مصطفى مشهور رجل صنع تاريخ
في تلك الظروف وفي ظل هذه الاحداث العارمة ؛ يظل مداد جهادنا ، وصمودنا ؛ قرآن ، وذكر ، ودعاء ، وصلاة ، وصدقة ، وزكاة وبر ، و أخوة ، و .....وذكر للصالحين وسيرهم ، والقادة وسلوكهم ؛ نعيش معهم ؛ بالعاطفة نحوهم ، والفهم عنهم ، والقدوة منهم.
وصدق الله العظيم حين قال {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا}(الأحزاب23).
هكذا جاء التصوير الرباني سبحانه حال المؤمنين الذين صدقوا الله الوعد فصدقهم الله الجزاء، فمن مات فاز ومن عاش سار على المنهج القويم.
فعمر الإنسان ليس بوجوده فوق الأرض، ولكن بطول ذكراه على الأرض بعد وفاته، وهكذا المصلحين رسموا بأعمالهم صحائف من ضياء تظل تنير للناس درب الصالحين حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
مولده
ولد في 15 سبتمبر سنة 1921م، في قرية السعديين التابعة لمركز مينا القمح محافظة الشرقية بمصر والتحق بكتاب القرية ثم المدرسة.
وتخرج في كلية العلوم جامعة الملك قؤاد الأول (القاهرة حاليا) عام 1942م وعمل لكمتنبئ جوي بالأرصاد الجوية.
بين الصفوف المؤمنة
تعرف على الإخوان وقت أن كان طالبا بالثانوية في القاهرة عام 1936م، وتوطدت العلاقة في الجامعة، حيث برزت مواهبة وقدرته التنظيمية، فتم اختياره ليكون أحد القادة الخمسة للنظام الخاص الذي تشكل عام 1940م. وهو النظام الذي أسسه الإمام حسن البنا عام 1940 من خيرة شباب الإخوان ديناً، وأخلاقاً ، وإخلاصاً لفكرة الجهاد، وكان الهدف من إنشائه، تدريب الشباب تدريباً قتالياً عالياً، من أجل تحرير مصر من الاستعمار الإنجليزي، و تحرير فلسطين من الإنجليز الذي يستعمرونها ويتآمرون مع اليهود لإنشاء وطن لهم فيها وإقامة دولتهم على أرضها.وكان الشاب مصطفى مشهور واحداً من رجال ذلك النظام أو التنظيم .
محن
تعرض مصطفى مشهور للعديد من الاعتقال حيث تم اعتقاله عام 1948م في قضية السيارة الجيب تلك التي استغرقت جلساتها تسعاً وثمانين جلسة (من عام 1948 – 1951) وحكم عليه بثلاث سنوات.
وبعد أحداث المنشية تم اعتقاله من مكان عمله ومن وسط أسرته بمرسى مطروح عام 1954م وحكم عليه بالسجن لمدة 10 سنوات، وما إن خرج حتى اعتقل بعدها بشهور في محنة عام 1965م وظل في السجن حتى أفرج عنه في عهد السادات أواخر عام 1971م. كما انه كان ضمن القائمة المطلوبة عام 1981م غير أنه لم يكن موجود في مصر وقتها[١].
صاحب المهام
كان مشهور قد اشتهر بقدراته التنظيمية فكان له دور كبير في إعادة تشكيل النظام الخاص في عهد المستشار الهضيبي ووقف بجانب المرشد العام والهيئة التأسيسية، كما كان عضد للأستاذ الهضيبي في السجن في قضية التكفير التي تكونت في السجن.
وحينما خرج من السجن كان الركيزة التي سعت لأعادة الجماعة مرة أخرى في السبعينيات وكان الشخصية الصامته التي تبذل الجهد وتعمل دون صوت.
كما كان له دور كبير في تربية أفراد الجماعة، وإعادة تشكيل التنظيم الدولي مرة اخرى ومتابعة نشاط الإخوان، مما سهل عليه الأمر وقت اختياره كمرشد عام.
اختاره الإخوان مسؤولاً لقطاع طلبة الجامعات عام 1974م لما لها من الأهمية، وكانت قدرته مع الأجيال الجديدة باهرة.. وأدت إلى انتشار التيار الإسلامي في الجامعات، وهو ما أحدث تغيراً واسعاً في المجتمع الذي انتشرت فيه الصحوة الإسلامية وانتقالها إلى سائر الشعوب الإسلامية.
