رمضان في مرآة طفولتي

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
رمضان في مرآة طفولتي

أ.د/جابر قميحة

مقدمة

من منا سأل نفسه عن مفهوم الحياة، أو المقصود بها؟ هل هي عدد من المواقف والأعمال؟ أم أنها عدد من السنين؟ أم هي عدد من المشاعر المتباينة التي يحس بها الإنسان، أو تهيمن على نفسيته؟

الحقيقة أن نسيج الحياة تصنعه مجموعة متضافرة من كل أولئك: فالإنسان بأعماله ومواقفه له وجوده الحسي والمعنوي في حيز من الزمان والمكان، يعمل عقله مفكرًا، ويتفاعل مع متقلبات من المشاعر والأحاسيس.

ويعيش الإنسان حياته ابتداء من الميلاد والطفولة، وانتهاء بالشيخوخة والهرم، وبينهما مرحلة الشباب والكهولة، ولكن يبقي هذا التقسيم صناعيًا؛ لأن كل مرحلة تؤدي إلى التي تليها بالتدريج، دون شعور بنقلةٍ أو تحول مفاجئ، والحياة كالنهر، إن كان له منابع ومجري ومصب، فإن أوله موصول بآخره، وأول نقطة منه موصولة بآخر النقاط.

مرحلة الطفولة

ولا خلاف في أن مرحلة الطفولة تمثل - في حياة الإنسان - سنوات البراءة، والعفوية، والإحساس التلقائي بالجمال، ولذلك كانت استعادة أيام هذه الفترة ذهنيًا مجلبة لراحة النفس والشعور.

وكثيرًا ما أحمل روحي وعقلي إلى معايشة هذه المرحلة البريئة النقية في المناسبات المختلفة، وأقوم بعمل موازنة ذهنية بين مظاهر المناسبة حإليا، ومظاهرها أيام الطفولة، كالأعياد والمواسم، فأتأمل مثلاً مظاهر الاحتفال بالمولد النبوي حإليا، والاحتفال به أيام زمان، أي أيام الطفولة، والنظر إلى «الفروق» على مدي عشرات السنين، عملية ممتعة للأديب، ومادة خصيبة للدارسين.

مقدمات رمضان

وفي المنزلة - بشمال دلتا النيل، وهي مسقط رأسي، وكانت مركزًا لعدد من القري حولها - عشت سني طفولتي، ومنها أقدم ملامح من صورة «رمضان» من خمسة وستين عامًا، لتكون الرؤية ميدانية حقيقية.

ومقدمات رمضان كنا نراها في النصف الثاني من شعبان في عدد من المظاهر منها: قيام محلات بيع الحلوي ببناء أفران الكنافة أمام المحلات في الشارع، وفرن الكنافة بناء دائري من الطين تثبت في أعلاه «صينية» واسعة، يوضع تحتها وقود، ويقوم العامل بصبّ عجينة الكنافة عليها، من إناء ذي ثقوب لتتحول العجينة إلى الكنافة بشكلها المعروف.

كما تعرض محلات «البقالة» إلياميش من جوز ولوز وبندق، وكذلك لفات قمر الدين، والعجمية، وللعرض تشغل بعض المحلات الكبيرة مساحة من الشارع أو الرصيف.

وتبدأ محلات «السمكرية» في صناعة فوانيس الأطفال، وكانت صناعة يدوية بدائية، ويسرج الفانوس بشمعة، فالبطاريات لم تكن قد عرفت آنذاك.

الخزين.. والخبيز الكبير

وتقوم كل أسرة بمضاعفة «خزينها» في الأيام الأخيرة من شعبان، والخزين «اصطلاح» يعني «المواد الخام» التي يصنع منها الطعام، والحلوي مثل: الأرز، والسكر، والشاي، والدقيق، والمكرونة، وتخزين ضعف الكمية التي كانت تشتري في الشهور العادية يرجع إلى سببين:

الأول: حرص رب البيت على التوسعة على أهله، وكثرة الضيوف في هذا الشهر.

والثاني: توفير الجهد الذي يبذل في الشراء والتسوق، فالشهر هو شهر التفرغ للصيام والقيام والاسترخاء كذلك.

وفي هذه الأيام الأخيرة من شعبان تصنع البيوت «خبيز رمضان»، وتضاعف كمية المخبوز من الخبز (وهو يسمي في أوساط الناس: عيش)، حتى يكفي الخبز لطعام الشهر كله، والزيادة - أو المضاعفة - للسببين اللذين ذكرتهما آنفًا.

وكان هذا الخبز يخبز في البيوت، ففي كل بيت فرن «للخبيز»، إما في الدور الأرضي، وإما فوق سطح البيت.

