الحركة الإسلامية في مصر: مرحلة انفتاح
مقدمة

شاع لدى كثير من دارسي الحركة الإسلامية في مصر- خاصةً في مرحلة السبعينيات- أكذوبة مفادها أن هذه الحركة "إحدى صنائع النظام الساداتي" الذي عمل على نشأتها حتى تواجه بشعبيتها المد اليساري، وتقوض بعمقها الجماهيري بقايا البنيان الناصري، الذي تم تأسيسه في فترة الخمسينيات والستينيات!
هذا التصور ظل سائدًا لدى أغلب الكتاب في شئون الحركة الإسلامية المصرية، حتى أضحت له- خاصة في بعده التآمري- حجية ذاتية، فما أن يتعرض الدارس للشأن الإسلامي المصري في مرحلة السبعينيات حتى ينطلق أولئك من تلك الفرضية كأنها إحدى مسلمات العلوم الاجتماعية في العالم العربي، ثم يبنون ما شاء من نتائج بعد ذلك عليها! الأمر الذي يحتاج إلى شيء من الضبط والتحرير نقوم به في السطور التالية...
أولاً: نقطة التحليل المركزية
نقطة البداية التي يتصورها الباحث صحيحة عند تحليل الحركة الإسلامية المصرية في مرحلة السبعينيات هي الانطلاق من مقدمتين:
المقدمة الأولى :
جوهرها أن الصوت الإسلامي لم ينقطع في مصر، وأن الحركات العاملة للإسلام- تحديدًا حركة الإخوان المسلمين- لم تستسلم تحت مطارق المحن والضغوط، بل عضت على جذع الشجرة التي أمرها به الرسول- صلى الله عليه وسلم- وانكفأت على ذاتها تلملم شعثها، رغم الكثرة العددية الهائلة لمن ضمتهم السجون والمعتقلات، ومن أخذوا أوامر بالاعتقال، بعد أن ينهوا مدة الخمس عشر سنة أو الحكم المؤبد التي أخذوها أحكامًا، أي كان مقدرًا لهم ألا يروا ضوء الشمس مرة أخرى.
ولعل ذلك سر الصدمة الهائلة التي عاشها النظام الناصري جراء اكتشافه- بمحض القدر- تنظيم 65 السلمي، فما كان عقل النظام يستطيع أن يستوعب أن حركةً إسلاميةً أذاقها صنوف العذاب، وشرد رجالها، وأهان كرام قومها، وعمل على كشف بيوتها... لولا ستر الله للفئة المجاهدة وبقية من العاملين المخلصين الأخفياء الأتقياء الذين يكثرون عند الفزع ويقلون عند الطمع، والله حسيبهم،.. أقول: ما كان عقل النظام يستطيع أن يفهم هذا الصمود فضلاً عن أن تفكر مجموعة كبيرة منهم في إعادة الكرة من جديد- وهكذا شأن الدعوات الصادقة- ولعل هذا مبعث كثرة الحكم بالإعدام والمدد الطويلة التي أخذها خلق كثيرون.
المقدمة الثانية:
هي أن بداية مرحلة السبعينيات في تاريخ الحركة الإسلامية في مصر- كما يتصور الباحث- تبدأ بعد الهزيمة عام 1967 مباشرةً.. تلك الهزيمة التي سموها- زورًا- النكسة تمليها على عقول البسطاء من أهلنا... وتعرض المشروع الناصري إلى الانكسار وأفول موجة الفكر القومي بعد فترة مد هادر سُخرت لها جميع مقدرات البلاد.
لقد كانت الهزيمة ضربةً قاصمةً أصابته في مقتل، وهزت صورة المشروع في أذهان الناس، ولم يعد قائده هو القائد المظفر الذي راهن عليه الناس ووضعوا مصائرهم- دولاً وأنظمةً وشعوبًا- في كنفه.
ولقد أيقظت حرب الأيام الست- أو الساعات المعدودة- الشعوب على وهم أسطورة (الكاريزما) التي طالما ألهبت حماس الناس ومشاعرهم، فالهزيمة لم تكن عسكرية فقط، بل كانت في الحقيقة هزيمة تجربة بأكملها وهزيمة مرحلة من مراحل التاريخ المصري في العصر الحديث سيق الناس فيها قهرًا باسم المعركة القادمة مع الكيان الصهيوني وبحجة الشعار المتهافت "لا صوت يعلو على صوت المعركة" كممت أصوات جميع الأحرار من أبناء شعبنا الكريم، الذي صُبت قطاعات واسعة منه على ذل الكبت والاستبداد، أملاً أن يخلصهم من ذل الاحتلال وضياع الأرض، فأعمتهم التجربة عن أن الاستبداد لا يأتي بخير، وأن القهر وسلب إنسانية المواطن- أيًا كان دينه أو توجهه الفكري أو معارضته للنظام السياسي- لا يمكن أن يأتي بالتحرير.
