... عن الأرقام غير المسؤولة لطوائف لبنان
بقلم : فادي شامية
دقيق جداً التعامل مع الأرقام، فالأصل أنه عندما يذكر رقم، لا سيما إذا كان ذا تأثير، أن يعزى إلى مصدر له صدقية، وأن يكون هذا المصدر قد قام "بواجبه" تجاه هذا الرقم، هذا ما تقتضيه الدراسة العلمية والكتابة المنهجية، فكيف إذا كانت هذه الأرقام لها توظيفات سياسية في بلد معقد كلبنان. الحديث عن الأرقام له ما يستدعيه، فقد شاعت خلال العدوان الإسرائيلي الأخير أرقام غير مسؤولة عن تعداد ونسب الطوئف في لبنان، ولا سيما عن الطائفة الشيعية الكريمة، ضيوف كثر أطلوا علينا من على شاشات الفضائيات وذكروا أرقاماً جرى تردادها من آخرين وكأنها باتت "مسلمات رقمية"، وقد سمعت بنفسي عدداً من هؤلاء يذكر "أرقاماً خيالية" عن المسلمين الشيعة في لبنان، وذلك في معرض تأكيده أن مسألة سلاح حزب الله لا تحل إلا بالتوافق، فذهب البعض إلى أن نسبة الشيعة إلى باقي اللبنانيين تتراوح بين 40 و45%، وذهب آخرون إلى أنها تعدت ذلك!، والأهم أننا إذا اعتبرنا عدد كل من السنة والشيعة متقاربة في لبنان، فهذا معناه – بدون إضافة الدروز-أن نسبة المسيحيين في لبنان باتت بحدود الـ10% وهذا رقم غير معقول إطلاقاً.
أثناء الحرب الأخيرة على لبنان قرأت ملخصاً لكتاب "عودة الشيعة" للباحث الأميركي، الإيراني الأصل، نصر والي، يذكر فيه نسب الشيعة في العالم، وقد ورد فيه أن نسبة الشيعة إلى اللبنانيين 40%، وأن عددهم الإجمالي في العالم 150 مليوناً أي قرابة 10% من جمهور المسلمين، وهو ما كرره في العدد الأخير من «الفورين أفيرز»، أما موسوعة العالم الفرنسية Encyclopedie du monde للعام 2006 الصادرة عن جهات علمية فرنسية، فقد ذكرت صفحة 376 – 377 في باب أوضاع لبنان أن السكان المسلمين يمثلون 70% من سكان لبنان، بينما عدد السكان المسيحيين يمثلون 30% فقط من السكان، دون أن تذكر الموسوعة من أين حصلت على مثل هذه النسب.
من المعروف أن آخر إحصاء رسمي معلن في لبنان جرى في العام 1932 وتبين من خلاله أن عدد المسلمين هو 386.469 نسمة بينما بلـغ عـدد المسيحيين 396,946 نسمة. لم يجر إحصاء رسمي بعد ذلك، ما سمح بطرح أرقام غير دقيقة وفق الحاجة السياسية لهذا الطرف أو ذاك، لكن المسلّم به عند الجميع أن لبنان بلد أقليات لا تشكل أية طائفة منفردة فيه أكثرية مطلقة، وأن عدد أبناء الطوائف المسلمة بات أكثر من مجموع الطوائف المسيحية خلافاً لما كانت عليه الحال أيام الانتداب الفرنسي.
صحيفة اللواء نشرت تحقيقا في 13-7-2006 للدكتور حسان حلاق أشار فيه إلى أن الطائفة السُنية هي أكبر الطوائف اللبنانية حالياً، وبالعودة إلى نسبة التزايد السكاني فيها فإنها ستبقى مبدئياً كذلك حتى العام 2015، كما أشار التقرير إلى أن كافة الطوائف الأخرى في لبنان عدا السنة والشيعة في حالة جمود أو تناقص سكاني نتيجة تركيبتها أو هجرة عائلاتها. أما صحيفة النهار فقد ذكرت غير مرة في العامين الأخيرين أرقاماً للمسيحيين بكافة طوائفهم لا تزيد عن حدود الـ40% وهو الرقم الذي تشير إليه لوائح الشطب في الانتخابات النيابية التي جرت في العام الماضي.
بغياب إحصاء شامل للسكان فإن اللوائح الانتخابية التي تصدرها وزارة الداخلية تبقى المؤشر الرقمي الأكثر صحة لنسب السكان في لبنان، هذه اللوائح، ووفق انتخابات العام الماضي، تشير إلى الآتي: الناخبون السنة 778,335 / النسبة 26,15%- الشيعة 772,713 /النسبة 25,96%- الدروز 167,724/ النسبة 5,63%- الموارنة 666,663 /النسبة 22,4%-الأرثوذكس 235,664/ النسبة 7,92%- كما تشير إلى نسب أقل أهمية للكاثوليك من غير الموارنة وللأرمن والإنجيليين وطوائف أخرى. وبالاعتماد على هذه اللوائح وعلى غيرها من الإحصاءات التي تذكر أعداداً للسكان، فإن عدد سكان لبنان يصبح قرابة 4.5 مليونا، المسلمون منهم 60%، والمسيحيون 40%، ويتوزع المسلمون النسب التالية: سنة 26%- شيعة 26%- دروز 6%، وبهذا يتبين أن العديد من الأرقام والنسب التي كانت تقال عن المسلمين الشيعة خلال الحرب لم تكن "دقيقة" بدرجة كبيرة.
من وجهة النظر السياسية فإن الأرقام غالباً ما توظف في خدمة الجهات والطروحات السياسية لتخدم مفهوم الأقلية والأكثرية، لكن من وجهة النظر العلمية البحتة، فإن كل رقم يبقى محل شك حتى يثبت بالدليل، وما لم يجر إحصاء دقيق للسكان في لبنان فإن كل الأرقام تبقى محل شك، لكن لا يجوز إطلاق الأرقام جزافاً بل يصبح الواجب هو تحري الأرقام الأكثر دقة، وأرجو أن لا يفهم كلامي إلا في هذا الإطار بعيداً عن أي توظيف سياسي.
المصدر
- مقال:عن الأرقام غير المسؤولة لطوائف لبنانموقع:الشبكة الدعوية