دعمه للعمل السياسي والتربوى داخل الجماعة
لم تشغله السياسية عن الدعوة و التربية ، كما لم تبعده الدعوة و التربية عن العمل السياسي ، فقد كان يكتب في هذه المجالات كلها، ويصول ويجول في ميادينها بحنكة تدل على تجاربه العميقة في هذه المجالات التي كان يوازن بينها، بحيث لا تغطي إحداها على الأخريات، وإن كان العمل التربوي هو المقدم عنده، لأنه أمضى سنوات مديدة مع طلبة الجامعات ، يربيهم ويغرس غراس الإيمان والتضحية والبذل في نفوسهم، ليكونوا مؤهلين لتسلم العمل المناسب لكل منهم، وليكونوا قادة المستقبل وحملة الراية وكان يعتبر تغليب العمل السياسي على العمل الدعوي و التربوي انحرافاً عن مسار الجماعة نحو أهدافها وغاياتها، مع أن العمل الدؤوب لإقامة الدولة التي تحكم بما أنزل الله ، لم يغب عن باله قط
كما عمل على دعم وتعميق التنسيق الدولي والروابط الدعوية العالمية لجماعات الفكر الوسطي الصحيح للأسلام، وشجع العمل بالفكر الاسترتيجي والتخطيط داخل الجماعة .
مرشدا ووفاته
اختير نائبا للأستاذ محمد حامد أبو النصر هو الدكتور أحمد الملط، وتم اختياره فيما عرف ببيعة المقابر كمرشد عام خلفا لأبو النصر عام 1996.
وظل كذلك حتى مرض ودخل في غيبوبة لعدة أيام قبل وفاته التي وقعت في 10 رمضان 1423هـ الموافق 15 نوفمبر 2002م ودفن بمدافن المرشدين بمدينة نصر بالقاهرة[٢].
صاحب مدرسة فكرية
لقد كان الأستاذ مصطفى مشهور صاحب مدرسة فكرية وسياسية ودعوة تحتاج إلى دراسة دقيقة لاستخلاص أطرها وعناصرها ومقوماتها وما فيها من دروس وعبر، اعتمد فيها منذ أن كان طالب في الجامعة على التربية والمتابعة وتفقد شئون الأخرين لما رأه من أثر عظيم على النفس.
وهو ما كان سببا من أسباب تصديه لفكر التكفير في سجون عبدالناصر حيث استطاع مع قليلا من إخوانه إدارة حوار مثمر أعاد الكثيرين إلى صواب فكرهم ومنهج جماعتهم.
كما استطاع المعاونة في إخراج كتاب دعاة لا قضاة بهذه الصورة التي أجلت الشوائب عن الفكر الي تبناه بعض الشباب في السجون جراء ما وقع عليهم من اضطهاد وتعذيب شديد.
يقول الأستاذ مصطفى: الزمن لا يقاس بعمر الأفراد، بل بعمر الدعوات والأمم، فالبعض يشكك بقوله: إنكم مكثتم سبعين سنة، ولم نحقق أهدافنا. إما أن تكون طريقنا خاطئة، وإما أننا لسنا أهلاً لهذه المهمة.
فنقول لهم: إن طريقنا صحيحة؛ لأن الإمام البنا اقتبسها من سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وإننا أهل لهذه المهمة؛ لأننا تعرضنا للمحن في سنة 1954م، 1965م، وثبتنا الله، واستشهد منا من استشهد فنحن نصبر -ولو مكثنا مائة سنة- على تحقيق هذه الدولة، وهذا ليس بالكثير على تحقيق هذا الهدف الكبير[٣].
مشهور والتربية العملية
لقد كان لمصطفى مشهور مدرسة تربوية فريدة أستطاع من خلالها أن يجمع الصف ويوحد الكلمة وينشر الفكرة في معظم ربوع الأرض، فكان نموذجا أعلى من الرؤية التربوية العملية فكانت لها مدارس عدة في معظم البلاد، وهو المعني الذي ذكره بقوله:( الإيمان أهم سلاح نتسلح به، يصبرنا، ويثبتنا، ويطمئننا أن المستقبل للإسلام، فعلينا أن نصبر، ونثابر، حتى يتحقق وعد الله بالنصر إن شاء الله.