العودة إلى الدين:
كان البعد النفسي في هزيمة يونيه 1967 أقوى وأعمق، حيث هيأ ذلك الجرح" الفرصة" التي مكنت من رفع الحصار عن الإسلام؛ ليعلن فشل جميع الإيديولوجيات، وأن الرجوع للإسلام هو الطريق الوحيد إلى "الخلاص" فلم تكن النظرة للهزيمة على أنها نتيجة قوة الكيان الصهيوني أو حتى على أنها نتيجة لمساعد الولايات المتحدة لها، بل كانت نظرة كثير من المصريين للهزيمة على أنها كارثة كبرى، أرادها تذكرةً وعقابًا للمصريين على إعراضهم عن واجباتهم الدينية، ومن هنا نفهم سر سجود الشيخ "الشعراوي"- عليه رحمة الله- شكرًا لله على الهزيمة، إذ لو انتصر النظام الناصري بعد أن مكن للشيوعية في الفكر والانحلال في الخلاق في البلاد بالإضافة إلى قتل عباد الله الصالحين والعلماء والدعاة والمصلحين الذين يمسكون الناس بالكتاب كما أمر الله... لكانت فتنة للشعب المصري، إذ كيف ينصر الله من يعلن الحرب عليه وعلى أوليائه.. سجود الشيخ "الشعراوي" هذا بالطبع لن يفهمه فلول اليسار الذين كانوا أول المنتفعين من النظام الناصري؛ لذلك شنوا حملتهم عليه وإن سلمه الله منهم لمكانته عند الناس.
ثانيًا: مراحل التحول
توفي عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970 وأسفرت صراعات مراكز القوى والوضع الدستوري الذي كان فيه "السادات"، باعتباره نائبًا لرئيس الجمهورية- بالإضافة إلى رغبة كثير من مراكز القوى في الإتيان بشخص ضعيف ليست له شعبية، ويسهل تحريكه من وراء ستار- عن توليه منصب الرئاسة، وكان على "السادات" أن يواجه تحديين كبيرين ومباشرين في الخارج والداخل:
- في الخارج تثبيت وضعيته كرئيس للجمهورية ومواجهة احتلال الكيان الصهيوني لسيناء.
- وفي الداخل مواجهة أزمة الشرعية، حيث كانت تنقصه شخصية سلفه الآسرة والتخلص مما أطلق عليها "السادات" مراكز القوى التي كانت ترغب في إدارة الأمور من وراء ستار، وإن كان كثيرٌ منهم يمسك بمفاصل إدارة الدولة بحكم مناصبهم.
وفي محاولة من "السادات" لرفع معدل شرعيته إلى أقصى حد اتبع سياسات ثلاث مترابطة:
1- التخلص من آثار الناصرية في المجتمع المصري أشخاصًا ومشروعات، فعمل على التخلص ممن سماهم مراكز القوى، ثم التخلص من القطاع العام الاشتراكي وما يحمله من نمط في الإدارة وتجييش الناس وراء زعامة "عبد الناصر".
2- إقامة الانفتاح على الغرب توقعًا للمساعدات الاقتصادية والاستثمارات الأجنبية، خاصةً من الولايات المتحدة لخلق قطاع خاص كبير.
3- التقرب من الولايات المتحدة، والعمل في الوقت نفسه على إضعاف الروابط العسكرية والسياسية مع الاتحاد السوفيتي، حتى تم ما أطلق عليه وقتها عملية طرد الخبراء الروس.
اقتضى سعي "السادات"؛ من أجل الشرعية زيادة الاعتماد على القضايا الإسلامية كبديل جزئي للفراغ المذهبي "الإيديولوجي" الذي خلفه نبذه الحثيث للناصرية، فقرر دستور 1971 أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، كما أعلن أن الشريعة مصدر من مصادر التشريع، وتم رفع شعار دولة العلم والإيمان، ونشر كثيرا من البرامج الدينية كوسائل يشيد بها "السادات" شرعيته.
وكما يرى "دكمجيان" (في كتابه: الأصولية في العالم العربي) أن منتصف السبعينيات شهد اتباع "السادات" لسياسة ذات ثلاثة اتجاهات في المجال الإسلامي:
1- استرضاء "مؤسسة الإسلام الرسمية" المتمركزة في جامعة الأزهر والمساجد الحكومية الكبيرة، وذلك لدعم تأييد القيادة الإسلامية في مصر.
