زيادة القهر الذي يُسقط العروش

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
زيادة القهر الذي يُسقط العروش
توفيق الواعي.jpg

بقلم: د. توفيق الواعي

هناك نظريات موروثة من بقايا الجاهلية وعهود الظلام، مؤداها أن الشدة والبأس والتخويف والقهر يُثبت العروش، ويُخضع الشعوب، ويُبقي على الملك، ويمنع الخروج على السلطان، وهذا وهم خطير خضع له الكثير من العقول المتخلفة، والنفوس العليلة، وأدى إلى تعطيل النهضات وتقويض الحضارات، وإزالة العروش مشيعةً بالسباب واللعنات!!

وقد قرر علماء التاريخ أن من أسباب سقوط الدولة الأموية تولية الحجاج بن يوسف الثقفي بسيرته العفنة وأفعاله الفاضحة، التي حكمت الدولة كلها بالظلم والبغي وسفك الدماء، ولا شكَّ أن خطأ عبد الملك بن مروان بتولِّيه الحجاج على الأمة، وإطلاق يده في شأن الناس كان فادحًا، خاصةً وهو يعلم أمرَه، وسوءَ فعله، وقد وصفَه عبد الملك في خطابٍ بعث به إليه يقول: "إنك عبدٌ طمَت بك الأمور، فعلوت فيها حتى عدوت طورَك، وجاوزت قدرَك، أنسيت مكاسب آبائك في اللؤم؟ والدناءة في المروءة والخلق؟ فعليك لعنة الله من عبدٍ أخفش العينين، أصكّ الرجلين، ممسوح الجاعرتين"!!

وهذا يخالف أصول الحكم وأصول الشرع؛ حيث أمر الرسول- صلى الله عليه وسلم- أن يتولى على الناس أفضلهم، وظنَّ عبد الملك بتوليته هذا المجرم اللئيم على الناس أنه يُثبت ملكَه، ونسي سيرة الإسلام في تولية الحكام، ونسي رضاء الناس وحبهم وتلبية طلباتهم وحوائجهم، ونسي استشارة العلماء ورضاء أهل الحل والعقد، وقد كانت العلماء لا ترضى مهادنة المنكر، فنالهم القتل والتنكيل، ومن نجا منهم أفلت من العقاب بقدر الله سبحانه.

فقد رويَ أن الحسن البصري دخل على الحجَّاج بواسط، فلما رأى بناءه قال: الحمد لله.. إن هؤلاء ليرون في أنفسهم عبرًا، وإنا لنرى فيهم عبرًا، يعمد أحدهم إلى قصر فيشيِّده، وإلى فراش فيتخذه، وقد حفَّ به ذباب طوع وفرش نار، ثم يقول: ألا فانظروا ما صنعت "فقد رأينا- يا عدو الله- ما صنعت" فماذا يا أفسق الفسقة، ويا أفجر الفجرة..؟! أما أهل السماء فلعنوك، وأما أهل الأرض فمقتوك، ثم خرج وهو يقول: إنما أخذ الله الميثاق على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه، فاغتاظ الحجاج غيظًا شديدًا، ثم قال: يا أهل الشام.. هذا عبد أهل البصرة يشتمني في وجهي فلا ينكر عليه أحد، عليَّ به، والله لأقتلنه.

فمضى أهل الشام فأحضروه، وقد أُعلم بما قال، فكان في طريقه يحرك شفتَيْه بما لا يسمع، فلما دخل وجد السيف والنطع بين يدي الحجاج وهو متغيِّظ، فلما رآه الحجاج كلمه بكلام غليظ، فرفق به الحسن ووعظه، فأمر الحجاج بالسيف والنطع فرُفعا، ثم لم يزل الحسن يمر في كلامه، إلى أن دعا الحجاج بالطعام فأكلا، وبالوضوء فتوضآ، وبالرائحة فعطَّره بيده ثم صرفه مكرمًا، وقيل للحسن البصري: بم كنت تحرك شفتيك وأنت ذاهب إلى الحجاج؟!

