هزيمة الأمريكان في أفغانستان

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث


أسباب خسارة أمريكا حربها في افغانستان

أسباب خسارة أمريكا حربها في افغانستان

الهزيمة الأمريكية كانت صدمة للشعب الأمريكي

إن المقارنة في التكاليف ليست إلا جزءا من القصة، فالولايات المتحدة واجهت نفس الأخطاء الأساسية في كلا الحربين. فالأخطاء ارتكبت على جميع المستويات، لأن فرض الأمر الواقع في ميدان المواجهة من دون أي خطة واضحة لبسط السيطرة الأمنية، أو السعي لإقامة صرح الدولة وبناء أسسها المتينة، أو محاربة حركة المقاومة الرئيسية، لا تتم بهذه الطريقة "العبثية"، كما عبر عن ذلك أحد أهم المحللين في الشأن العسكري والإستراتيجية في صحيفة نيويورك تايمز.

معظم الكتابات والتحليلات السياسية التي صدرت في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا عن تكلفة الحرب في العراق، والحرب في أفغانستان، والحرب على الإرهاب عموما، ركزت على العبء الكبير، الذي فرضته على كاهل الميزانية الاتحادية واقتصاد الولايات المتحدة.

إنها قضايا حقيقية تشغل بال كل الأميركيين، غير أنه ومن وجهة أخرى، استطاعت هذه الأدبيات "الحربية" تحويل الانتباه عن مسألة رئيسية أخرى ذات أهمية، وهي: إذا كان الحرب في أفغانستان يجري تمويلها بالشكل المناسب من خلال توفير الاعتمادات المالية الضرورية من أجل تحقيق الفوز، فلماذا هذا التعثر الذي لازم الجيش الأميركي في مواجهة حركة الطالبان وتنظيم القاعدة منذ 2001؟

لقد تدهورت الأحوال في أفغانستان بشكل مطرد منذ أكثر من خمس سنوات، حسب تقييم أجهزة الاستخبارات الأميركية في آخر تحليل لها لمجريات الحرب في أفغانستان. ولا حظ قائد منظمة حلف شمال الأطلسي في أفغانستان، الجنرال ديفيد ماكيرنان، أن العنف قد زاد على الأقل بنسبة 30% في سبتمبر 2008م، وهو أعلى بكثير مما كان عليه في سبتمبر 2007م، وأرجع أسباب ذلك إلى ثلاثة عوامل أساسية:

• تكييف المسلحين أساليبهم في الهجمات والمواجهات، من خلال تكثيف نصب الكمائن وزرع العبوات الناسفة المصنعة محليا، والتنويع في تقنيات حرب العصابات وعلى نطاق واسع من خلال مجموعات صغيرة متحركة وفعالة.

• الوجود الكبير والواسع للقوات الأميركية وقوات منظمة حلف شمال الأطلسي (الايساف)، وبالتالي زيادة حجم المواجهة والاتصال مع حركة "التمرد".

• تدهور الأحوال الأمنية والاقتصادية في المناطق القبلية في باكستان، وإرسال المزيد من المتمردين إلى جبهات القتال بأعداد كثيرة عبر الحدود.

وفي السياق ذاته، يؤكد مركز الدراسات الإستراتيجية(CSIS)، أن الولايات المتحدة تخسر الحرب في أفغانستان، وأن تزايد الخطر أصبح واقعا حيا في باكستان. وتظهر تحذيرات الأمم المتحدة، والتقريرات السرية للمخابرات الأميركية، من خلال الخرائط، التوسع المطرد للمسلحين في المناطق التي تمتد على طول الحدود الأفغانية - الباكستانية في اتجاه العمق الداخلي، والتهديد الذي يشكلونه في المناطق التي أصبحت غير آمنة لعمال الإغاثة.

وتظهر بيانات أخرى كيف أن المخدرات الأفغانية التي تحولت إلى مصدر رئيس للمال وتمويل العمل المسلح، بعد أن زاد حجم إنتاجها ونقلها نحو الجنوب، لتصبح مصدرا رئيسيا لتمويل حركة طالبان وغيرها من الحركات المسلحة.

وفي هذا الإطار، أظهرت أبحاث سيث جونز (Seth Jones G)، وهو أحد أهم المستشارين في مؤسسة "راند" (Rand)، المتخصصة في مجال التحليلات الأمنية والإستراتيجية، وبشكل جلي، أن الجماعات المسلحة، مثل حركة طالبان، وعناصر الزعيم الحربي جلال الدين حقاني، والحزب الإسلامي لقلب الدين حكمتيار، وتنظيم القاعدة والجماعات المرتبطة به في باكستان، شكلت ثلاث جبهات في شمال شرق، جنوب شرق وجنوب أفغانستان، وارتبطت فيما بينها من خلال منظومة معقدة، قابلة للتكيف والتطور، حسب الحاحة، تمتاز بالتعاون المحكم بين مختلف الجماعات لتكون بمثابة إطارا تنظيميا ولوجيستيا تستفيد من مزايا الشبكة، ماليا وتسليحا ومعلومات استخباراتية وحماية.

وفي الوقت نفسه، أصدرت الأمم المتحدة تقييمات موجزة في نشرة لـ(CSIS)، تبين أن حركة طالبان وغيرها من الجماعات المسلحة، عملت على توسيع نطاق وجودها ونفوذها في البلاد، وخاصة في مجالات كثيرة لا يمكن لمنظمة حلف شمال الأطلسي استيعابها جميعا لبسط سيطرتها، وحسب الأمم المتحدة، يشمل هذا التوسع مساحات كبيرة في وسط أفغانستان، وفي العاصمة وحولها، مع تزايد جيوب التمرد والمقاومة في الشمال والغرب.

وهذا الانتعاش في العمل المسلح، بعد اتساعه، لم يكن يشكل خطرا حقيقيا عام 2003م، ولم يهدد على نحو خطير القوات الأفغانية والأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي حتى عام 2005م، وكانت الولايات المتحدة منذ عدة سنوات، قادرة على توفير الموارد اللازمة لصد المقاومة، ولكنها لم تفعل!!

