أهل الحَلِّ والعَقْد وصنع القرار فى الدولة الإسلام

من Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
أهل الحَلِّ والعَقْد وصنع القرار فى الدولة الإسلام


بقلم : هبة رؤوف عزت

تنوعت البيعات التي كان يأخذها النبي (صلى الله عليه وسلم) من الناس والصحابة؛ فكان منها بيعة الدخول في الإسلام، أو بيعة على أمر بعينه؛ وهذه تقتصر على التزام المبايعين بما قبلوا مبايعته عليه كبيعة الرضوان، أو بيعة لقطاع اجتماعي بشروط أدنى للمسئولية العامة كبيعة عوام النساء (مع اشتراك أخريات في بيعة الجهاد).

ثم بعد انتقال الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى الرفيق الأعلى، تمت البيعة لخليفة المسلمين، وكانت على الكتاب والسنة، وعلى السمع والطاعة للخليفة أو أمير المؤمنين، والالتزام بكتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) كشريعة للجماعة يتم التصدي لمن يخرج عليها (كما في حروب الردة)، ووجدت بجانب تلك البيعة لأمير المؤمنين بيعات تعاقدية على عمل ما، كالتي بين القائد وبعض المجاهدين، وحدثت في بعض المعارك بين المسلمين والكفار، كما في يوم اليرموك.

واستقر بعد ذلك نوعان من البيعة في الخبرة الإسلامية:

الأولي: بيعة سياسية عامة، تُعطَى للحاكم المسلم على السمع والطاعة للكتاب والسنة.

والثانية: بيعة دينية خاصة بين الشيوخ وطلاب العلم، وأبرز أمثلتها البيعة لمشايخ الصوفية، وكانوا يأخذونها على مريديهم، والمعروفة بـ"العهد".

والبيعة عقد يترتب عليه التزامات على الطرفين (أولي الأمر والرعية) بالكتاب والسنة، فيحرم نقضها – ديانة - إلا بحقها، ولها أهمية مركزية في النظام السياسي؛ لذا جاء الحديث النبوي بأنه من مات بغيرها مات ميتة "جاهلية"، ولا يجوز إعطاؤها لأكثر من واحد، وإذا نازعه فيها أحد بعد بيعته، يجب الذود عنه، وقتال المنازع كائنا من كان؛ حفاظاً على حق الأمة التي اختارته، والنظام العام. (وقد ورد في الحديث أنه إذا بويع الخليفة فاقتلوا الآخر منهما).1

والبيعة التي تُعطى لأي هيئة إصلاحية، أو مسئوليها أو أي متصدر للعمل الإسلامي هي بيعة على عمل، والمقصد منها الالتزام بالعمل الذي تم الاتفاق عليه بين الشيخ أو تلامذته أو أي متصدر للعمل الإسلامي - بغض النظر عن الأوصاف – وأتباعه.

وبيعة العمل هذه لا يُشترط فيها وجود شخص بعينه تُعطى له البيعة، بل يجوز أن يعطيها طالب العلم أو المريد لأي شيخ يثق في علمه وتقواه، وهي لا تأخذ حكم التعاقد الملزم بين الشخصين أطراف العلاقة التعاقدية، بل الملزم هو العمل نفسه لوجوبه في الشرع ابتداءً وأصلاً، وقد يقوم به الفرد مع نفسه دون التزام بشيخ معين أو طريقة أو جماعة معينة، وقد يختار أن يلتزم به مع شيخ أو طريقة أو جماعة، أو يفعل لمدة، ثم يحل هذا الالتزام من جهته، أو يعفيه منه الشيخ، أو تحله منه الطريقة أو الجماعة التي أخذت هذا العهد أو هذه "البيعة".

بيعة العهد.. التزام فردي

والأصل في بيعة الإمامة أن تكون هناك بيعة واجبة لاختيار ولي الأمر، وتكون زمنيًا قبل تولِّي السلطة، فلا تؤخذ بالقهر بعد استيلائه على الحكم، أو بالقوة لضمان استمرار الحاكم مدة أطول، وإكساب نظامه شرعية دستورية.

