إلى أم نضال ... علو على أنابوليس
بقلم : بهاء الدين الغول
أحببت أن أكتب شيئا مما يجول بخاطري عن أنابوليس، الذي وصفه جمال نزال بالحفلة في لقائه مع د. فيصل القاسم في الاتجاه المعاكس، فاحترت...
سبب الحيرة أن هذا اللقاء أو الاحتفال إنما جاء الرد عليه قبله وبعده تاريخيا، ولا أدري لم دفعتني نفسي للكتابة لأم نضال فرحات، حفظها الله...
أم نضال، جمعني بك لقاء واحد رأيت فيه الخشوع في عينيك وهدوئك، خشوع أخرجني من واقع اليوم إلى التاريخ، إلى أيام كنا فيها صغارا، نقدس كل ثائر فدائي، وننتظر ظهور الملثم لنملأ قلوبنا بالنظر في عينيه ونتخيل طهر قلبه الذي تسلل إلى قلوبنا فملأها من عبق الجنة، كثيرون منهم استشهدوا، وحضرنا حفلات تأبينهم، ومضى الزمن.
لكن عماد أبى إلا أن يخاطبك في يوم عرسه، ويجدد عهده مع الله، كلمات له خالدة قالها وكأنه يعيش الغد، وما أنطقه إلا الله، ويشاء الله أن نسمعها قبل أنابوليس بساعات، "اقتل كل عائلتي فلن أسلم نفسي، وأنت يا رابين ضعيف، وكل مكان في كيانك هدف لنا وستطاله المقاومة، أنت يا رابين لا تستطيع أن توقف شابا أراد الموت"...
أحسبك تذكرينها جيدا هذه الكلمات، بل وتحفظينها، وكم أنت فخورة بابنك عماد، تماما كما تفخرين برفاق دربه نضال ومحمد ورواد، كيف لا، وقد ودعك عماد قبل استشهاده مقبلا غير مدبر...
تعلمين، لو كنت عماد ورأيت ما رأيت في أنابوليس، لبعثت إليك برقية على عجل، أقول فيها: أمي، لا تقلقي، فهذا الدولاب الذي تحتفظين فيه بدمائي ودماء أشقائي، تحميه عناية الرحمن، وهذه الأرض التي روتها دماؤنا لم تنسنا، ولن تنسانا...
أمي الحبيبة، أنت تعلمين أن هذه أرضنا أرض مقدسة، وما أسرع أن يكشف الله المسيئ والمحسن، فيثيب المستحق، ويعاقب من يستحق، فلا يصيبنك قلق ولا وجل، وتأكدي، إن كل يوم يظهر فيه عدونا على حقيقته، ويظهر فيه أعوانه على حقيقتهم، يوم لنا لا علينا، وتأكدي، أن أخوة لي قلوبهم طاهرة، وزنودهم قاهرة، وعقولهم ثائرة، هم على درب أهل الله ماضون، لا يضرهم من خذلهم، وفي حديث رسول الله عن الخذلان تفسير جميل، إذ إن الخذلان يكون من الأقرباء، فبشرى لنا.
أماه إن هذه فلسطين أرض مقدسة، بكرامات الرسالات والأقصى، وبركات الشهداء، وتضحيات الصحابة الكرام المدفونين فيها، فهل يضيع الله أهله؟
أماه، بكلمات الواثق قلتها قبلا، وأقولها دوما، إن هذا العدو لا يعرف إلا لغة الرعب والخوف، وإننا كنا ولا زلنا دعاة لحمة ووحدة، فكم عميل أطلنا التحقيق في أمره حتى لا تصيب شعبنا فتنة.
لا تحزني أماه، فعماد عقل الذي استشهد، ترك خلفه خيرة من أبناء فلسطين الطاهرة، أبناء إسلام لم يجعله الله في أرضه، إلا ليكون المنتصر، مهما حاول البعض تثبيطنا.
أماه، تذكرين عندما حاصروا بيتنا، هل تذكرين، عندها صلينا، وتوادعنا، وتواعدنا، كنت أرى القلق على وجهك، وقرأت حنوا في عينيك حرمه كثيرون في أنابوليس، رأيتك تسيرين يمنة ويسرة، كنت تعلمين كما الجميع أن هذا اليوم هو آخر يوم لي بينكم، وعندها زدت إصرارا على المواجهة، ورفضت الاستسلام، وخرجت وخلفي نضال.
أربعة عشر عاما لم تنسك كل هذه الذكريات، فكيف ينسانا التاريخ، وكيف أنسى كلماتك: (إحنا بندور على وطن... أنا ضحيت بالغالي لأجل الأغلى)...
ذلك الأنابوليس، الصهيوني فيه باع، والصهيوني اشترى، وهو في ميزان الشعب تماما كأنه لم يكن، فإن شعبا صامدا صابرا ثائرا، لا يمكن أن تمر عليه خطابات فيها "جيراننا الإسرائيليون" ولا فيها "إن لنا حقا كما أن لكم حقا" مهما كانت اللعبة السياسية، ولا فيها عناق بعد إصرار صهيوني على يهودية الدولة المزعومة.
إنها يا أماه مسألة وقت، وهي أكثر من ذلك مسألة توحيد الصفوف، وتنقية النفوس، إنها مرحلة الاستسلام لله خضوعا كاملا، فيه عزة على العدو وذلة على المؤمن، تسبق النصر بساعات...
المصدر
- مقال:إلى أم نضال ... علو على أنابوليسموقع:الشبكة الدعوية