إعــــــدادا للجولــــة القادمـــة

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
إعــــــدادا للجولــــة القادمـــة


بقلم : فهمي هويدي

لنا أن نأسي ونكتئب‏,‏ إذا كنا قد راهنا علي أن انتفاضة الأقصي سوف تحرر فلسطين وتعيد الحق المغصوب إلي أهله‏..‏ ولأن ذلك ليس صحيحا‏,‏ فإننا سوف نستوعب جيدا ما جري‏,‏ ونعطيه حجمه الحقيقي‏,‏ إذا وضعناه في سياقه التاريخي‏,‏ واعتبرناه جولة في الصراع الممتد‏,‏ لها ما بعدها‏,‏ الذي ينبغي أن يعد الجميع أنفسهم وعدتهم له‏,‏ بعد أن ينفضوا عن أنفسهم أحزان الجولة الراهنة‏.‏

‏(1)‏

تحضرني في هذا الصدد مقولة الزعيم الصيني صن يات صن أثناء النضال المرير الذي قاده ضد أسرة مانشو الامبراطورية‏,‏ وضد القوي الامبريالية التي تآمرت علي الصين في أوائل القرن الماضي‏,‏ حين أحبطت في وقت متأخر إحدي محاولاته المتكررة لانتزاع السلطة‏,‏ فقال إن ذلك مجرد الفشل الثالث عشر‏!,‏ ولأن الرجل تمتع بذلك القدر من الثقة والثبات‏,‏ فلم يثنه الفشل عن عزمه ولافت في عضده‏,‏ حتي دخل التاريخ وأصبح يوصف بأنه مؤسس الصين الحديثة‏.‏

أدري أن النضال الفلسطيني للدفاع عن اغتصاب الأرض مستمر بدرجة أو أخري منذ ثلاثينيات القرن الماضي‏,‏ وأن الضربات القاسية توالت علي الجسد الفلسطيني منذ حرب عام‏48,‏ إلي أن جاءت القاصمة في عام‏67,‏ باحتلال إسرائيل لكل أرض فلسطين التاريخية‏,‏ لكني أزعم أننا لم نبلغ بعد الرقم‏13‏ في جولات الفشل‏.‏

تحضرني أيضا مقولة مناضل آسيوي آخر من أهل النظر والحكمة‏,‏ هو هوشي منه‏,‏ الذي قاد بعناد وصلابة مقاومة الشعب الفيتنامي للاحتلال الأمريكي‏,‏ إذ ما برح يردد أن الذي يبدأ بعد ضحاياه علي طريق الحرية‏,‏ سيفقد الضحايا‏,‏ وسيفقد أيضا الحرية‏,‏ هذا الكلام قاله هوشي منه وهو في قلب معركة غير متكافئة‏,‏ خاضها الأمريكيون بكل ثقلهم العسكري وتقنياتهم الحديثة‏,‏ فكانت القوة في صفهم بامتياز‏,‏ بينما خاضها الفيتناميون الفقراء والعزل بعزيمتهم وإصرارهم وصمودهم‏,‏ فعوضوا القوة بالقدرة‏,‏ وكان النصر للفيتناميين كما تعرف‏.‏ رغم أنهم ضحوا بثلاثة ملايين شخص‏,‏ مقابل قتل‏57‏ ألف جندي أمريكي‏,‏ غير مئات الآلاف من الجرحي الذين أصيبوا جسديا ونفسيا‏,‏ ورغم المذابح وعمليات الإبادة الجماعية التي قام بها الأمريكيون‏,‏ والتي مازالت فظائعها تتكشف إلي اليوم‏,‏ فإنهم اضطروا في النهاية إلي الانسحاب والهروب المزري‏,‏ أمام استبسال الفيتناميين‏,‏ مؤكدين بذلك الدرس والعبرة‏:‏ انه ما من مستحيل أمام إرادة الشعوب المتطلعة إلي الحرية والاستقلال‏.‏

قصدت التنويه إلي هاتين المقولتين أملا أن يساعد ذلك علي تصويب النظر إلي المشهد‏,‏ من الزاويتين التاريخية والعملية‏,‏ ولكي ندرك أن ما دفع وان كان باهظا‏,‏ إلا أنه يظل جزءا من الثمن واجب الدفع لاجتياز أشواط رحلة النضال الطويلة‏.‏