وبدلا من التصرف بشكل حاسم وفعال، لكسب الحرب على ما يسمى الإرهاب، فشلت الولايات المتحدة في توفير الموارد اللازمة لتحقيق ذلك، وهي الحالة التي ندد بها رئيس المجلس المشترك (وزارتي الخارجية والدفاع وجهاز الاستخبارات) في شهادته أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب في 10 سبتمبر 2008م، قائلا:

"أوصيت القيادة العسكرية بنشر كتيبة من مشاة البحرية الأميركية في أفغانستان هذا الخريف. ووصول لواء آخر من الجيش في مطلع العام المقبل. هذه القوات، في حد ذاتها، لا تلبي على نحو كاف رغبات الجنرال ماك كيرنان الذي طلب ثلاثة ألوية، لكنها بداية جيدة". ومما قاله أيضا: "إذا اختارت أمة أن تخوض حربا، فعليها أن تدفع ما يكفي لكسبها".

ونظرة فاحصة إلى التقارير المقدمة عن التكلفة الإجمالية للحرب الأفغانية، يتبين أن الولايات المتحدة فشلت في تحقيق أي تقدم مشهود، رغم الفظائع المرتكبة في حق الشعب الأفغاني المغلوب على أمره، مقارنة بما قدمته ومازالت تقدمه من الموارد المختلفة في حربها في العراق.

فالولايات المتحدة كانت بطيئة في توفير التمويل الكافي لإدارة الصراع لصد العمل المسلح، كما أنها فشلت في توفير القدر الكبير من الأموال في وقت مبكر من الحرب، أثناء إعادة التعمير، وبناء واستقرار المؤسسات، وإعطاء فسحة من الأمل إلى الشعب الأفغاني، الذي مل الحروب والصراعات الإقليمية فوق أراضيه، وتشديد العمليات وتكثيفها لمنع عودة حركة طالبان بقوة من جديد. غير أن كل هذا السيناريو لم يتحقق، وعكس ذلك، ارتفع مؤشر التهديد أكثر فأكثر، في حين انخفض مؤشر التمويل ونقص الموارد العسكرية من جانب الولايات المتحدة، والمساعدات السياسية والدبلوماسية، والمساعدات المقدمة إلى القوات الأفغانية وجهود التنمية الشاملة.

والنتيجة النهائية، هي فشل واشنطن المستمر في توفير الموارد اللازمة لتمكين القوات الأميركية وقوات منظمة حلف شمال الأطلسي، لهزيمة التمرد، والفوز بالحرب. كما أن نقص التمويل قد زاد تدريجيا من طول وتكلفة الحرب الإجمالية في الأرواح البشرية، والجرحى، وقيمة الدولار.

وسيكون هذا تحديا كبيرا للرئيس القادم في 2009، سواء كان أوباما أو ماكين. المشكلة ببساطة ليست في عديد القوات الأميركية، وإنما في العجز عن التعامل مع الواقع الأفغاني بإستراتيجية شاملة لخوض الحرب، وإذا تم تحديد هذه الإستراتيجية والتوافق عليها، فهي تتطلب خطة عملية للتنفيذ مع توفير الموارد اللازمة لها للتحرك.

أفغانستان هي أكبر من العراق، ولديها أكبر عدد من السكان، وهي أكثر صعوبة من ناحية تضاريس القتال، ولها عدو افتراضي يتخذ من باكستان ملاذا له على الحدود الشرقية والجنوبية، وهي أيضا أمة لم يكن لها قط حكومة متماسكة أو هيكل حكومي متجانس. وكانت لالحكومة الأفغانية منذ فترة غير بعيدة طرفا رئيسيا في الحرب الأهلية، كما أنها لم تكن تمتلك قوات شبه عسكرية أو قوات من الشرطة مقارنة، بما كان يمتلكه العراق، ولم يكن لديها قوات عسكرية نظامية وطنية حديثة بعد عام 1993م.

وعلاوة على ذلك، لا توجد إحصاءات موثوق بها عن أي من البلدين، وكثير من هذه الأرقام تظهر مدى الصعوبة في بناء أمة يتمثل التحدي فيها بالأساس في عدم توجهها ـ في الماضي ـ نحو التنمية الاقتصادية الرئيسية، رغم ما يواجه أفغانستان من مشاكل عرقية، وطائفية، وانقسامات لغوية ليس أقل خطورة عن تلك السائدة في العراق.

وفي حين لا توجد تقديرات موثوقة لحجم قوات حركة طالبان في أفغانستان بالنسبة لحجم تنظيم القاعدة في العراق وتوابعه، فإن المعلومات الإعلامية التي تقدمها مختلف أجهزة الاستخبارات تشير إلى أن المسلحين يشكلون تهديدا فعليا لأفغانستان، وهؤلاء وأتباعهم يشكلون عبئا كبيرا على القوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي (ايساف)، لا يقلون خطورة عن المسلحين في العراق.

وهناك معلومات استخبارية تفيد أن هناك الآن الكثير من المقاتلين الأجانب الذين يشاركون في حركة المقاومة في أفغانستان، هم من الأجانب الذين كانوا في العراق، وعلى الرغم من الأرقام المتضاربة التي تختلف كثيرا بين جهاز استخباري وآخر، فمن المستحيل التأكيد على أرقام معقولة متفق عليها.

لكن، ومع مقارنة تكلفة الحرب في أفغانستان بنظيرتها في العراق، يعكس هذا قلة الموارد، أو انعدامها في بعض الأحيان، والتي تنعكس هي الأخرى في مستويات عديد القوات المسلحة والموظفين الحكوميين. وعلى الرغم من المساهمات الكبيرة التي قدمتها الدول الحليفة لواشنطن، فإن الحرب الأفغانية حصلت حتى الآن على أقل دعم مالي ولوجيستي مقارنة بالحرب العراقية.

ناهيك عن أن أفغانستان هي أيضا أكثر بلدان العالم فقرا، وليس لديها رؤوس أموال أو مدخرات أو استثمارات أو موارد للاستفادة منها في الحرب، وليس لها صادرات من النفط أو غيرها من النشاطات الاقتصادية القادرة على تمويل الاحتياجات الأساسية لسكانها، ناهيك عن تمويل التنمية الوطنية وقوات الأمن بمختلف عناوينها.

