خصائص التصوير الفنى فى القرآن

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
خصائص التصور الفني في القرآن

بقلم:أ. سيد قطب


كَلِمَة في المنْهج

"إنَّ هذا القُرْآنَ يَهْدي للتي هيَ أقْوَمُ"

تحديد "خصائص التصور الإسلامي ومقوماته " … مسألة ضرورية، لأسباب كثيرة:

ضرورية لأنه لابد للمسلم من تفسير شامل للوجود، يتعامل على أساسه مع هذا الوجود .. لابد من تفسير يقرّب لإدراكه طبيعة الحقائق الكبرى التي يتعامل معها، وطبيعة العلاقات والارتباطات بين هذه الحقائق: حقيقة الألوهية. وحقيقة العبودية (وهذه تشتمل على حقيقة الكون. وحقيقة الحياة. وحقيقة الإنسان) .. وما بينها جميعاً من تعامل وارتباط.

وضرورية لأنه لابد للمسلم من معرفة حقيقة مركز الإنسان في هذا الوجود الكوني، وغاية وجوده الإنساني.. فمن هذه المعرفة يتبين دور "الإنسان" في "الكون" وحدود اختصاصاته كذلك. وحدود علاقته بخالقه وخالق هذا الكون جميعاً.

وضرورية لأنه بناء على ذلك التفسير الشامل، وعلى معرفة حقيقة مركز الإنسان في الوجود الكوني وغاية وجوده الإنساني، يتحدد منهج حياته، ونوع النظام الذي يحقق هذا المنهج. فنوع النظام الذي يحكم الحياة الإنسانية رهين بذلك التفسير الشامل، ولابد أن ينبثق منه انبثاقاً ذاتياً وإلا كان نظاماً مفتعلاً، قريب الجذور، سريع الذبول. والفترة التي يقدر له فيها البقاء، هي فترة شقاء "للإنسان"، كما أنها فترة صدام بين هذا النظام وبين الفطرة البشرية، وحاجات "الإنسان" الحقيقية! الأمر الذي ينطبق اليوم على جميع الأنظمة في الأرض كلها – بلا استثناء – وبخاصة في الأمم التي تسمى "متقدمة( ) ! "

وضرورية لأن هذا الدين جاء لينشئ أمة ذات طابع خاص متميز متفرد. وهي في الوقت ذاته أمة جاءت لقيادة البشرية، وتحقيق منهج الله في الأرض، وإنقاذ البشرية مما كانت تعانيه من القيادات الضالة، والمناهج الضالة، والتصورات الضالة- وهو ما تعاني اليوم مثله مع اختلاف في الصور والأشكال – وإدراك المسلم لطبيعة التصور الإسلامي، وخصائصه ومقاومته، هو الذي يكفل له أن يكون عنصراً صالحاً في بناء هذه الأمة، ذات الطابع الخاص المتفرد المتميز، وعنصراً قادراً على القيادة والإنقاذ. فالتصور الاعتقادي هو أداة التوجيه الكبرى، إلى جانب النظام الواقعي الذي ينبثق منه، ويقوم على أساسه، ويتناول النشاط الفردي كله، والنشاط الجماعي كله، في شتى حقول النشاط الإنساني.

ولقد كان القرآن الكريم قد قدم للناس هذا التفسير الشامل، في الصورة الكاملة، التي تقابل كل عناصر الكينونة الإنسانية، وتلبي كل جوانبها، وتتعامل مع كل مقوماتها .. تتعامل مع "الحس" و "الفكر" و "البديهة" و "البصيرة" … ومع سائر عناصر الإدراك البشري، والكينونة البشرية بوجه عام – كما تتعامل مع الواقع المادي للإنسان، هذا الواقع الذي ينشئه وضعه الكوني- في الأسلوب الذي يخاطب، ويوحي، ويوجه كل عناصر هذه الكينونة متجمعة، في تناسق، هو تناسق الفطرة كما خرجت من يد بارئها سبحانه!

وبهذا التصور المستمد مباشرة من القرآن، تكيفت الجماعة المسلمة الأولى. تكيفت ذلك التكيف الفريد. وتسلمت قيادة البشرية، وقادتها تلك القيادة الفريدة، التي لم تعرف لها البشرية – من قبل ولا من بعد- نظيراً.

وحققت في حياة البشرية- سواء في عالم الضمير والشعور، أو في عالم الحركة والواقع- ذلك النموذج الفذ الذي لم يعهده التاريخ. وكان القرآن هو المرجع الأول لتلك الجماعة. فمنه انبثقت هي ذاتها.. وكانت أعجب ظاهرة في تاريخ الحياة البشرية: ظاهرة انبثاق أمة من خلال نصوص كتاب! وبه عاشت. وعليه اعتمدت في الدرجة الأولى. باعتبار أن "السنة" ليست شيئاً آخر سوى الثمرة الكاملة النموذجية للتوجيه القرآني. كما لخصتها عائشة –رضي الله عنها- وهي تُسأَل عن خلق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فتجيب تلك الإجابة الجامعة الصادقة العميقة: "كان خلقه القرآن" .. (أخرجه النسائي).

ولكن الناس بعدوا عن القرآن، وعن أسلوبه الخاص، وعن الحياة في ظلاله، عن ملابسة الأحداث والمقوّمات التي يشابه جوُّها الجوُّ الذي تنزّل فيه القرآن .. وملابسةُ هذه الأحداث والمقوّمات، وتَنسُّمُ جوها الواقعي، هو وحده الذي يجعل هذا القرآن مُدرَكاً وموحياً كذلك. فالقرآن لا يدركه حق إدراكه من يعيش خالي البال من مكان الجهد والجهاد لاستئناف حياة إسلامية حقيقة، ومن معاناة هذا الأمر العسير وجرائره وتضحياته وآلامه، ومعاناة المشاعر المختلفة التي تصاحب تلك المكابدة في عالم الواقع، في مواجهة الجاهلية في أي زمان!

إن المسألة-في إدراك مدلولات هذا القرآن وإيحاءاته- ليست هي فهم ألفاظه وعباراته، ليست هي "تفسير" القرآن- كما اعتدنا أن نقول! المسألة ليست هذه. إنما هي استعداد النفس برصيد من المشاعر والمدركات والتجارب، تشابه المشاعر والمدركات والتجارب التي صاحبت نزوله، وصاحبت حياة الجماعة المسلمة وهي تتلقاه في خضم المعترك .. معترك الجهاد .. جهاد النفس وجهاد الناس. جهاد الشهوات وجهاد الأعداء. والبذل والتضحية. والخوف والرجاء. والضعف والقوة. والعثرة والنهوض.. جو مكة، والدعوة الناشئة، والقلة والضعف، والغربة بين الناس .. جو الشَّعب والحصار، والجوع والخوف، والاضطهاد والمطاردة، والانقطاع إلا عن الله.. ثم جو المدينة: جو النشأة الأولى للمجتمع المسلم، بين الكيد والنفاق، والتنظيم والكفاح .. جو "بدر" و "أحد" و "الخندق" و "الحديبية". وجو "الفتح"، و "حنين" و "تبوك". وجو نشأة الأمة المسلمة ونشأة نظامها الاجتماعي والاحتكاك الحي بين المشاعر والمصالح والمبادئ في ثنايا النشأة وفي خلال التنظيم.

في هذا الجو الذي تنزلت فيه آيات القرآن حية نابضة واقعية.. كان للكلمات وللعبارات دلالاتها وإيحاءاتها. وفي مثل هذا الجو الذي يصاحب محاولة استئناف الحياة الإسلامية من جديد يفتح القرآن كنوزه للقلوب، ويمنح أسراره، ويشيع عطره، ويكون فيه هدى ونور ..

لقد كانوا يومئذ يدركون حقيقة قول الله لهم:

"يَمنُّون عليك أن أسلموا. قل: لا تمنّوا عليّ إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين"..(الحجرات: 17)

وحقيقة قول الله لهم:

"يا أيها الذين آمنوا استجيبوا الله وللرسول إذا دعاكم لما يحيكم. واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه، وأنه إليه تحشرون. واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذي ظلموا منكم خاصة، واعلموا أن الله شديد العقاب. واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض، تخافون أن يتخطفكم الناس. فآواكم وأيدكم بنصره، ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون".(الأنفال: 24-26)

وحقيقة قول الله لهم:

"ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون"..(آل عمران: 123)

وحقيقة قول الله لهم:

"ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلَون إن كنتم مؤمنين. إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله. وتلك الأيام نداولها بين الناس. وليعلم الله الذين آمنوا، ويتخذ منكم شهداء. والله لا يحب الظالمين. وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين. ولقد كنتم تَمَنَّون الموت من قبل أن تلقوه، فقد رأيتموه وأنتم تنظرون" …(آل عمران: 139-143)

وحقيقة قول الله لهم:

"لقد نصركم الله في مواطن كثيرة. ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت، ثم وَليتم مدبرين. ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وأنزل جنوداً لم تروها، وعذب الذين كفروا. وذلك جزاء الكافرين" ..(التوبة: 25، 26).

وحقيقة قول الله لهم:

"لتبلَوُن في أموالكم وأنفسكم، ولتسمعُنّ من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً. وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور"..(آل عمران: 186)

كانوا يدركون حقيقة قول الله لهم في هذا كله، لأنه كان يحدثهم عن واقعيات في حياتهم عاشوها، وعن ذكريات في نفوسهم لم تغب معالمها، وعن ملابسات لم يبعد بها الزمن، فهي تعيش في ذات الجيل..

والذين يعانون اليوم وغداً مثل هذه الملابسات، هم الذين يدركون معاني القرآن وإيحاءاته. وهم الذين يتذوقون حقائق التصور الإسلامي كما جاء بها القرآن. لأن لها رصيداً حاضراً في مشاعرهم وفي تجاربهم، يتلقونها به، ويدركونها على ضوئه.. وهم قليل..

ومن ثم لم يكن بد – وقد بعد الناس عن القرآن ببعدهم عن الحياة الواقعية في مثل جوه- أن نقدم لهم حقائق: "التصور الإسلامي" عن الله والكون والحياة والإنسان من خلال النصوص القرآنية، مصحوبة بالشرح والتوجيه، والتجميع والتبويب. لا ليغنى هذا غناء القرآن في مخاطبة القلوب والعقول. ولكن ليصل الناس بالقرآن- على قدر الإمكان- وليساعدهم على أن يتذوقوه، ويلتمسوا فيه بأنفسهم حقائق التصور الإسلامي الكبير!

على أننا نحب أن ننبه هنا إلى حقيقة أساسية كبيرة. . إننا لا نبغي بالتماس حقائق التصور الإسلامي، مجرد المعرفة الثقافية. لا نبغي إنشاء فصل في المكتبة الإسلامية، يضاف إلى ما عرف من قبل باسم "الفلسفة الإسلامية". كلا! إننا لا نهدف إلى مجرد "المعرفة" الباردة، التي تتعامل مع الأذهان، وتحسب في رصيد "الثقافة"!

إن هذا الهدف في اعتبارنا لا يستحق عناء الجهد فيه! إنه هدف تافه رخيص! إنما نحن نبتغي "الحركة" من وراء "المعرفة". نبتغي أن تستحيل هذه المعرفة قوة دافعة، لتحقيق مدلولها في عالم الواقع. نبتغي استجاشة ضمير "الإنسان" لتحقيق غاية وجوده الإنساني، كما يرسمها هذا التصور الرباني. نبتغي أن ترجع البشرية إلى ربها، وإلى منهجه الذي أراده لها، وإلى الحياة الكريمة الرفيعة التي تتفق مع الكرامة التي كتبها الله للإنسان، والتي تحققت في فترة من فترات التاريخ، على ضوء هذا التصور، عندما استحال واقعاً في الأرض، يتمثل في أمة، تقود البشرية إلى الخير والصلاح والنماء.

ولقد وقع – في طور من أطوار التاريخ الإسلامي- أن احتكت الحياة الإسلامية الأصلية، المنبثقة من التصور الإسلامي الصحيح، بألوان الحياة الأخرى التي وجدها الإسلام في البلاد المفتوحة، وفيما وراءها كذلك. ثم بالثقافات السائدة في تلك البلاد.

واشتغل الناس في الرقعة الإسلامية- وقد خلت حياتهم من هموم الجهاد، واستسلموا لموجات الرخاء .. وجدّت في الوقت ذاته في حياتهم من جراء الأحداث السياسية وغيرها مشكلات للتفكير والرأي والمذهبية- كان بعضها في وقت مبكر منذ الخلاف المشهور بين علي ومعاوية- اشتغل الناس بالفلسفة الإغريقية وبالمباحث اللاهوتية التي تجمعت حول المسيحية، والتي ترجمت إلى اللغة العربية .. ونشأ عن هذا الاشتغال الذي لا يخلو من طابع الترف العقلي في عهد العباسيين وفي الأندلس أيضاً، انحرافات واتجاهات غريبة على التصور الإسلامي الأصيل. التصور الذي جاء ابتداء لإنقاذ البشرية من مثل هذه الانحرافات، ومن مثل هذه الاتجاهات، وردها إلى التصور الإسلامي الإيجابي الواقعي، الذي يدفع بالطاقة كلها إلى مجال الحياة، للبناء والتعمير، والارتفاع والتطهير. ويصون الطاقة أن تنفق في الثرثرة. كما يصون الإدراك البشري أن يطوح به في التيه بلا دليل.

ووجد جماعة من علماء المسلمين أن لابد من مواجهة آثار هذا الاحتكاك، وهذا الانحراف، بردود وإيضاحات وجدل حول ذات الله-سبحانه- وصفاته. وحول القضاء والقدر. وحول عمل الإنسان وجزائه، وحول المعصية والتوبة.. إلى آخر المباحث التي ثار حولها الجدل في تاريخ الفكر الإسلامي! ووجدت الفرق المختلفة خوارج وشيعة ومرجئة. قدرية وجبرية. سنية ومعتزلة…. إلى آخر هذه الأسماء.

كذلك وجد بين المفكرين المسلمين من فتن بالفلسفة الإغريقية- وبخاصة شروح فلسفة أرسطو- أو المعلم الأول كما كانوا يسمونه- وبالمباحث اللاهوتية- "الميتافيزيقية" – وظنوا أن "الفكر الإسلامي" لا يستكمل مظاهر نضوجه واكتماله، أو مظاهر أبهته وعظمته، إلا إذا ارتدى هذا الزي- زي التفلسف والفلسفة- وكانت له فيه مؤلفات! وكما يفتن من اليوم ناس بأزياء التفكير الغربية، فكذلك كانت فتنتهم بتلك الأزياء وقتها. فحاولوا إنشاء "فلسفة إسلامية" كالفلسفة الإغريقية. وحاولوا إنشاء "علم الكلام" على نسق المباحث اللاهوتية مبنية على منطق أرسطو!

وبدلاً من صياغة "التصور الإسلامي" في قالب ذاتي مستقل، وفق طبيعته الكلية، التي تخاطب الكينونة البشرية جملة، بكل مقوماتها وطاقاتها، ولا تخاطب "الفكر البشري" وحده خطاباً بارداً مصبوباً في قالب المنطق الذهني.. بدلاً من هذا فإنهم استعاروا "القالب" الفلسفي ليصبوا فيه "التصور الإسلامي"، كما استعاروا بعض التصورات الفلسفية ذاتها، وحاولوا أن يوفقوا بينها وبين التصور الإسلامي.. أما المصطلحات فقد كادت تكون كلها مستعارة!

ولما كانت هناك جفوة أصيلة بين منهج الفلسفة ومنهج العقيدة، وبين أسلوب الفلسفة وأسلوب العقيدة، وبين الحقائق الإيمانية الإسلامية وتلك المحاولات الصغيرة المضطربة المفتعلة التي تتضمنها الفلسفات والمباحث اللاهوتية البشرية.. فقد بدت "الفلسفة الإسلامية" –كما سميت- نشازاً كاملاً في لحن العقيدة المتناسق! ونشأ من هذه المحاولات تخليط كثير، شاب صفاء التصور الإسلامي، وصفر مساحته، وأصابه بالسطحية.

ذلك مع التعقيد والجفاف والتخليط. مما جعل تلك "الفلسفة الإسلامية" ومعها مباحث علم الكلام غريبة غربة كاملة على الإسلام، وطبيعته، وحقيقته، ومنهجه، وأسلوبه!

وأنا أعلم أن هذا الكلام سيقابل بالدهشة – على الأقل!- سواء من كثير من المشتغلين عندنا بما يسمى "الفلسفة الإسلامية" أو من المشتغلين بالمباحث الفلسفية بصفة عامة.. ولكني أقرره، وأنا على يقين جازم بأن "التصور الإسلامي" لن يخلص من التشويه والانحراف والمسخ، إلا حين نلقي عنه جملة بكل ما أطلق عليه اسم "الفلسفة الإسلامية". وبكل مباحث "علم الكلام" وبكل ما ثار من الجدل بين الفرق الإسلامية المختلفة في شتى العصور أيضاً! ثم نعود إلى القرآن الكريم، نستمد منه مباشرة "مقومات التصور الإسلامي". مع بيان "خصائصه" التي تفرده من بين سائر التصورات. ولا بأس من بعض الموازنات- التي توضح هذه الخصائص – مع التصورات الأخرى- أما مقومات هذا التصور فيجب أن تستقى من القرآن مباشرة، وتصاغ صياغة مستقلة .. تماماً. ولعله مما يحتم هذا المنهج الذي أشرنا إليه أن ندرك ثلاث حقائق هامة:

الأولى: أن أول ما وصل إلى العالم الإسلامي من مخلفات الفلسفة الإغريقية واللاهوت المسيحي، وكان له أثر في توجيه الجدل بين الفرق المختلفة وتلوينه، لم يكن سوى شروح متأخرة للفلسفة الإغريقية، منقولة نقلاً مشوهاً مضطرباً في لغة سقيمة. مما ينشأ عنه اضطراب كثير في نقل هذه الشروح!

والثانية: أن عملية التوفيق بين شروح الفلسفة الإغريقية والتصور الإسلامي كانت تنم عن سذاجة كبيرة، وجهل بطبيعة الفلسفة الإغريقية، وعناصرها الوثنية العميقة، وعدم استقامتها على نظام فكري واحد، وأساس منهجي واحد. مما يخالف النظرة الإسلامية ومنابعها الأصيلة.. فالفلسفة الإغريقية نشأت في وسط وثنى مشحون بالأساطير، واستمدت جذورها من هذه الوثنية ومن هذه الأساطير، ولم تخل من العناصر الوثنية الأسطورية قط. فمن السذاجة والعبث –كان- محاولة التوفيق بينها وبين التصور الإسلامي القائم على أساس "التوحيد" المطلق العميق التجريد.. ولكن المشتغلين بالفلسفة والجدل من المسلمين، فهموا –خطأ- تحت تأثير ما نقل إليهم من الشروح المتأخرة المتأثرة بالمسيحية أن "الحكماء" – وهم فلاسفة الإغريق- لا يمكن أن يكونوا وثنيين، ولا يمكن أن يحيدوا عن التوحيد! ومن ثم التزموا عملية توفيق متعسفة بين كلام "الحكماء" وبين العقيدة الإسلامية. ومن هذه المحاولة كان ما يسمى "الفلسفة الإسلامية"!

والثالثة: أن المشكلات الواقعية في العالم الإسلامي – تلك التي أثارت ذلك الجدل منذ مقتل عثمان –رضي الله عنه- قد انحرفت بتأويلات النصوص القرآنية، وبالأفهام والمفهومات انحرافاً شديداً. فلما بدأ المباحث لتأييد وجهات النظر المختلفة، كانت تبحث عما يؤيدها من الفلسفات والمباحث اللاهوتية، بحثاً مغرضاً في الغالب ومن ثم لم تعد تلك المصادر- في ظل تلك الخلافات- تصلح أساساً للتفكير الإسلامي الخالص، الذي ينبغي أن يتلقى مقوماته ومفهوماته من النص القرآني الثابت، في جو خالص من عقابيل تلك الخلافات التاريخية. ومن ثم يحسن عزل ذلك التراث جملة! عن مفهومنا الأصيل للإسلام، ودراسته دراسة تاريخية بحتة، لبيان زوايا الانحراف فيه، وأسباب هذا الانحراف، وتجنب نظائرها فيما نصوغه اليوم من مفهوم التصور الإسلامي، ومن أوضاع وأشكال ومقومات النظام الإسلامي أيضاً..

ولقد سارت مناهج الفكر الغربي في طريقها الخاص. مستمدة ابتداء من الفكر الإغريقي وما فيه من لوثة الوثنية، ثم مستمدة أخيراً من عدائها للكنيسة، وللتفكير الكنسي في الغالب!

وكان الطابع العام لهذا الفكر منذ عصر النهضة، وهو معارضة الكنيسة الكاثوليكية وتصوراتها. ثم –فيما عد- معارضة الكنيسة إطلاقاً، ومعارضة التصور الديني جملة.. والتصورات الكنسية – بصفة عامة- لم تكن في يوم من الأيام تمثل النصرانية الحقيقية. فإن الملابسات التي صاحبت نشأة النصرانية في ظل الدولة الرومانية الوثنية، ثم التي صاحبت دخول الدولة الرومانية في النصرانية قد جنت على النصرانية الحقة جناية كبرى، وحرفتها تحريفاً شديداً. حرفتها ابتداء بما أدخلت فيها من رواسب الوثنية الرومانية. ثم بما أضافته الكنيسة والمجامع بعد ذلك من التأويلات والإضافات التي ضمت –مع الأسف- إلى الأصل الإلهي في النصرانية، لمجاراة الأحداث السياسية، والاختلافات المذهبية، ولمحاولة تجميع المذاهب وتجميع القطاعات المتعارضة في الدولة الرومانية في مذهب واحد يرضى عنه الجميع( )! مما جعل "النصرانية" تعبيراً عن "التصور الكنسي" أكثر مما هي تعبير عن الديانة النصرانية المنزلة من عند الله.

ثم كان من جراء احتضان الكنيسة لهذه التصورات المنحرفة، ومن جراء احتضانها كذلك لكثير من المعلومات الخاطئة أو الناقصة عن الكون- مما هو من شأن البحوث والدراسات والتجارب البشرية- أن وقفت موقفاً عدائياً خشناً من العلماء الطبيعيين حين قاموا يصححون هذه المعلومات "البشرية" الخاطئة أو الناقصة. ولم تكتف بالهجوم الفكري عليهم، بل استخدمت سلطانهم المادي ببشاعة في التنكيل لكل المخالفين لتصوراتها الدينية والعلمية على السواء!

ومنذ ذلك التاريخ، وإلى اليوم، اتخذ "الفكر الأوربي" موقفاً عدائياً لا من الأفكار والتصورات الكنسية التي كانت سائدة يومذاك، بل من الأفكار والتصورات الدينية على الإطلاق. بل تجاوز العداء الأفكار والتصورات الدينية إلى منهج التفكير الديني بجملته! واتجه الفكر الأوربي إلى ابتداع مناهج ومذاهب للتفكير، الغرض الأساسي منها هو معارضة منهج الكفر الديني، والتخلص من سلطان الكنيسة، بالتخلص من إله الكنيسة! ومن كل ما يتعلق به من أفكار ومن مناهج للتفكير أيضاً" وكمن العداء للدين وللمنهج الديني، لا في الموضوعات والفلسفات والمذاهب التي أنشأها الفكر الأوربي، بل في صميم هذا الفكر، وفي صميم المناهج التي يتخذها للمعرفة.

ومن ثم لم يعد نتاج الفكر الأوربي، ولا مناهج التفكير الأوربية تصلح لأن تتخذ أساساً للفكر الإسلامي، ولا لتجديد هذا الفكر – كما يعبر بعض المفكرين المسلمين أنفسهم .. وسيرى قارئ هذا البحث – بعد فراغ منه- أنه لا سبيل لاستعارة مناهج الكفر الغربي، ولا استعارة نتاج هذا الفكر الذي قام على أساس هذه المناهج، للفكر الإسلامي!

منهجنا إذن في هذا البحث عن: "خصائص التصور الإسلامي ومقوماته" أن نستلهم القرآن الكريم مباشرة – بعد الحياة في ظلال القرآن طويلاً – وأن نستحضر بقدر الإمكان- الجو الذي تنزلت فيه كلمات الله للبشر، والملابسات الاعتقادية والاجتماعية والسياسية التي كانت البشرية تتيه فيها وقت أن جاءها هذا الهدى. ثم التيه الذي ضلت فيه بعد انحرافها عن الهدي الإلهي!

ومنهجنا في استلهام القرآن الكريم، ألا نواجهه بمقررات سابقة إطلاقاً. لا مقررات عقلية ولا مقررات شعورية – من رواسب الثقافات التي لم نستقها من القرآن ذاته –نحاكم إليها نصوصه، أو نستلهم معاني هذه النصوص وفق تلك المقررات السابقة.

لقد جاء النص القرآني –ابتداء- لينشئ المقررات الصحيحة التي يريد الله أن تقوم عليها تصورات البشر، وأن تقوم عليها حياتهم. وأقل ما يستحقه هذا التفضل من العلي الكبير، وهذه الرعاية من الله ذي الجلال –هو الغني عن العالمين- أن يتلقوها وقد فرّغوا لها قلوبهم وعقولهم من كل غبش دخيل، ليقوم تصورهم الجديد نظيفاً من كل رواسب الجاهليات –قديمها وحديثها على السواء- مستمداً من تعليم الله وحده. لا من ظنون البشر، التي لا تغني من الحق شيئاً!

ليست هناك إذن مقررات سابقة نحاكم إليها كتاب الله تعالى. إنما نحن نستمد مقرراتنا من هذا الكتاب ابتداء، ونقيم على هذه المقررات تصوراتنا ومقرراتنا! وهذا – وحده- هو المنهج الصحيح، في مواجهة القرآن الكريم، وفي استلهامه خصائص التصور الإسلامي ومقوّماته.

ثم إننا لا نحاول استعارة "القالب الفلسفي" في عرض حقائق "التصور الإسلامي" اقتناعاً منا بأن هناك ارتباطاً وثيقاً بين طبيعة "الموضوع" وطبيعة "القالب". وأن الموضوع يتأثر بالقالب. وقد تتغير طبيعته ويلحقها التشويه، إذا عرض في قالب، في طبيعته وفي تاريخه عداء وجفوة وغربة عن طبيعته! الأمر المتحقق في موضوع التصور الإسلامي والقالب الفلسفي. والذي يدركه من يتذوق حقيقة هذا التصور كما هي معروضة في النص القرآن!.

نحن نخالف "إقبال" في محاولته صياغة التصور الإسلامي في قالب فلسفي، مستعار من القوالب المعروفة عند هيجل من "العقليين المثاليين" وعند أوجست كونت من "الوضعيين الحسيين".

إن العقيدة –إطلاقاً- والعقيدة الإسلامية-بوجه خاص- تخاطب الكينونة الإنسانية بأسلوبها الخاص، وهو أسلوب يمتاز بالحيوية والإيقاع واللمسة المباشرة والإيحاء. الإيحاء بالحقائق الكبيرة، التي لا تتمثل كلها في العبارة.

ولكن توحي بها العبارة. كما يمتاز بمخاطبة الكينونة الإنسانية بكل جوانبها وطاقاتها ومنافذ المعرفة فيها. ولا يخاطب "الفكر" وحده في الكائن البشري.. أما الفلسفة فلها أسلوب آخر. إذ هي تحاول أن تحصر الحقيقة في العبارة. ولما كان نوع الحقائق التي تتصدى لها يستحيل أن ينحصر في منطوق العبارة –فضلاً عن جوانب أساسية من هذه الحقائق هي بطبيعتها أكبر من المجال الذي يعمل فيه "الفكر" البشري( ) –فإن الفلسفة تنتهي حتماً إلى التعقيد والتخليط والجفاف، كلما حاولت أن تتناول مسائل العقيدة!

ومن ثم لم يكن للفلسفة دور يذكر في الحياة البشرية العامة، ولم تدفع بالبشرية إلى الأمام شيئاً مما دفعتها العقيدة، التي تقدمت البشرية على حدائها في تيه الزمن، وظلام الطريق.

لابد أن تعرض العقيدة بأسلوب العقيدة، إذ أن محاولة عرضها بأسلوب الفلسفة يقتلها، ويطفئ إشعاعها وإيجاءها، ويقصرها على جانب واحد من جوانب الكينونة الإنسانية الكثيرة.

ومن هنا يبدو التعقيد والجفاف والنقص والانحراف في كل المباحث التي تحاول عرض العقيدة بهذا الأسلوب الغريب على طبيعتها، وفي هذا القالب الذي يضيق عنها.

ولسنا حريصين على أن تكون هناك "فلسفة إسلامية"! لسنا حريصين على أن يوجد هذا الفصل في الفكر الإسلامي، ولا أن يوجد هذا القالب في قوالب الأداء الإسلامية! فهذا لا ينقص الإسلام شيئاً في نظرنا، ولا ينقص "الفكر الإسلامي". بل يدل دلالة قوية على أصالته ونقائه وتميزه!

وكلمة أخرى في المنهج الذي نتوخاه في هذا البحث أيضاً …إننا لا نستحضر أمامنا انحرافاً معيناً من انحرافات الفكر الإسلامي، أو الواقع الإسلامي، ثم ندعه يستغرق اهتمامنا كله. بحيث يصبح الرد عليه وتصحيحه هو المحرك الكلي لنا فيما نبذله من جهد في تقرير "خصائص التصور الإسلامي ومقوماته".. إنما نحن نحاول تقرير حقائق هذا التصور –في ذاتها- كما جاء بها القرآن الكريم، كاملة شاملة، متوازنة متناسقة، تناسق هذا الكون وتوازنه، وتناسق هذه الفطرة وتوازنها.

ذلك أن استحضار انحراف معين، أو نقص معين، والاستغراق في دفعه، وصياغة حقائق التصور الإسلامي للرد عليه .. منهج شديد الخطر، وله معقباته في إنشاء انحراف جديد في التصور الإسلامي لدفع انحراف قديم .. والانحراف انحراف على كل حال !!!

ونحن نجد نماذج من هذا الخطر في البحوث التي تكتب بقصد "الدفاع" عن الإسلام في وجه المهاجمين له، الطاعنين فيه، من المستشرقين والملحدين قديماً وحديثاً. كما نجد نماذج منه في البحوث التي تكتب للرد على انحراف معين، في بيئة معينة، في زمان معين!

يتعمد بعض الصليبيين والصهيونيين مثلاً أن يتهم الإسلام بأنه دين السيف، وأنه انتشر بحد السيف.. فيقوم منا مدافعون عن الإسلام يدفعون عنه هذا "الاتهام"! وبينما هم مشتطون في حماسة "الدفاع" يسقطون قيمة "الجهاد" في الإسلام، ويضيقون نطاقه ويعتذرون عن كل حركة من حركاته، بأنها كانت لمجرد "الدفاع"! – بمعناه الاصطلاحي الحاضر الضيق! – وينسون أن للإسلام – بوصفه المنهج الإلهي الأخير للبشرية – حقه الأصيل في أن يقيم "نظامه" الخاص في الأرض، لتستمع البشرية كلها بخيرات هذا "النظام".. ويستمتع كل فرد – في داخل هذا النظام – بحرية العقيدة التي يختارها، حيث "لا إكراه في الدين" من ناحية العقيدة .. أما إقامة "النظام الإسلامي" ليظلل البشرية كلها ممن يعتنقون عقيدة الإسلام وممن لا يعتنقونها، فتقتضي الجهاد لإنشاء هذا النظام وصيانته، وترك الناس أحراراً في عقائدهم الخاصة في نطاقه. ولا يتم ذلك إلا بإقامة سلطان خير وقانون خير ونظام خير يحسب حسابه كل من يفكر في الاعتداء على حرية الدعوة وحرية الاعتقاد في الأرض! وليس هذا إلا نموذجاً واحداً من التشويه للتصور الإسلامي، في حماسة الدفاع ضد هجوم ماكر، على جانب من جوانبه!

أما البحوث التي كتبت للرد على انحراف معين، فأنشأت هي بدورها انحرافاً آخر، فأقرب ما نتمثل به في هذا الخصوص، توجيهات الأستاذ الإمام الشيخ "محمد عبده". ومحاضرات "إقبال" في موضوع: "تحديد الفكر الديني في الإسلام"( ).

لقد واجه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، بيئة فكرية جامدة، أغلقت باب "الاجتهاد" وأنكرت على "العقل" دوره في فهم شريعة الله واستنباط الأحكام منها، واكتفت بالكتب التي ألفها المتأخرون في عصور الجمود العقلي وهي – في الوقت ذاته- تعتمد على الخرافات والتصورات الدينية العامية! كما واجه فترة كان "العقل" فيها يعبد في أوربا ويتخذه أهلها إلهاً، وخاصة بعد الفتوحات العلمية التي حصل فيها العلم على انتصارات عظيمة، وبعد فترة كذلك من سيادة الفلسفة العقلية التي تؤله العقل! وذلك مع هجوم من المستشرقين على التصور الإسلامي، وعقيدة القضاء والقدر فيه، وتعطيل العقل البشري والجهد البشري عن الإيجابية في الحياة بسبب هذه العقيدة … الخ. فلما أراد أن يواجه هذه البيئة الخاصة، بإثبات قيمة "العقل" تجاه "النص".

وإحياء فكرة "الاجتهاد" ومحاربة الخرافة والجهل والعامية في "الفكر الإسلامي".. ثم إثبات أن الإسلام جعل للعقل قيمته وعمله في الدين والحياة، وليس – كما يزعم "الإفرنج" أنه قضى على المسلمين" بالجبر" المطلق وفقدان "الاختيار" .. لما أراد أن يواجه الجمود العقلي في الشرق، والفتنة بالعقل في الغرب، جعل "العقل" البشري ندّاً للوحي في هداية الإنسان، ولم يقف به عند أن يكون جهازاً –من أجهزة – في الكائن البشري، يتلقى الوحي. ومنع أن يقع خلاف ما بين مفهوم العقل وما يجئ به الوحي. ولم يقف بالعقل عند أن يدرك ما يدركه، ويسلم بما هو فوق إدراكه، بما أنه – هو والكينونة الإنسانية بجملتها- غير كلي ولا مطلق، ومحدود بحدود الزمان والمكان، بينما الوحي يتناول حقائق مطلقة في بعض الأحيان كحقيقة الألوهية، وكيفية تعلق الإرادة الإلهية بخلق الحوادث.. وليس على العقل إلا التسليم بهذه الكليات المطلقة، التي لا سبل له إلى إدراكها( )!.. وساق حجة تبدو منطقية، ولكنها من فعل الرغبة في تقويم ذلك الانحراف البيئي الخاص الذي يحتقر العقل ويهمل دوره.. قال رحمه الله في رسالة التوحيد.

"فالوحي بالرسالة الإلهية أثر من آثار الله. والعقل الإنساني أثر أيضاً من آثار الله في الوجود. وآثار الله يجب أن ينسجم بعضها مع بعض، ولا يعارض بعضها بعضاً"..

وهذا صحيح في عمومه.. ولكن يبقى أن الوحي والعقل ليسا ندين. فأحدهما أكبر من الآخر وأشمل. وأحدهما جاء ليكون هو الأصل الذي يرجع إليه الآخر. والميزان الذي يختبر الآخر عنده مقرراته ومفهوماته وتصوراته. ويصحح به اختلالاته وانحرافاته. فبينما –ولا شك- توافق وانسجام. ولكن على هذا الأساس. لا على أساس أنهما ندان متعادلان، وكفو أحدهما تماماً للآخر! فضلاً عن أن العقل المبرأ من النقص والهوى لا وجود له في دنيا الواقع، وإنما هو "مثال"!

وقد تأثر تفسير الأستاذ الإمام لجزء عم بهذه النظرة تأثراً واضحاً. وتفسير تلميذه المرحوم الشيخ رشيد رضا وتفسير تلميذه الأستاذ الشيخ المغربي لجزء "تبارك" حتى صرح مرات بوجوب تأويل النص ليوافق مفهوم العقل! وهو مبدأ خطر. فإطلاق كلمة "العقل" يرد الأمر إلى شيء غير واقعي! –كما قلنا- فهناك عقلي وعقلك وعقل فلان وعقل علان .. وليس هنالك عقل مطلق لا يتناوبه النقص والهوى والشهوة والجهل يحاكم النص القرآني إلى "مقرراته". وإذا أوجبنا التأويل ليوافق النص هذه العقول الكثيرة، فإننا ننتهي إلى فوضى! وقد نشأ هذا كله من الاستغراق في مواجهة انحراف معين.. ولو أخذ الأمر – في ذاته- لعرف للعقل مكانه ومجال عمله بدون غلو ولا إفراط، وبدون تقصير ولا تفريط كذلك. وعرف للوحي مجاله. وحفظت النسبة بينهما في مكانها الصحيح..

إن "العقل" ليس منفياً ولا مطروداً ولا مهملاً في مجال التلقي عن الوحي، وفهم ما يتلقى وإدراك ما من شأنه أن يدركه، مع التسليم بما هو خارج عن مجاله. ولكنه كذلك ليس هو "الحكم" الأخير. وما دام النص مُحكماً، فالمدلول الصريح للنص من غير تأويل هو الحكم. وعلى العقل أن يتلقى مقرراته هو من مدلول هذا النص الصريح. ويقيم منهجه على أساسه (وفي صلب هذا البحث تفصيل واف للحد المأمون والمنهج الإسلامي المستقيم). ولقد واجه "إقبال" في العالم الشرقي بيئة فكرية "تائهة!" في غيبوبة "إشراقات" التصوف "العجمي" كما يسميه! .. فراغه هذا "الفناء" الذي لا وجود فيه للذاتية الإنسانية. كما راعته "السلبية" التي لا عمل معها للإنسان ولا أثر في هذه الأرض. وليس هذا هو الإسلام بطبيعة الحال – كما واجه من ناحية أخرى التفكير الحسي في المذهب الوضعي، ومذهب التجريبيين في العالم الغربي. كذلك واجه ما أعلنه نيتشه في "هكذا قال زرادشت" عن مولد الإنسان الأعلى (السوبرمان) وموت الإله! وذلك في تخبطات الصرع التي كتبها نيتشه وسماها بعضهم "فلسفة"!.

وأراد أن ينفض "الفكر الإسلامي" وعن "الحياة الإسلامية" ذلك الضياع والفناء والسلبية. كما أراد أن يثبت للفكر الإسلامي واقعية "التجربة" التي يعتمد عليها المذهب التجريبي ثم المذهب الوضعي! ولكن النتيجة كانت جموحاً في إبراز الذاتية الإنسانية، اضطر معه إلى تأويل بعض النصوص القرآنية تأويلاً تأباه طبيعتها، كما تأباه طبيعة التصور الإسلامي. لإثبات أن الموت ليس نهاية للتجربة. ولا حتى القيامة.

فالتجربة والنمو في الذات الإنسانية مستمران أيضاً-عند إقبال - بعد الجنة والنار. مع أن التصور الإسلامي حاسم في أن الدنيا دار ابتلاء وعمل، وأن الآخرة دار حساب وجزاء. وليست هنالك فرصة للنفس البشرية للعمل إلا في هذه الدار. كما أنه لا مجال لعمل جديد في الدار الآخرة بعد الحساب والجزاء.. ولكن هذا الغلو إنما جاء من الرغبة الجازفة في إثبات "وجود" الذاتية، واستمرارها، أو ألـ "أنا" كما استعار إقبال من اصطلاحات هيجل الفلسفية.

ومن ناحية أخرى اضطر إلى إعطاء اصطلاح "التجربة" مدلولاً أوسع مما هو في "الفكر الغربي" وفي تاريخ هذا الفكر. لكي يمد مجاله إلى "التجربة الروحية" التي يزاولها المسلم ويتذوق بها الحقيقة الكبرى. "فالتجربة" بمعناها الاصطلاحي الفلسفي الغربي، لا يمكن أن تشمل الجانب الروحي أصلاً! لأنها نشأت ابتداء لنبذ كل وسائل المعرفة التي لا تعتمد على التجربة الحسية.

ومحاولة استعارة الاصطلاح الغربي، هي التي قادت إلى هذه المحاولة. التي يتضح فيها الشد والجذب والجفاف أيضاً. حتى مع شاعرية إقبال الحية المتحركة الرفافة!

ولست أبتغي أن أنقص من قدر تلك الجهود العظيمة المثمرة في إحياء الفكر الإسلامي وإنهاضه التي بذلها الأستاذ الإمام وتلاميذه، والتي بذلها الشاعر إقبال .. رحمهم الله رحمة واسعة .. وإنما أريد فقط التنبيه إلى أن دفعة الحماسة لمقاومة انحراف معين، قد تنشئ هي انحرافاً آخر. وأن الأوْلى في منهج البحث الإسلامي، هو عرض حقائق التصور الإسلامي في تكاملها الشامل، وفي تناسقها الهادئ. ووفق طبيعتها الخاصة وأسلوبها الخاص..

وأخيراً فإن هذا البحث ليس كتباً في "الفلسفة" ولا كتاباً في "اللاهوت" ولا كتاباً في "الميتافيزيقا".. إنه عمل يمليه الواقع. وهو يخاطب الواقع أيضاً..

لقد جاء الإسلام لينقذ البشرية كلها من الركام الذي كان ينوء بأفكارها وحياتها ويثقلها. ومن التيه الذي كانت أفكارها وحياتها شاردة فيه. ولينشئ لها تصوراً خاصاً متميزاً متفرداً، وحياة أخرى تسير وفق منهج الله القويم. فإذا بالبشرية كلها اليوم ترتكس إلى التيه وإلى الركام الكريه!

ولقد جاء الإسلام لينشئ أمة، يسلمها قيادة البشرية،لتنأى بها عن التيه وعنا لركام.. فإذا هذه الأمة اليوم تترك مكان القيادة، وتترك منهج القيادة، وتلهث وراء الأمم الضاربة فيا لتيه، وفي الركام الكريه! ولقد جاء الإسلام لينشئ أمة، يسلمها قيادة البشرية، لتنأى بها عن التيه وعن الركام.. فإذا هذه الأمة اليوم تترك مكان القيادة، وتترك منهج القيادة، وتلهث وراء الأمم الضاربة في التيه، وفي الركام الكريه! هذا الكتاب محاولة لتحديد خصائص التصور الإسلامي ومقوماته، التي ينبثق منها منهج الحياة الواقعي- كما أراده الله- ودستور النشاط الفكري والعلمي والفني، الذي لابد أن يستمد من التفسير الشامل الذي يقدمه ذلك التصور الأصيل. وكل بحث في جانب من جوانب الفكرة الإسلامية أو النظام الإسلامي، لابد له من أن يرتكن أولاً إلى فكرة الإسلام.

والحاجة إلى جلاء تلك الفكرة هي حاجة العقل والقلب. وحاجة الحياة والواقع. وحاجة الأمة المسلمة والبشرية كلها على السواء.

وهذا القسم الأول من البحث يتناول "خصائص التصور الإسلامي" وسيتناول القسم الثاني: "مقومات التصور الإسلامي" [والله الموفق والهادي والمعين].


تيه وركام

”أفمن يَمشي مُكبّاً على وجهـه أهـدى؟ أم من يِمْشي سَوِياً على صراطٍ مُستقيم؟"

جاء الإسلام، وفي العالم ركام هائل، من العقائد والتصورات، والفلسفات، والأساطير، والأفكار والأوهام، والشعائر والتقاليد، والأوضاع والأحوال.. يختلط فيها الحق بالباطل، والصحيح بالزائف، والدين بالخرافة، والفلسفة بالأسطورة.. والضمير البشري – تحت هذا الركام الهائل – يتخبط في ظلمات وظنون، لا يستقر منها على يقين. والحياة الإنسانية – بتأثير هذا الركام الهائل- تتخبط في فساط وانحلال، وفي ظلم وذل، وفي شقاء وتعاسة، لا تليق بالإنسان، بل لا تليق بقطيع من الحيوان!

وكان التيه الذي لا دليل فيه، ولا هدى ولا نور، ولا قرار ولا يقين .. هو ذلك التيه الذي يحيط بتصور البشرية لإلهها وصفاتهن وعلاقته بالكون وعلاقة الكون به، وحقيقة الإنسان، ومركزه في هذا الكون، وغاية وجوده الإنساني، ومنهج تحقيقه لهذه الغاية .. ونوع الصلة بين الله والإنسان على وجه الخصوص.. ومن هذا التيه ومن ذلك الركام كان ينبعث الشر كله في الحياة الإنسانية، وفي الأنظمة التي تقوم عليها.

ولم يكن مستطاعاً أن يستقر الضمير البشري على قرار في أمر هذا الكون، وفي أمر نفسه، وفي غاية وجوده وفي منهج حياته، وفي الارتباطات التي تقوم بين الإنسان والكون، والتي تقوم بين أفراده هو وتجمعاته.. لم يكن مستطاعاً أن يستقر الضمير البشري على قرار في شيء من هذا كله، قبل أن يستقر على قرار في أمر عقيدتهن وفي أمر تصوره لإلهه، وقبل أن ينتهي إلى يقين واضح، في وسط هذا العماء الطاخي، وهذا التيه المضل، وهذا الركام الثقيل.

ولم يكن الأمر كذلك لأن التفكير الديني كان هو طابع القرون الوسطى – كما يقول مفكرو الغرب، فيتلقف قولتهم هذه ببغاوات الشرق! – كلا .. إنما كان الأمر كذلك لأن هناك حقيقتين أساسيتين، ملازمتين للحياة البشرية، وللنفس البشرية، على كل حال، وفي كل زمان:

الحقيقة الأولى: أن هذا الإنسان –بفطرته- لا يملك أن يستقر في هذا الكون الهائل ذرة تائهة مفلتة ضائعة. فلابد من رباط معين بهذا الكون، يضمن له الاستقرار فيه، ومعرفة مكانه في هذا الكون الذي يستقر فيه. فلابد له إذن من عقيدة تفسر له ما حوله، وتفسر له مكانه فيما حوله. فهي ضرورة فطرية شعورية، لا علاقة لها بملابسات العصر والبيئة.. وسنرى حين يتقدم بنا هذا البحث كم كان شقاء الإنسان وحيرته وضلاله حين أخطأ هذا الارتباط، وحقيقة هذا التفسير.

والحقيقة الأخرى: هي أن هناك تلازماً وثيقاً بين طبيعة التصور الاعتقادي، وطبيعة النظام الاجتماعي .. تلازماً لا ينفصل، ولا يتعلق بملابسات العصر والبيئة.. بل إن هناك ما هو أكثر من التلازم.. هناك الانبثاق الذاتي.. فالنظام الاجتماعي هو فرع عن التفسير الشامل لهذا الوجود، ولمركز الإنسان فيه ووظيفته، وغاية وجوده الإنساني. وكل نظام اجتماعي لا يقوم على أساس هذا التفسير، هو نظام مصطنع. لا يعيش. وإذا عاش فترة شقى به "الإنسان"، ووقع التصادم بينه وبين الفطرة الإنسانية حتماً.. فهي ضرورة تنظيمية، كما أنها ضرورة شعورية.