‏(2)‏

نعم‏..‏ تلقت المقاومة ضربة موجعة في حملة السور الواقي التي شنتها الحكومة الإسرائيلية أن منيت بخسائر شديدة الوطأة‏,‏ تحتاج إلي سنوات لتعويضها‏..‏ وما أصابها أضعاف أضعاف ما لحق بالسلطة الفلسطينية‏,‏ ذلك أن خسائر السلطة في حدها الأقصي كانت معنوية ومادية‏,‏ ولم تلحق بقياداتها ورموزها أي خسائر بشرية حتي الآن‏,‏ بينما خسائر المقاومة كانت بشرية بالدرجة الأولي‏,‏ وذلك أمر مفهوم لأن إسرائيل استهدفت تطويع السلطة وتركيعها‏,‏ وكان بوسعها أن تتخلص منها بطبيعة الحال‏,‏ لكنها لم تفعل وحرصت علي الإبقاء عليها‏,‏ لكي تنتزع منها ما تصبو إليه من تنازلات‏..‏ أما المقاومة فإن إسرائيل أرادت استئصالها تماما‏,‏ لأنها أصبحت تمثل التحدي الحقيقي والمطلق لها‏,‏ وهذا الفرق بين الموقفين يتضح بشكل جلي إذا ما قارنا بين تعامل إسرائيل مع الرئيس عرفات في رام الله‏,‏ وتعاملها مع المقاومة في جنين‏..‏ إذ بينما محي من الوجود مخيم جنين الذي كان أحد معاقل المقاومة‏,‏ وهدمت مبانيه علي سكانها‏,‏ فإن ما تعرض له أبوعمار لم يتجاوز الحصار والتخويف والإذلال‏,‏ في الوقت نفسه فإن إسرائيل ما برحت تتصيد قيادات المقاومة وتلاحقهم بطائرات الأباتشي والصواريخ حيثما وجدوا لتقضي عليهم نهائيا‏.‏ أما قيادات السلطة ووزراؤها فهم مؤمنون ولم يمس أحد منهم بسوء‏,‏ وها نحن نراهم علي شاشات الفضائيات طول الوقت‏,‏ حتي مروان البرغوثي القيادي البارز في منظمة فتح التي يرأسها عرفات‏,‏ وقد شكت إسرائيل في علاقته بكتائب الأقصي‏,‏ فإن إسرائيل لم تقتله كما فعلت مع كل قيادات المقاومة الذين طالتهم‏,‏ وانما اعتقلته فقط‏,‏ وهو بالمناسبة الوحيد من بين آلاف المعتقلين الذي سمحت له السلطات الإسرائيلية بلقاء زوجته ومحاميه في محبسه‏.‏

لقد اعترف رئيس الأركان الإسرائيلي‏,‏ شاؤول موفاز‏,‏ باعتقال‏5000‏ عنصر من رجال المقاومة في الحملة الأخيرة‏,‏ بينهم‏1400‏ من النشطاء الاساسيين‏,‏ وطبقا لما ذكرته صحيفة يديعوت أحرونوت فقد كان من بين المعتقلين النوعيين حتي‏3494/15‏ عنصرا من حماس و‏344‏ من فتح‏,‏ و‏82‏ من الجهاد الاسلامي‏,‏ و‏356‏ من أعضاء الأجهزة الأمنية‏,‏ يضاف إلي هؤلاء نحو‏200‏ شخص من خيرة رجال المقاومة‏,‏ استشهدوا أثناء القتال في جنين ونابلس‏,‏ أو اغتالتهم الأجهزة الإسرائيلية أثناء الاجتياح‏.‏

خسائر التسليح كانت كبيرة بشكل لافت للنظر‏,‏ إذ عثرت القوات الإسرائيلية علي خمسة آلاف قطعة سلاح‏,‏ منها‏90‏ رشاشا‏,‏ كما تم العثور علي‏23‏ مشغلا لإنتاج العبوات والأحزمة الناسفة‏,‏ و‏430‏ عبوة ناسفة جاهزة للتفجير‏,‏ إضافة إلي‏20‏ محرك صاروخ قسام ومعدات تنصت‏.‏