* دعم الموارد المالية أو إتباع سياسة التقشف؟!

الأزمة المالية في تمويل الحرب علي أفغانستان

هناك اختلافات عميقة في تقديرات التكلفة النسبية للحرب في أفغانستان والحرب في العراق، ولكن في المقابل هناك اتفاق على تكاليف النفقات المباشرة من جانب الحكومة الفيدرالية، من حيث مبدأ إقرار الميزانية العامة.

وفي هذا الصدد، أكد آمي بلاسكو (Amy Belasco) من هيئة الأبحاث في الكونغرس (Congressional Research Service)، أن مجموع ميزانية الحرب الأفغانية وصلت إلى 171.1 مليار دولار من النفقات الخاصة والعامة على مدى السنوات الثمانية الماضية مقابل 653.1 مليار دولار للسنوات المالية الستة في الحرب العراقية.

وبناء عليه، فإن النفقات كانت أعلى بنسبة 3.8 مرة في الحرب على العراق حتى الآن، ومتوسط الإنفاق على أفغانستان كل سنة 21.46 بليون دولار، مقابل 108.9 مليار دولار للعراق، وعليه، فإن متوسط الإنفاق على العراق، كان تقريبا خمس مرات أعلى من ذلك.

إن المقارنة في التكاليف ليست إلا جزءا من القصة، فالولايات المتحدة واجهت نفس الأخطاء الأساسية في كلا الحربين. فالأخطاء ارتكبت على جميع المستويات، لأن فرض الأمر الواقع في ميدان المواجهة من دون أي خطة واضحة لبسط السيطرة الأمنية، أو السعي لإقامة صرح الدولة وبناء أسسها المتينة، أو محاربة حركة المقاومة الرئيسية، لا تتم بهذه الطريقة "العبثية"، كما عبر عن ذلك أحد أهم المحللين في الشأن العسكري والإستراتيجية في صحيفة نيويورك تايمز.

هذه الهزيمة الإستراتيجية الكبرى حدثت نتيجة القرارات التي اتخذتها إدارة جورج بوش على الرغم من تحذيرات العديد من الخبراء العسكريين، ووزارة الخارجية الأميركية، وأجهزة الاستخبارات الأميركية، والخبراء والمختصين في المجال الحربي من الخارج. إن هذا الفشل ساهم بشكل كبير في تدني المعنويات والروح القتالية لدى عناصر الجيش الأميركي وعند الحلفاء، كما أن وقوع مئات القتلى والجرحى، والتكلفة الإجمالية المرتفعة للخسائر، وسقوط آلاف الضحايا بين المدنيين، والأضرار الجانبية، كلها عوامل سلبية أعطت نتائج عكسية لما كان مخططا له على الأقل في الورق.

غير أن هناك اختلافا أساسيا في طريقة رد فعل إدارة بوش بخصوص التحديات التي واجهتها بعد اللحظات الأولى من انتصارها التقليدي. كان رد الفعل فوريا عن طريق صب المزيد من النفقات الهائلة على القوات الأميركية في العراق وتقديم المساعدات الاقتصادية. وارتفع مجموع التمويل من 53 بليون دولار في 2003 إلى 75.9 مليار دولار في 2004 ، 85.5 بليون دولار في 2006، 133.6 مليار دولار في 2007 ، و149.2 مليار دولار في 2008.

وهذه الأرقام كانت مختلفة اختلافا جذريا في حالة أفغانستان.

فالولايات المتحدة فشلت فعلا في تأمين الموارد المالية لمواجهة مقاومة زادت قوة وشراسة في 2006م، وهذا من خلال اعتماد نفس الميزانية التي أقرت في 2002م، دون أدنى تغيير أو تقييما للتطورات الجديدة الحاصلة في الميدان على الحدود الأفغانية-الباكستانية وفي المناطق القبلية الشاسعة المتاخمة لأفغانستان، وبكل بساطة، فإن إدارة بوش لم تمول الحرب، ولكنها حاربت.

وتمكنت الولايات المتحدة من كسر القاعدة المعتمدة عند القادة السياسيين والعسكريين من حيث أولوية العراق على أفغانستان في التمويل بالسلاح أو الدعم المالي والاقتصادي والسياسي، وذلك في عام 2004، حينما التزمت بتقديم مساعدات كبيرة، تجاوزت 19.5 بليون دولار على شكل أموال المساعدات الخارجية والعمليات الدبلوماسية.

علاوة على ذلك، فإن الولايات المتحدة تعرضت سياسيا إلى انتقادات شديدة في السنوات الأولى الحرجة من الحرب على ما يسمى بالإرهاب، عندما وفرت فقط ورمزيا أموال المساعدات الخارجية والعمليات الدبلوماسية (800 مليون دولار في 2001 و2002) لدعم حربها في أفغانستان.

ونظرا للبطء البيروقراطي المستشري في دواليب وكواليس البيت الأبيض، فإن بدء برنامج المساعدات يأخذ على الأقل من الوقت سنة كاملة ليكون فعالا، وأحيانا يأخذ بين 14-18 شهرا حتى يحصل على الإذن ليكون عمليا على أرض الواقع، وبعد ذلك يأخذ وقتا طويلا قد يصل إلى أشهر أو سنوات لاستكمال البرنامج، وكل هذه العملية الحسابية هي بحد ذاتها فشل كبير، في حالة السلم والهدوء، فكيف إذا، والولايات المتحدة تواجه عمليا حربين كبيرتين في منطقتين مختلفتين، مع حرب أخرى ضروس مع شبح يسمى "الإرهاب العالمي"؟؟

ويبدو أن الإدارة لم تكن أبدا تدرك أنها بحاجة للإسراع في اتخاذ المبادرة من أجل إعادة تشكيل ساحة المعركة سياسيا وعسكريا، والسيطرة على الوضع هناك قبل هيمنة حركة طالبان والقاعدة.

* الإذن بالإنفاق مقابل توفير المال!

لا توجد بيانات مفصلة متاحة عن معدلات الإنفاق الفعلي للمعونة أو المساعدات، ولكن البيانات الصادرة عن وزارة الدفاع تشير إلى الفجوة الكبيرة الحاصلة بين الإذن بالصرف وتنفيذه، حيث يفيد التقرير الصادر عن الباحث آمي بلاسكو، أن التزامات وزارة الدفاع الأميركية في الميزانية لسنوات 2001 - 2008 بلغت 444.2 مليار دولار أو 77% بالنسبة للعراق، و100.4 مليار دولار أو 18% لأفغانستان و"الحرب على الإرهاب" معا.