2- استرضاء "الإخوان" لتحييد المعارضة الأصولية، واستغلال قوة الجماعة التنظيمية ضد الناصريين.
3- قمع الجماعات "الأصولية" النضالية التي تهدد أنشطتها العنفية النظام.
* بداية الصراع المسلح
منذ منتصف الستينيات، وتحديدًا بعد إعدام الشهيد سيد قطب- ومجموعة من الإخوان معه- والقضاء على تنظيم الإخوان 1965م، لم تشهد الساحة السياسية المصرية أحداثًا تكاد تهدد رأس النظام إلا مع عملية الهجوم على الكلية الفنية العسكرية التي قادها الدكتور "صالح سرية" (وهو فلسطيني يحمل الدكتوراه في تعليم العلوم)، وكان عضوًا في حزب التحرير الإسلامي في الأردن ثم انضم بعد حرب 1967م إلى مجموعات فلسطينية مختلفة.
وفي بداية 1971م استقر في مصر موظفًا في الجامعة العربية، وبدأ يكون "أسرًا" سرية في القاهرة والإسكندرية.
رأس الدكتور سرية مجلسًا تنفيذيًا من اثني عشر عضوًا كانوا يتخذون قراراتهم عن طريق الإجماع، وقيل إن "سرية" غُلب على رأيه في قراره بعدم تحدٍ نظام السادات أثناء فترة شعبيته بعد حرب أكتوبر لكن طبقًا لرواية أحد قيادات جماعة الفنية العسكرية فإنَّ السبب في تعجيل الهجوم على الكلية "توهم" قادة التنظيم أن الدولة كشفت أغلب عناصره فأرادوا أن يعاجلوا النظام قبل أن يباغتهم ويقضي عليهم، ومن هنا كان الهجوم الفاشل على الكلية الفنية العسكرية ثم إعدام "سرية" و"كارم الأناضولي" في نوفمبر عام 1976م.
ثالثا: التيار الإسلامي من اتحاد الطلاب إلى اغتيال السادات
في بداية السبعينيات ظهرت نوعية جديدة من التيار الإسلامي تمتعت باستقلال تام عن الإخوان، ولم يربطها بهم سوى الاستناد إلى الدين والمطالبة بتطبيق الشريعة والعدالة الاجتماعية إلى جانب انتماء بعض قيادات هذه الجماعات إلى مجموعة من الشباب الذين استنكروا اتجاه الإخوان المعتدل، كما اختلفت عن الإخوان من حيث العمل والتنظيم والإستراتيجية.
مثلت الجماعات الإسلامية الطلابية التنظيم الجماهيري الحقيقي للحركة التي تمتعت بقوة ملحوظة، وكانت قد بدأت في الظهور في مرحلة الهدوء النسبي الذي ساد الجامعة بعد عام 1973م.
ويمكن تقسيم تطور هذه الجماعات الإسلامية إلى المراحل التالية:
المرحلة الأولى: منذ 1962م: اتسمت الحركة الدينية الطلابية فيها بالضعف؛ نظرًا لسيطرة التيار الناصري والشيوعي على اتحادات الطلاب، واستمرت هذه المرحلة حتى وفاة "عبدالناصر"، برغم بعض الحراك السياسي والاجتماعي الذي أحدثته الهزيمة عام 1967م في المجتمع الطلابي غير أنها وُئدت بمسرحية التنحي وإخراج مظاهرات العمال المدفوعة– كما صرح "خالد محي الدين" وغيره من رموز النظام السياسي وقتها.
المرحلة الثانية: منذ عام 1972م: اشتدت فيها سواعد الحركة الطلابية مع تغير النظام ونضوب الدعم الموجه للتيار الناصري واليساري من قبل النظام.
ومنذ العام 1973م بدأت هذه الجماعات في مناقشة كيفية تحقيق النظام الإسلامي، وبدأت السيطرة على اتحادات الطلاب.
المرحلة الثالثة: برغم وصول الجماعات الإسلامية الطلابية إلى درجة ملحوظة من القوة عام 1976م إلا أن عام 1978م شهد تغيرًا في معارضتها للنظام لعقده اتفاقية كامب ديفيد إذ خرجت عن نطاق الجامعة وتغلغلت في الفئات الشعبية كافة لإحياء الشعور الديني (يلاحظ على المراحل السابقة أنها تقريبية إذ تتداخل خصائص المراحل بعضها ببعض)
رابعاً: الحركة الإسلامية من الجامعة للمجتمع
في بداية السبعينيات كان التيار الإسلامي في الجامعات المصرية يعمل تحت اسم "اللجنة الدينية"، وانحصر نشاطه في المجالات الاجتماعية والثقافية والرياضية وإقامة الندوات والمعسكرات والرحلات، وفي هذه الفترة سيطر الطابع السلفي التقليدي على نشاط الجماعة وتوجهاتها الفكرية، واستمرت على هذا الحال حتى منتصف السبعينيات.
