أصول الدعوة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
أصول الدعوة


بقلم : عبد الكريم زيدان

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

فهذه هي الطبعة الثالثة لكتابي "أصول الدعوة" وقد أضفت إليه "نظام الافتاء" و "نظام الحسبة" وهما من أنظمة الإسلام المهمة، والله تعالى أسأل أن يوفقني لخدمة الإسلام واظهار معانيه للناس وهو حسبي ونعم الوكيل.

بغداد في 1 رمضان 1395 هـ
الدكتور عبد الكريم زيدان

<[[center>6/09/[[1975 م

تمهيد ومنهج البحث

تمهيد

1- نقصد بالدعوة، الدعوة إلى الله، قال تعالى: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني..﴾. والمقصود بالدعوة إلى الله الدعوة إلى دينه وهوالإسلام ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من ربه سبحانه وتعالى. فالإسلام هو موضوع الدعوة وحقيقتها، وهذا هو الأصل الأول للدعوة. وقد بلغ الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هذا الإسلام العظيم أحسن تبليغ وأكمله وظل يدعو إلى الله منذ أن أكرمه الله بالرسالة إلى حين انتقاله إلى جوار ربه الكريم ولهذا أرسله الله تعالى: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً. وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً﴾. فهو صلى الله عليه وسلم الداعي الأول إلى الإسلام. فالداعي إذن هو الأصل الثاني للدعوة.

والذين دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام وبلغهم رسالته هم العرب وغيرهم لأن رسالته عامة إلى جميع البشر غير مقصورة على العرب، قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً﴾. فالمدعو إلى الإسلام إذن هو الأصل الثالث للدعوة. وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الإسلام بالوسائل والأساليب والمناهج التي أوحى بها الله إليه والثابتة في القرآن والسنة النبوية الكريمة. وهذه الوسائل والأساليب وما يتصل بها هي الأصل الرابع للدعوة.

فأصول الدعوة إذن أربعة: موضوعها، والداعي، والمدعو، والوسائل.

منهج البحث

2- وبناء على ما تقدم سيكون منهجنا في البحث تقسيمه إلى أربعة أبواب، كل باب لأصل واحد من أصول الدعوة على النحو التالي مع خاتمة لهذه الأبواب:

الباب الأول – موضوع الدعوة.

الباب الثاني – الداعي.

الباب الثالث – المدعو.

الباب الرابع – وسائل الدعوة وأساليبها.

الخاتمة.

الباب الأول - موضوع الدعوة

تمهيد

1- قلنا: إن موضوع الدعوة هو الإسلام الذي أوحى الله تعالى به إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن والسنة المطهرة. ونحن في كلامنا على الإسلام لا نريد التفصيل والإسهاب كما لا نريد الايجاز والاختصار وإنما نريد أن نبين شيئاً عنه يحتاج إليه المدعو ولا يسع الداعي جهله... وعلى هذا الأساس لا بد من بيان تعريفه وأركانه وخصائصه وأنظمته ومقاصده. وعلى هذا سنقسم هذا الباب إلى خمسة فصول.

الفصل الأول – تعريف الإسلام.

الفصل الثاني – أركانه.

الفصل الثالث – خصائصه.

الفصل الرابع – أنظمته.

الفصل الخامس – مقاصده.

الفصل الأول - تعريف الإسلام

يمكن تعريف الإسلام بتعاريف كثيرة منها:

التعريف الأول

1- في حديث جبريل عليه السلام، حيث جاء بهيئة اعرابي، يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسمع الحاضرون ويتعلموا أمور دينهم، جاء في هذا الحديث: "فأخبرني عن الإسلام" فقال صلى الله عليه وسلم: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا". فالإسلام هو ما جاء في هذا الحديث وسيأتي شرحه فيما بعد.

التعريف الثاني

2- الإسلام هو الخضوع والاستسلام والانقياد لله رب العالمين، ويشترط فيه أن يكون اختيارياً لا قسرياً، لأن الخضوع القسري لله رب العالمين أي لسننه الكونية أمر عام بالنسبة لجميع المخلوقات، ولا ثواب فيه ولا عقاب قال تعالى: ﴿أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون﴾ [آل عمران: 83] فكل مخلوق خاضع لله ولسنته في وجوده وبقائه وفنائه، والانسان كغيره من المخلوقات في هذا الخضوع القسري. اما الخضوع الاختياري لله رب العالمين فهذا هو جوهر الاسلام المطالب به الانسان وعليه يكون الثواب والعقاب، ومظهره الانقياد التام لشرع الله بتمام الرضى والقبول، وبلا قيد ولا شرط ولا تعقيب، ومن ثم كان الإسلام بهذا المعنى هو دين الله المرضي عنده، وأوحى به إلى رسله الكرام وبلغوه إلى الناس، قال تعالى: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ [آل عمران:19] ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ [آل عمران:85] ﴿ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور﴾ [لقمان: 22] ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتُنَّ إلا وأنتم مسلمون. أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي، قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون﴾ [البقرة: 132, 133].

3- ثم خص لفظ "الاسلام" بالدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من ربه وبالانقياد التام له بلا قيد ولا شرط، وبهذا الانقياد يظهر خضوع الانسان لله رب العالمين خضوعاً اختيارياً وهو جوهر الاسلام كما قلنا. وبهذا المعنى الخاص للإسلام جاء قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾[المائدة:3] وعلى هذا يكون تعريف الإسلام بمعناه الخاص وهو المطلوب عند اطلاق هذا الاسم "الإسلام هو الخضوع الاختياري لله رب العالمين ومظهره الانقياد لشرع الله الذي أوحاه إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأمره بتبليغه إلى الناس".

التعريف الثالث

4- الإسلام هو النظام العام والقانون الشامل لأمور الحياة ومناهج السلوك للانسان التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم من ربه وأمره بتبليغها إلى الناس، وما يترتب على اتباعها أو مخالفتها من ثواب أوعقاب قال تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ فالدين هنا يتضمن المعاني التي ذكرتها ويستلزم غيرها، وهي بمجموعها تعني الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من رب العالمين.

التعريف الرابع

5- الإسلام هو مجموع ما أنزله الله تعالى على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من أحكام العقيدة والأخلاق والعبادات والمعاملات والاخبارات في القرآن الكريم والسنة المطهرة، وقد أمره الله بتبليغها إلى الناس قال تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته، والله يعصمك من الناس...﴾[المائدة: 67] وما أنزله الله عليه هو القرآن والسنة وفيهما جميع الأحكام التي ذكرناها، وهي دين الله، وهو الإسلام.

التعريف الخامس

6- الإسلام هو الأجوبة الصحيحة الحقة لثلاثة اسئلة شغلت عقول البشر في القديم وفي الحديث، وترد على فكر كل إنسان كلما خلا بنفسه وسرح خواطره في أمور الحياة، أو شيع ميتاً أو شاهد قبوراً... هذه الاسئلة هي:

من أين جئنا؟

ولماذا جئنا؟

وإلى أين المصير؟

والأجوبة الصحيحة لهذه الاسئلة التي أخبر بها رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم تكون بمجموعها وتفصيلاتها الإسلام:

7- فعن السؤال الأول يقول الله تعالى: ﴿يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدّكم، ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً...﴾[الحج: 5]. ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ثم جعلناه نطفة في قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقة، فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين﴾[المؤمنون: 12، 13، 14]. ﴿الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين. ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين. ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون﴾[السجدة:7، 8، 9]. ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً. إنّا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً﴾[الانسان:1، 2]. ﴿فلينظر الإنسان مم خلق. خلق من ماء دافق. يخرج من بين الصلب والترائب﴾[الطارق: 5].

فهذه الآيات الكريمة وأمثالها في القرآن الكريم تبين أن الانسان لم يكن شيئاً، كان معدوماً، فخلقه الله تعالى من تراب ثم جعل نسله من ماء مهين على النحو المذكور في هذه الآيات، فمن جهة خلق الإنسان الأول وهو آدم عليه السلام كان خلقه من طين أو تراب ومن جهة خلق نسله وذريته كان خلقه من ﴿نطفة من مني يمنى﴾[القيامة: 37] أي من الماء الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب.

8- وعن السؤال الثاني: يقول الله تعالى في القرآن الكريم:

﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾[الذاريات: 56] والعبادة تتضمن معرفة الله ومحبته والخضوع له واتباع مناهجه التي وضعها للانسان لتكميل نفسه ورفعها إلى المستوى اللائق بها والمستعدة له، ليظفر بالسعادة الحقيقية هنا وهناك في الدنيا والآخرة. فالانسان خلق لعبادة الله بمعناها الواسع كما سنذكر فيما بعد.

9- وعن السؤال الثالث: يقول الله تعالى في القرآن الكريم:

﴿يا أيها الانسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه﴾[الانشقاق: 6]. ﴿والله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون﴾[الروم: 11]. ﴿... ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون..﴾[الزمر: 7]. ﴿وإنّ إلى ربك المنتهى﴾[النجم: 42]. ﴿إنّ إلى ربك الرجعى﴾[العلق: 8].

فهذه الآيات الكريمة تبين مصير الانسان بعد موته وهو رجوعه إلى خالقه لمجازاته على أعماله في الدنيا، وادخاله الدار التي تلائمه، فان كان قد زكى نفسه بعبادة الله وصار من الطيبين فنزله في دار الطيبين – الجنة – وإن كان قد دنس نفسه ولوثها بأقذار المعصية وأبقى خبثها فنزله في دار الخبيثين – جهنم -، كما سيأتي بيان ذلك فيما بعد.

التعريف السادس

10- الإسلام هو الروح الحقيقية للإنسان والنور الهادي له في درب الحياة والشفاء الكافي الوافي لأمراض البشرية والصراط المستقيم الذي لا يضل ن سلكه وسار فيه، قال تعالى: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض، ألا إلى الله تصير الأمور﴾[الشورى: 52]. وقال تعالى: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾[الاسراء: 82]. ﴿قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء﴾[فصلت: 44].

ومن الواضح ان هذا التعريف تعريف للإسلام ببعض صفاته اللاصقة به التي لا تنفك عنه، وعلى هذا يمكن تعريفه بذكر أوصافه الأخرى كأن نقول الإسلام هو دين الفطرة لقوله تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾[الروم: 30]. كما يمكن أن نقول في تعريفه: الإسلام دين التوحيد، أو دين العلم، أو دين العدل، لأن فيه هذه المعاني على أتم الوجوه ويدعو إليها ويؤكد عليها...

تعاريف اخرى للإسلام

11- ومما تجب ملاحظته ان ما ذكرناه من تعاريف متنوعة للإسلام إنما هو على سبيل التمثيل لا الحصر إذ يمكن الاتيان بتعاريف اخرى بعبارات متنوعة ولا مانع من ذلك بشرط ان يكون مضمون التعريف صحيحاً ومنطبقاً على معنى الإسلام وان تكون الفاظ التعريف واضحة صحيحة لا لبس فيها ولا غموض ولا اشتباه.

لا تناقض ولا اختلاف

12- وملاحظة ثانية، ان هذه التعاريف التي ذكرناها كلها صحيحة ولا تناقض فيما بينها ولا اختلاف لأن كل واحد منها يستلزم أو يتضمن ما في التعريف الآخر. ان الاختلاف فيما بينها هو اختلاف في الالفاظ لا في المعاني التي يبرزها هذا التعريف دون ذلك، وهذا القدر من الاختلاف لا يؤثر في وحدة مضمون التعاريف ودلالتها على معنى الإسلام صراحة أو بالتضمن والاستلزام كما قلنا.

المقصود من تعدد التعاريف

13- والغرض الذي نقصده من إيراد التعاريف المتعددة للإسلام هو أن يجد الداعي بين يديه جملة من التعاريف يستطيع أن يختار منها ما يناسب حال المدعو من جهة مدى فهمه وثقافته وعلمه وسلامة فطرته ونوع الشبهات التي غشيت قلبه والمعاني التي هو بحاجة إلى معرفتها عن الإسلام اكثر من غيرها. فالشخص الحائر الذي قرأ ما يسمى بالفلسفة فاشتبهت عنده الامور يناسبه إذا سئل عن الإسلام أن يجاب بالتعريف الخامس وهو أن الإسلام هو الأجوبة الحقة الصحيحة لما يرد على ذهن الانسان من أسئلة: من أين جئنا، ولماذا جئنا، وإلى أين المصير والتي بلغها رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس. والمشتغل بالأمور القانونية والعلوم الاجتماعية يناسبه عندما يسأل ما هو الإسلام، أن يجاب بالتعريف الثالث. وغير المسلم إذا دعي إلى الإسلام وسئل عنه يجاب بالتعريف الأول: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله .... الخ.

التعريف المختار

14- والتعريف الذي نختاره ونجعله أساساً لبيان أركان الإسلام هو التعريف الأول الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل، وقد ذكرناه سابقاً، وهو يتضمن جميع ما في التعاريف الأخرى من معان.

الفصل الثاني - أركان الإسلام

تمهيد

1- ذكرنا حديث جبريل وفيه جواب النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام بأنه 'الاسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ان استطعت إليه سبيلا'. وعلى هذا فأركان الاسلام، في ضوء هذا الحديث الشريف، ثلاثة: (الأول) شهادة أن لا إله إلا الله (الثاني) شهادة أن محمداً رسول الله (الثالث) العمل الصالح وفي ذروته الصلاة والزكاة والصوم والحج وإنما ذكرت هذه الأربعة لأهميتها وللتنبيه إلى ضرورة العمل الصالح للمسلم وأنه لا يكفي التلفظ بالشهادتين بل لا بد من العمل بمضمونها. فلا بد من الكلام عن هذه الاركان الثلاثة، وعلى هذا نقسم هذا الفصل إلى ثلاثة مباحث ونخصص لكل ركن مبحثاً على حدة.

المبحث الأول - الركن الأول - شهادة أن لا إله إلا الله

معنى الشهادة

2- الشهادة تعني العلم والاعلام والاخبار والبيان ولهذا سمي الشاهد شاهداً لأنه يخبر بما علم. والبيان والإخبار كما يكون بالقول يكون بالفعل، فمن الشهادة بالفعل قول الله تعالى: ﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر﴾[التوبة: 17] فهذه شهادة منهم على أنفسهم بما يفعلونه أي: أن أفعالهم بينت وأظهرت إنهم كفرة.

وتتضمن كلمة الشهادة الإقرار والاعتراف والاعتقاد فان الشاهد يعتقد صحة ما يشهد به ويخبر عنه، فاذا شهد بما لا يعتقده كانت شهادته كاذبة لأن إخباره لا يطابق اعتقاده. قال تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾[المنافقون: 1] فهم كاذبون لأنهم لا يعترفون بصحة ما يقولون ولا يعتقدون ما يقولون.

فكلمة (أشهد) إذن تدل على معنى العلم والمعرفة والبيان وتتضمن معنى الاقرار والاذعان والاعتقاد.

معنى الاله

3- أما كلمة 'إله' فيراد بها المعبود، وهي تستعمل بمعنى المعبود بحق أو بباطل، وبهذا المعنى وردت في قوله تعالى: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه﴾[الجاثية: 23] كما تستعمل بمعنى المعبود الحق وبهذا المعنى وردت في قوله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك﴾[محمد: 19] وبهذا المعنى أيضاً وردت في قوله عليه الصلاة والسلام 'أن تشهد أن لا إله إلا الله'.

معنى كلمة التوحيد

4- وعلى هذا يكون معنى كلمة التوحيد – أشهد أن لا إله إلا الله – اني اعلم وأقر وأعترف وأعتقد بأن المعبود الحق الذي لا يستحق العبادة غيره هو الله تعالى، وأن أبين ذلك وأظهره بلساني وأفعالي وسلوكي.

هذا، وأن افراد الله تعالى بالعبادة، وهو الذي يسمى بتوحيد الألوهية، يتضمن توحيد الربوبية ومعناه الاعتقاد بأن الله تعالى وحده هو رب العالمين، فصار عندنا التوحيد نوعين (1) توحيد الألوهية. (2) توحيد الربوبية.


أولاً: توحيد الالوهية

5- توحيد الألوهية هو الذي بعث الله به جميع رسله قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾[الانبياء: 26] وقال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾[النمل: 36]..

وقال تعالى: ﴿ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون﴾[المؤمنون: 23].

وقال تعالى: ﴿وإلى عاد أخاهم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون﴾[الاعراف: 65].

6- والعبادة لله تقوم على الحب الخالص لله مع الذل الكامل له، ومظهر ذلك توجه العبد إلى الله تعالى بالتوكل عليه والثقة به والخوف منه والإنابة إليه والطلب منه والأنس بذكره والفرار إليه ونشاط الجوارح بتنفيذ شرعه واقامة دينه والانصباغ بصبغته وإيثار محبته وطاعته، وجعل السلوك والأقوال والأفعال وسائر الأحوال على الوجه المرضي عند الله، وبهذا كله يحقق المسلم معنى أشهد أن لا إله إلا الله بالقول والعمل فيكون صادقاً في شهادته.

7- وتزداد معاني العبودية ويرسخ أصلها ويعظم أثرها بقدر علم العبد بمدى فقره وحاجته إلى الله وعدم استغنائه عنه طرفة عين، ويزداد حب العبد لله وخضوعه له بقدر معرفته بكمال الله وعظيم نفعه ونعمه عليه، وتفكره في آلائه التي لا تعد ولا تحصى ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾ وفي تفكره في صفاته ومعاني اسمائه الحسنى.

8- وبقدر امتلاء القلب بمعاني العبودية يحترز من عبودية غير الله تعالى حتى يصبح عبداً خالصاً لله وهذه أسمى درجة ينالها الانسان ولذلك وصف الله تعالى رسوله الكريم بوصف العبودية في أرفع منازله، وصفه بها في مقام تنزل الوحي عليه، وحين الدعوة إليه، وحين أسري به صلى الله عليه وسلم وعرج به إلى السماء، قال تعالى: ﴿فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾ ﴿وانه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً﴾ ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾.

ثانياً: توحيد الربوبية

9- كلمة الربّ تدل على جملة معاني منها السيد ومالك الشيء وموجوده والمتصرف فيه، والمربي لغيره والمتكفل بمصلحة الانسان، وصاحب السلطان والسيادة النافذ أمره في غيره. ومعاني الربوبية هذه وما تتضمنه أو تستلزمه من معاني أخرى لا يوصف بها ولا يملكها على وجه الحقيقة والكمال إلا الله تعالى، وأما غيره فهو مربوب لله وإذا وجد فيه شيء من معاني الربوبية فعلى وجه المجاز والعارية، فإن كل ما سوى الله مخلوق لله، منه يستمد وجوده وبقاءه، وكل ما عنده من صفات الكمال المناسبة للمخلوق، فالله تعالى هو رب العالمين على وجه الحقيقة، فلا رب سواه، فهو الخالق المحيي المميت النافذ أمره وحكمه في جميع خلقه، بيده الملك وهو على كل شيء قدير، يتصرف في الكون كما يشاء لا معقب لحكمه ولا لتصرفه، وهو القائم على شؤون خلقه والمتكفل بما يصلحهم، وهو القادر على النفع والضرر، إذا أراد أن ينفع أحد فلا راد لفضله، وإن أراد بأحد غير ذلك فلا مانع له من ذلك قال تعالى: ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وإن يردك بخير فلا راد لفضله﴾[الانعام: 17] فالله تعالى هو المتفرد بالعطاء والمنع والنفع والضر، وكل ما عدا الله فإنه فقير إليه محتاج إليه ﴿يا أيها الناس انتم الفقراء إلى الله﴾ فالفقر وصف ذاتي لكل مخلوق كما أن الغنى وصف ذاتي لله رب العالمين.

دلائل توحيد الربوبية

10- والدلائل الدالة على ربوبية الله وتفرده بها وعدم مشاركة أحد له فيها كثيرة جداً، فما من شيء في الكون من أصغر ذرة إلى أكبر جرم إلا وهو يشهد أن الله هو رب العالمين وبالتالي فهو الإله الحق للعالمين.. إن هذا الكون العجيب الغريب المتناسق المنظم يقول بلسان الحال: إن له خالقاً عظيماً هو الله تعالى، وإن العقل السليم لا يمكنه أصلا أن يتصور أن هذا الكون وجد بلا موجد وحدث بلا محدث، ان قبول هذا التصور مخالف لأي عقل سوي. ان عقولنا تأبى قبول قول من يقول: إن هذا حدث (صدفة) بأن اثرت الأمطار في جبل فحفرت فيه حفراً صارت غرفاً، وأن عقلنا يرفض من يزعم أن هذا الكتاب حدث بفعل تجمع الحديد وانصهاره بفعل الحرارة ثم تشقق الحديد المنصهر فصار حروفاً ثم تجمعت الحروف ووقعت عليها مادة سوداء ثم حصلت عجينة الخشب بسبب سقوط الأشجار وبفعل الأمطار ثم جفت وصارت صحائف فجاءتها ريح وضعتها على الحروف ثم ان هذه الحروف انطبعت على الصحائف بعد تغير ترتيبها بعد طبع كل صحيفة بفعل الرياح.. ان هذا الكلام لا يصدقه عاقل، فكيف يصدق أن هذا الكون الهائل وهذا الانسان العجيب، وهذه المخلوقات الغريبة من حيوان ونبات كل ذلك حدث صدفة بلا موجد ولا مدبر ولا منظم، ان هذا شيء لا يمكن قبوله أبداً. اذكر أن أحد الطلاب سألني لماذا لا يمكن أن يوجد هذا العالم صدفة بفعل المادة؟ فأجبته انظر إلى هذه السبورة وهي أمامك – وكان عليها بعض الكتابات – لو قال انسان: إن هذه الأسطر على السبورة لم يكتبها كاتب وإنما حدثت صدفة بأن حملت الرياح ذرات التراب ودخلت بها من نوافذ الغرفة وأسقطتها على السبورة فظهرت بشكل كلام مفهوم مكونا هذه الأسطر، أيمكن لعاقل أن يصدق هذا القول؟ فقال لا، قلت فاذا كان هذا غير مقبول ويرفضه العقل، وهو شيء بسيط وتافه للغاية فكيف يمكن لعقل سليم أن يصدق أن المادة الصماء العمياء أبدعت هذا الكون أو أن هذا الكون بكل ما فيه انبثق من هذه المادة؟ ولهذا فإن الإقرار بربوبية الله وانفراده بها أمر شائع عند البشر ومركوز في فطرة كل انسان، ويعترف به حتى المشرك، قال تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون﴾[الزخرف: 87] وقال تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم﴾ [الزخرف: 9].

القرآن الكريم وتوحيد الربوبية في النفوس

11- والقرآن في آياته يذكر الناس بما هو مركوز في فطرهم ويقرره وهو أن الله وحده هو رب العالمين، قال تعالى: ﴿قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السموات والأرض﴾ [ابراهيم: 10] ونم أنكر وجود الخالق عزّ وجل بلسانه فإنه مستيقن في باطنه بوجود الله تعالى، قال تعالى مخبراً عن أمثال هؤلاء الجاحدين المنكرين ﴿وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم ظلماً وعلوا﴾ [النمل: 14] فالإنكار والجحود من البعض لوجود الخالق هو انكار وجحود محض على وجه المكابرة والعناد ولا يعنى خلو فطرة الانسان من الاحساس العميق بوجود الخالق، ولهذا إذا زالت الغشاوات عن فطرة الإنسان وزالت مكابرته وعناده فإنه يجد نفسه بلا اختيار منه متوجهاً إلى الله هاتفاً بلسانه مستنجداً به بكل كيانه. أذكر أني قرأت في مجلة كانت تصدر في أيام الحرب العالمية الثانية حديثاً لصحفي أجراه مع أحد الطيارين وقد سأله الصحفي عن أحرج الساعات التي مرت به أثناء قيامه بواجبه وما كان شعورة في تلك الساعة الحرجة فأجابه الطيار بأن نشأ في بيت ليس فيه ما يذكره بالله، فقد كان أبوه ملحداً ونشّأه على الالحاد وكذا كان أخوته وعند انخراطه بسلك الطيران استمر في الحاده وإنكاره لكل شيء عدا ما يراه بعينه ويلمسه بيده وفي أثناء قيامه بأعماله الحربية أحس أن طائرته توشك أن تسقط وأن الهلاك محتم فان لم يهلك بسقوط الطائرة فانه سيهلك على يد العدو إذا وصل إلى الأرض سالماً. قال الطيار، في تلك الساعة الحرجة لم أفكر في شيء على الأرض من أهل أو قريب أو صديق أو زوجة، وإنما رأيت نفسي وبلا شعور متوجهاً إلى الله تعالى هاتفاً باسمه طالباً العون منه وهكذا كان فقد نجوت باعجوبة والفضل في ذلك لله وحده الذي لم أفكر فيه قط منذ ثلاثين سنة وهي عمري الآن. إن هذه القصة صحيحة على ما اعتقد إذ لا داعي لتلفيقها، بل وإنها تتكرر في كل يوم مئات المرات بأشكال أخرى. إن الانسان الغافل الناسي الذي لا يخطر بباله لله تعالى، يجد نفسه مدفوعاً إلى التوجه إلى الله تعالى كلما ألمت به مصيبة أو وجد نفسه في ضيق، فالمريض الراقد في سريره أو في غرفة العمليات، وراكب الطائرة الذي يخبره قائدها أن خطراً يواجه الطائرة هؤلاء لا يفكرون في تلك الساعة بشيء ولا يخطر ببالهم شيء سوى الله تعالى، به يستجيرون وإليه يتوجهون. وصدق الله العظيم إذ يقول مخبراً عن المشركين: ﴿وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون﴾ [لقمان: 32].

ان مسألة وجود الله من البدهيات التي لا توجد بدهية مثلها في الوضوح والظهور، بل نقول إذا لم تصح هذه المسألة في العقول فلا يمكن مطلقاً أن تصح مسألة أخرى غيرها، فليس هناك شيء عليه من الادلة من حيث الكثرة والتنوع مثل مسألة وجود الله تعالى.

توحيد الربوبية يستلزم توحيد الالوهية

12- وتوحيد الربوبية، وافراد الله تعالى بجميع معانيها، يستلزم قطعاً توحيد الألوهية أي افراد الله بالعبادة وأنه وحده هو المعبود الحق الذي لا يستحق غيره ذرة واحدة من العبادة، ولهذا يذكر القرآن المشركين بربوبية الله وانفراده بها وأنها تستلزم توحيده في الألوهية، وهذا مسلك سديد واضح جلي لا يجوز إغفاله والاستعاضة عنه بمسالك ملتوية غير مجدية، فمن هذه النصوص القرآنية قوله تعالى: ﴿أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون﴾ [الاعراف: 191] ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون﴾ [النمل: 17] ﴿يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب﴾ [الحج: 73].

فهذه الآيات تذكر المشركين بحقيقة واضحة وهي أن معبوداتهم من دون الله عاجزة لا تستطيع خلق شيء ولو ذبابة وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستطيعون تخليصه منه، فكيف يجوز في العقل السليم أن يعبد غير الله ويسوى مع الله في العبادة وهو الخالق وحده وما سواه عاجز ضعيف مخلوق؟.

ويحاجج القرآن المشركين ذاكراً لهم أن ما يعبدونهم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا يشاركون الله تعالى في ذرة في السماوات ولا في الأرض، وليس لله بمعبوداتهم الباطلة حاجة ولا أي عون، وإذا كان الأمر كذلك كما يرون فيجب عليهم اخلاص العبادة لله تعالى. قال الله تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير﴾ [سبأ: 22].

والقرآن يقرر بعض الحقائق التي يعترف بها المشركون وهي أن الله هو مالك السماوات والأرض والمتصرف فيها وهو الذي يجير المستجيرين به، فيجب إذن أن يعبدوا الله دون غيره، قال تعالى: ﴿قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون. سيقولون لله قل أفلا تذكرون. قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم. سيقولون لله قل أفلا تتقون. قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه ان كنتم تعلمون. سيقولون لله قل فأنى تسحرون. بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون﴾ [المؤمنون: 84 – 90].

العلوم الحديثة وعقيدة التوحيد

13- والعلوم الحديثة المتعلقة بالكون، وبالذرة أو بالانسان أو بالنبات، وبالصناعات، والكشوف الحديثة والمخترعات الحديثة، كل هذه تقوي عقيدة التوحيد وتزيد ايمان المؤمن لانها تكشف عن دقة نظام الكون وعجائب خلق الله ولطائف صنعه الدالة على عظمته وواسع قدرته وعلمه، فإن دقة المصنوع تدل على عظمة الصانع وأن وراء هذه الصنعة البديعة والنظام الدقيق خالق عظيم، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق﴾ [فصلت: 53] ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ [الذاريات: 21].

مكانة التوحيد في الاسلام

14- التوحيد في الاسلام هو كل الاسلام، والقرآن كله يدور حول التوحيد، فآيات القرآن إما إخبار عن الله وصفاته وخلقه وأفعاله وتدبيره، وإما أمر ونهي وهما من لوازم ربوبيته وقيوميته على خلقه، وإما بيان للثواب بأنواعه، وهو جزاء من أطاعه واتبع رسله الذين أرسلهم بشريعته القائمة على توحيده في الألوهية والربوبية، وإما بيان للعقاب بأنواعه وهو جزاء المخالفين لشرعه، وإما إخبار عن أحوال المكذبين الماضين وهو بيان لمن خرج عن مقتضى توحيده وعبادته.

فالتوحيد هو لب الإسلام وأساسه ومنه تنبثق سائر نظمه وأحكامه وأوامره ومناهجه، وكل ما فيه عبادات وأحكام يرسخه ويقويه ويثبته في قلوب المؤمنين.

المبحث الثاني - الركن الثاني - شهادة أن محمداً رسول الله

معنى هذه الشهادة

15- وهذه الشهادة هي الركن الثاني في الإسلام، ومعناها العلم والتصديق والاعتقاد الجازم بأن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، وإعلان ذلك وإظهاره وبيانه بالقول والعمل، أما بالقول فبالنطق بهذه الشهادة، وأما بالعمل فيكون بإقامة سلوك الانسان وجميع تصرفاته القولية والعملية وفق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من ربه على وجه الاتباع له والقبول منه باعتباره رسول الله.

رسل الله كثيرون

16- ورسل الله الذين أرسلهم الى البشر كثيرون منهم من قص الله علينا أخبارهم وعرفنا بأسمائهم ومنهم من لم يعرفنا بهم، قال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسول أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ فكل أمة من أمم الأرض جاءها رسول، وقد لا نعرفه لأن الله تعالى لم يخبرنا باسمه ولا برسالته. قال تعالى: ﴿ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليماً﴾ [النساء: 164].

تبرير ارسال الرسل

17- والفكرة التي وراء إرسال الرسل والتي على أساسها يمكن تبرير إرسالهم الى الناس تقوم على أساس تفرد الله تعالى بالربوبية والالوهية فهو رب العالمين وإلاههم فلا رب لهم سواه ولا إله لهم غيره ومن لوازم ربوبيته وألوهيته تعالى قيامه عزّ وجل بتدبير شؤون خلقه والتكفل بمصالحهم وما يصلح لهم ويصلحون به والتصرف فيهم بالأمر والنهي. ولا شك أن الانسان لا يحتاج فقط إلى الغذاء ونحوه مما هو ضروري لادامة حياته الجسدية وإنما هو بحاجة وضرورة الى ما يفي بحاجات روحه التي امتاز بها عن غيره والى ما يوصله الى الكمال اللائق به كانسان. وعلى هذا فأهم مصالح الانسان على الاطلاق ابلاغه السعادة والكمال المقدور له بتعريفه بخالقه ومعبوده وحيث ان الانسان بنفسه لا يستطيع أن يعرف هذه الامور على وجه صحيح سالم من الخطأ لانها فوق قدرة العقل فقد اقتضت حكمة الرب ورحمته بالانسان أن يرسل للبشر رسلا من جنسهم يكلمونهم بلغتهم ويبلغونهم رسالات ربهم ويعرفونهم به ويبينون لهم طرق الوصول إليه وما يسعدون به في حياتهم وأخراهم. ولهذا كان من لوازم الإيمان بالله رباً وإلهاً الاعتقاد برسل الله، وان إنكار رسله يتضمن الجهل بالله وتنقيصه وعدم تقديره حق قدره ومن ثم يكون كفراً قال تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ [الانعام: 91].

ختم الرسالات

18- وقد ختم الله رسالته بالرسالة الاسلامية التي أوحى بها الى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وجعله خاتم الانبياء والمرسلين قال تعالى: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ [الاحزاب: 40] وانما ختمت الرسالة برسالة الاسلام الخالدة لكمالها ووفائها بحاجات البشر الى يوم القيامة، فلا داعي لرسالة أخرى قال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ [الانعام: 3].

أدلة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم

19- قلنا: إن إرسال الرسل من لوازم ربوبية الله وألوهيته، وما من رسول أرسله الله إلا وأيده بما يدل على صدقه ونبوته، وبالنسبة لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم يقول: ما من أدلة تقام لاثبات نبوة نبي أو رسول الا وكانت مثل هذه الأدلة وأكثر منها وأظهر موجودة في اثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ولهذا من يؤمن بنبوة موسى أوعيسى أو أي نبي آخر ويجحد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فانه يكون متناقضاً في نفسه وفي الواقع ولا يكون ايمانه وجحوده الا حصيلة الجهل والتعصب والتقليد بلا دليل أو برهان، لأن ما دعاه إلى الإيمان بنبوة نبي أو رسول يوجد مثله وأكبر منه يدعوه إلى الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ان مثله مثل من يعتقد أن فلاناً عالم بالطب لأنه طالب في السنة الأولى في كلية الطب ولكن يرفض الاعتقاد بأن أستاذ هذا الطالب الذي ظل يمتهن الطب عشرات السنين تدريساً لهذا الطالب وغيره، وتطبيقاً لعلم الطب، يرفض أن يعتقد فيه معرفة الطب، ومن البديهي أن رفضه هذا مع اعتقاده ذاك تناقض محض لا يصدر إلا عن جهل وتعصب وتقليد.

ومع هذا القول العام فان من المفيد أن نقدم بعض الادلة لاثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. فمن هذه الأدلة سيرته صلى الله عليه وسلم منذ نشأته حتى وفاته فهذه السيرة الطيبة العطرة لا يمكن أن يكون صاحبها كذاباً يدعي على الله ما ليس فيه. وهذا الدليل يكفي لأصحاب العقول السليمة والفطر القويمة وبه استدلت السيدة خديجة عندما أخبرها الرسول صلى الله عليه وسلم بما رآه من جبريل في أول بدء الوحي فقالت له فيما قالته: أبشر، فان الله لا يخزيك أبداً، فانك تحمل الكل وتعين الضعيف الى آخر ما قالته في صفاته العالية وسيرته الطيبة.

ومن أدلة نبوته هذه الشريعة العظيمة في جميع جوانبها التي يستحيل صدورها عن رجل أمي عاش في ذلك المجتمع العربي المعروف فلو لم تكن وحياً الهياً لما أمكن لاحد أن يأتي بها مهما كان نضوجه العقلي واتساع أفق تفكيره. وهذا الدليل يدركه ويقدره العلماء بالقانون والاجتماع والعلوم الأخرى.

وأعظم دليل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهو لا يزال قائماً موجوداً بين أيدينا هو القرآن العظيم وإعجازه الثابت فلا بدّ من الكلام عن هذا الدليل على حدة.

دليل الإعجاز

20- من الواضح الجلي المعروف لدى المطلعين على التاريخ الاسلامي، أن أهل مكة وقريش بالذات قاومت الدعوة الاسلامية الاولى ولم تعترف أول الأمر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنكرت أنه رسول الله أو أن القرآن كتاب الله، فكان من جملة ما حصل بين رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وبين قريش وسائر المخافين له والمعاندين والمنكرين أن تحداهم بالقرآن بأن قال لهم كما اوحى الله إليه: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً﴾ [الاسراء: 88] فسكت المخالفون عن هذا التحدي وعجزوا عن كسره أو الاجابة عليه، ثم تحداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن قال لهم ما أوحى الله إليه: ﴿ام يقولون افتراه، قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين﴾ [هود: 13] فسكتوا وعجزوا. ثم تحداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن قال لهم ما أوحى الله به إليه: ﴿وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين. أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين﴾ [يونس: 37، 38] ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين. فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين﴾ [البقرة: 23، 24]. وكانت نتيجة هذا التحدي المتكرر من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قريش وسائر المخالفين، أقول كانت نتيجة ذلك أن عجز المخالفون عن كسر هذا التحدي أو عن محاولة كسره بل صمتوا صمت الجدار وراحوا يسلكون سبلاً أخرى تقوم على الكذب والافتراء واستعمال الصد عن سبيل الله بالقوة والارهاب والإيخاء لمن معهم بأن لا يسمعوا للقرآن لئلا يتأثروا به. قال تعالى مخبراً عن أسلوبهم هذا ﴿وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون﴾ [فصلت: 26].

تحدي القرآن للمخالفين

21- ان التحدي إذا ما نجح بعجز من وجه اليهم عن الاجابة عليه، فانه يدل دلالة واضحة على صدق المتحدي وصدق ما يدعيه لنفسه كما يدل على بطلان دعوى من وجه اليهم هذا التحدي. ولكن هذه الدلالة لا تتم إلا إذا كان التحدي مستجمعاً الشروط اللازمة له التي تؤدي إلى هذه الدلالة أو هذه النتيجة. فهل توفرت شروط تحدي القرآن لقريش الذي جاء على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وقبل الاجابة على هذا السؤال نتساءل ما هي شروط التحدي؟ ان هذه الشروط هي:

أولاً: أن يكون موضوع التحدي داخلا في قدرة من وجه اليهم بل ويكون داخلا في اختصاصهم ومما هم بارعون فيه ومتفوقون فيه ومشهورون فيه، كما لو وجه مصارع تحديه إلى المصارعين بأنه هو البطل الوحيد في المصارعة ومن يشك في ذلك فليتقدم إلى مصارعته، فموضوع التحدي هنا 'مصارعة' والمصارعة داخلة في اختصاص من وجه اليهم هذا التحدي وهم المصارعون.

ثانياً: والشرط الثاني للتحدي أن يكون من وجه اليهم راغبين كل الرغبة، حريصين كل الحرص على إبطال دعوى المتحدي والإجابة على تحديه. فلا يكفي توفر الشرط الأول لقيام التحدي السليم الموصل إلى نتيجة، فقد يكون من وجه اليهم غير راغبين ولا حريصين على إبطال دعوى المتحدي وبالتالي يسكتون ولا يجيبون. فلا يدل سكوتهم على عجزهم وبالتالي لا يدل على صدق دعوى المتحدي. كما لو كان بين المتصارعين من هو قادر على كسر تحدي المصارع المتحدي ولكنه لا يرغب في ذلك لانه ابن للمتحدي أو أخوه أو صديقه أو أن المتحدي يعتبر تافهاً في نظر من تحداهم لا يستحق حتى الإجابة على تحديه.

ثالثاً: والشرط الثالث للمتحدي أن لا يوجد مانع من وجه إليهم التحدي من الإجابة عليه. وأقصد هنا مانع الخوف من المتحدي، الخوف من بطشه وقوته وقدرته على إلحاق الأذى بهم، فلا يكفي إذن توفر الشرطين السابقين لقيام التحدي الصحيح إذا لم يتوفر هذا الشرط الثالث، فلو تحدى شخص منازعيه ومخالفيه بأنه هو الوحيد الذي يحوز ثقة الشعب، وأن الشعب لا يختار غيره ولا يرضى بغيره بديلا برئاسة الدولة، وهو يتحدى كل من لا يؤمن بهذا القول أن يرشح نفسه في الانتخابات الجارية لانتخاب الرئيس، فإذا سكت الآخرون عن تحديه ولم يرشح أحد نفسه خوفاً من بطشه وسلطانه وقوته لأن بيده الأمر والنهي والحكم، فإن هذا السكون لا يدل على صحة ما ادعاه المتحدي لنفسه.

هذه هي الشروط الضرورية لاعتبار التحدي قائماً فعلاً ومؤدياً الى نتيجته، فهل هذه الشروط متوفرة في تحدي القرآن العلني للمشركين المعلن على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

تحقق شروط تحدي القرآن للمخالفين

22- ان شروط التحدي التي ذكرناها كلها موجودة في تحدي القرآن للمخالفين. وبيان ذلك ما يأتي:

أولاً: فيما يخص الشرط الأول، وهو أن يكون موضوع التحدي داخلاً في اختصاص من وجه إليهم التحدي، فمن المعروف أن قريشاً وسائر العرب اشتهروا بالبلاغة والفصاحة والمعرفة باللسان العربي، وبرزوا في ذلك خطابة ونثراً وشعراً وتذوقاً، حتى إنهم كانوا يعقدون المواسم الأدبية لتخير أحسن الشعر. ومن المعلوم أيضاً أن القرآن الكريم أنزله الله بلغة العرب وبلسانهم، فاذا تحداهم به وقال لهم: إن كنتم في شك من أن هذا القرآن هو كلام الله المنزل على رسول محمد صلى الله عليه وسلم، فأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة من مثله، فإنما يتحداهم بشيء داخل في اختصاصهم وداخل فيما هم فيه بارعون، فيكون هذا الشرط متحققاً في تحدي القرآن للمخالفين.

ثانياً: فيما يخص الشرط الثاني، وهو وجود الرغبة والحرص عند المخالفين من قريش وغيرهم على ابطال دعوة النبي صلى الله عليه وسلم واثبات ادعائهم بأنه ليس رسولاً لله، فهذا الشرط موجود، ويعرفه صغار المطلعين على التاريخ الإسلامي، فمن الواضح أن قريشاً لم ترض بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم وحاولت محاولات شتى لإبطال هذه الدعوة، سلكت سبيل الترغيب بأن عرضت على أبي طالب أن يمنع ابن أخيه محمداً صلى الله عليه وسلم من الاستمرار في دعوته، وهم مقابل ذلك يعطونه من الأموال ما يجعله أغناهم، ويجعلونه رئيساً عليهم فيكون هو صاحب السلطان، أو يعرضونه على أهل المعرفة بالأمراض النفسية إن كان ما جاء به شيئاً اعتراه يحتاج الى تطبيب وعلاج، فكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم لعمه بعد أن أبلغه رغبة قريش ' والله يا عماه، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أموت دونه...' أو كما قال رسول الله صلى الهل عليه وسلم.

ثم سلكوا سبيل التهديد والإيذاء والمقاطعة الاقتصادية للنبي صلى الله عليه وسلم ولمن اتبعه وسبيل الافتراء على الرسول صلى الله عليه وسلم ورميه بما هو براء منه كقولهم: إنه مجنون أو ساحر أو مفتر، وقد بلغ الأذى به وبالمسلمين أن عذبت قريش بعض المسلمين تعذيباً بدنياً ماتوا فيه، كما هاجر بعض المسلمين الى الحبشة مرتين فراراً من هذا العذاب والأذى الشديد. وهذا كله يدل دلالة واضحة على الرغبة الكاملة والحرص الأكيد لدى قريش على ابطال دعوة النبي صلى الله عليه وسلم.

الشرط الثالث: وهو عدم وجود مانع من الإجابة وكسر التحدي. وهذا الشرط موجود في تحدي القرآن، فمن المعلوم عند صغار المتعلمين لاخبار التاريخ الإسلامي، أن السلطان والقوة والنفوذ كل ذلك كان بيد المشركين في مكة، أما المسلمون ورسولهم صلى الله عليه وسلم فما كان لهم من ذلك شيء. فقد كانوا ضعفاء لا حول لهم ولا سلطان، حتى إن بعضهم هاجروا إلى الحبشة فراراً بدينهم كما قلنا، وحتى إن المسلمين هاجروا الى المدينة في آخر الأمر كما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم. كل ذلك يدل على أنه لم يكن هناك مانع يمنع قريشاً من الاجابة على التحدي وكسره واثبات ما يزعمونه من أن القرآن ليس كلام الله وان محمداً ليس برسول الله لو كانوا يستطيعون ذلك.

نتيجة التحدي ودلالته

23- وكانت نتيجة تحدي القرآن للمشركين عجزهم وسكوتهم كما أشرنا الى هذا من قبل، فاذا ثبت عجزهم، وتوفرت شروط التحدي، ثبت صدق النبي صلى الله عليه وسلم وثبت أنه رسول الله وأن القرآن كتاب الله، وإذا ثبت ذلك وجب على الخلق الإيمان بنبوته واتباعه والانقياد إلى الشرع الذي جاء به من ربه والإيمان بكل ما جاء في القرآن والسنة النبوية المطهرة، وهذا هو المطلوب.

استمرار التحدي ودلالته

24- وتحدي القرآن للمخالفين ظل قائماً وموجهاً الى كل مرتاب في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وفي نسبة القرآن إلى الله تعالى، ولا يزال هذا التحدي قائماً حتى الآن والى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فما دلالة ذلك؟ دلالة ذلك واضحة وهي ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بالدليل القاطع والبرهان الساطع والحجة القائمة الموجودة بين أيدينا الآن التي لا يستطيع أي مكابر أن ينكرها أو يغالط فيها. وإذا عرفنا ان هذا الدليل ظل قائماً عبر القرون الطويلة منذ عهد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حتى الآن وأن الإسلام واجه مختلف الخصوم والمعاندين والكفار من أصحاب الأفكار الباطلة وأنهم بذلوا كل جهد مستطاع لديهم لطعن الإسلام والتشكيك فيه، والدس عليه وتلويث أفكاره وعقائده، ومع هذا لم يجرؤوا على إجابة تحديه وكسره، نقول: إذا عرفنا ذلك عرفنا قوة هذا الدليل دليل اعجاز القرآن على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصدق رسالته... إن دليلا ثبت صدقه مدة أربعة عشر قرناً لهو أعظم دليل يقام لاثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

إنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم تنقيص بعقل الانسان

25- وبناء على ما تقدم نعتبر انكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بعد ظهور الدليل القاطع على نبوته وصدقه تنقيصاً بالعقل البشري السوي، وجحوداً ما بعده جحود، وعناداً محضاً، وجرماً كبيراً، ومن ثم كان جزاؤه غليظاً عند الله، وصاحبه ينخرط في عداد الكفرة المتمردين على الله. هذه واحدة، والأخرى أن من ينكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فلا سبيل له إطلاقاً للإيمان بأي نبي، لأن من ينكر وجود الشمس وهو يراها لا سبيل له الى الإيمان بوجود نجم لا يراه، وإذا آمن به كان متناقضاً في ايمانه هذا وإنكاره ذاك.

اثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم اثبات لسائر النبوات

26- هذا وإن اثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إثبات لسائر النبوات لأن هذه النبوات ذكرها القرآن وذكر أصحابها وهم الرسل الكرام فاذا ثبت بدليل الإعجاز أن القرآن من عند الله وأن محمداً رسول الله ثبت كل ما في القرآن وثبت كل ما أخبر به محمد صلى الله عليه وسلم. ونحن نقول هذا لأنه ليس بين أيدينا دليل قاطع حي على إثبات نبوة أي نبي قبل محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فإن من ينكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ويريد أن يدعو إلى الإيمان بنبوة غيره يكون متناقضاً ويعطي الحجة بيد المدعو على عدم التصديق بأصل النبوات، ولهذا أيضاً كان الكفر برسالة أي رسول كفراً برسالة الإسلام لأنه يتضمن التكذيب لبعض ما جاء في القرآن.

مقتضى الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولوازمه

27- والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً يقتضي التسليم المطلق والتام لما جاء به أو أخبر عنه، وتصديقه وطاعته فيما أمر به أو نهى عنه دون حرج أو ضيق أو مناقشة أو جدال أو تعقيب أو أخذ البعض وترك البعض الآخر، فإن كل هذه الأشياء تناقض مقتضى الإيمان به صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، ولهذا جاءت النصوص القرآنية كلها تؤكد وتبين هذه الأمور وغيرها التي هي مقتضيات الإيمان بنبوته صلى الله عليه وسلم، فمن هذه النصوص الواردة في القرآن العظيم قوله تعالى: ﴿وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون﴾ [آل عمران: 132].

﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم﴾ [آل عمران: 31].

﴿قل أطيعوا الله والرسول، فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين﴾ [آل عمران: 32].

﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ [النساء: 80].

﴿إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا، وأولئك هم المفلحون﴾ [النور: 51].

﴿ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار، ومن يتول يعذبه عذاباً أليماً﴾ [الفتح: 17].

﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر: 07].

﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً﴾ [الاحزاب: 36].

﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ [النساء: 59 – 65].

﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ [النور: 63].

فهذه النصوص، وأمثالها في القرآن كثير، تذكر المؤمنين بمقتضى إيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً وبلوازم هذا الإيمان، فمرة تأمرهم بطاعته، لأن طاعته هي طاعة لله، وإن جزاء المطيعين جنات النعيم وأن جزاء المخالفين عذاب النار، وطوراً تبين لهم أن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم يستلزم أخذ ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم والانتهاء عما نهى عنه، وإن ما يقضي به صلى الله عليه وسلم واجب الطاعة لا خيار فيه للمسلم، وإن الرجوع عند الإختلاف يجب أن يكون إلى الله والرسول، وأن الإيمان الحقيقي بمحمد صلى الله عليه وسلم يستلزم الرضى بما يحكم ويقضي به ويخبر عنه، وتارة تبين نصوص القرآن أن المخالفة لأمر رسول الله وعصيانه سبب لعذاب الله ومقته، وأن على المخالفين له أن يحذروا الفتنة والعذاب الأليم.

28- والواقع أن ما تذكره هذه النصوص هو النتيجة المنطقية للايمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والرضى به رسولا، لأن من التناقض ومن غير المقبول في العقل السليم أن يؤمن الإنسان بمحمد صلى الله عليه وسلم ثم ينازعه في بعض ما جاء به أو لا يرضى بما جاء به أو ينصب نفسه معقباً لبعض ما جاء به أو يتمرد على بعض ما جاء به، الى غير ذلك ممّا لا يتفق أبداً ومقتضى الإيمان به.. إن الإنسان إذا آمن بأن فلاناً بارع في الطب مبرز فيه، فإنه يتقبل منه ما يقوله في شؤون الطب وما يخبره به عن مرضه وسبل علاجه ويتبع توجيهاته في الأكل والشرب وفيما يأخذ ويترك، ولا يسوّغ لنفسه معارضته أو مناقشته. فإذا كان هذا المسلك سليماً ومعقولاً بالنسبة للطبيب مع احتمال خطئه فيما يقول ويوصي به، فكيف يجوز لمن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً أن يعارضه أو يناقشه؟.

واجبنا نحو الرسول صلى الله عليه وسلم

29- إن واجب المسلم نحو الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن أنعم الله عليه بالإيمان به وتصديقه بكل ما يخبر عنه وطاعته في كل ما يأمر به والانتهاء عن كل ما ينهى عنه، وقبول ذلك بتسليم تام ورضى تام كما بينا في الفقرة السابقة، وذكرنا النصوص القرآنية الدالة على ذلك.

ومن واجباتنا الأخرى نحوه – بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم ما يأتي:

أولاً: محبته اكثر من النفس والولد والأهل والمال والناس أجمعين، قال صلى الله عليه وسلم 'لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده وماله والناس أجمعين' ومن البديهي أن صدق المحبة تكون بخلوص المتابعة له، فهذا هوالذي يحبه ويرضيه، والمسارعة إلى ما يرضيه صلى الله عليه وسلم مما أمرنا الله به وهو من لوازم المحبة الصادقة قال تعالى: ﴿يحلفون بالله لكم ليرضوكم، والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين﴾ [التوبة: 62].

ثانياً: توقيره وتبجيله واحترامه حياً وميتاً قال تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً﴾ [النور: 63] لأن الرسول الكريم ليس كواحد من الناس انه رسول الله وعلى الناس أن يوقروه ويجلّوه ويشرفوه حتى في ندائهم له فعليهم أن يقولوا له يا رسول الله يا نبي الله. وهذا بعض معاني هذه الآية.

ومن مظاهر توقيره واحترامه عدم سبقه بالقول أو رفع الصوت عند كلامه قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله، إن الله سميع عليم. يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون. إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم﴾ [الحجرات: 1 – 3]. ويبقى هذا الاحترام والتوقير بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فلا ينبغي رفع الصوت في مسجده وعند قبره، كما يجب التأذب عند سماع حديثه الشريف وسنته المطهرة والاصغاء الكامل لها والرضى بها وعدم الخروج عليها أو معارضتها بالآراء الفاسدة فاذا سمع المسلم 'قال رسول الله صلى الله عليه وسلم' فليعلم أنه لا قول لأحد مع قوله صلى الله عليه وسلم ولا معارضة لقوله، وإنما هو الاستماع، وفهم هذا القول النبوي الكريم والعزم على العمل به.

ثالثاً: الابتعاد الكامل التام عن إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم في أي شيء وبأي قدر من الإيذاء، فإن هذا كله حرام وقد يؤدي إلى خروج المسلم من الإسلام قال تعالى: ﴿وما كان لكم أن يؤذوا رسول الله﴾ [الاحزاب: 53] وقال تعالى: ﴿والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم﴾ [التوبة: 61] ويدخل في نطاق إيذائه المحرم ايذاؤه صلى الله عليه وسلم بالطعن في زوجاته الكريمات أو سبهن أو عداوتهن فهن أمهات المؤمنين بنص القرآن قال تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتكم﴾ وهنَّ زوجاته الكريمات في الدنيا والآخرة. كما يدخل في ايذائه صلى الله عليه وسلم ايذاؤه بالطعن في آل بيته الأطهار أو سبهم أو عداوتهم.

رابعاً: الصلاة والسلام عليه، قال تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً﴾.

التحرز من خلط ما لله بما للرسول من حق

30- ومما يجب التنويه به والتذكير به التحرز من خلط ما لله من حق بما للرسول صلى الله عليه وسلم من حق، فإن المسلم قد يقع في هذا دون أن يشعر، أو يقع فيه متعمداً ظاناً أنه من واجب المسلم نحو الرسول صلى الله عليه وسلم أن من حقه على المسلم، أو أن ذلك من مزيد محبته للنبي صلى الله عليه وسلم، فيقع في الشرك الخفي أو الجلي وبالتالي يقع في سخط الله.

إن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم الحقيقية هي متابعته والمسارعة إلى مرضاته وهذا لا يتم إلا بتجريد المتابعة لشرعه الذي جاء به من ربه ولسنته القولية والعملية، ومن المعلوم أن ما جاء به صلى الله عليه وسلم من ربه إفراد الله بالعبادة بجميع أشكالها وصورها وعدم إعطاء ذرة منها لأحد كائناً من كان، وهذا هو معنى كلمة التوحيد كما بينا ذلك من قبل. ولتحقيق هذه المعاني العالية في نفوس المسلمين بين القرآن الكريم أن محمداً صلى الله عليه وسلم بشر قال تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد﴾ [الكهف: 110].

وأنه لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً وإنما المالك لهذا وذاك هو الله تعالى، قال تعالى: ﴿قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء، إن انا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون﴾ [الاعراف: 188] وعلى هذا فالاستغاثة وطلب العون وكشف الضر يكون من الله تعالى الذي دعانا الى الطلب منه والتوجه إليه قال تعالى: ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: 60] ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان...﴾ [البقرة: 186] كما أن الخشية والتقوى تكون لله، والتوكل يكون على الله فهو الكافي جل جلاله، قال تعالى: ﴿ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائزون﴾ [النور: 52] وقال تعالى: ﴿ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون﴾ [التوبة: 59] فهذه الآيات صريحة في تحديد ما لله من حق وما للرسول من حق، فمن حقوق الله تعالى وحده الخشية منه والتقوى له، والكفاية لعبده والتوكل عليه والرغبة إليه، أما الطاعة فهي من حق الله وحق رسوله صلى الله عليه وسلم، وطاعة الرسول في حقيقتها طاعة الله، وكذلك من حق الرسول اعطاء ما يراه من غنائم وفيء وغيرها من يرى اعطاءه.

وفي الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم، 'لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد الله فقولوا عبد الله ورسوله' أو كما قال صلى الله عليه وسلم. وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم (ما شاء الهل وشئت) فقال صلى الله عليه وسلم: 'أجعلتني لله نداً، قل ما شاء الله ثم شئت' فالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم جاء بالتوحيد الخالص لله رب العالمين. ومن حرصه الشديد على ما ينفع المسلمين كان يبين لهم التوحيد كما يبين لهم معاني الشرك لئلا يقعوا فيه، وهذا من كمال نصحه ورحمته ورأفته بأمته – بأبي هو وأمي - صلى الله عليه وسلم، فجزاه الله عنا خير الجزاء. قال تعالى في بيان بعض أوصافه الكريمة ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ [التوبة: 128] وقال تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ [الاحزاب: 06].

المبحث الثالث - الركن الثالث - العمل الصالح

ماهية العمل الصالح

31- العمل الصالح هو العمل المرضي عند الله تعالى، وهو الجامع لشيئين (الأول) أن يكون وفق الشرع الإسلامي. (الثاني) أن يكون المقصود به مرضاة الله وطاعته. فاذا فقد العمل هذين الشيئين أو احدهما لم يكن مرضياً عند الله وبالتالي لا أجر فيه ولا ثواب، قال تعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً﴾ والمقصود بالعمل الصالح الصحيح أي الموافق للشرع الإسلامي، والخالص لوجه الله تعالى.

مكانة العمل الصالح في الإسلام

32- وللعمل الصالح في الاسلام مكانة عظيمة جداً، لأنه ثمرة الايمان بالله وباليوم الآخر وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وبه يظهر معنى الشهادتين بالعمل والسلوك، ولأهميته في الاسلام جاءت الآيات الكثيرة به، فمرة تقرنه بالايمان، ومرة تبين جزاءة الحسن، وأخرى تصرح بأن ما ينفع الانسان في آخرته هو الأعمال الصالحة وان الله تعالى لا يضيع أجر من عملها وقام بها، وتارة تبين الآيات أن الصالحات سبب لتكفير السيئات وغفران الذنوب، وأن الخسارة تحلق الإنسان لا محالة إلا من آمن وعمل الصالحات. ومن هذه النصوص التي وضحت هذه المعاني قوله تعالى: ﴿وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم﴾ [المائدة: 09].

﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب﴾ [الرعد: 22].

﴿من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾ [النحل: 97].

﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً﴾ [الكهف: 30].

﴿ويزيد الله الذين اهتدوا هدى، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير مرداً﴾ [مريم: 76].

﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيآتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون﴾ [العنكبوت: 07].

﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلّنهم في الصالحين﴾ [العنكبوت: 09].

﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ [سورة العصر].

اعتناق الاسلام شرط لقبول العمل

33- ومن البديهي أن العمل المرضي عند الله تعالى، وهو الذي بيناه، يشترط لقبوله شرط ضمني هو اعتناق الإسلام أي الإيمان به، ولهذا قرن الله العمل الصالح بالإيمان، والمقصود به اعتناق الإسلام بعد أن بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم رسولا الى العالمين، قال تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾. وعلى هذا اذا قام الشخص بالعمل وفق الشرع الاسلامي من حيث الظاهر أي من حيث توفر أشكال العمل الظاهرية المطلوبة في الشرع الاسلامي، وكان قصد صاحبه مرضاة الله ولكنه لم يؤمن بالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، فان عمله مردود عليه ولا أجر فيه ولا ثواب.

الابتداع مرفوض في الاسلام

34- وما دام العمل الصالح هو ما كان صحيحاً خالصاً لله، والصحيح ما كان وفق الشرع، فان الابتداع في الدين بالزيادة والنقصان لا يجوز ولا ثواب فيه لصاحبه حتى ولو كان بنية العبادة لله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم 'من احدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد'. والبدعة شر من المعصية، لأن في الابتداع تغييراً للدين ولاحكام الشرع واتهاماً له بنقصانه أو بحاجته الى التكميل والتشذيب والتعديل. وهذا أمر كبير جداً لا يجوز اعتقاده أو العمل بموجبه ولهذا حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من البدع فقال: 'إياكم ومحدثات الأمور فان كل محدثة بدعة وكل بدعة في النار' فالخير كل الخير فيما جاء به الشرع والوقوف عنده ﴿وما كان ربك نسياً﴾.