لم يقف الأمر عند حد الخسائر في الأفراد والعتاد‏,‏ وإنما عمدت إسرائيل أيضا إلي خنق المقاومة‏,‏ عن طريق القضاء ـ مؤقتا علي الأقل ـ علي الملاذ الآمن الذي توافر لرجال المقاومة طيلة أشهر الانتفاضة‏,‏ وهو ما نبه إليه الكاتب الأردني ياسر الزعاترة‏,‏ أحد خبراء الشأن الفلسطيني‏,‏ إذ أشار فيما كتبه بصحيفة الحياة اللندنية‏(‏ عدد‏4/24)‏ إلي أنه خلال الانتفاضة‏,‏ وبسبب توقف التعاون الأمني بين أجهزة السلطة والإسرائيليين‏,‏ ولو بصورة نسبية‏,‏ فقد توافر للمقاومة ملاذ آمن في الضفة الغربية‏,‏ الأمر الذي مكنها من تنشيط عملها العسكري ومراكمة خبراتها وإمكانياتها‏,‏ وهو ما كانت له نتائجه المشهودة في ساحة المواجهة منذ شهر فبراير الماضي‏,‏ وقد فوجيء الإسرائيليون بقدرات منظمات المقاومة‏,‏ حتي قال اللواء عامور جلعاد منسق شئون المناطق وأحد قادة شعبة المخابرات العسكرية سابقا‏,‏ في تعليق علي ما تم اكتشافه‏:‏ حين أري عدد مشاغل المتفجرات التي اكتشفت والوسائل القتالية والصواريخ وغير ذلك‏,‏ فإنني أفاجأ بما أشاهده‏,‏ وأعترف بأننا لم نقدر جيدا حجم الإرهاب‏.‏

‏(3)‏

لا نريد أن نقع في محظور تعداد الخسائر الذي حذر من عواقبه هوشي منه لأن تقويم النضال لا يتم بهذه الصورة‏,‏ حيث الأهم ليس مقدار ما دفع‏,‏ وإنما سلامة الاتجاه من ناحية‏,‏ ثم ما إذا كان الذي جري يمثل تقدما صوب الهدف النهائي أم لا‏,‏ من ناحية ثانية‏.‏

علماء الشيعة الاثنا عشرية لايزالون يتجادلون حول قضية قريبة مما نحن بصدده الآن‏,‏ حيث يري فريق منهم أن الإمام الحسين ما كان له أن يغامر بالتصدي لجيش الخليفة الأموي يزيد بن معاوية في كربلاء‏,‏ لأنه بما فعله فقد حياته ومكن يزيد من إبادة أهله وجماعته‏,‏ الأمر الذي أوقع بالحسين مأساة لايزال الشيعة يبكونها حتي الآن‏.‏

هذه المقولة ردها علماء آخرون‏..‏ قالوا إن الإمام الحسين أصاب فيما فعل‏,‏ ولم يكن له خيار شريف آخر‏,‏ وإذا كان قد قتل وحل بأهله ما حل‏,‏ فإن خسارته وخسارة الأمة كانت ستصبح أكبر من الناحيتين الأخلاقية والتاريخية‏,‏ لو أنه أحني رأسه للظلم وسكت عليه‏,‏ وقد تمثلت بطولته في أنه انحاز إلي جانب الموقف الصحيح‏,‏ وكرس قيمة إنكار الظلم حتي آخر رمق‏,‏ ثم دفع حياته ثمنا لذلك‏,‏ ولئن قتل فإنه انتصر علي الظلم وهو في قبره‏,‏ انتصرت القيمة‏,‏ جني غيره ثمار ما زرعه هو ورواه بدمه‏.‏

ما جري في جنين كان مشهدا كربلائيا بامتياز‏,‏ إذا جاز التعبير‏,‏ كانوا نحو مائتين من رجال المقاومة‏,‏ في مواجهة أكثر من‏35‏ ألف جندي صهيوني مسلح بأكثر الأسلحة فتكا وتطورا في العالم‏,‏ تظللهم أسراب طائرات إف‏16‏ وأباتشي‏,‏ وتحمي ظهورهم نحو‏450‏ آلية‏,‏ ما بين دبابات ومدرعات وناقلات جنود‏.‏