وبلغت الميزانية العامة للفترة نفسها 808 بليون دولار، منها 616.2 مليار دولار موجهة إلى العراق، و187.2 مليار دولار موجهة إلى أفغانستان و"الحرب على الإرهاب". وتشير هذه الأرقام إلى أن 72% فقط من الموارد المالية المخصصة للعراق قد تم الالتزام بها (وهذا الرقم ليس حقيقيا، إذا أخذنا بعين الاعتبار الإنفاق الفعلي أو أي شكل من أشكال النشاط على أرض الواقع)، و63% من الأموال مخصصة لأفغانستان، و"الحرب على الإرهاب".

(إن أفغانستان لا تحتاج إلى المزيد من "الأحذية على الأرض"، كما يقول المثل الأسيوي، وإنما تحتاج إلى المزيد من الشاحنات على هذه الطرق المعبدة وغير المعبدة، وإلى المزيد من المدرسين في تلك المدارس المفتوحة أو المغلقة، وإلى تدريب المزيد من القضاة والمحامين في هذه المحاكم القائمة والتي لا تعمل كما ينبغي).

لا توجد صيغ واضحة لتحديد مستوى معين للقوات المسلحة أو الإنفاق العسكري الضروريين لكسب الحرب. لكن الأمر الواضح، مع ذلك، هو النقص الملحوظ من قبل المخابرات الأميركية في تحديد درجة تنامي قوة التمرد وتهديده للمكاسب، والتي سمحت لحركة الطالبان في أفغانستان وفي باكستان، من الانتشار والنمو والمبادرة في الهجوم وبالتالي احتمال الفوز. ويرى بعض الخبراء في المجال العسكري، أن نشر قوات إضافية وتعزيز الموارد المالية والعسكرية وتكثيفها في أقرب وقت، من شأنه تمكين قوات الردع الأميركية والأطلسية من مجابهة حركة التمرد ومن ثم هزيمتها في المنطقة.

إن عدم إنفاق وزارة الدفاع على الحرب في أفغانستان لم يكن متأخرا فحسب، بل كان متخلفا مقارنة بالإنفاق على الحرب في العراق، لأنها فشلت في توفير التمويل الكافي خلال السنوات الحرجة مباشرة بعد هزيمة طالبان في عام 2002.

وكان من الملفت للانتباه، أن الجهود التي بذلت من أجل الدفاع عن الحرب في أفغانستان لم تكن ذات جدوى لأكثر من سبب، حيث أن مقاربة الولايات المتحدة للسنوات الأولى من الحرب الأفغانية جاءت وكأنها إعلان رسمي أن "المهمة قد أنجزت"، وجميع ما يلزم القيام به هو فقط الحفاظ على الهدوء وتحقيق السلام والإبقاء على المساعدات. ومن خلال هذا السياق، كان بالإمكان على واشنطن الحصول على دعم كبير من منظمة حلف شمال الأطلسي (NATO) وبلدان أخرى التي أظهرت قدرا كبيرا من التعاطف لصالح الولايات المتحدة بعد أحداث 9 / 11، من أجل الحصول على الدعم المالي وقوات عسكرية وأمنية كبيرة لحفظ السلام وحماية بعثات المساعدات الإنسانية.

إن المطالب الملحة والأساسية التي تفرضها الحرب في أفغانستان كبيرة جدا، غير أن رد فعل الولايات المتحدة والقوات المتحالفة معها للارتفاع المطرد في النشاط "الإرهابي" والتهديد المستمر للتمرد لم يكن يناسب حجم القوات الأميركية، والأسلحة العسكرية، وقدرات الإنفاق المستعملة من جانب وزارة الدفاع. وحاولت الولايات المتحدة، الضغط على حلفائها في حلف شمال الأطلسي لزيادة مستويات القوات والإنفاق العسكريين، وتحويلها من مجرد قوات حفظ السلام إلى بعثة قتالية ميدانية.

وفي هذا الصدد، فإن دول مثل كندا وبريطانيا والدنمارك ساهمت بشكل فعال ورئيسي في المجهود الحربي في جنوب أفغانستان. وبالكاد، أشادت الولايات المتحدة بمجهودها الحربي لهذه الدول وتضحياتها، حيث سعت واشنطن إلى الحصول على أكثر مما يمكن منها، وهي الدول التي تفتقر إلى الدعم السياسي المحلي، ومعارضة الرأي العام لتورطها في حرب لا تعنيها.

في الواقع، محاولات الولايات المتحدة استخدام حلف شمال الأطلسي ليكون بديلا عن القوات الأميركية، ما هي إلا نتيجة منطقية لفشل الولايات المتحدة في الرد على عودة حركة طالبان/ جلال الدين حقاني للظهور مجددا في النشاطات المسلحة منذ عام 2004 فصاعدا، ذلك أنها لم تتمكن من إحراز تقدم فعلي في مجال نشر ما يكفي من الموارد الضرورية في هذا الجانب من الصراع.

وبهذا الخصوص، لم يكن الأمر مسألة "دولارات" فقط في ذهن القيادات السياسية والعسكرية الأميركية، الذين كانوا يطالبون مرارا بالمزيد من القوات الأميركية كلما كثفت حركة المقاومة المسلحة من نشاطها المعادي لها.

وفي عام 2007، اعترفت الولايات المتحدة "علنا" بالحقائق الميدانية التي كان يجب الكشف عنها لتنوير الرأي العام المحلي والدولي قبل نصف عقد من الزمن، وعدم الانتظار حتى عام 2008م، لتستجيب الولايات المتحدة إلى ردود الفعل وترد عليها بجدية.