تنوع الاعمال الصالحة

35- والأعمال الصالحة كثيرة فهي جميع ما أمر الله تعالى به على وجه الوجوب والاستحباب، من العبادات والمعاملات فاذا قام بها المسلم ملاحظاً الطاعة لربه والانقياد لشرعه مبتغياً بها وجه الله فهو من أصحاب الأعمال الصالحة. وفي مقدمة هذه الأعمال الصالحة العبادات، وفي مقدمتها العبادات التي جاءت في حديث جبريل وهي الصلاة والزكاة والصيام والحج فهي من أركان الإسلام التي لا يجوز التهاون بها مطلقاً، أو التقليل من أهميتها ولذلك ذكرت في الحديث.

أهمية العبادات في الإسلام

36- العبادات في الإسلام تنظم علاقة الفرد بربه وتظهر عبوديته لله تعالى على وجه واضح وهي حق الله الخالص على عباده وفي مقدمتها كما قلنا الصلاة وأخواتها الوارد ذكرها في الحديث، فهذه العبادات يجب الحرص عليها والدعوة إليها ولا يجوز مطلقاً التقليل من شأنها، وهي بمجموعها تقوي الإيمان وترسخه فهي له بمثابة الماء للنبات والهواء للإنسان، وهيهات أن يبقى الإيمان على قوته إذا فرط المسلم بها.

أهمية الصلاة

37- ذكر الله تعالى الصلاة في عشرات الآيات في القرآن الكريم، وجاءت الأحاديث مؤكدة وجوبها وأهميتها، ومبينة أنها الفارق بين المسلم وغير المسلم، وأنها من صفات المؤمنين المتقين، وأنه لا يجوز التفريط بها لا في الإقامة ولا في السفر ولا في حالة السلم ولا في حالة الحرب، ولا في حالة الصحة ولا في حالة المرض، وإن تركها والتكاسل عنها من صفات المنافقين. وكانت الوصية بها من آخر ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي أول ما يسأل عنه العبد يوم قدومه على ربه. والصلاة بعد هذا تزكية النفس وصلة العبد بربه وتذكير مستمر له بعبوديته لله وبمعاني كلمة التوحيد، وهي صقل لروحه وغسل لأدرانها وأوساخها وهي قرة عين المسلم، إليها يفزع إذا ضاق الصدر وادلهمت الخطوب كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي التي تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر لما فيها من قراءة القرآن وتسبيح الله وذكره وتمجيده وما لهذا كله من تذكير للعبد ووقاية له من المخالفة والعصيان. ويكفي هنا أن نذكر بعض النصوص من القرآن والسنة النبوية في بيان أهمية الصلاة وعظيم أثرها.

38- أولاً: من القرآن الكريم

قال تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين﴾.

﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾.

﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾.

﴿الم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾.

﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾.

﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين﴾.

﴿إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى﴾.

39- ثانياً: من السنة النبوية المطهرة:

قال صلى الله عليه وسلم: 'بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة'.

'العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر'.

وكان صلى الله عليه وسلم يقول لبلال 'أرحنا بها – أي الصلاة – يا بلال'. وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه إذا حزّ به أمر صلّى.

أسرار الصلاة

40- هذا وإن للصلاة أسراراً وحكماً ليس هنا محل تفصيلها، ويدركها المسلم إذا أقبل عليها بخشوع وتدبر وفهم ووعي وحضور ذهن، لما يتلوه من قرآن وما يذكره من أذكار، فهو يفتتح الصلاة بـ 'الله أكبر' فالله أكبر من كل كبير ومن كل ذي سلطان وقوة وجبروت، وما دام العبد موصولا بالله الذي هو أكبر من كل شيء وأعز من كل شيء فلن يرهب المسلم أحداً غير الله تعالى.. وهكذا بقية الاذكار تربي في المسلم معاني العبودية لله وتحرره من عبودية غير الله وتنزع من قلبه كل معاني الطغيان والتعلق بغير الله.

بقية العبادات

41- والعبادات الأخرى، من صيام وحج وزكاة كلها تقوي الإيمان وتزكي النفس وتصل العبد بربه وتملأ قلبه بمعاني العبودية لله تعالى، ففي الصيام إيثار لمحاب الله على شهوات الجسد، وتعويد للمسلم على معاني الإخلاص، والإرادة والصبر، وكل هذه معان جليلة يحتاجها المسلم. الزكاة طهرة للمسلم من داء البخل والشح وعبادة المال، وإيثار لله على محبة المال، والاسهام في تحقيق التعاون المطلوب شرعاً باعانة ذوي الحاجات. والحج تربية عملية للمسلم، فان من منهج الاسلام في التربية أنه لا يكتفي أن يقول للمسلم كن صالحاً فقط بل يقول له هذا ويضع له مناهج عملية يسلكها ليكون صالحاً. ومن هذه المناهج العملية الحج، ففيه إظهار لعبودية المسلم لله بصورة عملية وبشكل معين واضح يجتث جذور الطغيان وجراثيمه من نفس المسلم، فان في الانسان نزوعاً إلى الطغيان قال تعالى: ﴿كلا إن الإنسان ليطغى﴾. هذا وهناك عبادات أخرى غير المذكورة في حديث جبريل، ومنها العبادات القلبية كالتوكل على الله ومحبته والاستعانة به والطلب منه والشوق اليه والأنس به والثقة به والخوف منه وكلها مطلوبة من المسلم.

أي الاعمال الصالحة أفضل

42- لا شك في تفاضل الأعمال الصالحة من حيث الأجر والثواب ومن حيث درجة طلب الشرع لها، فالفرض أفضل من المندوب وما عظم نفعه للجماعة أفضل مما اقتصر نفعه على فاعله. والقاعدة في أفضل الأعمال الصالحة بالنسبة لشخص ما هو العمل المطلوب منه شرعاً في وقت معين وظرف معين، فالصلاة حين حلول وقتها أفضل من غيرها وأوجب على المسلم أن ينشغل بها من غيرها، والجهاد في وقته أفضل بالنسبة لمن وجب عليه من القيام بنوافل العبادات وطلب العلم، والصيام في وقته أفضل بالنسبة لمن وجب عليه من الانشغال بغيره من العبادات وهكذا. وعلى المسلم أن يتحرى ما هو الأحب لله تعالى في هذا الوقت أو في هذا الظرف القائم فيسارع اليه ويفضله على ما سواه، وبهذا تتحقق فيه العبودية الخالصة لله بإيثاره دائماً ما يحبه الله على ما تحبه نفسه وتهواه وإن كان من الأعمال الصالحة.

أثر العبادات في صلاح الفرد والمجتمع

43- وللعبادات المختلفة تأثير واضح في سلوك الفرد فهي التي تزكي نفسه كما قلنا وتزيد مراقبته لربه تعالى في السر والعلن والخوف منه فينزجر عن المعاصي والاضرار بالناس ويسارع إلى عمل الخير، ولا شك أن المجتمع سيكون سعيداً اذا زاد فيه عدد الصالحين الخائفين من الله تعالى، وان كمية الخير في المجتمع ستكثر وإن مقادير الشر والسوء ستقل. وعلى هذا يمكننا أن نقول أن العبادات في الاسلام تصلح الفرد والمجتمع وتنفع الفرد والمجتمع.

الفصل الثالث - خصائص الإسلام

تمهيد

1- للإسلام خصائصه الخاصة به التي تميزه عن غيره تمييزاً واضحاً بارزاً فهو من حيث مصدره من عند الله، وهذه هي خصيصته الأولى.

وهو من حيث مدى ونوع العلاقات التي ينظمها والأفعال التي يحكمها شامل وهذه هي حصيصته الثانية.

وهو من حيث الأشخاص الذين يحكمهم عام لجميع البشر باق لا يزول. وهذه هي خصيصته الثالثة.

وهو من حيث نوع الجزاء الذي يصيب مخالفه أو متبعه ذو جزاء أخروي بالاضافة الى جزائه الدنيوي. وهذه خصيصته الرابعة.

وهو من حيث نزوعه إلى المثالية دون إغفال للواقع مثالي وواقعي وهذه هي خصيصته الخامسة.

وعلى هذا سنقسم هذا الفصل إلى خمسة مباحث ونجعل لكل خصيصة مبحثاً على حدة.

المبحث الأول - الخصيصة الأولى

أنه من عند الله

2- مصدر الإسلام، ومشرع أحكامه ومناهجه، هو الله تعالى فهو وحيه الى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم باللفظ والمعنى (القرآن الكريم) وبالمعنى دون اللفظ (السنة النبوية). فالإسلام بهذه الخصيصة يختلف اختلافاً جوهرياً عن جميع الشرائع الوضعية لأن مصدرها الانسان، أما الإسلام فمصدره رب الانسان. ان هذا الفرق الهائل بين الإسلام وغيره لا يجوز اغفاله مطلقاً ولا التقليل من أهميته.

النصوص الدالة على أن الإسلام من عند الله

3- بيّنا فيما سبق أن القرآن من عند الله وأثبتنا ذلك بدليل الاعجاز، ومعنى ذلك أن كل آية فيه هي من عند الله، ومعنى ذلك أيضاً أن الإسلام هو من عند الله. ومع هذا فمن المفيد ذكر بعض الآيات القرآنية الصريحة في أن القرآن الكريم هو من عند الله أنزله على رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، فمن هذه الآيات:

قوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ [القدر:01].

﴿ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم﴾ [الحجر: 87].

﴿وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم﴾ [النحل: 06].

﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصاً له الدين﴾ [الزمر: 02].

﴿تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين﴾ [السجدة: 02].

4- والقرآن الكريم، وفيه معاني الإسلام، واجب الاتباع دون غيره من الكتب والأديان السماوية السابقة، قال تعالى: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا الله لعلكم ترحمون﴾.

5- وسنة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام هي الأخرى كالقرآن واجبة الاتباع، وعلى هذا دل القرآن، وذكرنا نصوصه في هذا الباب فيما سبق، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى عنه: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾.

ما يترتب على كون الإسلام من عند الله

أولاً: كماله وخلوه من النقائص

6- ويترتب على كون الإسلام من عند الله كماله وخلوه من معاني النقص والجهل والهوى والظلم، لسبب بسيط واضح هو أن صفات الصانع تظهر في ما يصنعه.. ولما كان الله تعالى له الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله ويستحيل في حقه خلاف ذلك، فان أثر هذا الكمال يظهر في ما يشرعه من أحكام ومناهج وقواعد، وبالتالي لا بد أن يكون كاملا. وهذا بخلاف ما يصنعه الانسان ويشرعه فانه لا ينفك عن معاني النقص والهوى والجهل والجور، لأن هذه المعاني لاصقة بالبشر ويستحيل تجردهم عنها كل التجرد وبالتالي تظهر هذه النقائص في القوانين والشرائع التي يصنعونها.

ويكفينا هنا أن نذكر مثالا واحداً للتدليل على ما نقول: جاء الإسلام بمبدأ المساواة بين الناس في الحقوق وأمام القانون بغض النظر عن اختلافهم في الجنس أو اللغة أو اللون أو الحرفة أو الغنى أو الفقر، وأقام ميزان التفاضل على أساس التقوى والعمل الصالح. وقد ورد هذا المبدأ العظيم في القرآن والسنة النبوية. قال تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ وجاء في الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا أيها الناس ان ربكم واحد وان أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى".

وقال عليه الصلاة والسلام "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".

وبلغت دقة تطبيق هذا المبدأ إلى حد أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على مسلم عربي قوله لمسلم غير عربي "يا ابن السوداء" واعتبر هذا القول من بقايا الجاهلية الاولى.

وواضح من ذلك أن التشريع الإسلامي ارتفع إلى أعلى مستوى من العدالة والمساواة في نظرته إلى الأفراد وان اختلفوا في الجنس واللون واللغة وغير ذلك وطبق هذا المبدأ فعلا في واقع الحياة.

وفي القرن العشرين، وفي عصرنا الحاضر، وبالرغم من الضجيج الهائل في العالم حول المساواة وتسطير هذا المبدأ في دساتير الدولة، فانه لا يزال مجرد كلام لا نصيب له في الواقع إلا الشيء القليل. ففي الولايات المتحدة الامريكية فلا تزال الفروق قائمة بين المواطنين في أبسط الحقوق على أساس اللون والجنس، فصاحب البشرة البيضاء أسمى منزلة وأعلى قدرا من صاحب البشرة السوداء ولا مساواة بين الاثنين في الحقوق الآدمية ولا أمام القانون. ولو كان هذا التفريق والتمايز في واقع الحياة فقط لامكن أن يدعي البعض أنه من انحراف الافراد ولا تسأل عنه الدولة ولكن الواقع أن القانون نفسه يقر ويعترف صراحة بهذا التمايز الظالم بين الأسود والأبيض ويحميه وان كان الاثنان يحملان الجنسية الامريكية. فمن هذه النصوص القانونية في بعض الولايات الامريكية: "ان النكاح بين شخصين أبيض وآخر زنجي يعتبر نكاحا باطلا". وبطلان العقد هنا لا يرجع إلى نقص أهلية العاقدين فأهليتهما كاملة وانما يرجع إلى شيء آخر خطير في نظر القانون هو أن أحد طرفي عقد النكاح ذو بشرة بيضاء بينما الطرف الآخر في العقد ذو بشرة سوداء..

ومن هذه النصوص أيضا في بعض الولايات المتحدة الأمريكية: أن كل من يطبع أو ينشر أو يوزع ما فيه دعوة أو حث للجمهور على اقرار المساواة الاجتماعية والزواج بين البيض والسود أو تقديم حجج للجمهور أو مجرد اقتراح في هذا السبيل يعتبر عمله جريمة يعاقب عليها القانون بغرامة لا تتجاوز خمسمائة دولار أو بالسجن مدة لا تتجاوز ستة أشهر أو بالعقوبتين. ان هذا النص يوغل في اتباع الهوى والجور والظلم دون حياء أو خجل أو وخز من ضمير الى درجة أنه يعاقب من يدعو إلى المساواة بين مواطنين أمريكيين يحملون الجنسية الامريكية ولكنهم يختلفون في ألوان أجسادهم ووجوههم. فهل أدل من هذا على نقص الانسان وجهله وجوره؟

أما التمايز بين رعايا المستعمر "بكسر الميم" وأهل البلاد المنكوبة بالاستعمار فحدث ولا حرج، فالمستعمرون يضعون من القوانين ما يجعل أهل البلاد المستعمرة بمنزلة البهائم، دون أن يشعر هؤلاء المستعمرون بتأنيب ضمير أو بجورهم على هؤلاء الآدميين. وما يعتبرونه ظلما في بلادهم وبالنسبة لرعاياهم يعتبرونه حقا وعدلا بالنسبة لاهل البلاد المنكوبة باستعمارهم. وهذا وغيره يدل على مدى ما عند الانسان من ظلم وجور وهوى ومحاباة وجهل.

7- ثانيا: ويترتب أيضا على كون الإسلام من عند الله، انه يظفر بقدر كبير جدا من الهيبة والاحترام من قبل المؤمنين به، مهما كانت مراكزهم الاجتماعية وسلطاتهم الدنيوية، لأن هذه السلطات وتلك المراكز لا تخرجهم من دائرة الخضوع لله تعالى واحترام شرعه، وطاعة هذا الشرع طاعة اختيارية تنبعث من النفس وتقوم على الايمان ولا يقسر عليها المسلم قسراً. وفي هذا ضمان عظيم لحسن تطبيق القانون الإسلامي وعدم الخروج عليه ولو مع القدرة على هذا الخروج. أما القوانين والمبادئ الوضعية التي شرعها الانسان فانها لا تظفر بهذا المقدار من الاحترام والهيبة، إذ ليس لها سلطان على النفوس ولا تقوم على أساس من العقيدة والايمان كما هو الحال بالنسبة للإسلام ولهذا فان النفوس تجرؤ على مخالفة القانون الوضعي كلما وجدت فرصة لذلك وقدرة على الافلات من ملاحقة القانون وسلطان القضاء ورأت في هذه المخالفة اتباعا لأهوائها وتحقيقاً لرغباتها. ان القانون لا يكفي أن يكون صالحا بل لا بد له من ضمانات تكفل حسن تطبيقه، ومن أول هذه الضمانات، ايجاد ما يصل هذا القانون بنفوس الناس ويحملهم على الرضى به والانقياد له عن طواعية واختيار. ولا يحقق مثل هذه الضمانة مثل الإسلام، لأنه أقام تشريعاته على أساس الايمان بالله واليوم الآخر ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وان الالتزام الاختياري بهذه التشريعات واحترامها هو مقتضى هذا الايمان.

وللتدليل على صحة ما نقول نضرب مثلا واحدا بشأن واقعة معينة عالجها الإسلام بتشريعه ونجح في هذه المعالجة، وعالجت هذه الواقعة بالذات القوانين الوضعية وفشلت في هذه المعالجة.

من المعروف أن العرب قبل الإسلام كانوا مولعين بشرب الخمر لا يجدون فيه منقصة ولا منكرا، وكانت زقاق الخمر ودنانه في البيوت كالماء المخزون في القرب والحباب. فلما أتى الإسلام بتحريم الخمر بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ كان لكلمة ﴿فاجتنبوه﴾ قوة هائلة تفوق قوة الجيش والشرطة وما يمكن أن تستعمله أي دولة لتنفيذ أوامرها بالقوة والجبر.. لقد قام المسلمون الى زقاق الخمر فأراقوها، وإلى دنانه فكسروها، وفطموا نفوسهم من شرب الخمر حتى غدوا وكأنهم لا يعرفون الخمر ولم يتذوقوها من قبل.. لأن أمر الله ورد ﴿فاجتنبوه﴾ وأوامر الله من شأنها الاحترام والطاعة.

وفي القرن العشرين ارادت الولايات المتحدة الامريكية تخليص مواطنيها من الخمر، وقبل ان تشرع قانون تحريم الخمر، مهدت له بدعاية واسعة جدا لتهيئة النفوس إلى قبول هذا القانون، وقد استعانت بجميع أجهزة الدولة وبذوي الكفاية في هذا الباب. استعانت بالسينما ومسارح التمثيل وبالاذاعة وبنشر الكتب والرسائل والنشرات والمحاضرات والاحصائيات من قبل العلماء والاطباء والمختصين بالشؤون الاجتماعية، وقد قدر ما انفق على هذه الدعاية بـ (65) مليون من الدولارات وكتبت تسعة آلاف صفحة في مضار الخمر ونتائجه وعواقبه. وانفق ما يقرب من (10) عشرة ملايين دولار من أجل تنفيذ القانون. وبعد هذه الدعاية الواسعة والمبالغ المنفقة شرعت الحكومة قانون تحريم الخمر لسنة 1930م وبموجبه حرم بيع الخمور وشراؤها وصنعها وتصديرها واستيرادها. فما كانت النتيجة؟ لقد دلت الاحصائيات للمدة الواقعة بين تشريعه وبين تشرين الأول سنة 1933م انه قتل في سبيل تنفيذ هذا القانون مائتا نفس وحبس نصف مليون شخص وغرم المخالفون له غرامات بلغت ما يقرب من أربعة ملايين دولار، وصودرت أموال بسبب مخالفته قدرت بألف مليون دولار. وكان آخر المطاف أن قامت الحكومة الامريكية بالغاء قانون تحريم الخمر في أواخر سنة 1933م، ولم تستطع تلك الدعايات الضخمة التي قامت بها الدولة أن توجد القاعدة التي يرتكز عليها القانون في نفوس المواطنين وبالتالي قاموا بمخالفته مما حمل الحكومة على الغائه، لان القانون لم يكن له سلطان على النفوس يحملها على احترامه وطاعته، ومن ثم فشل والغي. أما كلمة ﴿فاجتنبوه﴾ التي جاء بها الإسلام في جزيرة العرب فقد أثرت أعظم التأثير وطبقت فعلا وأريقت الخمور من قبل أصحابها وامتنعوا عنها، لا بقوة شرطي ولا بقوة جندي ولا رقيب ولكن بقوة الايمان وطاعة المسلمين لشرائع الإسلام واحترامهم لها.

المبحث الثاني - الخصيصة الثانية

الشمول

8- قلنا في بعض تعاريف الإسلام انه نظام شامل لجميع شؤون الحياة وسلوك الانسان. ان هذا الوصف للإسلام وصف حقيقي ثابت للإسلام لا يجوز تجريده منه الا بالافتراء عليه أو بسبب الجهل به. وشمول الإسلام هذا لشؤون الحياة وسلوك الانسان لا يقبل الاستثناء ولا التخصيص، فهو شمول تام بكل معاني كلمة الشمول، وهذا بخلاف المبادئ والنظم البشرية فان الواحد منها له دائرته الخاصة التي ينظم شؤونها، ولا شأن له فيما عدا ذلك. وعلى هذا فلا يمكن للمسلم أن يقول ان هذا المجال لي انظم أموري كما أشاء بمعزل عن تنظيم الإسلام، لا يمكن ان يقول المسلم هذا لان الإسلام يحكمه من يافوخه إلى أخمص قدميه، وللإسلام في كل ما يصدر الانسان حكم خاص، كما له حكمه في كل ما يضعه في رأسه من أفكار وفي قلبه من ميول. وعلى هذا لا يجوز للمسلم ابدا أن يسمح لغير نظام الإسلام أن ينظم أي جانب من جوانب حياته لانه ان فعل ذلك دخل في نطاق معنى قول الله تعالى: ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما لله بغافل عما تعملون﴾.

وأحكام الإسلام الثابتة لافعال الانسان وتصرفاته وعلاقاته مع غيره هي الوجوب والندب والتحريم والكراهة والاباحة والصحة والبطلان، والافعال التي تتعلق بها هذه الاحكام تسمى على التوالي: الواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح والصحيح والباطل.

9- انواع أحكام الإسلام بالنسبة لما تتعلق به.

وأحكام الإسلام بالنسبة لما تتعلق به تنقسم إلى الأقسام الآتية:

أولاً: أحكام العقيدة الإسلامية، وهي تتعلق بأمور العقيدة كالايمان بالله واليوم الآخر وهذه هي الامور الاعتقادية.

ثانياً: أحكام الاخلاق، وهي المتعلقة بما يجب أن يتحلى به المسلم، وما يجب أن يتخلى عنه كوجوب الصدق وحرمة الكذب.

ثالثاً: أحكام تتعلق بتنظيم علاقة الانسان بخالقه، كالصلاة والصيام وغيرها من العبادات.

رابعاً: أحكام تتعلق بتنظيم علاقات الافراد فيما بينهم وهذه على أنواع:

أ‌) أحكام الاسرة من نكاح وطلاق وإرث ونفقة.. الخ وتسمى في الاصطلاح الحديث بأحكام الاسرة أو قانون الأحوال الشخصية.
ب‌) أحكام تتعلق بعلاقات الافراد ومعاملاتهم كالبيع والاجارة والرهن والكفالة، وهي التي تسمى في الاصطلاح الحديث بأحكام المعاملات المالية أو بالقانون المدني.
ت‌) أحكام تتعلق بالقضاء والدعوى واصول الحكم والشهادة واليمين والبينات وهي تدخل فيما يسمى اليوم بقانون المرافعات.
ث‌) أحكام تتعلق بمعاملات الاجانب غير المسلمين عند دخولهم الى اقليم الدولة الإسلامية، والحقوق التي يتمتعون بها والتكاليف التي يلتزمون بها، وهذه الاحكام تدخل فيما يسمى اليوم بالقانون الدولي الخاص.
ج‌) أحكام تتعلق بتنظيم علاقات الدولة الإسلامية بالدول الاخرى في السلم والحرب، وتدخل فيما يسمى اليوم بالقانون الدولي العام.
ح‌) أحكام تتعلق بنظام الحكم وقواعده، وكيفية اختيار رئيس الدولة، وشكل الحكومة، وعلاقات الأفراد بها، وحقوقهم ازاءها، وهي تدخل فيما يسمى اليوم بالقانون الدستوري.
خ‌) أحكام تتعلق بموارد الدولة الإسلامية ومصارفها، وتنظيم العلاقات المالية بين الافراد والدولة، وبين الاغنياء والفقراء، وهي تدخل في القانون المالي بمختلف فروعه.
د‌) أحكام تتعلق بتحديد علاقة الفرد بالدولة من جهة الافعال المنهي عنها "الجرائم ومقدار عقوبة كل جريمة".. وهذه تدخل فيما يسمى اليوم بالقانون الجنائي ويلحق بهذه الاحكام الاجراءات التي تتبع في تحقيق الجرائم وانزال العقوبات بالمجرمين وكيفية تنفيذها، وهي تدخل فيما يسمى اليوم بقانون تحقيق الجنايات أو بقانون المرافعات الجزائية.

مقارنة بين شمول الشريعة وشمول القوانين الوضعية

10- وواضح مما قدمناه ان الشريعة في شمولها تختلف مع جميع القوانين الوضعية، لان شمولها كامل تام بكل معنى الكلمة، فما من حدث ولا عمل يصدر عن الانسان، ولا علاقة تقوم بينه وبين غيره، الا وللشريعة حكم فيها. فأمور العقيدة والاخلاق والعبادات تدخل في نطاق شمول الشريعة ولا تدخل في نطاق تنظيم القوانين الوضعية. وحتى في نطاق العلاقات البشرية التي تنظمها القوانين الوضعية فإن الشريعة تختلف اختلافاً بيِّناً مع القوانين الوضعية في هذا المجال من ناحيتين (الاولى) ناحية مراعاة الاخلاق (الثانية) من ناحية الحل والحرمة.

11- الناحية الاولى – مراعاة المعاني الاخلاقية – فالشريعة الإسلامية راعت جانبها كل الرعاية وسمحت لها بالتسرب الى القواعد القانونية والامتزاج بها واقامة الاحكام التنظيمية عليها. وهذا بخلاف القوانين الوضعية حيث انها لا تراعي المعاني الاخلاقية، بل ان الاصل فيها هو الفصل بين القواعد الاخلاقية والقواعد القانونية فالغدر والخيانة وعدم الالتزام بالكلمة معاني ذميمة في ميزان الاخلاق ومن ثم لا تجوز ولا تباح في جميع العلاقات التي تنظمها الشريعة الإسلامية والاحكام التي تقررها سواء أكانت هذه العلاقات بين فرد وفرد أو بين دولة ودولة ونكتفي هنا بضرب مثال واحد فقط ليظهر لنا مدى تمسك التشريع الإسلامي بالمعاني الاخلاقية في أدق العلاقات وأخطرها ولو ترتب على هذا التمسك تضحيات جسيمة. يقرر الفقهاء المسلمون ان الاجنبي (غير المسلم) اذا دخل اقليم الدولة الإسلامية بأمان ولمدة معينة لا يجوز تسليمه الى دولته اذا طلبته خلال هذه المدة ولو على سبيل المفاداة بأسير مسلم عندها، ويبقى المنع من تسليمه قائما حتى لو هددت دولته الدولة الإسلامية باعلان الحرب عليها اذا لم تسلمها اياه. ويعلل الفقهاء هذا الحكم بان الاجنبي دخل اقليم الدولة الإسلامية بأمان منها فعلى الدولة الإسلامية ان تفي بعهدها له فيبقى آمنا لا يمسه سوء، وتسليمه بدون رضاه غدر منها بعهدها له لا رخصة فيه فلا يجوز في شرع الإسلام. ويبقى المنع من تسليمه وعدم الحاق أي ضرر به حتى لو قتلت دولته جميع رعايا الدولة الإسلامية المقيمين في أرضها لان فعلها ظلم ولا مقابلة بالظلم، هكذا يقول الفقهاء، فأي مستوى رفيع بلغه التشريع الإسلامي في التزامه بالمعاني الاخلاقية في أدق الظروف واحرج الاوقات، مما لا نجد له نظيرا ابدا في أي تشريع وضعي آخر لا في القديم ولا في الجديد، ولا عجب من ذلك فالشريعة الإسلامية من عند الله، وما يأتي من الله هو الحق الخالص والعدل الخالص.

12- الناحية الثانية – جهة الحل والحرمة في الفعل نفسه – فان الفعل قد يكون صحيحا في ظاهره لاستيفائه شروط الصحة المطلوبة ولكنه يعتبر حراما لمخالفة حقيقته الباطنة او قصد صاحبه لما يأمر به الإسلام. ان هذه الصفة للشيء في الحل والحرمة تبقى لاصقة بالفعل وان صدر بها حكم قضائي يقضي بخلاف ذلك الذي يدعي ديناً آخر ظلماً ويثبت ذلك امام المحكمة، فإن حكيم المحكمة انه محق في مطالبته أو يستحق الدين من صاحبه، بل يبقى الامر عند الله تعالى على حقيقته وهو ان هذا المدعي ارتكب حراما وأكل سحتا وهذا لا يجوز في شرع الله ولا ينفعه حكم الحاكم بما ادعى لنفسه ظلما، لان الحاكم يحكم حسب الظاهر والله يتولى السرائر، ولان مناط الثواب والعقاب في الآخرة على حقائق الافعال ونيات الانسان، وما ارتكبه من حلال أو حرام. والاصل في تعلق الحقوق وثبوت الآثار الشرعية على حقيقة الفعل وكونه حلالا جائزا ظاهرا وباطنا، ولكن لما كان الباطن أمرا خفيا يعجز الانسان عن ادراكه أو يتعذر عليه ولاجل استقرار الامور وجريان الاحكام على أسس ثابتة وقواعد مضبوطة، فقد اعتبرت الشريعة الإسلامية الظاهر وجعلت صحته ومطابقته لمتطلبات الشريعة قرينة على صحة الباطن وحله ومناطا لتعلق الحقوق وثبوت الآثار. ولكن الشيء أو الفعل يبقى بالرغم من ذلك موصوفاً بالحل والحرمة بناء على حقيقته الباطنة، وما يترتب على هذا الوصف من جواز الاقدام عليه أو تحريمه وما يتبع ذلك من ثواب أو عقاب، لان الحكم حسب الظاهر لا يقلب الحلال حراما ولا الحرام حلالا، وبالتالي لا يحل للمسلم أن يبيح لنفسه فعل الحرام أو أكله وان أباح له ذلك القضاء. يدل على ما قلناه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "انما انا بشر وانكم تختصمون الي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئا فانما اقطع له قطعة من النار". ولهذا اذا ظهر الباطن ظهورا كافيا وتكشفت حقيقته فالعبرة به لا بالظاهر.

ان أهمية ما بيناه تظهر في حفظ حقوق الناس وكف بعضهم عن بعض عن الاعتداء، ذلك أن المسلم يعلم بأن اقدامه على الحرام أو الاعتداء أو هضم حقوق الغير لا يفيده ولا يخلصه من المسؤولية وان استطاع في الدنيا التخلص من المسؤولية أو التهرب من القانون أو التحايل على القضاء، أو اخفاء حقيقة نفسه وفعله، إن هذه الامور التي لا تخفى على الله أبداً وسيحاسب عليها عند مثوله أمام المحكمة الإلهية الرهيبة في الآخرة، وعلى هذا الاساس فان المسلم لا يقدم على شيء إلا إذا كان حلالاً ولا يطالب بشيء إلا إذا كان له وان استطاع المطالبة بما ليس له، ولا يرتكب ما لا يحل له وان استطاع اخفاء ذلك عن القضاء وبهذا تحفظ الحقوق ويأمن الناس عليها وتقل الخصومات والمنازعات، ويقل عدد المراجعين للمحاكم، وفي هذا كله أعظم ضمان لحسن تنظيم علاقات الافراد فيما بينهم وعدم ضياع الحقوق على اصحابها. وهذا مما لا يوجد في القوانين الوضعية، فإن المسألة عندها تنتهي بانتهاء صدور القرار من المحكمة ولا شيء بعد هذا، اذ لا سلطان للقوانين الوضعية على أمور الآخرة وليس فيها المعاني التي ذكرناها.

المبحث الثالث - الخصيصة الثالثة

العموم

13- من بديهيات الإسلام وصفاته الاصلية انه جاء لعموم البشر ولم يأت لطائفة معينة منهم أو لجنس خاص من أجناسهم، قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً﴾ وقال تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً﴾ وعموم الإسلام هذا غير مقصور على فترة معينة من الزمن أو جيل خاص من البشر وانما هو عموم في الزمان كما هو عموم في المكان، ولهذا فهو باق لا يزول ولا يتغير ولا ينسخ، لان الناسخ يجب ان يكون في قوة المنسوخ سواء أكان النسخ كليا أم جزئيا، وحيث ان الإسلام ختم الشرائع السابقة كلها وان محمداً صلى الله عليه وسلم هو خاتم الانبياء والمرسلين، فمعنى ذلك أن الشرائع الالهية انقطعت وان الوحي الالهي لم يعد ينزل على أحد، قال تعالى: ﴿ما كان محمد أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ وعلى هذا لا يتصور أن ينسخ الإسلام أو يغيره شيء.

14- وقد يقال هنا: لماذا كانت الشريعة الإسلامية خاتمة الشرائع، أما كان من الافضل والانفع استمرار تنزل الشرائع الالهية وابقاء باب الرسالات الالهية مفتوحا؟ والجواب لا، لان تنزل الشرائع ليس من قبيل العبث واللهو، وانما هو لسد نقص في تشريع سابق، أو لإكماله بتشريع لاحق مناسب لمستوى البشرية، وحيث ان الشريعة الإسلامية كاملة تامة سدت كل ما لم تأت به الشرائع السابقة وأكدت ما جاءت به هذه الشرائع السابقة فلا حاجة ولا داعي لمجيء شريعة أخرى قال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ فمع هذا الكمال التام لا داعي لمجيء شريعة أخرى، وحيث لا شريعة أخرى فلا رسول آخر بعد محمد صلى الله عليه وسلم.

15- وعموم الشريعة الإسلامية وبقاؤها وعدم قابليتها للنسخ والتبديل والتغيير بالتنقيص أو الزيادة كل ذلك يستلزم عقلا وعدلا أن تكون قواعدها وأحكامها ومبادئها وجميع ما جاءت به على نحو يحقق مصالح الناس في كل عصر ومكان ويفي بحاجاتهم ولا يضيق بها ولا يتخلف عن أي مستوى عال يبلغه المجتمع البشري. إن هذا والحمد لله متوافر في الشريعة الإسلامية لأن الله تعالى، وهو العليم الخبير، اذ جعلها عامة في المكان والزمان، وخاتمة لجميع الشرائع، جعل قواعدها وأحكامها صالحة لكل زمان ومكان، ومهيأة للبقاء والاستمرار لهذا العموم.. إن ما نقوله هو الحق، ويدل عليه واقع الشريعة الإسلامية وطبيعة مبادئها وأحكامها وأفكارها ومناهجها، ولا بد هنا من بيان موجز كل الايجاز لاظهار هذا المعنى واثبات صحة ما نقوله بالادلة والبراهين.

الدليل الاول: مكانة المصلحة في الشريعة

16- يقوم هذا الدليل على اظهار مدى حرص الشريعة الإسلامية على مصالح الناس الحقيقية ودرء المفاسد عنهم. والواقع ان الشريعة الإسلامية ما شرعت الا لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل، أي في الدنيا والآخرة، ودرء المفاسد والاضرار عنهم في العاجل والآجل أيضاً، حتى إن بعض الفقهاء، قال – وقوله حق: "ان الشريعة كلها مصالح، إما درء مفاسد أو جلب مصالح". وقد يظن البعض أن هذا القول مبالغ فيه، والواقع أنه لا مبالغة فيه، لأن ما قلناه عنها ونقلنا قول بعض الفقهاء عنها، وصف ثابت للشريعة ولكل حكم من أحكامها، فلا يخرج شيء منها عن هذا الوصف أو الغرض العام الذي تريد الشريعة تحقيقه للعباد في عاجلهم وآجلهم. ونكتفي هنا بذكر بعض الادلة الجزئية على هذه الحقيقة التي تكون البرهان الاول.

17- (أ) قال تعالى في تعليل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ والرحمة تتضمن قطعاً رعاية مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم، ولا يمكن أن تكون رحمة إذا اغفلت هذه المصالح.

18- (ب) تعليل الاحكام بجلب المصلحة ودرء المفسدة لاعلام البشر بان تحقيق المصالح هو مقصود الإسلام، وأن الأحكام ما شرعت إلا لهذا الغرض، قال تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾. فالقصاص شرع لتحقيق هذه المصلحة وهي الحياة للناس أي الامن والاستقرار والاطمئنان وحقن الدماء بزجر من تسول له نفسه الاعتداء على ارواح الناس. وقال تعالى: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون﴾ فتحريم الخمر يمنع عن الناس مفسدة الصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ودرء المفسدة لا شك في انه وجه من وجوه المصلحة، لان المصلحة لها وجه ايجابي وهو جلب نفع لم يكن، ووجه سلبي وهو دفع ضرر أو مفسدة. وهكذا بقية الأحكام بلا استثناء لا يخرج منها أي حكم كان سواء أكان من أحكام الاعتقادات أو العبادات أو غير ذلك. نعم، قد يجهل البعض تفاصيل المصلحة في حكم من الاحكام، ولكن هذا الجهل ليس بحجة على انتفاء المصلحة، فإن الانسان قد يجهل تفاصيل منفعة دواء ولكن جهله به لا يمنع من تحقيق المصحلة فيه، فإذا كان هذا واقعياً فيما يضعه انسان فكيف لا يكون فيما يضعه خالق الانسان؟ هذه واحدة. والثانية أن المصلحة المقصودة في التشريع الإسلامي لا تقتصر على مصالح الدنيا وانما تتجاوزها الى مصالح الآخرة أي إلى اعداد الانسان للظفر بالسعادة الدائمة بجوار الرب الكريم الرحيم.

19- (جـ) تشريع الرخص عند وجود المشقات في تطبيق الأحكام اذا كانت هذه المشقات فوق طاقة البشر المعتادة، من ذلك اباحة النطق بكلمة الكفر عند الاكراه عليها بالتهديد بالقتل ونحوه، واباحة المحرم عند الضرورة مثل أكل الميتة ولحم الخنزير عند التعرض للهلاك جوعا، واباحة الفطر في رمضان للمريض والمسافر. ولا شك ان دفع المشقة ضرب من ضروب رعاية المصلحة ودرء المفسدة عن الناس.

20- (د) عرف بالاستقراء والتأمل ان مصالح العباد تتعلق بأمور ضرورية أو حاجية أو تحسينية، فالاولى هي التي لا قيام لحياة الناس بدونها واذا فاتت حل الفساد وعمت الفوضى واختل نظام الحياة. وهذه الضروريات هي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.

أما الحاجيات فهي التي يحتاجها الناس لتحقيق اليسر والسعة في عيشهم وإذا فاتتهم لم يختل نظام الحياة ولكن يصيب الناس ضيق وحرج.

وأما التحسينيات فهي التي ترجع إلى محاسن العادات ومكارم الاخلاق واذا فاتت خرجت حياة الناس عن النهج القويم السليم الذي تقضي به الفطر السليمة والعادات الكريمة.

وأحكام الشريعة كلها تحقق وتحفظ مصالح الناس المتعلقة بالضروريات الحاجيات والتحسينات.

21- فبالنسبة للضروريات شرع للدين – لاقامته وتحقيقه – العبادات وشرع لحفظه الجهاد وعقوبة المرتد، وزجر من يفسد على الناس عقيدتهم والنفس شرع لإيجادها النكاح، وشرع لحفظها القصاص على من يعتدي عليها، وتحريم إلقاء النفس بالتهلكة ولزوم دفع الضرر عنها. والعقل شرع لحفظه تحريم الخمر وعقوبة شاربها. والنسل شرع لإيجاده الزواج، وشرع لحفظه عقوبة الزنى والقذف، وحرمة اجهاض المرأة الحامل. والمال شرع لتحصيله أنواع المعاملات من بيع وشراء ونحو ذلك، وشرع لحفظه حرمة أكل مال الناس بالباطل أو اتلافه بلا وجه سائغ مشروع، والحجر على السفيه، وتحريم الربا وعقوبة السرقة.

22- وبالنسبة للحاجيات شرعت لها الرخص عند المشقة، وشرع الطلاق للخلاص من حياة زوجية لم تعد تطاق. وشرعت الدية في القتل الخطأ على عاقلة القاتل.

23- وفي التحسينيات شرعت الطهارة للبدن والثوب، وستر العورة، وأخذ الزينة عند كل مسجد، والنهي عن بيع الانسان على بيع أخيه، والنهي عن قتل الاطفال والنساء في الحروب.

24- فاستقراء نصوص الشريعة يدل على أن الإسلام ما قصد بتشريعه الأحكام للناس إلا لحفظ هذه الضروريات والحاجيات والتحسينات، وهذه هي مصالحهم في الدنيا والآخرة. واذا تعارضت المفاسد والمصالح رجح أعظمها مصلحة أو أقلها مفسدة، فقتل القاتل مفسدة لان فيه تفويت حياته ولكنه جاز لان فيه مصلحة أعظم وهي حفظ حياة الناس. وكشف العورة مفسدة ولكن إذا احتيج اليها لإجراء عملية جراحية ضرورية، جاز الكشف لأن مصلحة حفظ النفس من الهلاك أكبر من مفسدة كشف العورة. وترك المحتكر دون اعتراض عليه أو منع له مصلحة له ولكن فيه مفسدة أكبر وهي الاضرار بالناس فشرع المنع من الاحتكار. والدفاع عن البلاد يعرض النفوس الى القتل وهذه مفسدة ولكن ترك الاعداء يدخلون بلاد المسلمين مفسدة أعظم من قتل النفوس فكان في دفعهم بقتالهم مصلحة أكبر من مفسدة هلاك النفوس في هذا القتال. وهكذا تجري أحكام الشريعة على نمط واحد هو جلب المصالح ودرء المفاسد.

25- وعلى هذا فكل مصلحة مشروعة حقيقية تظهر أو مفسدة تطرأ فان الشريعة الإسلامية تبيح ايجاد الحكم لتحقيق تلك المصلحة ودرء المفسدة في ضوء قواعد الاجتهاد المقررة في الفقه الإسلامي، لان الشريعة كما يقول الفقيه ابن القيم: "مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور وعن الرحمة الى ضدها وعن المصلحة الى المفسدة وعن الحكمة الى العبث فليست من الشريعة وان ادخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه".

ونخرج من جميع ما تقدم ان الشريعةالإسلامية وما جاءت به من احكام صريحة في نصوصها وما ابتني عليها من أحكام اجتهادية في ضوء موازين الاجتهاد الصحيح لا يمكن ابدا أن تضيق بحاجات الناس المشروعة ولا تعجز عن تحقيق مصالحهم الحقيقية في أي زمان ومكان.

الدليل الثاني: مبادئ الشريعة وطبيعة احكامها

26- أحكام الشريعة نوعان: (الاول) جاء بشكل قواعد ومبادئ عامة و (الثاني) جاء بشكل أحكام تفصيلية. وكلا النوعين جاء على نحو يوافق كل مكان وزمان ويتفق مع عموم الشريعة وبقائها. ولا بد من الكلام بايجاز عن كل نوع.

27- النوع الاول: القواعد والمبادئ العامة.

وردت في الشريعة قواعد ومبادئ عامة تتضمن أحكاما عامة يمكن بسهولة ويسر تطبيقها في كل مكان وزمان، وقد صيغت بكيفية تمكنها من سهولة هذا التطبيق ويسره، كما ان معناها الحق لا يمكن أن يتخلف عن أي مستوى عال يبلغه أي مجتمع. وبالتالي يتسع لكل مصلحة حقيقية جديدة للناس. كما ان هذه القواعد والمبادئ تعتبر كالاساس لما يقوم عليها من أحكام جزئية ولما يتفرع عنها من فروع فمن هذه القواعد والمبادئ:

28- أولاً: مبدأ الشورى.

وهو مبدأ أصيل من مبادئ الشريعة في نظام الحكم الإسلامي ووصف من أوصاف المسلمين في تجمعهم ومباشرتهم أمور الحكم والسلطان، قال تعالى: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ وقال تعالى لرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ﴿وشاورهم في الأمر﴾. إن هذا المبدأ أسمى وأعدل وأحكم قواعد الحكم الصالح بين البشر ولا يمكن الاستعاضة عنه بغيره، وقد جاء بدرجة كافية من العموم والمرونة بحيث يتسع لكل تنظيم صحيح يوضع لتطبيق هذا المبدأ وسيأتي شيء من التفصيل لهذا المبدأ عند الكلام عن نظام الحكم في الإسلام.

29- ثانياً: مبدأ المساواة.

وهو أيضاً من مبادئ الإسلام العظيمة، وله مظاهر كثيرة في جميع جوانب التشريع الإسلامي، منها المساواة أمام القانون، وفي تطبيق الأحكام، وفي المراكز القانونية اذا ما تساوى الاشخاص في الشروط التي يشترطها التشريع الإسلامي، ومساواة في التكاليف اذا تساوى الافراد في أسبابها الموجبة. ان هذا المبدأ العظيم طبق فعلا في واقع الحياة، وحرص النبي الكريم صلى الله عليه وسلم على تطبيقه، فقد جاء في السنة الشريفة أن امرأة من بني مخزوم سرقت فجاء اسامة بن زيد يستشفع لها عند رسول الله، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قال عليه الصلاة والسلام: انما أهلك الذين من قبلكم انهم كانوا اذا سرق فيهم الشريف تركوه واذا سرق فيهم الضعيف اقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".

ولا شك أن المساواة وما ابتني عليها وما تفرع عنها، قاعدة يهش لها العقل السليم وتتقبلها الفطرة السليمة وتستقيم بها الأمور وتنصلح الاحوال ومن ثم فهي صالحة في كل زمان ومكان.

30- ثالثاً: مبدأ العدالة.

العدالة في الإسلام مبدأ بارز، يظهر هذا البروز في الأمر بها والحكم بين الناس بموجبها، والالتزام بمقتضاها بالنسبة للقريب والبعيد، والعدو الصديق وفي المحكمة وفي السوق، وإدارة شؤون الدولة وفي البيت، وحتى فيما يعطيه الأب لاولاده. ان روح العدل وجوهره اعطاء كل ذي حق حقه واستعمال كل شيء في موضعه وهذا المعنى الواسع للعدل يحكم جميع تصرفات الانسان وعلاقاته بغيره وواجباته نحو غيره من بني الانسان.

ومن النصوص القرآنية الواردة في موضوع العدل قوله تعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنَّكم شنآن قوم على الا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾. ولا شك ان هذا المبدأ يضمن مصالح الناس ويتسع لكل تنظيم صحيح يحقق معنى العدالة والمقصود منها، فإذا رؤي ان تحقيق العدالة في القضاء يستلزم جعل المحاكم على درجتين ابتدائية واستئنافية، او ان المحكمة تؤلف من أكثر من حاكم واحد، أو تعيين هيئة تدقيقية لأحكام المحاكم "محكمة التمييز" فهذا ونحوه سائغ جائز ما دام فيه تحقيق العدالة في القضاء على وجه سليم.

31- رابعاً: قاعدة لا ضرر ولا ضرار.

وهي حديث نبوي ومعناها ان الضرر مرفوع بحكم الشريعة أي لا يجوز لاحد ايقاع الضرر بنفسه أو بغيره، كما أن مقابلة الضرر بالضرر لا يجوز لأنه عبث وإفساد لا معنى له، فمن أحرق مال غيره فلا يجوز للغير احراق مال المعتدي وانما له أن يطالبه بالتعويض. واذا كان الضرر ممنوعا فانه اذا وقع وجب رفعه، ولهذا جاءت قاعدة فرعية مبنية على هذه القاعدة هي "الضرر يزال". وهناك فروع وأحكام كثيرة بنيت على هذه القاعدة منها تقرير حق الشفعة، ومنع التعسف في استعمال الحق، وحق السلطة في اتخاذ الاجراءات الوقائية لمنع الضرر عن الناس كحجر المرضى والقادمين الى البلاد في محاجر خاصة، والتسعير في ظروف معينة... الخ.

32- النوع الثاني: الأحكام التفصيلية.

الأحكام التفصيلية في الشريعة الإسلامية كثيرة يطول شرحها وبيانها وفحصها لاظهار مدى قابليتها للبقاء والاستمرار، ولهذا نكتفي بأخذ "عينات" و "نماذج" من هذه الأحكام للتأمل فيها وفحصها والتحديق فيها ليتبين لنا مدى صلاحيتها للبقاء والعموم. إن أحكام الشريعة كما ذكرنا إما أن تتعلق بأمور العقيدة، أو بالأخلاق، أو بالعبادات أو بالمعاملات. وعلى هذا نأخذ بعض النماذج من كل مجموعة من هذه المجموعات.

33- فمن أحكام العقيدة وجوب الايمان بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم. ومسألة الايمان بالله ورسوله من المسائل البديهية التي يؤمن بها كل عقل سليم وكف فطرة سليمة، وعليها من الادلة والبراهين ما لا يوجد على غيرها من البديهيات. وقد قدمنا بعض ذلك اثناء كلامنا عن أركان الإسلام. وعلى هذا فلا يتصور مجيء زمان أو جيل من الناس يقال فيه: إن مسألة الايمان بالله وما يتفرع عنها من مسائل العقيدة أو مسألة الايمان بمحمد محمد صلى الله عليه وسلم أصبحت من المسائل العتيقة التي تناقض العصر ولا يقرها العقل، لان العقل لا ينكر الحقائق الثابتة وانما يؤكدها ويعمقها في النفس، ولأن شأن الحقائق الثابتة الخلود، والعقل يعترف ويقر بهذا الثبات. ولا شك ان الايمان بالله من الحقائق الثابتة الخالدة التي لا يمكن أن تتغير وتنقض في أي زمان فهي كمسألة واحد وواحد يساوي اثنين.

34- ومن أحكام العبادات وجوب الصلاة والصيام ونحو ذلك. ومسائل العبادة من لوازم الايمان بالله ومقتضاه، لانها تنظيم لعلاقة الفرد بخالقه والوفاء بحق هذا الخالق العظيم، والانسان لا ينفك عن صفة مخلوقيته لله في أي دهر من الدهور وفي أي زمن من الأزمان، وبالتالي لا ينفك عن وجوب أداء حق الله عليه ولا يستغني عن تنظيم علاقته بربه. والعبادات بعد هذا، وسيلة لتزكية النفس وطهارتها وحشوها بمعاني الحق وتخليتها من الكدورات وربطها بخالقها ودفعها إلى الخير ومنعها من الشر وقد أشار القرآن الكريم لبعض هذه المعاني في قوله تعالى: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾. ولا شك ان المجتمع سيكون سعيدا جدا اذا كثرت فيه النماذج البشرية التي صقلتها عبادات الإسلام، وسيكثر فيه الخير قطعا ويقل فيه الشر ان لم ينعدم، وفي ذلك كله تحقيق كبير لمصلحة الجماعة في كل زمان ومكان ومن ثم فأحكام العبادات لا بد منها في أي مجتمع انساني وبالنسبة لكل فرد في القرن العشرين أو في أي قرن بعده.

35- وأحكام الاخلاق كوجوب الصدق والوفاء والامانة والالتزام بالكلمة والتعاون على البر، وحرمة الكذب والغدر والخيانة والتعاون على الشر، والتحلل من المسؤولية، واستغلال النفوذ، والظلم، ونحو ذلك. أقول هذه الأحكام الاخلاقية بالوجوب والتحريم ضرورية لكل انسان ولكل مجتمع انساني يريد الصلاح والسداد. انه لا يغني عن الاخلاق أي تقدم في مجال الثقافة والعلوم، ان الازمة التي يمر بها العالم اليوم، والاضطراب في المجتمعات وسوء العلاقات بين الافراد مردها الى زعزعة القيم الاخلاقية في النفوس وتجاوزها فهي أزمة أخلاقية في جوهرها وأساسها. والشريعة في تأكيدها على الاخلاق لم تكن مسرفة في هذا التأكيد ولا مبالغة فيه لأنها أكدت على ما هو ضروري لاقامة قواعد الاصلاح على أساس متين ابتداء من النفس.. والاخلاق بعد هذا معان ثابتة يحتاجها الانسان السوي ولا يتصور ان يجيء يوم يقال فيه: إن الصدق والعدل والوفاء بالعهد وترك الظلم معان فاسدة عتيقة لم تعد صالحة لزماننا أو عصرنا اللهم الا اذا ارتد الانسان الى جاهلية جهلاء لم تصل اليها الجاهلية الاولى... وسيأتي مزيد من التفصيل للاخلاق فيما بعد.

36- والأحكام التفصيلية الأخرى المتعلقة بالمعاملات، أي بعلاقات الأفراد فيما بينهم، هي الاخرى صالحة للبقاء والعموم لان تفصيلها بني على أساس ان الحاجة اليها تبقى قائمة دائماً وأن غيرها لا يسد مسدها أبداً ولا يحقق مصلحة الناس على الوجه الذي تحققه.

37- فمن هذه الأحكام تنظيم الاسرة وكيفية الزواج وحق الحضانة والولاية والنسب والميراث، والطلاق، والنفقة ونحو ذلك من شؤون الاسرة. وكل هذه الأحكام جاءت على نحو صالح واف كاف لتحقيق الخير والصلاح للناس ولا يمكن الاستعاضة عنها بأحسن منها، فالنكاح جاء تنظيمه غاية في البساطة وخاليا من الشكلية والطقوس فيكفي فيه ايجاب من الرجل وقبول من المرأة بحضور شهود وبرضى ولي المرأة صيانة لهذا العقد الشريف الكريم من الابتذال والخداع، ولا يشترط لصحة النكاح أن يكون على يد شخص معين أو في مكان معين أو بكيفية خاصة أو بلغة معينة أو بتراتيل معينة، فهذه الكيفية البسيطة للنكاح يؤهله للبقاء والعموم ولا يتصور العقل خيرا منها.

وتشريع الطلاق هو الشيء الطبيعي المعقول اذ لا يصح اجبار شخصين على ابقاء الرابطة الزوجية بالرغم من قيام ما يدعو إلى انفصالها وانما المعقول أن تباح الفرقة بينهما ليذهب كل واحد إلى سبيله ويجرب حظه في شركة أخرى وزوجية جديدة. ولهذا أباحت الدول الغربية الفرقة بين الزوجين بالرغم من تحريمه بزعمهم في الديانة النصرانية. ولا يقال لماذا اعطي للزوج حق الطلاق ومنعت منه المرأة، لاننا نقول ان للمرأة ان تشترط لنفسها حق الطلاق في عقد الزواج اذا شاءت وهذا شرط معتبر، كما لها أن تطلب التفريق من المحكمة إذا مسها ضرر من الزوج لا يمكن تلافيه إلا بإيقاع الفرقة بينهما.

وتنظيم الميراث وتحديد انصبة الورثة جاء على شكل ممتاز لوحظ فيه مختلف الاعتبارات كقرب الوارث وحاجته وتفتيت الثروة وتوزيعها مما يجعل هذا التنظيم وما بني عليه من أسس واعتبارات صالحا لكل زمان ومكان.

38- وتحريم الربا، وهو حكم يخص المعاملات المالية، حكم تفصيلي غير قابل للتبديل والنسخ، لان مفاسد الربا واضراره ذاتية فيه لا تنفك عنه ابدا ومن مظاهره انحلال المجتمع وفساده واستساغته للظلم وفقدان التعاون الاجتماعي بين افراده. وعلاج مثل هذا المجتمع الفاسد يكون باصلاحه جذريا لا بترك فساده واعوجاجه وتشريع الأحكام الملائمة لهذا الفساد والاعوجاج.

39- والعقوبات في الشريعة جاءت مفصلة لعدد من الجرائم وهي الردة، والزنى، والقذف، والسرقة، وقطع الطريق، وشرب الخمر، وقتل النفس. اما الجرائم الأخرى فقد تركت الشريعة تقدير عقوبتها الى القاضي وتسمى الجرائم التعزير، وعقوبتها تسمى عقوبات التعزير. والعقوبات المقدرة كلها خير وصلاح وعدل ووقاية للمجتمع من الشرور والمفاسد ولا يستغني أي مجتمع فاضل عنها، لأنها بنيت على أساس العدالة وتحقيق الزجر الكافي للمجرم وحفظ مصلحة الفرد والجماعة. فعقوبة الردة بنيت على اصلين: (الاول) اخلال المسلم بالتزامه بأحكام الإسلام (الثاني) درء المفسدة عن المجتمع. وبيان ذلك أن الفرد بإسلامه التزم بأحكام الإسلام وأصوله وعدم الخروج عليها أو هدمها، فإن فعل ذلك مخلاً بالتزامه فيناله جزاء هذا الاخلال. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فان في الردة واعلانها مفسدة للجماعة واضرارا بها مع التعمد وسبق الاصرار، لان المرتد ما كنا نعرفه لولا اعلان ردته المتعمدة قاصدا من وراء ذلك تشكيك الناس في عقائدهم واحداث الاضطراب فيما بينهم وزعزعة كيان الدولة التي اتخذت الإسلام أساسا لها في قيامها وبقائها وأهدافها.

فكان لا بد من عقوبة زاجرة لمنع هذا الفساد عن الناس وعن الدولة ذاتها التي اتخذت الإسلام أساسا لها كما قلنا. وعقوبة الزنى بنيت على أساس رعاية الأخلاق ومنع افسادها للفرد والأسرة والمجتمع كشيوع الامراض واختلاط الانساب وخراب البيوت والعزوف عن الزواج وما إلى ذلك. والشريعة من أصولها وأهدافها العناية بالاخلاق ومنع الفساد عن الناس ولا شك ان المجتمع الفاضل يرحب بهذه العقوبة ولا يضيق بها ولا يجد فيها الا الخير والمصلحة وزجر المفسدين الذي يريدون التلهي والعبث بأعراض الغير.

وعقوبة السرقة – وهي قطع اليد – هي العلاج الحاسم لقطع دابر هذا الاعتداء على أموال الغير، وإشاعة الطمأنينة في نفوس الناس. ان قطع يد واحدة ثمن قليل جدا لتحقيق طمأنينة المجتمع. ان قطع اليد الخائنة المجرمة كقطع اليد المتآكلة التي يقرر الطبيب وجوب قطعها لسلامة الجسد. ان عقوبة السجن للسراق ما ردعت وما قللت حوادث السرقة، ولكن عقوبة قطع اليد ردعت في الماضي المجرمين عن السرقات، ولا تزال هذه العقوبة قادرة على الردع والزجر في الوقت الحاضر، وكون هذه العقوبة قديمة لا يقدح في صلاحها، فليس كل قديم فاسداً ولا كل جديد صالحا لان صلاح الشيء يستفاد من ذاته ومدى نفعه لا من جدته وقدمه.

وعقوبة القتل العمد في الشريعة الإسلامية هي القصاص أي قتل الجاني. والقصاص حق لاهل المجني عليه فلهم ان يطلبوه ولا يسع المحكمة الامتناع عن اجابتهم، كما لهم أن يعفوا ويتصالحوا مع القاتل على الدية. وفي حالة العفو أو المصالحة يجوز للمحكمة أن تعاقب القاتل عقوبة تعزيرية بالحبس أو الجلد، فهذا التنظيم لعقوبة القتل العمد تنظيم كامل لم يغفل جانب الطبيعة البشرية وما جبلت عليه من حب أخذ الثأر من الجاني وانزال القصاص العادل به، كما لم يغفل جانب المجتمع ومصلحته.

فجميع العقوبات الفصيلية قامت على معان واوصاف ثابتة لا تتغير ومن ثم فهي صالحة لكل مجتمع فاضل يريد ان يعيش بأمان واطمئنان.

40- أما عقوبات التعزير، وهي بالنسبة لجميع الجرائم التي لم تحدد الشريعة لها عقوبات، فالقاضي في تحديده العقوبة يلاحظ مدى جسامة ضررها بالمجتمع، وسوابق المجرم، وظروفه التي دفعته الى الاجرام، إلى غير ذلك من الأمور ويقرر بعد ذلك العقوبة المناسبة في ضوء قوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ ولا شك أن نظام التعزير نظام مرن في الشريعة يمكنها من مواجهة مختلف الحالات التي يلزم فيها العقاب، وبالتالي يكون صالحا لكل زمان ومكان.

41- الدليل الثالث: مصادر الأحكام

مصادر الأحكام الشرعية، نوعان: (الاول) مصادر أصلية وهي الكتاب والسنة النبوية (الثاني) مصادر تبعية قامت على المصادر الاصلية كالاجماع والاجتهاد بأنواعه المختلفة كالقياس والاستحسان والمصلحة المرسلة.