فأين فرعون، وهامان؟! وأين روسيا وغيرها؟! وأمريكا وإسرائيل إلى زوال إن شاء الله، إذا واصلنا سيرتنا على هذه الطريق.
فالتربية، واستغلال الوقت، والمحن التي نتعرض لها ليست ضربات معجزة، أو معوقة، ولكنها سنة الله في الدعوات، للصقل والتمحيص، والتمييز بين الثابت، والمنهار؛ لأن أهم مرحلة في الدولة المستقبلية هي أساسها، فإذا كان الأساس متيناً يعلو البناء، ويرتفع، أما إذا كان ضعيفًا ينهار البناء، فهذه المحن للصقل، والتمحيص، وإعداد القيادة الصلبة التي يثبت عليها البناء.
يجب على الإخوان ألا ينزعجوا من هذه المحن، بل يعتبروها شرفًا، فالزمن لا يقاس بعمر الأفراد، بل بعمر الدعوات والأمم، وليس هذا بالكثير على تحقيق هذا الهدف الكبير.
علينا أن نتواصى بالجيل الجديد، ونهتم به، ونورثه الدعوة، وندعوه، لمواصلة المسيرة بالإيمان، والدعاء، والصبر، والاحتساب، والاستبشار بأن المستقبل للإسلام، ونهتم بالتربية، وبالأشبال، وبأبناء الإخوان، وهذا معنى مهم جدًا)[٤].
من مؤلفات الأستاذ مصطفى مشهور
طريق الدعوة.
زاد على الطريق.
تساؤلات على طريق الدعوة.
الحياة في محراب الصلاة.
الجهاد هو السبيل.
قضية الظلم في ضوء الكتاب والسنة.
القائد القدوة.
التيار الإسلامي ودوره في البناء.
القدوة على طريق الدعوة.
قضايا أساسية على طريق الدعوة.
من التيار الإسلامي إلى شعب مصر.
وحدة العمل الإسلامي.
طرق الدعوة بين الأصالة والانحراف.
مناجاة على طريق الدعوة.
بين الربانية والمادية.
مقومات رجل العقيدة.
الإيمان ومتطلباته.
الدعوة الفردية.
من فقه الدعوة 1 - 2.
الإسلام هو الحل[٥]
صفاته وأخلاقه
عبادة متصلة
حكي أخ كان في رفقة الأستاذ مصطفي في احد الدول الاوربية في فصل الشتاء القارس البارودة ، أنه أمضي يومًا كاملًا في رفقته ، وقد تملك ذلك الاخ الإعياء لدرجة – كما قال – "كان يتمني الذهاب الي البيت ليلقي بنفسه في أي مكان لينام "، وفعلا عند دخوله الي المنزل القي بجسده المهدود من التعب لينام ، ولكن رأي الأستاذ مصطفي يتحرك بحذر شديد لكي لا يوقظه ، ويدخل دورة المياه ويتوضيء ، وينهض الاخ مسرعًا لمعاونة الأستاذ ولكنه يأمره بالذهاب الي النوم ويتجه الأستاذ الي صلاة تهجد في جوف الليل مناجيًا ربه.
- من أقواله :" { تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون * فلا تعلم نفسٌ ما أخفى لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون } .
الصلاة زاد ولكنها فى جو الليل وفى جوف الليل يزداد بها القرب و الزاد و العطاء ، يحن العاشقون الى الليل ، والمتهجدون أشد حنيناً إليه فالذين آمنوا أشد حباً لله ، فى ثنايا الليل قيام وركوع وسجود وذكر وتسبيح وقرآن وتوبة واستغفار ومناجاة ودعاء وبكاء من خشية الله وفى كل ذلك زاد :{ ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً } .
الدرس
• الصلاة وصلاة التهجد خاصة والعبادة بشكل عام هي المعينة للأخ المسلم علي أداء تكاليف الدعوة والجهاد والصمود وصدق ربنا إذ يقول "يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ . قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلا . نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلا . أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا . إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا . إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا وَأَقْوَمُ قِيلا . إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلا . وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا . رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالمغرب لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا."(المزمل :1-9)
تواضع جم
كان مقر مكتب الإرشاد في المنيل عبارة عن صالة مدخل ثم صالة كبيرة ومن الصالة الصغيرة ممر به غرفة الأستاذ الخطيب وبعض الأخوة وغرفة المرشد العام الأستاذ مصطفى ، وكانت غرفة الأستاذ مصطفى هي مقر إجتماعات مكتب الإرشاد وإستقبال الضيوف ، وهي عبارة عن مكتب صغير - لم يكن يجلس عليه الأستاذ / مصطفى الا نادرا لدرجة أن الموظفين في الدار كانوا يخزنون عليه الكتب والأوراق -وصالون يستقبل به أعضاء مكتب الإرشاد والضيوف .
