مآذن الأزهر ستظل منارات تردد الأذان وتطرد الشيطان

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
مآذن الأزهر ستظل منارات تردد الأذان وتطرد الشيطان
توفيق الواعي.jpg

بقلم: د/ توفيق الواعي

كل أمة في الملمات تلوذ بثوابتها، وفي الأوقات العصيبة تأرز إلى عقائدها، وفي الشدائد والكوارث تلجأ إلى عزائمها، فينتفض الجسد الواهن، ويثوب العقل الذاهل، ويشتد الساعد العاجز، ويجتمع الشتات الهائم، فترفع الغمة، وتنجلي الشدة، وتزول الكارثة، ولكن إذا ضاعت ثوابت الأمة، وحوربت في عقائدها، وحيل بينها وبين إيمانها، وانحلت عزائمها، فماذا يبقى من مقومات البقاء أو مصدات الرياح الهوج، أو موانع الكوارث الشرود؟!

ومن زمنٍ يبيِّت أعداء الأمة الشرَّ لها، ويتحينون لذلك الفرص، تارةً يلمِّحون، وتارةً يلوحون، ولكنهم اليوم يصرِّحون ويقررون وينفذون بأيدٍ مسلمة ولكنها آثمة، وبقراراتٍ من سلطات متسلطة قاهرة، ولكنها كارثية خاطئة، وأوامر متلصصة باهتة قُصد بها سرقة قوى الأمة وعقيدتها وهويتها وماضيها وتراثها ومستقبلها وعزتها، وظهر المخبوء، ووضحت النيات، وانكشف المستور.

ومهما تكن عند امرئٍ من خليقة وإن خالها تَخفى على الناس تُعلم

ولكن هذه الخليقة وهذا المخبوء شيء خطير جدًّا، يصيب الأمة في مقتل، ويجهز عليها حتى لا يبقى من قوامها شيء، أو من قوتها ثمالة من نهوض، فتروي الأخبار أن أعضاء مجلس الشعب المصري فوجئوا قبل ساعات من انتهاء الدورة البرلمانية الحالية بصدور قرار حكومي، يقضي بفرض حظر على التصريح لأي تراخيص لبناء أي معهد أزهري، إضافةً إلى إخضاع هذه المعاهد الأزهرية لوزارة التربية والتعليم، ونزع اختصاص الأزهر الأصيل في الإشراف عليها.

وقد أصاب هذا القرار المفاجئ دهشةَ الجميع، وتقدم عضو اللجنة الدينية في مجلس الشعب المصري د. عبد المعطي بيومي ببيان عاجل لرئيس المجلس، يؤكد فيه، أن هذا القرار من شأنه تقليص حجم المواد الدينية التي تُدرس في هذه المعاهد.

هذا وقد أصيبت الأوساط الثقافية والدينية في مصر بصدمة، ورأت أن هذا القرار هو استجابةٌ للضغوط الأمريكية التي طالبت مرارًا بتقليص دور مؤسسة الأزهر العريق في الحياة الاجتماعية والثقافية والدينية في مصر والعالم العربي والإسلامي، ثم أوحت بتوجيه الاتهام لهذه المؤسسة العتيدة بأنها تساعد على تفريخ عناصر إرهابية من هذه المعاهد، التي غالبًا ما يتم بناؤها استجابةً لرغبات شعبية وبأموال أهلية لا تكلف ميزانية الدولة ولا الأزهر شيئًا، وهذا ما أقرَّ به عبد الحليم عمر- الأستاذ بجامعة الأزهر.

وقد تحدث كثيرون باستغراب واستنكار لهذه القرارات غير المسئولة، فقال عضو مجمع البحوث الإسلامية- الدكتور عبد العظيم المطعني-: إن القرار سبقته نية مبيتة، وخطوات أدت إلى إغلاق أكثر من320 معهدًا أزهريًّا؛ بسبب قيود وضعتها الحكومة للحدِّ من التعليم في المعاهد الأزهرية، على حد قوله.