ولقد كان الرسل – عليهم الصلاة والسلام- من لدن نوح إلى عيسى .. قد بينوا للناس هذه الحقيقة، وعرفوهم بإلههم تعريفاً صحيحاً، وأوضحوا لهم مركز "الإنسان" في الكون، وغاية وجوده .. ولكن الانجرافات الدائمة عن هذه الحقيقة، تحت ضغط الظروف السياسية والشهوات البشيرة، والضعف الإنساني، كانت قد غشت تلك الحقيقة، وأضلت البشرية عنها، وأهالت عليها ركاماً ثقيلاً يصعب رفعه بغير رسالة جديدة كاملة شاملة، ترفع هذا الركام، وتبدد هذا الظلام، وتنير هذا التيه، وتقر التصور الاعتقادي على أساس من الحق الخالص، وتقيم الحياة الإنسانية على أساس مستقر من ذلك التصور الصحيح. وما كان يمكن أن ينصرف أصحاب التصورات المنحرفة في الأرض كلها، وأن ينفكوا عمّا هم فيه، إلا بهذه الرسالة، وإلا بهذا الرسول .. وصدق الله العظيم:

"لم يكن الذين كفروا – من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة. رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة"..(البينة: 1، 2)

ولا يدرك الإنسان ضرورة هذه الرسالة، وضرورة هذا الانفكاك عن الضلالات التي كانت البشرية تائهة في ظلماتها، وضرورة الاستقرار على يقين واضح في أمر العقيدة .. حتى يطلع على ضخامة ذلك الركام، وحتى يرتاد ذلك التيه، من العقائد والتصورات، والفلسفات والأساطير، والأفكار والأوهام، والشعائر والتقاليد، والأوضاع والأحوال، التي جاء الإسلام فوجدها ترين على الضمير البشري في كل مكان، وحتى يدرك حقيقة البلبلة والتخليط والتعقيد. التي كانت تتخبط فيها بقايا العقائد السماوية، التي دخلها التحريف والتأويل، والإضافات البشرية إلى المصادر الإلهية، والتي التبست بالفلسفات والوثنيات والأساطير سواء!

ولما لم يكن قصدنا –في هذا البحث- هو عرض التصورات، إنما هو عرض التصور الإسلامي، وخصائصه ومقوماته.. فإننا نكتفي بعرض بعض النماذج من التصورات الدينية في اليهودية والمسيحية –كما وصلت إلى عرب الجزيرة- وبعض النماذج من التصورات الجاهلية العربية التي جاء الإسلام فواجهها هناك.

لقد حفلت ديانة بني إسرائيل –اليهودية- بالتصورات الوثنية، وباللوثة القومية على السواء. فبنو إسرائيل- وهو يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم عليهم السلام –جاءتهم رسلهم- وفي أولهم أبوهم إسرائيل- بالتوحيد الخالص، الذي علمهم إياه أبوهم إبراهيم. ثم جاءهم نبيهم الأكبر موسى –عليه السلام- بدعوة التوحيد أيضاً مع الشريعة الموسوية المبنية على أساسه. ولكنهم انحرفوا على مدى الزمن، وهبطوا في تصوراتهم إلى الوثنيات، واثبتوا في كتبهم (المقدسة!) وفي صلب (العهد القديم) أساطير وتصورات عن الله –سبحانه- لا ترتفع عن أحط التصورات الوثنية للإغريق وغيرهم من الوثنيين، الذين لم يتلقوا رسالة سماوية، ولا كان لهم من عند الله كتاب..

ولقد كانت عقيدة التوحيد التي أسسها جدهم إبراهيم – عليه السلام- عقيدة خالصة ناصعة شاملة متكاملة واجه بها الوثنية مواجهة حاسمة كما صورها القرآن الكريم، ووصى بها إبراهيم بنيه كما وصى بها يعقوب بنيه قبل أن يموت:

"واتل عليهم نبأ إبراهيم. إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدونه؟ قالوا نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين! قال: هل يسمعونكم إذا تدعون؟ أو ينفعونكم أو يضرون؟ قالوا: بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون! قال: أفرأيتم، ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون؟ فإنهم عدو لي إلا رب العالمين. الذي خلقني فهو يهدين. والذي هو يطعمني ويسقين. وإذا مرضت فهو يشفين. والذي يميتني ثم يحيين. والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين .. رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين. واجعل لي لسان صدق في الآخرين. واجعلني من ورثة جنة النعيم. واغفر لأبي إنه كان من الضالين. ولا تخزني يوم يبعثون. يوم لا ينفع مال ولا بنون. إلا من أتى الله بقلب سليم". (الشعراء 69-89)

"ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه؟ ولقد اصطفيناه في الدنيا، وإنه في الآخرة لمن الصالحين. إذ قال له ربه: أسلم. قال: أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين، فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون. أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت؟ إذ قال لبنيه: ما تعبدون من بعدي؟ قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، إلهاً واحداً ونحن له مسلمون". (البقرة 130-133)

ومن هذا التوحيد الخالص، وهذه العقيدة الناصعة، وهذا الاعتقاد في الآخرة انتكس الأحفاد. وظلوا في انتكاسهم حتى جاءهم موسى عليه السلام بعقيدة التوحيد والتنزيه من جديد.. والقرآن الكريم يذكر أصول هذه العقيدة التي جاء بها موسى –عليه السلام- لبني إسرائيل، ويذكر تراجعهم عنها:

"وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل: لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحساناً، وذي القربى واليتامى والمساكين. وقولوا للناس حسناً. وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة. ثم توليتم إلا قليلاً منكم وأنتم معرضون. وإذا أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دمائكم، ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون. ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم، تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان…".(البقرة 83-85)

"ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون. وإذ أخذنا ميثاقكم، ورفعنا فوقكم الطور. خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا. قالوا: سمعنا وعصينا، وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم. قل: بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين".(البقرة: 92-93)

ولقد بدا انحرافهم، وموسى عليه السلام بين أظهرهم .. من ذلك عبادتهم للعجل الذي صنعه لهم السامري، من الذهب الذي حملوه معهم من حلي نساء المصريين. وهو العجل الذي أشير إليه في الآيات السابقة.. وقبل ذلك كانوا قد مرّوا عقب خروجهم من مصر، على قوم يعبدون الأصنام، فطلبوا إلى موسى عليه السلام أن يقيم لهم صنماً يعبدونه!

"وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم. قالوا: يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. قال: إنكم قوم تجهلون. إن هؤلاء متبّر ما هم فيه وباطلٌ ما كانوا يعملون".(الأعراف: 138-139)

وكذلك حكى القرآن الكثير عن انحرافهم وسوء تصورهم لله سبحانه وشركهم ووثنيتهم:

"وقالت اليهود عزير ابن الله" ..(التوبة: 30)

"وقالت اليهود: يد الله مغلولة: غُلت أيديهم ولُعنوا بما قالوا: بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء"..(المائدة: 64)

"لقد سمع الله قول الذين قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء. سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق. ونقول: ذوقوا عذاب الحريق"..(آل عمران: 181)

"وإذ قلتم: يا موسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون".(البقرة: 55)

ومن لوثة القومية واعتقادهم أن إلههم إله قومي! لا يحاسبهم بقانون الأخلاق إلا في سلوكهم مع بعضهم البعض. أما الغرباء –غير اليهود- فهو لا يحاسبهم معهم على سلوك معيب! .. من هذه اللوثة كان قولهم الذي حكاه القرآن الكريم:

"ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً. ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل. ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون".(آل عمران: 75)

وقد تضمنت كتبهم المحرفة أوصافاً لإلههم لا ترتفع كثيراً على أوصاف الإغريق في وثنيتهم لآلهتم: جاء في الإصحاح الثالث من سفر التكوين: (بعد ارتكاب آدم لخطيئة الأمل من الشجرة. وهي كما يقول كاتب الإصحاح: شجرة معرفة الخير والشر):

"وسمعنا صوت الرب الإله ماشياً في الجنة عند هبوب ريح النهار. فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله، في وسط شجر الجنة. فنادى الرب الإله آدم. وقال له: أين أنت؟ فقال: سمعت صوتك في الجنة، فخشيت لأني عريان، فختبأت. فقال من أعلمك أنك عريان؟ هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك ألا تأكل منها؟.

"وقال الرب الإله: هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا، عارفاً الخير والشر، والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضاً! ويأكل ويحيا إلى الأبد.. فأخرجه الرب الإله من جنة عدن، ليعمل في الأرض التي أخذ منها. فطرد الإنسان. وأقام شرقي جنة عدن الكروبيم ولهيب سيف متقلب، لحراسة شجرة الحياة!".

وعن سبب الطوفان جاء في هذا السفر نفسه:

"وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض، وولد لهم بنات، أن أبناء الله رأوا بنات الناس أنهن حسنات. فاتخذوا لأنهم نساءً من كل ما اختاروا. فقال الرب: لا يدين روحي في الإنسان إلى الأبد. لزيغانه. هو بشر. وتكون أيامه مئة وعشرين سنة.. كان في الأرض طغاة في تلك الأيام .. وبعد ذلك أيضاً. إذ دخل بنو الله على بنات الناس وولدن أولاداً. هؤلاء هم الجبابرة، الذين منذ الدهر ذوو اسم!!!

"ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض. وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم. فحزن الرب عمل الإنسان في الأرض. وتأسف في قلبه. فقال الرب أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلفته. الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء. لأني حزنت أني عملتهم. وأما نوح فوجد نعمة في عيني الرب".

وجاء في الإصحاح الحادي عشر من سفر التكوين (بعد ما عمرت الأرض بذرية نوح):

"وكانت الأرض كلها لساناً واحداً ولغة واحدة. وحدث في ارتحالهم شرقاً أنهم وجدوا نعمة في أرض شنعار، وسكنوا هناك. وقال بعضهم لبعض: هلم نصنع لبناً ونشويه شيا، فكان لهم اللبن مكان الحجر. وكان لهم الحمر مكان الطين. وقالوا: هلم نبن لأنفسنا مدينة وبرجاً رأسه بالسماء. ونصنع لأنفسنا اسماً لئلا نتبدد على وجه كل الأرض.. فنزل الرب المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما. وقال الرب: هو ذا شعب واحد ولسان واحد لجميعهم، وهذا ابتداؤهم بالعمل. والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه. هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم، حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض. فبددهم الرب من هناك على وجه كل الأرض. فكفوا عن بنيان المدينة.

لذلك دعى اسمها (بابل) لأن الرب هناك بلبل لسان كل الأرض ومن هناك بددهم الرب على وجه كل الأرض"!!! وجاء في سفر صموئيل الثاني: الإصحاح الرابع والعشرين: "فجعل الرب وباءً في إسرائيل من الصباح إلى الميعاد. فمات من الشعب –من دان إلى بئر سبع- سبعون ألف رجل. وبسط الملاك يده على أورشليم. فندم الرب عن الشر. فقال للملاك المهلك الشعب: كفى الآن رويدك!"..

ولم تكن الحال مع النصرانية خيراً مما كانت مع اليهودية. بل كان الأمر أدهى وأمر.. عبرت النصرانية إلى الدولة الرومانية الوثنية في أشد عصور الوثنية والانحلال في هذه الدولة. ثم أخذت تنتشر حتى استطاعت أن تولي قسطنطين امبراطوراً في سنة 305 ميلادية. ومن ثم دخلت الإمبراطورية الرومانية في النصرانية. لا لتخضع للنصرانية. ولكن لتخضع النصرانية لوثنيتها العريقة. وفي هذا يقول الكاتب الأمريكي: درابر في كتابه: "الصراع بين الدين والعلم"

"دخلت الوثنية والشرك في النصرانية بتأثير المنافقين، الذين تقلدوا وظائف خطيرة، ومناصب عالية في الدولة الرومانية، بتظاهرهم بالنصرانية. ولم يكونوا يحفلون بأمر الدين. ولم يخلصوا له يوماً من الأيام. وكذلك كان قسطنطين .. فقد قضى عمره في الظلم والفجور، ولم يتقيد بأوامر الكنيسة الدينية إلا قليلاً في آخر عمره سنة 337 ميلادية.

"إن الجماعة النصرانية، وإن كانت قد بلغت من القوة بحيث ولت قسطنطين الملك ولكنها لم تتمكن من أن تقطع دابر الوثنية، وتقتلع جرثومتها. وكان نتيجة كفاحها أن اختلطت مبادئها ونشأ من ذلك دين جديد، تتجلى فيه النصرانية والوثنية سواء بسواء.. هنالك يختلف الإسلام عن النصرانية، إذ قضى على منافسه (الوثنية) قضاء باتاً، ونشر عقائده خالصة بغير غبش.

"وإن هذا الإمبراطور الذي كان عبداً للدنيا، والذي لم تكن عقائده الدينية تساوي شيئاً، رأى لمصلحته الشخصية، ولمصلحة الحزبين المتنافسين – النصراني والوثني- أن يوحدهما ويؤلف بينهما. حتى أن النصارى الراسخين أيضاً لم ينكروا عليه هذه الخطة. ولعلهم كانوا يعتقدون أن الديانة الجديدة ستزدهر إذا طعمت ونقحت بالعقائد الوثنية القديمة، وسيخلص الدين النصراني عاقبة الأمر من أدناس الوثنية وأرجاسها( )". ولكن الديانة الجديدة لم تتخلص قط من أناس الوثنية وأرجاسها، وتصوراتها الأسطورية –كما أمّل النصارى الراسخون- فقد ظلت تتلبس بالخلافات السياسية والعنصرية والطائفية، تلبسها بالأساطير الوثنية والتصورات الفلسفية. ووقع انقسام في التصور بغير حد:

قالت فرقة: إن المسيح إنسان محض. وقالت فرقة: إن الأب والابن وروح القدس إن هي إلا صور مختلفة أعلن الله بها نفسه للناس. فالله –بزعمهم- مركب من أقانيم ثلاثة: الأب وروح القدس؟ (الابن هو المسيح) فانحدر الله، الذي هو الأب، في صورة روح القدس وتجسد في مريم إنساناً، وولد منها في صورة يسوع. وفرقة قالت: إن الابن ليس أزلياً كالأب بل هو مخلوق من قبل العالم، ولذلك هو دون الأب وخاضع له. وفرقة أنكرت كون روح القدس أقنوماً .. وقرر مجمع نيقية سنة 325ميلادية، ومجمع القسطنطينية سنة 381 أن الابن وروح القدس مساويان للأب في وحدة اللاهوت، وأن الابن قد ولد منذ الأزل من الأب، وأن روح القدس منبثق من الأب .. وقرر مجمع طليطلة سنة 589 بأن روح القدس منبثق من الابن أيضاً. فاختلفت الكنيسة الشرقية والكنيسة الغربية عند هذه النقطة وظلتا مختلفتين .. كذلك ألهت جماعة منهم مريم كما ألّهو المسيح عليه السلام ..

ويقول الدكتور ألفرد بتلر في كتابه: "فتح العرب لمصر. ترجمة الأستاذ محمد فريد أبو حديد":

"عن ذينك القرنين –الخامس والسادس- كانا عهد نضال متصل بين المصريين والرومانيين. نضال يذكيه اختلاف في الجنس، واختلاف في الدين. وكان اختلاف الدين أشد من اختلاف الجنس. إذ كانت علة العلل في ذلك الوقت تلك العداوة بين الملكانية والمنوفيسية. وكانت الطائفة الأولى – كما يدل عليه اسمها- حزب مذهب الدولة الإمبراطورية وحزب الملك والبلاد وكانت تعتقد العقيدة السية الموروثة- وهي ازدواج طبيعة المسيح- على حين أن الطائفة الأخرى – وهي حزب القبط الموفيسيين –أهل مصر- كانت تستبشع تلك العقيدة وتستفظعها، وتحاربها حرباً عنيفة. في حماسة هوجاء، يصعب علينا أن نتصورها، أو نعرف كنهها في قوم يعقلون، بله يؤمنون بالإنجيل!".

ويقول "سيرت. و. أرنولد" في كتابه: "الدعوة إلى الإسلام" عن هذا الخلاف، ومحاولة هرقل لتسويته بمذهب وسط: "ولقد أفلح جستنيان Justinian قبل الفتح الإسلامي بمئة عام في أن يكسب الإمبراطورية الرومانية مظهراً من مظاهر الوحدة. ولكنها سرعان ما تصدعت بعد موتهن وأصبحت في حاجة ماسة إلى شعور قومي مشترك، يربط بين الولايات وحاضرة الدولة. أما هرقل فقد بذل جهوداً لم تصادف نجاحاً كاملاً في إعادة ربط الشام بالحكومة المركزية. ولكن ما اتخذه من وسائل عامة في سبيل التوفيق قد أدى لسوء الحظ إلى زيادة الانقسام بدلاً من القضاء عليه. ولم يكن ثمة ما يقوم مقام الشعور بالقومية سوى العواطف الدينية. فحاول بتفسيره العقيدة تفسيراً يستعين به على تهدئة النفوس، أن يقف كل ما يمكن أن يشجر بعد ذلك بين الطوائف المتناحرة من خصومات، وأن يوحد بين الخارجين على الدين وبين الكنيسة الأرثوذكسية، وبينهم وبين الحكومة المركزية.

"وكان مجمع خلقيدونه قد أعلن في سنة 451م "أن المسيح ينبغي أن يعترف بأنه يتمثل في طبيعتين، لا اختلاط بينهما، ولا تغير ولا تجزؤ، ولا انفصال. ولا يمكن أن ينتفي اختلافهما بسبب اتحادهما. بل الأحرى أن تحتفظ كل طبيعة منهما بخصائصها، وتجتمع في أقنوم واحد، وجسد واحد، لا كما لو كانت متجزئة أو منفصلة في أقنومين. بل متجمعة في أقنوم واحد: هو ذلك الابن الواحد والله والكلمة.

"وقد رفض اليعاقبة هذا المجمع. وكانوا لا يعترفون في المسيح إلا بطبيعة واحدة. وقالوا: إنه مركب الأقاليم، له كل الصفات الإلهية والبشرية. ولكن المادة التي تحمل هذه الصفات لم تعد ثنائية، بل أصبحت وحدة مركبة الأقانيم.

"وكان الجدل قد احتدم قرابة قرنين من الزمان بين طائفة الأرثوذكس وبين اليعاقبة الذين ازدهروا بوجه خاص في مصر والشام، والبلاد الخارجة عن نطاق الإمبراطورية البيزنطية في الوقت الذي سعى فيه هرقل في إصلاح ذات البين عن طريق المذهب القائل بأن للمسيح مشيئة واحدة: Monotheletism: ففي الوقت الذي نجد هذا المذهب يعترف بوجود الطبيعتين، إذا به يتمسك بوحدة الأقنوم في حياة المسيح البشرية. وذلك بإنكاره وجود نوعين من الحياة في أقنوم واحد. فالمسيح الواحد، الذي هو ابن الله، يحقق الجانب الإنساني، والجانب الإلهي. بقوة إلهية إنسانية واحدة. ومعنى ذلك أنه لا يوجد سوى إرادة واحدة في الكلمة المتجسدة.

"لكن هرقل قد لقي المصير الذي انتهى إليه كثيرون جداًن ممن كانوا يأملون أن يقيموا دعائم السلام، ذلك أن الجدل لم يحتدم مرة أخرى كأعنف ما يكون الاحتدام فحسب. بل إن هرقل نفسه قد وصم بالإلحاد، وجر على نفسه سخط الطائفتين سواء"( )!

وقد ورد في القرآن الكريم بعض الإشارات إلى هذه الانحرافات، ونهى لأهل الكتاب عنها، وتصحيح حاسم لها، وبيان لأصل العقيدة النصرانية كما جاءت من عند الله، قبل التحريف والتأويل:

"لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم. وقال المسيح: يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم، إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة، ومأواه النار، وما للظالمين من أنصار.. لقد كفر الذين قالوا: عن الله ثالث ثلاثة. وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم. أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه، والله غفور رحيم؟ ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام. انظر كيف نبين لهم الآيات، ثم انظر أنى يؤفكون. قل: أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً؟ والله هو السميع العليم. قل: يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل، وأضلوا كثيراً، وضلوا عن سواء السبيل"…(المائدة: 72-77)

"وقالت اليهود عزير ابن الله. وقالت النصارى المسيح ابن الله. ذلك قولهم بأفواهم، يضاهئون قول الذين كفروا من قبل. قاتلهم الله أنى يؤفكون؟"…(التوبة: 30)

"وإذا قال الله: يا عيسى ابن مريم، أأنت قلت للناس: اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ قال سبحانك! ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق. إن كنت قلته فقد علمته. تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب. ما قلت لهم إلا ما أمرتني به: أن اعبدوا الله ربي وربكم. وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم. فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم، وأنت على كل شيء شهيد. إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم"…(المائدة: 116-118)

"وهكذا نرى مدى الانحراف الذي دخل على النصرانية، من جراء تلك الملابسات التاريخية، حتى انتهت إلى تلك التصورات الوثنية الأسطورية، التي دارت عليهم الخلافات والمذابح عدة قرون!

أما الجزيرة العربية التي نزل فيها القرآن، فقد كانت تعج بركام العقائد والتصورات. ومن بينها ما نقلته من الفرس وما تسرب إليها من اليودية والمسيحية في صورتهما المنحرفة.. مضافاً إلى وثنيتها الخاصة المتخلفة من الانحرافات في ملة إبراهيم التي ورثها العرب صحيحة ثم حرفوها ذلك التحريف. والقرآن يشير إلى ذلك الركام كله بوضوح:

زعموا أن الملائكة بنات الله –مع كراهيتهم هم للبنات!- ثم عبدوا الملائكة- أو تماثيلها الأصنام- معتقدين أن لها عند الله شفاعة لا ترد، وأنهم يتقربون بها إليه سبحانه:

"وجعلوا له من عباده جزءاً. إن الإنسان لكفور مبين. أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاً ظل وجهه مسوداً وهو كظيم. أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين؟! وجعلوا الملائكة –الذين هم عباد الرحمن- إناثاً. أشهدوا خلقهم؟ ستكتب شهادتهم ويسألون. وقالوا: لو شاء الرحمن ما عبدناهم. ما لهم بذلك من علم، إن هم إلا يخرصون"…(الزخرف: 15-20)

"ألا لله الدين الخالص. والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون، إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار. لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء. سبحانه هو الله الواحد القهار"..(الزمر: 3-4)

"ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله.قل: أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض؟ سبحانه وتعالى عما يشركون"..(يونس:18)

وزعموا أن بين الله –سبحانه- وبين الجنة نسباً. وأن له –سبحانه- منهم صاحبة. ولدت له الملائكة! وعبدوا الجن أيضاً.. قال الكلبي في كتاب الأصنام: "كانت بنو مليح من خزاعة يعبدون الجن"( ).

وجاء في القرآن الكريم عن هذه الأسطورة:

"فاستفتهم: ألربك البنات ولهم البنون؟ أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون؟.

ألا إنهم من إفكهم ليقولون: ولد الله. وإنهم لكاذبون. اصطفى البنات على البنين؟ ما لكم؟؟ كيف تحكمون؟ أفلا تذكرون؟ أم لكم سلطان مبين؟ فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين. وجعلوا بينه وبين الجنّة نسباً، ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون. سبحان الله عما يصفون"…(الصافات: 149-159)

"ويوم يحشرهم جميعاً، ثم يقول للملائكة: أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون؟ قالوا: سبحانك! أنت ولينا من دونهم. بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون"…(سبأ: 40-41)

وشاعت بينهم عبادة الأصنام إما بوصفها تماثيل للملائكة، وإما بوصفها تماثيل للأجداد، وإما لذاتها. وكانت الكعبة، التي بنيت لعبادة الله الواحد، تعج بالأصنام، إذ كانت تحتوي على ثلاثمائة وستين صنماً. غير الأصنام الكبرى في جهات متفرقة. ومنها ما ذكر في القرآن بالاسم كاللات والعزى ومناة. ومنها هبل الذي نادى أبو سفيان باسمه يوم "أحد" قائلاً: اعلُ هبل!

ومما يدل على أن اللات والعزى ومناة كانت تماثيل للملائكة ما جاء في القرآن في سورة النجم:

"أفرأيتم اللاّت والعزّى، ومناة الثالثة الأخرى؟ ألكم الذكر وله الأنثى؟ تلك إذن قسمة ضيزي! عن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان. إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى. أم للإنسان ما تمنى؟ فلله الآخرة والأولى. وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً. إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى. إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى. وما لهم به من علم، إن يتبعون إلا الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً"…(النجم: 19-28)

وانحطت عبادة الأصنام فيهم حتى كانوا يعبدون جنس الحجر

روى البخاري عن أبي رجاء العطاردي قال: "كنا نعبد الحجر. فإذا وجدنا حجراً هو خير منه ألقيناه وأخذنا الآخر! فإذا لم نجد جمعنا جثوة من تراب، ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه، ثم طفنا به"( ).

وقال الكلبي في كتاب الأصنام: كان الرجل إذا سافر فنزل منزلاً أخذ أربعة أحجار فنظر إلى أحسنها، فجعله ربّاً، وجعل ثلاث أثافيّ لقدره. وإذا ارتحل تركه"( ).

وعرفوا عبادة الكواكب – كما عرفها الفرس من بين عباداتهم-قال صاعد: كانت حمير تعبد الشمس. وكنانة القمر. وتميم الدبران. ولخمٌ وحذامٌ المشترى. وطيئُ سهيلاً. وقيسُ الشعري العبّور. وأسدٌ عطارد"( ). وقد جاء عن هذا في سورة فصلت:

"لا تسجدوا للشمس ولا للقمر. واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون"…(فصلت: 37) وجاء في سورة النجم:

"وأنه هو رب الشعرى"…(النجم: 49)

وكثرت الإشارات إلى خلق النجوم والكواكب وربوبية الله سبحانه لها كبقية خلائقه. وذلك لنفي ألوهية الكواكب وعبادتها..

وعلى العموم فقد تغلغلت عقائد الشرك في حياتهم. فقامت على أساسها الشعائر الفاسدة، التي أشار إليها القرآن الكريم في مواضع كثيرة.. من ذلك جعلهم بعض ثمار الزروع، وبعض نتاج الأنعام خاصاً بهذه الآلهة المدعاة، لا نصيب فيه لله –سبحانه- وأحياناً يحرمونها على أنفسهم. أو يحرمون بعضها على إناثهم دون ذكورهم. أو يمنعون ظهور بعض الأنام على الركوب أو الذبح. وأحياناً يقدمون أبناءهم ذبائح لهذه الآلهة في نذر.

كالذي روى عن نذر عبد المطلب أن يذبح ابنه العاشر، إن وهُب عشرة أبناء يحمونه. فكان العاشر عبد الله.. ثم افتداه من الآلهة بمئة ناقة!.. وكان أمر الفتوى في هذه الشعائر كلها للكواهن والكهان! وفي هذا يقول القرآن الكريم:

"وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً. فقالوا: هذا لله –بزعمهم- وهذا لشركائنا. فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله. وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم. ساء ما يحكمون! وكذلك زَيَّن لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم، ليردوهم، وليلبسوا عليهم دينهم. ولو شاء الله ما فعلوه. فذرهم وما يفترون. وقالوا: هذه أنعام وحرث حِجر، لا يطعمها إلا من نشاء –بزعمهم- وأنعام حرمت ظهورها. وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها –افتراء عليه- سيجزيهم بما كانوا يفترون. وقالوا: ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا، ومحرمٌ على أزواجنا.

وإن يكن ميتةً فهم فيه شركاء.. سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم. قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم، وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله. قد ضلوا ما كانوا مهتدين"..(الأنعام: 136-140)

وكانت فكرة التوحيد الخالص هي أشد الأفكار غرابة عندهم، هي وفكرة البعث سواء. ذلك مع اعترافهم بوجود الله –سبحانه وتعالى- وأنه الخالق للسماوات والأرض وما بينهما. ولكنهم ما كانوا يريدون أن يعترفوا بمقتضى الوحدانية هذه وهو أن يكون الحكم لله وحده في حياتهم وشؤونهم، وأن يتلقوا منه وحده الحلال والحرام، وأن يكون إليه وحده مرد أمرهم كله في الدنيا والآخرة. وأن يتحاكموا في كل شيء إلى شريعته ومنهجه وحده .. الأمر الذي لا يكون بغيره دين ولا إيمان. يدل على ذلك ما حكاه القرآن الكريم من معارضتهم الشديدة لهاتين الحقيقتين:

"وعجبوا أن جاءهم منذر منهم. وقال الكافرون: هذا ساحر كذاب. اجعل الآلهة إلهاً واحداً؟ إن هذا لشيء عجاب. وانطلق الملأ منهم: أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد. ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة، إن هذا إلا اختلاق"…(ص: 4-7)

"وقال الذين كفروا: هل ندلكم على رجل بنبئكم –إذا مزقتم كل ممزق- إنكم لفي خلق جديد؟ أفترى على الله كذباً أم به جنة؟ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد"..

هذه هي الصورة الشائهة للتصورات في الجزيرة العربية نضيفها إلى ذلك الركام من بقايا العقائد السماوية المنحرفة، التي كانت سائدة في الشرق والغرب، يوم جاء الإسلام، فتتجمع منها صورة مكتملة لذلك الركام الثقيل، الذي كان يجثم على ضمير البشرية في كل مكان، والذين كانت تنبثق منه أنظمتهم وأوضاعهم وآدابهم وأخلاقهم كذلك( ).

ومن ثم كانت عناية الإسلام الكبرى موجهة إلى تحرير أمر العقيدة، وتحديد الصورة الصحيحة التي يستقر عليها الضمير البشري في حقيقة الأولوهية، وعلاقتها بالخلق، وعلاقة الخلق بها.. فتستقر عليها نظمهم وأوضاعهم، وعلاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وآدابهم وأخلاقهم كذلك. فما يمكن أن تستقر هذه الأمور كلها، إلا أن تستقر حقيقة الألوهية، وتتبين خصائصها واختصاصاتها. وعني الإسلام عناية خاصة بإيضاح طبيعة الخصائص والصفات الإلهية المتعلقة بالخلق والإرادة والهيمنة والتدبير .. ثم بحقيقة الصلة بين الله والإنسان.. فلقد كان معظم الركام في ذلك التيه الذي تخبط فيه العقائد والفلسفات، مما يتعلق بهذا الأمر الخطير الأثر في الضمير البشري وفي الحياة الإنسانية كلها.

ولقد جاء الإسلام –وهذا ما يستحق الانتباه والتأمل- بما يعد تصحيحاً لجميع أنواع البلبلة، التي وقعت فيها الديانات المحرفة، والفلسفات الخابطة في الظلام. وما يعد رداً على جميع الانحرافات والأخطاء التي وقعت فيها تلك الديانات والفلسفات .. سواء ما كان منها قبل الإسلام وما جدّ بعده كذلك .. فكانت هذه الظاهرة العجيبة إحدى الدلائل على مصدر هذا الدين .. المصدر الذي يحيط بكل ما هجس في خاطر البشرية وكل ما يهجس، ثم يتناوله بالتصحيح والتنقيح!

والذي يراجع ذلك الجهد المتطاول الذي بذله الإسلام لتقرير كلمة الفصل في ذات الله –سبحانه- وفي صفاته. وفي علاقته بالخلق وعلاقة الخلق به .. ذلك الجهد الذي تمثله النصوص الكثيرة –كثرة ملحوظة- في القرآن المكي بصفة خاصة، وفي القرآن كله على وجه العموم..

الذي يراجع ذلك الجهد المتطاول، دون أن يراجع ذلك الركام الثقيل، في ذلك التيه الشامل، الذي كانت البشرية كلها تخبط فيه، والذي ظلت تخبط فيه أيضاً كلما انحرفت عن منهج الله أو صدت عنه، واتبعت السبل، فتفرقت بها عن سبيله الواحد المستقيم..

الذي يراجع ذلك الجهد، دون أن يراجع ذلك الركام، قد لا يدرك مدى الحاجة إلى كل هذا البيان المؤكد المكرر في القرآن، وإلى هذا التدقيق الذي يتتبع كل مسالك الضمير وكل مسالك الحياة.

ولكن مراجعة ذلك الركام تكشف عن ضرورة ذلك الجهد، كما تكشف عن عظمة الدور الذي جاءت هذه العقيدة لتؤديه في تحرير الضمير البشري وإعتاقه، وفي تحرير الفكر البشري وإطلاقه، وفي تحرير الحياة. والحياة تقوم على أساس التصور الاعتقادي كيفما كان.

عندئذ ندرك قيمة هذا التحرر في إقامة الحياة على منهج سليم قويم، يستقيم به أمر الحياة البشرية، وتنجو به الفساد والتخبط ومن الظلم أو الاستذلال .. وندرك قيمة قول عمر –رضي الله عنه- "ينقض الإسلام عروة عروة من نشأ في الإسلام ولم يعرف الجاهلية".. فالذي يعرف الجاهلية هو الذي يدرك قيمة الإسلام، ويعرف كيف يحرص على رحمة الله المتمثلة فيه، ونعمة الله المتحققة به.

إن جمال هذه العقيدة وكمالها وتناسقها، وبساطة الحقيقة الكبيرة التي تمثلها .. إن هذا كله لا يتجلى للقلب والعقل، كما يتجلى من مراجعة ركام الجاهلية –السابقة للإسلام واللاحقة- عندئذ تبدو هذه العقيدة رحمة .. رحمة حقيقية .. رحمة للقلب والعقل. ورحمة بالحياة والأحياء. رحمة بما فيها من جمال وبساطة، ووضوح وتناسق، وقرب وأنس، وتجاوب مع الفطرة مباشر عميق.. وصدق الله العظيم:

"أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى؟ أم من يمشي سوياً على صراط مستقيم؟".

خصائص التصور الإسلامي

"صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة؟"

للتصور الإسلامي خصائصه المميزة، التي تفرده من سائر التصورات، وتجعل له شخصيته المستقلة، وطبيعته الخاصة، التي لا تتلبس بتصور آخر، ولا تستمد من تصور آخر.

هذه الخصائص تتعدد وتتوزع، ولكنها تتضام وتتجمع عند خاصية واحدة، هي التي تنبثق منها وترجع إليها سائر الخصائص .. خاصية الربانية..إنه تصور رباني. جاء من عند الله بكل خصائصه، وبكل مقوماته، وتلقّاه "الإنسان" كاملاً بخصائصه هذه ومقوماته، لا ليزيد عليه من عنده شيئاً، ولا لينقص كذلك منه شيئاً. ولكن ليتكيف هو به وليطبق مقتضياته في حياته..وهو –من ثم- تصور غير متطور في ذاته، إنما تتطور البشرية في إطاره، وترتقي في إدراكه وفي الاستجابة له. وتظل تتطور وتترقى، وتنمو وتتقدم، وهذا الإطار يسعها دائماً، وهذا التصور يقودها دائماً. لأن المصدر الذي أنشأ هذا التصور، هو نفسه المصدر الذي خلق الإنسان. هو الخالق المدبر، الذي يعلم طبيعة هذا الإنسان، وحاجات حياته المتطورة على مدى الزمان. وهو الذي جعل في هذا التصور من الخصائص ما يلبي هذه الحاجات المتطورة في داخل هذا الإطار.

وإذا كانت التصورات والمذاهب والأنظمة التي يضعها البشر لأنفسهم – في معزل عن هدي الله –تحتاج دائماً إلى التطور في أصولها، والتحور في قواعدها، والانقلاب أحياناً عليها كلها حين تضيق عن البشرية في حجمها المتطور! وفي حاجاتها المتطورة.. إذا كانت تلك التصورات والمذاهب والأنظمة التي هي من صنع البشر، تتعرض لهذا وتحتاج إليه، فذلك لأنها من صنع البشر! الشر القصار النظر! الذين لا يرون إلا ما هو مكشوف لهم من الأحوال والأوضاع والحاجات في فترة محدودة من الزمان، وفي قطاع خاص من الأرض.. رؤية فيها –مع هذا- قصور الإنسان وجهل الإنسان، وشهوات الإنسان، وتأثرات الإنسان. فأما التصور الإسلامي –بربانيته- فهو يخالف في أصل تكوينه وفي خصائصه، تلك التصورات البشرية، ومن ثم لا يحتاج – في ذاته- إلى التطور والتغير .. فالذي وضعه يرى بلا حدود من الزمان والمكان. ويعلم بلا عوائق من الجهل والقصور.


ويختار بلا تأثر من الشهوات والانفعالات. ومن ثم يضع للكينونة البشرية كلها، في جميع أزمانها وأطوارها .. أصلاً ثابتاً، لتدور الحياة البشرية حوله، وتتحرك في إطاره. وهو مصنوع بحيث يسعها دائماً ويشدها دائماً. وهي تنمو وترتقي. وهي تتطور وتتحرك إلى الأمام.

وهو –من ثم- كامل متكامل. لا يقبل تنمية ولا تكميلا، كما لا يقبل "قطع غيار" من خارجه. فهو من صنعة الله، فلا يتناسق معه ما هو من صنعة غيره. والإنسان لا يملك أن يضيف إليه شيئاً، ولا يملك أن يعدل به دائماً إلى الأمام .. جاء ليضيف إلى قلبه وعقله، وإلى حياته وواقعه. جاء ليوقظ كل طاقات الإنسان واستعداداته، ويطلقها تعمل في إيجابية كاملة، وفي ضبط كذلك وهداية، وتؤتى أقصى ثمراتها الطيبة، مصونة من التبدد في غير ميدانها، ومن التعطل عن إبراز مكنونها، ومن الانحراف عن طبيعتها ووجهتها، ومن الفساد بأي من عوامل الفساد.. وهو لا يحتاج –في هذا كله- إلى استعارة من خارجه، ولا إلى دم غير دمه! ولا إلى منهج غير منهجه. بل إنه ليحتم أن يتفرد هو في حياة البشر، بمفهوماته وإيحاءاته ومنهجه ووسائله وأدواته. كي تتناسق حياة البشر مع حياة الكون- الذي تعيش في إطاره – ولا تصطدم حركته بحركة الكون فيصيبها العطب والدمار!.

وهو –من ثم- شامل متوازن منظور فيه إلى كل جوانب الكينونة البشرية أولاً. ومنظور فيه إلى توازن هذه الجوانب وتناسقها أخيراً. ومنظور فيه كذلك إلى جميع أطوار الجنس البشري، وإلى توازن هذه الأطوار جميعاً. بما أن صانعه هو صانع هذا الإنسان .. الذي خلق، والذي يعلم من خلق، وهو اللطيف الخبير. فليس أمامه –سبحانه- مجهول بعيد عن آفاق النظر من حياة هذا الجنس، ومن كل الملابسات التي تحيط بهذه الحياة .. ومن ثم فقد وضع له التصور الصحيح. الشامل لكل جوانب كينونته، ولكل أطوار حياته.. المتوازن مع كل جوانب كينونته ومع كل أطوار حياته. الواقعي المتناسق مع كينونته ومع كل ظروف حياته.

وهو – من ثم- الميزان الوحيد الذي يرجع إليه الإنسان في كل مكان وفي كل زمان، بتصوراته وقيمه، ومناهجه ونظمهن وأوضاعه وأحواله، وأخلاقه وأعماله.. ليعلم أين هو من الحق. وأين هو من الله. وليس هنالك ميزان آخر يرجع إليه، وليس هنالك مقررات سابقة ولا مقررات لاحقة يرجع إليها في هذا الشأن .. إنما هو يتلقى قيمه وموازينه من هذا التصور، ويكيّف بها عقله وقلبه، ويطبع بها شعوره وسلوكه، ويرجع في كل أمر يعرض له إلى ذلك الميزان: "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. ذلك خير وأحسن تأويلاً".(النساء: 59)

وفي خاصية التصور الإسلامي الأساسية –التي تحدد طبيعته- وفي سائر الخصائص التي تنبثق منها .. يرى بوضوح تفرد هذا التصور، وتميز ملامحه، ووضوح شخصيته بحيث يصبح من الخطأ المنهجي الأصيل محاولة استعارة أي ميزان، أو أي منهج من مناهج التفكير المتداولة في الأرض –في عالم البشر- للتعامل بها مع هذا التصور الخاص المستقل الأصيل. أو الاقتباس منها والإضافة إلى ذلك التصور الرباني الكامل الشامل.

وسنرى هذا بوضوح كلما تقدمنا في هذا البحث. فنكتفي الآن بتقرير هذه القاعدة التي لا بد من مراعاتها جيداً في كل بحث إسلامي، في أي قطاع من قطاعات الفكر الإسلامية أو المنهج الإسلامي .. فهذا هو مفرق الطريق.. والآن فلننظر في هذه الخاصية الأساسية، وفي الخصائص التي تنبثق منها، بشيء من البيان والتفصيل..


الربانيــة

"قل: إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم"

الربانية أولى خصائص التصور الإسلامي، ومصدر هذه الخصائص كذلك.. فهو تصور اعتقادي موحى به من الله –سبحانه- ومحصور في هذا المصدر لا يستمد من غيره .. وذلك تمييزاً من التصورات الفلسفية التي ينشئها الفكر البشري حول الحقيقة الإلهية، أو الحقيقة الكونية، أو الحقيقة الإنسانية، والارتباطات القائمة بين هذه الحقائق، وتمييزاً له كذلك من المعتقدات الوثنية، التي تنشئها المشاعر والأخيلة والأوهام والتصورات البشرية.

ويستطيع الإنسان أن يقول –وهو مطمئن-: إن التصور الإسلامي هو التصور الاعتقادي الوحيد الباقي بأصله "الرباني" وحقيقته "الربانية". فالتصورات الاعتقادية السماوية، التي جاءت بها الديانات قبله، قد دخلها التحريف – في صورة من الصور- كما رأينا. وقد أضيفت إلى أصول الكتب المنزلة، شروح وتصورات وتأويلات وزيادات، ومعلومات بشرية، أدمجت في صلبها، فبدلت طبيعتها "الربانية". وبقي الإسلام –وحده- محفوظ الأصول، لم يشب نبعه الأصيل كدر، ولم يلبس فيه الحق بالباطل. وصدق وعد الله في شأنه: "إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون" …(الحجر: 9)

وهذه هي الحقيقة المسلمة، التي تجعل لهذا التصور قيمته الفريدة.ومفرق الطريق بين التصور الفلسفي والتصور الاعتقادي –بصفة عامة- أن التصور الفلسفي ينشأ في الفكر البشري – من صنع هذا الفكر – لمحاولة تفسير الوجود وعلاقة الإنسان به. ولكنه يبقى في حدود المعرفة الفكرية الباردة. فأما التصور الاعتقادي –في عمومه- فهو تصور ينبثق في الضمير، ويتفاعل مع المشاعر، ويتلبس بالحياة. فهو وشيجة حية بين الإنسان والوجود. أو بين الإنسان وخالق الوجود.

ثم يتميز التصور الإسلامي بعد ذلك عن التصور الاعتقادي –في عمومه- بأنه –كما أسلفنا- تصور رباني، صادر من الله للإنسان. وليس من صنع الإنسان. تتلقاه الكينونة الإنسانية بجملتها من بارئها. وليست الكينونة الإنسانية هي التي تنشئه، كما تنشئ التصور الوثني، أو التصور الفلسفي –على اختلاف ما بينهما- وعمل الإنسان فيه هو تلقيه وإدراكه والتكيف به، وتطبيق مقتضياته في الحياة البشرية.

وينص المصدر الإلهي الذي جاءنا بهذا التصور –وهو القرآن الكريم- على أنه كله من عند الله. هبة للإنسان من لدنه، ورحمة له من عنده. وأن الفكر البشري –ممثلاً ابتداءً في فكر الرسول –صلى الله عليه وسلم – أو فكر الرسل كلهم – باعتبار أنهم جميعاً أرسلوا بهذا التصور في أصله – لم يشارك في إنشائه. وإنما تلقاه تلقياً، ليهتدي به ويهدي. وأن هذه الهداية عطية من الله كذلك، يشرح لها الصدور. وأن وظيفة الرسول –أي رسول- في شأن هذا التصور، هي مجرد النقل الدقيق، والتبليغ الأمين، وعدم خلط الوحي الذي يوحي إليه من عند الله بأي تفكير بشري – أو كما يسميه الله سبحانه بالهوى! أما هداية القلوب به، وشرح الصدور له، فأمر خارج عن اختصاص الرسول، ومرده إلى الله وحده في النهاية:

"وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا. ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا. وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم. صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض. ألا إلى الله تصير الأمور"…(الشورى: 52-53)

"والنجم إذا هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى"…(النجم: 1-4)

"ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد عنه حاجزين"…(الحاقة: 44-47)

"يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك. وإن لم تفعل فما بلغت رسالته"…(المائدة: 67)

"إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء، وهو أعلم بالمهتدين"…(القصص: 56)

"فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام. ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصّعّد في السماء"…(الأنعام: 125)

وهذا التوكيد على مصدر هذا التصور، هو الذي يعطيه قيمته الأساسية، وقيمته الكبرى.. فهو وحده مناط الثقة في أنه التصور المبرأ من النقص، المبرأ من الجهل، المبرأ من الهوى .. هذه الخصائص المصاحبة لكل عمل بشري، والتي نراها مجسمة في جميع التصورات التي صاغها البشر ابتداء من وثنيات وفلسفات. أو التي تدخل فيها البشر من العقائد السماوية السابقة! وهو كذلك مناط الضمان في انه التصور الموافق للفطرة الإنسانية، الملبي لكل جوانبها، المحقق لكل حاجاتها. ومن ثم فهو التصور الذي يمكن أن ينبثق منه، ويقوم عليه، أقوم منهج للحياة وأشمله.