و كانت جلسته المفضلة في الصالة الكبيرة – وكان بها "طقم انتريه"وكراسي - وكان يجلس على يمينه المستشار الهضيبي وعلى يساره الحاج أحمد حسنين عليهم رحمة الله أجمعين ، يتابع مع الضيوف والإخوان أمور الدعوة في بساطة وحب واندماج وجداني وتواضع جم. عن ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها،قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : ( يا عائشة ! لو شئت لسارت معي جبال الذهب، جاءني مَلَك، فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إن شئت نبيًا عبدًا، وإن شئت نبيًا ملكًا، قال: فنظرت إلى جبريل، قال: فأشار إلي، أن ضع نفسك، قال: فقلت: نبيًا عبدًا ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لا يأكل متكئًا، يقول: آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد ) رواه الطبراني وغيره.
الدروس
• عظمة قيادة الإخوان في تواضعها ومعايشتها للإخوان ؛صغيرهم وكبيرهم غنيهم وفقيرهم ؛ في حب واندماج يولد مشاعر العطاء والبذل .
• أن القيادة – أي قيادة - يجب أن تتوجد بين الجنود بدون حاجب أو حاجز.
زهد و بساطه
- لم يكن يملك من حطام الدنيا شئ يذكر فلم يملك سيارة ، وأقامته و أسرته كانت بمنزل قديم تصدع بفعل زلزال أكتوبر الذي ضرب القاهرة فانتقل الي شقة أخري صغيرة بشارع جسر السويس .- تبرع أحد الاخواة لشراء سيارة جديدة لفضيلة المرشد -وكان وقتها الاستاذ مصطفي هو المرشد- فرفض باصرار مدة طويلة وفضل ركوب نفس سيارة المرشدين -السابقين فضيلة الاستاذ عمر التلمساني والاستاذ محمد حامد ابو النصر- رغم قدمها واستهلاكها حتي ضغط الاستاذ ابراهيم شرف و أخذ الإخوان قرار بشراء سيارة لفضيلة المرشد العام . وهذه السيارة لم تكن ابدا في عهدة الاستاذ مصطفي بل في عهدة احد الاخوة ويركبها فقط عند قضاء حوائج الإخوان .
- مر عليه أخ ذات يوم في الصباح بالسيارة ليذهبا الي موعد ، فاستأذن الأستاذ في توصيل زوجته الي منزل أحد أولاده قبل الذهاب الي الموعد ، وتركه قليلًا ودخل الي محل فول وطعمية وأحضر طعام الإفطار لكي تأخذه زوجته وتفطر مع أولاده واحفاده.
تخفَّف منَ الدُّنيا لعلكَ أنْ تنجُو فَفِي البرِّ والتَّقوى لكَ المسْلَكُ النَّهْجُ
رأيْتُ خرابَ الدَّار يحليهِ لهْوهَا إذا اجتَمَعَ المِزْمارُ والطّبلُ والصَّنج
ولاَ تحْسَبِ الحَالاَتِ تبْقَى لإهْلِهَا فقَد يَستَقيمُ الحالُ طَوْراً، ويَعوَجّ
كرم ، وقضاء حوائج الناس
حكي الأخ طارق عبد الجواد حفيد الأستاذ مصطفي ؛ أن بيت الأستاذ لم يكن يخلو يوما من ضيوف من بلدته " السعديين "، يقصدونه في قضاء حوائجهم ، فكان يقوم بضيافتهم في بيته وحتي تقضي حوائجهم .
عن عبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" إن لله عباداً خلقهم لحوائج الناس ، يفزع الناس إليهم في حوائجهم ، أولئك الآمنون يوم القيام " .