وهذه المصادر كلها تجعل الشريعة الإسلامية في غاية القدرة والاستعداد والاهلية للبقاء والعموم، بحيث لا يحدث شيء جديد الا وللشريعة حكم فيه، إما بالنص الصريح أو بالاجتهاد الصحيح، وبالتالي لا تضيق الشريعة بالوقائع الجديدة وبالتالي لا تضيق بحاجات الناس ومصالحهم.

42- ومن جميع ما تقدم من أدلة وبراهين يظهر لنا بغاية الوضوح ان الشريعة الإسلامية شريعة فيها كل مقومات العموم المكاني والزماني، ومن ثم فهي صالحة للجميع وفي جميع الازمان، وهذا من فضل الله على بني الانسان.

المبحث الرابع - الخصيصة الرابعة

الجزاء في الإسلام

43- أحكام الإسلام، ليست نصائح وارشادات خالية من الثواب والعقاب. إنها ارشادات ونصائح حقاً ولكن لها ثواب حسن ينال الملتزم بها، ولها عقاب يصيب المخالف لها، على درجات متفاوتة في العقاب والثواب.

والأصل في أجزية الإسلام وعقوباته انها في الآخرة لا في الدنيا، ولكن مقتضيات الحياة وضرورة استقرار المجتمع وتنظيم علاقات الافراد على نحو واضح مؤثر وضامن لحقوق الناس كل ذلك دعا الى ان يكون الجزاء الاخروي جزاء دنيوي، أي مع العقاب الاخروي عقاب توقعه الدولة في الدنيا على المخالف لأحكام الإسلام.

ونطاق الجزاء في الإسلام واسع شامل شمول الإسلام لجميع شؤون الحياة ومن ثم فأجزية الإسلام تتعلق بأمور العقيدة والاخلاق والعبادات والمعاملات. فكل مخالفة لهذه الأمور لها جزاؤها في الآخرة وقد يكون لها جزاء في الدنيا أيضاً.

والجزاء في الدنيا لا يمنع الجزاء في الآخرة عن المخالف العاصي الا اذا اقترنت معصيته بالتوبة النصوح والتوبة النصوح تقوم على الندم على ما اقترفه الانسان، وعلى العزم الاكيد على عدم العودة إلى هذه المخالفة، وعلى التحلل من حقوق الغير اذا كانت معصية تتعلق بهذه الحقوق.

وقد ترتب على هذا الجزاء الاخروي خضوع المسلم لأحكام الشريعة خضوعاً اختيارياً في السر والعلن خوفاً من عقاب الله، وحتى لو استطاع الافلات من عقاب الدنيا، لان العقاب الاخروي ينتظره ولا يستطيع الافلات منه. ولهذا اذا ارتكب المسلم جريمة أو معصية في غفلة من ايمانه طلب إقامة العقوبة عليه بمحض اختياره، فهذا ماعز اعترف أمام الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بجريمة الزنى وطلب إقامة الحد "العقوبة" عليه. وهكذا تنزجر النفوس من مخالفة القانون الإسلامي اما بدافع الاحترام له والحياء من الله تعالى واما بدافع الخوف من العقاب الآجل الذي ينتظر المخالفين ﴿يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً﴾ ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره﴾ وفي هذا وذاك أعظم ضمان لزجر النفوس عن المخالفة والعصيان.

المبحث الخامس - الخصيصة الخامسة

المثالية والواقعية

تمهيد

44- من خصائص الإسلام انه يحرص على ابلاغ الانسان أعلى مستوى ممكن من الكمال وهذه هي مثالية الإسلام. ولكنه لا يغفل عن طبيعة الانسان وواقعه وهذه هي واقعية الإسلام. فلا بد من الكلام عن هاتين الناحيتين في مطلبين متتاليين.

المطلب الأول - المثالية في الإسلام

المقصود بالمثالية

45- قلنا ان الإسلام يحرص على إبلاغ الانسان الكمال المقدور له، وهذا يكون بجعل تصرفاته وأقواله وأفعاله وتروكه وقصوده وأفكاره وميوله وفق المناهج والأوضاع والكيفيات التي جاء بها الإسلام، وقد تحقق ذلك كله في رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك أمرنا الله تعالى بالتاسي به ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ وقوام هذه المثالية الاعتدال والشمول.

أولاً: الاعتدال

46- ونقصد بالاعتدال عدم الافراط والتفريط في أي شيء واعطاء كل ذي حق حقه. يدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً﴾ وقال تعالى: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً﴾ وقال صلى الله عليه وسلم: "خير الامور أوسطها".

47- والاعتدال مطلوب حتى في العبادات فلا ينبغي للمسلم أن يرهق نفسه أو يؤذي جسده، يدل على ذلك ما أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أنس رضي الله عنه، قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت ازواج رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته. فلما أخبروا كأنهم تقالوها، قالوا: أين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم أما أنا فأصلي الليل ابدا وقال الآخر وانا أصوم الدهر ولا أفطر وقال الآخر وانا اعتزل النساء ولا أتزوج ابداء فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال انتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله اني لاخشاكم لله واتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".

48- وتعذيب الجسد وتحميله ما لا يطيق ليس من مناهج الإسلام ووسائله لبلوغ الكمال المنشود، اذ ليس من لوازم هذا الكمال أو مقتضياته فعل ذلك، ولا من مقاصد الإسلام تعذيب الجسد لا قصد الغايات ولا قصد الوسائل، ومن ظن ذلك فهو واهم فان مثالية الإسلام يمكن بلوغها بنهج معتدل وسير مريح، وان الخروج عن هذا النهج يضعف الجسد ويقعد به عن اداء الفرائض فضلا عن النوافل، ومن خرج عن هذا النهج وجب رده اليه، جاء في الحديث ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قائما في الشمس فسأل عنه فقالوا: يا رسول الله انه نذر ان يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم. فقال عليه الصلاة والسلام: "مروه فليتكلم وليقعد وليتم صومه". فالصوم مطلوب، ولكن الوقوف في الشمس حيث يمكن الوقوف في الظل غير مطلوب ولا معنى فيه، وكذلك الصمت الدائم طيلة النهار لا داعي له ولا فائدة فيه. وسر المسألة ان الجسد مركب الروح وليس من الحكمة خرق المركب أو اضعافه، والجسد مستقر الروح ومسكنها وليس من المصلحة تخريبه ولا من الكمال المنشود هضمه حقه، وان الروح هي الاخرى لها حق في الراحة والاستجمام لا يجوز التفريط فيه، جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري عن أنس رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فاذا حبل ممدود بين الساريتين فقال "ما هذا" قالوا: حبل لزينب فإذا فترت تعلقت به. فقال لا، حلوه. ليصل أحدكم نشاطه فاذا فتر فليقعد".

وفي وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان بن مظعون "فان لأهلك عليك حقاً وإن لضيفك عليك حقاً فصم وافطر وصل ونم".

49- وحرمان الانسان نفسه أو جسده من الطيبات والمتع الحلال ليس من منهاج الإسلام في بلوغ الكمال، وانما منهاجه في الاعتدال، فاذا وجد الانسان أو تيسر له شيء من الطيبات بطريق الحلال أخذه وتناوله ولا يقدح ذلك في تعلقه بمثالية الإسلام، وإذا لم يجده لم يأس عليه وهكذا كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي كتاب الله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين﴾ ﴿وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون﴾ فالمطلوب لبلوغ الكمال تقوى الله وليس تحريم الطيبات وحرمان الجسد أو النفس منها.

50- ومع هذا فقد يسوغ أو يندب أو يجب أخذ الانسان نفسه بالشدة وخشونة العيش ورضاه بالضيق إذا كان ذلك لغرض مشروع أو مقصد نبيل أو لسبب مقبول، كما لو كان المسلم في مقام القدوة، أو بسبب ايثار الغير على نفسه، أو بسبب امتناعه عما لا يجوز له فتعرض الى ما ذكرنا. وعلى هذا الاساس يجب أن نفهم سيرة أسلافنا الصالحين وما روي عنهم من أخذ نفوسهم بالشدة وامتناعهم عن كثير من طيبات العيش ونعومته.

ثانيا- الشمول

51- والمثالية في الإسلام تتصف بالشمول، لان الإسلام يريد من المسلم ان يبلغ الكمال المقدور له بتناسق وفي جميع شؤونه، فلا يقبل على جانب واحد أو عدة جوانب ويبلغ فيها المستوى العالي من الكمال، بينما يهمل الجوانب الاخرى حتى ينزل فيها إلى دون المستوى المطلوب، ان مثله مثل من يقوي يديه ويترك سائر اعضائه رخوة هزيلة ضعيفة. وعلى هذا الاساس فهم الصحابة الكرام مثالية الإسلام فلم تأسرهم عبادة ولم تقيدهم عادة، وإنما تقلبوا في جميع العبادات والأحوال وبلغوا فيها المستوى العالي من الكمال، فلم يحبسوا نفوسهم في مكان ولا على نوع من العبادة ولا على نمط معين من الاعمال، وانما باشروا الجميع، فعند الصلاة كانوا في المسجد يصلون، وفي حلقات العلم يجلسون معلمين أو متعلمين، وعند الجهاد يقاتلون، وعند الشدائد والمصائب يواسون ويساعدون، وهكذا كان شأنهم في جميع الاحوال.

المطلب الثاني - الواقعية في الإسلام

52- والإسلام لا يغفل طبيعة الانسان وتفاوت الناس في مدى استعدادهم لبلوغ المستوى الرفيع الذي يرسمه لهم، وفي ضوء هذا النظر الواقعي جعل الإسلام حدا أدنى أو مستوى أدنى من الكمال لا يجوز الهبوط عنه لان هذا المستوى ضروري لتكوين شخصية المسلم على نحو معقول ولانه أقل ما يمكن قبوله من المسلم ليكون في عداد المسلمين ولانه وضع على نحو يستطيع بلوغه أقل الناس قدرة على الارتفاع إلى مستوى الكمال. إن هذا المستوى الادنى يتكون من جملة معاني يجب القيام بها وهي المسماة بالفرائض، كما يشمل جملة معان يجب هجرها وهي المسماة بالمحرمات. ان هذه الفرائض والمحرمات جعلت بقدر طاقة أقل الناس استعدادا لفعل الخير وابتعادا عن الشر ومن ثم يستطيع كل واحد الوفاء بمقتضاه، ولا يعذر في التخلف عنها. ولكن بجانب هذا المستوى الالزامي الواجب بلوغه على كل مسلم، وضعت الشريعة مستوى آخر أرفع منه وأوسع منه وحببت إلى الناس بلوغ هذا المستوى العالي، فإلزامهم به ارهاق لهم وحرج شديد، والحرج في شرع الإسلام مرفوع لانه يخالف نظرة الإسلام الواقعية قال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ وقال تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾.. وهذا المستوى العالي يشمل المندوبات التي ترغب الشريعة في القيام بها، والمكروهات التي ترغب الشريعة في ترك المسلم لها.

وهذان المستويان الأدنى والأعلى موجودان في تشريعات الإسلام، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يأتي:

أولاً: الصلاة: منها ما هو فرض، ومنها ما هو مندوب، فالاول يدخل في معاني المستوى الادنى، والثاني يدخل في معاني المستوى الاعلى، وفيه جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى في كل يوم اثنتي عشرة ركعة تطوعا غير الفريضة الا بنى الله له بيتا في الجنة".

ثانياً: الصيام: الفرض منه صيام شهر رمضان، وهذا من معاني الحد الادنى المطلوب، وصيام ست من شوال، وأيام البيض من كل شهر، وصوم الاثنين والخميس من معاني المستوى الاعلى.

ثالثاً: الحج: فرضه مرة في العمر، وما زاد فتطوع وهو من معاني المستوى الاعلى.

رابعاً: وفي انفاق المال في سبيل الله، فريضة الزكاة، قال تعالى: ﴿أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ وفي صدقة التطوع يقول الله تعالى: ﴿وما تنفقوا من خير فلانفسكم وما تنفقون الا ابتغاء وجه الله، وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون﴾.

خامساً: وفي القتل العمد شرع القصاص قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ فلاهل القتيل المطالبة به، وهذا حقهم، ولا تثريب عليهم فيه، ولكن الإسلام ندب إلى العفو، وهو من معاني المستوى الأعلى، وفيه قال تعالى في نفس الآية: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾.

سادساً: وفي الاعتداء بصورة عامة تجوز المعاقبة بالمثل، والعفو والصبر أفضل، وهما من معاني المستوى الاعلى، قال تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين﴾.

سابعاً: وفي البيوع والأشربة: حبب الإسلام للمسلم أن يكون سهلاً في بيعه وشرائه ومقاضاته، وهذه كلها من معاني المستوى الاعلى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى".

ثامناً: الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. فرض كفائي يجب وجوده في الامة، ويسوغ تركه باليد واللسان والاكتفاء بانكار القلب بالنسبة لحاكم ظالم طاغية لا يتسع صدره لسماع النصيحة ويقتل من يأمره أو ينهاه، ولكن من المندوب إليه قيام المسلم بأمره ونهيه وان أدى ذلك إلى قتله، وهذا من معاني المستوى الأعلى يدل على ذلك الحديث الشريف: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قال كلمة حق لسلطان جائر فقتله". ولا يعترض علينا هنا بان القاء الانسان نفسه في التهلكة لا يجوز، وهذه تهلكة، قال تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ لأننا نقول: إن الاستشهاد في سبيل الله مكرمة لا تهلكة، وان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد أو باللسان ضرب من ضروب الجهاد المشروع، لما يترتب عليه من تقوية نفوس المحقين وخذلان المبطلين وايقاف الظالمين عند حدودهم.

تاسعاً: والكلام بالباطل حرام يجب تركه، والترك هنا من معاني المستوى الادنى، والثرثرة وكثرة الكلام بما لا يفيد ولا ينفع مكروه وان لم يكن فيه باطل، جاء في الحديث الشريف: "إن الله يكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال" فالكلام الكثير بما لا ينفع مكروه وتركه افضل وهذا من معاني المستوى الاعلى.

عاشراً: والاكراه على الكفر بالتهديد بالقتل يسوغ للمكره أن يقول كلمة الكفر بشرط اطمئنان القلب بالايمان رخصة من رخص الإسلام وهي من معاني الحد الادنى قال تعالى: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ والمندوب اليه عدم قوله الكفر وان ادى ذلك إلى قتله وهذا من معاني المستوى الأعلى.

53- ولا تقف واقعية الإسلام عند الحد الذي ذكرناه وهو وضعه مستويين للكمال، أدنى وأعلى، وانما تظهر واقعية الإسلام في أمر آخر هو ايجاد المخارج المشروعة للمسلم في أوقات الشدة والضيق، وعدم الزامه بما كان لازما له أو واجبا عليه، أو محرما عليه في الاوقات العادية، وعلى هذا الاساس جاءت الرخص كلها وجاءت القاعدة الفقهية "الضرورات تبيح المحظورات" لأن النفوس قد لا تقوى على الاستمرار بما يريده الإسلام في الظروف القاسية والأحوال الاضطرارية فتقع في المعصية فخفف الإسلام عنها بما شرعه من رخص ومنها اباحة أكل الميتة عند الجوع الشديد الذي يخاف فيه تلف النفس، واباحة ترك الواجب مثل الفطر في رمضان للمريض والمسافر، واباحة الصلاة للمريض وهو قاعد اذا كان لا يقوى على الوقوف.

54- وبهذه المثالية والواقعية في الإسلام يستطيع المسلم ان يحقق لنفسه الكمال المقدور له بيسر واعتدال وشمول وبما يوافق الفطرة دون ارهاق ولا حرج ولا انعزال عن الحياة وأهلها.

الفصل الرابع - أنطِمَة الإسْلام المبحث الأول - نظام الأخلاق في الإسْلام

تمهيد

1- قلنا في خصائص الإسلام أنه شامل، ومن مظاهر شموله، أحكامه المتعلقة بالأخلاق وبعلاقات الناس فيما بينهم، وهذه الاحكام تكوّن كل مجموعة منها نظاما خاصا في موضوع خاص، مثل احكام الأخلاق، تكوّن نظام الاخلاق في الإسلام ومثل احكام الأسرة وهي المتعلقة بالأسرة وأفرادها وهي تكون نظام الأسرة وهكذا.

ونحن في هذا الفصل نذكر أهم أنظمة الإسلام ونبين معالمها البارزة بما يجليها بالقدر الذي يحتاجه الداعية الى الاسلام. ان بياننا هذا لأنظمة الاسلام سيكون بحدود ما جاء به الاسلام لا نزيد عليه شيئا ولا ننقص منه شيئا ولا نطوعه لما نريد، فالمسلم دائما يقف وراء الإسلام ولا يتقدم عليه.

وعلى هذا سنقسم هذا الفصل الى مباحث، ونفرد لكل نظام مبحثا على حدة على النحو الآتي:

المبحث الأول – نظام الأخلاق.

المبحث الثاني – نظام المجتمع.

المبحث الثالث – نظام الافتاء.

المبحث الرابع – نظام الحسبة.

المبحث الخامس – نظام الحكم.

المبحث السادس – نظام المال أو نظام الاقتصاد.

المبحث السابع – نظام الجهاد.

المبحث الثامن – نظام الجريمة والعقاب.

المبحث الأول - نظام الأخلاق في الإسْلام

تعريف الأخلاق

2- الخلق في اللغة الطبع والسجية، وفي اصطلاح العلماء، كما يعرفه الغزالي – عبارة عن هيئة في النفس راسخة، عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة الى فكر وروية[1].

ويمكننا تعريف الاخلاق بأنها مجموعة من المعاني والصفات المستقرة في النفس وفي ضوئها وميزانها يحسن الفعل في نظر الإنسان أو يقبح، ومن ثم يقدم عليه أو يحجم عنه.

أهمية الأخلاق

3- للأخلاق أهمية بالغة لما لها من تأثير كبير في سلوك الإنسان وما يصدر عنه، بل نستطيع أن نقول: إن سلوك الإنسان موافق لما هو مستقر في نفسه من معان وصفات، وما أصدق كلمة الإمام الغزالي إذ يقول في احيائه "فان كل صفة تظهر في القلب يظهر أثرها على الجوارح حتى لا تتحرك الا على وفقها لا محالة" فافعال الإنسان، إذن موصولة دائما بما في نفسه من معان وصفات صلة فروع الشجرة بأصولها المغيبة في التراب. ومعنى ذلك أن صلاح أفعال الانسان بصلاح اخلاقه، لأن الفرع بأصله، إذا صلح الاصل صلح الفرع، وإذا فسد الاصل فسد الفرع ﴿والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً﴾ [الاعراف: 58]. ولهذا كان النهج السديد في إصلاح الناس وتقويم سلوكهم وتيسير سبل الحياة الطيبة لهم أن يبدأ المصلحون باصلاح النفوس وتزكيتها وغرس معاني الاخلاق الجيدة فيها ولهذا أكد الاسلام على صلاح النفوس وبين أن تغيير أحوال الناس من سعادة وشقاء ويسر وعسر، ورخاء وضيق، وطمأنينة وقلق، وعزّ وذل كل ذلك ونحوه تبع لتغيير ما بأنفسهم من معان وصفات، قال تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾.

4- وتظهر أهمية الأخلاق أيضا من ناحية أخرى، ذلك أن الإنسان قبل أن يفعل شيئا أو يتركه يقوم بعملية وزن وتقييم لتركه أو فعله في ضوء معاني الأخلاق المستقرة في نفسه فاذا ظهر الفعل أو الترك مرضيا مقبولا انبعث في النفس رغبة فيه واتجاه اليه ثم اقدام عليه، وإن كان الأمر خلاف ذلك انكمشت النفس عنه وكرهته واحجمت عنه تركا كان أو فعلا. إن عملية الوزن هذه قد تكون سريعة جداً وغير محسوس بها إلى درجة أن الإنسان قد يفعل الشيء أو يتركه بدون روية أو تفكير، وفي بعض الأحيان لا تتم عملية الوزن والتقييم إلا بعد تأمل ومضي وقت طويل، وقد لا تتم هذه العملية فيقع الإنسان في التردد بين الفعل والترك. ولكن في جميع الأحوال لا بدّ من عملية الوزن والتقييم لكل فعل أو ترك بلا استثناء.

او وزن الأفعال والتروك بميزان الأخلاق، وصحة هذا الوزن أو فساده، ومدى التزام الإنسان بمقتضاه، وتنفيذه له، كل ذلك يتوقف على نوع المعاني الأخلاقية التي يحملها من حيث جودتها أو ردائتها، ومدى رسوخها في نفسه وانصباغها بها وحماسه لها وغيرته عليها وشعوره بضرورتها اليه، فلا يكفي لظهور أثر الأخلاق في فعل الإنسان وتركه أن يعرف الإنسان الجيد والرديء من الأخلاق ويخزن هذه المعرفة في رأسه ويتكلم بها في المناسبات بل لا بد من انصباغ كيانه بها ورسوخها في أعماق نفسه بحيث تصير له كاللون الأسود والأبيض بالنسبة للبشرة السوداء أو البيضاء، وأن تكون حاضرة في ذهنه مسيطرة على سلوكه متحمساً لها غيوراً عليها الى درجة الإيمان بأن الحياة لا تصلح عوضا للتفريط بمعنى من معاني الاخلاق الفاضلة الاسلامية التي يحملها... ومن أجل هذا أكد الاسلام على معاني الاخلاق المطلوبة وشوق اليها، وحث النفوس عليها، وكررها وأعادها حتى يتذكرها المسلم دائما وينصبغ بها، فيكون أثرها واضحاً في سلوكه..

مكانة الاخلاق في الإسلام

5- للأخلاق في الإسلام مكانة عظيمة جداً، تظهر من وجوه كثيرة، نذكر منها ما يأتي:

أولاً: تعليل الرسالة بتقويم الأخلاق وإشاعة مكارم الأخلاق، جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

ثانياً: تعريف الدين بحسن الخلق فقد جاء في حديث مرسل أن رجلا جاء الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: ما الدين؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : "حسن الخلق".

وهذا يعني أن حسن الخلق ركن الاسلام العظيم الذي لا قيام للدين بدونه، كالوقوف في عرفات بالنسبة للحج، فقد جاء في الحديث الشريف "الحج عرفة" أي أن ركن الحج العظيم الذي لا يكون الحج الا به الوقوف في عرفات.

ثالثاً: من أكثر ما يرجح كفة الحسنات يوم الحسنات يوم الحساب حسن الخلق، جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم "أثقل ما يوضع في الميزان يوم القيامة تقوى الله وحسن الخلق".

رابعاً: المؤمنون يتفاضلون في الايمان، وأفضلهم فيه احسنهم أخلاقاً، جاء في الحديث: قيل يا رسول الله أي المؤمنين أفضل ايماناً؟ قال: "أحسنهم خلقاً".

خامساً: ان المؤمنين يتفاوتون في الظفر بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقربهم منه يوم القيامة، واكثر المسلمين ظفرا بحب رسول الله والقرب منه اولئك المؤمنون الذين حسنت اخلاقهم حتى صاروا فيها أحسن من غيرهم جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم "أن أحبكم اليّ واقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا".

سادساً: ان حسن الخلق أمر لازم وشرط لا بد منه للنجاة من النار والفوز بالجنان، وان التفريط بهذا الشرط لا يغني عنه حتى الصلاة والصيام، جاء في الحديث أن بعض المسلمين قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن فلانة تصوم النهار وتقومن الليل وهي سيئة الخلق تؤذي جيرانها بلسانها، قال: لا خير فيها هي من أهل النار".

سابعاً: ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ربه بأن يحسّن خلقه – وهو ذو الأخلاق الحسنة – وأن يهديه لأحسنها، فقد كان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه "اللهم حسنت خَلقي فحسن خُلقي" ويقل: "اللهم اهدني لأحسن الأخلاق فانه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها فأنه لا يصرف عني سيئها إلا أنت" ومعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدعو إلا بما يحبه الله ويقربه منه.

ثامناً: مدح الله تعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بحسن الخلق، فقد جاء في القرآن الكريم ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ والله تعالى لا يمدح رسوله الا بالشيء العظيم مما يدل على عظيم منزلة الأخلاق في الإسلام.

تاسعاً: كثرة الآيات القرآنية المتعلقة بموضوع الأخلاق، أمراً بالجيد منها، ومدحا للمتصفين به، ومع المدح الثواب، ونهيا عن الرديء منها وذم المتصفين به، ومع الذم العقاب، ولا شك أن كثرة الآيات في موضوع الأخلاق، يدل على أهميتها، ومما يزيد في هذه الأهمية أن هذه الآيات منها ما نزل في مكة قبل الهجرة، ومنها ما نزل في المدينة بعد الهجرة، مما يدل على أن الأخلاق أمر مهم جداً لا يستغني عنه المسلم وان مراعاة الأخلاق تلزم المسلم في جميع الأحوال فهي تشبه أمور العقيدة من جهة عناية القرآن بها في سورة المكية والمدنية على حد سواء.

خصائص نظام الأخلاق في الإسلام

6- يتميز نظام الاخلاق في الإسلام بجملة خصائص، منها، تفصيل الأخلاق، وشمولها، ولزومها في الوسيلة والغاية، وارتباطها بمعاني الإيمان والتقوى، ووقوع الجزاء فيها ونبين فيما يلي هذه الخصائص بايجاز:

التعميم والتفصيل في الأخلاق

7- دعا الإسلام إلى الأخلاق الكريمة دعوة عامة، من ذلك ما جاء في القرآن الكريم: ﴿وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن، إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدواً مبيناً﴾ والقول بما هو أحسن دعوة عامة للقول الطيب المطلوب بجميع أنواعه في مخاطباتهم ومحاوراتهم. وفي قوله تعالى: ﴿... وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾ دعوة عامة للابتعاد عن رذائل الاخلاق. وفي السنة النبوية من هذه الدعوة العامة الى الأخلاق الشيء الكثير، ومن ذلك: "اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن" والخلق الحسن يجمع أنواع الاخلاق الحسنة. وفي الحديث "ان العبد ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم".

8- ولم يكتف الإسلام بالدعوة العامة الى التحلي بالأخلاق الجيدة والتخلي عن الأخلاق الرديئة وانما فصّل القول في الصنفين فبين أنواع كل صنف، والحكمة في هذا البيان المفصل توضيح معاني الأخلاق تحديدها لئلا يختلف الناس فيها وتتدخل الاهواء في تحديد المراد منها، ومن مظاهر رحمة الله بعبادة أن بين لهم ما يتقون وما يأخذون وما يتركون، ونذكر فيما يلي أمثلة على تفصيل الأخلاق في القرآن والسنة النبوية المطهرة.

أمثلة من القرآن على تفصيل الأخلاق

9- أ) الوفاء بالعهد: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً﴾.

ب) النهي عن القول بلا علم ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً﴾.

جـ) النهي عن مشية التبختر والتمايل كما يفعل المتكبرون، ﴿ولا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً﴾.

د) النهي عن الاسراف والتبذير والبخل والتقتير ﴿وآت ذا القربي حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً. إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً﴾. ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً﴾.

هـ) الامر بالعدل في جميع الاحوال وبالنسبة لجميع الناس حتى الكفار ﴿وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى﴾. ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا. اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾.

و) التعاون على البر والتقوى وما ينفع الناس، والنهي عن التعاون على البغي والعدوان ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان﴾.

ز) الظلم ظلمات يوم القيامة، وعاقبته وخيمة، وهو أنواع، أقبحها افتراء الكذب على الله، وتعدي حدود الله. والظالم مقطوع الصلة بالله فهو مخذول غير منصور، ومن أجل هذا نهى الاسلام عنه ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾ ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون﴾ ﴿تلك حدود الله فلا تعتدوها، ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون﴾ ﴿وما للظالمين من أنصار﴾.

ح) الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، فلا بد للمؤمن من صبر على طاعة الله وصبر على قضاء الله وبهذا يكون من المحسنين، ورحمة الله قريب من المحسنين، ولهذا أمر الاسلام بالصبر ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون﴾. ﴿واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾. ﴿فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون﴾.

ط) الصدق من علامات الايمان وثمراته، ولهذا أمر الإسلام به ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾. ﴿وقل ربي أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً﴾.

ي) الكذب رذيلة لا ينال صاحبها هداية الله، ويثمر النفاق في القلب ولهذا نهى الإسلام عنه وحذر منه ﴿إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب﴾. ﴿فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾.

ك) التكبر والعجب والبخل والفخر والرياء رذائل وأمراض تصيب القلب فتطمسه وتمحق نوره وتبعد صاحبها عن الله تعالى، ولهذا جاء النهي عنها ﴿ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور﴾. ﴿إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً. الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله واعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً. والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قريناً فساء قريناً﴾.

ل) الاعتدال في المشي بين البطيء والاسراع مطلوب من المسلم، وخفض الصوت وعدم رفعه بلا حاجة مطلوب أيضا من المسلم، ﴿واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الاصوات لصوت الحمير﴾.

م) الثبات على الحق والدوام على الطاعة والعبادة، أمور مطلوبة لأن الأمور بخواتيمها، وبدون الاستقامة والدوام والثبات على الحق تفوت الثمرة ولا يصل المسلم الى الغاية، وينقطع عن ركب الصالحين. ومن أجل هذا وجب على المسلم أن يكون على قدر كبير من الثبات على معاني الايمان والاستقامة عليها لينال الفوز والرضوان ﴿ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون...﴾.

ن) الجنة درا الطيبين، اعدها الله للمتقين الذين من اخلاقهم الحسنة الانفاق في جميع الأحوال في اليسر والعسر فينفقون بقدر ما لهم ولا يبخلون عن الانفاق ولو كان قليلاً، ومن أخلاقهم أنهم لا يستوفون كل حقوقهم من الناس بل يتركون منها لهم احساناً عليهم ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والطاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾.

س) النهي عن الغل والحقد: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم﴾.

ع) علاج الجاهل الإعراض عنه وتركه وشأنه، وبهذا أمر الاسلام ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾.

ف) ومن وصايا الإسلام الجامعة لعباده المؤمنين، في باب الأخلاق قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون. يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن اثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله ان الله تواب رحيم﴾[2]

ص) ومن الآيات التي جمعت كثيرا من أخلاق المؤمنين، وجعلت هذه الاخلاق علامة على ايمانهم قوله تعالى: ﴿قد افلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون. والذين عم عن اللغو معرضون[3]. والذين هم للزكاة فاعلون. والذين هم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين. فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون[4]. والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون. والذين هم على صلواتهم يحافظون. أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون[5]﴾. وكذلك قوله تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً[6] وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً[7]. والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً. والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراماً[8]. إنها ساءت مستقراً ومقاماً. والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً[9]. والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق آثاماً[10] يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً. إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً. ومن تاب وعمل صالحاً فإنه يتوب إلى الله متاباً. والذين لا يشهدون الزور[11] وإذا مروا باللغو مروا كراماً[12] والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صماً وعمياناً[13]. والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً[14] أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاماً. خالدين فيها حسنت مستقراً ومقاماً[15]﴾.

أمثلة من السنة النبوية على تفصيل الأخلاق

10- أ) في النهي عن الغضب، ان رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني قال: "لا تغضب".

ب) وفي الحياء، وردت أحاديث كثيرة منها: "الحياء لا يأتي الا بخير" "الحياء خير كله" "ان لكل دين خلقا وخلق الاسلام الحياء" "اذا لم تستح فاصنع ما شئت".

جـ) في التعاون، "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه".

د) في حقوق المسلم، والنهي عن بعض الأخلاق: "لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض. وكونوا عباد الله اخوانا. المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره، التقوى هاهنا – ويشير الى صدره الشريف ثلاث مرات – بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه".

هـ) النهي عن اخلاق المنافقين "آية المنافق ثلاث اذا حدث كذب واذا وعد أخلف واذا اؤتمن خان" "أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: اذا اؤتمن خان واذا حدث كذب، واذا عاهد غدر، واذا خاصم فجر".

و) في الحلم والاناة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاشج عبد القيس "ان فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله الحلم والاناة".

ز) في الرفق: "ان الله رفيق يحب الرفق في الامر كله".

ح) في الرياء والسمعة والاخلاص: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته الى الله ورسوله فهجرته الى الله ورسوله، ومن كانت هجرته الى دنيا يصيبها أوامرأة ينكحها فهجرته الى ما هاجر اليه".

ط) في النهي عن المراء والجدل:"من ترك المراء وهو محق بني له بيت في الجنة، ومن ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنة". "وما ضل قوم بعد أن هداهم الله الا أوتوا الجدل".

ي) في بذاءة اللسان: "ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء".

ك) في العجب والشح: "ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع واعجاب كل ذي رأي رأيه".

ل) ترك الكلام فيما لا يعنيك: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".

م) ترك فضول الكلام "طوبى لمن أمسك الفضل من لسانه وأنفق الفَضْلَ من ماله".

ن) وزن الكلمة بميزان الإسلام قبل النطق بها: "ان الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ به ما بلغت فيكتب الله بها رضوانه الى يوم القيامة وأن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ به ما بلغت فيكتب الله عليه بها سخطه الى يوم القيامة".

س) في الامانة والوفاء بالعهد: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له" وسأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم متى تقوم الساعة فقال له: "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة. فقال، وكيف إضاعتها قال اذا وسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة".

ع) في الصدق والكذب "عليكم بالصدق فان الصدق يهدي الى البر وان البر يهدي الى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً،وإياكم والكذب فان الكذب يهدي الى الفجور وان الفجور يهدي الى النار، وما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً".

ف) في القوة والعزيمة: "المؤمن القوي خير وأحب الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وان أصابك شيء فلا تقل لو اني فعلت كذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان".

ص) المتابعة في الخير لا في الشر: "لا يكن احدكم امعة، يقول: انا مع الناس ان أحسن الناس أحسنت وان أساؤوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن احسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا أن تتجنبوا إساءتهم".

ش) الحزم واليقظة: "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين".

ض) النهي عن الذل: "لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه...".

ط) في التوادد والتراحم والتعاطف: "مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

ثانياً – شمول الاخلاق

11- ومن خصائص نظام الأخلاق في الإسلام الشمول، ونعني به أن دائرة الأخلاق الإسلامية واسعة جداً فهي تشمل جميع أفعال الإنسان الخاصة بنفسه أو المتعلقة بغيره سواء أكان الغير فرداً أو جماعة أو دولة، فلا يخرج شيء عن دائرة الأخلاق ولزوم مراعاة معاني الأخلاق مما لا نجد له نظيراً في أية شريعة سماوية سابقة ولا في أية شريعة وضعية. ونذكر هنا على سبيل التمثيل فقط مدى مراعاة الاخلاق في علاقات الدولة الإسلامية مع غيرها من الدول ليتبين لنا مدى حرص الإسلام على التمسك بمعاني الأخلاق. ووجه اختيارنا هذه العلاقات هو ما شاع بين الناس، ويؤيده الواقع، ان العلاقات بين الدول لا تقوم على أساس مراعاة الأخلاق، حتى إن أحدهم قال: لا مكان للأخلاق في العلاقات الدولية. ولهذا كان الخداع والتضليل والغدروالكذب من البراعية في السياسة. إن الإسلام يرفض هذا النظر السقيم، ويعتبر ما هو قبيح في علاقات الأفراد قبيحاً أيضاً في علاقات الدول، ويعتبر ما هو مطلوب وجميل في علاقات الأفراد، مطلوباً وجميلاً أيضاً في علاقات الدول، ولهذا كان من المقرر في شرع الإسلام ان على الدولة الاسلامية ان تلتزم بمعاني الاخلاق، وهذا التقرير موجود في القرآن الكريم وفي السنة النبوية المطهرة وفي أقوال الفقهاء، فمن ذلك:

أولاً: قال تعالى: ﴿وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ عليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين﴾. أي إذا ظهرت خيانة من عاهدتهم وثبتت دلائلها، فأعلموهم بنقض عهدهم حتى تستووا معهم في العلم، لأن الله تعالى لا يحب الخائنين ولو كانت الخيانة مع قوم كافرين وكانوا في نقض العهد بادين.
ثانياً: كان من شروط معاهدة الحديبية بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين مشركي قريش، ان من يأت من قريش النبي صلى الله عليه وسلم مسلماً يرده النبي صلى الله عليه وسلم ولا يؤويه، وبعد الفراغ من كتابة المعاهدة جاء أو جندل من قريش مسلماً معلناً إسلامه يستصرخ المسلمين ان يؤوه ويحموه من قريش، فقال له الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "انا عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً وأعطيناهم على ذلك وأعطونا، وانا لا نغدر بهم"[16].
ثالثاً: قال الفقهاء: لا يجوز للمسلم أن يخون أهل دار الحرب إذا دخل ديارهم بأمان منهم، لان خيانتهم غدر ولا يصلح في دين الإسلام الغدر[17].
رابعاً: قال فقهاء الحنابلة: "اذا أطلق الكفار الأسير المسلم واستحلفوه أن يبعث اليهم بفدائه أو يعود اليهم لزمه الوفاء"، قال تعالى: ﴿وأوفوا بعهد الله اذا عاهدتم﴾ ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "إنا لا يصلح في ديننا الغدر"[18].
خامساً: اذا كانت دار الحرب تأخذ من رعايا دار الإسلام الداخلين الى اقليمها ضريبة على أموالهم التي معهم بحيث تستأصل هذه الأموال، أو تأخذ من أموالهم القليلة ضريبة كبيرة لا تتناسب مع أموالهم، فان دار الإسلام لا تقابلهم بالمثل، ويعلل الفقهاء قولهم هذا بأن فعل أهل دار الحرب غدر وظلم، فلا نقابلهم بالغدر والظلم، لأننا نهينا عن التخلق بمثل هذه الأخلاق وان تخلقوا هم بها[19].

ثالثاً – لزومها في الوسائل والغايات

12- والخصيصة الثالثة لنظام الأخلاق في الإسلام أن الالتزام بمقتضى الأخلاق مطلوب في الوسائل والغايات، فلا يجوز الوصول الى الغاية الشريفة بالوسيلة الخسيسة. ولهذا لا مكان في مفاهيم الأخلاق الإسلامية للمبدأ الخبيث "الغاية تبرر الوسيلة" وهو مبدأ انحدر إلينا من ديار الكفر. يدل على ذلك، أي على ضرورة مشروعية الوسيلة ومراعاة معاني الأخلاق فيها قوله تعالى: ﴿وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق، والله بما تعملون بصير﴾ فهذه الآية الكريمة توجب على المسلمين نصرة اخوانهم المظلومين قياماً بحق الاخوة في الدين، ولكن اذا كانت نصرتهم تستلزم نقض العهد مع الكفار الظالمين لم تجز النصرة لان وسيلتها الخيانة ونقض العهد، والإسلام يمقت الخيانة ويكره الخائنين.

رابعاً – صلة الأخلاق بالإيمان وتقوى الله

13- الاخلاق في الإسلام موصولة بالإيمان وتقوى الله، قال تعالى: ﴿فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين﴾ فالوفاء بالعهد من تقوى الله ومحبة الله ومن الإيمان المسارعة إلى ما يحبه الله تعالى.

وفي الحديث "لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له" فالإيمان لا بدّ أن يورث الأخلاق الحسنة على رأسها الأمانة وحفظ العهد، فمن فقد الأمانة وضيع العهد كان ذلك ايذاناً بخلوه من معاني الإيمان المطلوبة منه وتفريطه بتقوى الله.

وفي حديث آخر "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل من يا رسول الله؟ قال الذي لا يأمن جاره بوائقه". فهذا الحديث الشريف يدل على أن الأخلاق السيئة تنافي الإيمان وتناقضه، وأنه لا يجتمع الايمان والخلق الرديء.

خامساً – الجزاء

14- ومن خصائص نظام الأخلاق في الإسلام الجزاء، لأن الإسلام جاء بالأخلاق أمراً ونهياً، وعصيان أوامر الشرع أو ارتكاب ما نهى عنه سبب للعقاب، قال تعالى: ﴿ويل لكل همزة لمزة﴾. كما أن الإلتزام بحدود الشرع وطاعته سبب للثواب الحسن.

والجزاء لمن يخالف حدود الشرع في الأخلاق، قد يكون في الدنيا، فشاهد الزور، وبذيء اللسان، والخائن ونحوهم يعاقبهم القاضي المسلم بالعقوبة التعزيرية والحنث في اليمين، أي عدم الوفاء بالوعد الموثق باسم الله، يترتب عليه كفارة اليمين وفي الكفارة معنى العقوبة كما يقول الفقهاء.

وقد يكون الجزاء في الدنيا هلاك الجماعة التي يشيع فيها الخلق الرديء، وقد أشار لهذا الجزاء الحديث الشريف "انما أهلك من كان قبلكم انهم كانوا اذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق الوضيع اقاموا عليه الحد..."، ومثل شيوع الجبن في الأمة وترك الظلمة يعبثون في حقوق الناس دون إنكار عليهم خوفاً منهم وجبناً وإيثاراً للذل والحياة المهينة، فان هذه الأخلاق الرذيلة سبب لهلاك الأمة أو إصابتها بشر كبير أو ضرر جسيم يصيب المذنب والبريء قال تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾.

هل يمكن اكتساب الأخلاق وتقويمها؟

15- والآن وقد بينا مكانة الأخلاق في الإسلام ومدى تأثيرها في الاعمال وما يترتب عليها من ثواب وعقاب، نسأل، هل يمكن تقويم الأخلاق واكتساب الجيد منها والتخلي عن قبيحها؟ أم أن الأخلاق صفات لازمة تخلق في الإنسان وينطبع عليها فلا يمكنه تغييرها ولا تبديلها ولا تعديلها كما لا يمكنه تغيير صفاته الجسمية من طول وقصر ولون؟

الجواب على هذا السؤال، كما يظهر لنا، يتلخص بما يأتي:

أولاً: إن الأخلاق من حيث الجملة يمكن تقويمها وتعديلها، كما يمكن اكتساب الجيد منها والتخلي عن قبيحها وبالعكس. ودليلنا على ذلك أن الشرع أمر بالتخلق بالاخلاق الحسنة ونهى عن التخلق بالاخلاق الرديئة، فلو لم يكن ذلك ممكناً مقدوراً للانسان لما ورد به الشرع، الاسلام لا يأمر بالمستحيل، ومن القواعد الاصولية في الفقه الإسلامي: لا تكليف إلا بمقدور أو لا تكليف بمستحيل. وعلى هذا فكل إنسان عنده أهلية وقدرة للتحلي بالاخلاق الجيدة والتخلي عن اضدادها كما أن عنده أهلية وقدرة على عكس ذلك. وقد يستأنس لهذا بقول الله تعالى: ﴿ونفس وما سواه فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها﴾. ولكن مع هذا فإن الناس يتفاوتون في مقدار أهليتهم وقدرتهم واستعدادهم لاكتساب الأخلاق أو تعديلها، كما يختلفون في مدى أهليتهم وقدرتهم واستعدادهم لتلقي العلوم المختلفة أو ادراك الحقائق الدقيقة نظراً لاختلاف عقولهم ومدى ذكائهم.

ثانياً: ان بعض الناس قد يجبل على بعض الأخلاق بحيث تكون هذه الأخلاق بارزة فيهم وظاهرة في سلوكهم، ودليلنا على هذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو داود، وقد جاء فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأشج عبد القيس: "ان فيك خصلتين يحبهما الله تعالى ورسوله، الحلم والاناة". قال يا رسول الله، انا اتخلق بهما أم الله تعالى جبلني عليهما؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بل الله جبلك عليهما". فقال: الحمد لله الذي جبلني على خصلتين يحبهما الله تعالى ورسوله[20].

ولا شك ان الناس يتفاوتون فيما يجبلون عليه من الأخلاق كما يتفاوتون في ما يجبلون عليه من قوة الإدراك والذكاء، ويترتب على ذلك أن من جبل على نوع معين من الأخلاق يسهل عليه ترسيخ هذا النوع في نفسه والبقاء عليه لأنه يجد عوناً في ذلك بما جبل عليه.

كيف يتحقق تقويم الأخلاق أو اكتسابها

16- ان تقويم الأخلاق أو اكتسابها يمكن ان يتم بشكل من الأشكال التالية:

أولاً: بتقليل آثارها وعدم المضي في تنفيذ مقتضاها وما تدعو إليه، وهذا بالنسبة للاخلاق التي تعتبر من الغرائز في كل إنسان، ومنها الغضب، يدل على ذلك ما جاء في الحديث الشريف الذي رواه الإمام البخاري عن ابي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني: فقال صلى الله عليه وسلم: "لا تغضب" فردد الرجل سؤاله مراراً، فكان النبيّ الكريم صلى الله عليه وسلم يقول له: "لا تغضب". وقد قال العلماء في شرح الحديث: أن النهي عن الغضب ينصرف الى النهي عن العمل بمقتضى الغضب أي بلزوم دفع آثار الغضب، وليس النهي راجعاً الى نفس الغضب لأنه من طباع البشر فلا يمكن دفعه ولا استئصاله[21].. فالمطلوب في تقويم خلق الغضب ليس استئصاله بالكلية فهذا غير ممكن وانما الممكن السيطرة عليه وكظمه وعدم تنفيذ مقتضاه، يؤيد ذلك ما جاء في القرآن الكريم ﴿والكاظمين الغيظ﴾ فمدحهم الله على ضبط غضبهم والسيطرة عليه لا على استئصاله وفي القرآن أيضاً ﴿وإذا ما غضبوا هم يغفرون﴾ فمدحهم على عدم تنفيذ مقتضى غضبهم. وفي الحديث الشريف: "ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب".

ثانياً: بالشتذيب والتهذيب وإزالة الكدورات عن أصل الخلق، وتوجيهه الوجهة المرضية في الشرع الإسلامي، مثل خلق الشجاعة، يستعمله صاحبه في الاعتداء وقتل الأبرياء، أو لطلب السمعة والجاه، وكالسخاء يستعمله صاحبه للمباهاة وللرياء، فهذه الأخلاق هي في أصلها محمودة وإنما ذمت لانحرافها عن الغرض الصحيح والوجهة المرضية في الشرع، فتقويمها يكون بإزالة هذه الأغراض الخسيسة عنها وبتوجيهها الوجهة الصحيحة بأن تكون الشجاعة لنجدة الضعيف وإغاثة المظلوم وقهر الظالم واعلاء كلمة الله ومحق الكفر والباطل ابتغاء مرضاة الله وحده لا لطلب سمعة ولا رياء ولا جاه ولا ثناء. وكذلك السخاء يوجه الى الوجهة المرضية عند الله بأن يكون في سبيله ولطلب مرضاته، بان ينفق المسلم ماله في أوجه البر مثل اكرام الضيف والجار وكفالة اليتيم وإعانة المحتاج أو اقراضه والقيام على الأرملة والمسكين ونحو ذلك. يدل على ما نقول الأحاديث الشريفة الكثيرة منها: عن أبي موسى رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله[22] وفي القرآن الكريم ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس﴾.

وفي الحديث الشريف: "الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" لأنهم بهذا الفقه يستعملون صفاتهم وأخلاقهم الجيدة في أصلها استعمالا صحيحا، ويوجهونها الوجهة الصحيحة، فيكونون خيار الناس.

ثالثاً: استبدال الخلق الذميم بالخلق الجيد، كاستبدال الكذب بالصدق والغدر بالوفاء، والظلم والعدوان بالعدل والإنصاف. وهذا الإستبدال ممكن في كثير من الأخلاق، حيث يزول الخلق الذميم ويحل محله خلق جميل، كما نشاهد ذلك في الشخص الذي يتوب توبة صادقة.

وسائل تقويم الأخلاق:

129- هناك وسائل كثيرة لتقويم الأخلاق واكتساب الجيد منها والتخلي عن الرديء منها وقد يكون أهم هذه الوسائل ما يأتي:

1- العلم، ونقصد به هنا معرفة أنواع الأخلاق الحسنة التي أمر بها الإسلام، وأنواع الأخلاق الرديئة التي نهى عنها الإسلام. ان هذا العلم ضروري لأنه بدونه لا يدري المسلم بأي خلق يتخلق، ومن أي خلق يتجرد. وقد كفى الإسلام المسلم مؤنة البحث والاستنباط فقد فصل الأخلاق بنوعيها. وما على المسلم إلا أن يعرض نفسه على الأخلاق بنوعيها ليعرف موضعه منها، ثم يعمل جاهداً لتكون أخلاقه أخلاقاً اسلامية حقاً.

2- ولا يكفي أن يعرف أنواع الأخلاق معرفة مجردة، بل يجب أن يعرف المسلم عظيم حاجته الى الخلق الحسن، لأنه متصل بالايمان وتقوى الله وسبب للظفر برضوان الله ودخول الجنان، كما يجب أن يعرف عظيم ضرر الخلق السيء عليه لأنه من علامات النفاق وإمارات ضعف الايمان وسبب سخط الله ودخول النار. ان هذه المعرفة ستدفعه الى التخلق بالأخلاق الحسنة رغبة في رضوان الله تعالى، كما تدفعه الى الخلاص من الأخلاق السيئة خوفاً من سخط الله، لأن من رغب في شيء سعى اليه، ومن خاف من شيء هرب منه.

3- ولا يكفي للمسلم أن يعرف أنواع الأخلاق السيئة ونتائجها، بل عليه أن يستحضر هذه المعرفة في ذهنه لئلا ينساها، فان آفة العلم النسيان، والنسيان يؤدي الى إهمال معاني الأخلاق، فيضعف أثرها في النفس، ويصدر عنها ما لا ينبغي من الأفعال، ولهذا كرر القرآن الكريم معاني الأخلاق وبين لنا أنا ما صدر عن أبينا آدم عليه السلام كان من أسبابه النسيان، قال تعالى: ﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً﴾. ولما غضب سيدنا عمر رضي الله عنه عندما قال له رجل انك لا تقضي بالعدل ولا تقضي بالحق، قال بعض الحاضرين: يا أمير المؤمنين إن الله تعالى يقول: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ وهذا من الجاهلين فقال سيدنا عمر رضي الله عنه: صدقت، وذهب عنه الغضب. فالتذكر الدائم لمعاني الأخلاق وتذكر الأساس الذي قامت عليه وهو الإيمان بالله تعالى، وان الالتزام بمقتضى الأخلاق من ثمرات الايمان ومن معاني الإسلام، كل هذا يجعل سلوك المسلم في حدود الأخلاق الإسلامية.

4- الاهتمام الكامل بتقوية معاني العقيدة الاسلامية في النفس، وعلى رأس هذه المعاني الايمان بالله وباليوم الآخر وبرسالة محمد صلى الله عليه وسلم، والاحساس بالغربة في هذه الدنيا وان المسلم عما قريب سيرحل عنها، وانه سيجازى على أعماله، ومن أعماله أخلاقه، وأن الله تعالى وعد وعد الصدق بالثواب للمتخلقين بأخلاق الاسلام، ووعد بالعقاب لمن رفض أخلاق الإسلام.

إن تقوية معاني العقيدة الإسلامية في النفس يؤدي الى انفتاح النفس وتقبلها لمعاني الأخلاق الإسلامية، لأن هذه الأخلاق موصولة بالإيمان ومعاني التقوى كما قلنا، وهذه الصلة تشتد كلما قوي الإيمان في النفس ورسخت العقيدة فيها، مما يجعل أخلاق المسلم الطيبة ثابتة راسخة لا تزول ولا تضعف لأنها موصولة بالقوي العزيز، وتجد مادة بقائها واستمرارها وصلاحها من هذا الفيض الذي لا ينضب: الايمان بالله ولوازم هذا الإيمان. فالمسلم، مثلاً، لا يمكن ان يكون ذليلاً أبداً لأنه موصول بالقوي العزيز الذي له العزة جميعاً ﴿قل لله العزة جميعاً﴾ وللمؤمنين المتصلين به نصيب من العزة ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ والمؤمن لا يخاف مخلوقاً ولا يخشاه ومن ثم لا يتملقه ولا يذل له ولا ينافق عنده لأن الأمور كلها بيد الله، ومنها النفع والضر والرزق والحياة والموت ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله﴾ وعزة المؤمن لا يقترن بها ذرة من كبر أو طغيان أو جبروت أو خيلاء أو عجب بالنفس، لأن عزة المؤمن قائمة على الايمان بالله، والله وحده له الكبرياء والجبروت، وكل ما سواه فهو فقير مربوب مقهور، فأنى للفقير المقهور أن يتكبر أو يتجبر على غيره؟

ولهذا لا يكون المسلم إلا متواضعاً لأنه عرف قدر نفسه بعد أن عرف ربه، ومن عرف قدر نفسه لن يتكبر أبداً. ومع العزة والتواضع صبر جميل وثقة كاملة ورجاء لا يشوبه يأس، وطمأنينة لا يخالطها قلق، لأن الإيمان يثمر هذه الأخلاق الفاضلة، قال تعالى: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ ولأن ما هو مقدر فهو كائن، فلا داعي للقلق والاضطراب ﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا﴾ ولأن من يتوكل على الله فهو حسبه. والشجاعة والجرأة والإقدام والثبات على الحق ونحو ذلك أخلاق راسخة في المسلم ما دام قلبه معموراً بمعاني الإيمان، لأن إيمانه يعلمه أن الحياة لا تستحق أن يهن فيها المسلم أو يجبن أو يحجم حيث يجب الإقدام، لأن الآجال قد فرغ منها، وأن الموت لا بد أن يلاقيه كل حي، قال تعالى: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ ﴿وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً﴾. والقناعة وعفة النفس والاستغناء عن الخلق وعما في أيديهم، ثمرات طيبات زاكيات من ثمار الإيمان، لأن المسلم يؤمن بقول الله تعالى: ﴿قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم﴾ وأن الرزق بيد الله ﴿الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾.. وهكذا بقية الأخلاق ترسخ وتدوم وتستمر ما دامت قائمة على إيمان عميق يتخلل شغاف القلب وتصبغ به النفس. فتعميق الإيمان في النفس وتقوية معاني العقيدة، وسيلة مهمة جداً للتخلق بالخلق الحسن وللتخلي عن الخلق الرديء.

5- مباشرة الأعمال الطيبة التي تساعد أو تؤدي إلى تقويم الأخلاق أو تسهل على النفس قبول الأخلاق الزكية وطرد الخبيثة، فالعلم وحده بدون عمل لا يكفي، قال تعالى: ﴿قد أفلح من زكاها﴾ ولم يقل ربنا تبارك وتعالى قد أفلح من تعلم كيفية تزكيتها، فلا بد من تزكية فعلية، بمباشرة الأعمال المحققة لزكاة النفس وتخليصها من أمراض الأخلاق الرذيلة. إن المريض الذي يوصف له العلاج أو يقدم له العلاج فعلاً، ولا يستعمله لن يستفيد منه وإن ظل ينظر اليه ويكرر القول في تركيبه وكيفية صنعه.

6- ومن أنواع الأعمال الطيبة النافعة لتقويم الأخلاق، القيام بأنواع العبادات والطاعات المفروضة والمندوبة لأنها تزكي النفس وتسهل عليها اكتساب الأخلاق الطيبة وطرد الأخلاق الخبيثة، فهي لها طهرة وزكاة وقوة ووقاية، وقد أشار القرآن إلى هذه المعاني، قال تعالى في الصلاة: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ وقال عن الزكاة ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ تطهرهم من البخل والشح وتصفي نفوسهم من الكدورات والأخلاق الرديئة. والصوم يربي في الإنسان فضيلة الصبر وقوة الإرادة والعزيمة والأخلاق والخلاص من الرياء. والحج تربية عملية للروح ورياضة مؤثرة في النفس ووسيلة فعالة لاكتساب كثير من الأخلاق والتخلص من كثير من ذميم الصفات، ففي الحج تربية على الصبر والإخلاص والاستعلاء على شهوات الجسد وإنفاق المال فيما يحبه الله، والتخلص من الكبر والعجب والغرور وتجاوز الإنسان قدر نفسه وغير ذلك مما هو معروف ومذكور في موضعه في كتب الفقه. وهكذا بقية العبادات بدوامها تزكو النفس فتدوم فيها معاني الإيمان والتقوى ومنها الأخلاق الرضية، لأن هذه الأخلاق لا تنبت إلا في النفس الزكية، ولا شيء مثل العبادات بأنواعها المختلفة يزكي النفس ويهيئها لاكتساب الأخلاق الطيبة والتخلص من الأخلاق الرديئة، وفي كتاب الله إشارة إلى هذه المعاني قال تعالى: ﴿إن الإنسان خلق هلوعاً إذا مسه الشر جزوعاً وإذا مسه الخير منوعاً إلا المصلين الذين هم علا صلاتهم دائمون والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم﴾.

7- القيام بالأعمال المضادة للأخلاق التي يراد التخلص منها أو المضادة لمقتضاها ويمكن أن نسمي هذا المسلك بمسلك التضادد أو المراغمة للشيطان، لأن الشيطان يفرح لكل خلق رديء ويعمل على بقائه في النفس ويزينه في عين صاحبه بما يلقيه من مبررات باطلة، فإذا قام الإنسان بعمل يناقض هذا الخلق ولا يتفق وما يقتضيه، كان ذلك بلا شك إغاظة للشيطان ومراغمة له، مما يدعوه إلى الكف عن تزيين هذا الخلق الرديء وعن نفث المبررات الباطلة له، فإذا خنس الشيطان أمكن لهذا العمل أن يزعزع كيان هذا الخلق الرديء أو يقضي عليه كما يقضي العلاج الفعال على المرض. ومما يدل على جودة هذا المسلك وأثره في تقويم الأخلاق ما ورد في الحديث أن رجلاً شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلبه، فقال له رسول الله "امسح رأس اليتيم وأطعم المسكين".

ومن أمثلة أعمال التضادد والمراغمة علاج الحسد بأن يبادر الحاسد إلى الاستغفار والدعاء بالخير إلى المحسود فإنه سيشعر بزوال الحسد من قلبه، ومن علاج الكبر جلوس المتكبر مع الفقراء والمساكين والصعاليك والجلوس في آخر المجلس، والقيام بالأعمال التي يعدها الناس حقيرة لا تليق بالمتكبرين مثل حمل الحطب ونحو ذلك.

ومما يمكن اعتباره من أعمال هذه الوسيلة، ما جاء في الحديث الشريف "إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع"[23]. وفي حديث آخر "إذا غضب أحدكم فليتوضأ بالماء، فإنما الغضب من النار، وإنما تطفأ النار بالماء".

8- مسلك التكلف، فيتكلف الإنسان الأخلاق التي يريد التخلق بها كما لو أراد أن يكون حليماً فإنه يأتي به تكلفاً مراراً حتى تألفه النفس وتعتاده ويصير لها كالطبع وكالسجية. ويؤيد جودة هذا المسلك، ما ورد في الحديث – وان روي بسند ضعيف – "إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم". وهذا المسلك يحتاج إلى تكرار ودوام حتى ينتج أثره، وهذا الدوام يستلزم الصبر، فعلى الإنسان الذي يريد التخلق بنوع من الأخلاق الرضية عن طريق التكلف أن يتجمل بالصبر فإنه ضروري له ضرورته للمريض الذي يتناول الدواء المر. فإذا صبر وداوم انقادت النفس وألفت الفعل ثم يصبح الفعل لها لذيذاً، كالذي يريد أن يحسن خطه فإنه بتكرار الكتابة والخط يحسن خطه، ثم يصبح الخط بالنسبة له شيئاً سهلاً ولذيذاً.

9- مخالطة المؤمنين ذوي الأخلاق الحسنة ومجالستهم والسماع منهم، لأن رؤية الرجل الصالح ذي الخلق الحسن ومجالسته والسماع منه يؤثر في جليسه فيدفعه إلى اقتباس بعض أخلاقه، وقديماً قيل: الطبع يأخذ من الطبع. وقد ورد في الحديث الشريف الذي أخرجه الترمذي عن أبي سعيد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي" لأن المرء يقتدي بمن يعاشره ويصاحبه ويجالسه فيقتبس منه صفاته. ولهذا كان السلف الصالح يوصون أو يأمرون بهجر أصحاب البدع والمعاصي وذوي الأخلاق الرذيلة.