ولكن إذا كان الفكر البشري لم ينشئ هذا التصور، فإنه ليس منفياً من مجاله، ولا محظوراً عليه العمل فيه. بيد أن عمله هو التلقي والإدراك والتكيف والتطبيق في واقع الحياة .. غير أن القاعدة المنهجية الصحيحة للتلقي – كما أشرنا في "كلمة عن المنهج" – هي هذه .. إنه ليس للفكر البشري أن يتلقى هذا التصور بمقررات سابقة، يستمدها من أي مصدر آخر، أو يستمدها من مقولاته هو نفسه، ثم يحاكم إليها هذا التصور، ويزنه بموازينها.. إنما هو يتلقى موازينه ومقرراته من هذا التصور ذاته، ويتكيف به، ويستقيم على منهجه. كما يتلقى الحقائق الموضوعية في هذا التصور من المصدر الإلهي الذي جاء بها، لا من أي مصدر آخر خارجه. ثم هو الميزان الذي يرجع بكافة ما يعين له، من مشاعر وأفكار، وقيم وتصورات، في مجرى حياته الواقعية كذلك. ليزنها عنده، ويعرف حقها من باطلها، وصحيحها من زائفها:

"فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول"…(النساء: 59)

وفي الوقت ذاته يعتبر الفكر البشري – في ميزان هذا التصور- أداة قيمة وعظيمة، يوكل إليها إدراك خصائص هذا التصور ومقوّماته – مستقاة من مصدرها الإلهي- وتحكيمها في كل ما حوله من القيم والأوضاع. دون زيادة عليها من خارجها، ودون نقص كذلك منها .. ويبذل منهج التربية الإسلامي لهذه الأداة العظيمة من الرعاية والعناية، لتقويمها وتسديدها وابتعاثها للعمل، في كل ميدان هي مهيأة له .. الشيء الكثير( ).

على أن "الفكر" ليس وحده الذي يتلقى هذا التصور. إنما هو يشارك في تلقيه. فميزة هذا التصور – المنبثقة من خاصية الربانية- أنه يلبي الكينونة الإنسانية بجملتها .. ويدخل كذلك في دائرة إدراكها.. والذي لا تدركه منه إدراك ماهية وحقيقة، أو إدراك عليه أو كيفية .. لا يتعذر عليه التسليم به في طمأنينة. لنه داخل في مفهوم منطقها المعقول. منطقها الذي يسلم بالحقيقة البسيطة: حقيقة أن المجال الذي يتناوله هذا التصور – بما فيه من حقيقة الذات الإلهية وصفاتها، ومن تعلق إرادة الله بالخلق وكيفيته – أكبر وأوسع من الكينونة الإنسانية بجملتها. فهو مجال السرمدية الأزلية الأبدية الكلية المطلقة. والكينونة الإنسانية – ككل ما هو مخلوق حادث – متحيزة في حدود من الزمان والمكان، لا تملك مجاوزتها على الإطلاق، ولا تملك من باب أولى الإحاطة بالكلي المطلق بأي حال:

"يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا. لا تنفذون إلا بسلطان"…(الرحمن: 33)

"لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير"… (الأنعام: 103)

ومن ثم فلا قدرة للكينونة البشرية بجملتها – لا الفكر وحده- على العمل خارج هذه الحدود. إنما وظيفتها أن تتلقى من الذات الإلهية المطلقة المحيطة بالوجود. وأن تتلقى في حدود طبيعة الإنسان، وفي حدود وظيفته. ونزيد هذه الجملة الأخيرة إيضاحاً.. فالإنسان محكوم أولاً، بطبيعته: طبيعة أنه مخلوق حادث. ليس كلياً ولا مطلقاً. ليس أزلياً ولا أبدياً. ومن ثم فإن إدراكه لابد أن يكون محدوداً بما تحده به طبيعته .. ثم هو محدود بوظيفته. وظيفة الخلافة في الأرض لتحقيق معنى العبادة لله فيها –كما سيجئ- ومن ثم فقد وهُب من الإدراك ما يناسب هذه الخلافة. بلا نقص ولا زيادة .. وهناك أمور كثيرة لا يحتاج إليها في وظيفته هذه. ومن ثم لم يوهب القدرة على إدراكها –إدراك ماهية أو إدراك كيفية- وإن كان موهوباً أن يدرك إمكانها. وأن يحيل هذا على معرفته بطلاقة المشيئة الإلهية من ناحية، ومن ناحية أخرى على معرفته بأنه هو مخلوق حادث، غير كلي ولا مطلق، فلا يمكن –من ثم- أن يحيط بخصائص الأزلي الأبدي، الذي هو بكل شيء محيط.

والقرآن الكريم يشير إلى بعض هذه الجوانب، التي لم يزوَّد هذه الجوانب، التي لم يزوَّد الإنسان بالقدرة على الإحاطة بها .. بماهيتها أو بكيفيتها .. إما لأنها لا تدخل في حدود طبيعة البشرية المحدودة. وإما لأنها لا تلزم له في النهوض بوظيفته المحددة كذلك .. كما يشير إلى طريقة الفطرة السليمة المؤمنة في تلقي هذه الجوانب، وطريقة الفطرة المنحرفة الزائغة:

من هذه الجوانب مسألة كنه الذات الإلهية. فالكينونة الإنسانية لا تدركها وليس مما تعرفه شيء يماثلها فيمكن أن تقابلها به، وتقيسها عليه:

"لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار"..(الأنعام: 103)

"ليس كمثله شيء" .. (الشورى: 11)

"فلا تضربوا لله الأمثال" … (النحل: 74)

ومنها مسألة المشيئة الإلهية وكيفية تعلقها بالخلق:

"قال: رب أنى يكون لي غلام، وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر؟ قال: كذلك الله يفعل ما يشاء"..(آل عمران: 40)

"قالت: رب أنى يكون لي ولد، ولم يمسسني بشر؟ قال: كذلك الله يخلق ما يشاء. إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون" …(آل عمران: 47)

هكذا دون بيان للكيفية، لأنها فوق إدراك الكينونة البشرية. وكل من أراد من البشر بيانا لكيفية تخبط وخلّط، لأنه قاسها على كيفيات عمل الإنسان، وشتان شتان( ).!

ومنها مسألة الروح – سواء كان المقصود بها: "الحياة" أو "جبريل" أو "الوحي":

"ويسألونك عن الروح. قل: الروح من أمر ربي. وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً" …(الإسراء: 85)

ومنها مسألة الغيب المحجوب عن العلم البشري، إلا بالقدر الذي يأذن به الله لمن يشاء: "وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو"…(الأنعام: 59)

"عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً. إلا من ارتضى من رسول"..(الجن: 36، 27)

"قل: لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب" … (الأنعام: 50)

"وما تدري نفس ماذا تكسب غداً، وما تدري نفس بأي ارض تموت" …(لقمان: 34)

ومن هذا الغيب خاصة مسألة موعد الساعة:

"إن الله عنده علم الساعة"…(لقمان: 34) "يسألونك عن الساعة: أيان مرساها؟ فيم أنت من ذكراها! إلى ربك منتهاها. إنما أنت منذر من يخشاها. كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها"..(النازعات: 24-46)

"بل تأتيهم بغتة فتبهتهم، فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون" …(الأنبياء: 40)

ويبين الله –سبحانه- كيف ينبغي تلقي هذه وأمثالها، مما هو فوق مدركات الكينونة البشرية:

"هو الذي أنزل عليك الكتاب، منه آيات محكمات هن أم الكتاب. وأخر متشابهات. فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه، ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله – وما يعلم تأويله إلا الله – والراسخون في العلم يقولون: آمنا به، كل من عند ربنا- وما يذّكر إلا أولوا الألباب- ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب"..(آل عمران: 7-8)

وفيما عدا هذه الجوانب فإن الفكر البشري – أو الإدراك البشري بتعبير أشمل- مدعو للتدبر والتفكر، والنظر والاعتبار، والتكيف والتأثر، والتطبيق، في عالم الضمير وعالم الواقع، لمقتضيات هذا التصور، والإيجابية في العمل والتنفيذ وفق هذا التصور الشامل الكبير.

وما من دين احتفل بالإدراك البشري، وإيقاظه، وتقويم منهجه في النظر، واستجاشته للعمل، وإطلاقه من قيود الوهم والخرافة، وتحريره من قيود الكهانة والأسرار المحظورة.! وصيانته في الوقت ذاته من التبديد في غير مجاله، ومن الخبط في التيه بلا دليل .. ما من دين فعل ذلك كما فعله الإسلام..

ومن من دين وجه النظر إلى سنن الله في الأنفس والآفاق، وإلى طبيعة هذا الكون وطبيعة هذا الإنسان، وإلى طاقاته المذخورة وخصائصه الإيجابية، وإلى سنن الله في الحياة البشرية معروضة في سجل التاريخ .. ما من دين وسّع على الإدراك في هذا كله ما وسّع الإسلام.

في تربية وتقويمه وتقويم منهج النظر والحكم:

"ولا تقف ما ليس لك به علم. إن السمع والبصر والفؤاد. كل أولئك كان عنه مسؤولاً"..(الإسراء: 36)

"يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم" ..(الحجرات:12)

"وما يتبع أكثرهم إلا ظنا، إن الظن لا يغني من الحق شيئاً" ..(يونس: 36)

"ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون" .. (الزخرف:20)

وفي النظر إلى آيات الله في الأنفس والآفاق:

"قل: انظروا ماذا في السماوات والأرض" ..(يونس: 101)

"وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم. أفلا تبصرون؟"(الذاريات: 20-21)

"سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق" ..(فصلت: 53)

وفي النظر إلى سنن الله في الحياة البشرية وفي مصائر من قبلهم ودلالتها التاريخية:

'"قل: سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة. إن الله على كل شيء قدير" … (العنكبوت: 20)

"أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم؟ كانوا أشد منهم وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها، وجاءتهم رسلهم بالبينات، فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون" …(الروم: 9-10)

"أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها؟ والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب"…(الرعد: 41)


وأمثال هذه التوجيهات كثير كثرة ملحوظة في القرآن الكريم، يتكون منها منهج كامل لتربية الإدراك البشري وتقويمه وتوجيهه( ). وستأتي منه نماذج كثيرة في الفصول التالية.

على أن الله، فاطر هذا الإنسان، العالم بحقيقة طاقاته، كان يعلم أنه بقدر ما وهبة من القدرة على إدراك قوانين المادة، والتعرف إلى طاقات الكون في هذا المجال، لتسخيرها في الخلافة .. بقدر ما روى عنه من أسرار "الحياة" – كنهها وكيفية وجودها وتصرفها- وأسرار تكوينه الروحي والعقلي. وحتى تكوينه الجسمي المتصل بنشاطه الروحي والعقلي لا يزال معظمه خافياً على علمه وإدراكه، على نحو ما كشف لنا في القرن العشرين عالم من أكبر العلماء المتخصصين في إخلاص وصراحة. وهو الدكتور "الكسيس كاريل" في كتابه: "الإنسان ذلك المجهول" وهو يقول:

" …لقد بذل الجنس البشري مجهوداً جباراً لكي يعرف نفسه. ولكن بالرغم من أننا نملك كنزاً من الملاحظة التي كدسها العلماء والفلاسفة والشعراء وكبار العلماء الروحانيين في جميع الأزمان، فإننا استطعنا أن نفهم جوانب معينة فقط من أنفسنا .. إننا لا نفهم الإنسان ككل.. إننا نعرفه على أنه مكون من أجزاء مختلفة. وحتى هذه الأجزاء ابتدعتها وسائلنا! فكل واحد منا مكون من موكب من الأشباح، تسير في وسطها حقيقة مجهولة! "وواقع الأمر أن جهلنا مطبق. فأغلب الأسئلة التي يلقيها على أنفسهم أولئك الذين يدرسون الجنس البشري تظل بلا جواب، لأن هناك مناطق غير محدودة في دنيانا الباطنية ما زالت غير معروفة.. فنحن لا نعرف –حتى الآن- الإجابة على أسئلة كثيرة مثل:

•كيف تتحد جزئيات المواد الكيماوية لكي تكون المركب والأعضاء المؤقتة للخلية.

•كيف تقر "الجينس" –وحدات الوراثة- الموجودة في نواة البويضة الملقحة صفات الفرد المشتقة من هذه البويضة؟

•كيف تنتظم الخلايا في جماعات من تلقاء نفسها، مثل الأنسجة والأعضاء؟ فهي كالنمل والنحل تعرف مقدماً الدور الذي قدر لها أن تلعبه في حياة المجموع وتساعدها العمليات الميكانيكية الخفية على بناء جسم بسيط ومعقد في الوقت ذاته.

•ما هي طبيعة تكويننا النفساني والفسيولوجي؟ إننا نعرف أننا مركب من الأنسجة والأعضاء، والسوائل، والشعور ولكن العلاقات بين الشعور والمخ ما زالت لغزاً..

•إننا مازلنا بحاجة إلى معلومات كاملة تقريباً عن "فسيولوجية" الخلايا العصبية..إلى أي مدى تؤثر الإرادة في الجسم؟ كيف يتأثر العقل بحالة الأعضاء؟ على أي وجه تستطيع الخصائص العضوية والعقلية، التي يرثها كل فرد، أن تتغير بواسطة طريقة الحياة، والمواد الكيماوية الموجودة في الطعام، والمناخ، والنظم النفسية والأدبية؟

•إننا ما زلنا بعيدين جداً من معرفة ماهية العلاقات الموجودة بين الهيكل العظمي والعضلات والأعضاء، ووجوه النشاط العقلي والروحي.. وما زلنا نجهل العوامل التي تحدث التوازن العصبي، ومقاومة التعب، والكفاح ضد الأمراض.

•إننا لا نعرف كيف يمكن أن يزداد الإحساس الأدبي، وقوة الحكم، والجرأة.

•ولا ما هي الأهمية النسبية للنشاط العقلي الأدبي. كذا النشاط الديني.

•أي شكل من أشكال النشاط مسؤول عن تبادل الشعور أو الخواطر؟

•لا شك مطلقاً في أن عوامل فسيولوجية وعقلية معينة هي التي تقرر السعادة أو التعاسة. النجاح أو الفشل.. ولكننا لا نعرف ما هي هذه العوامل.

•إننا لا نستطيع أن نهب أي فرد ذلك الاستعداد لقبول السعادة بطريقة صناعية وحتى الآن فإننا لا نعرف: أي البيئات أكثر صلاحية لإنشاء الرجل المتمدين وتقدمه..

•هل في الإمكان كبت روح الكفاح والمجهود، وما قد نحس به من عناء بسبب تكويننا الفسيولوجي والروحي؟

•كيف نستطيع أن نحول دون تدهور الإنسان وانحطاطه في المدينة العصرية؟

بالنسبة لنا. ولكنها ستظل جميعاً بلا جواب .. فمن الواضح أن جميع ما حققه العلماء من تقدم فيما يتعلق بدراسة الإنسان ما زال غير كاف، وأن معرفتنا بأنفسنا ما زالت بدائية في الغالب"( )..

هذا هو مدى جهلنا بحقيقة "الإنسان" – إحدى الحقائق التي يتألف منها التصور الاعتقادي الشامل – بل جهلنا بأصغر وأظهر جانب من جوانب هذه الحقيقة .. كما يقرره عالم من أكبر العلماء في القرن العشرين، غير متهم في علمه، وغير منازع في مكانته في العالمين: القديم والجديد!

أما أسباب هذا الجهل، من وجهة نظره القائمة على "المنهج العلمي" كما هو معروف في الغرب، وعلى انطباعاته في جو بيئته الغربية وفي جو "البحث العلمي"، وفي حدود "العلم" كما يقرر هو في مقدمة الكتاب .. أما أسباب هذا الجهل من وجهة نظره هذه، التي نوافقه في بعضها ونخالفه في بعضها. فهي كما يقول: "قد يعزى جهلنا في الوقت ذاته، إلى طريقة حياة أجدادنا. وإلى طبيعتنا المعقدة. وإلى تركيب عقلنا..". ويتحدث عن السببين الأولين حديثاً دقيقاً، ولكنه لا يعنينا هنا. فننتقل إلى حديثه عن السبب الثالث: يقول:

"وثم سبب آخر للبطء الذي اتسمت به معرفتنا لأنفسنا. وذلك أن تركيب عقولنا يجعلنا نبتهج بالتفكير في الحقائق البسيطة. إذا أننا نشعر بضرب من النفور حين نضطر إلى تولي حل مشكلة معقدة مثل: تركيب الكائنات الحية والإنسان.. فالعقل –كما يقول برجسون- يتصف بعجز طبيعي عن فهم الحياة .. وبالعكس فإننا نحب أن نكتشف، في جميع العوالم، تلك الأشكال الهندسية الموجودة في أعمال شعورنا .. إن دقة النسب البادية في تماثيلنا وإتقان آلاتنا يعبران عن صفة أساسية لعقلنا .. فالهندسة غير موجودة في دنيانا، وإنما أنشأناها نحن. إذ أن وسائل الطبيعة لا تكون أبداً بالدقة التي تتصف بها وسائل الإنسان !!! فنحن لا نجد في العالم ذلك الوضوح وتلك الدقة التي يتصف بها تفكيرنا .. ومن ثم فإننا نحاول أن نستخلص من تعقد الظواهر، وبعض النظم البسيطة التي تحمل عناصر، لإحداها بالأخرى علاقات معينة، تكون قابلة للوصف حسابياً .. وقدرة الاستخلاص هذه التي يتمتع بها العقل البشري، مسؤولة عن ذلك التقدم الرائع الذي أحرزه علماء الطبيعة والكيمياء..

"ولقد لقيت الدراسة الطبيعية – الكيماوية للكائنات الحية نجاحاً مماثلاً. فقوانين الطبيعة والكيمياء، متماثلة في عالم الكائنات الحية وعالم الجماد – كما خطر ببال كلود برنار منذ أمد بعيد – وهذه الحقيقة توضح لماذا اكتشف علم وظائف الأعضاء الحديث مثلاً أن استمرار قلوية الدم وماء المحيط تفسرها قوانين متماثلة، وأن النشاط الذي تستهلكه العضلات المتقلصة يقدمه تخمر السكر … الخ .. إن النواحي الطبيعية – الكيماوية للكائنات الحية يسهل تقريباً فحصها، مثل تلك النواحي في الأشياء الأخرى الموجودة في العالم المادي .. وتلك المهمة التي نجح علم وظائف الأعضاء في تحقيقها.

أيّ هذه المقررات العقلية كانت هي الحقيقة التي نقشتها الطبيعة في العقل البشري؟ تراها تخطئ في النقش؟ أم أن العقل نفسه هوا لذي يشوه النقش؟ وهل له إذن فاعلية ذاتية وشخصية مستقلة؟ في حين يقول السادة الوضعيون: إنه ليس شيئاً آخر سوى ما تنقشه هذه الطبيعة؟!

وندع الحياة ونشأتها وأسرارها –كما قلنا- إلى موضع مناقشة هذا السر في التصور الإسلامي والتصورات الأخرى.. ندع الحياة وأسرارها فلا نناقشها هنا ونسأل: أي إله هذا الذي يقدمه لنا السادة الماديون؟ إننا لا نجد بين أيدينا ولا في عقولنا ولا في واقعنا منه شيئاً "مضبوطاً" فلماذا يا ترى نختاره ونلوذ به. وهو هباء لا يثبت على اللمس، ولا يثبت على الرؤية، ولا يثبت على النظر العقلي أيضاً؟ نحن – والحمد لله – لسنا هاربين من الكنيسة؟!!

أما هذا المسخ الذي يثير الاشمئزاز في تصور كارل ماركس وانجلز للحياة البشرية ودوافعها ومجالها الذي تتحرك فيه، وحصرها في حجر "الاقتصاد" فإن الشعور بالاشمئزاز منه يزداد، عندما يقف الإنسان أمام عظمة الكون المادي نفسه. وما فيه من موافقات عظيمة عجيبة، يبدو فيها كلها كأنما هي تمهيد للحياة البشرية بوجه خاص: فلا يتمالك نفسه من الاحتقار والاشمئزاز لمثل هذا التفكير الصغير، ولمثل هذا الشعور الذي لا تروعه عظمة هذا الكون ذاته، ولا تروعه الموافقات الكامنة فيه لاستقبال الحياة البشرية.. فإذا به يدير ظهره لكل هذه العظمة، ولكل هذه الروعة، ليخنس في حجر الاقتصاد، والآلة والإنتاج- لا بوصفها غاية للإنسان ومحركاً فحسب – ولكن بوصفها كذلك العلة الأولى، والإله الخالق، والرب المتصرف، المصرف لهذه الحياة!

ولكنا نعود بعد ذلك كله فنذكر أن هذا البلاء كله – من مبدئه إلى نهايته- إنما جاء ثمرة طبيعية لانحراف الكنيسة والمجامع بالتصور الرباني. ومحاولة الفكر الأوربي أن يأبق من وجه الكنيسة وإلهها الذي تستطيل به! فنحمد الله أن ظل التصور الإسلامي "الرباني" محفوظاً! وإن لم تقم عليه كنيسة! وإن لم يقع بينه وبين العقل البشري والعلم البشري ذلك الصدام، الذي قادم الفكر الأوروبي إلى هذا التيه وهذا الركام!

ونذكر أن التصور الإسلامي يدع العقل البشري وللعلم البشري ميدانه واسعاً كاملاً – فيما وراء أصل التصور ومقوّماته – ولا يقف دون العقل يصده عن البحث في الكون. بل هو يدعوه إلى هذا البحث ويدفعه إليه دفعاً. ولا يقف دون العلم البشري في المجال الكوني. بل هو يكل أمر الخلافة كله –في حدود التصور الرباني- للعقل البشري وللعلم البشري.. وندرك مقدار نعمة الله ومقدار رحمته في تفضله علينا بهذا التصور الرباني، وفي إبقائه وحفظه على أصله الرباني..


الثّبات

"فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطــر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيّم"

من الخاصية الأساسية للتصور الإسلامي – خاصية الربانية- تنبثق سائر الخصائص الأخرى. وبما أنه "رباني" صادر من الله، وظيفة الكينونة الإنسانية فيه هي التلقي والاستجابة والتكيف والتطبيق في واقع الحياة. وبما أنه ليس نتاج فكر بشري، ولا بيئة معينة، ولا فترة من الزمن خاصة، ولا عوامل أرضية على وجه العموم .. إنما هو ذلك الهدى الموهوب للإنسان هبة لدنية خالصة من خالق الإنسان، رحمة بالإنسان..بما أنه كذلك. فمن الخاصية فيه تنشأ خاصية أخرى.. خاصية: "الحركة داخل إطار ثابت حول محور ثابت".

هناك "ثبات" في "مقومات" هذا التصور الأساسية، و "قيمه" الذاتية. فهي لا تتغير ولا تتطور، حينما تتغير "ظواهر" الحياة الواقعية، و "أشكال" الأوضاع العملية .. فهذا التغير في ظواهر الحياة وأشكال الأوضاع، يظل محكوماً بالمقومات والقيم الثابتة لهذا التصور..ولا يقتضي هذا "تجميد" حركة الفكر والحياة. ولكنه يقتضي السماح لها بالحركة –بل دفعها إلى الحركة- ولكن داخل هذا الإطار الثابت، وحول هذا المحور الثابت.. وهذه السمة – سمة الحركة داخل إطار ثابت وحول محور ثابت- هي طابع الصنعة الإلهية في الكون كله – فيما يبدو لنا- لا في التصور الإسلامي وحده.

"مادة" هذا الكون – سواء كانت هي الذرة أو الإشعاع البسيط المنطلق عند تحطيمها، أو أية صورة أخرى – ثابتة الماهية. ولكنها تتحركن فتتخذ أشكالاً دائمة التغير والتحور والتطور.والذرة ذات نواة ثابتة تدور حولها الإلكترونات في مدار ثابت.وكل كوكب وكل نجم له مداره، يتحرك فيه حول محوره، حركة منتظمة، محكومة بنظام خاص.

و "إنسانية" هذا الإنسان، المستمدة من كونه مخلوقاً فيه نفخة من روح الله اكتسب بها إنسانيته المتميزة عن سائر طبائع المخلوقات حوله.. إنسانية هذا الإنسان ثابتة( ). ولكن هذا "الإنسان" يمر بأطوار جنينية شتى من النطفة إلى الشيخوخة! ويمر بأطوار اجتماعية شتى، يرتقي فيها وينحط حسب اقترابه وابتعاده من مصدر إنسانيته. ولكن هذه الأطوار وتلك لا تخرجه من حقيقة "إنسانيته" الثابتة. ونوازعها وطاقاتها واستعداداتها المنبثقة من حقيقة إنسانيته.

ونزوع هذا الإنسان إلى الحركة لتغيير الواقع الأراضي وتطويره .. حقيقة ثابتة كذلك .. منبثقة أولاً من الطبيعة الكونية العامة، الممثلة في حركة المادة الكونية الأولى وحركة سائر الأجرام في الكون. ومنبثقة ثانياً من فطرة هذا الإنسان. وهي مقتضى وظيفته في خلافة الأرض. فهذه الخلافة تقتضي الحركة لتطوير الواقع الأرضي وترقيته .. أما أشكال هذه الحركة فتتنوع وتتغير وتتطور( ).

وهكذا تبدو سمة: "الحركة داخل إطار ثابت حول محور ثابت" سمة عميقة في الصنعة الإلهية كلها. ومن ثم فهي بارزة عميقة في طبيعة التصور الإسلامي.

ونحن نسبق السياق هنا، فنستعرض نماذج من المقومات والقيم الثابتة في هذا التصور (سيجئ تفصيل الكلام عنها في موضعه في القسم الثاني من هذا البحث) وهي التي تمثل "المحور الثابت" الذي يدور عليه المنهج الإسلامي في إطاره الثابت.

إن كل ما يتعلق بالحقيقة الإلهية – وهي قاعدة التصور الإسلامي- ثابت الحقيقة، وثابت المفهوم أيضاً. وغير قابل للتغيير ولا للتطوير:

حقيقة وجود الله، وسرمديته، ووحدانيته –بكل إشعاعاتها- وقدرته، وهيمنته، وتدبيره لأمر الخلق، وطلاقة مشيئته .. إلى آخر صفات الله الفاعلة في الكون والحياة والناس..وحقيقة أن الكون كله –أشياءه وأحياءه- من خلق الله وإبداعه. أراده الله –سبحانه- فكان. وليس لشيء ولا لحي في هذا الكون، أثارة من أمر الخلق في هذا الكون، ولا التدبير ولا الهيمنة. ولا مشاركة في شيء من خصائص الألوهية بحال..وحقيقة العبودية لله .. عبودية الأشياء والأحياء .. وعموم هذه العبودية للناس جميعاً. بما فيهم الرسل –عليهم الصلاة والسلام- عبودية مطلقة، لا تتلبس بها أثارة من خصائص الألوهية. مع تساويهم في هذه العبودية..

وحقيقة أن الإيمان بالله – بصفته التي وصف بها نفسه – وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.. شرط لصحة الأعمال وقبولها. وإلا فهي باطلة من الأساس، غير قابلة للتصحيح، ومردودة غير محتسبة وغير مقبولة ..

وحقيقة أن الله لا يقبل من الناس ديناً سواه. وأن الإسلام معناه إفراد الله –سبحانه- بالألوهية وكل خصائصها. والاستسلام لمشيئته، والرضى بالتحاكم إلى أمره ومنهجه وشريعته. وأن هذا هو دينه الذي ارتضاه. لا أي دين سواه.

وحقيقة أن "الإنسان" – بجنسه- مخلوق مكرم على سائر الخلائق في الأرض مستخلف من الله فيها. مسخر له كل ما فيها. ومن ثم فليست هناك قيمة مادية في هذه الأرض تعلو قيمة هذا الإنسان، أو تهدر نم أجلها قيمته.. وحقيقة أن الناس من أصل واحد. ومن ثم فهم –من هذه الناحية- متساوون. وأن القيمة الوحيدة التي يتفاضلون بها – فيما بينهم- هي التقوى والعمل الصالح. لا أية قيمة اخرى، من نسب، أو مال، أو مركز، أو طبقة، أو جنس .. إلى آخر القيم الأرضية.

وحقيقة أن غاية الوجود الإنساني هي العبادة لله .. بمعنى العبودية المطلقة لله وحده. بكل مقتضيات العبودية، وأولها الائتمار بأمره –وحده- في كل أمور الحياة صغيرها وكبيرا والتوجه إليه –وحده- بكل نية وكل حركة، وكل خالجة وكل عمل. والخلافة في الأرض وفق منهجه- أو بتعبير القرآن وفق دينه – إذ هما تعبيران مترادفان عن حقيقة واحدة..وحقيقة أن رابطة التجمع الإنساني هي العقيدة، وهي هذا المنهج الإلهي .. لا الجنس، ولا القوم، ولا الأرض، ولا اللون، ولا الطبقة، ولا المصالح الاقتصادية أو السياسية، ولا أي اعتبار آخر من الاعتبارات الأرضية .

وحقيقة أن الدنيا دار ابتلاء وعمل. وأن الآخرة دار حساب وجزاء. وأن الإنسان مبتلى وممتحن في كل حركة، وفي كل عملن وفي كل خير يناله أو شر، وفي كل نعمة وفي كل ضر .. وأن مرد الأمور كلها إلى الله.. … هذه وأمثالها من المقومات والقيم – التي سنعرض لها بالتفصيل في مواضعها في القسم الثاني من هذا البحث –كلها ثابتة، غير قابلة للتغير ولا للتطور .. ثابتة لتحرك ظواهر الحياة وأشكال الأوضاع في إطارها، وتظل مشدودة إليها. ولتراعي مقتضياتها في كل تطور لأوضاع الحياة، وفي كل ارتباط يقوم في المجتمع، وفي كل تنظيم لأحوال الناس أفراداً وجماعات، في جميع الأحوال والأطوار.

وقد تتسع المساحة التي تتجلى فيها مدلولات هذه المقومات والقيم، كلما اتسعت جوانب الحياة الواقعية، وكلما اتسع مجال العلم الإنساني، وكلما تعددت المفاهيم التي تتجلى فيها هذه المقومات والقيم. ولكن أصلها يظل ثابتاً. وتتحرك في إطاره تلك المدلولات والمفاهيم.

حقيقة أن الإنسان مستخلف في هذه الأرض –مثلاً- تتجلى في صور شتى .. تتجلى في صورته وهو يزرع الأرض. لأن أوضاع حياته ومدى تجاربه تجعل الزراعة هي التي تفي في ذلك الطور باحتياجاته الضرورية، وبها تتحقق الخلافة.. وتتجلى كذلك في صورته وهو يفجر الذرة، ويرسل الأقمار الصناعية لتكشف له طبيعة الغلاف الجوي للأرض، أو طبيعة الكواكب والتوابع من حوله .. هذه وتلك – وما بينهما وما بعدهما- صور من صور الخلافة في الأرض، قابلة دائماً للزيادة والاتساع. ولكن حقيقة الخلافة في الأرض ثابتة على كل حال. يقتضي مفهومها الثابت ألا يحال بين الإنسان ومزاولة حقه في الخلافة وفق منهج الله المرسوم. وألا يعلوا شيء في هذه الأرض على "الإنسان". وألا تهدر قيمته "الإنسانية" لينشئ قمراً صناعياً، أو ليضاعف الإنتاج المادي ! فهو سيد الأقمار الصناعية، وسيد الإنتاج المادي!

وحقيقة أن غاية الوجود الإنساني هي العبادة –مثلاً- تتمثل في كل نشاط يتجه به الإنسان إلى الله. وألوان النشاط غير محدودة. فهي تابعة لمقتضيات الخلافة النامية المتجددة .. وتتمثل في عبوديته لله وحده، بالتحاكم إلى منهجه وحده، في كل شؤون الحياة. وهذه الشؤون غير محدودة. فهي كذلك تابعة لمقتضيات الخلافة النامية المتجددة .. ولكن حقيقة الغاية ثابتة لا تتغير. فإذا لم يتجه إلى الله بكل نشاط. وإذا لم يتحاكم إلى منهج الله في كل شأن، فقد أخل بهذه الحقيقة الثابتة، وخرج على غاية وجوده الإنساني. واعتبر عمله باطلاً غير قابل للتصحيح المستأنف، ولا بالقبول من المؤمنين.

وهكذا – على هذا النحو- تتسع مساحة مدلولات هذه المقومات، وتتنوع الصور التي تتجلى فيها .. ولكنها هي ثابتة في التصور الإسلامي، لا يتناولها التغير ولا التطور على كل حال.

وقيمة وجود تصور ثابت للمقومات والقيم على هذا النحو، هي ضبط الحركة البشرية، والتطورات الحيوية. فلا تمضي شاردة على غير هدى – كما وقع في الحياة الأوربية عندما أفلتت من عروة العقيدة – فانتهت إلى تلك النهاية البائسة، ذات البريق الخادع واللألاء الكاذب، الذي يخفي في طياته الشقوة والحيرة والنكسة والارتكاس. وقيمته هي وجود الميزان الثابت الذي يرجع إليه "الإنسان" بكل ما يعرض له من مشاعر وأفكار وتصورات، وبكل ما يجدّ في حياته من ملابسات وظروف وارتباطات. فيزنها بهذا الميزان الثابت. ليرى قربها أو بعدها من الحق والصواب.. ومن ثم يظل دائماً في الدائرة المأمونة، لا يشرد إلى التيه، الذي لا دليل فيه من نجم ثابت، ولا من معالم هادية في الطريق!

وقيمته هي وجود "مقوّم" للفكر الإنساني مقوّم منضبط بذاته. يمكن أن ينضبط به الفكر الإنساني. فلا يتأرجح مع الشهوات والمؤثرات. وإذا لم يكن هذا المقوم الضابط ثابتاً. فكيف ينضبط به شيء إطلاقاً! إذا دار مع الفكر البشري –كيفما دار- ودار مع الواقع البشري –كيفما دار- فكيف تصبح عملية الضبط ممكنة. وهي لا ترجع إلى ضابط ثابت. يمسك بهذا الفكر الدوّار؟ أو بهذا الواقع الدوّار؟!

إنها ضرورة من ضرورات صيانة النفس البشرية، والحياة البشرية، أن تتحرك داخل إطار ثابت، وان تدور على محور لا يدور! إنها على هذا النحو تمضي على السنة الكونية الظاهرة في الكون كله، والتي لا تختلف في جرم من الأجرام!

إنها ضرورة لا تظهر كما تظهر اليوم. وقد تركت البشرية هذا الأصل الثابت، وأفلت زمامها من كل ما يشدها إلى محور. وأصبحت أشبه بجرم فلكي خرج من مداره، وفارق محوره الذي يدور عليه في هذا المدار. ويوشك أن يصدكم فيدمر نفسه ويصيب الكون كله بالدمار. "ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ..".(المؤمنون: 71)

والعاقل "الواعي" الذي لم يأخذه الدوار الذي يأخذ البشرية اليوم. حين ينظر إلى هذه البشرية المنكودة يراها تتخبط في تصوراتها، وأنظمتها، وأوضاعها، وتقاليدها، وعاداتها، وحركاتها كلها تخبطاً منكراً شنيعاً .. يراها تخلع ثيابها وتمزقها كالمهووس! وتتشنج في حركاتها وتتخبط وتتلبط كالممسوس .. يراها تغير أزياءها في الفكر والاعتقاد، كما تغير أزياءها في الملابس، وفق أهواء بيوت الأزياء! .. يراها تصرخ من الألم، وتجري كالمطارد، وتضحك كالمجنون، وتعربد كالسكير، وتبحث عن لاشيء! وتجري وراء أخيله! وتقذف بأثمن ما تملك، وتحتضن أقذر ما تمسك به يداها من أحجار وأوضار! لعنة! لعنة كالتي تتحدث عنها الأساطير! إنها تقتل "الإنسان" وتحوله إلى آلة .. لتضاعف الإنتاج!

إنها تقضي على مقوماته "الإنسانية" وعلى إحساسه بالجمال والخلق والمعاني السامية لتحقيق الربح لعدد قليل من المرابين وتجار الشهوات، ومنتجي الأفلام السينمائية وبيوت الأزياء.

وتنظر إلى وجوه الناس، ونظراتهم، وحركاتهم، وأزيائهم، وأفكارهم، وآرائهم، ودعواتهم. فيخيل إليك أنهم هاربون! مطاردون! لا يلوون على شيء، ولا يتثبتون من شيء! ولا يتريثون ليروا شيئاً ما رؤية واضحة صحيحة .. وهم هاربون فعلاً! هاربون من نفوسهم التي بين جنوبهم! هاربون من نفوسهم الجائعة القلقة الحائرة، التي لا تستقر على شيء "ثابت" ولا تدور على محور ثابت، ولا تتحرك في إطار ثابت.. والنفس البشرية لا تستطيع أن تعيش وحدها شاذة عن نظام الكون كله. ولا تملك أن تسعد وهي هكذا شاردة تائهة، لا تطمئن إلى دليل هاد، ولا تستقر على قرار مربح!

وحول هذه البشرية المنكودة زمرة من المستنفعين بهذه الحيرة الطاغية، وهذا الشرود القاتل.. زمرة من المرابين، ومنتجي السينما، وصانعي الأزياء والصحفيين، والكتاب.. يهتفون لها بالمزيد من الصرع والتخبط والدوار، كلما تعبت وكلت خطاها، وحنت إلى المدار المنضبط والمحور الثابت، وحاولت أن تعود!

زمرة تهتف لها .. التطور .. الانطلاق .. التجديد .. بلا ضوابط ولا حدود .. وتدفعها بكلتا يديها إلى المتاهة كلما قاربت من المثابة .. باسم التطور .. وباسم الانطلاق .. وباسم التجديد.. إنها الجريمة. الجريمة المنكرة في حق البشرية كلها. وفي حق هذا الجيل المنكود( )!

وفكرة "التطور" المطلق، لكل الأوضاع، ولكل القيم، ولأصل التصور الذي ترجع إليه القيم. فكرة تناقض –كما قلنا- الأصل الواضح في بناء الكون، وفي بناء الفطرة. ومن ثم ينشأ عنها الفساد الذي لا عاصم منه .. إنها تمنح حق الوجود، ومبرر الوجود، لكل تصور، ولكل قيمة، ولكل وضع، ولكل نظام. ما دام تالياً في الوجود الزمني! وهو مبرر تافه، عرضي، لا ينبغي أن يكون له وزن في الحكم على تصور أو وضع أو قيمة أو نظام. إنما ينبغي أن يكون الوزن لمقومات ذاتية في ذات الوضع أو ذات النظام.

ونحن نعرف أن الفكر الأوربي – في هروبه من الكنيسة، ورغبته الخفية والظاهرة في خلع نيرها- قد مال إلى نفي فكرة "الثبات" –على الإطلاق- واستعاض عنها فكرة "التطور" –على الإطلاق- لم يستثن منها أصل العقيدة والشريعة. بل لقد كانت فكرة ثبات مقومات العقيدة والشريعة بالذات هي التي يريد التفلت منها والتملص والخلاص!

وسلوك الفكر الغربي هذا المسلك مفهوم لنا جيداً من خلال الاستعراض السابق. وما يفسره – وإن لم يكن له ما يبرره على إطلاقه – ونحن لا نشتد في لوم الفكر الغربي على موقفه هذا. وإن يكن موقفاً خاطئاً معيباً. فقد صادف عقيدة محرفة مشوهة مشوبة بالوثنيات والأساطير منذ اللحظة الأولى. ثم واجه كنيسة مستبدة فاسدة في الوقت ذاته، تستطيل على الفكر والعلم والناس باسم هذه الخرافات التي تجعلها أساس العقيدة "الثابتة"! نحن لا نشتد في لوما لفكر الغربي على هذا الموقف. ولكننا –في الوقت ذاته- يجب أن نفطن إلى الأسباب الحقيقية لجنوح الفكر الغربي – أو جموحه- لتغليب فكرة "التطور" المطلق، الذي لا يتقيد بأي أصل ثابت، ولا بأية قيمة ثابتة، ولا بأية حقيقة ثابتة. فليست هذه "حقيقة علمية" وإنما هي شهوة جامحة، وهوى شارد، مبعثه الرغبة في التملص من وثاق الكنيسة الجبار!

إن دارون – وهو يقرر مذهب التطور في خط سير الحياة – لم يكن يبحث، ولم يكن بحثه يتناول، إلا جزئية سطحية من جزئيات هذا الكون، تبدأ بعد وجود الحياة. ولا تمتد إلى مصدر الحياة، ولا إلى الإرادة التي صدرت عنها الحياة.. وحتى على فرض صحة نظريته – والآن توجه معاول الهدم إلى صلب النظرية( ) – فإن خط التطور يثبت أن هناك إرادة ثابتة من ورائه. وأنه يتم وفق خط مرسوم لا مجال للمصادفة فيه. وأنه جزء من "الحركة" التي هي قانون من قوانين الكون. وحركة الكون كما قلنا ليست فوضى، وإنما هي تتم حول قاعدة "ثابتة" وتتم في إطار "ثابت!".

وعلى أية حال فلم يكن لا "المنهج العلمي" ولا "الحقائق العلمية" هي التي أملت على دارون – حين لم يهتد إلى سر الحياة، ولم يستطع تعليلها علمياً- أن يهرب من ردها إلى الله. ووجودها ذاته يحتم الاعتراف بأن موجدها لابد أن يكون مريداً مختاراً فيما يريد، عليماً خبيراً، قادراً على تحقيق ما يريد .. ولكن دارون كان هارباً من "الله" لأنه كان هارباً من الكنيسة وإلهها الذي تصول باسمه وتجول .. ومن ثم رد الحياة إلى "الطبيعة" – التي لا حد لقدرتها كما يقول! ومن ثم حاول أن يوهم أن لا ثبات لشيء –على الإطلاق- بينما بحثه كله كان في دائرة خط سير الحياة. بعد وجود الحياة. ولم يكن يتناول "كل شيء" على الإطلاق( )!

والمذهب الماركسي، هو أشد المذاهب "الوضعية" معارضة لحقيقة "الحركة داخل إطار ثابت وحول محور ثابت"، لأن الاعتراف بهذه الحقيقة البارزة في طبيعة الكون "المادي" ذاته، يفقد المذهب ركيزته الأولى التي يقوم عليها، ويحطم دعواه في "التقدمية" كما يفهمها!

"وماركس له جدل (Dialektik) ومنطق استخدم فيه مبدأ "النقيض" الذي عرف للفيلسوفين الألمانيين قبله: نيتشه وهيجل. ولكن استخدمه في مجال آخر غير مجال "التصور" عند نيتشه وغير مجال "الفكرة" عند هيجل استخدمه في مجال "الاقتصاد" مستنداً إلى تاريخ الجماعة.

" فكل "شيء" في نظره يتضمن نقيضه. بحيث أن كل "شيء" يهدم نفسه.. وهذا هو التصوير العام لمبدأ النقيض .. ولكن ماركس يستخدمه للتدليل على وقوع انهيار "الجماعات" التي قامت على "الرأسمالية". فالجماعات السابقة عليها. وهي دول الملوك، والجماعات الإقطاعية (أصحاب المزارع الكبيرة) انهارت – بناء على تفكير ماركس – لأنها تضمنت عنصر المقابلة أو النقيض. وعلى هذا النحو كذلك ستنهار هذه الجماعة الحديثة "الرأسمالية" وتتحول إلى المقابل والنقيض. وهو الجماعة "الشيوعية" ذات الطبقة الواحدة من العمال.

"ومع أن مبدأ النقيض لا يقف بتحول الشيء إلى مقابله فقط. بل سيتحول الشيء ومقابله إلى جامع لهما. ثم هذا الجامع يصير إلى "شيء" يتحول أيضاً إلى مقابلة. ثم إلى جامع … وهكذا. مع أن منطق هذا المبدأ هو الاستمرار في التحول .. فالماركسية تقف بترقب تحول الجماعة. ولا تتحدث – فضلاً عن أن تترقب – عن انهيار الجماعة الشيوعية وسقوطها، وهدم نفسها في جماعة مقابلة. بناء على أن كل شيء يتضمن نقيض نفسه، وفيه عامل الهدم لنفسه!!

… "وكنتيجة لهذا (أي للتحول الدائم الذي يقف به ماركس عند الشيوعية تحكماً وهوىً) أن الذي يعتقد بالقيم الأزلية هو مصدق بأشياء لا توجد. حتى هؤلاء الذين يعتقدون أن بعض القيم للوقت الحاضر، أو للحال الراهن، يجب أن يحتفظ بها، هم مصدقون بما لا يقع. فإذا اعتقد شخص أن كل شيء يتغير. فمن السذاجة أن يكون محافظاً"!

"وعلى نحو صنيع هيجل في صياغة مبدأ النقيض، توضح الماركسية أن كل شيء يتضمن قوتين رئيسيتين متقابلتين: واحدة تسمى "الدعوى" والأخرى تسمى "مقابل الدعوى". وهاتان القوتان تهدم إحداهما الأخرى. ولكن ينشأ من الهدم حالة جديدة تسمى "جامع الدعوى ومقابلها" ثم يسقط هذا الجامع ويتحول إلى مقابله. وعندئذ نحصل على دعوى ومقابل الدعوى من جديد. ثم ينشا من تقابلهما وتناقضهما جامع جديد. في تسلسل لا نهاية له( ).

وصياغة مبدأ النقيض في هذه العبارات تناسب تطبيقه في دائرة "الجماعة" التي اختارتها الماركسية مجالاً للتطبيق. كما تناسب "الصراع" بين الطبقات في الجماعة، التي حرصت هي أيضاً على أن يكون مصطلحاً لها، بدلاً عن "التقابل" بين الشيء ومقابله، الذي اصطلح عليه نيتشه وهيجل من قبل في شرح النقيض.

"واستخدام مبدأ النقيض في دائرة "الجماعة" –كما اختارت الماركسية- يعطيها دليلاً على أن الشيوعية –كجماعة- هي أسمى في القيمة من كل جماعة وجدت سابقاً! فالجماعة ذات النظام الملكي سقطت، وتحولت إلى الجانب المقابل- وهو حكام الملك من جانب والعبيد والفقراء من جانب آخر – ومن الكفاح بين الفريقين المتقابلين تكوَّن الجامع بين الشيء ومقابله –وهو الجماعة الإقطاعية- وبعد ذلك سقط الإقطاع في القوة المقابلة – وهي قوة الملاك من جانب والفلاحين من جانب آخر- ومن الكفاح بين الملاك والفلاحين نشأت الرأسمالية .. وتريد الماركسية أن تقول الآن:إن الرأسمالية (في الصناعة) ستسقط في القوة المقابلة – وهي قوة العمال من جانب وأصحاب العمل من جانب آخر – والجماعة الجديدة هي الجماعة الاشتراكية الماركسية ذات الطبقة الواحدة! "ولكن أيقف "مبدأ النقيض" عند هذه الجماعة الجديدة؟ أم ستسقط هي بدورها في مقابل لها – كما هي ضرورة منطق هذا المبدأ- كضرورة حتمية في الوجود؟!

"وانتقال الجماعة من حال إلى حال يصحبه في نظر الماركسية التطور في "القيمة" فالإقطاع أسمى من دولة الملك. والرأسمالية أسمى من الإقطاع. والشيوعية أسمى من الجماعات الرأسمالية!

