إعــــــدادا للجولــــة القادمـــة
بقلم : فهمي هويدي
لنا أن نأسي ونكتئب, إذا كنا قد راهنا علي أن انتفاضة الأقصي سوف تحرر فلسطين وتعيد الحق المغصوب إلي أهله.. ولأن ذلك ليس صحيحا, فإننا سوف نستوعب جيدا ما جري, ونعطيه حجمه الحقيقي, إذا وضعناه في سياقه التاريخي, واعتبرناه جولة في الصراع الممتد, لها ما بعدها, الذي ينبغي أن يعد الجميع أنفسهم وعدتهم له, بعد أن ينفضوا عن أنفسهم أحزان الجولة الراهنة.
(1)
تحضرني في هذا الصدد مقولة الزعيم الصيني صن يات صن أثناء النضال المرير الذي قاده ضد أسرة مانشو الامبراطورية, وضد القوي الامبريالية التي تآمرت علي الصين في أوائل القرن الماضي, حين أحبطت في وقت متأخر إحدي محاولاته المتكررة لانتزاع السلطة, فقال إن ذلك مجرد الفشل الثالث عشر!, ولأن الرجل تمتع بذلك القدر من الثقة والثبات, فلم يثنه الفشل عن عزمه ولافت في عضده, حتي دخل التاريخ وأصبح يوصف بأنه مؤسس الصين الحديثة.
أدري أن النضال الفلسطيني للدفاع عن اغتصاب الأرض مستمر بدرجة أو أخري منذ ثلاثينيات القرن الماضي, وأن الضربات القاسية توالت علي الجسد الفلسطيني منذ حرب عام48, إلي أن جاءت القاصمة في عام67, باحتلال إسرائيل لكل أرض فلسطين التاريخية, لكني أزعم أننا لم نبلغ بعد الرقم13 في جولات الفشل.
تحضرني أيضا مقولة مناضل آسيوي آخر من أهل النظر والحكمة, هو هوشي منه, الذي قاد بعناد وصلابة مقاومة الشعب الفيتنامي للاحتلال الأمريكي, إذ ما برح يردد أن الذي يبدأ بعد ضحاياه علي طريق الحرية, سيفقد الضحايا, وسيفقد أيضا الحرية, هذا الكلام قاله هوشي منه وهو في قلب معركة غير متكافئة, خاضها الأمريكيون بكل ثقلهم العسكري وتقنياتهم الحديثة, فكانت القوة في صفهم بامتياز, بينما خاضها الفيتناميون الفقراء والعزل بعزيمتهم وإصرارهم وصمودهم, فعوضوا القوة بالقدرة, وكان النصر للفيتناميين كما تعرف. رغم أنهم ضحوا بثلاثة ملايين شخص, مقابل قتل57 ألف جندي أمريكي, غير مئات الآلاف من الجرحي الذين أصيبوا جسديا ونفسيا, ورغم المذابح وعمليات الإبادة الجماعية التي قام بها الأمريكيون, والتي مازالت فظائعها تتكشف إلي اليوم, فإنهم اضطروا في النهاية إلي الانسحاب والهروب المزري, أمام استبسال الفيتناميين, مؤكدين بذلك الدرس والعبرة: انه ما من مستحيل أمام إرادة الشعوب المتطلعة إلي الحرية والاستقلال.
قصدت التنويه إلي هاتين المقولتين أملا أن يساعد ذلك علي تصويب النظر إلي المشهد, من الزاويتين التاريخية والعملية, ولكي ندرك أن ما دفع وان كان باهظا, إلا أنه يظل جزءا من الثمن واجب الدفع لاجتياز أشواط رحلة النضال الطويلة.