وحتى ذلك الحين، فإن الزيادة في القوات الأميركية كان أقل بكثير من المطلوب. وزير الدفاع روبرت غيتس تطرق إلى هذه النقطة مضطرا، في شهادته أمام لجنة الخدمات المسلحة في مجلس النواب في 10 سبتمبر 2008 حينما قال: (نحن لم نصل إلى هذه النقطة في ليلة وضحاها، وحتى ذكر بعض من السياق التاريخي مفيد جدا في المسألة. إن البعثة العسكرية في أفغانستان تطورت على مر السنين من خلال التأرجح إيجابا وسلبا مع الوسائل المتاحة والظروف الميدانية المفروضة علينا).

وأفادت التقارير الاستخبارية والإعلامية، أن أنشطة المسلحين وهجماتهم تصاعدت بشكل ملفت على مدى العامين والنصف الماضيين. وفي بعض الحالات، هذا النمو في النشاط المسلح هو نتيجة للملاذات الآمنة في باكستان، وانخفاض الضغوط العسكرية على الجانب الآخر من الحدود. وفي حالات أخرى، هو نتيجة إلى المزيد من تواجد القوات الأفغانية والدولية على أرض المعركة واتصالها المباشر والمتزايد مع العدو.

وردا على ارتفاع وزيادة عنف ونشاط المتمردين في عام 2006م في يناير من العام الماضي، نشرت الولايات المتحدة لواءا جديدا للجيش وأضافت لواءا آخر.

وفي الربيع الماضي، فإن الولايات المتحدة نشرت 3500 من مشاة البحرية. ليرتفع عدد الجنود الأميركيين في البلاد من 21000 منذ عامين إلى ما يقرب 31000 اليوم.

وفي قمة حلف شمال الأطلسي في بوخارست في أبريل الماضي، حلفاء الولايات المتحدة في (الإيساف) جددوا التزامهم اتجاه أفغانستان. فرنسا أضافت 700 جندي في شرق أفغانستان. وهذا الخريف، سوف تسعى ألمانيا إلى زيادة عدد قواتها من 3500 إلى 4500 كحد أقصى. أما بولندا فزادت من حجم قواتها ليصل إلى أكثر من 1000 جندي. وانتقل عدد قوات التحالف ـ بما فيها قوات حلف شمال الأطلسي ـ من نحو 20000 إلى 31000 جندي.

ويبدو أن التصاعد في أعداد القوات المسلحة سيستمر في هذا الاتجاه، وأن بريطانيا، قد تدفع هي الأخرى بالمزيد من القوات. وبفضل النجاح النسبي في العراق، ستزيد واشنطن من عدد قواتها في أفغانستان عن طريق نشر كتيبة من المارينز في نوفمبر 2008، ولواء قتالي في الجيش في يناير 2009، وهي الوحدات التي كان من المقرر إرسالها إلى العراق.

وقد أوضح رئيس هيئة الأركان المشتركة، مايك مولين، في نفس جلسة الاستماع، مع روبرت غيتس، أن حجم وفعالية القوات الأميركية ستبقى غير كافية خلال ـ على الأقل ـ بداية حملة 2009م، وهو موسم وصول الرئيس المقبل إلى البيت الأبيض، الذي قد لا يرث حربا تخاض دون موارد كافية فقط، بل حربا تشن من دون إستراتيجية متماسكة:

(أنا مقتنع أنه بالإمكان كسب الحرب في أفغانستان. ولهذا السبب أعتزم وضع إستراتيجية جديدة وشاملة للمنطقة، التي تغطي كلا الجانبين من الحدود. وهو السبب الذي دفعني من أجل الاستمرار في تنمية وتدريب قوات الأمن الوطنية الأفغانية، وهو السبب أيضا الذي ضغطت من أجله على نظرائي في باكستان للعمل ضد المتطرفين، وبذل المزيد من الجهود لمساعدتهم.

هذه القوات، في حد ذاتها، لا تلبي على نحو كاف رغبة القائد العام للإيساف، الجنرال ماك كيرنان، الذي طلب تزويده بثلاثة ألوية كاملة.

وقد أدلى الجنرال ديفيد ماكيرنان، قائد قوات حلف شمال الأطلسي في أفغانستان، بملاحظات مماثلة بخصوص النقاط التي وردت على لسان رئيس هيئة الأركان المشتركة، مايك مولين، والحاجة إلى المزيد من القوات في مقابلة نشرت في (National Journal) في 13 سبتمبر 2008م، وذكر في وقت لاحق أن الزيادة الضعيفة في القوات الأميركية التي أعلن عنها بوش في سبتمبر الماضي لن تكفي لحسم المعركة أو حتى تسيير جوانبها، نظرا لقوة العدو بعد اكتسابه المزيد من التجربة في حرب العصابات، وحيازته على أسلحة متطورة منها المتفجرات بكل أصنافها، وتعزيز صفوفه بالمقاتلين الأشداء من الداخل والخارج، ومعنوياته المرتفعة مقارنة بقوات الإيساف.

في بعض الأحيان، يبدو أن فرض السلم والأمن في أفغانستان أكثر صعوبة مما هو عليه الوضع في العراق، بداية لأن هذا البلد هو واحد من أشد البلدان فقرا على وجه الأرض، مع معدل تفشي الأمية يقدر بـ70%. وقال الجنرال ماك كيرنان، في مقابلة له في مقره في كابول: "... هناك نقص كبير في رأس المال البشري في أفغانستان، ويجب أن لا نتوقع الكثير من الحكومة، لأن الأمية يبقى العامل الوحيد الذي ينتظر العاملين في الحكومة سواء كان بوصفه رئيس بلدية أو شرطي، أو عسكري، أو في كيفية إدارة الميزانية، أو إدارة القوى العاملة. وبالمقارنة، إن العراق دولة غنية نسبيا وتفشي الأمية في المجتمع هي الأقل نسبة مقارنة مع العديد من الدول العربية والإسلامية، وهذا هو السبب الأول والرئيسي الذي لا أجد فيه أي مقارنات محتملة بين الصراعين القائمين في (أفغانستان والعراق) ومن المفيد تأكيده وإيضاحه للجميع.

إن بناء الدولة وتعزيزها، وفرض الأمن والاستقرار، من الأسفل إلى الأعلى على المستوى المحلي ومن الأعلى إلى الأسفل على الصعيد الوطني، هو المحك الذي قد يبين قدرة وكفاءة الحكم في أفغانستان، وسيكون واحدا من أهم العوامل للفوز على الإرهاب والتمرد والفوضى في أفغانستان...