"وادعاء أن كل جماعة أسمى من سابقتها مصدر براق للدعاية الشيوعية. وكثير من الناس يصيرون أتباعاً للشيوعية، لأنهم يعتقدون أنهم يعملون من أجل عالم أحسن من أي عالم وجد قبل ذلك"( )!!! وظاهر من هذا العرض لأصول المذهب الماركسي أنه قائم على "التحكم" الذي تمليه الرغبة في الوصول إلى نتائج معينة مرسومة من قبل! لا على الواقع. ولا على تتبع هذا الواقع.

فمبدأ النقيض ابتداء – كما هو في فلسفة نيتشه وهيجل – مجرد "تحكم" تصوري فكري، لا رصيد له من الواقع –كما أسلفنا- وحين يطبقه كارل ماركس على تاريخ الجماعة البشرية، يعتمد أولاً أن يسقط جميع "مقومات" الجماعات البشرية، التي يمكن أن يجري فيها التحول – إذا صح مبدأ النقيض – ويعتمد فقط المقوّم الاقتصادي ويشرح التحول فيه – وهو على كل أهمية- لا يمثل كل مقومات الحياة الإنسانية.. ثم هو بعد ذلك كله يعتمد تاريخ جماعة معينة – هي الجماعة الأوربية- ثم هو يتحكم في تاريخ هذه الجماعة الخاصة. فيختار نقطاً معينة فيه. فضلاً على استحالة إدراك فرد واحد، في جيل من الأجيال، لجميع العوامل والمؤثرات التي لعبت أدوارها في حياة هذه الجماعة على مدار القرون! فيختار مظهراً واحداً من مظاهر نشاطها ويهمل سائر المظاهر! ثم يتحكم مرة رابعة أو خامسة أو عاشرة، فيعتبر أن كل وضع تال خير من الوضع السابق له على الإطلاق. ومع ذلك لا يريد أن يدع العجلة تمضي إلى وضع خير من الشيوعية .. بل يوقف سير التاريخ عند هذه النقطة! ويضحي بالخير الآتي !!!

ومع هذا التهافت في بناء المذهب على مجرد التحكم والهوى، فقد صحبته لوثة في وزن القيم لم تقتصر على معتنقيه، بل تجاوزتهم إلى المعارضين له كذلك: في أوربا وفي أمريكا! لوثة التخلي عن كل ما هو سابق، والتقاط كل ما هو لاحق. ولوثة التحلل من كل قيمة تصد الشهوات عن الانطلاق بلا حدود ولا قيود. ولوثة السخرية من ثبات القيم الأخلاقية وغير الأخلاقية. اللوثة التي كان للماركسية من ورائها هدف خاص، وغاية مرسومة سلفاً. ولم تكن هي بذاتها نتيجة منطقية لأية دراسة "علمية"!

فالتطور المطلق هو مجرد عملية تبرير لكل ما يراد عمله. وهو أولاً وقبل كل شيء عملية تبرير لما تريده "الدولة" بالأفراد، بحيث لا يكون هناك مبدأ ثابت، ولا قيمة ثابتة، يلوذ بها الأفراد في مواجهة الدولة. وبحيث لا يكون هناك "حق ثابت" يفئ إليه الجميع، ولا دستور ثابت يتحاكم إليه الجميع!

وفي نظير إطلاق يد الدولة تجاه الأفراد من كل قيد، تطلق الدولة "شهوات" الأفراد من كل قيد. ليجدوا في هذا الانطلاق "الحيواني" تعويضاً عن قيمهم المسلوبة، وحرياتهم المسلوبة، وحقوقهم المسلوبة!

انطلاق حيواني للشهوات، يقابله انطلاق استبدادي للسلطة.. واحدة بواحدة .. وبدلاً من أن تقوم هذه الصفقة على مجرد الاصطلاح العرفي الصامت بين الفريقين! فإنها تقوم على مبدأ "فلسفي"! وعلى مذهب "علمي"! تقوم على "مبدأ النقيض" وتقوم على "المادية الجدلية"!

وهذا هو المذهب الذي يزعم أن "الدين مخدر" وأن ثبات القيم في الدين مقصود به خدمة الطبقة الحاكمة! إن "الثبات" في مقومات التصور الإسلامي وقيمه – فضلاً على أنه امتداد للنظام الكوني- هو الذي يضمن للحياة الإسلامية خاصية "الحركة داخل إطار ثابت حول محور ثابت" فيضمن للفكر الإسلامي وللحياة الإسلامية مزية التناسق مع النظام الكوني العام، ويقيه شر الفساد الذي يصيب الكون كله لو اتبع أهواء البشر، بلا ضابط من قاعدة ثابتة لا تتأرجح مع الأهواء.

وهو الذي يقي الفكر الإسلامي ويقي المجتمع الإسلامي مثل تلك اللوثة في الفكر الماركسي وفي الجماعة الشيوعية. وهي اللوثة ذاتها التي أصابت الفكر الغربي والمجتمعات الغربية بصفة عامة – حتى وهي تعارض الماركسية من الناحية المذهبية والسياسية – وذلك منذ أفلتت من نطاق العقيدة، في ظل تلك الملابسات النكدة..

وهو الذي يبث الطمأنينة في الضمير المسلم، وفي المجتمع المسلم .. الطمأنينة إلى ثبات الإطار الذي تتحرك فيه حياته، وثبات المحور الذي تدور حياته حوله. فيشعر أن حركته إلى الأمام، ثابتة الخطو، موصولة الخيط، ممتدة من الأمس إلى اليوم إلى الغد. نامية مطردة النمو. صاعدة في المرتقى المرسوم، بالتقدير الإلهي القويم. ثم هو –في النهاية- الذي يضمن للمسلم في المجتمع الإسلامي مبادئ ثابتة يتحاكم إليها هو وحكامه على السواء. فلا يطلق هؤلاء أيديهم في مقوماته وحرياته وحقوقه، في مقابل أن يطلقوا هم حرية الشهوات والنزوات الحيوانية للجماهير المكبوتة في قماقم الاستبداد!

وبعد فإن التصور الإسلامي – من ثم- يقوم على أساس أن هناك حالتين اثنتين للحياة البشرية. ولا علاقة للزمان أو للمكان في تقدير قيمة هاتين الحالتين. إنما القيمة لذات كل حالة. ولوزنها في ميزان الله الثابت، الذي لا يتأثر بالزمان والمكان..

حالتان اثنتان تتعاوران الحياة البشرية على مدى الزمان واختلاف المكان: حالة الهدى وحالة الضلال – مهما تنوعت ألوان الضلال – حالة الحق وحالة الباطل – مهما تنوعت ألوان الباطل – حالة النور وحالة الظلام- مهما تنوعت ألوان الظلام- حالة الشريعة وحالة الهوى مهما تنوعت ألوان الهوى – حالة الإسلام وحالة الإسلام وحالة الجاهلية – مهما تنوعت ألوان الجاهلية- حالة الإيمان وحالة الكفر – مهما تنوعت ألوان الكفر – وإما يلتزم الناس الإسلام ديناً (أي منهجاً للحياة ونظاماً) وإلا فهو الكفر والجاهلية والهوى والظلام والباطل والضلال.

"إن الدين عند الله الإسلام" …(آل عمران: 19)

"ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه" …(آل عمران: 85)

"فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ …(يونس: 32)

"ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون" …(الجاثية: 18)

"وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله"…(الأنعام: 153)

"الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور. والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات" …(البقرة: 257)

"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"…(المائدة: 44)

"أفحكم الجاهلية يبغون؟ ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون؟"(المائدة: 50)

"فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر" ..(النساء: 59)

فإذا ثبت هذا الإطار استطاعت الحياة – فكرة وتصوراً وواقعاً ونظاماً – أن تتحرك في داخله بحرية ومرونة، واستجابة لكل تطور فطري صحيح، مستمد من التصور الكلي الثابت القويم.

والقيمة الكبرى لهذه الخاصية، هي تثبيت الأصل الذي يقوم عليه شعور المسلم وتصوره، فتقوم عليه الحياة الإسلامية والمجتمع الإسلامي في استقرار وثبات. مع إطلاق الحرية للنمو الطبيعي في الأفكار والمشاعر، وفي الأنظمة والأوضاع. فلا تتجمد في قالب حديدي ميت – كالذي أرادته الكنيسة في العصور الوسطى – ولا تنفلت كذلك من كل ضابط انفلات النجم الهالك من مداره وفلكه! وانفلات القطيع الشارد في المهلكة المقطوعة! كما صنعت أوربا في تاريخها الحديث، حتى انتهت إلى ذلك التفكير الشائه!

ولعل هذه الخاصية هي التي ضمنت للمجتمع الإسلامي تماسكه وقوته مدى ألف عام. على الرغم من جميع الهزات، ومن جميع الضربات، ومن جميع الهجمات الوحشية عليه من أعدائه المحيطين به في كل مكان .. ولم يبدأ تفككه وضعفه إلا منذ أن تخلى عن هذه الخاصية في تصوره، وإلا منذ أن أفلح أعداؤه في تنحية التوجيه الإسلامي، وإحلال التوجيهات الغربية مكانه في العالم الإسلامي( ).

ومما لا شك فيه أن المجتمع الذي يجري دائماً وراء تصورات متقلبة أبداً، لا تستند إلى أصل ثابت إطلاقاً، تنبع من الفكر البشري المحدود المعرفة، الظنى المعرفة كذلك، الذي يبني علمه –مهما علم- على الظن والحدس والخرص، والفروض المتقلبة أبداً .. ثم يجعل من هذا العلم الظني إلهاً، او يجعل من الهوى المتقلب إلهاً، يتلقى منه التصورات والقيم والموازين.

مما لا شك فيه أن مجتمعاً كهذا معرض دائماً للهزات العنيفة، والأرجحة المستمرة، التي تنشئ في عقله الحيرة، وفي ضميره البلبلة، وفي أعصابه التعب، وفي حياته الشرود، وفي كيانه الفساد.

وهذا هو الذي حدث في المجتمعات الأوروبية المفلتة من كل أصل ثابت. وهذا هو الذي تشقى به البشرية كلها اليوم. وهي تخبط في التيه، وراء المجتمعات الأوروبية الشاردة( )!

لابد من تصور ثابت المقومات والقيم، يجئ من مصدر ثابت العلم والإرادة! مصدر يرى المجال كله، والخط كله، فلا تخفى عليه منحنيات الدرب، ولا يقدر اليوم تقديراً يظهر في غد خطؤه ونقصه، ولا تتلبس به شهوة أو هوى يؤثر في موازينه وتقديراته .. ولا ضير بعد هذا من الحركة، والتغير، والتطور، والنمو والترقي.. بل تصبح كلها مطلوبة، وتصبح كلها مأمونه، وتصبح كلها تلبية للفطرة: القائمة على الحركة داخل إطار ثابت حول محور ثابت. ولكنها حركة راشدة واعية، مدركة للغاية الثابتة التي تتجه إليها، في خطو متزن، مستقيم راسخ.. وهذا هو ضمان الحياة الطويلة المدى، المتناسقة التصميم.

ولا نحتاج إلى الحيطة ضد التجمد في قالب حديدي، ونحن نستمسك بهذه الخاصية في التصور الإسلامي – خاصية الحركة داخل إطار ثابت حول محور ثابت – فخاطر التجمد لا يرد على مثل هذا التصور، ولا على الحياة التي تتحرك في إطاره. فالحركة كما قلنا هي القاعدة فيه، كما أنها هي القاعدة في التصميم الكوني. والكون لا يتجمد ولا يأسن ولا يفسد ولا يركد. فهو في حركة دائمة، وفي تغير دائم، وفي تطور دائم، وفي تشكل مستمر في كل لحظة. ولكنه يتحرك مع استبقاء حقيقته الأصيلة كما قلنا في مطلع هذه الفقرة.

وحين نطالع مذاهب الفكر الغربي، فنرى الطابع الغالب عليها هو اعتبار "التطور" المطلق – دون الرجوع إلى أي أصل ثابت – فيجب أن نكون واعين للعوامل التاريخية التي جعلت هذا الفكر يجنح –أو يجمح- هكذا. ويجب أن نفطن لما اندس في هذا الفكر من عداء عميق كامن للتفكير الديني على الإطلاق، والأسباب القابعة وراء هذا العداء. ويجب أن ندرك أن مناهج هذا الفكر – بما اندس في صلبها من هذا العداء – لا تصلح للتطبيق على مناهجنا الإسلامية، ولا تصلح للاستعانة بها في بحوثنا الإسلامية كذلك!

إننا نقتبس من هذا الفكر – تارة مناهجه، وتارة النتائج التي وصل إليها، وتارة رقعاً ممزقة منه – ثم نخلط هذا كله بحديثنا عن الإسلام، أو عن المجتمع، أو عن مناهج الفكر والنظر.. وهذه كلها جهالة تتباهي وهي تتبدى في ثياب المعرفة! وأحياناً يضاف إلى الجهالة التفاهة وسوء النية كذلك!

يقول الأستاذ المهتدي محمد أسد (ليوبولدفايس) في كتابه القيم: (الإسلام على مفترق الطرق":

"يخبرنا التاريخ أن جميع الثقافات الإنسانية، وجميع المدنيات، أجسام عضوية تشبه الكائنات الحية.. إنها تمر في جميع أدوار الحياة العضوية، التي يجب أن تمر بها. إنها تولد، ثم تشب وتنضج، ثم يدركها البلى في آخر الأمر. فالثقافات كالنبات الذي يذوى ثم يستحيل تراباً. تموت في أواخر أيامها، وتفسح المجال لثقافات أخر ولدت حديثاً. "أهذه إذن حال الإسلام؟ ربما ظهرت كذلك عند إلقاء أول نظرة سطحية.. مما لا شك فيه أن الثقافة الإسلامية شهدت نهضة مجيدة، وعهداً من الازدهار. وكان لها من القوة ما يلهم الرجال جلائل الأعمال، وأنواع التضحية. ولقد غيرت معالم الشعوب، وخلقت دولاً جديدة .. ثم سكنت وركدت، وأصبحت كلمة جوفاء .. وها نحن أولاء اليوم نشهد انحطاطها التام وانحلالها .. ولكن هل هذا كل ما في الأمر؟

"إذا كنا نعتقد أن الإسلام ليس مدنية من المدنيات الأخر، وليس نتاجاً بسيطاً لآراء البشر وجهودهم، بل هو شرع سنة الله لتعمل به الشعوب في كل مكان وزمان، فإن الموقف يتبدل تماماً.

"وإذا كانت الثقافة الإسلامية – في اعتقادنا – نتيجة لاتباعنا شرعاً منزلاً.. فإننا حينئذ لا نستطيع أبداً أن نقول: إنها كسائر الثقافات، خاضعة لمرور الزمن، ومقيدة بقوانين الحياة العضوية .. ثم إن ما يظهر انحلالاً في الإسلام ليس إلا موتاً وخلاء يحلان في قلوبنا، التي بلغ من خمولها وكسلها أنها لا تستمع إلى الصوت الأزلي .. ثم ليس ثمة علامة ظاهرة تدل على أن الإنسانية – مع نموها مع الحاضر- قد استطاعت أن تشب عن الإسلام.. إنها لم تستطع أن تبني فكرة الإخاء الإنساني على أساس عملي، كما استطاع الإسلام أن يفعل، حينما أتى بفكرة القومية العليا: "الأمة" .. إنها لم تستطع أن تشيد صرحاً اجتماعياً يتضاءل التصادم والاحتكاك بين أهله فعلاً على مثال ما تم في النظام الاجتماعي الإسلامي .. إنها لم تستطع أن ترفع قدر الإنسان، ولا أن تزيد في شعوره بالأمن، ولا في رجائه الروحي وسعادته.

"ففي جميع هذه الأمور نرى الجنس البشري في كل ما وصل إليه، مقصراً كثيراً عما تضمنه المنهج الإسلامي .. فأين ما يبرر القول إذن بأن الإسلام قد ذهبت أيامه؟ أذلك لأن أسسه دينية خالصة. والاتجاه الديني زي غير شائع اليوم؟ ولكن إذا رأيناً نظاماً بني على الدين، قد استطاع أن يقدم منهاجاً عملياً للحياة أتم وأمتن وأصلح للمزاج النفساني في الإنسان، من كل شيء آخر يمكن العقل البشري أن يأتي به عن طريق الإصلاح والاقتراح .. أفلا يكون هذا نسه حجة بالغة في ميدان الاستشراف الديني؟

"لقد تأيد الإسلام – ولدينا جميع الأدلة على ذلك – بما وصل إليه الإنسان من أنواع الإنتاج الإنساني، لأن الإسلام كشف عنها، وأشار إليها، على أنها مستحبة، قبل أن يصل إليها الناس بزمن طويل. "ولقد تأيد أيضاً –على السواء- بما وقع في أثناء التطور الإنساني من قصور وأخطاء وعثرات. لأنه كان قد رفع الصوت عالياً واضحاً بالتحذير منها، من قبل أن تتحقق البشرية أن هذه أخطاء.. وإذا صرفنا النظر عن الاعتقاد الديني نجد – من وجهة نظر عقلية محض – كل تشويق إلى أن نتبع الهدي الإسلامي، بصورة عملية، وبثقة تامة"…

…. " نحن لا نحتاج إلى فرض إصلاح على الإسلام – كما يظن بعض المسلمين- لأن الإسلام كامل بنفسه من قبل. أما الذي نحتاج إليه فعلاً، فهو إصلاح موقفنا من الدين، بمعالجة كسلنا، وغرورنا، وقصر نظرنا، وبكلمة واحدة: معالجة مساوئنا …

… "إن الإسلام – كمؤسسة روحية واجتماعية- غنى عن كل تحسين. وإن كل تغيير في مثل هذه الحال يطرأ على مدركاته، وعلى تنظيمه الاجتماعي، بافتئات من ثقافة أجنبية -ولو بإشراق ضئيل- سيكون مدعاة إلى الأسف الشديد، وسترجع الخسارة حتماً علينا نحن"( ).

ونحن نقول، إن الخسارة لن ترجع علينا – نحن المسلمين وحدنا- ولكنها سترجع على البشرية كلها .. سترجع على البشرية كلها بتشويه وتحريف المصدر الوحيد الباقي لها من هداية الله. وتكدير – أو تسميم – المورد الوحيد، الذي يمكن أن تستقي منه الهدى الرباني الخالص .. وسترجع البشرية كلها بحرمانها هذه المثابة الثابتة المستقرة، في الأرض المرجرجة التي تمور بالأهواء. والتي ظهر فيها الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس. ولم تعد لها منجاة إلا في هذه المثابة الآمنة المستقرة، الموصولة بالله..

والذين يحاولون زعزعة هذه المثابة .. سواء باسم التجديد والإصلاح والتطور، أو باسم التخلص من مخلفات القرون الوسطى! أو تحت أي شعار آخر، هم: أعداؤنا الحقيقيون. هم أعداء الجنس البشري. وهم الذين ينبغي أن نطاردهم، وأن نطلب إلى الجنس البشري مطاردتهم كذلك!

إنهم يتحدثون باسم "التقدمية" ضد "الرجعية" في حين أنهم لا يزالون يقتاتون على نتاج القرن التاسع عشر، أو القرن الثامن عشر – نتاج أوربا لا نتاجهم! – ولم يصلوا بعد إلى نتاج القرن العشرين" إنهم متخلفون في تفكيرهم نصف قرن على الأقل. لم يعلموا بعد أن التفكير المضاد للماركسية، وللحيوانية، قد أخذ يبدو كظاهرة عامة في الفكر الأوربي نفسه، بينما هم يتعبدون لمادية وجدلية الفكر الماركسي ومشتقاته! ولنشوء وارتقاء دارون ومشتقاته! إنهم "رجعيون" يزعمون أنهم "تقدميون"! بينما "التقدمية" الحقيقية اليوم تجد نفسها مضطرة أن تعود إلى الدين. تتطلب عنده الطمأنينة والراحة واليقين. بعد الحيرة والقلق والشرود خلال ثلاثة قرون!

ونحن الذين وقانا الله شر تلك الملابسات التاريخية التي شردت الفكر الغربي في مجاهل التيه.. نكون أحمق الحمقى إذا نحن شردنا في التيه مختارين بدون عذر ولا سبب ولا ملابسة من ملابسات التاريخ!

ولا نكون مضيعين لأنفسنا في التيه فحسب، بل نكون مضيعين للبشرية كلها، حين نُفقدها المثابة الثابتة، التي يمكن أن تفئ إليها ذات يوم. فنجد عندها الأمن والطمأنينة والاستقرار، بعد طول الشرود والقلق والعثار. فلنقدر تبعتنا الخطيرة تجاه أنفسنا وتجاه البشرية كلها في هذا الأمر الخطير.

والخاصية الثالثة من خصائص التصور الإسلامي هي .. الشمول .. وهي كذلك ناشئة من طبيعة الخاصية الأولى: خاصية أنه رباني، من صنع الله لا من صنع الإنسان.. والشمول طابع الصنعة الإلهية الأصيل!

فالإنسان لأنه أولاً محدود الكينونة من ناحية الزمان والمكان .. إذ هو حادث زمن، يبدأ بعد عدم، وينتهي بعد حدوث. ومتحيز في مكان، سواء كان فرداً أو كان جيلاً أو كان جنساً، لا يوجد إلا في مكان، ولا ينطلق وراء المكان – كما أنه لا يوجد إلا في زمان ولا ينطلق وراء الزمان – ولأنه محدود الكينونة من ناحية العلم والتجربة والإدراك .. يبدأ علمه بعد حدوثه، ويصل من العلم إلى ما يتناسب مع حدود كينونته في الزمان والمكان، وحدود وظيفته كذلك –كما أسلفنا- ولأنه فوق أنه محدود الكينونة – بهذه الاعتبارات كلها- محكوم بضعفه وميله وشهوته ورغبته – فوق ما هو محكوم بقصوره وجهله…

الإنسان وهذه ظروفه، حينما يفكر في إنشاء تصور اعتقادي من ذات نفسه، أو في إنشاء منهج للحياة الواقعية من ذات نفسه كذلك، يجئ تفكيره محكوماً بهذه السمة التي تحكم كينونته كلها .. يجئ تفكيره جزئياً .. يصلح لزمان ولا يصلح لآخر. ويصلح لمكان ولا يصلح لآخر. ويصلح لحال ولا يصلح لآخر، ويصلح لمستوى ولا يصلح لآخر .. فوق أنه لا يتناول الأمر الواحد من جميع زواياه وأطرافه، وجميع ملابساته وأطواره، وجميع مقوماته وأسبابه .. لأنه هذه كلها ممتدة في الزمان والمكان، وممتدة في الأسباب والعلل، وراء كينونة الإنسان ذاته، ومجال إدراكه .. وذلك كله فوق ما يعتور هذا التفكير من عوامل الضعف والهوى وهما سمتان إنسانيتان أصيلتان!

وكذلك لا يمكن أن تجئ فكرة بشرية، ولا أن تجئ منهج من صنع البشرية يتمثل فيه "الشمول" أبداً .. إنما هو تفكير جزئي. وتفكير وقتي. ومن جزئيته يقع النقص، ومن وقتيته يقع الاضطراب الذي يختم التغيير، ويتمثل في الأفكار التي استقل البشر بصنعها، وفي المناهج التي استقل البشر بوضعها دوام "التناقض" أو دوام "الجدل" المتمثل في التاريخ الأوربي!

فأما حين يتولى الله –سبحانه- ذلك كله .. فإن التصور الاعتقادي، وكذلك المنهج الحيوي المنبثق فيه، يجيئان بريئين من كل ما يعتور الصنعة البشرية من القصور والنقص والضعف والتفاوت .. وهكذا كان "الشمول" خاصية من خواص "التصور الإسلامي".

وتتمثل خاصية الشمول التي يتسم بها هذا التصور في صور شتى:

إحدى هذه الصور وأكبرها: رد هذا الوجود كله .. بنشأته ابتداء، وحركته بعد نشأته، وكل انبثاقة فيه، وكل تحور وكل تغير وكل تطور. والهيمنة عليه وتدبيره وتصريفه وتنسيقه .. إلى إرادة الذات الإلهية السرمدية الأزلية الأبدية المطلقة .. هذه الذات. المريدة، القادرة، المطلقة المشيئة، المبدعة لهذا الكون، ولكل شيء فيه ولكل حي، ولكل حركة، وكل انبثاقة، وكل تحور، وكل تغير، وكل تطور. بقدر خاص .. وكل انبثاق وليد ..

وهذه هي حقيقة "التوحيد" الكبيرة، التي هي المقوّم الأول للتصور الإسلامي .. وتقرير هذه الحقيقة يشغل مساحة واسعة من القرآن الكريم. لا نملك أن نستعرضها هنا. فسيجئ بعضها عند ذكر خاصية "الإيجابية" في هذا القسم. كما سيجئ بعضها الآخر عند ذكر خاصية التوحيد في نهاية هذا القسم من البحث. ثم يجئ التفصيل الكامل بوصفها المقوّم الأول من مقوّمات التصور الإسلامي، في القسم الثاني من هذا البحث الخاص بالمقومات.

فنكتفي هنا بتقدير قيمة هذه الخاصية:

إن هذا التصور – عن طريق خاصية الشمول في صورتها هذه – يملك أن يعطينا تفسيراً مفهوماً. لوجود هذا الكون ابتداء. ثم لكل حركة فيه بعد ذلك وكل انبثاقة … ويعطينا -على الأخص- تفسيراً مفهوماً لانبثاق ظاهرة "الحياة" في المادة الصماء. وهي بدون شك شيء آخر غير المادة الصماء. شئ هائل. وشئ عجيب. وشئ مقصود. وبين خصائصه المادة الصماء من الأبعاد، ما يلي مباشرة ما بين العدم والوجود من الأبعاد.

إن هذا الكون يواجه الكينونة الإنسانية ابتداء بوجوده! ويتطلب منها إدراكاً وتفسيراً لهذا الوجود. ثم يواجهها بتناسقه وتوازنه وموافقاته العجيبة – التي يستحيل أن تأتي بها المصادفة- فللمصادفة كذلك قانون يستحيل معه أن تتجمع هذه الموافقات كلها مصادفة( ). ويتطلب منها إدراكاً وتفسيراً لهذا التناسق والتوازن والموافقات العجيبة!…

والحياة – كذلك تواجه الكينونة الإنسانية بعلامات استفهام كثيرة، لا تقل –إن لم تزد عمقاً- عن علامات الاستفهام التي يثيرها الكون بوجوده وبتناسقه:

هذه الحياة كيف انبثقت في المادة الميتة؟ وكيف سارت –وتسير- سيرتها هذه العجيبة المحوطة بآلاف الموافقات والموازنات والتقديرات المرسومة المحسوبة بهذا الحساب الدقيق؟

إن التصور الإسلامي هو –وحده- الذي يملك أن يقدم لنا التفسير المفهوم لكل هذه الموافقات في "تصميم الكون". هو الذي يملك أن يقدم لنا تفسيراً نواجه به كل علامة استفهام عن وجود هذا الكون ابتداء، وعن كل انبثاقة تقع فيه. كما أنه هو الذي يملك أن يفسر لنا سر انبثاق الحياة في المادة الميتة، وسر سيرتها هذه السيرة العجيبة. دون أن نضطر إلى الهروب من سؤال واحد، أو إلى المماحكة والمماحلة والإحلالة إلى جهات غير محددة المفهوم – كالإحالة إلى الطبيعة!

إن المسافة بين الوجود والعدم مسافة لا يكاد يعبرها العقل البشري. فكيف وجد هذا العالم؟ كيف وجدت هذه "الطبيعة" إن كانوا يعنون بها الوجود المادي؟ كيف يعبر العقل البشري هذه المسافة الهائلة إلا بالإحالة على الإرادة المبدعة، التي تقول للشيء: كن فيكون؟ إنه إذا لم يعترف بهذه الإرادة المبدعة عجز تماماً عن التعليل والتفسير. أو تخبط تخبط الفلاسفة في شتى العصور!

والمسافة بين المادة الجامدة والخلية الحية تلي المسافة التي بين الوجود والعدم. إنها كذلك مسافة هائلة لا يعبرها العقل البشري إلا بالإحالة على تلك الإرادة المبدعة، التي تنشئ ما تريد إنشاء، وتبدعه إبداعاً. إرادة الله "الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى".

والعقل البشري، والكينونة البشرية كلها تجد في هذا الجواب ما يريح. لأنه مفر من أن تجئ الحياة إلى المادة الميتة من مصدر آخر غير المادة الميتة الفاقدة للحياة. ففاقد الشيء لا يعطيه. ولا يمكن القول بأن الحياة خاصية من خواص المادة الكامنة فيها .. وإلا فكيف ظلت كامنة فيها ما لا يحصى من السنين، لتظهر في وقت معلوم، دون مدبر وراءها ودون قصد مرسوم؟!

وحسبنا هذه العجالة عن الكون والحياة في هذا الموضع، فسيجئ الكلام المفصل عنها في موضعه في القسم الثاني. ولنعد إلى خاصية الشمول التي نتحدث عنها، والتي تتجلى في رد كل شيء في هذا الكون إلى الله. وشمول إرادته وتدبيره وهيمنته وسلطانه لكل شيء.. فنورد بعض النصوص القرآنية التي ترسم هذه الخاصية:

"إنا كل شيء خلقناه بقدر"(القمر: 49)

"خلق كل شيء فقدره تقديراً"(الفرقان: 2)

"وكل شيء عنده بمقدار"(الرعد: 8)

"الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى"(طه: 50)

"إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون".(النحل: 40)

"إن ربكم الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استوى على العرش، يُغشى الليل النهار يطلبه حثيثاً، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، ألا له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين".(الأعراف: 54)

"وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون. والشمس تجري لمستقر لها. ذلك تقدير العزيز العليم. والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم. لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر، ولا الليل سابق النهار، وكل في فلك يسبحون".(يس: 37-40)

"والله خلق كل دابة من ماء. فمنهم من يمشي على بطنه، ومنهم من يمشي على رجلين، ومنهم من يمشي على أربع. يخلق الله ما يشاء. إن الله على كل شيء قدير" (النور: 45)

"وجعلنا من الماء كل شيء حي"(الأنبياء: 30)

"إن الله فالق الحب والنوى. يخرج الحي من الميت، ومخرج الميت من الحي. ذلك الله، فأنى تؤفكون! فالق الإصباح، وجعل الليل سكناً، والشمس والقمر حسباناً. ذلك تقدير العزيز العليم. وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر. قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون. وهو الذي أنشاكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع. قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون. وهو الذي أنزل من السماء ماء، فأخرجنا به نبات كل شيء، فأخرجنا منه خضراً، نخرج منه حباً متراكباً. ومن النخل من طلعها قنوان دانية، وجنات من أعناب، والزيتون والرمان مشتبهاً وغير متشابه. انظروا إلى ثمرة إذا أثمر وينعه، إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون".(الأنعام 95-99)

وحتى الأحداث التي يبدو فيها سبب قريب ظاهر، يعني التصور الإسلامي بردها إلى إرادة اله من وراء الأسباب القريبة.

"ونحن خلقناكم فلولا تصدقون؟ أفرأيتم ما تمنون؟ أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون؟ نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين. على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون. ولقد علمتم النشأة الأولى، فلولا تذكرون! .. أفرأيتم ما تحرثون! أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون؟ لو نشاء لجعلناه حطاماً فظلتم تفكهون! إنا لمغرمون! بل نحن محرومون! .. أفرأيتم الماء الذي تشربون؟ أأنتم أنزلتموه من المزن؟ أم نحن المنزلون؟ لو نشاء جعلناه أجاجاً فلولا تشكرون! .. أفرأيتم النار التي تورون؟ أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون؟ نحن جعلناها تذكرة ومتاعاً للموقين .. فسبح باسم ربك العظيم".(الواقعة: 57-74)

"فلم تقتلوهم، ولكن الله قتلهم. وما رميت –إذا رميت- ولكن الله رمى. ولِيُبلى المؤمنين منه بلاءً حسناً".(الأنفال: 17)

ولا نملك في هذا الموضع أن نمضي – أكثر من هذا – في تصوير خاصية الشمول في صورتها هذه – صورة التوحيد – فسيجئ تفصيلها في القسم الثاني من الكتاب عند الكلام عن "مقومات التصور الإسلامي" .. فحسبنا هذا المجمل في بيان هذه الخاصية..

وحسبنا أن نقول: إن التصور الإسلامي – عن طريق هذه الخاصية في صورتها هذه- يمنح القلب والعقل راحة وطمأنينة، واتصالاً بحقيقة المؤثرات الفاعلة في هذا الوجود – كما هي في عالم الحقيقة والواقع – ويعفى الفكر البشري من الضرب في التيه بلا دليل، ومن الإحالة على أسباب غير مضبوطة – وأحياناً غير موجودة- كالإحالة على "الطبيعة"! أو الإحالة على "العقل"! أو الإحالة على كائنات أسطورية كالتي تصورتها الوثنيات، وتلبست بها الفلسفات، على مدار التاريخ.

وذلك كله فضلاً على العنصر الأخلاقي الذي ينشئه هذا التصور ويثبته، في القلب البشري وفي الحياة البشرية. وهو يرد خيوط الكون والحياة كلها إلى يد الله، ورقابته، وهيمنته، وسلطانه (مما سنفصل الحديث عنه في خاصية الإيجابية).

وصورة أخرى من صور خاصية الشمول في التصور الإسلامي .. فهو كما يتحدث عن حقيقة الألوهية وخصائصها وآثارها وصفاتها، باعتبارها الحقيقة الأولى، والحقيقة الكبرى، والحقيقة الأساسية في هذا التصور.. كذلك يتحدث عن حقيقة العبودية وخصائصها وصفاتها. يتحدث عن هذه الحقيقة ممثلة في الكون، والحياة، والإنسان. فيتحدث عن حقيقة الكون، وعن حقيقة الحياة، وعن حقيقة الإنسان، ويتناول – في هذا الحديث- طبيعتها ونشأتها وصفاتها وأحوالها، وعلاقاتها فيما بينها، ثم علاقتها بالحقيقة الإلهية الكبرى.

ويربط بين مجموع تلك الحقائق، من جميع جوانبها، في تصور واحد منطقي فطري، يتعامل مع بديهة الإنسان وفكره ووجدانه، ومع مجموع الكينونة البشرية في يسر وسهولة.

وهكذا تتكون من مجموعة الحقائق التي يتناولها هذا التصور في شمول وسعة ودقة وتفصيل، وصورة كاملة شاملة، وتفسير جامع مفصل، لا يحتاج إلى إضافة من مصدر آخر. بل لا يقبل إضافة من مصدر آخر. لأنه أوسع وأشمل، وأدق وأعمق، وأكثر تناسقاً وتكاملاً من كل مصدر آخر..

ولقد وقع الفساد في التصور الإسلامي، ووقع التعقيد والتخليط، حينما شاء جماعة ممن عرفوا في التاريخ باسم "فلاسفة الإسلام" أن يستعيروا بعض التصورات الفلسفية الإغريقية، وبعض المصطلحات – وبخاصة من أرسطو وأفلوطين وبعض اللاهوتيين المسيحيين – ويدخلوها في جسم "التصور الإسلامي"!

إن هذا التصور من الشمول والسعة، ومن الدقة والعمق، ومن الأصالة والتناسق بحيث يرفض كل عنصر غريب عليه، ولو كان هذا العنصر "إصطلاحاً" تعبيرياً من الاصطلاحات التي تقتضيها أزياء التفكير الأجنبية. فكل اصطلاح له تاريخ معين، وله إيحاءات معينة مستمدة من ذلك التاريخ، ولا يمكن تجريده من هذه الملابسات، والزج به في مجال جديد، منقطع عن تاريخه.. وللتصور الإسلامي اصطلاحاته الخاصة المتفقة في طبيعة اشتقاقها اللغوي، وفي ملابساتها التاريخية والموضوعية، مع طبيعته وإيحاءاته .. وهذه ظاهرة دقيقة، تحتاج إلى حس لطيف، يدرك مقتضيات هذا التصور في الشعور، ومقتضياته كذلك في التعبير.

إن هذا التصور يقوم ابتداء على تعريف الناس بربهم تعريفاً دقيقاً كاملاً شاملاً يعرّفهم بذاته سبحانه، ويعرفهم بصفاته، ويعرفهم بخصائص الألوهية المتفردة، التي تَفْرِقها تماماً من خصائص العبودية. كما يعرفهم بأثر هذه الألوهية في الكون، وفي الناس، وفي جميع العوالم والأمم الحية. ويتم هذا التعريف على نطاق واسع جداً في القرآن الكريم، يصبح معه الوجود الإلهي في النفس البشرية، وجوداً أكيداً واضحاً، موحياً، مؤثراً، يأخذ النفس من أقطارها جميعاً، وتعيش معه النفس مشدودة إليه، لا تملك التفلت منه، ولا نسيانه، ولا إغفاله، لأنه من القوة والوضوح والفاعلية، بحيث يواجه النفس دائماً، ويتراءى لها دائماً، ويؤثر فيها دائماً:

"الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين".(الفاتحة: 2-4)

"الله لا إله إلا هو الحي القيوم. لا تأخذه سنة ولا نوم. له ما في السموات وما في الأرض. من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه؟ يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء. وسع كرسيه السماوات والأرض. ولا يؤوده حفظهما. وهو العلي العظيم".(البقرة: 255)

"الله لا إله إلا هو الحي القيوم. نزّل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه، وأنزل التوراة والإنجيل، من قبل هدى للناس، وأنزل الفرقان. إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد، والله عزيز ذو انتقام. إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء. لا إله إلا هو العزيز الحكيم". (آل عمران: 2-6)

"قل: اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير. إنك على كل شيء قدير. تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل، وتُخرج الحي من الميت وتُخرج الميت من الحي، وترزق من تشاء بغير حساب"(آل عمران: 26-27)

"قل: لمن ما في السماوات والأرض؟ قل: لله. كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه. الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون. وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم. قل: أعير الله أتخذ ولياً فاطر السماوات والأرض؟ وهو يُطعم ولا يُطعم. قل؛ إني أمرت أن أكون أول من أسلم، ولا تكونن من المشركين. قل: إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم. من يُصرف عنه يومئذ فقد رحمه، وذلك الفوز المبين. وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير. وهو القاهر فوق عباده، وهو الحكيم الخبير. قل: أي شيء أكبر شهادة؟ قل: الله شهيد بيني وبينكم، وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ. أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى؟ قل: لا أشهد. قل: إنما هو إله واحد، وإنني برئ ما تشركون" (الأنعام: 12-19)

"الله يعلم ما تحمل كل أنثى، وما تفيض الأرحام وما تزداد، وكل شيء عنده بمقدار. عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال. سواء منكم من أسرّ القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار. له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه –من أمر الله- إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد لهن وما لهم من دونه من وال. هو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً، وينشئ السحاب الثقال. ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء، وهم يجادلون في الله، وهو شديد المحال. له دعوة الحق، والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيْه إلى الماء ليبلغ فاه – وما هو ببالغه- وما دعاء الكافرين إلا في ضلال. ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال. قل: من رب السماوات والأرض؟ قل: الله. قل: أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً؟ قل: هل يستوي الأعمى والبصير؟ أم هل تستوي الظلمات والنور؟ أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم؟ قل الله خالق كل شيء، وهو الواحد القهار".(الرعد: 8-16)

"وله من في السماوات والأرض، ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون. يسبحون الليل والنهار لا يفترون. أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون؟ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، فسبحان الله رب العرش عما يصفون! لا يسأل عما يفعل وهم يسألون".(الأنبياء: 19-23) "سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم. له ملك السماوات والأرض، يحي ويميت، وهو على كل شيء قدير. هو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم. هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استوى على العرش، يعلم ما يلج في الأرض، وما يخرج منها، وما ينزل من السماء، وما يعرج فيها، وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير. له ملك السماوات والأرض، وإلى الله ترجع الأمور. يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، وهو عليم بذات الصدور".(الحديد: 1-6) … الخ … الخ …

ويعرّف الناس بطبيعة الكون الذي يعيشون فيه، وخصائصه، وارتباطه بخالقه، ودلالته على خالقه، واستعداده لنشأة الحياة فيه والأحياء، وتسخيره لهم بإذن الله… الخ. في أسلوب مفهوم للفطرة، مفهوم للعقل، يجد مصداقه في الواقع المحسوس، كما يجد مصداقه في الفطرة المكنونة.. يعرفهم به على نطاق واسع. ويدعوهم لمعرفته، وإدراك ناموسه وأسراره. والتعامل معه معامله صحيحة، ناشئة عن ذلك الإدراك والتعارف والتجاوب:

"الذي جعل لكم الأرض فراشاً. والسماء بناءً. وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم. فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون".(البقرة: 22)

"الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور. ثم الذين كفروا بربهم يعدلون".(الأنعام:1)

"الله الذي رفع السماوات والأرض بغير عمد ترونها، ثم استوى على العرش، وسخر الشمس والقمر، كل يجري لأجل مسمى، يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون. وهو الذي مدّ الأرض وجعل فيها رواسي وأنهاراً، ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين، يغشى الليل النهار، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون. وفي الأرض قطع متجاورات، وجنات من أعناب، وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد، ونفضل بعضها على بعض في الأكل، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون".(الرعد: 2-4)

"هو الذي أنزل من السماء ماء، لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون. ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب، ومن كل الثمرات، إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون. وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر، والنجوم مسخرات بأمره. إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون. وما ذرأ لكم في الأرض مختلفاً ألوانه. إن في ذلك لآية لقوم يذّكرون. وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرّياً، وتستخرجوا منه حلية تلبسونها، وترى الفلك مواخر فيه، ولتبتغوا من فضله، ولعلكم تشكرون. وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم، وأنهاراً وسبلاً لعلكم تهتدون. وعلامات وبالنجم هم يهتدون. أفمن يخلق كمن لا يخلق؟ أفلا تذكرون؟". (النحل: 10-17)

"أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما، وجعلنا من الماء كل شيء حي، أفلا يؤمنون؟ وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم، وجعلنا فيها فجاجاً سبلاً. لعلهم يهتدون. وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً، وهم عن آياتها معرضون. وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر، كل في فلك يسبحون".(الأنبياء: 30-33)

"ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض، والفلك تجري في البحر بأمره، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه. إن الله بالناس لرؤوف رحيم".(الحج: 65)

"ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق، وما كنا عن الخلق غافلين. وأنزلنا من السماء ماء بقدر، فأسكناه في الأرض، وإنا على ذهاب به لقادرون. فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب، لكم فيها فواكه كثيرة، ومنها تأكلون… ".(المؤمنون: 17-19)

"ألم تر أن اله يزجي سحاباً، ثم يؤلف بينه، ثم يجعله ركاماً، فترى الودق يخرج من خلاله؟ وينزل من السماء من جبال فيها من برد، فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء، يكاد سنى برقه يذهب بالأبصار. يقلب الله الليل والنهار. إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار".(النور: 43-44) "ألم تر إلى ربك كيف مد الظل، ولو شاء لجعله ساكناً، ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً؟ ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً. وهو الذي جعل لكم الليل لباساً، والنوم سباتاً وجعل النهار نشوراً. وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته، وأنزلنا من السماء ماء طهوراً. لنحيي به بلدة ميتاً، ونسقيه مما خلقنا أنعاماً وأناسىّ كثيراً".(الفرقان: 45-49)

"وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبّاً فمنه يأكلون. وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون. ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم، أفلا يشكرون؟ سبحان الذي خلق الأزواج كلها، مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون. وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون. والشمس تجري لمستقر لها، ذلك تقدير العزيز العليم. والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم. لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر، ولا الليل سابق النهار، وكل في فلك يسبحون".(يس: 33-40)

"قل: أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض يومين، وتجعلون له أنداداً. ذلك رب العالمين. وجعل فيها رواسي من فوقها، وبارك فيها، وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين. ثم استوى إلى السماء، وهي دخان، فقال لها وللأرض: ائتيا طوعاً أو كرهاً. قالتا: أتينا طائعين. فقضاهن سبع سماوات في يومين، وأوحى في كل سماء أمرها. وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظاً، ذلك تقدر العزيز العليم".(فصلت: 9-12)

"أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها، ومالها من فروج. والأرض مددناها، وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج. تبصرة وذكرى لكل عبد منيب. ونزلنا من السماء ماء مباركاً فأنبتنا به جنات وحب الحصيد. والنخل باسقات لها طلع نضيد. رزقاً للعباد، وأحيينا به بلدة ميتاً كذلك الخروج"(ق: 6-11)

… الخ … الخ … ويحدثهم عن الحياة والأحياء. فيعرفهم مصدر الحياة ومصدر الأحياء، وشيئاً من خصائصها كذلك، بالقدر الذي تسمح مدارك البشر بمعرفته. ويعقد بينهم وبين الأحياء جميعاً آسرة العبودية لله، ووشيجة القرابة في خلقهم كلهم بإرادته، وفي اشتراكهم في بعض الخصائص، التي تشير إلى الإرادة الواحدة المبدعة، وإلى الصنعة الواحدة البارزة. ويذكرهم بنعمة الله عليهم في تسخير الكثير من هذه الأحياء لهم.

"وجعلنا من الماء كل شيء حي".(الأنبياء: 30)

"والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه، ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع. يخلق الله ما يشاء، إن الله على كل شيء قدير". (النور: 45)

"وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم. ما فرطنا في الكتاب من شيء".(الأنعام: 38)

"وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها، كل في كتاب مبين".(هود: 6)

"وكأي من دابة لا تحمل رزقها، الله يرزقها وإياكم … ".(العنكبوت: 60)

"… وترى الأرض هامدة. فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج".(الحج: 5)

"يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، ويحي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون".(الروم: 19)

"وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبّاً فمنه يأكلون. وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب، وفجرنا فيها من العيون. ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم، أفلا يشكرون؟ سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تُنبت الأرض، ومن أنفسهم، ومما لا يعلمون".(يس: 33-36) "فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجاً، ومن الأنعام أزواجاً، يذرؤكم فيه، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير".(الشورى: 11)

"والذي نّزل من السماء ماء بقدر، فأنشرنا به بلدة ميتاً، كذلك تخرجون، والذي خلق الأزواج كلها، وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون. لتستووا على ظهوره، ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه، وتقولوا: سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين".(الزخرف: 11-13)

" فلينظر الإنسان إلى طعامه. أنّا صببنا الماء صبا. ثم شققنا الأرض شقا. فأنبتنا فهيا حباً. وعنباً وقضباً. وزيتوناً ونخلاً. وحدائق غلباً. وفاكهة وأبّاً. متاعاً لكم ولأنعامكم".(عبس: 24-32)

لأعلى.. الذي خلق فسوى."سبح اسم ربك ا والذي قدّر فهدى. والذي أخرج المرعى. فجعله غثاء أحوى".(الأعلى: 1-5)

"ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة، والملائكة وهم لا يستكبرون. يخافون ربهم من فوقهم، ويفعلون ما يؤمرون".(النحل: 49-50)

"ألم تر أن الله يُسبح له ما في السماوات والأرض، والطير صافات، كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون".(النور: 41)… الخ … الخ …

ويحدثهم عن الإنسان حديثاً مستفيضاً، يتناول مصدره ومنشأه، وطبيعته وخصائصه، ومركزه في هذا الوجود، وغاية وجوده، وعبوديته لربه ومقتضيات هذه العبودية. ثم نواحي ضعفه وقوته، وواجباته وتكاليفه. وكل صغيرة وكبيرة تتعلق بحياته في هذه الأرض، ومآله في العالم الآخر.

