ماذا بعد افتتاح مبنى خاص بمنظمة التحرير؟

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
ماذا بعد افتتاح مبنى خاص بمنظمة التحرير؟
علم فلسطين.jpg

بقلم : إياد مسعود

جميل أن يكون لمنظمة التحرير الفلسطينية مبنى خاص في رام الله، وأن يفتتحه رئيس اللجنة التنفيذية محمود عباس وأن تتوزع دوائر المنظمة في هذا المبنى، بعد أن تشردت طويلاً. لقد حلّت المنظمة، منذ قيام السلطة الفلسطينية، ضيفاً على مقر رئيس السلطة في غزة وبعدها في «المقاطعة» في رام الله، وافتقرت إلى مقر خاص بها، علماً أن أصغر دائرة من دوائر السلطة استأثرت بمقر خاص بها في المباني الفخمة لمدينة رام الله الجميلة.

ونعتقد، في السياق، أن القضية ليست في حقيقتها قضية مبنى خاص لمنظمة التحرير ولجنتها التنفيذية ودوائرها المختصة (على أهمية ذلك إدارياً) بل إن القضية هي في الموقع الذي تحتله هذه المنظمة في الخارطة السياسية الفلسطينية والدور الذي تلعبه في هذا الميدان.

فمنذ أن انتقلت القيادة الفلسطينية إلى المناطق المحتلة، لتقيم حكمها الإداري الذاتي بموجب اتفاق أوسلو، بدأت منظمة التحرير الفلسطينية تفقد، وبشكل متسارع، دورها وتخلي موقعها، كمقرر في الحياة السياسية للفلسطينيين، للسلطة الفلسطينية ومؤسساتها المختلفة، علماً أن اتفاق أوسلو عقد مع المنظمة وليس مع السلطة، وعلماً (أيضاً) أن الوثائق شددت على أن المنظمة هي المرجع السياسي الأعلى للسلطة الفلسطينية، وأن العملية السياسية هي من اختصاص المنظمة، وأن مهام السلطة تقتصر على إدارة الشأن العام للفلسطينيين في القطاع والضفة. أما م.ت.ف. فتبقى هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في مناطق وجوده كافة.

وعندما انتخب المجلس التشريعي في الضفة والقطاع، نصّت الوثائق على أن أعضاءه هم أيضاً أعضاء في المجلس الوطني.

مع كل هذا، أخذ دور م.ت.ف. يضعف أكثر فأكثر، حتى تحولت اجتماعات لجنتها التنفيذية (السلطة الأعلى في البنيان السياسي الفلسطيني اليومي) إلى مجرد مشاورات وتبادل آراء، من دون أن تعكس هذه المشاورات نفسها على مركز القرار السياسي الفلسطيني.

أما مجلسها الوطني فقد غاب عن الوجود، غياباً تاماً وحل محله، بشكل مشوه، المجلس المركزي للمنظمة. وبدا، وكأن تغييب المنظمة ومؤسساتها أمر مقصود لذاته، لإضعاف صيغة القرار الجماعي، وتغييب الشراكة السياسية لصالح استحضار سياسة التفرد والاستفراد بالقرار، على خلفية ما أحدثه اتفاق أوسلو من انقسامات سياسية في الصف الفلسطيني.

في مؤتمر الحوار الوطني الفلسطيني في القاهرة (آذار) توافقت الأطراف المعنية على تشكيل لجنة عليا للإشراف على إصلاح أوضاع المنظمة، وضخ الدماء مجدداً في عروقها، لتحتل موقعها المقرر في الحالة الفلسطينية، بما في ذلك انتخاب مجلس وطني جديد، يكون معنياً بصياغة الميثاق الوطني البديل الذي ألغي في نيسان .

وكذلك تفعيل دوائر المنظمة ولجانها وفي المقدمة لجنتها التنفيذية.

