقاضها.

وبعبارة موجزة، إنّ ما حدث في العالم العربي هو خليط بين أشكال مختلفة من الأفعال الثورية والاحتجاجية الغاضبة، التي كان في صدارتها الجيل الشاب، الذي لا زال يتطلّع إلى مستقبلٍ أفضل وغدٍ أكثر إشراقاً. ممثّلو وأنصار هذا الاتّجاه، يرفضون رفضاً باتًّا وصف احتجاجاتهم بالعبثية والغوغائية والانفعالية الطّائشة، كما ينفون نفياً قاطعاً بأن يكون لها أيّ صلة بتحريض الخارج، أو تنفيذ أيّ أجندة خارجية.

فهم يؤكّدون على وجود أسباب وعوامل داخلية تتعلّق بالكرامة والحرية والفساد والظلم والاضطهاد، وهي التي دفعتهم للثورة والاحتجاج. تمثّل هذا الاتّجاه غالبية الجماهير العربية التي خرجت إلى الميادين والشوارع، مطالبة في البداية بإصلاحات سياسية واجتماعية متواضعة إلى أن انتهى بها المطاف للمطالبة بإسقاط النظام، خصوصاً بعد تعنّت الأنظمة ومكابرتها وعدم استجابتها لتلك المطالب.

يضمّ هذا الاتّجاه شرائح واسعة من المثقّفين والناشطين والإعلاميين والكتّاب والحركيين المنتمين لبعض حركات الإسلام السّياسي والقوى الإصلاحية الصّاعدة في المجتمعات العربية، الذين كان لهم دورٌ فاعلٌ وبارزٌ في دعم ومناصرة وترشيد الحراك الجماهيري.

ولا داعي هنا لتقديم نماذج من المواقف والتصريحات، لممثّلي ومناصري هذا الاتّجاه، إذ يكفي النظر إلى الحشود البشرية الهائلة التي كانت تتظاهر وتحتجّ في الميادين والشوارع في عواصم الدول العربية التي حدثت فيها تلك الثورات، فهي خير معبّر عن حجم وسعة هذا الاتّجاه.

بَيْدَ أنّ هناك من يميل إلى تفسير ما حدث في تونس ومصر وليبيا وسائر الأقطار العربية والخليجية التي انتقلت إليها شرارة الثورات العربية، بأنها «ثورة واحدة»، وليست ثورات متعدّدة. من بين أصحاب هذا الرأي الرئيس المثقّف المنصف المرزوقي، وهو أول رئيس لتونس بعد الثورة التي أطاحت بزين العابدين بن علي، إذ يرى أن ثورات الربيع العربي، كلّها ثورة واحدة وليست ثورات متعدّدة، مؤكّداً «أنّنا أمام ثورة عربية واحدة تختلف حسب البلدان في بعض التفاصيل، إلا أنها في النهاية واحدة»( ).

في حين أن كثيراً لا يتوافقون مع هذا الرأي، إذ يرون أنّ ما حدث في العالم العربي، هو مجموعة ثورات وليست ثورة واحدة، مع إقرارهم بأنّ الثورة التونسية كانت تمثّل الشّرارة الأولى لكلّ تلك الثورات والاحتجاجات التي اجتاحت العالم العربي.

في هذه الدراسة، يميل الباحث إلى الرأي الثاني، ويرى بأنّ لكلّ ثورة ظروفها وطبيعتها الخاصّة، وأنّ التشابه في الأسباب، لا يعني بالضرورة التطابق في السمات والأشكال. إنّ قراءة الجذور الحقيقية لأسباب الاحتجاجات والثورات التي اجتاحت العالم العربي، ودوافعها واستهدافاتها، ستعين الباحث على معرفة ماهيّة هذه الظاهرة الفريدة من نوعها، وكذلك ستمكّنه من معرفة روّادها وصنّاعها الحقيقيين أو الدّاعمين لها، والمناوئين لها الذين يسعون إلى تشويهها وحرف مسارها أو تقويضها. كما أن قراءة هذه الظاهرة بعمق ورصد تأثيراتها الراهنة وتحليلها، ستمكّن الباحث من استشراف تداعياتها المحتملة راهناً ومستقبلاً.

سادساً: أسباب الثورات العربية

جوهريًّا لا تختلف الأسباب التي فجّرت الثورات في الدول التي اصطلح على تسميتها بدول الربيع العربي (الدول التي سقطت أنظمتها بسبب الثورات العربية عام 2011 م)، لا تختلف كثيراً عن مثيلاتها التي أحدثت الاحتجاجات الشعبية في معظم الدول العربية والخليجية ولا زالت. وهي، بالمناسبة، خليط من العوامل والأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، التي تراكمت على مدار عقود من الزمن، وجعلت الشعوب العربية أشبه بـ «برميل البارود» الجاهز للانفجار في أيّ لحظة.

ما يُعزّز ذلك أنه بمجرّد اشتعال شرارة البوعزيزي في مدينة سيدي بوزيد بتونس، حدث الانفجار الهائل في المنطقة العربية ككل. وبحسب الباحث سليم نصر الرقعي، فإن حادثة حرق البوعزيزي لنفسه لم تكن هي الدافع للثورات، إذ إنّ مبرّرات الثورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية كانت موجودة في واقع هذه المجتمعات، كوجود الغاز المشبع في جوّ الغرفة، فكانت حادثة «البوعزيزي» كـ «الشّرارة» التي انطلقت فأوقدت النّار في ذلك الغاز القابل للاشتعال أصلاً، فأشعلت الغرفة برمّتها.

قد تختلف طبيعة أسباب الثورات العربية، بعض الشيء، باختلاف الأمكنة. لكن المؤكّد أن ثَمَّةَ أسباباً عامّة يمكن اعتبارها كالمحرّكات الرئيسة لمعظم الثورات والاحتجاجات في العالم العربي، وهي التي أحدثت ذلك الانفجار الكبير.

وقد تجتمع هذه الأسباب جميعها في بلدٍ مّا، وتؤدّي إلى إشعال الثورة فيه، وقد يكفي أحياناً أحد تلك الأسباب في بلدٍ آخر لإحداث ثورة فيه. لكن، معظم الأقطار العربية التي حدثت فيها الثورات، هي في الغالب، نتيجة جملة من الأسباب وليس سبباً واحداً. ولأسباب فنيّة يتعذّر رصد وتحليل كلّ أو معظم الأسباب والعوامل التي أدّت إلى اندلاع الثورات العربية، في كلّ بلدٍ على حدة. لذا سنُشير في هذا البحث إلى بعض الأسباب التي أدّت إلى الثورة في تونس، باعتبارها تمثّل حالة يمكن تعميمها على بقية البلدان. ومن ثَمّ سنشيرُ أيضاً إلى أبرز الأسباب والعوامل التي كانت وراء اندلاع الثورات والاحتجاجات في معظم الأقطار العربية عموماً.

الثورة التونسية

وبحسب الباحث عربي صديقي في دراسته تونس: ثورة المواطنة «ثورة بلا رأس»( )، فإن أسباب الثورة التونسية هي على النحو التالي:

1- الاستبداد السّياسي، إذ إنّ سيطرت حزب التجمّع الدستوري الديمقراطي على مجمل نشاطات الحياة السياسية ومجرياتها في تونس، وازدياد وتيرة هذه الهيمنة والسيطرة مع وصول رئيس الحزب - الرئيس المخلوع - للحكم عام 1987، على إثر انقلاب أبيض قاده على الرئيس الحبيب بورقيبة، كان له الدور الأكبر في الثورة الشعبية التي أطاحت بالمخلوع بن علي. ولقد سيطر الحزب على أغلبية المقاعد في مجلس النواب «أكثر من80% من المقاعد» في كلّ الدّورات الانتخابية التي أُجريت منذ العام 1989، كما سيطر على مجمل الحياة النيابة في مجلس النّواب، وترتّب على ذلك صدور تشريعات وقوانين صبّت في مجملها في مصلحة الحزب الحاكم.

وقدّم الرئيس بن علي عند إمساكه بالسّلطة في العام 1987، للشعب التونسي جملةً من الوعود بالإصلاحات السّياسية، وعلى رأسها إفساح المجال للمزيد من الحرية السّياسية وانخراط الأحزاب في مشاركة سياسية حقيقية مع الحزب الحاكم. ولكن سرعان ما تبخّرت هذه الوعود وتراجع بن علي عن هذه الإصلاحات وحكم تونس بقبضة حديدية.

ومثّلت تلك التعديلات، بحسب الباحث، في مجملها جمودًا في الحياة السّياسية، وتأكيداً لاحتكار الحزب الحاكم لهذه الحياة، مما أدّى إلى انسداد الأفق السّياسي، وهيمنة أجواء سطوة الحزب الواحد، وقيادة الزعيم الأوحد، وهو ما انعكس سلباً على واقع الحياة في مجالاتها كافّة: الاقتصادية، والاجتماعية، والحقوقية. وخيّمت على تونس أجواء عدم الرضا السّياسي، ووجدت طبقات داخل المجتمع ناقمة وغاضبة، تملّكتها حالة من الشعور بالظلم والمهانة وضياع معاني الكرامة الإنسانية.

وبحسب صديقي، فإن أحمد بن صالح، الوزير الأول الأسبق في حكومة الحبيب بورقيبة في حقبة الستينيات، يرى أن الاستبداد السّياسي وعدم تطوير نظام ديمقراطي هو من الدّوافع التي فجّرت ثورة تونس. أمّا المعارض السّياسي المعروف، حمة الهمامي، رئيس الحزب الشيوعي للعمّال التونسيين فيتحدّث عن جوانب سياسية واقتصادية، ويقول: لقد سادت فترة حكم بن علي حالة من الإقصاء المزدوج سياسيًّا واقتصاديًّا، مما انعكس سلباً على واقع الحياة السياسية بمجملها، وهذا في رأيه السبّب الرئيس في تفجّر أحداث الثورة.

ويرى منصف بن جعفر رئيس حزب التكتّل من أجل العمل والحرّيات، أن الحياة الحزبية التونسية عانت طوال سنوات حكم بن علي من تغوّل الحزب الحاكم وتصفية القوى المعارضة الرئيسة لصالح أحزاب صغيرة تدور في فلك النظام، وأنّ هذه الأحزاب التي يطلق عليها أحزاب الموالاة وُجدت من أجل إضفاء الصبغة الديمقراطية على الحياة الحزبية التونسية.

ويعتقد زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي أنّ مشاركة حركة النهضة في انتخابات أبريل 1989، أعطت زخماً كبيراً غير مسبوق، وهو ما كان يعبّر عن الرأي العام من تفاؤل وأمل في المستقبل. لكنّ هذا الزخم الانتخابي جعل السلطة تسارع إلى الحلّ السّهل القاتل، باعتماد خطة استئصال شامل للمعارض الأساس في البلاد، أي حزب النهضة، وهو ما قاد إلى مزيج من القمع البوليسي والقضائي، والتشويه الإعلامي والإصرار على رمي المنافس السياسي بالإرهاب والأصولية وتهديد مكاسب الحداثة.

وتعرضت الحركة للتصفية والإقصاء من الحياة السّياسية التونسية برفض منحها الإطار القانوني للعمل السّياسي بداية، ومن ثم ملاحقة أعضائها بتهم مختلفة، وزجّ قياداتها وعناصرها في السّجون.

ويرى الباحث أنّ المجتمع المدني في تونس عانى من مضايقات كثيرة من قبل السلطات الرسمية خلال فترة حكم بن علي. وكان من الملاحظ على تلك الفترة أنْ لا أحد من دوائر المجتمع المدني في تونس آمن من التدخل الحكومي، ولا حتى النقابات المهنية، إذا نُظر إليهم على أنّهم ينتقدون الحكومة. إنّ الحكومة التونسية باستعمالها أساليب تتراوح بين وضع العراق يل البيروقراطية إلى الاعتداء البدني؛ تضع العديد من النقابات التونسية تحت رحمته.

مشيراً، أن ذلك يؤكّد أنّ النظام الحاكم قد أوجد منظومة حديدية لم تسمح بحراك مستقلّ لمنظّمات ومؤسّسات المجتمع المدني التونسي. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل حقيقة النضالات التونسية في مجالات حقوق الإنسان، والعمل النقابي، وسلك القضاء، التي مثّلت رصيداً مدنيًّا قطف ثماره في الثورة التي أدّت إلى إسقاط نظامٍ من أعتى الأنظمة السّلطوية والأحادية في الوطن العربي.

2- الواقع الاقتصادي المزري لتونس، خصوصاً مناطق الوسط والجنوب التي عانت من التهميش والتجاهل لفترات طويلة، وارتفاع معدّلات البطالة، حيث تشير مصادر غير حكومية، ومن ضمنها الاتّحاد العام التونسي للشغل، إلى أنّ نسبة البطالة تقدّر بـ50%، وبخاصّة في مناطق الوسط والجنوب. أمّا على صعيد توزيع الثروة، فشهدت تونس تباينات متفاوتة حيث تتمركز الثروة في يدٍ فئة قليلة مرتبطة - بصورة مباشرة أو غير مباشرة - بنظام الحكم في تونس.

3- الواقع الاجتماعي السّيئ للشعب التونسي، خصوصاً شريحة الشباب الذي يعاني من البطالة وغير القادر على تكوين حياة أسرية جديدة. هذا فضلاً عن تدنّي مستويات الخدمات المقدّمة للسّكان من حيث الكهرباء والمياه وشبكة الطرق والصرف الصحي والنظافة، إلى غير ذلك من الخدمات التي تقدّمها المجالس البلدية. كما تعاني الأسر التونسية من نقص في مياه الشرب. وتمثّل سيدي بوزيد، والقصرين، حالات صارخة للفقر المدقع، والمعاناة المستمرّة من البطالة، وضعف القدرة على تلبية الاحتياجات البسيطة للأسرة التونسية.

4- الموروث الثقافي والفكري النضالي للشعب التونسي الضّخم، والذي لم ينفك عن ذاكرتهم، بل كان حاضراً بقوة في ثورتهم على زين العابدين بن علي، إذ من بين الشعارات الرئيسة التي رفعت أثناء الثورة بيت الشاعر أبي القاسم الشّابي:

إَذَا الشَّعْبُ يَوْماً أَرَادَ الحَيَاةَ

فَلا بُدَّ أَنْ يَسْتَجِيْبَ القَدَرْ

وبعض مقولات القائد التونسي فرحات حشاد من قبيل: «حرّية، ديمقراطية، عدالة اجتماعية».

5- المستوى التعليمي، حيث تحلّ تونس في موقع متقدّم بين جاراتها من دول المغرب العربي من حيث مستوى التعليم، ومع ذلك تعتبر نسبة الأمية التي تبلغ 19% نسبة مرتفعة. وكذلك واقع حقوق الإنسان السّيئ في تونس، هو الآخر ساهم في اندلاع الثورة.

الثورات العربية

وفيما يتعلّق بالأسباب والعوامل «المحرّكات» التي أدّت إلى اندلاع الثورات والاحتجاجات في مختلف الأقطار العربية، يمكن تقسيمها إلى المجموعات التالية:

المجموعة الأولى: الأسباب السّياسية

وهي من أهمّ الأسباب والعوامل وأبرزها، وتتمثّل في:

1 - الاستبداد بالحكم وإدارة شؤون البلاد بمعزل عن إرادة الشعب.

2 - الاضطهاد والاستعباد وعدم احترام حقوق الإنسان.

3 - انتهاج سياسة التمييز بمختلف أشكاله.

4 - إضعاف النسيج الاجتماعي، وتغييب الوحدة الوطنية.

5 - هيمنة رجال السّلطة على المناصب السّياسية والإدارية العليا في الدولة.

6 - غياب الديمقراطية وعدم السّماح بتكوين نقابات وأحزاب سياسية.

7 - تزوير الانتخابات، إنْ وجدت، بجميع مستوياتها وأشكالها.

8 - عدم الفصل بين السّلطات الثلاث «التشريعية والتنفيذية والقضائية».

9 - غياب أو تغييب دور السّلطتين التشريعية والقضائية.

10- غياب الدور الرقابي للمؤسّسات المعنية وإخضاعها للسّلطة التنفيذية.

المجموعة الثانية: الأسباب الأمنية

وتأتي في المقام الثاني من حيث الأهمّية، وتتمثّل في:

1 - تعاظم القبضة الأمنية والقمع لجهاز الأمن مقابل غياب أو تغييب حقوق الإنسان.

2 - غياب دولة القانون وعدم احترام وتطبيق القوانين والأنظمة المحلية.

3 - ازدياد وتيرة الاعتقالات التعسّفية والخطف والتغييب القسري.

4 - التنكيل بالمعارضين وتعذيبهم بمختلف وسائل التعذيب حتى الموت أو حرمانهم من أبسط حقوقهم.

5 - عدم تمكين المعتقلين من الدفاع عن أنفسهم أو توكيل محامين للدفاع عنهم.

6 - عدم محاكمة المقبوض عليهم بتهم سياسية وسجنهم لمدد طويلة بدون أحكام.

7 - زيادة الرقابة الأمنية على المواطنين وتكميم الأفواه، ومنع حرية التعبير.

8 - تغليب الحلول الأمنية على الحلول السّياسية في معالجة المشاكل والأزمات السّياسية. المجموعة الثالثة: الأسباب الاقتصادية والاجتماعية

وهي من الأسباب الجوهرية أيضاً في اندلاع الثورات، وغالباً ما تتصدّر المطالب، خصوصاً في بدايات الثورة، وتتمثّل فيما يلي:

1 - استئثار النخبة الحاكمة بالثروة.

2 - التلاعب بثروات الوطن ومقدّرات الأمة.

3 - انتشار الفساد المالي والإداري والرشوة على نطاق واسع.

4 - تردّي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية عامة.

5 - انتشار الغلاء وزيادة الأسعار في مقابل تدنّي دخول المواطنين.

6 - اتساع الفجوة بين الطبقة الغنية والفقيرة.

7 - ازدياد الاحتكار والاستغلال من قبل كبار التّجار ذوي النفوذ.

8 - ازدياد الرّسوم والضرائب لتغطية مصاريف كبار موظّفي الدولة.

9 - نهب ممتلكات المواطنين والتعدّي عليها وسرقتها بدون محاسبة.

10 - الاستيلاء على أراضي الدولة وبيعها أو تأجيرها بأغلى الأسعار.

11 - ازدياد معدّلات البطالة في وسط الشباب.

12 - ارتفاع أسعار المحروقات والماء والكهرباء.

13 - عدم توفّر السّكن لمعظم المواطنين وارتفاع الإيجارات.

14 - وجود أزمات في المواصلات والعلاج والتعليم.

15 - سوء الأوضاع المعيشية بشكل عام.

16 - زيادة معدّلات الفقر وشيوع مظاهره.

17 - ارتفاع معدلات الجريمة وضعف الأمن الاجتماعي.

المجموعة الرابعة: أسباب أخرى

1 - زيادة الآمال والتطلّعات التي تراود الشعوب في استعادة دورها نتيجة الوعي المتعاظم لديها، خصوصاً في ظلّ حضور نماذج قائمة يمكن محاكاتها. لهذا كان المحرّك الرئيس لثورات الربيع العربي، ولا يزال، هو محاولة الشّعوب استعادة دورها الطبيعي في إدارة بلدانها وثرواتها باعتبارها مصدر السّلطات، كما هو الحال في جميع دول العالم المتقدّمة اليوم. ومن هنا كانت الصّرخة المدوّية في الشّارع العربي تبدأ بعبارة: الشّعب يريد( ).

2 - إحساس الشعوب بالظّلم والإذلال والتهميش ووصولها إلى حالة الإحباط من إصلاح الأوضاع، في ظلّ الأنظمة القائمة. إذ إنّ الظلم أو الفساد وسوء الأوضاع الاجتماعية المجرّدة لا تكفي لإحداث الثورة، وإنما يلزم إن يصاحب كلّ ذلك إحساس عام بالظّلم للتمرّد عليه؛ لأنّ الإحساس هو الذي يدفع الشعوب نحو التغيير.

3 - انكسار حاجز الخوف لدى الشعوب واستعدادها للتضحية من أجل تغيير أوضاعها للأحسن، من خلال إقامة نظم ديمقراطية بدلاً من النّظم المستبدّة. إلى جانب الإحساس بالظّلم، الذي ساد في العالم العربي، رافقته حالة من الشّجاعة والتحدّي لدى الشّباب الذين واجهوا الرّصاص بصدور عارية. إنّ هذه الحالة التي سادت في الأوساط، أعطت مؤشّراً منذ البداية، أنّ النصر سيكون حليف الثورات.

4 - توفّر وسائل التواصل الاجتماعي وسهولة الاتصال والتنسيق بين مختلف القوى والفعاليات. لذا تمّ الاعتماد بشكل كبير على شبكات التواصل الاجتماعي، وكان لها دورٌ بارزٌ في توحيد الرّؤى وتنسيق الجهود، لدى الثوار، كما كان للفضائيات دورٌ فاعلٌ في نقل الحدث أوّلاً بأوّل، والتّعجيل بإسقاط العديد من الأنظمة في المنطقة.

وعطفاً على ما سبق، فإنّ مجموع العوامل والأسباب السابقة، هي «محليّة الصّنع»، وهي تمثّل البيئة الحاضنة للثورات والاحتجاجات الشعبية. وبحسب الدكتور سلمان العودة، فإنّ بيئة الثورة مكوّنة من الغضب المتراكم، بسبب: الفساد، والبطالة، والفقر، وهشاشة الأمان الاجتماعي والإنساني، وجحيميّة الحياة اليوميّة، والحرمان الاجتماعي والسّياسي، والإهانة وانعدام الحرّيات، وسوء تعامل أجهزة الأمن مع الناس، وإذلال المواطن كطريقة عادية للعلاقة بين الأفراد وبين جهاز الدولة( ).

إنّ هذه البيئة هي التي توقظ إحساس المواطنين، وتشعرهم بالإذلال والظّلم، ومن ثم تدفعهم للتمرّد والثورة والاحتجاج. لذلك فإنّ إرجاع سبب الثورات في الوطن العربي إلى عوامل خارجية كتحريض الخارج، أو لنظريتي المؤامرة ونشر الفوضى الخلاقة، أمر يصعب تصديقه، لا سيّما أنها التفسيرات نفسها التي ذهبت إليها الأنظمة المستبدّة لتشويه الثورات الشعبية الواسعة وتسوّغ قمعها والالتفاف عليها، لإبقاء الأوضاع كما هي دون تغيير.

وما ينبغي الإشارة إليه في هذا السّياق، هو أن سلسلة الثورات والاحتجاجات التي عصفت بالمنطقة العربية قبل عام، لم تستهدف معالجة الأسباب أو الإطاحة بالأنظمة الدكتاتورية الفاشلة فحسب، وإنما كانت ولا زالت تتطلّع إلى إقامة أنظمة سياسية حديثة وفاعلة تحترم حقوق الإنسان وتعزّز سيادة القانون وتحمي الحرّيات العامة وترسّخ قيم العدالة وتؤمّن الشّراكة السّياسية، وهي ثورات، كما جرى التنويه إليها آنفاً، تتبنّى قيم الديمقراطية ومبادئها.

سابعاً: مراحل ثورات الربيع العربي وعوامل النّجاح

تستهدف الثورات الشعبية، في المقام الأول، إسقاط النظم السّياسية الدكتاتورية القائمة، وتسعى في الوقت نفسه إلى إقامة نظم ديمقراطية تحقّق المساواة والعدالة، وتعزيز الحرّيات والمشاركة السّياسية الفاعلة لكلّ الطّيف الوطني.

وغالباً ما تفضي تلك العمليات السّياسية الكبرى إلى تغييرات جذرية وعميقة في الواقع الاجتماعي والاقتصادي، وينتج عنها إعادة توزيع لموازين ومصادر القوة في المجتمع. فالثورة الفرنسية التي اندلعت عام 1789 وامتدّت حتى 1799، أثّرت بشكل بالغ العمق على فرنسا وجميع أوروبا. ولقد انهار خلالها النظام الملكي المطلق الذي كان قد حكم فرنسا لعدّة قرون في غضون ثلاث سنوات.

وخضع المجتمع الفرنسيّ لعملية تحوّل مع إلغاء الامتيازات الإقطاعية والأرستقراطية والدينية وبروز الجماعات السّياسيّة اليساريّة الراديكالية، إلى جانب بروز دور عموم الجماهير وفلاحي الرّيف في تحديد مصير المجتمع. كما تمّ خلالها رفع ما عرف باسم مبادئ التنوير، وهي المساواة في الحقوق والمواطنة والحرية ومحو الأفكار السّائدة عن التقاليد والتسلسل الهرمي والطبقة الأرستقراطية والسلطتين الملكية والدينية( ).

وغالباً ما تمرّ الثورات بمجموعة من المراحل، فإنها قد تحقّق نجاحاً في مرحلة من مراحلها، وذلك نظراً لتوفّر متطلّبات النجاح فيها، بينما تخفق في مرحلة أخرى لعدم توفّر شروط وأسباب النجاح. فعلى سبيل المثال، قد تنجح الثورة في إسقاط النظام الفاسد، ولكنها قد تخفق في إقامة نظام جديد على أنقاضه يحقّق التنمية والعدالة الاجتماعية ويُعزّز مبدأ الشّراكة السّياسية ويحترم الحريات العامّة، وبالتالي فإنّ تلك الثورة التي حقّقت النجاح في المرحلة الأولى وفشلت في المرحلة الثانية لن تتمكّن من إحداث تغييرات جوهرية في البناء الاجتماعي بمختلف أنساقه.

وقد تفشل الثورة فشلاً تامًّا، بحيث لا تتمكّن من إنجاز أيّ هدف من أهدافها، كما قد تحقّق نجاحاً جزئيًّا أحياناً أو كليًّا في حين آخر. فالثورة التي لا تتمكّن من إسقاط النظام، لن تتمكّن، بكلّ تأكيد، من اجتياز بقيّة المراحل، ومن ثَمّ يمكن وَسْمُهَا بالثورة الفاشلة، بينما الثورة التي تتمكّن من إسقاط النظام لكنّها لم تتمكّن من إقامة نظام آخر، كما لم تتمكّن من إحداث تغييرات جذرية في البناء الاجتماعي، لا يمكن وَسْمُهَا بالفشل التّامّ، وإنما يمكن القول بأنها قد حقّقت نجاحاً جزئيًّا بإنجازها مرحلة من مراحل الثورة فقط. وفي المقابل حينما تتمكّن الثورة من اجتياز كلّ المراحل التي تمرّ بها، من خلال توفير كلّ متطلّبات نجاحها وتحقيق كلّ أهدافها، فإنه يمكن وَسْمُهَا آنذاك بالثورة النّاجحة أو الثورة المثاليّة.

فالثورة الفرنسية، التي دامت عشر سنوات، مرّت بثلاث مراحل أساسيّة:

المرحلة الأولى: (يوليو 1789 - أغسطس 1792)، فترة الملكية الدستورية: تميّزت هذه المرحلة بقيام ممثلي الهيئة الثالثة بتأسيس الجمعية الوطنية واحتلال سجن الباستيل، وإلغاء الحقوق الفيدرالية، وإصدار بيان حقوق الإنسان ووضع أوّل دستور للبلاد.

المرحلة الثانية: (أغسطس 1792 - يوليو 1794)، فترة بداية النظام الجمهوري وتصاعد التيار الثوري، حيث تمّ إعدام الملك وإقامة نظام جمهوريّ متشدّد.

المرحلة الثالثة: (يوليو 1794نوفمبر 1799)، فترة تراجع التيار الثوري وعودة البورجوازية المعتدلة التي سيطرت على الحكم ووضعت دستوراً جديداً وتحالفت مع الجيش، كما شجّعت الضّابط نابليون بونابارت للقيام بانقلاب عسكري ووضع حدٍّ للثورة وإقامة نظامٍ ديكتاتوريّ توسّعيّ( ).

وبناءً عليه، فإن معيار النجاح الكلّي لتلك الثّورات يكمن في تحقيقها لتلك الأهداف والتطلّعات كاملة، كما أن فشلها هو نتيجة لإخفاقها في إنجاز أيٍّ من تلك الغايات. ويشير الكاتب معتزّ بالله عبد الفتاح، إلى أنّ الثورة تمرّ بخمس مراحل: هدم القديم، والمثالية الثورية، وتصميم النظام الجديد، والواقعية الثورية، والانضباط المؤسّسي.

فالثورة على حدِّ تعبيره هي أشبه بمراحل نموّ الكائن الحيّ الذي يتكوّن من البذرة إلى النّضج. وفيما يتعلّق بثورات الربيع العربي، وتحديداً ثورتي تونس ومصر، فيمكن تقسيم المراحل التي مرّت بها، أو يفترض أن تمرّ بها، إلى ثلاث مراحل أساسيّة:

الأولى: مرحلة إسقاط النظام بكافّة رموزه وشخوصه.

الثانية: مرحلة إقامة نظام سياسيّ بديل للنظام السابق، وذلك من خلال تشكيل حكومة انتقالية، وصياغة الدستور، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية.

الثالثة: مرحلة تغيير البناء الاجتماعي بكافّة أنساقه واعتماد واقع جديد مكانه. وهي المرحلة الأصعب والأطول زمنيًّا، حيث تتطلّب إحداث تغييرات جذرية وعميقة في الواقع الاجتماعي والاقتصادي، وينتج عنها إعادة توزيع لموازين ومصادر القوّة في المجتمع.

ولاستكمال المرحلة الأولى (إسقاط النظام) لا يكفي إسقاط الرأس فقط، وإنما يتعيّن إسقاط النظام بكافّة رموزه وشخوصه، وكذلك المنهج الذي كان متّبعاً. إذ إنّ رحيل أشخاص القيادات التسلّطية التي ظلّت في السّلطة لفترة طويلة لا يعني حقيقة أنّ النظام التسلّطي قد انهار؛ فآلة التسلّط عادةً مّا تكون راسخة في الأجهزة القمعية والسّياسية والإعلامية والمالية. فلا ننسى أنّ سقوط تشاو سيسكو في رومانيا وقتله أتى بمستبدٍّ فاسد من بعده (أيين اليشكو) الذي أوقف عملية التحوّل الديمقراطي حتى تمّ التخلّص منه لاحقاً. وهو ما حدث بنفس القدر في جورجيا وكازاخستان( ).

ولتحقيق عملية إسقاط النظام وإنجاز هذه المرحلة، في تونس ومصر، فإنّ الأمر تطلّب توفير مجموعة من العوامل، أورد بعضها موقع المحلّل السّياسي( )، وهي على النحو التالي:

1- القدرة على الحشد الجماهيري الواسع

وهو العامل الأهمّ في حسم الثورات، إذ كلّما زاد الحشد، ازدادت احتمالات نجاح الثورة، ولا يشكّل الحشد معضلة إذا ما أخذنا في الاعتبار الحجم المهول للطبقات والفئات التي ضاقت ذرعاً بحكّامها، ولعلّ أهمها: الشباب، والطبقة الفقيرة والمتوسطة، والعمال والموظّفين، الذين يعانون من تدنّي المرتّبات وعدم القدرة على الحياة في ظلّ الارتفاع المتواصل في الأسعار، سيّما أن الظروف الاقتصادية، هي كلمة السّر في حشد وجذب قطاعات واسعة للمشاركة بحماسة في فعاليات الثورة.

وفي فورة الصراع بين النظام والمتظاهرين، يحاول كلّ طرف حشد أكبر عددٍ إلى جانبه في محاولة ليبرهن على قوّة موقفه وشعبيته في الشارع. وغالباً ما تتحوّل مظاهرات التأييد إلى فضائح مدوّية مع تكشّف الحقائق حول الطريقة التي تتمّ بها تنظيم تلك المظاهرات عبر المال أو بالقوّة أو عبر الاستعانة بجنود وعناصر أمنية في لباس مدني.

ويشير الموقع السّياسي، إلى الجمع المليونية، التي أضافت الشّيء الكثير من الزّخم للثورات العربية وتحوّلت إلى أداة قوية زلزلت الحكومات العربية، وتستمدّ قوّتها وفاعليّتها للأسباب التالية:

- اتّساقها مع البيئة العربية، فصلاة الجمعة إحدى الشعائر المقدّسة لدى الشعوب العربية.

- توفّر فرصة مثالية للتجمّع الطبيعي دون أيّ عوائق أمنية في يوم عطلة، ويسهل دعوة جموع المصليين للتظاهر عقب الصلاة لتنطلق المسيرات من المساجد الكبرى إلى الميادين الرئيسة.

- يصعب على الأنظمة العربية منع المصلّين من أداء الصلاة، أو التعامل بالقوّة بعد الصلاة مع حشد ضخم. ومن الناحية الدينية أو الأخلاقية، يصعب التعامل مع مصلّين عزّل، مما يفرض على النظام قيود في التعامل مع المظاهرات المليونية كلّ جمعة.

- تبعث المظاهرات المليونية برسائل قويّة لإرهاب الأنظمة الحاكمة وحثّها على إجابة مطالب المتظاهرين، فلقد اعتاد المصريّون على تلقّي استجابات فورية لمطالبهم مساء كلّ خميس قبل المظاهرة المليونية، ومنها على سبيل المثال، قرار إحالة الرئيس مبارك إلى محكمة الجنايات والقبض على رموز النظام.

- وسيلة فعّالة في تحقيق الضغط المستمرّ على فترات متوالية، بطريقة لا ترهق المتظاهرين، على عكس الاعتصامات والإضرابات المنهكة للمتظاهرين. ولعملية الحشد ضوابط عدّة أرستها الثورات العربية، ولعلّ أهمّها: رفع العلم والامتناع عن رفع أيّ شعارات حزبية أو سياسية أو طائفية.

وهناك تكتيك رائع اتّبعته مصر في الحشد، وهو أن يبدأ الحشد من الحواري والأزقّة ودعوة المواطنين للنزول للشارع، ثم يتّجه إلى الأسواق المحلية، ثمّ إلى الميادين الصّغرى، لتنطلق المسيرات من الميادين الصغرى في توقيت واحد صوب الميدان الرئيس (ميدان التحرير) بأعداد غفيرة، وكان لتلاقي المسيرات في الميدان دفعة معنوية هائلة للمتظاهرين، ويشكّل هذا التكتيك تحدّياً لأجهزة الأمن، مما يؤدّي إلى تشتيتها وتوزيع قوّاتها على الميادين المختلفة.

كما أنّ التوقيت المناسب لانطلاق التظاهرة أمرٌ في غاية الأهمّية، مما يتيح الوقت الكافي للدعاية ونشر الدّعوى، أو يمكّن وسائل الإعلام بالاستعداد لتغطية الأمر.

2- اتّساع النّطاق الجغرافي للاحتجاجات

العامل الأهمّ في الحشد ليس فقط القدرة على جذب أعداد ضخمة من المتظاهرين وتشجيعهم على النزول للشارع، ولكن زيادة واتّساع النطاق الجغرافي للتظاهرات لتشمل عدّة محافظات ومدنٍ على امتداد القطر. وهذه نقطة حاسمة، إذ كلما ازداد نطاق التظاهرات، صعب الحلّ الأمني، كما أن اتّساع التظاهرات، يؤدّي إلى دفعة معنوية هائلة للثوار، وبهذا لا يتوقّف مصير الثورة على مدينة واحدة أو ميدان واحد.

وبحسب العديد من المهتمّين، فإنّ الخطأ الذي وقعت فيه الثورة في البحرين، تمثّل في تركيز التظاهرات في ميدان واحد (ميدان اللؤلؤة)، مما سهّل محاصرة الميدان وفض الاعتصام وإخماد الثورة، ولو مؤقّتاً.

3- اختيار الأماكن الحيوية للاعتصام

فاختيار المناطق الحيويّة لإقامة الاعتصام، يسهم في إرباك المواصلات والمصالح الحيوية من الدولة، فالعاصمة هي السّاحة الأهمّ والأخطر، لذا لا بُدّ أن يكون الحشد في مركز العاصمة هو رأس الحربة؛ مما سيُسّرع في سقوط النظام.

السبب الأخر في أهمّية التظاهر بالعاصمة يرجع إلى سهولة تغطيتها إعلاميًّا، مما يصعب على النظام التعامل معها أمنيًّا لكفلته على الصّعيدين الداخلي والخارجي. وعلى العكس من الأماكن النائية، حيث يحظى النظام بمساحة من الحرية في التعامل مع الثوار بعيداً عن أعين العالم. بالإضافة لاحتواء العاصمة على سفارات دول العالم، مما سيمكّن الدّبلوماسيين من نقل صورة دقيقة عن حقيقة الوضع إلى مراكز صنّاع القرار في بلدانهم.

وفي اختيار المكان المناسب، لا بُدّ من أن يكون قريباً من المناطق ذات الكثافة الكبيرة من السكان، لتشكّل مكاناً آمناً يمكن الانسحاب إليه، فالأماكن المحيطة بمركز الاعتصام تشكّل المورد الرئيس للتموين والمواد الإعاشية الضرورية لاستمرار الاعتصام.

وهذا ما يفسّر تأخّر الحسم في ليبيا وسورية، حيث تخلو طرابلس ودمشق من المظاهرات. فمن دعا للتظاهر فشل في حشد متظاهرين بالكثافة المطلوبة وتوجيههم إلى احتلال أحد الميادين المهمّة بالعاصمة، وقد يبدو هذا صعباً إذا ما أخذنا في الاعتبار حجم الاستنفار الأمني بالعاصمة بوصفها معقل النظام.

خلوّ العاصمة من التظاهرات يجعل النظام في مأمن ويتيح له تسيير الحياة بصورة عادية، إذا ما أخذنا في الاعتبار تركّز كافّة الوزارات والمؤسسّات الحيويّة والمرافق العامّة في العاصمة. فالتظاهر في قلب العاصمة يربك الحياة ويضع النظام وجهاً لوجهٍ مع المتظاهرين.

4- التصعيد التدريجي للاحتجاجات

العنصر الآخر في زيادة فاعلية الحشد هو التصعيد المتواصل، ففي حال فشل النظام القائم في فضّ الاعتصام لما قد يسبّبه من تكلفة باهظة من الأرواح، وما سيصاحبه من إدانات دولية، قد يلجأ النظام إلى لعبة الانتظار، على أمل يفقد الاعتصام زخمه مع الوقت لينفض المتظاهرين تدريجيًّا ليعودوا أدراجهم، ولعلّ هذا هو التكتيك الذي اتّبعه رئيس الوزراء المصري أحمد شفيق في التعامل مع المتظاهرين المرابطين في التحرير.

قد يكون أفضل تكتيك للتعامل مع هذه الإشكالية هو التّصعيد المتواصل للحفاظ على ديناميكية الثورة، وكان الردّ من المتظاهرين في التحرير هو التصعيد التدريجي، لتنطلق مسيرة ضخمة إلى مجلس الوزارات أدّت إلى إغلاقه مؤقّتاً ليتمّ نقل مجلس الوزراء إلى وزارة الطيران المدني بعيداً عن وسط العاصمة، وجاء التصعيد الثاني في انطلاق مسيرة أخرى ضخمة إلى مجلس الشعب والشورى والاعتصامات، مما أدّى إلى إغلاقه وشلّ مجلس الشعب.

وهنا تكمن أهميّة تنظيم الاعتصام في مكان حيويّ بالقرب من أهداف حيويّة أخرى. ولعلّ التّصعيد الأخطر والأهمّ هو حينما توجّهت جموع من المتظاهرين في توقيت متزامن لمحاصرة القصور الجمهورية وخاصّة قصر العروبة - قلب نظام الحكم في مصر- ليهرب الرئيس المصري عبر طائرة مروحية، مما رسم نهاية نموذجية للنظام في وقت قياسيّ. تكرّر المشهد نفسه في تونس، حينما تقدّمت المسيرات نحو شارع الحبيب بورقيبة لتحاصر وزارة الداخلية هناك، مما سرّع قرار بن علي بالهرب.

غياب هذا العنصر من الثورة اليمنية أدّى إلى تأخّر حسمها طويلاً، فعلى الرغم من ضخامة الحشد وانتشار نطاق المظاهرات في اليمن، إلا أن الثورة هناك لم تشهد تصعيداً قويًّا منذ مدّة طويلة واكتفى المتظاهرون في العاصمة بالثّبات في مكانهم وسط حماية الجيش التي وفّرها لهم قائد المدفعية المنشقّ اللواء علي محسن الأحمر، فلم يتوجّهوا إلى أهداف حيويّة كالقصر الجمهوري أو الوزارات الحيوية هناك، مما يهدّد الثورة اليمنية من أن تفقد زخمها بمرور الوقت. فالتقوقع في مناطق مغلقة دون التصعيد التدريجي، يطيل أمد الثورة ويؤخّر الحسم طويلاً.

5- الحفاظ على الطابع السلمي للحراك

أعادت الثورة العربية الحياة لخيار المظاهرات السلمية كوسيلة فعالة. ولعلّ الإضافة الأبرز للثورات العربية أنها أعادت الحياة لمفهوم المقاومة السّلمية Non-Violence Resistance التي أرساها المهاتما غاندي خلال نضاله لاستقلال الهند من أعتى إمبراطورية على وجه الأرض آنذاك. عادت الثورات العربية لتؤكّد على فاعلية خيار المظاهرات السّلمية والعصيان المدني، حيث تحظى هذه الآلية بالعديد من المزايا:

- إنها وسائل مشروعة تكفلها الدساتير ومواثيق حقوق الإنسان.

- تنـزع غطاء الشّرعية من النظام في حال تمّ التعامل معها بالقوّة، حيث تساهم في تعريته أمام العالم، وتكسب تعاطف العالم للمتظاهرين.

- تؤدّي في الكثير من الأحيان إلى تحييد قوات النظام وانضمام عناصرها في صفوف المتظاهرين العُزّل.

- اللجوء للسلاح والعنف من طرف المتظاهرين يؤدّي لشلال من الدماء وطول أمد الصراع وتأخّر الحسم. وغالباً ما تنتهي لصالح النظام إذا ما أخذنا في الاعتبار افتقار المتظاهرين للخبرة القتالية وضعف التسليح.

وهذا هو سِرّ تأخّر الحسم في ليبيا، حين حمل المتظاهرون السّلاح ضدّ كتائب القذافي، ليتحوّل المشهد إلى حرب طويلة، ويفشل المتظاهرون في إحراز نصر حاسم؛ نظراً لافتقارهم للتدريب ولضعف التسليح لديهم، مما أسفر عن التدخّل الدولي، الذي لجأ إلى سياسية «الاحتواء المزدوج» بحيث يستنـزف الطّرفان قوّتهم في الصّراع، وليعتمد الحسم على إرادة التّحالف الدولي الذي يفرض شروطه على الطرف الآخر لتحقيق أكبر قدر من المكاسب قبل حسمه لصالح المعارضة.

«فمدنيّة الثورات وسلميّتها تفسّران كثيراً من جوانب نجاحها، فلقد وفّرتا لها، على الأقل، النّصاب الشّعبي والجماهيري الذي لا غنى لثورة في التاريخ عنه، ورفعتا شعور التردّد لدى المتردّدين في الانخراط في مجرى عملية التغيير، بعد أن اطمأنّوا إلى أنهم يشتركون في ثورة متحضّرة نظيفة، لا عنف فيها ولا مغامرات.

ثم إنّ تمسكّها بسلميّتها أعجز الأنظمة عن مواجهتها بعنف منفلت من أيّ ضابط، ووضع إرادة القوة والبطش لدى تلك الأنظمة في حال شديدة من الحرج، بل هو الذي ألحق بجبروتها هزيمة أخلاقية مروعة. وإلى ذلك، فإن تلك السّلمية أحرجت القوى الدولية الراعية للاستبداديات العربية، ومنعتها من الدفاع عن تلك الأنظمة العميلة، أو إسعافها في لحظات الاحتضار بمخرج مشرف»( ).

6- موقف الجيش

إنّ القدرة على الحشد وتوسيع نطاق التظاهرات جغرافيًّا مع التصعيد المتزايد لا يكفي لحسم الثورة. إذ إنّ للجيش الكلمة الفصل في تقرير مصيرها وسرعة حسمها لصالح أحد الأطراف. فنجاح الثورة في مصر وتونس في وقت قياسيّ يعود بالدرجة الأولى إلى موقف الجيش في كلا البلدين.

بينما الوضع في ليبيا كان مختلفاً تماماً، حيث تمّ الاعتماد على المرتزقة والكتائب بشكل أكبر لقمع المتظاهرين. وفي سورية كان الموقف مغايراً عن الحالة الليبية بعض الشيء، حيث دفع النظام السّوري بالجيش منذ بدء التظاهرات، ومن ورائه قوّات مكافحة الشغب والأجهزة الأمنية مدعومة بـ «الشّبيحة». وعادة ما يتمّ الاستعانة بالجيش في تفريق المظاهرات، بعد فشل قوّات مكافحة الشغب من إنجاز هذه المهمّة. وغالباً ما ينتهي المشهد بانسحاب عناصر الأمن من المشهد مفسحة الطريق للجيش، كالسيناريو الذي حدث في مصر.

ونظراً لأهميّة الجيش، عمل الثّوار على ابتكار تكتيكات لكسب الجيش أو تحييده على الأقل، مثل: الالتزام بالسّلمية، واشتراك كافّة شرائح المجتمع، وصنع حواجز بشرية أمام الآليات العسكرية، وحمل علم البلد وترديد النشيد الوطني للدلالة على وطنية المتظاهرين ولسحق الادّعاءات الكاذبة التي قد يروّجها النظام، وترديد الشعارات التي تنمّ عن وحدة الشعب والجيش، مثل «الشعب والجيش يد واحدة»، والهتافات المشجّعة للجيش، وبناء علاقات صداقة مع أفراد الجيش عبر تقديم المشروبات والأطعمة، والخروج بحشود ضخمة.

وكان لحياد الجيش دور كبير في نجاح الثورة، وهو الذي ساعد الثورة على اختصار الطريق إلى التغيير، ولولاه ما كانت صورة الأحداث لتتخذ الملامح التي اتّخذتها، ولا لتنتهي إلى ما انتهت إليه من نتائج، فالحياد ذلك بمقدار ما حرم الأنظمة - في تونس ومصر واليمن - من مخالب وأنياب لتمزيق جسد الثورة، بمقدار ما وفّر شعوراً بالدعم المعنوي للشعب كان يحتاجه كي يكسر، نهائيًّا، شرانق الخوف التي ضُربت عليه لعهد طويل( ).

ويرجع نجاح الثورة في مصر وتونس إلى موقف الجيش في كلا البلدين من الالتزام بالحياد والوقوف ضمنيًّا مع المتظاهرين والضغط على الرئيس وإجباره على التّنحي. ويبدو هذا الموقف مفهوماً إذا ما أخذنا في الاعتبار كون الجيش جزءاً من الشعب يدرك الأمة ويشاطره معاناته، ومن ناحية عملية، التعامل بالقوّة مع المتظاهرين قد يؤدّي إلى مذبحة يصعب تدارك عواقبها.

ويأخذ انضمام الجيش للثورة عدّة صور، لعلّ أفضلها حال اتخاذ القرار من قبل القيادة العامة للجيش، كما حدث في تونس ومصر مما يحقن الدماء ويسرع سقوط النظام. إنّ عدم اتخاذ قيادة الجيش موقف مساند للمتظاهرين يدفع قيادات من الجيش للانشقاق. وهناك عامل حيويّ يؤثّر على موقف الجيش، وهو مدى انصهار العائلة الحاكمة في الجيش، فكلّما حاز أفراد من العائلة الحاكمة (سواءً أقارب الرئيس أو أبناء نفس القبيلة أو الطائفة) على مراكز حسّاسة في الجيش، مالت كفّة الجيش نحو دعم تلك الأنظمة.