ولما لم يكن قصدنا في هذه الفقرة إلا بيان خاصية الشمول في التصور القرآني، لا بيان حقائق هذا التصور ومقوماته – فهذه لها مكانها في القسم الثاني من الكتاب – فإننا نكتفي بإثبات بعض الآيات عن حقيقة الإنسان – كما أثبتنا بعض الآيات عن حقيقة الإنسان – كما أثبتنا بعض الآيات عن الحقيقة الإلهية، وعن حقيقة الكون، وحقيقة الحياة، مرجئين الحديث المفصل عنها إلى موضعه في القسم الثاني عن "مقومات التصور الإسلامي".

"ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون. والجان خلقناه من قبل من نار السموم. وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من صلصال من حمأ مسنون. فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. فسجد الملائكة كلهم أجمعون. إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين".(الحجر: 26-31) "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ثم جعلناه نطفة في قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقة، فخلقنا العقلة مضغة، فخلقنا المضغة عظاماً، فكسونا العظام لحماً، ثم أنشأناه خلقاً آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين. ثم إنكم بعد ذلك لميتون. ثم إنكم يوم القيامة تبعثون".(المؤمنون: 12-16)

"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين".(الذاريات: 56-58)

"وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال: إني أعلم ما لا تعلمون".(البقرة: 30)

"ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر، ورزقناهم من الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً".(الإسراء: 70)

"قلنا اهبطوا منها جميعاً. فإما يأتينكم مني هدى. فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون".(البقرة: 38-39)

"والعصر. إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر".(سورة العصر)

"ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد".(ق: 16) "لقد خلقنا الإنسان في كبد".(البلد: 4) "أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين؟!". (يس: 77)

"وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً!"(الكهف: 54)

"إن الإنسان خلق هلوعاً. إذ مسه الشر جزوعاً. وإذ مسه الخير منوعاً إلا المصلين…".(المعارج: 19-22)

"يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً".(النساء: 28)

"وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً. فلما كشفنا عنه ضره مر كان لم يدعنا إلى ضر مسه!… ".(يونس: 12) "ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه، إنه ليئوس كفور. ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن: ذهب السيئات عني. إنه لفرح فخور".(هود: 9-10)

"ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير. وكان الإنسان عجولاً".(الإسراء: 11)

"كلا إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى".(العلق: 6-7)

"ونفس وما سواها. فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها".(الشمس: 7-10) "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم. ثم رددناه أسفل سافلين. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون". (التين: 4-6)


الشُّمُول

"وكلّ شيء أحصيناه في إمامٍ مُبين"

وهكذا يجد الإنسان من كثرة النصوص القرآنية وتنوعها حول هذه الحقائق الأساسية ما يشعره بالقصد إلى بيانها وتحديدها، والتوسع فيها، لتكون قاعدة كاملة شاملة للتصور الإسلامي المستقل، الذي يستمد لبناته – كما يستمد تصميمه- من المصدر الرباني المضبوط، الموثوق بصحتهن وبعلمه وخبرتهن فيغنى كامل عن الاستمداد من أي مصدر آخر جزئي المعرفة ظنيّ المعرفة، يضرب في التيه بلا دليل!

وصورة ثالثة من صور الشمول في التصور الإسلامي. فهو إذ يرد أمر الكون كله. وأمر الحياة والأحياء، وأمر الإنسان والأشياء.. إلى إرادة واحدة شاملة.. وإذا يتناول الحقائق الكلية كلها: حقيقة الألوهية – الحقيقة الأولى والكبرى والأساسية- وحقيقة الكون، وحقيقة الحياة، وحقيقة الإنسان، بمثل ذلك الشمول الذي أشرنا إليه ..

هذا التصور إذا يتناول الأمور على هذا النحو الشامل –بكل معاني الشمول- يخاطب الكينونة الإنسانية بكل جوانبها، وبكل أشواقها، وبكل حاجاتها، وكل اتجاهاتها. ويردها إلى جهة واحدة تتعامل معها. جهة واحدة تطلب عندها كل شيء، وتتوجه إليها بكل شيء. جهة واحدة ترجوها وتخشاها، وتتقي غضبها وتبغي رضاها. جهة واحدة تملك لها كل شيء، لأنها خالقة كل شيء، ومالكة كل شيء، ومدبرة كل شيء..

كذلك يرد الكينونة الإنسانية إلى مصدر واحد، تتلقى منه تصوراتها ومفاهيمها، وقيمها وموازينها، وشرائعها وقوانينها. وتجد إجابة على كل سؤال يجيش فيها، وهي تواجه الكون والحياة والإنسان، بكل ما يثيره كل منها من علامات الاستفهام..

عندئذ تتجمع هذه الكينونة .. تتجمع شعوراً وسلوكاً، وتصوراً واستجابة. في شأن العقيدة والمنهج. وشأن الاستمداد والتلقي. وشأن الحياة والموت. وشأن السعي والحركة. وشأن الصحة والرزق. وشأن الدنيا والآخرة. فلا تتفرق مزقاً، ولا تتجه إلى شتى السبل والآفاق، ولا تسلك شتى الطرق على غير اتفاق!

والكينونة الإنسانية حين تتجمع على هذا النحو، تصبح في خير حالاتها، لأنها تكون حينئذ في حالة "الوحدة" التي هي طابع الحقيقة في كل مجالاتها.. فالوحدة هي حقيقة الخالق -سبحانه- والوحدة هي حقيقة هذا الكون –على تنوع المظاهر والأشكال والأحوال- والوحدة هي حقيقة الحياة والأحياء- على تنوع الأجناس والأنواع –والوحدة هي حقيقة الإنسان على تنوع الأفراد والاستعدادات- والوحدة هي غاية الوجود الإنساني –وهي العبادة- على تنوع مجالات العبادة وهيئاتها- وهكذا حيثما بحث الإنسان عن الحقيقة في هذا الوجود ..

وحين تكون الكينونة الإنسانية في الوضع الذي يطابق "الحقيقة" في كل مجالاتها، تكون في أوج قوتها الذاتية، وفي أوج تناسقها –كذلك- مع "حقيقة" هذا الكون الذي تعيش فيه، وتتعامل معه، ومع "حقيقة" كل شيء في هذا الوجود، مما تؤثر فيه وتتأثر به .. وهذا التناسق هو الذي يتيح لها أن تنشئ أعظم الآثار، وأن تؤدي أعظم الأدوار

وحينما بلغت هذه الحقيقة أوجها في المجموعة المختارة من المسلمين الأوائل، صنع الله بها في الأرض أدواراً، عميقة الآثار في كيان الوجود الإنساني، وفي كتاب التاريخ الإنساني..

وحين توجد هذه الحقيقة مرة أخرى – وهي لابد كائنة بإذن الله- سيصنع الله بها الكثير. مهما يكن في طريقها من العراقيل. ذلك أن وجود هذه الحقيقة في ذاته ينشئ قوة لا تقاوم: لأنها من صميم قوة هذا الكون، وفي اتجاه قوة المبدع لهذا الكون أيضاً..

ومن مظاهر ذلك التجمع في الكينونة الإنسانية، أن يصبح النشاط الإنساني كله حركة واحدة، متجهة إلى تحقيق غاية الوجود الإنساني .. العبادة .. العبادة التي تتمثل فيها عبودية الإنسان لله وحده في كل ما ينهض به من شؤون الخلافة..

وهذا التجمع النفسي والحركي هو ميزة الإسلام الكبرى. بما أنه يتناول بالتفسير كل الحقائق التي تواجه النفس البشرية في الكون كله، ويتناول بالتوجيه كل جوانب النشاط الإنساني. ففي الإسلام – وحده- يملك الإنسان أن يعيش لدنياه وهو يعيش لآخرته، وأن يعمل لله وهو يعمل لمعاشه، وأن يحقق كماله الإنساني الذي يطلبه الدين، في مزاولة نشاطه اليومي في خلافة الأرض، وفي تدبير أمر الرزق. ولا يتطلب منه هذا إلا أمراً واحداً: أن يخلص العبودية لله في الشعائر التعبدية وفي خالجة، وكل عمل وكل نية، وكل نشاط وكل اتجاه. مع التأكد من أنه لا يتجاوز دائرة الحلال الواسعة، التي تشمل كل طيبات الحياة.. فالله خلق الإنسان بكل طاقاته لتنشط كلها، وتعمل كلها، وتؤدي دورها.. ومن خلال عمل هذه الطاقات مجتمعة، يحقق الإنسان غاية وجوده، في راحة ويسر، وفي طمأنينة وسلام، وفي حرية كاملة منشئوها العبودية لله وحده.

وبهذه الخاصية صلح الإسلام أن يكون منهج حياة شاملاً متكاملاً. منهجاً يشمل الاعتقاد في الضمير، والتنظيم في الحياة – لا بدون تعارض بينهما- بل في ترابط وتداخل يعز فصله، لأنه حزمة واحدة في طبيعة هذا الدين، ولأن فصله هو تمزيق وإفساد لهذا الدين.

إن تقسيم النشاط الإنساني إلى "عبادات" و "معاملات" مسألة جاءت متأخرة عند التأليف في مادة "الفقه". ومع انه كان المقصود به –في أول الأمر- مجرد التقسيم "الفني"، الذي هو طابع التأليف العلمي، إلا أنه –مع الأسف- أنشأ فيما بعد آثار سيئة في التصور، تبعته – بعد فترة – آثار سيئة في الحياة الإسلامية كلها. إذ جعل يترسب في تصورات الناس أن صفة "العبادة" إنما هي خاصة بالنوع الأول من النشاط الذي يتناوله "فقه العبادات". بينما أخذت هذه الصفة تبهت بالقياس إلى النوع الثاني من النشاط، الذي يتناوله "فقه المعاملات"! وهو انحراف بالتصور الإسلامي لاشك فيه. فلا جرم يتبعه انحراف في الحياة كلها في المجتمع الإسلامي. ليس في التصور الإسلامي نشاط إنساني لا ينطبق عليه معنى العبادة. أو يطلب فيه تحقيق هذا الوصف. والمنهج الإسلامي كله غايته تحقيق معنى العبادة، أولاً وأخيرا.

وليس هناك من هدف في المنهج الإسلامي لنظام الحكم، ونظام الاقتصاد والتشريعات الجنائية، والتشريعات المدنية وتشريعات الأسرة.. وسائر التشريعات التي يتضمنها هذا المنهج…ليس هناك من هدف إلا تحقيق معنى "العبادة" في حياة الإنسان .. والنشاط الإنساني لا يكون متصفاً بهذا الوصف، محققاً لهذه الغاية – التي يحدد القرآن أنها هي غاية الوجود الإنساني – إلا حين يتم هذا النشاط وفق المنهج الرباني، فيتم بذلك إفراد الله –سبحانه- بالألوهية، والاعتراف له وحده بالعبودية.. وإلا فهو خروج عن العبادة. لأنه خروج عن العبودية. أي خروج عن غاية الوجود الإنساني كما أرادها الله. أي خروج عن دين الله!

وأنواع النشاط التي أطلق عليها "الفقهاء" اسم "العبادات" وخصوصاً بهذه الصفة – على غير مفهوم التصور الإسلامي – حين تراجع مواضعها في القرآن تتبين حقيقة بارزة لا يمكن إغفالها. وهي أنها لم تجئ مفردة ولا معزولة عن أنواع النشاط الأخرى التي أطلق عليها الفقهاء اسم "المعاملات" .. إنما جاءت هذه وتلك مرتبطة في السياق القرآني ومرتبطة في المنهج التوجيهي. باعتبار هذه كتلك شطراً من منهج "العبادة" التي هي غاية الوجود الإنساني. وتحقيقاً لمعنى العبودية، ومعنى إفراد الله – سبحانه- بالألوهية.

إن ذلك التقسيم –مع مرور الزمن- جعل بعض الناس يفهمون أنهم يملكون أن يكونوا "مسلمين" إذا هم أدوا نشاط "العبادات" –وفق أحكام الإسلام- بينما هم يزالون كل نشاط "المعاملات" وفق منهج آخر. لا يتلقونه من الله. ولكن من إله آخر! هو الذي يشرع لهم في شؤون الحياة، ما لم يأذن به الله!

وهذا وهم كبير. فالإسلام وحدة لا تنفصم. وكل من يفصمه إلى شطرين – على هذا النحو- فإنما يخرج من هذه الوحدة. أو بتعبير آخر يخرج من هذا الدين..وهذه هي الحقيقة الكبيرة، التي يجب أن يلقي باله إليها كل مسلم يريد أن يحقق إسلامه، ويريد في الوقت ذاته، أن يحقق غاية وجوده الإنساني.

إن هذه الحقيقة ليست أهميتها فقط في تصحيح التصور الإيماني – وإن كل هذا التصحيح في ذاته غاية ضخمة، يقوم عليها بناء الحياة كله – بل إن أهميتها تتجلى كذلك في حسن تذوق الحياة، وبلوغ هذا التذوق أعلى درجات الكمال والتناسق. فقيمة الحياة الإنسانية ذاتها ترتفع حين تصبح كلها عبادة لله، وحين يصبح كل نشاط فيها –صغر أم كبر- جزءاً من هذه العبادة، أو كل العبادة، متى نظرنا إلى المعنى الكبير الكامل فيه، وهو إفراد الله – سبحانه- بالألوهية، والإقرار له وحده بالعبودية.. هذا المقام الذي لا يرتفع الإنسان إلى ما هو أعلى منه، ولا يبلغ كماله الإنساني إلا في تحقيقه. وهو المقام الذي تلقى الوحي من الله. وحالة الإسراء والمعراج أيضاً:

"تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً". (سورة الفرقان:1)

"سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حولهن لنريه من آياتنا، إنه هو السميع البصير". (الإسراء: 1)

ويتحدث الأستاذ المهتدي محمد أسد (ليوبولدفايس) في كتابه: "الإسلام على مفترق الطرق" حديثاً دقيقاً عن الفرق بين التصور الإسلامي والتصورات الأخرى في هذا الشأن، وعن أثر ذلك التصور في الشعور بجدية الحياة وأهمية كل حركة فيها، باعتباره الوسيلة الوحيدة لبلوغ الإنسان أقصى درجات الكمال الإنساني في هذه الحياة الدنيا. فيقول في فصل بعنوان: "سبيل الإسلام":

"يختلف إدراك العبادة في الإسلام عما هو في كل دين آخر( ) .. إن العبادة في الإسلام ليست محصورة في أعمال من الخشوع الخالص، كالصلاة والصيام مثلاً، ولكنها تتناول "كل" حياة الإنسان العملية أيضاً. وإذا كانت الغاية من حياتنا على العموم "عبادة الله" فيلزمنا حينئذ، ضرورة، أن ننظر إلى هذه الحياة في مجموع مظاهرها على أنها تبعة أدبية، متعددة النواحي، وهكذا يجب أن نأتي أعمالنا كلها-حتى تلك التي تظهر تافهة- على أنها عبادات، وأن نأتيها بوعي، وعلى أنها تؤلف جزءاً من ذلك المنهاج العالمي الذي أبدعه الله. تلك حال ينظر إليها الرجل العادي على أنها مثل أعلى بعيد. ولكن أليس من مقاصد هذا الدين أن تتحقق المثل العليا في الوجود الواقع؟

"إن موقف الإسلام في هذا الصدد لا يحتمل التأويل. إنه يعلمنا أولاً أن عبادة الله الدائمة، والمتمثلة في أعمال الحياة الإنسانية المتعددة جميعها، هي معنى الحياة نفسها. ويعلمنا ثانياً أن بلوغ هذا المقصد يظل مستحيلاً ما دمنا نقسم حياتنا قسمين اثنين: حياتنا الروحية، وحياتنا المادية.. يجب أن تقترن هاتان الحياتان في وعينا وفي أعمالنا، لتكون "كلاًّ" واحداً متسقاً .. إن فكرتنا عن وحدانية الله يجب أن تتجلى في سعينا للتوفيق والتوحيد بين المظاهر المختلفة في حياتنا.

"هناك نتيجة منطقية لهذا الاتجاه. هي فرق آخر بين الإسلام وسائر النظم الدينية المعروفة. ذلك أن الإسلام –على أنه تعليم- لا يكتفي بأن يأخذ على عاتقه تحديد الصلاة المتعلقة بما وراء الطبيعة. فيما بين المرء وخالقه فقط. ولكن يعرض أيضاً –بمثل هذا التوكيد على الأقل- للصلاة الدنيوية بين الفرد وبيئته الاجتماعية .. إن الحياة الدنيا لا ينظر إليها على أنها صدفة عادية فارغة، ولا على أنها طيف خيال للآخرة، التي هي آتية لا ريب فيها، من غير أن تكون منطوية على معنى ما. ولكن على أنها وحدة إيجابية تامة في نفسها. والله تعالى "وحده" لا في جوهره فحسب. بل في الغاية إليه أيضاً.. من أجل ذلك كان خلقه وحده، ربما في جوهره، إلا أنه وحدة في الغاية منه بكل تأكيد.

"وعبادة الله في أوسع معانيها –كما شرحنا آنفاً- تؤلف في الإسلام معنى الحياة الإنسانية .. هذا الإدراك وحده يرينا إمكان بلوغ الإنسان الكمال – في إطار حياته الدنيوية الفردية- ومن بين سائر النظم الدينية نرى الإسلام –وحده- يعلن أن الكمال الفردي ممكن في الحياة الدنيا .. إن الإسلام لا يؤجل هذا الكمال إلى ما بعد إماتة الشهوات "الجسدية"، ولا هو يعدنا بسلسلة متلاحقة الحلقات من "تناسخ الأرواح" على مراتب متدرجة – كما هو الحال في الهندوكية – ولا هو يوافق البوذية التي تقول بأن الكمال والنجاة لا يتمان إلا بعد انعدام النفس الجزئية وانفصام علاقاتها الشعورية من العالم .. كلا. إن الإسلام يؤكد في إعلانه أن الإنسان يستطيع بلوغ الكمال في حياته الدنيا الفردية. وذلك بأن يستفيد استفادة تامة من وجوه الإمكان الدنيوي في حياته هو"( ).

وبعد فإن هذا الشمول –بكل صوره- فوق أنه مريح للفطرة البشرية، لأنه يواجهها بمثل طبيعتها الموحدة، ولا يكلفها عنتاً، ولا يفرقها مزقاً.. هو في الوقت ذاته يعصمها من الاتجاه لغير الله في أي شأن وفي أية لحظة، أو قبول أية سيطرة تستعلي عليها بغير سلطان الله، وفي حدود منهج الله وشريعته. في أي جانب من جوانب الحياة. فليس الأمر والهيمنة والسلطان لله وحده في أمر "العبادات" الفردية، ولا في أمر الآخرة –وحدهما – بل الأمر والهيمنة والسلطان لله وحده، في الدنيا والآخرة. في السماوات والأرض. في عالم الغيب وعالم الشهادة. في العمل والصلاة.. وفي كل نَفَس، وكل حركة، وكل خالجة، وكل خطوة، وكل اتجاه:

"وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله … ".(الزخرف: 84)


التوازن

"ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت"

والخاصية الرابعة في هذا التصور هي .. التوازن .. التوازن في مقوماته، والتوازن في إيحاءاته. وهي تتصل بخاصية "الشمول" التي سبق الحديث عنها. فهو تصور شامل. وهو شمول متوازن.

وقد صانته هذه الخاصية الفريدة من الاندفاعات هنا وهناك، والغلو هنا وهناك، والتصادم هنا وهناك. هذه الآفات التي لم يسلم منها أي تصور آخر. سوءا التصورات الفلسفية، أو التصورات الدينية التي شوهتها التصورات البشرية، بما أضافته إليها، أو نقصته منها، أو أوّلته تأويلاً خاطئاً، وأضافت هذا التأويل الخاطئ إلى صلب العقيدة وتتمثل هذه الخاصية في عدة موازنات، نذكر منها أبرزها:

هناك التوازن بين الجانب الذي تتلقاه الكينونة الإنسانية لتدركه وتسلم به، وينتهي عملها فيه عند التسليم، والجانب الذي تتلقاه لتدركه، وتبحث حججه وبراهينه، وتحاول معرفة علله وغاياته وتفكر في مقتضياته العملية، وتطبقها في حياتها الواقعية.

والفطرة البشرية تستريح لهذا ولهذا، لأن كليهما يلبي فيها جانباً أصيلاً، مودعاً فيها وهي تخرج من يد بارئها. وقد علم الله أن الإدراك البشري لن يتسع لكل أسرار هذا الوجود، ولن يقوى على إدراكها كلها، فأودع فطرته الارتياح للمجهول، والارتياح للمعلوم، والتوازن بين هذا وذاك في كيانها، كالتوازن بين هذا وذاك في صميم الوجود.

إن العقيدة التي لا غيب فيها ولا مجهول، ولا حقيقة أكبر من الإدراك البشري المحدود، ليست عقيدة، ولا تجد فيها النفس ما يلبي فطرتها، وأشواقها الخفية إلى المجهول، المستتر وراء الحجب المسدلة .. كما أن العقيدة التي لا شيء فيها إلا المعمّيات التي لا تدركها العقول ليست عقيدة! فالكينونة البشرية تحتوي على عنصر الوعي. والفكر الإنساني لا بد أن يتلقى شيئاً مفهوماً له، له فيه عمل، يملك أن يتدبره ويطبقه.. والعقيدة الشاملة هي التي تلبي هذا الجانب وذاك، وتتوازن بها الفطرة، وهي تجد في العقيدة كفاء ما هو مودع فيها من طاقات وأشواق.

فإذا كانت ماهية الذات الإلهية. وكيفية تعلق إرادة الله بالخلق وحقيقة الروح .. من الحقائق التي لا سبيل إلى الإحاطة بها –كما أسلفنا-( )فهناك خصائص الذات الإلهية: من وجود، ووحدانية، وقدرة، وإرادة، وخلق، وتدبير … وكلها مما يعمل الفكر البشري في إدراكه، ومما يستطيع أن يدرك ضرورته ومقتضياته في الوجود. والإسلام يعرض هذه الخصائص ببراهينها المقنعة.. وهناك "الكون" وحقيقته، ومصدر وجوده، وعلاقته بخالقه، وعبوديته له، واستعداده لاستقبال الحياة، وعلاقته بالإنسان وعلاقة الإنسان به.. وهناك "الحياة" بشتى أنواعها وأجناسها وأشكالها ودرجاتها، ومصدرها، وعلاقتها بطبيعة الكون، وعلاقتها بمبدعه ومبدعها.. وهناك "الإنسان" وحقيقته، وخصائصه ومصدره، وغاية وجوده، ومنهج حياته.. وكلها ترد في منطق مفهوم واضح، مريح للعقل والقلب. مدعم بالبراهين التي تتلقاها الفطرة بالقبول والتسليم:

"أم خُلِقُوا من غير شيء؟ أم هم الخالقون؟ أم خَلقُوا السماوات والأرض؟ بل لا يوقنون".(الطور: 35-36)

"أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون؟ لو كان فيها آلهة إلا الله لفسدتا، فسبحان الله رب العرش عما يصفون! لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. أم اتخذوا من دونه آلهة؟ قل: هاتوا برهانكم. هذا ذكر من معي وذكر من قبلي. بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون".(الأنبياء: 21-24)

"أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم؟ بلى وهو الخلاق العليم. إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن فيكون".(يس: 81، 82)

"وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه. قال: من يحي العظام وهي رميم؟ قل: يحيها الذي أنشأها أول مرة، وهو بكل خلق عليم".(يس: 78، 79)

"أم من خلق السماوات والأرض، وأنزل لكم من السماء ماء، فأنبتنا به حدائق ذات بهجة، ما كان لكم أن تنبتوا شجرها! أإله مع الله؟ بل هم قوم يعدلون! أم من جعل الأرض قراراً، وجعل خلالها أنهاراً، وجعل لها رواسي، وجعل بين البحرين حاجزاً؟ أإله مع الله؟ بل أكثرهم لا يعلمون! أم من يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء، ويجعلكم خلفاء الأرض؟ أإله مع الله؟ قليلاً ما تذكّرون! أم من يهديكم في ظلمات البر والبحر؟ ومن يرسل الرياح بُشراً بين يدي رحمته؟ أإله مع الله؟ تعالى الله عما يشركون! أم من يبدأ الخلق ثم يعيده؟ ومن يرزقكم من السماء والأرض؟ أإله مع الله؟ قل: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين".(النمل: 60-64)

"ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون. ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون. ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم. إن في ذلك لآيات للعالمين. ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله، إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون. ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً، وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون. ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره، ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون".(الروم: 20-25)

وهكذا من الحجج الملزمة، والآيات المعروضة في الأنفس والآفاق، وهي معروضة للنظر والتدبر، كما أنها معروضة للبرهنة والحجة.. والإدراك البشري مطلق للنظر فيها، والتلقي عنها، ومناقشة حجيتها على القضايا المسوقة لإثباتها .. وكلها في دائرة النظر، وفي مستوى الإدراك.

وهكذا تجد الفطرة البشرية في التصور الإسلامي ما يلبي أشواقها كلها: من معلوم ومجهول، ومن غيب لا تحيط به الأفهام ولا تراه الأبصار، ومكشوف تجول فيه العقول وتتدبره القلوب. ومن مجال أوسع من إدراكها تستشعر إزاءه جلال الخالق الكبير، ومجال يعمل فيه إدراكها وتستشعر إزاءه قيمة الإنسان في الكون وكرامته على الله. وتتوازن الكينونة الإنسانية بهذا وذلك، وهي تؤمن بالمجهول الكبير، وهي تتدبر المعلوم الكبير..

والتوازن بين طلاقة المشيئة الإلهية وثبات السنن الكونية.. فالمشيئة الإلهية طليقة، لا يرد عليها قيد ما، مما يخطر على الفكر البشري جملة. وهي تبدع كل شيء بمجرد توجهها إلى إبداعه. وليست هنالك قاعدة ملزمة، ولا قالب مفروض تلتزمه المشيئة الإلهية، حين تريد أن تفعل ما تريد:

"إنما قولنا لشيء –إذا أردناه- أن نقول له: كن. فيكون".(النحل: 40)

"قال: رب أنّى يكون لي غلام، وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر؟ قال: كذلك الله يفعل ما يشاء".(آل عمران: 40)

"قالت: رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر؟ قال: كذلك الله يخلق ما يشاء. إذا قضى أمراً فإنما يقول له: كن. فيكون".(آل عمران: 47)

وامرأته قائمة فضحكت. فبشرناها بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب. قالت: يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً؟ إن هذا لشيء عجيب! قالوا: أتعجبين من أمر الله؟".(هود: 71-73)

"إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم، خلقه من تراب، ثم قال له: كن فيكون. الحق من ربك، فلا تكن من الممترين". (آل عمران: 59-60)

"ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم: أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير، فأنفخ فيه، فيكون طيراً –بإذن الله- وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى –بإذن الله- وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم. إن في ذلك لآية لكم، إن كنتم مؤمنين".(آل عمران: 49)

"أو كالذي مرّ على قرية – وهي خاوية على عروشها- قال: أنّى يحيي هذه الله بعد موتها؟ فأماته الله مائة عام ثم بعثه. قال: كم لبثت؟ قال: لبثت يوماً أو بعض يوم! قال: بل لبثت مائة عام! فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه. وانظر إلى حمارك –ولنجعلك آية للناس- وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً. فلما تبين له، قال: أعلمُ أن الله على كل شيء قدير". (البقرة: 259)

"قالوا: حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين. قلنا: يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين".(الأنبياء: 68-70)

"فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى: إنا لمدركون. قال: كلا إن معي ربي سيهدين. فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم".(الشعراء: 61-63)

"… لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً" (الطلاق: 1)

وهكذا. وهكذا. مما يقرر طلاقة المشيئة الإلهية، وعدم تقيدها بقيد ما، مما يخطر على الفكر البشري، مما يحسبه قانوناً لازما، وحتمية لا فكاك منها..

وفي الوقت ذاته شاءت الإرادة الإلهية المدبرة، أن تتبدى للناس – عادة – في صورة نواميس مطردة، وسنن جارية، يملكون أن يرقبوها، ويدركوها، ويكيفوا حياتهم وفقها، ويتعاملوا مع الكون على أساسها.. على أن يبقى في تصورهم ومشاعرهم أن مشيئة الله – مع هذا- طليقة، تبدع ما تشاء، وأن الله يفعل ما يريد، ولو لم يكن جارياً على ما اعتادوا هم أن يروا المشيئة متجلية فيه، من السنن المقررة والنواميس المطردة. فسنّة كذلك –وراء السنن كلها- أن هذه المشيئة مطلقة، مهما تجلت في نواميس مطردة وسنن جارية – ومن ثم يوجه الله الأبصار والبصائر إلى تدبر سننه في الكون، والتعامل معها، والنظر في مآلاتها – بقدر ما يملك الإدراك البشري- والانتفاع بهذا النظر في الحياة الواقعة:

"قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق. فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر(البقرة: 258)

"لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار".(يس: 40)

"سنة الله في الذين خلوا من قبلن ولن تجد لسنة الله تبديلاً".(الأحزاب: 62)

"قد خلت من قبلكم سنن، فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين".(آل عمران: 137)

"أو لم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم؟ إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون!"(السجدة: 26)

"ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً إلى قومهم، فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا. وكان حقاً علينا نصر المؤمنين". (الروم: 47) "ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا، وجاءتهم رسلهم بالبينات، وما كانوا ليؤمنوا. كذلك نجزي القوم المجرمين".(يونس: 13)

"ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، ولكن كذبوا، فأخذنهم بما كانوا يكسبون" (الأعراف: 96)

وبين ثبات السنن وطلاقة المشيئة، يقف الضمير البشري على ارض ثابتة مستقرة، يعمل فيها، وهو يعلم طبيعة الأرض، وطبيعة الطريق، وغاية السعي، وجزاء الحركة. ويتعرف إلى نواميس الكون، وسنن الحياة، وطاقات الأرض، وينتفع بها وبتجاربه الثابتة فيها منهج علمي ثابت. وفي الوقت ذاته يعيش موصول الروح بالله، معلق القلب بمشيئته لا يستكثر عليها شيئاً، ولا يستبعد عليها شيئاً، ولا ييئس أمام ضغط الواقع أبداً. يعيش طليق التصور، غير محصور في قوالب حديدية، يضع فيها نفسه، ويتصور أن مشيئة الله –سبحانه- محصورة فيها! وهكذا لا يتبلد حسه، ولا يضمُر رجاؤه، ولا يعيش في إلف مكرور!

والمسلم يأخذ بالأسباب، لأنه مأمور بالأخذ بها، ويعمل وفق السنة، لأنه مأمور بمراعاتها. لا لأنه يعتقد أن الأسباب والوسائل هي المنشئة للمسببات والنتائج. فهو يرد الأمر كله إلى خالق الأسباب، ويتعلق به وحده من وراء الأسباب، بعد أداء واجبه في الحركة والسعي والعمل واتخاذ الأسباب .. طاعة لأمر الله.

وهكذا ينتفع المسلم بثبات السنن في بناء تجاربه العلمية وطرائقه العملية، في التعامل مع الكون وأسراره وطاقاته ومدخراته. فلا يفوته شيء من مزايا العلوم التجريبية والطرائق العملية. وهو في الوقت ذاته موصول القلب بالله، حي القلب بهذا الاتصال. موصول الضمير بالمشاعر الأدبية الأخلاقية، التي ترفع العمر وتباركه وتزكيه، وتسمو بالحياة الإنسانية إلى أقصى الكمال المقدر لها في الأرض، وفي حدود طاقة الإنسان.

والتوازن بين مجال المشيئة الإلهية الطليقة، ومجال المشيئة الإنسانية المحدودة.. وهي القضية المشهورة في تاريخ الجدل في العالم كله، وفي المعتقدات كلها، وفي الفلسفات والوثنيات كذلك باسم قضية "القضاء والقدر" أو الجبر والاختيار.

والإسلام يثبت للمشيئة الإلهية الطلاقة –كما أسلفنا- ويثبت لها الفاعلية التي لا فاعلية سواها، ولا معها – كما بينّا ذلك في خاصية الشمول وكما سيجئ في خاصية الإيجابية – وفي الوقت ذاته يثبت للمشيئة الإنسانية، الإيجابية – كما سنفصل ذلك في خاصية "الإيجابية" – ويجعل للإنسان الدور الأول في الأرض وخلافتها. وهو دور ضخم، يعطي الإنسان مركزاً ممتازاً في نظام الكون كله، ويمنحه مجالاً هائلاً للعمل والفاعلية والتأثير. ولكن في توازن تام مع الاعتقاد بطلاقة المشيئة الإلهية، وتفردها بالفاعلية الحقيقية، من وراء الأسباب الظاهرة.

وذلك باعتبار أن النشاط الإنساني هو أحد هذه الأسباب الظاهرة. وباعتبار أن وجود الإنسان ابتداء، وإرادته وعمله، وحركته ونشاطه، داخل في نطاق المشيئة الطليقة، المحيطة بهذا الوجود وما فيه ومن فيه (على نحو ما سنفصل في خاصية "الإيجابية").

ويقرأ الإنسان في القرآن الكريم:

"ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير".(الحديد: 22)

"قل: لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا، وعلى الله فليتوكل المؤمنون"(التوبة: 51)

"وإن تصبهم حسنة يقولوا: هذه من عند الله. وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك. قل: كل من عند الله. فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً". (النساء: 78)

"قل: لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم".(آل عمران: 154)

"أينما تكونوا يدرككم الموت، ولو كنتم في بروج مشيدة".(النساء: 78)

ويقرأ كذلك في الجانب الآخر:

"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".(الرعد: 11)

"ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".(الأنفال: 53)

"بل الإنسان على نفسه بصيرة، ولو ألقى معاذيره".

"ونفس وما سواها. فألهمها فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دساها".(الشمس: 7-10)

"ومن يكسب إثماً فإنما يكسبه على نفسه".(النساء: 111)

ثم يقرأ بعد هذا وذلك:

"كلا إنه تذكرة. فمن شاء ذكره. وما يذكرون إلا أن يشاء الله، هو أهل التقوى وأهل المغفرة". (المدثر: 54-56)

"إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا. وما تشاءون إلا أن يشاء الله".(الإنسان: 29-30)

"أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم: أنّى هذا؟ قل: هو من عند أنفسكم، إن الله على كل شيء قدير. وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله". (آل عمران: 165-166)

يقرأ الإنسان أمثال هذه المجموعات المنوعة الثلاثة، فيدرك منها سعة مفهوم "القدر" في التصور الإسلامي، مع بيان المجال الذي تعمل فيه المشيئة الإنسانية في حدود هذا القدر المحيط.

لقد ضربت الفلسفات والعقائد المحرفة في التيه –في هذه القضية- ولم تعد إلا بالحيرة والتخليط. بما في ذلك من خاضوا في هذه القضية من متكلمي المسلمين أنفسهم.. ذلك أنهم قلدوا منهج الفلسفة الإغريقية، أكثر مما تأثروا بالمنهج الإسلامي، في علاج هذه القضية.

في التصور الإسلامي ليست هناك "مشكلة" في الحقيقة، حين يواجَه الأمر بمفهوم هذا التصور وإيحائه:

إن قدر الله في الناس هو الذي ينشئ ويخلق كل ما ينشأ وما يُخلق من الأحداث والأشياء والأحياء .. وهو الذي يصّرف حياة الناس ويكيّفها. شأنهم في هذا شأن هذا الوجود كله.. كل شيء فيه مخلوق بقدر، وكل حركة تتم فيه بقدر .. ولكن قدر الله في الناس يتحقق من خلال إرادة الناس وعملهم في ذات أنفسهم، وما يحدثون فيها من تغييرات.

"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".(الرعد: 11)

وكون مرد الأمر كله إلى المشيئة الإلهية المطلقة، لا يبطل هذا ولا يعطله. فالأمران يجيئان مجتمعين أحياناً في النص القرآني الواحد، كما رأينا في المجموعة الثالثة من هذه النماذج.

ونحن إنما نفترض التعارض والتناقض، حين ننظر إلى القضية بتصور معين نصوغه من عند أنفسنا، عن حقيقة العلاقة بين المشيئة الكبرى، وحركة الإنسان في نطاقها. إلا أن المنهج الصحيح: هو ألا نستمد تصوراتنا في هذا الأمر من مقررات عقلية سابقة. بل أن نستمد من النصوص مقرراتنا العقلية في مثل هذه الموضوعات، وفيما تقصه علينا النصوص من شأن التقديرات الإلهية، في مجال الذي لا دليل لنا فيه، غير ما يطلعنا الله عليه منه ..

فهو قال: "فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً" .. وهو قال: "وما يشاءون إلا أن يشاء الله" ..وهو قال: "بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره" .. وهو قال: "فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعّد في السماء".(الأنعام: 125) وهو قال في الوقت نفسه: "وما ربك بظلام للعبيد".(فصلت: 46)

فلا بد إذن – وفق تصور المسلم لإلهه وعدله في جزائه، وشمول مشيئته وقدره – من أن تكون حقيقة النسب بين مدلولات هذه النصوص في حساب الله، من شأنها أن تسمح للإنسان بقدر من الإيجابية في الاتجاه والعمل، يقوم عليه التكليف والجزاء، دون أن يتعارض هذا القدر مع مجال المشيئة الإلهية المطلقة، المحيطة بالناس والأشياء والأحداث.

كيف؟

كيفيات فعل الله كلها، وكيفيات اتصال مشيئته بما يراد خلقه وإنشاؤه كلها.. ليس في مقدور العقل البشري إدراكها. والتصور الإسلامي يشير بتركها للعمل المطلق، والتدبير المطلق – مع الطمأنينة إلى تقدير الله وعدله ورحمته وفضله – فالتفكير البشري المحدود بحدود الزمان والمكان، وبالتأثرات الوقتية والذاتية، ليس هو الذي يدرك مثل هذه النّسَب وهذه الكيفيات، وليس هو الذي يحكم في العلاقات والارتباطات بين المشيئة الإلهية والنشاط الإنساني. إنما هذا كله متروك للإرادة المدبرة المحيطة والعلم المطلق الكامل .. متروك لله الذي يعلم حقيقة الإنسان، وتركيب كينونته، وطاقات فطرته وعمله الحقيقي، ومدى ما فيه من الاختيار، في نطاق المشيئة المحيطة. ومدى ما يترتب على هذا القدر من الاختيار من جزاء.

وبهذا وحده يقع التوازن في التصور، والتوازن في الشعور، والاطمئنان إلى الحركة وفق منهج الله، والتطلع معها إلى حسن المصير.

كذلك الحال فيما يسمونه: "مشكلة الشر والألم".

ليست هناك مشكلة من وجهة النظر الإسلامية للأمر.

إن الإسلام يقول: إن الدنيا دار ابتلاء وعمل. وإن الآخرة دار حساب وجزاء. والحياة في هذه الأرض مرحلة محدودة في الرحلة الطويلة. وما يقع للإنسان في هذه الأرض ليس خاتمة الحساب ولا نهاية المطاف. إنما هو مقدمة لها ما بعدها. واختبار تقدر له درجته هناك في دار الحساب.

بهذا يحل الإسلام الجانب الشعوري من هذه المشكلة في الضمير البشري، ويكسب فيه الطمأنينة والاستقرار. فالألم الذي يلقاه الخيّر في هذه الأرض من جراء وجود الشر والنقص فيها، ليس هو كل نصيبه، فهناك النصيب الذي يعادل بين كفتي الميزان في شطري الرحلة، والشطران موصولان. تسيطر عليهما إرادة واحدة. ويحكم فيهما حكم واحد لا يند عن علمه شيء ولا يختل في ميزانه شيء!

ثم هو يخاطب الحقيقة الشعورية التي يجدها الإنسان في أعمال ضميره … وهي أن شعور المؤمن الخيّر الذي يحقق منهج الله في حياته، ويجاهد لتحقيقه في حياة البشر، يجد – وهو يعاني الألم من جانب الشر والأشرار – شعوراً مكافئاً من الرضى والسعادة في هذه الدنيا، قبل أن يجد جزاءه المدخر له في الآخرة. شعوراً ناشئاً عن إحساسه بأنه يرضى الله فيما يفعل، وأن الله يرضى عن جهاده الخيّر … وهي شهادة من ذات البنية الحية، ومن طبيعة الفطرة البشرية، على أن الله جعل التكوين الفطري للإنسان، يجد جزاءه الحاضر في كفاح الشر والباطل، ونصرة الخير والحق، وأن له من التذاذة الكفاح في هذا الطريق، جزاء ذاتياً من كيانه الداخلي، في ذات اللحظة التي يتحمل فيها الألم، وهو يواجه الشر والباطل، ويكافحهما ما استطاع. وأن العوض كامن في ذات الفطرة وفي الاطمئنان إلى حسن الجزاء في الدنيا والآخرة. ولهذا الاطمئنان أثره حتى قبل يوم الحساب الختامي في دار الحساب.

"الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله. ألا بذكر الله تطمئن القلوب".(الرعد: 28)

"أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه؟ فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين".(الزمر: 22)

"إن الذين قالوا: ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا، وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون. نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم، ولكم فيها ما تدعون. نزلاً من غفور رحيم".(فصلت: 30-32)

"ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين".(آل عمران: 139)

"قل: هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين، ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا. فتربصوا إنا معكم متربصون". (التوبة: 52)

إن الله قادر طبعاً على تبديل فطرة الإنسان – عن طريق هذا الدين أو عن غير طريقه – أو خلقه بفطرة أخرى. ولكنه شاء أن يخلق الإنسان بهذه الفطرة وأن يخلق الكون على هذا النحو الذي نراه. وليس لأحد من خلقه أن يسأله لماذا شاء هذا؟ لأن أحداً من خلقه ليس إلهاً! وليس لديه العلم والإدراك – ولا إمكان العلم والإدراك –للنظام الكلي للكون. ولمقتضيات هذا النظام في طبيعة كل كائن في هذا الوجود، وللحكمة الكامنة في خلقه كل كائن بطبيعته التي خلق عليها.

والله وحده هو الذي يعلم، لنه وحده هو الذي خلق الكون ومن فيه وما فيه، وهو وحده الذي يرى ما هو خير فينشئه ويبقيه، وهو وحده الذي يقدر أحسن وضع للخلق فينشئه فيه:

"فتبارك الله أحسن الخالقين".(المؤمنون: 14)

"الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى".(طه: 50)

"ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، ولكن ليبلوكم فيما آتاكم، فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً، فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون".(المائدة: 48)

"ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض. ولكن الله ذو فضل على العالمين".(البقرة: 251)

"ونبلوكم بالشر والخير فتنة، وإلينا ترجعون".(الأنبياء: 35)

"ولماذا، -في هذا المقام- سؤال لا يسأله مؤمن جاد، ولا يسأله ملحد جاد .. المؤمن الجاد لا يسأله، لأنه أكثر أدباً مع الله – الذي يعرفه من التصور الإسلامي بذاته وصفاته – ولأنه أكثر معرفة بمدى إدراكه البشري الذي لم يهيأ للعمل في هذا المجال .. والملحد الجاد لا يسأله كذلك. لأنه لا يعترف بالله ابتداء فإن اعترف بألوهيته عرف معها أن هذا شأنه –سبحانه- وأن هذا مقتضى ألوهيته، وأن اختياره هذا هو الخير قطعاً.

ولكنه سؤال يسأله مكابر لجوج، أو مائع هازل .. ومن ثم لا يجوز المضي معه في محاولة تبرير هذا الواقع بمعايير عقلية بشرية، لأنه بطبيعته أكبر من مستوى العقل البشري، وأوسع من المجال الذي يعمل فيه العقل. فإدراك أسباب هذا الواقع يقتضي أن يكون الإنسان إلهاً. ولن يكون الإنسان إلهاً. ولا بد له من أن يسلّم بهذه البديهية الواقعية، ويسلم بمقتضياتها كذلك( ).

فأما الباعث على الشر، وتعرض الإنسان لضغطه- وهو ما يدفع إلى الشر والضلال والخطيئة – فالإسلام يقرر أنه أضعف من أن يكون مسلطاً على الإنسان تسليط قهر وغلبة.. إنما هو تسليط امتحان وابتلاء، فهو يتمثل في المعركة بين الإنسان والشيطان. ودون الشيطان والغلبة في هذه المعركة حاجز قوي من الإيمان وذكر الله والاستعاذة به، واللياذ بكنفه.

"قال: رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض، ولأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين. قال: هذا صراط عليّ مستقيم. إن عبادي ليس لك عليهم سلطان. إلا من اتبعك من الغاوين".(الحجر: 39-42)

"قال: اهبطا منها جميعاً: بعضكم لبعض عدو. فأما يأتينكم مني هدى، فمن ابتع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى. قال: رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا؟ قال: كذلك أتتك آياتنا فنسيتها، وكذلك اليوم تنسى".(طه: 123-126)

"وقال الشيطان لما قضى الأمر: إن الله وعدكم وعد الحق، ووعدتكم فأخلفتكم. وما كان لي عليكم من سلطان. إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي. فلا تلوموني ولوموا أنفسكم".(إبراهيم: 22)

"فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم .. إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون".(النحل: 98-100)

"إن كيد الشيطان كان ضعيفاً".(النساء: 76)

ثم إنه يبقى بعد ذلك أنه إذا كان الله –سبحانه- هو الذي يخلق كل إنسان. باستعدادات معينة، هي التي تجعله يميل إلى الخير والهدى، أو يميل إلى الشر والضلال، فكيف يعذب الله الشرير الضال، ويكافئ الخيّر المهتدي، في الدنيا أو في الآخرة سواء؟

وهو سؤال خادع – في صورته هذه- يقابله ويصححه ما يقرره القرآن من أن الله –سبحانه- خلق الإنسان ابتداء في أحسن تقويم، وأنه لا يزول عن مكانه هذا إلا بغفلته عن الله. وأنه مبتلي بالخير والشر. وأن فيه الاستعداد للترجيح والاختيار –مع الاستعانة بالله، الذي يعين من يجاهد لرضاه!

"لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم. ثم رددناه أسفل سافلين. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات. فلهم أجر غير ممنون".(التين: 4-6)

"ونفس وما سوّاها، فألهما فجورها وتقواها. قد أفلح من زكاها. وقد خاب من دسّاها".(الشمس: 7-10)

"إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً. إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً".(الإنسان: 2-3)

"إن سعيكم لشتى .. فأما من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى، وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى".(الليل: 4-10)

"والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين".(العنكبوت: 69)

ويقابله كذلك ويصححه ما سق تقريره من أن قدر الله في الناس يتحقق فيهم من خلال إرادتهم في ذات أنفسهم، وفي الحياة من حولهم.

ويرد الأمر في النهاية إلى ما أسلفنا من الحديث عن قدر الله في مطلع هذه الفقرة.

على أن التصور الإسلامي يعلّم المسلم أن الله فرض عليه تكاليف واضحة، ونهاه عن أمور كذلك واضحة. وهذه وتلك محددة لا شبهة فيها ولا غبش. مكشوفة للعلم الإنساني لا غيب فيها ولا مجهول. وهذه وتلك هي التي يحاسبه عليها. أما أمر الغيب والقدر وما هو مخبوء وراء النظر، فأمور لم يكلف الله المسلم بالبحث فيها، ولم يأمره بشيء يتعلق بها، غير الاعتقاد بقدر الله خيره وشره.

ومن ثم فطريق المسلم الواضح محدد مستقيم .. طريقه أن ينهض بالتكاليف الواضحة –ما استطاع- وأن يجتنب النواهي المحددة كما نُهي. وأن يشتغل بمعرفة ما أمر الله به، وما نهى الله عنه. ولا يبحث في شيء وراءهما من أمر الغيب المحجوب عن إدراكه المحدود.

وما كان الله –سبحانه- ليكلفه شيئاً يعلم أن لا طاقة له به، أو أنه ممنوع بمانع قهري عن النهوض به. وما كان الله –سبحانه- لينهاه عن شيء، يعلم أن لا طاقة له بالامتناع عنه، أو أنه مدفوع بدافع قهري لا يقاوم لإتيانه!

"لا يكلف الله نفساً إلا وسعها. لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت". (البقرة: 286)

"وإذا فعلوا فاحشة قالوا: وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها. قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله مالا تعلمون؟ قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد. وادعوه مخلصين له الدين".(الأعراف: 28-29)

وما يؤمن بالله من لا يؤمن بأن الله لا يكلفه بشيء فوق طاقته، ولا ينهاه عن شيء ليس في مقدوره الانتهاء عنه .. وفي هذه الكفاية.

بهذا يتم التوازن في الاعتقاد والشعور، كما يتم التوازن في النشاط والحركة. فيثير التصور الإسلامي في الضمير الرغبة في الخير والاستقامة، وفي الحركة والفاعلية. مع الاستعانة بالله الذي بيده كل شيء.

وبهذا يقطع التعطيل والإرجاء والسلبية، والإحالة على مشيئة الله في المعصية، أو الشلل والجمود والسلب.. وقد علم أن الله لا يرضى لعباده الكفر. وأنه لا يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا. ولا يرضى أن يترك المنكر بلا جهاد، ولا أن يترك الحق بلا نصرة، ولا أن تترك الأرض بلا خلافة. وقد علم أن الإنسان في هذه الدنيا للابتلاء بالخير والشر، وللامتحان في كل حركة وكل حالة. وأنه مجزي على الحسنة وعلى السيئة في دار الحساب والجزاء.. وأنه كذلك مستخلف في هذه الأرض، وأن له مكانه في هذا الكون، وله دوره في ما يقع في هذه الأرض من تغيير وتطوير. وأنه إما ناهض بهذه الخلافة – وفق منهج الله- فمثاب. وإما ناكل التبعة فمعاقب. ولو كان النكول خوفاً من التبعة، وفراراً من الابتلاء!

والتوازن بين عبودية الإنسان المطلقة لله، ومقام الإنسان الكريم في الكون.. وقد سلم التصور الإسلامي في هذا الصدد من كل الهزات والأرجحات التي تعاورت المذاهب والمعتقدات والتصورات .. ما بين تأليه الإنسان في صوره الكثيرة. وتحقير الإنسان إلى حد الزراية والمهانة.

إن الإسلام يبدأ فيفصل فصلاً تاماً كاملاً بين حقيقة الألوهية، وحقيقة العبودية. وبين مقام الألوهية ومقام العبودية. وبين خصائص الألوهية وخصائص العبودية. بحيث لا تقوم شبهة أو غبش حول هذا الفصل الحاسم الجازم: الله" ليس كمثله شيء"… فلا يشاركه أحد في ماهية أو حقيقة.

والله "هو الأول والآخر والظاهر والباطن" فلا يشاركه أحد في وجود.

و "كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام" .. فلا يشاركه أحد في بقاء.

والله "لا يسال عما يفعل وهم يسألون" .. فلا يشاركه أحد في سلطان.

و "خالق كل شيء" .. فلا يشاركه أحد في خلق.

و "الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر" .. فلا يشاركه أحد في رزق.

و "والله يعلم وأنتم لا تعلمون" .. فلا يشاركه أحد في علم.

"ولم يكن له كفواً أحد" .. فلا يشاركه أحد في مقام.

"أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله؟ " .. فلا يشاركه أحد في التشريع للناس … وهكذا في كل خاصية من خصائص الألوهية.

والإنسان عبد لله ككل مخلوق في هذا الوجود.

عبد لا يشارك الله في حقيقة ولا خاصية.. وليس كما تقول الكنيسة عن المسح –عليه السلام- إن له طبيعة لاهوتية صافية، أو لاهوتية ناسوتية، على اختلاف المذاهب والتصورات.

"إن هو إلا عبد انعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل"(الزخرف: 59)

"لن يستنكف المسح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون".(النساء: 172)

"إن كل من في السماوات والأرض إلا أتى الرحمان عبداً". (مريم: 93)

ولكن الإنسان – بعبوديته هذه لله – كريم على الله. فيه نفخة من روح الله. مكرم في الكون، حتى ليأمر الله الملائكة – وهم عباده المقربون – أن يسجدوا له سجود التكريم.

"وإذ قال ربك للملائكة: إني خالق بشراً من صلصال من حمأ مسنون. فإذا سوّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. فسجد الملائكة كلهم أجمعون".(الحجر: 28-30)

وهو مستخلف في هذه الأرض، مسلط على كل ما فيها، مسخر له الأرض وما فيها ومحسوب حسابه في تصميم هذا الكون قبل أن يكون:

"وإذ قال ربك للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة. قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال: إني أعلم ما لا تعلمون. وعلّم آدم الأسماء كلها، ثم عرضهم على الملائكة، فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا: سبحانك! لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم. قال: يا آدم أنبئهم بأسمائهم. فلما أنبأهم بأسمائهم، قال: ألم أقل لكم: إني أعلم غيب السماوات والأرض، وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون؟".(البقرة: 30-33)

"وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاُ منه".(الجاثية: 13)

" وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهاراً وسبلاً لعلكم تهتدون" (النحل: 15)

"ألم تر ان الله سخر لكم ما في الأرض، والفلك تجري في البحر بأمره. ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه؟ إن الله بالناس لرؤوف رحيم". (الحج: 65)

والإنسان –كما أسلفنا- يكون في أرفع مقاماته، وفي خير حالاته، حين يحقق مقام العبودية لله. إذ أنه –في هذه الحالة- يكون في أقوم حالات فطرته، وأحسن حالات كماله، وأصدق حالات وجوده.

ومقام العبودية لله هو الذي وصف به رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في مقام الوحي ومقام الإسراء والمعراج –كما ذكرنا من قبل- وهو الذي جعله الله غاية الوجود الإنساني وهو يقول: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون".

كما أن قيام الناس في هذا المقام، هو الذي يعصمهم جميعاً من عبودية العبيد للعبيد، وهو الذي يحفظ لهم كراماتهم جميعاً، على اختلاف مراكزهم الدنيوية، وهو الذي يرفع جباههم فلا تنحني إلا لله، وهو الذي يكفيهم –في الوقت ذاته- عن الاستكبار في الأرض بغير الحق، والعلو فيها والفساد، ويستجيش في قلوبهم التقوى للمولى الواحد، الذي يتساوى أمامه العبيد. ويرفض أن يدعى أحد العبيد لنفسه خصائص الألوهية، فيشرع للناس في شؤون حياتهم بغير سلطان من الله، ويجعل ذاته مصدر السلطان، وإرادته شريعة لبني الإنسان!

ومن ثم فإنه لا تعارض –في التصور الإسلامي- بين رفعة الإنسان وعظمته وكرامته وفاعليته، وبين عبوديته لله –سبحانه- وتفرد الله بالألوهية وبخصائصها جميعاً.

ولا حاجة إذن – عندما يراد رفع الإنسان وتكريمه – أن تخلع عنه عبوديته لله، أو تضاف إلى ناسوتيته لاهوتية ليست له، كما احتاج رؤساء الكنيسة والمجامع المقدسة أن يفعلوا، ليعظموا عيسى –عليه السلام- ويكبِّروه!

"ولقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم. وقال المسيح: يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم. إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة. ومأواه النار، وما للظالمين من أنصار. لقد كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة. وما من إله إلا إله واحد. وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسّنّ الذين كفروا منهم عذاب أليم. أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه؟ والله غفور رحيم. ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، وأمه صديقه، كانا يأكلان الطعام. انظر كيف نبين لهم الآيات، ثم انظر أنى يؤفكون".(المائدة: 72-75)

"إذ قال الله يا عيسى ابن مريم، أأنت قلت للناس: اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ قال: سبحانك! ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق. إن كنت قلته فقد علمته. تعلم ما في نفسي، ولا أعلم ما في نفسك، إنك أنت علام الغيوب. ما قلت لهم إلا ما أمرتني به: أن اعبدوا الله ربي وربكم. وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم، فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم، وأنت على كل شيء شهيد. إن تعذبهم فإنهم عبادك. وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم".(المائدة: 116-118)

"لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون. ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعاً ".(النساء: 172)

كذلك لا حاجة إلى تصغير الله –سبحانه وتعالى- كلما أريد تعظيم الإنسان، وإعلان رفعة مقامه في هذه الأرض، وسيطرته وفاعليته. وكلما فتح الله للإنسان فتحاً في أسرار المادة. وكلما سخر له طاقة من طاقات الكون! إن الله –سبحانه- والإنسان ليسا كفوين ولا ندين! ولا متصارعين! ولا يرجح أحدهما ليشيل الآخر! ولا يغلب أحدهما ليهزم الآخر!

لقد تركت الأساطير الإغريقية، والأساطير العبرية، هذا التصور القبيح التافه في أذهان الأوروبيين. فظل يسيطر على تصوراتهم، حتى بعد ما دخلوا في المسيحية!

الأسطورة الإغريقية التي تصور كبير الآلهة "زيوس" غاضباً على الإله "برومثيوس" لأنه سرق سر النار المقدسة (سر المعرفة) وأعطاه للإنسان، وراء ظهر كبير الآلهة. الذي لم يكن يريد للإنسان أن يعرف، لئلا يرتفع مقامه فيهبط مقام كبير الآلهة، ويهبط معه مقام "الآلهة"! ومن ثم أسلمه إلى أفظع انتقام وحشى رعيب! والأسطورة العبرانية التي تصور الإله خائفاً من أن يأكل الإنسان من شجرة الحياة، - بعد ما أكل من شجرة المعرفة – فيصبح كواحد من الآلهة! ومن ثم يطرد الإنسان من الجنة، ويقيم دونه شجرة الحياة حراساً شداداً ولهيب سيف متقلب!

والأسطورة التي أطلقها "نيتشه" وهو يتخبط تخبط الصرع في كتابه: "هكذا قال زرادشت" ليعلن "موت الإله" ومولد الإنسان الأعلى (السوبرمان!)

"كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً"..

إن الإنسان – في الإسلام- يأخذ مكانه الحقيقي دائماً في هدوء، وفي هوادة، وفي طمأنينة .. إنه عبد الله. وإنه بهذه العبودية أكرم خلق الله. وهو في مقام العبودية في أرفع مقام. وفي أسعد مقام. وفي أصلح مقام.

ويبقى أن نأخذ –من هذه الخاصية- أن التصورات الأوربية التي كمنت فيها تلك التصورات الأسطورية المختلفة، ودخلت في صميمها، بل دخلت في مناهج تفكيرها .. أن هذه التصورات الأوربية، وما قام عليها من مناهج التفكير، وما نتج منها من مذاهب وأفكار.. كلها تصطدم –اصطداماً ظاهراً أو خفياً- مع التصور الإسلامي، ومناهج الفكر الإسلامية، وأن أي استعارة من تلك التصورات، أو مناهج التفكير، أو نتاجها من المذاهب والأفكار، تحمل في صميمها عداء طبيعياً للتصور الإسلامي، وللفكر الإسلامي، ولا تصلح بتاتاً للاقتباس منها أو الاستعانة بها .. بل هي كالسم الذي يتلف الأنسجة، ويؤذي الأعضاء، ويقتل في النهاية إذا كثر المقدار!!!

والتوازن في علاقة العبد بربه، بين موحيات الخوف والرهبة والاستهوال، وموحيات الأمن والطمأنينة والأنس.. فصفات الله الفاعلة في الكون، وفي حياة الناس والأحياء، تجمع بين هذا الإيحاء وذاك. في توازن تام. ويقرأ المسلم في كتاب الله الكريم من صفات ربه ما يخلع القلوب، ويزلزل الفرائص، ويهز الكيان، من مثل قوله تعالى:

"واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه، وانه إليه تحشرون" (الأنفال: 24)

"يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور" (غافر: 19)

"ولقد خلقنا الإنسان ونعم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد"(ق: 16)

"واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم (البقرة: 235)

"واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب".(البقرة: 196)

"سنستدرجهم من حيث لا يعلمون. وأملي لهم عن كيدي متين".(القلم: 44-45)

"إن بطش ربك لشديد"(البروج: 12)

"والله عزيز ذو انتقام"(آل عمران: 4)

"وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة. إن أخذه أليم شديد".(هود: 102)

"ذرني والمكذبين أولى النعمة ومهلهم قليلاً. إن لدينا أنكالاً وجحيماً، وطعاماً ذا غصة وعذاباً أليماً. يوم ترجف الأرض والجبال، وكانت الجبال كثيباً مهيلاً"(المزمل: 11-14)

وصور العذاب في مشاهد القيامة رهيبة رهيبة( ).ويقرأ المسلم كذلك من صفات ربه، ما يملأ قلبه طمأنينة وراحة، وروحه أنساً وقرباً، ونفسه رجاء وأملا. من مثل قوله تعالى:

"وإذا سألك عبادي عني فإني قريب، أجيب دعوة الداعي إذا دعان". (البقرة: 186)

"أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض؟ أإله مع الله؟".(النمل: 62)

الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً، والله واسع عليم. (البقرة: 268)

"وما كان الله ليضيع إيمانكم: إن الله بالناس لرؤوف رحيم".(البقرة: 143)

"يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً". (النساء: 28)

"ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم؟ وكان الله شاكراً عليماً". (النساء: 147)

"إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّاً ". (مريم: 96)

"وهو الغفور الودود"(البروج: 14)

"الله رؤوف بالعباد".(البقرة: 207)

"ويبشر المؤمنين الذي يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً ماكثين فيه أبداً".(الكهف: 2-3)

وصور النعيم في مشاهد القيامة رخية رخية!

ومن هذا وذاك يقع التوازن في الضمير بين الخوف والطمع، والرهبة والأنس، والفزع والطمأنينة.. ويسير الإنسان في حياته، يقطع الطريق إلى الله، ثابت الخطو، مفتوح العين، حي القلب، موصول الأمل. حذراً من المزالق، صاعداً أبداً إلى الأفق الوضئ. لا يستهتر ولا يستهين، ولا يغفل ولا ينسى. وهو في الوقت ذاته شاعر برعاية الله وعونه، ورحمة الله وفضله، وأن الله لا يريد به السوء، ولا يود له العنت، ولا يوقعه في الخطيئة ليتشفى بالانتقام منه .. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

وحين توازن بين هذا التصور الإغريق لكبير آلهتهمن القاسي الحسود الشهوان العربيد، المضطغن الحقود. أو تصور الإسرائيليين المنحرف لإلهتهم الغيور المتعصب، البطاش المتهور. أو تصور أرسطو لإلهة المترفع الذي لا يعني نفسه بأمر الخلق على الإطلاق، ولا يفكر إلا في ذاته، لأنه أشرف الذوات، ولا يليق بالإله أن يكفر إلا في أشرف ذات! أو تصور الماديين لإلههم "الطبيعة" الصماء العمياء الخرساء! .. عندئذ تبدو قيمة هذا الجانب المتوازن في التصور الإسلامي، وأثره الواقعي في حياة البشر، وأثره كذلك في منهج حياتهم وأخلاقهم ونظامهم العملي. (وسيأتي شيء من تفصيل هذا الإجمال في الفصل التالي عن خاصية: الإيجابية).

والتوازن بين مصادر المعرفة: من وراء الغيب المحجوب، ومن صفحة الكون المشهود، أو بتعبير آخر: من الوحي والنص، ومن الكون والحياة.

وقد رأينا في مطلع هذا البحث كيف تقلبت التصورات في أوربة، بين اتخاذ النص (أو الوحي) –وحده- مصدراً للمعرفة، واتخاذ العقل –وحده- مصدراً، واتخاذ الطبيعة –وحدها- مصدراً كذلك! وتعسف كل فريق في "تأليه" مصدره، ونفي المصادر الأخرى إطلاقاً، وإلغاء وجودها إلغاء!

فأما الإسلام في شموله، وفي توازنه، وفي اعتباره لجميع "الحقائق" الواقعة، دون تعسف، ودون هوى، ودون شهوة، ودون غرض، ودون جهل، ودون قصور …

أما الإسلام – في طمأنينته إلى الحق، الكامل الشامل- فلم يغفل مصدراً واحداً من مصادر المعرفة لم يعطه اعتباره، ولم يضعه في مكانه الذي يستحقه، ودرجته التي هي له في الحقيقة، في دقة وتوازن وطمأنينة. فالإسلام –كما سبق- يرد الأمر كله ابتداء إلى الله وإرادته وتدبيره، يرد الخلق كله إلى إرادة الله الواحد – ومن الخلق هذا الكون وما فيه، وهذا الإنسان وعقله ومداركه- ومن ثم لا يجد تناقضاً في أن يكون للكون – أو للطبيعة كما يسميها الغربيون- وأن يكون للحياة وأوضاعها – وفيها الاقتصاد إله كارل ماركس – دور في إمداد "الإنسان" بالمعرفة عن طريق "العقل" وسائر المدارك المودعة فيه باعتبار الجميع من صنع الله .. فهي من عنده. كما أن الوحي من عنده كذلك.

نعم إن الإسلام يعتبر مصدر الوحي هو المصدر الصادق، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يخضع للهوى، ولا يتأثر بهن ومن ثم فهو أعلى المصادر. ولكنه في الوقت ذاته لا يلغي العقل –عندئذ- ولا يلغي المؤثرات والمعارف التي تتلقاها الكينونة الإنسانية كلها، مما حولها في الكون.. فالكون كذلك كتاب الله المفتوح الذي يصب المعرفة في الكينونة الإنسانية – كما يصبها الوحي – مع فارق واحد: هو أن المعرفة التي يتلقاها الإنسان بمداركه من هذا الكون، قابلة للخطأ والصواب – بما أنها من عمل الإنسان – أما ما يتلقاه من الوحي فهو الحق اليقين ..

لقد خلق الله هذا الإنسان متوافقاً في فطرته وتكوينه مع هذا الكون، ومع سائر الأحياء. فكلهم من خلق الله، وكلهم يتلقى من الله، وكلهم يتمتع بهداه.

"قال: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى".(طه: 50)

"سبح اسم ربك الأعلى، الذي خلق فسوى، والذي قدّر فهدى" (الأعلى: 1-3)

"ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون" (الذاريات: 49)

"وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم".(الأنعام: 38)

"الذي جعل لكم الأرض مهداً، وسلك لكم فيها سبلا".(طه: 53)

"منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى".(طه: 55)

"سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون".(يس: 36)

"فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً"(الشورى: 11)

وفي التوافق والتناسق والتعاون بين خلق الله جميعاً – وفيهم الإنسان- ترد نصوص قرآنية كثيرة. ذات إيحاء قوي بالوحدة والتضامن والتناسق في طبيعة التكوين وفي الاتجاه العام، نذكر منها القليل:

"ألم نجعل الأرض مهاداً؟ والجبال أوتاداً؟ وخلقناكم أزواجاً وجعلنا نومكم سباتاً. وجعلنا الليل لباساً. وجعلنا النهار معاشاً. وبنينا فوقكم سبعاً شداداً. وجعلنا سراجاً وهاجاً. وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً. لنخرج به حباً ونباتاً. وجنات ألفافاً".(النبأ: 166)

"أأنتم أشد خلقاً أم السماء: بناها. رفع سمكها فسواها. وأغطش ليلها وأخرج ضحاها. والأرض بعد ذلك دحاها. أخرج منها ماءها ومرعاها. والجبال أرساها. متاعاً لكم ولأنعامكم".(النازعات: 27-33)

"فلينظر الإنسان إلى طعامه: أنا صببنا الماء صبا. ثم شققنا الأرض شقا. فأنبتنا فيها حبا. وعنبا وقضبا. وزيتوناً ونخلا. وحدائق غلباً. وفاكهة وأبا .. متاعاً لكم ولأنعامكم".(عبس: 24-32)

"والله أنزل من السماء ماء، فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون. وإن لكم في الأنعام لعبرة، نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم، لبناً خالصاً سائغاً للشاربين. ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً. إن في ذلك لآية لقوم يعقلون. وأوحى ربك إلى لانحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً، ومن الشجر ومما يعرشون. ثم كلي من كل الثمرات، فاسلكي سبل ربك ذللا، يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس، إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون". (النحل:65-69)

"والله جعل لكم من بيوتكم سكناً، وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم، ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين. والله جعل لكم مما خلق ظلالا، وجعل لكم من الجبال أكناناً، وجعل لكم سرابيل تقيكم بأسكم. كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون".(النحل: 80-81)

وأمثال هذه النصوص كثير، سنفصل الحديث عنه عند الكلام عن حقيقة الكون وحقيقة الإنسان في التصور الإسلامي..

والمهم الآن أن نقول: إن الإسلام بناء على تقريره أن هناك اتفاقاً وتناسقاً بين الكون والإنسان، جعل الكون وجعل الحياة والأحياء من بين مصادر المعرفة لهذا الإنسان – أو عن كتاب الكون المفتوح – وعن الإنسان ذاته. فهو مصدر من مصادر التأمل والمعرفة لذاته! فنجد في التوجيه إلى المصدر الأول الأصيل الصادق، المهيمن على كل مصادر المعرفة الأخرى .. أمثال هذه النصوص:

"إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم"(الإسراء: 9)

"ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون".(الجاثية: 18)

"إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون. نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن، وإن كنت من قبله لمن الغافلين".(يوسف: 2-3)

"وقلنا اهبطوا منها جميعاً، فإما يأتينكم مني هدى، فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين كفورا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون".(البقرة: 38-39)

"وإذا أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور. خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا".(البقرة: 93)

ثم نجد في التوجيه إلى التلقي والمعرفة من كتاب الكون المفتوح، ومن كتاب النفس المكنون، الشيء الكثير .. الكثير:

"وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم. أفلا تبصرون؟".(الذاريات: 20-21)

"سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق". (فصلت: 53)

"أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت؟ وإلى السماء كيف رفعت؟ وإلى الجبال كيف نصبت؟ وإلى الأرض كيف سطحت؟ فذكر إنما أنت مذكر".(الغاشية: 17-21)

"ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله؟ إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون".(النحل: 79)

"إن في خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة، وتصريح بالرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض، لآيات لقوم يعقلون".(البقرة: 164)

وفي التوجيه إلى استخدام العقل للمعرفة، إما بتدبر آيات الله في الكون، وإما بتدبر حقائق الوحي وحقائق الحياة، نجد كذلك في القرآن نصوصاً شتى:

"قل: إنما أعظكم بواحدة: أن تقوموا لله مثنى وفرادى، ثم تتفكروا. ما بصاحبكم من جنة، إن هو إلا نذير لكم، بين يدي عذاب شديد".(سبأ: 46)

"أفلا يتدبرون القرآن؟ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً".(النساء: 82)

"أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها؟ أو آذان يسمعونه بها؟ فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور".(الحج: 46)

"إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك!" (آل عمران: 190-191)

"والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة".(النحل: 78)

وهكذا تتوازن هذه المصادر .. كل بحسبه .. وتتناسق في إمداد الكائن الإنساني بالمعرفة. ويتوازن التصور الإسلامي، فلا يشط ولا يضطرب ولا يتأرجح بين هذه المصادر، ولا يؤلّه ما ليس منها بإله!

ومما يلاحظ بوضوح في منهج التربية القرآني كثرة توجيه الإدراك البشري إلى ما في الكون، وما في الأنفس، من أمارات وآيات، وتوجيه هذا الإدراك إلى مصاحبة صنعة الله في الأنفس والآفاق. ذلك أن هذه المصاحبة –فوق أنها تنبه الإدراك البشري إلى معرفة الصانع من صنعته، وإجلاله بإدراك عظمته من عظمة صنعه، وحبه بإدراك عظمة أنعمه – فهي في الوقت ذاته تطبع الإدراك الإنساني بخصائص تلك الصنعة: من دقة وتناسق وانتظام، لا خلل فيه ولا تصادم ولا تفاوت. كما تطبعه بموحياتها كذلك من سنن وحقائق ومقررات .. وليس بالقليل مثلاً ان ينطبع في حس الإنسان وشعوره من متابعة التغير المستمر في أحوال هذا الكون، وفي أحوال البشر، وفي أحوال النفس، أن الدوام لله وحده، الذي يغير ولا يتغير. وأن كل شيء حائل أو زائل، إلا الحي الذي لا يموت.

الصمد الثابت المقصود.. وليس بالقليل مثلاً أن ينطبع في حس الإنسان وشعوره من ملاحظة ثبات السنن التي تحكم ذلك التغير، وثبات الناموس الذي يتم به التبدل والتحور، أن الأمور لا تمضي جزافاً، وأن الحياة لم توجد سدى، وأن الإنسان غير متروك لقى. وإنما هو التدبير والتقدير، والابتلاء والجزاء، والعدل الصارم الدقيق في تقدير المصير..وهكذا .. وهكذا .. مما سنذكر منه الكثير.

ومن ثم يكثر التوجيه إلى هذه المصادر، والظاهرة في الكون والمكنونة في النفس، لتلقي المعرفة من كتاب الله المفتوح، كتلقي المعرفة من كتاب الله المقروء. في تناسق وتوازن، يجمع ين مصادر المعرفة كلها، في غير تصادم ولا تعارض، وفي غير تأليه ولا تحقير، وفي غير خصومات صغيرة، كتلك الخصومات التي رأينا أمثلة منها في تاريخ الفكر الغربي الصغير!

ومن ثم لا يقتضي قيام الوحي – كمصدر أساسي للمعرفة – إلغاء الإدراك البشري، كما لا يقتضي وجود الكون إلغاء هذا العقل، أو إلغاء الله – جل وعلا وتنزه عن التصورات المطموسة البائسة، التي يتعبد لها الغربيون! وعبيد الغربيين!

والتوازن بين فاعلية "الإنسان" وفاعلية الكون. وبين مقام الإنسان ومقام الكون. وقد سلم التصور الإسلامي في هذه النقطة من جميع الأرجحات، وجميع التقلبات التي صاحبت الفكر البشري، كلما انحرف عن منهج الله. وتتضح استقامة التصور الإسلامي تجاه الكون والإنسان، حين يراجع ركام الفلسفات والتصورات والمعتقدات المختلفة.

لقد كان أفلاطون يضع المادة في الدرك الأسفل من القيمة والاعتبار.

"فالوجود في مذهب أفلاطون طبقتان متقابلتان: طبقة العقل المطلق، وطبقة المادة أو "الهيولي". والقدرة كلها من العقل المطلق، والعجز كله من الهيولي. وبين ذلك كائنات على درجات تعلو بقدر ما تأخذ من العقل، وتسفل بمقدار ما تأخذ من الهيولي.

"فالهيولي مقاومة للعقل المجرد، وليست موجدة بمشيئته من العدم"( )وأفلوطين –في الأفلاطونية الحديثة- يجعل المادة في الدرك نفسه. فالواحد الحد خلق العقل، والعقل خلق الروح، والروح خلقت ما دونها من الموجودات، على الترتيب الذي ينحدر طوراً دون طور إلى عالم الهيولي، أو عالم المادة والفساد"( )

والنصرانية –كما صنعتها الكنيسة- اعتبرت الشر كله ممثلاً في عالم الجسد – أي عالم المادة – الخير كله ممثلاً في عالم الروح. ومن ثم اقتضى الأمر احتقار كل ما هو مادي، والهرب منه للنجاة من الشر والفساد.. وكذلك فعلت الهندوكية من قبل في مذهب براهما ..

"وبينما عالم المادة ينبذ هذا النبذ في بعض الفلسفات والمعتقدات، يقوم في القرن التاسع عشر، من يجعل من "الطبيعة" إلهاً، ويجعل من العقل البشري مخلوقاً من مخلوقات هذا الإله! كما فعل "كومت" و "نيتشه" من زعماء المذهب الوضعي، ومن يجعل جانباً من عالم المادة – وهو الاقتصاد – إلها، يخلق العقول والأديان والفلسفات والآداب والأخلاق.. كما فعل كارل ماركس! ويحط من قيمة الإنسان تجاه هذا الإله، فيجعله عاملاً سلبياً لا يقدم ولا يؤخر، وإنما يتلقى فقط ويتأثر!

بين هذه الشخصيات المتأرجحة، وبين هذا الغلو من هنا ومن هناك يقف التصور الإسلامي على قاعدة الحقيقة المستقرة الثابتة.. الله هو الخالق المبدع المهيمن المدبر .. والكون والإنسان من إبداع الله. وبينهما من التفاعل، وبينهما من التناسق، ما يجعل لكل منهما دوراً في حياة الآخر .. والإنسان هو الأكرم، وهو الأكثر فاعلية وإيجابية. وهو المسلط على المادة، يبدع فيها وينشئ، ويغيّر فيها ويطوّر، ويظهر من أسرارها ما أودعه الله، ويتلقى من هذه الأسرار ما يؤدي إلى العظة والاعتبار.

وتكريم الوجود الإنساني – مع عدم احتقار الوجود الكوني- يكفل لهذا الإنسان مقامه وكرامته، ويجعل حياته ومقوّماته أكرم من أن تمسّ في سبيل توفير أية قيمة مادية أخرى. وذلك مع عدم الإخلال بالقيم المادية وبالإبداع في عالم المادة.

وهناك ألوان شتى من هذا التوازن في التصور الإسلامي، لا نملك تتبعها وعرضها هنا بالتفصيل – ولا حتى مجرد الإشارة – إنما نحن نثبت هذه النماذج، لتكون هي الإشارة التي يتبعها الناظر في هذا المنهج، إلى نهاية الطريق( )…


الإيجابيـــة

"وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون"

والخاصية الخامسة البارزة في التصور الإسلامي هي .. الإيجابية .. الإيجابية الفاعلة في علاقة الله –سبحانه- بالكون والحياة والإنسان. والإيجابية الفاعلة كذلك من ناحية الإنسان ذاته. في حدود المجال الإنساني .. كما أشرنا إلى ذلك من قبل إشارات مجملة..

إن الصفات الإلهية في التصور الإسلامي ليست صفات سلبية. والكمال الإلهي ليس في الصورة السلبية التي جالت في تصور أرسطو. وليست مقصورة على بعض جوانب الخلق والتدبير كما تصور الفرس في صفات "هرمز" إله النور والخير واختصاصاته وصفات "أهرمان" إله الظلام والشر واختصاصاته. وليست محدودة بدرجة من درجات الخلق كتصور أفلوطين. وليست محدودة بحدود شعب كتصورات بني إسرائيل. وليست مختلطة أو متلبسة بإرادة كينونة أخرى، كبعض تصورات الفرق المسيحية. وليست معدومة على الإطلاق، كما تقول المذاهب المادية، التي تنفي وجود الإله الحي المريد … إلى آخر هذا الركام..

ولعله يحسن قبل أن نعرض التصور الإسلامي الواضح الصريح المريح، أن نثبت مجملاً سريعاً لهذه التصورات التي أشرنا إليها. أو لهذا الركام، الذي أشرنا إلى شيء منه في أوائل هذا الكتاب وفي ثناياه:

"مذهب أرسطو في الإله أنه كائن أزلي أبدي، مطلق الكمال، لا أول له ولا آخر، ولا عمل له ولا إرادة! مذ كان العمل طلباً لشيء. والله غني عن كل طلب. وقد كانت الإرادة اختياراً بين أمرين، والله قد اجتمع عنده الأصلح الأفضل من كل كمال، فلا حاجة إلى الاختيار بين صالح وغير صالح، ولا بين فاضل ومفضول. وليس مما يناسب الإله –في رأي أرسطو- أن يبتدئ العمل في زمان، لأنه أيدي سرمدي، لا يطرأ عليه طارئ يدعوه إلى العمل، ولا يستجد عليه من جديد في وجوده المطلق بلا أول ولا آخر، ولا جديد ولا قديم. وكل ما يناسب كماله فهو السعادة بنعمة بقائه، التي لا بغية وراءها، ولا نعمة فوقها ولا دونها، ولا تخرج من نطاقها عناية تعنيه!

"فالإله الكامل المطلق الكمال، لا يعنيه أن يخلق العالم، أو يخلق مادته الأولى –وهي الهيولي- ولكن هذه "الهيولي" قابلة للوجود، يخرجها من القوة إلى الفعل شوقها إلى الوجود، الذي يفيض عليها من قبل الإله، فيدفعها هذا الشوق إلى الوجود، ثم يدفعها من النقص إلى الكمال المستطاع في حدودها، فتتحرك وتعمل، بما فيها من الشوق والقابلية، ولا يقال عنها: إنها من خلقة الله، إلا أن تكون الخلقة على هذا الاعتبار"( ). والفرس كانوا يعتقدون بالثنوية، ويجعلون للخير إلهاً هو "هرمز". قدرته واختصاصه مقصوران على عالم النور والخير. ويجعلون للشر إلهاً هو "أهرمان" قدرته واختصاصه مقصوران على عالم الظلام والشر. وهما أخوان مولودان لإله قديم اسمه "زروان"!

"وزعموا أن مملكة النور ومملكة الظلام كانتا قبل الخليقة منفصلتين، وأن هرمز طفق في مملكته يخلق عناصر الخير والرحمة. وأهرمان غافل عنه في قراره السحيق. فلما نظر ذات يوم ليستطلع خبر أخيه، راعه اللمعان من جانب مملكة أخيه، فأشفق على نفسه من العاقبة. وعلم أن النور وشيك أن ينتشر ويستفيض، فلا يترك له ملاذاً يعتصم بهن ويضمن فيه البقاء. فثار، وثارت معه خلائق الظلام – وهي شياطين الشر والفساد- فأحبطت سعي هرمز! وملأت الكون بالخبائث والأرزاء( ).. الخ" 0واحتدمت المعركة وما تزال).

أما "أفلوطين" الذي عاش في السنوات الأولى من القرن الثالث للميلاد .. فإنه يغلو فيما يراه تنزيها لإلهه الأحد، حتى يتجاوز كل معقول. فإذا كان أرسطو يرى أن من كمال إلهه ألا يشعر بغير ذاته، وألا يفكر إلا في ذاته لا يفكر إلا في أشرف الموجودات. وذاته هي أشرف الموجودات. وأنه لا يعلم الموجودات لأنها أقل من أن يعلمها.. إذا كان تنزيه أرسطو لإلهه وقف به عند هذا الحد، فإن أفلوطين راح يزعم أن من كمال إلهه الأحد أنه لا يشعر بذاته كذلك! لأنه يتنزه عن ذلك الشعور

"وبديه أن المذهب يقتضي وسائط متعددة لربط الصلة بين هذا الإله "الأحد" المطلق الصفاء، وبن المخلوقات العلوية، وهذه المخلوقات السفلية. ولا سيما خلائق الحيوان المركب في الأجساد.

"وهكذا لزم أفلوطين أن يقول: إن الواحد خلق العقل. وإن العقل خلق الروح. وإن الروح خلقت مادونها من الموجودات. على الترتيب الذي ينحدر طوراً دون طور، إلى عالم الهيولي، أو علم المادة والفساد!" ( ).

ومن ثم ينحصر اختصاص الإله – عند أفلوطين- في خلق العقل.. ثم تنتهي مهمته عند ذاك! أما إله بني إسرائيل "يهوا" – كما ترسمه تصوراتهم المنحرفة – فهو إله إسرائيل الخاص! الذي يغار من عبادة شعب إسرائيل للآلهة الغريبة، فيثور ويغضب ويحطم وينتقم. حتى إذا عاد الشعب إليه رضى واستراح. وكف عن النقمة والتدمير. وندم على ما فعل بشعبه المختار

والتصورات الكنسية عن طبيعة المسيح وإرادته، وتلبسهما باللاهوتية، سبق أن أشرنا إليها في فصل "تيه وركام"، وهي تجعل إرادة الله متلبسة أو متجسمة في إرادة المسيح .. إلى أخر هذا الركام( )! وكذلك أشرنا إلى تصورات الوضعيين الماديين المختلفة بما فيه الكفاية. فيرجع إليها هناك( ).

والآن ننتقل من هذا الركام المتناثر إلى التصور الإسلامي المستقيم الواضح المريح:

إن الإنسان – في التصور الإسلامي- يتعامل مع إله موجود. خالق. مريد. مدبر. مهيمن. قادر. فعال لما يريد.. كامل الإيجابية والفاعلية.. إليه يرجع الأمر كله. وإلى إرادته يرجع خلق هذا الكون ابتداء، وكل انبثاقة فيه بعد ذلك، وكل حركة. وكل تغير وكل تطور. ولا يتم في هذا الكون شيء إلا بإرادته وعلمه وتقديره وتدبيره. وهو –سبحانه- مباشر بإرادته وعلمه وتدبيره لكل عبد من عباده، في كل حال من أحواله ولكل حي ولكل شيء وفي هذا الوجود كذلك.

ويحفل القرآن الكريم بتقرير هذه الحقيقة الأساسية الكبيرة في التصور الإسلامي، بكل صورها وأشكالها، ويهتم بعرض مظاهرها في كل جانب من جوانب الكون، وفي كل صورة من صورها المتجددة التي لا تحصى:

"إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استوى على العرش، يُغشى الليل النهار يطلبه حثيثاً، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، ألا له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين".(الأعراف: 54)

"وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض، إنه كان عليماً قديراً".(فاطر: 44)

"قل: اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء وتذل من تشاء، بيدك الخير، إنك على كل شيء قدير. تولج الليل في النهار، وتولج النهار في الليل، وتخرج الحي من الميت، وتخرج الميت من الحي، وترزق من تشاء بغير حساب".(آل عمران: 26،27)

"وهو القاهر فوق عباده، وهو الحكيم الخبير". (الأنعام: 18)

"الله يعلم ما تحمل كل أنثى، وما تغيض الأرحام وما تزداد. وكل شيء عنده بمقدار. عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال. سواء منكم من أسر القول ومن جهر به، ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار له معقبات، من بين يديه ومن خلفه –يحفظونه- من أمر الله. إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له. وما لهم من دونه من وال. هو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً، وينشئ السحاب الثقال. ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته، ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء. وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال … ". (الرعد: 8-13)

"يمحو الله ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب".(الرعد: 39)

"وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير". (الأنعام: 17)

"لله ملك السماوات والأرض، يخلق ما يشاء، يهب لمن يشاء إناثاً، ويهب لمن يشاء الذكور. أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً، ويجعل من يشاء عقيماً".(الشورى: 49،50)

"الله يتوفى النفس حين موتها. والتي لم تمت في منامها. فيمسك التي قضى عليها الموت، ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى".(الزمر: 42)

"ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم. ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا. ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة. إن الله بكل شيء عليم".(المجادلة: 7)

واستقرار هذه الحقيقة في ضمير الإنسان وفي حياته، يتوقف عليه كل شيء في أمر العقيدة. كما أنه هو الذي يمد الحياة البشرية بكافة المشاعر الأخلاقية. بواعثها وموازينها، والسلطان القائم عليها (وسيأتي تفصيل ذلك عند الكلام عن حقيقة الألوهية في القسم الثاني من هذا الكتاب).

إن هذه الإيجابية في علاقة الله –سبحانه- بخلائقه كلها، هي مفرق الطريق بين العقيدة الجدية المؤثرة، والعقيدة الصورية السلبية. وشمول هذه الإيجابية وتوحدها، هو مفرق الطريق كذلك، بين التجمع في الكينونة الإنسانية والنشاط الإنساني، والتمزق في هذه الكينونة ونشاطها الحيوي. وتصور الإنسان لإلهه، وتعلق صفاته بالحياة الإنسانية، هو الذي يحدد قيمة هذا الإله في نفسه، كما يحدد نوع استجابته لهذا الإله!

وفرق كبير بين الإنسان الذي يتصور أن إلهه لا يحفل به، ولا يحس بوجوده – أو لا يعلم بوجوده أصلاً كما يقول بعض الفلاسفة! – والإنسان الذي يحس ويعلم أن الله هو خالقه ورازقه، ومالك أمره كله في الدنيا والآخرة.. وفرق كذلك بين الذي يتعامل مع إلهين متنازعين – كما يقول الفرس- أو مع آلهة متفرقة كما تقول الوثنيات الأخرى، والذي يتعامل مع إله واحد. له إرادة واحدة، ومنهج واحد. يعلم عباده على وجه الضبط والتحديد ما يريده منهم فيرضى، وما يكرهه منهم فيسخط!

وفرق كذلك بين الذي يتعامل مع إله شهواني. متعجرف. ظالم. متهور. متقلب الأهواء كإله الإغريق –بزعمهم-: "زيوس" أو "جوبيتير" الذي كانوا يصورونه "حقوداً. لدوداً. مشغولاً بشهوات الطعام والغرام. لا يبالي من شؤون الأرباب والمخلوقات ما يعينه على حفظ سلطانه، والتمادي في طغيانه. وكان يغضب على "اسقولاب" إله الطب –بزعمهم- لأنه يداوي المرضى، فيحرمه جباية الضريبة على أرواح الموتى الذين ينتقلون من ظهر الأرض إلى باطن الهاوية! وكان يغضب على "برومثيوس" إله المعرفة والصناعة –بزعمهم- لأنه يعلّم "الإنسان" ان يستخدما لنار في الصناعة، وأن يتخذ من المعرفة قوة تضارع قوة الأرباب.

وقد حكم عليه بالعقاب الدائم، فلم يقنع بموته، ولا بإقصائه عن حظيرة الآلهة، بل تفنن في اختراع ألوان العذاب له. فقيده إلى جبل سحيق، وأرسل عليه جوارح الطير تنهش كبده طوال النهار، حتى إذا جن الليل عادت سليمة في بدنه، لتعود الجوارح إلى نهشها بعد مطلع الشمس ولا يزال هكذا دواليك في العذاب الدائم مردود الشفاعة مرفوض الدعاء"( ) … " وأنه كان يخادع زوجته "هيرة" ويرسل إله الغمام –بزعمهم- لمدارة الشمس في مطلعها، حذراً من هبوب زوجته الغيرى عليه مع مطلع النهار، ومفاجأته بين عشيقاته على عرش "الأوليمب"( )..

فرق بين الذي يتعامل مع إله كهذا ويستمد منه أخلاقهن والذي يتعامل مع "الله" العادل، الكريم، الرحيم الذي يكره الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وينهى عن السوء. ويحب التوابين ويحب المتطهرين..

وأخيراً .. فهناك فارق هائل بين الإنسان الذي يظن أن إلهه هو "الطبيعة" الخرساء الصماء، التي لا تطالبه بعقيدة ولا شعيرة، ولا منهج ولا نظام حياة، ولا خلق ولا أدب، ولا ضمير ولا سلوك. ولا تحس بوجوده أصلاً. وليس لها هي إدراك ابتداء. ومن ثم فهي لا تحس ولا تعي، ولا تدري بخير أو شر. ولا تحاسب –من ثم- على خير أو شر .. والإنسان الذي يعرف أن إلهه "الله" الحي الذي لا يموت. الصمد المقصود في الحاجات. الرقيب الذي لا يغفل. الحسيب الذي لا ينسى. العادل الذي لا يظلم. الرحيم الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.. إلى آخر صفات الله وأسمائه الحسنى..

إن الأمر مختلف جداً .. ومن ثم هذه القيمة الكبرى لهذه الخاصية في التصور الإسلامي .. ولقد عنى الإسلام عناية بالغة بتقرير هذه الحقيقة في تصور المسلمين وتوكيدها. وتقرير "وجود" الله سبحانه في حياتهم وتوسيعه وتعميقه .. وكانت حياة الجماعة المسلمة الأولى في ظلال الوحي المتلاحق، المتعلق بواقع حياتهم، وبما يهجس كذلك في ضمائرهم، مثلاً حياً، وترجمة عملية، لهذه الحقيقة.. فقد رأينا يد الله –سبحانه- تتدخل جهرة، وعينه تلحظ، وسمعه يرعى، أحوالهم اليومية، وأعمالهم الشخصية، وحياتهم الفردية والجماعية.