المائتا فلسطيني ظلوا يقاتلون طيلة تسعة أيام بلياليها‏(‏ لا تنس أن جيوش ثلاث دول عربية هزمت في ست ساعات عام‏67),‏ ولم يستطع الإسرائيليون أن يقتحموا المخيم إلا بعد أن نفدت ذخيرة رجال المقاومة البواسل‏..‏ بل إن دخولهم المخيم لم يكن سهلا علي الإطلاق‏,‏ لأنهم حين دخلوا وجدوا جحيما في انتظارهم‏..‏ لقد فخخ الفلسطينيون كل شيء ونشرت معاريف‏(‏ في‏4/8)‏ نقلا عن بعض الجنود قولهم إنهم وجدوا في كل نقطة استراتيجية بالمخيم كمينا منصوبا لهم‏,‏ كما أن مئات العبوات الناسفة انفجرت في وجوههم‏,‏ كانت البيوت مخفخخة‏,‏ وكذلك السيارات وعربات النفايات وأغطية المجاري وكل جسم آخر في الشارع‏,‏ وعلقت العبوات علي الأشجار ووضعت علي أعمدة الكهرباء وعلي النوافذ‏,‏ حتي أن أحد الجنود قال‏:‏ كلما تقدمنا مترا علي الأرض‏,‏ تعرضنا إلي إطلاق النار أو انفجار عبوة‏.‏

‏(4)‏

أصبح اللحم الفلسطيني أكثر مرارة من ذي قبل‏,‏ فهذه القدرة علي التصدي التي اقترنت بالبطولات التي أشرنا إليها في الأسبوع الماضي‏,‏ أوصلت للإسرائيليين رسائل عدة‏,‏ بينها رسالة نبهت الجيش إلي أنه في هذه الجولة يواجه نوعية جديدة من المقاتلين‏,‏ مختلفين تماما عن فلسطينيي أعوام‏36‏ أو‏48‏ أو‏67,‏ إذ بدا المقاتلون هذه المرة أكثر جرأة وأشد ثقة وأعلي كفاءة وأفضل تنظيما‏.‏

لقد وعت القيادة الإسرائيلية درس جنين‏,‏ وأدركت أن ثمة جديدا في المقاومة الفلسطينية يتعين التحسب له‏.‏ وكان أول رد فعل لها أن أرجأت إلي حين محاولة اجتياح قطاع غزة‏,‏ لاعتقادها أن رجال المقاومة هناك استفادوا مما جري في جنين‏,‏ ومن ثم رجحت أن يكون لهم هناك ترتيب آخر‏..‏ وفي حدود علمي فإن إسرائيل قامت بتنشيط دور العملاء في القطاع لاستكشاف مخططات المقاومة الدفاعية‏,‏ ومنهم من قام بإفساد بعضها أحد الجواسيس أجهض جهدا بذل لتلغيم بعض مداخل القطاع‏.‏

أشرت قبل قليل إلي ما قاله اللواء جلعاد منسق شئون المناطق من أن الإسرائيليين لم يقدروا جيدا حجم وقدرات المقاومة الفلسطينية‏,‏ وأضيف أن بعض قادتهم تحدثوا أيضا عن أن عملية الاجتياح‏,‏ رغم كل ما جري فيها من وحشية وبطش‏,‏ لن تقضي علي المقاومة‏,‏ ويتعذر عليها أن تحقق هدف الاستئصال الذي ابتغته‏..‏ فهذا وزير الخارجية شيمون بيريز يقول‏:‏ إننا نعرف أن عمليتنا العسكرية لن تحل المشاكل‏,‏ وقد نشرت هاآرتس تعليقا لوزير الدفاع بنيامين بن أليعازر قال فيه‏:‏ لايمكن اقتلاع البنية الإرهابية‏,‏ فهذا أمر غير وارد‏,‏ بل إننا إذا لم نتوصل في خطوتنا الأخيرة إلي حل سياسي‏,‏ فسنعود خلال أربعة أشهر إلي النقطة التي انطلقنا منها للحرب‏..‏ وحتي نفهم الموقف جيدا فيجب أن ندرك أن الإرهاب مثل الأفعي‏..‏ إذا قطعتها إربا فإنها ستكبر‏,‏ وإذا عدت لتقطيعها فإنها ستكبر أيضا‏..‏ ومن ثم فليس هناك رد عسكري يحسم الأمر مائة في المائة‏,‏ في الوقت نفسه نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت علي لسان نعومي بدهتسور‏,‏ من مركز دراسات القومي بجامعة حيفا‏,‏ قوله إن الاعتقاد بإمكان ضرب البنية التحتية للإرهاب‏,‏ مسألة لم تعد ممكنة اليوم‏.‏