لذلك عكفت العديد من الأنظمة العربية بالزّجّ بأفراد عائلتها في المناصب الهامّة في الجيش لضمان ولائه والسيطرة عليه لتدعيم أركان أنظمتهم. ويبدو هذا جليًّا في ليبيا حيث يسيطر أبناء القذافي على الجيش والأجهزة الأمنية. كذلك في البحرين، حيث شغل الأمير سلمان بن حمد آل خليفة وليّ عهد البحرين منصب القائد العام لقوة دفاع البحرين، وكذلك في سورية.

وقد يترتّب على هذا نتيجة مفادها بأن الأنظمة الملكية تبدو في منأى من الانقلابات العسكرية، وفي حال اندلاع ثورات في بلدانهم ستميل كفّة الجيش نحو دعم الأنظمة الحاكمة، وبهذا تقلّ الخيارات أمام المتظاهرات على أمل انشقاق بعض القيادات الصغرى أو استمالة الجنود وصف الضباط للوقوف بجانب المتظاهرين وعصيان القيادة.

ويفسر هذا العامل السّر وراء عدم انحياز الجيش في مصر وتونس للنظام الحاكم ووقوفه بجانب المتظاهرين، حيث لا يحتلّ أفراد من العائلة الحاكمة، سواءً في مصر أو تونس مناصب حسّاسة في الجيش، مما يعطي الجيش هامشاً من الحرية في اتخاذ القرار وتقدير الموقف وحسم خياراته بعيداً عن ضغوط النظام الحاكم. ولهذا التزم الجيش المصري والتونسي الحياد، بينما انخرط الجيش البحريني والسّوري في التصدّي للمتظاهرين في محاولة لإخماد الثورة.

في الحالة البحرينية سحق الجيش المظاهرات السّلمية، ولم يشهد الجيش أيّ انشقاقات، ويرجع ذلك إلى السّياسة التي اتّبعها النظام الحاكم في البحرين من حظر دخول الشيعة ومنعهم من شغل مناصب في الجيش أو الشّرطة، فأغلبيّة الشعب البحريني شيعي المذهب ويحكمه أقليّة سنيّة لا تتجاوز30%.

ولقد عكف النظام الحاكم البحريني على بسط سيطرته عبر تجنيس السّنة خاصّة من سورية وباكستان وبنجلاديش وإعطائهم مراكز مرموقة في الجيش والشرطة على حساب السّكان الأصليين لضمان ولائهم. وعلى الرغم أن المتظاهرين في ميدان اللؤلؤة لم يرفعوا شعارات طائفية إلا أنّ قوّات المملكة التي تدين باللواء للنظام لم تجد غضاضة في سحق المظاهرات وإخماد الثورة في البحرين.

وبحسب موقع المحلّل السياسي، فإنّ الجيش هو من يحدّد مصير الثورات العربية، ولكن لا يمكن أن نغفل أن موقف الجيش يتأثّر بعدّة عوامل، منها:

قوّة الحشد ومدى انتشاره، ومدى ولاء الجيش وقياداته للنظام، ومدى تأثر الجيش بالضغوط الدولية التي تمارسها الأطراف الدولية.

ويضاف الموقع إلى العوامل السابقة أيضاً، دور الإعلام، والتوازنات الإقليمية والدولية، فهي كلّها عوامل أساسية ساهمت في إسقاط النظام في تونس ومصر، وبالتالي تمّ، عبرها ومن خلالها، تجاوز المرحلة الأولى من الثورة بنجاح، وفي فترة زمنية قصيرة جدًّا.

كما أنّ هناك العديد من العوامل لم يجر الإشارة إليها كوحدة قوى المعارضة، والانسجام الاجتماعي النسبي، وحسن التنظيم والتخطيط، ووضوح أهداف الثورة، والتصحيح المستمرّ لحراك الثورة، واستمرارية الصورة، وإصرار الثوار على المضيّ قدماً لتحقيق هذا الهدف رغم كثرة التضحيات، وأداء الثورة المدني المتحضّر، وشرعيّة مطلب إسقاط النظام، وغيرها من العوامل الأخرى.

ثامناً: انعكاسات الثورات العربية على الإصلاح السّياسي في الوطن العربي

لقد أحدثت ثورات الربيع العربي، وفي فترة قصيرة زمنيًّا، تغييرات جوهرية في المنطقة العربية بعد الإطاحة ببعض الأنظمة السّياسية القديمة، كما شكّلت ضغوطاً متزايدة على أنظمة أخرى اجتاحت بلدانها الاحتجاجات والاضطرابات الداخلية متأثّرة بثورات الربيع العربي، وساهمت إلى حدٍّ كبير في تحريك عجلة الإصلاحات المجمّدة، ولو بشكل نسبي، في بعض الأقطار العربية، وإن كانت مؤقّتة أو بطيئة وطفيفة بعض الشّيء.

ومن غير المستبعد أن تساهم تلك الثورات في إعادة تشكيل المستقبل السّياسي للمنطقة العربية برمّتها، وبالتالي سيكون لها انعكاسات وتداعيات كبيرة ومتواصلة على الوضع الإقليمي، خصوصاً فيما يتعلّق بموازين القوى والتّحالفات ونفوذ الدول الفاعلة والمؤثرة في الإقليم، مثل إيران وتركيا وإسرائيل. ومن الطبيعي أيضاً أن يكون لهذا الزلزال، الذي حدث في هذه المنطقة الحيوية والإستراتيجية، أصداؤه وتداعياته العالمية.

فالولايات المتحدة الأمريكية مثلاً تتابع ما يجري في المنطقة بدقّة وحذر شديدين، وتعمل مع حلفائها ليلاً ونهاراً سِرًّا وعلانية على تأمين مصالحها الحيوية والحفاظ على نفوذها. والأمر ذاته ينطبق على دول أخرى كالاتّحاد الأوروبي وروسيا والصين مثلاً. وقد تناول الرئيس أوباما في خطابه بوزارة الخارجية في 19 أيّار، 2011، مسألة تأثير الربيع العربي على المصالح الأميركية في المنطقة.

ولقد بات جليًّا بأنّ تداعيات ثورات الربيع العربي لم تقتصر على الوضع السّياسي في العالم العربي فحسب، وإنما كانت هناك تأثيرات وانعكاسات كثيرة على النسق الاقتصادي، الذي سيلقي بظلاله على النّسق الثقافي وأنساق أخرى أيضاً. فقد ألقت ثورات «الربيع العربي» بظلالها على الواقع الاقتصادي المتردّي بالأساس في أغلب الدول العربية، فكانت في آنٍ واحد، سبباً لتراجع الأداء الاقتصادي، كما كانت نتيجة لميراث اقتصادي مليء باختلالات هيكلية مزمنة في كافّة القطاعات الاقتصادية، وتراكم في الديون، وزيادة مفرطة في عجز الموازنات، وانتشار البطالة بين الشباب( ).

وكشفت دراسة لقياس الآثار الاقتصادية للثورات العربية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عن نمو تدفّقات الحوالات إلى بلدان في الشرق الأوسط وأفريقيا خلال عام 2011 بنسبة 2.6%، وهو المعدل الذي يعدّ الأبطأ بين جميع المناطق المتقدّمة نظراً لحالة الغموض وعدم الاستقرار المدني التي فجّرتها الثورات العربية. ولاحظت الدراسة أنّ ما يزيد على 25% من الحوالات الواردة إلى بلدان في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ينبع من بلدان مجلس التعاون الخليجي.

وقد بلغ إجمالي تدفّقات الحوالات الصادرة من المملكة العربية السعودية 6% من إجمالي الناتج المحلّي لعام 2009 م( ) وكان لثورتي مصر وتونس تداعيات ملحوظة على اقتصادي البلدين.

وأصبح لصندوق النقد الدولي تقديراته الخاصّة لاقتصاد الدولتين، فقد قدّر تباطؤ الناتج المحلي الإجمالي (بالأسعار الثابتة) بنحو 1 في المئة لكلا البلدين في عام 2011، بعدما كانا قد حقّقا نموًّا بواقع 5 % و3.7 %، قبل الثورة في أوائل 2010. وكان التأثير الأكبر قبل وبعد الثورات قد طال قطاعات التصنيع والسياحة والاستثمارات الأجنبية، كما تأثّر معدّل البطالة والتضخّم بشكل سريع تجاه الارتفاع، فقد انخفض الإنتاج الصناعي في تونس بواقع 13 % في يناير (كانون الثاني) الماضي، بينما هوت السياحة، التي تساهم بنحو 7 % من الناتج المحلي الإجمالي، بواقع 40 % خلال الشهرين الأولين من العام الحالي.

وفي مصر، انخفض عدد السياح بنحو 81 % خلال شهرٍ واحد، وكان لتحويلات العاملين في الخارج نصيبها من تداعيات الاضطرابات، إذ إنّ عودة أكثر من 100 ألف عامل مصري تقريباً من ليبيا، نتيجة الأحداث الدائرة هناك، من شأنها أن تهوي بتحويلات المصريين العاملين في الخارج. كما عانى ميزان المدفوعات المصري، وحقّق عجزاً يتراوح بين 10 و12 مليار دولار في السنة المالية 2011/2012( ). ومن خلال الخطوات الإصلاحية التي اتخذتها بعض الأنظمة في المنطقة، خصوصاً تلك التي اجتاحتها التظاهرات الشعبية، يتّضح بأنّ الثورات العربية قد لعبت دوراً أساسيًّا في دفعها نحو هذا الاتّجاه.

ولقد جاءت بعض الخطوات الإصلاحية السّياسية والاقتصادية والاجتماعية، كمحصّلة للجهد الرسمي، والبعض الآخر كان محصّلة للتفاعلات الرسمية وغير الرسمية، التي تتمّ عادة بين الفاعلين السّياسيين في إطار الأيدلوجية والثقافة السّياسية السائدة، ومن خلال مجموعة الأبنية والمؤسّسات القائمة. وقد تمثّلت تلك الخطوات في صورة برامج عمل إصلاحية طالت بعض الأنساق المهمة، التي يفترض أنْ تؤثّر لاحقاً على معظم أنساق البناء الاجتماعي.

إنّ الجمود السّياسي في العالم العربي، الذي هو أحد الأسباب الرئيسة للثورات العربية، هو كذلك أحد أبرز أسباب التخلّف والفساد والأمّية والفقر والبطالة ونشوء العديد من الأزمات الحادّة في المجتمع.

بَيْدَ أنّ مجمل عمليات الإصلاح السّياسي، بوصفها آليات تغيير، تمارس في الدول الديمقراطية بصورة دائمة وبقناعة تامّة؛ لأنّها تستهدف في المقام الأول إشراك أكبر قدر من المواطنين في العملية السّياسية ومعالجة مكامن الضعف والخلل التي تعتري النظام السّياسي ليكون أكثر كفاءة وفاعلية للقيام بواجباته ومهامّه الأساسيّة.

بينما الدول التي تحكمها أنظمة دكتاتورية تتّسم بالجمود السّياسي، نظراً لتغييب الإرادة الشعبية، وهو أحد الموجبات الداخلية للثورات. ولا تعير أيّ اهتمام إلى عمليات الإصلاح السّياسي إلا في الأوقات المتأخّرة جدًّا، وتحت وطأة الضغوط الشعبية أو الخارجية المهددّة للنظام. والنتيجة الطبيعية لحالة الجمود السّياسي هو الشّلل التامّ أو شبه التامّ في كلّ الأنساق الاجتماعية.

فحينما تتلاشى فاعلية النظام السّياسي، الذي يترتّب عليه غالباً خلق العديد من الأزمات الداخلية، وعدم القدرة على حلّها، يمكن وصف الدولة التي يديرها بالدول الفاشلة أو شبه الفاشلة.

ولقد صنّف الباحث راجيف أرغوال، البلدان المعنية بالربيع العربي إلى ثلاثة أصناف:

الأولى: هي تلك الدوّل التي تمّ التخلّص فيها من النظام بنجاح، كتونس ومصر وليبيا.

والثانية: لا زالت تدور فيها معارك طاحنة وغير محسومة بعد، مثلما هو الحال في سورية.

والصنف الثالث: هي البلدان التي دفع الربيع العربي الحكومات والحكّام فيها إلى تعديل مسارهم( ).

وبحسب ما هو متوفّر من معطيات ومؤشّرات على الأرض، فإنّ الربيع العربي لم يساهم في تعديل مسار الأنظمة التي لم تسقط بعد، بسبب الاحتجاجات التي اجتاحتها، وإنما دفع بها لاتخاذ بعض الخطوات الإصلاحية والتدابير الأمنية، لتفادي أولاً وأخيراً شبح الثورات والانتفاضات أو احتوائها، وليس لتحريك عجلة الإصلاح وتفعيلها.

لعلّ أحد أهمّ التأثيرات الرئيسة التي حقّقتها الثورات العربية على الصعيد السّياسي، في الدول التي طالتها الاحتجاجات، تمثّل في الدفع بالنظم السّياسية للقيام ببعض الإصلاحات في المجتمع. لكن من المؤكّد أنّ تلك الاصطلاحات التي حدثت لا يمكنها بأيّ حالٍ من الأحوال إدارة عجلة الإصلاح برمّتها، في الوقت الرّاهن على الأقلّ، والتي من شأنها أن تفضي إلى تحوّل حقيقي نحو الديمقراطية.

نماذج من الدول المتأثرة بالربيع العربي

ومن بين تلك الدول التي تأثّرت على نحو أو آخر بالثورات العربية، ومن ثم بادرت بالقيام ببعض الإجراءات الإصلاحية الطفيفة، سواءً التي طالت بعض الأنساق الاجتماعية أو الاقتصادية، بغرض احتواء الاحتجاجات التي اجتاحتها أو منع تكرارها، هي:

1- المملكة العربية السعودية

في يوم الخميس3 مارس/آذار عام 2011 م اجتاحت المملكة موجة من الاحتجاجات المتفرقة متأثّرة بالاحتجاجات العارمة التي اندلعت في الوطن العربي مطلع عام 2011 م وبخاصة الثورة التونسية وثورة 25 يناير المصرية اللتين أطاحتا بالرئيس التونسي زين العابدين بن علي والرئيس المصري حسني مبارك. قاد هذه الاحتجاجات الشّبان السعوديون للمطالبة بإطلاق السجناء وبإصلاحات سياسية واقتصادية.

وقد أدّت الاحتجاجات إلى توعّد الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز في خطابه يوم الجمعة 18/3/2011 م، بضرب كلّ من يحاول زعزعة استقرار المملكة, وأعلن في الوقت نفسه عن حزمة من الإجراءات الحكومية لتجنّب آثار الثورات التي وقعت في عدد من الدول العربية( ). وقد شملت هذه الإجراءات ما يلي:

1- تخصيص 110 مليارات ريال (نحو 29 مليار دولار) لمساعدة العاطلين عن العمل.

2- اعتماد دفعة قروض جديدة تشمل بناء نصف مليون وحدة سكنية.

3- إنفاق مليارات الدولارات لرفع أجور موظفين الدولة.

4- توفير آلاف الوظائف للعاطلين عن العمل.

5- إنشاء هيئة لمكافحة الفساد.

2- المملكة المغربية

لقد اندلعت في المغرب احتجاجات شعبية في 20/2/2011 م متأثّرة بموجة الاحتجاجات العارمة التي اندلعت في الوطن العربي مطلع عام 2011 م. وقاد هذه الاحتجاجات الشّبان المغاربة «حركة 20 فبراي» بدعمٍ من الهيئات الحقوقية والأحزاب السّياسية المغربية وعموم المواطنين المغاربة, وطالب المتظاهرون بإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية.

وتلخّصت المطالب الأساسية للاحتجاجات الشعبية في ضرورة إقرار دستور ديمقراطي, وحلّ الحكومة والبرلمان الحاليين, وتشكيل حكومة مؤقّتة, فضلاً عن إقرار قضاء مستقلّ, ومحاكمة المتورّطين في الفساد, ووضع حدٍّ للبطالة خاصّة بين حاملي الشهادات العليا. كما طالبت بالاعتراف بالأمازيغية لغة رسمية, وإطلاق جميع المعتقلين السّياسيين، وإقامة الملكية الدستورية على غرار الديمقراطيات العريقة واكتفاء المؤسّسة الملكية بدورها الرمزي فقط، وتحسين الوضع المعيشي للمواطنين, وإقرار مبادئ العدالة الاجتماعية.

وعلى وقع تلك الاحتجاجات شكّل الملك محمد السادس المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وهو هيئة جديدة للدفاع عن حقوق الإنسان بدلاً من المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان الذي شكّل عام 1990م، وكان دوره استشاريًّا. كما أعلن في 9/3/2011 تشكيل لجنة لتعديل الدستور برئاسة الفقيه الدستوري عبد اللطيف المنوني كاستجابة لأبرز مطالب الاحتجاجات.

وخلال جلسة استثنائية عقدتها الحكومة المغربية برئاسة الملك أقرّت عدداً من مشاريع القوانين والمراسيم المتعلّقة بمكافحة الفساد وتطبيع الحياة العامة. وأفرجت السّلطات المغربية عن190 معتقلاً سياسيًّا بينهم خمسة من القيادات السّياسية أدانتهم محكمة مغربية عام 2009 بتهم تتعلّق بما يُسمّى الإرهاب في قضية «بلعيرج».

3- المملكة الأردنية

شهدت الأردن موجة من المظاهرات والمسيرات الاحتجاجية التي انطلقت في مختلف أنحاء البلاد مطلع عام 2011 م متأثّرة بموجة الاحتجاجات العربية العارمة التي اندلعت في الوطن العربي مطلع عام 2011م. وكان من الأسباب الرئيسة لهذه الاحتجاجات تردّي الأحوال الاقتصادية وغلاء الأسعار وانتشار البطالة.

وقد بدأت المظاهرات والمسيرات الاحتجاجية بالانطلاق بعد صلاة الجُمعة في عدّة مُدن رئيسية ضمَّت بالمُجمل ما يَزيد عن 3,000 مُتظاهر، بما في ذلك العاصمة عمّان التي كانت أضخم مسيراتها أمام المسجد الحسيني في وسط المدينة واستمرّت حتى رأس العين، بالإضافة إلى مدن إربد والكرك والسلط وذيبان ومخيم البقعة، فيما أطلق عليه اسم «يوم الغضب الأردني». واستمرّت المظاهرات خلال الأيام التالية.

وعلى وقع تلك الاحتجاجات أصدر الملك الأردني عبد الله الثاني حزمة من القرارات:

1- إقالة حكومة سمير الرفاعي التي تحكم البلاد منذ ديسمبر (كانون الأول) 2009 . وقد كلّف الرئيس معروف البخيت بالإسراع لتشكيل حكومة جديدة تحقّق مطالب الشّعب وتقوم بإصلاحات سياسية واقتصادية سريعة لإصلاح الأوضاع في البلاد.

2- تشكيل لجنة للتحقيق في أحداث العنف التي وقعت في مسيرة المسجد الحسيني الجمعة 18/2 والوقوف على تفاصيلها ومعاقبة الأشخاص المتورّطين في أحداث العنف.

3- إنشاء نقابة للمعلمين، بعد الإضراب الذي قام به المعلّمون، والذي أدّى لشلّ الحركة التربوية في المملكة.

4- أعلن بيان للديوان الملكي الأردني أن الملك عبد الله الثاني شكّل لجنة ملكية وكلّفها بمراجعة نصوص الدستور للنظر في أيّ تعديلات دستورية ملائمة لحاضر ومستقبل الأردن.

4- سلطنة عمان

لقد اندلعت الاحتجاجات العُمانية يوم الجمعة 25 فبراير عام 2011م, متأثرة بموجة الاحتجاجات العارمة التي اندلعت في الوطن العربي مطلع عام 2011 م، وبخاصة الثورة التونسية وثورة 25 يناير المصرية اللتين أطاحتا بالرئيس التونسي زين العابدين بن علي والرئيس المصري حسني مبارك. قاد هذه الاحتجاجات الشّبان العمانيون الذين اعتصموا في محافظة ظفار بتاريخ 25 فبراير عام 2011 م، وطالبوا بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية.

وفي 17 يناير / كانون الثاني 2011 تحرّك المئات في العاصمة مسقط «المسيرة الخضراء 1» للمطالبة بتحسين الدخل ولجم ارتفاع أسعار السلع وتكاليف المعيشة، وانتظرت الحكومة نحو شهر لتردّ على هذه المسيرة السلمية برفع الحدّ الأدنى لأجور القوى العاملة الوطنية في القطاع الخاصّ.

ونشرت دعوات للاحتجاج عبر مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت مثل الفيس بوك وتويتر للخروج يوم الجمعة 18/2/2011 م في مسيرة أطلقوا عليها اسم «المسيرة الخضراء 2»، وذيّلت بعض هذه الدعوات بموادّ من النظام الأساسي للدولة استند عليها في التمسك بحقّ الدعوة للمسيرة، وهي المادة 29، التي تتعلق بحرية الرأي والتعبير، والمادة 32 المتعلقة بحقّ المواطنين في التجمّع ضمن حدود القانون. فخرجت مظاهرة سلمية أمام مجمع الوزارات بالعاصمة العمانية مسقط شارك فيها نحو 300 من المواطنين بينهم نساء.

وعلى أثر تلك الاحتجاجات أعلنت السّلطنة القرارات التالية:

1- رفع الحدّ الأدنى لأجور المواطنين العمانيين العاملين بالقطاع الخاصّ إلى مائتي ريال عماني، أي ما يعادل 519 دولاراً أميركيًّا.

2- أجرى سلطان عُمان قابوس بن سعيد تعديلاً وزاريًّا شمل ستّة وزراء، وعيَّن بعض المستشارين الجدد على أمل أن يحدّ ذلك من موجة الاحتجاجات.

3- رفع المخصّصات المالية الشهرية لطلبة الكليات والمعاهد والمراكز الحكومية التابعة لوزارة التعليم العالي ووزارة القوى العاملة.

4- إنشاء هيئة مستقلّة لحماية المستهلك.

5- توفير 50 ألف فرصة عمل للعاطلين, مع منح مبلغ 150 ريالاً عمانيًّا (388 دولاراً) شهريًّا لكلّ باحث عن عمل من المسجلين لدى وزارة القوى العاملة إلى أن يجد عملاً.

6- كما أمر قابوس باتخاذ الخطوات اللازمة تجاه تحقيق استقلالية جهاز الادّعاء العامّ، وهو مطلب سبق أن طالب به المتظاهرون.

7- تكليف لجنة وزارية برئاسة وزير ديوان البلاط لوضع مجموعة من المقترحات يتعلّق بعضها بإعطاء مجلس الشورى مزيداً من الصلاحيات، وهو أيضاً من مطالب المتظاهرين.

8- تجميد قاعدة قطع مساعدات الضمان الاجتماعي في حالة حصول أحد أفراد الأسرة المنتفعة على عمل، وهي قاعدة كانت سارية من قبل على الأسر التي تتمتع بإعانات من الضمان الاجتماعي، فكان يتمّ وقف الإعانة بمجرّد حصول أحد أفراد الأسرة على عمل.

9- أقال السلطان العماني أهمّ وزيرين في حكومته، هما: الفريق أوّل علي بن ماجد المعمري، وزير المكتب السّلطاني (أكبر جهاز أمني في سلطنة عمان)، ووزير ديوان البلاط السّلطاني علي بن حمود البوسعيدي. وهما الوزيران اللذان كان يطالب الشّعب العماني بتنحيتهما.

10- شكّل السلطان حكومة جديدة ضمّت 12 وجهاً جديداً بينهم أعضاء من مجلس الشّورى، وغاب عنها وزراء طالب المحتجّون بإقالتهم.

11- أصدر السّلطان قابوس مرسوماً يقضي بالاستقلال الإداري والمالي للادّعاء العام, كجزء من الاستجابات الرسمية لمطالب الاحتجاجات ومسيرات عمان المطلبية, مما يعني أن علاقة جهاز الادّعاء العام بالمفتش العام للشرطة قد انتهت.

12- أصدر السّلطان مرسوماً يقضي بمنح مجلس عُمان (البرلمان) صلاحيات تشريعية ورقابية، وزيادة المعاشات الشهرية للأسر المستفيدة من قانون الضمان الاجتماعي بنسبة 100%. كما أمر بزيادة قيمة المستحقّات التقاعدية لجميع الخاضعين لقانون معاشات ومكافآت ما بعد الخدمة لموظفي الحكومة العُمانيين بنسبة تصل إلى 50% للفئات المستحقة لأقلّ معاشٍ تقاعديّ.

13- أقال السّلطان سعيد المفتّش العام للشرطة والجمارك، الفريق مالك بن سليمان المعمري، وعيّن مكانه حسن بن محسن الشّريقي، المرافق العسكري للسلطان، بعد أن رقّاه إلى رتبة فريق. وكان متظاهرون قد طالبوا بإقالة المفتش العام للشرطة والجمارك على خلفية الصدامات التي حدثت بين رجال الشرطة والمتظاهرين في صحار، وقتل فيها شخص واحد على الأقلّ وأصيب آخرون.

14- أصدر السّلطان قابوس بن سعيد عفواً عن 234 اعتقلوا في المظاهرات.

ومما سبق يلحظ أنّ التأثيرات العامة لثورات الربيع العربي تتفاوت على عمليات الإصلاح السّياسي والتحوّل الديمقراطي باختلاف طبيعة كلّ وحدة سياسية عربية وخصائصها. فما تحقّق من تغيير في تونس ومصر وليبيا يختلف عمّا حدث من إصلاحات في السعودية والمغرب والأردن وعُمان.

كما هناك اختلاف في التأثيرات التي أحدثتها ثورات الربيع العربي في تلك البلدان التي قامت ببعض الإصلاحات، كالدول المشار إليها أعلاه. وهذا يُعزّز صحة الفرضية العامّة للدراسة، التي تؤكّد وجود تباين حقيقي في التأثيرات العامّة التي أحدثتها ثورات الربيع العربي على عمليات الإصلاح والتحوّل الديمقراطي، نظراً لاختلاف طبيعة كلّ وحدة سياسية عربية وخصائصها.

وعليه، فإنّ معظم الحكومات في العالم العربي التي اجتاحتها الاحتجاجات، تأثّرت بثورات الربيع العربي، وعلى إثرها قامت كلّ وحدة بإجراء مجموعة من الإصلاحات المتفاوتة نسبيًّا عن الوحدة الأخرى. ذلك تمّ بغرض تفادي «شبح» الثورات أو احتواء تلك الاحتجاجات. وهذا يُعزّز أيضاً من صحّة الفرضية العامة للدراسة. ولكنّ هذه الإصلاحات، وبحسب العديد من المؤشّرات، لا ترقى إلى الآمال الشعبية المرجوّة، كما أنّها غير كافية لطرد شبح الثورات عن تلك البلدان، كما أنّها لن تستطيع أيضاً أنْ تحرّك عجلة الإصلاح فيها.

وبما أنّ الأمر كذلك، فإنّه من غير المستبعد أن تستمرّ وتتسع الاحتجاجات في تلك البلدان وتتحوّل لاحقاً إلى ثورات شعبية واسعة تتمكّن من إسقاط الأنظمة أو تتحوّل إلى ثورات مسلحة وحروب أهلية.

ففي حال توقّفت الثورات، بسبب المعالجات المؤقّتة يمكن أن تعود ثانية في أيّ لحظة وبزخم أكبر، طالما أنّ الأسباب والدّواعي لا زالت قائمة. بَيْدَ أنّ الذين وصفوا تلك العمليات الإصلاحية، التي أقدمت عليها بعض الأنظمة «بالمهدّئات المسكّنة»، لتفادي عدم عودة الاحتجاجات في بلدانهم، كانوا محقّين في ذلك التوصيف، ولعلّ ما يجري في اليمن خير مثال على ذلك.

تاسعاً: ثورات الربيع العربي والتحوّل الديمقراطي

يمكن النظر إلى الاحتجاجات والثورات الشعبية التي يشهدها العالم العربي اليوم، بوصفها صراعاً بين قوى الاستبداد القديم وقوى التحرّر الجديدة. وما يجري في دول الربيع العربي تحديداً، هو مخاض قاسٍ ونضال معقّد نحو التحوّل الديمقراطي المنشود، الذي قد يأخذ زمناً طويلاً، بحسب باحثين، أو قصيراً بحسب آخرين. لكنه في النهاية، وبحسب باحثين كُثْر، قد يفضي إلى إقامة دول ديمقراطية قوية وفاعلة، تكون معبراً لانتقال أو تحوّل حقيقي نحو الديمقراطية في المنطقة العربية.

وكما تمّ الإشارة سابقاً، فإنّ التحوّل الديمقراطي المقصود به هنا، هو عبارة عن حدوث عملية تبدّل أو تغيير جذري وشامل في بنية المجتمع، وذلك بسبب فعل الثورات التي تحدث تأثيرات بالغة على كافّة الأنساق الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، وكذلك النظم السّياسية السّلطوية القائمة، التي غالباً ما يُستبدلُ بها نظماً ديمقراطية فاعلة وحديثة تؤْمن بالتعدديّة السّياسيّة والتداول السّلميّ للسلطة، من خلال الممارسة الديمقراطية عبر صناديق الاقتراع، إلى جانب الإيمان بحريّة التعدديّة الدينيّة والمذهبيّة والقوميّة والثقافيّة والاجتماعيّة للأقلّيّات وحمايتها( ).

وعليه، فإنّ التحوّل الديمقراطي المقصود لا يقتصر على النظم السّياسية فحسب، وإنما يطال بنية المجتمع بعد أنْ تتعزّز فيه قيم ومبادئ الديمقراطية بحيث تشكّل فلسفته الخاصّة. وبحسب برهان غليون، فإنّ سيرورة الانتقال الديمقراطيّ المطلوبة في بلداننا، تكمن في العمل على «تغيير وعي الأفراد وتعزيز فرص تعاونهم وتضامنهم وتنظيمهم. فهي ثمرة جهدٍ متواصلٍ محورُه الحقيقيُّ تحريرُ الإنسان، وقبل ذلك تحرّر أولئك الذين يؤمنون بتحرير الإنسان أو يعملون في حقله، من ثقافتهم غير الديمقراطية وأساليب عملهم التقليديّ.

فهذا التراكمُ الثقافيّ والسّياسيّ والاستراتيجي هو الذي يمهّد عادةً لنقلة كيفيّة، ويجعل من الانتفاضات والثورات المُحْتملة شيئًا آخرَ غيرَ التمرُّدات الشعبويّة، التي أدّى إخفاقُها إلى تعزيز الاستبداد»( ).

إمكانية التحول الديمقراطي

كما أنّ قيام الثورة ونجاحها في إسقاط النظم وحده ليس شرطاً كافياً لإحداث تحوّلات عميقة في بنية المجتمع تؤدّي بالضرورة إلى الديمقراطية، فهناك العديد من الثورات التي حدثت في العالم أطاحت بنظم سلطوية، لكنها انحدرت إلى الحرب الأهلية، أو انضمّت إلى خانة الدول المنهارة، أو استبدل بها ديكتاتوريات أخرى.

ولقد مرّت العديد من دول أمريكا اللاتينية وأوروبا وأفريقيا وحتى العالم العربي بمراحل مبكّرة من التحوّل الديمقراطي، لكنّ الكثير من حكوماتها فشلت في تحقيق الديمقراطية( ). لكن ما هو متيقّن منه، أنّ الثورات الشعبية، وإنْ لم تفضِ إلى تحوّل حقيقي نحو الديمقراطية، إلا أنها تحدث غالباً تغييرات كبرى وعميقة على صُعُدٍ عدّة.

وبما أنّ الثورات العربية لم تكتمل مراحلها ولم تنجر أهدافها كاملة، ولم تستقرّ بعد، فإنّ الوقت لا زال مبكّراً لإعطاء حكمٍ قاطعٍ حول مدى تأثيراتها العميقة في البنية الاجتماعية والنظم السّياسية في المستقبل القريب أو المتوسط أو حتى البعيد أيضاً. لكن، وبحسب المؤشّرات الراهنة، يمكن رصد ثلاث اتجاهات، لكلّ واحدٍ منها فريق له قراءته الاستشرافية الخاصّة، حول إمكانية الثورات العربية على إحداث تغيرات جذرية تقود إلى تحوّل حقيقي نحو الديمقراطية، سواءً على صعيد بلدان الربيع العربي أو المنطقة العربية عامة.

الاتجاه الأوّل: يرى في الثورات الربيع العربي إمكانية حدوث تحوّلٍ ديمقراطيّ، لكنه يتطلّب جملة من الشّروط علماً بأنه سيأخذ وقتاً طويلاً.

وغالباً ما يستحضر هذا الفريق في أذهانهم تجارب الثورات التاريخية السابقة التي أحدثت تحوّلات هائلة وعميقة في العديد من الدول، كالثورة الفرنسيّة التي اندلعت عام 1789 وامتدّت حتى 1799، وأثّرت بشكل بالغ العمق على فرنسا وجميع أوروبا. لكنها لم تترسَّخْ مبادؤها في عموم أوروبا إلا بعد أكثر من خمسة عقود من الزمن تقريباً أو أكثر.

كما يرى أصحاب هذا الاتّجاه أيضاً وجود معوّقات من شأنها إعاقة عملية الانتقال نحو الديمقراطية، بسَلاسة وبسُرعة، في بلدان الربيع العربيّ، أبرزها ما هو متعلّق بالبنية الفكريّة - السّياسيّة لمجتمعات هذه الأقطار الثائرة. وانطلاقًا من تحليل هذه البنية، رصد الباحث فاخر جاسم جملةً من هذه المعوّقات، منذ مطلع العقد الثاني من الألفيّة الحاليّة.

أوّلها: انحسارُ الفكر الليبراليّ الديمقراطيّ في هذه البلدان.

وثانيها: ضعفُ الوعي السّياسيّ في مجتمعاتنا، وهو ما يُصعّب فهْمَ لغة الخطاب السياسيّ المتداوَل الآن، التي تؤسّسه أهدافٌ وشعاراتٌ كبرى من قبيل: الديمقراطية، ودولة الحقّ والقانون، والانتخابات، والدولة المدنيّة.

وثالثُها: أسلوب التفكير الشّموليّ لدى أطراف المشهد السّياسيّ العربيّ( ).

الاتجاه الثاني: يشاطر الاتّجاه الأول في إمكانية حدوث تحول نحو الديمقراطية في العالم العربي، بسبب فعل الثورات الشعبية، ولكن يختلف عن الفريق الأول في المدّة الزمنية التي سيستغرقها ذلك التحوّل، وكذلك في نوعية المعوقات المعرقلة أو المعيقة.

فالمفكر العربي عزمي بشارة، وهو ينتمي إلى هذا الاتّجاه، ينفي أنْ تكون ثورات الربيع العربيّ بحاجة إلى مثل هذا الزمن؛ لاعتبارات متعدّدة، أبرزها: وجود مؤسّسات دولة، وجيوشٌ حديثة، ووسائلُ اتّصال متطورة، وفئات المثقفين والطبقات الوسطى، وصَيْرُورة تشكّل الأمم( ) فبشارة يرجّح الانتقال السّريع نحو الديمقراطية في بلدان الربيع العربي، لتوفّر الشروط الآنفة الذكر.

الاتجاه الثالث: وهم الذين لا يرون فيها القدرة على إمكانية صنع أيّ شكلٍ من أشكال التحوّل الذي يفضي إلى الديمقراطية، بل إنهم ذهبوا إلى أبعد من ذلك بكثير، حيث يرون أنّ هذه الثورات لا تعدو أكثر من كونها مؤامرات كونية أو ردّات فعل عبثية، إذا أحسن الظنّ بها، وبالتالي ستقود إلى فوضى مدمّرة، ومن غير المستبعد أن تعيد أيضاً إنتاج الاستبداد ثانية لكن بصورة أشدّ وأقسى، وإنْ كان بشكل مختلف عن ذي قبل.

ويستشهد أصحاب هذا الفريق بما يجري حاليًّا من فوضى عارمة وصراع حادّ وانقسامات عميقة وعدم استقرار في كلٍّ من تونس ومصر، على الأقلّ، وذلك بعد وصول الإسلاميين إلى سدّة الحكم هناك.

فرص التحوّل الديمقراطي

يبدو أنّ الثورات العربية تمثّل اليوم الفرصة الذهبية الأنسب لإحداث تحوّل حقيقي نحو الديمقراطية، ليس في دول الربيع العربي فحسب، وإنّما في المنطقة العربية ككلّ، وذلك لمجموعة أسباب، أبرزها سببان:

أولاهما، أنّ الأنظمة العربية القائمة، وبحسب سلوكها الراهن، تمثل عقبة رئيسة أمام أيّ تحوّل ديمقراطي في بلدانها وعموم المنطقة، كما أنّها لن ولم تساهم أو تشارك حتى في صناعة هذا التحوّل، مما يعني أنّ السبيل الوحيد إلى إحداث أيّ تغيير نحو الديمقراطية في المنطقة العربية لن يمرّ ولم يتمّ إلا عبر بوابة الثورات، فهي طوق الخلاص الوحيد من الاستبداد والمعبر المتاح لإحداث التحوّلات الكبرى.

ثانيهما، أنّ انتشار الديمقراطية في العالم الحديث، كما عوّدتنا التجارب، قد جاء على شكل موجات، بسبب الثورات غالباً وليس نتيجة أيّ أسباب أخرى. فقد اندلعت الموجة الأولى في أعقاب الثورتين الأمريكية والفرنسية، وهو ما مَثّل بداية التحوّل الديمقراطي في أوروبا والأمريكيتين في القرن التاسع عشر.

إلا أنّ هذه الموجة قد انحسرت بفعل صعود الشيوعية والحركات الفاشية. ثم ظهرت الموجة الثانية من الديمقراطية غداة الحرب العالمية الثانية، التي شهدت إعادة انتشار الديمقراطية في أوروبا الغربية ووصول الديمقراطية إلي اليابان، والهند، وبعض الدول المستقلّة حديثاً عن الاستعمار.

وفي تطوّر لاحق، بدأت الموجة الثالثة في أوائل السبعينيات مع عمليات الانتقال الديمقراطي في أوروبا الجنوبية: إسبانيا، والبرتغال، واليونان، وأيضاً مع الانتقال الديمقراطي في البرازيل وبلدان أخرى في أمريكا الجنوبية والوسطى. ويُلاحظ أن هذه الموجة أصبحت أكثر اتّساعاً بفعل تفكّك الاتحاد السوفيتي، وتداعي جدار برلين عام 1989، حيث تحوّلت كلّ أوروبا الشرقية والوسطي تقريباً إلى الديمقراطية بما في ذلك روسيا، كما أنّ الكثير من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء أطاحت بحكامها السّلطويين واتّجهت صوب الديمقراطية.

وفي أوائل القرن الواحد والعشرين شهدت العديد من الدول ما عُرف بالموجة الرابعة للديمقراطية، التي سمّاها البعض بالثورات الملوّنة أو الثورات الانتخابية، وقد ضمّت هذه الموجة عدد من دول أوروبا الشرقية، وهي: سلوفاكيا، وكرواتيا، وصربيا، وجورجيا، وأوكرانيا( ) ويشهد العالم في الوقت الرّاهن العديد من الثورات في المنطقة العربية التي جاءت بشكل أساس تطالب بالديمقراطية والقضاء على النظم التسلّطية، وهو ما أطلقت عليه العديد من الكتابات الغربية بربيع الديمقراطية العربي أو الموجة الخامسة للتحول الديمقراطي( ).

وعليه، فإنّه يمكن للثورات العربية أنْ تُفضيَ إلى تحوّل ديمقراطي في بلدان الربيع العربي، والمنطقة عموماً، إذا ما تجاوزت العقبات والتحدّيات الداخلية والخارجية التي تقف أمامها، وتوفّرت الشروط والضّمانات لصنع ذلك التحوّل المأمول، وليس مهمًّا أن يتمّ ذلك التحوّل في فترة قصيرة أو طويلة، بقدر ما ينبغي أنْ يسلك ذلك التحوّل المسار الصحيح الذي يُفضي في النهاية إلى الديمقراطية، عبر إقامة نظم ديمقراطية حديثة وفاعلة، تساهم في عملية التحوّل وتغيير واقع الشعوب العربية إلى ما هو أفضل.

ويؤكّد المفكّر العربي عزمي بشارة أن الثورات العربية ذاهبة نحو التحوّل الديمقراطي لا محالة.كما يرى أنّ الثورات التي حدثت في العالم العربي، هي ثورات ديمقراطية؛ لأنّ المبادئ والقيم التي نادى الثوار بتحقيقها (الحرية، والمواطنة، والكرامة، والعدالة) هي مبادئ الديمقراطية نفسها، ولأنّها لم تحدث بسبب إرادة حزب سياسيّ واحد، وإنّما شارك في صناعتها جميع الأحزاب والفئات الاجتماعية، كما أنّ الأحزاب الاسلامية التي وصلت إلى سدّة الحكم لم تأتِ إلا من خلال تأكيدها على تطبيق مبادئ وقيم الديمقراطية( ).

فالربيع العربي، مع كلّ ما فيه من صعوبات وتحدّيات وقصور وإخفاقات، لا زال يمثّل بداية عصر جديد للعرب قاطبة، ولحظةً تاريخيّة فارقة في حياتهم السّياسية والاجتماعية والثقافية، وليس مستبعداً أنْ يفضيَ إلى تحوّل حقيقي نحو الديمقراطية، إذا ما تمّ توفير مستلزمات التحوّل وشروطه، وعلى رأس تلك الاشتراطات خلق التوافقات العميقة بين مختلف القوى السّياسية والاجتماعية التي ساهمت في إسقاط الأنظمة الديكتاتورية في دول الربيع العربي، وإشراكها في عملية قيادة التحوّل وصناعة القرار السّياسي، وقطع الطريق أمام أيّ نزعة تفرّد حزب واحد في الحكم، وغيرها من المستلزمات التي تهيئ الأرضية الملائمة لحدوث ذلك التحوّل.

الفصل الثاني: خارطة الإسلام السّياسي في دول الربيع العربي

(أ) حركة النهضة في تونس

تأسّست حركة النهضة، وهي الحركة الإسلامية الأبرز في تونس، عام 1972 م. وفي عام 1974 سمح لأعضاء الجماعة بإصدار مجلة المعرفة التي أصبحت المنبر الفعلي لأفكار الحركة. في عام 1979 أقيم بشكل سرّي المؤتمر المؤسّس للجماعة الإسلامية، في مدينة سوسة، وتمت فيه المصادقة على قانونها الأساس الذي أنشئت على أساسه هيكلة التنظيم. وقد أعلنت الحركة رسميًّا في مؤتمر صحفي عن نفسها عام 1981 م ( ).

ويعتبر أستاذ الفلسفة والمنظّر الإسلامي الشهير وعضو مكتب الإرشاد العالمي لجماعة الإخوان المسلمين راشد الغنوشي، الذي عاد إلى تونس بعد أكثر من 21 عاماً من اللجوء السّياسي ببريطانيا، من أبرز مؤسّسيها، وكذلك المحامي عبد الفتاح مورو، وحمادي الجبالي، والدكتور المنصف بن سالم.

الحركة لم تعلن نفسها في بيانها التأسيسي أنها مرتبطة بالإخوان، ولم تنفِ ذلك أيضاً. تقول بعض المصادر إنّ الحركة قامت على منهج وفكر الإخوان المسلمين. لكنّ الصحفي صلاح الدين الجورشي يذكر أن رئيس الحركة راشد الغنوشي يعتبر تنظيم الإخوان حليفاً ولكنّها ليست مرجعية.

نشاط الحركة:

اقتصر نشاط الجماعة في البداية على الجانب الفكري من خلال إقامة حلقات في المساجد ومن خلال الانخراط بجمعيات المحافظة على القرآن الكريم. وحكم على الغنوشي ومورو بالسّجن لعشر سنوات ولم يفرج عن الأول إلا في أوّل 1984 إثر وساطة من الوزير الأول محمد مزالي، في حين أطلق سراح الثاني عام 1983 م.

وشهد منتصف الثمانينيات صعوداً للحركة وتنامياً للصدامات مع السّلطة. كما شهدت الصّدامات أوجها سنة 1987 مع الحكم على الغنوشي بالأشغال الشاقّة مدى الحياة واتّهام الحكومة للحركة بالتورّط في التفجيرات التي استهدفت 4 نزل في جهة السّاحل. ويشتبه تورّط حركة النهضة في أعمال عنف، منها الاعتداء على شعبة التجمّع الدستوري الديمقراطي في باب سويقة في 17 فيفري 1991 وكذلك تفجيرات نزل في سوسة والمنستير سنة 1986 مما أسفر على جرح 13 سائحاً.

ورحبت الحركة بالإطاحة بالرئيس بورقيبة في 7 نوفمبر 1987، فيما قام النظام الجديد منذ الأشهر الأولى بالإفراج عن أغلب أعضاء الحركة المسجونين. في 7 نوفمبر 1988 كانت الحركة من الممضين على وثيقة الميثاق الوطني التي دعا إليها الرئيس بن علي كقاعدة لتنظيم العمل السّياسي في البلاد. شاركت الحركة في الانتخابات التشريعية في أبريل 1989 تحت لوائح مستقلة متحصّلة (حسب النتائج المعلنة) على حوالي 13% من الأصوات. في 1989 غيّرت الحركة اسمها إلى «حركة النهضة» للتقيّد بقانون الأحزاب الذي يمنع «إقامة أحزاب على أساس ديني» إلا أنّ طلبها بالترخيص جوبه بالرفض من طرف السّلطة.

وفي عام 1989 غادر راشد الغنوشي البلاد في اتجاه الجزائر، وقد تولى الصّادق شورو رئاسة المكتب السياسي للحركة منذ أبريل 1988. وفي عام 1992 حكمت محكمة عسكرية على 256 قياديًّا وعضواً في الحركة بأحكام وصلت إلى السّجن مدى الحياة. واصلت السّلطة في السنوات التالية ملاحقتها للمنتمين للحركة وسط انتقادات واسعة من جمعيات حقوق الإنسان. ورغم الإفراج عن أغلب عناصرها المسجونين بقيت نشاطات الحركة محظورة بشكل كلّي في تونس، واقتصر نشاطها المعروف على أوروبا وأمريكا الشمالية في أوساط التونسيين في الخارج حتى سقط حكم بن علي. يرأسها حاليًّا راشد الغنوشي الذي رجع من المنفى في لندن وينوبه عبد الفتاح مورو.

وبداية سنة 1990 اصطدمت الحركة بعنف مع السّلطة وقد بلغت المواجهة أوجها أثناء أزمة حرب الخليج. في 1991 أعلنت الحكومة إبطال مؤامرة لقلب نظام الحكم واغتيال الرئيس بن علي. وقد شنّت قوات الأمن حملة شديدة على أعضاء الحركة ومؤيّديها، وقد بلغ عدد الموقوفين8000 شخص. واعترفت الحركة بمسؤوليتها عن أحداث باب سويقة فقط في فيفري 2011 م، مؤكّدة أنها أخطاء فردية من قبل بعض شباب الحركة الذين كانوا يعانون من القمع وفي ظلّ غياب قيادات الحركة، سواءً بالنفي أو بالسّجن.

وفي أعمال الجمعية العمومية الثالثة للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين, التي انعقدت في مدينة اسطنبول بتركيا قبل الثورة التونسية بأشهر، التقى الشيخ حسن الصفار، أحد أبرز الزعماء السّياسيين الشيعة في المملكة، بزعيم حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي، وتبادلا الحديث حول الأوضاع في العالم العربي بما في ذلك الوضع التونسي، ولم يَرَ حينها الغنوشي أيّ أفق للتغيير في ظلّ حكم الرئيس التونسي زين العابدين بن علي( ).