(2)
نعم.. تلقت المقاومة ضربة موجعة في حملة السور الواقي التي شنتها الحكومة الإسرائيلية أن منيت بخسائر شديدة الوطأة, تحتاج إلي سنوات لتعويضها.. وما أصابها أضعاف أضعاف ما لحق بالسلطة الفلسطينية, ذلك أن خسائر السلطة في حدها الأقصي كانت معنوية ومادية, ولم تلحق بقياداتها ورموزها أي خسائر بشرية حتي الآن, بينما خسائر المقاومة كانت بشرية بالدرجة الأولي, وذلك أمر مفهوم لأن إسرائيل استهدفت تطويع السلطة وتركيعها, وكان بوسعها أن تتخلص منها بطبيعة الحال, لكنها لم تفعل وحرصت علي الإبقاء عليها, لكي تنتزع منها ما تصبو إليه من تنازلات.. أما المقاومة فإن إسرائيل أرادت استئصالها تماما, لأنها أصبحت تمثل التحدي الحقيقي والمطلق لها, وهذا الفرق بين الموقفين يتضح بشكل جلي إذا ما قارنا بين تعامل إسرائيل مع الرئيس عرفات في رام الله, وتعاملها مع المقاومة في جنين.. إذ بينما محي من الوجود مخيم جنين الذي كان أحد معاقل المقاومة, وهدمت مبانيه علي سكانها, فإن ما تعرض له أبوعمار لم يتجاوز الحصار والتخويف والإذلال, في الوقت نفسه فإن إسرائيل ما برحت تتصيد قيادات المقاومة وتلاحقهم بطائرات الأباتشي والصواريخ حيثما وجدوا لتقضي عليهم نهائيا. أما قيادات السلطة ووزراؤها فهم مؤمنون ولم يمس أحد منهم بسوء, وها نحن نراهم علي شاشات الفضائيات طول الوقت, حتي مروان البرغوثي القيادي البارز في منظمة فتح التي يرأسها عرفات, وقد شكت إسرائيل في علاقته بكتائب الأقصي, فإن إسرائيل لم تقتله كما فعلت مع كل قيادات المقاومة الذين طالتهم, وانما اعتقلته فقط, وهو بالمناسبة الوحيد من بين آلاف المعتقلين الذي سمحت له السلطات الإسرائيلية بلقاء زوجته ومحاميه في محبسه.
لقد اعترف رئيس الأركان الإسرائيلي, شاؤول موفاز, باعتقال5000 عنصر من رجال المقاومة في الحملة الأخيرة, بينهم1400 من النشطاء الاساسيين, وطبقا لما ذكرته صحيفة يديعوت أحرونوت فقد كان من بين المعتقلين النوعيين حتي3494/15 عنصرا من حماس و344 من فتح, و82 من الجهاد الاسلامي, و356 من أعضاء الأجهزة الأمنية, يضاف إلي هؤلاء نحو200 شخص من خيرة رجال المقاومة, استشهدوا أثناء القتال في جنين ونابلس, أو اغتالتهم الأجهزة الإسرائيلية أثناء الاجتياح.
خسائر التسليح كانت كبيرة بشكل لافت للنظر, إذ عثرت القوات الإسرائيلية علي خمسة آلاف قطعة سلاح, منها90 رشاشا, كما تم العثور علي23 مشغلا لإنتاج العبوات والأحزمة الناسفة, و430 عبوة ناسفة جاهزة للتفجير, إضافة إلي20 محرك صاروخ قسام ومعدات تنصت.
لم يقف الأمر عند حد الخسائر في الأفراد والعتاد, وإنما عمدت إسرائيل أيضا إلي خنق المقاومة, عن طريق القضاء ـ مؤقتا علي الأقل ـ علي الملاذ الآمن الذي توافر لرجال المقاومة طيلة أشهر الانتفاضة, وهو ما نبه إليه الكاتب الأردني ياسر الزعاترة, أحد خبراء الشأن الفلسطيني, إذ أشار فيما كتبه بصحيفة الحياة اللندنية( عدد4/24) إلي أنه خلال الانتفاضة, وبسبب توقف التعاون الأمني بين أجهزة السلطة والإسرائيليين, ولو بصورة نسبية, فقد توافر للمقاومة ملاذ آمن في الضفة الغربية, الأمر الذي مكنها من تنشيط عملها العسكري ومراكمة خبراتها وإمكانياتها, وهو ما كانت له نتائجه المشهودة في ساحة المواجهة منذ شهر فبراير الماضي, وقد فوجيء الإسرائيليون بقدرات منظمات المقاومة, حتي قال اللواء عامور جلعاد منسق شئون المناطق وأحد قادة شعبة المخابرات العسكرية سابقا, في تعليق علي ما تم اكتشافه: حين أري عدد مشاغل المتفجرات التي اكتشفت والوسائل القتالية والصواريخ وغير ذلك, فإنني أفاجأ بما أشاهده, وأعترف بأننا لم نقدر جيدا حجم الإرهاب.
(3)
لا نريد أن نقع في محظور تعداد الخسائر الذي حذر من عواقبه هوشي منه لأن تقويم النضال لا يتم بهذه الصورة, حيث الأهم ليس مقدار ما دفع, وإنما سلامة الاتجاه من ناحية, ثم ما إذا كان الذي جري يمثل تقدما صوب الهدف النهائي أم لا, من ناحية ثانية.
علماء الشيعة الاثنا عشرية لايزالون يتجادلون حول قضية قريبة مما نحن بصدده الآن, حيث يري فريق منهم أن الإمام الحسين ما كان له أن يغامر بالتصدي لجيش الخليفة الأموي يزيد بن معاوية في كربلاء, لأنه بما فعله فقد حياته ومكن يزيد من إبادة أهله وجماعته, الأمر الذي أوقع بالحسين مأساة لايزال الشيعة يبكونها حتي الآن.