كما أن القدرات العسكرية في حد ذاتها لن تنجح في حسم المعركة لوحدها. وبعد إحلال الأمن فيها، لدى الولايات المتحدة مهمة شاقة من أجل بناء الحكم وإعادة الأعمار والتنمية لتلبية احتياجات الشعب الأفغاني. في هذه الحالة فقط، وعندما تكون كل هذه الخطوط الثلاثة تعمل معا جنبا إلى جنب (بناء الحكم وإعادة الأعمار والتنمية) سوف تحصل نتائج صحيحة ينتظرها جميع العالم.

هذا نظريا، أما في الواقع فهو على العكس تماما.

ومما لا شك فيه، أن أفغانستان لم تحصل على الموارد من المجتمع الدولي اللازمة لتلبية احتياجاتها في الأمن والحكم، أو التنمية. عسكريا، لم يكن لدى الولايات المتحدة قوات كافية لفرض الأمن والسلم أو إطلاق حملة مضادة للقضاء على التمرد في أنحاء أفغانستان. ولتحقيق المتطلبات الثلاثة في الأمن والحكم والتنمية، يجب على الجيش الأميركي وحلفائه حسب ما جاء في بعض تقارير البنتاجون، عزل المتمردين والمسلحين، والابتعاد عنهم وفصلهم عن السكان، وتهيئة الظروف المناسبة لإعادة الأعمار والتنمية، وإعادة إعطاء فسحة من الأمل للأفغانيين في غد مشرق! وهذه تمنيات وأحلام غير قابلة للتطبيق، لأن الوضع في أفغانستان أشد تعقيدا وصعوبة مما قد يقرره البعض في الأوراق أو المخططات أو المجالس العامة أو الخاصة.

وفي مقابلة نشرت على موقع مجلة نيوزويك في 10 سبتمبر 2008 ، صرح الميجور جنرال جيفري شلوزير (Jeffrey Schloesser J)، قائد الفرقة 101 المحمولة جوا وقوات الولايات المتحدة في شرق أفغانستان:

(نحن بحاجة إلى المزيد من القوات هنا في الشرق. واعتقد أن القائد العام في قوات الإيساف، الجنرال ماك كيرنان، قال نفس الشيء، وتحدث بشكل واضح عن أفغانستان. ولكن لتطهير المنطقة من المتمردين والسيطرة عليها ومن ثم بناء ما تهدم وضاع، فنحن بحاجة إلى المزيد من القوات، تشمل أيضا القوات الأفغانية، والتي لها أهمية خاصة في معركتنا مع التمرد والإرهاب. وكم يلزمنا من ألوية: اثنين أو ثلاثة ؟ هذا يتوقف على نجاحنا في الميدان وتقدمنا في المنطقة، وعلى أثره نقدر موضوع الزيادة في عدد القوات التي نريدها. وبعد ذلك، نرى ما هو حجم الأثر المباشر على العدو؟ لأن بعض الأمور لا يمكن معرفتها في الأشهر القليلة المقبلة.

إن مشاكل الإنفاق على المساعدات معقدة جدا وصعبة ولا يمكن تلخيصها في كلمات. وقد استطاعت الولايات المتحدة الحصول على نسبة مئوية كبيرة من المساعدات من حلفائها من خلال مساهماتهم وتعهداتهم، ولكن التدفق النقدي كان بطيئا جدا، وبعض التعهدات لم يتم الوفاء بها.

وكانت برامج المساعدات الوطنية المتنوعة في طابعها بعد تقسيم البلاد إلى فرق إقليمية "ريفية" لإعادة البناء، أثرت في مستوى التنسيق القائم بينها.

وحتى في عام 2008، كان من الصعب أحيانا أن نجد إشارات واضحة إلى حقيقة أن أفغانستان في حالة حرب من خلال التقارير التي تقدمها مختلف هيئات الإغاثة. وفي حالات أخرى، اعتبر القتال على أنه مصدر إزعاج، أو تدخل في نشاط المساعدات السلمية بغض النظر عن كون المتمردين ينظرون إلى عمال الإغاثة بوصفهم هدفا رئيسيا، بعد أن وسعت الأمم المتحدة دائرة الخرائط بالنسبة إلى التهديدات الموجهة إلى عمال المعونة أو الإغاثة لتغطي أكثر من نصف البلد.

وفي كثير من الحالات، غير أن معظم العاملين في مجال المعونة أو الإغاثة لا يستطيعون أو لا يريدون المغامرة في المناطق المرتفعة أو النائية أو القبلية، نظرا إلى الخطر الداهم الذي يشكله المتمردون على أرواحهم وهيئاتهم الإنسانية. وهناك أيضا النقص في الكوادر الأساسية المؤهلة العاملة في مجال المعونة الأميركية.

وفي تقرير صادر في يونيو 2008 عن وزارة الدفاع موجها إلى الكونغرس عن الحرب في أفغانستان، أشار إلى أن 1021 فردا من العاملين في المساعدات الأميركية وفي الفرق الإقليمية "الريفية" لإعادة البناء، كان جميعهم من العسكريين. في المقابل، كان هناك 11 موظفا من وزارة الخارجية في مجال المعونة، و12 من موظفي الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) من أصل 13 مصرحا به، و4 من 11 موظفا من وزارة الزراعة.

وأصبح الوضع أكثر تعقيدا من خلال محاولات الولايات المتحدة وهيئة الأمم المتحدة "الفاشلة" في تطبيق برنامج القضاء على زراعة المخدرات واستبدالها بأنواع زراعية أخرى، أكثر فائدة للمجتمع الريفي والزراعي الأفغاني، كون المساعدات المقدمة غير كافية ولا تلبي الحاجة، إضافة إلى ضعف الدعم الحكومي الأفغاني لتوفير المداخيل البديلة. ولا يخفى على أحد أن المساعدات مهمة جدا، وأن التنمية الزراعية حاسمة في هذا البلد حيث هو المصدر الرئيسي للعمالة الفقيرة، الذي عان عقودا من الحرب، وتحول -الآن- إلى أكبر بلد مستورد للغذاء.