إنّ هذا الحدث يعكس أمرين:

الأول: أنّ الثورة في تونس لم تكن في حسبان حتى زعيم حركة النهضة التي وصلت مؤخّراً إلى سدّة الحكم.

والثاني: أنّ حركة النهضة لم تكن متهيئة بشكل تامّ لإدارة الدولة، إذ لم يكن في حسبانها أن تكون في واجهة المشهد السّياسي الجديد في تونس.

والأكثر من ذلك، أنّ الحركة لم تشارك بشكل مباشر في تفجير الثورة أو قيادتها. والأمر ذاته ينسحب على تنظيم الإخوان وحزب النّور السلفي، اللذين تصدّرا المشهد السّياسي في مصر، بعد سقوط مبارك.

وهذا يعني، بحسب الباحث التونسي صلاح الجورشي، أنّ الأيديولوجيا لم تكن حاضرة عندما اندلعت المواجهات، التي قادها الشّباب المهمّش اجتماعيًّا وسياسيًّا ضدّ تعسّف النظامين. ولقد فوجئ الجميع بمن في ذلك الإسلاميّون بالمنعرج الذي اتّخذته تلك التحرّكات الاحتجاجية، كما لم يتوقّعوا الانهيار النفسي السريع للرئيس بن علي ومغادرته البلاد، أو الاضطراب والتردّد الذي أفقد مبارك القدرة على التفكير.

ولذلك كانت الثورة كالهدية الإلهية للشعب التونسي ولحركة النهضة التي تمكّنت في ظرف وجيز من ترميم صفوفها، وإحياء شبكاتها القديمة والمبعثرة، وبلورة «برنامج سياسيّ» جاء على عجلٍ وتضمّن وعوداً كثيرة، وتميّز بالشّمول وحسن الإخراج والاعتدال السّياسي.

وبعد فوز حركة النهضة بأكثر المقاعد في المجلس الوطني التأسيسي، وجدت نفسها مخيّرة بين البقاء خارج السّلطة في انتظار أوضاع أفضل، أو التوجّه نحو مشاركة محتشمة وموزونة في حكومة وطنية ممثّلة لجميع الأطراف الفاعلة، أو أن تتولّى تشكيل حكومة تكون هي المحرّك لها، وهو السيناريو الذي اختارته، وبذلك وضعت نفسها في قلب الإعصار( ).

الاعتراف بالحركة:

لم يُعْتَرفْ بها كحزب سياسيّ في تونس إلا في 1 مارس 2011 من قبل حكومة محمد الغنوشي (2011) المؤقتة، وذلك بعد مغادرة الرئيس زين العابدين بن علي البلاد على إثر اندلاع الثورة التونسية في 17 ديسمبر 2010 م. وبعد فوزها في انتخابات المجلس التأسيسي عقدت الحركة مؤتمراً تاريخيًّا، وهو أوّل مؤتمر علني بعد ثورة الحرية وبعد وصول النهضة للسّلطة، قال فيه الغنوشي: «التحدّي الأبرز لهذا المؤتمر هو الحفاظ على الخطّ المعتدل للحركة لتكون حاملة لتطلّعات التونسيين وآمالهم في حياة أكثر رخاء».

وفي المؤتمر تمّ انتخاب قيادات جديدة للحركة شملت الرئيس والأمين العام وأعضاء المكتب التنفيذي إلى جانب تحديد الاستراتيجيات السّياسية والاجتماعية التي ستنتهجها الحركة في الفترة المقبلة, كما نوقشت فيه العديد من المواضيع، أهمّها: موضوع هويّة البلاد، وموقع الدين في السّياسة، والسياسات الاجتماعية والثقافية.

وتعتبر حركة النهضة في الوقت الحاضر من بين أهمّ الأحزاب السّياسية في تونس. إذ تشكّل الحركة حاليًّا الطرف الرئيس في الحكم بالتحالف مع حزبين يساريين المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتّل الديمقراطي من أجل العمل والحريات. وأصبحت أكبر قوة سياسية في تونس منذ فوزها في انتخابات المجلس التأسيسي بحيازتها أكثر من40% من المقاعد.

موقف الحركة من الديمقراطية:

الشعارات الجديدة المنسجمة مع قيم الديمقراطية، التي رفعتها حركة النهضة، هي أحد الأسباب التي أوصلتها لسدّة الحكم. ولكن لا زال الكثير من الباحثين إلى جانب شريحة واسعة من المواطنين في بلدان الربيع العربي يشكّكون في صدق نيّات تلك الحركات، خصوصاً فيما يتعلّق بتطبيق الديمقراطية على الأرض. فحركة النهضة اليوم على المحكّ. والأخيرة، بحسب الباحثة مريم التايب، لا ترى بأنه من الضروري النّص في الدستور على مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وخاصّة تلك المتعلّقة بحرية التعبير والصحافة، معتبرة بأنّ لتلك الحريات حدوداً دينية وأخلاقية.

وهنا يطرح التساؤل حول التناقض في مواقف حركة النهضة، فهي تتبنّى الديمقراطية وتصرّ عليها، من جهة، وترفض مبادئها من جهة أخرى، حتى إنّ خميّس الماجري، القيادي السّابق في حركة النهضة، أكّد في تصريح صحفي بأنّ قياديّي حركة النهضة كانوا سلفيين يكفّرون الديمقراطية ولا يسعون إلا إلى تطبيق الشريعة قبل أن يصبحوا ديمقراطيين. كما اتّهمت الإعلامية والحقوقية نزيهة رجيبة، حركة النهضة بأنّها حركة إيديولوجية لا تؤمن بالديمقراطية وبالتداول السّلمي على السّلطة.

وما زال موضوع الحرّيات وحقوق الإنسان يثير الجدل بين الإسلاميين، بسبب آثاره التي تتناقض أحياناً مع القيم الإسلامية. ويظلّ موضوع حقوق المرأة والمساواة من أصعب وأعقد المجالات، التي يتعامل معها الإسلاميون في محاولاتهم عدم التناقض مع القيم والمبادئ العالمية، التي تأخذ طابعاً إنسانيًّا شاملاً بعد أن تبنّتها المنظّمات والهيئات الدولية( ).

(ب) تنظيم الإخوان في مصر( ) تأسّست جماعة الإخوان المسلمين عام 1928 م على يد المرشد الأول حسن البنا، في مدينة الإسماعيلية، وما لبثت أن انتقلت إلى القاهرة. وسرعان ما انتشر فكر هذه الجماعة، فنشأت جماعات أخرى تحمل فكر الإخوان في العديد من الدول، ووصلت الآن إلى اثنين وسبعين دولة، تضمّ كلّ الدول العربية ودولاً إسلامية وغير إسلامية في القارّات الستّ. وهي جماعة إسلامية، تصف نفسها بأنها إصلاحية شاملة.

وذكر يوسف ندا، مفوّض العلاقات السّياسية الدولية لدى جماعة الإخوان المسلمين، في حديث أجرته معه صحيفة المصري اليوم في 27 مايو سنة 2008 في سويسرا، أن عدد الإخوان المسلمين في العالم «تجاوز المئة مليون» فرد حسب آخر إحصاءات الجماعة عام 2007، وقد ذكر هذا العدد من قبل في مقابلة مع قناة الجزيرة في برنامج بلا حدود.

وفي ندوة بجامعة ديلا وير الأمريكية قال البروفيسور فوّاز جرجس، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والمتخصّص في شؤون الشرق الأوسط بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة لندن: «إنّ جماعة الإخوان المسلمين، التي تمثل حاليًّا الإسلاميين المعتدلين، هي الجماعة الأوفر حظًّا بالفوز بنسبة لا تقلّ عن 25% إلى30% ليس من أصوات المصريين فحسب وإنما جميع المسلمين البالغ عددهم أكثر من 1.3 مليار؛ إذا ما دخل الإخوان في الدول العربية والإسلامية أية انتخابات حرّة ونزيهة.

وبالنسبة لتعداد الجماعة في مصر، ذكر الدكتور عبد الحميد الغزالي، المستشار السّياسي للمرشد، أنّ عدد الإخوان في مصر وصل إلى خمسة عشر مليون إخواني، منهم عشرة مليون يسمّون إخواناً عاملين والخمسة مليون الآخرون مؤيّدون لأفكارها، وذلك في حوار له مع صحيفة المصري اليوم بتاريخ 29 أكتوبر 2009 م: «نحن في مصر، والحمد لله، وصلنا إلى رقم 15 مليون إخواني، حيث يوجد 10 ملايين يسمّون «إخوان عاملين» في الجماعة، بينما الخمسة الآخرون مؤيّدون لأفكارها، وهذه ليست أمانٍ، ولكنها إحصائيات، أمّا عن عدد الإخوان خارج مصر فلا أعرف الرقم بالضبط».

وبدأ نشاط الإخوان المسلمين في مصر كحركة جامعة شاملة تحقق العدالة والإصلاح الاجتماعي والسياسي. وتضمّ الحركة مجموعة من المنظّرين والمرشدين والقادة، أمثال: سيد قطب، وفتحي يكن، وأحمد ياسين، ووجدي غنيم، وراشد الغنوشي، ويوسف القرضاوي، وحسن الهضيبي، وعمر التلمساني، ومحمد حامد أبو النصر، ومصطفى مشهور، ومأمون الهضيبي، ومحمد مهدي عاكف، ومحمد بديع، وآخرون.

وفي ثلاثينيات القرن العشرين، زاد التفاعل الاجتماعي والسياسي للإخوان المسلمين وأصبحوا في عداد التيارات المؤثّرة سياسيًّا واجتماعيًّا.

وفي عام 1942، وخلال الحرب العالمية الثانية، عمل الإخوان على نشر فكرهم في كلٍّ من شرق الأردن وفلسطين ، كما قام الفرع السّوري بالانتقال إلى العاصمة دمشق في عام 1944. وتعتبر أكبر حركة معارضة سياسيّة في مصر والكثير من الدول العربية. ويتبع تنظيم الإخوان جماعات وحركات عدّة كالحرية والعدالة، العدالة والتنمية، التجمّع الوطني للإصلاح والتنمية، حركة حماس، حزب التجمّع اليمني للإصلاح، جمعية الإصلاح الاجتماعي، حركة النهضة، وغيرها.

أهداف ووسائل التربية

طبقاً لمواثيق الجماعة فإنّ «الإخوان المسلمين» يهدفون إلى إصلاح سياسيّ واجتماعيّ واقتصاديّ من منظور إسلاميّ شامل في مصر وكذلك في الدول العربية التي يتواجد فيها الإخوان المسلمون، مثل: الأردن، والكويت ، وفلسطين ، والسعودية. كما أنّ الجماعة لها دور في دعم عددٍ من الحركات الجهادية التي تعتبرها حركات مقاومة في الوطن العربي والعالم الإسلامي ضدّ كافّة أنواع الاستعمار أو التدخّل الأجنبي، مثل حركة حماس في فلسطين ، وحماس العراق في العراق وقوات الفجر في لبنان.

وتسعى الجماعة في سبيل الإصلاح الذي تنشده إلى تكوين الفرد المسلم والأسرة المسلمة والمجتمع المسلم، ثم الحكومة الإسلامية، فالدولة فأستاذية العالم وفقاً للأسس الحضارية للإسلام عن طريق منظورهم. وشعار الجماعة «الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا».

وللإخوان عدّة وسائل لها أبعاد تربوية وتنظيمية ذكرها الدكتور علي عبد الحليم محمود (عضو الهيئة التأسيسية) في كتابه الشهير (وسائل التربية عند الإخوان المسلمين)، وهي: الأسرة، والكتيبة، والرحلة، والمعسكر، والدورة، والندوة، والمؤتمر.

الهيكل التنظيمي

وطبقاً للمادة 9 في اللائحة الداخلية للإخوان المعدّلة عام 1948 م، يحتلّ المرشد العام المرتبة الأولى في الجماعة باعتباره رئيساً لها، ويرأس في الوقت نفسه جهازي السّلطة فيها، وهما: مكتب الإرشاد العام ومجلس الشورى العام.

ويعتبر مكتب الإرشاد العام هو القيادة التنفيذية العليا للإخوان المسلمين، وهو المشرف على سير الدعوة والموجّه لسياستها وإدارتها. ويتمّ اختيار أعضائه عن طريق الاقتراع السّري، ومدّة العضوية فيه محدّدة بأربع سنوات هجرية.

كما أنّ مجلس الشّورى العام - أو كما كان يسمّى الهيئة التأسيسية - هو السّلطة التشريعية لجماعة الإخوان المسلمين، وقراراته ملزمة، ومدّة ولايته أربع سنوات هجرية. وتتضمّن مهامه الإشراف العام على الجماعة وانتخاب المرشد العام.

قيادات معاصرة

1- الدكتور محمد مرسي: رئيس جمهورية مصر العربية في أوّل انتخابات حرّة في تاريخها.

2- المستشار القاضي فيصل مولوي: الأمين العام للجماعة الإسلامية في لبنان، ونائب رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث.

3- علي عثمان محمد طه: النائب الأول للرئيس السوداني، ورئيس الحركة الإسلامية السودانية، ونائب رئيس حزب المؤتمر الوطني السوداني الحاكم، ومسؤول الحركة الإسلامية في السودان.

4- يوسف ندا: رجل أعمال مصريّ إيطاليّ، مفوّض العلاقات الدولية في جماعة الإخوان المسلمين سابقاً، ورئيس بنك التقوى، وله دور فعّال في العلاقات الدولية.

5- خالد مشعل: رئيس المكتب السّياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس، ومسؤول الحركة في سورية.

6- إسماعيل هنية: رئيس الوزراء الفلسطين ي في الحكومة الفلسطين ية العاشرة وحكومة الوحدة الوطنية المقالة، وعضو المجلس التشريعي الفلسطين ي، والقيادي في حركة حماس.

7- محمد الحسن الشنقيطي: زعيم حزب التجمّع الوطني للإصلاح والتنمية (موريتانيا)، المعروف بحزب تواصل.

مصادر التمويل

تمويل الإخوان ذاتي، بمعنى أن الإخوان يعتمدون على تمويل أعضاء الجماعة للقيام بالأنشطة المختلفة التي يمارسها الإخوان، ووفقاً للنظام الأساسي للجماعة، فإنّ أعضاء الجماعة مقسّمين، على حسب ما تصنفهم الجماعة، إلى: مؤيد، ومنتسب، ومنتظم، وعامل، على التوالي ووفقاً لآليات تحدّدها الجماعة. يتمّ تصعيد العضو من مرحلة إلى أخرى، أو من تصنيف إلى آخر، وذلك بعد اجتياز عدد من الاختبارات السلوكية والتثقيفية داخل الجماعة، ومن ذلك يلتزم العضو بدفع اشتراك شهري للجماعة، يقتطعه من دخله الشهري، ويستثنى من ذلك الإخوان المصنّفين كمؤيدين والطلاب وأصحاب الرواتب الضعيفة.

كما أنّ بعض الأنشطة التي يمارسها الإخوان تموّل نفسها ذاتيًّا، مثل: المستشفيات، ودور الرعاية، التي تقدّم خدماتها نظير رسوم الخدمة.

أفكار ومواقف

في رسالة المؤتمر الخامس تحت عنوان (إسلام الإخوان المسلمين)، ذكر مؤسّس الإخوان بأنّ فكرة الإخوان المسلمين نتيجة الفهم العام الشامل للإسلام، قد شملت كلّ نواحي الإصلاح في الأمّة، فهي دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية.

وأشار في الرسالة نفسها إلى أنّ خصائص دعوة الإخوان التي تميّزت بها عن غيرها من الدعوات، تتميّز بالبعد عن مواطن الخلاف، وعن هيمنة الأعيان والكبراء، وعن الأحزاب والهيئات، والعناية بالتكوين والتدرّج في الخطوات، وإيثار الناحية العملية الإنتاجية على الدعاية والإعلانات، وشدّة الإقبال من الشباب، وسرعة الانتشار في القرى والمدن.

موضّحاً أركان البيعة لدى الإخوان، وهي: الفهم، والإخلاص، والعمل، والجهاد، والتضحية، والطّاعة، والثبات، والتجرّد، والأخوَّة، والثقة.

وذكر ضمن ركن الفهم الأصول العشرين لفهم الإخوان للإسلام التي تعتبر الرؤية والأرضية التي تقوم عليها الجماعة في كلّ مكان، وقام العديد من مفكّري ومنظّري الجماعة بشرح هذه الأصول، مثل: الدكتور يوسف القرضاوي، والشيخ جمعة أمين. وتشترط جماعة الإخوان المسلمين على التنظيمات الإخوانية في العالم فهم الإسلام ضمن الأصول العشرين.

ووصف البنّا تنظيم الإخوان على أنها جماعة إصلاحية شاملة تفهم الإسلام فهماً شاملاً. وتشمل فكرتهم كلّ نواحي الإصلاح في الأمّة، وأنها دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية يطالبون بالإصلاح في الحكم، وتعديل النظر في صلة الأمّة بغيرها من الأمم، وتربية الشعب على العزّة والكرامة، وجماعة رياضية، يعتنون بالصّحة، ويعلمون أن المؤمن القويّ هو خير من المؤمن الضعيف، ورابطة علمية ثقافية، فالعلم في الإسلام فريضة يحضّ عليها، وعلى طلبها، ولو كان في الصين، والدولة تنهض على الإيمان، والعلم.

وشركة اقتصادية، فالإسلام في منظورهم يُعنَى بتدبير المال وكسبه، كما أنهم فكرة اجتماعية، يعنون بأدواء المجتمع، ويحاولون الوصول إلى طرق علاجها وشفاء الأمّة منها. أي إنّ فكر الإخوان مبنيّ على شمول معنى الإسلام، الذي جاء شاملاً لكلّ أوجه ومناحي الحياة، ولكلّ أمور الدنيا والدين.

الموقف من المرأة

منذ قيام الجماعة، أسّس حسن البنا قسم الأخوات المسلمات، وكانت أول رئيسة لهذا القسم هي لبيبة أحمد، وأنشأ أيضاً معهد أمّهات المؤمنين في الإسماعيلية، كما أنّ الجماعة رشّحت أكثر من مرة نساء على قوائمها الانتخابية، مثل: د. منال أبو الحسن، و د.مكارم الديري، وجيهان الحلفاوي، في مصر. أمّ نضال، ومريم صالح، في فلسطين ، و د. حياة المسيمي، في الأردن.

غير أنّ الجماعة في مصر تتمسّك بعدم أهليّة المرأة لرئاسة الدولة، ولكن لها ما دون ذلك من المناصب بما فيها رئاسة الوزراء.

الموقف من الغرب

يقول الإخوان إنّهم لا يؤيّدون الحوار مع المؤسّسات الرسمية في الغرب إلا برعاية وزارة الخارجية المصرية بالنسبة للحالة الإخوانية المصرية، إلا أنهم يساهمون في حوارات ثقافية وسياسية وحقوقية مع مراكز حقوقية وبحثية بارزة في الغرب. حيث صدرت تقارير مهمّة في هذا الشأن كبحوث مؤسّسة كارنجي للسّلام الدولي، ومجلة الفورين بوليسي، ومؤسّسة أبحاث الحركات الأصولية، وأبحاث بارزة لباحثين كمارك لينش وعمرو حمزاوي.

ويقوم موقع إخوان ويب، وهو الموقع الرّسمي لجماعة الإخوان المسلمين باللغة الإنجليزية، بعرض أفكار الجماعة ورؤاها ومشروعها الحضاري وأخبارها. يتابع الموقع مراكز بحثية ومؤسّسات دولية وأفراد من أميركا وبريطانيا وألمانيا وتركيا، حيث يقوم الموقع بنشر مقالات الباحثين الغربيين، وآخر التقارير التي تتناول قضايا جماعة الإخوان المسلمين وقضايا التحوّل الديمقراطي وحقوق الإنسان في العالم العربي والإسلامي.

الموقف من إسرائيل

يرفض الإخوان المسلمون الاعتراف بإسرائيل، فيقول محمد مهدي عاكف، المرشد العام السابق للجماعة: «هذه المسألة ثابت من ثوابت الجماعة وليست محلّ جدل أو نقاش»، مشيراً إلى أن «إسرائيل في نظر الجماعة مجرّد كيان صهيوني مغتصب لأراضينا العربية والإسلامية المقدّسة، قام على (الجماجم) والدماء، وسنعمل على إزالته مهما طال الزمن». وقد أكّد ما قاله المرشد الحالي، الدكتور بديع، ما قاله المرشد السابق، محمد مهدي عاكف.

وقد شارك الإخوان منذ البداية في حرب فلسطين ضدّ إنشاء الدولة العبرية، مما كان له أكبر الأثر في اضطهاد الجماعة تاريخيًّا بسبب بلائهم الحسن في هذه المعارك، وكان له أكبر الأثر في تاريخ الجماعة أيضاً وأدبياتها، حيث تبنّت قضية فلسطين تماماً في الأناشيد والفكر وإستراتيجية التوجّه الفكري العامّ. ومن الجدير بالذكر أنّ حركة حماس تتبع فكر الجماعة في كلِّ شيءٍ تقريباً، وتعتبر فرع الجماعة في فلسطين ، ومواقفها العامّة من كلّ القضايا تنبع مباشرة من رؤية الإخوان المسلمين العامّة لكافّة القضايا.

بعد قيام ثورة 25 يناير في مصر، أعلن المرشد العام، كما أعلن غيره من ممثّلين لكافّة القوى السّياسية الإسلامية، أنّ كامب ديفيد لا تراجع عنها، وإنْ كان من الممكن تعديل بعض البنود، وهو مماثل لقول وزير خارجية مصر ما بعد الثورة نبيل العربي، ويَبْدو هذا واضحاً كرسالة لإسرائيل وللقوى الدولية بأنّهم لن يأتوا لدمار الدولة العبرية، كما هو مشهور عن الإسلاميين عامّة، مما يدفع تلك القوى نحو رفض الاعتراف بالحركات الإسلامية، وبالتالي دعم أنظمة الطغيان.

الموقف من الإرهاب والعنف

ترفض الجماعة على الدّوام اتّهامها بالإرهاب، وأعلنت أنها تدين الإرهاب، وأنّ موقفها ثابت من العنف والإرهاب. وقالت إنّ تاريخها ناصع البياض، وإنّ ما حدث في الماضي كانت أعمالاً فردية استنكرها الإخوان ومرشدهم حسن البنا، حينها، وعلّق الدكتور محمد حبيب، النائب الأول للمرشد، على محاولة قتل جمال عبد الناصر في حادثة المنشية قائلاً: إنّ هذا الحادث تمثيلية كبرى أحكم تدبيرها بهدف القبض على الإخوان المسلمين والزجّ بهم في السّجون والمعتقلات وإزاحتهم من الطريق للاستئثار بالسّلطة والانفراد بالحكم.

ويرى الظواهري أنّ الجماعة نبذت العنف الذي هو الجهاد في سبيل الله، وتبرّأت ممن يتبنّون العنف ولو من أتباعها، ويعتبرها مخالفات شرعية كبيرة رافقت تأسيس الجماعة وقامت عليها، ومتّهماً الجماعة بعدم جهاد الحكام معلّقاً على جهاد الإخوان في فلسطين وحرب السويس: ثم إنّ القتال في فلسطين أقلّ وجوباً من قتال الحكام المرتدّين؛ لأنّ قتال المرتدّ مقدّم على قتال الكافر الأصلي، ولأنّ تحرير فلسطين والبلاد الإسلامية المحتلّة يكون بعد إقامة حكم الله.

الموقف من الديمقراطية

وفي أول دراسة ميدانية عن الإخوان منذ أربعين عاماً، التي استمرّت لمدّة عامين ونصف، يشير صاحب البحث، الكاتب المصري المتخصّص في شؤون الحركات الإسلامية، خليل العناني، في كتابه «الإخوان المسلمون في مصر، شيخوخة تصارع الزمن»، الصادر في 2007، يشير إلى وجود فجوة كبيرة داخل الجماعة في فهمهم لمسألة الديمقراطية، حيث يفهمونها كممارسة وليس كقيم، أي يدخلون الانتخابات ويطلقون مظاهرات لكن لا يوجد إيمان لديهم بقيم الديمقراطية من مساواة وحرية وعدالة.

وقام مؤخّراً معهد ديل كارنجي للسلام بدراسة حول جماعة الإخوان في مصر جاء فيها أنّ الإخوان يواجهون أربع إشكاليات في مواجهة المجتمع المدني المصري، وهي: الديمقراطية والمرأة والأقباط والعلاقة مع الغرب. وتتّهم جماعة الإخوان المسلمين من قبل الحكومة المصرية وعدد من المحلّلين بتهمة استغلال الدين للوصول سياسيًّا إلى السّلطة، من خلال شعار «الإسلام هو الحلّ». وتنصّ التعديلات الدستورية التي تمّ إقرارها في مصر في مارس 2007 م على منع استغلال الدين لأغراض سياسية.

وألّف الدكتور أيمن الظواهري، زعيم جماعة الجهاد الإسلامي في مصر، والرجل الثاني في تنظيم القاعدة، كتاباً بعنوان «الحصاد المرّ: الإخوان المسلمون في ستين عاماً"، ينتقد فيه الجماعة بشدّة ويتّهمها بالخلل والانحراف، ويقدّم أمثلة على تأييد الإخوان للحكّام في مصر، ومواقفهم المؤيّدة للدستور والديمقراطية، ورفضهم العنف وقبولهم بالأحزاب العلمانية وغير الإسلامية، وقبولهم ومشاركتهم في عمليات تداول السّلطة والتنافس عليها سلميًّا، وقبولهم بالقوانين والأنظمة والتشريعات القائمة في مصر والعالم الإسلامي.

ويرى الظواهري أنّ الجماعة لم تكتفِ بعدم تكفير الحكام بغير ما أنزل الله، بل تجاوزت هذا الاعتراف بأقوالها وأفعالها بشرعية هؤلاء الحكام، وتركت هذا الفهم يستشري في صفوفها، بل واعترفت الجماعة بشرعية المؤسّسات الدستورية العلمانية والبرلمان والانتخابات والديمقراطية. مضيفاً أنّ جماعة الإخوان رضيت بالاحتكام إلى الديمقراطية وسيادة الشعب والانتخاب كطريق للتغيير والوصول إلى الحكم، حتى قال حسن البنا، بحسب الظواهري، إنّ مؤاخذتهم على الدستور يمكن تغييرها بالطرق التي وصفها الدستور نفسه، أي الأسلوب الديمقراطي.

(ج) حزب النّور السلفي في مصر( )

تأسّس حزب النور، الذي يعتبر الجناح السّياسي للجماعة السّلفية في مصر، عقب ثورة 25 يناير 2011 م، بقيادة عماد الدين عبد الغفور. ويتّبع الحزب المنهج السّلفي، ويُعَدّ أول حزب سلفي يتقدّم بأوراقه إلى لجنة الأحزاب بمشاركة من الأقباط والمرأة. وتصفه الدعوة السّلفية بأنه الذراع السّياسية الوحيد لها.

وإنْ كان نجاح حزب النور في الانتخابات قد اعتمد بالفعل على حشد مختلف الجماعات السّلفية إلا أنّ عبء تأسيس حزب النّور اضّطلعت به الدعوة السّلفية بشكل أساس؛ لأنّ مجلس أمناء الدعوة السّلفية بمشايخه المرموقين (محمد إسماعيل المقدم، وياسر برهامي، وأبو إدريس، وسعيد عبد العظيم، وأحمد فريد، وأحمد حطيبة) قد احتلّ موقع الصدارة في دعوة جمهور التيار السّلفي للانخراط في العمل السّياسي - في أعقاب الثورة - وفي تأصيل هذه المشاركة شرعيًّا وفقهيًّا (بالإضافة إلى تأصيل شرعية المشاركة في الممارسة الديمقراطية والحياة الحزبية).

وقد استلزم هذا فقهاً جديداً للضرورة والمواءمات يتميّز عن فقه الضرورة الإخواني بخضوعه للضوابط الشرعية بشكل أكثر صرامة( ).

الأهداف

هدف الحزب هو الدفاع عن تطبيق الشريعة الإسلامية، كما يسعى من خلال برنامجه القضاء على الفساد السياسي والاقتصادي والأمني. للحزب مقرّ في الإسكندرية وجريدة باسم «النور الجديد»، وموقع على الانترنت. ويؤكّد على أنّ الهوية المصرية هي الهوية الإسلامية العربية بحكم عقيدة ودين الغالبية العظمى من أهلها، واعتماداً على أنّ اللغة العربية هي لغة أهلها، واعتماد الإسلام ديناً للدولة، واللغة العربية هي اللغة الرسمية والشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع، اتّفاقًا مع تصريح المتحدّث الرسمي للمجلس الأعلى للقوات المسلّحة، بأنّ هذه الأسس تعتبر مبادئ فوق دستورية، لا بُدّ أن ينصّ عليها أيّ دستور للبلاد.

أزمة داخلية

وتعرّض الحزب لأزمة حادّة بين فريقين من قياداته منذ منتصف عام 2012 وقبيل إجراء الانتخابات الداخلية للحزب. وقد بدأت إحدى مراحل تلك الانتخابات في 15 سبتمبر بالرغم من قرار عماد عبد الغفور رئيس الحزب تأجيلها. وكان مجموعة من أعضاء الحزب شكّلوا ما عُرف بـ «جبهة إصلاح حزب النّور» التي تطالب بفصل الحزب عن الدعوة السّلفية إداريًّا.

ثمّ وصلت أزمته الداخلية إلى مرحلة حرجة في 26 سبتمبر 2012 حيث ظهر للحزب «هيئتان علييان»، تزّعم إحداها أشرف ثابت، وكيل مجلس الشعب السّابق، التي قرّرت إعفاء عماد عبد الغفور من رئاسة الحزب وتعيين السيد مصطفى حسين خليفة رئيسًا مؤقّتاً. فيما اجتمعت هيئة عليا أخرى للحزب برئاسة عماد عبد الغفور وقرّرت فصل عددٍ من القيادات، وهم: أشرف ثابت، ويونس مخيون، وجلال مرة، واستبعاد نادر بكّار من منصب المتحدّث الرسمي، بالإضافة لإلغاء الانتخابات الداخلية للحزب.

واستطاع مجلس أمناء الدعوة السّلفية إنهاء الأزمة في 6 أكتوبر 2012 بعد عقد مصالحة بين الفريقين المتنازعين. قضت المصالحة بتجديد الثّقة في عبد الغفور رئيساً للحزب والاستمرار في الإجراءات الانتخابية، وعقد الجمعية العمومية الأولى للحزب يوم 11 أكتوبر التالي. ولكن سرعان ما تجدّدت الخلافات واستقال على إثرها رئيس الحزب عماد عبد الغفور من الحزب في 25 ديسمبر 2012.

وانشقّ معه عدد من قيادات الحزب، من بينهم يسري حماد، فضلاً عمّا عُرف بـ «جبهة الإصلاح بالحزب». ثم أعلن عبد الغفور والمستقيلون إنشاء حزب جديد باسم حزب الوطن في 1 يناير 2013. فيما اختارت الجمعية العمومية لحزب النّور يونس مخيون رئيسًا للحزب بالتزكية في 9 يناير 2013 خلفًا لعبد الغفور.

الموقف من الديمقراطية

عموم الجماعات السّلفية المتشدّدة في العالم الإسلامي، ومن بينهم حزب النّور السلفي في مصر، كانوا في السابق يرون الديمقراطية كُفرًا، وفي المشاركة السياسية خطئًا. بعد اندلاع الثورة المصرية في 25 يناير 2011 م غير حزب النّور السّلفي قناعته حول الديمقراطية والمشاركة السياسية. وعلى أثر ذلك التغيير «المفاجئ والسريع»، صرّح رئيس الحزب، عماد الدين عبد الغفور، ليطمئن المصريين قائلاً: إنّنا لا نرى الديمقراطية كفْرًا، وملتزمون بقواعدها وآلياتها ولن ننقلب عليها.

وقد برز كثاني أكبر القوى الحزبية في مصر بعد الفوز بنحو 22% من مقاعد مجلس الشعب 2011-2012، وهي أول انتخابات تشريعية يخوضها. خاض حزب النّور أول انتخابات تشريعية بعد تأسيسه، انتخابات مجلس الشعب المصري 2011-2012، ضمن تحالف الكتلة الإسلامية الذي تزعّمه وضمّ حزبي البناء والتنمية والأصالة ذوا التوجه السّلفي. حلّ التحالف ثانيًا بعد فوزه بنسبة 24% من المقاعد (أي 123 مقعد)، منهما 108 مقعد لحزب النّور.

وسعى السّلفيون في مصر إلى شرح مواقفهم السّياسية على مختلف المنابر الإعلامية بعد صعود نجمهم الذي أثار جدلاً في الأوساط السّياسية المصرية مصحوباً بحملات إعلامية محمومة يشنّها عليها منافسوهم. يقول الشيخ ياسر برهامي، عضو مجلس إدارة الدعوة السّلفية، في معرض توضيحه لموقف السلفيين من الديمقراطية كنظرية حاكمة للعملية السّياسية في مصر: إنّ الديمقراطية التي قَبِلنا آلياتها، هي كما صرّح به برنامج حزب النور، منضبطة بضوابط الشريعة. وأضاف «نعني أننا لا نقبل أن يكون الحكم لغير الله».

وفي جواب برهامي على أسئلة تلقّاها موقع «صوت السّلف» الذي يشرف عليه، وضّح المقصود من قبولهم بـ «آليات» الديمقراطية، قائلاً: «نقبل مسألة الانتخابات على ما فيها من بعض المخالفات إلا أنها أقلّ مفسدة من ترك المجال للعلمانيين والليبراليين. ونقبل مراقبة البرلمان للحاكم، وإمكانية عزله ومنع استبداده، ونقبل قيام المؤسّسات في الدولة على مبدأ الشورى الذي يتمّ من خلال الانتخاب».

أمّا ما لم يقبله السّلفيون، فهو - كما يوضّح الشيخ ياسر - «الفكرة الفلسفية للديمقراطية في أنّ الشعب هو مصدر السّلطة التشريعية، وما في الديمقراطية من كفر في أصل فكرتها، وذلك لاعتقادهم الجازم بأن الحكم لله». وفيما يستند إليه السّلفيون من الشريعة الإسلامية في موقفهم من الديمقراطية، يوضّح الشيخ برهامي للمعترضين عليهم أنّ «النظم البشرية» يمكن أن ننتفع بما يوافق الشّرع منها. مستدلاً بالنظم الإدارية التي كانت عند الفرس مثل «الديوان» التي عمل بها عمر بن الخطاب، لتنظيم مصالح المسلمين( ).

الفصل الثالث: أسباب وصول حركات الإسلام السّياسي لسدّة الحكم

يقصد بالحركات السّياسية الإسلامية، أو ما يطلق عليه بالإسلام السّياسي، هي تلك الجماعات الإسلامية التي تتطلّع للحكم، ولديها أهداف مشتركة، نابعة من تصوّرهم الخاصّ للإسلام والحياة، ومن ثمّ تحاول تجسيد تلك القيم على الأرض، من خلال أنشطتها المتنوعة، بشتَّى الوسائل والطرق وفق ما هو متاح لها من إمكانات وقدرات، لتكون هي القيم السّائدة والحاكمة في المجتمع.

ويقصد بالنّفوذ السّياسي، هو ذلك التأثير الذي تحدثه تلك الجماعات الإسلامية في محيطها الاجتماعي أو خارجه، بحيث يمكّنها من تنفيذ برامجها وخططها للوصول إلى غاياتها وأهدافها، ومن بينها الوصول إلى مواقع صناعة القرار والسّلطة. فعملية وصول قوى الإسلام السّياسي، لا سيّما القوى المحسوبة على تنظيم الإخوان المسلمين، إلى السّلطة سواءً في ليبيا أو تونس ومصر، بعد سقوط الأنظمة المستبدّة مؤخّراً، كان مفاجأة لمن لا يعرف خارطة القوى السّياسية والاجتماعية في معظم البلاد الإسلامية.

بينما العارف بتفاصيل المشهد الاجتماعي والديني في البلاد الإسلامية ومدى النفوذ السّياسي والاجتماعي للحركات الإسلامية فيها، وكذلك طبيعة الشعارات التي رفعها الإسلاميون أثناء عملية الانتخابات التي جرت في دول الربيع العربي، لم يفاجئ بالنتيجة التي حصدها الإسلام السّياسي هناك.

إنّ وصول الإسلام السّياسي لسدّة الحكم، عكس في جانبٍ منه مدى النّفوذ الواسع التي تتمتع به الحركات الإسلامية في محيطها، إلى جانب ما تتمتّع به تلك القوى من حالة «براغماتية» إبّان الثورات العربية. لذلك فإنّ عدم وصول تلك الحركات لسدّة الحكم، في حال أنها جرت انتخابات حرّة ونزيهة ولم يتم، سيكون هو المثير للدهشة والاستغراب، وليس العكس.

وقبل التعرّض إلى الأسباب التي أدّت إلى وصول حركات الإسلام السّياسي لسدّة الحكم، بعد سقوط الأنظمة الدكتاتورية، نشير إلى بعض الملاحظات ذات الصلة:

1- إنّ عملية توسع النفوذ للإسلام السّياسي أو الوصول إلى سدّة الحكم لم يأتِ فجأة، أي إنه ليس وليد فعل الثورات العربية التي اندلعت قبل عامين، وإنما هو نتاج عمل تراكمي سابق، وبالتالي فإن عملية الوصول إلى السّلطة هو تتويج لذلك العمل النضالي الطويل، كما أنه ترجمة حقيقية لمستوى النّفوذ الذي تتمتّع به تلك الحركات في الوسط الاجتماعي.

2- أنشطة وبرامج الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي، تعتبر الرافعة الأساس لها، كما أنها تعطي فكرة عن مدى قوة وفاعلية وديناميكية تلك الحركات في بيئاتها، مع الإقرار بأنّ لكلّ حركة خصوصياتها الخاصّة وأنشطتها التي تتباين مع بقية أنشطة سائر الحركات الأخرى.

3- لقد سعت قوى الإسلام السّياسي جاهدة لتوفير الأسباب الموضوعية الكافية لصعودها إلى سدّة الحكم في البلدان العربية التي أجريت فيها لأول مرة انتخابات حرّة ونزيهة، بعد الإطاحة بالأنظمة هناك، وتوّج ذلك السعي بالفوز الكاسح على مختلف القوى الاجتماعية والسياسية، في الاستحقاق الانتخابي.

4- هناك العديد من الأسباب التي ساهمت في وصول حركات الإسلام السّياسي لسدّة الحكم، في كلٍّ من مصر وتونس. لكن سيتمّ الاكتفاء هنا بالتركيز قدر الإمكان، على الأسباب المشتركة التي أدّت إلى اتساع نفوذ الحركات الإسلامية في مجتمعاتها أولاً، مما سهّل من عملية وصولها إلى سدّة الحكم إبّان الثورات العربية لاحقاً. ويمكن إرجاع ظاهرة صعود الإسلام السّياسي في بعض دول الربيع العربي، إلى نوعين من الأسباب، من حيث الأهمية والفاعلية، وهما:

أ- الأسباب الثانوية:

1- انسجام خطاب الإسلام السّياسي مع البيئة الاجتماعية

وبما أنّ البيئات التي تولّدت منها الحركات الإسلامية هي بيئات إسلامية في الأساس، وبما أنّ الدين يمثّل عاملاً محوريًّا ومؤثّراً في المجتمعات الإسلامية، لذلك سعت حركات الإسلام السّياسي منذ نشوئها إلى توظيف الدين لخدمة تطلّعاتها،كما تبنّت خطاباً متّسقاً مع البيئات التي نشأت فيها وليس مغايراً أو صادماً لها، ومن ثم أصبح خطابها ينسجم مع ما يتطلّع إليه الإنسان المسلم في بيئته الاجتماعية.

وكان لهذا الدور أثرٌ بالغٌ في اتّساع نفوذ حركات الإسلام السّياسي في مختلف السّاحات الإسلامية. وهي على عكس العديد من الحركات غير الدينية التي تبنّت خطاباً صداميًّا مع قناعات المجتمع خصوصاً الدينية منها، فأصبحت مرفوضة ومنبوذة ومقاطعة ومعزولة اجتماعيًّا.

ولا يختلف حال العديد من الحركات اللادينية، بحسب كثيرين، عن تلك الأنظمة السّياسية الحاكمة التي فرضت بعض القوانين والأنظمة المعاكسة لقناعات الشعوب العربية والإسلامية والمضادّة أحياناً لتوجّهاتها الدينية، الأمر الذي أحدث اضطراباً وصراعاً داخليًّا بين الشعوب والأنظمة الحاكمة.

شكّلت هذه الثغرة فرصة ثمينة لحركات الإسلام السّياسي التي رفعت شعارات «تطبيق الشريعة» و «الإسلام هو الحلّ» في بلدانها، لتطرح نفسها كبديل أفضل عن الأنظمة «العلمانية» بحسب وصف الإسلاميين لها، فلاقت القبول الاجتماعي الواسع في محيطها.

زِدْ على ذلك، فإنّ حركات الإسلام السّياسي في مختلف السّاحات الإسلامية تبنّت في شعاراتها حمل لواء الدفاع عن كرامة الأمة ليس لأغراض تكتيكية أو أهداف فئوية أو شخصية ضيّقة، بحسب شعاراتها، ودفعت ثمن موقفها هذا، وجادت بأرواح خيرة أبنائها في سبيل الدفاع عن الحقوق، فحازت بسبب ذلك على مصداقية عالية من شرائح المجتمع، فكانت بذلك العنوان الحقيقي والممثّل الأمين لكرامة الأمة.

بينما كان خصوم الحركة ومناوئيها السّياسيين، كانوا يقدّمون في كلّ صباح تنازلات جديدة، ويتسابقون للتعاون مع العدوّ لضربها، وينشرون الإحباط والتثبيط عن المواجهة، بل وفتحوا باب إبعاد الفلسطين يين من وطنهم على مصراعيه، فما كان من الشعوب إلا أن لفظت هؤلاء الخصوم وتشبّثت بعنوان الكرامة.

ثم إنّ خطاب الحركات الإسلامية كان منسجماً مع القيم والأخلاق الإسلامية، في الوقت الذي كان خصومها غارقين في الفساد، يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف، ولقد صبرت تلك الحركات على كلّ أشكال الظلم والقهر التي لم يتردّد خصومها في الداخل والخارج من ممارستها ضدّها.

فصمودها أمام هذه الاعتداءات المتكرّرة أضاف إلى رصيدها الاجتماعي الشيء الكبير. وتجدر الإشارة إلى أن الحركات الإسلامية استثمرت بشكل جيّد أقوى المنابر تأثيراً في المجتمع، كالمساجد والمدارس وأدوات الإعلام، لتمرير أفكارها ومشاريعها وتوسيع قاعدتها الاجتماعية. وقد لعب هذا الجانب دوراً مهمًّا في هذا السّياق.

2- مناهضتها للاستبداد الداخلي والاحتلال الخارجي

لقد قاومت الحركات الإسلامية الأنظمة المستبدّة الحاكمة، ودفعت الثمن المقابل لهذه المقاومة المتمثّل في اعتقال وتعذيب ونفي أفرادها، ولم تكتفِ بمقاومة الاستبداد الحالي، فهي كانت على الدّوام أيضاًَ تقاوم كلّ أشكال الاحتلال والاستعمار والوصاية الخارجية، مما جعلها مظلّة للدفاع عن الأمة وكرامتها ورافعة أساسية لنيل حقوقها وحريتها.

وليس من المبالغة القول بأنّ كلّ الحركات الإسلامية في العالم العربي التي خاضت معارك حقيقية مع الاستبداد الداخلي والاحتلال الخارجي حظيت بشرعية شعبية كبيرة، الأمر الذي أدّى إلى توسع نفوذها الاجتماعي والسّياسي. وفي المقابل، فإنّ فساد الأنظمة وعدم نزاهتها وإفلاسها من البرامج السّياسية والاقتصادية، هو الآخر ساهم في دفع المواطنين للتوجّه إلى الجماعات الإسلامية بحثاً عن مخرج من هذا الانسداد، مما ساهم في رفع أسهم ورصيد الحركات الإسلامية في مجتمعاتها.

ومما لا شك فيه، فإنّ الحركات الإسلامية تتمتّع بقوة شعبية حقيقية واسعة متمثّلة في قاعدتها الجماهير العريضة العابرة للحدود، التي تعبّر عن قناعتها ومواقفها في مختلف الظروف الحرجة والأوقات الحاسمة. ففي مصر مثلاً، حدث صدام بين متمثّلين بالإخوان المسلمين، مع الجمهوريين المصريين، بداية النصف الثاني من القرن العشرين، ما أدّى في النهاية إلى تعاطف الرأي العام العربي معهم، بعدَما أصابهم التنكيل والاضطهاد والتشريد والقتل، على أيدي الجمهوريين الدكتاتوريين، في أنحاء متفرقة من العالم العربي.

فقد تمَّ شنق قيادات الإخوان المسلمين بالجملة على يد الجمهوريين في العام 1955. كما تم شنق سيد قطب في العام 1966، وشنق صالح سرية في العام 1974، وشنق شكري مصطفى في العام 1977، وشنق محمد عبد السلام فرج، زعيم تنظيم «الجهاد»، وكذلك قتل الآلاف من الإخوان المسلمين في سورية، في حوادث حلب وحماة في العام 1982.

وكان لافتاً أنّ الحركات الإسلامية قد استفادت - بدون بذل الكثير من الجهد في الدعاية لنفسها والانتشار- من صدام الأنظمة الحاكمة والحروب التي شنّتها القوى الغربية الكبرى على الإسلام ودوله ومؤسّساته وأراضيه وثرواته في مختلف بلدان العالم، كما استفادت من الأنظمة العلمانية المدعومة من الغرب التي تسلّطت على شعوبها طيلة سنوات ما بعد الاستعمار الغربي.

فمن جهة كانت حملات التطهير العرقي في البلقان، وما مورس ضدّ المسلمين في الشّيشان ودول الاتّحاد السوفيتي السابق، وما مارسته وتمارسه إسرائيل من انتهاكات وجرائم في فلسطين ، وما ارتكبته أمريكا في أفغانستان والعراق والصومال وباكستان، وكذلك موجات العداء الغربي والتطاول السّافر على مقدّسات ورموز الإسلام في وسائل الإعلام والصّحف والمجلات الغربية.

كلّ ذلك أدّى إلى غضب جماهيري مضادّ، وإلى فوران الحميّة الإسلامية، وإلى شعور متنامٍ بالانتماء الإسلامي، وضرورة التمسك بالثوابت والتشبّث بالأصول والثقافة والمعاملات الإسلامية - وحتى المظهر الإسلامي - شكلاً من أشكال الدفاع عن الهوية المستهدفة. ومن جهة أخرى، ظلّ فساد الأنظمة الحاكمة الديكتاتورية الفاسدة المدعومة من أمريكا والغرب عائقًا أمام الإصلاح والتغيير الذي تنشده الشعوب. وكانت هذه الحركات هي الجبهة المقاومة لهذا التحدّي، مما ساهم في رفع رصيدها؛ لأنه كان، ولا زال، يُنظر لها على أنها تمثّل الجبهة المدافعة عن هوية الأمّة من مختلف الأخطار المحدقة.