هذه المقولة ردها علماء آخرون.. قالوا إن الإمام الحسين أصاب فيما فعل, ولم يكن له خيار شريف آخر, وإذا كان قد قتل وحل بأهله ما حل, فإن خسارته وخسارة الأمة كانت ستصبح أكبر من الناحيتين الأخلاقية والتاريخية, لو أنه أحني رأسه للظلم وسكت عليه, وقد تمثلت بطولته في أنه انحاز إلي جانب الموقف الصحيح, وكرس قيمة إنكار الظلم حتي آخر رمق, ثم دفع حياته ثمنا لذلك, ولئن قتل فإنه انتصر علي الظلم وهو في قبره, انتصرت القيمة, جني غيره ثمار ما زرعه هو ورواه بدمه.
ما جري في جنين كان مشهدا كربلائيا بامتياز, إذا جاز التعبير, كانوا نحو مائتين من رجال المقاومة, في مواجهة أكثر من35 ألف جندي صهيوني مسلح بأكثر الأسلحة فتكا وتطورا في العالم, تظللهم أسراب طائرات إف16 وأباتشي, وتحمي ظهورهم نحو450 آلية, ما بين دبابات ومدرعات وناقلات جنود.
المائتا فلسطيني ظلوا يقاتلون طيلة تسعة أيام بلياليها( لا تنس أن جيوش ثلاث دول عربية هزمت في ست ساعات عام67), ولم يستطع الإسرائيليون أن يقتحموا المخيم إلا بعد أن نفدت ذخيرة رجال المقاومة البواسل.. بل إن دخولهم المخيم لم يكن سهلا علي الإطلاق, لأنهم حين دخلوا وجدوا جحيما في انتظارهم.. لقد فخخ الفلسطينيون كل شيء ونشرت معاريف( في4/8) نقلا عن بعض الجنود قولهم إنهم وجدوا في كل نقطة استراتيجية بالمخيم كمينا منصوبا لهم, كما أن مئات العبوات الناسفة انفجرت في وجوههم, كانت البيوت مخفخخة, وكذلك السيارات وعربات النفايات وأغطية المجاري وكل جسم آخر في الشارع, وعلقت العبوات علي الأشجار ووضعت علي أعمدة الكهرباء وعلي النوافذ, حتي أن أحد الجنود قال: كلما تقدمنا مترا علي الأرض, تعرضنا إلي إطلاق النار أو انفجار عبوة.
(4)
أصبح اللحم الفلسطيني أكثر مرارة من ذي قبل, فهذه القدرة علي التصدي التي اقترنت بالبطولات التي أشرنا إليها في الأسبوع الماضي, أوصلت للإسرائيليين رسائل عدة, بينها رسالة نبهت الجيش إلي أنه في هذه الجولة يواجه نوعية جديدة من المقاتلين, مختلفين تماما عن فلسطينيي أعوام36 أو48 أو67, إذ بدا المقاتلون هذه المرة أكثر جرأة وأشد ثقة وأعلي كفاءة وأفضل تنظيما.
لقد وعت القيادة الإسرائيلية درس جنين, وأدركت أن ثمة جديدا في المقاومة الفلسطينية يتعين التحسب له. وكان أول رد فعل لها أن أرجأت إلي حين محاولة اجتياح قطاع غزة, لاعتقادها أن رجال المقاومة هناك استفادوا مما جري في جنين, ومن ثم رجحت أن يكون لهم هناك ترتيب آخر.. وفي حدود علمي فإن إسرائيل قامت بتنشيط دور العملاء في القطاع لاستكشاف مخططات المقاومة الدفاعية, ومنهم من قام بإفساد بعضها أحد الجواسيس أجهض جهدا بذل لتلغيم بعض مداخل القطاع.
أشرت قبل قليل إلي ما قاله اللواء جلعاد منسق شئون المناطق من أن الإسرائيليين لم يقدروا جيدا حجم وقدرات المقاومة الفلسطينية, وأضيف أن بعض قادتهم تحدثوا أيضا عن أن عملية الاجتياح, رغم كل ما جري فيها من وحشية وبطش, لن تقضي علي المقاومة, ويتعذر عليها أن تحقق هدف الاستئصال الذي ابتغته.. فهذا وزير الخارجية شيمون بيريز يقول: إننا نعرف أن عمليتنا العسكرية لن تحل المشاكل, وقد نشرت هاآرتس تعليقا لوزير الدفاع بنيامين بن أليعازر قال فيه: لايمكن اقتلاع البنية الإرهابية, فهذا أمر غير وارد, بل إننا إذا لم نتوصل في خطوتنا الأخيرة إلي حل سياسي, فسنعود خلال أربعة أشهر إلي النقطة التي انطلقنا منها للحرب.. وحتي نفهم الموقف جيدا فيجب أن ندرك أن الإرهاب مثل الأفعي.. إذا قطعتها إربا فإنها ستكبر, وإذا عدت لتقطيعها فإنها ستكبر أيضا.. ومن ثم فليس هناك رد عسكري يحسم الأمر مائة في المائة, في الوقت نفسه نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت علي لسان نعومي بدهتسور, من مركز دراسات القومي بجامعة حيفا, قوله إن الاعتقاد بإمكان ضرب البنية التحتية للإرهاب, مسألة لم تعد ممكنة اليوم.