10- اتخاذ القدوة الحسنة، وخير القدوة على الإطلاق رسولنا صلى الله عليه وسلم قال تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً﴾ فإذا فات المسلم الآن رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم ببصره فلن تفوته رؤياه ببصيرته باستحضار سيرته العطرة. وشمائله الكريمة وأخلاقه العظيمة، ولذلك نوصي كل مسلم بقراءة سيرته مراراً واستحضار شخصه الكريم في ذهنه، وتصور نفسه في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن القدوة الحسنة أيضاً استحضار سيرة أصحابه الكرام المملوءة بالخير وجليل الأعمال وكريم الأخلاق لا سيما سيرة الخلفاء الراشدين والعشرة المبشرة بالجنة وأصحاب بدر وأصحاب بيعة الرضوان وسائر المهاجرين والأنصار.

11- ترك البيئة الفاسدة والفرار كما يفر المرء من المكان الموبوء، والتحول إلى البيئة الصالحة التي تضم الجماعة الصالحة من المؤمنين الطيبين فإن هذه البيئة الصالحة تقوي في المؤمن معاني الأخلاق الفاضلة وتقيه من الأخلاق الرديئة، ولا يجوز له التعرض إلى البيئة الفاسدة ذات الناس الفاسدين بحجة أنه متين الأخلاق لا يخشى عليه التأثر بهم أو بها، فإن هذا غرور ووهم ومثاله مثال من يتعرض إلى المكان الموبوء بمرض السل ونحوه بحجة أنه قوي البنية. ونستأنس لهذا الذي نقوله بالحديث الشريف الذي جاء فيه أن رجلاً قتل مائة نفس ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فأتاه، فقال: "إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة فقال نعم. ومن يحول بينك وبين التوبة؟ إنطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها ناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء...الخ"[24] فهذا الحديث يدل على ضرورة التحول من المجتمع الفاسد إلى المجتمع الطيب أوإلى الجماعة الطيبة المؤمنة العابدة، فإن العيش معها والبقاء معها أدعىإلى استقامة الشخص وابتعاده عن السوء.

والبيئة الفاسدة كل ما يعرضك للمعصية وسوء الأخلاق، والبيئة الصالحة كل ما يعينك على طاعة الله وتقواه ومنها حسن الأخلاق.

12- الحرص على صفة جميلة واعتبارها كالجوهرة النفيسة التي يجب صونها وحفظها وعدم التفريط بها، وعدم الاستهانة بكل صفة قبيحة وإن بدت بسيطة قليلة الشأن، لأن المسلم لا يستقل أبداً أي خلق حسن ولا يستهين بأي خلق سيء فرب صفة طيبة ترفعه إلى درجات عالية ورب صفة خبيثة تدخله النار، وقد مدح الله تعالى رسوله إسماعيل عليه السلام بصفة صدق الوعد قال تعالى: ﴿واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد...﴾ وفي الحديث "اتقوا النار ولو بشق تمرة" كما أن الصفة الواحدة والمحافظة عليها والدوام عليها تؤدي إلى رسوخها فيه فإن كانت صفة خير كان ذلك خيراً له وإن كانت صفة شر كان ذلك شراً له والخير يؤدي إلى الخير والشر يؤدي إلى الشر، جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً. وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً".

13- على المسلم أن يروض نفسه على قبول نصيحة المتدين الكيس الورع الصادق، فإن المؤمن يرى من عيوب غيره ما لا يرى الغير من عيوب نفسه، ومن هنا حسنت صحبة الأخيار، وكان عمر رضي الله عنه يقول: رحم الله امرءاً أهدى إليّ عيوبي. إن الناصح الصادق الذي يدلك على عيوبك وسوء بعض أخلاقك يستحق منك الشكر والتقدير. إنك تشكر من يدلك على عقرب تدب على جسمك أو تختفي تحت ثيابك وتسارع إلى إلقائها بعيداً عنك، فكذلك يجب أن تفعل نحو من ينصحك ويدلك على عيوب أخلاقك، لأن الأخلاق الرذيلة عقارب ولكنها تؤذي القلب وتفرغ فيه سمومها..

هذه بعض الوسائل المهمة في تقويم الأخلاق واكتساب الجيد منها، وهناك وسائل أخرى مهمة في الموضوع نكتفي بما ذكرناه..

[1] احياء علوم الدين للغزالي ج 3، ص 46.

[2] السخرية بالناس: احتقارهم والاستهزاء بهم. اللمز: الطعن بهم بالقول. الهمز الطعن بهم الفعل. والهماز اللماز مذموم ملعون قال تعالى: ﴿ويل لكل همزة لمزة﴾. والتنابز بالألقاب أن تدعو غيرك بلقب يسؤوه سماعه. والظن كما يقول ابن كثير في تفسيره: التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله لأن بعضه اثم فليجتنب كثير منه احتياطا، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "ولا تظن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرا وأنت تجد لها في الخير محملا". والغيبة ذكرك أخاك بما يكره فان لم يكن فيه ما تذكره فقد غبته.

[3] اللغو هو كل ما لا يحمد من القول والفعل.

[4] العادون هم المجاوزون الحلال الى الحرام.

[5] الفردوس أعلى الجنة.

[6] هونا أي بسكينة ووقار وتواضع.

[7] أي قالوا قولا سديداً ولا يدخلون في جدال وخصام مع الجاهلين.

[8] غراما أي لازما ممتدا.

[9] قواما أي عدلا وسطا بلا إفراط ولا تفريط.

[10] اثاما أي عقابا وجزاء.

[11] ولا يشهدون الزور أي لا يحضرون مجالس السوء والكذب والكفر والفسق والباطل.

[12] مروا كراماً، أي مكرمين أنفسهم بالاعراض عن مشاهد الزور.

[13] أي لا يكون حالهم مثل حال الكفار حيث يسمعون كلام الله ولا يتأثرون به ولا يعقلون ما فيه كأنهم صم عمي، وإنما حال المؤمنين عند سماعهم كلام الله فهم معناه والانتفاع به.

[14] إماما، أي اجعلنا أئمة يقتدى بنا في الخير. او هداة مهتدين دعاة الى الخير.

[15] حسنت مستقراً ومقاماً. أي حسنت منظراً وطابت مقيلا ومنزلا.

[16] سيرة ابن هشام في موضوع صلح الحديبية.

[17] المغني لابن قدامة الحنبلي ج 8 ص 458.

[18] المغني ج 8 ص 483.

[19] المبسوط ج 12 ص 200، وحاشية ابن عابدين ج 2 ص 56.

[20] تيسير الوصول لابن الديبع الشيباني ج 4 ص 304.

[21] شرح الاربعين النووية للإمام النووي ص 49، وفتح المبين لشرح الاربعين للفقيه ابن حجر الهيتمي ص 140.

[22] تيسير الوصول ج 1 ص 231 وقال فيه: رواه الخمسة.

[23] لأن القائم متهيئ للانتقام والجالس دونه والمضطجع دونهما.

[24] تيسير الوصول ج 1 ص 212.

الفصل الرابع - أنطِمَة الإسْلام - المبحث الثاني - النظام الاجتماعي في الإسلام

تمهيد

130- من الحقائق الثابتة التي أشار إليها العلامة ابن خلدون في مقدمته أن الاجتماع الإنساني ضروري، وهو ما يعبر عنه بقول بعضهم: الإنسان مدني بالطبع ومعنى ذلك أن المجتمع ضروري للإنسان، وهو ما يؤيده الواقع، فالإنسان يولد في المجتمع ويعيش فيه ويموت فيه.

131- وإذا كان المجتمع ضرورياً للإنسان ولا بد من وجوده، فإن النظام – على أي نحو كان – ضروري للمجتمع لا يتصور وجوده بدونه، لأن الأفراد لا يمكنهم العيش بحرية مطلقة داخل المجتمع وإلا كان في ذلك هلاكهم أو إضطراب حياتهم وانقلاب مجتمعهم إلى مجتمع حيوانات كالذي نشاهده في الغابات. ولهذا كان لا بد من نظام للمجتمع يتضمن الحدود التي يجب أن يقف عندها الجميع والضوابط العامة التي يجب أن يلتزموا بها في سلوكهم حتى يستطيعوا العيش بأمان واستقرار.

132- وإذا كان لكل مجتمع نظام على نحو ما، فإن هذا النظام لا بد له من أساس وأصول وأفكار يرتضيها المجتمع ويقوم عليها نظامه الذي يسير بموجبه. والنظام يكون صالحاً أو فاسداً تبعاً لصلاح أو فساد أساسه وأصوله وأفكاره التي يقوم عليها لأن الفرع يتبع الأصل في الصلاح والفساد.

133- وإذا كان نظام المجتمع قد يكون صالحاً أو فاسداً، فإن صلاحه وفساده ينعكس على أفراده ويتأثرون به ويتحملون تبعاته فيسعدون به أو يشقون.. وعلى هذا ويجب على من يريد الخير لنفسه ولمجتمعه أن يبحث ويتحرى عن الأساس الصالح الذي يجب أن يقوم عليه نظام المجتمع ويسعى لتثبيت هذا الأساس وإقامة نظام المجتمع عليه، وبهذا تتيسر للأفراد سبل الخير والسعادة ويتحقق أكبر قدر ممكن من الحياة الطيبة المستقرة الهادئة لأفراده..

134- والواقع أن الإسلام كفانا مؤونة البحث والتحري عن هذا الأساس الذي يقوم عليه النظام الصالح والمجتمع، كما كفانا مؤونة البحث عن طبيعة هذا النظام الصالح وخصائصه، مما يجعل الأمر ميسوراً لبناء المجتمع الصالح الذي يسعد به الناس جميعاً، فما هو إذن أساس النظام الصالح في نظر الإسلام، وما هي خصائص هذا النظام؟ هذا ما سنجيب عليه في المطلبين التاليين بالقدر الذي يتسع له بحثنا عن هذا المقام.

المطلب الأول - أساس نظام المجتمع في الإسلام

135- إن أساس نظام المجتمع في الإسلام هو العقيدة الإسلامية لأن المطلوب من كل إنسان أن يحمل هذه العقيدة ليعرف مركزه في الحياة وعلاقته بالكون والغرض الذي من أجله خلق، وهذه العقيدة هي الموجهة لأفكار الإنسان وسلوكه وسائر تصرفاته ولا يمكن التخلي عنها في شأن من الشؤون. وحيث إن الإنسان إجتماعي بالطبع كما قلنا، فمن البديهي أن تكون العقيدة الإسلامية هي الموجهة له في بناء هذا المجتمع والنظام الذي يختاره له، وبكلمة أخرى يجب أن تكون العقيدة الإسلامية هي الأساس لبناء المجتمع ونظامه، حتى يعمل الأفراد في ضوء عقيدتهم كأفراد وكأعضاء في المجتمع كما يعمل المجتمع كجماعة منظمة في ضوء عقيدتهم التي يحملها أفراده. ويترتب على ذلك أن كل من يحمل هذه العقيدة ويدين بها ويلتزم بمقتضاها يكون أهلاً للانتماء إلى هذا المجتمع الإسلامي فيصبح عضواً فيه، ويساهم في بقائه وتحقيق أغراضه والتمتع بمزاياه وتحمل تبعاته مهما كان جنسه أو نوعه أو لونه أو لغته أو إقليمه أو حرفته... والحقيقة أن تقديم الإسلام هذا الأساس لإقامة المجتمع البشري كان حدثاً ضخماً وفريداً في التاريخ البشري ما كان الناس يعرفونه ولم يخطر ببالهم، فالرومان واليونان والفرس والعرب قبل الإسلام أقاموا مجتمعاتهم على أساس الجنس أو القبيلة أوالسلالة أوالإقليم وبنوا على هذا الأساس أباطيل كثيرة تولد عنها الظلم والبغي وإهدار كرامة الإنسان، فلما جاء الإسلام بهذا الأساس الجديد لبناء المجتمع ونظامه كان ذلك انقلاباً هائلاً في الحياة البشرية، تكريماً للإنسان، ووضعاً للأمور في نصابها، فليس من اللائق بالإنسان بناء مجتمعه على أساس الجنس أوالقبيلة أو الإقليم، كما كانت تفعل المجتمعات الجاهلية قبل الإسلام، لأن أصل البشر واحد، ولا يمكن حجب هذه الحقيقة باختلاف الناس بالأنساب والأجناس، لأن أجناسهم وشعوبهم المختلفة كالأغصان للشجرة الواحدة، قال تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة﴾ وفي الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم: "كلكم لآدم، وآدم من تراب". وكذلك لا معنى لاتخاذ الإقليم أساساً للمجتمع البشري، لأن الأرض خلقها الله للناس فهي إقليمهم وهي وطنهم المشترك، قال تعالى: ﴿والأرض وضعها للأنام﴾. وأيضاً فإن الجنس والقبيلة والسلالة لا يصلح واحد منها أن يكون أساساً للمجتمع البشري لأن بطبيعته ضيق لا يمكن أن يسع الناس جميعاً، فليس بمقدور أحد أن يكون من هذا الشعب أو القبيلة أو الجنس بعد أن خلقه الله من غيرها، وإنما الممكن المقدور للإنسان أن يعتنق العقيدة الإسلامية فيكون من أعضاء المجتمع الإسلامي، ومن يرفض اعتناق هذه العقيدة فإن المجتمع الإسلامي لا يرفض قبوله فيه إذا رغب هو في الانتماء إليه بشرط إعلان ولائه له وخضوعه لنظامه عن طريق عقد الذمة. وفي هذه الحالة سيجد غير المسلم مكاناً أميناً في هذا المجتمع الفكري ويتمتع بالحقوق العامة والخاصة وبحماية تامة لنفسه وماله وعرضه. وعلى هذا، فقول البعض: إن إقامة المجتمع على أساس العقيدة الإسلامية بغير اضطهاد غير المسلمين، وإكراههم على تبديل دينهم قول باطل هو من قبيل التشويش والتضليل والجهالة، فالإسلام يقرر في القرآن الكريم: ﴿لا إكراه في الدين﴾ والفقهاء يقررون قاعدة "لهم ما لنا وعليهم ما علينا" والواقع يشهد بأن غير المسلمين عاشوا في المجتمع الإسلامي منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وحتى اليوم دون أن يمسهم أذى أو تضييق بسبب دينهم، والواقع يثبت أنهم ظفروا بحماية ورعاية من المسلمين لا نجد لهما نظيراً مطلقاً في أي مجتمع بالنسبة للأقليات التي فيه والتي لا تدين بدينه، ويكفي أن نذكر هنا مأساة الأندلس وما أصاب المسلمين هناك عندما دالت دولتهم وذهب سلطانهم.

نتائج اتخاذ العقيدة الإسلامية أساساً لنظام المجتمع

أولاً: الرباط الإيماني

136- يعتبر الإسلام المؤمنين بالعقيدة الإسلامية إخوة في الدين، قال تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾. وفي الحديث الشريف "المسلم أخو المسلم" والإخوة الإيمانية أعظم الروابط بين المسلمين وعلى أساسها تكون الموالاة، وقد يشترك المسلم مع أخيه المسلم بروابط أخرى كرابطة النسب أو الإقليم، وهذه الروابط غير منكورة ولا مرفوضة في الإسلام ولكن بشرط أن لا تحمل شيئاً من الباطل وأن لا تعلو على رابطة الإيمان ومستلزماتها.

والرابطة الإيمانية لا تقتضي اضطهاد غير المسلمين أو إيذائهم، فقد قلنا: إن الإسلام يقبل في عضوية المجتمع الإسلامي غير المسلم ويأمر بحمايته، فإذا فات غير المسلم رابطة الإيمان وإخوة الدين فلن تفوته حماية المسلمين وعدل الإسلام وبر المجتمع الإسلامي قال تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ وقال تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم والله يحب المقسطين﴾ وقال صلى الله عليه وسلم "ألا من ظلم معاهداً أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس، فأنا خصمه يوم القيامة".

ثانياً: زوال العصبية

137- المقصود بالعصبية التناصر بالحق وبالباطل لإشتراك المتناصرين بالنسب أي نسب القبيلة أو السلالة أو الأسرة، وكان هذا المفهوم للعصبية هو الشائع عند العرب قبل الإسلام، فكان أفراد القبيلة ينصر بعضهم بعضاً في الحق وفي الباطل لانتسابهم إلى قبيلة واحدة. وقد أنكر الإسلام هذه العصبية، وأمر بنبذها، فقد جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم "ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من مات على عصبية". وقال عليه الصلاة والسلام عن العصبية: "دعوها فإنها منتنة".

وبعد أن كان شعار الجاهلية: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، بمعنى كن بجانبه في الحالين، أصبح الشعار في الإسلام: انصر أخاك ظالماً – بأن تمنعه من الظلم – أو مظلوماً بأن تقف بجانبه ضد ظالمه..

وذم العصبية في الإسلام لا يقف عند حد العصبية القائمة على أساس المشاركة في القبيلة أو الجنس، وإنما تتعداها إلى كل عصبية قائمة على سبب آخر ما دام جوهر العصبية موجوداً وهو نصرة الغير بالباطل بسبب هذه المشاركة. وعلى هذا فانتصار أصحاب الإقليم الواحد أو الحرفة الواحدة أو المذهب الواحد بعضهم لبعض في الباطل هو من العصبية المقيتة المذمومة. إن خلو المجتمع الإسلامي من العصبية بأنواعها يقلل فرص الاعتداء والظلم والبغي، ويساعد على شد الأفراد إلى معاني الحق والعدل وفي هذا كله خير مؤكد للمجتمع ولأفراده.

ثالثاً: تقوى الله هي ميزان التفاضل بين الناس

138- وبزوال العصبية تزول نتائجها ومنها التفاخر بالأحساب والأنساب والعظام البالية... فليس مجرد انتساب الفرد إلى قبيلة معينة مدعاة إلى الفخر ولا إلى فضله وعلو منزلته، إذ لا علاقة بين فضل الإنسان وبين انتسابه إلى قوم معينين أو إلى قبيلة معينة، وإنما المعقول أن يقدر فضل الإنسان بقدر ما تحمله نفسه من فضائل وأخلاق كريمة وبقدر ما يقدمه من صالح الأعمال. وهذا كله يحققه تقوى الله عز وجل، ومن هنا كان أساس التفاضل في الإسلام تقوى الله، وأما الانتساب إلى القبائل فهو للتعارف فقط كإنتسابه إلى بلدة معينة أو حرفة معينة أو بيت معين أو تسميته باسم معين، فكل هذه الأشكال من الإنتساب أو الأسماء يقصد بها التعارف وما يترتب عليه من تعاون أو تكاليف، قال تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾. وبهذا الميزان الدقيق العادل لمعرفة أقدرا الناس وفضلهم أصبح المجال واسعاً للتنافس في الخير وبلوغ المنزلة العالية التي يطمح إليها الإنسان، فلا يمنعه منها مانع، من فقر أو لون أو ذكورة أو أنوثة أو خسة نسب، أو دمامة خلقة، أو ضعف، كما لا يرفع الإنسان – إذا فاتته التقوى – شرف نسبه، أو كثرة ماله، أو سعة سلطانه، أو كثرة ولده، أو فصاحة لسانه، أو كثرة أتباعه، أو جمال صورته. وقد أشار الرسول الكريم إلى هذه الأمور بقوله الموجز البليغ "من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه" وذكر النسب إشارة إلى غيره من الأشياء التي لا علاقة لها في تقييم الشخص معرفة مقدار فضله.

المطلب الثاني - خصائص النظام الإجتماعي في الإسلام

139- والآن وقد بينا أساس النظام الإجتماعي في الإسلام وما ترتب على هذا الأساس، نبين خصائص هذا النظام أو معالمه البارزة. والواقع أن خصائصه مشتقة من أساسه أو قائمة عليه، وهي كثيرة، أهمها في نظرنا: مراعاة الأخلاق، والإلتزام بمعاني العدالة، والعناية بالأسرة، وتحديد مركز المرأة. وتحميل الفرد مسؤولية إصلاح المجتمع. ونتكلم عن هذه الخصائص أو المعالم بإيجاز:

أولاً: مراعاة الأخلاق

140- قلنا فيما سبق: إن للأخلاق منزلة رفيعة جداً في الإسلام، ولها آثار ظاهرة في مختلف أنظمته، ومنها النظام الإجتماعي، فهذا النظام يمتاز بحرصه الشديد على طهارة المجتمع ونظافته من القبائح والرذائل، فالزنى محرم وعقوبته الجلد والتغريب أو الرجم، والقذف – وهو رمي الغير بالزنى – محرم وعقوبته الجلد لئلا تعتاد الألسنة على هذا القول البذيء فتألفه، وفي هذا تلويث للمجتمع وتسهيل لوقوع الفاحشة، ولهذا كان عقابه غليظاً ولكنه عادل ويتفق ورعاية الأخلاق الفاضلة، وبذاءة اللسان مثل السباب والشتم محظورة في الإسلام وعقوبته التعزير، والقمار بأنواعه محرم في شرع الإسلام ولا يقره المجتمع الإسلامي، وشهادة الزور من الكبائر في الإسلام، والتجسس والغيبة والنميمة وكل ما يوقع العداوة والبغضاء بين أفراد المجتمع منكرات لا يقبلها النظام الاجتماعي في الإسلام. والمعاملات يجب أن تقوم على الطهر وحسن النية والأمانة فلا يجوز الخداع والتضليل والغش والكذب في أية معاملة بين الناس. والمنكرات لا يجوز إقرارها في المجتمع أبداً لأنها كالجراثيم إن بقيت انتشرت وصارت كالوباء، ولهذا يشدد الإسلام النكير على من يظهر هذه المنكرات أو يتكلم بها إذا جره الشيطان إليها، ويجعل إعلانها والتحدث بها جريمة ثانية فقد جاء في الحديث "أيها الناس من ارتكب شيئاً من هذه القاذورات فاستتر فهو في ستر الله، ومن أبدى صفحته أقمنا عليه الحد".

وفي النظام الاجتماعي جملة من الوسائل الوقائية التي تقي المجتمع من الأسواء والمنكرات وتسد المنافذ والثغرات في وجه الشيطان، وهذه الوسائل لازمة ولا يجوز تجاوزها، فلا يجوز للمرأة أن تخلو برجل غير زوجها أو من محارمها وإذا خرجت من بيتها فيجب أن يكون لباسها شرعياً على النحو الذي سنفصله فيما بعد. ومن مظاهر مراعاة الأخلاق في النظام الإجتماعي الإسلامي التوادد والتراحم والتعاطف بين أفراده، فإن الإسلام دعا إليها، وقد شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم حال المؤمنين في التراحم بمثل عظيم، فقد جاء في الحديث "مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" وفي حديث آخر "الراحمون يرحمهم الله تعالى، إرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" وفي حديث آخر "لا يرحم الله من لا يرحم الناس" وفراغ القلب من معاني الرحمة علامة على شقوة الإنسان، جاء في الحديث "لا تنزع الرحمة إلا من شقي". والشفقة على الصغار والأولاد من علامات عمارة القلب بالرحمة، جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قبَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي رضي الله عنهما، وعنده الأقرع بن حابس، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم واحداً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لا يرحم لا يُرحم" وفي القرآن الكريم في وصف صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ فالتراحم بين المؤمنين من الصفات الأصلية فيهم وتجعل المجتمع الإسلامي كالأسرة الواحدة. والحق أن مجتمعاً يصل فيه التراحم إلى هذا الحد لمجتمع سعيد حقاً.

ومع الرحمة تعاون نظيف على الخير، وأيد كريمة تمتد إلى كل محتاج لأن الإسلام دعا إلى التعاون قال تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ وهذا التعاون المطلوب يشمل الأسرة والجيران والأصحاب والرفيق في السفر والمنقطع والغريب. واليتيم والمسكين وكل ذي حاجة في المجتمع الإسلامي قال تعالى: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وإبن السبيل وما ملكت أيمانكم﴾ وفي السنة النبوية جملة من الأحاديث في باب التعاون منها "من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة". وفي الوصية بالجار المتضمنة إعانته ومساعدته "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أن سيورثه". والتعاون المطلوب لا يقف عند حد إعانة المحتاجين والمعوزين، وإنما يتجاوزه إلى آفاق واسعة ومجالات مختلفة، لأن دائرته أعمال الخير، وهي واسعة جداً، فالتعاون على تشييد مسجد أو فتح مدرسة أو إنشاء مستشفى أو بناء قنطرة، أو طبع كتاب نافع يخدم الإسلام، والتعاون على إزالة منكر أو فساد أو ظلم أو صد عدوان ونحو ذلك كله من التعاون المطلوب لأنه تعاون على البر، ولا شك أن شيوع التعاون بين أفراد المجتمع سيقضي على عوامل الاثرة والجفاء والحقد والقطيعة والبغضاء، ويعمر القلوب بالحب والود والشفقة. مما يجعل الحياة طيبة في هذا المجتمع الطيب لأنها تقوم على الود والرحمة لا على البغض والقسوة.

ثانياً: الالتزام بمعاني العدالة

141- الالتزام بمعاني العدالة من أنواع الأخلاق الفاضلة بل في ذروتها، وإنما أفردناها بالذكر لأهميتها، ولتشعبها وتعدد مظاهرها، وبروزها في النظام الاجتماعي الإسلامي. ومما يدل على أهمية العدل في الإسلام ورود الآيات الكثيرة فيه بالدعوة إليه بصورة عامة أو خاصة. فمن الآيات التي تأمر بالعدل بصورة عامة قوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾ ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط﴾ ﴿قل أمر ربي بالقسط﴾. ومن الآيات التي أمرت بالعدل في مسائل معينة العدل في القول ﴿وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى﴾ والعدل في الكتاب ﴿وليكتب بينكم كاتب بالعدل﴾ والعدل في الحكم ﴿وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾ ﴿فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا﴾ والعدل في الكيل والوزن ﴿وأوفوا الكيل والميزان بالقسط﴾ ﴿وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان﴾. والحساب يوم القيامة يكون بالعدل فلا تظلم نفس شيئاً، قال تعالى: ﴿وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون﴾ ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة﴾. وإذا ضممنا إلى هذه الآيات الناهية عن الظلم تبين لنا أهمية العدل في الإسلام حتى يمكن أن يقال دون مبالغة بأن الإسلام هو دين العدالة في كل شيء. إن تأكيد الإسلام على معاني العدل وضرورة الإلتزام به والنهي عن الظلم وضرورة تجنبه، تترتب عليه نتائج خطيرة، ذلك أن المجتمع الذي يشيع فيه العدل يحس أفراده بالاطمئنان على حقوقهم، لأن القانون يكون مع المحق وإن كان ضعيفاً لا مع المبطل وإن كان قوياً، وبعكس ذلك إذا شاع الظلم وندر العدل أحس الأفراد بالقلق الدائم على حقوقهم وزال عنهم الاطمئنان والاستقرار وكان ذلك إيذاناً بدمار هذا المجتمع، وقد أشار الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى أثر التفريط بالعدل وكيف يؤدي بالأمة إلى الهلاك، فقد جاء في الحديث "إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف اقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" وتعليل هلاك الأمم بسبب الظلم، أن الظلم كالنار يحس بوطأتها المظلومون، فإذا شاع الظلم وغارت معاني العدل كثر المظلومون الذين لا يرون في هذا المجتمع حماية لهم ولا حفظاً لحقوقهم وإنما يرون فيه هضم حقوقهم، وهذا يجرهم إلى عدم الاهتمام به وببقائه وهذا قد يجرهم حتى إلى المعاونة على هلاكه وإفنائه. وهذا بخلاف المجتمع العادل حيث يحرص الأفراد على بقائه ورد الأعداء عنه لأنهم يرونه كالبيت الذي يؤويهم فيكون هذا الحرب منهم عليه وبذل الجهد لبقائه سبباً لبقائه، ولهذا قيل: إن الدولة العادلة تبقى وإن كانت كافرة، وإن الدولة الظالمة تفنى وإن كانت مسلمة. ومن أجل هذا كله فقد قام المجتمع الإسلامي في صدر الإسلام على معاني العدل والإلتزام بها، فما كان هناك ظلم ولا محاباة ولا إجحاف، وإنما كان هناك العدل الصارم الذي يتساوى أمامه الشريف والوضيع، والقانون الإسلامي الذي يخضع له الجميع الخليفة ومن عداه. وقد ترتب على ذلك أن الضعيف كان معه المجتمع بكل قوته ما دام محقاً ولا يضيره ضعفه لأن قوة المجتمع والقانون معه، وكان القوي لا تغني عنه قوته ما دام مبطلا لأن قوة المجتمع والقانون ضده ولهذا كان أبو بكر رضي الله عنه يقول "القوي منكم ضعيف حتى آخذ الحق منه، والضعيف منكم قوي حتى آخذ الحق له". بل بلغت العدالة في المجتمع الإسلامي الأول إلى حد الإلتزام بالمساواة بين الخصوم في مجلس القضاء حتى في نظرة القاضي ونبرات صوته وكلامه معهم. وفي قول مأثور عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن قال لقاضيه أبي موسى الأشعري "سوِّ بين الخصمين في مجلسك وإشارتك وإقبالك". ولما كان العدل والالتزام به من مقومات النظام الاجتماعي الإسلامي، فإن أية شفاعة أو جهد يبذل لتعطيل سريان العدالة أو للإنحراف بها عن مجراها المستقيم يعتبر مما لا يجوز في شرع الإسلام، ولهذا لما سرقت المرأة المخزومية وأهم الناس أمرها سألوا أسامة بن زيد أن يستشفع لها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فعل ذلك غضب الرسول صلى الله عليه وسلم وقال له: "أتشفع في حد من حدود الله"؟! ثم خطب صلى الله عليه وسلم في الناس وقال "ما بال أقوام يشفعون في حد من حدود الله، إنما أهلك الذين من قبلكم... إلى آخر الحديث الذي ذكرناه قبل قليل".

ثالثاً: العناية بالأسرة

142- الاسرة هي أساس كيان المجتمع لأن من مجموعها يتكون المجتمع فهي بالنسبة له كالخلية لبدن الإنسان، ويترتب على ذلك أن الأسرة إذا صلحت صلح المجتمع وإذا فسدت فسد المجتمع ولهذا إعتنى النظام الاجتماعي الإسلامي بالأسرة عناية كبيرة تظهر في الأحكام الكثيرة بشأنها، وأكثر هذه الأحكام وردت بها آيات في القرآن الكريم يتعبد المسلمون بتلاوتها في صلاتهم وفي خارج صلاتهم، فضلاً عن الأحاديث النبوية الكريمة الواردة في موضوع الأسرة. وليس من شأننا هنا أن نفصل القول في أحكام الأسرة، فهذا أمر يطول ولا تتسع له دراستنا ولا هو مطلوبنا، وإنما يكفينا أن نشير إلى معالم التنظيم الإسلامي في موضوع الأسرة وهو من صميم النظام الاجتماعي في الإسلام.

أ‌) الزواج

143- الزواج هو السبيل الطبيعي لتكوين الأسرة وبقاء الجنس البشري، وقد رغب فيه الإسلام وجعله من سننه، فقد جاء في الحديث الشريف "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء". والغرض من الزواج إيجاد النسل وتكوين الأسرة الصالحة جاء في الحديث "امرأة ولود أحب إلى الله من امرأة حسناء لا تلد، إني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة".

ب‌) اجراءات الزواج

144- وقد شرع الإسلام للزواج إجراءات معينة تشريفاً وتكريماً لهذه العلاقة علاقة الزواج، وأول هذه الإجراءات: الخطبة، أي طلب الرجل المرأة للزواج بالطرق المعروفة عند الناس، وإذا كان من الجائز شرعاً ان يتزوجها. والغرض منها أن يعرف كل من الرجل والمرأة عن الآخر ما يجعله يقدم على النكاح أو يحجم عنه، ولهذا أباح الإسلام للخاطب أن يرى مخطوبته ولكن لا يجوز الخلوة بها لأنها لا تزال أجنبية عنه، والخلوة بالأجنبية حرام، لأن الخطبة وعد بالزواج وليس بعقد زواج. والمرغوب فيه في شرع الإسلام تخير المرأة الصالحة كما أن على المرأة تخير الرجل الصالح، فإن صلاح الشخص وتقواه وخلقه أرجح في ميزان الشرع مما عدا ذلك من كثرة المال أو المنصب أو الجاه، وفي الحديث الشريف "تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك" والمرأة ذات الدين لها تأثير كبير جداً في صلاح الأسرة وتربية أبنائها على معاني الإسلام وحسن الأخلاق، ولذلك وجه أعداء الإسلام غارتهم على المرأة المسلمة لاستئصال ما في نفسها من معاني الخير والدين.

فإذا حصل الاتفاق أفرغ في عقد النكاح الشرعي القائم على الإيجاب والقبول والمتضمن رضى الطرفين بحضور شهود عدول تكريماً لهذا العقد وتمييزاً له عن السفاح. ويستحب أن يكون المهر قليلاً لا كثيراً لأنه ليس ثمناً للزوجة ولكنه رمز التكريم للمرأة في عقد النكاح، وقد ورد في السنة النبوية ما يدل على إستحباب عدم المغالاة في المهور، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "خير الصداق – أي المهر – أيسره" "أخف الناس صداقاً أعظمهن بركة" والواقع أن شيوع عادة المغالاة في المهور يجعل الراغبين في الزواج قلة، ويبقى الكثيرون عازفين عنه لعدم قدرتهم عليه وهذا العزوف عن الزواج يجر إلى مفاسد لا تخفى. والحقيقة أن الإسلام بسط إجراءات النكاح وسهل الوصول إليه، فعقد النكاح يتم بإيجاب وقبول كما قلنا ولا يشترط له إجراءات شكلية معينة ولا تراتيل دينية ولا لغة معينة ولا مكان معين، وإنما يشترط له مع الإيجاب والقبول موافقة ولي المرأة، لأن عقد النكاح لا يهم المرأة وحدها بل يهم وليها وعائلتها والضرر الذي يلحقها بسبب سوء إختيارها ينسحب إلى عائلتها وعلى رأسهم وليها كالأب والأخ، فمن العدل أن يكون للولي رأي مسموع في زواجها. كما يشترط حضور الشهود عند عقد النكاح لكي يعرف العقد ويشيع وتحفظ حقوق المرأة ويثبت مركزها القانوني كزوجة وما يترتب على ذلك من حقوق وواجبات، كما يشترط شرط آخر لصحة النكاح وهو أن لا تكون المرأة محرومة على الرجل كالأخت والخالة وسائر المحرمات.

جـ) حقوق الزوجة

145- ويترتب على عقد النكاح حقوق معينة للزوجة. منها المهر، وهو حق خالص لها دون ذويها، ولا تكلف أن تشتري به جهازاً لها إلا إذا رغبت هي، لأن تجهيز بيت الزوجية بما يلزمه من أثاث وفراش ونحوها من واجبات الزوج لا الزوجة. كما يترتب على عقد النكاح حق النفقة للزوجة على زوجها، لأنها متفرغة لشؤون البيت وتربية الأطفال فكان من العدل أن يقوم الزوج بالنفقة عليها، لأن كل واجب يقابله حق، وفي الحديث الشريف "... ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" وحق النفقة يبقى للزوجة ما دامت قائمة بواجباته نحو زوجها فلو خرجت على طاعته وتركت بيت الزوجية عدت ناشزة وسقطت نفقتها عنه مدة نشوزها فإذا عادت عادت النفقة لها. وللزوجة على زوجها حق المعاملة بالحسنى، قال تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ وفي الحديث الشريف "خيركم خيركم لأهله". والإسلام يوصي بالصبر على المرأة فلا ينبغي للزوج أن يتعجل إذا رأى منها ما يكره قال تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً﴾.

د) حقوق الزوج

146- وكما للزوجة حقوق على زوجها فإن له حقوقاً عليها، فالحقوق متقابلة بين الطرفين. فمن حقوقه طاعته بالمعروف لأن القوامة له قال تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم﴾. وقوامة الرجل على زوجته شيء طبيعي جداً ومعقول ولا بد منه، لأن الحياة الزوجية شركة خطيرة، وكل شركة لا بد فيها من رئيس، فكيف بالعلاقة الزوجية التي تخص أخطر علاقات الإنسان بغيره؟ إن هذه العلاقة الكريمة والشركة الخطيرة لا بد لها من رئيس يطاع في موضع الخلاف حتى تبقى الشركة قائمة بلا انفصام، والرجل أحق بهذه القوامة من المرأة وهذا ما قرره الإسلام ويشهد له الواقع ويطبقه البشر وإن جادل بعضهم فيه. ثم إن هذه القوامة لا غضاضة فيها على المرأة، لأنها خالية من الإستعلاء والتسلط والأهواء والتعسف وإرادة الشر، لأن الزوج يحرص على الخير لزوجته ولا يريد برياسته عليها إستعلاء ولا تكبراً ولا تسلطاً ولا يتعسف في إستعمال قوامته عليها، وفضلاً عن ذلك كله فإن علاقته بزوجته مبنية على المودة والرحمة قال تعالى: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ فقوامة الرجل على المرأة قائمة على المودة والرحمة اللتين غرسهما الله تعالى في قلبيهما، فلا يتصور فيها ما يضايق المرأة أو يجرح كرامتها. إن الإنسان يطيع بإختياره وبكل سرير صديقه المخلص المحب له، بل ويفرخ إذا صار رئيساً له في دائرة من دوائر الدولة. فكيف الحال برئاسة الزوج وقوامته على زوجته، وما بينه وبين زوجته من المودة والرحمة والإخلاص والحرص على ما ينفع الطرفين ما لا نسبة بينه وما بين صديقين مخلصين؟ إن بعض الناس يسارعون وينكرون حق الزوج في القوامة على زوجته، ويوغرون صدر المرأة على التمرد على هذه القوامة التي يسمونها عبودية. وهذا الاتجاه من هذا البعض لا يجوز في شرع الله وقد يكون كفراً إذا أصر عليه الإنسان لأنه مصادمة لنصوص الشريعة، كما أنه يدل على جهالة صاحبه أو هواه أو إرادته السوء والشر بالمرأة أو رغبته في تفكيك الأسرة وإشاعة الفوضى فيها، كل هذه الأمور نتائج لازمة للدعوة إلى تمرد المرأة على قوامة الزوج، فيجب أن تمنع كما يمنع أي شيء ضار، وأن تبصر المرأة المسلمة بضلال هذا القول وضرره. وقد يكون من النافع أن نذكر لهذا البعض من الناس أن ملكة الإنكليز عندما تزوجت سألها الكاهن قبل أن يجري الطقوس الدينية لعقد النكاح، سألها: هل تطيعين زوجك، قالت: نعم. ومن هذا كله يتضح لكل منصف أن قوامة الزوج على زوجته هو ما جاء به الشرع ويقره العقل السليم ويطبقه البشر. فعلى المرأة المسلمة والمدركة لمصلحتها أن تطيع زوجها في المعروف فإن أمرها بمعصية وجب عليها أن تعصيه، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

ومن حقوق الزوج على زوجته أن لا تخونه في شيء، وأن تعاونه لأنها شريكة حياته، وأن تقوم بتربية أولاده وهم أولادها أيضاً وهي أقدر على هذه المهمة الخطيرة من غيرها بل لا يسد مسدها أحد في هذه التربية، فليس أحد يملك مثل حنانها وعاطفتها على أولادها. فإذا ما قامت بمهمتها هذه ساهمت في تنشئة جيل سليم، وكان عملها هذا أفضل من أي عمل آخر تقوم به خارج بيتها.

هـ) تعدد الزوجات

147- ومن حق الزوج أن يتزوج أكثر من واحدة إلى حد أربع زوجات، وهذا ما نطق به القرآن وثبت بالسنة وذكره الفقهاء جميعاً ولم يخالف فيه أحد من المسلمين. ففي القرآن ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة﴾ والمقصود بالعدل هنا العدل بين الزوجات في النفقات ونحوها مما يمكن فيه العدل.

وتعدد الزوجات ليس واجباً ولا مندوباً وإنما هو مباح، والمباح يجوز فعله وتركه، فهو خاضع لتقدير الشخص نفسه، فإن رأى المصلحة فيه، فعله، وإلا تكره ولا تثريب عليه في الحالين. ولا داعي لإقحام القاضي أو غيره لتقدير مدى الحاجة أو المصلحة في التعدد، لأن هذه المسألة خاصة بالإنسان، والأصل في كل إنسان عاقل أن أحرص من غيره على تقدير ما يصلح له لا سيما في مسألة الزواج حيث تترتب على الزوج تبعات ثقيلة مالية وغير مالية، فهو لا يقدم على التعدد إلا إذا وجد الحاجة داعية إلى ذلك. ولا نستطيع هنا أن نحصر مبررات التعدد التي تدفع الرجل إليه، وإنما نذكر منها على سبيل التمثيل: عقم الزوجة وتطلع الزوج للذرية، ومرض الزوجة وعدم صلاحيتها للقيام بمهام الزوجية، ونبل الزوج وكرم أخلاقه حيث يتزوج يتيمة أو أرملة أو قريبة له فاتتها فرص الزواج، إلى غير ذلك من الدوافع النبيلة للتعدد. وفي التعدد علاج حاسم لمشكلة اجتماعية خطيره تتعرض له المجتمعات البشرية في أعقاب الحروب بل حتى في الأوقات العادية، وهي كثرة عدد النساء وقلة عدد الرجال، وهذه المشكلة لا يمكن حلها بصورة شريفة وناجحة إلا بإباحة التعدد شرعاً، وإلا حلت نفسها عن طريق السفاح والعلاقات غير المشروعة، ولا شك أن كل امرأة عاقلة تفضل أن تكون زوجة ثانية ولا تكون عشيقة لرجل. وعلى هذا فما يقوله البعض من اعتراض على مبدأ التعدد، إنما هو قول متهافت في نفسه هزيل في حجته مخالف لشرع الإسلام. وقد يكون من المفيد أن أبين هنا أن بعض الفقهاء ذهب إلى أن للمرأة أن تشترط على زوجها في عقد النكاح عدم الزواج عليها وإذا تزوج فمن حقها أن تطلق نفسها منه، يمكن الأخذ بهذا الرأي الفقهي الإجتهادي لأن المسلمين عند شروطهم.

و) الطلاق

148- ومن حق الزوج أن يطلق زوجته، والطلاق في الأصل غير مرغوب فيه في نظر الشريعة الإسلامية، جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم "أبغض الحلال إلى الله الطلاق" وعلى هذا فلا ينبغي للمسلم أن يقدم عليه بدون مبرر مقبول.

وقد ذهب بعض الجهال إلى الإعتراض على مبدأ الطلاق، وطالبوا بإلغائه، وكثيراً ما نسمع شيئاً من هذا اللغو أو نقرؤه في صحيفة أو كتاب. والواقع أن هذا القول لا يصدر إلا عن جاهل أو معاند لشرع الإسلام، فإن الطلاق في الإسلام من محاسن الشريعة وواقعيتها، وهو بمثابة العلاج الذي تقدمه الشريعة حيث لا ينفع غيره، ولا عيب في تحضير العلاج استعداداً لحالات الطوارئ والمرض.. وخلاصة القول في مسألة الطلاق وحكمته أن الإسلام يرغب في إبقاء الرابطة الزوجية وإدامتها على المودة والوئام لتحقق أغراضها المرسومة لها، وفي سبيل ذلك سهل الإسلام إجراءات النكاح وشرع فيها الخطبة وأباح رؤية المخطوبة لضمان بقاء الرابطة، وندب الزوج إلى الصبر على المرأة إذا رأى منها ما يكرهه كما بينا. وبين الإسلام أن من الفضل للزوج أن يكون حسن الأخلاق مع زوجته، ومع هذا فإن الإسلام لا يغفل عن الواقع، فقد ينشب الخلاف بين الزوجين مما يؤدي إلى الطلاق، ولعلاج هذه الحالة قرر الإسلام ما يأتي:

أولاً: شكّك الإسلام الزوج في وجدانه إذا أحس بكره زوجته وذكره باحتمال خطئه وتسرعه قال تعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً﴾.

ثانياً: إذا استمرت الزوجة في مشاكساتها ومخالفاتها، فللزوج أن يؤدبها عن طريق الوعظ والنصيحة والهجر في المضاجع والضرب غير المبرح قال تعالى: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان علياً كبيراً﴾.

ثالثاً: إذا استشرى الخلاف وجب اللجوء إلى التحكم بأن يختار الزوج حكماً من أهله، وتختار الزوجة حكماً من أهلها، فيجتمعان وينظران في الخلاف بين الزوجين وأسبابه ويعملان على إزالته، وكثيراً ما ينجح هذا التحكيم لأن كلاً من الحكمين حريص على حسم الخلاف لمصلحتها في حسمه، كما أنهما – لعلاقتهما العائلية – يمكنها الوقوف على أسباب الخلاف، ولا شك أن معرفة الأسباب الحقيقية تسهل معالجتها. قال تعالى في التحكيم بين الزوجين: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها ان يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما﴾.

رابعاً: إذا لم ينفع التحكيم واستمر الخلاف وأراد الزوج الفراق فعليه أن يسلك فيه مسلكاً يقيه شر العجلة والتسرع والغضب، فأوجب عليه الإسلام أن يوقع الطلاق بالكيفية الآتية:

أ‌) أن يطلقها وهي طاهرة غير حائض ولم يكن قد مسّها في طهرها هذا، والحكمة في ذلك أن الزوج إذا طلقها في هذه الحالة فإن ذلك يعني أن نفسه راغبة عنها وأن هناك من الأسباب القوية ما يحمله على فراقها إلى درجة أن امتنع عن مسيسها قبل طلاقها.

ب‌) ومع هذا فإن الشرع الإسلامي إحتاط للأمر احتياطاً آخر فقد يكون الزوج لم يقدر المسألة حق قدرها وتسرع في تصميمه على الطلاق، ولهذا أوجب عليه أن يطلقها طلقة واحدة هي التي تسمى في الإصطلاح الشرعي بالطلقة الرجعية ويكون له في هذا الطلاق الرجعي الحق في إرجاع زوجته خلال مدة العدة وهي عدة تمتد إلى ما يقرب من ثلاثة أشهر. فإذا فكر بهدوء فقد يظهر له أنه قد تسرع في طلاقه، وقد يحمله تفكيره الهادئ إلى ترجيح إبقاء الرابطة الزوجية على قطعها وإن كان هناك ما يبرر قطعها إيثاراً لمصلحة أولاده الصغار من الضياع، ولهذا أعطاه الشرع الإسلامي الحق في إرجاع زوجته خلال مدة العدة كما قلنا. وقد يكون هذا الطلاق نذيراً للمرأة فلا تعود لما أدى إليه.

ت‌) فإذا انتهت مدة العدة ولم يراجعها الزوج، ثم أسف الزوج على ما وقع وأراد إرجاع زوجته، ففي هذه الحالة، يشترط أن ترضى الزوجة بالرجوع وأن يتم ذلك بعقد نكاح جديد ومهر جديد.

ث‌) فإذا كرر الزوج الطلاق مرتين بالكيفية التي بيناها، ثم طلقها المرة الثالثة، ففي هذه الحالة لا يمكنه إعادتها إليه إلا بشروط ثقيلة، هي: أن تنتهي عدتها، ثم تنكح زوجاً غيره نكاحاً حقيقياً لا صورياً، ثم يفارقها هذا الزوج بموت أو طلاق، ثم تنتهي عدتها من هذه الفرقة، ثم تعقد نكاح جديد مع مطلقها الأول برضى تام منهما وبمهر جديد.

149- هذه هي إجراءات الشرع الإسلامي لمنع وقوع الطلاق، أو لمنع إساءة إستعماله بدون رؤية وتأمل، فإذا لم تنفع كل هذه الإجراءات الطويلة لمنع أو إزالة أسباب الطلاق، فإن وقوعه هو الحل الوحيد لفض النزاع وإنهاء هذه الرابطة التي لم تعد مبعث ارتياح واستقرار، وإنما أصبحت مبعث شر وخصام، ولإفساح المجال لكل من الزوجين ليجرب حظه في زواج آخر.

وقد يقال هنا: ما الحكمة في إعطاء الزوج حق الطلاق دون الزوجة؟ والجواب أن الرجل عادة أكثر سيطرة على عواطفه من المرأة ولأن الطلاق يحمله أعباء مالية كثيرة قد تدفعه إلى الروية وعدم الإستعجال ومن هذه الأعباء المهر المؤجل ونفقة العدة ونفقة الأولاد. ومع هذا فيجوز للمرأة أن تشترط لنفسها في عقد النكاح حق الطلاق فتطلق نفسها منه بموجب هذا الشرط. كما أن للمرأة أن تطلب من القاضي أن يفرق بينها وبين زوجها إذا أصابها من الزوج ضرر يبرر حل الرابطة الزوجية.

ومن هذا العرض السريع الموجز لبيان نظام الطلاق في الإسلام يتبين لكل منصف أنه نظام كامل يعتبر من محاسن الشريعة الإسلامية، إذ ليس من المنطق ولا المصلحة إبقاء الرابطة الزوجية بعد أن ظهر عدم الفائدة من بقائها، أو ظهر أن بقاءها مضر. ولهذا نجد الدول الغربية تقرر جواز الطلاق المدني لأن الكنائس لا تجيزه، وحتى إيطاليا التي كانت إلى عهد قريب تأخذ بالتفريق الجسماني بين الزوجين عند وجود أسبابه، ومعناه أن الزوجين يعيشان منفردين ولكن يعتبر كل منهما زوجاً للآخر بحكم القانون ولا يحق لأحدهما الزواج لأن الرابطة الزوجية تعتبر باقية قانوناً، إلا أنها أجازت أخيراً الطلاق بموجب القوانين التي شرعتها.

وقد يقال هنا أيضاً: لماذا لا يشترط إذن القاضي لصحة وقوع الطلاق؟ والجواب لا فائدة ولا مصلحة في هذا الاذن، لأن هناك من الأسرار الزوجية ما لا يحسن كشفه أمام القاضي، فمن الخير ومصلحة الزوجة أن تبقى هذه الأسرار مكتومة غير مفضوحة، ولهذا لم يشترط أحد من الفقهاء أخذ إذن القاضي لصحة وقوع الطلاق، وما قرره الفقهاء هو الصواب الذي لا يجوز غيره.

حقوق الصغار في الاسرة

150- ثمرة النكاح انجاب الذرية، وايجاد النسل، ولهم حقوق مقررة على أبويهم منها ثبوت النسب، وما يترتب عليه من حقوق، والانفاق عليهم من قبل الأب لا الأم. كما يجب على الأم ارضاعهم قال تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ وإذا وقعت الفرقة بين الزوجين فان حق حضانة الصغار وتربيتهم يكون للأم حتى يبلغوا السن التي يستغنون فيها عن حضانة الأم فيأخذهم الأب لإكمال تربيتهم وحفظهم، وسن الحضانة تقدر ببلوغ سبع سنين بالنسبة للأولاد الذكور، وتسع سنين بالنسبة للإناث.

حقوق الأبوين على أولادهما

151- الأبوان سبب وجود الولد وتحملا الشيء الكثير في تربيته، فمن الوفاء لهما القيام بحقوقهما وعدم التفريط بها، ولهذا عظمت الوصية بهما وقرن الله تعالى برهما بعبادته، قال تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيراً﴾.

التضامن بين أفراد الأسرة

152- يقوم بين أفراد الأسرة ودّ ورحمة وشفقة جبلية فطرية، وقد عززها الإسلام بتشريعات كثيرة تحقق التضامن والتعاون والتكافل فيما بينهم. ومن هذه التشريعات ما هو ملزم يخضع لحكم القضاء، ومنها ما هو ملزم ولكن لا يخضع لحكم القضاء، فمن الاولى وجوب النفقة لمستحقيها على القادر عليها من أفراد الأسرة، فنفقة الزوجة على زوجها ونفقة الصغار على أبيهم، ونفقة الأب الفقير على أولاده القادرين على الانفاق، وهكذا القول في بقية نفقات أفراد الأسرة، تخضع لسلطان القضاء ويجري فيها الحكم والالزام إذا ما توافرت شروطها. ومن أمثلة ما هو ملزم ولكن لا يخضع لسلطان القضاء حسن المعاملة بين أفراد الأسرة فهو واجب ولكن لا يخضع لالزام القاضي وإنما يترك لديانة وتقوى عضو الأسرة.

ويقابل واجب الانفاق بين أعضاء الأسرة حق الميراث لهم، لأن الغرم بالغنم، ومن اسباب الميراث: الزوجية والقرابة، وقد حدد الإسلام انصبة الورثة وأقام هذا التحديد على أساس العدل الدقيق الذي قد لا يتفطن إليه بعض الناس، مثل جعل حصة الابن ضعف حصة البنت قال تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ لأن الأنثى مكفية المؤونة، فهي إن لم يكن لها مال، فنفقتها قبل الزواج على أبيها إلى أن تتزوج ولا تكلف بالاكتساب، وإذا تزوجت فنفقتها على زوجها، وهي لا تدفع مهرا في الزواج ولا تلزم بالانفاق على أولادها. أما الذكر فإنه إذا بلغ وقدر على الاكتساب فنفقته على نفسه، وإذا تزوج فهو يدفع المهر ويتحمل نفقة زوجته وأولاده الصغار، فالتكاليف المالية على الرجل أكثر بكثير من تكاليف المرأة، فمن العدل إذن أن يأخذ أكثر منها في الميراث.

والميراث يقوم على أساس من الفطرة ورغبة الإنسان، فان كل شخص لا يكتسب المال لسد حاجة نفسه فقط بل لكفاية غيره أيضاً من أفراد أسرته كأولاده مثلا، فإيصال ثمرة أتعابه بعد موته إلى هؤلاء يدفعه إلى المزيد من السعي، لأنه يتفق ورغبته وإرادته. وفي الميراث فوائد وحكم، منها توفير شيء للورثة يستعينون به في حياتهم ويستغنون به عن سؤال الناس، كما ان في الميراث تفتيتاً للثروة وتوزيعها على عدد كبير من الأفراد وبهذا تتداول الأموال ولا تتكدس بأيدي قليلة.

ومن صور التضامن داخل الأسرة الولاية على النفس والولاية على المال. فأما الولاية على النفس فيدخل فيها حضانة الصغير عند أمه إلى سن معينة كما ذكرنا من قبل، ثم ضمه إلى من له الولاية على النفس والجد، فيتم تربيته وحفظه وتقويمه، ومثل الصغير في خضوعه للولاية على النفس المجنون والمعتوه. فاذا بلغ الصغير عاقلا أو أفاق المجنون وزال عته المعتوه زالت عنه الولاية على النفس، وصار له الحق في الذهاب حيث يشاء، إلا ان الصغيرة إذا بلغت فان الولاية تستمر عليها ويستمر وليها بالمحافظة عليها ورعايتها حتى تتزوج. ولما كانت الولاية على النفس تتضمن الحفظ والرعاية والتربية والتوجيه وكلها لمصلحة الصغير أو الصغيرة، فقد ذكر الفقهاء الشروط الواجب توافرها في الولي، فقالوا يشترط فيه أن يكون بالغاً عاقلاً أميناً قادراً على القيام بمهام الولاية، يتفق دينه مع دين المولى عليه.

اما الولاية على المال فهذه تثبت على الصغير في ماله وعلى من هو في حكم الصغير كالمجنون والمعتوه. وتثبت هذه الولاية للأب والجد وغيرهما على التفصيل المذكور في كتب الفقه. وقد شرعت هذه الولاية لمصلحة الصغير ومن في حكمه، ولهذا يشترط في الولي الأمانة والقدرة على حفظ مال الصغير وتنميته. وتبقى هذه الولاية ما دام سببها قائماً، فإذا زال، زالت كما لو بلغ الصغير عاقلاً وكان رشيداً أي: قادراً على تثمير ماله والتصرف به تصرفاً حسناً فإن الولاية تزول عنه، قال تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾. وكذلك تزول الولاية على المجنون إذا عقل وكان رشيداً. ويجب على الأولياء أن يتصرفوا في أموال المولى عليهم على وجه المصلحة لهم وعلى هذا لا يجوز لهم هبة أموالهم أو تبذيرها.

رابعاً: تحديد مركز المرأة في المجتمع

153- والخصيصة الرابعة من خصائص النظام الاجتماعي الإسلامي تحديده مركز المرأة في المجتمع تحديداً دقيقاً صريحاً مفصلاً، حتى لا تدخل الاهواء في هذه المسألة الخطيرة جداً وحتى تتحقق للمجتمع طهارته ونظافته وعفته واستقامته وتنشأ فيه الأجيال القوية الامينة، فيبقى المجتمع على صلاحه واستقامته ويسعد أفراده. وقد تناول القرآن الكريم بآيات كثيرة شؤون المرأة وتحديد مركزها الاجتماعي وما لها وما عليها، وكذلك فعلت السنة النبوية، ولا شك أن معالجة موضوع المرآة في القرآن بآيات كثيرة وفي السنة بأحاديث كثيرة يدل دلالة قاطعة على أهمية هذا الموضوع وعظيم عناية الإسلام به. والواقع أن حالة المرأة في المجتمع ومدى ما لها وما عليها من الحقوق والواجبات، ونوع الضوابط التي تحكم سلوكها، كل ذلك كان ولا يزال من أعظم المؤثرات في سير المجتمع وفي مدى صلاحه وفساده. ولهذا كله فقد أولى الإسلام مسألة المرأة كل ما تستحق من عناية وتوضيح حتى تستبين الأمور ويعرف الناس المسلك السديد في معالجة هذه المسألة على الوجه الصحيح.

ونحن في هذا البحث لا نريد الاحاطة بكل جزئيات الموضوع وإنما نريد ذكر النقاط البارزة فيه على وجه يعطي فكرة جيدة عن مركز المرأة في المجتمع في نظر الإسلام.

مركز المرأة في المجتمع قبل الإسلام

154- من المفيد أن نذكر شيئاً عن مركز المرأة في المجتمع العربي الجاهلي قبل الإسلام لنرى مدى الاصلاح العظيم الذي جاء به الإسلام في هذا الموضوع، ثم نعرف المعايب والاخطاء والاباطيل التي كان عليها الناس قبل الإسلام في مسألة المرأة حتى لا يقع المجتمع الإسلامي فيها، وقد روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قال: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية" لأنه إذا لم نعرف قبائح الجاهلية لم نتوقها وربما خالطناها أو وقعنا فيها.

والمجتمعات غير العربية قبل الإسلام أو التي لم تهتد بهديه بعد بزوغ شمسه، لم تكن أحسن حالا من المجتمعات العربية الجاهلية.

ونذكر فيما يلي بعض الاوضاع التي كانت عليها المرأة في المجتمعات الجاهلية العربية وغير العربية.

أولاً: كان العرب قبل الإسلام ينظرون إلى المرأة نظرة احتقار وامتهان، ويحزنون لولادة الأنثى، وقد بين القرآن الكريم هذه الحالة النفسية التي كانت تنتابهم فقال تعالى: ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون﴾ حتى آل الأمر ببعضهم إلى وأد البنات وهن في قيد الحياة قال تعالى: ﴿وإذا الموؤدة سئلت بأي ذنب قتلت﴾.
ثانياً: ما كانت المرأة ترث، لأن الارث عند عرب الجاهلية كان محصوراً بالرجال.
ثالثاً: كانت كثيراً ما تخضع للتعسف والظلم، فاذا مات الرجل وترك زوجة وأولاداً من غيرها، فللابن الحق في تزويجها ولو كانت كارهة كما كان له أن يمنعها من التزوج.
وللزوج أن يطلقها ما شاء من الطلقات ويراجعها قبل أن تنتهي عدتها وهكذا يجعلها كالمعلقة لا هي مطلقة فتذهب إلى حال سبيلها ولا هي بالزوجة التي تتمتع بحقوق الزوجية.
رابعاً: والأقوام الجاهلية الأخرى ما كانت أحسن حالا من عرب الجاهلية، فقد وقع الاختلاف في أوروبا حول المرأة من جهة مساواتها مع الرجل في تلقي الدين والقيام بالعبادة واستحقاق الجنة في الآخرة، حتى إن بعض المجامع الكنسية في روما قررت أنها حيوان نجس لا روح له ولا خلود[1].
خامساً: وفي القانون الروماني للزوج الحق – في الزواج مع السيادة – أن يبيع زوجته، وأن يأخذ ما يكون عندها من أموال.
سادساً: ما كانت هناك قيود على الآداب العامة تلتزم بها المرأة، بل كان التحلل عن هذه القيود هو الشائع في المجتمعات الجاهلية، العربية منها وغير العربية، وقد أشار القرآن الكريم إلى شيء من هذا التحلل، قال تعالى: ﴿ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ ومن معاني تبرج الجاهلية الأولى خروج المرأة مكشوفة الرأس والصدر والعنق تخالط الرجال وهي بهذه الحالة، وتتغنج في مشيتها بينهم، وهكذا ذكر أهل التفسير بصدد هذه الآية الكريمة.