وكان لدعوات التغريب في المجتمعات الإسلامية، أثر كبير في انتشار الإسلام السّياسي، ففي السبعينيات وتحديداً في عهد عبد الناصر، والسّادات، وحافظ الأسد، زادت حركة التغريب، وكان عبد الناصر يحمل إعجاباً دفيناً بالنموذج الغربي. إجمالاً، فإنّ شعور المسلمين بوجود استهداف لهويتهم الإسلامية خلق نوعاًَ من التحدّي وشدّ العصبية. وهذا الشّعور بحدّ ذاته ساهم في تنامي الحركات الإسلامية.

ففي الوقت الذي كان فيه الشعور الديني يزداد قوةً، بفعل عوامل متعدّدة، اصطدم هذا الشّعور بما نراه من تسارع الاتجاه نحو التغريب، الذي يؤذي الشعور الديني، ويتحدّاه. فكان الموقف السّياسي الليبرالي العربي تجاه الغرب، يتّسمُ بالإعجاب والكراهية في الوقت نفسه: الإعجاب بالتقدّم الحضاري، والكراهية للاستعمار. في المقابل فإنّ معظم الحركات الإسلامية آنذاك كانت متوجّسة من اتجاهات التغريب في العالم العربي.

3 - الاتكاء على أرضية الدين والعمل التطوّعي الإنساني

السّمة الأساسية للمجتمعات الإسلامية هي التديّن، وإنّ الدين كان، ولا زال، يمثّل عاملا أساسيًّا ومؤثّراً في الناس. الحركات الإسلامية هي انعكاس وتجسيد للتدين، لذلك هي متكيّفة معه في عملها ومشروعاتها وخطاباتها. وقد كان الدين للحركات الإسلامية عاملاً مهمًّا للتحشيد والتأثير، خصوصاً من خلال العمل الدعوي والتطوعي عبر المساجد والمواقع العبادية الأخرى. إنّ نفوذ الحركات الإسلامية في ساحاتها الاجتماعية، وقدرتها على التمدّد والتوسّع، يأتي من بوابة الدين أولاً، والخدمات المقدّمة للمجتمع ثانياً.

فمن خلال البوابة العريضة للعمل الاجتماعي والخيري والتطوعي، استطاعت الجماعات الإسلامية تحفيز وتنظيم المجتمع، وبأداء رائع منظّم يتّسم بالانضباط والمتابعة والنّفَس الطويل وعدم الملل أو الكلل، كما يتّسم بالابتكار والإبداع وجودة الإخراج، والعرض بأسلوب شائق وجذّاب لقطاع واسع من شرائح المجتمع، خصوصاً بين الشباب والفئات المحتاجة، وفوق كلّ ذلك ما يظهره المنتمون إلى الجماعات الإسلامية من نظافة يد ونزاهة في التعاملات، ما مكّنهم من الوصول إلى ما وصلوا إليه في عددٍ من الدول.

وهناك نماذج عصرية تقدّم مقاربة حقيقية للطريقة التي تتشكّل بها الحركات الإسلامية، في كلٍّ من مصر والأردن وفلسطين ، حيث أصبحت الجماعات الإسلامية قوى مؤثّرة وضاغطة على سياسات الحكومات في تلك الدول، وقد وصل بعضها إلى سدّة الحكم كما هي الحال مع حماس قبل ربيع الثورات العربية، والإخوان( ) في مصر، والنهضة( ) في تونس، بعد سقوط بن علي ومبارك.

وقد قدّم المحامي منتصر الزّيات صورة من الداخل لكيفية تمكّن الجماعات الإسلامية من التغلغل في المجتمع المصري، عبر بوابة العمل الاجتماعي التطوّعي الخيري، ويشكّل كتابه «الجماعات الإسلامية... رؤية من الدّاخل» منجماً مهمًّا للباحث في الجماعات الإسلامية وأساليبها المبتكرة للتأثير في المجتمع، إذ يشرح القدرات التواصلية الهائلة التي تتوفّر لهذه الجماعات للتواصل مع بسطاء الناس، وأساليبها في جمع التبرعات وتقديم المساعدات للفقراء، وإنشاء محالّ البيع المخفّضة وتقديم البازارات الاجتماعية للبضائع الأساسية التي تحتاجها الأسر الفقيرة، وإعطاء دروس مجانية لأبناء الفقراء، وكلّ ذلك في منظومة متكاملة توضّح كيف تمكّنت تلك الجماعات من السيطرة على النشاط الاجتماعي في المجتمع المصري.

كما يقدم الكاتب بسّام بدارين قراءة مفصلة في «إمبراطورية النفوذ الاجتماعي» للحركة الإسلامية في الأردن، وكيف تمكّنت هذه الجماعات من إدارة ما يقرب من ألف مسجد، وتعاملت باستثمارات تجاوزت مئات الملايين من الدينارات الأردنية، والإشراف المباشر أو المستتر على500 جمعية خيرية في البلاد.

ويقدّم الكاتب صورة دقيقة لتغلغل الجماعات الإسلامية في النسيج الاجتماعي الأردني، ويعطي مثلاً كيف عيّنت المجالس البلدية الإسلامية مراقبين حكوميين على المحالّ التجارية يجرون، باحترام شديد، تفتيشهم الصحي ويتأكّدون من سلامة البضائع، دون أن يطلبوا شيئاً من الباعة، ولا يحرّرون المخالفات بقصد الحصول على رشوة، فيما كان المراقب البلدي في السّابق ينغّص على هؤلاء الباعة البسطاء حياتهم، إذ يضطرون إلى إعطائه كميات من بضائعهم تجنّباً لتحرير المخالفات بحقّهم.

ونالت الجماعات الإسلامية بعملها الاجتماعي والخيري الإعجاب الشعبي الكبير من الرعاية الاجتماعية وتأسيس اللجان والجمعيات الخيرية في البلاد الداعمة للفقراء والبسطاء والمحرومين. فالنّاشطون الاجتماعيّون من هذه الجماعات على تماسٍّ مباشر بالسّواد الأعظم من الناس، وبغالبية الفقراء، ويعرفهم الناس أكثر من السّاسة وموظفي الدولة، وأكثر من منظّري السيّاسة وروّاد الصالونات الأدبية والاجتماعية والسياسية. والمفارقة أن الجماعات الإسلامية تتقصّد - باحتراف - عدم تسليط الأضواء على نشاطاتها الاجتماعية الممتدّة في المجتمع، التي تنافس فيها، وبجدارة، المؤسّسات الاجتماعية للدولة.

فهذه النشاطات تنظّم من دون ضجيج، بل إنّ بعضهم يعتقد أن هذه الجماعات نجحت في التمويه على نشاطاتها الاجتماعية والخيرية عبر تسليط الأضواء بين حينٍ وآخر على نشاطاتها ذات الطابع السّياسي التي انشغلت بها الصحافة والحكومة، فيما تجري ترتيبات أكثر عمقاً على المستوى الجماهيري والاجتماعي والخيري لبناء إمبراطوريتها وتوسيع نفوذها.

ووفقاً للكاتب بسّام، موّلت الجماعات الإسلامية بناء زهاء ألف مسجد من بين2500 مسجد مرخّصة من وزارة الأوقاف الأردنية، معظمها بتبرعات أهلية شاركت فيها الجماعات الإسلامية. كما تسيطر اللجان التنظيمية لهذه الجماعات على نشاطات الوعظ والإرشاد، وعلى جمعيات تحفيظ القرآن، وعلى الخطابة في معظم المساجد.

وتدير الجماعات الإسلامية، بنفسها وبكفاءة عالية، استثماراتها التجارية وإمبراطوريتها المالية مستعملة التعاملات الشرعية التي تقدّمها بنوك إسلامية. وتدير العمل الاجتماعي والخيري الإسلامي جمعية خيرية عملاقة تقدّر أصولها المالية وعملياتها الاستثمارية بـ 100 مليون دينار أردني «150 مليون دولار».

وتدير هذا الجمعية الخيرية أعمالها على أسس تجارية واستثمارية بحتة، وتنفق على نشاطاتها من عوائد استثمارات ضخمة في المجالات الصحية والتعليمية، وتوفّر التعليم لعشرات الآلاف من التلاميذ المتفوّقين من أبناء الطبقة الفقيرة والمحتاجة. وتدير نشاطات اجتماعية وخيرية خاصّة في مجال كفالة الأيتام، وفي شؤون الزواج وتنظّم حفلات زواج جماعي.

ويتّضح من استعراض تجربة الجماعات الإسلامية، سواءً في مصر والأردن وفلسطين ، مدى تأثيرها في المشهد السّياسي وقدراتها على التغلغل في بنية المجتمعات العربية والإسلامية، ليس بالضرورة عبر البوابة السّياسية، أي عن طريق الانتخابات، أو عبر البوابة الثقافية من خلال الكتب والمحاضرات والندوات، أو عبر البوابة الإعلامية من خلال الصحف والبرامج الإذاعية أو التلفاز، أو عبر البوابة التعليمية من خلال المناهج والمعلّمين، فحسب، وإنما عبر التغلغل العميق في المجتمع من خلال الاتّكاء على أرضية الدين، وخدمة الناس، سيّما الفقراء.

وهو أحد أهمّ الأسباب الذي ساهم بلا شك في تعميق صلة الناس بالحركات الإسلامية والثّقة بها وتوسيع نفوذها وترسيخ شعبيتها، ومن ثمّ إيصالها لسدّة الحكم عبر صناديق الانتخابات، بعد سقوط الأنظمة في دول الربيع العربي.

4 - استبداد الأنظمة العربية وفسادها

في الوقت الذي تتمتّع الأنظمة العربية بمزيدٍ من القوّة الفائضة أحياناً على صعيد أجهزتها الأمنية والعسكرية والمخابراتية، هي ضعيفة إلى حدِّ الهشاشة على الصّعيد الشعبي، بل إنّ شرعيتها المنقوصة مهزوزة ومهترئة أيضاً، وذلك بسبب إيغالها في الفساد بمختلف أشكاله إلى جانب احتكارها للسّلطة والثروة، وإقصائها للشّعب عن المشاركة، في حين أنه مصدر الشرعية والسّلطة.

عدم مشاركة الشعب في إدارة الدولة، الذي يعني انفراد النخبة الحاكمة بالسّلطة، هو مصدر ضعف الأنظمة العربية جميعها، وهو الأمر الذي يقوّض شرعيتها، خصوصاً إذا ترافق معه الإمعان في الفساد والإفساد، كما هو حال معظم الأنظمة. لذلك فإنّ ضعف الأنظمة وعدم مقدرتها على تلبية حاجات المجتمع وإشباعها، إلى جانب فسادها واستئثارها بالسّلطة والثروة، ساهما بشكل كبير في نفور واشمئزاز المجتمع منها. وكانت الحركات الإسلامية، التي طرحت نفسها كبديل واقعي عن الأنظمة القائمة، حتى وإنْ لم تصرح هي بذلك، كانت هي الرابح الأول من تلك السّياسات الفاشلة.

ومما لا شكّ فيه أنّ تحقيق الجماعات الإسلامية في دول عربية مختلفة، فيما مضى، لنتائج مفاجئة في الانتخابات التشريعية والبلدية، وفي انتخابات النقابات المهنية والعمالية، كان له الأثر الكبير في ارتفاع أسهم الإسلام السّياسي في الشارع العربي. ولقد تمّ ذلك في ظلّ وجود أنظمة سياسية عَلْمانية عربية هشّة وفاسدة، لم تستطيع من خلال سياساتها الفاشلة أنْ تحقّق الحدّ الأدنى من غايات وتطلّعات شعوبها، التي اكتوت بنار الفقر والبطالة والحرمان وسوء الأحوال المعيشية، في الوقت الذي كانت فيه الطبقة الحاكمة تتمتّع بالثروات الوطنية وتتلاعب بها.

لم تكتفِ الأنظمة العربية بحالة البذخ وممارسة سياسية التجويع لشعوبها، بل دخلت في صدام مباشرة مع القوى الإسلامية، وزجّت ببعض أعضائها في السّجون، أو تمَّ طردهم من الحلبة السّياسية، أو نفيهم خارج الوطن. السّياسات الفاسدة لم تورث الفشل في التنمية والنهوض في الأوطان، وإنما خلّفت كرهاً ونفوراً شعبيين حيال تلك الأنظمة الحاكمة.

في مقابل ذلك، تبنّت معظم الحركات الإسلامية في الأوطان العربية أسلوب المواجهة المباشرة لتلك السّياسات والأنظمة الفاسدة، فقوبلت باحتضان شعبي والتفاف جماهيري واسع. وقد أفسحت تلك السّياسة المجال أمام الجماعات الإسلامية، لكي تملأ الفراغ في المجتمع وتحوز بثقته.

ولقد خلّفت السّياسات الفاسدة للأنظمة أزمات خانقة أدّت إلى انتفاضات في أنحاء متفرقة من العالم العربي. فكانت أولى هذه الانتفاضات في مصر في العام 1977، ثمّ في السودان في العام 1982، ثمّ في تونس والمغرب في العام 1984، ثم في الأردن في العام 1989. وبموجب إحصائيات العام 1993 بلغت نسبة الأسر العربية التي تقع تحت خط الفقر34%. وترتفع هذه النسبة في بعض الدولة العربية إلى 60%. وأنّ جُلَّ سكان العالم العربي - باستثناء دول النفط - لا يحصلون إلا على دولار أو اثنين في اليوم، وهو الحدّ الأدنى لكفاف الإنسان، حسب مقاييس البنك الدولي.

وكان الجواب عن كلّ هذه الانتفاضات وتلك الأزمات، أنّ الحلّ في الإسلام، وفي التكافل الإسلامي، والاقتصاد الإسلامي. مما دفع بعض الجماعات الإسلامية إلى إنشاء شركات توظيف الأموال الإسلامية في مصر على وجه الخصوص، ودعم إنشاء البنوك الإسلامية، في أنحاء متفرّقة من العالم العربي، كبديل إسلامي عن الاقتصاد الاشتراكي، الذي خرّب البيت العربي، كما قالت أدبيات الجماعات الإسلامية في ذلك الوقت.

إنّ بروز وصعود الإسلام السّياسي، ناشئ في الأساس من أرضية الفقر والحرمان والاضطهاد، ويرجع الأمين العام لمؤسّسة الفكر العربي، عبد المنعم، أسباب صعود تيار الإسلام السّياسي إلى عوامل ثلاثة، تتمثّل في:

1. تفاقم الأوضاع المجتمعية.

2. تفشّي الفساد.

3. قمع الأنظمة للإسلاميين( ).

وعليه، فإنّ ولادة معظم الحركات الإسلامية وزيادة شعبيتها، هو ردّ فعل على سياسات الأنظمة الحاكمة الاقصائية ونتيجة طبيعية لفسادها.

فسياسات الأنظمة الحاكمة، هي التي خلّفت أوضاعاً سيئة، وهيّأت الفرصة الملائمة لتقدّم الحركات الإسلامية نفسها كبديل عنها، ما جعل المواطن العربي ينظر إليها بوصفها «خشبة» الخلاص من الواقع الموبوء. وقد ترجم ذلك فعلاً، أثناء الانتخابات التي حدثت إبّان الثورات العربية، حيث تمّ منحها غالبية الأصوات أثناء عملية الانتخابات التي تمت في دول الربيع العربي.

5- الحملة الدعائية المضادّة

ليس الأنظمة السّياسية وحدها هي التي عادت الإسلام السّياسي المتمثّل في الإخوان المسلمين وأودعت كوادرهم السّجون أو نفتهم خارج الوطن، وسعت جاهدة على مدار عقود من الزمن إلى تشويه صورتهم و« شيطنتهم» أمام العالم. ولقد دخلت التيارات غير الدينية المناوئة لهم على الخط إلى جانب الأنظمة.

لكن لم تخض الصّراع مع الإسلاميين بالأدوات ذاتها التي استعملتها السّلطات ضدّهم، كما لم تكن بواعث الصّراع هي ذاتها التي كانت تدفع الأنظمة لمواجهة الإسلام السّياسي. السبب الأكثر، ترجيحاً لصراع الإسلاميين وخصومهم من التيارات غير الدينية والدينية أحياناً، هو التنافس الاجتماعي، أي صراع على النفوذ الاجتماعي، الذي قد يأخذ منحىً حادًّا وصداميًّا أحياناً.

فعلى مدى عقود من الزمن، وفي معظم السّاحات الإسلامية، شنّت تلك التيارات المناوئة للإسلام السّياسي حملة دعائية مضادّة لهم، تحت غطاء العلمانية أو الليبرالية أو اليسار أو القومية، بل وأحياناً تحت غطاء التنوير الإسلامي، الذي كان يرى أن أحد أهمّ شروط الدخول في «المدنية» هو الخروج من بوتقة الأحزاب الدينية في المجال السّياسي؛ لأنّ تسييس الإسلام من وجهة نظرهم تقزيم له، في حين أنّ قيم الإسلام الحقيقية لا تتعارض مع القيم الإنسانية العامّة كالحرية والعدالة...إلخ( ).

ومما لا شكّ فيه، فإنّ التيارات المناوئة للإسلام السّياسي، وحتّى الجماعات المنتمية للإسلام التنويري، التي لا تحظى بقاعدة شعبية واسعة، استفادت من الأجواء التي هيأتها الأنظمة السّياسية لهم. لكن تلك الدعاية المضادّة، مع أنها كانت مؤذية للإخوان، وقد يفوق وجعها وجع إعلام النظام المعادي لهم أضعاف المرّات، لم تنل منهم كثيراً، كما أنها أدّت إلى مفعول عكسي صبّ في مصلحتهم أخيراً، وتجلّى ذلك في تعاطف بعض النّاخبين معهم وقت الاستحقاق.

تجدر الإشارة إلى أنّ خروج الإسلاميين من خندق المعارضة ووصولهم إلى سدّة الحكم، لم يُنْهِ حالة الصّراع بينهم وخصومهم السّياسيين، سواءً كانوا من بقايا الأنظمة التي سقطت، أو من بعض التيارات والقوى غير الإسلامية إلى جانب بعض الإسلاميين المتباينين معهم فكريًّا وسياسيًّا، خصوصاً تلك التي أصبحت اليوم في خندق المعارضة بدول الربيع العربي. بل، ومن المرجّح أن تزداد حدّة الصّراع أكثر مما مضى، وهذا ما بات واضحاً اليوم في تونس ومصر، حيث تشهد السّاحتان هناك حالة من الصّراع الشّديد بين الإسلام السّياسي وخصومهم من التيارات والقوى الأخرى.

ففي ندوة عن حركات الإسلام السّياسي، وضمن فعاليات المهرجان الوطني للتراث والثقافة في السعودية عام 2013 م، وكمؤشّر عن طبيعة الصّراع الجاري اليوم بين الإسلاميين ومناوئيهم، شَنّ بعض المحسوبين على التيارات غير الدينية هجوماً واسعاً على حركات الإسلام السّياسي التي وصلت إلى سدّة الحكم في دول الربيع العربي، ووصفوها مرّة بعدم النّضج، وتارة بالبراغماتية المتسامحة مع الخارج والدول الغربية، وثالثة بالميكا فيلية الغاشمة مع بني جلدتها في الداخل.

ورأى الباحث المصري عبد الرحيم علي، أنه لا يوجد في مصر الآن - تحت حكم جماعة الإخوان - لا عدالة اجتماعية ولا حكم رشيد، مضيفاً خلال الندوة: «الإخوان وصلوا بالخطأ؛ لأنّهم اعتقدوا أن الوصول إلى السُّلطة هو البداية، ويريدون أن يكرهوا الناس على عبادة الله أو الإيمان، كما يسعون إلى أخونة النظام، ومع بقائهم80 عاماً بعيداً عن الحكم فإنّهم لم يمدّوا يدهم إلى الأطياف الأخرى».

فيما عرّف عبد الرحيم علي الحركة الإسلامية بأنّها حركة سياسية تتّخذ الإسلام مرجعاً، وتريد الوصول إلى السّلطة في شكل رأسمالي، «مع بقاء فكرتين يحكمان الإسلام السّياسي: الأولى، الخلافة التي انتهت وكان من المفترض أن تتطوّر بعد الدول الإمبراطورية، والثانية، الشورى التي لا بُدّ من أن تتحوّل في الدول الحديثة إلى صناديق الاقتراع.

وطالب باحترام تداول السّلطة السلمي، مستغرباً من حركة حماس في غزّة التي وصلت إلى السّلطة عبر الانتخابات، ولم تُجرِ بعدها أيّ انتخابات، مع ضرورة أن تكون هناك معايير حديثة في بناء دولة إسلامية، وتفتخر على دول العالم بطريقتها، وإلا فإنّ الدول الدينية ستبقى هي الخيار الآخر، ويبدو أننا في مصر متّجهون إلى الخيار الثاني».

فيما اعترف عميد كلية الشريعة السابق بقطر، عبد الحميد الأنصاري، في النّدوة التي شهدت تضاؤلاً ملحوظاً في عدد الحضور، بقوله: «نحن الآن في زمن الإسلاميين»، ضارباً مثالاً بالمرشد العام تنظيم الإخوان المسلمين الذي كان خائفاً يترقّب، فأصبح يدخل القصر الرئاسي الآن معزّزاً مكرّماً.

وأكّد الباحث السعودي عبد الله البريدي أن الإسلام السّياسي «من أهمّ العناصر التي تأثّرت بحركة الضدّ أو مع، فمن كانوا معه جعلوه ملائكة والآخرون شياطين». معرّفاً الحركة الإسلامية بأنّها تدور حول كلمات ثلاث، هي: الإسلام والسياسة والاستخدام، «ومن هم ضدّ الفكرة يقولون إنّ التعريف الصّحيح هو استخدام الدين للسّياسة، ومن معه يقولون إنه استخدام السّياسة في الدين».

وذكر بأنّه «لا بُدّ من التمييز بين الحاكم والمعارض في الحركات الإسلامية، مع عدم وجود تفريق في التنظير»، مشيراً إلى أنّ إشكال الحراك الإسلام السّياسي «أنّ المقدّس والبشري فيهما أصبح مهمازاً في هذا السّياق، مع التذكير بأنه توجد فروقات مرجعية بين الطرفين، فالمرجع في الدين مثالي، وفي السّياسة المصالح، والدين غير متحزّب والسّياسة محزّبة.

وخلص البريدي إلى نتيجة أنه لا يجب أن تبرز تحولات الإسلام السّياسي، «لوجود تحوّلات علمانية حدثت أيضاً، مع أنّ أغلب الحركات الإسلامية الموجودة الآن حركات إسلامية مخفّفة وليست مثقلة، وقد يكون تأثير الإعلام المضادّ للإسلاميين، وهم في سدّة الحكم أكثر من كونهم في خندق المعارضة( ).

6- التركيبة السّياسية في المحافظات

معظم المحافظات الريفية في مصر، ذات الكثافة السّكانية الكبيرة، يسيطر عليها جماعات الإسلام السّياسي، فالمحافظة الشرقية التي يسيطر عليها الإخوان المسلمون مثلاً، حصدوا جميع مقاعدها، وكذلك السّلفيّون الذين حصلوا على معظم مقاعد محافظة السّويس؛ نظراً لانتشارهم بها بشكل كبير. هذا بخلاف المحافظات الحضرية التي تسيطر عليها القوى الأخرى من التيارات السّياسية غير الدينية.

7- الخبرة السّياسية والوفرة المالية

فقوى الإسلام السّياسي تمتلك خبرة طويلة من العمل السّياسي، فالإخوان في مصر مثلاً مارسوا العمل السّياسي لأكثر من ثمانية عقود من الزمن، وذلك على عكس القوى المدنية، التي تعتبر حديثة بعض الشيء وبالتالي هي تفتقر إلى الخبرة الطويلة في العمل السّياسي، كما أنّ إمكاناتها المالية محدودة أو ضئيلة جدًّا، إذا ما قورنت بإمكانات الإخوان المسلمين والدّعم الذي يحظون به. فتوافر المال لدى الإسلاميين مكّنهم من الاستحواذ على أفئدة وعقول البسطاء بمكرماتهم الخيرية، كما أنّ الخبرة في الحشد والتأثير وتوظيف الدين مكّنتهم من استثمار الفرصة التاريخية التي أتاحتها لهم ثورات الشباب العربي الجسور، فتمكّنوا من قطف ثمارها وتحقيق أحلامهم( ).

وتجدر الإشارة إلى أنّ الأسباب المشار إليها آنفاً، مع أهميّتها، إلا أنّها غير كافية لإيصال الإسلاميين إلى سدّة الحكم، ما لم تعضدها أسباب أخرى أكثر أهمية وفاعليّة، وهي التي سيتمّ الإشارة إليها في السطور القادمة.

ب- الأسباب الجوهرية:

1-القدرة التنظيمية مقابل تشظّي السّاحة السّياسية

إنّ انسجام الخطاب مع البيئة الاجتماعية، ومناهضة الاستبداد الداخلي والاحتلال الخارجي، والاتّكاء على أرضية الدين والعمل التطوّعي الإنساني، وفساد النظم السياسية ومناهضتها للإسلاميين، وتجذّر الحركات الإسلامية في مجتمعاتها، مضافًا إلى تمتّعها بالخبرة السّياسية والإمكانات المالية والبشرية، كلّها عناصر قوّة امتازت بها حركات الإسلام السّياسي في معظم البلاد العربية منذ نشأتها، كما هي عوامل أساسيّة ساعدت بشكل حقيقي في ترسيخ شعبيتها في مجتمعاتها، سيّما فيما بات يعرف بدول الربيع العربي.

لكنّ تلك العوامل وحدها لم تكن كافية لدفع شرائح وقوى المجتمع المختلّفة في مصر وتونس لمنح أصواتها إلى الإسلاميين في مختلف جولات العملية الانتخابية ليحصدوا العدد الأكبر من المقاعد يتبوؤون أعلى المناصب السّياسية في الدولة. فلولا تمتّع تلك الحركات بقدرات تنظيمية هائلة، التي تمظهر في جانب منها خلال إدارة العملية الانتخابية والتحشيد الشعبي، خصوصاً في ظلّ ضعف ملحوظ لدى القوى السّياسية والاجتماعية الأخرى سيّما الناشئة حديثاً. لولا ذلك لما استطاعت أن تصل إلى ما وصلت إليه.

قد يكون من غير الملائم إجراء أيّ نوعٍ من أنواع المقارنة بين ما تتمتّع به حركات الإسلام السّياسي من قدرات تنظيمية وبقية القوى السّياسية والاجتماعية الأخرى، خصوصاً القوى الجديدة، التي كان لها الفضل الأكبر في حشد الجماهير في الميادين منذ بداية اندلاع الثورات، سواءً في مصر أو تونس، وذلك نظراً لوجود بون شاسع بين تلك القوى، وحركات الإسلام السّياسي، التي خاضت غمار العمل السّياسي منذ زمن طويل، مما أكسبها خبرة طويلة من جهة، وتنظيم هياكلها التنظيمية والإدارية ورصّ صفوفها بشكل محكم، من جهة أخرى.

ففيما يتعلّق مثلاً بفاعلية الكوادر التنظيمية لقوى الإسلام السّياسي، فهم نشطاء محترفون ومتفرّغون للعمل التنظيمي غالباً، فيما كوادر التنظيمات الليبرالية والمدنية عموماً، في معظمهم نشطاء هواة غير متفرّغين، وإنما هم يعوّلون على «سرقة» جزء من الوقت المتبقّي لهم بعد عناء ساعات العمل وقضاء الحاجات المنزلية والأسرية الضرورية.

لذلك هم مشدّودون إلى أعمالهم ومصالحهم أكثر من انشدادهم إلى واجباتهم النضالية. وهم بهذا معرّضون للتذبذب لدى حدوث أيّ انعطاف مفاجئ في الأحداث، فيميلون في بعض الأحايين، والحال هذه، إلى ترجيح جانب مصالحهم( ).

وبما أنّ كوادر حركات الإسلام السّياسي يخضعون في الغالب إلى نمطٍ صارمٍ من التنظيم في إدارة أنشطتهم الحركية، وكذلك يمارسون مختلف واجباتهم انطلاقاً من قاعدة «التكليف الشرعي» أو الواجب الجهادي، لذلك هم أكثر ولاءً لأهدافهم وفاعلية وتأثيراً على الصّعيد الاجتماعي من نظرائهم في التشكيلات غير الدينية.

زِدْ على ذلك، فإنّ سعيهم إلى تحقيق أهدافهم غالباً ما يكون لها الأولوية على مصالحهم الشخصية والذاتية، على عكس سائر كوادر القوى والجماعات السّياسية التي لا تخضع إلى نظام ملزم، كما أنّهم لا ينطلقون في تطبيق برامجهم وأجندتهم من إيديولوجيا الدين، وهو عامل له أثره البالغ في المجتمعات الإسلامية.

واللافت في سلوك الحركات الإسلامية التي تتمتّع بشعبية كبيرة، مع أنّها قد تكون أقرب من غيرها في تحقيق المكاسب وقطف الثمار في أوقات الاستحقاقات الكبرى، إلا أنّها لا تعتمد على العمل الارتجالي أو العشوائي أو الصّدف في تحقيق المكاسب واغتنام الفرص.

وإنّما هي تعتمد بشكل رئيس على العمل المنظّم والتخطيط المحكم والفاعلية على الأرض في إدارة وتنفيذ برامجها، خصوصاً في ظلّ وجود منافسين لهم في السّاحة، وهو ما تجلّى بشكل واضح في الحملات الانتخابية التي جرت في مصر وتونس بعد سقوط الأنظمة هناك.

لذلك لم يفاجئ الكثير من المراقبين بنتائج الانتخابات التي جرت في دول الربيع العربي بفوز الإسلاميين، علماً بأنّ القوي الجديدة غير الإسلامية، خصوصاً شريحة الشباب، هي التي كانت المحرّك الرئيس في الثورة التونسية والمصرية (وهي قوى متجاوزة للأطر الأيديولوجية والسّياسية)، وكان يفترض أن تصل إلى سدّة الحكم لكنها لم تحظَ بأيّ نوعٍ من أنواع السّلطة، بل أضحت خارج اللعبة السّياسية.

السبب في ذلك ببساطة يعود إلى أنّها قوى غير منظّمة، على عكس القوي الحزبية والدينية التي كان إسهامها في الثورات إمّا قليلاً أو منعدماً، لكن لأنّها قوى تتمتّع بقدرات تنظيمية هائلة، استطاعت أن تقطف الثمرة.

وبحسب الباحث خليل العناني، فإنّ الحضور الضعيف للإسلاميين في الثورات العربية يعود إلى ذكاء قياداتها وإدراكهم لحساسية اللحظة الثورية وحساباتها، خاصّة في ظلّ إرث التربص السّلطوي والرفض الغربي لهذه الحركات، مما قد يزيد من احتمالات وأد الثورات العربية وإجهاضها في مهدها، كما حدث في الجزائر أوائل التسعينيات. بَيْدَ أنّ ذلك أيضاً لا ينفي ضعف الخيال السّياسي لهذه الحركات وعدم استشعارها المبكر للزخم الثوري. ولعلّ أهمّ دلائل هذه الفرضية، بحسب وجهة نظره، ما يلي:

أ- انعدام أو فقر الخيال الثوري لدى التيارات الإسلامية، وذلك نتيجة لخبرتها السّلبية مع الأنظمة الحاكمة كما هي الحال في مصر (الصّدام التاريخي بين ناصر والإخوان، فضلاً عن المواجهة المستمرّة بين مبارك والجماعة طيلة العقدين الأخيرين)، وسورية (أحداث حماة عام 1982وتونس (أحداث باب سويقة عام 1990).

وقد اختزنت ذاكرة الإسلاميين هذه الأحداث طيلة العقدين الأخيرين، فكانت النتيجة إسقاط الخيار الثوري من حساباتها. ولعلّه من اللافت أن لغة الخطاب الإسلامي الحركي طيلة العقود الثلاثة الماضية قد خلت من مفردات العمل الثوري كالتغيير، وإسقاط الأنظمة، وتعطيل الدساتير.. إلخ.

ب- جاءت الثورات العربية نتيجة لفعل جماعي يتجاوز الأطُر التنظيمية والأيديولوجية والسّياسية الكلاسيكية، ومعبّرة عن قوي وتيارات جديدة لم تعرف العمل الحزبي بشكله التقليدي. فالسّواد الأعظم للثورتين التونسية والمصرية لم يخرج من عباءة الأحزاب القائمة، وإنّما من حركات اجتماعية وثقافية تتسم بالمرونة الشديدة في حركيتها وأفكارها وعضويتها. وهو ما يختلف جذريًّا عن طبيعة وبنية الخطاب الإسلامي الحركي الذي يتّسم بالمركزية الشديدة والالتزام الأيديولوجي والتنظيمي.

وهنا، كان أمام الحركات الإسلامية أحد خيارين، إمّا المشاركة في الثورات العربية، ولكن وفق شروط وقواعد اللعبة التي يحدّدها محرّكوها والدّاعون إليها، وإمّا عدم المشاركة، وما قد يؤدّي إليه ذلك من خسارة سياسية ومجتمعية ليس فقط بين قواعدها وأعضائها، وإنما أيضاً بين جموع الشعب.

ج- لم تكن مشاركة الحركات الإسلامية في الثورة أمراً اختياريًّا أو بقرار تنظيمي، إنما كانت أمراً واقعاً فرض عليها بفعل تطوّرات الفعل الثوري الذي كان سريعاً وحاول الجميع اللحاق به. فعلى سبيل المثال، رفضت جماعة الإخوان المسلمين في مصر المشاركة إيجابيًّا في تظاهرة 25 يناير 2011 في بداياتها.

وهو أمر ليس غريباً على الجماعة، التي لم يكن لها حضور ثقيل في غالبية المناسبات التعبوية التي قامت في مصر خلال الأعوام الثلاثة الماضية (لم تشارك الجماعة في إضراب 6 أبريل 2008 وغيرها من إضرابات العمال والمهنيين والضرائب العقارية ... إلخ)، وذلك إمّا بسبب تخوّفها من قمع النظام لها، أو عدم تأثيرها في هذه الدوائر السّاخطة. في حين جاءت مشاركة الإخوان في الثورة المصرية، بعدما تأكّد لها أنّ ما يحدث يتجاوز كونه تظاهرة فئوية، كي يصل إلى العمل الثوري التاريخي.

صحيح أن نفراً من شباب الإخوان قد انخرط في الثورة منذ يومها الأول (إسلام لطفي، وأحمد عبد الجواد، ومحمد القصاص)، بَيْدَ أنّ ذلك لم يأتِ بقرار تنظيمي، وإنما من خلال مشاركة فردية عكست الفجوة الجيلية والفكرية داخل التنظيم الإخواني. وما لبثت الجماعة لاحقاً أن انضمّت للثورة بكلّ قوّتها وأصبحت طرفاً فاعلاً في ديناميتها سياسيًّا وميدانيًّا.

وفي تونس، كانت حركة النهضة آخر الملتحقين بقطار الثورة التونسية، وذلك نتيجة لضعف الحركة وتآكل بنيتها القاعدية بسبب الضّربات المتلاحقة التي تعرّضت لها طيلة العقدين الماضيين، فضلاً عن انفصال المستوي القيادي (الذي كان أغلب رموزه في المهجر) عن القواعد الحركية في تونس.

د- لم يكن متاحاً للإسلاميين بأيّ حال أن يعبّروا عن هويتهم الذاتية في الثورات العربية، ليس فقط لأنّهم لم يشعلوها أو يبادروا للقيام بها، وبالتالي لا يحقّ لهم تلوينها بشعاراتهم وأيديولوجياتهم، وليس لتخوّفهم من أنْ يتمّ إجهاض الثورة بسببهم، وإنّما أيضاً لإدراكهم عواقب ذلك على دورهم، وإمكان بقائهم كجزء من التركيبة الثورية فيما بعد. فكما قلنا سابقاً، لم يكن شباب الثورتين التونسية والمصرية ليسمحوا ببروز أية هوية فئوية أو عمودية قد تؤثّر في شمولية الثورة، وتحجب صورتها كحركة قاطعة للمجتمع، ومعبّرة عنه بكافّة جماعاته وأطيافه.

صحيح أنّ ثَمَّةَ حضوراً لبعض رموز التيارات الإسلامية في المشهد الثوري (علي العريبي، والعجمي الوريني، في تونس، ومحمد البلتاجي وبعض قيادات الصف الثاني في مصر)، إلا أنّه كان حضوراً ملتزماً بالتيار الثوري العام، وليس متمايزاً أو منفصلا ًعنه.

هـ- لم يحتكر فصيل حركيّ بعينه المشهد الإسلامي في الثورات العربية، وإنما تنوعت خريطة الإسلاميين الذين انخرطوا في العمل الثوري، بحيث ضمّت مختلف فصائل وجماعات التيار الديني، بدءاً من الإخوان المسلمين، مروراً بالحركة السّلفية، وانتهاءً ببقايا التنظيمات الجهادية التي كان لها حضور في الثورة المصرية بدرجات متفاوتة. وهو ما يؤكّد مجدّداً تجاوز الثورة المصرية للأطُر الأيديولوجية والعقائدية لمختلف القوى الدينية والسّياسية.

فلم يحدث من قبل أن انخرط الإخوان والسّلفيون والجهاديّون، وفي بعض الأحيان الصّوفية، في عمل تنظيمي وحركي يستهدف تغيير نظام الحكم، ليس فقط بسبب الاختلافات الشّديدة بين خطاباتها وأيديولوجياتها، وإنّما أيضاً بسبب العداء التاريخي الذي وصل إلى حدّ الاتّهام بالتواطؤ مع النظام السّابق، كما كانت الحال بين السّلفيين والإخوان، على سبيل المثال.

إذا كان حضور التيار الإسلامي في الثورات العربية متماشياً مع حضور بقية القوى الأخرى، وباعتباره يعبّر عن فصيل اجتماعيّ وسياسيّ موجود ومتجذّر في المجتمعات العربية، ولم يكن حضوراً استئثاريًّا أو استثنائيًّا بأيّ حالٍ من الأحوال - وهو أمر مهمّ وفارق، حيث اعتادت الحركات الإسلامية أن تكون هي المحرّك الأساسي للشّارع العربي، خاصّة في الشرائح الدنيا والوسطى- فإنّ الثورات العربية هي أعمّ وأشمل من أنْ تختزل في فصيل أو لون سياسيّ واحد دون بقية القوى والتيارات»( ) .ففي الحالة التونسية لم تكن الأحزاب المنافسة لحركة النهضة بالقدرات التنظيمية والفاعلية المتكافئة، مما جعل هذا العامل حاسماً في فوز النهضة فوزاً كاسحاً على سائر القوى المنافسة.

وإنْ كان الحال في مصر شبيهاً لما هو عليه الحال في تونس من حيث القدرات التنظيمية للإخوان المسلمين وحزب النّور السّلفي، وكذلك سعة القاعدة الشعبية، إلا أنّ الحالة المصرية عاشت ظرفاً خاصًّا أثناء الاستحقاق الرئاسي، حيث وجدت القوى غير الإسلامية نفسها مجبرة على التصويت لمرشح الإخوان مرسي، ليس حبًّا في الإخوان، وإنّما نكاية بالنظام القديم وخشية عودته، وبالتالي امتنعت معظم القوى من منح أصوات كوادرها لمرشّح النظام البائد شفيق.

2- الميل نحو البراغماتية السّياسية الإسلامية

إذا كان المفهوم الشائع للبراغماتية يعني التحرّر من كلّ أيديولوجيا أو موقف مسبق، ومن ثم تنحية المبادئ والقيم جانباً، في سبيل تحقيق بعض المصالح الآنية أو المكاسب الخاصّة فقط، فإنّ هذا المفهوم لا ينطبق على مجمل السلوك السّياسي لمعظم الجماعات الإسلامية في الوطن العربي.

واقع الحال يؤكّد بأنّ السّلوك السّياسي لكلّ تيار إسلامي هو متأثّر إلى حدٍّ كبير بالبيئة المحلية مسايراً للوقائع والظواهر السّياسية القائمة غالباً، وبالتالي فإنّه لا يمكن قياس سلوك أيّ تيّار إسلامي في بلدٍ مّا، وإسقاطه على سلوك عموم التيارات الإسلامية في مختلف السّاحات الإسلامية، ومن ثم وَسْم مجمل سلوك الإسلاميين بـ «البراغماتي» النفعي والمتحرّر كليًّا من الأيدولوجيا أو بـ «الأيديولوجي» الذي لا يُعير أيّ اهتمام للمصالح والظروف المتبدلة.

فمن خلال عملية التقييم الموضوعي للسّلوك السّياسي لمعظم الإسلاميين في الوطن العربي، يتّضح أنه ليس نفعيًّا مطلقاً، كما أنه ليس متحرّراً من الدين أو منسلخاً عن منظومته القيمية والأخلاقية بشكل تامّ، بحسب ما هو واضح من شعاراتهم وسلوكهم القائم على الأقلّ.

لذا يمكن القول بأنّ الواضح من سلوك الإسلام السّياسي الجديد، خصوصاً في ظلّ ثورات الربيع العربي، أنه استطاع وبشكل سريع جدًّا التكيّف مع المفاهيم والطّروحات الجديدة ذات الصّلة بتعزيز الحرّيات والشّراكة والقبول بالتعدّدية وضمان حقوق الأقلّيات..إلخ. وكذلك مع الوقائع السّياسية والاجتماعية القائمة، خصوصاً في بعدها الإقليمي والدولي.

كما أبدى الإسلاميّون ميلاً واضحاً نحو الاعتدال والمرونة في التعامل مع الآخر المختلف القريب والبعيد، وباتوا يتعاطون مع الواقع بصورة أكثر بشيءٍ من البراغماتية السّياسية (الواقعية)، ولكن في صورتها الإسلامية المشذّبة والمقبولة، التي تحاول التوفيق أو المزاوجة دائماً بين التمسّك بالمبادئ والقيم والأخلاقيات من جهة، ومسايرة مجريات الواقع السّياسي ومتغيّراته ومتطلّباته، من جهة أخرى.

وهذا يعني ولادة شكل جديد من البراغماتية الإسلامية المغايرة لما برع فيه وصاغه روّاد ومنظّرو مدرسة البراغماتية الأمريكيين أمثال بيرس ووليم جيمس و جان ديوي، في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

فالحركة الإسلامية التي كانت تعلن تمسكّها بشدّة بمبادئ الإسلام القائمة على إقامة حكم الدين في الدولة، وخدمة الناس ومنع الفتن، وتحرير الأرض، ونشر مبادئ العدالة، وتحمّل المسؤولية الكاملة حتى تحت أسواط التعذيب والاغتيالات والسّجن والملاحقات، قفزت سريعاً وبخطى ثابتة نحو مربّع آخر قد لا تجده مترابطاً فكريًّا أو عقائديًّا مع ما وصلت إليه الحال بعدَما يُسمّى بالربيع العربي، فاتّجهت بعض تلك القوى الإسلامية إلى مغازلة الغرب الأمريكي، وتقديم ولاءات الطّاعة بسيلٍ من التنازلات العقائدية في سبيل انتقالها إلى مرحلة الإسلام السّياسي أو الديمقراطي الذي يقبل بالتعايش حتى مع المحتلّ من أرضه، واحترام كافّة المعاهدات والتحالفات التي كانت إلى ما قبل عام تلقى سخط وتكفير تلك الجماعات، وأدارت حوارات مع الإدارة الأمريكية مستغلّة ما تعيشه البلاد من أزمات وحراك سياسيّ في الشارع العربي، فأعلنت بعض القوى الإسلامية إيمانها بالديمقراطية والتعدّدية والدولة المدنية وحرية المعتنق والفكر وحقوق الأقلّيات، وإيمانها بالسلام والتسامح، وطيّ صفحات الصّراع بمجملها، وهذا ما حدث مع الجماعة الإسلامية في كلٍّ من مصر وتونس والأردن وليبيا وسورية.

فكانت نتائج تلك الحوارات والاتفاقيات كتفكيكٍ للفكر الأصوليّ المتزمّت ونقله إلى مربعات براغماتية ليست سوى تنازلات سياسيّة لتحقيق حلم الحركات الإسلامية بالوصول إلى الحكم والمشاركة به، ولكن برضا أمريكيّ مشروط بعدّة مبادئ، تتعلّق بأمن إسرائيل واحترام اتفاقيات السلام والاتفاقيات الدولية السابقة مع الدول التي شهدت تغييراً في أنظمتها، وكذلك، وهو الأهمّ، الإقرار بالمصالح الأمريكية في المنطقة على مستوى جميع الدول( ).

ومما لا شكّ فيه أنّ الربيع العربي عزّز السّلوك البراغماتي السّياسي لدى الإسلاميين، وكان له الأثر البالغ في اجتذاب شرائح اجتماعية واسعة للإسلاميين تصويتاً ومناصرة، إلا أنّه لا يمكن الادّعاء بأنّ هذا السّلوك هو وليد الثورات العربية، فمن يتتبّع تاريخ الإخوان في علاقتهم بالسّلطة سيجد أنها كانت علاقة مدّ وجزر بسبب شيءٍ من البراغماتية السّياسية التي يتعامل معها الإخوان كثيراً.

هذا السّلوك بين التصالح مع السّلطات والتنافر معها، الذي لم يكن جديداً، جعل الإخوان يستفيدون من أيّة فرصة يمكن أن تتحقّق لهم في بناء تنظيمهم وامتداده أفقيًّا في طول البلاد العربية، خاصّة في منطقة الخليج العربي، فمذ نشوء الإخوان كتنظيمٍ سياسيّ ودينيّ في مصر كانت ذهنية العلاقة مع دول الخليج حاضرة بقوّة، لذلك كثيراً ما سعى التنظيم إلى عقد صداقات جيّدة مع الخليجيين بوصفهم دولاً تميل إلى الرؤية الدينية في سياسياتها، لا سيّما في السعودية( ).

كما أن السّلوك السّياسي للإسلاميين المتّسم بالبراغماتية، لم ينحصر في العلاقات مع النظم المحلية القائمة أو القوى السّياسية المنافسة، وإنّما كان هناك نصيبٌ منه تجلّى في العلاقة مع الغرب. فمعاداة الإسلاميين الواضحة للغرب، إلى جانب رفع الصوت عالياً للدعوة بمقاطعة إسرائيل وقطع أيّ شكلٍ من أشكال العلاقة معها،كان سلوكاً قديماً وشائعاً.

ولقد كان هذا السّلوك مبرّراً ومفهوماً من قبل الإسلاميين ما داموا في خندق المعارضة. لكن حينما وصلوا السّلطة، بعد ثورات الربيع العربي، تحوّلوا 180 درجة وأصبحوا يتودّدون لأميركا، وقد صرّح أحد رموزهم: تحالف «الإخوان» مع أميركا تحالف استراتيجي! وكانوا بالأمس ضدّ اتفاقية السّلام مع إسرائيل ويهاجمون نظام مبارك ويطالبون بإلغائها، واليوم يعلنون احترامهم لها، و «حماس» الإخوانية تطارد وتعاقب من يطلق الصواريخ. ولقد كانوا في السّابق ضدّ الاستدانة وضدّ شروط صندوق النقد الدولي، واليوم هم الأكثر اعتماداً وحرصاً على الاستدانة من أيّ جهة وبأيّ شروط.

وفي تونس صرّح الغنوشي بأنّ حزبه لن يمنع «البكيني» ولن يغلق البارات، وهي قمّة البراغماتية، وأكّد بن كيران، رئيس الحكومة المغربية وأمين عام «حزب العدالة والتنمية»، أنّ مجتمعاتنا ليست بحاجة إلى «الأسلمة»؛ لأنّها مسلمة أصلاً، وأنّهم لن يضيفوا إلى إسلامها شيئاً، وأنّ حزبه لم يأتِ ليقول للرجال: التحوا، وللنّساء: تحجّبن، مؤكّداً رفضه التدخّل في خصوصيات الناس وفرض الفهم الديني لحزبه عليهم.