وكانت المحصلة النهائية، أن العديد من الأفغان أصبحوا يعتمدون على زراعة الأفيون، رغم ما يواجههم من مخاطر قضائية من الحكومتين الأميركية والأفغانية من جهة، وتهديدات بالتصفية من حركة الطالبان من جهة أخرى. ومن المفارقات العجيبة، أن زراعة الأفيون انتشرت بشكل مطرد في المناطق التي تسيطر عليها حركة الطالبان في جنوب أفغانستان، وعلى نحو فعال من أجل تمويل التمرد والاستمرار في المواجهة.

واعترفت الولايات المتحدة في وقت مبكر من الحرب إلى أن العراق بحاجة إلى زيادة في أموال المساعدات، رغم امتلاكه احتياطيات كبيرة من رأس المال من مخلفات عهد صدام حسين من تصدير النفط. فالولايات المتحدة ملتزمة بتقديم 3 بلايين دولار في السنة المالية 2003 (السنة الأولى من الحرب، ارتفعت الميزانية إلى 19.5 بليون دولار من أموال المعونة في السنة المالية 2004). كما أنفقت الولايات المتحدة ما مجموعه 800 مليون دولار فقط من المعونة في الحرب الأفغانية خلال السنة المالية 2001 و2002 ، وفقط 0.7 مليون دولار في السنة المالية 2003. ولم ترتفع المساعدات أبدا خلال أي سنة من الصراع الأفغاني، وكان ذروة الإنفاق قد وصل إلى 2.8 بليون دولار، وذلك في السنة الخامسة من الحرب.

وكما هو الحال في العراق، فإن القوات العسكرية الإضافية وحدها لن تحل المشكلة. والأمن هو مجرد جانب واحد من هذه الحملة، جنبا إلى جنب مع مسار التنمية والحكم.

وقد سعت واشنطن من خلال حلف الناتو، والاتحاد الأوروبي، والمنظمات غير الحكومية، وغيرها من المجموعات، إلى تقديم المزيد من المساعدات وتنمية القدرات العسكرية والمدنية، من أجل تحقيق نفس أهداف الحكومة الأفغانية.

يقول الجنرال مولين: (يمكننا أن نبني الطرق والمدارس والمحاكم، وفرقنا متفرغة تماما لإنجاز ذلك. ولكن حتى نحصل على نتائج حقيقية ودائمة على الأرض، يجب أن ندعم هذه الفرق بالخبراء في جميع مجالات الحياة: في التجارة، والهندسة، والقضاء، والزراعة، والتعليم، والتكوين وغيرها... وستظل هذه المرافق شاغرة إذا لم يتم دعمها ماديا لتؤدي مهامها المنوطة بها، وهي القفزة الانتقالية "المأمولة" تحقيقها من مجتمع متخلف بدائي إلى مجتمع متقدم متحضر. وللأسف الشديد، فإن أقل من واحد في العشرين من فرق إعادة الأعمار الموزعة في جميع أنحاء البلاد، مدعومة من غير العسكريين!!).

(إن أفغانستان لا تحتاج إلى المزيد من "الأحذية على الأرض"، كما يقول المثل الأسيوي، وإنما تحتاج إلى المزيد من الشاحنات على هذه الطرق المعبدة وغير المعبدة، وإلى المزيد من المدرسين في تلك المدارس المفتوحة أو المغلقة، وإلى تدريب المزيد من القضاة والمحامين في هذه المحاكم القائمة والتي لا تعمل كما ينبغي).

ويضيف: "الاستثمار الأجنبي، المحاصيل البديلة، الحكم السليم الراشد، سيادة القانون، هي مفاتيح النجاح في أفغانستان. ونحن لا يمكن أن نكون حجرة عثرة في طريق النصر، وليس القوة المسلحة في أي مكان ـ مهما كانت جيدة وقوية ـ يمكن لها تسليم هذه المفاتيح لوحدها".

هزيمة بلا انسحاب من أفغانستان!

ورغم الهزيمة الجلية لا يعترف الأمريكان بها

تتصاعد الاعترافات الأمريكية والأوروبية أو الأطلسية عموما، بوقوع الهزيمة الإستراتيجية أو بعدم تحقيق النصر - وعدم توافر القوة اللازمة له - فى أفغانستان. لم يعد في الأمر سر، ولم يعد الوضع الإستراتيجي في أفغانستان بحاجة إلى تفسير أو تأويل أو إيضاح.

وقعت الهزيمة أو لم يتحقق النصر للجنرالات الأمريكان والأطلسيين ولخططهم، باعتراف وزراء الدفاع وقادة الجيوش والقادة الميدانيين، إذ صارت عبارات الوضع سيئ جدا والوضع يهدد بحالة خطيرة .. وأن طالبان امتلكت زمام المبادرة، كلها متداولة على ألسنتهم فضلا عن أن سيل الخسائر من الجنود والمعدات الذي صار بندا ثابتا على شاشات التلفزة العالمية.

وزاد من وقع الهزيمة العسكرية، ما جرى في الانتخابات الأفغانية وما انتهت إليه من هزيمة سياسية للخطط والتصورات والأهداف المتوخاة من إجرائها، إذ تصاعدت الانشقاقات والصراعات بين المتعاونين مع قوات الاحتلال من الأفغانيين، ثم امتداد الأمور إلى خلافات مبطنة بين الدول الرئيسية المشاركة في الحرب، إذ بات ملحوظا - لا مستنتجا فقط - إن بعض الدول تصطف خلف المرشح الأفغاني المنافس، عبد الله عبد الله وفق رؤية إستراتيجية محددة لإدارة المعركة ضد طالبان، بينما دول أخرى ترى أن تغيير كرازاي هو أهون الشرين، حتى لا تفتح المساحة السياسية كاملة أمام حركة طالبان بين البشتون.

وقد وصلت أصداء الهزيمة العسكرية والسياسية إلى الشارع الغربي، إلى درجة تغيير مواقف قطاعات شعبية متنامية من تلك الحرب، إذ صارت أغلب استطلاعات الرأي فى أمريكا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، تؤكد انحياز أغلبية المستطلعة آراؤهم إلى فكرة سحب القوات من أفغانستان وإنهاء هذا التورط.