لقد شهدنا العناية الإلهية تتدخل علانية في شأن أسرة صغيرة فقيرة مغمورة لتقرر حكم الله في قضية بين امرأة وزوجها. حين لم يجد الرسول –صلى الله عليه وسلم- فيها رأياً:

"قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله. والله يسمع تحاوركما. إن الله سميع بصير… الخ". (المجادلة: 1)

كما شهدناها في شأن الرجل الأعمى الفقير ابن أم مكتوم، مع رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في هذه الصورة الرائعة:

"عبس وتولى. أن جاءه الأعمى. وما يدريك لعله يزكى. أو يذكر فتنفعه الذكرى. أما من استغنى فأنت له تصدّى! وما عليك ألا يزّكى. وأما من جاءك يسعى وهو يخشى. فأنت عنه تلهّى؟ كلا! إنها تذكرة. فمن شاء ذكره".(عبس: 1-12)

وشهدنا هذا التدخل في الأحداث الكرى سواء بسواء:

شهدناه في الهجرة .. حيث يقول الله تعالى:

"إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا، ثاني اثنين إذ هما في الغار. إذ يقول لصاحبه لا تحزن. إن الله معنا، فأنزل الله سكينته عليه، وأيده بجنود لم تروها. وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا. والله عزيز حكيم".(التوبة: 40)

وشهدناه في بدر .. حيث يقول الله تعالى:

" كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون. يجادلونك في الحق بعد ما تبين، كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون. وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم، وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكمن ويريد الله أن يحق الحق بكلماته، ويقطع دابر الكافرين. ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون. إذ تستغيثون ربكم، فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين. وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم. وما النصر إلا من عند الله. إن الله عزيز حكيم. إذ يغشيكم النعاس أمَنةً منه، وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به، ويذهب عنكم رجز الشيطان، وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام. إذ يوحي ربك إلى الملائكة إني معكم، فثبتوا الذين آمنوا، سألقي في قلوب الذين كفروا الرب، فاضربوا فوق الأعناق، واضربوا منهم كل بنان".(الأنفال: 5-12)

وشهدناه في "أحد" حيث يقول الله تعالى:

"ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه، حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر، وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون: منكم من يريد الدنيا، ومنكم من يريد الآخرة، ثم صرفكم عنهم ليبتليكم، ولقد عفا عنكم، والله ذو فضل على المؤمنين. إذ تصعدون ولا تلوون على أحد، والرسول يدعوكم في أخراكم، فأثابكم غما بغم، لكي لا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم، والله خبير بما تعملون. ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً يغشى طائفة منكم، وطائفة قد أهمتهم أنفسهم، يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، يقولون: هل لنا من الأمر من شيء؟ قل: إن الأمر كله لله. يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك. يقولون: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا. قل: لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم. وليبتلي الله ما في صدوركم، وليمحص ما في قلوبكم، والله عليم بذات الصدور".(آل عمران: 152-154)

وشهدناه في كل موقف من مواقف المسلمين الكبرى.

ولم يكن هذا التدخل الإيجابي وقفاً على هذه المجموعة من المسلمين. فهو شأن الله في كل موقف، وفي كل أمر، وفي كل حال .. وقد كان منه ما كان في شأن الرسل جميعاً – عليهم الصلاة والسلام- مما قصه الله –سبحانه- على كل الجماعة المسلمة في هذا القرآن..كان منه في شأن موسى عليه السلام، مع فرعون وملئه، ما يصور هذا التدخل السافر المباشر:

"نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون. إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً، يستضعف طائفة منهم، يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم. إنه كان من المفسدين. ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض، ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين. ونمكن لهم في الأرض، ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون. وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليمن ولا تخافي ولا تحزني، إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين. فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً، إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين. وقالت امرأة فرعون: قرة عين لي ولك، لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً – وهم لا يشعرون- واصبح فؤاد أم موسى فارغاً، إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين. وقالت لأخته قصيه، فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون. وحرمنا عليه المراضع من قبل، فقالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم، وهم له ناصحون؟ فرددناه إلى أمه، كي تقر عينها ولا تحزن، ولتعلم أن وعد الله حق، ولا أكثرهم لايعلمون (القصص: 2-13)

وكان منه في شأن نوح عليه السلام:

"كذبت قبلهم قوم نوح، فكذبوا عبدنا وقالوا: مجنون، وازدجر. فدعا ربه أنى مغلوب فانتصر. ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر. وفجرنا الأرض عيوناً، فالتقى الماء على أمر قد قدر. وحملناه على ذات ألواح ودسر. تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر".(القمر: 9-14)

وكان منه في شأن إبراهيم عليه السلام:

"قالوا: حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين. قلنا: يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين، ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين، ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة وكلاًّ جعلنا صالحين. وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا، وأوحينا إليهم فعل الخيرات، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين"(الأنبياء: 68-73)

كذلك شهدناه في أمر الكون كله، وفي شأن سائر الخلائق والأحياء فيه:

"إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده. إنه كان حليماً غفوراً". (فاطر: 41)

"ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله؟ إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون" (النحل: 79)

"وكأيٍّ من دابة، لا تحمل رزقها. الله يرزقها وإياكم، وهو السميع العليم".(العنكبوت: 60)

"أفرأيتم ما تحرثون؟ أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون؟ لو نشاء لجعلناه حطاماً فظلتم تفكهون. إنا لمغرمون. بل نحن محرومون"… (إلى آخر الآيات) (الواقعة: 63-73)

"أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها؟ والله يحكم لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب".(الرعد: 41)

والقرآن كله معرض هذه "الإيجابية" وهي أساس التصور الإسلامي –بعد التوحيد- وهي التي تتجلى فيها حقيقة التوحيد. فالتوحيد الإسلامي يمتاز بأنه توحيد الفاعلية والتأثير وليس مجرد التوحيد السلبي الذي يصفه أرسطو، أو يصفه أفلوطين!

واستقرار هذه الحقيقة في ضمير الجماعة المسلمة الأولى هو الذي أنشأ هذه المجموعة الفريدة الممتازة في تاريخ البشرية كله على الإطلاق، وبدون استثناء. فقد عاشوا هذه الحقيقة. عاشوها حية في نفوسهم. عاشوها ليل نهار، وصباح مساء. عاشوها كما يعيشون حياتهم اليومية الواقعة. عاشوا مع الله. يحسون وجوده في نفوسهم وفي حياتهم أعمق من حس اللمس والرؤية. عاشوا في كنفه وفي رعايته. وعاشوا تحت عينه وفي رقابته. والتمسوا يده –سبحانه- تتدخل تدخلاً مباشراً في الصغير والكبير من أمورهم، وتنقّل خطاهم، وترقبها، وترشدهم، وتعقّب عليهم في الصغيرة وفي الكبيرة.. ومن ثم كانوا هذا الذي كانوا: من الحساسية والطمأنينة معاً. ومن اليقظة والراحة معاً. ومن التوكل والفاعلية معاً. ومن الخوف والطمع معاً.

ومن التواضع والعزة معاً –التواضع لله والعزة بالله- ومن الخضوع والاستعلاء معاً – الخضوع لله والاستعلاء على أعداء الله – ومن ثم صنع الله بهم في هذه الأرض ما صنع من الصلاح والعمار، ومن الرفعة والطهارة، مما لم يسبق ولم يلحق في تاريخ بني الإنسان …والصفحة الأخرى للإيجابية في التصور الإسلامي .. هي إيجابية الإنسان في الكون. وإيجابية المؤمن بهذه العقيدة في واقع الحياة على وجه خاص.

إن هذا التصور ما يكاد يستقر في الضمير، حتى يتحرك ليحقق مدلوله في صورة عملية، وليترجم ذاته، في حالة واقعية. والمؤمن بهذا الدين ما يكاد الإيمان يستقر في ضميره حتى يحس أنه قوة فاعلة مؤثرة. فاعلة في ذات نفسه، وفي الكون من حوله.

إن التصور الإسلامي ليس تصوراً سلبياً يعيش في عالم الضمير. قانعاً بوجوده هناك في صورة مثالية نظرية! أو تصوفية روحانية! إنما هو "تصميم" لواقع مطلوب إنشاؤه، وفق هذا التصميم. وطالما هذا الواقع لم يوجد فلا قيمة لذلك التصميم في ذاته، إلا باعتباره حافزاً لا يهدأ لتحقق ذاته.

هذا ما يثيره التصور الإسلامي في شعور المسلم… ومن ثم يجد دائماً هاتفاً ملحاً في أعماقه، يهب به إلى تحقيق هذا التصور في دنيا الواقع، ويؤرقه، حتى يهب للعمل، ويفرغ طاقته الإيمانية كلها في هذا العمل الإيجابي البناء. وفي إنشاء واقع تتمثل فيه هذه العقيدة في حياة الناس.

وحيثما ذكر الإيمان في القرآن أو ذكر المؤمنون، ذكر العمل، الذي هو الترجمة الواقعية للإيمان، فليس الأمر مجرد مشاعر. إنما هو مشاعر تُفرَّغ في حركة، لإنشاء واقع، وفق "التصميم" الإسلامي للحياة، أو وفق التصور الإسلامي للحياة ..

"إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله – ثم لم يرتابوا- وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل اله. أولئك هم الصادقون".(الحجرات: 15)

"وعد اله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً. يعبدونني لا يشركون بي شيئاً. ومن كفر بعد ذلك، فأولئك هم الفاسقون".(النور: 55)

"كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله".(آل عمران: 110)

"فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى، بعضكم من بعض، فالذين هاجروا، وأخرجوا من ديارهم، وأوذوا في سبيلي، وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم، ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار، ثواباً من عند الله، والله عنده حسن الثواب".(آل عمران: 195)

"والعصر. إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر".(سورة العصر)

فليس هنالك إيمان هو مجرد مشاعر في الوجدان، أو تصورات في الذهن، لا ترجمة لها في واقع الحياة. وليس هنالك إيمان هو مجرد شعائر تعبدية ليس معها عمل يكيف منهجا لحياة كله ويخضعه لشريعة الله( ).

ثم يحس المسلم – من وحي تصوره الإسلامي أنه –شخصياً- مطالب بأداء شهادة لهذا الدين، لا يستريح ضميره، ولا يطمئن باله، ولا يستشعر أنه أدّى حق نعمة الله عليه بالإسلام. وأنه يطمع –من ثم- في النجاة من عذاب الله في الدنيا والآخرة … إلا أن يؤدي هذه الشهادة كاملة، بكل تكاليفها في النفس والجهد والمال( ).

"وكذلك جعلناكم أمة وسطاً، لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيداً".(البقرة: 143)

"ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله؟". (البقرة: 140)

وهو يؤدي هذه الشهادة .. أولاً .. في ذات نفسه: بأن يطابق بين واقع حياته الشخصية، في كل جزئية من جزئيات نشاطه، وبين مقتضيات التصور الذي يقوم عليه اعتقاده. فليست هنالك حركة واحدة من حركات حياته، إلا وهو مطالب بأن يشهد فيها لهذا الدين. شهادة عملية. لا شهادة اللسان وحده، ولا شهادة القلب معه كذلك. ولكن شهادة العمل المصدق للإيمان، المجسّم للعيان، المنشئ لآثاره في عالم الواقع وفي دنيا الناس.

وهو يؤديها –ثانية- في دعوة الآخرين إلى هذا المنهج، وبيانه لهم. مسوقاً في هذه الدعوة وهذا البيان بدوافع كثيرة أولها: دافع أداء الشهادة لينجو من الله، وليؤدي حق نعمته عليه بهدايته إلى الإسلام.. وثانيها: حب الخير للناس، وهدايتهم إلى هذا الخير الذي هُدِيَ هو إليه، والذي لا يحتجنه لنفسه، ولا لأسرته، ولا لعشيرته، ولا لقومه، ولا لجنسه. لأنه يتعلم من هذا التصور ذاته أن البشر كلهم إخوة.. وثالثها: شعوره بأن تبعة ضلال الناس – إذا ضلوا- إنما تقع على عاتقه هو، ما لم يبين لهم –بعد ما عرف وتبين- وهي تبعة ثقيلة تنوء بضميره، وتنوء بكاهله، وقد علم أنها تبعة الرسل – صلوات الله وسلامه عليهم- وأنه هو مستخلف فيها عن الرسل، ومسؤول عنها بعدهم.

"رسلاً مبشرين ومنذرين، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل" ..(النساء: 165)

"وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً.(الإسراء: 15)

وهو يؤديها .. أخيراً .. بالعمل على تحقيق منهج الله في حياة الناس، وإقامة النظام الذي ينبثق من ذلك التصور، وإقامة حياة الجماعة الإنسانية على أساس هذا النظام. باعتبار أن هذا التصور هو "تصميم" لعالم واقعي، يراد إخراجه وتحقيقه، ليتحقق وجود الإسلام في الأرض، ولتخلص الألوهية لله، إذ لا وجود للإسلام بدون قيام مجتمع يعيش بهذا النظام، ويعترف لله وحده بالألوهية، فلا يتلقى في منهج حياته الأساسي إلا من الله. ثم ليستحق المسلمون نصر الله وتأييده الذي وعدهم إياه. وشرط له شرطاً واضحاً لا عوج فيه:

"ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز. الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور".(الحج: 40، 41)

وفي طبيعة التصور الإسلامي ذاته ما يحفز الإنسان لمحاولة الحركة الإيجابية، لتحقيق هذا المنهج في صورة واقعية. فالمسلم يعرف – من تصوره الإسلامي- أن "الإنسان" قوة إيجابية فاعلة في هذه الأرض، وأنه ليس عاملاً سلبياً في نظامها فهو مخلوق ابتداء ليستخلف فيها. وهو مستخلف فيها ليحقق منهج الله في صورته الواقعية: لينشئ ويعمر، وليغيّر ويطوّر، وليصلح، وينمّي. وهو معانٌ على هذه الخلافة: معانٌ من الله سبحانه بجعل النواميس الكونية وطبيعة الكون الذي يعيش فيه معاونة له.

"وهو الذي أنزل من السماء ماء، لكم منه شراب، ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات، إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون. وسخر لكم الليل والنهار، والشمس والقمر، والنجوم مسخرات بأمره، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون. وما ذرأ لكم في الأرض مختلفاً ألوانه، إن في ذلك لآية لقوم يذّكّرون. وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً. وتستخرجوا منه حلية تلبسونها، وترى الفلك مواخر فيه، ولتبتغوا من فضله، ولعلكم تشكرون. وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم، وأنهاراً وسبلاً لعلكم تهتدون. وعلامات وبالنجم هم يهتدون".(النحل: 10-16)

وهو مُعان من الله كذلك بما وهبه من القوى والاستعدادات الذاتية، وهو يكلفه أمر الخلافة:

"والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون".(النحل: 78)

وشرط هذه الخلافة عند المسلم معروف:

"قلنا اهبطوا منها جميعاً. فإما يأتينكم مني هدى، فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون".(البقرة: 38، 39)

وشعوره بأنه مكلف بالعمل، ومعانٌ عليه، ينفي عنه الشعور بالسلبية في نظام هذا الكون – سواء بالقياس إلى القوى الكونية، أو بالقياس إلى قدر الله تعالى –فهنالك الاستعدادات الذاتية الموهوبة له، وهناك تسخير القوى الكونية لمساعدته، وهناك التوازن بين مشيئة الله المطلقة وحركة الإنسان الإيجابية. كما أسلفنا.

وانتفاء الشعور بالسلبية يهيئه للحركة والتأثير والفاعلية. غير أن الإسلام لا يكتفي بأن يدفع عن المسلم الشعور بالسلبية. بل هو يمده بدوافع الحركة الإيجابية كذلك. إذ يعلّمه أن قدر الله ينفذ فيه والأرض من حوله، عن طريق حركته هو ذاته:

"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".(الرعد: 11)

"قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم، ويخزهم وينصركم عليهم، ويشف صدور قوم مؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء، والله عليم حكيم".(التوبة: 14، 15)

"لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم، ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً".(الأحزاب: 60)

"ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين".(البقرة: 251)

"ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ليذيقهم بعض الذي عملوا، لعلهم ىيرجعون".(الروم: 41)

كما يعلّمه ان الله لا يرضى منه الشعور في الضمير، والكلمة على اللسان. ولا يدعه حتى يترجم ذلك في حياته واقعاً، يحاسبه عليه، ويجازيه بحسبه .. حتى الهدى من الله إنما يناله جزاء على الجهد فيه:

"والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين".(العنكبوت: 69)

"أم حسبتم أن تدخلوا الجنة، ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين".(آل عمران: 142)

"وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون. وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون".(التوبة: 105)

بهذا كله يستشعر المسلم أن وجوده على الأرض ليس فلتة عابرة، إنما هو قدر مقدور، مرسوم له طريقه ووجهته وغاية وجوده … وأن وجوده على الأرض يقتضيه حركة وعملاً إيجابياً، في ذات نفسه. وفي الآخرين من حوله. وفي هذه الأرض التي هو مستخلف فيها، وفي هذا الكون المحسوب حسابه في تصميمه … وأنه لا يبلغ شكر نعمة الله عليه بالوجود، ونعمة الله عليه بالإيمان، ولا يطمع في النجاة من حساب الله وعذابه، إلا بأن يؤدي دوره الإيجابي في خلافة الأرض، وفق شرط الله ومنهجه، وتطبيق هذا المنهج في حياته وفي حياة غيره، والجهاد لدفع الفساد عن هذه الأرض التي هو قيم عليها والفساد في الأرض إنما ينشأ عن عدم تطبيق منهج الله في عالم الواقع، ودنيا الناس، حياة الجماعات – وأن وزر هذا الفساد –حين يقع- واقع على عاتقه هو، ما لم يؤد الشهادة لله في نفسهن وفي غيره، وفي الأرض كلها من حوله.

وتصوّر المسلم للأمر على هذا النحو، لا جرم يرفع من قيمته في نظر نفسه، كما يرفع من اهتماماته. بقدر ما يشعره بضخامة التبعة الملقاة على عاتقه، وبثقل العبء الذي يحمله، ويكدح فيه حتى يلاقي الله ربه، وقد أدى الأمانة، وأدى الشهادة، ووفى بحق النعمة – فيما يملك من الطاقة- وطمع في النجاة من عذاب الله، وزحزح عن النار…


الواقعيــــة

" قل: سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولا؟ "

والخاصية السادسة من خواص التصور الإسلامي هي .. الواقعية( ) .. فهو تصور يتعامل مع الحقائق الموضوعية، ذات الوجود الحقيقي المستيقن، والأثر الواقعي الإيجابي. لا مع تصورات عقلية مجردة، ولا مع "مثاليات" لا مقابل لها في عالم الواقع، أو لا وجود لها في عالم الواقع.

ثم إن "التصميم" الذي يضعه للحياة البشرية يحمل طابع الواقعية كذلك، لأنه قابل للتحقيق الواقعي في الحياة الإنسانية…ولكنها في الوقت ذاته واقعية مثالية، أو مثالية واقعية، لأنها تهدف إلى أرفع مستوى وأكمل نموذج، تملك البشرية أن تصعد إليه..وسنحاول هنا شرح هذين المدلولين من مدلولات الواقعية، في التصور الإسلامي:

إنه يتعامل مع الحقائق الموضوعية. ذات الوجود الحقيقي المستيقن، والأثر الواقعي الإيجابي.. يتعامل مع الحقيقة الإلهية، متمثلة في آثارها الإيجابية، وفاعليتها الواقعية … ويتعامل مع الحقيقة الكونية، متمثلة في مشاهدها المحسوسة، المؤثرة. أو المتأثرة …ويتعامل مع الحقيقة الإنسانية، متمثلة في الأناسّي كما هم في عالم الواقع.. الإله الذي يتعامل معه هذا التصور هو "الله" المتفرد بالألوهية، وبكل خصائص الألوهية. ولكن هذه الخصائص كلها من عالم الواقع، ذات أثر في عالم الواقع، يمكن إدراك آثارها الواقعية، ولا يضرب العقل البشري في التيه ليتمثلها على هواه، في سلسلة من القضايا المنطقية المجردة – على طريقة "الميتا فيزيقا" بصفة عامة –ولكنها تتمثل في آثاره –سبحانه- في هذا الكون.. فالألوهية وخصائصها واقعية الأثر في هذا الكون. والإدراك البشري يحال إلى هذه الآثار الواقعية، ليرى فيها خصائص الألوهية، ممثلة في الصنعة الإلهية:

"فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون. وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تُظهرون. يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ويحي الأرض بعد موتها، وكذلك تخرجون. ومن آياته أن خلقكم من تراب، ثم إذا أنتم بشر تنتشرون. ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون. ومن آياته خلقُ السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم، إن في ذلك لآيات للعالمين. ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله، إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون. ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً، وينزل من السماء ماء، فيحيي به الأرض بعد موتها، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون. ومن آياته أن تقوم السماوات والأرض كل له قانتون. وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده – وهو أهون عليه- وله المثل الأعلى في السماوات والأرض، وهو العزيز الحكيم".(الروم: 17-27)

"إن الله فالق الحب والنوى، يخرج الحي من الميت، ومخرج الميت من الحي.. ذلكم الله .. فأنى تؤفكون؟ فالق الإصباح، وجعل الليل سكناً، والشمس والقمر حسباناً .. ذلك تقدير العزيز العليم. وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر، قد فصّلنا الآيات لقوم يعلمون. وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع، قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون. وهو الذي أنزل من السماء ماء، فأخرجنا به نبات كل شيء، فأخرجنا منه خضراً، نخرج منه حباً متراكباً، ومن النخل من طلعها قنوان دانية، وجنات من أعناب والزيتون والرمان، مشتبها وغير متشابه، انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه، إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون. وجعلوا لله شركاء الجن –وخلقهم- وخرقوا له بنين وبنات بغير علم، سبحانه وتعالى عما يصفون.

بديع السماوات والأرض، أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة؟ وخلق كل شيء، وهو بكل شيء عليم.. ذلكم الله ربكم، لا إله إلا هو، خالق كل شيء، فاعبدوه، وهو على كل شيء وكيل. لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير".(الأنعام: 95-103)

"قل: الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. الله خير أم ما يشركون؟. أم من خلق السماوات والأرض، وأنزل لكم من السماء ماء، فأنبتنا به حدائق ذات بهجة، ما كان لكم أن تنبتوا شجرها؟ أإله مع الله؟ بل هم قوم يعدلون. أم من جعل الأرض قراراً، وجعل خلالها أنهاراً، وجعل لها رواسي، وجعل بين البحرين حاجزاً؟ أإله مع الله؟ بل أكثرهم لا يعلمون. أم من يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء، ويجعلكم خلفاء الأرض؟ أإله مع الله؟ قليلاً ما تذكرون. أم من يهديكم في ظلمات البر والبحر، ومن يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته؟ أإله مع الله؟ تعالى عما يشركون. أم من يبدأ الخلق ثم يعيده، ومن يرزقكم من السماء والأرض؟ أإله مع الله؟ قل: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين".(النمل: 59-64)

"فاطر السماوات والأرض، وجعل لكم من أنفسكم أزواجاً، ومن الأنعام أزواجاً، يذرؤكم فيه، ليس كمثله شيء. وهو السميع البصير. له مقاليد السماوات والأرض، يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، إنه بكل شيء عليم".(الشورى: 11-12)

"إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده".(فاطر: 41)

وهكذا يتعامل التصور الإسلامي مع إله "موجود"، يدل خلقه على وجوده، "مريد". "فعال لما يريد" تدل حركة هذا الكون وما يجري فيه على إرادته وقدرته.

ومن ثم يفترق تصور الإله في الإسلام افتراقاً رئيسياً عنه في تصورات أفلاطون وأرسطو وأفلوطين. حيث تتعامل تصوراتهم مع إله "مثالي" يفرضون هم عليه "مثالية" من صنع عقولهم، ومن تصورات أحلامهم. وهو إله لا إرادة له ولا عمل. لأن هذا من مقتضى كماله أو مثاليته! ثم يضطرهم هذا الافتراض إلى افتراض وسائط شتى بين الإله والخلائق، وإلى تصورات وثنية وأسطورية كالتي كانت سائدة في الوثنية الإغريقية:

"فالوجود في مذهب أفلاطون طبقتان متقابلتان: طبقة العقل المطلق، وطبقة المادة الأولية أو الهيولي “Hyle” والقدرة كلها من العقل المطلق، والعجز كله من الهيولي .. وبين ذلك كائنات على درجات، تعلو بمقدار ما تأخذ من العقل، وتسفل بمقدار ما تأخذ من الهيولي.

"وهذه الكائنات المتوسطة، بعضها أرباب، وبعضها أنصاف أرباب، وبعضها نفوس بشرية. وقد ارتضى أفلاطون وجود تلك الأرباب المتوسطة، ليعلل بها ما في العالم من شر ونقص وألم، فإن العقل المطلق كمال لا يحده الزمان والمكان، ولا يصدر عنه إلا الخير والفضيلة. فهذه الأرباب الوسطى هي التي تولت الخلق، لتوسطها بين الإله القادر والهيولي العاجزة.. فجاء النقص والشر والألم من هذا التوسط بين الطرفين !!! ". "وكل هذه المظاهر المادية بطلان وخداع، لأنها تتغير وتتلون، وتتراءى للحس على أشكال وأوضاع لا تصمد على حال".

" وإنما الصمود والدوام للعقل المجرد دون غيره. وفي العقل المجرد تستقر الموجودات "الصحائح" أو المثل كما سميت في الكتب العربية. وهي كالعقل المجرد خالدة دائمة. لا تقبل النقص ولا يعرض لها الفساد !!! " " وهذه الصحائح هي المثل العليا لكل موجود يتلبس بالمادة أو الهيولي. فكل شجرة مثلاً فيها صفة أو صفات ناقصة من نعوت الشجرية. فأين هي الشجرة التي لا نقص فيها؟ هي في عقل الله منذ القدم. وكل تلبس بالمادة من خصائص الشجرية، فهو محاكاة لذلك المثل الأعلى"( ).

"والله عند أرسطو هو العلة الأولى، أو المحرك الأول.

" فلا بد لهذه المتحركات من محرك، ولابد للمحرك من محرك آخر متقدم عليه. وهكذا حتى ينتهي العقل إلى محرك بذاته، أو محرك لا يتحرك، لأن العقل لا يقبل التسلسل في الماضي إلى غير نهاية.

"وهذا المحرك الذي لا يتحرك لابد أن يكون سرمداً، لا أول له ولا آخر، وأن يكون كاملاً منزهاً عن النقص والتركيب والتعدد، وأن يكون مستغنياً بوجوده عن كل موجود.

" وهذا المحرك سابق للعالم في وجوده، سبق العلة لا سبق الزمان، كما تسبق المقدمات نتائجها في العقل، ولكنها لا تسبقها في الترتيب الزمني. لأن الزمان حركة العالم، فهو لا يسبقه. أو كما قال: "لا يُخلَق العالم في زمان".

"وعلى هذا يقول أرسطو بقدم العالم على سبيل الترجيح الذي يقارب اليقين. إلا أنه يقرر في كتاب "الجدل" أن قدم العالم مسألة لا تثبت بالبرهان.

"وإجمال براهينه في هذه القضية: أن إحداث العالم يستلزم تغييراً في إرادة الله. والله منزه عن الغير. فهو إذا أحدث العالم، فإنما يحدثه ليبقى –جل جلاله- كما كان. أو يحدثه لما هو أفضل. أو يحدثه لما هو مفضول. وكل هذه الفروض بعيدة عما يتصوره أرسطو في حق الله. فإذا حدث العالم وبقي الله كما كان، فذلك عبث. والله منزه عن العبث. وإذا أحدثه ليصبح أفضل مما كان، فلا محل للزيادة على كماله. وإذا أحدثه ليصبح مفضولاً، فذلك نقص يتنزه عنه الكمال!

"وإذا كانت إرادة قديمة لا تتغير، فوجود العالم ينبغي أن يكون قديماً كإرادة الله. لأن إرادة الله هي علة وجود العالم. وليست العلة مفتقرة إلى سبب خارج عنها، فلا موجب إذن لتأخر المعلول عن علته، أو لتأخر الموجودات عن سببها الذي لا سبب غيره.

"فالإنسان يجوز أن يريد اليوم شيئاً ثم يتأخر إنجازه، لنقص الوسيلة، أو لعارض طارئ، أو لعدول عن الإرادة. وكل ذلك ممتنع في حق الله!

"وقد أفرط أرسطو في هذا القياس، حتى قال: إن الله –جل وعلا- لا يعلم الموجودات، لأنها أقل من أن يعلمها. وإنما يعقل الله أفضل المعقولات. وليس أفضل من ذاته، فهو يعقل ذاته، وهو العاقل والعقل والمعقول. وذلك أفضل ما يكون !!! "( ).

"وقد بلغ أفلوطين غاية المدى في تنزيه الله. فالله عنده فوق الأشباه. وفوق الصفات، ولا يمكن الإخبار عنه بمحمول يطابق ذلك الموضوع."بل هو عنده فوق الوجود !

"وليس معنى ذلك أنه غير موجود، أو أنه عدم – لأن العدم دون الوجود وليس فوق الوجود – وإنما معناه أن حقيقة وجوده لا تقاس إلى الجواهر الموجودة، ولا تدخل معها في جنس واحد، ولا تعريف واحد. فهو "أحد"( ) بغير نظير في وجوده، ولا في صفاته، ولا في كل منسوب إليه.

"ويغلو أفلوطين أحياناً فيقول: إن الله لا يشعر بذاته. لأنه لا يميز ذاته من ذاته فيعرفها. ولكنه لصفات وجوده يتنزه عن ذلك التمييز، ويتنزه عن ذلك الشعور!!!"( ).

وهكذا نجد في هذه التصورات، وهي أعلى ما وصل إليه الفكر البشري في تصور كمال الله وتنزيهه – إلهاً من "صنع" الفكر البشري! إلهاً لا وجود له في عالم الحقيقة والواقع! لأن صفاته وخصائصه منتزعة من فروض عقلية مجردة، لا من النظر في واقع الوجود، وما يوحى به من صفات الخالق لهذا الوجود. ولا من الوحي الذي يصف الله –سبحانه- كما هو في الحقيقة!

ومن ثم تشتط هذه التصورات في "مثالية" لا رصيد لها من الواقع. لأنها لم تؤخذ من الواقع. إنما أخذت من التجريد العقلي. والفروض العقلية. وتنتهي هذه المثالية إلى نقص وعجز في تصور الكمال الإلهي – كما نرى من المقتبسات السابقة – في الوقت الذي تريد أن تبالغ في تقرير هذا الكمال.

وحين تقاس هذه المحاولات إلى التصور الإسلامي، يتبين معنى "الواقعية" التي تعنيها. فالحقيقة الإلهية في التصور الإسلامي، حقيقة فاعلة في هذا الوجود، وتلتمس خصائصها وصفاتها في آثارها الواقعية في هذا الوجود. وهذا ما يفصله القرآن الكريم وهو يصف الحقيقة الإلهية للناس، وهو يعرّفهم بربهم تعريفهاً يسيراً عميقاً واضحاً، وهو يستشهد بواقع الكون وواقع الناس، في منطق فطري واقعي جميل.

بمثل هذه الواقعية يواجه التصور الإسلامي الكون.. فهو يتعامل مع هذا الكون الواقعي الممثل في أجرام وأبعاد. وأشكال وأوضاع، وحركات وآثار وقوى وطاقات. لا مع الكون الذي هو "فكرة" مجردة عن الشكل والقالب. أو الكون الذي هو "إرادة" ممثلة في شكل وقالب. ولا مع الكون الذي هو "هيولي" ومادة أولية غير مشكلة، أو الكون الذي هو "صورة" أو "مثال" في العقل المطلق! أو الكون الذي هو "الطبيعة" الخالقة! التي تطبع الحقائق في العقل البشري! ولا مع الكون الذي هو عدم أو شبيه بالعدم.. إلى آخر هذه الأسماء، التي ليس لها مدلول "واقعي" يتعامل معه "الإنسان".

الكون هو هذا الخلق ذو الوجود الخارجي الذي يدركه الإنسان، ويوجه إليه قلبه وعقله في القرآن. هو هذه السماوات والأرض. هذه النجوم والكواكب.. هذه الكائنات الميتة والحية. والظواهر الكونية هي هذه الحياة وهذا الموت. وهذا الليل وهذا النهار. وهذا النور وهذا الظلام. وهذا المطر والبرق والرعد.. وهذا الظل وهذا الحرور. وهذه الأحوال والأطوار ذات الوجود الحقيقي، وذات الآثار الحقيقية.

وحين يوجه الإسلام الإدراك الإنساني إلى هذا الكون .. كدليل على وجود خالقه ووحدانيته، وقدرته وإرادته، وهيمنته وتدبيره، وعلمه وتقديره… فإنه يوجهه إلى هذا الكون ذي الكينونة الواقعية، والآثار الواقعية .. ولا يوجهه إلى كون هو "فكرة" مضمرة، أو "إرادة" منفّذة، ولا يوجهه إلى كون هو صورة في عقل الإله، أو "هيولي" تعارض تلك الصورة، أو تشوهها عندما تتلبس بها! ولا يوجهه إلى كون هو من صنع العقل، أو إلى كون هو صانع العقل.. إلى آخر هذه التصورات البحتة التي تتعامل مع نفسها، ولا تتعامل مع الواقع الكوني إطلاقاً!

الكون في التصور الإسلامي هو هذه الخلائق التي أبدعها الله، وقال لها: كوني فكانت، والتي نسقها الله بحيث لا تتعارض ولا تتصادم، والتي هي خاضعة لله، عابدة له، مسخرة لأمره، مؤدية لما أراده منها، ولما سخرها له، على أحسن وجه من الأداء:

"الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور. ثم الذين كفروا بربهم يعدلون".(الأنعام: 1)

"إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استوى على العرش، يدبر الأمر، ما من شفيع إلا من بعد إذنه. ذلكم الله ربكم فاعبدوه، أفلا تذكرون؟" … " هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً، وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب. ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون. إن في اختلاف الليل والنهار، وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون".(يونس: 3-6)

"الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها، ثم استوى على العرش، وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى. يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون. وهو الذي مدّ الأرض وجعل فيها رواسي وأنهاراً، ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين، يُغشي الليل النهار، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون. وفي الأرض قطع متجاورات، وجنات من أعناب وزرع، ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد، ونفضل بعضها على بعض في الأكل، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون".(الرعد: 2-4)

"ولقد جعلنا في السماء بروجاً وزيناها للناظرين" … "والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون. وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين. وغن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم. وأرسلنا الرياح لواقح، فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه، وما أنتم له بخازنين. وإنا لنحن نحي ونميت ونحن الوارثون".(الحجر: 16-23)

"والله جعل لكم مما خلق ظلالاً، وجعل لكم من الجبال أكنانا".(النحل: 81

"أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما، وجعلنا من الماء كل شيء حي. أفلا يؤمنون؟ وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم، وجعلنا فيها فجاجاً سبلا لعلهم يهتدون. وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً، وهم عن آياتها معرضون. وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر، كل في فلك يسبحون".(الأنبياء: 30-33)

"وترى الأرض هامدة، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج. ذلك بأن الله هو الحق. وأنه يحي الموتى، وأنه على كل شيء قدير. وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور".(الحج: 5-7)

"ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض، والفلك تجري في البحر بأمره، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه؟ إن الله بالناس لرؤوف رحيم. وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم. إن الإنسان لكفور".(الحج: 65-66)

"ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق، وما كنا عن الخلق غافلين، وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكنّاه في الأرض، وإنا على ذهاب به لقادرون. فأنشأنا لكم به جنات ونخيل وأعناب، لكم فيها فواكه كثيرة، ومنها تأكلون".(المؤمنون: 17-19)

"ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء، فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها، ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها، وغرابيب سود. ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه، إنما يخشى الله من عباده العلماء، إن الله عزيز غفور".(فاطر: 27-28)

"أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها، وما لها من فروج، والأرض مددناها، وألقينا فيها رواسي، وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب. ونزلنا من السماء ماء مباركاً، فأنبتنا به جنات وحب الحصيد، والنخل باسقات لها طلع نضيد. رزقاً للعباد وأحيينا به بلدة ميتاً. كذلك الخروج"..(ق: 6-11)

"تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير. الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، وهو العزيز الغفور. الذي خلق سبع سماوات طباقاً، ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت. فارجع البصر. هل ترى من فطور. ثم ارجع البصر كرتين، ينقلب إليك البصر خاسئاً، وهو حسير، ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح، وجعلناها رجوماً للشياطين".(الملك: 1-5)

"ألم تر إلى ربك كيف مدّ الظل؟ ولو شاء لجعله ساكناً، ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً. ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً. وهو الذي جعل لكم الليل لباساً والنوم سباتاً، وجعل النهار نشوراً. وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته، وأنزلنا من السماء ماء طهوراً. لنحيي به بلدة ميتاً، ونسقيه مما خلقنا أنعاماً وأناسىّ كثيراً".(الفرقان: 45-49)

وهكذا يتعامل التصور الإسلامي مع كون له وجود واقعي. يختلف بطبيعة الحال عن "وجود الله" سبحانه. ولكنه وجود له خصائص مدركه من واقع هذا العالم، وليست منتزعة من تصورات ذهنية مجردة، ولا من دعاوى يمليها الهوى من غير دليل!

وتتضح واقعية هذا الكون في التصور الإسلامي، حين نستعرض –على سبيل المثال- تصور "البراهمية".

واعتبارها أن الوجود الواحد هو وجود "براهما" – الإله الأعظم – أما هذا الكون المادي فهو "عدم محض يقابل ذلك "الوجود" .. غير أن "الوجود" حلّ في "العدم" ومن ثم وجد الشر في العالم. لأن الوجود خير محض وكما محض. أما العدم، فهو شر محض أو نقص محض. وخطة الإنسان للتخلص من الشر –وهو كل ما له جسم- تنحصر من هذا الجسم، لكي يعود "الوجود" الذي فيه إلى وصفه المطلق. وينطلق من إسار هذا "العدم" الناقص الشرير الذي حل فيه!.

كذلك تتضح واقعية الكون في التصور الإسلامي، حين نراجع تصور أفلاطون لهذا الوجود المادي. وأنه مجرد ظل لعالم المثل. فالشجرة التي تراها هي ظل لمثال الشجرة المكنون في العقل المطلق! وهو ناقص لا يمثل كمال المثال الذي هو في عقل الإله و "النفس الكلية" – التي هي من عالم المثل- هي الصلة بين الأشياء "المثالية" كما هي في العقل المطلق، والأشياء الصورية ظلال المثل –غير الحقيقية- التي هي في عالم المادة، الذي نلمسه ونراه!

وأفلوطين – كما تقدم- يرى أن هناك "الأحد" وهو الإله. وقد صدر عنه "العقل" وعن العقل صدرت الروح أو "النفس الكلية" وهذه أوجدت العالم المحسوس نيابة عن العقل! – وهذا العالم المحسوس أصله المادة. وهي أحط الموجودات. وهي "ظلام" ! وهي شر وفساد!… الخ … الخ.

وحين توازن هذه التصورات المنتزعة من لا شيء! إلا من خيالات العقل البشري وتأويلاته، دون تلبس بواقعيات هذا الكون وحقائقه الموضوعية .. حين توازن هذه التصورات بالتصور الإسلامي، كما تمثله تلك النصوص القرآنية التي سردناها –وراءها في القرآن كثير- يتبين معنى "الواقعية" الذي نعنيه في التصور الإسلامي.

كذلك يتعامل التصور الإسلامي مع الإنسان .. مع هذا الإنسان الواقعي، الممثل في هؤلاء البشر كما هم، بحقيقتهم الموجودة!. مع هذا الإنسان ذي التركيب الخاص، والكينونة الخاصة. الإنسان من لحم ودم وأعصاب. وعقل ونفس وروح، الإنسان ذي النوازع والأشواق، والرغائب والضرورات. الإنسان الذي يأكل الطعام ويمشي في الأسواق. ويحيا ويموت. ويبدأ وينتهي. ويؤثر ويتأثر. ويحب ويكره. ويرجو ويخاف. ويطمع ويياس. ويعلو وينحط. ويؤمن ويكفر. ويهتدي ويضل. ويعمر الأرض أو يفسد فيها ويقتل الحرث والنسل. إلى أخر سمات الإنسان الواقعي، وصفاته المميزة:

"يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء. واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام. إن الله كان عليكم رقيباً".(النساء: 1)

" يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير".(الحجرات: 13)

"سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون".(يس: 36)

"ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقة، فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظاماً، فكسونا العظام لحماً. ثم أنشأناه خلقاً آخر. فتبارك الله أحسن الخالقين".)المؤمنون: 12-14)

"هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً. إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً. إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً".(الإنسان: 1-3)

"قتل الإنسان! ما أكفره! من أي شيء خلقه؟ من نطفة خلقه فقدره. ثم السبيل يسره. ثم أماته فأقبره. ثم إذا شاء أنشره".(عبس: 17-22)

"وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً. فلما كشفنا عنه ضره مرّ كأن لم يدعنا إلى ضر مسه. كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون".(يونس: 12)

"وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذاً لهم مكر في آياتنا. قل الله أسرع مكراً. إن رسلنا يكتبون ما تمكرون".(يونس: 21)

"ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة، ثم نزعناها، إنه ليئوس كفور. ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته، ليقولن: ذهب السيئات عني. إنه لفرح فخور. إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات، أولئك لهم مغفرة وأجر كبير".(هود: 9-11)

"ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا، ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام. وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد" … "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، والله رؤوف بالعباد"…(البقرة: 204-207)

وهكذا يتعامل التصور الإسلامي مع "الإنسان" الذي هو كائن واقعين له خصائصه، وله مشخصاته وله فاعليته وله انفعاله، وله تأثره وله تأثيراته.. لا مع معنى مجرد، أو فرض من الفروض لا رصيد له من الواقع.

إنه لا يتعامل مع "الإنسانية" كمعنى مجرد، ولا يتخذها إلهاً يتوجه إليه بالعبادة( ) بينما هذا المعنى المجرد لا وجود له، أو لا ضابط لهن في عالم الواقع.. ولا يتعامل مع "العقل المطلق"( ). ككائن مشخص، لأن العقل المطلق ليست له كينونة واقعية. إنما هناك العقل المفرد، في كل فرد على حدة. ومن ثم فليس هو الذي يخلق الكون أو يخلق الروح( ).

إنه يختلف عن "المثالية العقلية" التي تتعامل مع مقولات عقلية بحتة، لا صلة لها بالموجودات المؤثرة والمتأثرة في الكون والحياة.

وفي الوقت نفسه يفترق عن "الوضعية الحسية" التي تتخذ من الطبيعة إلهاً يخلق العقل! ويخلق المدركات العقلية! فالله –في التصور الإسلامي- هو خالق "الطبيعة" وخالق "الإنسان"! والعقل الإنساني يدرك نواميس الطبيعة، ويتعلم قوانينها، ويتعرف إلى طاقاتها ومدخراتها، ويؤثر فيها تأثيراً إيجابياً، ويتأثر بها تأثراً حسياً وعقلياً .. في توازن واعتدال.

وكأنما كان الإسلام –بل هو كان- ينظر من وراء القرون إلى هذه اللوثات التي ستصيب البشرية، على أيدي "الفلاسفة" و "المفكرين" المحدثين .. من "مثالية عقلية" إلى "وضعية حسية" إلى "مادية جدلية" … فصاغ تصوره في هذا التوازن العجيب. الشامل المتكامل. ليستقر منه الضمير البشري على قرار ثابت. وليعود إليه الإدراك الفصل. ويجد عنده الهدى والنور في متاهات العقول والأهواء؟

وصدق الله العظيم:

"إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم"(الإسراء: 9)

" ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله، وعمل صالحاً، وقال: إنني من المسلمين".(فصلت: 33)

فأما المدلول الثاني للواقعية في التصور الإسلامي، فيتعلق بطبيعة المنهج الذي يقدمه للحياة البشرية. وواقعية هذا المنهج، مع طبيعة الإنسان، وطبيعة الظروف التي تحيط بحياته في الكون، ومدى طاقاته الواقعية الحقيقية:

إن "الإنسان" –في التصور الإسلامي- هو هذا "الإنسان" الذي نعهده. هذا الإنسان بقوته وضعفه. بنوازعه وأشواقه. بلحمه ودمه وأعصابه، بجسمه وعقله وروحه … إنه ليس الإنسان كما يريده خيال جامح، أو كما يتمناه حلم سابح مع قضايا ذهنية من قضايا المنطق الشكلي! كما أنه ليس الإنسان الذي يضعه المنطق الوضعي في أسفل سافلين، ويجعله مخلوقاً من مخلوقات هذه "المادة" الصماء! أو من مخلوقات "الاقتصاد"! إنه الإنسان الذي خلقه الله ليستخلفه في هذه الأرض، فيقوم فيها بالخلافة الحركية الإيجابية، التي تنشئ وتبدع في عالم المادة ما يتم به قدر الله في الأرض والأحياء والناس.

إنه الإنسان "الواقعي" كما أسلفنا. ومن ثم فإن المنهج الذي يرسمه له الإسلام منهج واقعي كذلك. منهج حركي. تنطبق حدوده على حدود طاقات الإنسان، وتكوينه وواقعية لحمه ودمه وأعصابه، وجسمه وعقله وروحه. الممتزجة في ذلك الكيان.

والمنهج الإسلامي للحياة –على كل رفعته ونظافته وربانيته ومثاليته- هو في الوقت ذاته منهج لهذا الإنسان- في حدود طاقاته الواقعية- ونظام لحياة هذا الكائن البشري الذي يعيش على هذه الأرض. ويأكل الطعام، ويمشي في الأسواق، ويتزوج ويتناسل ويحب ويكره، ويرجو ويخاف، ويزاول كل خصائص الإنسان الواقعي كما خلقه الله.

وهو يأخذ في اعتباره فطرة هذا الإنسان، وطاقاته واستعداداته، وفضائله ورذائله وقوته وضعفه .. فلا يسوء ظنه بهذا الكائن، ولا يحتقر دوره في الأرض، ولا يهدر قيمته في صورة ما من صور حياته. كما أنه لا يرفع هذا الإنسان إلى مقام الألوهية، ولا يخلع عليه شيئاً من خصائصها. كذلك لا يتصوره ملكاً نورانياً شفيفاً لا يتلبس بمقتضيات التكوين المادي، ومن ثم لا يستقذر دوافع فطرته ومقتضيات هذا التكوين الفطري. ومع اعتبار المنهج الإسلامي لإنسانية الإنسان من جميع الوجوه فهو وحده الذي يملك أن يصل به إلى أرفع مستوى، وأكمل وضع، يبلغ إليه الإنسان، في أي زمان وفي أي مكان.

وليس هنا مكان تفصيل هذه الحقيقة. فسيجئ موضعها في القسم الثاني من هذا البحث عند الكلام عن حقيقة الإنسان.. فنكتفي هنا بهذا القدر. لنخلص منه إلى بعض النصوص، التي تصور واقعية المنهج الإسلامي، وانطباقها على واقعية الكائن الإنساني، مع الهتاف له دائماً بالرفعة والطهارة، وبلوغ أقصى كماله المقدر له في حدود فطرته.