ويعجب المرء أن يكون بين أنصار هذا الرأي المدافع عن الإسلاميين (الإخوان) بعض الكتّاب والمحلّلين الأميركيين والغربيين الذين يراهنون على «الإخوان» في السّلطة، ويتوقّعون أنهم سيصبحون عقلانيين معتدلين واقعيين وقادرين على كبح جماح التطرّف الإسلامي، وأنّهم سيلتزمون بقواعد اللعبة الديمقراطية بإقامة الدولة المدنية ( ).

وفي الندوة التي عقدت في الجنادرية 2013 م، أكّد عميد كلية الشريعة السابق بقطر، عبد الحميد الأنصاري، على أنّ أحداث الربيع العربي أثبتت أنّ الإسلاميين براغماتيّون حين التعامل مع الخارج وليس مع من في الداخل، ووصلوا بإرادة الجماهير للسّلطة، وعلينا أن نقوّم عملهم مع احترامهم. وزاد: «الإسلاميّون صوّروا للعالم أنّهم الضّحية الوحيدة للاستبداد السّياسي، وهذا غير صحيح، فالقوميّون والناصريّون والشّيوعيّون تعرّضوا لذات العذاب».

ورأى الأنصاري أنّ «الإسلاميين ليس لديهم نظام جديد بعد وصولهم إلى السّلطة، فهم يستنسخون أفكار الأنظمة السابقة، مع عدم وضوح مفهوم المرجعية الإسلامية التي يتكئون عليها». كما طالب الإسلاميين الاستفادة من الفرصة التاريخية التي جُهّزت لهم، «فربّما لا يجدون الفرصة مع من يخلفهم، وأن يفتحوا صدورهم للنقد، وألا يكرّروا أسطوانة أنّهم ضحية الداخل والخارج، وأن يؤمنوا بنسبيّة الحقائق في الحقيقة المطلقة بيد الله»( ).

3- تبنّي مبادئ وقيم الديمقراطية (الإسلام الجديد)

لقد وجدت حركات الإسلام السّياسي، التي تتّخذ من الإسلام مرجعاً وتتقيّد بمنظومة من القيم والمبادئ الثابتة، في ظلّ ثورات الربيع العربي، وجدت نفسها وسط شعارات ثورية جديدة غير معهودة تنادي بتطبيق الديمقراطية (حكم الشعب لنفسه) وقيمها ومبادئها (حكم الأكثرية، فصل السّلطات، تجزيء الصلاحيات، التمثيل والانتخاب، سيادة القانون، اللامركزية في الحكم، التداول السّلمي للسّلطات، تعزيز الحريات، ضمان حقوق الأقليات..إلخ).

وهي شعارات لا تنسجم مع شعارات الثورات ذات الصبغة الإسلامية، التي كانت تنادي «بتطبيق الشريعة» و «الإسلام هو الحلّ»، وغيرها من الشّعارات، كالتي طالب بها الشّعب الإيراني في ثورته ضدّ الشّاه قبل ثلاثة عقود ونصف تقريباً، أي عام 1979 م.

لقد فرضت شعارات الثورات العربية المنادية بتطبيق مبادئ الديمقراطية ومفاهيمها، وهي مغايرة تماماً لشعارات الثورات الإسلامية، فرضت على حركات الإسلام السّياسي في العالم العربي خيار الانسجام مع تلك الطّروحات والشّعارات، وجعلها تتماشى مع سائر القوى اللبرالية في مطالبها وأطروحاتها، أثناء التظاهرات الميدانية، وقبل سقوط الأنظمة وقبيل الانتخابات وأثنائها.

بل كانت حركات الاسلام السّياسي هي صاحبة الصّوت الأعلى في الدعوة إلى تطبيق الديمقراطية والأخذ بمبادئها ومفاهيمها. وهذا ما جسّدته بالفعل على المستوى النظري وليس التطبيقي، خصوصاً أثناء الحملات الانتخابية، وهو العامل الجوهريّ، على الارجع الذي دفع بشرائح كبيرة وقوى عديدة في المجتمعين المصري والتونسي للتصويت إلى حركات الإسلام السّياسي في ذينك البلدين.

إنّ الشعارات الديمقراطية التي بات يُردّدها الإسلاميّون في مصر وتونس، أثناء الحملات الانتخابية، ولّدت شعوراً لدى غالبية الجماهير مفاده بأنّ ثَمَّةَ إسلاماً سياسيًّا جديداً قد ولد في العالم العربي، وأنّ هذا الإسلام يختلف عن الإسلام الذي عايشوه طيلة عقود مضت. هذا الشعور الإيجابي نحو الإسلاميين ترجم في صورة تعاطف ومنحهم الثقة والتصويت لهم في الانتخابات.

فحينما جرت الانتخابات في تونس وفوز حزب النهضة وتشكيله الحكومة ضرب راشد الغ نوشي مثالاً فريداً في عدم ميله شخصيًّا نحو السّلطة بل أسند المهمّة لنائبه، والأهمّ من هذا أنه أعلن عن نهج ديمقراطي حضاري في التعاون مع الأحزاب الأخرى ودعاهم لمشاركة النهضة سلطة الحكم كما كانوا شركاء في الزّنازين، على حدّ تعبيره، وأجاب عن الأسئلة التي طرحها الناس والمراقبون، سواءً المتعلّقة بالحرّيات أو ملف المرأة والعلاقات الدولية، وصارت تونس (النهضة) معبّرة عن أسلوبٍ فريدٍ مطمئن للداخل والخارج، وأثنى الغرب، ومنه فرنسا، على توجّه الإسلاميين. ولم يختلف الحال كثيراً عمّا فعله إسلاميّو مصر (الإخوان والسّلفيون)، الذين حصدوا 65% من الأصوات، مما يعني السّيطرة على مقاليد الأمور على السّاحة المصرية ( ).

وكان لتأكيد الإخوان المسلمين وحزب النّور السّلفي في مصر أو حزب النهضة في تونس على نهج المشاركة والتعاون بعيداً عن التفرّد والإقصاء، وكذلك صدور وثيقتين مهمّتين من قبل الإخوان المسلمين:

الأولى، حول الانتخابات والديمقراطية والتداول السّلمي للسّلطة والاحتكام لصناديق الاقتراع.

والثانية، حول موقف الإسلاميين من المرأة، كان له الأثر الكبير في تطمين شرائح واسعة من الناس حول أدائهم السّياسي المتوقّع في السّلطة.

فنفوذ الإسلام السّياسي ووصوله إلى سدّة الحكم بعد ثورات الربيع العربي لم يأتِ من فراغ، وإنّما جاء نتيجة سلوك جديد ارتبط بظاهرة الثورات، كما هو نتيجة جهود قديمة متراكمة من العمل والنشاط والفاعلية.

بَيْدَ أنّ ذلك التتويج، يعكس شعبية حقيقية لا زالت تحظى بها هذه حركات الإسلام السّياسي في الوطن العربي. وبالرغم من فشل الكثير من التجارب الإسلامية في الحكم في أكثر من بلد إسلامي، ولا سيّما تلك التي تولّدت من رحم الثورات الإسلامية، مع أنّها بعثت برسائل غير مطمئنة للجماهير، إلا أنّ الشعارات الجديدة التي رفعها الإسلاميّون أثناء التظاهرات والحملات الانتخابية في دول الربيع العربي أعادت ثقة الناس مجدّدا للإسلاميّين ومنحتهم أصواتهم وأوصلتهم للحكم مرّة أخرى.

على الأرجح، فإنّ ثقة الجماهير للإسلاميين يعطي إشارة واضحة على أنّ تلك الشعوب، حتى اللحظة على الأقلّ، لا تزال مستعدّة لمنح الحركات الإسلامية الفرصة مرّة أخرى لإثبات مصداقيّتها عبر بوابة تحقيق طموحات الجماهير وآمالها، والنهوض بمجتمعاتها واستعادة كرامتها وتعزيز قيم العدل والمساواة والحرية، وتنمية المجتمع ورفاهيته، من خلال الشّراكة الحقيقية في إقامة نظام ديمقراطي حديث، يكون الرافعة لبناء دولة مدنية قائمة على مبدأ المواطنة وسيادة القانون، ولا تفسح المجال لإعادة إنتاج الاستبداد مرّة أخرى بأيّ شكلٍ من الأشكال.

الفصل الرابع: التأثيرات العامة للثورات على الإسلام السّياسي في السعودية

من طبيعة التغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية في المجتمعات أنّها تتمّ ببطء، وعبر مراحل تاريخية طويلة، كنتيجة طبيعية لصراع الأجيال وتبدّلها. هذا النوع من التغيير الذي تفرضه الصيرورة التاريخية يصعب ملاحظة تأثيراته خلال فترة زمنية قصيرة جدًّا.

وهو على العكس تماماً من التحولات الكبرى الناجمة بفعل الثورات الشعبية، التي تحدث بسرعة وفي فترة زمنية قصيرة، كما ويرافقها غالبًا تغيرات سياسية، واقتصادية، واجتماعية وثقافية جذرية. وهذا النوع من التغيير يمكن رصد تأثيراته باكراً وبدون عناء أيضاً، خصوصاً تلك التأثيرات التي تطال الأنساق المادية. بينما التأثيرات التي تطال الأنساق غير المادية كمنظومة الأفكار أو عموم النسق الثقافي فإنّ الأمر يختلف بعض الشيء.

حتى اللحظة لم تحدث في المملكة العربية ثورة مشابهة للثورات التي اندلعت في دول الربيع العربي، أو في الدول التي لا زالت الثورة فيها تراوح مكانها بدون أن تحقق أية مكاسب تذكر كالبحرين مثلاً، أو تلك البلدان التي تحولت فيها الثورة إلى صراعٍ مسلّح، كما هو الحال في سورية، وإنما حدثت فيها مجموعة من الاحتجاجات الشعبية المحدودة والمتفرقة، التي لا زالت مستمرّة في بعض مناطقها، وهي بالمناسبة متأثّرة بثورات الربيع العربي، وليس مستبعداً أن تتحوّل في يوم من الأيام إلى ثورة عارمة كنظيراتها، بحسب العديد من المحلّلين، وذلك نظراً لوجود ما يشبه ذات العوامل والأسباب التي أدّت إلى اندلاع الثورات في دول الربيع العربي.

وبصرف النظر عن حجم الاحتجاجات الداخلية في المملكة وسعتها ومدى إمكانية تحولها إلى «ثورة » شعبية لاحقاً، فإنّ الثورات التي اندلعت في العالم العربي، أحدثت تأثيرات هامة وجوهرية، انعكست على ظاهرة الإسلام السّياسي في السعودية. وقبل الإشارة إلى التأثيرات التي أحدثتها تلك الثورات على ظاهرة الإسلام السّياسي في المملكة، فإنّ المقصود بالتأثيرات هي تلك المتغيرات المعنوية والثقافية والسّياسية والإعلامية، التي طرأت على التيارات الدينية والقوى الإصلاحية بشقّيها الشيعية والسنية، وتمثّلت في صورة قناعات فكرية جديدة، أو مواقف سياسية، أو برامج وأنشطة عمل حركية وإعلامية.

وبما أنه من الصّعوبة بمكان - في هذا البحث- رصد جميع التأثيرات التي أحدثتها الثورات العربية، على الاسلام السّياسي السعودي بكلّ تياراته وقواه المختلفة، كلّ على حده. لذا سيتمّ الاكتفاء برصد التأثيرات العامة التي طالت التيارات الدينية السياسية والقوى الاصلاحية في محافظة القطيف شرق السعودية - كحالة - تعكس بشكل أو بآخر الإسلام السّياسي بكلّ تياراته وقواه في الداخل السعودي، وذلك من خلال الملاحظة المباشرة والبيانات والدراسات المتوفّرة والمواقف السّياسية القائمة، وكذلك اللقاءات التي تمت مع بعض المحتجّين الشبان من كلا الجنسين، والشخصيات المعبرة عن التيارات السّياسية والقوى الاصلاحية في المجتمع السعودي الشيعي القطيفي.

ولقد استطاعت الحركة الاحتجاجية القطيفية، التي اندلعت عام 2011 م، متأثرة بالربيع العربي، ومتضامنة مع ثورة البحرين، وسقط خلالها أكثر من 15 قتيلاً، واعتقل فيها أكثر من800 ناشط، وهي أكبر وأطول موجة احتجاجات شهدتها المملكة في تاريخها الحديث، هي عبارة عن مزيج من التظاهرات والمواقف السّياسية والمناقشات للتيارات الدينية السّياسية وقوى الاصلاح الشيعية في المحافظة، حول الإصلاح السّياسي، وإطلاق سراح السّجناء السّياسيين، ومعالجة التمييز الطائفي الذي يتعرّض له الشيعة في السعودية.

ولأهمية الاحتجاجات في محافظة القطيف، قدّم الباحث المختصّ في الدراسات الإسلامية الشرق الأوسطية في كلية بيمبروك في جامعة كامبريدج, توبي ماتيسن، دراسة بعنوان «الربيع السعودي: الحركة الاحتجاجية الشيعية في المنطقة الشرقية 2011 م - 2012»، معتبراً هذه الاحتجاجات كجزء من «الربيع السعودي». تم نشرها في العدد الرابع من مجلة الشرق الأوسط خريف 2012 م، كما تمّ تقديمها، بحسب الباحث، لمؤتمرات عالمية عديدة، كالندوة الدولية حول «الربيع العربي»، التي نظمتها الجمعية السويسرية للشرق الأوسط والدراسات الإسلامية في زيورخ بسويسرا, والجمعية البريطانية لدراسات الشرق الأوسط، والمؤتمر السنوي في لندن، والاجتماع الخليجي للأبحاث, وكذلك جامعة كامبريدج.

ومن خلال جميع اللقاءات والحوارات التي أجريت مع مختلف الشرائح الاجتماعية والناشطين والرموز المعبرة عن التيارات الدينية السّياسة والقوى الإصلاحية في القطيف بين عامي (2011- 2013)، اتّضح أنّ ثورات الربيع العربي أحدثت تأثيرات مهمّة وجوهرية، يمكن تلخيصها بإيجاز فيما يلي:

أولاً: التأثيرات المعنوية

1- تعزيز القناعة بفاعلية الخيار الشعبي في صناعة التغيير

كان المجتمع السعودي، قبل الثورات العربية، يعيش حالة من الإحباط في إحداث أيّ تغييرات سياسية واجتماعية واقتصادية. لكن هذه الحالة تبدّدت بعد اندلاع الثورات، خصوصاً بعد أن شاهد النظم السّياسية في دول الربيع العربي تتهاوى بفعل التظاهرات الشعبية.

وأدرك بأنّ الإرادة الشعبية وحدها، في ظلّ الجمود السّياسي، هي الصانعة للتغييرات والتحولات الكبرى( ).

لقد تعزّز هذا الخيار الشعبي في أذهان الناس، خصوصاً لدى التيارات الإسلامية السّياسية والقوى الإصلاحية في المجتمع القطيفي. وكان واحد من الدوافع الخفية التي شجّعت المحتجين في محافظة القطيف على التظاهر، هو قناعتهم بأنّ التظاهر في المملكة إمّا أن يقود إلى التغيير الشامل، أسوة بما تمّ في دول الربيع العربي، أو أنه سيؤدّي إلى تحقيق بعض المكاسب السياسية كالإفراج عن المعتقلين، وإنهاء التمييز الطائفي، وإطلاق الحريات العامة. لكنه لم يتحقّق أيّ تغيير سياسي يذكر على هذا الصّعيد.

ومع أنّ التغيير الشامل والجذري لم يتمّ الإفصاح عنه وتداوله صراحة، إلا أنه كان واحداً من العوامل الأساسية التي دفعت بالمحتجّين للتظاهر في بداية الاحتجاجات على الأقل( ) بمعنى آخر، كان هناك شعور عام بأنّ أيّ حركة احتجاجات في أيّ بلد يمكن أن تتسع وتؤدي إلى إسقاط النظام برمّته. العنصر الجديد واللافت الذي أضافته الثورات العربية، هو تعزيز قناعة تلك التيارات والقوى المختلفة بضرورة الإصلاحات وسرعة تحقيق المطالب المشروعة، قبل حدوث الانفجار( ).

2- انكسار حاجز الخوف والجرأة في المطالبة بالتغيير

وفيما يتعلّق بانكسار حاجز الخوف لدى التوانسة مثلاً، فإنّ قضية الشاب محمد البوعزيزي مثلت الشّرخ الأول في حاجز الخوف، وأكمل- ذلك- شباب سيدي بوزيد الذين كانوا يبحثون عن كرامتهم وخروجهم من أسر شمولية نظام بن علي. فمنذ الشّرارة الأولى التي أشعل فتيلها محمد البوعزيزي، اندفع الشعب التونسي بقوة في المواجهة وإسقاط الطاغية بن علي.

وتمثّل الطريقة التي تصدّى بها المتظاهرون في شوارع سيدي بوزيد خير دليل على كسر حاجز الخوف. فقد استطاع المحتجّون أن يرهقوا قوّات البوليس من كثرة الكمائن التي تعرّضوا لها، كما أنّ القتل والقنص في بوزيد والقصرين لم يثن المحتجّين عن الخروج إلى الشوارع ومواصلة التظاهر ضدّ النظام، على الرغم من أنّ الشرطة حاولت إرهاب المتظاهرين عبر تعمّد القتل المباشر برصاص القناصة وباستعمال رصاص ذي رأس منفجر. والعديد من شهداء أحداث القصرين قضوا بطلقات نارية قناصة في الرأس، إمّا من الأمام أو من الخلف، أطلقت من مناطق ذات ارتفاع عالٍ في القصرين( ).

كان المحتجّون في السعودية يشاهدون لحظة بلحظة وبشكل مباشر كلّ مواقف البطولة والإقدام للثوار المتظاهرين التي حدثت في واقعة الجمل بمصر، والتي حدثت في ميدان اللؤلؤة وقتل الشبان في الشوارع بالبحرين، وسائر الدول التي حدثت فيها الثورات العربية، ويتأثرون بها. هذه المشاهد البطولية الجديدة، التي كان يقابلها مشاهد الوحشية للنظم الاستبدادية حيال المتظاهرين، كسرت حاجز الخوف والإرهاب الذي يمكن أن يمارس بحقّهم من قبل النظام السعودي والأجهزة الأمنية، في حال خروجهم للمظاهرات( ).

ولقد لوحظ قدرٌ كبيرٌ من الشجاعة الجديدة والنادرة، التي يتمتّع بها الشباب المحتجّين في محافظة القطيف، إلى جانب الشجاعة التي كان يتمتع بها الناشطون السّياسيّون الجدد والحقوقيّون المنحدرون من مختلف القوى والاتجاهات، حينما كانوا يدلون بتصريحاتهم لوسائل الإعلام أو يكتبون المقالات أو يوقّعون على البيانات والعرائض التي تقدّم للسلطات بأسمائهم العلنية، أو حينما يدخلون في حوارات سياسية جريئة مع ممثّلي النظام للتفاهم معهم حول المظالم، وأسباب التظاهر، ومطالب المحتجّين والانتهاكات التي تطال المعتقلين، وكيفية التعاطي الأمثل مع الاحتجاجات.

وكذلك حينما يتمّ النقاش بين مختلف قوى المجتمع القطيفي في الديوانيات الخاصّة، والمحافل العامة التي كانت تعقد للنقاش حول كلّ ما يتعلّق بالاحتجاجات القائمة وطريقة تعاطي النظام. الشعارات التي رفعها المحتجّون في القطيف من قبيل «الموت لآل سعود» و «يسقط النظام السعودي» و «أنا الشهيد التالي» و «لن نركع إلا لله»، وبمعزل عن اتفاقنا أو اختلافنا معها، وكذلك لغة البيانات والتصريحات ومستوى النقاشات الجارية، كلّها تكشف عن مدى الجرأة وتجاوز حالة الخوف التي كان تتمتع بها قوى المجتمع القطيفي، إلى جانب الشفافية في النقاش مع الدولة( ).

3- التوق للحرية وعدم القبول بحياة العبودية

الدعوة إلى تعزيز الحريات وحمايتها وإنهاء حالة الوصايا والعبودية، كان أحد المطالب الأساسية، التي تمّ المطالبة بها من مختلف التيارات والقوى الإصلاحية في المملكة. ولقد تركزت خطابات العديد من رجال الدّين الذين كانوا يرون في حركة الاحتجاجات التظاهر سبيلاً لتلبية حقوقهم في القطيف، كالشيخ نمر النمر، ارتكزت على التأكيد على قيمة الحرية، ولقد قال في إحدى خطبه الشهيرة: «إنّ كرامتنا وحريتنا أغلى من كلّ شيءٍ، فلم ولن نتنازل عن كرامتنا وحريتنا أبداً».

قبل الثورات العربية كانت الحرية معشوقة الجميع، كما كان الإذعان للعبودية بأيّ شكلٍ من أشكال أمراً منبوذاً. لكن بعد ثورات الربيع العربي، أصبح التوق إلى الحرية أكثر، والإصرار على تجسيدها على أرض الواقع أكبر( ).

إنّ أيّ فعل يمارس من قبل السّلطة فيه نوع من الوصاية أو تكريس لحالة العبودية، هو الآخر كان أكثر نبذاً ومقتاً من أيّ وقت مضى. الشيخ توفيق العامر الأحسائي، تمّ اعتقاله أثناء الاحتجاجات الشعبية في المنطقة الشرقية، بسبب خطبه الداعية إلى إقامة ملكية دستورية، وتعزيز الحريات، وإنهاء زمن العبودية والوصاية والتهميش الواقع على الشيعة، وحكم عليه بالسجن. وحينما شارفت مدة محكوميته على النهاية طلب منه التوقيع على تعهّد يقضي بعدم ممارسته لأنشطته السابقة، فرفض التوقيع لشعوره بأنّ هذا الفعل مهين، وعلى إثْر ذلك تمّ تمديد عقوبة السجن بحقّه ولا زال معتقلاً حتى اللحظة.

كذلك بالمثل، فإنّ معظم الشبان الذين تمّ اعتقالهم أثناء الاحتجاجات في المنطقة، كان دافعهم الأساس للتظاهر، هو المطالبة بالحرية للمعتقلين (التسعة المنسيين الشيعة المتّهمين بتفجيرات الخبر)، وسائر السّجناء السّياسيين في المملكة، وهذا يعني أنّهم أصبحوا أكثر توقاً للحرية من ذي قبل، وعدم القبول بالإذلال ( ).

4- تعزيز قدرة الناس على التغيير السّياسي، وإسقاط السّلطة الأبوية للأحزاب

ليس التيارات الدينية والسّياسية والقوى الإصلاحية في المجتمع السعودي وحدها هي التي تعزّزت قدرتها على التغيير السّياسي، وإنما تعزّز هذا الشعور لدى عامّة الناس. ومثلما أسقطت الثورات العربية هيبة الأنظمة السّلطوية، كذلك بالمثل أسقطت هيبة السّلطة الأبوية للأحزاب السّياسية.

فالتغيير الجوهري، على الصّعيد المعنوي الذي حدث، يتمثل في أنّ جميع المواطنين باتوا على قناعة تامّة بأنّ لديهم القدرة على إحداث التغيير بمعزل عن قيادة الأحزاب وتوجيهها( ). لهذا ثار المواطنون على الأنظمة في العالم العربي بدون تلقّي أية أوامر من أيّ حزب أو زعيم، بل إنّهم فرضوا على جميع الأحزاب والقيادات مسايرة حراك الشارع وترديد مطالبه.

ولكن يرى الكثير من الناشطين في محافظة القطيف، ويشاطرهم في ذلك العديد من الباحثين، بأنّ الاحتجاجات في شرق السعودية فشلت إلى حدٍّ كبير في إلهام السّنة للقيام بتنظيم مظاهرات حاشدة مماثلة. وقد استعملت الدولة الاحتجاجات الشيعية في الخطاب الطائفي المعادي للثورة لإخافة السّنة من المشاركة في أنشطة مناهضة للحكومة. الدولة تحاول منع السّنة من الانضمام إلى الاحتجاجات لتأمين ولائهم بإدانة الشيعة بأنّهم طابور خامس لإيران( ).

ثانياً: التأثيرات الفكرية

مضافاً إلى التأثيرات المعنوية التي أحدثتها ثورات الربيع العربي، فإنّها أحدثت جملة من التغييرات الجوهرية في منظومة الأفكار والقناعات لحركات الإسلام السّياسي والقوى الإصلاحية في السعودية.

وكمثال على حجم التغيير الهائل الذي تمّ بعد الربيع العربي، تبدّل العديد من القناعات لدى التيارات السّلفية الحركية. فيما مضى كانت تلك التيارات ترى في الخروج على الدولة كفراً، ونصيحة الحاكم علناً كذلك، وأنّ الشعب ليس مصدراً للسّلطة وإنما مصدره الأمراء والتيار الديني، وأنّ مفهوم العدالة هو الحاكم، ومفهوم الحكم والسّلطة هو الفرد. في الوقت الرّاهن أصبح مفهوم الدولة، ومفهوم الحكم والسّلطة مؤسّساتها.

كما أنّ بعضاً من تلك القوى صارت تعلن صراحة تطلّعها إلى دولة دستورية مدنية ديمقراطية حديثة. كما تعزّزت لدى المواطنين السعوديين، وخصوصاً الشباب الذين تعرّضوا إلى الاعتقال، أهمية تعزيز حقوق الإنسان في المجتمع السعودي، وكلّ ما يتصل به من نشر لثقافة الحقوق، ورصد وتوثيق للانتهاكات، وسبل حماية المدافعين عن حقوق الإنسان، وآليات المطالبة، والتواصل مع المنظمات المحلية والخارجية ( ).

ويمكن تلخيص أبرز الأفكار والمفاهيم الجديدة التي صار يتطلّع إليها الناس عامة، والتيارات السّياسية والقوى الإصلاحية في المملكة خاصّة، فيما يلي:

ضرورة مشاركة الشعب في صناعة القرار السّياسي، سيادة القانون، الشعب مصدر السّلطة والشرعية، الإيمان بالديمقراطية والانتخابات، سيادة الشعب مقدّمة على تطبيق الشريعة، ضرورة شراكة المرأة وإعطاء الشباب دوراً أكبر، احترام الأقلّيات وضمان حقوقهم وشراكتهم، تعزيز الحريات العامة وحقوق الإنسان، إرساء خيار مبدأ المواطنة. كما بالإمكان إقامة علاقة إيجابية مع الغرب واحترام الاتفاقيات الدولية، وتطور النظرة إلى السّياحة وعمل المرأة والربا. هذه الأفكار مجتمعة تنتمي إلى نفس المنظومة من الأفكار التي سادت في العالم العربي بعد الثورات( ).

ثالثاً: التأثيرات السّياسية

ولسنوات طويلة، ظلّت مطالب الإصلاح السّياسي في السعودية أسيرة جدل وتنازع بين إسلاميين يطالبون بالمزيد من تقييد الحريات والعودة إلى أحكام الشريعة وتحكيمها في مختلف مفاصل الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وليبراليين يدعون لمزيد من التحرر الاجتماعي والاقتصادي وإطلاق الحريات العامة، والمطالب الخاصة بقضايا المرأة.

وفي عام 2003 م بدأ هذان الاتجاهان يجدان نقاط تلاقٍ نُظر إليها على أنها مفيدة لكلّ القوى بغضّ النظر عن إيديولوجيتها. وتركزت تلك النقاط حول سيادة القانون، وإطلاق الحريات، وتنظيم انتخابات، وإعلان حوار وطني، وضمان حقوق الإنسان. وفي مرحلة لاحقة، أطلقت نداءات تدعو لإنشاء نظام يعتمد على الملكية الدستورية بدلاً من الملكية المطلقة، ونال ذلك قبولاً واسعاً بين شرائح وطنية مختلفة.

وتركّز المطالب الإصلاحية في المرحلة الحالية، أي بعد الثورات العربية، على معالجة الفساد الإداري والمالي، وإيجاد رقابة على المال العام وصيانته من الهدر والتلاعب، والحدّ من صلاحيات أفراد الأسرة الحاكمة، وانتخاب ممثلين في مجلس نيابي وطني، والكفّ عن انتهاك حقوق الإنسان كالاعتقالات والتعذيب والسجن من دون محاكمة والمنع من السفر. وكما يطالب الإصلاحيون بسيادة القانون والمساواة بين جميع المواطنين واعتماد برامج تنموية متوازنة بين مختلف المناطق، ومعالجة التمييز ضدّ المرأة واحترام الحريات الدينية وإشراك الشباب في الشأن العام ( ).

وكان لافتاً في خطابات ومواقف التيارات السّياسية والقوى الإصلاحية وجود تطوّر فكرة المشاركة الشعبية في الموضوع السّياسي، وقبول الشّراكة مع الآخرين وفق معيار سياسي (المواطنة)، والدعوة إلى بناء الدولة المدنية التعدّدية الحديثة، وإعطاء أولوية لحقوق الإنسان والحريات الفردية والعامّة، ولبناء علاقات إقليمية سياسية، وللمشروعات والبرامج السّياسية( ).

كذلك لوحظ من سلوك القوى السّياسية السعودية، خصوصاً المجاميع الشبابية الحركية، التركيز على الدعوة إلى بناء تحالفات سياسية، والتطوّر النسبي في الخطاب السّياسي المطلبي والحقوقي، اللذين صاحبهما تطوّرا مماثلاً وملموساً في الممارسة السّياسية على المستويين التنظيمي، والتنسيقي، ولكن هذا لا يعني عدم وجود بعض المؤاخذات على الوعي السّياسي بشكل عام( ).

وتكشف البيانات المشتركة، عن مدى التوافق بين مختلف الاتجاهات السّياسية في المملكة على ضرورة الاصلاحات السّياسية والاقتصادية والاجتماعية لإنهاء سياسة التمييز بكافّة أشكاله وصوره في المملكة، وإرساء مبدأ العدالة والحقوق المتساوية، وإقامة مملكة دستورية يتمّ فيها تحييد الأسرة المالكة عن الحكم، وسيادة حكم القانون، وإطلاق الحريات العامة، والتوزيع العادل للثروات، وبناء دولة حديثة تقوم على مبدأ المواطنة، وتبييض السّجون من معتقلي الرأي، وإجراء محاكمة عادلة لكلّ المعتقلين السّياسيين، وضمان حقّ التجمع السّلمي داخل إطار القانون، والحزم في محاربة الفساد..إلخ ( ).

رابعاً: التأثيرات الإعلامية

وفيما يتعلّق بالمحفّزات التي أسهمت إسهاماً كبيراً في استمرار الثورة ونجاحها بإسقاط النظام وهروب الرئيس المخلوع بن علي وحاشيته، يؤكّد الباحث صديقي على أنّ الثورة بدأت في مدينة سيدي بوزيد، إلا أنها سرعان ما تناقلتها هذه الوسائط على شكل دعوات وصور ومقاطع فيديو لتنتشر على الإنترنت، وفى كثير من الأحيان كانت الدعوات للتظاهر تأخذ أشكالاً مختلفة، كالدعوة على الفيس بوك مثلاً، ولكنها سرعان ما تتناقلها ألسن الناس لتصبح دعوة رسمية، تحرّك الجماهير في مظاهرات حاشدة وغاضبة تعمّ العديد من المدن التونسية.

ويشير الباحث إلى أنّ نسبة مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في تونس هي الأعلى بين شباب الدول المجاورة. وتصف شابّة شاركت في الثورة، الفضاء الإلكتروني عبر موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك» بأنه تمرين على الحرية، حيث النقاش وتبادل الآراء والأفكار في شأن مشكلات المجتمع، وعندما حاول النظام حجب الموقع استطاع الناشطون الوصول إليه عبر مواقع لفكّ الحجب باستخدام «البروكسي».

وبحسب صديقي، مثّلت هذه الوسائط متنفّساً للثورة وللتعبير عن الرأي وتبادل الأفكار والآراء في شأن مشكلات المجتمع التونسي المختلفة، من اجتماعية واقتصادية وسياسية. كما سهّلت الوسائل الإلكترونية التواصل وألغت طغيان المركز على الأطراف، وسّهلت انسياب الأفكار والمعلومات بدون وجود مقصّ الرقيب.

وكانت هذه المواقع الإلكترونية من العوامل التي حرّضت الجماهير على التظاهر والخروج إلى الشارع( )، فمن الواضح أنّ وسائل تكنولوجيا الاتصال الاجتماعي، وأبرزها مواقع التواصل الاجتماعي، التي اعتمدت عليها الثورات العربية اعتماداً كبيراً في التواصل الجماهيري والمحيط الخارجي، وإيصال صوت الثورة إلى العالم الخارجي، ونقل الأحداث على طبيعتها وحقيقتها، عزّزت قناعة السعوديين، سيّما النخبة والشباب الحركي، بأهمية استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، نظراً لتأثيرها الواسع( ).

ولم تنحصر مشاركة النشطاء الشباب في مواقع التواصل الاجتماعي للتنسيق فيما بينهم للقيام بالاحتجاجات والتظاهرات وتنظيم الاعتصامات، سواءً في القطيف خاصّة أو المملكة عامة، وإنما لوحظ بشكل لافت إقبال بعض رموز التيارات الدينية السّياسية والقوى الإصلاحية في المجتمع اللجوء إلى الإعلام الجديد للتواصل مع العالم الخارجي، والحوار الداخلي، وتغذية المواطنين بالأفكار النهضوية البنّاءة، مضافاً إلى توجيه مختلف الرسائل السّياسية للسّلطة، لحثّها على الإصلاح.

ومن أبرز الشخصيات، على سبيل المثال وليس الحصر: حسن الصفار، محمد العريفي، حسن النمر، سلمان العودة، محمد سعيد طيّب، يوسف الأحمد، محمد الأحمري، حمزة الحسن، توفق السيف، نجيب الخيزي، جعفر الشايب، فؤاد الإبراهيم، عيسى المزعل، عبد الله عبد الباقي، عباس السعيدي، علي الأحمد، أحمد الربح، وليد أبو الخير، منال الشريف، امتثال أبو السعود، نسيمة السادة، حسين العلق، زكي أبو السعود، حسين اليوسف، وغيرهم كثير( ).

وكان الجيل الشّاب، خصوصاً المشارك بفاعلية في الاحتجاجات، يستخدم بكثافة مواقع التواصل الاجتماعي لتداول المقاطع المتعلّقة بأحداث الثورات اليومية، وخطب وتصريحات ومدوّنات النشطاء والرموز السّياسية الدينية والوطنية( ).

ويرى الدكتور محمد الأحمري، أنّ وسائل الاحتجاج قديماً كانت مقصورة على الوسائل البسيطة؛ الحناجر والأقدام، ثم تطوّرت إلى الكتابة، ولكن وسائل الاحتجاج تتقدّم بطريقة رائعة في هذه العصور، وتعطي للفرد وسائل للتغير وقوة ما كان يملكها. نعم، قد استُخدم الإعلام في التخدير والتنفير وأحياناً للإرهاب، ولكنه في الثورات العربية كان وسيلة عظيمة للتغيير.

فعندما كان التلفزيون الحكومي المصري يتحدّث عن انتخابات حرّة وديمقراطية فيما كانت القنوات تنقل أخبار تزوير الانتخابات عام 2005 ، مع مشاهد لناخبين وقد خضّبت الدماء وجوههم، وأحاطت بهم عصابات البلطجية يلوّحون بمناجل وعصي، ووقفت عناصر الشرطة لا يحرّكون ساكناً ويتفرّجون على المشهد، والشرطي كان من قبل يؤكّد: «الّلي ما بيبوسش الجزمة مالوش لازمة».

ولكنّ التاريخ تحرّك لصالح الإعلام ولصالح الناس، كما وصف الصحفي المنافح: سلامة أحمد سلامة، التأثير الإعلامي بقوله: «لقد دشّنت الجزيرة حركة تغيير داخل المجتمع المصري، ولم يكن ليتسنّى لنا معرفة هذه الانتهاكات لو لم تكن الجزيرة حاضرة».

وكانت أسرع شهادة نالتها (الجزيرة) ذلك التعقيب السّريع الذي قالته نوارة نجم، إثر إعلان عمر سليمان عن تنحّي مبارك: «شكراً تونس، شكراً الجزيرة، ما فيش خوف تأني». وهناك اعتراف كبير بالتأثير، وربما بالغ الناس في أملهم منها، كما أشار مارك لنش: «ما دعاه أحدُ المتحمّسين بجمهورية الجزيرة الديمقراطية في الواقع لا وجود له، فالجزيرة لا يمكنها خلق الديمقراطية بمفردها، وليس بمقدورها إرغام القادة العرب على تغيير أساليبهم ولا يمكن للبرامج الحوارية التلفزيونية أن تعوّض العمل الشّاق في سبيل التنظيم السّياسي وبناء المؤسّسات.

ويمكن أن يكون الإعلام وسيلة لما هو أكثر من الاحتجاج والتوعية، أي إلى الضغط على حكومات لتغير مواقفها المتصلّبة؛ فقد نشرت (ويكي ليكس) بعض الأخبار المتعلّقة بهذا، ومنها: أنّه في حرب غزة فاوضت حكومة قطر حكومة مبارك على فتح معبر رفح مقابل تخفيف حدّة انتقاد مبارك ونظامه على شاشة الجزيرة الفضائية، وبهذا يتّضح مدى إمكانية أن تكون وسيلة الإعلام وسيلة للتحرير والإنقاذ، مثال ذلك أيضاً الهواتف الجوالة والإنترنت في سورية حاليًّا، فدورها مهمّ جدًّا في نشر ما يحدث، ولولا هذا لكانت مذابح كمذابح حماة والعالم ساكت لا يرى ولا يسمع.

وهناك كلمة مشهورة لـ «شمعون بيريز»، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، توضّح مدى خطورة الإعلام، حينما نبّه إلى أنه لو وجد هذا الإعلام الحالي في عام 1947 لما أمكن قيام دولة إسرائيل؛ والسبب: أنّها قامت على القتل والإبادة وتهجير الناس من بيوتهم.

ولقد تطوّرت حركة الاحتجاجات مع وسائل الإعلام بشكل كبير، وأعطت قوّة كبيرة لأناس هامشيين، خاصّة الإعلام الجديد؛ مثل الجوال وأجهزة الوسائط وما فيها من سهولة رفع الصور للمشاهدين من أجهزة فردية وصغيرة، وكذا مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت، مثال ذلك: ما فعلته المرأة الكويت ية حتى انتزعت حقّها في التصويت بواسطة حملات إعلامية ورسائل هاتفية، واجتهدت لتشارك بنات المدارس في هذه الحملة.

وكذا أيضاً عند إخراج القوات السورية من لبنان، وفي الانتخابات الأمريكية عام 2008 م، التي كلّفت 740 مليون دولار، كان منها 500 مليون دولار جمعت عن طريق الإنترنت من 6.5 مليون شخص، ومعدّل التبرع كان 80 دولاراً، فقد ساهم أوسع قطاع من الناس، كلّ بمبلغ قليل ولكنه واسع، وبلغت تبرعات الإنترنت ثلثي ما جمع للحملة الانتخابية، وكان الإنفاق في الماضي من كبار المتبرعين والتجار والشركات، أمّا في تلك الحملة فقد شارك من يملك دولارات قليلة في صناعة التغيير.

وفي السعودية عام 2011 استخدم تويتر للمطالبة بحقّ قيادة المرأة للسيارة يوم 17 يونيو، وكان ذلك اليوم هو ذكرى اليوم الذي خرجت فيه روزا باركس ضدّ العنصريين السّود في حركة الحقوق المدنية، وجلست في مقعد الحافلة الذي كان محرّماً على السّود ومخصّصاً للبيض.

ومن أهمّ مميزات الإعلام الجديد أنه قليل التكلفة مقارنة بما يكلفه الإعلام الآخر، وديمقراطي، واسع الجمهور، وغير طبقي، يخترق المناطق والحدود والطبقات، يتجاوز اهتمامات أيّ شخص ويدخله في الهمّ العام، وهذا جانب بالغ الأهمية، إذ كان الإعلام والمجلات والتلفاز والمسرح والإذاعة كثيراً ما تحاصر المستهلك بتخصّص محدّد أو اتجاه وسياسة محدّدة، ولكن هذا الإعلام يجعلك تهتمّ بما لم تكن تفكر فيه ولا تهتم به، فقط تتابع خبراً أو فكرة لأنها مقبولة للنقاش أو غير مقبولة، كما أنها لا تحتاج إلى معلومات كثيرة بل معرفة بسيطة بكيفية الاستخدام.

من هاتفك الجوّال تعالج ما تشاء من أنباء وقضايا وصور وتعليقات. وهو لا يلزمك بزمن محدّد تكون ملتزماً بمتابعته، بل يأتيك وفق وقتك السّانح، وأنت من يحدّد الوقت، كذلك المكان، فلم يعد ملزماً أن تكون أمام التلفاز في وقت محدّد.

وأصبحت ساحات الحوار الجديدة أبلغ أثراً وإيصالاً للمواقف والأفكار والأخبار من أيّ وسائل سابقة، بل أصبح لكلّ فرد هوية محدّدة في شبكات عامة، وكأنها تعوّضه عن العزلة المدنية التي أحاطت به مع تطور التقنية، فأصبحت تخرجه إنساناً اجتماعيًّا سويًّا مرّة أخرى. فأقام مؤسّسات بديلة عن المؤسّسات التي دمّرها المستبدّون وقضوا عليها، فوجد الناس في هذه المؤسّسات الجديدة عالماً من المتعة والنقاش والنقد والإصلاح والتواصل والتأثير غير مسبوق( ).

عينة من البيانات

البيانان أدناه يتضمّنان أبرز مطالب الشعب السعودي، كما ويعكسان مدى التأثر الذي أحدثته ثورات الربيع العربي، على حركات وتيارات الإسلام السّياسي بشقّيها (السنية، الشيعية)، مضافاً إلى العديد من القوى غير الدينية في السعودية.

البيان الأول: دولة الحقوق والمؤسّسات في السعودية

يطالب بإصلاحات جذرية سياسية تصبّ في هدف تحويل النظام السّياسي إلى دولة الحقوق والمؤسّسات. وقد وقّع على البيان نحو ألفين وخمسمائة من الشخصيات السعودية، أبرزهم: د. سليمان بن صالح الرشودي، د.سلمان العودة، د.محسن بن حسين العواجي، أ.محمد سعيد الطيب. كما أنّ المطالب الواردة في البيان تجمع عليها العديد من التيارات الدينية والقوى اللبرالية السّياسية في السعودية. وفيما يلي نصّ البيان:

خادمَ الحرمين الشريفين: إنّ الثورات التي بدأها الشباب وانضمّ لهم الشعب بكلّ فئاته ومكوّناته في كلٍّ من تونس ومصر وليبيا وغيرها لتؤذن بأنّ القائمين على الأمر في البلاد العربية ما لم يستمعوا لصوت الشباب وتطلعاتهم وطموحاتهم ويصغوا لمطالب شعوبهم في الإصلاح والتنمية والحرية والكرامة ورفع الظلم ومقاومة الفساد، فإنّ الأمور مرشّحة لأن تؤول إلى عواقب وخيمة وفوضى عارمة تسفك فيها الدماء وتنتهك فيه الحرمات ويختل فيها الأمن.

إنّ بلادنا بحاجة شديدة إلى إصلاح جذري جادٍّ وسريع، يُعزّز وحدة هذا الوطن ويحفظ مكاسبه ويحقّق له الأمن والاستقرار. ونرى أنّ هذا الإصلاح يرتكز على معالم، منها:

1- أن يكون مجلس الشورى منتخباً بكامل أعضائه، وأن تكون له الصلاحية الكاملة في سنّ الأنظمة والرقابة على الجهات التنفيذية بما في ذلك الرقابة على المال العام، وله حقّ مساءلة رئيس الوزراء ووزرائه.

2- فصل رئاسة الوزراء عن الملك، على أن يحظى رئيس مجلس الوزراء ووزارته بتزكية الملك وبثقة مجلس الشورى.

3- العمل على إصلاح القضاء وتطويره ومنحه الاستقلالية التامة، وزيادة عدد القضاة بما يتناسب مع ارتفاع عدد السكان وما يترتب على ذلك من كثرة القضايا.

4- محاربةُ الفساد المالي والإداري بكلّ صرامة ومنع استغلال النفوذ أيًّا كان مصدره، ومقاومة الإثراء غير المشروع، وتفعيلُ هيئة مكافحة الفساد لتقوم بواجبها في الكشف عن الفساد ومساءلةُ من يقع منه ذلك وإحالته إلى القضاء.

5- الإسراع بحلّ مشكلات الشّباب ووضع الحلول الجذرية للقضاء على البطالة وتوفير المساكن لتتحقّق لهم بذلك الحياة الكريمة.

6- تشجيع إنشاء مؤسّسات المجتمع المدني والنقابات وإزالة كافة العوائق التنظيمية التي تحول دون قيامها.

7- إطلاق حرية التعبير المسؤولة وفتح باب المشاركة العامة وإبداء الرأي، وتعديل أنظمة المطبوعات ولوائح النشر.

8- المبادرة إلى الإفراج عن مساجين الرأي وعن كلّ من انتهت محكوميته أو لم يصدر بحقّه حكم قضائي دون تأخير. وتفعيل «الأنظمة العدلية» بما فيها «نظام الإجراءات الجزائية» والتزام الأجهزة الأمنية و «المباحث العامّة» بتلك الأنظمة في الإيقاف والتحقيق والسّجن والمحاكمة وتمكين السجناء من اختيار محامين للدفاع عنهم وتيسير الاتصال بهم ومحاكمتهم محاكمة علنية حسبما نصّت عليه تلك الأنظمة. وفي الختام، فإنّنا نؤكّد تمسكّنا بوحدة هذا الوطن والحفاظ على كيانه والحرص على أمنه ومنجزاته ونبذ العنف والإخلال بالأمن والالتزام بصور التعبير السلمي. وفّقكم الله وسدّد خطاكم وأعانكم على كلّ خير( ).

البيان الثاني: لذلك تظاهروا

هو مقال فرديّ، لكنه يوضّح مطالب الشباب السعوديين الحركيين، خصوصاً شباب الحراك في محافظة القطيف بالمنطقة الشرقية، كما أنه يعكس سقف تطلّعاتهم بعد الثورات. كتب المقال بقلم الشهيد أكبر الشاخوري، الذي قتل في احتجاجات القطيف، التي لا زالت مستمرّة، وتمّ نشره في 8/4/ 2011م عبر المواقع الإلكترونية، التي ينشط فيها الشباب الحركيين غالباً. وفيما يلي نصّ المقال:

«شهدت منطقة القطيف والأحساء في الآونة الأخيرة تظاهرات شبابية. ويتساءل البعض، ومنهم أجهزة الدولة: ما هي مطالب الشّباب؟

بمعرفة أسباب تظاهر الشّباب تتضح المطالب. وأهم هذه الأسباب – بحسب اعتقاد الشاب الشاخوري الذي كان يعيش في الأوساط الشبابية - الآتي:

1- يرى الشباب أنّ مساحة الحرية ضيّقة جدًّا، ولا مبرّر شرعي وقانوني وعقلي لها. وأنّ الخطوط الحمراء المفروضة، والممنوع تجاوزها تقيّد وتكبت الروح الإنسانية، وتجمد وتقتل الطاقات البشرية. ويرى الشباب أنه من التعدّي والظلم، أن يعاقب أو يُعتقل ويُسجن من يعترض ويتجاوز هذه القيود غير الإنسانية. والإنسان بفطرته لا يرضى ولا يقبل بذلك. والشباب بطبيعتهم الإنسانية يرفضون ذلك.. لذلك تظاهروا.