مركز المرأة في المجتمع الإسلامي

155- يعرف مركز المرأة في النظام الاجتماعي الإسلامي بمعرفة الحقوق التي لها والواجبات التي عليها، والوظيفة التي اختصت بها، والآداب التي تلتزم بها فلا بد من بيان هذه الأمور الاربعة المكونة لمركز المرأة في المجتمع الإسلامي.

أولاً: حقوق المرأة

156- القاعدة في حقوق المرأة أنها فيها كالرجل الا فيما يختلفان فيه من استعداد وكفاية وقدرة هي مناط هذه الحقوق وبشرط أن لا تعارض هذه الحقوق ما عليها من واجبات. وعلى هذه القاعدة تتمتع المرأة بالحقوق التالية:

أ‌) تتمتع بحق الحياة لانها نفس معصومة كالرجل، ولهذا حرم الإسلام وأد البنات، وأوجب القصاص في قتلها عمداً كما هو الحكم بالنسبة للرجل.

ب‌) هي أهل للتكريم لانها انسان والله تعالى يقول: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾.

ت‌) لها حق اكتساب الأموال بالطرق المشروعة، لأن لها ذمة صالحة لاكتساب الحقوق المالية وغير المالية، فهي فيه كالرجل. ومن أسباب اكتساب الاموال، الميراث وقد أثبته الشرع الإسلامي لها بعد أن حرمها الجاهليون منه قال تعالى: ﴿للرجل نصيب مما ترك الوالدان والاقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قلَّ منه أو كثر نصيباً مفروضاً﴾. ولها حق التصرف بأموالها كما تشاء دون حاجة إلى إذن أحد ما دامت عاقلة رشيدة.

ث‌) لها حق المهر في عقد النكاح قال تعالى: ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ وحق النفقة على الزوج ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ وحق النفقة على أولادها باعتبارها أماً.

ج‌) حق الحضانة على أولادها الصغار إذا وقعت الفرقة بينها وبين زوجها.

ح‌) ولها حق تعلم العلوم النافعة لها بالكيفية المناسبة لطبيعتها وبشرط الالتزام التام بالآداب الإسلامية اللازمة لها. وأعظم ما ينفعها تعلم شريعة الإسلام وما فيها من حلال وحرام. أما العلوم الدنيوية فهي مباحة، فاذا شاءت المرأة أن تتعلم منها شيئاً فلا بأس، ولكن بالشرط الذي قدمناه وهو الالتزام بالآداب وبالكيفية المناسبة لها والمحافظة على عفتها. كما ينبغي أن تتعلم ما يلائم طبيعتها ويقوي اختصاصها الفطري في تربية الاولاد ورعاية البيت، فتتعلم فنون الخياطة والطبخ وأصول تربية الولد ونحو ذلك، فاذا أرادت المزيد من المعرفة، فلا بأس بشرط أن لا تؤثر في قيامها بواجباتها المطلوبة منها كزوجة أو أم، وبشرط أن يكون التعلم بالكيفية المشروعة فلا يجوز اختلاطها بالشباب بحجة التعلم، ولا تكشفها أمام الرجال أو ظهورها بالمحرم من اللباس، فكل هذا وامثاله حرام لا يباح ولا يجوز ولو بحجة طلب العلم.

خ‌) أما الحقوق السياسية، ومنها الاشتغال بالأمور العامة، والانتخاب فالمسألة فيها شيء من التفصيل:

اما الاهتمام بأمور المسلمين العامة، فهذا من حقها بل من واجبها، جاء في الحديث "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم" ومن أمر المسلمين شؤونهم العامة التي يصلحون بها أو يشقون، ومن مظاهر الاهتمام التفكر بشؤونهم وإشاعة المفاهيم الإسلامية فيمن يحيط بالمرأة من زوج وابناء وأقارب وجيران، كما أن من حقها إبداء رأيها في الأمور العامة وإبداء النصح بالكيفية المستطاعة والملائمة لطبيعتها مثل الكتابة والتأليف وعقد الاجتماعات للنساء وتعليمهن وإشاعة الأخلاق الفاضلة فيهن، وحثهن على القيام بواجبهن ونحو ذلك، وبنهيهن عن المنكرات، قال تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾.

أما الاشتراك في الانتخابات بالكيفية المعروفة في الوقت الحاضر لاختيار رئيس الدولة أو أعضاء مجلس الأمة، فالظاهر لنا. انه غير جائز للمرأة لعدم وجود السوابق في هذا المجال فقد جرى انتخاب الخلفاء الراشدين وبايعهم المسلمون ولم ينقل إلينا اشتراك النساء في ذلك.

ثانياً: واجبات المرأة

157- القاعدة في واجبات المرأة كالقاعدة في حقوقها، فهي فيها كالرجل إلا فيما يختلفان فيه مما هو مناط التكليف، وأساس هذه القاعدة انها انسان، ولها أهلية وجوب أي صلاحية اكتساب الحقوق وتحمل الواجبات، قال تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيراً ونساء﴾ فالنساء كالرجال مطالبات بتقوى الله أي بإطاعة أوامره واجتناب نواهيه. ويترتب على هذه القاعدة ما يأتي:

أ‌) أنها كالرجل تخاطبة بالتكاليف الشرعية في باب الاعتقاد والعبادات والمعاملات، إلا بما تقتضيه طبيعتها كما هو معروف، أو بسبب عدم قدرتها على هذا الواجب كالجهاد يكلف به الرجل لا المرأة إلا إذا رغبت في الخروج مع المجاهدين فلا تمنع، وتقوم بما تقدر عليه من أمور الجهاد كمداواة الجرحى واعداد الطعام ونحو ذلك. وقد ورد في القرآن الكريم ان النساء المؤمنات بايعن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كما بايعه الرجال قال تعالى: ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم﴾ مما يدل على أن النساء مكلفات بما كلف به الرجل من أمور الدين.

ب‌) وترتب على مخاطبة المرأة بالتكاليف الشرعية أنها مجزية على عملها وقيامها بما كلفت به، قال تعالى: ﴿ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيراً﴾ وقال تعالى: ﴿فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أثنى بعضكم من بعض﴾ وقال تعالى: ﴿من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون﴾.

ت‌) إن الخطابات في القرآن التي تخاطب المؤمنين وتكلفهم بالتكليفات الشرعية يدخل فيها النساء إلا إذا قام الدليل على خلاف ذلك. فقوله تعالى: ﴿ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله ولياً ولا نصيراً﴾ يشمل الرجال والنساء. وقد يذكر القرآن الكريم النساء مع الرجال فيما يخاطبهم به من تكليفات أو فيما يمدحهم عليه، قال تعالى: ﴿إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات، والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً﴾.

ث‌) وعلى المرأة واجب الطاعة لزوجها بالمعروف، ووفائها بحقه عليها، جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم "لو كانت آمر أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها" فاذا أطاعته بالمعروف وأدت حقه عليها كانت من النساء الفضيلات قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه: قيل يا رسول الله أي النساء خير؟ قال: "التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره".

ج‌) والمرأة مسؤولة عن البيت وشؤونه ومؤتمنة عليه، فعليها القيام بهذه الأمانة والخروج من عهدة هذه المسؤولية، جاء في الحديث الشريف: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته... والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها".

ثالثاً: الوظيفة التي اختصت بها

158- خلق الله سبحانه وتعالى كل مخلوق على نحو يمكنه أن تكون زوجة وأماً وأودع فيها التطلع والحنين إلى ذلك. وقد وهبها الله تعالى القابلية والقدرة على تربية أولادها والصبر عليهم في جو من حنان الامومة الفطري فيها. فالوظيفة الاصلية التي اختصت بها المرأة، هي وظيفة الزوجة والأم وتربية الأولاد وتنشئتهم النشأة الصالحة. وتربية الاولاد تكون في البيت لا في الطريق، وتحتاج إلى انصراف إلى اداء هذه الوظيفة ووقت كاف لها، وقد وفر لها الإسلام ذلك، فقد رفع عنها مؤونة العيش والاكتساب بما فرضه على الزوج من واجب الانفاق عليها وعلى أولادها، ومن ثم لم تعد لها حاجة للعمل خارج البيت، لأن العمل يقصد به الكسب وتحصيل الرزق، وقد كفيت ذلك لقاء انصرافها إلى عمل جليل هو تربية الاولاد في البيت. كما أن الإسلام رفع عنها ايجاب بعض ما فرضه على الرجل تحقيقاً لأغراض معينة منها توفير الوقت الكافي للانصراف إلى مهمتها، فالقتال في سبيل الله ليس بواجب عليها وجوبه على الرجل، والصلاة في المسجد واجب أو من السنن المؤكدة على الرجال دون النساء، وصلاة الجمعة تجب على الرجل دون المرأة، فهذا وأمثاله يدل على أن الإسلام يرغب في بقاء الزوجة في بيتها وعدم الخروج منه إلا لحاجة أو سبب معقول لتنصرف إلى مهمتها الخطيرة: تربية الاولاد وتهيئة المسكن المريح للزوج الذي يأوي اليه بعد تعبه خارجه، قال تعالى: ﴿وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ وليس المقصود بالقرار في البيوت عدم الخروج منه مطلقاً الا يرى أن المرأة تخرج للحج وتخرج الاداء الصلاة في المساجد إذا شاءت، وتخرج لزيارة أهلها وتخرج للمعالجة.. الخ وانما المقصود أن المرأة في بيتها ولا تخرج بلا غرض مشروع ولا سبب معقول لأن هذا هو المرغوب فيه في نظر الشرع.

رابعاً: الآداب التي تلتزم بها

159- هناك جملة آداب واخلاق يجب أن تلتزم بها المرأة لتسهم في بقاء طهارة المجتمع ونظافته مما يشين، ولتبقى هي نفسها بعيدة عن مظنة التهم مزالق الشيطان، ومن هذه الآداب ما يأتي:

أولاً: لا يجوز للمرأة أن تخلو بأي رجل يحل له نكاحها حتى ولو كان قريباً لها كابن العم أو ابن الخال. وهذا المنع كما هو واضح يسري على الرجل سريانه على المرأة فلا يجوز لمسلم أن يخلو بامرأة يحل له نكاحها. وتعليل هذا المنع هو سد منافذ الشيطان فان الشيطان كما جاء في الحديث يجري من ابن آدم مجرى الدم فيزين له الخطيئة ويهيج فيه الشهوة، جاء في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم "إياكم والخلوة بالنساء، والذي نفسي بيده ما خلا رجل بامرأة إلا ودخل الشيطان بينهما" وفي حديث آخر "لا يخلون أحدكم بامرأة إلا مع ذي محرم". ولا يقال: إن الثقافة عاصمة من الوقوع في الخطيئة فلا ضرر من الخلوة بالاجنبية، لأن المسألة مسألة ضعف النفس وما فيها من شهوات وقابليات للاستجابة لغواية الشيطان والمثقف والمثقفة كالجاهل والجاهلة في هذه المسائل والواقع شاهد على صحة ما نقول. وأيضاً فان الثقافة لا تقلع الشهوات وإنما الذي يضعفها ولا يستأصلها تقوى الله والخشية منه وعمارة القلب بالايمان، بدليل أن الحديث الشريف يخاطب المؤمنين أصحاب رسول الله وهم خيار خلق الله بعد رسول الله، فكيف بغيرهم ممن عشش الشيطان في قلبه وباض وفرخ وان ملأ رأسه ببعض ما يسمى ثقافة وعلماً؟. ومثل المنع من الخلوة منع المرأة من السفر وحدها بدون زوجها أو أحد محارمها، لأن الوحدة في ديار الغربة تفتح للشيطان منافذ للاغواء وللايقاع في الخطيئة.

ثانياً: لزوم ابتعادها عن الاختلاط بالرجال خوف الفتنة. يدل على ذلك أن الإسلام في سبيل عدم الاختلاط بالرجال لم يفرض على المرأة صلاة الجمعة ولم يوجب عليها صلاة الجماعة، ولا يستحب لها اتباع الجنائز، وإذا حضرت للصلاة في المسجد وجب عليها أن تقف مع النساء في الصف الأخير خلف الرجال، فإذا كان الأمر هكذا في بيوت الله فكيف يجوز الاختلاط في غير أماكن العبادة؟

ومع هذا فإذا وجدت الضرورة والحاجة إلى مثل هذا الاختلاط جاز في حدود الأدب والاحتشام كخروج المرأة مع المجاهدين تعد الطعام وتداوي الجرحى، فقد خرج الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه بعض نساء المسلمين إلى القتال وقمن بمداواة الجرحى وسقي المقاتلين من المسلمين. بل وقد تضطر المرأة إلى القتال الفعلي مع المسلمين كما حصل لبعضهن في موقعة أحد، وهذا يستلزم الاختلاط. وكذلك قد تضطر المرأة إلى الخروج من بيتها لقضاء حاجتها فتركب السيارة العامة أو القطار وتختلط بالرجال، فهذا ونحوه يجوز عند الحاجة بشرط الالتزام بالآداب الإسلامية في المشي واللباس والكلام.

ثالثاً: اخفاء زينتها الا ما ظهر منها – فقد جاء في القرآن الكريم في آداب النساء ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ فلا يجوز تعمد اظهار شيء من زينتها إلا ما ظهر منها بغير قصد، أو ما كان ظاهراً لا يمكن اخفاؤه كالرداء والثياب وهذه هي الزينة الظاهرة التي يجوز ابداؤها على رأي ابن مسعود رضي الله عنه. أو هي الكحل والخاتم على رأي ابن عباس رضي الله عنه. أو هي الوجه والكفان على رأي بعض العلماء[2] فالوجه واليدان يجوز كشفهما أما غيرهما فلا يجوز كشفه، وبعض العلماء أجاز كشفهما بشرط عدم وجود الزينة فيهما.

رابعاً: ويجب أن يكون لباس المرأة شرعياً أي وفق ما أمر به الشرع قال تعالى: ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾. والخمار ما يوضع على الرأس، فالآية الكريمة تأمر بانزال الخمار الى العنق والصدر لإخفائهما.

وقال تعالى في آية أخرى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفوراً رحيماً﴾ والجلباب هو الملاءة التي تغطي جسم المرأة وتلبسه فوق ثيابها فلا يظهر منها شيء وهو يشبه العباءة التي تستعملها بعض نسائنا اليوم وكانت شائعة بالامس.

ومن الشروط الأخرى في لبس المرأة في حكم الإسلام، أن لا يكون شفافاً ولا ضيقاً حتى لا يظهر أعضاء المرأة ولا يصفها، وقد جاء في الحديث الشريف: "سيكون في آخر أمتي نساء كاسيات عاريات على رؤوسهن كأسنمة البخت، العنوهن فانهن ملعونات" فهن كاسيات بالاسم عاريات أو كالعاريات في الحقيقة والواقع، وهذا الحديث من أعلام النبوة فقد وقع ما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم. وفي حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى المرأة أن تلبس ما يصف حجم عظامها.

ومن شروط لباس المرأة الشرعي أيضاً أن لا يكون معطراً إذا خرجت من بيتها، وان لا يشبه لباس الرجال ولا زيهم فقد جاء في الحديث الشريف: "ليس منا من تشبّه بالرجال من النساء، ولا من تشبه بالنساء من الرجال".

وخلاصة القول في لباس المرأة الشرعي الذي تتحقق فيه الآداب الإسلامية في اللباس بالنسبة للمرأة: "أن يكون ساتراً لجميع بدنها إلا وجهها وكفيها، وان لا يكون – أي لباسها – زينة في نفسه، ولا شفافاً ولا ضيقاً يصف بدنها، ولا مطيباً – أي معطراً – ولا مشابهاً للباس الرجال، ولباس الكفار، ولا ثوب شهرة"[3].

خامساً: من آداب الإسلام في مشي المرأة وكلامها ما أشار اليه القرآن الكريم ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾ أي لا تضرب برجليها ليسمع قعقعة خلخاليها، فإذا فعلت ذلك بالتبرج والتعرض للرجال فهو حرام[4] والواقع أن هذا يدخل في باب سد الذرائع، وعلى هذا، لا ينظر الى القصد وانما ينظر الى مآل الفعل، وعلى هذا ينبغي للمرأة أن لا تفعله لئلا يثير ما لا ينبغي في الرجال بأن ينتبهوا اليه وإلى مشيها فيقعون في إثم النظر اليها أو الظن السيء بها. ويقاس على ذلك المنع، منع أي مشية فيها إثارة للفتنة، فينبغي أن تمشي المرأة مشية لا تغري الفساق وضعيفي الأخلاق. وقال تعالى: ﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً﴾ يقول الامام ابن العربي في تفسير هذه الآية: "أمرهن الله أن يكون قولهن جزلاً، وكلامهن فصلاً، ولا يكون على وجه يحدث في القلب علاقة بما يظهر عليه من اللين المطمع للسامع، وأخذ عليهن أن يكون قولهن معروفاً... قيل المعروف هو السر فان المرأة مأمورة بخفض الكلام"[5] فعلى المرأة المسلمة أن تلتزم بهذه الحدود في كلامها.

خامساً: تحميل الفرد مسؤولية اصلاح المجتمع

واجب الفرد في اصلاح المجتمع

160- ومن خصائص النظام الاجتماعي في الإسلام تحميل الفرد مسؤولية اصلاح المجتمع، بمعنى أن كل فرد فيه مطالب بالعمل على اصلاح المجتمع وإزالة الفساد منه على قدر طاقته ووسعه، والتعاون مع غيره لتحقيق هذا المطلوب قال تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان﴾ ومن أعظم التعاون التعاون على اصلاح المجتمع، وإذا كان الفرد مطالباً باصلاح المجتمع، فمن البديهي انه مطالب بعدم افساده، قال تعالى: ﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾. من القواعد الفقهية "ما حرم أخذه حرم اعطاؤه" لأن اعطاء الحرام للغير من الفساد والافساد، وان المسلم إذا عجز عن الاصلاح فعلى الأقل عليه أن يمتنع من الافساد وتكثير الفساد، وعلى هذا لا يجوز اعطاء الرشوة كما لا يجوز أخذها، ولا يجوز اعطاء الربا كما لا يجوز أخذه، جاء في الحديث "لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه". وفي حديث آخر "الراشي والمرتشي والرائش بينهما".

أدلة مسؤولية الفرد عن اصلاح المجتمع

161- أولاً: من القرآن الكريم

قال تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ والمعروف اسم جامع لكل ما طلبه الشرع الإسلامي. والمنكر اسم جامع لكل ما نهى عنه. ويدخل في ذلك بداهة ما يصلح المجتمع ويطهره من الفساد وفي وصية العبد الصالح لقمان لابنه التي قصها الله علينا ﴿يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور﴾.

ويؤكد القرآن الكريم مسؤولية الفرد عن اصلاح المجتمع بما يقصه من أخبار الامم السابقة التي فرط أفرادها بواجب الاصلاح فلحقهم الذم والهلاك، حتى يعتبر كل مسلم بما حل بهم فلا يفرط تفريطهم لئلا يصيبه ما أصابهم. قال تعالى: ﴿فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم﴾. أي هلا كان من الامم التي قبلكم أولوا بقية أي أصحاب طاعة ودين وعقل ينهون قومهم عن الفساد في الأرض[6]. وقال تعالى: ﴿فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون﴾ فهذه الآية الكريمة دلت على أن الذين نجوا من العذاب، إنما نجوا بسبب نهيهم عن السوء والفساد، فدل ذلك على وجوبه[7].

162- ثانياً: من السنة النبوية

وفي السنة أحاديث كثيرة تقرر مسؤولية الفرد عن اصلاح المجتمع، منها الحديث الشريف: "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم" واصلاح المجتمع وإزالة الفساد عنه، والتفكير في تحقيق ذلك من الاهتمام بأمور المسلمين. وفي حديث آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" فهذا الحديث الشريف صريح في تحميل الفرد مسؤولية إزالة الفساد المطلوب من المسلم إزالته. وهذا الحديث الشريف يأمر أيضاً بأن يكون المسلم في حالة استعداد وتهيؤ للاصلاح وإزالة للفساد، وهذا المعنى يفهم من عبارة "فان لم يستطع فبقلبه"، لأن التغيير بالقلب يعني كراهية المنكر، يقول الامام النووي: "فبقلبه معناه فليكرهه بقلبه وليس ذلك بازالة وتغيير منه للمنكر ولكنه هو الذي في وسعه"[8] فالتغيير بالقلب يعني كراهية المنكر وهو وإن لم يكن إزالة وتغييراً كما يقول الامام النووي إلا أنه مقدمة للتغيير وتهيؤ له واعداد النفس لتغييره فعلا، لأن الانسان عادة، لا يزيل شيئاً يحبه وإنما يزيل ويغير شيئاً يكرهه، فكراهية الشيء مقدمة لازالته وسابقة لتغييره، فجاز اطلاق اسم التغيير على كراهية القلب للمنكر بهذا الاعتبار، وكراهية القلب للمنكر يجعل القلب حياً عامراً بالايمان ذا حساسية كافية ضد المنكرات والفساد، ولا يسع المسلم ترك هذه الكراهية وإذا فقدها كان ذلك علامة مرض قلبه فليسارع إلى تطبيبه بعلاج الايمان قبل فوات الأوان، وقد اعتبر الامام ابن تيمية رحمه الله تعالى الانكار القلبي ردة عن الإسلام، فقد قال رحمه الله: "والمرتد من أشرك بالله تعالى أو كان مبغضاً للرسول صلى الله عليه وسلم ولما جاء به أو ترك انكار منكر بقلبه"[9].

ومن السنة أيضاً، قول النبي صلى الله عليه وسلم "والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظلم ولتأطرنه على الحق أطراً ولتقصرنه على الحق قصراً أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليعلنكم كما لعنهم" وهذا الحديث الشريف صريح في الدلالة على تحميل الفرد مسؤولية اصلاح المجتمع ورفع الفساد عنه، وفيه تأكيد على منع الظالم من الظلم، لأن الظلم من أعظم الفساد في الأرض.

تعديل مسؤولية الفرد عن اصلاح المجتمع

163- وإذا كان الفرد مسؤولاً عن اصلاح المجتمع، فما تعليل ذلك؟ ولماذا يطالب الفرد بهذا الواجب مع مطالبته بإصلاح نفسه؟ الذي نراه، ان تعليل هذه المسؤولية أوهذه المطالبة، ما يأتي:


164- أولاً: الفرد يتأثر بالمجتمع

الانسان كائن اجتماعي يتأثر بالمجتمع الذي يعيش فيه، فتمرض روحه أو تهزل، أو تصح وتقوى تبعاً لصلاح المجتمع أو فساده. وقد أشار النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إلى هذه الحقيقة، فقد جاء في الحديث الشريف "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه.. الخ" فالأبوان بالنسبة للصغير مجتمعه الصغير الذي يؤثر فيه، فيدفعه إلى الفساد أو الصلاح، فاذا كان الأبوان ضالين دفعاه إلى الضلال واخرجاه عن مقتضى الفطرة السليمة التي خلقه الله عليها، وإذا كانا صالحين أبقياه على الفطرة التي خلقه الله عليها، ونمَّيا فيه جانب الخير. وهكذا شأن المجتمع الكبير في تأثيره في الفرد صلاحاً وفساداً.

165- ثانياً: ضرورة قيام المجتمع الصالح

وقيام المجتمع الصالح ضروري للفرد، لأن المطلوب من المسلم تحقيق الغرض الذي خلق من أجله وهو عبادة الله وحده قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ والعبادة اسم جامع لما يحبه الله تعالى من الأقوال والأفعال والأحوال الظاهرة والباطنة[10] وهذا المعنى الواسع للعبادة يقتضي أن يجعل المسلم أقواله وأفعاله وتصرفاته وعلاقاته مع الناس على وفق ما جاءت به الشريعة الإسلامية، والمسلم لا يستطيع أن يصوغ حياته هذه الصياغة الإسلامية إلا إذا كان المجتمع الذي يعيش فيه منظماً على نحو يسهل عليه هذه الصياغة أي أن يكون مجتمعاً اسلامياً صحيحاً. فإن لم يكن كذلك بأن كان مجتمعاً جاهلياً صرفاً، أو مجتمعاً مشوباً بمعاني الجاهلية، فإن المسلم لا يستطيع فيه أن يحيا الحياة الإسلامية المطلوبة أو يتعذر عليه ذلك. ولهذا يأمر الإسلام بالتحول من المجتمع الجاهلي إلى المجتمع الإسلامي، ما دام عاجزاً عن إزالة جاهليته، قال تعالى: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم، قالوا كنا مستضعفين في الأرض، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها، فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً﴾ وقد جاء في تفسير هذه الآية الكريمة أنها نزلت: "في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكناً من إقامة الدين فهو ظالم لنفسه مرتكب حراماً بالاجماع"[11] ولهذا يجب على كل مسلم تعهد المجتمع الذي يعيش فيه وإزالة المنكر حال ظهوره أو وقوعه وان لا يستهين به، لأن المنكرات كالجراثيم التي تؤثر في الجسد قطعاً، وإذا لم تمرض البعض فانها تضعف مقاومته فيسهل عليها فيما بعد التغلب عليه. ولهذا كانت أولى مهمات الدولة الإسلامية إقامة هذا المجتمع الإسلامي الفاضل وإزالة المنكرات منه، قال تعالى: ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾.

166- ثالثاً: النجاة من العقاب الجماعي

وقيام الأفراد باصلاح المجتمع ينجيهم وينجي المجتمع من الهلاك الجماعي أوالعقاب الجماعي أو الضيق والضنك والقلق والشر الذي يصيب المجتمع. وتوضيح هذه الجملة يحتاج إلى شيء من التفصيل لأهمية الموضوع وخطورته، فنقول:

من سنة الله تعالى، ان المجتمع الذي يشيع فيه المنكر، وتنتهك فيه حرمات الله، وينتشر فيه الفساد، ويسكت الأفراد عن الانكار والتغيير، فإنَّ الله تعالى يعمهم بمحن غلاظ قاسية تعم الجميع وتصيب الصالح والطالح، وهذه في الحقيقة سنة مخيفة وقانون رهيب يدفع كل فرد لا سيما من كان عنده علم أو فقه أو سلطان إلى المسارعة والمبادرة فوراً لتغيير المنكر دفعاً للعذاب والعقاب عن نفسه وعن مجتمعه، والدليل على ما نقول القرآن والسنة.

167- أ) من القرآن الكريم:

قال تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب﴾ قال ابن عباس رضي الله عنه في هذه الآية: أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب[12] فمقصود الآية، واتقوا فتنة تتعدى الظالم فتصيب الصالح والطالح كما قال الامام القرطبي[13].

وفي تفسير ابن كثير بصدد هذه الآية الكريمة: "يحذر الله تعالى عباده المؤمنين فتنة أي اختباراً ومحنة يعم بها المسيء وغيره لا يخص بها أهل المعاصي ولا من باشر الذنب بل يعمها".


168- ب) من السنة النبوية المطهرة:

جاء في صحيح الامام البخاري رحمه الله تعالى عن النبي صلى الله عليه وسلم "مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من قوفهم، فقالوا: لو انا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا، فان تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وان أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا" ففي هذا الحديث دليل كما يقول الامام القرطبي على تعذيب العامة بذنوب الخاصة، وفيه استحقاق العقوبة للجماعة كلها عند ظهور المعاصي وانتشار المنكر وعدم التغيير، وانه إذا لم تغير المنكرات وترجع الامور إلى حكم الشرع وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران ذلك البلد[14]. ويمكن القول أيضاً أن في هذا الحديث الشريف دلالة أخرى وهي أن الانحراف عن النهج الصحيح والمسلك السديد يؤدي إلى الهلاك أو الضرر، ولا ينفع في دفعهما عن الجماعة كون المنحرفين حسني النية والقصد لأن الذين أرادوا خرق السفينة إنما أرادوا بخرقها عدم إيذاء من فوقهم فلم يغن عنهم حسن مقصدهم لأن فعلهم خروج على النهج السديد في معالجة ما يهم الجميع.

وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: يا أيها الناس انكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ واني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنَّ الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه" فهذا يدل على أن وقوع الفساد في المجتمع والسكوت عليه وعدم تغييره سبب للعقاب الجماعي.

ميزان صلاح المجتمع وفساده

169- وإذا كان الفرد مسؤولا عن اصلاح المجتمع وإزالة فساده، فما هو الميزا لصلاحه وفساده والجواب، أن المجتمع الصالح هو المجتمع الإسلامي أي القائم على أساس العقيدة الإسلامية التي ينبثق عنها النظام الاجتماعي الإسلامي، الذي ينظم شؤونه المختلفة والذي بينا بعض خصائصه. والمجتمع الفاسد هو الذي يقوم على غير أساس العقيدة الإسلامية ولا يحكمه النظام الاجتماعي، وتشيع فيه المنكرات، وهو الذي يسميه الإسلام بالمجتمع الجاهلي. وبكلمة أخرى المجتمع الصالح هو القائم على معاني الإسلام وأفكاره ومناهجه والتي تطبق فيه أحكامه والمجتمع الفاسد بخلافه.

[1] الوحي المحمدي للشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله ص 320، طبع المكتب الإسلامي

[2] أحكام القرآن لابن العربي المالكي ج 3 ص 1356 – 1357.

[3] حجاب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة للاستاذ ناصر الدين الالباني ص 89، طبع المكتب الإسلامي.

[4] ابن العربي، المرجع السابق، ص 136.

[5] ابن العربي، المرجع السابق، ص123.

[6] تفسير القرطبي ج 9 ص 113.

[7] احياء علوم الدين للغزالي ج 2 ص 27.

[8] شرح صحيح مسلم للنووي ج 2 ص 25.

[9] اختيارات ابن تيمية في الجزء الخامس من الفتاوى ص 182.

[10] مختصر فتاوى ابن تيمية ص 172 – 173.

[11] تفسير ابن كثير ج 1 ص 542.

[12] تفسير القرطبي ج 7 ص 391.

[13] تفسير القرطبي ج 7 ص 393.

[14] تفسير القرطبي ج 7 ص 392.

الفصل الرابع - أنطِمَة الإسْلام - المبحث الثالث - نِظامُ الإفتاء

تمهيد

130- المطلوب من المسلم أن تكون أفعاله ابتداءً وفق المناهج الإسلامية وأن يتقبل حكم الشرع في نتائج أفعاله، وأن يتصرف على النحو المشروع في علاقاته مع الآخرين فاذا جهل ذلك أو بغضه وجب عليه أن يعرفه ليكون سلوكه وفق الحدود الشرعية. ومن سبل المعرفة قيام العلماء بتعليم الناس أمور الدين وتبليغهم أحكامه، أو قيام الجهال بسؤال العلماء عن أحكام الإسلام.

131- أما قيام العلماء بواجب التعليم والتبليغ فهذا ما افترضه الإسلام على أهل العلم. فعليهم تعليم الناس ما يحتاجونه من أمور دينهم بالقدر الذي يأمر به الإسلام ويحتاجه الناس. ويزداد هذا الوجوب على العلماء ويتأكد كلما فشا الجهل في الناس واندرست معالم الشريعة وظهرت البدع. فاذا قصر العلماء في واجب التعليم والتبليغ أثموا وحوسبوا على تقصيرهم حساباً عسيراً، لأن تقصيرهم في هذا الواجب يعتبر من كتمان العلم الذي اؤتمنوا عليه وأمروا بنشره وتبليغه للناس. فاذا قام العلماء بواجب التبليغ وجب على الناس أن يقبلوا عليهم ويسمعوا منهم ويتعلموا ما يقولون ويعملوا بما يتعلمون، فاذا لم يفعلوا أثموا وحوسبوا لقيام الحجة عليهم بتبليغ العلماء لهم احكام الدين.

132- وبالرغم من تبليغ العلماء أحكام الدين ابتداءً فقد يبقى البعض جاهلاً بأحكام الإسلام، وقد يقصر العلماء بواجب التبليغ، فيفشو الجهل، ويكثر عدد الجاهلين. وواجب الجاهل أن يتعلم أمود دينه التي تهمه قال تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾. ولا يرفع عن الجاهل مسؤولية تعلم ما يلزمه من أمور الدين تقصير العلماء بواجب التعليم والتبليغ ابتداءً اذ عليه أن يسأل أهل العلم عما يجهله من أمور الدين كما جاء في الآية الكريمة.

133- وسؤال الجاهل أهل العلم، وجواب هؤلاء له، وما يتعلق بهذين الموقفين موقف الجاهل وهو يسأل، وموقف العالم وهو يجيب، من وجوب عليهما في السؤال والجواب أو ندب أو اباحة بلا وجوب في السؤال والجواب وغير ذلك من الأمور، كل ذلك يكوّن ما يعرف في الشريعة الإسلامية بنظام الإفتاء.

الإفتاء في اللغة

134- جاء في لسان العرب لابن منظور: أفتاه في الأمر، أي أبانه له، وأفتاه في المسألة يفتيه: إذا أجابه، والاسم الفتوى، واستفتيته فأفتاني افتاء، والفتوى اسم يوضع موضع الافتاء، والفتيا والفتوى: ما أفتى به الفقيه.

ومما تقدم نعلم أن الاستفتاء في اللغة يعني السؤال عن أمر أو عن حكم مسألة وهذا السائل يسمى المستفتي. والمسؤول الذي يجيب: هو المفتي، وقيامه بالجواب هو الافتاء، وما يجيب به هو الفتوى. فالافتاء يتضمن وجود المستفتي والمفتي والافتاء نفسه والفتوى.

الإفتاء في الاصطلاح

135- والمعنى الاصطلاحي للافتاء هو المعنى اللغوي لهذه الكلمة وما تتضمنه من وجود مستفت ومفت وافتاء وفتوى، ولكن بقيد واحد هو أن المسألة التي وقع السؤال عن حكمها تعتبر من المسائل الشرعية، وأن حكمها المراد معرفته هو حكم شرعي.

فالمستفتي اذن في نظام الإفتاء الذي نتكلم عنه هو: السائل عن حكم الشرع في مسالة من المسائل، أي من يسأل عن حكم مسألة شرعية، وإنَّ المفتي هو من يجيب عن هذا السؤال، وقيامه بإعطاء الجواب هو الإفتاء، ونصّ ما يجيب به هو الفتوى.

منهج البحث

136- وبناءً على ما تقدم نقسم هذا المبحث إلى أربعة مطالب:

الأول: للكلام عن المستفتي.

الثاني: للكلام عن المفتي.

الثالث: للكلام عن الافتاء.

الرابع: للكلام عن الفتوى.

المطلب الأول - المستفتي

من هو المستفتي

137- المستفتي هو من يسأل عن حكم الشرع في مسألة ما، وهذا يعني أنه جاهل بهذا الحكم وإنما يسأل ليعرفه وليعمل بما يفتيه به المفتي مقلداً له بهذه الفتوى. ولكن هل يجب على كل جاهل بالحكم الشرعي أن يسأل عنه حتى يعرفه أم لا؟ واذا علم الحكم أو كان قادراً على معرفته بنفسه فهل يجب عليه أو يسوغ أن يسأل عنه أم لا؟ الجواب على ذلك يختلف باختلاف الناس واختلاف أحوالهم. فقد يحرم على بعضهم الاستفتاء وقد يجب وقد يجوز، فلا بد من بيان هذه الأصناف من الناس.

الصنف الأول: المحرم عليهم الاستفتاء

138- من توافرت فيه أهلية الاجتهاد وشروطه على النحو المذكور في كتب أصول الفقه صار مجتهداً، والمجتهد يحرم عليه تقليد غيره، لأن الواجب عليه – وقد صار مجتهداً – أن يجتهد في المسألة حتى يعرف حكمها الشرعي على وجه اليقين أو غلبة الظن، وبالتالي يحرم عليه أن يستفتي أحداً في بيان حكم هذه المسألة. والتحريم هنا يتعلق بالاستفتاء الذي يراد به تقليد المفتي بما يفتي به، أما سؤال المجتهد غيره عن حكم مسألة على وجه المذاكرة وفحص المعلومات فهو جائز غير ممنوع، وإذا تبين للمجتهد بعد هذه المذاكرة أن الصواب عند غيره وجب عليه اتباعه لأنه صار من جملة ما عرفه باجتهاده.

139- وإذا قلنا بأن الاجتهاد يتجزأ، وهذا ما نرجحه، بحيث يكون المسلم مجتهداً في بعض المسائل دون بعض، فإنه فيما يقدر عليه من الاجتهاد ينزل منزلة المجتهد المطلق فلا يجوز له سؤال غيره وتقليده فيما يفتيه به. أما فيما يعجز عن الاجتهاد فيه فإنه ينزل منزلة غير المجتهد فيجب عليه الاستفتاء أو يجوز كما سنبينه فيما بعد.

الصنف الثاني: من يجب عليهم الاستفتاء

140- يجب الاستفتاء على كل من لم يصل الى مرتبة الاجتهاد ووجب عليه معرفة الحكم الشرعي. فشروط وجوب الاستفتاء شرطان:

الشرط الأول: أن يكون غير مجتهد. سواء كان سبب ذلك عجزه عن الاجتهاد لعدم استعداده له وعدم قدرته عليه أو لعدم الملكة الفقهية فيه أو لعدم تفرغه لطلب العلم حتى يصل الى مرتبة الاجتهاد أو لأي سبب آخر.

الشرط الثاني: وجوب معرفته الحكم الشرعي. وهذا يختلف باختلاف الأشخاص، فمن بلغ عاقلاً لزمه أن يعرف أحكام الصلاة وكيفية أدائها وشروطها. وإذا دخل عليه رمضان وجب عليه أن يعرف أحكام الصيام. وإذا صار عنده مال وبلغ النصاب وجب عليه أن يعرف أحكام الزكاة، وإذا استطاع الحج وجب عليه أن يعرف أحكام الحج، ومن نزلت به نازلة وجب عليه أن يعرف حكمها. ومن باشر التجارة والبيع والشراء وجب عليه أن يعرف أحكام هذه المعاملات وهكذا. والأصل الجامع في هذا الشرط هو: كل من لزمته معرفة حكم شرعي معين وجب عليه أن يسأل أهل العلم عنه من يعرفه. أما ما زاد على ذلك من معرفة تفاصيل الشرع فهو من الأمور المندوبة في حق الفرد وان كان من الفروض الكفائية في حق الأمة إذ لا بد أن يوجد في الأمة من يعرف تفاصيل الشرع مع بلوغه رتبة الاجتهاد ليفتي الناس فيما يحتاجون إليه من أمور الدين.

141- والخلاصة فإنَّ العامي يجب عليه استفتاء العلماء فيما يلزمه من تكاليف الشرع ليعرف كيف يؤدي هذه التكاليف على الوجه المشروع.

الصنف الثالث: من يجوز لهم الاستفتاء

142- ويجوز الاستفتاء لغير المجتهد فيما لا تلزمه معرفته من أحكام الشرع كالعامي الذي لا يجب عليه الحج فلا يلزمه أن يعرف احكامه وبالتالي لا يجب عليه أن يسأل عن هذه الأحكام وان كان يجوز له أن يسأل عنها، لأن معرفة أحكام الشرع والاستزادة من هذه المعرفة من الأمور المندوبة في حق كل مسلم، وحيث كان الأمر مندوبا فجوازه أولى.

143- ولكن هل يجوز الاستفتاء لغير المجتهد فيما لا يلزمه معرفته فيما لم يقع عليه من الحوادث والنوازل؟ للعلماء قولان:

القول الأول: كراهة ذلك، وهذا هو المنقول عن الامام مالك، فقد كان رحمه الله تعالى يكره السؤال عن حكم ما لم يقع، ولهذا كان بعض تلامذته اذا أراد معرفة حكم مسألة لم تقع دفع الى الامام مالك من يسأله عنها كأنها مسألة واقعة. وتعليل هذه الكراهة عند بعض العلماء هو أن الافتاء في أمور الدين شيء خطير ومسؤولية كبيرة، لأن الافتاء في أمود الدين في حقيقته اخبار عن شرع الله وحكمه، وهذا لا يسوغ الا بعد بذل الجهد المستطاع، فاذا قصر المجتهد في ذلك تعرض للمسؤولية، وما دامت الواقعة لم تقع فلا حاجة ولا ضرورة للتعرض للافتاء وما ينطوي عليه من مسؤولية، بل إن السلامة والاحتياط في الدين يوجبان الاعراض عن مثل هذا الافتاء. كما أن اجتهاد المجتهد قد يتغير فلا حاجة للتسرع في الافتاء والحادثة لم تقع بعد، فقد يتغير اجتهاد المجتهد ثم تقع الحادثة ولا يستطيع المجتهد اخبار المستفتي عن اجتهاده الجديد، ولهذا كله فيحسن بالمفتي أن يعرض عن الافتاء عما لم يقع بعد كما يحسن بالعامي أن يستفتي عما يحتاجه وعما يقع له فعلاً ويدع ما سوى ذلك مما لم يقع بعد.

144- القول الثاني: عدم كراهيته السؤال عما لم يقع بعد إذا كان غرض السائل معرفة الحكم مسبقاً لاحتمال وقوعها. وهذا ما نرجحه، اذ لا ضرر فيه، بل فيه احتياط لما يحتمل وقوعه، إذ قد تقع الحادثة ولا يتيسر لصاحبها الوصول الى من يستفتيه فيها، فإذا حرص على معرفة حكمها قبل وقوعها كان حرصه في محله، وعلى المفتي أن يجيبه، لأن كليهما محسن غير مسيء، السائل في حرصه على معرفة الحكم، والمفتي في تعريفه بما حرص المستفتي على معرفته، وبناء على هذا القول وجدنا بعض العلماء من يتصور المسائل ويفترض الوقائع ويجيب عليه، ويدون ذلك حتى يقف عليها من يريد معرفة هذه الأحكام.

على المستفتي أن يسأل الصالح للإفتاء

145- وحيث وجب على المسلم أو جاز له الاستفتاء فعليه أن يستفتي من توافرت فيه الصلاحية للافتاء لأن استفتاءه يتعلق بالدين فعليه أن يحتاط لدينه فيسأل من هو أهل للافتاء. ولكن كيف يعرف العامي الصالح الكفء ليسأله؟ قالوا يعرف ذلك بالسؤال عنه أو اخبار الثقة له عنه أو باشتهار أمره بين الناس، وهذا هو المقدور للعامي.

146- فإذا لم يجد العامي في بلده من يستفتيه فعليه أن يرحل الى حيث يجد من يفتيه، فقد كان السلف الصالح إذا احتاج أحدهم الى معرفة مسألة شرعية ولم يجد من يخبره بحكمها رحل الى حيث يجد العالم الكفء الذي يخبره بذلك.

استفتاء الأصلح

147- واذا وجب على المستفتي أن يستفتي الصالح للافتاء، فهل يجب عليه أن يتحرى عن الأصلح اذا كثر المفتون في بلده؟

قولان للعلماء في هذه المسألة:

القول الأول: لا يجب عليه التحري عن الأصلح، فله ان يسأل من شاء من اهل الإفتاء ما داموا صالحين له، لأن العامي لا قدرة له على معرفة الأصلح ولا على وزن الرجال وتقدير منازلهم ومراتبهم في العلم فتكليفه بذلك ضرب من التكليف بما لا يطاق.

القول الثاني: يجب عليه التحري عن الأصلح واستفتاؤه دون غيره، وليس في ذلك تكليف له بما لا يطاق، اذ يستطيع أن يعرف الاصلح بالسؤال عنه أو باخبار الثقة له عنه أو باشتهار أمره وبروزه بين أقرانه، وهذا القدر، كما يرى، ممكن له ويؤدي إلى معرفة الأصلح غالباً، وهذا هو المقدور له والمطالب به، وإذا لم يصل إلى الأصلح مع ذلك كله فلا لوم عليه ولا تثريب.

148- والراجح عندي القول الأول لأن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ما كانوا يوجبون على المستفتي استفتاء الأصلح أو البحث عنه فدل على جواز استفتاء الفاضل وترك الأفضل. ومع هذا يستحب للعامي التحري عن الأصلح واستفتائه كلما كان ذلك ميسوراً له.

من هو الأصلح

149- واذا قلنا بوجوب التحري عن الأصلح، على القول الأول للعلماء، أو عن استحباب ذلك له على ما ذكرناه في ترجيحنا، فمن هو الأصلح للافتاء؟ المستفاد من اقوال العلماء أن الأصلح هو الأعلم الأورع، ولكن إذا وجد المستفتي المفتي الأعلم ووجد المفتي الاورع فأيهما يسأل؟ قولان للعلماء:

القول الأول: يسأل الأعلم لأنه هو الأصلح فيتعين عليه استفتاؤه لأن مدار الافتاء على العلم وما دام هو الاعلم فهو الاولى بالافتاء والأصلح له من غيره.

القول الثاني: الأصلح هو الأورع، فعليه أن يستفتيه دون غيره. واستدل أصحاب هذا القول بقوله جل جلاله ﴿اتقوا الله ويعلمكم الله﴾ وبما روي عن السلف الصالح "ان هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه".

150- والراجح عندي أن استفتاء الاورع أولى، لأن ما عنده من العلم يكفي للافتاء ولأن ورعه يحجزه عن التهجم على الفتوى والتساهل فيها ويبعده عن مزالق الهوى الخفي، كما أن ورعه يدفعه الى البحث الشديد لمعرفة الحكم الصحيح، وبهذا البحث الشديد وخلوص النية تكون إصابته في الفتوى محتملة جداً. بل ويمكن القول أن الأورع هو الأصلح للافتاء في زماننا هذا فيتعين استفتاؤه دون غيره ما أمكن ذلك، لقلة الورع عند العامة وأكثر العلماء، فمن الاحتياط المطلوب في الدين أن يسأل المستفتي المفتي الأورع ما دام عنده من العلم ما يكفي للافتاء ويدع الأعلم الذي لا ورع عنده أو عنده من الورع ما لا يكفي لمنصب الافتاء.

استفتاء المستفتي لأكثر من واحد

151- وإذا لم تطمئن نفس المستفتي إلى جواب المفتي فماذا يعمل؟ قالوا: له أن يسأل غيره. ولكن إذا اختلفت عليه الفتوى فماذا يعمل؟ أقوال في المسألة:

القول الأول: يأخذ المستفتي بقول من يفتيه بالحظر دون الاباحة لأنه أحوط.

القول الثاني: يأخذ بالقول الأخف لقوله تعالى ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ وقوله صلى الله عليه وسلم "إنَّ الله يحب أن تؤخذ رخصه كما يحب أن تؤخذ عزائمه".

القول الثالث: على المستفتي أن يتحرى عن الاعلم الاورع ويسأله إن لم يكن قد سأله، ويأخذ بفتياه، فان لم يجد مثل هذا المفتي ووجد الأعلم فقط والأورع فقط استفتى الأورع، وأخذ بقوله وقال بعضهم: يستفتي الأعلى ويأخذ بقوله.

القول الرابع: يأخذ بقول من وافق قوله قول الآخرين للتعاضد كتعدد الأدلة ولزيادة غلبة الظن بأن هذا القول هو الراجح.

القول الخامس: يتخير فيأخذ بأي قول شاء لأن الجميع أهل للافتاء.

152- والراجح عندي التفصيل في المسألة بأن ينظر: إذا كان المستفتي قد استفتى الأعلم الأورع فعليه أن يأخذ بقوله ولا عبرة بعدم اطمئنانه وسكون نفسه وليس له أن يسأل غيره. وإ ذا لم يكن المستفتي قد استفتى الأعلم الأورع فعليه أن يتحرى عنه فيسأله ويأخذ بقوله، فإن لم يجده ولكن وجد الأورع أخذ بقوله، وإذا كان الجميع متساوين بالعلم والورع كما يبدو للمستفتي ولم تسكن نفسه إلى قول من استفتاه فله أن يستفتي الآخرين، فإن اتفقوا فيها، أخذ بفتياهم، وإن اختلفوا أخذ بما تطمئن إليه نفسه من أقوالهم دون تقيد بكثرة المتفقين أو قلتهم، لأن الكثرة بذاتها ليست من المرجحات في باب الفتوى وانما الترجيح بالدليل، فان لم يكن هناك دليل صريح يصلح للترجيح كان الترجيح لقول الأعلم الأورع ثم لقول الأورع، فإن انعدم هذا كان الترجيح باطمئنان النفس وسكونها عملا بالحديث الشريف "استفت نفسك وإن افتوك وافتوك وافتوك" وقوله صلى الله عليه وسلم "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك".

اعادة الاستفتاء

153- وإذا استفتى العامي عن حادثة فهل عليه أن يعيد استفتاءه إذا نزلت به مرة أخرى أم يعمل بالفتوى الأولى؟ قولان للعلماء، منهم من قال بوجوب اعادة الاستفتاء لاحتمال تغير اجتهاد المفتي. ومنهم من قال بعدم وجوب اعادة الاستفتاء لأن المستفتي قد عرف حكم الحادثة باستفتائه الأول فلا حاجة الى اعادته.

154- والذي أميل إلى ترجيحه هو التفصيل: فإن كان الذي افتاه أولاً هو الأعلم الأورع فلا حاجة في هذه الحالة إلى إعادة الاستفتاء، وإن لم يكن كذلك ثم نزلت به الحادثة مرة أخرىة ووجد الأعلم فعليه أن يستفتيه لأن اجتهاده مظنة الصواب أكثر من غيره وقد وجده فعليه أن يسأله. أما إذا لم يجد الأعلم الأورع فالأولى له أن يعيد استفتاءه إذا أمكنه ذلك لأن اجتهاد المجتهد قد يتغير لظهور ما لم يكن ظاهراً له من الأدلة، فإذا جاءت الفتوى الثانية كالأولى عمل بها وإن اختلف عليه الجواب كرر الاستفتاء وأخذ بما تسكن إليه نفسه على النحو الذي فصلناه من قبل.

كيفية الاستفتاء أو صيغته

155- والمستفتي حين يسأل عن حكم مسألة أو واقعة إنما يسأل عن حكم الشرع فيها، وبناء على ذلك ينبغي أن تكون صيغة الاستفتاء على النحو الآتي: "ما حكم الشرع الإسلامي في هذه المسألة" أو يقول "ما حكم الله في هذه المسألة" أو نحو ذلك من الصيغ الدالة على هذا المعنى.

الاستفتاء بموجب مذهب معين

156- وقد أثار كثير من العلماء السؤال التالي: هل يجب على المستفتي أن يكون استفتاؤه بموجب مذهب معين أم يجوز له الاستفتاء وفق أي مذهب شاء؟ وقد أجابوا على هذا السؤال بأن الجواب مبني على مسألة أخري، هي: هل يجب على العامي أن يتقيد بمذهب معين يأخذ بعزائمه ورخصه ويستغني بموجبه أم لا يجب عليه ذلك؟ وإذا انتسب إلى مذهب معين والتزم به واستفتى بموجبه فما قيمة انتسابه والتزامه هذا في كيفية استفتائه؟

157- وقد تعرض الامام أحمد بن حمدان الحراني الحنبلي لهذا السؤال وما ابتني عليه، فقال ما خلاصته: إن العامي إما أن يكون منتسباً إلى مذهب معين وإما أن لا يكون، ولكل حالة حكمها على النحو التالي:

الحالة الأولى: أن يكون منتسباً إلى مذهب معين. وفي هذه الحالة قولان للعلماء:

القول الأول: ان انتسابه لمذهب معين لا يجعله ملتزماً به لأن المذاهب إنما تكون لمن يعرف الأدلة، والعامي لا معرفة له بها، وعلى هذا له أن يستفتي من شاء من المفتين وعلى أي مذهب يفتيه المفتي.

القول الثاني: ان انتساب العامي إلى مذهب معين هو انتساب معتبر في حقه ملزم له لأن اعتقد أن المذهب الذي انتسب إليه هو الحق فعليه الوفاء بما اعتقده والتزم به. ورتبوا على ذلك أن عليه أن يستفتي من يفتيه بموجب مذهبه.

الحالة الثانية: عدم انتساب العامي إلى مذهب معين. وفي هذه الحالة قولان عند العلماء:

القول الأول: لا يلزمه أن يتمذهب بمذهب معين وبالتالي لا يلزمه أن يستفتي بموجب مذهب معين بل له أن يستفتي أي عالم، ويأخذ بفتواه على أي مذهب جاءت فتواه، ودليل هذا القول ان السلف لم يلزموا العامي بتقليد عالم معين ولزوم استفتائه دون غيره، بل كانوا يبيحون له استفتاء أي عالم شاء.

القول الثاني: يلزمه ان يتمذهب بمذهب معين فيأخذ بعزائمه ورخصه ويستفتي بموجبه. واحتج أصحاب هذا القول بأنه لو جاز للعامي اتباع أي مذهب شاء لأدى ذلك إلى التقاط رخص المذاهب اتباعاً لهواه، وهذا مسلك من شأنه أن يؤدي الى الانحلال عن التكاليف الشرعية والتلاعب بالأحكام، ولا خلاص من هذه الفوضى الا بإلزام العامي بالانتساب إلى مذهب معين والاستفتاء بموجبه فقط. وقالوا عن حجة أصحاب القول الأول بأن المذاهب لم تكن قد مهدت وحررت وعرفت في عهد السلف الصالح ومن ثم أباحوا عدم التقيد بمذهب معين. ثم خلص أصحاب هذا القول الى ضرورة الانتساب الى مذهب معين يختاره بعد التحري والسؤال عن المذهب الأصلح ويمكن أن يعرف ذلك بالسؤال كما قلنا وبالشهرة وشيوع المذهب ونحو ذلك، فاذا ما انتسب الى مذهب معين كان عليه أن يستفتي بموجبه ولا يستفتي وفق غيره.

القول الراجح في المسألة

158- والراجح في المسألة التفصيل بعد ذكر بعض المقدمات على النحو التالي:

أ‌) إنَّ الواجب على كل مسلم أن يعرف حكم الله فيما يلزمه من أمور كما ورد في الكتاب والسنة وبالاستنباط الصحيح منها أو من المصادر التي أشارت اليها نصوص الكتاب والسنة.

ب‌) والأصل أنَّ المسلم – ما دام قادراً على الاجتهاد – أن يعرف حكم الله تعالى عن طريق البحث والنظر في معاني القرآن والسنة وفيما دلت عليه نصوصهما من أدلة الاستنباط، وبهذا تكون معرفته للاحكام مبنية على الدليل والبرهان وهي المعرفة التي أمر بها الشرع الشريف.

ت‌) وللمسلم القادر على البحث والاجتهاد أن يأخذ بمناهج المجتهدين في البحث والاستنباط ما دامت تلك المناهج سائغة وجائزة الاتباع بموجب الدليل والبرهان وإن تفاضلت فيما بينها بالجودة والقرب من الصواب وبالأولوية بالاتباع.

ث‌) وإذا كان المسلم عاجزاً عما تقدم، فعليه أن يستعين بأهل العلم ليدلوه على أحكام الشرع ويقلدهم بما يقولون باعتبار أن ما يخبرونه به هو حكم الشرع، والله تعالى أمر من لا يعلم ان يسأل من يعلم، وفائدة السؤال هو الأخذ بجواب أهل العلم والعمل به وإلا لم يكن للسؤال فائدة ولا معنى، وهذا ما ينزه عنه الشارع الحكيم.

ج‌) وللمسلم العاجز عن الاجتهاد أن يستعين بكتب العلماء، الموثوقة والمشهود لأصحابها بالإمامة بالدين مثل أصحاب المذاهب المعروفة فيتفقه بها ويتخرج عليها ويأخذ بما فيها باعتبار أن ما فيها هي أحكام الشرع التي وصل اليها أصحابها وهم علماء فقهاء أهل لمعرفة أحكام الشرع.

ح‌) وإذا تفقه المسلم بفقه هذه المذاهب وانتسب الى أحدها فقيل عنه: إنه شافعي أو حنفي فإنَّ هذا الانتساب يعني تفقهه بفقه هذا المذهب واتخاذه دليلاً وهادياً له الى أحكام الشرع، فالمذهب بحقه كاشف له عن أحكام الشرع، وليس مصادماً للشرع، وعلى هذا الأساس انتسب اليه.

خ‌) وعلى هذا فإذا تبين لهذا المنتسب أن مذهبه لم يوفق في الدلالة الى الصواب في مسألة معينة وأن الصواب فيها عند غير هذا المذهب وبالتالي اتبع غير مذهبه في هذه المسألة فهو في هذا المسلك محسن غير مسيء، ولهذا نقل عن أصحاب المذاهب أن كل واحد منهم قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي واضربوا بقولي عرض الحائط. لأن الحديث هو القول الحق وفيه حكم الله فليزم اتباعه، ويقاس على قولهم هذا كل قول صحيح ظهرت صحته بالدليل والبرهان فيلزم اتباعه وهجر ما خالفه.

د‌) وبناء على ما تقدم يجوز للمسلم أن ينتسب الى مذهب معين، فيدرسه ويتفقه به باعتباره مظنة الصواب ويستفتي بموجبه. كما يجوز للعامي أن لا ينتسب إلى مذهب معين وإنما يتعلم ما يلزمه من أحكام الشرع بسؤال أهل العلم عنها ابتداءً أو عند نزول الحادثة به. ولهذا العامي غير المنتسب الى مذهب معين أن يستفتي دون تقيد بأي مذهب، فاذا استفتى بمذهب معين فإنَّ استفتاءه هذا يمكن توجيهه وتصحيحه باعتبار أن هذا العامي اعتقد أن هذا المذهب أولى من غيره بالاتباع. وكما يجوز لغير المنتسب لمذهب أن يستفتي دون تقيد بمذهب فإنَّ المنتسب هو الآخر له أن يستفتي دون تقيد بمذهب، وتوجيه ذلك أنه يريد معرفة حكم الشرع كما يدله عليه هذا المفتي الذي هو أعلم منه ولذلك جاء يستفتيه.

ذ‌) والخلاصة، فإنه في جميع الأحوال يسع العامي الذي لم يصل الى رتبة الاجتهاد أن يستفتي دون تقيد بمذهب معين وإنما يسأل عن حكم الشرع سواء كان هذا العامي منتسباً الى مذهب معين أو غير منتسب، وسواء تفقه على مذهب معين أو لم يتفقه، فيقول للمفتي: ما حكم الشرع في كذا وكذا. وهذه صيغة صحيحة سليمة، أما السؤال بمذهب معين فغايته أنه سائغ وجائز على التوجيه الذي بيناه.

مطالبة المستفتي بالدليل

159- وهل للمستفتي أن يطالب مفتيه بدليل ما يفتيه به؟ قال بعضهم: ليس له ذلك، وإنما له أن يسأله عن الدليل في مجلس آخر. ولا نرى وجهاً لتعليق السؤال على مجلس آخر. والذي نرجحه أن للعامي أن يطلب من مفتيه الدليل، لأن ما يفتيه به دين يدين الله تعالى به ويعمل به فمن حقه أن يستوثق من ذلك، وأقل درجات الاستيثاق أن يطلب منه الدليل، فإذا قال له المفتي: الدليل هو الحديث الشريف الذي نصه كذا وكذا، أو معناه كذا وكذا، سكن المستفتي، واطمأن، لأن المفروض في المفتي أنه عرف صحة الحديث ومعناه فأفتى بموجبه، أما إذا قال له: إن الدليل هو رأيي أو محض اجتهادي فللمستفتي في هذه الحالة أن يستفتي غيره إذا لم يطمئن إلى جواب المفتي كما قلنا من قبل كما أن للمستفتي أن يقبل جواب المفتي ولا يسأل غيره باعتبار أن المفتي من أهل العلم والفتيا وأن اجتهاده سائغ ومظنة الصواب. ومع هذا كله يسوغ للمستفتي أن لا يطالب مفتيه بالدليل اكتفاء منه بظاهر حال المفتي وأنه لا يفتي الا بعلم ودليل.

ادب المستفتي

160- قال العلماء يجب على المستفتي أن يكون مؤدباً في استفتائه، وعددوا بعض مظاهر أدبه معه.