رواه الطبراني في " الكبير " : (12/358) ، وأبو نعيم في " الحلية): " 3/225)
وَاقضِ الحَوائِجَ ما استَطَع تَ وَكُن لِهَمِّ أَخيكَ فارِج
فَلَخَيرُ أَيّامِ الفَتى يَومٌ قَضى فيهِ الحَوائِج
حب وحزم وحسم
لطف
- قام بعض الاخوة بزيارته في منزله وتركوا الأحذية خارج حجرة الإستقبال ، وأدخلت علينا ابنته الفاضلة – بعد وفاة زوجته – أكواب الشاي بنفس عدد الحضور بالضبط ، فاندهشوا لذلك فأخبرهم أنه متفق معها على أن تعد الأحذية وتُعد أكواب الشاي بنفس العدد . هكذا كان لطفه عليه رحمة الله - ثم بدأ التعارف فكانت مفاجأة أنه عرف نفسه بأن عمره (21) عاماً وكان قد تخطى السبعين فأجاب على اندهاش الاخوة أن عمره قد توقف عند قلب شاب عمره (21) سنة .
عن أبي هريرة رضي الله عنه قالوا : إنك تداعبنا قال صلي الله عليه وسلم : "إني وإن داعبتكم فلا أقول إلا حقا "أخرجه الترمذي وحسنه .وعن الحسن قال أتت عجوز إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقال لها صلى الله عليه و سلم:" لا يدخل الجنة عجوز فبكت فقال إنك لست بعجوز يومئذ قال الله تعالى" إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا ""أخرجه الترمذي في الشمائل . وجاءت امرأة أخرى فقالت يا رسول الله احملني على بعير فقال صلي الله عليه وسلم :"بل نحملك على ابن البعير" فقالت ما أصنع به إنه لا يحملني فقال صلى الله عليه و سلم :"ما من بعير إلا وهو ابن بعير" أخرجه أبو داود والترمذي .
مواقف من حياته التربوية
التجرد
لا تكاد الكتب تذكر أن الأستاذ مشهور تحدث عن نفسه أو عن أعماله، بل كان حريصًا على أن يظل ما قام به لله وحده، فقد كان مشهور محل ثقة الأستاذ البنا ودعوة الإخوان، بل حمل على عاتقه النظام الخاص وقت فتنة السندي، وتحمل السجن راضيًا شاكرًا، وحينما خرج حمل عبئها للوصول بها إلى العالمية، ولم يطلب في يوم أن يكون القائد، بل كان نعم الجندي الوفي لدينه.
يقول د/ عصام العريان: «أظن أن دور مصطفى مشهور في إعادة بناء الدعوة لا يقل أهمية عن دور الإمام الشهيد حسن البنا في تأسيسها، فلم أر شخصًا استطاع أن يجوب مدن وقرى مصر، بل بلاد العالم، مثل مشهور، لقد ترك أثرًا في كل قرية ومدينة بمصر وغيرها، حتى أنني كنت أتعب من اللقاءات ولا يتعب هو».
حقيقة الدنيا في نظر مشهور
لم يكن يملك من حطام الدنيا شئ يذكر فلم يملك سيارة ، وأقامته و أسرته كانت بمنزل قديم تصدع بفعل زلزال أكتوبر الذي ضرب القاهرة فانتقل الي شقة أخري صغيرة بشارع جسر السويس.
وحينما تبرع أحد الاخواة لشراء سيارة جديدة لفضيلة المرشد -وكان وقتها الاستاذ مصطفي هو المرشد- فرفض باصرار مدة طويلة وفضل ركوب نفس سيارة المرشدين -السابقين فضيلة الاستاذ عمر التلمساني والاستاذ محمد حامد ابو النصر- رغم قدمها واستهلاكها حتي ضغط الاستاذ ابراهيم شرف و أخذ الاخوان قرار بشراء سيارة لفضيلة المرشد العام . وهذه السيارة لم تكن ابدا في عهدة الاستاذ مصطفي بل في عهدة احد الاخوة ويركبها فقط عند قضاء حوائج الاخوان .
وأيضا مر عليه أخ ذات يوم في الصباح بالسيارة ليذهبا الي موعد ، فاستأذن الأستاذ في توصيل زوجته الي منزل أحد أولاده قبل الذهاب الي الموعد ، وتركه قليلًا ودخل الي محل فول وطعمية وأحضر طعام الإفطار لكي تأخذه زوجته وتفطر مع أولاده وأحفاده.