2- يرى الشباب أن الدولة لا تتيح لهم إمكانية المشاركة السّياسية، والذي هو حقّ لكلّ مواطن. الشباب يريدون أن يكونوا مواطنين حقيقيين يتمتعون بحقوقهم الوطنية، يريدون أن يكون لهم دور في بناء الدولة وإعمارها. وعدم المشاركة السّياسية يفرغ المواطنة من أهمّ معانيها الحقيقية. ويشعرهم بأنهم عبيد وأرقّاء، ويأبى الشباب ذلك.. لذلك تظاهروا.

3- يرى الشباب أنّ إخوانهم سجنوا بتهمة تفجير الخبر ظلماً وجوراً، فعلى الرغم من أنّ التحقيقات لم تثبت تورّط المعتقلين، إلا أنهم رُموا وراء القضبان منذ أكثر من 15 سنة بدون جرم اقترفوه. فدمّر هذا الظلم البيّن حياة المعتقلين. وقسم من إخوانهم في السّجن بتهمة حيازة الأسلحة بدون محاكمة تقضي فيهم بالعدل وتبين الحكم. وقسم آخر من إخوانهم اعتقلوا لمطالبتهم السلمية بحقوق مشروعة. كلّ ذلك طبع الحزن على المساجين والمعتقلين وعلى أهاليهم وذويهم وآثار حمية الشباب وأغضبهم.. لذلك تظاهروا.

4- يرى الشباب أنّ قيوداً مفروضة على ممارسة شعائرهم الدينية تبدأ بالتضييق وتنتهي بالمنع، كإغلاق مساجد الخبر والمنع من أداء صلاة الجماعة. ويرى الشباب أنّ من حقهم أن يكون لهم قضاء شيعيّ مستقلّ للقضايا الشرعية المختصة بالمذهب الشيعي، التي لا تتعارض مع قوانين الدولة. ويرى الشباب أنهم مجبورون على التلقين المدرسي لتعاليم مذهب تختلف عن تعاليم مذهبهم، فضلاً عن التعاليم التي تدّعى فسقهم. من الظلم عدم احترام الخصوصية المذهبية، وعدم إعطاء الحقوق المتعلّقة بها.. لذلك تظاهروا.

5- يرى الشباب أنّ منابر رسمية، وأخرى مقربة من الدولة تكفّر علمائهم، وترميهم بالفسق. ويرى الشباب أنّ هذه التراتيل التكفيرية والتفسيقية تحشد وتجيش أتباعهم طائفيًّا. وذلك ينعكس ويتمظهر عمليًّا، بالمضايقة والاعتداء وحتى القتل، مثلما اتّهم الشهيد صادق مال الله بالرّدة وسبّ الله تعالى والقرآن والرسول، وأعدم بالرغم من نفيه هذا الكذب الواضح وتكراره ذكر الشهادتين إلى أن أعدم. والدولة لا تعاقب ولا تجرّم أو تمنع هذا التكفير والتفسيق.. لذلك تظاهروا.

6- يرى الشباب أنّ التمييز الطائفي مستشرٍ في مؤسّسات ومنشآت الدولة، فيُحظر على الشيعة تقلّد المناصب الرفيعة والمهمّة. كما أنّ الفرص الوظيفية في بعض القطاعات تختلف من فردٍ لآخر على أساس طائفي، فمن ينتمي لمذهب غير مذهب الدولة لا يمكن قبوله، وفي أحسن الأحوال تقلّ فرصه الوظيفية. ومن يُحالفه الحظ ويُقبل تقلّ وتضعف فرص ترقّيه على هذا الأساس الطائفي أيضاً. التمييز الطائفي يشعر الشباب بأنهم يعاملون كمواطنين من درجة أقلّ.. لذلك تظاهروا.

7- يعرف الشباب أنّ السعودية أكبر مصدّر عالمي للنفط، ويشاهد العوائد المالية الضخمة من تصدير البترول. وهذه الثروة الهائلة كفيلة بتحقيق حياة اقتصادية مرفّهة لكلّ الشعب، وتفيض. لكن الواقع المرير الذي يعيشه الشباب ويعانيه، أنه رغم امتلاك هذه المقدرات والإمكانيات، إلا أن الفقر والحاجة والبطالة منتشرة في البلاد. فيتساءل الشباب: لماذا لا نتمتع بحياة رغيدة؟ وأين تذهب عوائد نفطنا وثروتنا؟ فيشعرون بالغضب والحنق لحياتهم الأليمة بحرمانهم من التمتع بخيرات أرضهم.. لذلك تظاهروا.

8- يرى الشباب أنه في وقت تحتاج السعودية إلى جامعات تستوعبهم - وعلى سبيل المثال منطقة القطيف الغنية بالطاقات الفكرية تخلو من جامعة أو منشأة تعليمية يُعتدّ بها - تقوم السعودية وبدلاً من ذلك وبأموالهم ببناء جامعات في الخارج. ويُصدم الشباب عندما يشاهد قيام السعودية ببناء وحدات سكنية في الخارج بأموالهم، بينما تشير الإحصائيات إلى أن أكثر من 50% من الشعب السعودي لا يمتلك منزل. فيرى الشباب أنّ المال مال الشعب، وهم بحاجة إليه، وهم أولى به، والمساعدات تُغدق على الخارج! فتلك قسمة ضيزى..لذلك تظاهروا.

9- يرى الشباب أنّ الطريق الأول والأمثل للإصلاح هو الحوار، فهم أهل عقل وحوار، لكنهم يروا أنّ العرائض والوفود أوصلت المطالب لرفع الظلم والمعاناة منذ تأسيس الدولة، ولا زالت توصلها إلى اليوم، غير أن الدولة لا تستجيب إلى هذه العرائض، ولا تلبّي مطالب الوفود.. لذلك تظاهروا»( ).

وختاماً، يؤكد الشّاب الشّاخوري الذي قتل أثناء التظاهرات، على أنّ هذه هي أهمّ الدواعي التي بسببها يتظاهر الشباب في المملكة، ويرى أنّه متى ما عولجت من الجذور، ولبّيت المطالب المشروعة، فستهدأ النفوس وستطيب الخواطر، كما أنّ المعالجات غير السليمة قد تمنع التظاهرات مؤقّتاً لكنها ستنفجر من جديد.

عينة من حوار غير مباشر

مضافاً إلى الحوارات المباشرة التي أجراها الباحث، فهناك نموذج من الأسئلة الحوارية التي صيغت سلفاً، وتمّ إرسالها لبعض الناشطات والناشطين السعوديين، لمعرفة رأيهم حول ثورات الربيع العربي وتأثيراتها على المجتمع السعودي.

الحوار أدناه هو عبارة عن عينة من عشرات الحوارات المماثلة، التي تمّ إجراؤها مع الأخصائية والباحثة الاجتماعية (ص. ح) في 5 أكتوبر 2012 م.

1- ما هي طبيعة تلك التغيرات التي طرأت على حركات الإسلام السّياسي في العالم العربي، والتي مكّنتها من الوصول إلى سدّة الحكم في أعقاب الاحتجاجات الشعبية وثورات الربيع العربي؟

التغيرات التي حدثت مؤخراً كانت بسبب تغيير جوهري في ثقافة الشاب العربي التي توافقت مع حماسته واندفاعه ورغبته في التغيير.

2- هل أثّرت الاحتجاجات الشعبية وثورات الربيع العربي على التيارات الدينية والقوى الإصلاحية في المملكة العربية السعودية، وما طبيعتها؟

من الطبيعي أن تؤثّر في فهمها للواقع واستعدادها لإدارة ما قد يطرأ من حركات شبابية والبحث عن بدائل تلامس احتياجاتهم. الاحتجاجات الشعبية وثورات الربيع العربي أفرزت طرحاً قويًّا خالياً من الزخرفة، خالياً من الخوف من أية ردّة فعل مضادّة من قبل الجهات المختصّة في الدولة .

3- هل تأثّرت المرأة السعودية بثورات الربيع العربي، وما هي مظاهر ومجالات التأثير؟

أصبحت المرأة أكثر إلحاحاًَ من ذي قبل على المشاركة في انتخابات البلدية ومجلس الشورى، وباتت تعبّر عن رأيها بكلّ ثقة، وأصبحت تجادل وتناكف من أجل المشاركة في صناعة القرار في الدولة, بات صوتها مسموعاً وغير خاضع للتكميم خصوصاً في ظلّ الانفتاح الإعلامي والثورة المعلوماتية. وفي الوقت التي تطالب بحقوقها صارت تطالب بحقوق الجميع.

4- هل تتوقعون بأن تتأثّر المملكة بموجة الربيع العربي، وما هي مجالات التأثير المحتملة؟

كان من الطبيعي أن تتأثر المملكة بموجة الربيع العربي اجتماعيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا. فعلى الصعيد الاجتماعي، يتمّ الحديث دائماً على ضرورة حفظ كرامة المواطنين، وعلى الصعيد الاقتصادي يتمّ الحديث عن مكافحة الفساد بكافّة أشكاله. لكن أيضاً الثورات العربية عزّزت من حدّة التوترات المذهبية في المجتمع، مما دفع بعض الانتهازيين إلى استغلال هذا الجوّ سلباً.

5- كيف تقيّمون تفاعل قوى المجتمع السعودي مع موجة الربيع العربي، وكيف قرأها المثقف السعودي؟

لم يكن المجتمع فاعلاً كما كان متوقّعاً ومأمولاً منه، أي إنّ الربيع العربي لم يُحدث تحوّلاً وتغييراً كما ينبغي. لقد كان أغلب المجتمع متماشياً إلى حدٍّ كبير مع سياسة الدولة، وكان يخشى الوقوع معها في تعارضات مضادّة.

وقد وضع المثقف السعودي تحوّلات الربيع العربية في مسارها الصحيح. فالثورات التي حدث في أوروبا في القرون السالفة، عملت على إحداث التغيير في الفكر الأوروبي بأكمله، وتمّ إعادة بناء المجتمع بصورة مختلفة، وظهرت بعدها القوانين والمعاهدات والاتفاقيات والقوات والتحالفات، ففكرهم الجمعي أصبح أكثر نضجاً، حتى أصبحوا يدركون معنى رفاهية الفرد في واقعهم المعاش.

6- ما هي انعكاسات ثورات الربيع العربي على الإصلاح السّياسي في السعودية؟

لقد خفّت نبرة التبجيل والتطبيل للنظام الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، وهمّ المواطن جاهداً في البحث عن النواقص والاحتياجات, أمّا من جانب الدولة، فهي تسعى في تلمّس تلك الاحتياجات بعيداً عن الضجيج. وفيما يتعلّق بعلاقات الدولة بالدول الأخرى، أصبحت أكثر حذراً وأقلّ تدخلاً في الشؤون الخارجية. لكن هناك حاجة للإصلاح المتوازن والمدروس في المملكة.

وعلى القوى الفاعلة في المجتمع أن تساعد الدولة في تحليل الواقع ورصد الاحتياجات والإصلاحات المطلوبة، لكي تستطيع الأجهزة الحكومية المعنية بالدفع في عجلة التغيير والإصلاح والتقويم المستمرّ بعيداً عن أيادي المفسدين والمخربين.

7- ما هي التأثيرات الفكرية والاجتماعية والسّياسية والمعنوية لثورات الربيع العربي على القوى الشّبابية الصّاعدة والتيارات الدينية في السعودية؟

في مطلع ثورات الربيع العربي كانت الغالبية تجمع على ثقافة (احمد ربك)، أي كانت رافضة لما تشاهده من مناظر شاهدها الجميع أثناء الثورات. لقد ساد الخوف من أن يطال الشعب والحكومة ما طال الدول الأخرى. لكن هذه الحالة هدأت وبدأت القوى الشبابية الصاعدة في إسماع الدولة صوتها ومطالبها مطالبة إيّاها بسرعة تحقيقها قبل استفحال الأمور.

8- هل هناك بوادر ثورة في المملكة، وماذا يتعيّن على الدولة فعله كي تتجنّب حدوثها؟

الثورة بمفهومها الشامل لن تحدث في المملكة. وما يجري حاليًّا هي ثورة فكرية، حيث أصبح المواطن يقظاً وحذراً من أيّ استغلال، وبات يدرك ما له وما عليه. لكن على الدولة أن تكون أكثر قرباً من المواطن، ولتحرص على تلبية احتياجاته الأساسية, وحفظ حقوقه من أيّ عملية تظلّمية واستغلالية بعيداً عن التسويف والوعود الواهية.

9- كيف تنظرون إلى تحوّلات الربيع العربي، وما هي مآلاته المستقبلية؟

يبدو أنها غير مجدية في بعض الدول العربية، وكنظرة مبدئية، فإنّ الأمر عائد لعقلية الرجل العربي وضعف إدراكه بثقافة الثورات وكيفية إدارتها وتسييرها وفقاً لاحتياجات الشعب.

10- هل تحوّلات الربيع العربي وليدة عوامل وموجبات داخلية أم أنها وليدة عوامل خارجية، وما هي أبرز الأسباب التي أدت إلى اندلاع الثورات؟

كان الاستبداد هو العامل الرئيس، لذلك كان اندفاع الشباب في القضاء على هذا الاستبداد واضحاً, وكان طبيعيًّا أن تنتصر روح الشباب على الاستبداد بفكره التقليدي( ).

الباب الثالث: خارطة الإسلام السّياسي في المملكة العربية السعودية

في مستهلّ أطروحته للدكتوراه، التي جاءت بعنوان «زمن الصحوة»، المخصّصة لبحث وضع الحركات الإسلامية المعاصرة في السعودية، وبالأخصّ تنظيم الإخوان والصّحوة، يؤكّد الباحث في معهد العلوم السّياسية في باريس ستيفان لاكروا، على أنّ المملكة العربية السعودية بقعة مُعتمة باستمرار، خصوصاً في الدراسات التي تتحدّث عن شؤون الحركة الإسلامية. مضيفاً أنّ جميع المؤلفين متّفقون على أنّ التأثير الدِّيني للمملكة، قويّ الاستقطاب، وعامل أساس في ظهور الحركات الإسلامية وانتشارها في الشرق الأوسط. لكنّ القلّة من يستطيع وصف النطاق العام لذلك التأثير وطرائقه بدقّة، وغالباً ما يتراوح الوصف بين التبسيط الزائد المُضحك والتبسيط الزائد المُغضب، بحسب لا كروا.

وبما أنّ الأمر كذلك، فإنّ أيّ محاولة رصد وتحليل تأثيرات ثورات الربيع العربي على الإسلام السّياسي في المملكة، بشكل خاصّ، ستكون له قيمة وأهميّة كبرى، خصوصاً لدى المهتمّين بهذا الشأن. وعلى الرغم من الاعتقاد السّائد بأنّ المملكة قوة تنشر الإسلام، بحسب كثيرين ومن بيهم لاكروا، فإنّه لازال يُنظَر إليها على أنها كانت واقعة تحت التأثيرات المنبعثة من أغلب التيارات الإسلامية التجديدية في القرنين التاسع عشر والعشرين. وقد نقلت هذه التأثيراتُ صوراً حديثة للنشاط الإسلامي، الذي تزاوله الحركات الإسلامية في المناطق الأخرى في الشرق الأوسط إلى المملكة. وإنّ التقاء هذه الثقافة الحيّة مع بعض تعاليم الشيخ محمد بن عبد الوهّاب، ولّد تياراً إسلاميًّا سنّيًّا محلّيًّا داخل المملكة يتميّز بالتعقيد والتنوّع على غرار الحركات التي أثّرت فيه.

ويختلف ذلك التيار في جوهره عن واقع الحركات الإسلامية في أغلب بلدان الشرق الأوسط. إذ إنّ الإسلام فيه يُعَدّ مصدراً للتنازع الجوهري: من قِبَلِ السّلطة والإسلاميين من جهة، ومن قِبَلِ الإسلاميين أنفسهم؛ لتعدّد التصوّرات التي تُلهمهم، من جهة أخرى. وتتجلّى هذه النزاعات أحياناً، بحسب لاكروا، في صيغ عقدية وفقهية يمكن أن توحي بأنها بعيدة جدًّا عن الوقائع المُعاشة. ولكن في أغلب الأحيان، تجد تلك النّـزاعات نفسها تقريباً - أي إنّها تُغذِّي وتتغذَّى - على صلة بالديناميات الاجتماعية المصاحبة: سواءً أكانت صراعات رأسية بين أفراد ينتمون إلى طبقات مختلفة في الهرميات الاجتماعية، أم صراعات أفقية بين قوى تنتمي إلى قطاعات اجتماعية مختلفة.

وبما أنّ الإسلام في المملكة العربية السعودية هو اللغة الأساسية التي بواسطتها يتمّ التّعبير عن المنافسات الاجتماعية( )، فإنّها تحوي العديد من التيارات الدينية، التي يعبّر كلّ واحدٍ منها عن إسلام يختلف عن التيار الآخر، نظراً لطبيعة المدرسة المذهبية أو الفكرية التي ينتمي إليها.

فهناك إسلام شيعيّ وآخر سنيّ، وضمن هذين التصنيفين العريضين تندرج أشكال مختلفة من «الاسلامات» إنْ جاز التعبير، التي يعبّر كلّ واحدٍ منها عن اتجاهات سياسية وميولات فكرية معينة، لذلك هناك ما يسمّى بالإسلام القاعديّ أو التنويريّ أو التقليديّ أو المتشدّد وغيرها من الإسلامات. علماً بأنّ نشأة تلك الأشكال والتعبيرات المتنوّعة عن الإسلام، سواءً السّياسي أو التقليدي، ليست حديثة التكوين.

وقد عبّر الباحث السعودي، خالد المشوح، عن هذه الظاهرة في كتابه الموسوم بـ «التيارات الدينية في السعودية من السّلفية إلى جهادية القاعدة وما بينهما من تيارات»، في مقدّمته على أنّ الحراك الديني السعودي ليس وليد العقود الأخيرة، إذ إن صلة المجتمع السعودي بالدين وثيقة، وتعود العلاقة إلى ما قبل قيام الدولة السعودية، أي منذ بزوغ فجر الإسلام والبعثة النبوية التي انطلقت من غرب الجزيرة العربية عام 665 م. وإنّ العلاقة التاريخية بين الدين والمجتمعات العربية هي علاقة مصيرية لا يمكن تفكيكها أو القفزّ عليها، نتيجة التماسك العقدي - الاجتماعي الذي جاء به الإسلام ليكون محطّة مفصليّة في التاريخ البشري( ).

بَيْدَ أنّ جميع التيارات الدينية، غير الرسمية، بشقّيها التقليديّ والحركيّ في المملكة، والمنتمية إلى جميع المذاهب الإسلامية والمعبّرة عن كلّ الاتجاهات الفكرية والميولات السّياسية، لها حضورها الطّاغي في المجتمع السعودي، لكن غير معترف بها رسميًّا، ولا زالت تمارس أنشطتها المختلفة بصورة غير نظامية وبشكل «سِرّي» غالباً. في حين أنّ معظم الحركات الإسلامية، في العديد من البلدان العربية، تمارس أنشطتها بصورة نظامية وعلنية أيضاً، خصوصاً في دول الربيع العربي، التي أصبحت فيها حركات الإسلام السّياسي هي اللاعب الأساس في السّلطة.

بينما الإسلام الرسمي في المملكة، أو فيما بات يعرب مذهب الشيخ محمّد بن عبد الوهاب (المذهب السّلفي)، هو المذهب الوحيد الذي تعترف به الدولة، بل وتستمدّ منه خطابها الديني. كما تقوم المؤسّسة الدينية الرسمية على أرضية هذا المذهب ويختار زعماؤها من بين كبار شيوخه( ).

وفيما يتعلّق بخارطة تيارات الإسلام السّياسي في المملكة، محلّ الدراسة، يمكن تقسيمها إلى ما يلي:

أ- المؤسّسة الدينية الرسمية، ويمكن تسميتها اختصاراً بالإسلام السّياسي الرسميّ.

ب- التيارات الدينية الحركية السّنية، ويمكن تسميتها اختصاراً بالإسلام السّياسي السّني.

ج- التيارات الدينية الحركية الشّيعية، ويمكن تسميتها اختصاراً بالإسلام السّياسي الشّيعي.

د- القوى الإصلاحية الوطنية الصّاعدة (الشّيعية، السّنية)، ويمكن تسميتها اختصاراً بقوى الإصلاح الوطني.

يُشار إلى أنّ التيارات الدينية التقليدية، سواءً كانت سنية أو شيعة ليست معنية بالبحث؛ لعدم اهتمامها بالشأن العامّ، أو بما يجري في المجال السّياسي تحديداً، كما أنها لا تمارس أيّ دور من شأنه أنْ يساهم في تشكيل الحالة الإسلامية السّياسية. ونظراً لتك الاعتبارات فهي ليست معبّرة عمّا يمكن تسميته بالإسلام السّياسي السعودي.

الفصل الاول:الاسلام السياسي الرسمي

السّلفية العلمية، أو السّلفية التقليدية، أو التيار السّلفي العام، الذي تفرّع منه لاحقاً تيارات مختلفة، كما سيتّضح لاحقاً، كلّها أسماء تشير غالباً إلى معنى واحد: السّلفية الرسميّة (المؤسّسة الدينية)، أو ما يمكن تسميته بالإسلام السّياسي السّعوديّ الرسميّ. وقبل التعريف بماهيّة الإسلام السّياسي السّعودي الرسميّ، وبيان الخطوط الفاصلة بين التيارات السّلفية المتنوّعة في المملكة، سنتوقّف عند مصطلح السّلفية أولاً.

معنى السّلفية

فالسّلفية، بإيجاز، تعني أنها منهج إسلاميّ يدعو إلى فهم الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، وهم: الصحابة، والتابعون، وتابعو التابعين. كما تمثّل نهج الإسلام الأصيل والتمسّك بأخذ الأحكام من القرآن الكريم والأحاديث الصحيحة والابتعاد عن كلّ المدخلات الغريبة البعيدة عن روح الإسلام وتعاليمه، والتمسّك بما نقل عن السّلف.

وبهذا المعنى تمثّل السّلفية، في إحدى جوانبها، أحد التيارات الإسلامية العقائدية في مقابلة الفرق الإسلامية الأخرى. وفي جانبها الآخر المعاصر، تمثل مدرسة من المدارس الفكرية الحركية السّنية، التي تستهدف إصلاح أنظمة الحكم والمجتمع والحياة عمومًا، بما يتوافق مع النظام الشّرعي الإسلامي.

وقد برزت السّلفية، بمفهومها السّابق، على يد أحمد بن تيمية في القرن الثامن الهجري، وقام محمد بن عبد الوهاب، مؤسّس الحركة الوهّابية في العصر الحديث، بإحياء هذا المصطلح من جديد في منطقة نجد، في القرن الثاني عشر الهجري. وفي اللغة العربية، فإنّ السَّلَف، بفتح السّين واللام، يعني ما مضى وانقضى. وسلف الرجل: آباؤه المتقدّمون. وجمع سالف، هو كلّ مَن تقدّمك من آبائك وذوي قرابتك في السنّ أو الفضل. وقالوا: إنَّه كلّ عملٍ صالحٍ قدّمته.

وتجدر الإشارة إلى أنّ مصطلح السّلفية يرافقه الكثير من الغموض من حيث دلالاته المعرفية، أو بيان نشأته والتطورات التي داخلته. وكما هو الحال مع الكثير من المصطلحات التي يزداد غموضها، وأضحت شائعة ومتداولة بين فرقاء مختلفين، أصبح مصطلح السّلفية مجال تجاذب ونقاش زاد من غموضه وتعقيداته تشابك المسائل السّياسية والعقائدية والمعرفية في هذا المجال وتداخلها( ). فالسّلفية لغة، نسبة إلى السّلف أو الجماعة المتقدّمين، كما في «لسان العرب» لابن منظور.

أمّا المفهوم الإسلامي الشّائع للسّلفية والمستقرّ نسبيًّا، فهو الاتّجاه الذي يدعو إلى الاقتداء بالسّلف الصّالح واتخاذهم قدوة ونموذجاً في الحاضر. والسّلف الصّالح، هم أهل القرون الثلاثة الأولى من عمر الأمة الإسلامية، عملاً بقول النبي (ص): «خير النّاس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه, ويمينه شهادته»( ).

ويمكن تصنيف السّلفية العلمية في سياق التيار السّلفي المحافظ والتقليدي، الذي اهتمّ بتحقيق التراث ومحاربة البدع وتصحيح الاعتقادات، وهي المهمّة التاريخية التي قامت بها السّلفية الوهّابية من خلال المؤسّسة الرسميّة السعودية، إلا أنّ السّلفية الألبانية والمدخلية أو الجامية التي نشأت فيما بعد على نسقها، فإنّها تابعت الاتّجاه نفسه، مع بعض الميزات التي اختصّ بها مشايخها.

ويقدّم هذا التيار نفسه باعتباره دعوة إلى العودة إلى الأصول ومنهج علمي وعملي حمله الصّحابة وتميّزوا به، وحمله التّابعون من بعدهم. وهو فضلاً عن ذلك، يعتبر حركة تجديد لا تؤمن بالعمل الجماعي، ويقتصر نشاطها على الجانب الدعوي والتعبوي، وتنبذ الحزبية الحركية وتعتبرها ضرباً من الابتداع.

إنّها تهدف إلى استئناف الحياة الإسلامية وتطبيق الشريعة والوصول إلى الحكم بشكل غير مباشر، بمعنى أنّها لا تصطدم مع الأنظمة ولا تنكر شرعيّة الحاكم الدينية والسّياسية على اعتبار أنه ولي الأمر، وتستعمل وسائل دعوية سلمية لنشر مبادئها، وتؤمن أنّ باب الاجتهاد مفتوح إلى يوم القيامة، الذي من خلاله يمكن الإجابة عن كثير من التساؤلات والشّبهات والنوازل المعاصرة التي تمرّ بها الأمّة من خلال الفتاوى والاجتهادات( ).

بدايات التشكّل

نشأ النظام السعودي في مراحله الثلاث بشكل عامّ، وفي عهد الملك عبد العزيز بشكل خاصّ، من خلال فكر سياسيّ يرتكز على الإسلام كعقيدة ونمط حياة، ويؤثّر تأثيرًا أساسيًا ومباشرًا على خيار سياساته الداخلية والخارجية.

فقد قامت الدولة السعودية الأولى عام 1157 هـ، الموافق 1744 م، بعقد تاريخيّ بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب والإمام محمد بن سعود يقوم على إعلاء كلمة التوحيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وقامت الدولة السعودية الثانية على نفس الأسس والمبادئ الإصلاحية التي دعا إليها الشيخ محمّد بن عبد الوهاب، والفكر السّياسي للإمام محمد بن سعود.

وقامت الدولة السعودية الثالثة بقيادة الملك عبد العزيز، على الأسس الإصلاحية التي أرسيت دعائمها في الدولة السعودية الأولى.

وجعل الملك عبد العزيز المملكة العربية السعودية امتدادًا طبيعيًّا للدولة السعودية الأولى في اعتمادها على العقيدة السّلفية، والتزامها بالمنهج الوسطي، والتبشير بتوحيد الله ونشر الدين الإسلامي( ) وكنتيجة طبيعية للتحالف الذي تمّ بين بن محمّد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود تولّد تيار دينيّ قويّ وواسع كان صمّام الأمان للدولة السعودية في مراحلها الثلاث.

ويُشكّل التيار الديني في السعودية أبرز التيارات المؤثّرة على الصّعيد الاجتماعي والفكري والثقافي، وذلك بحم طبيعة البلد الدينية، ولا ينفي ذلك وجود تيارات ليبرالية وعلمانية باتت تنافس على السّاحة من خلال نشاطها الثقافي والإعلامي النخبوي الذي يستقطب شريعة معيّنة من الشباب.

ومن المعلوم أنّ تشكّل التيارات الدينية في السعودية متأثّرة بشكلٍ أو بآخر بالسّلفية، وأقصد بالسّلفية العلمية التي قادت البلد من تأسيسه من خلال المذهب العقدي، وليست السّلفية الحزبية الجديدة التي برزت في بداية التسعينيات، إلا أنّ الانتماء العام إلى السّلفية هو القاسم المشترك بين التيارات الإسلامية، وهذا لا ينفي وجود مدارس إسلامية متعدّدة ومتنوّعة تنتمي إليها هذه التيارات. كما تشكّل أطياف هذا التيار إحدى صور التنوّع في المجتمع السعودي الذي يشهد اليوم تشكّلات جديدة لتيارات دينية وغير دينية، معلنة وغير معلنة.

ولعلّ أبرز التيارات الدينية في السعودية وأكبرها، هو التيار السّلفي العام الذي يشكّل جزءاً كبيراً من المجتمع، ويتكوّن من مدارس متعدّدة في آلياتها وتفريعاتها، تكاد تجتمع كلّها على مفهوم السلفية( ). فالسّلفية الرسمية في السعودية هي حركة بُنيت، وما زالت قائمة، على تحالف الدعوة والأمارة، أي عقد بين الإمام والأمير.

وقد شاركت السّلفية الوهّابية الإمام محمد بن سعود في تأسيس الدولة السعودية الأولى بإفساح المجال أمام قوّة «التوحيد»، كدعوة دينية وسياسية لتوحيد الناس حول قيادة «ملك» قادر على الإشراف على متابعة تدين المجتمع. واستطاع الشيخ محمّد بن عبد الوهاب تطريز السّلفية بثوبها الجديد، بعدَما اعترتها تشقّقات جرّاء رحيل ابن تيمية وتلامذته من المشهد العام.

وترجع الجذور الفكرية والفقهية والعقائدية للسّلفية الرسمية، التي تضمّنتها مؤلّفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب مثل كتابي «التوحيد» و «كشف الشّبهات»، ترجع في الأساس إلى آراء الشّيخين أحمد تقيّ الدين بن تيمية (1263- 1328)، وتلميذه ابن قيم الجوزية (1292-1350). وكان الإمام والأمير، يصطحبان بعضهما في كلّ الغزوات ولا يعملان إلا بالمشورة بينهما، ويطلبان المبايعة لهما معاً، وترسل الوفود الأجنبية إلى كلِّ واحدٍ منهما. لذلك لم يكن مستغرباً تماسك تلك العلاقة المتينة إلى يومنا هذا، برغم مرور العديد من التقلّبات السّياسية التي تعرّضت لها الدولة منذ تأسيسها إلى الآن.

ورث الشيخ محمّد بن إبراهيم ( 1930-1969)، منزلة الشيخ محمّد بن عبد الوهاب ومسؤولياته في الدولة، وتمركزت في يديه المناصب الحسّاسة الكبرى المتعلّقة بالدين وإدارة المجتمع كرئاسة القضاء، ورئاسة المعاهد العلمية والكليات منذ نشأتها 1370هـ. وكذلك الإشراف على مدراس البنات 1379هـ، وكلّها كانت في وقت واحد، وهي دليل على المركزية الشّديدة التي كانت الدولة تعتمدها في إدارة مؤسّساتها الرسمية. وبعد وفاة الشيخ ابن إبراهيم تمّ توزيع المناصب الدينية على مجموعة من العلماء؛ مما أدّى لتراجع أو تهميش دور عائلة آل الشيخ، كما تحوّلت المؤسّسة من قبضة الفرد على قبضة الجماعة( ).

تحالف على تقاسم السلطة

لقد تأسّست الدولة السعودية الأولى بموجب التحالف الذي تمّ بين محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب عام 1744. ولكن لم تستتب لهم الأمور إلا عام 1934، أي بعد إعلان قيام المملكة العربية السعودية بقيادة عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود على أنقاض عددٍ من الإمارات والممالك المنتشرة في أنحاء شبه الجزيرة العربية( ).

وقد قام التحالف بين الاثنين لتحقيق مصلحة متبادلة، فجرى الاتفاق بينهما على أنْ يكون للأول وذرّيته من بعده السّلطة الزمنية، أي الحكم، وللثاني وذرّيته من بعده السّلطة الدينية. حينها أصبح لقب الأمير خاصًّا بأفراد الأسرة الحاكمة، أي فاعلي المجال السّياسي، في حين أصبح لقب الشيخ الذي تخلّى عنه الأمراء السعوديون رسميًّا (وإنْ كان عامّة الأسر الحاكمة في الخليج لا تزال تستعمله) بصفة تميّز فاعلي المجال الديني( ).

وبموجب ذلك الاتّفاق أصبح الإسلام، المتمثّل في المذهب الحنبلي ووفق تفسير الشيخ محمد بن عبد الوهاب في المملكة، يشكّل المصدر الرئيس لشرعيّة النظام، كما صار هو الدين السّائد والرسمي في البلاد. وأدرك الشيخ محمد بن عبد الوهاب أهميّة وجود دولة قوية قادرة على تبنّي فكرة نشر الدعوة والاندفاع بها في كلّ الاتجاهات الممكنة كيما تعمّم وتصبح هي الشّريعة المتبعة، في محاولة لمحاكاة انطلاق الدعوة المحمدية، ولهذا قرّر الهجرة من العيينة إلى الدرعية، حيث استقبله محمّد بن سعود بعدَما طرده عثمان بن معمّر، والي العيينة، بطلب من أمير بني خالد، سلمان بن محمد، الذي كان يزوّد ابن معمّر بالمساعدات ويؤمّن له طرق التجارة.

وسمح الإمام محمد بن سعود بورود الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ضيفاً، فجاء إليه وصافحه واتّفقا على أن تكون الرئاسة في يد ابن سعود وذرّيته، والأمور المستقلّة بالدين تكون للشيخ وذريته. بالمقابل اشترط الإمام محمد بن سعود اعترافاً بكونه القائد السّياسي للمسلمين في الجزيرة العربية، وضَمِنَ محمد بن عبد الوهاب لنفسه السيطرة على تفسير الدّين في أرجاء السعودية كلّها( ) ولقد استثمرت المملكة تلك المكانة، في تعزيز موقعيّتها وتوسيع نفوذها بشكل أكبر، كما ساهم النفط إلى حدٍّ كبير في ترويج الإسلام السعودي، في نسخته السّلفية التقليدية إلى مختلف بقاع العالم.

تمظهراته

ويتمثّل الإسلام السّياسي الرسمي في مجمل الأنشطة التي تقوم بها المؤسّسات والجهات الرسمية كهيئة كبار العلماء، ومجلس القضاء الأعلى، وهيئة الأمر بالمعروف، والجامعات الدينية، والمكاتب التعاونية للإرشاد والدعوة وتوعية الجاليات، والهيئات الدينية المتخصّصة، ورجال الدين الرسميين، سواءً كانوا مبلّغين أو خطباء أو أئمة مساجد، التي تستهدف «شرعنة» سياسات الدولة وحمايتها وتعزيز نفوذها في العالم.

هيئة كبار العلماء

ولقد تأسّست هيئة كبار العلماء السعودية، وهي الهيئة الدينية الحكومية الأبرز التي تمثّل الإسلام السعودي، عام 1971 وتضم لجنة محدودة من الشّخصيات الدينية في البلاد، جميعهم فقهاء مجتهدون من مدارس فقهيّة متعدّدة (في السابق كانوا من مدرسة فقهية واحدة), ورئيسها هو مفتي الديار السعودية، وهي مخوّلة بإصدار الفتاوى وإبداء آرائها في عدّة أمور. يرأسها حاليًّا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ( ).

هيئة الأمر بالمعروف

وتحوّلت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الشهيرة إلى نافذة لتطبيق القوانين. يقع على عاتق أعضائها، وهم موظّفون في الدولة ومتطوّعون، الحفاظ على التعاليم الإسلامية الصحيحة.

كما تحدّدها السّلفية الرسمية، وغيرها من المؤسّسات الرسمية كوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، كما كانت تسيطر المؤسّسة الدينية الرسمية على ثلاث مجالات حيوية، هي: التعليم، والقضاء، والوعظ. غير أنّ التعليم جرى سحب قيادته منها، هذا بالإضافة إلى أنّ نصف أعضاء مجلس الشورى البالغ عددهم150، قبل تعيين20% من أعضاء المجلس من النساء 2013م، هم من السّلفية الرسمية( ). وتدير هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر470 مكتباً في أنحاء المملكة يشغلها نحو4400 موظف. مجلس القضاء الأعلى

ويأتي «مجلس القضاء الأعلى» في المرتبة الثانية ضمن هرم الزّعامة الدينية. وقد نشأ في 1975. وكان يرأسه عادة من يعتبر أرفع القضاة منزلة. لكن الحكومة مالت في السنوات الأخيرة إلى ملاحظة دواعي التطوير القانوني والإداري عند اختيارها لأعضائه. والمجلس هو مرجع قضاة المملكة.

وترجع إليه القضايا الكبرى التي يتعذّر حسمها في المحاكم، أو التي يجب إرجاعها إليه بحكم القانون، مثل أحكام القتل. في المرتبة الثالثة تأتي الوزارات الدينية المتخصّصة وأهمها العدل والأوقاف، ثم الهيئات الدينية المستقلة مثل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورابطة العالم الإسلامية، والمجمع العالمي للفقه الإسلامية، وأخيراً الندوة العالمية للشباب الإسلامية.

جامعات إسلامية

هناك أيضاً جامعتان دينيتان: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض. وهما يتبعان، إداريًّا وماليًّا, وزارة التعليم العالي. وكان التقليد الجاري يأخذ بعين الاعتبار رأي كبار العلماء عند تعيين قياداتهما الإدارية والأكاديمية. وظهرت أخيراً دلائل على أفول هذا التقليد، سيّما بعدَما عيّن الملك في مارس 2007 رئيسين للجامعتين من خارج الدائرة التقليدية المعتادة، هما د. محمد علي العقلا، للجامعة الإسلامية، و د. سليمان أبا الخيل، لجامعة الإمام.

أنشطة أخرى

يزيد عدد الوظائف الدينية أو التي تخضع لإشراف رجال الدين عن ربع مليون وظيفة، أي نحو 25% من إجمالي الوظائف الحكومية في 2008. ويصل عدد المساجد في المملكة إلى 72 ألف مسجد.

ويمارس العديد من رجال الدين أدواراً ثقافية واجتماعية تقع في ظلّ المؤسّسة الدينية الرسمية، فهي تخضع لإشراف رسميّ من جانب الدولة، لكنها تعمل بصورة مستقلّة عنها. ولعلّ أبرز هذه النشاطات هي الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن التي تدير - طبقاً لإحصاءات جمعها الكاتب في 2010- ما يزيد قليلاً عن 25 ألف حلقة تحفيظ، تضمّ 515 ألف طالب، ويعمل فيها 26500 معلّم وموظّف.

ولا تشمل هذه الأرقام الحلقات التي يديرها رجال دين خارج إطار الجمعيات المذكورة. ومن بين النشاطات المشابهة، التي يبرز فيها دور رجال الدين نذكر أيضاً جمعيات البرّ، التي يرأس معظمها أمراء المناطق، لكن إدارتها بيد رجال دين. وهي تمارس عملاً مستقلاً - إلى حدٍّ بعيد.

ومن هذا النوع من النشاطات أيضاً المكاتب التعاونية للإرشاد والدعوة وتوعية الجاليات، وهي تنتشر في جميع محافظات المملكة، وفي عام 2010 كان عددها 210 مكاتب، تمارس، كما هو واضح من اسمها، نشاطاً دعويًّا مباشراً يتضمّن تنظيم المحاضرات والدروس وتوزيع المطبوعات وحفلات إفطار الصائمين..إلخ.

عدا الهيئات الدينية المتخصّصة، فإن جميع وزارات الدولة تدير عملاً دينيًّا كنشاط جانبي. ومعظّم موظّفيها من خريجي الكليات الدينية، كما تعيّن وزارة الخارجية ملحقاً دينيًّا في عدد كبير من سفارات المملكة في الخارج. وتعتبر وزارة التربية من أهمّ قنوات التوظيف لخريجي المدارس الدينية، إذ تستوعب آلافاً من هؤلاء لتدريس الثقافة الدينية التي كانت تشكّل نحو 31% من مجمل الجهد التعليمي في 2010. ويتبع وزارة التربية أيضاً 2077 مدرسة متخصّصة لتحفيظ القرآن.

الارتباط الوظيفي بمؤسّسة الدولة والاعتماد عليها في المعيشة، يعتبر أمراً طبيعيًّا في التيار الديني السّلفي. ولم يكن باعثاً للجدل في مصداقية أو استقلال رجل الدين. لكن عدا الجانب المعيشي، فإنّ كثيراً من رجال الدين، ولا سيّما في المستويات الوسطى والعليا، يستفيدون من مواقعهم الوظيفية وعلاقتهم مع رجال الدولة، في تعزيز نفوذهم الاجتماعي وترسيخ مكانتهم بين الجمهور.

السّواد الأعظم من رجال الدين السعوديين، يُصنّفون على تيار السّلفية التقليدية. ويدعو هذا التيار إلى مسايرة الدولة باعتبارها الحارس الوحيد لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب والمذهب السلفي. وهم يعتبرون حكم العائلة المالكة شرعيًّا وطاعتها واجبة، حتى إذا ارتكبت منكرات، ما لم تصل إلى مستوى الكفر الصريح. وهم ينصحون كبار رجال الحكومة ، لا سيّما في القضايا المثيرة للجدل أنْ يتفهّموا حقيقة أنّ جهاز الدولة يعمل بطريقة قد لا تتوافق دائماً مع تلك النصائح.

ومن بين الأمثلة الحديثة الفتوى التي أصدرتها هيئة كبار العلماء في آخر أكتوبر 2010 بتحريم عمل النساء بائعات في المتاجر، بعدَما سمحت وزارة العمل به في أغسطس من العام نفسه.

ويعرف الجميع أن الفتوى لن تلقى ترحيباً عامًّا بين كبار المسؤولين في الدولة، لكن هيئة كبار العلماء لم توجه أيضاً نقداً مباشراً إلى هؤلاء، وهي بالتأكيد لن تثير ضجّة إذا لم تلتزم وزارة العمل بفتواها. إنّها أشبه بتقرير موقف عام موجّه للأهالي وليس الدولة( ).

وتعتبر المؤسّسات الدينية الرسمية مصدر عزّة وغلبة لتيار السّلفية الرسمية على ما سواها من سلفيات في السعودية وعلامة فارقة على حجم المشاركة في السّلطة. وقد أعطيت تسمية التيار بـ (السّلفية الرسمية) نسبةً لتلك المؤسّسات، ولكونها لسان السّلطة السّياسية دينياً( ). لذلك لا يتردّد مسؤولو الدولة في التأكيد دائماً على دعمهم الصريح لتيار السّلفية الرسمية، وقد صرّح بذلك أكثر من أمير في الأسرة السعودية المالكة، بشأن تمسّك المملكة بمنهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب والدفاع عنه.

ونظراً لوجود المملكة في قلب العالم الإسلامي، ووجود الحرمين الشريفين فيها، إلى جانب تبنّيها مشروع التبليغ الديني ونشر الإسلام، وفق الطريقة السّلفية التقليدية، ضاعف من مكانتها الروحية في العالم الإسلامي، وعمق نفوذها.

الفصل الثاني:الاسلام السياسي السني

تتجاذب السّاحة السعودية في المجال الاجتماعي والثقافي والديني والسّياسي أيضاً تيارات مختلفة. لكلّ واحدٍ منها نفوذه الخاصّ. ولا يوجد تيار واحد مهيمن على السّاحة كلّها، بما في ذلك التيار الرسمي في البلاد، أعني السّلطة الدينية. كما أنّ في داخل كلّ تيار توجّهات متنوّعة، يمكن ملاحظتها من خلال وجهات النظر المختلفة بين أقطابه، أو الصّراعات الحادّة التي تجري بداخله أحياناً.

بل ما هو أكثر من ذلك، إنّ معظم التيارات الحركية في السعودية نشطة وفي تغيّر دائم ومستمرّ، على الرغم من عدم الإقرار بوجودها قانونيًّا، مما يعني أنّ السّاحة السعودية لديها المزيد من القابلية لنشوء تيارات وتوجّهات أخرى جديدة على الساحة. وهذه هي مسألة بذاتها تحتاج إلى دراسة مستقلّة لما تتضمّنه من دلالات سياسية واجتماعية هامّة.

وإذ كانت الظواهر المرتبطة بحراك التيارات وأنشطتها ومواقفها المختلفة، هي مسألة جديرة بالدراسة، فإنّ رصد التيارات المعاصرة في المملكة، التي لم تأخذ حقّها من الدراسة بعد، هي أكثر إلحاحاً؛ لكونها البوابة الأولى لرصد ودراسة الظواهر المرتبطة بها.

فالسّلفية الموجودة اليوم، على سبيل المثال، ليست سلفية شيخ الإسلام ابن تيمية، ولا هي سلفية الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولا حتى هي سلفية أئمة الدعوة في الدّرر السنية، بل هي سلفية خاضعة للتطوّر الزماني والمكاني الذي تعيشه، مع الأخذ بالثوابت المطلقة( ). هذه الحقيقية تنطبق على معظم التيارات الدينية في المملكة. وهي حقيقية لا يمكن نكرانها أو تجاهلها، بل إنّ على ضوئها يمكن قراءة واقع التيارات الدينية بشقّيها التقليدي والحركي في المملكة، بشكل أقرب للواقع.

فإلى جانب التيار السّلفي الرسمي في المملكة، هناك سلفيات تقليدية محافظة، ولكنها مستقلّة عن المؤسّسة الدينية الرسمية، والبعض الآخر متماهية أو منسجمة كليًّا معها إلى حدٍّ بعيد، بل إنها تشكل عنصراً دفاعيًّا قويًّا عن النظام السّياسي.

كما أنّ هناك تيارات سلفية حركية نشطة تمرّدت على السّلطة السّياسية، وهي تيارات منشقّة من التيار السّلفي التقليدي العام، وأصبحت ناقمة عليهما أو معادية لهما، بل متصادمة معهما أيضاً، كتنظيم القاعدة، الذي تبنّى منهج المواجهة المسلّحة مع النظام عام 2003 م.

ومن التيار السّلفي التقليدي العام، الذي تتشكّل منه المؤسّسة الدينية الرسمية في المملكة، تولّدت مجموعة من السّلفيات الجديدة الحركية، إمّا بسبب بعض الاجتهادات والقناعات الطارئة لدى رموز تلك التيارات، أو بسبب العديد من الأحداث الداخلية، التي أدّت بدورها إلى بروز مواقف من السّلطتين السّياسية والدينية، لم تنسجم كليًّا أو جزئيًّا مع بعض قناعات الشخصيات الدينية السّلفية في المملكة، الأمر الذي أدّى إلى تشكّل وبروز تيارات سلفية متنوعة في السّاحة السعودية.

وتمثّل هذه التيارات الدينية الحركية السّنية البارزة، والموجودة بشكل فعليّ على السّاحة السعودية، تمثل ما يمكن تسميته اليوم بـ «الإسلام السّياسي السّني». وغالباً ما يطلق مصطلح التيارات الدينية الحركية على الجماعات ذات الاتجاه أو الميول الواحد، أو النظام الفكري أو العقدي الخاصّ بها.

وتسعى معظم التيارات الدينية الحركية، سواءً في السعودية أو غيرها، إلى تحقيق أهدافها من خلال بعض الأنشطة والبرامج الحركية المتنوعة، الهادفة إلى إحداث تغييرات جذرية أو طفيفة أو إصلاحات ثقافية، واجتماعية، واقتصادية، وسياسية، في البيئة التي تتواجد فيها.

ولعلّ أول إشارة إلى ولادة تيار سلفي جديد، متمرّد على السّلفية التقليدية، هي الحادثة المعروفة بتكسير الصّور في المدينة المنورة عام 1965، حين هاجم عدد من طلاب الجامعة الإسلامية استوديوهات التصوير وحطّموا المقاهي التي تقدّم الشّيشة «الأرجيلة، كما تعرف في بلاد الشام» والتماثيل البلاستيكية التي تعرض عليها الأزياء النسائية.