والواقع ان آداب الكلام في الإسلام، وآداب التلميذ نحو استاذه، وآداب المسلم نحو أهل العلم، كلها لازمة في حق المستفتي، فهو مسلم فعليه أن يلتزم بآداب الإسلام في الكلام والخطاب، وهو بمنزلة التلميذ نحو استاذه فعليه أن يلتزم بآداب الإسلام في هذا المجال، وهو يسأل أهل العلم فعليه أن يلتزم بآداب الإسلام نحو العلماء. وعلى هذا يجب عليه أن يظهر تواضعه نحو المفتي واحترامه له فلا يعلي صوته عليه، ولا يومئ بيده في وجهه، ولا يكلمه بلهجة جافة قاسية، وأن يستأذنه بالسؤال والجلوس ويتخير الوقت المناسب والمكان المناسب لسؤاله، فلا يستفتيه وهو مشغول بغيره ولا أن يطرق عليه بابه في وقت القيلولة أو النوم ليلا الى غير ذلك من مظاهر الاحترام والتوقير وآداب السؤال. ولا شك أن هذه المظاهر والآداب تتأثر بالعرف والعادات فيجب مراعاتها ما دامت هذه العادات والأعراف لا تصادم معاني الشريعة الاسلامية.

المطلب الثاني - المفتي

شروط المفتي

161- المفتي من يقوم بالافتاء، والافتاء اخبار عن حكم الله، فلا بد أن يكون أهلاً لذلك، وهذه الأهلية تكون بشروط، ومن هذه الشروط أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً فقيهاً مجتهداً، عدلا. وليس من الشروط المطلوبة الذكورة ولا الحرية ولا النطق فتصح فتوى المرأة والعبد والأخرس. وهذا الاجمال في الشروط لا يغني عن شيء من التفصيل في بعضها على الأقل.

الشرط الأول: الاسلام

162- وهذا الشرط في الحقيقة مفهوم، لأن المفتي يخبر عن حكم الله ويبلغ شرع الله ويطبق أحكامه على الوقائع والأحداث فلا بد أن يكون مؤمناً بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وبشرع الله الذي بلغه رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.

هذا، وإن الإسلام وما به يصير الشخص مسلماً، وما به يفقد المسلم اسلامه فيصير مرتداً، كل ذلك مبين في كتب العقائد وليس هو موضوع بحثنا، ويكفينا هنا أن نقول: أن العنوان الظاهر للمسلم أن يتلفظ بالشهادتين معتقداً بهما فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وأن يظهر ما تقتضيه هذه الشهادة من أقوال وأفعال فيؤدي العبادات الظاهرة كالصلاة والصيام ويؤدي الزكاة ان كان ذا مال وبلغ النصاب وأن يحج البيت ان استطاع إليه سبيلا. وعليه أن ينطوي قلبه على الانقياد التام والاستسلام لله رب العالمين، فلا يكون في قلبه معارضة ولا كراهية ولا مزاحمة لما جاء به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لا في خبر ولا في أمر ولا في نهي. وعلى المسلم أيضاً أن لا يأتي ما يناقض حقيقة الإسلام وما تلفظ به من الشهادتين لا في الاعتقادات ولا في الأقوال ولا في الأفعال والا وقع العصيان والابتداع وقد يؤدي به ذلك الى الارتداد عن الاسلام فيصير مرتداً والمرتد لا يصلح للافتاء. أما الابتداع والعصيان إذا لم يصلا إلى درجة الردة فإنهما قادحان في الأهلية للافتاء وقد يصلان الى درجة سلب هذه الاهلية عن صاحبها.

الشرط الثاني: البلوغ والعقل

163- لا بد أن يكون المفتي ذا عقل يعقل به أحكام الشرع ويفهمها ويعرفها، وأقل درجات العقل المعتبرة يكون بالبلوغ ولهذا كان شرط التكليف أن يكون المسلم بالغاً عاقلاً، فلا يكفي البلوغ وحده مع عدم العقل ولا يكفي العقل وحده بدون بلوغ، لأن البلوغ مظنة نضج العقل ولذلك علق به التكليف والتكليف إنما يقوم على القابلية على فهم الخطاب الشرعي واحكام الشريعة والافتاء يحتاج إلى قدر أكبر من الفهم فيستلزم العقل من باب أولى، ولهذا ما علمنا أن أحداً أفتى أو تصدى للافتاء وهو دون البلوغ. ولا ينتقض قولنا بصحة تحمل الحديث الشريف قبل سن البلوغ بل وصحة روايته أيضاً عند بعض العلماء، لأن تحمل الحديث يقوم على القدرة على حفظ المسموع وضبطه، وروايته مبنية على القدرة على الأداء كما سمع وحفظ. وهذه القدرة يتصور وجودها فيمن هو دون سن البلوغ، أما الافتاء فيقوم على إدراك معاني الشريعة وفهم أحكامها وهذا لا يتأتى عادة لمن هو دون سن البلوغ.

الشرط الثالث: العدالة

164- ويشترط في المفتي أن يكون عدلاً. والعدالة هيئة يكون عليها المسلم من مقتضياتها ولوازمها فعل المطلوب شرعاً وترك المنهي عنه شرعاً، وهجر ما يخرم المروءة ويوقع في التهم والشكوك، وان تكون أخلاق صاحبها وسلوكه على النحو اللائق بعلماء الاسلام. ولا يعني ما قلناه اشتراط العصمة من الذنوب حتى تتحقق العدالة ويصير المسلم عدلاً، وإنما المقصود أن تكون أحوال المسلم العدل ظاهرة الحسن والطاعة للشرع فلا يفعل كبيرة إلا على وجه الندرة أو الخطأ أو غلبة الطبع، ولا يصر على صغيرة، فهو يجتهد ليكون سلوكه كله وفق مقتضيات العدالة وإن انحرف عنها في بعض الأحوال والأوقات. وبالجهة فإن العدل هو من تكون أحواله الحسنة هي الغالبة فيه ولا يصدر عنه ما يعتبر قادحاً في عدالته إلا على وجه الندرة أو الغفلة مع الخلوص من الإصرار على المعصية.

هذا وإن ما يناقض العدالة ليس على درجة واحدة من القبح وشدة المناقضة، ولهذا كان بعضها مسقطاً للعدالة دون بعض فالمسقط منها مثل القول على الله ورسوله بغير علم إما عن طريق الابتداع في الدين أو بالتأويلات الفاسدة الظاهرة الفساد والبطلان، ومثل مجاراة الظلمة والإفتاء لهم بما يشتهون، وأخذ الرشوة ونحو ذلك. وغير المسقط للعدالة مثل ارتكاب الصغيرة من المعاصي وعدم الإصرار عليها.

الشرط الرابع: الاجتهاد

165- ويشترط في المفتي كما ذكر العلماء: أن يكون فقيهاً مجتهداً، والمجتهد هو من قامت فيه أهلية معرفة الأحكام الشرعية التفصيلية من أدلتها المعتبرة عن طريق البحث والاستنباط مع احاطته بالأمور الضرورية للاجتهاد. ولا يشترط لثبوت هذه الأهلية كثرة الاجتهاد واستخراج الأحكام، بل يكفي وجودها ولا يشترط كثرة عملها وفعاليتها لأن المنظور إليه وجود هذه الأهلية بوجود مقوماتها التي ذكرناها وهي القدرة على البحث واستخراج الأحكام ومعرفتها عن طريق الاستدلال من مصادرها المعتبرة. ان مثل صاحب هذه الأهلية مثل الشاعر الذي قامت فيه ملكة نظم الشعر وأهليته، فهو شاعر سواء أكثر من نظم الشعر أو لم يكثر.

أقسام المجتهدين

166- هذا وإن العلماء، وهم يتكلمون عن الاجتهاد كشرط في المفتي قسموا المجتهدين إلى أقسام وبينوا من يصلح من هذه الأقسام للافتاء، فقالوا قد يكون المجتهد مجتهداً مطلقاً، أو مجتهداً في مذهب معين، أو مجتهداً في نوع من العلم، أو مجتهداً في مسألة أو مسائل معينة. فلا بد من التعريف بهؤلاء وبيان من يصلح منهم للافتاء ومن لا يصلح.

أولاً: المجتهد المطلق

167- وقالوا في تعريفه: انه "من حفظ وفهم أكثر الفقه وأصوله وأدلته في مسائله إذا كانت له أهلية تامة يمكنه بها معرفة أحكام الشرع بالدليل وسائر الوقائع إذا شاء، فإن كثرت اصابته صلح – مع بقية الشروط – أن يفتي ويقضي وإلا فلا" وقالوا ان الاجتهاد المطلق لا بد لتحصيله من توافر المعرفة الجيدة بالكتاب والسنة وما ورد فيهما مما يتعلق بالأحكام، وأن يعرف الأمر والنهي، والمجمل والمبين، والمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمطلق والمقيد والمستثنى والمستثنى منه، وتوافر المعرفة الجيدة بالسنة النبوية الشريفة بحيث يستطيع المجتهد التمييز بين صحيح السنة وسقيمها ومراتب ما روي منها وطرق الاحتجاج بها وغير ذلك مما هو ضروري ولازم لمعرفة الحكم الشرعي من القرآن الكريم والسنة المطهرة. وقالوا أيضاً: لا بد للمجتهد المطلق أن يعرف ما أجمع عليه الفقهاء وما اختلفوا فيه وأن يعرف القياس وشروطه وأن يكون على قدر كافٍ من المعرفة باللغة العربية وأساليبها ونحوها وصرفها.

ولا خلاف بين العلماء في أن المجتهد المطلق أهل للافتاء وأنه يصلح أن يكون مفتياً.

ثانياً: المجتهد في مذهب معين

168- ولهذا المجتهد أربعة أحوال، ولكل حالة حكمها، كما قال العلماء.

الحالة الأولى: أن يتبع إمام مذهبه في مناهج البحث والاستدلال والاستنباط ولكن لا يقلده فيما وصل إليه هذا الإمام باجتهاده من أحكام تفصيلية. ولمثل هذا المجتهد الحق في أن يكون مفتياً. ومن هذا النوع الإمام أبو يوسف والإمام محمد صاحبا أبي حنيفة رحمهم الله تعالى جميعاً، والقاضي أبو يعلى الحنبلي في المذهب الحنبلي والمزني وابن سريج في المذهب الشافعي.

الحالة الثانية: أن يكون مجتهداً في مذهب إمامه مستقلاً بتقريره بالدليل ولكن لا يخرج على أصول إمامه وقواعده مع قدرته على الخريج والاستنباط وإلحاق الفروع بالأصول التي قررها إمامه. ولصاحب هذه الحالة الأهلية لأن يكون مفتياً، ويعتبر مستفتيه مقلداً لإمامه وليس مقلداً له لعدم استقلال هذا المجتهد المفتي بتصحيح نسبة ما يقوله إلى الشرع الشريف رأساً بلا واسطة إمامه. ولكن قد يكون لهذا المجتهد نوع من الاستقلال بالفتوى كما في افتائه في مسألة لا يجد لها حكماً منقولاً عن إمامه فيفتي عن طريق التخريج على مذهب إمامه والتفريع على أقواله في المسائل المشابهة لهذه المسألة التي يفتي فيها. ولكن هل ينسب ما يقوله هذا المجتهد في فتواه إلى إمامه فيكون من مذهب هذا الإمام، أم أنه ينسب إلى المجتهد نفسه، ويعتبر من قوله واجتهاده؟ فيه خلاف، والظاهر أنه تصح السنبة إلى الاثنين ولكن باعتبارين فينسب القول إلى إمام مذهبه باعتباره مخرجاً على أصول هذا الإمام، وعلى هذا يكون المستفتي مقلداً لهذا الإمام. كما يمكن نسبة ما يقوله هذا المفتي إلى نفسه باعتبار أنه هو الذي قام بالافتاء وإن كان عن طريق التخريج على أصول إمامه. وعلى هذا يكون المستفتي مقلداً لهذا المجتهد فيما يفتيه به غير مقلد لإمامه.

الحالة الثالثة: أن لا يصل المجتهد إلى مرتبة أصحاب الحالة الثانية وإنما يقف عند رتبة أصحاب الوجوه والتخريج في المذهب مع حفظه لفقه مذهب إمامه ومعرفته بأدلته وقدرته على تقرير أقواله ونصرتها والاستدلال لها، كما أنه قادر على الترجيح بين أقوال إمامه المذكورة في المذهب.

ولصاحب هذه الحالة الحق في الإفتاء وأن يصير مفتياً، وتكون فتواه مقبولة وإن لم تبلغ فتوى أصحاب الحالة الثانية.

الحالة الرابعة: أن يكون قادراً على فهم فقه مذهبه مع حفظ لهذا الفقه أو لأكثره، ويفهم ضوابطه وتخريجات أصحابه ويستطيع الرجوع إلى مصادر هذا المذهب.

ولصاحب هذه الحالة أن يفتي وأن يصير مفتياً ولكن في المسائل التي بيّن أحكامها أصحاب المذهب والمجتهدون فيه، وكذلك له الإفتاء فيما يندرج تحت ضابط مفهوم وواضح من ضوابط المذهب.

ثالثاً: المجتهد في نوع من العلم

169- وقد مثلوا لهذا النوع بقولهم: من عرف القياس وشروطه أن يفتي في مسائل القياس. وكذلك من عرف الفرائض والمواريث وأصولها وقواعدها أن يفتي فيها.

ويبدو لي أن مثل هذا المجتهد لا يصلح أن يعين مفتياً لأن المفتي لا يفتي فقط في هذا النوع من العلم الذي علمه، ولكن له أن يفتي فيما علمه دون أن يعين مفتياً.

رابعاً: المجتهد في مسألة أو مسائل معينة

170- وهو من كان مجتهداً في مسألة معينة أو مسائل معينة من الفقه فله أن يفتي فيها دون غيرها. ويبدو لي أن مثل هذا لا يصلح أن يعين مفتياً وإن جاز له الافتاء في المسائل التي علمها واجتهد فيها.

الخلاصة والترجيح

171- والخلاصة أن مدار الأهلية للافتاء هو العلم المقبول بما يفتي به وهو المبني على البحث ومعرفة الدليل والاجتهاد فيه، فكل من حصل على مثل هذا العلم في مسألة من المسائل كان له أن يفتي فيها، وهذا متوجه على القول بتجزئ الاجتهاد وهو ما نرجحه. وكل من جهل حكم مسألة فليس له أن يفتي فيها وإن كانت عنده أهلية الإفتاء من حيث الجهة. هذا من جهة الصلاحية للإفتاء في مسألة معينة، أما من جهة صلاحية التعيين في منصب الافتاء أي في أن يعين مفتياً، فهذا المنصب يحتاج إلى أهلية الاجتهاد على النحو الذي ذكره العلماء، ولا تلازم بين الاهليتين بالنسبة للافتاء في مسألة معينة، فقد يكون الشخص مجتهداً الاجتهاد الذي يؤهله للتعيين في منصب المفتي ويعين فعلاً في هذا المنصب ولكن لا يكون أهلاً للافتاء في مسألة معينة لجهله بحكمها أو لعدم وصوله إلى معرفة حكمها. وقد يكون الشخص أهلاً للافتاء في مسألة معينة أو مسائل معينة ولكن ليس أهلاً لأن يعين مفتياً للناس.

شروط أخرى

172- وقد اشترط العلماء شروطاً أخرى في المفتي ليتمكن من اداء وظيفته على نحو جيد وسليم. فقالوا: يشترط فيه أن يكون على قدر كاف من اليقظة وجودة الذهن والمعرفة بالناس ومكرهم وخداعهم حتى لا يقع في هذا الخداع وذلك المكر، وأن يكون صلباً في دينه لا تأخذه في الحق لومة لائم، وان لا يتأثر بوعد أو وعيد، وأن يكون على قدر كبير من الورع والزهد ومخافة الله تعالى.

ولا شك أن هذه الشروط ضرورية للمفتي ولا يسد مسدها أو يقوم مقامها مجرد علمه وعدالته الظاهرة. ولكن هذه الصفات لا يمكن معرفتها على وجه جيد إلا بالعمل وممارسة الافتاء فعلاً، ولهذا يصعب جداً معرفتها ابتداء إذا أريد تعيين شخص ما في منصب الافتاء، وعلى هذا يجب على ولي الأمر عند ارادته اختيار شخص ليعينه مفتياً أن يتحرى عن سلوكه وأحواله، والسؤال عنه ممن يعرفه، ويثق بأخباره قبل الاقدام على تعيينه.

وجوب وجود المفتي

173- وجود المفتي الكفء المستجمع لشروط الافتاء من فروض الكفاية، فيجب أن يوجد في كل قرية او بلدة مفت يقوم بافتاء الناس فيما يسألون عنه من أمور الدين أو يعلمهم بها ابتداء دون أن يسألوه. وقد قال بعض العلماء: يجب تعدد المفتين بحيث يكون في كل مسافة قصر – أي المسافة التي تقصر فيها الصلاة – مفت واحد. ولأهمية وجود المفتي في البلد قال العلماء: إذا لم يوجد مفت في مكان ما حرم السكن فيه ووجب الرحيل منه الى حيث يوجد من يفتيه في أحكام الدين وما ينزل به من نوازل.

العمل على ايجاد المفتين

174- وإذا كان وجود المفتي من فروض الكفاية فيجب العمل على إيجاده باتخاذ الوسائل الضرورية لذلك، ولهذا قال الإمام ابن حزم "فرض على كل جماعة مجتمعة في قرية أو مدينة أو حصن أن ينتدب منهم من يطلب جميع أحكام الديانة أولها عن آخرها ويتعلم القرآن كله وما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث الأحكام... الخ ثم يقوم بتعليمهم فان لم يجدوا في محلتهم من يفققههم في ذلك كله ففرض عليهم الرحيل إلى حيث يجدون العلماء المجتهدين في صنوف العلم وأن بعدت ديارهم وأن كانوا بالصين".. فالجماعة اذن تهيئ من يتعلم أحكام الدين ويتفقه فيه ثم يقوم بتعليم الجاهلين ابتداء أو يفتيهم عما يسألون.

175- وحيث إن ولي الأمر يمثل جماعة المسلمين وينظر في مصالحهم فعليه أن يقوم بواجب إيجاد المفتين الاكفاء بتهيئة الوسائل الضرورية اللازمة لذلك مثل تأسيس المدارس لتعليم الفقه، واختيار الطلبة، وتخصيص المال اللازم لهم حتى يكملوا تحصيلهم العلمي ثم يعينهم في مناصب الافتاء ويجعل لهم رواتب كافية تغنيهم عن الكسب وتعينهم على التفرغ للافتاء.

منع المفتي الماجن والمفتي الجاهل

176- ولولي الأمر أن يمنع المفتي الماجن والمفتي الجاهل من الافتاء سواء كان هذا المفتي قد عينه ولي الأمر أو أنه يقوم بالافتاء بلا تعيين، فان كان قد عينه فله أن يعزله عن منصبه ويولي غيره من الاكفاء، وإن كان يفتي الناس بلا تعيين من ولي الأمر منعه من الافتاء وتوعده إذا عاد. والمفتي الماجن هو الذي يفتي الناس بما يشتهون فيحل لهم الحرام ويحرم عليهم الحلال بالشبه الباطلة والتأويلات الفاسدة إرضاء لهم واتباعاً لاهوائهم. أما المفتي الجاهل فهو الذي يجهل أحكام الاسلام فيفتي بغير علم. وكلاهما – الماجن والجاهل – لا يصلح لمنصب الافتاء، ومن لا يصلح للافتاء يجب منعه منه، قال الفقيه ابن نجيم الحنفي: "ينبغي للإمام أن يسأل أهل العلم المشهورين في عصره عمن يصلح للفتوى ليمنع من لا يصلح ويتوعده بالعقوبة إذا عاد" وقال الشافعية والحنابلة: ينبغي للإمام أن يتصفح أحوال المفتين، فمن صلح للفتيا أقره ومن لا يصلح منعه ونهاه أن يعود وهدده بالعقوبة إذا عاد. وهذا الكلام ينطبق على المفتين الذين يباشرون الافتاء بلا تعيين من ولي الأمر، ولكن إذا كان لولي الأمر منع هؤلاء لعدم صلاحهم، فله من باب أولى أن يعزل المفتي الذي عينه إذا ظهر انه غير كفءٍ للافتاء لمجونه أو جهله.

كفاية المفتي من بيت المال

177- ويحل للمفتي أن يأخذ من بيت المال ما يكفيه لأنه يقوم بالافتاء وهو من المصالح العامة كالأذان. ولهذا يجوز لولي الأمر أن يخصص مرتباً شهرياً للمفتي من بيت المال بالقدر الذي يكفيه ويغنيه عن الكسب.

ضمان المفتي

178- إذا أفتى المفتي مستفتيه بفتوى معينة فعمل بها وأدى عمله الى إتلاف نفس أو مال، وحكم على المستفتي بالضمان فهل يرجع على مفتيه بما ضمن أم لا؟ ينظر: فإن كانت فتوى المفتي باطلة قطعاً لمخالفتها للنص القاطع أوالإجماع الظاهر كان للمستفتي أن يرجع بما ضمن على المفتي لأنه هو المتسبب في ذلك. وإن كانت فتوى المفتي سائغة، لم يضمن المفتي شيئاً، ولا يكون للمستفتي أن يرجع عليه بما ضمن. أما إذا كان المفتي غير أهل للافتاء فإنه يضمن مطلقاً لأنه غرّ من استفتاه ومعنى ذلك أن للمستفتي أن يرجع عليه بما ضمن. وقيل: لا يضمن ولا يكون للمستفتي حق الرجوع عليه، لأن المستفتي هو المقصر، إذ سأل من لا يصلح للافتاء.

واجبات المفتي وآدابه

179- على المفتي أن يعلم أن ما يقوله ويفتي به دين محاسب عليه أمام الله تعالى، ولهذا يجب عليه أن يطيل النظر والفكر ولا يسرع في الإجابة، وإذا لم يعرف الجواب فليقل لا أدري فإن نصف العلم لا أدري، وقد كان الإمام مالك يسأل عن مسائل فيقول عن بعضها أو أكثرها لا أدري، فقد روى الهيثم بن جميل قال: شهدت مالكاً سئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في ثنتين وثلاثين منها: لا أدري. وعن عبد الله ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما: من أفتى عن كل ما يسأل عنه فهو مجنون.

180- هذا وينبغي للمفتي أن يلاحظ عرف البلد وعاداته ليعرف مقصود المستفتي وإذا لم يفهم السؤال استفهم من السائل عن مراده وإذا جهل لغته كفاه ترجمة واحد ثقة. كما ينبغي للمفتي أن يشاور الفقهاء الحاضرين في موضوع الاستفتاء إذا رأى حاجة لذلك، وأن يتحرز من الميل في إفتائه إلى المستفتي أو إلى خصمه فيبين في فتواه ما لأحدهما من حق دون أن يبين ما عليه من واجب.

181- وعلى المفتي، كما قال العلماء، أن يقدم رقاع الفتوى حسب تسلسل تقديمها فيجيب على استفتاء الأسبق ثم الذي يليه وهكذا ولكن يجوز تقديم استفتاء المسافر والمرأة إذا كان تأخير الجواب يضر بهما.

182- وعلى المفتي أن يبتعد عن مظان التهم والريب ليكون قوله مقبولاً عند المستفتي وغيره، وان لا يقبل هدية ممن يستفتيه لئلا يجره ذلك الى التساهل معه في الفتيا دون أن يشعر.

183- وعلى المفتي أن يكون ليناً متواضعاً لا فظاً غليظاً وأن يقبل على المستفتي بلطف وبشاشة واذا رآه بطيء الفهم فليترفق به حتى يفهمه الجواب. واخيراً فإن المفتي من حملة العلم فيجب أن يكون له حلم ووقار وسكينة وسمت على النحو اللائق بالعلماء.

المطلب الثالث - الافتاء

تعريفه

184- الافتاء هو قيام المفتي بجواب المستفتي، وهو في حقيقته تبليغ عن الله تعالى واخبار عما شرعه لعباده من أحكام.

أول من قام به

185- وأول من قام به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فكان إفتاؤه عليه الصلاة والسلام متضمناً جوامع الكلم ومشتملاً على فصل الخطاب.

الافتاء بعد النبي صلى الله عليه وسلم

186- ثم قام بالافتاء بعد النبي صلى الله عليه وسلم صحابته الكرام، وكان منهم المكثر في افتائه والمتوسط والمقل. والذين حفظت عنهم الفتوى مائة ونيف وثلاثون نفساً ما بين رجل وامرأة. والمكثرون منهم في الافتاء: سبعة عمر بن والخطاب وعلي بن أبي طالب وعبدالله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبدالله بن عباس، وعبدالله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين.

من له حق الافتاء

187- أولاً: كل من كان أهلاً لأن يكون مفتياً كان أهلاً لأن يفتي، سواء عين مفتياً أو لم يعين، وقد بينا من قبل شروط المفتي.

ثانياً: من كان مجتهداً في نوع من العلم أو في مسألة من مسائل الفقه كان له أن يفتي في هذه المسألة أو ذلك النوع من العلم.

ثالثاً: مقلدة المذاهب. فمن قلد مذهباً وحفظه وعرف ما قاله أصحابه فله أن يفتي بما قالوه على أن يقول في جوابه ما يدل على أنه قول أو رأي هذا المذهب فيقول مثلاً: مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة كذا وكذا. وإذا ترقى في المعرفة بأصول المذهب وقواعده وسئل عن مسألة تندرج تحت قاعدة من هذه القواعد فعليه أن يقول: مقتضى مذهب أبي حنيفة مثلاً في هذه المسألة كذا وكذا.

العامي إذا عرف حكم المسألة

188- وإذا عرف العامي حكم مسألة من المسائل ودليلها، فهل له أن يفتي من سأله عنها؟ قال بعضهم: يجوز له ذلك، وقال آخرون: يجوز إذا كان دليل المسألة نصاً من كتاب الله أو سنة نبيه. وقال بعض آخر: لا يجوز للعامي أن يفتي مطلقاً ولو في مسألة عرف حكمها ودليلها إذ قد يكون لهذا الدليل معارض يجهله هو.

ولكن لو أفتاه عالم بحكم مسألة ثم سئل عنها فله أن يخبر بحكمها عمن أخبره لأن الافتاء إنما يكون باجتهاد من نفسه لا بالحكاية عن غيره. هذا ما قالوه، والظاهر لي أن العامي إذا عرف حكم مسألة بطريق من طرق المعرفة المعتبرة شرعاً، فلهذا العامي أن يفتي غيره بها وإن كان الأحوط أن ينقل له نص فتوى من أفتاه بها.

هل يفتي العامي بما يجده في كتب الحديث

189- ومن لم يكن مجتهداً وكان عنده كتب الحديث وشروحه وأقوال الصحابة، فهل له أن يفتي بما يجده في هذه الكتب أم لا؟ قال عبدالله: سألت أبي – أي الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى – عن الرجل تكون عنده الكتب المصنفة فيها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلاف الصحابة والتابعين وليس للرجل بصر بالحديث الضعيف المتروك ولا بالاسناد القوي من الضعيف فهل يجوز له أن يعمل بما شاء ويتخير ما أحب مما يجده في هذه الكتب فيفتي ويعمل به؟ قال – أي الإمام أحمد بن حنبل – لا يعمل حتى يسأل أهل العلم عما يأخذ به منها حتى يكون عمله على وجه صحيح.

هل يشترط إذن الإمام للقيام بالافتاء

190- من كان أهلاً للافتاء وعين مفتياً فلا خلاف في جواز الافتاء له بل ووجوبه عليه لانه ما عين إلا لذلك. أما من كان أهلاً للافتاء ولم يعين مفتياً، فله أن يفتي دون حاجة لاذن مسبق من ولي الأمر، لأن الافتاء إخبار عن شرع الله وتبليغ لأحكامه، فهو إذن من الواجبات الدينية بالنسبة للقادرين عليه ولا يشترط للقيام بالواجب الديني أخذ الاذن من ولي الأمر، وان كان لولي الأمر حق مراقبة القائمين بالافتاء ولكن حقه هذا في المراقبة لا ينسحب الى وجوب أخذ الإذن المسبق منه للقيام بالافتاء، وما علمنا أحداً كان يأخذ الإذن من الإمام أو من ولي الأمر قبل أن يفتي الناس، كما لم نعلم أن أحداً من أهل العلم قال: إنَّ الافتاء مقصور على من يعينهم ولي الأمر مفتين.

التصدي للافتاء

191- وإذا كان اذن الامام أو ولي الأمر ليس شرطاً لثبوت حق الافتاء للمسلم كما قلنا، إلا أنه يجب على من يتصدى للافتاء أن يتأكد من أهليته له ولا يتسرع في الوثوق من أهليته وكفاءته، ومن سبل التأكد من أهليته شهادة أهل العلم له بالأهلية بالاضافة الى ما يعرفه من نفسه، قال الإمام مالك: لا ينبغي للعالم أن يفتي حتى يراه الناس أهلاً لذلك ويرى هو نفسه أهلاً لذلك. وقول الإمام مالك: "حتى يراه الناس أهلاً لذلك" محمول على شهادة العلماء له بالأهلية وشيوع شهادتهم له في الناس.

خلوص النية والقصد عند الافتاء

192- فإذا وثق المسلم من أهليته للافتاء بشهادة أهل العلم له وبما يعرفه من نفسه فعليه أن يفحص نيته جيداً حتى تكون خالصة لله بحيث لا يقصد من تصديه للافتاء والقيام به إلا تبليغ شرع الله وتعليم الناس ما أنزل الله ابتغاء مرضاة الله، فهو لا يريد بافتائه مباهاة العلماء وحصول المنزلة عند الناس، وبهذا القصد الحسن والنية الخالصة يبارك الله في مسعاه ويعلمه ما لم يعلم ويثيبه على افتائه.

على من يجب الافتاء

193- وقد يصير الافتاء واجباً على من هو أهل له في حالتين:

الحالة الأولى: الافتاء واجب في حق من عينه ولي الأمر مفتياً ورضي بهذا التعيين. ولكن يجب أن يعرف بأن هذا الوجوب لا يعني وجوب الافتاء عليه في كل ما يسأل عنه، وإنما يعني وجوب النظر في موضوع الاستفتاء وإرادته الافتاء، فإذا عرف حكم المسألة المسؤول عنها أفتى فيها وإذا لم يعرف قال: لا أعرف، ولا يجوز إلزامه بالافتاء فيما يجهله.

الحالة الثانية: إذا كان أهلاً للافتاء ولم يعينه ولي الأمر مفتياً ولا يوجد غيره يفتي الناس فإنَّ الافتاء يتعين عليه إذا استفتاه أحد في مسألة شرعية وقدر على الجواب.

على من يحرم الافتاء

194- ويحرم الافتاء على الجاهل، لأن الافتاء إخبار عن شرع الله فلا يجوز إلا بعلم، قال تعالى: ﴿قل إنما ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾. فالافتاء بغير علم ضلال وإضلال للغير وكل ذلك حرام، وكما يحرم على الجاهل الافتاء يحرم الافتاء على الماجن الذي لا يبالي بما يفتي وبما يقول.

على من يكره الافتاء

195- اختلف الفقهاء في حكم الافتاء بالنسبة للقاضي، فقال بعضهم يكره الإفتاء للقاضي في مسائل الأحكام التي ينظرها مخافة أن يجبن عن الرجوع عما أفتى به إذا ترجح عنده وقت المحاكمة ضد ما أفتى به، قال القاضي شريح: أنا أقضي لكم ولا أفتي. ولكن للقاضي أن يفتي في مسائل العبادات كالصلاة والصيام. وقال الحنفية: للقاضي أن يفتي من لم يخاصم إليه، ولا يفتي أحد الخصمين فيما خوصم إليه.

وقال بعض الفقهاء: للقاضي أن يفتي ما دام أهلاً للافتاء، ولم يقيدوا هذا الجواز بشيء.

196- والراجح عندي هو القول الأول ولكن بشرط أن يتعين عليه الافتاء، فإن تعين عليه الافتاء فعليه أن يفتي وإن كان قاضياً ولو في مسألة ينظر فيها قضاء وإن كان السائل أحد الخصوم، لأن المستفتي إذا علم أن الحق لخصمه فقد يترك المخاصمة ويسلم الحق له، ولا خوف من هذا الافتاء لأن المفتي يبين الحكم على فرض ثبوت الوقائع عند المستفتي، أما القاضي فإنه وان كان يطبق نفس الحكم الذي يفتي به ولكن بشرط أن تثبت الوقائع أمامه بالطرق الشرعية فإذا عجز صاحب الحق عن إثبات حقه أمام القاضي فان القاضي لا يحكم له به على خصمه وإن كان يفتي له به على سبيل الفتوى.

التهيب من الافتاء

197- الافتاء وان كان تبليغاً لشرع الله وقياماً بواجب ديني إلا أن صاحبه معرض للخطأ، ومن هنا كان السلف الصالح يتهيبون من الافتاء مع صلاحيتهم له ويود كل واحد منهم أن يقوم غيره به، بل وكان كل واحد منهم أو أكثرهم يحيل الافتاء الى غيره ليكفيه مؤنته ويجنبه خطره، قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا الى هذا، وهذا الى هذا حتى ترجع إلى الأول. وفي رواية أخرى: ما منهم من يحدث بحديث إلا ودّ أن أخاه كفاه إياه ولا يستفتى عن شيء الا ودّ أن أخاه كفاه الفتيا. وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لولا الخوف من الله تعالى أن يضيع العلم ما أفتيت، يكون لهم المهنأ وعليّ الوزر.

الجرأة على الافتاء

198- وإذا كان التهيب من الافتاء مسلكاً حميداً عرف به السلف الصالح فإنَّ الجرأة على الافتاء وجدت أيضاً في السلف الصالح ولهذا كان بعضهم كثير الفتيا، ولا تتأتى الكثرة في الفتيا مع التهيب من الافتاء عادة، فكيف نوفق بين التهيب من الافتاء – وهو مسلك حميد – والجرأة عليه وقد وجد المسلكان في السلف الصالح دون نكير؟

التحقيق في المسألة أن التهيب من الافتاء قد يكون سببه كثرة المفتين وعدم تعين الافتاء على المسؤول وهذا ما كان واقعاً وغالباً في السلف الصالح. أما الجرأة على الافتاء فقد يكون سببها قلة العلم كما قد يكون سببها سعة العلم وابتلاء صاحبه بكثرة السائلين. أما السبب الأول للجرأة وهو قلة العلم حيث يندفع من قلّ علمه الى الجواب عن كل مسألة مخافة أن يتهم بالجهل، فهذا، ولله الحمد، لم يقع في السلف الصالح، أما السبب الثاني للجرأة وهو سعة العلم وابتلاء المسؤول بكثرة السائلين فهذا قد وقع في السلف الصالح ولهذا عرف من كثرت فتاواه وبسبب هذه الكثرة عرف بالجرأة على الافتاء، وهذه بلا شك جرأة محمودة غير مذمومة، ولهذا كان ابن عباس رضي الله عنهما من أوسع الصحابة إفتاء وجمعت فتاواه في عشرين سفراً، وكان سعيد بن المسيب في التابعين واسع الفتيا، وكانوا يسمونه سعيد بن المسيب الجريء.

الامتناع عن الافتاء

199- وقد يكون الشخص أهلاً للإفتاء غير متهيب منه، ولكن يرى أو يوجد ما يدعوه الى الامتناع عن الافتاء فيجوز له ذلك الامتناع ومن هذه الحالات:

أ‌) قد يسأل المستفتي عن أمر شرعي وتدل القرائن للمفتي المتيقظ أن مراد المستفتي التوصل بالفتوى الى غرض فاسد.

ب‌) قد يسأل العامي عن مسألة عويصة لا يستطيع ادراكها وليس هي من المسائل التي يلزمه معرفة حكمها، فيمتنع المفتي عن الاجابة لئلا يوقعه في الحيرة والفهم الفاسد.

ت‌) إذا كان موضوع الاستفتاء حادثة لم تقع بعد، فيمتنع المفتي عن الاجابة اتباعاً لمسلك بعض السلف في الامتناع عن الافتاء فيما لم يقع بعد مخافة أن يتبدل اجتهاده عند وقوع الحادثة.

ث‌) إذا كان المفتي في حالة يخشى فيها عليه من عدم التثبت والتأمل في موضوع الاستفتاء، كحال الغضب والجوع والعطش والهم والخوف والمرض والحر الشديد وانشغال الفكر ومدافعة الأخبثين ونحو ذلك من الظروف والأحوال.

الاجرة على الافتاء

200- يجوز لمن يقوم بالافتاء أن يأخذ عليه أجراً من بيت المال لأن الافتاء من المصالح العامة وعلى هذا يجوز للامام أن يخصص شيئاً لمن يقوم بالافتاء من بيت المال سواء كان ذلك العطاء لمن عينه مفتياً أو لمن لم يعينه ولكنه يقوم بالافتاء وسواء كان العطاء منظماً في كل شهر أو متقطعاً. فاذا لم يكن لمن يقوم بالافتاء رزق معين من بيت المال، فالأولى له عدم أخذ الأجرة على افتائه ولكن إذا كان انقطاعه للافتاء يمنعه عن الكسب فله أخذ الاجرة إلا أنه إذا تعين عليه الافتاء لم يجز له أن يأخذ أجراً من المستفتي لأنه اعتياض عن واجب عليه، وهذا لا يجوز حتى لو لم يكن عنده ما يكفيه. ومن المفيد أن أقوله هنا: لو أن أهل بلد أو جماعة جعلوا لمفتيهم – غير المعين من قبل ولي الأمر – رزقاً من أموالهم كان ذلك حسناً وجاز للمفتي أخذه.

الافتاء لمن لا تقبل شهادته للمفتي

201- ويجوز الافتاء لمن لا تقبل شهادته للمفتي، كأن يفتي الشخص لأبيه أو أمه أو زوجته أو شريكه لأن القصد من الافتاء بيان الحكم الشرعي فقط وليس فيه إلزام بخلاف القضاء.

المطلب الرابع - الفتوى

تعريفها

202- هي نص جواب المفتي، أو هي حكم الشرع الذي يخبر عنه المفتي بإفتائه.

أساس الفتوى

203- وما دامت الفتوى تتضمن حكم الشرع فيجب أن تقوم على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وما دل عليه هذان الأصلان الكبيران من أدلة الأحكام كالإجماع.

204- أما الرأي فإن كان مقبولاً صلح أن يكون أساساً للفتوى، وإن كان فاسداً لم يصلح، والفاسد هو المخالف للكتاب والسنة. أما الرأي المقبول هو أنواع:

الأول: رأي الصحابة الكرام لاعتماده على النظر السديد والفقه العميق والاستنباط الدقيق لمشاهدتهم التنزيل وصحبتهم للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم ولما عرفوا به من جودة الذهن وإحاطة بمقاصد الشرع ومعانيه.

الثاني: الرأي الذي يفسر النصوص ويبين دلالاتها ويسهل طريق الاستنباط منها مثل رأي الصحابة في العول في الميراث.

الثالث: ما قبلته الأمة من الآراء الفقهية ويدخل في هذا النوع الأقيسة الصحيحة التي توافرت فيها شروط القياس الصحيح ولم تخالف النصوص.

205- وإذا كانت الفتوى تتضمن حكم الشرع وبالتالي يجب أن تقوم على الكتاب والسنة وما دلت عليه نصوصهما، فمن البديهي أن لا تقوم الفتوى على الحيل المحرمة شرعاً ولا على الشبه الباطلة تحليلاً لحرام أو تحريماً لحلال، قال صلى الله عليه وسلم: "لعن الله اليهود والنصارى حرمت عليهم الشحوم، فجملوها (أي أذابوها) وباعوها وأكلوا ثمنها" ولكن يجوز أن تقوم الفتوى على الترخص المباح الذي يجوز للمستفتي أن يأخذ به ويجوز للمفتي أن يفتي به، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وخذ بيدك ضغثاً واضرب به ولا تحنث﴾ وفي الحديث الشريف: "إن الله يحب أن تؤخذ رخصه كما يحب أن تؤخذ عزائمه".

تعلق الفتوى بموضوع الاستفتاء

206- الاصل في الفتوى أن تكون متعلقة بموضوع الاستفتاء مطابقة له ليحصل المستفتي على بغيته من استفتائه غير خارجة عنه.

207- ولكن يجوز أن تكون الفتوى أوسع من موضوع الاستفتاء، بمعنى أنها تتعلق به وبغيره، إذا رأى المفتي أن في هذا التوسع فائدة للمستفتي، ودليل ذلك أن بعض الصحابة الكرام سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ماء البحر وهل يجوز التوضؤ به، فقال صلى الله عليه وسلم: "هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته" فأجابهم صلى الله عليه وسلم عن ميتة البحر ولم يسألوه عنها لعلمه صلى الله عليه وسلم بفائدة بيان هذا الحكم لهم.

208- كما يجوز أن تكون الفتوى متعلقة بموضوع آخر غير موضوع الاستفتاء، وهذا يكون إذا رأى المفتي أن الجواب على موضوع الاستفتاء لا يفيد المستفتي أو لا يقوى على إدراكه وفهمه فيحيد عن جواب سؤاله الى بيان بعض ما يحتاجه المستفتي، ويدل على ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله﴾.

وضوح الفتوى

209- ولما كانت الفتوى تتضمن بيان حكم الشرع وتبليغه فيجب أن تكون واضحة مفهومة لأن التبليغ يجب أن يكون بالأسلوب المبين ولهذا قال تعالى في تبليغ الرسالة وقيام الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا التبليغ: ﴿وما على الرسول إلا البلاغ المبين﴾ ويتأتى وضوح الفتوى باللغة السهلة والاسلوب المفهوم لدى المستفتي، بعيدة عن الاصطلاحات التي لا يفهمها المستفتي. كما ينبغي أن تكون خالية من التردد وعدم القطع في الجواب كأن يقول المفتي: في المسألة قولان، لأن المستفتي يريد الجواب القاطع الذي يقلد المفتي فيه ويعمل بموجبه.

ومن لوازم وضوح الفتوى وايضاحها للمستفتي أن يمهد لها المفتي إذا كان فيها حكم مستغرب حتى يزول هذا الاستغراب عند المستفتي بهذا التمهيد.

الايجاز والاطالة في الفتوى

210- والوضوح في الفتوى لا يستلزم الاطالة بالضرورة، ولهذا كان الاصل في الفتوى الايجاز والاختصار حتى تبدو وكأنها نص قانوني لأن الغرض من الفتوى بيان الحكم الشرعي في المسألة للمستفتي وليس الغرض منها مناقشة الآراء وسوق الأدلة. وعلى هذا يجوز للمفتي ويسعه أن يقول في فتواه جواباً للمستفتي، يجوز، أو لا يجوز. أو يقول: نعم، أو لا.

211- ولكن يجب أن يعلم أن الايجاز في الفتوى لا يجوز إذا كان على حساب الاخلال بالبيان المطلوب والوضوح المطلوب، وعلى هذا يجب على المفتي أن يطيل في فتواه إذا كان ذلك لا بد منه لوضوح الفتوى وتخليصها من الإبهام والغموض، فمن استفتى عن حكم من قال قولاً يكفر قائله، فلا يبادر المفتي بالقول: انه حلال الدم، وانما يجب أن يكون الجواب بشيء من التفصيل والاطالة كأن يقول في الجواب: إذا ثبت ذلك عليه بالبينة الشرعية أو بالاقرار استتابه ولي الأمر فإن تاب قبلت توبته وان أصر ولم يتب قتل. وكذلك إ ذا سئل المفتي عن كلام يحتمل معنيين فليقل في فتواه: إن أراد المستفتي بكلامه كذا وكذا، فالحكم كذا، وإن أراد كذا، فالحكم كذا.

212- وإذا كان في المسألة تفصيل لم يطلق المفتي الجواب بل يفصله. وإذا كان السؤال يتضمن جملة مسائل فصلها المفتي وذكر مع كل مسألة الفتوى التي تخصها.

ذكر دليل الفتوى

213- ويجوز أن يندب للمفتي أن يذكر في فتواه الدليل الذي استند اليه كأن يذكر نصاً من كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم أو إجماع الفقهاء أو قياساً جلياً. وإذا كانت المسألة مما اختلفت فيها أنظار المجتهدين فيندب للمفتي أن يذكر في فتواه الأدلة التي جعلته يرجح أو يأخذ بفتواه هذه، كما يجوز للمفتي أن يناقش أدلة الآراء الأخرى التي لم يأخذ بها.

وكذلك يندب ذكر الدليل إذا كانت هناك فتوى باطلة تتعلق بموضوع الاستفتاء حتى يعلم المستفتي وغيره دليل فتواه وبطلان الفتوى السابقة.

وما قلناه يفعله المفتي من تلقاء نفسه، أما إذا سأله المستفتي عن الدليل فقد قلنا فيما سبق: إن على المفتي أن يجيبه ويذكر له الدليل.

تغير الفتوى بتغير المكان والزمان

214- والفتوى قد تتغير بتغير المكان والزمان، وهذا إذا كان الحكم الشرعي مبنياً على عرف بلد وتغير هذا العرف ولم يكن العرف الجديد مخالفاً للنص الشرعي. أو كان الحكم الشرعي مبنياً على معنى معين وتغير ذلك المعنى كما في صدقة الفطر فقد جاء الحديث الشريف بإخراج صاع من تمر أو شعير أو زبيب أو أقط. وقد قال العلماء يجوز إخراج صدقة الفطر من الذرة أو الأرز أو غيرهما إذا كانت هذه الأصناف غالب أقوات البلد، وعلّل العلماء ذلك بأن الأصناف الواردة في الحديث الشريف إنما جاءت لأنها كانت هي غالب أقوات أهل المدينة ولم تأت على سبيل الحصر والتخصيص.

وكذلك إذا كان الحكم الشرعي وارداً بالنسبة لمكان معين وزمان معين فيجب الافتاء فيه في ذلك المكان والزمان دون الافتاء بالحكم العام، كالسرقة الحد فيها هو قطع اليد وهذا هو حكمها العام، ولكن السرقة في الغزو في أرض العدو حكمها عدم القطع هناك ولزوم تأجيل إقامة الحد لورود الحديث الشريف "لا تقطع الأيدي في الغزو".

وكذلك إذا كان الحكم ملحوظاً فيه تحقيق غرض معين ورأى الفقيه المفتي أن هذا الغرض لا يتحقق في موضوع الاستفتاء فلا ينبغي أن يفتي به، مثل أن يستفتيه أحد في إزالة منكر معين باليد ورأى الفقيه أن إزالته يترتب عليه شر ومنكر أكبر من المنكر القائم فينبغي له أن لا يفتيه بالحكم العام وهو إزالة المنكر باليد ما دام المفتي يرى ترتب منكر أكبر من المنكر المزال، وهذا باب واسع يعتمد على فطنة المفتي وملاحظته الأحوال والأمكنة والأزمنة والظروف وحالة المستفتي.

التشدد في عبارات الفتوى والحلف عليها

215- ويجوز التشدد في عبارة الفتوى عند الحاجة أو المصلحة فيقول المفتي في فتواه مثلاً: وهذا عليه إجماع المسلمين، أو لا أعلم فيه خلافاً، أو من خالف حكم هذه الفتوى فقد أثم وعصى الله تعالى ونحو ذلك. كما يجوز الحلف على ثبوت الحكم الشرعي الوارد في الفتوى في بعض الأحيان وفي الأمور الخطيرة ما دام الحكم ثابتاً بدليل قطعي يدل على هذا الجواز قوله تعالى: ﴿ويستفتونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين﴾.

ما يراعى في كتابة الفتوى أو النطق بها

216- والفتوى كما تجوز شفاهاً تجوز كتابة، وفي الحالتين ينبغي للمفتي أن يبدأ فتواه بالبسملة وحمد الله تعالى والصلاة والسلام على نبيه صلى الله عليه وسلم وأن يختم فتواه بقوله: وبالله التوفيق، أو والله هو الموفق، أو والله أعلم.

217- وإذا كانت الفتوى مكتوبة فعلى المفتي أن يقارب سطورها وكلماتها ولا يترك فواصل فيما بينها لئلا يزور أحد عليه ويضيف اليها ما لم يقله. وأن تكون موصولة بآخر سطر من السؤال، وإذا ضاقت ورقة الاستفتاء عن الفتوى لطولها فينبغي أن يكتب الجواب أو يكمله في ظهر الورقة ولا يكتبها في ورقة مستقلة منفصلة خوفاً من الاحتيال عليه.

218- وإذا كان في ورقة الاستفتاء فتوى من ليس أهلاً للفتوى فللمفتي أن يشطب اسم صاحب هذه الفتوى وإن كانت صحيحة، أما إذا كانت الفتوى خطأ فيشطب اسمه ويشطب الفتوى، ولكن هذا الشطب يكون بإذن صاحب الاستفتاء، وإذا رفض فللمفتي أن يمتنع عن اعطاء الفتوى كتابة وإنما يجيبه شفاهاً، والسبب في ذلك أن ذكر اسم المفتي مع اسم من سبقه وهو غير أهل للافتاء تقريراً للناس لما يتوهمونه من صلاحية وأهلية ذلك الشخص للافتاء إذا رأوا اسمه مقروناً باسم المفتي. أما إذا كان اسم من سبقه أهلاً للافتاء ولكن كانت فتواه خطأ قطعاً فله شطبها بإذن صاحب الاستفتاء أو إعادتها الى صاحب الفتوى ليصححها أو ينبه على ما فيها من خطأ عندما يحرر فتواه، أما إذا كانت سائغة فليس له أن يتعرض لها بالشطب أو التخطئة وإن خالفت اجتهاده.

العمل بالفتوى

219- والفتوى متى صدرت ممن هو أهل للافتاء عمل بها المستفتي وكان عمله هذا مقلداً لصاحب الفتوى، ولكن إذا رجع المفتي عن هذه الفتوى قبل أن يعمل بها المستفتي وعلم برجوعه حرم عليه العمل بها، وعليه أن يعيد استفتاءه ويعمل بما يفتي به. وأما لو عمل بالفتوى ثم رجع المفتي عن فتواه وعلم المستفتي برجوعه، فعلى المستفتي اعادة استفتائه والعمل بالفتوى الجديدة حتى ولو استلزمت نقض عمله السابق ما دام هذا العمل له صفة الاستمرار كما لو نكح من لم يجز له نكاحها بموجب فتوى سابقة رجع عنها صاحبها ثم استفتى فأفتي بعدم الجواز فإنه يفارق زوجته. هذا ما قالوه، ويبدو لي أن هذا النقض إنما يكون إذا كانت الفتوى السابقة التي رجع عنها صاحبها باطلة قطعاً لمخالفتها للدليل القاطع، أما إذا كانت سائغة ورجع عنها صاحبها وكان المستفتي قد عمل بها فلا أرى وجوب نقض عمل المستفتي بها لأنه عمل بما هو سائغ وبزعم شرعي.

الفرق بين الفتوى والحكم

220- هناك جملة فروق بين الفتوى التي تصدر عن المفتي وبين الحكم الذي يصدر عن القاضي، ومن هذه الفورق:

أ‌) الفتوى تعتبر محض اخبار عن الله تعالى بما هو مطلوب شرعاً من المستفتي أو بما هو مباح له. أما حكم القاضي فهو وإن كان اخباراً عن حكم الشرع أيضاً إلا أن فيه إلزاماً للمحكوم عليه بما تضمنه الحكم.

ب‌) إن كل ما يجري فيه حكم القاضي تجري فيه الفتوى أيضاً ولا عكس، فالعبادات تجري فيها الفتوى ولكن لا يجري فيها حكم القضاء فليس لحاكم أن يحكم أن هذه الصلاة صحيحة أو فاسدة أو أن هذا الماء نجس لا يجوز الوضوء به ولكن للمفتي أن يفتي في هذه المسائل ونحوها. ويلحق بالعبادات أسبابها كما لو شهد شاهد أو شاهدان بهلال رمضان وأثبت ذلك حاكم وأمر بإعلانه فإن ذلك منه فتوى وليس بحكم وهذا ما قاله المالكية.

ت‌) فتوى المفتي أعظم خطراً من حكم القاضي، لأن الفتوى تعتبر شريعة عامة تتعلق بالمستفتي وغيره، أما حكم القاضي فهو خاص لا يتعدى إلى غير المحكوم عليه وله.

الفصل الرابع - أنطِمَة الإسْلام - المبحث الرابع - نِظامُ الحِسْبَة

تمهيد

130- قلنا فيما سبق: إن المطلوب من المسلم أن تكون أفعاله وأقواله وفق المناهج الاسلامية ولهذا أمر الله تعالى أهل العلم بتبليغ الناس أحكام الاسلام وتعليمهم حدود ما أنزل الله، كما أمر سبحانه وتعالى من لا يعلم أن يتعلم، ومن سبل التعلم أن يسأل أهل العلم ولهذا وجد في الاسلام نظام الافتاء الذي تكلمنا عنه. ومع هذا قد يبقى المسلم جاهلا شرع الله إما لأن تبليغ العلماء لم يصله أن أنه قصر في تعلم ما يجب عليه تعلمه كما لم يستفت أهل العلم فيما يهمه من أمور، فيقع في المعصية ومخالفة الشرع بسبب جهله. وقد يعلم المسلم حدود ما أنزل الله ومع هذا يقع في المعصية اتباعاً لهواه، والمعصية في الحالتين منكر ارتكب أو معروف هجر، والمنكر إذا وقع وجبت إزالته، والمعروف إذا هجر، وجب الأمر به. وإزالة المنكر إذا ظهر فعله، والأمر بالمعروف إذا ظهر تركه هو أساس وملاك ما يعرف بالشريعة الإسلامية بنظام الحسبة وهو ما نتكلم عنه في هذا المبحث.

منهج البحث

131- تسهيلاً للبحث وإحاطة بالموضوع نقسم هذا المبحث إلى خمسة مطالب:

المطلب الأول – للتعريف بالحسبة وبيان مشروعيتها ومكانتها في الإسلام

المطلب الثاني – للكلام عن المحتسب

المطلب الثالث – للكلام عن المحتسب عليه

المطلب الرابع – للكلام عن المحتسب فيه

المطلب الخامس – للكلام عن نفس الاحتساب

المطلب الأول - التعريف بالحسبة ومشروعيتها ومكانتها في الإسلام

معناها في اللغة

132- الحسبة في اللغة تدل على العد والحساب، ويقال: احتسب بكذا إذا اكتفى به، واحتسب على فلان الأمر، أنكره عليه، واحتسب الأجر على الله: ادخره لديه. والحسبة اسم من الاحتساب، والاحتساب يستعمل في فعل ما يحتسب عند الله تعالى.

معناها في الاصطلاح

133- والحسبة عند الفقهاء "أمر بالمعروف إذا ظهر تركه ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله" فهي إذن من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل إن الفقهاء يسمون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، احتساباً وحسبة ما دام القائم به يفعله ابتغاء مرضاة الله وما عنده من ثواب.

دليل مشروعيتها

134- دل على طلب الشرع للحسبة القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، فكل آية وردت في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دليل على مشروعية الحسبة وطلب الشرع لها. والواقع أن القرآن الكريم دل على طلب الحسبة بأساليب متنوعة فطوراً يأمر بها، وتارة يجعلها وصفاً لازماً للمؤمنين وسبباً لخيرية الأمة وان الغاية من التمكين في الأرض والظفر بالسلطان والحكم هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن ترك ذلك سبب لاستحقاق اللعنة. فمن هذه الآيات: قوله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾ ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر...﴾ ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر﴾ ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾.

135- والسنة النبوية دلت على مشروعية الحسبة وطلب الشرع لها. فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم" "أفضل شهداء أمتي رجل قام إلى إمام جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله على ذلك".

مدى مشروعيتها

136- والحسبة – وهي أمر بالمعروف ونهي عن المنكر – قد ينظر اليها من ناحية المطالب بها، وقد ينظر إليها من حيث هي أمر ونهي. فمن الناحية الأولى هي فرض كفائي إذا قام به البعض، سقط عن الباقين، وإن لم يقم بها أحد، أثم القادرون جميعاً. وقد تصير فرض عين إذا تعينت على شخص معين كما أنها قد تصير مستحبة بالنسبة للمسلم غير واجبة عليه بل وقد تصير محرمة في ظروف خاصة كما سنبينه فيما بعد.

أما من الناحية الثانية أي بالنظر إلى ذاتها فإنها تكون – على رأي البعض – واجبة أو مندوبة نظراً إلى موضوعها، أي إلى ما تتعلق به فإن كانت أمراً بواجب أو نهياً عن حرام كانت الحسبة واجبة، سواء كان وجوبها عينياً أو كفائياً، وان كان موضوعها أو ما تتعلق به مندوباً كانت مندوبة. وقال البعض الآخر من الفقهاء: إن الحسبة بذاتها تكون واجبة دائماً بغض النظر عما تتعلق به.

مكانة الحسبة في الاسلام:

137- وللحسبة مكانة عظيمة جداً في الاسلام لأنها أمر بمعروف ونهي عن منكر. وهذا من أخص خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى مبيناً هذه الحقيقة: ﴿يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر...﴾ وقد وصف الله الأمة الاسلامية بما وصف به رسولها حتى تقوم من بعده بما قام به صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأصول العظيمة للاسلام، ومن ثم كانت الحسبة محل عناية الفقهاء والتنويه بشأنها. قال الفقيه المشهور بابن الأخوة: "الحسبة من قواعد الأمور الدينية، وقد كان أئمة الصدر الأول يباشرونها بأنفسهم لعموم صلاحها وجزيل ثوابها، وهي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله، وإصلاح بين الناس". وقال ابن خلدون في مقدمته: "أما الحسبة فهي وظيفة دينية من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو فرض على القائم بأمور المسلمين أن يعين لذلك من يراه أهلا له...".

حكمة مشروعيتها

138- وحكمة مشروعيتها ظاهرة لأن تبليغ الدعوة الإسلامية بجميع معانيها يندرج تحت مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كما أن من حكمة مشروعيتها توقي العذاب واستنزال رحمة الله، وبيان ذلك أن المعاصي سبب المصائب وما ينزل على الناس من عذاب التأديب أو الانتقام أو الاستئصال وبهذا جرت سنة الله قال تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير...﴾. وإذا كان الكفر والفسوق والعصيان سبباً للمصائب والهلاك فقد يذنب الرجل أو الطائفة ويسكت الآخرون فلا يأمرون ولا ينهون فيكون ذلك من ذنوبهم فتصيبهم المصائب، وفي الحديث الشريف "ان الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعذاب منه". وكما أن المعصية سبب المصيبة والعذاب، فإن الطاعة سبب النعمة والرخاء ورضوان الله تعالى وبذلك جرت سنة الله تعالى، قال تعالى: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ وقال تعالى: ﴿فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة...﴾ وقال تعالى: ﴿والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون﴾.

أركان الحسبة

139- الحسبة تستلزم وجود من يقوم بها، وهذا هو المحتسب، ومن تجري عليه الحسبة وهذا هو المحتسب عليه، وعمل أو ترك تجري فيه الحسبة، وهذا هو المحتسب فيه، وما يقوم به المحتسب وهذا هو الاحتساب فأركان الحسبة أربعة: المحتسب، والمحتسب عليه، والمحتسب فيه، والاحتساب. ولا بد من الكلام عن هذه الأربعة في المطالب التالية:

المطلب الثاني - المحتسب

من هو المحتسب

140- المحتسب من يقوم بالاحتساب أي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن شاع عند الفقهاء اطلاق هذا الاسم على من يعينه ولي الأمر للقيام بالحسبة، وأطلقوا عليه أيضاً اسم والي الحسبة، أما من يقوم بها من دون تعيين ولي الأمر فقد أطلقوا عليه اسم "المتطوع" ثم راحوا يفرقون بين المحتسب والمتطوع.

الفرق بين المحتسب والمتطوع

141- أ) الاحتساب فرض متعين على المحتسب بحكم الولاية أي بحكم تعيينه محتسباً، أما فرضه على غيره فهو من فروض الكفاية ومن ثم لا يجوز للمحتسب أن يتشاغل عما عين له من أمور الحسبة بخلاف المتطوع.

ب) وقالوا: إن المحتسب عين للاستعداء اليه وطلب العون منه عند الحاجة ومن ثم تلزمه اجابة من طلب ذلك منه بخلاف المتطوع إذ لا يلزمه من ذلك شيء.

جـ) وقالوا: إن المحتسب عليه أن يبحث عن المنكرات الظاهرة حتى يتمكن من إزالتها كما أن عليه أن يبحث عما ترك من المعروف الظاهر حتى يأمر بإقامته، أما المتطوع فلا يلزمه ذلك.

د) وقالوا: للمحتسب أن يستعين على أداء مهمته بالأعوان، فيتخذ له من الأعوان والمساعدين بقدر ما يحتاج لأداء مهمته التي عين لها، وليس للمتطوع ذلك.

هـ) قالوا: وللمحتسب أن يعزر على المنكرات الظاهرة، ولا يتجاوزها الى إقامة الحدود وليس للمتطوع ذلك.