وعلى الطريق زاد
حكي أخ كان في رفقة الأستاذ مصطفي في احد الدول الاوربية في فصل الشتاء القارس البارودة ، أنه أمضي يومًا كاملًا في رفقته ، وقد تملك ذلك الاخ الإعياء لدرجة – كما قال – "كان يتمني الذهاب الي البيت ليلقي بنفسه في أي مكان لينام "، وفعلا عند دخوله الي المنزل القي بجسده المهدود من التعب لينام ، ولكن رأي الأستاذ مصطفي يتحرك بحذر شديد لكي لا يوقظه ، ويدخل دورة المياه ويتوضيء ، وينهض الاخ مسرعًا لمعاونة الأستاذ ولكنه يأمره بالذهاب الي النوم ويتجه الأستاذ الي صلاة تهجد في جوف الليل مناجيًا ربه[٦].
مشهور مع أهله
كان الأستاذ مصطفى مشهور نعم الزوج الذي عاش مع زوجته، فما سمع ولا رأى منها إلا كل خير، يذكر أنه قبل زواجه قال لزوجته: إنني متزوج من أخرى، وأملي ألا تغاري منها إذا تأخرت بسببها، أو انشغلت عنك بها، ففزعت الزوجة وقالت: من تكون؟ فقال لها: إنها الدعوة. فقالت له: وأنا خادمتها.
وبعد أن توفيت زوجته وعاشت معه ابنته سلوى كان يقول لها مربيًا: بدأ دورك، فقد كانت أمك تقرأ في هذا المصحف، وكانت تصوم الاثنين والخميس، وكانت تتهجد معي في الليل، والآن أنت تقومين مقامها في فعل ذلك.
رؤية القضايا بنظرة صائبة
كان الأستاذ في ضيافة شباب جامعة المنصورة، وفي نهاية اللقاء كُلف طالب بمصاحبة الأستاذ إلى (محطة الأتوبيس) ودعاه الطالب إلى تناول طعام الغداء في أحد المطاعم فلبى المرشد العام، وسأله الطالب في موضوعات عدة، ومن هذه الأسئلة سؤالًا عما يقصده من تشبيه الطوبة السوداء التي تخرج من محرقة الطوب ولا يمكن الاستفادة منها؟ فقال: هو الانحراف الفكري، فكل الطوب بعد انتهاء حرقه ينتفع به، حتى الطوبة الضعيفة الهشة يمكن وضعها في أعلى البناء، يُسد بها فراغ دون أن يُحمل عليها، لكن الطوبة السوداء الملتوية لا يوجد لها موضع في بناء سليم جميل، وذلك هو صاحب الفكر المنحرف- مثل فكر التكفير-، لا يمكن الاستفادة منه بل يشوه البناء ويُضعفه.
وقلبه معلق بالمساجد
كان عليه رحمة الله يصلي في المسجد الذي خلف بيته ولا يترك فريضة فيه إلا إذا كان غير متواجد بالمنزل و من العجب أنه عندما حضرته الأزمة الصحية الأخيرة أصر على صلاة العصر بالمسجد وفعلاً أدى صلاة العصر ثم سقط في المسجد مغشياً عليه وانتقل إلى المستشفى ليلقى ربه راضياً مرضياً
تربية الاخوان علي ترتيب الأولويات
كان يصاحب الأستاذ في لقاء – في دمياط – للأخوة أعضاء المكتب الإداري ومسئولي المناطق والشعب واللجان وتحدث عن الدعوة حديث الداعية المحب لإخوانه ،ثم في نهاية اللقاء فتح باب الأسئلة ؛ فسأله شاب ؛ أنه تحت الظروف الإقتصادية الصعبة يتوجه الشباب للعمل في أكثر من عمل ليستطيع الحياة حياة كريمة ثم لا يجد وقت كافي للدعوة ؟ فأجاب الأستاذ مصطفى – عليه رحمة الله - أن الأولوية للدعوة ويكفي الأخ المسئول ما يكفي به نفسه ومن يكفلهم و أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُري أثر الحصير الذي ينام عليه في جنبه ونحن لم نصل الي هذه الدرجة في حياتنا ، فلم يكن في بيته من ألوان الرفاهية شيء، فعلى الأخ أن يعيش حياة الكفاية ويدخر وقته للدعوة . تأثر الاخ المصاحب للأستاذ بالاجابة ووجد صعوبة في تنفيذها، ولذلك بعد اللقاء أعاد عليهالاخ ما قاله في اجابته وأبدي له أن هذا صعب ؛ فكان جوابه في حسم إن من أراد أن يقوم بحق الدعوة فهذا ما يجب أن يتصف به ويتخذه سبيلاً [٧].