أما البيعة على عمل صالح يتفق مع مقررات الشرع الشريف؛ كالأمر بالمعروف، أو النهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى؛ فهذه البيعة يستطيع كل فرد أن يعطيها لأي فرد أو هيئة أو طريقة أو جماعة، ولا يترتب عليها التزام بين الطرفين المتعاهدين، ولا يترتب على حل هذه البيعة أو تلك الرابطة أو هذا العهد أي آثار ملزمة تجاه أي طرف من أطراف العلاقة التعاقدية؛ فالعقد السياسي عقد مدني ملزم، وتنازع الأمة الحاكم وتُسائله أمام المحاكم الدستورية، بل والمدنية في حالات الفساد السياسي، والعسكرية في حالة الخيانة العظمى.

وبالمقابل إذا أخل فرد ببيعته دون ما يستدعي ذلك أو فعلت ذلك جماعة بطرق غير مشروعة أو مسلحة بعيداً عن مساحات التغيير العلنية السلمية (كالصحافة وفعاليات المجتمع الأهلي مثلاً ) – وهو ما يُسمى في الفقه بالـ"خروج"، وفي الأدبيات المعاصرة بالتآمر وصولاً للثورة – فإن هذا يستوجب محاسبة قانونية من جانب السلطة.

وأما بيعة العهد، فالتزام فردي أقرب للتواصي والتعاون، ولا يترتب على خروج الفرد عليها محاسبة له، ولا يحق إكراهه على الاستمرار مع الطريقة أو الجماعة، أو اعتبار تحلله من عهده وانتمائه "خروجًا" على "جماعة" المسلمين.

ونذكر هنا أن الأحاديث الواردة في لزوم الجماعة، والتحذير من مفارقتها ووجوب بيعتها، لا يقصد بها هذه الهيئات؛ حتى لو أسمت نفسها بالجماعة أو حتى بجماعة المسلمين؛ سعيًا منها للدخول في اللفظ أو المساحة الدلالية، فهذا محض اشتراك لفظي، وإنما يقصد الحديث النبوي الأمة جمعاء بمفهومها العام والشامل، وبالتالي فهذه الأحاديث لا تصلح دليلاً مسوغاً لشرعية هذه الدوائر التنظيمية، وإلا سحبها كل فريق على نفسه؛ متهمًا غيره بالخروج عن الطاعة والانسلال من الجماعة وخلع ربقة الإسلام (!) مع ما يؤدي إليه ذلك من الهرج والفتن والتلاطم والتلبيس على الأغلبية.

والبيعة التي تُعطى لهذه الدوائر لا تخول لأمرائها الحق في السمع والطاعة المطلقة التي كانت تُعطى لإمام المسلمين المتمكن، إبان عصور الخلافة، وإنما هي بمثابة العهد أو "النذر"؛ لأنها التزام بطاعة، وكل قول تضمن التزامًا بفعل طاعة فهو يدخل في النذر بالمعنى الواسع.

والنذر يمين، كما ذكر شيخ الإسلام "ابن تيمية" (رحمه الله)2 فتكون دائرة إلزامها فيما انعقدت هذه البيعة من أجله من أعمال الجهاد والدعوة.3

كذلك جاء في فتاوى المذهب الحنفي ما نصه: "رجل أعطى العهد لشيخ، ثم أعطاه لآخر، أيُّ العهدين يلزمه؟ قالوا: لا هذا ولا ذاك!4

ويقترب القول بجواز التحلل منها عند الضرورة بكفارة يمين، مع مراعاة أن الأصل هو الوفاء؛ وذلك حتى لا يعني الكلام هنا الاستهانة بالالتزام، فنكث العهود والغدر شُعبة من شعب النفاق التي ذكرها الحديث المتفق على صحته. وقد عدّ "ابن حجر الهيثمي" الغدرَ من الكبائر5، بل يعني كلامنا أهمية تحرير الأمر، وتحوط وحرص من يعطي العهد على أن يعقل الأمور والظروف ويتروى؛ لأن العهد والوعد والنذر التزام، حتى لو تفاوتت درجته عن البيعة السياسية.