و) للمحتسب أن يأخذ على عمله أجراً من بيت المال وليس للمتطوع ذلك.

ز) للمحتسب أن يجتهد في المسائل المبنية على العرف فيقر منها ما يراه صالحاً للاقرار وينكر منها ما يراه مستحقاً للانكار وليس للمتطوع ذلك.

رأينا في هذه الفروق

142- هذه الفروق بنيت على أساس التفريق بين المعين للحسبة وغير المعين لها. والواقع أن الحسبة من فروض الإسلام فلا يتوقف القيام بها على التعيين من قبل ولي الأمر ومن ثم كانت تسمية غير المعين بالمتطوع تسمية غير دقيقة لأنها تشعر بأن القيام بالحسبة من قبل غير المعين لها هو من قبيل القيام بالأمور المستحبة غير الواجبة.

ومع هذا فإن تنظيم الحسبة وضبطها من قبل ولي الأمر وتعيين الأكفاء لها حتى لا تسود الفوضى في المجتمع بإسم الحسبة أقول: إن هذا التنظيم من الأمور الحسنة ولكن بشرط أن لا يكون هذا التنظيم مانعاً من قيام الآخرين بواجب الحسبة على الوجه المشروع. وعلى هذا لا نرى ما قاله الفقهاء من أن المحتسب له أن يتخذ أعواناً أما المتطوع فليس له ذلك، لأن إتخاذ الأعوان على الحسبة من التعاون على البر والتقوى فلا ينبغي منع من يقوم بالحسبة من هذا التعاون بحجة أنه غير معين من قبل ولي الأمر ما دام صالحاً للحسبة وتتوفر فيه شروط الحسبة. وكذلك لا نرى منع المتطوع من التعزير على المنكرات الظاهرة أو على الأقل لا نرى منعه من التعزير مطلقاً لأن التعزير درجات فينبغي أن لا يمنع إلا من بعضها لا كلها كأن يمنع من الضرب والجلد.

ولاية المحتسب

143- ولاية المحتسب يستمدها من الشرع الشريف لأن المسلم مكلف بالحسبة وحيث يوجد التكليف توجد الولاية على القيام بما كلف به، إلا أنه في حالة قيام ولي الأمر بتنظيم أمور الحسبة وتعيين الأكفاء لها فإن المعين يملك من الولاية أكثر مما يملكه غير المعين، ومع هذا فإن ولاية (المحتسب) المعين من قبل ولي الأمر يستمدها من الشرع وإن جاءت عن طريق ولي الأمر باعتبار أن تنظيم ولي الأمر للحسبة سائغ مشروع فكأن الشرع خوله ذلك.

مقصود هذه الولاية

144- ومقصود ولاية المحتسب سواء عين من قبل ولي الأمر أو لم يعين هو إقامة شرع الله في الأرض وتطهيرها من الفساد لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى. وهذا المقصود في الحقيقة هو مقصود كل ولاية في الإسلام وكل الفرق بين ولاية وأخرى هو في سعتها ومتعلقاتها وهكذا تعمل جميع الولايات منسجمة لتحقيق مقصود واحد هو إقامة شرع الله في الأرض وتطهيرها من الفساد والمفسدين.

ولاية المحتسب وولاية القاضي

145- وقد بحث الفقهاء أوجه الفرق والاختلاف بين ولاية المحتسب وولاية القاضي وخرجوا من بحثهم هذا ببيان أوجه الفرق والخلاف بينهما على النحوالتالي:

أ‌) أوجه الاتفاق:

تتفق الولايتان في جواز الاستعداء إلى المحتسب والادعاء أمامه في حقوق الآدميين في دعاوى خاصة هي المتعلقة ببخس أو تطفيف في كيل أو وزن، أو متعلقة بغش أو تدليس في بيع أو ثمن أو متعلقة بمطل أو تأخير لدين مستحق الأداء مع القدرة على الوفاء. وإنما جاز للمحتسب أن ينظر في هذه الدعاوى دون غيرها لأنها كما قالوا "تتعلق بمنكر ظاهر هو منصوب لإزالته واختصاصها بمعروف بين هو مندوب إلى إقامته".

وللمحتسب كما للقاضي أن يلزم المدعى عليه بأداء الحق الواجب عليه إلى مستحقه في الدعاوى التي له حق النظر فيها إذا ثبتت تلك الحقوق بإقرار المدعى عليه وثبتت قدرته على الوفاء. وإنما كان للمحتسب إلزام المدعى عليه بإداء هذه الحقوق لأن تأخير وفائها مطل، والمطل منكر نهى الشارع عنه، قال صلى الله عليه وسلم: "مطل الغني ظلم يحل ماله وعرضه" والمحتسب منصوب لإزالة المنكر.

ب‌) أوجه الخلاف:

أولاً: تقصر ولاية المحتسب عن ولاية القاضي من وجهين:

الوجه الأول: ليس للمحتسب سماع الدعاوى التي تخرج عن نطاق المنكرات الظاهرة أي التي تخرج عن نطاق الدعاوى الثلاث التي أشرنا إليها في أوجه الاتفاق.

الوجه الثاني: له النظر في الحقوق المعترف بها، أما ما يدخله التجاحد والتناكر فلا ينظر فيه لأن الحق لا يثبت عند ذاك إلا ببينة من المدعي أو تحليف المنكر اليمين وهذا للقاضي لا للمحتسب.

ثانياً: وتزيد ولاية المحتسب على ولاية القاضي من وجهين:

1: للمحتسب أن يأمر بما هو معروف، وينهى عما هو منكر، وإن لم يرتفع إليه في ذلك خصم ولم يتقدم إليه أحد بدعوى، وليس للقاضي ذلك إلا برفع دعوى ومطالبة خصم.

2: للمحتسب من سلاطة السلطة فيما يتعلق بالمنكرات الظاهرة ما ليس للقاضي، لأن الحسبة – كما يقول الفقهاء – تقوم على الرهبة، فلا تجافيها الغلظة وإتخاذ الأعوان وسلاطة السلطة، أما القضاء فموضوع لإنصاف الناس واستماع البينات حتى يتبين المحق من المبطل فكان الملائم له الأناة والوقار والبعد عن الغلظة والخشونة والرهبة.

146- ويمكن أن نضيف إلى ما قاله الفقهاء فرقاً ثالثاً تزيد به ولاية المحتسب على ولاية القاضي وهي ولاية المحتسب على الأمر والنهي فيما لا يدخل في صلاحية القاضي ولا يجري فيه الحكم، فللمحتسب أن يأمر العامة بالصلاة في أوقاتها ويأمر بالجمعة والجماعات وينهى عن منكرات المساجد وعن تأخير الصلاة عن أوقاتها ونحو ذلك مما لا يجري فيه حكم القضاء ولا ينظر فيه القاضي.

شروط المحتسب

147- اشترط الفقهاء شروطاً معينة في المحتسب ليكون أهلاً للاحتساب، وهذه الشروط:

أولاً: أن يكون مكلفاً لأن غير المكلف لا يلزمه أمر ولا يجب عليه تكليف. والمكلف في اصطلاح الفقهاء هو البالغ العاقل، وهذا في الحقيقة شرط وجوب الاحتساب على المسلم، أما إمكان الحسبة وجوازها فلا يستدعي إلا العقل حتى إن الصبي المميز وإن لم يكن مكلفاً فله إنكار المنكر وليس لأحد منعه من ذلك، لأن احتسابه من القربات وهو من أهلها كالصلاة وليس حكم احتسابه حكم الولايات حتى يشترط له التكليف.

ثانياً: أن يكون مسلماً وهذا شرط واضح لأن الحسبة نصرة للدين فلا يكون من أهل النصرة من هو جاحد لأصل الدين.

148- ثالثاً: الإذن من الإمام أو نائبه، وهذا شرط محل نظر ذلك أن المحتسب إذا عين من قبل ولي الأمر، فلا حاجة له للإذن، لأنه ما عين إلا للاحتساب. أما إذا لم يكن معيناً وهو الذي يسمونه "المتطوع" فإن اشترطوا له الإذن لكل نوع من أنواع الحسبة فإن اشتراطهم هذا لا دليل عليه بل إن النصوص تدفعه لأن كل مسلم يلزمه تغيير المنكر إذا رآه وقدر على إزالته دون اشتراط إذن من الإمام ويؤيد ذلك استمرار السلف الصالح على الحسبة دون إذن من الإمام فضلاً عن أن الحسبة تجري على الإمام نفسه فكيف يحتاج المحتسب إلى إذن منه للإنكار عليه؟.

وإن اشترطوا الإذن بالنسبة لبعض أنواع الحسبة وهي التي يجري فيها التعزير واتخاذ الأعوان واستعمال القوة فهذا الشرط له وجه مقبول لابتنائه على المصلحة، لأن إباحة هذا النوع من الاحتساب لكل أحد قد يؤدي إلى الفتنة والفوضى ووقوع الاقتتال بين الناس بحجة الحسبة، وباشتراط الإذن تندفع هذه الأضرار فيلزم الإذن لأن دفع الضرر واجب وما يستلزمه هذا الدفع يكون مشروعاً. ومع هذا التوجيه المقبول نرى جواز تغيير المنكر من المتطوع إذا أمن الفتنة وإن استلزم التغيير اتخاذ الأعوان واستعمال القوة ومباشرة التعزير كلما كان ذلك ضرورياً ولا يحتمل التأخير حتى يتحصل الإذن.

149- رابعاً: العدالة، وهذا شرط قال به البعض، فعندهم لا بد أن يكون المحتسب

عدلاً غير فاسق ومن مظاهر عدالته أنه يعمل بما يعلم ولا يخالف قوله عمله. ويمكن أن يستدل لهذا القول بما يأتي:

أ) قوله تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾.

ب) المطلوب من المسلم أن يعمل بما يدعو الناس إليه ولا يخالف قوله فعله ليكون لقوله التأثير في رفع المنكر واستجابة الناس له ولهذا قال شعيب عليه السلام لقومه كما أخبرنا الله تعالى: ﴿وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت﴾ وفي الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت ليلة أسري بي رجالاً تقرض شفاههم بالمقاريض فقلت له من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء خطباء أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم".

150- وقال البعض الآخر: العدالة ليست شرطاً، وإنما الشرط القدرة على إزالة المنكر لأنه ما من أحد إلا ويصدر منه العصيان، والمعصية تثلم العدالة، فكيف يشترط ما يتعذر تحققه في المسلم؟ ولهذا قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: "إذا كان لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من لا يكون فيه شيء لم يأمر أحد بشيء".

151- والراجح، عدم اشتراط العدالة في المحتسب من حيث المبدأ، ومن حيث الجملة دون التفصيل، لأن الاحتساب فرض كسائر الفروض الإسلامية لا يتوقف القيام به على أكثر مما يتطلبه ويحتاجه هذا الفرض، وليس مما يتوقف عليه أن يكون المحتسب عدلاً بالاصطلاح المعروف عند الفقهاء، لأن ما يأمر به المحتسب أو ينهى عنه هو من الأمور الحسنة المشروعة، والحق ينبغي أن يتبع ويقبل من قائله بغض النظر عن فعله وسلوكه، وما احتج به المشترطون لا حجة لهم فيه لأن الذم على من يأمر غيره بالمعروف وينسى نفسه إنما استحق هذا الذم بسبب ارتكابه ما نهى عنه لا على نهيه عن المنكر، وإن كان النهي عن المنكر ممن يأتيه مستقبحاً في النفوس، كما أن أمره بالمعروف دل على قوة علمه وعقاب العالم وذمه إذا ارتكب المنكر أشد من الجاهل إذا ارتكب المنكر، وعليه فإن الإنكار في قوله تعالى: ﴿وتنسون أنفسكم﴾ إنما كان عليهم بسبب أنهم نسوا أنفسهم لا بسبب أنهم أمروا غيرهم بالمعروف.

152- ومع ترجيحنا عدم اشتراط العدالة في المحتسب من حيث المبدأ والأصل، إلا أن العدالة لها تأثير في بعض أنواع الحسبة وفي وجوبها أو عدم وجوبها ومن ثم يكون لاشتراط العدالة وجه مقبول، وبيان ذلك أن الحسبة إذا كانت بالوعظ والإرشاد فإن نفعها المرجو يحصل إذا كان المحتسب ورعاً تقياً عدلاً حيث يكون لكلامه ووعظه – عادة – تأثير في الناس وقبول عندهم فيتركون المنكر، وحيث كان نفع الحسبة مرجواً بالوعظ ولا ضرر للمحتسب منه كانت الحسبة عليه واجبة، فيكون اشتراط العدالة في هذه الحالة لوجوب الحسبة اشتراطاً مقبولاً. أما إذا كان المحتسب فاسقاً غير عدل فالغالب أن وعظه لا يؤثر ولا يقبل فلا يفيد، وإذا لم ينفع وعظه لم تجب عليه الحسبة لفقدان شرط وجوبها وهو العدالة.

أما إذا كانت الحسبة بالقوة والقهر فالعدالة ليست شرطاً في المحتسب لوجوب الحسبة عليه، إذ الشرط لوجوبها عليه القوة والقدرة وليست العدالة، ولأن الله تعالى يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

153- ومع هذا التفصيل الذي بيناه، فإنه مما لا ريب فيه أن من المرغوب فيه بالنسبة لجميع المحتسبين أن يكونوا على أكبر قدر ممكن من العدالة وتجنب ما يخدشها، وكلما كان المحتسب أكثر عدالة من غيره كان ذلك كما قالوا "أزيد في توقيره وأنفى للطعن في دينه" وتؤثر حسبته وتقبل وإن كانت بالقوة والقهر.

154- خامساً: العلم، ويشترط في المحتسب أن يكون عنده من العلم ما يستطيع أن يعرف المنكر فينهى عنه، ويعرف المعروف فيأمر به حسب الموازين الشرعية، وبهذا يكون احتسابه عن علم ومعرفة لا عن جهل وتخبط. وقد جاء في الأثر "لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيهاً فيما يأمر به فقيهاً فيما ينهى عنه" ويدخل في حد العلم المطلوب علم المحتسب بمواقع الحسبة وحدودها ومجاريها وموانعها ليقف عند حدود الشرع كما سنبينه فيما بعد. ولكن هل يشترط في المحتسب أن يكون مجتهداً؟ الجواب بالإيجاب إذا قلنا: للمحتسب أن يحمل الناس على رأيه في الأمور المختلف فيها، أما إذا قلنا: ليس للمحتسب ذلك فالاجتهاد ليس شرطاً وإنما يكفي أن يكون عالماً بالمنكرات المتفق عليها وبالمعروف المتفق عليه. وعدم شرط الاجتهاد هو ما نرجحه.

155- وهل يشترط في المحتسب أن يكون عارفاً بالصنائع الدنيوية والمهن والحرف التي يباشرها الناس؟ الواقع أن هذا التساؤل وارد لأن عمل المحتسب يشمل مراقبة هذه المهن والحرف ليتأكد من عدم غش أصحابها واحتيالهم وإضرارهم بالناس، فقد ذكر الفقهاء أن على المحتسب أن يراقب أصحاب المهن والصنائع المختلفة ويمنعهم من الغش فيها، كما يمنع مباشرتها من قبل الجهال بها، ومن البديهي أن ذلك لا يتأتى للمحتسب إلا إذا كان عارفاً بهذه الصنائع والحرف، بل ذهب الفقهاء إلى أن المحتسب يمتحن بعض أصحاب المهن العلمية كالكحال "طبيب العيون" ليتأكد من صلاحيته لهذه المهنة، وهذا يستلزم معرفة المحتسب لهذا الجانب من العلم، قال الفقيه عبد الرحمن بن نصر الشيزري: "وأما الكحالون فيمتحنهم المحتسب... فمن وجده فيما امتحنه عارفاً بتشريح عدد طبقات العين السبعة.. وكان خبيراً بتركيب الأكحال وأمزجة العقاقير أذن له المحتسب بالتصدي لمداواة أعين الناس" كما صرح الفقهاء بضرورة معرفة المحتسب بالأوزان ونحوها فمن أقوالهم "لما كانت هذه – أي القناطير والأرطال والمثاقيل والدراهم – أصول المعاملات وبها اعتبار المبيعات لزم المحتسب معرفتها وتحقيق كميتها لتقع المعاملة بها من غير غبن على الوجه الشرعي".

156- وعلى هذا يجب على المحتسب أن يعرف ما يحتسب فيه من المهن والحرف والصنائع. ولكن يمكن أن يقال: إن إلزام المحتسب بمعرفة هذه الأشياء كلها أو أكثرها بل وحتى بعضها مما يشق عليه ويعسر، ولهذا نرى أن وجوب هذه المعرفة في المحتسب يمكن أن تتحقق باستعانته بذوي الخبرة بهذه الأشياء سواء كان هؤلاء الخبراء من أعوانه الدائمين أو من غيرهم، فيستشيرهم فيما يحتسب فيه من شؤون هذه المهن والحرف والصنائع ويأخذ بأقوالهم ما داموا أمناء ثقاة.

157- سادساً: القدرة، ويشترط في المحتسب أن يكون قادراً على الاحتساب باليد واللسان، وإلا وقف عند الإنكار القلبي. وهذا الشرط مفهوم فيمن يقوم بالاحتساب من تلقاء نفسه وبدون تعيين ولي الأمر، أما المعين فإن القدرة حاصلة فيه لأن الدولة معه. هذا ولا يقف سقوط وجوب الحسبة على العجز الحسي بل يلحق به ما يخاف من المكروه الذي ينزل به ولا يطيقه على النحو الذي سنبينه فيما بعد إن شاء الله.

آداب المحتسب

158- ذكر الفقهاء جملة من الآداب التي يجب على المحتسب التحلي بها حتى ينجح في عمله ويؤدي واجب الحسبة على الوجه المرضي المقبول، فمن ذلك ما قالوه: إنَّ على المحتسب أن يقصد باحتسابه وجه الله تعالى وطلب رضاه ولا يقصد بحسبته الرياء والسمعة والجاه والمنزلة عند الناس. والواقع أن خلوص النية مما يلزم المسلم في جميع أعماله فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم، ولكن حاجة المسلم إلى الإخلاص تعظم وتشتد كلما كان عمله بطبيعته ظاهراً أو متعلقاً بالآخرين، ولهذا قد يتسرب الوسواس إلى بعض الأتقياء فيتركون الحسبة بحجة عدم خلوص النية، ونقول لهؤلاء الطيبين الورعين: إن عليهم أن يقوموا بالحسبة ويدفعوا هواجس الرياء ولا يتعمقوا في ذلك أو يسترسلوا في الخوف من الرياء لأن الشيطان قد يفتح عليهم باباً من الوسواس الذي لا ينتهي.

159- وقالوا إن المحتسب يلزمه الصبر والحلم بالإضافة إلى بقية الأخلاق الحسنة. والواقع أن تأكيد فقهائنا رحمهم الله تعالى على الصبر والحلم له ما يبرره، لأن الغالب لحوق الأذى والمضايقات بالمحتسب فإن لم يكن صبوراً حليماً كان ضرره أكبر من نفعه وكان ما يفسده أكثر مما يصلحه وفاته ما كان مرجواً من احتسابه.

160- وقالوا أيضاً: يجب أن يكون المحتسب رقيقاً رفيقاً في أمره ونهيه بعيداً عن الفظاظة مع صلابة بالدين. وقد يبدو قولهم لأول وهلة متناقضاً إذ كيف يتفق الرفق مع الصلابة؟ والحقيقة لا تناقض، فالرفق وعدم الفظاظة مما أمر به الشرع فقد جاء في الحديث الشريف "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله" وفي القرآن الكريم ﴿ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ فالمحتسب يستطيع أن يوصل أمره ونهيه بأسلوب رقيق يفتح مغاليق القلب، وسيأتي مزيد للكلام عن هذه المسألة فيما بعد إن شاء الله تعالى. أما الصلابة بالدين فتعني عدم التهاون في بيان أحكامه ولا المداهنة للمحتسب عليه ولا مجازاته على حساب الدين، وهذا لا يتناقض مع الرفق.

161- وقالوا أيضاً: على المحتسب أن يقلل علاقاته مع الناس حتى لا يكثر خوفه من انقطاعها، وأن يقطع طمعه من الخلائق حتى تزول منه معاني الملق والمداهنة، وأن لا يقبل هداياهم فضلاً عن رشاواهم التي هي حرام وسحت، وأن يلزم أعوانه بما ألتزمه من الأخلاق والآداب فإذا علم أن أحداً من أعوانه خرج عن هذا النهج والسلوك عزله وأبعده إذا لم ينفع معه التحذير "لتنتفي عن المحتسب الظنون وتنجلي عنه الشبهات" كما قال الفقهاء رحمهم الله، لأن الناس – غالباً – يحملون المحتسب أوزار أعوانه، وقليل منهم من يفصل بين أعمالهم وأعماله فلا خلاص من ذلك إلا بإبعاد الأعوان السيئين عنه.

المطلب الثالث - المحتسب عليه

التعريف به وبشرطه

162- المحتسب عليه هو كل إنسان يباشر أي فعل يجوز أو يجب فيه الاحتساب ويسمى المحتسب عليه أو المحتسب معه.

ويشترط فيه أن يكون بصفة يصير الفعل الممنوع منه في حقه منكراً وإن لم يكن معصية يحاسب عليها ديانة. وعلى هذا لا يشترط فيه أن يكون بالغاً عاقلاً، فالمجنون إذا زنى وجب الاحتساب معه وكذا الصبي مميزاً كان أو غير مميز إذا شرب الخمر أو همّ بشربه أنكر عليه المحتسب وحال بينه وبين شربها، وإن كان فعل هذا الصبي لا يعتبر معصية يحاسب عليها ديانة.

أنواع المحتسب عليهم

163- قلنا: إن المحتسب عليه هو كل إنسان يباشر ما تجري فيه الحسبة، وعلى هذا يمكن أن يكون محتسباً عليه أي فرد في المجتمع بلا استثناء إذا ما صدر منه ما تجري فيه الحسبة، سواء كان إماماً للمسلمين أو واحداً من عموم الناس. وعلى هذا تجري الحسبة على الأصناف الآتية التي قد يظن البعض عدم جريانها عليهم أو يتهاونون في الاحتساب معهم، أو أن الحسبة معهم تكون بشكل معين.

أولاً: الأقارب:

164- تجري الحسبة على الأقارب والأباعد على حد سواء لأن الحسبة أمر بمعروف ونهي عن منكر والكل أمام هذا الفرض سواء. ولكن الفقهاء رحمهم الله تعالى قالوا: احتساب الابن على والديه يكون ببيان الحكم الشرعي والموعظة الحسنة والتخويف من الله تعالى ولا يتعدى ذلك إلى الوسائل الأخرى كالكلام الغليظ والضرب، رعاية لحق الأبوة والأمومة دون تفريط بواجب الاحتساب.

ثانياً: غير المسلمين

165- ويجري الاحتساب على غير المسلم المقيم في دار الإسلام ذمياً كان أو مستأمناً لأننا وإن أمرنا بتركهم وما يدينون إلا أن هذا الترك لهم لا يعني تركهم يخرقون نظام الإسلام ويتعاطون ما يناقضه علانية، وإنما يعني تركهم وما يعتقدون وما يباشرونه في بيوتهم ومعابدهم من صنوف العبادة، أما إذا تظاهروا وأعلنوا ما يناقض الإسلام كما لو سكروا في قارعة الطريق، أو خطبوا في الناس يعلنون شتمهم للإسلام وتكذيبهم لنبي الإسلام فإنهم يمنعون من ذلك وتجري الحسبة عليهم في ضوء ما يفعلون.

ثالثاً: الأمراء

166- ويجري الاحتساب على السلطان ونوابه وسائر ذوي الأمرة والولاية كما يجري على آحاد الناس، ولكن يجب أن يلاحظ المحتسب منزلة السلطان وفقه الاحتساب معه، ومن هنا قال الفقهاء يكون الاحتساب عليه بتعريف الحكم الشرعي والوعظ لا بالقوة والقهر. وقد زخر تاريخنا الإسلامي بأخبار المحتسبين مع الخلفاء والأمراء دون أن يلحقهم أذى بل كانوا يقابلون بالقبول والتقدير وهكذا يكون شأن الحكام الصالحين.

رابعاً: القضاة

167- وتجري الحسبة على القضاة، قال الفقهاء: "وينبغي للمحتسب أن يتردد على مجالس القضاة والحكام ويمنعهم من الجلوس في الجامع والمسجد للحكم بين الناس وأنه متى رأى المحتسب القاضي قد استشاط على رجل غضباً أو شتمه أو احتد عليه في كلامه ردعه عن ذلك ووعظه وخوفه بالله عز وجل، فإن القاضي لا يجوز أن يحكم وهو غضبان ولا يقول هجراً ولا يكون فظاً غليظاً".

خامساً: أصحاب المهن المختلفة

168- ويجري الاحتساب على جميع أصحاب المهن والحرف والصنائع المختلفة لأن للإسلام حكمه فيهم وفيما يباشرونه. فمن أحكام الإسلام في الصنائع التي يحتاجها الناس أنه يعتبرها من فروض الكفاية فإذا امتنع أصحابها عنها ألزمهم المحتسب بالقيام بها. وحكم الإسلام فيما يباشرونه هو أداؤه على الوجه الصحيح السليم الخالي من الغش والتدليس والإضرار، ومن ثم كانت واجبات المحتسب تمتد إلى مراقبتهم جميعاً ليقرهم على أعمالهم إن كانت على الوجه الشرعي ويمنعهم منها إن كانت مخالفة للشرع، ولهذا بين العلماء رحمهم الله تعالى الضوابط والحدود الواجب مراعاتها في مباشرة المهن المختلفة والتي يجب على المحتسب التأكد من مراعاتها من قبل أصحاب هذه المهن.

المطلب الرابع - موضوع الحسبة

المنكر هو موضوع الحسبة

169- قلنا في تعريف الحسبة أنها أمر بمعروف إذا ظهر تركه ونهي عن منكر إذا ظهر فعله. وهذا التعريف في الواقع يشمل موضوع الحسبة والاحتساب ذاته. فالموضوع هو المعروف والمنكر، والاحتساب هو الأمر بالأول والنهي عن الثاني.

ثم إن المنكر قد يكون بإيجاد فعل نهت الشريعة عنه وقد يكون بترك فعل أمرت الشريعة بفعله، فيكون المنكر بهذا الاعتبار ذا وجهين:

الأول: إيجابي يتمثل بإيجاد الفعل المحظور شرعاً.

الثاني: سلبي يتحقق بترك الفعل المطلوب شرعاً أي المعروف. ويكون الاحتساب في الوجهين بالنهي عنهما أي بالنهي عن إيجاد الفعل المحظور حتى لا يوجد أو الانكفاف عنه بعد وجوده، وبالنهي عن ترك الفعل المشروع حتى يوجد. وعلى هذا فنحن نؤثر أن نجعل موضوع الحسبة هو المنكر بوجهيه ويكون الاحتساب فيه بالنهي عنه بهذين الوجهين.

المقصود بالمنكر

170- وإذا كان موضوع الحسبة هو المنكر بوجهيه الإيجابي والسلبي فما المقصود بالمنكر؟ الغالب أن هذه الكلمة تطلق على المعصية، والمعصية هي مخالفة الشريعة بارتكاب ما نهت عنه أو ترك ما أمرت به سواء كانت المعصية من صغائر الذنوب أو كبائرها وسواء تعلقت بحق الله أو بحق العبد. وسواء ورد بها نص شرعي خاص أو عرف حكمها من قواعد الشريعة وأصولها العامة وما أرشدت إليه من مصادر، وسواء كانت المعصية من أعمال القلوب أو أعمال الجوارح. ولكن كلمة المنكر في باب الحسبة تطلق على معنى أوسع مما ذكرناه فتطلق على كل فعل فيه مفسدة أو نهت الشريعة عنه وإن كان لا يعتبر معصية في حق فاعله إما لصغر سنه أو لعدم عقله، ولهذا إذا زنى المجنون أو همّ بفعل الزنى، وإذا شرب الصبي الخمر كان ما فعلاه منكراً يستحق الإنكار وإن لم يعتبر معصية في حقهما لفوات شرط التكليف وهو العقل والبلوغ.

من يملك إعطاء وصف المنكر

171- والجهة التي تملك إعطاء وصف المنكر لأي فعل أو ترك هي الشريعة الإسلامية لأن إعطاء هذا الوصف حكم شرعي، والحاكم هو الله تعالى: ﴿إن الحكم إلا لله﴾ وما على الفقهاء إلا التعرف على حكم الله، فعملهم هو كشف عن الحكم الشرعي وليس إنشاءً للحكم الشرعي ولهذا إذا تبين خطؤهم لم نتابعهم عليه لأن الحجة فيما بيّنه الشرع وقد ظهر لنا، ولأن مهمة الفقهاء الكشف، وليس الإنشاء كما قلنا.

172- وقد يعترض البعض علينا بأن الفقهاء قالوا: إن ما رآه المسلمون حسناً أو قبيحاً دخل في موضوع الحسبة أمراً بالأول ونهياً عن الثاني فكيف نوفق بين هذا القول وبين ما قلناه؟ والجواب أن الشريعة الإسلامية دلت على أن الإجماع حجة معتبرة فإذا أخذنا بما رآه المسلمون حسناً فأمرنا به وبما رأوه فبيحاً فنهينا عنه فإنما نأخذ بدليل الإجماع وهو دليل شرعي أرشدتنا إليه الشريعة.

وكذلك أخذنا بالعرف الصحيح هو اتباع بما أرشدتنا إليه الشريعة من مراعاة العرف الصحيح.

شروط المنكر

173- وإذا كان المنكر بوجهيه هو موضوع الحسبة فلا بد من توافر شروط معينة فيه ليمكن الاحتساب فيه. فما هي هذه الشروط؟ قال علماؤنا رحمهم الله تعالى يشترط فيه أن يكون ظاهراً وقائماً في الحال ومتفقاً على حكمه. ولا بد من الكلام بإيجاز عن كل شرط.

أولاً: أن يكون ظاهراً

174- المراد بظهور المنكر انكشافه للمحتسب وعلمه به بدون تجسس سواء كان هذا الانكشاف والعلم به حصل عن طريق السمع أو البصر أو الشم أو اللمس أو الذوق لأن هذه الحواس طرق سليمة للعلم بالشيء وبها يكون الشيء ظاهراً ما دامت خالية من التجسس. وعلى هذا من كان في بيته وقد أغلق بابه عليه وقام بشيء من المنكر لم يجز للمحتسب أن يتسلق الجدار أو يكسر الباب ليطلع على ما يفعله أهل الدار، ولكن لو ظهر المنكر الذي يباشرونه عن طريق الصياح أو الاستغاثة جاز للمحتسب اقتحام الدار لظهور المنكر عن طريق سمعه للصياح أو الاستغاثة.

ويدخل في مفهوم أو في معنى ظهور المنكر أي مكان يغلب على ظن المحتسب وقوع المنكر فيه، فعليه أن يخرج إلى ذلك المكان ويقوم بالاحتساب فيه، ولا يجوز له أن يسقط وجوب الحسبة عليه بالقعود بالبيت بحجة عدم انكشاف المنكر وظهوره له.

ثانياً: أن يكون قائماً في الحال

175- ومعنى ذلك أن يكون موجوداً في الحال لأن المنكر إذا وقع وانتهى فلا احتساب فيه على فاعله وإنما لولي الأمر أن يعاقبه إذا ثبت ذلك عليه ولكن يجوز الاحتساب على فاعله بوعظه بعدم العودة إليه.

ولكن هل يشترط وجود المنكر فعلاً أو يكفي وجود مقدماته وإن لم يوجد بعد؟ الواقع أن المنكر إذا ظهرت بوادره ولاحت علاماته وقامت القرائن على وشك وقوعه دخل في موضوع الحسبة وجاز الاحتساب فيه بالوعظ والإرشاد بلا تقريع إذ قد يحمل التقريع المحتسب عليه على ارتكاب المعصية على وجه العناد. ولكن إذا لم ينفع الوعظ ورأى المحتسب أن المنكر يوشك أن يقع وإذا وقع لم يكن تلافيه جاز أو وجب على المحتسب الاحتساب فيه بالوجه الذي يمنع وقوعه ما دام قادراً على ذلك.

وإذا كان وجود مقدمات المنكر يكفي لجريان الاحتساب فيه فهل يكفي العزم على المنكر للاحتساب؟ الواقع أن العزم على المنكر ما دام حديث نفس ولم يظهر في الخارج على شكل أشياء مادية تعتبر مقدمات للمنكر لم يجز الاحتساب فيه، ولكن لو صرح صاحب هذا العزم الخبيث بعزمه جاز للمحتسب أن يحتسب عليه بالوعظ والإرشاد والتخويف من الله تعالى بالقدر الذي يستحقه عزمه.

ثالثاً: عدم الخلاف فيه

176- ويشترط في المنكر أن يكون مما اتفق الفقهاء على اعتباره منكراً حتى لا يحتج المحتسب عليه بأن ما يفعله جائز على رأي بعض الفقهاء وإن كان غير جائز على رأي المحتسب.

ولكن إذا كان المنكر مما اختلف الفقهاء فيه فهل يمنع ذلك الاختلاف من الاحتساب فيه بدون قيد ولا شرط؟

الواقع أن الخلاف إما أن يكون سائغاً وإما أن لا يكون سائغاً ولكل حكمه:

أ) الخلاف السائغ يمنع من الاحتساب على رأي بعض الفقهاء، وقال آخرون يجوز للمحتسب أن ينكر على فاعل المنكر المختلف فيه بشرط أن يكون المحتسب مجتهداً.

ب) الخلاف غير السائغ، وهو الخلاف الشاذ أو الباطل الذي لا يعتد به لعدم قيامه على أي دليل مقبول كالذي يخالف صريح القرآن أو السنة الصحيحة المتواترة أو المشهورة أو إجماع الأمة أو ما علم من الدين بالضرورة، فمثل هذا الخلاف لا قيمة له ولا يمنع المحتسب من الإنكار والاحتساب.

إتساع موضوع الحسبة

177- الشرط الجوهري في موضوع الحسبة أن يكون منكراً في الشريعة الإسلامية وحيث إن من صفات الشريعة الشمول بمعنى أن لها حكماً في كل شيء بلا استثناء فإن موضوع الحسبة يصير واسعاً جداً بحيث يشمل جميع تصرفات وأفعال الإنسان، ولا يخرج من ذلك إلا ما تتوافر فيه شروط الاحتساب، ولا يدخل في ولاية المحتسب. وقد أشار الفقهاء إلى هذه السعة، فالفقيه ابن الإخوة يقول "والمحتسب من نصبه الإمام أو نائبه للنظر في أحوال الرعية والشكف عن أمورهم ومصالحهم وبياعاتهم ومأكولاتهم ومشروبهم وملبوسهم ومساكنهم وطرقهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر" ويقول ابن خلدون وهو يتكلم عن المحتسب "ويبحث عن المنكرات ويعزر ويؤدب على قدرها ويحمل الناس على المصالح العامة في المدينة مثل المنع من المضايقات في الطرقات ومنع الحمالين وأهل السفن من الإكثار في الحمل، والحكم على أهل المباني المتعينة للسقوط بهدمها وإزالة ما يتوقع من ضررها على السابلة... الخ".

أمثلة على إتساع موضوع الحسبة

178- أولاً: في الاعتقادات

تجري الحسبة في أمور العقيدة، فمن أظهر عقيدة باطلة، أو اظهر ما يناقض العقيدة الإسلامية الصحيحة أو دعا الناس إليها أو حرف النصوص أو ابتدع في الدين بدعة لا أصل لها، منع من ذلك وجرت الحسبة عليه، لأن التقول على الله ودينه بالباطل لا يجوز ويناقض العقيدة الإسلامية التي من أصولها الانقياد والخضوع لله رب العالمين ولشرعه. ويدخل في ذلك رواية الأحاديث المقطوع ببطلانها وكذبها، وتفسير كتاب الله بالباطل من القول كتفسير الباطنية الذي لا تحتمله النصوص ولا اللغه ولا الشرع ولا المنقول عن السلف الصالح.

179- ثانياً: في العبادات

مثل ترك صلاة الجمعة من قبل أهل قرية أو بلد مع توافر شرط إقامتها، وترك الأذان أو الزيادة فيه بما لم يأت به الشرع. ومثل المخالفة لهيئات العبادات كالجهر في صلاة الاسرار، والاسرار في صلاة الجهر، أو الزيادة في الصلاة أو عدم الطمأنينة فيها، وكالافطار في رمضان، وكالامتناع عن اخراج الزكاة.

180- ثالثاً: في المعاملات

مثل عقد العقود المحرمة وأكل أموال الناس بالباطل بالربا وغيره والرشوة والغش في الصناعات والبياعات يدل على ذلك الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ على صبرة طعام فادخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ فقال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: "أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس من غشنا فليس منا" والواقع أن الغش يكون في أشياء كثيرة جداً فيكون مثلاً في البيوع بكتمان العيوب وتدليس السلع مثل أن يكون ظاهر المبيع خيراً من باطنه، ويدخل في الصناعات مثل الذين يصفون المطعومات والملبوسات فيجب نهي هؤلاء عن الغش الذي يرتكبونه في مصنوعاتهم أو بياعاتهم.

181- رابعاً: فيما يتعلق بالطرق والدروب

مثل بناء الدكات ووضع الاسطوانات وغرس الأشجار ووضع الأخشاب والسلع والأطعمة في الطرقات وذبح الحيوانات في الطريق وتلويث الأرض بالدماء وطرح القمامة في الدروب والأزقة وإلقاء قشور البطيخ فيها ورشها بالماء بحيث يخشى منها الزلق ونحو ذلك مما فيه ضرر بالناس، فيمنع ذلك كله ويحتسب فيه، لأنه ضرر، وهو ممنوع في الشريعة وإذا وقع يجب رفعه.

182- خامساً: فيما يتعلق بالحرف والصناعات

وقد ذكر الفقهاء جميع الحرف والصناعات وبينوا كيفية الاحتساب فيها. والأصول الجامعة في الاحتساب فيها هي:

أ) من حيث المكان، فيجب أن يكون مكان الحرفة أو الصنعة لا ضرر فيه على الآخرين فلا يكون مكان الخباز في سوق الأقمشة مثلاً، وان يكون المكان بذاته صالحاً لمباشرة المهنة أو الصنعة وصلاحه من جهة نظافته وسعته وتهويته.

ب) من حيث أدوات الحرفة أو الصنعة يجب أن تكون صالحة للاستعمال، وقد وضع الفقهاء رحمهم الله تعالى مقاييس لصلاح كل أداة كأنهم هم أصحاب تلك الصنائع والحرف، فالإمام الشيزري يقول في مقلى الزلابية: "ينبغي أن يكون مقلى الزلابية من النحاس الاحمر الجيد.. ثم يبين الشيزري رحمه الله كيفية اعداده للاستعمال فيقول: ويحرق فيه النخالة ثم يدلكه بورق السلق إذا برد ثم يعاد إلى النار ويجعل فيه قليل من عسل ويوقد عليه حتى يحترق العسل، ثم يجلى بعد ذلك بمدقوق الخزف ثم يغسل ويستعمل فإنه ينقى من وسخه وزنجاره" وقد ذكرت هذا الكلام بطوله ليتبين للناس مدى اهتمام فقهائنا رحمهم الله تعالى بما ينفع للناس في حياتهم ويدفع عنهم الضرر في معايشهم.

جـ) إذا كانت أدوات الحرفة مقاييس للوزن أو الكيل أو الذرع وجب التأكد من سلامة هذه المقاييس وصحتها.

د) من جهة المصنوع أو المبيع، يجب أن يكون خالياً من الغش والتدليس، فلا تخلط الحنطة بالتراب ولا الطحين بغيره من المواد الرديئة، وان توضع العلامات المميزة لكل نوع إذا اتحد الجنس، فتنقط لحوم المعز – كما قال الفقهاء – بنقط الزعفران حتى تعرف وتميز من غيرها، وان تبقى أذناب المعز معلقة على لحومها الى آخر البيع.

هـ) من جهة من يباشر الصنعة والحرفة، يجب أن يلاحظ المحتسب اهليتهم، وقد ذكرنا من قبل قيام المحتسب بامتحان الكحال – طبيب العيون – وهكذا قالوا في امتحان اصحاب الحرف الأخرى كالمجبرين والفصادين والحجامين والجراحين وغيرهم. كما تلاحظ امانتهم وعفتهم.

183- سادساً: فيما يتعلق بالأخلاق والفضيلة

ومما يلاحظه المحتسب ويحتسب فيه ما يتعلق بالأخلاق والآداب والفضيلة فيمنع مما يناقض الاخلاق الفاضلة، والآداب الإسلامية مثل الخلوة بالأجنبية والتطلع على الجيران من السطوح والنوافذ وجلوس الرجال في طرقات النساء وأماكن خروجهن أو تجمعهن أو التحرش بهن، ومثل التكشف بالطرقات باظهار العورات وما لا يحل كشفه واظهاره ومنع من عرف بالفجور من معاملة النساء قال أبو يعلى الحنبلي "وإذا كان من أهل الأسواق من يختص بمعاملة النساء راعي المحتسب سيرته وأمانته فإذا تحققها منه أقره على معاملتهن وان ظهرت منه الريبة وبان عليه الفجور منعه من معاملتهن وادبه على التعرض لهن".

المطلب الخامس - الاحتساب

معنى الاحتساب

184- نريد بالاحتساب القيام فعلاً بالحسبة كأن يأمر المحتسب بفعل معين بكيفية معينة أو يزيل منكراً بيده كأن يكسره أو يمزقه أو يتلفه أو يدفع صاحب المنكر بيده وبالقوة عما هو فيه.

ما يتم به الاحتساب

185- الاحتساب الكامل يتم بازالته تماماً ومحوه فعلاً ولو بالقوة عند الاقتضاء من قبل المحتسب او أعوانه او من قبل صاحب المنكر نفسه بأن يأمره المحتسب بتكسير آلة المنكر فيطيع أمره. فإن عجز المحتسب عن التغيير باليد انتقل الى الاحتساب بالقول عن طريق الوعظ والارشاد والتخويف من الله تعالى وقد يزول المنكر بهذا الطريق وقد لا يزول ويبقى صاحب المنكر مصراً على منكره. فإذا عجز المحتسب عن الانكار بالقول تحول إلى الانكار بالقلب بأن يكرهه بقلبه ويود لو استطاع تغييره. ودليل ما قلناه الحديث الشريف "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الايمان".

مراتب الاحتساب

186- وبناء على ما تقدم تكون مراتب الاحتساب ثلاثة:

المرتبة الاولى – تغيير المنكر باليد أي تغييره فعلاً ولو باستعمال القوة واستعمال السلاح والاستعانة بالأعوان كما في دفع الصائل لتخليص النفس البريئة من الموت وتخليص العرض المصون من الهتك. ويدخل في نطاق التغيير باليد ضرب المحتسب عليه أو حبسه أو دفعه لمنعه من مباشرة المنكر.

المرتبة الثانية – الاحتساب بالقول، وهو أنواع:

أ) التعريف: أي تعريف المحتسب عليه بالحكم الشرعي لفعله أو تركه إذ قد يكون المحتسب عليه جاهلاً بذلك فارتكب المنكر.

ب) الوعظ والنصح والارشاد والتخويف من الله تعالى وقد يقلع العاصي عن معصيته إذا سمع نصح الناصح ووعظ الواعظ فيحصل المقصود من الاحتساب.

جـ) التهديد والتخويف بإنزال الأذى به من قبل المحتسب وينبغي أن يكون ذلك مما يقدر عليه المحتسب فعلاً وبما هو غير ممنوع شرعاً لأنه إذا هدده بما لا يقدر عليه، لم يؤثر تهديده وإذا هدده بغير الجائز شرعاً، كان ذلك غير جائز، لأن على المحتسب أن لا يخالف الشرع في احتسابه.

المرتبة الثالثة – الاحتساب بالقلب، وهذا إذا عجز عن المرتبتين السابقتين، وهذه المرتبة لا يجوز أن يخلو منها أي مسلم يسمع بمنكر أو يراه إذ لا ضرر فيه ثم يتبع ذلك بالاحتساب القولي أو الفعلي.

فقه الاحتساب

187- الغرض من الاحتساب إزالة المنكر من الأرض وإيجاد المعروف فعلاً، وإذا كان هذا هو الغرض من الاحتساب فيجب الوصول إليه بأيسر طريق وأقصره بشرط أن يكون مشروعاً وأن ينظر الى ما يؤول اليه احتسابه من جهة ما يترتب عليه من زوال مفسدة المنكر وحلول مصلحة المعروف مكانه، وفي ضوء ذلك يقدم أو يحجم عن الاحتساب. ومما يعين على تفهم فقه الاحتساب بيان القواعد التالية.

القاعدة الأولى

188- الانكار القلبي يجب أن يكون كاملاً ودائماً وبالنسبة لكل منكر. وفائدته بقاء القلب في حساسيته ضد المنكر وبقاء عزمه على التغيير عند الامكان. أما الانكار القولي أو الفعلي فيكون حسب الاستطاعة ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ وما جاء في الحديث الشريف الذي ذكرنا "من رأى منكم منكراً فليغيره.... الخ" ويلاحظ هنا أنَّ الثواب يكون كاملاً إن شاء الله تعالى إذا كان المحتسب ينكر المنكر بقلبه ويكرهه كراهية تامة ويفعل لازالته بقدر استطاعته.

القاعدة الثانية

189- إنما يطلب الاحتساب إذا كان من ورائه تحصيل مصلحة أو دفع مفسدة. فإذا كان ما يترتب عليه فوات معروف أكبر أو حصول منكر أكبر لم يكن هذا الاحتساب مطلوباً شرعاً وإن كان المحتسب عليه قد ترك واجباً أو فعل محرماً لأن على المحتسب أن يتقي الله في عباده وليس عليه هداهم، وليس من تقوى الله أن يتسبب باحتسابه في فوات معروف أكبر أو حصول منكر أكبر، لأن الشرع إنما أوجب الحسبة لقمع الفساد وتحصيل الصلاح فإذا كان ما يترتب على الاحتساب مقداراً من الفساد أكبر من الفساد القائم أو يفوت من الصلاح مقداراً أكبر من الصلاح الفائت لم يكن هنا الاحتساب مما أمر به الشرع. ولا شك أن ما قلناه يختلف باختلاف الاشخاص والاحوال والظروف، وعلى المحتسب ان يتبصر فيها ويزن مقادير المعروف والمنكر التي تنتج عن احتسابه ثم يقدم بعد ذلك على احتسابه او يحجم عنه. وهذا كله بالنسبة للواقعة المعينة والشخص المعين، اما بالنسبة للعموم فهو يأمر بالمعروف مطلقاً وينهى عن المنكر مطلقاً.

190- وبناء على هذه القاعدة نستطيع أن نفهم لماذا قال العلماء: لا يجوز الخروج على السلطان بالقوة وحمل السلاح وإن ظهر منه شيء من الفسوق، لأن الغالب في هذا الخروج حصول مفاسد أعظم من مفسدة فسقه، وحيث كانت المفسدة اعظم لم يجز الاحتساب، كما أنَّ الإمام لا يزال في دائرة الإسلام ولم يخرج منه بفسقه، فيبقى له حق الطاعة على الرعية ما لم يأمر بمعصية فلا يستوجب الاحتساب عليه بالقوة وحمل السلاح واحداث الفتنة والاقتتل بين المسلمين.

القاعدة الثالثة

191- الأخذ بالرفق ما أمكن ذلك، ومستند هذه القاعدة ما يأتي:

أ) الحديث النبوي الشريف "إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله" ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف.

ب) إن الانسان بطبيعته وما فطر عليه يقبل الأمر والنهي باللطف والرفق ولين القول أكثر من قبوله عن طريق العنف بل ربما حمله العنف على الإصرار على المنكر مراغمة للآمر وعناداً له. وربما دل على ما نقول قول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ مع انه صلى الله عليه وسلم لا يأمر إلا بالمعروف ولا ينطق إلا بالحق.

جـ) ان الاحتساب المثمر هو الذي يجعل المحتسب عليه قابلاً للاحتساب راضياً به مقتنعاً بضرورته ومضمونه حتى يكون له من نفسه وازع يمنعه من العودة الى المنكر، وهذا كله يحتمل حصوله بقدر أكبر إذا كان الاحتساب بالرفق وعدم الغضب والعنف وبالمحاججة والمناقشة الهادئة المقنعة، جاء في الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى "عن ابي امامة ان غلاماً شاباً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله أتأذن لي في الزنى؟ فصاح الناس به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم قربوه، ادن، فدنا حتى جلس بين يديه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أتحبه لأمك، فقال: لا، جعلني الله فداك. قال: كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم. أتحبه لابنتك؟ قال: لا، جعلني الله فداك، قال: كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم. أتحبه لأختك حتى ذكر صلى الله عليه وسلم العمة والخالة، والغلام يقول في كل واحدة: لا جعلني الله فداك، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: كذلك الناس لا يحبونه. فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره وقال: اللهم طهر قلبه واغفر ذنبه وحصن فرجه، فلم يكن شيء أبغض اليه من الزنى".

د) الاحتساب يجري على السلطان كما قلنا، والسلطان بحاجة الى التلطف معه لما يحس من نفسه من سلطة، ولأنه محتاج الى الهيبة وقد يتطاول عليه المغرضون بحجة الاحتساب، فمنعاً لذلك ومراعاة لما يحس هو من نفسه كان الرفق معه في الاحتساب هو المطلوب وبهذا أشار الفقهاء. ويقاس على السلطان نوابه وولاة الأمور. وقد يدل على ما قلناه او يؤيده أن الله تعالى أمر نبيه موسى عليه السلام وأخاه هارون وقد أرسلهما الى فرعون أن يقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى.

192- وما قلناه لا يعني ان الرفق هو الاسلوب الوحيد للاحتساب أو انه لا يجوز تركه في بعض الأحيان، وإنما يعني ما قلناه التأكيد على الرفق والأخذ به كلما أمكن ذلك ولا يستعاض عنه بغيره إلا عند الحاجة أو الضرورة. فمن مجالات الرفق اللازمة للمحتسب، إذا غلب على ظنه أن المحتسب عليه قام بالمنكر جهلاً منه بحكمه أو استجابة لهوى عابر او لضعف في إرادته. كما ان الرفق يلازم الاحتساب بالتعريف بالحكم او بالوعظ والارشاد او التخويف من الله تعالى. فإذا لم ينفع الرفق تحول المحتسب الى الشدة، وكذلك إذا كان المنكر جسيماً لا يمكن معه الانتظار أخذ المحتسب بالشدة الكافية لدفعه ولا يعتبر ذلك خروجاً عن قاعدة الرفق، لأن من معاني الرفق الحرص على مصلحة المحتسب عليه بإبعاده عن المنكر وتخليصه من المعصية وما يترتب عليه من عقاب.

متى يجب الاحتساب

193- الاحتساب القلبي واجب على كل مسلم في جميع الأحوال إذا ما سمع بمنكر أو رآه كما قلنا.

أما الاحتساب باليد او بالقول، فهذا يجب بالقدرة على هذا النوع من الاحتساب بشرط أن يأمن المحتسب على نفسه من الأذى والضرر كما يأمن على غيره من المسلمين من الأذى والضرر.

وتعليل ذلك ان الخوف من لحوق الأذى والضرر بمنزلة العجز الحسي والعجز الحسي يفوت شرط القدرة فلا يجب الاحتساب إلا انه يجب هجران اصحاب المنكرات وعدم مخالطتهم.

هل يشترط الانتفاع بالاحتساب لوجوبه

194- وإذا توفرت القدرة وأمن المحتسب من الأذى والضرر فهل يشترط الانتفاع باحتسابه لوجوب الحسبة عليه؟ قولان للعلماء:

القول الأول – لا يجب الاحتساب وإنما يستحب عند عدم رجاء الانتفاع فإذا كان مرجواً وجب الاحتساب ودليل هذا القول ما فهموه من قوله تعالى: ﴿فذكر إن نفعت الذكرى﴾ جاء في تفسير ابن كثير بصدد هذه الآية: منهم من حملها على ظاهرها فيكون المعنى: ذكّر حيث تنفع التذكرة.

القول الثاني – يجب الاحتساب سواء نفع او لم ينفع لأن احتسابه قيام منه بواجب شرعي فلا يتوقف على انتفاع الغير به، ولأن على المسلم أن يؤدي ما عليه وليس عليه ان يقوم الغير بما عليه مثل ترك صاحب المنكر منكره. وأجابوا على احتجاج اصحاب القول الأول بأن الآية الكريمة: ﴿فذكر إن نفعت الذكرى﴾ لا تعلق الوجوب على حصول الانتفاع للادلة التالية:

أ) إن المعلق (بأن) على الشيء لا يلزم ان يكون عدماً عند عدم ذلك الشيء، يدل على ذلك آيات، منها قوله تعالى: ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم..﴾ فان القصر جائز وإن لم يوجد الخوف، وقوله تعالى: ﴿فإن لم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة﴾ والرهن جائز مع وجود الكاتب.

ب) ان ذكر الشرط في الآية الكريمة: ﴿فذكر إن نفعت الذكرى﴾ لفوائد، منها: انه سبحانه وتعالى ذكر اشرف الحالتين عند التذكير وهي حالة الانتفاع، وسكت عن الحالة الاخرى وهي عدم الانتفاع منبهاً عليه كما في قوله تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحر...﴾ وتقدير الآية وتقيكم البرد. وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿فذكر إن نفعت الذكرى﴾ تقديرها فذكر إن نفعت الذكرى أو لم تنفع. ومن الفوائد ايضاً ان المراد الحث على الانتفاع بالذكرى كما يقول الشخص لغيره إذا بيّن له الحق، قد اوضحت لك الأمر إن كنت تعقل. فيكون مراده الحث على القبول.

195- والراجح عندي من القولين الوجوب كلما كان الانتفاع مرجواً او ممهداً لتحقيق الانتفاع او كان فيه إظهار شعائر الاسلام، او يحقق مصلحة مشروعة غير انتفاع المحتسب عليه، فإذا عري عن ذلك كله كان مستحباً لا واجباً.

من يستحب الاحتساب

196- ويستحب الاحتساب القولي إذا علم المحتسب ان قوله لا يفيد ولكن لا يلحقه أذى منه وهذا على رأي بعض العلماء. وقد قيدنا هذا الاستحباب بما قلناه في الفقرة السابقة.

كما يستحب الاحتساب إذا علم المحتسب ان انكاره يفيد ولكن يلحقه اذى. ووجه الاستحباب إزالة المنكر مع تحمله الأذى. وحتى إذا علم المحتسب أن احتسابه لا يفيد المحتسب عليه ولا يمنعه من منكره. ولكن احتسابه يفيد من ناحية اخرى كأن تقوى به قلوب المؤمنين وتنكسر او تضعف شوكة الفاسقين او يمهد لإزالته ففي هذه الأحوال يصير مستحباً برغم الأذى الذي يناله ما دام يتحمله ولا يتعدى الى غيره.

متى يحرم الاحتساب

197- ويحرم الاحتساب إذا لحق المحتسب من جرائه اذى جسيماً بغيره من اصحابه أو اقربائه او رفقائه أو عموم المسلمين حتى ولو قدرنا زوال المنكر، لأنه يفضي إلى منكر آخر هو إلحاق الأذى بالآخرين وهذا لا يجوز، لأن للمسلم أن يتسامح في حق نفسه ويتحمل الأذى ولكن ليس من حقه أن يتسامح في إيذاء غيره عن طريق احتسابه. وكذلك يحرم الاحتساب إذا أدى إلى وقوع منكر أكبر من المحتسب عليه مع لحوق الأذى بالآخرين. وكذلك يحرم الاحتساب إذا لم يكن من ورائه إلا إلحاق الأذى الجسيم بنفسه كقتله أو هتك عرضه دون أن يكون لاحتسابه اي مصلحة او اي أثر في إزالة المنكر ورفعه.

198- والأذى المخوف من جراء الاحتساب وبالتالي ينقله إلى الاستحباب او الحرمة على النحو الذي بيناه، هو الأذى الذي يتحقق به زوال ما هو حاصل للمحتسب او لغيره من سلامة وعافية في جسمه او عرضه او حريته او ماله وليس هو خوف امتناع حصول هذه الاشياء له، لأن الضرر الحقيقي هو فوات شيء موجود فعلاً من هذه الأشياء وليس هو – اي الضرر – امتناع حصولها. وعلى هذا فالضرب الشديد الؤلم والجرح وهتك العرض واتلاف عضو من البدن او إزهاق الروح او التعذيب الشديد او السجن الشديد كل هذا ونحوه يعتبر من الأذى الذي ينقل الاحتساب من الوجوب الى الاستحباب او الحرمة على النحو الذي فصلناه.

الشرط في مباشرة الاحتساب

199- من المعلوم ان القاضي لا يباشر النظر في حقوق الناس ودعاويهم إلا إذا رفعوها إليه، فالشرط في نظر القاضي فيها هو رفع الدعوى فهل يشترط للمحتسب لمباشرة احتسابه رفع المنكر إليه من قبل من وقع عليه هذا المنكر او شاهده؟ الجواب على ذلك ان كان الاحتساب يتعلق بحق خاص توقف نظر المحتسب فيه على طلب صاحب الحق واعلامه بحقه ووجه الاعتداء عليه وليس للمحتسب ان يتدخل فيه من تلقاء نفسه لأن المحتسب إنما يتدخل في منكر ظاهر وقبل رفع صاحب الحق ظلامته إليه لا يكون ظاهراً ولكن بعد اعلامه به يصير ظاهراً فيحق للمحتسب النظر فيه والاحتساب فيه، فإذا رفع إليه المنكر المتعلق بحق خاص كان على المحتسب أن يتثبت من وجوده بطريق المشاهدة او بإقرار المعتدي، اما عند الخفاء والإنكار والجحود ممن نسب إليه الاعتداء فلا يتدخل المحتسب، لأنه لا يسمع بينة كما قلنا من قبل ولا يوجه يميناً عند الإنكار ولا يتجسس.

أما إذا كان الاحتساب في حق من حقوق الله تعالى أو يغلب فيه حق الله أو كان في حق عام يتعلق به نفع الناس كاعتداء على مرفق عام، فإن الاحتساب حينئذ يقوم على المشاهدة والعلم الشخصي إلى قيام المنكر ووجوده.

الاحتساب في الوقت الحاضر

200- يمكن لولي الأمر المسلم في الوقت الحاضر ان ينظم شؤون الحسبة على النحو الذي يحقق المقصود من الاحتساب وان يتخذ ما يلزم لذلك فله ان يفتح المدارس لتخريج المحتسبين الاكفاء، كما له أن ينظم شؤون الحسبة بين المحتسبين فيعين لأمور المساجد محتسبين، وللاسواق محتسبين ولمنكرات الطرق محتسبين وهكذا، كما له أن يرسل بعضهم الى القرى والارياف لتعليم الناس امور دينهم لأن الغالب عليهم الجهل.

أما إذا لم يقم ولي الأمر بما ذكرنا جاز او وجب على المسلمين القيام بمهمة الاحتساب وتهيئة المحتسبين والانفاق عليهم على أن يقوموا بالاحتساب في حدود الوعظ والارشاد والتذكير فقط دون استعمال العنف لئلا يؤدي ذلك العنف الى الفوضى والفتنة مما يجعل المغرضين يستغلون ذلك ويتقولون بالباطل على الحسبة والمحتسبين وتأليب ولاة الأمر على المحتسبين.

الفصل الرابع - أنطِمَة الإسْلام - المبحث الخامس - نِظام الحُكم

تمهيد

130- قلنا فيما سبق أن المجتمع ضروري للانسان، وأن النظام – على أي نحو كان – ضروري للمجتمع. ونضيف هنا فنقول أن وجود رئيس للمجمتع ضروري لبقائه ونظامه، لأنه يستطيع أن يحمل الناس على طاعة النظام وعدم الخروج عليه فيجنبهم حياة الفوضى والاضطراب والهرج والمرج، ولهذا لم يوجد مجتمع إلا وجد فيه رئيس – على أي نحو كان – يطيعه الناس عن رضى واختيار، أو قهر واضطرار "لما في طباع العقلاء من التسليم لزعيم يمنعهم من المظالم ويفصل بينهم في التنازع والتخاصم، ولولا الولاة لكانوا فوضى مهملين وهمجاً مضاعين"[1] ولأن "بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رئيس"[2].