وجميعها من المحرّمات عند السّلفيين. ضمّت مجموعة الشباب المتحمّسين تلك، أسماء سيكون لها تأثير كبير على مجريات الأحداث فيما بعد، مثل: جهيمان العتيبي، وعبد الرحمن عبد الخالق، وعمر الأشقر. انطلق المشاركون من إيمانٍ عميق بسلامة ما تعلّموه في الجامعة، فسعوا إلى تنظيم أنفسهم والاحتساب في إنكار المنكر وإزالته، على عكس الشيوخ المتريّثين.

«حادثة تكسير الصور» كانت ردّ فعل ابتدائيّ، فطريّ إلى حدٍّ كبير، على تسرّب تمظهرات الحداثة، في شكلها التجاري الاستهلاكي على الأقلّ، إلى أسواق المدينة المقدّسة. لكنها - في التحليل الاجتماعي - تكشف عن شعور عامٍّ بالتهديد، أو ما يوصف أحياناً بصدمة الحداثة.

انفتاح البلاد على السّوق الدولية أدّى - كما هو متوقّع دائماً - إلى تدهور تدريجي، لكنه ملحوظ، في منظومات القيم والسّلوكيات التي اعتادها مجتمع تقليدي. لم يكن لدى المجتمع الديني جواب على هذا التطوّر، ولا قدرة على تطوير خطاب يستوعب التحدّي الجديد. فجاء ردّ الفعل من جانب الجيل الجديد، الذي يتألّف غالباً من شبّانٍ، قلّما وصلوا إلى منتصف العقد الثالث من العمر( ).

وإذا ما قورنت تلك السّلفيات التقليدية، سواءً المتماهية مع المؤسّسة الرسمية أو المستقلّة عنها، بالسّلفيات الحركية بشقّيها الإصلاحي والجهادي، فإنّ النوع الأخير أكثر تأثيراً وأوسع شعبية. إنّ سبب ضعف تأثير السّلفيات التقليدية على الصّعيدين الاجتماعي والسياسي، مردّه عدم اهتمامها بالشأن السّياسي العامّ، سواءً في داخل المملكة أو خارجها، إلى جانب نبذها كليًّا للعمل الحزبي والحركي.وهذا هو المائز الأبرز بين السّلفيات التقليدية عموماً، وسائر السّلفيات الحركية في المملكة.

ولتشخيص الإسلام السّياسي السّني في المملكة، يمكن استعراض النماذج التالية:

1- السّلفية التقليدية المستقلّة

ولقد استعمل مؤيّدو المدرسة السّلفية الرسمية، ومن بينهم التيار السّلفي المحافظ المستقلّ، على مرّ التاريخ أوصافاً متنوّعة لتمييز أنفسهم عن غيرهم، مثل: أهل التوحيد، وأئمة الدعوة النّجدية، وذلك في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وأطلقوا على أنفسهم لاحقاً، أي في القرن العشرين، وصف السّلفيين «الذين يستمدّون تعاليمهم من السّلف الصالح»( ).

وتلتقي السّلفية الإصلاحية «الحركية» مع السّلفية العلمية «التقليدية»، والسّلفية الجهادية في الأصول العلمية، والمنهجية الاستدلالية في كيفية التعاطي مع نصوص «القرآن الكريم والسنة» وقراءتهما قراءة موافقة لمنهج السّلف الصالح، كما أنها تُعلي معهما من شأن العقائد وتولي عملية نشر العقيدة الصحيحة اهتماماً بالغاً، كما أنّ السّلفيات تلك - كلّها - تحفل بالسُّنَّة احتفاءً كبيراً، وتنشط في الاهتمام بها قراءة وحفظاً وتحقيقاً وشرحاً وتطبيقاً، ولرموزها وشيوخها وعلمائها جهود ظاهرة في خدمة السّنة النبوية والاعتناء بها نشراً وتدريساً، كذلك فإنّ السّلفيات تتآخى جميعاً في الدعوة إلى نبذ التعصّب المذهبي، والعودة إلى المصدرين الأصليين لاستنباط الأحكام الشرعية، وإحياء فقه الدليل، والتعاطي مع أقوال أئمة المذاهب على أنها أقوال يُستدلّ لها ولا يُستدلّ بها( ).

مع ذلك كلّه، إلا أنّ السّلفية التقليدية غير الرسمية، هي أقرب للسلفية الرسمية، بل إنها تقف على خطٍّ موازٍ منها في العديد من القضايا، خصوصاً ذات الأبعاد الحركية أو السّياسية، كتحريم الخروج على ولاة الأمر، وتحريم المظاهرات، باعتبارها فساداً في الأرض، وتحريم إصدار البيانات الحقوقية، التي تطالب بالإصلاح السّياسي، وكذلك توجيه النصيحة لولاة الأمر في السّر، إذا تطلّب الأمر، وليس في العلن.

وتتميّز أدبيات المدرسة السلفية الرسمية بالطاعة المطلقة لولي الأمر، والإقصاء لأيَّ محاولات ترمي لتقديم خطاب سياسيّ مخالف للسّائد الرسمي، وتحريم فكرة الانتخابات، والأحزاب، وأيّ حديث عن مشروعية الاحتجاج السّلمي، باعتباره جزءًا من موروث متراكم يشكّل نقضاً للأسس التي تقوم عليها العملية الديمقراطية. هذا التابو الديمقراطي المتلبّس باستدلالات شرعية كان الرّافد الطبيعي لتيار الخطاب السّلفي في العالم بشقّيه: التقليدي الأصيل، وما تفرّع عنه والحركيّ المتمايز( ).

2 - السّلفية الألبانية

يعتبر الشيخ ناصر الدين الألباني «1914 - 1999 م»، مؤسّس هذا التيار الذي يحظى بانتشار في أوساط شعبية متزايدة في العالم الإسلامي. والشيخ هو ألباني الأصل هاجر والده من ألبانيا عام 1332هـ واستقرّ في دمشق، نجح في التعلّم والتبحّر بعلوم الحديث بعد أن ذاع صيته؛ نظراً لقوّة حجّته بين أقرانه من الطلبة، وبدأت مسيرته داخل المدن السورية المختلفة لإلقاء المحاضرات والدروس، واشتهرت محاضراته وكتبه في العالم الإسلامي، إلى أن طلب منه رئيس الجامعة الإسلامية والمفتي العام للمملكة السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ تدريس علوم الحديث والفقه في تلك الجامعة، وتمكّن من إدخال تدريس علم الإسناد إلى مناهج الجامعة الإسلامية.

جلّ اهتمام السلفية الألبانية بالمسائل العلمية المتعلّقة بتصحيح عقائد وعبادات الناس وتطهيرها مما علق بها من شوائب وانحرافات، لذلك ركّزت على الأصول العلمية، وهي: التوحيد، والإتباع، والتزكية، حيث يقصد بالتوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب بالاعتقاد بأن الله سبحانه وتعالى واحد في ملكه وأفعاله، وواحد في أُلوهيته وعبادته لا شريك له( ).

ونظر لما تمثله «السلفية الألبانية» من ثقل وأهميّة في السّاحة السعودية قدّم مركز المسبار للدراسات والبحوث كتاباً موضوعيًّا، فيه مجموعة دراسات لعدّة باحثين، من أجل تحليل هذه الظاهرة في إطار السّلفية المعاصرة ومنظومتها المعرفية ككلّ، وأهمّ مقوّماتها وتصوراتها للجانب السّياسي، مضافاً إلى معاركها وموقفها من موضوعات فكرية وسياسية واجتماعية مختلفة.

تأتي دراسة يوسف الديني «رماح الصحائف: الاحتراب على تمثيل السّلفية بين الألبانية وخصومها» التي يرى فيها أنّ الحالة الإسلامية المعاصرة هي «حالة سلفية» بشكلٍ رئيس. ويرى أنّ أبرز ما يميّز الألباني عن باقي رموز الدعوة السّلفية المعاصرة هو أنه صاحب خطاب شمولي ورؤية متماسكة يمكن الاستدلال عليها عبر مواقفه وفتاواه وردوده على مخالفيه.

فهو يجعل حجر أساس دعوته إحياء العودة إلى الكتاب والسُّنة وفق منهجٍ محدّدٍ، هو المنهج السّلفي، ولكن يرصد الديني في دراسته الصّراع على تمثيل السلفية بين الألبانية ومن يعارضونها من الاتجاهات الإسلامية الأخرى.

وقدّم هاني نسيره دراسة بعنوان «السّلفية المعاصرة ومنطق الفرقة الناجية» حيث يقرأ السّلفية المعاصرة، ابتداءً من فرضية نظرية ترى أنها تحضر على مستويين:

أولهما: استاتيكي سطحيّ ظاهر للعيان، يتجلّى في الاهتمامات بالسُّنة شكلاً وموضوعاً، والدعوة لهيمنة منهج السلف وعلومهم، عبر هيمنة السّند على المتْن، حيث يكون ما صحّ سنده، من السُّنة، مصدراً للحكم دون أتباع أو تقليد لغيره من المذاهب أو الأفراد.

والآخر: ديناميكيّ، وهو ما يتّضح في النّـزوع نحو تبديع المخالفين وإخراجهم من زمرة أهل السُّنة والجماعة.

وعرض أسامة عوض، ترجمة وافية لسيرة ومسار الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ومراحل تطوّره المختلفة، من سورية إلى تدريسه في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، حتى إقامته الأخيرة في منطقة الزرقاء بالأردن، كما يستعرض أهمّ المواقف الجوهرية في هذه السيرة، كالموقف من الجهاد، والموقف من الانتخابات، والعمل السّياسي الإسلامي، والموقف من الشيعة وغيرها.

ولإلقاء الضوء على المفهوم المركزي لدى السلفية الألبانية، تأتي دراسة محمد أبو رمان بعنوان «التصفية والتربية عند الألباني الماضي في الحاضر»، وفيها يوضّح أبو رمان، كيف تبلور هذا المفهوم الذي يمثّل جوهر الدعوة الألبانية، ويكشف الكاتب عن عددٍ من التأثيرات الخارجية التي ساهمت في بلورته عند الشيخ الألباني، مثل الإصلاحية الإسلامية كما مثلها رشيد رضا وجمال الدين لقاسميّ بالخصوص، وكذلك الإخوان المسلمون، ثم يعرض لمراحل تطوّر هذا المفهوم وتحوّلاته، والعلاقة بينه وبين التراث الإصلاحي الإسلامي التاريخي، وآليات التغيير من خلاله وكذلك علاقته بمفهوم الفرقة الناجية.

ثم تأتي دراسة الباحث محمد زاهد جول بعنوان «الخطاب السّياسي للسلفية الألبانية»، وفيها يكشف عن البنية السّياسية الكامنة في الخطاب العلمي السلفي للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، الذي تبنّى خطاباً يبتعد عن الاشتغال المباشر بالمسألة السّياسية، ولكنه يعتمد إستراتيجية بعيدة المدى، تقوم على تأسيس خطاب سياسيّ يحمل نشاطاً تبشيريًّا دعويًّا، يهدف إلى إعادة أسلمة المجتمع من القاعدة.

وقدّم مروان شحاذة قراءة نقدية للسّلفية الألبانية، حيث قام بداية بالتعريف بالسّلفية بشكل عام، وبالسّلفية الألبانية بشكل خاصّ، كما عرض لأهمّ المفاهيم المؤسِّسة في السلفية الألبانية تحديداً، ثم قدّم رؤية في نقد وتقويم السلفية الألبانية، انطلاقاً من أسباب الخلاف بين السلفيين، مع عرض للاتّهامات المتبادلة بينهم.

وحول موقف السلفية الألبانية من الجماعات الإسلامية الأخرى، تأتي دراسة حسن سليمان، لتفصل هذا الموقف، حيث يؤكّد الباحث أنّ رؤية الألبانيين للجماعات الأخرى أنّها لا تخرج عن التبديع والتضليل، أو حسب تعبير الشيخ الألباني، فإنّ على رأس كلّ فريق منها شيطاناً، يدعو الناس إليه، حيث إنّها لا تقوم على أساس منهج السلف وبحسب الكتاب والسنة، ولكن يؤكّد حسن سليمان أنّ موقف السلفية الألبانية من تلك الجماعات قد شهد تطوّراً حين رحّب الرجل بتكوين الجماعات الإسلامية في السّابق، كلُّ حسب اختصاصه، كما سبق أن تعاون مع بعضٍ منها في سورية والأردن.

وتأتي دراسة هشام جعفر «السّلفية الجديدة على الإنترنت، دراسة حالة من موقع الإسلام اليوم» وهي دراسة جديدة في طبيعتها ونوعيتها، حيث تدرس التمظهر السّلفي على الشبكة العنكبوتية، أبرز منتجات ما بعد الحداثة، وهي محاولة لفهم وتحليل موقع «الإسلام اليوم» السّلفي، ثم التفاعل بين الخطاب الإسلامي وأداة الإنترنت باعتبارها بنية ثقافية واجتماعية ومعرفية تؤثر في طريقة تقديم المحتوى وخصائصه، ويخلص إلى تقويم الموقع وفق عددٍ من المؤشّرات المرتكزة على ما تراكم من خبرة العمل على الإنترنت.

ثم تأتي قراءة حسن حسين لكتاب «السلفية ومناهج التغيير»، لمؤلّفه الداعية السّلفي الدكتور ياسر برهامي، التي يوضّح فيها المؤلف موقف السلفية المعاصرة من مناهج الحركات الإسلامية الأخرى، سواء الجهادية التي تلتزم العنف والقتال من أجل التغيير، أو تلك التي اختارت طريق الانتخابات والممارسة السّياسية والبرلمانية طريقاً للتغيير، أو الحركات التي اكتفت بالدعوة والتبليغ، وهو في الآن نفسه يكشف عن تصور الدعوة السّلفية للتغيير( ).

3 - السّلفية الجامية

السّلفية الجامية أو التيار الجامي أو الجامية، هو تيار محليّ داخل خريطة الإسلاميين في السعودية، يطلق على شعبة من شعب التيار السلفي تتميّز بخواصّ كثيرة، أهمّها العداء لأيّ توجّه سياسي مناوئ للسّلطة، انطلاقاً مما يعتقدون أنه منهج السلف في السّمع والطاعة وحرمة الخروج على الحاكم، جرياً على مذهب الحنابلة والأوزاعي الذين يحرّمون الخروج على الحاكم الجائر، وإنْ خالف في هذا بعض الحنابلة، مثل: ابن رجب الحنبلي، وأبو الوفاء علي بن عقيل، وأبو الفرج بن الجوزي، وعبد الرحمن بن رزين، الذين يرون مشروعية الخروج، ناهيك عن أبي حنيفة، والشّافعي، ومالك، وابن حزم، الذين يُجيزون الخروج على الحكّام الظلمة.

كان سبب ظهور هذا التيار اعتداء صدّام حسين على الكويت وحشده لجيوشه على حدود المملكة العربية السعودية فأفتى العلماء، وعلى رأسهم الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز، بجواز الاستعانة بالكفّار؛ لدفع المعتدي ولحماية الدين والدولة من شره. فلم يكن إلا أنّ كثيراً من الأحزاب عارضت العلماء واتهمتهم بالباطل ورفضت هذه الفتوى، فكان الشيخ محمد أمان الجامي من أبرز العلماء الذين تصدّوا بالردّ على الأحزاب والجماعات التي رفضت هذه الفتوى واعترضت عليها، ولهذا ينسب إليه هذا التيار.

بداية نشأتهم تقريباً كانت في عام 1412 هـ في المدينة النبوية، وكان منشئها الأول محمد بن أمان الجامي الذي توفّي قبل عدّة سنوات، وكان مدرّساً في الجامعة الإسلامية في قسم العقيدة، وشاركهُ لاحقاً في التنظير لفكر الجامية ربيع بن هادي المدخلي، وهو مدرّس في الجامعة في كلية الحديث، وأصله من منطقة جازان.

أمّا الظهور العلني على مسرح الأحداث كان في عام 1411 هـ وذلك إبّان أحداث الخليج التي كانت نتيجة لغزو العراق للكويت، وكان ظهوراً كفكر مضادّ للمشايخ الذين استنكروا دخول القوّات الأجنبية، وأيضاً كانوا في مقابل هيئة كِبار العلماء الذين رأوا في دخول القوات الأجنبية مصلحة، إلا أنّهم لم يجرّموا من حرّم دخولها أو أنكر ذلك، فجاء الجامية واعتزلوا كلا الطرفين وأنشأوا فكراً خليطاً يقوم على القول بمشروعية دخول القوّات الأجنبية، وفي المقابل يقف موقف المعادي لمن يحرِّم دخولها أو ينكر على الدولة ويدعو إلى الإصلاح، بل ويصنّفونه تصنيفات جديدة.

ونشطت في الفترة التي أعقبت الحرب إثر بروز دعاة الصّحوة في السعودية، مثل: سفر الحوالي، وسلمان العودة. ثم انتشرت هذه الجماعة، فصار لها أتباع ورموز في الخليج العربي واليمن وخصوصاً في دماج، وأيضاً في مصر والأردن والجزائر، وكذلك لهم امتداد بين المسلمين في أوروبا.

وذكر بعض المشايخِ بأنّ الجامية نشأت بمباركة من وزارة الداخلية، حيث قامت بتوظيف مجموعة من الناس، وذلك بقصد ضرب التيار الإصلاحي الذي كان يتنامى في تلك الفترة، والذي كان على رأسه الشيخ العلامة سفر بن عبد الرحمن الحوالي وبقية المشايخِ، ويدلّ عليه كذلك أنّ محمد أمان الجامي كتب في تلك الفترة مجموعة من البرقيات إلى وزارة الداخلية يحرّضهم فيها على الشيخ سفر الحوالي، ويطلب فيها منهم إيقافه ومساءلته على كلامه.

والجامية لا ينكرون مبدأ العمل في المباحث أو مبدأ الترصّد للدّعاة، بل ويتقرّبون إلى الله ببغضهم وبإلحاقِ الأذيّة بهم، ومنهم من يستحلّ الكذب لأجل ذلك، وقد سئل عبد العزيز العسكر عن حكم العمل مع المباحث - في شريط مسجّل بصوته - فقال: «وماذا يضيرك لو عملت في المباحث وقمت بحماية الدولة من المفسدين والخارجين»( ).

وللسّلفية الجامية أكثر من اسم ولقب، منها: الخلوف، أو المرجفون في المدينة، والبعض ينسبها إلى الشيخ ربيع المدخلي فيقول المدخلية أو المداخلة. ولكنّ أشهرها الجامية؛ نسبة إلى محمد أمان الجامي. ويصعب على المتابع أن يضع تحديداً دقيقاً لأدبيات السّلفية الجامية أو الخطاب السّياسي الذي تسعى لتسويقه حيث كان هذا التيار يدعو للابتعاد على الخوض في المسائل السّياسية وتركها لأهل الحلّ والعقد، مستنداً للعبارة الشهيرة للشيخ الألباني «من السّياسة ترك السّياسة»، لكن ذلك لا يعني بأننا لا نستطيع الإمساك بخيوط مواقفه المعلنة للوقوف على ملامح السلفية الجامية وتمييزها عن بقية التيارات السّلفية السعودية.

ويرتكز خطاب السلفية الجامية من عدّة منطلقات:

الأولى: مفهوم طاعة ولاة الأمر.

الثانية: نبذ الحزبية أو حركات الإسلام السّياسي، وعلى رأسها الإخوان المسلمون.

الثالثة: التشكيك في وهّابية المخالفين وعقيدتهم من مذاهب أخرى.

اشتهر هذا التيار بالولاء المطلق للسّلطة السّياسية، ولفلسفة «طاعة ولاة الأمر» وهو يحرّم الخروج عليهم في السّر أو العلن، بالقول أو الفعل، بل إنّ النصيحة لولاة الأمر لا تجوز في العلن، ويجد بأنّ أهل الحلّ والعقد هم فقط المخوّلون بنصح الحاكم في السّر، وأنّ السّياسة ليست مما يستوجب على العامّة الانشغال به( ).

وفي حديث للشيخ صالح الفوزان عن طاعة «ولاة الأمر والعلماء» قال: «فإنّ هذا الموضوع، وهو طاعة العلماء والأمراء، موضوعٌ مهمّ جدًّا؛ لأنه زلّت فيه أقدام، وضلّت فيه أفهام، وحصل بسببه فتن وحروب، وقتل وقتيل، وضياع أمن، بسبب التفريط في هذا الأصل، الذي هو طاعة أولي الأمر».

وقد قسّم الشّيخ ولاة الأمر إلى قسمين:

القسم الأول: العلماء، وهم أولو الأمر من ناحية أنّهم يبلّغون عن الله سبحانه وتعالى ما ورثوه عن نبيّهم محمد صلى الله عليه وسلم من العلم، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إنّ العلماء ورثة الأنبياء»، فالعلماء لهم شأنٌ في الأمّة؛ لأنهم ورثة الأنبياء، فليسوا مثل غيرهم من أفراد الناس.

القسم الثاني: الأمراء، لهم أمرٌ من ناحية السّياسة، وتنفيذ شرع الله سبحانه وتعالى؛ لأنّهم بيدهم السّلطة، فالعلماء من أولي الأمر من ناحية الشّرع، والأمراء هم من رأس أولي الأمر من ناحية السّلطة التنفيذية.

وحينما سأل أحدُ الحاضرين الشيخ صالح الفوزان عن كون الخروج على الحاكم بالقول كالخروج بالسّيف سواءً بسواء؟ وما الحكم بالخروج على الحاكم؟

أجابه الفوزان: الخروج على الحاكم بالقول قد يكون أشدّ من الخروج بالسّيف، بل الخروج بالسّيف مترتّب على الخروج بالقول، الخروج بالقول خطير جدًّا، ولا يجوز الإنسان أن يحثّ الناس على الخروج على ولاة الأمور، ويبغّض ولاة أمور المسلمين إلى النّاس، فإنّ هذا سببٌ في حمل السلاح فيما بعد والقتال، ولأنّه يفسد العقيدة ويحرّك بين الناس ويلقي العداوة بينهم( ).

4- السّلفية الإصلاحية (السرورية)

تعتبر السّلفية الإصلاحية (السرورية) واحدة من أبرز السلفيات التي كان لها حضورٌ قويٌّ وتأثيرٌ واسعٌ في المملكة، ولا زال. ويعتبر الشيخ محمد بن سرور زين العابدين، هو المؤسِّس للسلفية السرورية أو التيار السروري، أو ما بات يسمّى بتيار الصحوة في السعودية.

وهو سوريّ الجنسية، من حوران، كان من الإخوان المسلمين وانشقّ عنهم. عمل ضابطاً في الجيش، ثمّ ضابط استخبارات، ثم تعاقد مع المعاهد العلمية التابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود، حيث عمل في الأحساء والقصيم، فدرّس في المعهد العلمي ببريدة، ويعتبر اليوم من أوسع التيارات الفكرية والسّياسية في العالم الإسلامي.

أخذ في الظهور, وبدأ في التبلور إبّان الحركة العلمية والدعوية التي قام بها علماء ودعاة الصّحوة في المملكة العربية السعودية، في عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي, وقد كانت حرب الخليج الثانية وما تولّد عنها من تداعيات خطيرة كاستدعاء القوّات الأجنبية, هي المنعطف المفصليّ الأبرز في مسيرة ذلك الاتجاه, الذي برز كاتّجاه مستقلّ، يمتلك رؤية منهجية تغاير تلك الرؤية التي تحكم أداء المؤسّسة الدينية الرسمية، التي يديرها ويتولى دفّة القيادة فيها شيوخ السّلفية العلمية( ).

لعلّ من أبرز وجوه ذلك التيار, وأشهر رموزه الدكتور سفر الحوالي, والدكتور سلمان العودة, والدكتور ناصر العمر, والدكتور عائض القرني, ونتيجة لمواقفهم الرافضة والمعارضة لقرار استدعاء القوات الأجنبية, فقد قابلت السّلطات السعودية مواقفهم تلك بالتضييق عليهم, ومنعهم من إلقاء المحاضرات والدروس العامة إلى أنْ تمّ إلقاء القبض عليهم وإيداعهم في السجون.

ويبدو أنّ مرحلة السّجن والاعتقال التي طالت الحوالي والعودة, كانت محطّة للتكفير الهادئ, والمراجعة المعمّقة, وإعادة النظر في الأفكار والرؤى والمواقف, وبعد خروجهما من السّجن أواخر التسعينيات, والإذن لهما بالحركة وممارسة النشاطات العامّة, بدا أنّ ثَمَّةَ توجّهاً جديداً يحكم الأداء, ويضبط المسيرة, حيث اتّسم خطاب ذاك الاتّجاه بالهدوء, والبعد عن إثارة القضايا السّاخنة, وتحاشي تلك المسالك التي قد تجلب سخط أولياء الأمور أو تثير استياءهم, مما فتح الباب للشّائعات بالتكاثر والتداول حول صفقة تَمّ عقدها بين الشيخين والحكومة( ).

وتملك السّرورية رؤية دينية واضحة لكثير من الأمور، بخلاف التيارات الدينية الأخرى، فهي ليست إعادة تأهيل للسّلفية الجهادية؛ لأنّ السرورية ربما تقاطعت مع الجهادية، لكونها جمعت بين الحركية والسّلفية، لكن لا يعني ذلك أنّها نسخة مجهّزة للجهادية، فلدى السّرورية رؤية دينية واضحة لكثيرٍ من الأمور، وهو ما يجعل بعض القضايا الفكرية التي تعتمد عليها تيارات التكفير محسومة لديها، وبعضها الآخر قابل للنقاش، كالديمقراطية وحقوق الإنسان والحرّيات ومفهوم الدولة والحاكم والمحكوم وغيرها.

وتشهد السّرورية في الآونة الأخيرة تراجعاً داخل السعودية؛ نظراً لأنّ بعض تلامذة سرور، مثل عائض القرني غيّروا الآن أفكارهم وعارضوا فكرة تسييس الإسلام ورفضوا تأييد العنف كسبيل وحيد لمواجهة ما يسمّونه بموجة الإلحاد والحداثة( ).

وهناك خلاف بين العديد من الباحثين حول ماهيّة «السرورية»، فالبعض يصنّفها كتيّار سلفي إسلاميّ يهتمّ بقضايا الدعوة وبالعمل الفكري الإسلامي، ويرى آخرون عكس ذلك، ويؤكّدون على أنّها تنظيم حركيّ له قيادة فكرية محدّدة، ومؤسّسات تتحدّث باسمه، وأنّها تتمدّد ليس في المملكة العربية السعودية فقط وإنما في كثير من الدول العربية( ).

ونظراً لما يُشكّله التيار «السّروري» من أهميّة في السعودية، كتب العديد من الباحثين حول هذا التيار. ولعلّ ما استعرضه السيّد زايد في بحثه المنشور في منتدى (تمكين الأسرة)، من آراء لبعض المهتمّين بتيارات الحركة السّلفية في السعودية، يُعطي لمحة جيّدة عن هذا التيار من مختلف زواياه.

ويؤكّد رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات الإستراتيجية بجدة (د. أنور ماجد عشقي)، على أنّ «السّرورية» تنظيم حركيّ لديه غيرة على الإسلام، ولكن بشكل مبالغ فيه، ويصفه بأنّه أقرب للتنظيم الحركي منه للتيار، ولكن الانضمام إليه لا يتطلّب البيعة أو القسم أو إعلان الولاء والبراء كغيره من التنظيمات الإسلامية، فهو محضُ انتماء فكريّ لشخص محمد سرور؛ ولهذا سمّيت بالسّرورية، فمحمد سرور هو القيادة الفكرية لهذا التنظيم، ونظرًا للعديد من السّمات الشخصية التي يتميّز بها الرجل كداعية ومفكّر إسلاميّ أسبغ عليه تابعوه، شيئاً من القدسية.

ويتحدّث أنور عن نشأة السّرورية قائلاً: بعد التضييق السّوري على الإخوان كانت السعودية وجهتهم، وفيها بدأ الشيخ محمد سرور دعوته من خلال إنشاء قاعدة تربوية، جمع فيها بين الفكر السّلفي السعودي والفكر الإخواني السوري، وانتشرت هذه الدعوة من خلال العديد من المنابر الدينية والجمعيات الخيرية داخل المملكة. كان سرور يرغب في جعل المملكة قاعدة لأفكاره، لكنّ الإخوان كانوا سبباً في رحيله إلى لندن بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، وهو ما أدّى إلى انتشار أوسع لدعوته.

ويقول عشقي: «إنّ هناك جمعيات وهيئات داخل المملكة تنتمي لهذا التنظيم وتحمل دعوته، وأفكاره، ومن الأفضل ألا أسميها نظراً لحساسية الوضع داخل المملكة وما يمكن أن يحدثه مثل هذا الفرز من مشاكل».

ويؤكد عشقي في الوقت ذاته وجود وسائل إعلامية تسعى لنشر الفكر السروري داخل المملكة، بخلاف مركز دراسات السّنة في لندن الذي روّج للسرورية كثيراً داخل وخارج المملكة في نظره.

وبرغم تأكيد عشقي على النّيات الحسنة لدى السروريين ورغبتهم في الإصلاح والتجديد الفكري، فإنه يرى أنّ للسرورية العديد من السّلبيات التي أضرّت الحركة الإسلامية، من بينها تسييس الإسلام وجعل هدفه الوصول إلى السّلطة والحكم، وإجازة الخروج على الدولة، ومحاربتها، والتنظير الفكريّ للعنف، وهو ما كان سبباً في استحلال دماء الكثير من المسلمين، وانتشار فكر التكفير، ومخالفة فقه الأولويات في الإصلاح، وهو ما ظهر أثناء خوض الكثيرين منهم للانتخابات البلدية الأخيرة في السعودية.

ويرى عشقي أنّ السّرورية تشهد تراجعاً داخل المملكة؛ لأنّ بعض تلامذة سرور، كسلمان العودة وعائض القرني، صحّحوا الآن أفكارهم وعارضوا فكرة تسييس الإسلام، ورفضوا تأييد العنف كسبيل وحيد لمواجهة ما يسمّونه بموجة الإلحاد والحداثة، وقد اعتمد هؤلاء وغيرهم على إعادة قراءة السيرة النبوية في مراجعاتهم؛ لأنّ السيرة كفيلة بتصحيح جميع الأفكار الدخيلة على الفكر الإسلامي.

وفي دراسة تحمل عنوان «السرورية» نشرت مؤخّراً، يصنّف الكاتب السعودي عبد الله بن بجاد العتيبي، السرورية كتنظيم حركيّ استطاع السيطرة على كثير من المراكز الحسّاسة في الهيئات الدينية والخيرية والإعلامية بالمملكة، وتغلغل في المساجد والمدارس، مستفيداً من مجموعة من الأفكار والمناهج والآليات التي استطاع أخذها وتطويرها من فكر سيد قطب وأخيه محمّد قطب المقيم في السعودية حاليًّا، ومن التجربة الحركية الإخوانية.

ويتركّز الحضور الأقوى للسّرورية بالسعودية - بحسب دراسة العتيبي- في منطقة نجد، وتحديداً القصيم، حيث بدأ سرور دعوته أوّل مرة، كذلك لها حضور بالمنطقتين الشرقية والجنوبية عبر عدد من الأسماء الدعوية البارزة، كما انتشرت بالكويت عبر التيار المعروف هناك بالسّلفية العلمية، الذي خاض معارك ضارية مع تيار «الجامية»، وتستقبل الإمارات أعداداً كبيرة من الدّعاة السعوديين المنتمين للسرورية سنويًّا.

وتتمثّل السرورية بمصر في تيار كان يقوده جمال سلطان، أمّا في اليمن فيمثّل التنظيم عدد من الرموز الدعوية، تحت مظلة جماعة «الحكمة» التي يقودها عبد المجيد الريمي، وعقيل المقطري وآخرون، وغالبيتهم كانوا تلاميذ للشيخ مقبل الوادعي، الذي كان شيخاً لجماعة جهيمان العتيبي سابقاً، ثم أصبح أحد رموز «الجامية»، وفي الجزائر انخرط أكثر السّروريين في «الجبهة الإسلامية للإنقاذ».

وعلى الرغم من هذا الحديث عن الانتشار الملحوظ للسرورية في السعودية وغيرها من الدول العربية، فإنّ الشيخ محمد سرور زين العابدين نفسه، الذي يقيم حاليًّا في الأردن بعد رحيله عن بريطانيا، ينكر وجود تنظيم حركيّ يحمل هذا الاسم، وفي برنامج «مراجعات» الذي بثّته قناة الحوار الفضائية مؤخّراً رفض سرور هذه التسمية، وقال: «ليس هناك شيء اسمه السّرورية، وأنا ابتليت بهذا الاسم، وأوّل ظهور للاسم كان بعد اختلافي مع الإخوان المسلمين، حيث غضب أحد المشايخ منّي، وقال: (سروري)، بعدها انتشر المصطلح عن طريق الإخوان أيضاً، فأطلقوه على كلّ منتسب إلى هذا التيار، خاصّة بعد موقفنا الرّافض للاحتلال العراق ي للكويت، وأيضاً رفضنا للتدخّل الأمريكي في الكويت والعراق ».

ويرى سرور أنّ رفضه للتسمية يرجع إلى أنه كسلفي يرفض التنابذ بالألقاب، حيث يكره كلّ سلفي أنّ ينسب إلى مذهب أو جماعة تنظيمية، فما بالك فيمن ينسب إلى رجل مشهور، ويقول: «رفضنا للتّسمية يعود إلى الانطلاق من الموقف السني السّلفي الذي يرفض التّسميات أو الحزبية»، لكن سرور يؤكّد في حديثه على حقيقة وجود هذا التيار وانتشاره، ويرى أنه تيار إسلامي ولكنه بلا اسم.

لكن سواء حملت الجماعة اسم «السرورية» نسبة لمحمد سرور أو سميت بـ «القطبية»، نسبة إلى سيد قطب كما يُردّد البعض، أو كانت جماعة بلا اسم، كما يقول سرور؛ فإنّ الباحث السعودي يوسف الديني يؤكّد أنّ هناك شخصيات إسلامية بارزة، سواءً من التيارات المنافسة للسرورية، كالتيار «الجامي" أو «الإخواني"، يثبتون هذه النسبة ويختلفون في تسمية الجماعة (سرورية)، نسبة إلى محمد سرور أم (قطبية) نسبة إلى المرجعية الفكرية الأبرز لهذا التيار، وهو المفكر الإسلاميّ الراحل سيد قطب.

وحين حطّ محمد سرور رحاله ببريطانيا، أسّس «مركز دراسات السّنة النبوية»، وأطلق مجلّته الشهيرة «السّنة»، التي لقيت رواجاً كبيراً أثناء الغزو العراق ي للكويت، وهو ما أدّى إلى تضخّم تنظيمه في الداخل السعودي، وحسبما يذكر عبد الله بن بجاد العتيبي فإن تيار محمد سرور قد أنشأ «المنتدى الإسلامي» بلندن عام 1986م، وانتشرت أعماله ومشاريعه في أكثر من عشرين دولة، وخلال الغزو العراق ي للكويت، أظهر سرور عداوة شرسة ضدّ النظام السعودي، كما أنّ عداءه للعلماء الرسميين كان ملحوظاً، لكنه كان أقلّ حدّة من عدائه للنظام، ويذكر أن محمد سرور ألقى محاضرة في أحد المراكز الإسلامية في إنجلترا عام 1996م، ووصلت مسجلة إلى السعودية، صرح فيها أمام الملأ بتكفير الملك فهد بن عبد العزيز والنظام السعودي، على نحو ما يؤكّد العتيبي.

ويقدّم الدكتور عوض القرني، المفكّر والكاتب الإسلامي السعودي، رؤية مغايرة عن تأثير محمد سرور زين العابدين في المشهد الديني والدعوي في السعودية، حيث يرى أنه خلال الثماني سنوات التي قضاها في المملكة حمل من المشهد الديني والثقافي أكثر مما أثّر، حيث ترافق وجوده مع نشأة ما عرف بالصحوة الإسلامية.

ويؤكّد أنّ السرورية تيار إسلامي فكريّ موجود في العديد من البلدان العربية بجانب السعودية (التي انطلق منها هذا التيار)، وهذا التيار له محدّدات ومواقف متقاربة أو متشابهة، وأحياناً متطابقة حيال الكثير من القضايا الدينية، والفكرية، ولهذا التيار رموزه الفكرية والدعوية في المملكة، وهم ينطلقون في دعوتهم من خلالها، لكن يرفض القرني أن يسمّي أيًّا من هذه الرموز أو يؤكّد وجود علاقات شخصية أو أكثر من شخصية بينهم، لكنه يؤكّد وجود علاقات فكرية بينهم أو ما يسمّيه بـ «التقاطع الفكري».

ويصف القرني السرورية بأنها تيار إخوانيّ النشأة، تأثّر بمدرسة محمد بن عبد الوهّاب السّلفية، فخرج نموذجاً جديداً.. ليس سلفيًّا وهابيًّا، وليس إخوانيًّا، لكنه يتناغم مع خطاب الكثير من الدّعاة داخل المملكة وخارجها، ويظهر ذلك أيضاً عبر مجلات وإصدارات صحفية تعبّر عن هذا التيار، ويؤكّد أنّ محمد سرور زين العابدين قد لا يكون الرمز الأوحد لهذا التيار لكنه الأكثر شهرة، والأكثر تأثيراً وتأليفاً وتنظيراً لهذا التيار، ولذا أطلق على هذا التيار «سرورية».

ويخلص الكاتب السيد زايد إلى القول بأنّ «السرورية» هي تيار له سمات تنظيمية، شخصيات دعوية ومؤسّسات محسوبة على التيار ليس فقط داخل السعودية ولكن خارجها أيضاً، لكنّه يختلف عن غيره من التيارات الإسلامية المعروفة على السّاحة، من حيث الهياكل التنظيمية والقيادية، وصفة الحركية لأيِّ تنظيم يعمل تحت شعار واسم محدّد.

بجانب ذلك، فإنّ وجود السرورية كتيار سلفيّ سيستمرّ خلال الفترة المقبلة، خاصّة في ظلّ التمدّد السلفي الذي تشهده المنطقة العربية ككلّ. والتوقّعات بشأن هذا التيار في الداخل السعودي لا تخرج عن كونه سيتحرك في إطار خصوصية الواقع السعودي التي لا تقبل بوجود تنظيمات أو حتى تيارات كبرى يمكن أن تسحب البساط من تحت أقدام السّلفية الوهابية، وحالة المراجعة التي يجريها رموز السّرورية من الدعاة السعوديين ستساعد لا شكّ على استمراريته، إلا أنّ شبهة التنظيم والحركية ستظلّ تلاحق السّروريين إلى أجل غير مسمّى خاصّة من قبل أعدائهم من التيارات الأخرى( ).

5- الإخوان المسلمون

تأسّس تنظيم الإخوان المسلمين في مصر عام 1928م. لكن سرعان ما انتشر فكرها في أرجاء مختلفة من العالم، ووصلت الآن، إلى 72 دولة تضمّ كلّ الدول العربية ودولاً إسلامية وغير إسلامية في القارّات الستّ( ).

يبدو أنّ المحاولات المبكّرة والمكثّفة من قبل الإخوان، وفي مقدمهم زعيم التنظيم، بأن تكون السعودية محطّة لهم، يعطي انطباعاً بأنّ المملكة لها موقعيّة خاصّة لدى الإخوان، أكثر من أيّ بلد آخر. مضافاً إلى أنّ هذا الاختيار لم يكن عبثيًّا، نظراً لما تمثّله المملكة من مكانة مهمّة آنذاك. ولاعتبارات كثيرة لدى الإخوان المسلمين، ولعلّ أبرزها المكانة الروحية والجغرافية، أصبحت المملكة في نظرهم من بين أهمّ الدول الإسلامية التي تواجدوا فيها مبكّراً.

ويرجع اهتمام الإخوان بالمملكة العربية السعودية إلى زمن طويل، وتحديداً إلى بدايات تأسيس حركتهم. لذا أبدى حسن البنا في أواخر العشرينيات، إبّان حكم الملك عبد العزيز بن آل سعود، اهتماماً متزايداً بذلك البلد، وكان يَفِدُ إلى الديار المقدّسة كلّ سنة تقريباً لأداء فريضة الحج( ) وقد استثمر تلك الرّحلات في تعزيز روابطه بأعيان الحجاز الذين أكّدوا دعمهم له( ).

لكنّ هذا الدعم لم يكن يعني أنّ السّلطات السعودية كانت تحبّذ استقرار الحركة في المملكة. واستناداً إلى رواية مشهورة، طلب حسن البنا من الملك عبد العزيز في تشرين الأول/ أكتوبر 1946، عندما بدأ تنظيم الإخوان المسلمين بالانتشار في أغلب بلدان الشرق الأوسط، طلب السّماح بتأسيس فرع للتنظيم في المملكة العربية السعودية. وبما أنّ هذا الطلب يمثّل انتهاكاً لحظر مزاولة الأحزاب السّياسية المفروض في المملكة، رفض الملك السعودي فوراً طلبه، وذكر أنه قال له: «كلّنا إخوان مسلمون»( ).

بَيْدَ أنّ رغبة الإخوان في بناء وجودٍ لهم في المملكة، قد أفصح عنها مؤسّس الإخوان قبل لقائه بالملك عبد العزيز، ففي كتابه «مذكّرات الدّعوة والداعية»، يذكر حسن البنا (1928 - 1949)، أنّ الملك عبد العزيز آل سعود أوفد عام 1928م مستشاره، فضيلة الأستاذ حافظ وهبة، إلى القاهرة بغرض انتداب بعض المدرّسين من وزارة المعارف إلى الحجاز ليقوموا بالتدريس في معاهدها الناشئة. وفي 6 نوفمبر سنة 1928، أي بداية تأسيس الحركة، التقى حسن البنا مع الشيخ وهبة للاتّفاق على السفر وشروط الخدمة للتدريس في المعهد السعودي بمكة.

وكان أهمّ شرطٍ وضعه البنا أمام الشيخ حافظ، ألا يكون موظّفاً يتلقّى مجرّد تعليمات لتنفيذها، بل صاحب فكرة يعمل على أن تجد مجالها الصالح في دولة ناشئة هي أمل من آمال الإسلام والمسلمين، وشعارها العمل بكتاب الله وسنة النبي وتحرّي سيرة السلف الصالح( ). لأسباب عدّة، ربما أبرزها اشتراط البنّا بأن لا يكون مجرّد موظّف يتلقى تعليمات لتنفيذها، تعثّر هذا المشروع، واستمرّ البنّا مدرّساً في الإسماعيلية التي أنشأ فيها «جماعة الإخوان المسلمين».

التحديث فرصة النفوذ

ولكن مساعي الإخوان لم تتوقّف للوصول إلى المملكة، ومن حسن حظّهم أنّ رغبتهم الجامحة في إيجاد موطئ قدم لهم في المملكة، تزامنت مع رغبة الملك عبد العزيز الملحة في ضرورة تحديث البلاد والإنهاض بها، من خلال بوابة التعليم والبعثات العلمية( ).

وبالفعل استقطب الملك عبد العزيز آنذاك الكثير من العقول العربية لمساعدته على بناء الدولة الحديثة، فمن العراق : عبد الله سعيد الدملوجي، ورشيد عالي الكيلاني، وموفّق الألوسي.

ومن سورية: يوسف ياسين، وخير الدين الزركلي، وخالد الحكيم، ورشاد فرعون.

ومن مصر: حافظ وهبة وأعضاء في الإخوان.

ومن فلسطين : رشدي ملحس.

ومن لبنان: فؤاد حمزة.

ومن ليبيا: بشير السّعداوي، وخالد القرقني،

وغيرهم كثيرٌ.

بَيْدَ أنّ عملية التحديث التي كانت تنشدها المملكة في عهد الملك عبد العزيز، مثّلت الفرصة الذهبية الأمثل للإخوان، التي من خلالها نفذوا إلى المملكة، ومن ثم باشروا عملهم الدعوي والتنظيمي، وإنْ كان بصورة سرّية وغير رسمية، وذلك عبر التعليم في المدارس والجامعات. كما أنّ الإجراءات القمعية الأولى التي قام بها عبد الناصر سنة 1954 في مصر أجبرت كثيرًا من أعضاء الإخوان للهجرة إلى دول الخليج التي صارت ملاذاً آمناً لهم، وبخاصّة المملكة التي وصل بها الأمر إلى حدّ منح بعض من هؤلاء الأعضاء الجنسية السعودية( ).

وكانت السعودية قد بنت خلال سنواتٍ طوالٍ علاقةً قويةً مع الإخوان المسلمين كأفرادٍ وليس كتنظيمٍ، فاستقدمت الآلاف من قياداتهم وأفرادهم، ولم تكتفِ بإيوائهم، بل سعت لتوفير الحياة الكريمة لهم ودعمتهم بشتّى أنواع الدّعم، فتولّوا مناصب حسّاسةٍ، وحصل عددٌ منهم على الجنسية السعودية وبعضهم حظي بالجواز الدبلوماسي.

وهناك من أشار إلى وجود صلةٍ بين الوجود القويّ للإخوان المسلمين في الجامعات السعودية وظهور قادةٍ جددٍ للإخوان، مما مكّنهم من القدرة التعبوية للجماعات الإخوانية في الجامعات السعودية، وتحديداً في جامعتي الملك سعود، والبترول والمعادن سابقاً.

وينقل عن أحد المنظمّين السابقين لتنظيم الإخوان المسلمين (قسم البحرين) قوله: «لقد تمّ تنظيمي عن طريق خلايا الحركة التي كانت منتشرةً في حقبة السبعينيات في الجامعات السعودية، ولقد كنّا نخضع فيها لاختبار في قدرات التحمّل. وكان يطلب منّا الخروج في ليالي الرياض الباردة بملابس داخليةٍ.

إلا أننا كثيراً ما ندخل دورات فكرية مختلطة الجنسيات من عرب الشام ومصر من المقيمين في المملكة العربية السعودية، أو من أساتذة جامعاتها المحسوبين على تنظيم الإخوان المسلمين من العرب الوافدين وقلةٍ قليلةٍ من السعوديين( ).

وبعد رحيل الرئيس عبد الناصر، وحدوث تقارب بين خلفه الرئيس أنور السادات والملك فيصل بن عبد العزيز، سعى فيصل لإحداث تقارب بين الإخوان والسّادات. وسيطر المنتمون للإخوان المسلمين على المناحي التعليمية في الجامعات تحديداً في عقد الستينيات والسبعينيات والثمانينيات، وكذلك على المنابر الإعلامية خاصّة في فترة حكم الملك فيصل في السعودية.

الأنشطة والاستهدافات

أمّا فيما يتعلق بأهداف الإخوان وأساليب عملهم في المهاجر التي لجؤوا إليها وعلى رأسها السعودية، فيشير الباحث العتيبي إلى أنّها تتمثّل في نشر دعوة الإخوان المسلمين فكراً وتنظيماً، من خلال السيطرة على العملية التربوية، والجمعيات الخيرية، والمؤسّسات ذات الطابع الشمولي، كالمؤسّسات الإسلامية الكبرى ذات الأدوار السّياسية، مضافاً إلى التغلغل في كلّ أعصاب المجتمع بشتّى السبل.

ولقد بدأ نشاط تنظيم الإخوان المسلمين في السعودية بشكلٍ واضح في فترة حكم الملك فيصل بن عبد العزيز، ملك السعودية في الفترة بين (1964- 1975). إذْ وقتها كانت العلاقات بين السعودية ومصر، التي كان يرأسها وقتئذٍ الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، في أقصى توتّرها بين الدولتين ذات النظامين السياسيين المختلفين جذريًّا( ).