يا غياث المستضعفين

قال: قلت: يا غياثي عند دعوتي، ويا عدتي في ملمتي، ويا ربي عند كربتي، ويا صاحبي في شدتي، ويا وليَّ نعمتي، ويا إلهي وإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وموسى وعيسى، ويا رب النبيين كلهم أجمعين، ويا رب كهيعص، وطه، وطسم، ويس، ورب القرآن الكريم.. يا كافي موسى فرعون، وكافي محمد الأحزاب، صلِّ على محمد وآله الطيبين الطاهرين الأخيار، وارزقني مودةَ عبدِك الحجاج، وخيرَه ومعروفَه، واصرف عني أذاه وشرَّه ومكروهَه ومعرَّتَه.. فكفاه الله تعالي شرَّه بمنِّه وكرمه، قال صالح بن مسمار: فما دعونا بها في شدة إلا فرَّج الله عنا.

ولقد كانت سياسية الحجاج التي سلكها مع الرعية من أهم الأسباب التي أدت إلى سقوط دولة الأمويين بعد ذلك؛ لأن الرجل كان من أسوأ من عرف المسلمون في حكمه، وكان يخبر عن نفسه أن أكبر لذته في سفك الدماء، وكان يقول: إني والله لا أعلم على وجه الأرض خلقًا هو أجرأُ على دمٍ مني، وكانت له في القتل وسفك الدماء غرائب لم يُسمع بمثلها..!!

ووصف الحجاج نفسه أمام سيده عبد الملك بأنه حقود حسود كنود، فقال له عبد الملك بن مروان: ما في إبليس شر من هذه الخلال، وقد جمع الرجل من الخلال القبيحة ظاهرةً وباطنةً ما تقشعرُّ منه الأبدان.. من دمامة الصورة، وقبح المنظر، وقساوة القلب، وشراسة الأخلاق، وغلظ الطبع، وقلة الدين، والإقدام على انتهاك حرمة الله تعالى، حتى حاصر مكة، وهدم الكعبة، ورماها بالمنجنيق والنفط والنار، وأباح الحرم، وسفك وهتك وقتل في مدة ولايته ألف ألف وستمائة ألف مسلم، ومات في حبوسه ثمانية عشر ألف إنسان، وكان لا يرجو عفوَ الله، ولا يتوقع خيرَه، وكأنه قد ضُرب بينه وبين الرحمة والرأفة بسورٍ من فظاظة وغلاظة وقسوة.

وكان الحجاج لا يصلح للدنيا ولا للآخرة، قيل فيه: لو جاءت كل أمة بمنافقيها، وجئنا بالحجاج لفضلهم، وقيل للشعبي: أكان الحجاج مؤمنًا؟ قال: نعم بالطاغوت كافرًا بالله، وقيل لعبد الله بن المبارك: أبو مسلم الخرساني السفاح خيرٌ أو الحجاج؟ فقال: لا أقول إن أبا مسلم خيرٌ من أحد، ولكن الحجاج كان شرًّا منه، وكان الحسن البصري يسميه: فاسق ثقيف.

وقال القاسم بن محمد بن أبي بكر: كان الحجاج ينقض عُرى الإسلام عروةً عروةً، قال ابن سيرين: إنه لم يُرَ أغشم من الحجاج..!!

القهر يكسر أبواب السجون

أمثال هؤلاء الأشرار يبحث عنهم صنف من الولاة، وينتقيهم ثلةٌ من الحكام؛ لقهر الشعوب، وإذلال الناس، ووأد المعارضين، وفي ظنهم أتهم يثبتون بهم الحكم، ويحيطون بهم السلطان، ويحمون بهم الدولة، ويكونون طوع أمرهم، لأنهم بغير ضمير أو كرامة أو خلق يقولون: بقدر ما كان الحجاج قاسيًا متغطرسًا على الناس كان ذليلاً أمام عبد الملك بن مروان، كتب إليه مرة يقول: إنك خليفة الله في أرضه، أكرم من رسوله إليهم!! وعطس عبد الملك يومًا فشمَّته أصحابه فردَّ عليهم ودعا لهم ولم يكن الحجاج حاضرًا، فكتب إليه: بلغني ما كان من عطاس أمير المؤمنين ومن تشميت أصحابه له وردِّه عليهم، فيا ليتني كنت معهم فأفوز فوزًا عظيمًا..!!

هؤلاء وأمثالهم هم كوارث الأمم الحقيقية اقتصاديًّا وسياسيًّا وإبداعيًّا، وقد تخلصت أمم كثيرةٌ من هذه النظريات الجاهلية ففازت، وما زالت هناك أمم تسير على هذه السياسيات البائدة، تلفح وجوههم نار الفتن وهم فيها كالحون، نسأل الله السلامة آمين آمين..

المصدر

قالب:روابط توفيق الواعى