ومنذ العام 1975م دخلت الجماعات الإسلامية في الجامعات المصرية في مرحلة حسم السؤال الجوهري، كما يقول الدكتور "عصام العريان"- وهو أحد شهود المرحلة البارزين-:
هل نبدأ من جديد أم نكمل المسيرة مع مَن صمدوا وثبتوا واستفادوا من تجاربهم؟ فاختار السواد الأعظم التواصل والاستمرار.
وفي هذه المرحلة كان المجتمع المصري يعجُّ بالكثير من التيارات والأفكار الإسلامية، وكثير منها على دخن، فكان هناك الاتجاه السلفي التقليدي، واتجاه الإخوان المسلمين، كما كان هناك الجمعيات الإسلامية الرسمية كالجمعية الشرعية وجماعة أنصار السنة المحمدية، بالإضافة لبعض المشايخ الذين كان لهم جمهورهم وتلامذتهم كالشيخ "عبدالحميد كشك" والشيخ "حافظ سلامة" والشيخ "المحلاوي" والشيخ "صلاح أبو إسماعيل".
وكانت هناك تيارات الغلو أو ما سُمِّي وقتها بالاتجاه القطبي، واتجاه جماعة المسلمين التي أطلق عليها إعلاميًا جماعة (التكفير والهجرة).
والحقيقة في هذه المرحلة أن أفكار الإخوان المسلمين استطاعت أن تجذب إليها أغلب الشباب في كثير من الجماعات المصرية عدا جامعة أسيوط التي سيطر عليها اتجاه بقي على اسم (الجماعة الإسلامية) لكن بمضامين أكثر عنفًا وبتحالف مع التيار الجهادي.
وما إن هلت سنة 1979م حتى بدأت الجماعة الإسلامية في محافظات الوجه القبلي في التحالف مع تنظيم الجهاد، وتم تشكيل مجلس شورى من أحد عشر عضوًا، وعرض على الدكتور "عمر عبدالرحمن" إمارته فرفض ثم قبله تحت إلالحاح.
ومع نهاية عهد السادات استقر اتجاهان فكريان إسلاميان داخل المجتمع المصري:
أولها: تيار الإخوان المسلمين: الذي تركز في محافظات القاهرة الكبرى والوجه البحري، وله بعض الوجود في محافظات الوجه القبلي.
ثانيًا: التيار الثاني: اقترب من الخط الجهادي في أغلب مناطق الصعيد وقد تحالف مع تنظيم "عبد السلام فرج".
ومنذ العام 1981م توارى قليلاً التيار الأول ليبرز على الساحة التيار الثاني الذي ارتبط بحدثين مهمين في تاريخ مصر هما: اغتيال السادات في أكتوبر 1981م ثم حوادث العنف التي شهدتها مدينة أسيوط بهدف السيطرة عليها.
والحقيقة أن موت السادات أتاح لونًا من التنفيس السياسي المؤقت أرجأ انفجار الموقف المتأزم في مصر إذ حاول الرئيس "حسني مبارك" تغيير وجه النظام ببعض الإصلاحات الجزئية، لكن الرئيس الجديد لم تسعفه الوسائل المذهبية ولا الكوادر البشرية المخلصة ليعالج علل المجتمع المصري علاجًا شاملاً.
خاتمة
من خلال الكتابات الغزيرة التي تحدثت عن موضوع الحركة الإسلامية في مصر يمكننا تحديد عدد من الملامح التي تتسم بها، وأهمها هو:
- استحالة العلمانية؛ فالدين في النموذج المصري مكون أساسي في الشخصية المصرية من ناحية، وهو سند الشرعية الأول لأي نظام سياسي من ناحية أخرى.
- كلية شمول الإسلام منذ أن أحيا الإمام البنا هذا الركن من أركان فهم الإسلام في العصر الحديث، فأي حركة سياسية مهما كان مصدر تأثيرها أو قاعدتها تظل تفقد أهم دعاماتها إذا تعاملت مع الإسلام من منطلق التجزئة أو الدعوة لبعض الإسلام وترك البعض الأخير منه خشية الاصطدام بالسلطة.
المصدر :إخوان اون لاين