وقد سيطر الإخوان على مواقع حسّاسة ومهمّة في المملكة مكّنتهم من ترسيخ وجودهم وتوسعة نفوذهم محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا. وقاموا بأدوار محورية مهمّة، خصوصاً على صعيد التنمية الفكرية والثقافية، وذلك من خلال بوابة التربية والتعليم والثقافة الإسلامية.

كما شيّدوا العديد من المعاهد والكليات، وقاموا بوظيفة التدريس فيها، وتأليف الكتب ووضع المناهج الدراسية، منذ أيّام الملك فيصل، أي في وقت لم يكن بوسع أحدٍ في المملكة القيام بهذا الواجب سواهم، على حدّ تعبير لاشين أبو شنب، عضو مكتب الإرشاد في الإخوان المسلمين.

وشغلوا مناصب تعليمية رفيعة منذ مستهل الستينيات، فمن بين الشخصيات الإخوانية المشهورة التي كانت تدرس في جامعة المدينة في تلك الفترة مثلاً، محمد المجذوب، من سورية، وعلي جريشة من مصر. كما عُيِّن محمد قطب، شقيق سيد قطب، أستاذاً في كلية الشريعة في مكّة عقب إطلاق سراحه من السّجن عام 1971م. ولا يختلف الحال كثيراً عنه في سائر بقية الجامعات بالمملكة، ولا سيّما جامعة الإمام حيث أصبح منّاع القطّان، الممثل الأول للإخوان في المملكة رئيساً لقسم الدراسات العليا فيها.

أسباب الاستقطاب

وفيما يتعلّق بالأسباب التي دفعت المملكة لاستقطاب الإخوان، فيذكر الباحث السعودي عبد الله بجاد العتيبي خمسة أسباب:

الأول: مواصلة السعودية لسياسة الملك عبد العزيز في استقطاب النابهين من العالم العربي في شتّى المجالات، مع تفريقٍ كان حاضراً في ذهن الملك عبد العزيز بين من يستقطبهم لرعاية شؤون الدولة وغالبيتهم من المثقفين العرب والأجانب كفلبي وخير الدين الزر كلي وغيرهم كثير، ومن يستقطبهم بغرض تخفيف التوتّر الديني الداخلي كحافظ وهبة وغيره ممن لم يحضر للسعودية، وإنْ زارها وقدّم لها الكثير من الحلول لمشكلاتها الشرعية مع الخطاب الديني المحلي، كمحمد رشيد رضا وغيره.

الثاني: سعي المملكة لمواجهة المدّ الناصري الثوري خصوصاً وأنّ عبد الناصر ناصب الملكيات العربية العداء، وكان يصمها بالرجعية، وسعى إلى الإطاحة بعروشها ونجح مسعاه في ليبيا واليمن، وضربت طائراته المناطق الجنوبية في السعودية، فتبنّت السعودية دعم التضامن الإسلامي في وجه المدّ الناصري. وكان أقوى خصوم عبد الناصر في الداخل حينها هم جماعة الإخوان المسلمين، فكان استقطاب الإخوان على مبدأ (عدوّ عدوّي صديقي).

الثالث: سعي المملكة إلى تطوير الخطاب الديني المحلّي، بعد الممانعة المستمرّة من قبل قادة هذا الخطاب لأغلب قرارات تطوير الدولة وتحديثها، وكمثالٍ يمكن مراجعة كتاب (فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ) ففيه الكثير من رفض الأنظمة الحديثة وإطلاق أحكام الكفر والردّة عليها، وقد انتقى من هذه الفتاوى كلّ ما يصبّ في هذا الاتجاه صاحب كتاب (الكواشف الجليّة في كفر الدولة السعودية) تحت فصلٍ سمّاه «فاعتبروا يا أولي الأبصار». وكان الإخوان المسلمون يقدّمون حلولاً إسلاميةً وبحوثاً شرعيةً معمّقةً لتمرير مشاريع الدولة التي أعاقها الخطاب التقليدي.

الرابع: ما واجهته السعودية من تحدّيات داخلية تمثّلت في حركة أحد المتشدّدين الذي قام بضرب التلفزيون السعودي مع معاونيه، التي أشارت إلى تنامي خطاب التطرّف داخل الخطاب التقليدي، وكان هذا الحادث اختراقاً لسلطة الملك وسيادة الدولة.

وكذلك قيام تنظيمات حزبيةٍ ثورية، منها: القومي، والبعثي، والشّيوعي، تبنّت معارضة النظام بصراحةٍ ووضوحٍ، وانتشر بعضها بين العمّال وبين طلبة الجامعات، وكان أفضل من يقوم بمواجهتهم حينذاك هي جماعة الإخوان المسلمين، نظراً لخبرتها بأطروحاتهم ومقدرتها على مقارعة حججهم بحججٍ دينية، وهي تجربة لم تنفرد بها السعودية بل استعملتها أغلب الدول العربية في مواجهة المدّ اليساري.

الخامس: سعي المملكة المشروع لإثبات نفسها كدولةٍ قائدةٍ ورائدةٍ، وكذلك تثبيت مكانتها وثقلها السّياسي في العالمين العربي والإسلامي وفي العالم أجمع.

أقسام الإخوان في المملكة

ويشير بعض المهتمّين إلى أنّ الإخوان المسلمين المتواجدين في السعودية، ينقسمون فكريًّا إلى جناحين: بنائيين، نسبةً للبنّا، وقطبيين، نسبة لسيد قطب.

ويرى كثيرٌ، ومن بينهم الباحث العتيبي، أنّ الإخوان ينقسمون حركيًّا إلى ثلاثة أقسامٍ:

1- إخوان الحجاز: وهم منتشرون في الحجاز والجنوب والمنطقة الشرقية. ولهم وجودٌ لا بأس به في بقية المناطق. ويعدّون أقوى تنظيمات الإخوان في السعودية، فهم الأكثر تنظيماً وتأثيراً وانتشاراً.

2- إخوان الرياض أو القيادة العامّة: وهي نخبة من الإخوان المسلمين، ليس لهم تأثير أو انتشار كبيران، ويكاد نشاطهم يقتصر على المشاركة في بعض البيانات.

3- إخوان الزبير: وهي مجموعة من أهل الزبير، الذين انتسب بعضهم للإخوان في الزبير وبعضهم لحق بالتنظيم أثناء الاجتماعات العائلية التي يعقدها أهل الزبير كآلية للتواصل الاجتماعي بينهم في السعودية. وهم في الغالبية مسالمون وبعيدون عن الصّخب مع بعض الاستثناءات.

ويميل العتيبي، للتقسيم الثاني بناءً على متابعةٍ طويلةٍ لجماعة الإخوان في السعودية وحواراتٍ ونقاشاتٍ متعدّدة مع بعض عناصر الإخوان السّابقين ومع بعض المراقبين والمهتمين بالموضوع. وثَمَّةَ مجموعة من الأسماء تنسب لكلّ فرع من هذه الفروع الإخوانية، يتحاشى الباحث ذكرها لعدم توفّر المصادر التي يمكن الاعتماد عليها.

توتّر العلاقة مع النظام

وقد توتّرت العلاقات بين النظام السعودي وتنظيم الإخوان المسلمين مرّات عديدة، لعلّ أبرزها كان نتيجة حدثين مهمين:

الأول خارجي، وتمثل في موقف السعودية من ثورة اليمن 1948، حيث أبدى الإخوان غضبهم من الملك عبد العزيز لوقوفه ضدّ هذه الثورة. يقول محمود عبد الحليم: «كان لهذه الثورة آثارٌ على المستوى المصري وأخرى على المستوى العربي، فعلى المستوى المصري فإنّها ألقت الروع في قلوب القائمين على الحكم في مصر، مما جعلهم يلقون بثقلهم أولاً لإحباطها، ثم ليعدّوا العدّة للقضاء على مدبّريها، وهم الإخوان المسلمون الذين بلغوا أشدّهم، حيث كانت لديهم المقدرة في أنّهم يقيمون الدول ويسقطونها.

فوجد فاروق في مصر تجاوباً لأحاسيسه عند الملك السعودي عبد العزيز وقد قرّبت ما بينهما وأنستهما الخلافات التي كانت بينهما»( ).

والحدث الثاني، كان حدثاً داخليًّا تمثّل في موقف الإخوان المسلمين أثناء حرب الخليج الثانية من الحكومة السعودية، الذي كان متوافقاً مع أغلب مواقف الجماعات الإسلامية في المملكة، التي تحفّظت على مشاركة قوات غير مسلمة في قتال العراق ( ).

لعلّ حديث الأمير نايف بن عبد العزيز عن الإخوان يُعزّز ما تمّ الإشارة إليه آنفاً، ويعكس جانباً من مدى السّخط السعودي على النشاط الحركيّ السّري للإخوان في المملكة، فقد قال في هذا السياق: «بحكم مسؤولياتي أقول: إنّ الإخوان لما اشتدّت عليهم الأمور، وعلّقت لهم المشانق في دولهم، لجؤوا إلى المملكة فتحمّلتهم وصانتهم، وحفظت حياتهم بعد الله، وحفظت كرامتهم ومحارمهم وجعلتهم آمنين، لكن بعد بقائهم سنوات بين ظهرانينا، وجدنا أنّهم يطلبون العمل، فأوجدنا لهم السبل، ففيهم مدرّسون وعمداء، فتحنا أمامهم أبواب المدارس والجامعات، لكن للأسف لم ينسوا ارتباطاتهم السابقة، فأخذوا يجنّدون الناس، وينشئون التيارات، وأصبحوا ضدّ المملكة»( ).

كما أشار سعد الدين إبراهيم قائلاً: «حينما ضُربت حركة الإخوان المسلمين بواسطة الرئيس المصري جمال عبد الناصر في الخمسينيات وفي الستينيات، فرّ عددٌ كبيرٌ من الإخوان إلى المملكة العربية السعودية، المعقل الحصين للوهابية، حيث أحسنت وفادتهم وحمايتهم. كما أنّ عدداً كبيراً منهم شاركوا في بناء الدولة السعودية الثالثة، واستفادوا بقدر ما أفادوا أدبيًّا وماديًّا( ).

التأثير المتبادل

وفيما يتعلّق بالتأثير السّلفي على الإخوان أو العكس أو مجمل تأثير تنظيم الإخوان على المجتمع السعودي في الماضي والحاضر والمستقبل، فإنّ المعطيات القائمة على الأرض تدلّ على أنّ التأثير الذي أحدثه تنظيم الإخوان ثقافيًّا وفكريًّا وحركيًّا على المجتمع السعودي عامّة والحالة السلفية خاصّة، كان عميقاً، ولا يمكن نكرانه.

على الأرجح، فإنّ التأثير لم يكن من طرف واحد فقط، وإنما هو تأثير متبادل. ففي الوقت الذي أثر تنظيم الإخوان على المجتمع السعودي بمختلف تياراته وقواه الدينية ثقافيًّا وفكريًّا وحركيًّا، فإنّ الإخوان هم أيضاً تأثّروا بالحالة السلفية السعودية. ونتج عن ذلك ولادة تيار إخواني سلفيّ سعودي، له خصائصه التي تميّزه عن سائر التيارات الإخوانية الموجودة في أنحاء مختلفة من العالم الإسلامي.

إلا أنّ تأثير الإخوان لم يقتصر على النظام التعليمي السعودي بحكم عملهم في التدريس، وبتمثيلهم قوّة بارزة في إعادة تشكيل النظام وإعادة صياغة المناهج التعليمية، الذي أدخلوا فيه العناصر الأساسية التي تشكّل عماد إيديولوجيتهم ونظرتهم إلى العالم( ). وإنْ كان ذلك وحده يكفي لأنْ يؤثّر على مجمل الحياة العامّة في المملكة، إلا أنّ الخطاب الديني الذي جاء به الإخوان المسلمون للسعودية، مختلف عن الخطاب السّلفي السائد، ولذا تم معارضة العديد من أطروحاتهم، وعانوا من عدم التقبّل الشّعبي لها.

لكن مع مرور الوقت، وجدوا حلّهم الخاصّ لهذه المشكلة، وقد تمثّل هذا الحلّ في تشكل تيار سعودي إخواني زاوج بين الوعي الحركيّ والتنظيميّ، الذي أتى به الإخوان، وبين الفكر أو التراث السّلفي السعودي. وبات هذا التيار اليوم من أكثر التيارات تأثيراً في الساحة السعودية.

ففي ظلّ ثورات الربيع العربي ووصول حركة الإخوان المسلمين إلى جانب بعض الأحزاب السّلفية إلى السّلطة في كلٍّ من تونس ومصر تحديداً، سيلقي بتأثيراته الواسعة على الساحة السعودية، عبر بوابة الإخوان خصوصاّ أنّ حركة الإخوان السعودية باتت اليوم من أشدّ التيارات الحركية تفاعلاً وإيماناً بنفس الأفكار والطروحات، التي يُردّدها ويسعى إلى تطبيقها أتباع الحركة الأمّ، سواءً في مصر أو تونس أو أنحاء أخرى في العالم الإسلامي.

لذلك فإنّ المراقب إلى السّاحة السّياسية السعودية اليوم، يلمس دعوات جادّة من مختلف التيارات الحركية، ومن بينها الإخوان، تطالب بتعزيز المشاركة الشعبية والحريات العامّة والشّفافية والمحاسبة والمساءلة وسيادة القانون وحاكمية الشعب، وإقامة دولة مدنية تؤمن بمبادئ وقيم الديمقراطية، وهي ذات الطروحات التي يتمّ ترديدها في أنحاء مختلفة في العالم العربي، خصوصاً فيما بات يسمّى بدول الربيع العربي، أو البلدان التي لا زالت تشهد احتجاجات ثورية.

6- تيار التنوير الإسلامي (الصحوة)

برز هذا التيار في السّاحة السعودية، الذي يُسمّى بالتيار العصراني أو العقلاني أو التنويري، في ظلّ الانفتاح الإعلامي بمنتصف تسعينيات القرن الماضي، خصوصاً عندما كثر الحديث عن الغلوّ والإرهاب، وذلك بعد تداعيات غزو الكويت عام1990 م، التي أعقبها حدثي 11 سبتمبر 2001 وسقوط طالبان وما تلاهما من موجة التفجيرات التي طالت السعودية عام 2003 م.

وقد عرف هذا التيار من خلال أطروحاته التي تنادي بمراجعة التراث وتجديد الخطاب الديني وإعادة قراءة الفلسفة وأسلمتها وإشكالات النهضة والتنمية.. وزادت وتيرة هذا النداء بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ليطرح التيار التنويري نفسه كتيار ناقد لتيارات العنف والتطرف ومسبّباته برؤية إسلامية( ).

وقد حمل إرثه الإصلاحي طليعة من المثقّفين السعوديين، برز منهم على السّاحة الإعلامية بعض الشباب المثقف والمتحمّس أيضاً للصدام والمستعدّ لخوض معارك البقاء والمنعتق من قيد الأيدلوجيات التقليدية أو الحركية، مما أدّى إلى سجالات ومعارك إقصائية شهدتها ساحات الإنترنت وبعض صحفنا اليومية وسط مناخات فكرية قاسية وثقافات كانت تحرّم هذا الطّرح جملةً وتفصيلاً( ).

تأثّره وجذوره

بحسب ما ورد في مقاله الموسوم بـ «مآلات الخطاب المدني»، يؤكّد الدكتور إبراهيم السّكران تأثّر هذا التيار بالمدرسة الفرانكفونية/ المغاربية، التي كان أشهر عمالقتها: محمد عابد الجابري، وعبد الله العروي، ومحمد أركون، وعبد المجيد الشرفي، وعبد المجيد الصّغير، بالإضافة إلى بعض من كانوا قريبين من هذا الاتجاه: كحسن حنفي، وخليل عبد الكريم، ونصر حامد أبو زيد، وعبد الجواد ياسين، وطيب تيزيني، وحسين مروة، وعلي حرب، وبرهان غليون، وفراس السّواح، وأضرابهم.

ويشير السّكران، أنه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تعرّض الاتجاه الإسلامي إلى حالة محاكمة عالمية شرسة حدّت من انسيابه ودويّه، وتراجعت معها شعبيته الاجتماعية بشكل ملموس. وفي ظلّ هذا الفراغ الجزئي الذي خلفه انكماش الحالة الإسلامية، برزت أبحاث المدرسة الفرانكفونية/ المغاربية كإجابة جديدة نجحت في استغلال الظرف الأمني الحالي وحقّقت اكتساحاً استثنائيًّا في فترة قصيرة.

وفي ظلّ هذه الحالة، وبعد أزمة الغزو، صار إقبالٌ شديدٌ من قبل الشباب السعودي على معارض الكتب وأمام رفوف الوحدة والساقي والجمل، وقد تشرّب «المفاهيم الضّمنية» الحاكمة لتلك الكتابات ذات الصّلة بتلك المدرسة، وعلى رأس تلك المفاهيم مركزية المدنية وغائية الحضارة. هذا إلى جانب إقبالهم أيضاً على مجلة المجتمع ومجلة البيان، وكتب المودودي وسيد قطب والندوي ومحمد قطب ومحمد الغزالي وفتحي يكن ومحمد أحمد الراشد وجمال سلطان وفهمي هويدي ومحمد عمارة، وكاسيتات العودة والحوالي، مما ولّد لدى الشباب الانشغال بسؤال الحضارة.

وكان لإعادة قراءة التراث وكتابات محمد عابد الجابري، بالإضافة إلى كتابات الإسلاميين الحديثة، بحسب المشوح، حول الديمقراطية والتنمية الأثر الأبرز في معتنقي هذا التيار، إلا أنّ مثل كتابات محمد أركون ونصر أبو زيد وعلي حرب في تفكيك النّص ونقده ورفع القداسة عنه واستنساخ بعض النظريات الفلسفية الغربية الحديثة، شكّلت نقطة إحراج وعدم توازن لدى بعض معتنقي هذا التيار تمثّلت في اندفاع بعضهم إلى ساحات العلمانية والابتعاد عن الفكرة الإسلامية.

وبقي لهذا التيار منتسبوه من طلبة علم وأكاديميين ومثقّفين يؤمنون بمرجعية النّص وقداسته وإن اختلفوا على الأولويات التي يرى فيها البعض مجالاً لتطوير هذا الخطاب ليشمل كافّة التيارات، فالتوعية الحقوقية والنهضة والتنمية هاجس لدى البعض، ولتجديد الخطاب الديني أولوية لدى آخرين، كما أنّ الوعي السّياسي والسّياسة الشّرعية حاضرة لدى بعضهم الآخر( ).

مع أنّه لا زال البعض يجادل في جذور هذا التيار، إذْ بعضهم يؤكّد على أن الجذور الأساسية له تعود إلى بدايات الفلسفة التنويرية التي نشأت في أوائل القرن السابع عشر الميلادي، والتي يحلم البعض بمحاكاتها كتجربة رائدة يمكن تكرارها في المجتمعات المماثلة، وبالتالي فإنّ التيار التنويري أو العصراني السعودي هو امتداد لتلك الحقبة.

ولكنّ البعض الآخر، يرى أن جذور هذا التيار تعود إلى ما قبل تلك الحقبة التاريخية، أي إنها تعود إلى زمن الطهطاوي وعبده والأفغاني وخير الدين التونسي والكواكبي. وطرف ثالث يرى أنّ جذور هذا التيار ترجع إلى زمن أقرب من تلك الحقبتين السابقتين، وتحديداً يحصرها في زمن زكي نجيب محمود والعشماوي وحسن حنفي وجمال البنا والجابري وأركون.

أقسامه ورموزه

وبحسب الباحث السعودي خالد المشوح، فإنّ التيار التنوير الإسلامي يمكن تقسيمه إلى قسمين:

الأول: تيار انطلق من الفكرة الإسلامية وبقي على انتمائه الإسلامي مع إصراره على العملية التحديثية والنقد الموجه للحركة الإسلامية بشكل عام والسّلفية بشكل خاصّ، أمثال: سليمان الضّحيان، وعبد العزيز القاسم، وعبد العزيز الخضر، ونواف القديمي، وطارق المبارك، ومنصور الهجلا، وغيرهم كثير.

الثاني: كانت انطلاقته ترتكز على نقد الفكر الديني، لكنّه غادر الفكرة الإسلامية إلى الليبرالية وبقي مهتمًّا بنقدها، أمثال: عادل الطريفي، ومنصور النقيدان، ومشاري الذايدي، وعبد الله بجاد، وغيرهم.

ملامحه الفكرية

وفيما يتعلّق بأبرز الملامح الفكرية العامة التي تجمع أطياف هذا التيار، بحسب الباحث مسفر القحطاني، هي ما يلي:

1- إنّ هذا الفكر ما زال جديداً لجيل الشباب، ومعالمه ما زالت لم تهضمها ثقافتهم وبناءهم المعرفي السّابق، مع شدّة حماستهم لأطروحاته التجديدية، وليس من المتوقّع إمكان تنظيم ملفّاتهم وأوراقهم المبعثرة في الفترة القادمة؛ لاختلاف طبائعهم وموروثاتهم السّابقة ومرور بعضهم بمراهقة فكرية حادّة قد تبطل كلّ مشروعاتهم الإصلاحية.

2- الغلوّ في نقد المدرسة السّلفية التقليدية وإظهار جمودها وانغلاقها على الواقع المعاصر؛ مما حدا بكلّ النّاقمين عليها والمخالفين لها أنْ ينضمّوا في خندق هذا التيار مع تباين أطيافهم وانتماءاتهم الفكرية، واعتقد لولا أنّ حالة النقد للسلفية وردّة الفعل من المقابل لما اجتمعوا على هذا التيار في خندق واحد ليثأروا لبعضهم ويتنادوا في منتدياتهم «التحاورية» أو في واديهم المقدس «طوى» أو من خلال مقالاتهم في صحفنا اليومية.

3- الاعتماد في تفسير النصوص الشرعية والأحكام الثابتة على العقل المجرّد والمصلحة الذوقية وتأويلها وتنـزيلها على الواقع من خلال هذه الرؤية باعتبارها الأوفق لحياة الناس المعاصرة، ونقد الكثير من القواعد الأصولية بحجّة تضييقها لمساحة المباح والعفو في الشريعة الإسلامية.

4- الدعوة لتجديد الفكر الإسلامي وتأطيره من جديد، وربط النهضة بالمشروع الحضاري الشّامل بالمفهوم الحداثي المعاصر.

5- نقد التيارات الإسلامية الحركية من غير تمييز واتّهامها في مقاصدها بتسييس الدّين لصالحها ووصْمِها بالانتهازية وربطها أحياناً بالعمالة لدول أجنبية.

6- التأكيد المستمرّ على خيار الديمقراطية في الإصلاح، والعمل على إقامة دولة المؤسّسات وتحقيق مفهوم المجتمع المدني من خلال المنظار الليبرالي التقدّمي.

7- الدعوة لـ «الإسلام المستنير» كمخرج من الجمود والتقليد الذي تعيشه بعض المجتمعات الإسلامية الخليجية، وكمفهوم للدين يتوافق مع ديمقراطية الغرب ومبادئ المجتمع المدني، كما تبرز أهميته في قابليته للتشكل لأيِّ صياغة ليبرالية يستدعيها موقفهم القيمي، وهذا ما جعل التيار الليبرالي يتبنّاهم ويفسح المجال لهم في كثير من منابره الثقافية والإعلامية.

8- تجلية التاريخ الإسلامي - بدأ من عهد الخلفاء الراشدين - بدراسة سلبياته وإيجابياته وأسباب انحرافاته السّياسية والفكرية، وتمجيد الأفكار والحركات الباطنية والاعتزالية والفلسفية كنوع من التحرّر الفكري العقلاني والنهوض الثوريّ في وجه الرّجعية التراثية.

إنّ هذه الملامح، وإنْ كانت مشتركة عند الأكثر، بحسب القحطاني، إلا أنّها قد تزيد أو تنقص عند أفرادهم حسب ميولهم الثقافية وحاجة الوسط الذي يعيشون فيه لتغليب نوع معيّن من جوانب الإصلاح التنويري. كما أنّ هذا الفكر مع كلّ الإشكاليات المثارة عليه، قد حمل معه صواباً كثيراً ورؤى تجديدية واقعية وغنية بالمعرفة والوعي الحضاري لبعض المشكلات والقضايا الإسلامية المعاصرة والمستقبلية.

وبصرف النظر عن تاريخ الجذور الفكرية لهذا التيار، فهناك على ما يبدو شبه اتّفاق وإجماع عامّ، على أنّ بروز هذا التيار تجلّى بشكل واضح في المملكة في منتصف تسعينيات القرن الماضي، وتحديداً بعد عملية غزو العراق ببضع سنوات الذي صاحبها اعتقال رموز الصحوة، كالشيخ العودة وسفر الحوالي وآخرين، على خلفية معارضتهم لجلب المملكة القوات الخارجية للبلاد.

7- السّلفية الجهادية

على وقع أزمة الخليج الثانية1990 م، تعالت الأصوات من مختلف الاتجاهات في المملكة، مطالبة السّلطة السّياسية في المملكة، عبر مجموعة من العرائض بالقيام بحزمة من الإصلاحات في شتّى المجالات الدينية والإعلامية والاجتماعية والاقتصادية والاقتصادية، كضرورة المشاركة السّياسية، ومراجعة مناهج التعليم الديني وغربلته، وإصلاح النظام القضائي، وتعزيز الحرّيات العامّة، وتقليص سلطات الأسرة المالكة، وغيرها من المطالب الإصلاحية.

وقد كان لافتاً، بعد تلك الفترة الزمنية وما تلاها، بروز عدّة تشكّلات سياسية وحقوقية، معبّرة عن مختلف الاتجاهات الشعبية في المملكة، مما ساهم في تنامي حركة المطالبة بالإصلاحات السّياسية في المملكة. وكانت بعضاً من تلك التشكّلات تدعو صراحة لممارسة العمل السّياسي العلني المناهض للسّلطة، وبنبرة مرتفعة أيضاً، لفرضه كأمرٍ واقع في المجتمع السّعودي.

وقد تبنّت حركات أخرى العمل المسلّح، كالقاعدة. والسّلفية الجهادية هي من بين أهمّ التوجّهات السلفية الممثلة للإسلام السّياسي السّني، التي برزت بشكل علني في تلك المرحلة، ودعت لممارسة العمل السياسي والعسكري، تحت عناوين و «يافطات» مختلفة.

وبمعزل عن تأريخ نشوء السّلفية الجهادية وأماكن تواجدها وأنشطتها ومن أنشأها، فإنّ مصطلح السّلفية الجهادية يطلق عادة على بعض جماعات الإسلام السّياسي، التي تتبنّى الجهاد منهجاً للتغيير. برز كتيار فكري مميّز في مصر، في عهد السّادات تحديداً. ويعلن هذا التيار أنه يتّبع منهج سلف المسلمين، وأنّ الجهاد أحد أركانه، وأنّ الجهاد الذي يجب وجوباً عينيًّا على المسلمين يتمّ تطبيقه ضدّ العدوّ المحتلّ وضد النظام الحاكم المبدّل للشريعة الإسلامية ويحكم بالقوانين الوضعية، أو النظام المبالغ في الظلم والقهر.

فالسّلفية الجهادية هي عبارة عن مجموعة من الأفراد أو الجماعات تبنّوا فكرة الجهاد المسلّح ضدّ الحكومات القائمة في بلاد العالم الإسلامي أو ضدّ الأعداء الخارجيين، وحملوا فكراً محدّداً يقوم على مبادئ الحاكمية وقواعد الولاء والبراء وأساسيات الفكر الجهادي السّياسي الشرعي المعاصر، كما هو مفصل ومعروف في أدبياتهم( ).

كما تعرّف بأنها تيار أيديولوجي ومشروع تحمله جماعات حركية مناهضة بشكل مطلق لما هو قائم من أنظمة اجتماعية وسلطات سياسية وثقافية سائدة وعلاقات دولية، وهي أيديولوجية تتّسم بالخاصية المزدوجة التالية: إنّها تشكّل الصيغة الأكثر جذرية لتقسيم البشرية على أساس ديني، إذ لا تكتفي بالتقسيم التقليدي للبشر إلى مسلمين وكفار، بل توسّع معنى الكفر أو الشرك وتقدّم تعريفاً ضّيقاً للإسلام يؤدّي إلى إخراج جزء كبير من المسلمين من حظيرته.

إنّها تقدّم في الوقت نفسه الصيغة الأكثر جذرية لتسييس الدّين فتتعامل معه كأيديولوجية صدامية لا تقف عند هدف استعادة النظام السّياسي الإسلامي في فضائه التاريخي المعروف، وإنما تتجاوزه إلى الجهاد ضدّ الطاغوت والجاهلية في كلّ مكان من الكرة الأرضية، والعمل على إقامة دولة خلافة عالمية، أي حكم الإسلام للعالم كافة( ).

ويعتبر الكثير من الدّارسين للسّلفية الجهادية، التي تعتبر خليطاً من جماعات العنف الديني التي ولدت من رحم جماعة الإخوان المسلمين والسّلفية التقليدية الوهابية، أنّ مرحلة الجهاد في أفغانستان ضدّ الاتحاد السوفيتي، منذ أواسط الثمانينيات حتى إعلان انسحاب القوات السوفييتية عام 1989م، هي الفترة الذهبية التي ساهمت بشكل كبير في تشكيل اللبنة الأولى للحركة الجهادية الإسلامية السلفية العالمية.

ولادة السّلفية الجهادية ورموزها

وقد برزت السّلفية الجهادية في المملكة من رحم السّلفية الرسمية بعد حرب الخليج الثانية1990 م، وبشكل أكثر وضوحاً بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 م، وما تلاه من عمليتي احتلال أفغانستان ثم العراق 2003 م. وهي سلفية لم تكن معروفة في المملكة قبل تلك الفترة، إذ كانت السّلفية واحدة وتياراً واحداً ومنطلقات واحدة( ).

وكانت الولادة الفعلية للسلفية الجهادية بعد أن أفتى الشيخ ابن باز في حرب الخليج الثانية بجواز الاستعانة بالقوات الأجنبية، بعد أن أثار موضوع الاستعانة بالقوات الأجنبية أو ما يطلق عليه في الأدبيات السّلفية بـ «الجيوش الكافرة» حميّة السّلفيين المتشدّدين خصوصاً أولئك الذين للتوّ قد عادوا من مهمّة جهادية عظيمة في أفغانستان.

وقد كانت حرب الخليج الثانية كتسو نامي سياسي- اجتماعي، إذ أحدثت هذه الحرب أضراراً فادحة في جسد السلفية الرسمية لم تندمل حتى يومنا هذا. تقسّمت على أثر هذه الحرب السلفية إلى سلفيات، وتولّد من تلك السلفيات قيادات شابة جديدة متحمّسة للعمل الدعوي والجهادي المعارض لتوجّهات الدولة، وأفرزت تلك الفترة تيارات عدّة من أبرزها تيار الصّحوة والتيار الجهادي.

وكانت كتابات رموز السّلفية النضالية ممثّلة بالشيخ سفر الحوالي، والشيوخ سلمان بن فهد العودة، والشيخ ناصر العمر، والشيخ عايض القرني، وعدد كبير من مشايخ المدرسة السلفية من الطبقة الثانية والثالثة، تشيع ثقافة دينية حركية تأخذ شكلاً تحريضيًّا. وقد راجت هذه الثقافة على نطاق واسع خلال التسعينيات من القرن الماضي، وغمرت بقدرتها التعبوية الهائلة قطاعات واسعة من المجتمع السلفي عبر وسائل متنوعة «الكتيبات، والكاسيتات المسجلة، وأشرطة الفيديو..»، وشكّلت مادة تجنيد نشطة التقت مع بدايات تشكل الأنوية التنظيمية لشبكة القاعدة التي تصاهرت معها فكريًّا، وإلى حدٍّ مّا تنظيميًّا في فترة معينة( ).

لقد تمّ تصنيف الحوالي، والعودة، والعمر، والقرني، في المملكة كأبرز منظّري وداعمي العناصر السّلفية الجهادية، وكانت العناصر الجهادية تنظر إلى رؤاهم الفكرية سبيلاً للجهاد، إلا أنّهم، ولأسباب عديدة، بحسب الباحث فؤاد الإبراهيم، عادوا إلى معاقلهم التقليدية وانضووا تحت مظّلة الدولة طمعاً في إعادة تأهيل أدوارهم الدعوية ودرءاً لخطر الزّوال. فقد فضّل هؤلاء الرموز الاستعانة مجدّداً بأدوات الدولة لإبلاغ رسالتهم السلفية مع تخفيف جرعة التشدّد، وصوغ خطاب ديني فيه سيماء الاعتدال والتسامح النسبي، دون التخلّي عن المواقف السّابقة المشحونة توتّراً وتشدّداً وتحريضاً.

المرتكزات الفكرية

ولما كانت السّلفية الجهادية تأخذ باختزال من نصوص السلفية العلمية المنثورة في كتب التراث دون إخضاعها لأية قراءة نقدية أو تفكيكية تراعي الظرف الزماني والمكاني لهذه النصوص، بالإضافة إلى تأثّرها بحركات إسلامية سياسية كوّنت مزيجاً من الحركية والنّص، وأدّت إلى بروز ما عرف لاحقاً «بالسّلفية الجهادية».

ونظراً لاهتمام السّلفية الجهادية بأحاديث الجهاد والخروج والخلافة والتصاقها بميادين جهادية كأفغانستان والشّيشان والبوسنة والهرسك والصومال أو حتى صراعات أهلية داخلية كما في الجزائر، بالإضافة إلى الأصول العلمية للسلفية الجهادية التي كثيراً ما يعتذرون بها، كلّ هذا ساهم في بروز وتنامي هذا الفصيل السّلفي الجديد( ).

وتتّسم السّلفية الجهادية بالتشدّد مع المختلف معها فكريًّا وفقهيًّا وعقديًّا ومذهبيًّا ودينيًّا، بل لا تتورّع من تكفيره، وإراقة دمه إذا انطبقت عليه الشروط الموجبة للقتل، باسم الجهاد في سبيل الله. ولقد أشار الباحث المشوح في كتابه «التيارات الدينية في السعودية من السلفية إلى جهادية القاعدة وما بينهما من تيارات» إلى أنّ فريق حملة السكينة بذل جهداً كبيراً في تقصّي المرتكزات الفكرية لتنظيم القاعدة، الذي بات المرجع لكلّ التيارات السلفية الجهادية منذ أحداث 11سبتمبر/ أيلول 2001 م.

وتنحى القناعات الفكرية «الشبهات الفكرية»، على حدّ تعبير المشوح للسلفية الجهادية، باتجاه تكفير الأنظمة المعاصرة، لكونها استبدلت بالشريعة الإسلامية قوانين وضعية، وانضمّت إلى المنظّمات الدولية الطاغوتية الكافرة كهيئة الأمم المتّحدة ومجلس الأمن، ونقضت عقيدة الولاء والبراء، فوالت الكفار، وعطّلت شعيرة الجهاد، وحاربت المجاهدين، وآمنت بالحدود السّياسية، واستبدلت بالولاء للإسلام أوطاناً «أوثاناً»، وداهنت الكفار، ومارست الرّبا والموبقات، وجلبت الكفّار إلى جزيرة العرب، ودشّنت المدارس النظامية التي تدرس فيها نظريات الكفار، وتعلّم الرسم، مما يستوجب الجهاد ضدّها.

من خلال تلك المبرّرات، وعبر تطويع النصوص الدينية لتعزيز تلك القناعات، شنّت السلفية الجهادية، التي تتجلّى بشكل أكثر وضوحاً في تنظيم القاعدة، حرباً شعواء في أكثر من بلد، وفي مقدمها المملكة العربية السعودية، حيث وقعت عدّة تفجيرات انتحارية في الرياض في 12 مايو 2003 م، إذ أعلن تنظيم القاعدة مسؤوليته عنها. استهدفت هذه التفجيرات عدّة مجمعات يسكنها أجانب.

وقبل بدء مجموعة الهجمات كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد أطلقت تحذيراتها بقرب وقوع ما سمّته أعمالاً إرهابية قد تستهدف أمريكيين في المملكة العربية السعودية. تبعتها الحكومة السعودية بالإعلان عن عدد من القوائم التي تضمّ عدداً من المطلوبين أمنيًّا، وكانت أولى تلك القوائم هي قائمة التسعة عشر مطلوباً( ).

وفي دراسته الموسومة بـ «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب»، المنشورة على موقع المركز الدولي للدراسات المستقبلية والإستراتيجية، يذكر الباحث في الحركات الإسلامية السيّد زايد، أبرز ملامح خطاب تنظيم القاعدة المتمثلة في: تكفير الأنظمة الحاكمة، شرعية الخروج على الأنظمة الحاكمة، بناء تنظيمات مسلّحة لقلب نظام الحكم، رفض الحوارات الوطنية وغيرها باعتبارها انهزامية، إقامة دولة الخلافة، عدم الاعتراف بالدولة القطْرية، الهجوم على الحركات الإسلامية الأخرى، تكذيب المراجعات والهجوم عليها.

العمليات العسكرية

وكنتاج طبيعي للفكر التكفيري المتشدّد الذي يتّسم به تنظيم القاعدة، وبناءً على تلك القناعات، وتحت شعار «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب»، أضحت المملكة العربية السعودية هدفاً للعديد من العمليات العسكرية. ففي 13 نوفمبر 1995 نفّذ تنظيم القاعدة عملية استهدفت رئاسة الحرس الوطني بالرياض وقتل فيها 7 أمريكيين، وفي 12 مايو 2003 تمّ الهجوم على المجتمعات السكانية في أشبيلية والحمراء وغرناطة وقتل ما لا يقلّ عن 40 شخصاً من بينهم تسعة من المنفّذين، كما جُرح مئتان آخرون تقريباً.

وفي 8 نوفمبر 2003 تمّ تفجير مجمع المحيا السكنى بالرياض الذي يقطنه الأجانب، وقتل في هذا التفجير ما لا يقل عن 20 شخصاً. وقد شهد عام 2003 العديد من المواجهات والمداهمات والمطاردات التي قامت بها أجهز ة الأمن وقتل على أثرها الكثير من رجال الأمن وأعضاء التنظيم. وكانت آخر عمليات التنظيم الانتحارية الفاشلة في 27 أغسطس 2009 ، حيث استهدف اغتيال وزير الداخلية السعودي الحالي الأمير محمد بن نايف، حينما كان مساعداً لوزير الداخلية السعودي للشؤون الأمنية.

ولخوض العمليات العسكرية في السّاحة السعودية، استوجب أن يكون لدى التنظيم قادة مؤهّلون ميدانيًّا لممارسة هذا الدور، إلى جانب القادّة المنظّرين، وكان من أبرز القادة العسكريين:

1. يوسف العييري، الذي يعتبر مؤسّس وقائد تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، ومثّل الحلقة الأهمّ والوسيط المحلّي الفاعل بين بن لادن وبين خلايا الأفغان السعوديين منذ عام 1999 م.

2. خالد الحاجّ، يمني الجنسية، عمل إلى جوار أسامة بن لادن في أفغانستان، قتل في مواجهة أمنية بالرياض في 15 مارس عام 2004 م.

3. عبد العزيز المقرن، الذي شارك في عدّة جبهات قتال في الخارج، حيث تلقّى تدريبات في أفغانستان قبل أن ينتقل إلى الجزائر في منتصف التسعينيات، كما شارك في القتال في البوسنة والصّومال في إقليم أوغادين ضدّ القوات الأثيوبية، ثم تولّى قياده التنظيم خلفاً لخالد الحاجّ الذي قتل عام 2004 بعد مواجهة مسلّحة مع قوات الأمن السعودي.

4. يونس الحيارى، مغربيّ الجنسية، دخل البلاد عام 2001 مع زوجته وابنته بجوازات سفر بوسنية، وقد قتل في الرياض في مواجهة أمنية في الثالث من يونيه عام 2005 بعد خمسة أيام من إعلان اسمه في قائمة 36 مطلوباً.

5. فهد الجوير الفرّاج، الذي قتل في مواجهات أمنية في الرياض في 27 فبراير 2006 م.

الموقف من الديمقراطية

قبل ثورات الربيع العربي كانت التيارات السّلفية بلا استثناء بالضدّ من الديمقراطية. وفي ذلك الوقت كانت السلفية الجهادية، سواءً في السعودية أو خارجها، هي أكثر السّلفيات رفضاً لها، ولا زالت. ولعلّ تصريح أبرز قادة ومنظّري تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، لصحيفة الوطن 2013 م بعد الثورة المصرية، الذي يحرّم الانتخابات ويعتبر الديمقراطية شركاً، ويدعو الناس للابتعاد عن الانتخابات ومقاطعتها بكلّ أنواعها، خير معبّر عن موقف السلفية الجهادية الأكثر تطرّفاً حيال الديمقراطية والانتخابات.

كما يرى أحد قادة السّلفية الجهادية «مرجان سالم»، أنّ خوض الانتخابات والمسائل الديمقراطية أمرٌ ترفضه السلفية الجهادية، قائلاً: «نعتزل هذه الأمور الشّركية، ونؤكّد أنّ الانتخابات والديمقراطية أمور شركية، ولم نشارك في أية انتخابات سابقة، لا رئاسية ولا برلمانية، ولن نشارك فيها، كما وندعو الناس إلى الامتناع عن هذه الطرق الديمقراطية ومقاطعة الانتخابات بكلّ أنواعها»، نافياً خوض السّلفية الجهادية الانتخابات في مصر.

مضيفاً أنّ الديمقراطية تعني حكم الشعب نفسه بنفسه عن طريق نوّابه الذين يختارهم عن المناطق التي يجرى تقسيمها جغرافيًّا ليؤدّى النّواب مهمّة التشريع من دون الله نيابة عن الشعوب والجماهير التي اختارتهم. وقال:« ليس هناك حدود لهؤلاء النّواب، يفعلون أيّ شيءٍ من خلال الديمقراطية، غير موافقة الإرادة الشعبية فقط، مهما كان ما شرّعوه حلالاً أم حراماً في دين الله( ).

وفي تصريحٍ آخر يقول الظواهري: «إنّنا لا نقبل أن تكون السّيادة للشعب، أو الديمقراطية؛ لأنها كفر وشرك بالله، تناقض نظام الحكم الشّرعيّ الذي فيه أنه لا تداول في السّلطة». معتبراً، أنّ الدستور المستفتَى عليه هو شرك بالله، وتأليه للشّعب، ومنحه حقّ التحليل والتحريم، ووصفه بكفرٍ بواحٍ لا خفاء فيه، مُرجعاً ذلك إلى عدم جواز قيام الأحزاب، معتبراً أنّ نظام الدولة بهذا الدستور شركيّ لا علاقة له بالإسلام، وأنّ الديمقراطية تنافي الإسلام بأن جعلت حقّ التشريع للشّعب وليس لله.

8- لجنة الدّفاع عن الحقوق الشرعيّة

تأسّست في أبريل 1993م، بعد أن اجتمع سرًّا عددٌ صغير من مثقفّي الصحوة، بقيادة: سعد الفقيه، ومحسن العواجي، ومحمد الحضيف، والتحق بهم لاحقاً: عبد العزيز القاسم، وعبد العزيز الوهيبي، ومحمد المسعري، واتفقوا على تأسيس لجنة للدّفاع عن حقوق الإنسان، لكنهم أرادوا أن يكون أعضاؤها المؤسِّسون الرسميّون من المشهورين، فكان الاختيار على ستّة من المشائخ والمهنيين المشهورين، هم: عبد الله المسعري، وعبد الله بن جبرين، وعبد الله التو يجري، وعبد الله الحامد، وسليمان الرشودي، وحمد الصليفيح.

وفي 3 مايو 1993 م صدر بيان بتوقيع الستّة المشهورين معلناً تأسيس لجنة الدّفاع عن الحقوق الشرعيّة، ونصّ البيان على أنّ غاية اللجنة «رفع الظلم، والدفاع عن حقوق الإنسان التي تقرّرها الشريعة». وطلبت من الناس التعاون بالإبلاغ عن المظالم، وتولّى محمد المسعري منصب النّاطق الرسمي باسم اللجنة. ولكنّها حُظِرت فور تأسيسها.

عقِب تأسيس اللجنة، استنكر المفتي العام للمملكة، عبد العزيز بن باز، الذي نصح بعدم قراءة منشوراتها. بينما علّق محمد بن صالح العثيمين، عضو هيئة كبار العلماء على تأسيسها «أنه غير شرعيّ، وأنّه افتيات على وليّ الأمر، وأنّه يؤدّي إلى الفوضى». وفي 15 مايو اعتُقل المتحدّث الرسميّ باسم اللجنة محمد المسعري (أطلق سراحه في شهر نوفمبر من نفس السنة)، واعتقل عبد الله الحامد في 15 يونيو وسعد الفقيه ومحسن العواجي و 12 أكاديميًّا آخرين من الدّاعمين للجنة.

وبعد خروج المسعري وسعد الفقيه من السّجن، قرّرت لجنة الدفاع عن الحقوق الشّرعيّة. وفي عام 1994 فتح مكتب لها في لندن، واختارت أن يمثّلها كلٌّ من سعد الفقيه ومحمد المسعري. وفي عام 1994 خرج الفقيه مع أسرته إلى لندن، بينما وصل المسعري إليها بعد أن تسلّل إلى اليمن، وبدأ نشاط اللجنة مجدّداً في أبريل 1994 بإرسال منشوراتها إلى داخل المملكة بالفاكس( ).

وكان اعتقال أعضاء اللجنة، وانتقال الناشطين البارزين فيها، وهما الدكتور المسعري والدكتور الفقيه للعيش في المنفى، في بريطانيا، بداية مرحلة عمل سياسيّ بالغة الجدّة، سوف تشهد فصول معارضة سياسية من خارج الحدود لأول مرّة في تاريخ التيار الديني السّلفي( ).

9- حزب التجديد الإسلامي

في 1 مارس 2004 م أعلن الدكتور محمد المسعري تأسيس حزبٍ سياسيٍّ (حزب التجديد الإسلامي)، الذي يهدف إلى إسقاط الحكم الملكي السعودي وإقامة دولة خلافة إسلامية. وجاء في بيانه التأسيسي أنّ هدفه: العمل الدائب لتحويل كلّ بلدٍ من بلاد المسلمين إلى دار إسلام، وتطهيرها من رجس الكفر وبذل الجهود الجادّة المستديمة لضمّها في كيان واحد: كيان دولة الخلافة الإسلامية الراشدة على منهاج النبوة( ).

10- الحركة الإسلامية للإصلاح

في عام 1996 نشب خلاف حادّ بين المسعري والفقيه حول إستراتيجية عمل اللجنة، فبينما حاول الفقيه تركيز النشاط على مواجهة النظام السعودي أراد المسعري أن يكون للجنة نشاط ذو طابع عالمي، وحاول أن يقيم علاقات بينها وبين حزب التحرير. وكان الانشقاق الحاصل في لجنة الحقوق الشرعية، بحسب الباحث فؤاد إبراهيم، قد أحدث صدعاً خطيراً لم يقتصر على اللجنة بل تعدّاها إلى مصادر تمويلها ودعمها في الداخل.

في مارس 1996م، أسّس الدكتور سعد الفقيه الحركة الإسلامية للإصلاح في لندن. وهي حركة سياسية إسلامية تهدف، بحسب أجندتها المعلنة، إلى إسقاط الحكم السعودي وإنشاء نظام إسلامي يعتمد على الشورى. علماً بأنّ الحركة تستمد زخمها السّياسي من الاتصال المباشر مع الجمهور النجدي( ).

وفي ديس