(5)
لا قلق علي البطولة والتصميم الفلسطينيين, فنحن واثقون منهما وضامنون لهما مادامت أرحام الفلسطينيات لم تتوقف عن الإنجاب.. لكننا لا نستطيع أن نخفي قلقا من احتمالات ضعف بعض الرموز الذين دب اليأس في قلوبهم, وأنهكهم مشوار النضال وأعباؤه, فتعبوا, لكنهم لم يخلوا مواقعهم لغيرهم كي يحملوا الراية ويكملوا المشوار, وإنما تشبثوا بمواقعهم وتوهموا أن القضية هي التي تعبت وليس هم! ـ وليس سرا أن إسرائيل تراهن علي هؤلاء, الذين تصنفهم بالاعتدال, وتريد أن تحدث الاختراق الحاسم وتحقق مرادها من خلالهم. وقد كشفت خبرة الحرب الأخيرة عن حقيقة موقف تلك الرموز, الأمر الذي أحسب أنه لن يمر بسهولة حين يهدأ غبار المعارك ويفتح ملف المراجعة والتدبر.
إذا قلبنا هذه الصفحة, ووضعنا الخسائر في البشر والعتاد في مكانها الطبيعي من حركة النضال وتاريخها, فسنجد أن المشهد النضالي يستدعي في الوعي مجموعة من الخلاصات والدروس في مقدمتها مايلي:
* انتصرت فكرة المقاومة, التي أيقن الجميع أنها خيارهم الوحيد للدفاع عن حقهم المغصوب, وفي الوقت نفسه احتلت قيمة الشهادة مقدمة منظومة المقاومة, باعتبارها السلاح الأمضي, والأكثر إيلاما ووجعا للعدو الإسرائيلي.
* أيقن الجميع أيضا أن كل الرهانات علي السلام التي طرحت في السابق, وبينها حكاية الخيار الاستراتيجي, شابها الزيف, وكانت بمثابة تسويق للوهم وقع في فخه كثيرون, من ثم فقد سقطت تلك الرهانات, ولم تعد ممكنة العودة إليها مرة أخري.
* حتي الرهانات علي التنازلات أثبتت عقمها, وتبين أنها تفتح الشهية لمزيد من التنازلات, وقد وجدنا الرئيس عرفات حين استجاب وهو في محبسه للضغوط التي مورست عليه لإدانة الإرهاب, وإدانة المقاومة ضمنا, وكان ذلك شرطا لترتيب لقائه مع وزير الخارجية الأمريكية, فإن ذلك لم يحقق أي مكسب للقضية, وإنما كان فخا أسفر عن وجهه, حين أعلن الأمريكيون أنهم سيحاسبونه علي التزامه بكلامه!
* سقط أيضا الرهان علي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي, وبات ضروريا أن يلتفت الجميع إلي أهمية المراهنة علي الأمة العربية وشعوبها أولا, وقبل أي شيء آخر.
كما بينت التجربة أهمية تطهير الصفوف من المتعاونين, فإنها أكدت أهمية وفاعلية الوحدة الوطنية الفلسطينية, التي تجلت ليس فقط في التحام قوي وفصائل المقاومة, وإنما أيضا في وقوف رجال الشرطة والدرك الفلسطيني في نفس الخندق مع من كانوا يلاحقونهم من عناصر المقاومة!.
ثبت أيضا أن الشعب الإسرائيلي ليس مهيأ بعد للسلام أو التعايش مع الفلسطينيين وليس أدل علي ذلك من أن المجازر الوحشية التي قام بها الجيش الإسرائيلي, لقيت ترحيبا واسع النطاق من المجتمع, الذي أعطي لشارون تأييدا لم يبلغه أحد من حكام إسرائيل منذ تأسيس الدولة في عام48.
سيحتاج استخلاص الدروس إلي وقت وإلي مشاركات أوسع.. وهو ما يتعين إنجازه دون إبطاء.. ليس فقط للاعتبار والتدبر.. ولكن أيضا إعدادا للجولة القادمة
المصدر
- مقال:إعــــــدادا للجولــــة القادمـــةموقع:الشبكة الدعوية