وقد تحدث عن بعض أهداف ذلك القرار أستاذ الحضارة في جامعة الأزهر الأستاذ مجاهد الجندي، فقال: أعتقد أن الهدف من القرار هو القضاء على الأزهر تدريجيًّا؛ إرضاءً للسياسة الأمريكية التي جعلت الإسلام والمسلمين عدوَّها الأول، ولفت د. الجندي الانتباه إلى أن تحويل هذه المعاهد إلى مدارس تابعة لوزارة التعليم يترتب عليه آثار سلبية مستقبلاً، منها إمكانية حذف بعض آيات من القرآن الكريم التي تتحدث عن اليهود، أو الجهاد ضد الأعداء؛ لتفريغ الأمة من مضمونها الثقافي الذي يقف أمام الهجمة الشرسة للغزو الثقافي والحربي الغربي على الأمة.

هذا ومما يثير التوجس وعدم الشفافية أن الحكومة لم تعلن عن الأسباب الجادة والمقنعة وراء حظر إنشاء هذ المعاهد الأزهرية، وهذا ما أشار إليه الأستاذ الدتور عبد الحليم عمر- الأستاذ بجامعة الأزهر- وآخرون، ولكن الناس لا حولَ لهم ولا قوة، ويظهر أن مخطَّط تهميش الثقافة الإسلامية وعقائدها يسير في تسارع في الأمة اليوم؛ فقد أُلغيت المعاهد العلمية التي كانت رافدًا من روافد الثقافة الإسلامية في اليمن ، وكذلك طُلب من كثير من الدول الإسلامية تغيير مناهجها الإسلامية، وهي تقوم بذلك اليوم في عجلة من أمرها بغير حياء أو وجل، أو خوف من شعوب أو مؤسسات، تلك التي ماتت من زمن، ودُفنت في الثرى، وما بقي إلا صوت خافت وحيد، يقول كما قال عبد المطلب- عندما جاء أبرهة لهدم الكعبة- متوجهًا إلى الله بالدعاء والنداء:

لاهُمَّ إن العبد يمنع رحله فامنع رحالَكْ لا يغلبن صليبُهم ومحالُهم أبدًا محالَكْ

وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلَكْ إن كنت تاركهم و"أزهرنا" فأمر ما بدا لَكْ

وانتصر الله لعبد المطلب، وظلت الكعبة شامخةً، وستظل أبد الدهر إن شاء الله، ودُحر أبو رغال، الذي ساعد المحتل، ورُجِم في حياته وبعد موته، حتى قال القائل الذي يهجو الفرزدق بالتشبه به:

إذا مات الفرزدق فارجموه كما ترمون قبرَ أبي رغال

وآباء الرغال اليوم في الأمة ينتظرهم هذا المصير المؤلم، وسيظل الأزهر شامخًا أبد الآبدين، إن شاء الله، رغم المعتدين والمدبرين والشانئين، فما ضرَّ الأزهر قلعة الإسلام ما تعرَّض له على يد الغزاة المتتابعين، من محاولات للمحو أو التهميش أو التغيير، وسلوا التاريخ عما فعله الفرنسيون بالأزهر ورجاله، عندما داست خيولهم حرمه، وبالوا في محرابه، ومزقوا مصاحفه، وقتلوا جُلَّ رجاله، وأرادوا محوه وطمس ريادته، فانتصر الأزهر، وانبرى أحد أبنائه لتلك الهجمة، وهو سليمان الحلبي، فانقضَّ على كليبر- قائد تلك الحملة الظالمة الغازية- ومزقه بخنجره، وهاج الشعب دفاعًا عن دينه، وحصن إسلامه، وخرجت الحملة الفرنسية مدحورةً مأزورةً، وبقيت مآذن الأزهر تردد الأذان، ومحاريبه تلقن العلم والعرفان، وساحاته تشع بالإيمان، وتطرد البهتان، وتحارب الشيطان.

المصدر

قالب:روابط توفيق الواعى