رؤية مشهور التربوية لبعض القضايا
اهتم مصطفى مشهور بالعديد من القضايا التي حاول معالجتها وفق رؤية تربوية من أجل إصلاح الفرد والمجتمع على السواء.
ووضع أسسًا تربوية يسير عليها المربي في تصرفاته، ومنها:
- أن يهتم المربي بحاله مع ربه، فيعطي وقتًا لنفسه، فيرعاها ويزكيها باليقين الصادق والعبادة الصحيحة.
- أن يبذل المربي جهدًا في تطوير ذاته وقدراته، التي تؤهله ليمارس مهامه بفاعلية، وترفع من كفاءته في العملية التربوية.
- أن يتعرف المربي على قدرات وطاقات إخوانه، ويبذل الجهد في توظيفها لخدمة الدعوة، ودفعهم نحو الحركة والعمل، وذلك من خلال وضع البرامج العملية لذلك.
- مشهور والفرد المسلم
احتلَّت قضية الفرد المسلم أولويات جماعة الإخوان المسلمين؛ فالإمام البنا نفسه يرى أن الرجل هو سر حياة الأمم، ومصدر نهضاتها، وأن تاريخ الأمم جميعًا إنما هو تاريخ من ظهر بها من الرجال النابغين الأقوياء النفوس.
وقد سار الأستاذ مصطفى- رحمه الله- على الدرب نفسه؛ فخص الفرد المسلم في كثيرٍ من أحاديثه وبرامج الجماعة، موضحًا ما يجب أن يكون عليه من قوة الإرادة ومضاء العزم، يقول: "إننا نحتاج إلى نوعيةٍ متميزةٍ ذات خصائص معينة تتفق وما سيلقى على جندي الدعوة من مهام، وما سيتعرَّض له من عنتٍ وابتلاء؛ فهو أحوج ما يكون إلى الإرادة الحازمة، والعزيمة الماضية، والخلق الإسلامي المتين، والزاد الروحي الدفاق المتجدد، والبدن السليم الذي يُعينه على أداء الواجبات وأعباء الجهاد، مع الحيوية والحماس المنضبط"[٨].
- مشهور وإصلاح المجتمع
اهتم الأستاذ مصطفى مشهور بإصلاح المجتمع كما اهتم بإصلاح الفرد، ولمَّا كان من المستحيل أن يتحوَّل كل أفراد المجتمع إلى هذه النوعية التي يسعى الإخوان إليها: الفرد المسلم أو الأخ العامل النموذجي، نجده- رحمه الله- قد سارع ببيان المقصود بالمجتمع المسلم.. يقول: "ولكن المقصود بالمجتمع المسلم- بعد توفر العدد المناسب من الأفراد المسلمين القدوة والبيوت المسلمة القدوة- أن يكون باقي أفراده مسلمين صالحين متجاوبين مع الحركة الإسلامية وأهدافها، متقبَّلين لتحكيم شرع الله، وليس بالضرورة أن يكونوا مجندين في الحركة، وهذا الهدف له وسائله الخاصة التي قد تختلف بعض الشيء عن وسائل التجنيد للصف، يلزم الأخذ بها، ومن أمثلة ذلك: مجال البر والخدمة الاجتماعية"[٩].
- مشهور والشباب
أشفق مشهور على الشباب- وهم يرون ما عليه المجتمع من سوء الحال وهبوط المستوى، والبعد عن الإسلام وتعاليمه- أن تدفعهم هذه الحال إلى اليأس من الإصلاح، أو الانصراف عن القيام بواجب الدعوة إلى الله، أو الانعزال عن الناس خشية الفتنة، فوقف ناصحًا مشفقًا، كالطبيب الذي يشخِّص الداء ويصف الدواء.. يقول: "أما الانصراف عن العمل خشية الفتنة فهذا موقف سلبي لا يصح، وهل يصح للطبيب أن يمتنع عن العلاج خشية العدوى؟! ولو وقف كل طبيب هذا الموقف لاستشرى المرض وذهب هو أيضًا مع الذاهبين، كذلك لو امتنع الدعاة إلى الله عن دعوة غيرهم لاستشرت الفتنة، ولاقتحمت عليهم بيوتهم، ولأكلت الأخضر واليابس، ولتعرضنا لفتنةٍ أشد، وما علينا إلا أن نتحصَّن بحسن الصلة بالله، ويرتبط كلٌّ منا بإخوانه الذين يُذكِّرونه إذا نسي، ويُعينونه إذا ذكر؛ فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، وليؤمن كلٌّ منا أن الحق الذي معه سيُزهق باطل الناس مهما انتفش"[١٠].