‏(5)‏

لا قلق علي البطولة والتصميم الفلسطينيين‏,‏ فنحن واثقون منهما وضامنون لهما مادامت أرحام الفلسطينيات لم تتوقف عن الإنجاب‏..‏ لكننا لا نستطيع أن نخفي قلقا من احتمالات ضعف بعض الرموز الذين دب اليأس في قلوبهم‏,‏ وأنهكهم مشوار النضال وأعباؤه‏,‏ فتعبوا‏,‏ لكنهم لم يخلوا مواقعهم لغيرهم كي يحملوا الراية ويكملوا المشوار‏,‏ وإنما تشبثوا بمواقعهم وتوهموا أن القضية هي التي تعبت وليس هم‏!‏ ـ وليس سرا أن إسرائيل تراهن علي هؤلاء‏,‏ الذين تصنفهم بالاعتدال‏,‏ وتريد أن تحدث الاختراق الحاسم وتحقق مرادها من خلالهم‏.‏ وقد كشفت خبرة الحرب الأخيرة عن حقيقة موقف تلك الرموز‏,‏ الأمر الذي أحسب أنه لن يمر بسهولة حين يهدأ غبار المعارك ويفتح ملف المراجعة والتدبر‏.‏

إذا قلبنا هذه الصفحة‏,‏ ووضعنا الخسائر في البشر والعتاد في مكانها الطبيعي من حركة النضال وتاريخها‏,‏ فسنجد أن المشهد النضالي يستدعي في الوعي مجموعة من الخلاصات والدروس في مقدمتها مايلي‏:‏

‏*‏ انتصرت فكرة المقاومة‏,‏ التي أيقن الجميع أنها خيارهم الوحيد للدفاع عن حقهم المغصوب‏,‏ وفي الوقت نفسه احتلت قيمة الشهادة مقدمة منظومة المقاومة‏,‏ باعتبارها السلاح الأمضي‏,‏ والأكثر إيلاما ووجعا للعدو الإسرائيلي‏.‏

‏*‏ أيقن الجميع أيضا أن كل الرهانات علي السلام التي طرحت في السابق‏,‏ وبينها حكاية الخيار الاستراتيجي‏,‏ شابها الزيف‏,‏ وكانت بمثابة تسويق للوهم وقع في فخه كثيرون‏,‏ من ثم فقد سقطت تلك الرهانات‏,‏ ولم تعد ممكنة العودة إليها مرة أخري‏.‏

‏*‏ حتي الرهانات علي التنازلات أثبتت عقمها‏,‏ وتبين أنها تفتح الشهية لمزيد من التنازلات‏,‏ وقد وجدنا الرئيس عرفات حين استجاب وهو في محبسه للضغوط التي مورست عليه لإدانة الإرهاب‏,‏ وإدانة المقاومة ضمنا‏,‏ وكان ذلك شرطا لترتيب لقائه مع وزير الخارجية الأمريكية‏,‏ فإن ذلك لم يحقق أي مكسب للقضية‏,‏ وإنما كان فخا أسفر عن وجهه‏,‏ حين أعلن الأمريكيون أنهم سيحاسبونه علي التزامه بكلامه‏!‏

‏*‏ سقط أيضا الرهان علي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي‏,‏ وبات ضروريا أن يلتفت الجميع إلي أهمية المراهنة علي الأمة العربية وشعوبها أولا‏,‏ وقبل أي شيء آخر‏.‏

كما بينت التجربة أهمية تطهير الصفوف من المتعاونين‏,‏ فإنها أكدت أهمية وفاعلية الوحدة الوطنية الفلسطينية‏,‏ التي تجلت ليس فقط في التحام قوي وفصائل المقاومة‏,‏ وإنما أيضا في وقوف رجال الشرطة والدرك الفلسطيني في نفس الخندق مع من كانوا يلاحقونهم من عناصر المقاومة‏!.‏

ثبت أيضا أن الشعب الإسرائيلي ليس مهيأ بعد للسلام أو التعايش مع الفلسطينيين وليس أدل علي ذلك من أن المجازر الوحشية التي قام بها الجيش الإسرائيلي‏,‏ لقيت ترحيبا واسع النطاق من المجتمع‏,‏ الذي أعطي لشارون تأييدا لم يبلغه أحد من حكام إسرائيل منذ تأسيس الدولة في عام‏48.‏

سيحتاج استخلاص الدروس إلي وقت وإلي مشاركات أوسع‏..‏ وهو ما يتعين إنجازه دون إبطاء‏..‏ ليس فقط للاعتبار والتدبر‏..‏ ولكن أيضا إعدادا للجولة القادمة

المصدر