غير أن هذا القرار بقي مجرد حبر علىورق، مع أن الأراضي الفلسطينية شهدت انتخاب مجلس تشريعي جديد، ومجالس بلدية وقروية، الأمر الذي فهم منه أن مركز القرار ما زال مصرّاً على تغييب المنظمة ودورها لصالح تكريس سياسة الاستفراد والتفرد السياسي.

لجوء حماس إلى الحسم العسكري في غزة في \\. شلّ المجلس التشريعي الذي انقسم على نفسه، كما انقسمت المؤسسات كافة التابعة للسلطة، وقد رد الرئيس على هذا الانقسام (الذي أضعف السلطة بشكل عام) باستدعاء مؤسسات المنظمة، بما يؤمن الشرعية السياسية والدستورية لما تبقى من مؤسسات السلطة في رام الله، بدءاً برئيس السلطة وصولاً إلى أجهزتها الأمنية مروراً بوزاراتها المختلفة.

فشهدت اللجنة التنفيذية سلسلة اجتماعات اتسمت بجدية غير مألوفة، كذلك عادت الحياة إلى المجلس المركزي للمنظمة، حتى المجلس الوطني نفسه استدعي إلى دورة استثنائية انعقدت صيف العام الماضي في رام الله لتجديد اللجنة التنفيذية بعد أن غادرها (بالوفاة) ثلث أعضائها، وكادت أن تفقد شرعيتها القانونية. في هذه الدورة تعهد الرئيس محمود عباس بإدخال سلسلة إصلاحات حقيقية على أوضاع المنظمة لتحتل دورها المنوط بها. غير أن هذه التعهدات، بقيت، هي الأخرى، حبراً على ورق، ولم يتحقق منها شيء حتى الآن.

وكحدث يحمل فيطياته العديد من المؤشرات الدالة، لوحظ أن وفدي فتح وحماس، إلى مباحثات إنهاء الانقسام في دمشق، لم يجدا صعوبة في الاتفاق على ضرورة إحياء اللجنة الوطنية العليا المعنية بإصلاح أوضاع م.ت.ف لكنهما وجدا صعوبة (إلى حد تعليق المباحثات) في بحث أوضاع الأجهزة الأمنية، الأمر الذي يدلل على أن هامش المناورة في موضوع إصلاح المنظمة هامش واسع، وبما يتيح لمركز القرار في الحالة الفلسطينية أن يتنصل من هذا الموضوع، وأن يستبعده، متعللاً بالظروف الإقليمية والدولية، وبأن الوقت غير مناسب الآن، للدخول في مسألة شديدة التعقيد، كإعادة بناء المنظمة، بما في ذلك إجراء انتخابات في الداخل (في ظل الانقسام) وفي الخارج (حيث القرار النهائي للطرف المضيف لتجمعات الفلسطينيين).

ندرك، بلا شك، صعوبة إنجاز ملف إصلاح م.ت.ف. لكن يمكن التعويض عن هذا بمجموعة إجراءات، تكون كفيلة بإحداث إصلاحات ولو جزئية وفي إطار الممكن، إلى أن يتوفر الظرف المناسب لاستكمال عملية الإصلاح. من هذا «الممكن»، أن يكون للجنة التنفيذية نظام عمل ملزم (لرئيسها وأعضائها) وأن يكون قرارها هو الآخر ملزماً للجميع، وفق مبدأ التوافق السياسي، انطلاقاً من كون اللجنة هذه تعبيراً، في الأساس، عن توافق سياسي في إطار م.ت.ف. وأن يعاد إحياء دوائر المنظمة، ويكون لكل دائرة برنامجها، تحاسب على أدائها في الاجتماعات الدورية للمجلس المركزي وأن تصوغ اللجنة التنفيذية قانوناً لانتخاب مجلس وطني جديد، يسبق ذلك سلسلة تمهيدات، من بينها إعادة انتخاب مجلس تشريعي للضفة والقطاع، كإشارة إلى أن الوضع الفلسطيني قد يستعيد عافيته.


المصدر