من وصايا مشهور
- الإيمان وتقوى الله يفجر ينابيع الخير من داخل النفوس ويولد الطاقات ويشحذ الهمم والعزائم فتسهل الحركة وتخف جواذب الأرض وتتخطى العقبات وتتفادى المنعطفات وتتضح معالم الطريق ويكون الصدق والإخلاص و العزم و الثبات ويتحقق ما يشبه المعجزات من الإنجازات على الطريق .
- مازلنا في مرحلة وضع الاساس للدولة الاسلامية العالمية وهذه الفترة طويله وتحتاج الي جهد متواصل وتضحيات عظيمة كما أن من صعوبة هذه المرحلة أن البناء لايظهر منه شئ كأساس العمارة كله تحت الارض ولا يظهر منه شئ رغم صعوبة العمل وما يحتاجه من جهد .
- يجب على الإخوان أن لا ينزعجوا من هذه المحن، بل يعتبرونها شرفاً ، مهما طال الزمن وحدث من احداث عظام ؛ فالزمن هنا لا يقاس بأعمار الأفراد ولكن يقاس بأعمار الدعوات والأمم ، ولو نظرنا الى الماضى لوجدنا أن منحنى الدولة الإسلامية آخذ فى الانحدار التدريجى منذ بضعة قرون – وليس عشرات السنوات - حتى سقطت الدولة فالخلافة ، ثم نجد بفضل الله ثم بأثر دعوة الإخوان المسلمين غيَّر انحداره ، وآخذ فى صعود من جديد وإن كان بطيئاً.ولذلك فإن حجم التضحيات والمحن الحادثة ليست بالكثير على تحقيق هذا الهدف الكبير.
- من رحمة الله ؛ أننا مسئولون عن العمل والأخذ بالأسباب ما استطعنا الى ذلك سبيلاً ، ولسنا مسئولين عن النتائج ، وإننا أشد تشوقاً لنصر الله وتمكينه من الشباب المتحمس ، ولكن الأمور تجرى بالمقادير وبسنن لابد منها .
- علينا أن نتواصى بالجيل الجديد ونهتم به، ونورثه الدعوة، وندعوه لمواصلة المسيرة بالإيمان، والدعاء، والصبر، والاحتساب، ونهتم بالتربية وبأبناء الإخوان ، فربما يتحقق على أيديهم النصر بإذن الله، فالأستاذ البنا رحمه الله كان يقول: نريد الفرد المسلم، والبيت المسلم، والمجتمع المسلم، الذي يرفض أن يستقر عليه غير الحكم الإسلامي[١١].
المصادر
- ↑ مصطفى مشهور: إخوان ويكي، 13 سبتمبر 2012.
- ↑ مصطفى مشهور: الرؤية الواضحة لمعالم طريق الدعوة، مجلة الدعوة، العدد (53)، ذو القعدة 1400هـ، سبتمبر 1980م.
- ↑ الملتقى التربوي: دور المربي في المنعرجات الدعوية، 13 يونيو 2010.
- ↑ في ذكرى رحيله.. الأستاذ مصطفى مشهور فقيه الدعوة الصامد، إخوان أون لاين، 16 نوفمبر 2019.
- ↑ مؤلفات مصطفى مشهور: ببليوغرافيا الكتب العربية.
- ↑ أحمد زهران: الأستاذ مصطفى مشهور مجدد قواعد الدعوة، 1 نوفمبر 2008.
- ↑ أحمد شوشة: مصطفى مشهور.. قبسة من سيرة مجاهد”1”، 9 سبتمبر 2014.
- ↑ أحمد شوشة: مصطفى مشهور.. قبسة من سيرة مجاهد "2”، 13 سبتمبر 2014.
- ↑ مصطفى مشهور: من فقه الدعوة، جـ1، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، صـ 367، 368.
- ↑ المرجع السابق: صـ127.
- ↑ وعلى طريق الدعوة نحتاج إلى زاد.. (1)، 16 ديسمبر 2021.