"وقالوا: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق؟ لولا أنزل إليه ملك، فيكون معه نذيراً! أو يلقى إليه كنز! أو تكون له جنة يأكل منها؟ وقال الظالمون: إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً. انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا، فلا يستطيعون سبيلا. تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك: جنات تجري من تحتها الأنهار، ويجعل لك قصوراً".(الفرقان: 7-10)

"وقالوا: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا. أو تكون لك جنة من نخيل وعنب. فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً. أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً. أو تأتي بالله والملائكة قبيلا. أو يكون لك بيت من زخرف. أو ترقى في السماء. ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه! قل: سبحان ربي! هل كنت إلا بشراً رسولاً؟".(الإسراء: 90-93)

لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت".(البقرة: 286)

"ويسألونك عن المحيض. قل: هو أذى. فاعتزلوا النساء في المحيض، ولا تقربوهن حتى يطهرن، فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله. إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين. نساؤكم حرث لكم، فأتوا حرثكم أنى شئتم، وقدموا لأنفسكم، واتقوا الله، واعلموا أنكم ملاقوه، وبشر المؤمنين". (البقرة: 222-223)

"كتب عليكم القتال وهو كره لكم. وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكمن والله يعلم وأنتم لا تعلمون".(البقرة: 216)

"زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة. والخيل المسومة والأنعام والحرث. ذلك متاع الحياة الدنيا، والله عنده حسن المآب. قل: أؤنبئكم بخير من ذلكم؟ للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، وأزواج مطهرة، ورضوان من الله، والله بصير بالعباد". (آل عمران: 14-15)

"وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين. الذين ينفقون في السراء والضراء، والكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين. والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم – ومن يغفر الذنوب إلا الله – ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون: أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم، وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، ونعم أجر العاملين".(آل عمران: 133-136)

"الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم. فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله. واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع، واضربوهن، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا. إن الله كان علياً كبيراً".(النساء: 34)

"فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة، ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب، فسوف نؤتيه أجراً عظيماً: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان، الذين يقولون: ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها، واجعل لنا من لدنك وليا، واجعل لنا من لدنك نصيراً. الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت. فقتلوا أولياء الشيطان. إن كيد الشيطان كان ضعيفاً"ؤؤ.(النساء: 74-76)

"يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله، شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا. اعدلوا هو أقرب للتقوى. واتقوا الله، إن الله خبير بما تعملون".(المائدة: 8)

"يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد، وكلوا واشربوا، ولا تسرفوا، إنه لا يحب المسرفين. قل: من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق. قل: هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا، خالصة يوم القيامة، كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون. قل: إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والإثم والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون".(الأعراف: 31-33)

وكلما مضينا هكذا مع النصوص القرآنية التي تقرر تكاليف الحياة الإسلامية، وتضع حدود المنهج الإسلامي للحياة، لاحظنا "الواقعية" في هذا المنهج وانطباقها على واقعية الفطرة الإنسانية، وحدود طاقاتها الموهوبة لها، وحدود الاستعدادات المهيأة للعمل والنشاط. بحيث لا تكبت طاقة واحدة، ولا تكف عن العمل، وبحيث لا تكلف كذلك أكبر من وسعها، ولا تكلف ما ليس من طبعها وفطرتها.

وتتجلى هذه الواقعية بوضوح حين ننظر مثلاً فيما تتطلبه العقيدة البراهمية من معتنقيها وحين نراها تطلب إليهم الكف عن كل ما ينمي أو يصون تكوينهم الجسدي، وذلك كي تسارع أرواحهم في الانطلاق من قيد الجسد، والخلاص من هذا "العدم" المظلم الناقص الشرير، والعودة إلى "الوجود" الكامل الخير المنير! كذلك حين ننظر إلى التصورات الكنسية التي اصطبغت بها النصرانية، ونراها تعامل التكوين الإنساني – المؤلف من المادة والروح- في حالة ازدواج مركب كامل –كما لو كان غلظة منكرة! يجب التخلص منها، والتطلع إلى هذا الخلاص في انفصال عالم الروح عن عالم الجسد، وفي استقذار كل ما هو جسدي على الإطلاق.

فضلاً على تكليف الإنسان ما لا يطاق.. على سبيل المثال، معاشرة زوجة لا يطيق عشرتها. أو الانفصال عنها –دون طلاق- مع عدم معاشرة زوجة أخرى بعدها! .. وغير هذا كثير في التصورات الكنسية، التي تصادم فطرة الإنسان وتكوينه الواقعي!

إن الإسلام دين للواقع. دين للحياة. دين للحركة. دين للعمل والنتاج والنماء دين تطابق تكاليفه للإنسان فطرة هذا الإنسان. بحيث تعمل جميع الطاقات الإنسانية عملها الذي خلقت من أجله. وفي الوقت ذاته يبلغ الإنسان أقصى كماله الإنساني المقدر له، عن طريق العمل والحركة، وتلبية الطاقات والأشواق، لا كبتها أو كفها عن العمل، ولا إهدار قيمتها واستقذار دوافعها..

ومن ثم تتحقق صفة "الواقعية" للمنهج الإسلامي الموضوع للحياة البشرية، تحققها للتصور الإسلامي ذاته عن الله والكون والحياة والإنسان. ويتطابق التصور الاعتقادي والنهج العملي في هذا الدين تطابقاً لا تفاوت فيه.

ومن ثم ينطلق الإنسان بكل طاقاته، يعمّر في هذه الأرض ويغيرن وينمي في موجوداتها ويطوّر، ويبدع في عالم المادة ما شاء الله له أن يبدع. لا يقف في وجه حاجز من التصور الاعتقادين ولا من المنهج العملي. فكلاهما "واقعي" مطابق لواقعية الكينونة الإنسانية وللظروف الحقيقية المحيطة بها في هذا الكون من حولها. وكلاهما صادر من الجهة التي صدر عنها الإنسان، والتي زودته بطاقاته واستعداداته.

ومن ثم يتسنى للإنسان، المؤمن بهذه العقيدة، المدرك لحقيقة التصور الإسلامي، وللمنهج الإسلامي المنبثق منه، أن ينشئ من الآثار الواقعية في هذه الأرض، وأن يحقق من الإبداع المادي فيها، وفاق ما ينشئه من الصلاح الأخلاقي، وكفاء ما يحققه من الرفعة والتطهر. في تناسق وتوازن وشمول وإيجابية وواقعية:

"فطرة الله التي فطر الناس عليها. لا تبديل لخلق الله. ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون".(الروم: 30)


التوحيـــد

"وما أرسـلنا من قبلك من رسول إلاّ نوحي إليه أنّه لا إله إلا أنا فاعبدون"

التوحيد هو المقوّم الأول للتصور الإسلامي، بما أنه هو الحقيقة الأساسية في العقيدة الإسلامية، ولكنه كذلك هو إحدى خصائص هذا التصور، بما أن التصور الإسلامي يتفرد بهذه الصور الخالصة من التوحيد، من بين سائر التصورات الاعتقادية والفلسفية السائدة في الأرض جميعاً.. وبهذا الاعتبار نتحدث هنا عن "التوحيد" ضمن "خصائص التصور الإسلامي" كما سنتحدث عنه في القسم الثاني من هذا البحث، ضمن "مقومات التصور الإسلامي"..

نتحدث عنه هنا ضمن الخصائص، لنبين نوع تفرد التصور الإسلامي بهذه الخاصية، من بين سائر التصورات الاعتقادية والفلسفية السائدة في جنبات الأرض.

ونبادر فنقرر أن "التوحيد" كان هو "الخاصية" البارزة في كل دين جاء به من عند الله رسول. كما أنه كان "المقوّم الأول" في دين الله كله .. وأن "الإسلام" – على إطلاقه- كان هو الدين الذي جاء به كل رسول.

بما أن الدين هو إسلام الوجه لله وحده، واتباع منهج الله -وحده- في كل شؤون الحياة، والتلقي من الله –وحده- في هذا الشؤون كلها، والعبودية لله وحده بطاعة منهجه وشريعته ونظامه، والعبادة لله وحده سواء في الشعائر التعبدية أو في نظام الحياة الواقعية .. ولكن التحريفات والانحرافات التي وقعت في تصورات أتباع الرسل، إلى جانب طغيان الجاهليات على الديانات، لم تبق في الأرض كلها من تصور ديني صحيح، إلا التصور الذي جاء به محمد –صلى الله عليه وسلم- وحفظ الله أصوله، فلم تمتد إليها يد التحريف، ولم تطمسها كذلك الجاهليات التي طغت على حياة الناس .. ومن ثم أصبح "التوحيد" خاصية من خصائص هذا الدين.

هنالك اعتبار آخر يجعل من حقنا أن نقرر هذه الحقيقة .. حقيقة أن التوحيد خاصية لهذا التصور. وهو المساحة التي تشملها حقيقة التوحيد في العقيدة الإسلامية، والجوانب التي تمتد إليها في هذا التصور، وفيما يقوم على هذا التصور من مشاعر وأخلاق وسلوك وتنظيم لجوانب الحياة الواقعية .. فقد امتدت هذه الحقيقة إلى تصور المسلم للكون كله، وتصوره لحقيقة القوة الفاعلة فيه، وتصوره لحقيقة القوة الفاعلة على حياته هو بحذافيرها.

كما أمتدت إلى تنظيم جوانب الحياة الإنسانية كلها: خافيها وظاهرها. صغيرها وكبيرها. حقيرها وجليلها. شعائرها وشرائعها. اعتقاديها وعمليها. فرديها وجماعيها. دنيويها وأخرويها .. بحيث لا تفلت ذرة واحدة منها من عقيدة التوحيد الشاملة.. كما سبق أن بينا في خاصية "الشمول" .. وكما سنبين بالتفصيل في القسم الثاني من هذا البحث عند الكلام عن "حقيقة الألوهية".

يقوم التصور الإسلامي على أساس أن هناك ألوهية وعبودية .. ألوهية يتفرد بها الله سبحانه. وعبودية يشترك فيها كل من عداه وكل ما عداه.. وكما يتفرد الله – سبحانه- بالألوهية، كذلك "يتفرد" –تبعاً لهذا- بكل خصائص الألوهية .. وكما يشترك كل حي وكل شيء- بعد ذلك – في العبودية، كذلك يتجرد كل حي وكل شيء من خصائص الألوهية.. فهناك إذن وجودان متميزان. وجود الله ووجود ما عداه من عبيد الله. والعلاقة بين الوجودين هي علاقة الخالق بالمخلوق، والإله بالعبيد..

هذه هي القاعدة الأولى في التصور الإسلامي .. ومنها تنبثق وعليها تقوم سائر القواعد الأخرى .. وقيام التصور الإسلامي على هذه القاعدة الأساسية هو الذي يجعلها إحدى خصائصه كما أسلفنا.

ولقد سبق القول بأن "التوحيد" كان هو قاعد كل ديانة جاء بها من عند الله رسول. والقرآن الكريم يقرر هذه الحقيقة، ويؤكدها، ويكررها في قصة كل رسول، كما يقررها إجمالاً على وجه القطع واليقين:

"لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم".(الأعراف: 59)

"وإلى عاد أخاهم هوداً. قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون؟".(الأعراف: 65)

"وإلى ثمود أخاهم صالحاً. قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، قد جاءتكم بينة من ربكم.. ".(الأعراف: 73)

"وإلى مدين أخاهم شعيباً. قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، قد جاءتكم بينة من ربكم … ".(الأعراف: 85)

"وهل أتاك حديث موسى إذ رأى نارا، فقال لأهله: امكثوا إني آنست ناراً، لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى. فلما أتاهم نودي: يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى، وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى. إنني أنا الله لا غله أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري".(طه: 9-14)

"وإذ قال الله: يا عيسى ابن مريم. أأنت قلت للناس: اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ قال: سبحانك! ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق. إن كنت قلته فقد علمته. تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك. إنك أنت علام الغيوب. ما قلت لهم إلا ما أمرتني به. أن اعبدوا ربي وربكم. وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم. فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم، وأنت على كل شيء شهيد. إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم".(المائدة: 116-118)

"وما أرسلنا من قبلك من رسول، إلا نوحي إليه: أنه لا إله إلا أنا فاعبدون".(الأنبياء: 25)

ولكن هذا التوحيد الذي جاء به الرسل جميعاً، حرف ودخلت فيه الأساطير في شتى المعتقدات. سواء في الديانات التي تنسب إلى السماء، أو في الوثنيات التي اختلطت فيها بقايا الديانات السماوية بالأساطير في شتى الأزمان. والتي ذكرنا طرفاً منها في فصل "تيه وركام" … وأطرافاً أخرى في بعض الفصول السابقة من هذا البحث.

ولكي ندرك حقيقة أن التوحيد خاصية من خصائص التصور الإسلامي –وقبل أن نعرض المساحة التي تشغلها حقيقة التوحيد في هذا التصور- يحسن أن نلم ببعض التصورات الأخرى فيما يختص بتصور الألوهية والعبودية … وبخاصة بعض التصورات التي اشتملت على تصور وجودين متميزين، أو على نوع من التوحيد للإله:

الهندوكية مثلاً اعترفت بواحد هو وحده "الموجود" وهو "براهما" وجعلت من صفاته: التفرد بالكمال، والتفرد بالخير، والتفرد بالدوام، والتفرد بالأزلية..

وجعلت ما عدا هذا الواحد الموجود "عدما" لا وجود له .. فهذه الأكوان وما فيها عدم! ولكنها من جانب آخر جعلت "الوجود" الذي هو الخير والكمال يحل في "العدم" الذي هو الشر والنقص .. فبراهما حالٌّ في كل جزء من أجزاء هذا العالم –الذي هو عدم- فكل جزء من أجزاء هذا العالم- بما في ذلك الإنسان- مؤلف إذن من وجود وعدم. من خير وشر. من كمال ونقص. من بقاء وفناء!

ومهمة الهندوكي المؤمن إذن هي المحاولة المستمرة لتخليص الوجود والخير والكمال والبقاء الذي في كيانه، من العدم والشر والنقص والفناء، "ليصير" براهما .. ومن هنا حرصه على إفناء جسمه –الذي هو العدم- لينطلق "الوجود" الحالّ فيه، ويصبح طليقاً .. وهذه هي درجة "النرفانا" وهي تمثل الخلاص والعودة "براهما"!

ومع ذلك فقد شاب هذا التوحيد –على ما به من حلول- شائبة من "التثليث".. إذ اعتبر "براهما" صورة من صور ثلاث للإله الواحد: الإله "براهما" في صورة الخالق. والإله "فشنو" في صورة الحافظ. والإله "سيفا" في صورة الهادم. ثم جعلوا "الكارما" هي "القدر" الغالب على الآلهة وعلى الأفلاك. وهو الذي يكرر على العالم دورات الخلق والفناء .. فلم تسلم عقيدة التوحيد حتى في صورتها تلك المليئة بالإحالات!

واشتملت ديانة أخناتون على لون من التوحيد. إذ وصف أخناتون إلهه "أتون" بأوصاف الوحدانية، والفاعلية، ومنها خلق هذا الكون وحفظه وتدبيره. وكان هذا أعلى تصور عرفته البشرية في غير الديانات السماوية- وإن كان ينبغي ألا تغفل أثر الديانات السماوية في عقيدة أخناتون هذه- ولكن مع ذلك شابتها شائبة من عقائد الوثنية. إذ جعل هذه الشمس المادية رمزاً لإلهه، وجعل اسمها مرادفاً لاسمه. فاختلطت عقيدة التوحيد بهذا الأثر الوثني الغريب!

وفرق أرسطو بين إله "واجب الوجود" وكون "ممكن الوجود" .. غير أنه جعل إلهه هذا الواحد، سلبياً تجاه الكون. فهو أولاً لم يخلق الكون. ولا علاقة له بتدبيره. إنما هذا الكون يتحرك بشوق كامن فيه إلى واجب الوجود، تقل من حالة "مكان الوجود" إلى حالة "الوجود".

وكان التوحيد ديانة إبراهيم عليه السلام، ووصى به إسماعيل وإسحاق. وكان يعقوب ابن اسحاق يدين بالتوحيد، ووصى به بنيه كذلك في ساعة موته، كما يحكي ذلك القرآن الكريم:

"ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه؟ ولقد اصطفيناه في الدنيا، وإنه في الآخرة لمن الصالحين. إذ قال له ربه: أسلم. قال: أسلمت لرب العالمين، ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوبُ: يا بني إن الله اصطفى لكم الدين، فلا تموتن إلا وأنت مسلمون. أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت. إذ قال لبنيه: ما تعبدون من بعدي؟ قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق –إلهاً واحداً- ونحن له مسلمون".(البقرة: 130-133)

فلما جاء موسى رسولاً لبني إسرائيل جاء بالتوحيد – وما تزال اليهودية تعتبر ديانة توحيد- إلا أن بني إسرائيل من قبل موسى ومن بعده، شوهوا هذا التوحيد، وحرفوا الكلم عن مواضعه. فجعلوا إلهاً خاصاً لبني إسرائيل وحدوه. ولكنهم جعلوه إلهاً قومياً ينصرهم على أصحاب الآلهة الآخرين! وذلك فوق ما افتروا على "إله إسرائيل" ذاته فقالوا نحن أبناء الله وأحباؤه. وهو لا يعذبنا بذنوبنا، وقالوا: "عزير ابن الله" وقالوا عنه: إن له أبناء تزاوجوا مع بنات الناس فولدوا العمالقة، الذين خاف الإله منهم أن يصبحوا آلهة مثله، فنزل وبلبل ألسنتهم! وقالوا: إن يعقوب صارع هذا الإله مرة، وضربه فخلع حقوه! وقالوا عنه: إنه يتمشى في ظلال الحديقة ويتبرد بهوائها، وقالوا عنه: إنه يحب ريح الشواء… إلى آخر هذه الأساطير التي شوهت وطمست عقيدة التوحيد.

وجاء عيسى عليه السلام بالتوحيد.. ثم انتهت عقائد النصارى إلى التثليث، الذي يحاولون أن يصفوه بالتوحيد، بين الأقاليم الثلاثة: الأب، والابن، والروح القدس. مع الاختلاف على طبيعة الأقنوم الابن ومشيئته .. مما يجعل "التوحيد" في هذه الديانة، كما تفرقت بها الطوائف، دعوى لا حقيقة لها من واقع التصورات المتنوعة للكنائس المتعددة( )..

وهكذا نستطيع أن نقول باطمئنان: إن التصور الإسلامي هو التصور الوحيد الذي بقي قائماً على أساس التوحيد الكامل الخالص. وإن التوحيد خاصية من خصائص هذا التصور، تفرده وتميزه من بين سائر المعتقدات السائدة في الأرض كلها على العموم.

والآن –بعد هذا البيان- نستطيع أن نبين –في اختصار- طبيعة وحدود هذا التوحيد.

تقرر العقيدة الإسلامية –كما تقدم- أن هناك ألوهية وعبودية. ألوهية يتفرد بها الله –سبحانه- ويشترك فيها كل حي وكل شيء. كما تقرر تفرد الله –سبحانه- بخصائص الألوهية، وتجرد العبيد من هذه الخصائص.. ومن ثم ترتب على هذا التصور كل مقتضياته وكل نتائجه في الحياة الإنسانية..فالله –سبحانه- واحد في ذاته، متفرد في كل خصائصه ..

"قل: هو الله أحد. الله الصمد. لم يلد، ولم يولد. ولم يكن له كفواً أحد".(سورة الإخلاص)

"ليس كمثله شيء"(الشورى: 11)

"فلا تضربوا لله الأمثال"(النحل: 74)

والله –سبحانه- خالق كل شيء:

"ذلك الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء. فاعبدوه. وهو على كل شيء وكيل".(الأنعام: 102)

"وخلق كل شيء فقدره تقديراً".(الفرقان: 2)

"قل: أرأيتم ما تدعون من دون الله. أروني ما خلقوا من الأرض؟ أم لهم شرك في السماوات! أئتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين".(الأحقاف: 4)

والله –سبحانه- هو مالك كل شيء:

"قل: لمن ما في السماوات والأرض؟ قل لله"(الأنعام: 12)

"ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما(المائدة: 17)

"الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك"(الفرقان: 2)

والله –سبحانه- هو الرازق لكل من خلق وكل ما خلق:

" يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم. هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض؟ لا إله إلا هو، فأنى تؤفكون؟".(فاطر: 3)

"وكأي من دابة لا تحمل رزقها. الله يرزقها وإياكم"(العنكبوت: 60)

"وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها".(هود: 6)

والله –سبحانه- هو مدبر كل شيء، ومصر كل شيء، وحافظ كل شيء:

"إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا. ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده".(فاطر: 41) ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره"(الروم: 25)

"وكل شيء أحصيناه في إمام مبين"(يس: 12)

والله –سبحانه- هو صاحب السلطان المسيطر القاهر على كل شيء:

"وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون. ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق. ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين".(الأنعام: 61-62)

"قل: هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض".(الأنعام: 65) "قل: أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم، من إله غير الله يأتيكم به"؟ (الأنعام: 46)

وكل خلائق الله –سبحانه- تقر له بالعبودية والطاعة والقنوت:

"… ثم استوى إلى السماء وهي دخان. فقال لها وللأرض: ائتيا طوعاً أو كرهاً. قالتا أتينا طائعين".(فصلت: 11)

"ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره. ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون. وله من في السماوات والأرض. كل له قانتون".(الروم: 25-26)

"ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون".(النحل: 49)

"وإن من شيء إلا يسبح بحمده".(الإسراء: 44)

ونكتفي بهذا القدر من مجالات التوحيد في التصور الإسلامي، حيث يتبين منها إفراد الله-سبحانه- بالألوهية، وتقرير عبودية كل من عدا الله وكل ما عداه لألوهيته. وقيام العلاقات بين الخلق والخالق على أساس العبودية وحدها. لا على أساس نسب ولا صهر. ولا مشاركة ولا مشابهة، في ذات ولا في صفة ولا في اختصاص… وهذا القدر يكفي في بيان أن التوحيد خاصية من خصائص التصور الإسلامي. وهي الحقيقة التي نريد تقريرها في هذا القسم الأول من البحث. أما تفصيل هذه الحقيقة فموضعه في القسم الثاني عند الكلام عن "حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية".

غير أن الحديث عن خاصية التوحيد لا يتم حتى نشير كذلك –بمثل هذا الاختصار- إلى مقتضيات هذا التوحيد المطلق الكامل الشامل الحاسم الدقيق، في الحياة الإنسانية … وهذه المقتضيات تمثل كذلك كيف أن التوحيد خاصية من خصائص التصور الإسلامي:

إن من مقتضيات توحيد الألوهية –في التصور الإسلامي- إفراد الله –سبحانه- بخصائص الألوهية في تصريف حياة البشر، كإفراده –سبحانه- بخصائص الألوهية في اعتقادهم وتصورهم، وفي ضمائرهم وشعائرهم على السواء.

وكما أن المسلم يعتقد أن لا إله إلا الله، وأن لا معبود إلا الله، وأن لا خالق إلا الله، وأن لا رازق إلا الله، وأن لا نافع أو ضار إلا الله، وأن لا متصرف في شأنه –وفي شأن الكون كله- إلا الله… فيتوجه لله وحده بالشعائر التعبدية، ويتوجه لله وحده بالطلب والرجاء، ويتوجه لله وحده بالخشية والتقوى ..

كذلك يعتقد المسلم أن لا حاكم إلا الله، وأن لا مشرع إلا الله، وأن لا منظم لحياة البشر وعلاقاتهم وارتباطاتهم بالكون وبالأحياء وببني الإنسان من جنسه إلا الله .. فيتلقى من الله وحده التوجيه والتشريع، ومنهج الحياة، ونظام المعيشة، وقواعد الارتباطات، وميزان القيم والاعتبارات .. سواء..

فالتوجه إلى الله وحده بالشعائر التعبدية، والطلب والرجاء والخشية والتقوى، كالتلقي من الله وحده في التشريع والتوجيه، ومنهج الحياة ونظام المعيشة، وقواعد الارتباطات وميزان القيم والاعتبارات .. كلاهما من مقتضيات التوحيد – كما هو في التصور الإسلامي- وكلاهما يصور المساحة التي تشملها حقيقة التوحيد في ضمير المسلم وفي حياته على السواء..

والقرآن الكريم يربط بين عقيدة التوحيد وبين مقتضياتها في الضمير وفي الحياة ربطاً وثيقاً، ويرتب على وحدانية الألوهية والربوبية ووحدانية الفاعلية والسلطان في هذا الوجود، كل ما يكلفه المسلم، سواء ما يكلفه من شعور في الضمير، أو ما يكلفه من شعائر في العبادة، أو ما يكلفه من التزام في الشريعة..

وفي السياق الواحد يرد ذكر التوحيد، وآثار الفاعلية والسلطان، في الكون وفي الحياة الدنيا والآخرة، ويكرر معها الأمر باتباع شريعة الله، باعتباره مقتضى توحيد الألوهية والسلطان:

"وإلهكم إله واحد، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم .. إن في خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة، وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون .. ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله، والذين آمنوا أشد حباً لله .. ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعاً، وأن الله شديد العذاب. إذ تبرأ الذين أتُّبعوا من الذين أتّبعوا ورأوا العذاب، وتقطعت بهم الأسباب. وقال الذين اتّبعوا: لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا! كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم، وما هم بخارجين من النار.. يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً، ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين. إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون. وإذا قيل لهم: اتبعوا ما أنزل الله قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا. أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون؟ ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، صم بكم عمي فهم لا يعقلون .. يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون. إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم"…(البقرة: 163-172)

وبالتأمل في هذا السياق القرآني نجد أنه بدأ بتقرير وحدانية الله، ووحدة الألوهية. ثم أتبع هذا التقرير بعرض المشاهد الكونية التي تتجلى فيها القدرة الإلهية. ثم أعقبها بعرض مشاهد القيامة التي يتدلى فيها السلطان الذي لا سلطان غيره … فلما انتهى من ذلك كله أمر الناس باتباع شريعة الله في التحليل والتحريم، ونهاهم عن اتباع الشيطان، وندد بمن يتلقون في هذا الشأن عن عرف الجاهلية، حيث لا يجوز التلقي فيه إلا من الله. ثم أمر الذين آمنوا أن يأكلوا من الطيبات التي شرع الله حلها. إن كانوا يعبدون الله وحده –وبين لهم ما شرع لهم حرمته، لأنه هو وحده الذي يحلل ويحرم كما أنه هو وحده الذي يعبد، وهو وحده الذي يصرف هذا الكون، وهو وحده صاحب السلطان يوم القيامة. وتوحيده –سبحانه- لا يتم حتى يتجلى في الشعائر وفي الشرائع وفي الدينونة سواء.

ومثل هذا السياق القرآني المتماسك المتشابك يرد كثيراً في القرآن للدلالة على معنى "التوحيد" ومجاله. ولعله يحسن أن نذكر هنا مثالاً آخر يزيد الأمر جلاء. ويبين كذلك طريقة القرآن في عرض "خصائص التصور الإسلامي ومقوماته" عرضاً شاملاً متكاملاً:

"وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتنذر أم القرى ومن حولها، وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه، فريق في الجنة وفريق في السعير. ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة، ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون مالهم من ولي ولا نصير .. أم اتخذوا من دونه أولياء؟ فالله هو الولي، وهو يحي الموتى، وهو على كل شيء قدير… وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله. ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب … فاطر السماوات والأرض، جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً يذرؤكم فيه، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. له مقاليد السماوات والأرض، يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، إنه بكل شيء عليم … شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى: أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه. كبر على المشركين ما تدعوهم إليه، الله يجتبي إليه من يشاء، ويهدي إليه من ينيب وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم – بغيا بينهم- ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى بينهم، وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب.. فلذلك فادع، واستقم كما أمرت، ولا تتبع أهواءهم، وقل: آمنت بما أنزل الله من كتاب، وأمرت لأعدل بينكم، الله ربنا وربكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم. لا حجة بيننا وبينكم، الله يجمع بيننا، وإليه المصير"…(الشورى: 7-15)

وبالتأمل في هذا السياق نجد أنه بدأ بتقرير الوحي والرسالة، لينذر الرسول بيوم الجمع والدينونة في الآخرة. واختلاف مصائر المؤمنين والظالمين في الآخرة وفاقاً لاختلاف طرائقهم في الدنيا. وإعلان وحدانية السلطان في يوم الحساب. ثم اتبع ذلك ببيان وحدة الولاية ووحدة القدرة المتجلية في إحياء الموتى. ثم أعقب هذا بتقرير وحدة الحاكمية وقصرها على الله –سبحانه- كما أن عليه وحده يكون التوكل، وإليه وحده تكون الإنابة. ثم عرض مظاهر قدرته في فطر السماوات والأرض وخلق الناس أزواجاً والأنعام، مع تفرده سبحانه. "ليس كمثله شيء" … وتفرد سلطانه "له مقاليد السماوات والأرض" وتفرده بالرزق:

"يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر"… ثم عقب على هذا التفرد في الذات والصفات والفاعلية والسلطان بأنه هو وحده الشارع لا منذ هذه الرسالة ولكن منذ فجر الرسالة: "شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى" ونص على أن الشرع هو الدين والاستقامة عليه ونهاه عن اتباع أهواء الناس. وقرن إقراره بالإيمان إلى أمره بالعدل – وهو الحكم بين الناس وفق ما شرع الله- وأنهى السياق بالمفاصلة الكاملة بين المؤمنين الحاكمين بما شرع الله من الدين وغيرهم، والرجعة في النهاية إلى الله الذي إليه المصير…

ونحسب أن في هذين النموذجين الكفاية لبيان ذلك الارتباط الكامل في التصور الإسلامي بين توحيد الألوهية والحاكمية، ولبيان معنى التوحيد ومجاله في الحياة الإنسانية، ولتقرير أن "التوحيد" بهذا المعنى وفي هذا المجال خاصية من خصائص التصور الإسلامي.

ويبقى بعد هذا البيان لمعنى التوحيد في التصور الإسلامي ولمجاله في الحياة الإنسانية أن نقول: إن هذا التصور ينشئ في العقل والقلب آثاراً متفردة، لا ينشئها تصور آخر، كما أنه ينشئ في الحياة الإنسانية مثل هذه الآثار كذلك.

إنه ينشئ في القلب والعقل حالة من "الانضباط" لا تتأرجح معها الصور، ولا تهتز معها القيم، ولا يتميع فيها التصور ولا السلوك.

فالذي يتصور الألوهية على هذا النحو، ويدرك حدود العبودية كذلك، يتحدد اتجاهه، كما يتحدد سلوكه، ويعرف على وجه الضبط والدقة: من هو؟ وما غاية وجوده؟ وما حدود سلطاته؟ كما يدرك حقيقة كل شيء في هذا الكون، وحقيقة القوة الفاعلة فيه. ومن ثم يتصور الأشياء ويتعامل معها في حدود مضبوطة، لا تميع فيها ولا تأرجح. وانضباط التصور ينشئ انضباطاً في طبيعة العقل وموازينه، وانضباطاً في طبيعة القلب وقيمه. والتعامل مع سنن الله بعد ذلك والتلقي عنها يزيد هذا الانضباط ويحكمه ويقويه.

ندرك هذا حين نوازن بين المسلم الذي يتعامل مع ربه الواحد الخالق الرازق القادر القاهر المدبر المتصرف، وبين غيره من أصحاب التصورات التي أشرنا إليها. سواء من يتعامل مع إلهين متضادين: إله للخير وإله للشر! ومن يتعامل مع إله موجود ولكنه حالٌّ في العدم! ومن يتعامل مع إله لا يعنيه من أمره ولا من أمر هذا الكون شيء! ومن يتعامل مع إله (المادة) الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يثبت على حال! إلى آخر الركام الذي لا يستقر العقل أو القلب منه على قرار.

وإن هذا التصور لينشئ في القلب والعقل "الاستقامة" … فالإنسان الذي يدرك من حقيقة ربه ومن صفاته ومن علاقته به ذلك القدر "المضبوط" لا شك يستقيم في التعامل معه بقلبه وعقلهن ولا يضطرب ولا يطيش! والمسلم يعرف من تصوره لربه، وعلاقته به، ما يحب ربه وما يكره منه، ويستيقنه أن لا سبيل له إلى رضاه إلا الإيمان به، ومعرفته بصفاته، والاستقامة على منهجه وطريقه. فهو لا يمت إليه –سبحانه- ببنوة ولا قرابة، ولا يتقرب إليه بتعويذة ولا شفاعة، ولا يعبده إلا بامتثال أمره ونهيه. واتباع شرعه وحكمه. ومن شأن هذه المعرفة أن تنشئ الاستقامة في قلبه وعقله. الاستقامة باستقامة التصور. والاستقامة باستقامة السلوك.

ذلك إلى الوضوح والبساطة واليسر في التصور في السلوك.. يدرك هذا كله من يوازن بين التصور الإسلامي القائم على التوحيد –بمعناه هذا ومجاله- وبين التصور الكنسي للأقانيم الثلاثة للإله الواحد. والبنوة التي لا سبيل للنجاة إلا بالاتحاد بها. والخطيئة الموروثة التي لا يغفرها إلا الاتحاد بالابن الذي هو المسيح عليه السلام! … إلى آخر هذه المعميات في هذه الدروب!

مثل هذا يقال عمن يتعامل مع "الطبيعة!" التي لا تسمع ولا تبصر، ولا تنهى ولا تأمرن ولا تطالب عبادها بفضيلة ولا عملن ولا تنهاهم عن رذيلة ولا خلق! فأنى يستقيم هؤلاء العباد على منهج أو طريق؟ وأنى يستقيم لهم عقل أو قلب، وهم لا يعلمون من حقيقة إلههم ذاك شيئاً مستقيناً على الإطلاق، وهم كل يوم على موعد لكشف شيء عنه جديد، ولمعرفة صفة أو طبع لم يكونوا يعرفونه. ولا يعرفونه إلا بالمصادفة أو بالتجريب!

وعلى هذا النحو نستطيع أن نمضي في استعراض الحال مع سائر التصورات التي سبق لنا عرضها في فصل، "تيه وركام" في أول هذا البحث، وفي الفصول المتفرقة بعد ذلك. وكلها لا يمكن أن توحي لأصحابها بضبط ولا استقامة في تصور أو في سلوك. كما أنها جميعاً تتسم بالغموض والتعقيد والتخليط.

ومن ثم كان أول ما يستشعره القلب والعقل أمام العقيدة الإسلامية، هو الاستقامة والبساطة والوضوح.. وهذه هي السمة التي تجتذب الأفراد الذين يدخلون في هذا الدين من الأوروبيين والأمريكيين المعاصرين، فيتحدثون عنها، بوصفها أول ما طرق حسهم من هذا الدين. وهي ذاتها السمة التي تجتذب البدائيين في أفريقيا وآسيا في القديم والحديث.. لأنها سمة الفطرة التي يشترك فيها الناس أجمعين متحضرين وبدائيين. وإن هذا التصور ليكفل تجمع الشخصية والطاقة في كيان المسلم الفرد والجماعة، وينفي التمزق والانفصام والتبدد، التي تسببها العقائد والتصورات الأخرى..

فالكينونة الإنسانية – التي هي وحدة أصل خلقتها- تواجه ألوهية واحدة تتعامل معها في كل نشاط لها. تتعامل مع هذه الألوهية اعتقاداً وشعوراً. وتتعامل معها عبادة واتجاهاً. وتتعامل معها تشريعاً ونظاماً.. وتتعامل معها في الدنيا والآخرة أيضاً..

إنها لا تتوزع في الاعتقاد بآلهة مختلفة. أو بعناصر مختلفة في الألوهية الواحدة! أو بقوى مختلفة بعضها داخل في حوزة الإله وبعضها خارج عليه مضاد له! أو بعوامل مختلفة فيها ما يقهر الإله ذاته، وليس لها هي قانون يعرف فيتفاهم معه! أو بقوى "الطبيعة" التي ليس لها كيان محدد ولا ناموس مفهوم!

وهي لا تتوزع في التوجه بالاعتقاد والشعور والعبادة إلى جهة. والتلقي في نظام الحياة الواقعية من جهة أخرى. إنما هي تتلقى من مصدر واحد في هذا وذلك، وتتبع ناموساً واحداً يحكم الضمير والشعور، كما يحكم الحركة والعمل..وهو ناموس لا يحكم الكينونة الإنسانية وحدها، إنما يحكم الكون كله كذلك.. فالكينونة الإنسانية حينما تعامل مع هذا الكون تتعامل معه في ظل هذا الناموس الواحد، بلا توزع ولا تمزق كذلك في هذا المجال.

وهذا التجمع ينشئ طاقة هائلة، لا يقف في وجهها شيء. وهذا بعض أسرار الخوارق التي أنشأتها العقيدة الإسلامية في الحياة والتاريخ البشري. فمن هذا التصور انبثقت تلك الطاقة الموحدة. التي صنعت هذه الخوارق .. الطاقة المتجمعة في ذاتها، المتجمعة كذلك مع الطاقات الكونية المتصالحة معها، لأنها تتجمع وإياها في الناموس الواحد، المتجه إلى الألوهية الواحدة. كما بينا قبل في الحديث عن خاصية الشمول. ثم نجئ إلى الأثر المتفرد الذي ينشئه التصور الإسلامي في ضمير المسلم وفي حياته، وفي كيانه المجتمع المسلم وفي نشاطه بخاصية التوحيد التي يتضمنها ويقوم عليها ..إنه .. تحرير الإنسان .. أو هو بتعبير آخر .. ميلاد الإنسان ..

إنه توحد الألوهية وتفردها بخصائص الألوهية، واشتراك ما عدا الله ومن عداه في العبودية وتجردهم من خصائص الألوهية .. إن هذا معناه ومقتضاه: ألا يتلقى الناس الشرائع في أمور حياتهم إلا من الله. كما أنهم لا يتوجهون بالشعائر إلا لله. توحيداً للسلطان الذي هو أخص خصائص الألوهية. والذي لا ينازع الله فيه مؤمن، ولا يجترئ عليه إلا كافر..

والنصوص القرآنية تؤكد هذا المعنى وتحدده وتجرده. بما لا يدع مجالاً لشك فيه أو جدال:

"إن الحكم إلا لله. أمر ألا تعبدوا إلا إيّاه. ذلك الدين القيم".(يوسف: 40)

"أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله؟". (الشورى: 21)

"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"(المائدة: 44)

"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً".(النساء: 65)

ولا يفرق التصور الإسلامي – كما أسلفنا- بين التوجه لله بالشعائر، والتلقي منه في الشرائع .. لا يفرق بينها بوصفهما من مقتضيات توحيد الله، وإفراده –سبحانه- بالألوهية. كما أنه لا يفرق بينهما في أن الحيدة عن أي منهما تخرج الذي يحيد من الإيمان والإسلام قطعاً. كما رأينا في النصوص السابقة.. وكما يثبته نص قرآني يجمع بين المعنيين وتفسير الرسول –صلى الله عليه وسلم- لهذا النص:

"اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله –والمسيح ابن مريم- وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً، لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون".(التوبة: 31)

فأهل الكتاب الذين تتحدث عنهم الآية، اتخذوا المسيح ابن مريم رباً بمعنى ربوبية العبادة والشعائر. واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً- لا بهذا المعنى ولكن بمعنى التلقي عنهم في الشرائع والأوامر –ولكن الآية جمعت بين اتخاذهم المسيح ربا واتخاذهم الأحبار والرهبان أرباباً. وقررت أن هذا كله مخالف لما أمروا به من عبادة إله واحد. ودمغتهم بالشرك بسبب اتخاذهم الأحبار والرهبان أرباباً للتشريع .. ولهذا دلالته التي لا تقبل الجدال.

ثم جاء تفسير الرسول –صلى الله عليه وسلم- للآية قاطعاً في هذا الاعتبار وفوق كل جدال:

روى الإمام أحمد والترمذي وابن جرير –من طرق- عن عدي بن حاتم –رضي الله عنه- أنه لما بلغته دعوة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فر إلى الشام. وكان قد تنصر في الجاهلية. فأُسِرت أخته وجماعة من قومه. ثم من رسول الله –صلى الله عليه وسلم – على أخته وأعطاها. فرجعت إلى أخيها فرغّبته في الإسلام، وفي القدوم على الرسول –صلى الله عليه وسلم- فقدم عدي إلى المدينة –وكان رئيساً في قومه طيئ- فتحدث الناس بقدومه.

فدخل على رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وفي عنقه (أي عدي) صليب من فضة. وهو (أي النبي صلى الله عليه وسلم) يقرأ هذه الآية: "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله".. قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم.

فقال: "بلى! إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم. فذلك عبادتهم إياهم".. وقال السدى في تفسير ذلك: استنصحوا الرجال، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم. ولهذا قال تعالى: "وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً" أي: الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام، وما حلله فهو الحلال، وما شرعه اتبع، وما حكم به نفذ..والتصور الإسلامي بهذا القطع الحاسم في هذه المسألة يعلن "تحرير الإنسان" بل يعلن .. ميلاد الإنسان..إنه بهذا الإعلان يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده. "والإنسان" بمعناه الكامل لا يوجد في الأرض، إلا يوم تتحرر رقبته، وتتحرر حياته، من سلطان العباد –في أية صورة من الصور- كما يتحرر ضميره واعتقاده من هذا السلطان سواء.

والإسلام –وحده- يرد أمر التشريع والحاكمية لله وحده- هو الذي يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده.

إن الناس في جميع الأنظمة التي يتولى التشريع والحاكمية فيها البشر-في صورة من الصور- يقعون في عبودية العباد .. وفي الإسلام –وحده- يتحررون من هذه العبودية للعباد بعبوديتهم لله وحده.

وهذا هو "تحرير الإنسان" في حقيقته الكبيرة .. وهذا –من ثم- هو "ميلاد الإنسان".. فقبل ذلك لا يكون للإنسان وجوده "الإنساني" الكامل، بمعناه الكبير، الوحيد .. وهذه هي الهدية الربانية التي يهديها للناس في الأرض بعقيدة التوحيد … وهذه هي النعمة الإلهية التي يمن الله بها على عباده وهو يقول لهم: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام ديناً"..وهذه هي الهدية التي يملك أصحاب عقيدة التوحيد أنه يهدوها –بدورهم- للبشرية كلها. وهذه هي النعمة التي يملكون أن يفيضوا منها على الناس، بعد أن يفيضوها على أنفسهم، ويرضوا منها ما رضيه الله لهم.

وهذا هو الجديد الذي يملك أصحاب عقيدة التوحيد أن يتقدموا به للبشرية اليوم، كما تقدم به أسلافهم بالأمس فتلقته البشرية يومها كما تتلقى الجديد. ولم تستطع أن تقاوم جاذبيته لأنه يمنحها ما لا تملك، فهو شيء آخر غير كل ما لديها من تصورات وعقائد، وأفكار وفلسفات، وأنظمة وأوضاع .. بكل تأكيد .. لقد قال ربعي بن عامر رسول جيش المسلمين إلى رستم قائد الفرس، وهو يسأله ما الذي جاء بكم؟ كلمات قلائل تصور طبيعة هذه العقيدة، وطبيعة الحركة الإسلامية التي انبثقت منها، كما تصور طبيعة تصور أهلها لها، وإدراكهم لحقيقة دورهم بها .

قال له: "الله ابتعثنا، لنخرج من شاء، من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده. ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة. ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام".

وفي هذه الكلمات القلائل تتركز قاعدة هذه العقيدة، وتتجلى طبيعة الحركة الإسلامية التي انبثقت منها، وانطلقت بها ..إنها إخراج من شاء الله من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده … ورد أمرهم إلى الله –وحده- في المحيا والممات، في الدنيا والآخرة. وإفراد الله سبحانه بالألوهية وبخصائص الألوهية –والسلطان والحاكمية والتشريع، هي أولى هذه الخصائص التي لا نازع الله فيها مؤمن، ولا يجرؤ على منازعته إياها إلا كافر –ولا توجد حرية للإنسان، بل لا يوجد "الإنسان" ذاته، إلا بخلوصها لله.

وأصحاب عقيدة التوحيد – حين يفيئون اليوم إليها، وحين يرفعون رايتها وحدها- يملكون أن يقولوا للبشرية كلها ما قاله ربعي بن عامر. فالبشرة –من هذه الناحية- اليوم كما كانت يوم قال ربعي بن عامر كلمته.. إنها كلها غارقة في عبادة العباد. والتوحيد –بمعناه الشامل- هو الذي يخرج من شاء الله من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده. وبذلك وحده "يتحرر الإنسان" بل "يولد الإنسان".

وأصحاب عقيدة التوحيد –حين يفيئون إلى منهج الله الذي من به عليهم وينادون به- يملكون أن يتقدموا للبشرية بالشيء الذي تفقده جميع المناهج والمذاهب والأنظمة والأوضاع في الأرض كلها لا استثناء. ومن ثم يكون لهم اليوم وغداً دور جديد، ودور عالمي إنساني كبير. ودور قيادي أصيل في التيارات العالمية الإنسانية. ودور يمنحهم سبباً وجيهاً للوجود العالمي الإنساني –كالدور الذي منح العرب الأميين في الجزيرة العربية، سبباً وجيهاً للوجود العالمي الإنساني، وللقيادة العالمية الإنسانية.

إنهم لا يملكون أن يقدموا للبشرية اليوم أمجاداً علمية، ولا فتوحات حضارية، يبلغ من ضخامتها أن تتفوق تفوقاً ساحاً على كل ما لدى البشرية منها .. ولكنهم يملكون أن يقدموا لها شيئاً آخر. شيئاً أعظم من كل الأمجاد العلمية، والفتوحات الحضارية. إنهم يقدمون "تحرير الإنسان" بل "ميلاد الإنسان"…

وهم حين يقدمون للبشرية هذه الهدية يقدمون معها منهجاً كاملاً للحياة منهجاً يقوم على تكريم الإنسان، وعلى إطلاق يده وعقله وضميره وروحه من كل عبودية إطلاقه بكل طاقاته لينهض بالخلافة وهو حر كريم، يملك إذن أن يقدّم وأن يقوم الأمجاد العلمية، والفتوحات الحضارية، وهو في أوج حريتهن وفي أوج كرامتهن فلا يكون عبداً للآلة، ولا عبداً للبشر .. على السواء.

ألهمنا الله السداد.

والحمد لله رب العالمين.