ترشيد المسيرة

إن هذا التوجه في فهم ما يعنيه الحديث بالجماعة لا يعني بالضرورة انحلال عقدة التجمعات القائمة في ساحات العمل الإسلامي ابتداءً؛ فقد أدت هذه التجمعات- ولا تزال- دورًا هامًا في المحافظة على الوجود الإسلامي ووقايته من الضياع، ولكن يجب أن ترشد مسيرتها بما يلي:

1- إحياء مفهوم الأمة، وتبني المفهوم الصحيح العام والشامل لجماعة المسلمين، وقبول التنوع والتعدد داخلها، وأدب الاختلاف الفكري والفقهي، بل والديني، ما دام هناك اتفاق على النظام العام الذي يرتضيه الجميع.

وتكون فيه الشريعة مصدر الدستور والقوانين، والأوضاع القانونية للأقليات الدينية محكومة بشريعتهم، والمجال العام محكوم بالآداب التي تتفق عليها كل الطوائف والملل في أرضيتها الإنسانية المشتركة، مثل: أن تحترم وتكفل حرية التعبير دون ازدراء بالدين، واحترام الأسرة، ودعم الولاية الإنسانية بين الرجال والنساء، وكفالة ممارسة الشعائر، وحماية الإنسانية المشتركة بتكريم الإنسان فوق الطبيعة، وحفظ عرضه وكرامته وجسده وحقوقه، وعدم العبث بخلقته في أصلها.

وفي هذا الصدد العودة لدستور المدينة، وقراءة فلسفته في الاجتماع السياسي بالغة الدلالة، ومن المهم إشاعة الوعي بذلك بين التجمعات المختلفة بتوعيتها عليه، وذلك ليتجاوز العمل الشعبي/ الأهلي عامة، والإسلامي على وجه الخصوص، واقع التشرذم والتناحر والانغلاق على الذات والعداء للآخرين.

2- إعادة النظر في فقه السمع والطاعة، وتأسيس منظور جديد؛ فبناءً على الفهم السابق يثور تساؤل: هل يجوز للفرد الجمع بين أكثر من بيعة أو عهد – حسب اصطلاح الفقهاء – أو ميثاق أو انتماء لأكثر من هيئة أو مؤسسة جماعية في وقت واحد؟.

الأصل في البيعة أنها اتفاق عن تراضٍ، واختيار لا إجبار فيه، وهي نوعان:

الأول: بيعة الإمام، وهي ملزمة ديانة، ويحرم نقضها إلا بحقها، ولا يجوز إعطاؤها إلا لإمام واحد.

والثانية: بيعة أو عهد أو ميثاق أو انتماء لأجل عمل معين يدخل في إطار التعاون على البر والتقوى، وهو باب كبير يدخل تحته ما لا يُحصى من مجالات العمل العام، إن لم يكن يشملها كلها، وما نحن بصدده - في العمل العام - من النوع الثاني، وهو اتفاق في التنافس على فعل الخير وأداء الخدمات النافعة التكافلية - وهو لفظ جامع - فلا يوجد مانع شرعي من الانتساب لأكثر من هيئة جماعية تعمل للصالح العام، شريطة ألا يكون بين الانتماءين تعارض في أداء الالتزام الذي تحمّل الفرد مسئوليته؛ حتى لا يُضيع أماناته.

على أنه من اللازم هنا التفرقة بين أمرين:

الأول: أمر البيعة أو العهد لشيخ أو أي هيئة جماعية تعمل للإسلام بالشروط والضوابط والكيفية المأثورة عن الفقهاء، والمذكورة في أدبيات وتراث الهيئات الجماعية العاملة للإسلام.

والثاني: الانتساب للهيئات والمؤسسات التي تعمل للصالح العام بأشكالها المعاصرة، والتي يفرض وجودها وصيغتها القوانين والدساتير المختلفة بحسب كل بلد ومساحة الحريات والعمل العام فيه.

فالبيعة - أو العهد - التي يأخذها المشايخ أو المتصدرون للعمل الإسلامي تأخذ طابعًا شخصياً ودينيًا، في الشروط والكيفية، والبيعة - أو العهد - في هذا المستوى هي بالدرجة الأولى التزام بمبادئ معينة، وبأشخاص حقيقيين.