هنا يبدو السؤال الحال والمباشر هو: هل تنسحب القوات الغربية من أفغانستان؟ وإذا كان القرار هو عدم انسحابها فما هي الخيارات والبدائل المتاحة أمامها؟

في الجدل الجاري في الغرب حول الحرب في أفغانستان، ثمة أمور ظاهرة على صعيد القضايا أو الأشخاص، تجري بشأنها نقاشات واضحة المعالم، غير أن هناك جدلاً من نوع آخر هو أكثر تعقيدا وأشد أهمية، لا يظهر في العلن إلا قليلا.

الجدل الواضح الذي يمكن رصده والتعرف على ملامحه، هو من ذاك النوع الحادث بين الرأي العام من جهة والساسة والعسكريين من جهة أخرى، كما هناك جدل جار بين الكتاب والمحللين والخبراء الإستراتيجيين، الذين تختلف آراؤهم باختلاف تحيزاتهم الفكرية ورؤاهم السياسية والحزبية وجماعات الضغط المنتمين لها أو المعبرين عنها والمرتبطة مصالحهم بها.

وفي هذا الجدل، يبدو واضحا أننا أمام ميل متصاعد لدى الرأي العام والكثير من الكتاب والخبراء إلى ضرورة الإسراع بالتخلص من هذه الحرب العبثية المتواصلة لثماني سنوات، دون نتيجة سوى تصاعد الخسائر البشرية الغربية - خاصة وأن الخسائر صارت تتصاعد إلى معدلات خطيرة في الفترة الأخيرة - وتواصل نزيف الإنفاق العسكرى في وقت لا تحتمل الاقتصادات الغربية مثل هذا الإنفاق، وكذا لأن أعمال القتل العشوائي للأفغانيين على يد قوات الأطلسي، صارت تنذر بإنتاج جيل جديد من الناقمين على الغرب والراغبين في الانتقام العشوائي المضاد أيضا، وهو ما يعني أن الحرب في أفغانستان باتت تتحول إلى عكس أهدافها، بشكل يتناقض مع ما قاله من روجوا للحرب كنمط استباقي يستهدف حماية المجتمعات الغربية قبل وصول الانتقاميين إليها.

وهنا يبدو أن حملات التخويف التي نجحت سابقا في إخضاع إرادة الشعوب الغربية لقرارات الساسة المغامرين، قد زال أثرها على الشعوب.

وفي مواجهة ذلك، صار العسكريون والساسة إلى إعادة إنتاج الفكرة مجددا في الفترة الأخيرة، بالحديث عن أن الانسحاب من أفغانستان سيعطي للمتشددين فرصة الحديث عن انتصار على الغرب، ويتيح لها إمكانية غير مسبوقة لتوسيع نشاطهم.

وفي ذلك ولأن هؤلاء يتعاملون وسط حالة سياسية وإعلامية ديموقراطية - على نحو ما - فإنهم يطرحون خططا جديدة للتعامل مع الهزائم الجارية، فيتحدثون عن تعديلات على خطط المواجهة وعن مفاوضات واتصالات لجذب (ما يسمى) بالعناصر المعتدلة في داخل طالبان للمشاركة في الحكم والانضمام لمسيرة الديموقراطية والتنمية، وكذا أن هناك خططاً لفصم العلاقة بين القاعدة وطالبان.

وفي هذا الجدل الجاري، يبدوالرأي العام الغربي متعرضا لحملة متجددة لإقناعه أو لتزييف وعيه، من أجل استمرار تلك الحرب.

غير أن هناك جدلاً من نوع آخر يجري حول أفغانستان، لا يتعلق بالأهداف الدعائية أو الخداعية التي تستهدف إقناع الرأي العام واستمرار الحصول على مساندته لتلك الحرب.

هناك جدل يتعلق بمستقبل دور حلف الأطلنطي في احتلال الدول الأخرى، والتغييرات المطلوب إدخالها للتمكن من مواجهة المقاومة، وبتأثيرات وقوع الهزيمة في أفغانستان على الجيوش الغربية، وعلى التواجد الغربى في تلك البقعة الإستراتيجية من العالم، أو على المصالح الغربية بعيدة المدى في آسيا وحول أفغانستان وعلى العلاقات مع الصين والهند..إلخ.

في هذا الجدل، يجري الصراع بين رؤيتين، أولها يمثلها العسكريون الذين يعيشون في أجواء وأوهام الحروب والنصر والهزيمة وتعليق النياشين ومواجهة جيوش الآخرين .. هؤلاء يطلبون زيادة أعداد القوات العاملة في أفغانستان، وإشعال الأرض هناك إلى حد الإبادة دون التقيد بحسابات السياسيين والقوانين والعلاقات الدولية (أكثر مما هو حادث)!.

وثانية تلك الرؤى يتحدث بها الساسة الحاكمون،الذين يرون أن زيادة التورط في أفغانستان غير مأمون العواقب في تأثيراته على الرأي العام الداخلي وعلى السمعة الدولية للغرب والأطلنطي - ويضعون في الاعتبار حجم ما ارتكب من جرائم- وأن زيادة التورط تعيد إلى أذهان الرأي العام عقد العراق وفيتنام.

الحالة الحادة لهذا الحوار والجدل والصراع، هي تلك الجارية حاليا في الولايات المتحدة، إذ يكثر العسكريون من الإدلاء بتصريحات حول الكارثة والهزيمة والوضع الخطر جدا والمتحول إلى الأسوأ .. الخ، وبهدف تبرير مطالباتهم بزيادة حاسمة في عدد القوات، طالما مطلوب منهم الاستمرار في الحرب من قبل الساسة.

بينما الساسة في المقابل، يطالبون بخطة إستراتيجية للخروج من أفغانستان بعد تحقيق النصر لا خطة للقتال، أي هم يطلبون تلبية العسكريين وخططهم لمطلب تحقيق نصر مرتبط بخطة دعم للحالة الأفغانية الذاتية تمكن من الانسحاب (إلى قواعد آمنة) لا الاستمرار في إرسال القوات ومزيد منها في متوالية لا تنتهي، كما هم يجادلون بضرورة التعامل بجدية وحذر مع التحولات الجارية في أوساط الرأي العام المتصاعدة في مطالبتها بإنهاء الحرب والانسحاب.