ومن المظاهر الطيبة أن الجارات كن يساعدن ربة البيت في إنجاز هذه «المهمة الثقيلة». ثم تقوم ربة البيت بإهداء «رصات» من الخبز الطري، ويسمونه «العيش الحنيِّن» للائي شاركن في الإنجاز.

ويعرض الخبز بعد ذلك - يومًا أو يومين - في الهواء حتى يجف قبل تخزينه في «الصحّارة»، وهي صندوق خشبي ضخم يرص فيه الخبز بطريقة فنية، وكل «العيش» المخزون يكون منتفخًا، ويقولون عنه «عيش آبب» أو «مقرمش»، وربما «آبب» أصلها «قابب» من القبة، وتجفيف العيش قبل خزنه حتى لا يصيبه العفن.

صلة الرحم والتواصل الاجتماعي

ويدعو رب البيت بناته وأزواجهن وأولادهن لتناول الإفطار أول يوم في رمضان، ويهدي في الأسبوع الثاني من رمضان - كل بنت من بناته المتزوجات - صواني رمضان، من كنافة، وجلاش، ومكرونة «حلوة» وغيرها، وتقوم المهدي إليها بإهداء جاراتها بعض ما رزقت، وبقدر عدد الصواني يحكم على الأب بالكرم أو البخل.

و«السهرات» من أهم مظاهر التواصل الاجتماعي، فقد كان الأثرياء من أهل البلد يحيون رمضان بفتح بيوتهم للناس يقصدونها بعد صلاة التراويح لسماع القرآن - حتى حلول وقت السحور - من قارئ مشهور على مستوي البلد، وأذكر من هؤلاء القراء الشيوخ نصر الدين طوبار، وفهمي الطرامْسي، وأحمد السحيلي، وهم جميعًا الآن بين يدي الله.

وتستمر السهرة التي يحييها «الصييت» - أي قارئ القرآن جميل الصوت - إلى ساعة السحور، أي ما بعد منتصف الليل، مع تقديم المشروبات للحاضرين، وأهمها القرفة والشاي.

المسحراتي

وهو أهم ظاهرة رمضانية، والمسحراتي رجل يدور على البيوت بعد منتصف الليل، يحمل «البازة» في يده إليسري، وهي في حجم نصف الطبلة العادية، يدق عليها «بسير» قصير من الجلد، وهو «يسحّر» أي يقف أمام كل بيت، ويردد عبارات دينية قصيرة يفصل بين كل عبارة بعدة دقات، ثم يبدأ في إيقاظ رجال الأسرة واحدًا واحدًا بادئًا برب الأسرة «قم يا فلان وحد الله... تم تم تم»، وهكذا.

وكان لكل مسحراتي منطقة لا يجور عليها زميله، وفي يوم العيد يمرّ المسحراتي بخرج «على حمار» أو «مقاطف» على عربة كارو «لجمع» مقابل التسحير من كعك، وحلوي، ونقود.

من أغاني الأطفال

ولم تكن أغنية «وحوي» شائعة في تلك الأيام، ولكنني أذكر أن الأطفال كانوا يحملون فوانيسهم بعد الإفطار، ويدورون على البيوت ينشدون «لُولا الدارْدي ما جينا - يا حُولها، ولا جينا ولا حفينا .. يا حولها».

وترجمة هذه الكلمات «لولا هذه الدار وأهلها ما جئنا، ولا أتعبنا أقدامنا» فيخرج لهم أهل البيت قطع الحلوي والكنافة.

وكان الأطفال ينتظرون أذان المغرب أمام المسجد، فإذا أذن عادوا إلى بيوتهم وهم ينشدون: يا صايم رمضان.. كل وبحْتر، وخلّ الباقي.. للمسحّر.

والترجمة: أيها الصائم أفطر.. وكل ووسّع على غيرك «بحتر.. أي بعثِر»، وما تبقي منك اجعله للمسحراتي.

وكان الأطفال إذا رأوا مفطرًا في رمضان غير ملتزم بأمر الله، أنشدوا بحدة في وجهه:

يا فاطر رمضان ..

يا خاسر دينك

كلبتنا السودة ..

تاكل مصارينك

إنها رؤية ميدانية لبعض ملامح رمضان من خمسة وستين عامًا في بلدتي المنزلة بشمال دلتا النيل، إلا نقلتها بأمانة وصدق .

كانت أيامًا طيبة، بريئة مباركة جميلة، ألستم معي في أن معايشتها بالروح والشعور من جديد يحقق فينا كثيرًا من المتعة والطمأنينة والسلام النفسي؟

المصدر:رابطة أدباء الشام