فإن بايع الشخص أو عاهد على أمر مفروض في الشريعة - التزامًا به - فالبيعة - أو العهد - لا تضيف جديدًا إلا زيادة التوثيق للأمر المفروض، وإن كان ما عاهد أو بايع عليه أمرًا مندوبًا إليه في الشرع فيأخذ العهد أو البيعة حكم اليمين، فإن فارق الشخص شيخًا أو هيئة... إلخ، وقد التزم مع من يتبعه بعمل، ثم أعطى البيعة بعد مفارقته لشيخ أو هيئة أخرى تعمل لنفس الوجهة والهدف والغاية، لكن بشكل أجود أو بوسائل أحسن، أو فارق الكلّ ملتزمًا بالعمل نفسه منفردًا، أو إن جمع بين أكثر من عهد أو بيعة لأكثر من جهة – للوجهة نفسها، بحيث لا يكون هناك تعارض وإضرار بأي من الهيئتين، فلا شيء عليه أيضًا، ما دام لم يُخل بالتزام تعهَّد به وترتب عليه تكليف له بأداء ومسئوليات.

أما الانتساب والانتماء للهيئات والمؤسسات التي تعمل للصالح العام بأشكالها المعاصرة، والتي يحدد صيغها ووسائل ممارسة النشاط من خلالها الدستور أو القوانين المنظمة للعمل العام في البلاد المختلفة، فالأمر يختلف قليلاً؛ فتركه لحزب والتحاقه بآخر على نفس الوجهة والهدف لا يترتب عليه شيء طالما أنه في إطار الجيد والأجود والحسن والأحسن. والأمر هنا منوط بنوع المسئولية التي يتحملها وفق اللوائح الداخلية، وعليه تصفية أوضاعه قبل الانسحاب وإلا تعرض لمساءلة قانونية إذا ترتب على تغير وضعه أو انسحابه ضرر متعمد بالهيئة أو الجهة الأهلية.

نعمل فيما اتفقنا عليه

من الأقوال المشهورة، والتي يُستدل بها على ضرورة الالتزام بالعمل للإسلام مع جماعة القاعدة الفقهية الأصولية "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، فإذا كان العالم من حولنا يعمل بشكل جماعي ومنظم؛ فلماذا نؤثر التشرذم؟!.

وعليه، فالعمل على تحكيم شرع الله في أرضه وإنفاذه بين الناس، وقبلها وحدة الأمة الإسلامية، وجعلها كلها تحت راية واحدة؛ لمواجهة التحديات، وللقيام بدورها - أولاً - تجاه البشرية التي هي أمة الدعوة. هذه كلها أمور واجبة، ولن يستطيع المسلمون أن يبلغوا مرادهم في تحقيق هذه الأهداف إلا بعمل جماعي منظم يحمل رؤية ومنهجًا.

وعند هذا الرأي، أنه إذا كانت هذه الأمور حكمها الوجوب؛ فوسائل تحقيقها واجبة أيضًا، وأول وسائل تحقيقها هو العمل بشكل جماعي منظم؛ سواء أكان رسميًا، أم شعبيًا؛ لأن الوسائل تأخذ حكم المقاصد، كما هو مقرر شرعًا وعقلاً.

ونرى أن هذه القضية أو هذا المبدأ الشرعي صحيح في منطوقه والاستدلال العام به.

والخلاف لا يأتي حول: هل العمل الجماعي المنظم الذي تقوم به دولة من الدول، أو مجموعة من الدول، أو أي هيئة من الهيئات الجماعية؛ لتحقيق هدف، أو إنجاز ما- حق مشروع، بل وواجب شرعي، أم لا؟ لأن الأهداف والآمال الكبرى لا تتحقق إلا بهذا الجهد الجماعي، إنما الخلاف يكون - غالبًا، وكما أوضحنا - حول أمرين؛ أولهما: طريقة الأداء وصلاحية أسلوب العمل ومنهج السير لهيئة ما. ثانيهما: طبيعة العلاقة بين الأفراد وبين تلك الهيئات التي تعمل بشكل جماعي للصالح العام.

وعموماً، فإن أمور العمل العام، والحكم على أيها الأقرب للصواب، يدخل ضمن ما يُعرف بالسياسية الشرعية، ويقبل الاجتهاد، والأولى بالاتباع الرأي المحقق للمصلحة، وطالما الأمر كذلك فلتوضع الأمور في حجمها الحقيقي، ولا نحملها فوق ما تحتمل، فنغالي، فتتفرق الأمة بدلاً من أن "نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا حوله".

المصدر