وإذا وجد رئيس للمجتمع، أمكن عند ذلك أن يأخذ المجتمع شكل دولة، على نحو ما، لتوافر عناصر الدولة من اقليم وسكان ونظام وحاكم يباشر السلطة في المجتمع، ويحمل الناس على عدم الخروج على أحكامه.

المقصود بنظام الحكم

131- ونريد بنظام الحكم في بحثنا هذا مجموعة من القواعد والأحكام التي تتعلق بالحاكم – أي رئيس الدولة – وتبين كيفية اختياره ومركزه القانوني وعلاقة الأمة به، والاغراض التي يهدف اليها الحكم ونحو ذلك.

هل يوجد نظام حكم في الإسلام؟

132- وقد يسأل البعض، هل يوجد في الإسلام نظام للحكم؟ والجواب نعم، لأن من خصائص الإسلام الشمول، فمن البديهي أن يرد فيه من القواعد والأحكام ما يكونّ نظاماً خاصاً للحكم في الإسلام، فنحن نجد في القرآن الكريم الأمر بالشورى، ولزوم طاعة الحكام، والحكم بما أنزل الله، ونحو ذلك. وفي السنة النبوية تتكرر ألفاظ الامير والامام والبيعة، وطاعة الامير في غير معصية الله. وفي اجتهادات الفقهاء القائمة على نصوص القرآن والسنة كثير من الأحكام والقواعد المهمة المتعلقة بالحكم. وكل هذا وما سنذكره يدل على أن للإسلام نظامه الخاص في الحكم.

مقومات نظام الحكم في الإسلام

133- وإذا كان في الإسلام نظام للحكم، فلا بد له من مقومات أو أسس، وهي في نظرنا، وجود الخليفة، وقاعدة الشورى، والخضوع لسلطان الإسلام. ولا بد من الكلام عن كل واحد من هذه المقومات في مطلب على حدة.

المطلب الأول - الخليفة

تعريف الخليفة

134- الخليفة اسم يقال لمن استخلفه غيره، ولمن خلف غيره في أمر من الأمور[3]. وفي الاصطلاح الشرعي، يراد بالخليفة، عند الاطلاق، من يتولى إمرة المسلمين أي: رئاسة الدولة الإسلامية، ويسمى أيضاً بالامام، فهو رئيس لدولة موصوفةى بوصف الإسلام، أي قائمة على أسسه ومصبوغة بصبغته، وتطبق أحكامه، والخليفة هو الحارس لبقاء صفتها هذه، كما سنبين فيما بعد.

وجوب نصب الخليفة

135- يقول الامام ابن تيمية "يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين لا قيام للدين إلا بها"[4] وهذا حق، فنصب الخليفة الذي يتولى الحكم وادارة شؤون الناس من فرائض الإسلام التي دلّ عليها القرآن والسنة والاجماع وطبيعة أحكام الشريعة الإسلامية.

أولاً: فمن الكتاب، قوله تعالى: ﴿أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم﴾ وأولو الأمر هم الأمراء، وأدخل بعضهم في مفهوم أولي الأمر العلماء أيضاً[5].

ثانياً: ومن السنة القولية، الحديث الشريف ".... ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة الجاهلية" أي بيعة للامام، وهذا صريح في الدلالة على وجوب نصب الخليفة. وفي حديث آخر "لتنقض عرى الإسلام عروة عروة وأولها نقضاً الحكم وآخرها الصلاة" والمقصود بالحكم، الحكم على النهج الإسلامي ويدخل فيه بالضرورة وجود الخليفة الذي يقوم بهذا الحكم، ونقضه يعني التخلي عنه وعدم الالتزام به، وقد قرن بنقض الصلاة وهي واجبة فدل على وجوبه.

ثالثاً: ومن السنة الفعلية، أن الرسول صلى الله عليه وسلم أقام أول دولة إسلامية في المدينة بعد أن مهّد لها وهو في مكة، وصار هو صلى الله عليه وسلم أول رئيس لتلك الدولة الإسلامية التي قامت في المدينة... وما معاهدته عليه الصلاة والسلام مع يهود المدينة ثم مع غيرهم إلا من مظاهر السلطان الذي أخذ يباشره بصفته رئيساً لدولة الإسلام. وقد أدرك الفقهاء اجتماع صفة الامام – الرئاسة – مع صفة النبوة في شخص الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وبينوا حكم ما يصدر عنه بهذه الصفة أو بتلك[6].

رابعاً: الاجماع، قال الفقهاء: نصب الخليفة واجب بالاجماع، فمن أقوالهم هذه، ما قاله الماوردي الشافعي، وأبو يعلى الحنبلي، "عقد الامامة لمن يقوم بها في الامة واجب بالاجماع"[7]. ويفصل ابن خلدون فيقول في مقدمته "إن نصب الامام واجب، فقد عرف وجوبه في الشرع بإجماع الصحابة والتابعين لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاته بادروا إلى بيعة أبي بكر رضي الله عنه وإلى تسليم النظر اليه في أمورهم، وكذا في كل عصر من الاعصار، واستقر ذلك اجماعاً دالاً على وجوب نصب الامام[8]. وحكى ابن حزم الاجماع على وجوب الإمامة وقال: "لم يخالف في هذا إلا فرقة من الخوارج هي النجدات، فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الامام إنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم" ثم قال ابن حزم: "وهذه فرقة ما نرى بقي منهم أحد" ثم أخذ يسرد الأدلة على اثبات وجوب الامامة والرد على هذه الفرقة[9]. والواقع أن قول النجدات لا يعول عليه، فإن الادلة تخالفه، لأن الإسلام يوجب التأمير في أقل الاجتماعات، فكيف بأكثرها جاء في الحديث "لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا أحدهم" وفي رواية في سنن أبي داود "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم"، ويقول الامام ابن تيمية تعليقاً على هذين الحديثين: "فإذا كان قد أوجب في أقل الاجتماعات وأقصر الاجتماعات أن يولى أحدهم، كان هذا تنبيهاً على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك"[10].

خامساً: أن كثيراً من أحكام الشريعة يحتاج تنفيذها إلى قوة وسلطان، مثل أحكام الجهاد، واقامة الحدود والعقوبات، واقامة العدل بين الناس، فلا بد من نصب الامام حتى يمكن تنفيذ هذه الأحكام، وقد أشار إلى هذا المعنى ابن تيمية إذ يقول "ولأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واقامة الحج والجمع والاعياد ونصر المظلوم واقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والامارة"[11].

من يملك حق انتخاب الخليفة

136- والأمة هي التي تملك حق نصب الخليفة قياماً منها بهذا الواجب الشرعي الذي خوطب به المسلمون، كما سنذكره. يدل على ذلك ما جاء في المغني "من اتفق المسلمون على امامته وبيعته ثبتت امامته ووجبت معونته"[12] ومعنى ذلك أن الأمة هي صاحبة الحق في اختيار من تراه أهلاً لمنصب الخلافة.

أساس حق الأمة في انتخاب الخليفة

137- وأساس حق الأمة في انتخاب الخليفة – على ما نرى – كونها هي المخاطبة في القرآن بتنفيذ أحكام الشرع واعلاء كلمة الله في الأرض واقامة المجتمع الإسلامي الفاضل فمن هذه النصوص القرآنية ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوادلين والأقربين﴾ ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾ فهذه النصوص وأمثالها كثير تدل على مسؤولية جماعة المسلمين عن تنفيذ أحكام الإسلام.

وما دامت الأمة مسؤولة عن تنفيذ أحكام الإسلام، ومطالبة به، فهي تملك – بداهة – السلطة على هذا التنفيذ – بتمليك من الشارع – وحيث إن جماعة المسلمين لا تستطيع أن تباشر سلطانها بصفتها الجماعية لتعذره في الواقع، فقد ظهرت النيابة في الحكم والسلطان، بأن تختار الأمة الخليفة لينوب عنها في مباشرة سلطاتها لتنفيذ ما هي مكلفة بتنفيذه شرعاً، لان انابة المالك غيره في مباشرة ما يملكه أمر جائز كما هو معروف في نظرية النيابة في الفقه الإسلامي.

المركز القانوني للخليفة

138- وإذا كانت الأمة هي التي تختار رئيسها – الخليفة – فهو اذن وكيلها ونائب عنها، ومركزه القانوني هو مركز النائب والوكيل عن الأمة. وقد أدرك الفقهاء هذا المعنى، وصرحوا به، فمن أقوالهم في هذا الباب، ما ذكره الفقيه الماوردي وهو يتكلم عن موت الخليفة، والوزير وأثر ذلك في سلطة أمير البلد أو القطر، فقال ما نصه "وإذا كان تقليد الأمر من قبل الخليفة، لم ينعزل بموت الخليفة، وإن كان من قبل الوزير، انعزل بموت الوزير، لأن تقليد الخليفة نيابة عن المسلمين، وتقليد الوزير نيابة عن نفسه"[13].

كيف تختار الأمة الخليفة؟

139- وإذا كانت الأمة هي التي تختار الخليفة، فكيف تمارس هذا الاختيار، هل تقوم به مباشرة، بأن يقوم جميع أفرادها بإظهار رأيهم بمن يرضونه لهذا المنصب، أم يقوم به طائفة منها نيابة عنها؟ الواقع أننا لا نجد نظاماً محدداً لاختيار رئيس الدولة، وهذا يعني أن الأمر متروك للأمة، فهي التي تختار طريقة اختيارها للإمام، وعلى هذا فيمكنها أن تباشر انتخاب الخليفة بالطريقة المباشرة، حيث يشترك جميع أفراد الأمة إلا من استثني منهم بدليل شرعي، كالصغار والمجانين وغير المسلمين، ونجد سنداً لهذه الطريقة في الآية الكريمة: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ فظاهر هذا النص يدل على أن المسلمين يتشاورون فيما يهمهم، ولا شك أن اختيار الخليفة من أهم ما يهمهم، ويؤيد ما استظهرناه ما جاء في تفسير هذه الآية الكريمة في تفسير الإمام الرازي، فقد جاء فيه: "إذا وقعت الواقعة، اجتمعوا وتشاوروا، فأثنى الله عليهم، أي: لا ينفردون برأي، بل ما لم يجتمعوا عليه لا يعزمون عليه"[14].

ويجوز للأمة أن تباشر حقها في انتخاب الخليفة بصورة غير مباشرة عن طريق النيابة، وهذه الطريقة نجد لها سنداً في السوابق التاريخية القديمة في عصر الخلفاء الراشدين، وهو خير العصور فهماً للإسلام وتطبيقاً له، فقد تم انتخاب أولئك الخلفاء الكرام من قبل طائفة من المسلمين، هم الذين يسميهم الفقهاء بأهل الحل والعقد، وتبعهم المسلمون الموجودون في المدينة فبايعوا من اختاروه خليفة، ولم ينتخبهم جميع المسلمين، كما يبايعهم بعد انتخابهم جميع المسلمين في جميع المدن الإسلامية، ولم ينقل لها اعتراض على هذه الطريقة، لا من الخلفاء الراشدين، ولا من غيرهم، فدل ذلك على اجماعهم على صحة هذه الطريقة في الانتخاب. ويؤيد هذه الطريقة من النظر أن الأمة هي صاحبة الحق في انتخاب الخليفة كما قلنا، وصاحب الحق له أن يباشره بنفسه كما له أن يباشره بواسطة نائبه بأن يوكل من يقوم به نيابة عنه. وقد أقر الفقهاء هذه الطريقة من الانتخاب وصرحوا بها، فمن أقوالهم "وإذا تقرر أن هذا المنصب – أي منصب الخليفة – واجب بإجماع، فهو من فروض الكفاية وراجع إلى اختيار أهل العقد والحل، فيتعين عليهم نصبه ويجب على الخلق طاعته"[15].

أهل العقد والحل

140- وإذا كان انتخاب الخليفة من حق الأمة، ولها أن تباشر هذا الحق عن طريق أهل الحل والعقد، فمن هم أهل الحلّ والعقد؟ وما علاقتهم بالأمة؟ وكيف ينالون هذه المنزلة؟

أما عن السؤال الأول، من هم أهل الحل والعقد، فإنَّ الفقهاء يذكرون أوصافاً عامة لهم ويقولون: هي الشروط المعتبرة فيهم وهي الأول: العدالة الجامعة لشروطها. والثاني: العلم الذي يتوصل إلى معرفة من يستحق الامامة على الشروط المعتبرة فيها. والثالث: الرأي والحكمة المؤديان إلى اختيار من هو للأمة أصلح وبتدبير المصالح أقوم[16]. ويذهب بعض الفقهاء المحدثين إلى تحديد أوضح في أوصاف أهل العقد والحل، فيقول صاحب تفيسر المنار رشيد رضا رحمه الله تعالى "أولو الأمر جماعة أهل الحل والعقد، وهم الامراء والحكماء والعلماء ورؤساء الجند وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع اليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة"[17]. فيفهم من هذا القول ومما ذكره الفقهاء أن أهل العقد والحل هم المتبعون في الأمة الحائزون على ثقتها ورضاها لما عرفوا به من التقوى والعدالة[18] والإخلاص والاستقامة وحسن الرأي ومعرفة الامور والحرص على مصالح الأمة.

أما علاقة أهل العقد والحل بالأمة فهي علاقة النائب والوكيل، فهم يباشرون انتخاب رئيس الدولة – الخليفة – نيابة عن الأمة، ومن ثم يعتبر انتخابهم ملزماً للأمة.

أما كيف ينالون هذه المنزلة – منزلة أهل العقد والحل – فإنَّ المتبادر إلى الذهن أن الأمة هي التي ترفعهم إلى هذه المنزلة باختيارها لهم. ولكننا لا نجد في السوابق التاريخية القديمة ما يشير إلى أن الأمة اجتمعت وانتخبت طائفة منها واعطتها صفة أهل الحل والعقد. ومع هذا فإنَّ خلو السوابق التاريخية مما ذكرنا لا يدل على أن من كانوا يسمون أهل العقد والحل ما كانوا يمثلون الأمة ولا يعتبرون وكلاء عنها، لأن الوكالة – كما هو معروف – تنعقد صراحة أو ضمناً، وقد كانت وكالة أهل العقد والحل عن الأمة في عصر الإسلام الأول – عصر الخلفاء الراشدين – وكالة ضمنية، لأنهم كانوا معروفين بتقواهم وسابقتهم في الإسلام ودرايتهم بالأمور واخلاصهم في العمل، مع فضل الصحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومدح الله لهم في قرآنه، وثناء رسوله العام والخاص عليهم، ومن ثم فقد كانوا حائزين على رضى الأمة وثقتها، فما كانت هناك حاجة لقيام الأمة بانتخابهم وتوكيلهم عنها صراحة، وحتى لو قامت بهذا الانتخاب لما فاز فيه إلا أولئك الاخيار الذين عرفوا بأهل العقد والحل ولما نازعهم أحد في هذه المنزلة ومن ثم كان انتخابهم الخليفة يعتبر انتخاباً من الأمة نفسها لأنه تم بتوكيل ضمني منها لهم للقيام بهذا الانتخاب.

معرفة أهل العقد والحل في الوقت الحاضر

141- وإذا أخذنا في الوقت الحاضر بالانتخاب غير المباشر لرئيس الدولة، وفقاً للأحكام الشرعية، فلا مناص من قيام الأمة بانتخاب من يمثلونها وينوبون عنها في مباشرة هذا الانتخاب. ومن تنتخبهم الأمة لهذه المهمة يمكن أن يوصفوا بأنهم أهل العقد والحل لمتابعة الأمة لهم ورضاها بنيابتهم. وعلى الدولة أن تضع النظام اللازم لاجراء هذا الانتخاب وضمان سلامته من التزييف والتضليل، وان تعين في هذا النظام الشروط الواجب توافرها فيمن تنتخبهم الأمة لتكوين جماعة أهل العقد والحل، في ضوء ما ذكره الفقهاء من شروط فيهم. إن مثل هذا الانتخاب، على النحو الذي ذكرناه، ضروري على ما نرى، لايجاد أو معرفة أهل العقد والحل، ولاثبات نيابتهم عن الأمة بالتوكيل الصريح، لأن التوكيل الضمني يتعذر حصوله في الوقت الحاضر لكثرة أفراد الأمة، ولأن اجازة مثل هذا التوكيل الضمني يفتح باباً خطيراً على الأمة ويؤذن بفوضى وشر مستطير، إذ يستطيع كل عاطل عن شروط أهل الحل والعقد أن يدعي لنفسه هذه المنزلة وينصب نفسه ممثلاً عن الأمة ونائباً عنها بحجة أنها ترضي نيابته ضمناً.

ولاية العهد

142- قلنا: إن الأمة هي التي تختار الخليفة عن طريق أهل الحل والعقد، وقد يعترض علينا بولاية العهد التي أقرها الفقهاء كطريق لتولي منصب الخلافة، فالماوردي وأبو يعلى الحنبلي يقولان "والامامة تنعقد من وجهين: أحدهما باختيار أهل العقد والحل والثاني بعهد الإمام من قبله"[19].

والجواب على هذا الاعتراض أن اختيار الخليفة عن طريق عهد الامام السابق قد وقع فعلاً في عصر الخلفاء الراشدين فقد عهد أبو بكر إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وعهد عمر إلى ستة يختارون من بينهم واحداً للخلافة، وعلى هاتين السابقتين اعتمد الفقهاء في تجويزهم ولاية العهد واعتبروا جواز هذا المسلك ثابتاً بالاجماع.

ولكن ما هو التكييف القانوني الشرعي لولاية العهد؟ وهل يصير المعهود إليه بالخلافة خليفة بهذا العهد فقط؟ وما الذي يسبق العهد؟ إن الجواب على هذه الأسئلة ضروري حتى يتبين لنا مدى موافقة أو مناقضة ولاية العهد لحق الأمة في اختيار الخليفة، وهذا الجواب يظهر مما يأتي:

أولاً: جاء في كتاب الأحكام السلطانية للفقيه أبي يعلى الحنبلي ما يأتي:

أ) يجوز للإمام أن يعهد إلى امام بعده... ولأن عهده إلى غيره ليس بعقد للامامة"[20].

ب) لأن الامامة لا تنعقد للمعهود اليه بنفس العهد، وإنما تنعقد بعهد المسلمين... ان امامة المعهود اليه تنعقد بعد موته باختيار أهل الوقت"[21]

فهذه الأقوال صريحة في دلالتها على أن الامامة لا تنعقد ولا تثبت بمجرد العهد وإنما تثبت باختيار أهل الحل والعقد، ومعنى ذلك أن التكييف القانوني للعهد انه ترشيح للخلافة وليس تعييناً نهائياً لمن يتولاه. أما قولهم الامامة تنعقد بالعهد، والانعقاد غير الترشيح، فجوابنا أن استعمالهم كلمة "تنعقد" محمولة على الترشيح لتتفق أقوالهم التي ذكرناها مع هذا الاستعمال، أو أن هذا الاستعمال محمول على ما يؤول إليه العهد وهو انعقاد الامامة للمرشح بناء على رضى أهل الحل والعقد المتوقع نظراً لمشاورتهم بأمر العهد كما هو الغالب.

ثانياً: في سابقة عهد أبي بكر إلى عمر، شاور أبو بكر أهل الحل والعقد في رغبته في العهد إلى عمر فاظهروا رضاهم وموافقتهم، وهذا ثابت في التاريخ، وعلى هذا يكون عهد أبي بكر إلى عمر كأنه عهد من أهل الحل والعقد بالامامة إلى عمر بعد وفاة الخليفة، وعلى هذا التوجيه يمكن اعتبار عهد أبي بكر كاشفاً لارادة أهل الحل والعقد، وكذلك في عهد عمر بن الخطاب إلى الستة لاختيار خليفة منهم، فقد آل أمر الاختيار إلى عبد الرحمن بن عوف فقام باستشارة كبار الصحابة وأهل الحل والعقد ثلاثة أيام بلياليها فرآهم يرضون بعثمان بن عفان فأعلن عند ذاك اختياره له ومبايعته له فبايعه المسلمون، فيكون اختيار عبد الرحمن بن عوف لعثمان كاشفاً عن اختيار أهل الحل والعقد ولذلك بايعوه. ومع هذا فنحن نعتبر كلا من عهد أبي بكر إلى عمر وعهد عمر إلى الستة ترشيحاً للخلافة وان سبقه تشاور مع أهل الحل والعقد وموافقتهم على المرشح، لأن موافقتهم هذه لا يترتب عليها تولي الخلافة فعلا من قبل المرشح إلا بعد وفاة الخليفة المعاهد واعلان الموافقة الصريحة منهم ببيعتهم للمرشح، فما لم يعلن أهل الحل والعقد اختيارهم الصريح وبيعتهم الصريحة لا يصير المعهود إليه – المرشح – خليفة، وقد نبه إلى هذا المعنى الفقيه المشهور ابن تيمية رحمه الله تعالى، فقال – وهو يتكلم عن الامامة ويرد على أقوال من قال ان الامامة تنعقد ببيعة أربعة أو اثنين أو واحد – "فليست هذه أقول أئمة السنة بل الامامة عندهم تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها، ولا يصير الرجل اماماً حتى يوافقه أهل الشوكة الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الامامة، فان المقصود من الامامة إنما يحصل بالقدرة والسلطان، فإذا بويع بيعة حصلت بها القدرة والسلطان صار اماماً... وكذلك عمر لما عهد إليه أبو بكر إنما صار إماماً لما بايعوه وأطاعوه، ولو قدر أنهم لم ينفذوا عهد أبي بكر ولم يبايعوه لم صار إماماً، سواء كان ذلك جائزاً أو غير جائز... فمن قال انه يصير اماماً بموافقة واحد أو اثنين أو أربعة وليسوا هم ذوي القدرة والشوكة فقد غلط، كما أن من ظن أن تخلف الواحد أو الاثنين أو العشرة يضر فقد غلط... وعثمان لم يصر اماماً باختيار بعضهم – أي الستة الذين اختارهم عمر – بل بمبايعة الناس له وجميع المسلمين بايعوا عثمان بن عفان لم يتخلف عن بيعته أحد"[22].

وإذا كان تكييف ولاية العهد انه ترشيح، وانه يسبق بمشاورة أهل الحل والعقد وظهور رضاهم عن المرشح، فإنه لا شك مسلك سديد وحميد لاختيار الخليفة ولا يناقض حق الأمة في اختيار الخليفة، بل وقد يرجح على طريقة انتخاب أهل الحل والعقد للخليفة دون عهد منه إلى أحد، لما في العهد من حسم لمادة الخلاف والنزاع، ولهذا رجح هذه الطريقة الامام ابن حزم فقال: "وهذا – أي العهد – هو الوجه الذي نختاره ونكره غيره لما في هذا الوجه من اتصال الامامة وانتظام أمر الإسلام وأهله ورفع ما يتخوف من الاختلاف والشغب مما يتوقع من غيره بقاء الأمة فوضى ومن انتشار الأمر وحدوث الاطماع"[23].

شروط الخليفة

143- يشترط في الخليفة جملة شروط، كلها تلتقي في تحقيق كفايته للنهوض بأعباء هذا المنصب الخطير على الوجه المرضي لله تعالى والمحقق لمصلحة الأمة. وهذه الشروط، على ما ذكره الفقهاء هي:

أولاً: الإسلام: فيجب أن يكون مسلماً لقوله تعالى: ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ أي منكم أيها المسلمون، فهو من المسلمين. ولقوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ والخلافة أعظم السبيل فلا تكون لغير مسلم، ولأن حقيقة الخلافة، كما سنبين فيما بعد خلافة عن صاحب الشرع في حفظ الدين، فمن البديهي أن تودع هذه الأمانة بيد من يؤمن بهذا الدين، وان لا تسند لمن يكفر به.

ثانياً: أن يكون رجلاً، لقوله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ ولحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" وهذا حديث صحيح رواه البخاري وغيره من أئمة الحديث[24]، والواقع خير شاهد فإنَّ المرأة تعجز عن النهوض بمهام رئاسة الدولة وهي كثيرة وجسيمة، ولا نريد أن نكثر من ذكر الحجج والأدلة فما ذكرناه من قول الله تعالى وقول رسوله تكفينا وتكفي من يؤمن بالله واليوم الآخر وبالإسلام ديناً، ومن يجد في نفسه شيئاً من ذلك، نقول له: أمامك دول العالم في الماضي والحاضر، فامسك قلماً واحص عدد النساء اللاتي تولين رئاسة الدولة وعدد الرجال الذين تولوا رئاسة الدولة، ثم قارن بين العددين، نر ضآلة نسبتهن إلى نسبتهم في ولاية رئاسة الدولة مما يدل على أن الناس بتجربتهم يعرفون أن رئاسة الدولة لا يصلح لها إلا الرجال، وان من صار منهن في منصب رئاسة الدولة إنما كان نادراً ولظروف استثنائية.

ثالثاً: أن يكون جامعاً للعلم بالأحكام الشرعية لأنه مكلف بتنفيذها، ولا يمكنه التنفيذ مع الجهل بها، والعلم قبل العمل، قال تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك﴾ واشترط بعض الفقهاء الاجتهاد ولم يكتفوا بمجرد العلم عن طريق التقليد.

رابعاً: وأن يكون عدلاً في دينه، لا يعرف عنه فسق، متقياً لله، ورعاً، عارفاً بأمور السياسة وشؤون الحكم جريئاً على اقامة حدود الله لا تأخذه في الله لومة لائم، شجاعاً، ذا دراية بمصالح الأمة وسبل تحقيقها مع حرص عليها وتقديمه لها[25].

خامساً: أن يكون من قريش لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "الأئمة من قريش" وهذا حديث صحيح روي من غير وجه واحتج به الفقهاء[26]. والحكمة من هذا الشرط، كما يقول العلامة ابن خلدون، أن مقصود الخلافة يحصل بالاجتماع ووحدة الكلمة وترك النزاع وانقياد الأمة لرئيسها، وهذا يحصل إذا كان الخليفة ممن تسكن النفوس اليهم ويعترف لهم بالفضل والتقدم، وهذا الاعتراف وذاك السكن كان متحققاً فيمن يولى من قريش، لأن قريش كانت ذا قوة وشوكة، وتعترف لها العرب بالتقدم والفضل والزعامة، ولم ينازعوها في ذلك، مما يجعل أمر اجتماع الكلمة وحصول الطاعة لهم أقرب احتمالا وأسهل منالاً من غيرهم، ولذلك جاء الحديث بالتنويه بهم وان الأئمة منهم ليحصل الائتلاف ويسهل الانقياد ويتحقق مقصود الخلافة[27]. ثم يستنتج ابن خلدون فيقول: "فإذا ثبت أن اشتراط القرشية إنما هو لدفع التنازع بما كان لهم من العصبية والغلب وعلمنا أن الشارع لا يخص الأحكام بجيل ولا عصر ولا أمة علمنا أن ذلك إنما هو من الكفاية فرددناه اليها وطردنا العلة المشتملة على المقصود من القرشية وهي وجود العصبية فاشترطنا في القائم بأمور المسلمين أن يكون من قوم أولي عصبية قوية غالبة على من معها لعصرها ليستتبعوا من سواهم وتجتمع الكلمة على حسن الحماية"[28] ومعنى ذلك أن مآل القرشية، عنده أصبحت تعنى الانتساب إلى جماعة قوية يعترف الناس لها بالقوة والشوكة والتقدم والفضل ليحملهم ذلك على طاعة من يولى الخلافة منهم، فتهدأ ثائرتهم ويسهل حكمهم، وينقادوا إلى الحكم المرضي المطلوب.

والواقع أن الحديث "الائمة من قريش" حديث صحيح لا مجال للطعن في سنده ولا في متنه، فيبقى تحديد المعنى المقصود منه. والذي فهمه الفقهاء من هذا الحديث هو اشتراط النسب القرشي في الخليفة، وهذا المعنى هو ما يذكرونه ولا يذكرون غيره إلا ابن خلدون، وهو فقيه ومؤرخ، ذكر التوجيه الذي نقلناه عنه. وما ذكره ابن خلدون في فهمه للحديث وان كان – في نظرنا – يحتمله الحديث إلا انه احتمال مرجوح. كذلك يمكن القول على وجه الاحتمال المرجوح ان الحديث مسوق على سبيل الاخبار بما سيقع لا على سبيل الأمر بما يقع. وفي ضوء هذا كله الذي يترجح عندي الآن، انه إذا تساوى اثنان في شروط الخلافة وكان أحدهما قرشياً وجب اختيار القرشي. وإن كان القرشي عارياً من شروط الخلافة والآخر مستوفياً لها إلا أنه غير قرشي قدم المستوفي لها على القرشي، لأن مقاصد الخلافة لا تتحقق بالقرشي وهو عاطل وعار من شروطها وإنما تتحقق بالآخر الكفء القدير، لأن الأصل العام في الولايات لزوم توافر القدرة والكفاءة، وقد وجدتا. وان لم يوجد القرشي أصلا كانت الخلافة لمن تتوافر فيه بقية شروطها.

عزل الخليفة

144- الأمة هي التي تختار الخليفة، فلها حق عزله، لأن من يملك حق التعيين يملك حق العزل. ولكن استعمال هذا الحق يقتضي وجود المبرر الشرعي، وإلا كان تعسفاً في استعمال الحق، واتباعاً للهوى، وهذان لا يجوزان في شرع الإسلام. والمبرر الشرعي لعزل الخليفة، خروجه عن مقتضى وكالته عن الأمة خروجاً يبرر عزله، أو عجزه عن القيام بمهام الخلافة وهذا ما صرح به الفقهاء، فالامام ابن حزم يقول – وهو يتكلم عن الامام – ما نصه.. "... فهو الامام الواجب طاعته ما قادنا بكتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن زاغ عن شيء منهما منع من ذلك وأقيم عليه الحد والحق، فإن لم يؤمن اذاه الا بخلعه خلع وولي غيره"[29]. ومن أقوال الفقهاء أيضاً "وللأمة خلع الامام وعزله بسبب يوجبه مثل أن يوجد منه ما يوجب اختلال أحوال المسلمين وانتكاس أمور الدين كما كان لهم نصبه واقامته لانتظامها واعلائها"[30]. ومن أمثلة العجز عن مهام الخلافة الموجب لزوالها عنه أو عزله واختيار غيره لمنصب الخلافة: جنونه المطبق، وعماه، وأسره بيد العدو على وجه لا يرجى خلاصه لعجزه عن النظر في أمور المسلمين، فيختارون غيره ليقوم بمصالح المسلمين[31].

تنفيذ العزل

145- وإذا كانت الأمة تملك حق عزل الخليفة عند وجود السبب الشرعي الداعي لذلك، إلا انه يجب أن يعرف جيداً بأن مجرد وجود السبب الشرعي للعزل لا يعني بالضرورة لزوم تنفيذ العزل، لأنه عند التنفيذ يجب أن ينظر في امكانه ونتائجه، فإذا كان تنفيذه ممكناً ورؤي انه لا تترتب على العزل نتائج مضرة بالأمة تربو علىعدم عزله، وجب العزل في هذه الحالة. وإذا رؤي أن التنفيذ غير ممكن أو ممكن بذاته ولكن تترتب عليه نتائج مضرة بالأمة تزيد على اضرار بقائه وعدم عزله، وجب أو ترجح عدم التنفيذ، لأن من قواعد الامر بالمعروف والنهي عن المنكر أن لا يكون العمل على إزالته المنكر مستلزماً أو مقتضياً وقوع منكر أعظم منه[32].

المطلب الثاني - الشورى

وجوب الشورى

146- مبدأ الشورى من أهم مقومات نظام الحكم في الإسلام، به نطق القرآن، وجاءت السنة، وأجمع عليه الفقهاء. وهو حق للأمة وواجب على الخليفة، والتفريط به سبب لعزله كما سنذكره. والأدلة على وجوبه تستفاد من القرآن ومن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ومن أقوال الفقهاء:

أولاً: قال تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ وظاهر الأمر يدل على الوجوب. ومن أقوال الفقهاء والمفسرين بصدد هذه الآية قول ابن تيمية: "لا غنى لولي الأمر عن المشاورة فإنَّ الله تعالى أمر بها نبيه صلى الله عليه وسلم"[33]. وجاء في تفسير الطبري بصدد آية ﴿وشاورهم في الأمر﴾. إنما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورتهم فيه تعريفاً منه امته ليقتدوا به في ذلك عند النوازل التي تنزل بهم فيتشاوروا فيما بينهم"[34]. وفي تفسير الرازي "قال الحسن وسفيان بن عيينة إنما أمر بذلك – أي أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالمشاورة – ليقتدي به غيره في المشاورة ويصير سنة في أمته"[35].

ثانياً: ومما يؤكد وجوب المشاورة على رئيس الدولة أن النبي صلى الله عليه وسلم على جلالة قدره وعظيم منزلته كان كثير المشاورة لاصحابه، شاورهم يوم بدر في التوجه إلى قتال المشركين. وشاورهم قبل معركة أحد أيبقى في المدينة أم يخرج إلى العدو. وشاور السعدين: سعد بن معاز وسعد بن عبادة يوم الخندق فأشارا عليه بترك مصالحة العدو على بعض ثمار المدينة مقابل انصرافهم عنها فقبل رأيهما[36]، وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير المشاورة لاصحابه حتى قال العلماء "لم يكن أحد أكثر مشورة لاصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم"[37].

ترك المشاورة موجب لعزل رئيس الدولة

147- وإذا كانت المشاورة حقاً للأمة وواجباً على رئيس الدولة. فإنَّ التفريط بها إلى حد تركها موجب للعزل، جاء في تفسير القرطبي "قال ابن عطية: والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب"[38] فلا بقاء لحاكم مستبد في دولة الإسلام.

تعليل أهمية المشاورة

148- مما ذكرناه يتبين لنا بوضوح أن المشاورة في نظام الحكم في الإسلام ذات أهمية بالغة، وتعليل ذلك، على ما نرى، ان المشاورة سبيل معرفة الرأي الصواب لأن كل مستشار يظهر رأيه ووجهة هذا الرأي ومدى فائدته. وبعرض هذه الآراء ومقارنتها ومناقشتها يظهر الصواب غالباً. كما أن بالمشاورة استفادة بلا جهد من خبرات الآخرين وتجاربهم التي اكتسبوها في سنين طوال وبجهود وتضحيات. كما أن بالمشاورة عصمة لولي الأمر من الاقدام على أمور تضر الأمة ولا يشعر هو بضررها، ولا سبيل الى اصلاح الضرر بعد وقوعه، ولا يرفعه كونه حسن النية... وفي المشاورة أيضاً تذكير للأمة بأنها هي صاحبة السلطان وتذكير لرئيس الدولة بأنه وكيل عنها في مباشرة السلطان، وفي هذا وذاك عصمة من الطغيان الذي هو من صفات الانسان، قال تعالى: ﴿كلا إن الانسان ليطغى...﴾.

في أي شيء تجري الشورى

149- والمشاورة مع الأمة تجري في شؤون الدولة المختلفة وفي الأمور الشرعية الاجتهادية التي لا نص فيها، أي أن رئيس الدولة يستشير في أمور الدين والدنيا كما يقول الفقهاء، فقد جاء في تفسير الجصاص "الاستشارة تكون في أمور الدنيان وفي أمور الدين التي لا وحي فيها..."[39] والمشاورة في أمور الدنيا أي في شؤون الدولة المهمة منها مثل تسيير الجيوش واعلان الحرب وعقد المعاهدات واسناد المناصب المهمة في الدولة إلى مستحقيها ونحو ذلك، فلا تكون المشاورة في كل شيء من شؤون الدولة حتى في صغائرها وجزئياتها، فإنَّ هذا غير ممكن ولا مطلوب ولا حاجة اليه ولا منفعة فيه ولا دليل عليه.

أهل الشورى

150- ولكن كيف تتم المشاورة؟ وهل يجب على رئيس الدولة أن يشاور الأمة كلها أو طائفة منها أو أفراداً منها؟ المستفاد من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه في الشورى، انه كان يشاور جمهور المسلمين في الأمور التي تهمهم مباشرة كما حصل في مسألة الخورج إلى قتال المشركين في معركة أحد، فقد استشار جمهورهم الموجودين في المدينة، وكان يقول "أشيروا عليّ"[40]. وكذلك في مسألة غنائم هوازن فقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أن يعرف آراء جميع المسلمين المشتركين في حرب هوازن في مسألة الغنائم التي صارت اليهم، فقد جاء في أخبارها أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن ذكر لهم ما يراه بصدد الغنائم، قال الحاضرون "يا رسول الله رضينا وسلمنا، قال: فمروا عرفاءكم أن يرفعوا ذلك إلينا حتى نعلم... فكان زيد بن ثابت على الانصار يسألهم: هل سلموا؟ فأخبروه أنهم سلموا ورضوا ولم يتخلف عنهم رجل واحد... الخ"[41]. فهذه الواقعة تدل على أنَّ أهل الشورى كانوا جميع المسلمين الذين يتعلق بهم موضوع المشاورة. وأحياناً كان النبي صلى الله عليه وسلم يستشير بعض أصحابه لا كلهم كما حصل في مسألة أسرى بدر، فقد استشار عليه الصلاة والسلام بعض أصحابه في هؤلاء الاسرى وهل يأخذ منهم الفداء أم لا؟

واستشار عليه الصلاة والسلام سعد بن معاذ وسعد بن عبادة في مسألة مصالحة غطفان على ثلث ثمار المدينة على أن يرجعوا عن قتال المسلمين في معركة الخندق، فقالا: يا رسول الله إن كان هذا أمراً من السماء فامض له، وإن كان أمراً لم تؤمر فيه ولك فيه هوى فسمع وطاعة، وإن كان انما هو الرأي، فما لهم إلا السيف، فأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم برأيهما وترك موضوع المصالحة مع غطفان[42].

فهذه السوابق الثابتة في سنة النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أن أهل الشورى، تارة يكونون جمهور الأمة، وطوراً يكونون جميع المسلمين الموجودين وقت المشاورة ويتعلق بهم موضوع المشاورة كما في مسألة غنائم هوازن، وأحياناً يكون أهل الشورى المتبوعين في قومهم كما في مسألة مصالحة غطفان حيث شاور النبي صلى الله عليه وسلم السعدين من سادات الأنصار والمتبوعين فيهم. وأحياناً أخرى يكون أهل الشورى بعض المسلمين من ذوي الرأي كما في مسألة أسرى بدر.

وفي ضوء هذه السوابق يمكن أن نقول: إن من يشاورهم رئيس الدولة يختلفون باختلاف موضوع المشاورة من المسائل التي تحتاج إلى نوع معرفة وحسن رأي ولطف ادراك، فيشاور رئيس الدولة أهل الاختصاص والمعرفة، وقد أشار الامام القرطبي في تفسيره إلى ما نقول، فقال رحمه الله "واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون وما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح. ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها.. إلى أن قال، قال العلماء صفة المستشار إن كان في الأحكام أن يكون عالماً وديناً، وصفة المستشار إن كان في أمور الدنيا أن يكون عاقلاً مجرباً"[43].

الخلاف بين رئيس الدولة وأهل الشورى

151- وقد يختلف رئيس الدولة مع أهل الشورى، فما الحل في هذه الحالة؟ الحل ما أمرت به الآية الكريمة ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ فيجب رد المتنازع فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كما تقضي به الآية الكريمة وأجمع عليه المفسرون[44].

فإذا وجد الحكم صريحاً في الكتاب أو السنة وجب اتباعه ولا طاعة لأحد في مخالفته وان لم يوجد الحكم صريحاً، فأي الآراء أشبه بكتاب الله وسنة رسوله عمل به[45].

الأخذ برأي رئيس الدولة

152- وإذا لم يظهر الرأي الذي هو أشبه بكتاب الله وسنة رسوله، وبقي الخلاف بين رئيس الدولة وبين أهل الشورى، فما الحكم في هذه الحالة؟ الذي نراه ونرجحه ترك الأمر إلى رئيس الدولة، فان شاء أخذ برأي الاكثرية، وإن شاء أخذ برأي الاقلية، وإن شاء أخذ برأيه هو وإن كان خلاف رأي الاكثرية والاقلية. وقد يبدو قولنا هذا غريباً، لأن الاذهان ألفت الاخذ برأي الاكثرية دائماً إلى درجة الاعتقاد بأن الأخذ به ملزم، وان الخروج على رأي الأكثرية علامة الاستبداد والتعسف، إلى آخر ما يقال في هذا المجال، ولكن الحق أحق أن يتبع، فما هي حجتنا فيما قلناه؟ إن حجتنا تتلخص بالأدلة الآتية:

أدلة الأخذ برأي رئيس الدولة وإن خالف رأي الأكثرية

153- أولاً: قال تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله﴾ قال قتادة في تفسير هذه الآية: "أمر الله تعالى نبيه عليه السلام إذا عزم على أمر أن يمضي فيه ويتوكل على الله لا على مشاورتهم"[46].

ثانياً: السوابق القديمة ومنها ما فعله الخليفة الراشد أبو بكر الصديق في جيش أسامة، وفي محاربة المرتدين. وخلاصة القول في جيش أسامة بن زيد، أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله قائداً على جيش من المسلمين فيه كبارهم وأبطالهم وأمره بالتوجه إلى جهة فلسطين، وقبل أن ينفصل من المدينة توفي الرسول صلى الله عليه وسلم فتوقف أسامة حتى بويع أبو بكر بالخلافة، فأرسل إليه عمر بن الخطاب يستأذنه بالرجوع مع جيشه ليكون بجانبه ويسهم في دفع شر المرتدين عن المدينة وكان هذا رأي عمر بن الخطاب أيضاً وغيره من المسلمين ولكن أبا بكر رفض هذا الرأي وقال: والله لو علمت أن السباع تجر برجلي ان لم أرده ما رددته ولا حللت لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم[47].

أما قصة المرتدين، فقد كان منهم فريق كبير امتنعوا ان أداء الزكاة مع بقائهم على الايمان بالله وبرسوله، وأرسلوا وفداً إلى المدينة ليقنع الخليفة بالموافقة على ذلك، فرفض أبو بكر هذا الرأي وقال: والله لو منعوني عقالاً لجاهدتهم عليه وظل أبو بكر رضي الله عنه على هذا الرأي بالرغم من رأي أكثر الصحابة أن اللين أولى في هذه الحالة، لضعف المسلمين وانتشار الردة وكثرة المرتدين ولكن أبا بكر ظل باقياً على رأيه ماضياً في الذي شرح الله له صدره من الحق لا يضعف ولا يني[48].

ووجه الدلالة في هذه السابقة القديمة أن أبا بكر رضي الله عنه أخذ برأيه ونفذه ولم يأخذ برأي غيره وإن كانوا كثيرين.

ثالثاً: إن الخليفة – رئيس الدولة – مسؤول مسؤولية كاملة عن أعماله، فلا يجوز الزامه بتنفيذ رأي غيره إن لم يقتنع بصوابه، لأن كون الإنسان مسؤولا عن عمله يعني أن يعمله باختياره ورأيه لا أن يعمل وينفذ رأي غيره على وجه الالزام وهو كاره له غير مقتنع به ثم يسأل هو عن هذا الرأي ونتائجه.

رابعاً: إن صواب الرأي أو خطأه يستمدان من ذات الرأي وطبيعته لا من كثرة أو قلة القائلين به.

خامساً: ليست الكثرة لذاتها دليلاً قاطعاً أو راجحاً على الصواب، كما أن القلة ليست لذاتها دليلاً أو راجحاً على الخطأ، إذ يمكن أن يكون الخطأ مع الكثرة، وقد أشار القرآن إلى هذه الحقيقة، قال تعالى: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك﴾﴿قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث﴾.

سادساً: في حالة الحروب، وهي أخطر ما تمر به الأمة، يفوض الأمر إلى قائد الجيش لينفذ ما يراه من خطط الهجوم والدفاع بعد أن يستشير مساعديه، ولا يلزم برأيهم مطلقاً وان كان ملزماً باستشارتهم، ومعنى ذلك أن البشر يدركون بفطرتهم ان خير حل عند اختلاف الرئيس مع مستشاريه هو ترك الأمر له يقرر ما يراه، ولهذا يأخذون بهذا الحل في حالة الحرب، مع أن خطأ القائد قد يؤدي إلى فناء الجيش وهلاك الأمة، ولكن مع هذا يأخذون بهذا الحل لأنه خير الحلول وأصوبها عند اختلاف الرئيس مع من يشاورهم.

اعتراضات ودفعها

154- إنّ رأينا الذي قدمناه واعتبرناه هو الراجح، بل ونعتبره هو الصحيح قد يعترض البعض عليه بالاعتراضات التالية:

الاعتراض الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ برأي الأكثرية في مسألة الخروج إلى معركة أحد مع أنه كان يميل إلى عدم الخروج. والجواب أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخذ برأيهم لأنه رأى ذلك، لا لأن الأخذ برأي الأكثرية ملزم، وكلامنا في الزام الاكثرية لرئيس الدولة أو عدم الزامه.

الاعتراض الثاني: ما فائدة المشاورة إذا لم يلتزم رئيس الدولة برأي من يشاورهم أو برأي أكثريتهم؟ والجواب، فائدة المشاورة تظهر في ظهور الرأي الصواب والمظنون في رئيس الدولة أن يأخذ بالصواب، فإذا لم يؤخذ برأيهم فمعنى ذلك أنه لم يقتنع بما قيل لا لكونه يريد العناد والخلاف.

الاعتراض الثالث: أن الله تعالى أمر بالمشاورة وهذا الأمر يتضمن الأخذ برأي من يشاورهم، والجواب، المشاورة غير التنفيذ، والله تعالى أمر بالمشاورة، وينقضي حق هذا الأمر باجراء المشاورة فعلا، اما التنفيذ فشيء آخر، وهو متروك لرئيس الدولة حسب ما يراه، ما دام الأمر اجتهادياً.

حق الأفراد في ابداء آرائهم

155- وقيام الخليفة بمشاورة أهل الحل والعقد لا يعني أن غيرهم من أفراد الأمة لا حق لهم في ابداء آرائهم في شؤون الحكم وتصرفات الخليفة، فالواقع أن لكل فرد أن يبدي رأيه فيما يرى فيه المصلحة أو إزالة مفسدة، وأساس هذا الحق تكليف الشارع لكل مسلم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل جعل القيام بهذا التكليف من صفات المؤمنين الأصلية قال تعالى: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المشهور "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". ومن الواضح أن القيام بهذا الفرض يستلزم تمتع الفرد بحق ابداء رأيه بالمعروف الذي يأمر به وبالمنكر الذي يريد تغييره وهذا الحق للأفراد متمم للشورىة ومساعد لها ويتفق مع أهدافها لأن به يعان الخليفة على معرفة الصواب وتجنب الخطأ، فقد يفوت أهل الشورى بعض الأمور التي يعرفها غيرهم من أفراد الأمة. وعلى هذا لا يجوز للخليفة أو لغيره من أولياء الأمور الانتقاص من هذا الحق للأفراد كما لا يجوز للأفراد التنازل عنه أو تعطيله، لأنه حق أوتوه من الشرع ليتمكنوا من أداء ما افترض عليهم من واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولهذا كان الحكام الصالحون يربون أفراد الأمة على حرية الرأي ويحثونهم على هذه الصفة ويعيبونهم على تركها، قال رجل للإمام عمر بن الخطاب "اتق الله يا عمر، فقال له عمر: الا فلتقولوها: ولا خير فينا إن لم نسمعها". وفي خطبة لأبي بكر رضي الله عنه "فإن أحسنت فاعينوني، وإن زغت فقوموني"[49].

حدود حرية الرأي

156- وحق الأفراد في إبداء آرائهم في تصرفات الخليفة، له حدود وضوبط،

الأول: أن يكون قصد صاحبه بذل النصح الخالص للخليفة، جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الامام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الدين النصيحة، قلنا لمن؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". فلا يجوز للفرد أن يقصد في بيان رأيه في تصرفات الحكام التشهير بهم أو تكبير سيئاتهم أو انتقاصهم أو تجريء الناس عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الباطلة التي لا يراد بها وجه الله ولا الخير للمنصوح ولا المصلحة للأمة.

الثاني: أن يكون بيان المسلم لرأيه في تصرفات الحكام على أساس من العلم والفقه، فلا يجوز أن ينكر عليهم أو ينتقصهم في الأمور الاجتهادية، لأن رأيه ليس أولى من رأيهم ما دام الأمر اجتهادياً.

الثالث: لا يجوز للأفراد احداث الفتنة ومقاتلة المخالفين لهم بالرأي إذا لم يأخذوا برأيهم ما دام الأمر يحتمل رأيهم ورأي غيرهم.

تنظيم الشورى في الوقت الحاضر

157- ذكرنا في الفقرات السابقة السوابق الثابتة في السنة النبوية في موضوع الشورى، ومجموعها يدل على أن الشريعة الإسلامية لم تنص على كيفية خاصة لتحقيق مبدأ الشورى، ومعنى ذلك أنها تركت تنظيم الشورى للأمة الإسلامية على النحو الذي يلائم ظروفها وأحوالها ويحقق مقصود الشورى ومعرفة رأي الأمة. وهذا في الحقيقة من حسنات الشريعة واحتياطها للمستقبل. وعلى هذا، فيبدو لنا، أن ما يوافق العصر الحاضر أن تقوم الأمة بانتخاب أهل الشورى الذين يشاورهم رئيس الدولة ويعتبرون بنفس الوقت أهل العقد والحل، على أن يكون لرئيس الدولة الحق في مشاورة أهل الاختصاص في موضوع اختصاصهم، وأن يكون له الحق في استفتاء الأمة في المسائل الخطيرة، وأن يوضع نظام مفصل لكل هذه المسائل وغيرها مما له علاقة في موضوع الشورى في ضوء قواعد الشريعة ومبادئها وأحكامها في نظام الحكم. كما يجب توفير حرية الرأي للمواطنين لابداء آرائهم في شؤون الدولة في الحدود الشرعية، فلا يجوز مثلا التشهير والطعن والسباب وفاحش الكلام والافتراء والتضليل بحجة ابداء الرأي، فليس من حق أحد أن يشيع الفساد بحجة ابداء الرأي. والواقع أن مجرد وضع الانظمة لا يكفي لتحقيق الانتخاب السليم ولا لتحديد حدود الرأي المباح الخالص من الغش والدجل، وإنما الذي يفيد كثيراً في هذا الباب – مع وضع الانظمة اللازمة – اشاعة المفاهيم الإسلامية والاخلاق الإسلامية، وتربية الأفراد على معاني العقيدة الإسلامية ومخافة الله وتقواه في السر والعلن، فبهذا يقف الانسان عند الحدود الشرعية ويقوم بواجبه على الوجه المرضي سواء أكان هذا الواجب في انتخاب أعضاء مجلس الشورى أو في قيام هؤلاء بابداء آرائهم أو في ابداء آحاد الناس آراءهم فيما يرونه من وجوه المصلحة.

المطلب الثالث - الخضوع لسلطان الإسلام

تمهيد

158- قلنا فيما مضى: إن الأمة مخاطبة بأحكام الشرع مكلفة بتنفيذها مثل أحكام العقوبات والجهاد والحكم بين الناس بالعدل ونحو ذلك من الأحكام الشرعية التي هي من الفروض في الإسلام، وانها تملك – بتمليك الشرع لها – السلطة لتنفيذ هذه الأحكام وحمل الناس عليها. وحيث إن تنفيذ هذه الأحكام باستعمالها سلطتها، ولا يمكن أن يكون عن طريق جماعي. فقد برزت قاعدة النيابة لتحقيق ذلك، بأن تنيب الأمة واحداً عنها من يباشر سلطانها نيابة عنها لتحقيق ما هي مكلفة به، وهذا النائب هو الخليفة.

سلطان الأمة مقيد غير مطلق

159- ولكن سلطان الأمة مقيد غير مطلق، مقيد بالغرض الذي من أجله منحت الأمة هذا السلطان من قبل الشرع، ومعنى ذلك أن سلطانها مقيد بسلطان الله المطلق الذي له الحاكمية الحقة المطلقة ﴿إن الحكم إلا لله﴾ وارادته الشرعية المتمثلة في شرعه، ومن شرعه نظام الحكم في الإسلام. وعلى هذا فإنَّ سلطان الأمة في الحقيقة سلطان تنفيذ لشرع الله ومنه نظام الحكم وليس بسلطان خلق وابتداع لنظام يهواه...

سلطان الخليفة مقيد غير مطلق

160- وإذا كان سلطان الأمة مقيد بسلطان الإسلام أي بشرائعه وأحكامه ونظمه، ومنها نظام الحكم، فإنَّ الخليفة – وهو نائبها – سلطانه في الحكم مقيد أيضاً بسلطان الإسلام، لأنه لا يمكن أن يملك الوكيل أكثر مما يملكه الموكل من سلطة وحق.. فسلطانه، سلطان تنفيذ للشرع، وليس بسلطان ابتداع لشرع، ولهذا قال عمر بن عبد العزيز في خطبته بعد توليه الخلافة: إنما أنا متبع ولست بمبتدع...

ما يترتب على تقييد سلطان الأمة والخليفة

161- ويترتب على تقييد سلطان الأمة والخليفة بسلطان الإسلام انه لا يملك واحد منهما الخروج على هذا السلطان أبداً، فلا يجوز لأحدهما ولا لكليهما، وإن كان برضى منهما تغيير شرع الله أو اتباع غيره، لأن الاتفاق على الباطل لا بقلبه حقاً ولا يعطي المتفقين عليه تبريراً شرعياً لعملهم الباطل... ولكن يجوز للخليفة وضع الترتيبات اللازمة لتنفيذ شرع الله ومنه نظامه في الحكم، أو وضع الانظمة اللازمة لإدارة شؤون الدولة في نطاق القواعد العامة في الشرع الإسلامي، ما دام لا يوجد نص أو نصوص تحكم هذه الشؤون.. وهذه الدائرة التي يباح فيها للخليفة وضع هذه الانظمة لتسهيل تنفيذ شرع الله وادارة شؤون الدولة هي التي تدخل فيما يسميه الفقهاء بالامور الاجتهادية التي يجوز فيها البحث والنظر، وتشريع الأحكام الجزئية في نطاق الاجتهاد وقواعده وضوابطه، ويلزم تنفيذ هذه الأحكام الاجتهادية السائغة، ولا يجوز للأمة ولا لأهل الحل والعقد عصيان هذه الأحكام ولا التمرد عليها ما دام الخليفة قد قرر تنفيذها، ولا يقبل منهم تبرير عصيانهم بمخالفة هذه الأحكام لآرائهم الاجتهادية لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله كما يقول الفقهاء. إلا أنه من المرغوب فيه جداً للخليفة بل قد يكون من الواجب عليه أن يشاور أهل الشورى فيما يريد تشريعه من الأمور الاجتهادية كما كان يفعل الامام عمر بن الخطاب، ومن أمثلة ما فعله هذا الامام الراشد تشاوره مع أهل الشورى في مسألة تقسيم أراضي السواد في العراق أيقسمها على الفاتحين أم يبقيها بأيدي أصحابها ويضرب على أراضيهم الخراج؟ ولا شك أن الخليفة عندما يشاور أهل الشورى في هذه المسائل قد يخرجون برأي واحد وقد يختلفون، وعند الاختلاف يترك الأمر للخليفة ليختار الرأي الذي يراه. والمأمول دائماً أن الرأي الصواب فالراجح جداً أن الخليفة يقبله لأنه لا مصلحة له في مخالفة الصواب وهو المنصوب لتنفيذ أحكام الشرع وتحقيق مصالح الأمة، وإذا قدر أنه لم يقتنع بوجهات نظر الآخرين الصائبة وأخذ بوجهة نظر خاطئة فهذا نادر، لا غالب، لأن الغالب ما قلناه، والعبرة للغالب الشائع لا للنادر...

الجدية والمساواة في تنفيذ شرع الله

162- وإذا كان الخليفة والأمة خاضعين لسلطان الإسلام المتمثل في شرعه فإنَّ هذا الخضوع يظهر في جدية التنفيذ والمسارعة فيه والحرص عليه، فلا يفيد الادعاء بالخضوع لسلطان الإسلام مع المخالفة الفعلية له. ومع هذه الجدية في التنفيذ والمسارعة فيه، مساواة بين الرعية في تنفيذ القانون الإسلامي عليهم، لأن الخليفة لا يملك تعطيل القانون بالنسبة لواحد منهم وإلا كان مسؤولا عن ذلك مسؤولية دينية أمام الله في الآخرة، وأمام الأمة التي اختارته في الدنيا. كما أن الأمة كلها لا تملك تعطيل القانون بالنسبة لأي فرد ولا يجوز لها السعي في هذا المجال المحرم بالشفاعة السيئة أو التأثير على الخليفة. وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم هذه المعاني بصورة حاسمة وصريحة في مسألة المرأة المخزومية التي سرقت وأهمّ الناس أمرها فطلبوا من أسامة أن يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه الشفاعة لها عنده عسى أن يعفيها من اقامة الحد أو يجد لها مخرجاً، وقد غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك، وقال في خطبة له في الناس على أثر ذلك: "إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".

الدولة الإسلامية دولة قانونية

163- وإذا تبين لنا أن الخليفة والأمة خاضعون لسلطان الإسلام، فإنَّ معنى ذلك أن الدولة الإسلامية يمكن وصفها بأنها "دولة قانونية" أو "دولة قانون" أي أنها تخضع في جميع تصرفاتها وشؤونها، كما يخضع جميع الأفراد في جميع تصرفاتهم وعلاقاتهم إلى القانون. وأعنى القانون هنا، بالنسبة للدولة الإسلامية القانون الإسلامي المتمثل بكتاب الله وسنة رسوله وما قام عليهما من استنباط صحيح واجتهاد سائغ مقبول.. قال تعالى: ﴿اتبعوا ما أنزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء...﴾ ﴿أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾. ويترتب على ذلك أن نظام الحكم الإسلامي لا يقوم على معنى باطل قد يتلبس الحكم أو يقارنه أو يخالطه مثل الهوى والطغيان والتكبر في الأرض وحب الفساد والتسلط على الآخرين وغمط حقوق الناس وتسخيرهم للشهوات ونحو ذلك من المعاني الفاسدة التي لا تنفك عنها نظم الحكم الوضعية، لأن نظام الحكم الإسلامي خاضع للقانون الإسلامي المبرأ من هذه العيوب والمفاسد. ومن مظاهر هذا الخضوع أن الأمة في اختيارها للخليفة أو أهل الشورى، تختارهم وفقا للموازين الشرعية، بعيدة عن الأهواء، وهؤلاء المنتخبون في مجلس الشورى يباشرون حقهم في ابداء الرأي مستحضرين في قلوبهم مخافة الله ومراقبته فلا يقولون إلا ما يعتقدونه الحق والصواب ولا يألون جهداً في إرادة الخير للأمة والنصح للخليفة ولا يبغون من وراء ذلك إلا مرضاة الله... وأفراد الأمة عندما ينتقدون أو يبدون آراءهم في تصرفات الخليفة يفعلون ذلك وهم يشعرون بلزوم خضوعهم إلى شرع الله الذي يأمرهم بالعدل في القول والصدق فيه وإرادة النصح الخالص في النقد أو الاعتراض. والخليفة في شؤون ومباشرته سلطان الحكم إنما يستهدي بشرع الله، فلا يعطي ولا يمنع ولا يقدم ولا يحجم إلا ببرهان من شرع الله، وينفذ القانون الإسلامي بعدل ومساواة وجدية، لا تمنعه من إقامة الشرع صداقة ولا قرابة ولا أي معنى من المعاني التي لا يعترف بها الشرع في مجال التنفيذ، لأن تنفيذ القانون الإسلامي من لوازم خضوعه له كما قلنا، ولا يعطل تنفيذه بحجة الرحمة المتوهمة، فالرحمة الحقة في تنفيذ القانون الإسلامي لا في تعطيله، وقد نبهنا الله تعالى إلى هذا الجانب الضعيف في النفس الانسانية الذي يتسلل منه الشيطان ليمنع ولي الأمر من اقامة حدود الله، قال تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله...﴾.

وإذا كانت الدولة الإسلامية دولة قانون، وقانونها هو شرع الله – الإسلام – فإنَّ أي خلاف ينشب يكون مرجعه إلى هذا الشرع، لا إلى شيء غيره، قال تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾. والمحق من كان الحق بجانبه ببرهان من الشرع ومن ثم تكون الدولة بجانبه وان كان ضعيفاً، والمبطل من لم يكن الحق بجانبه ببرهان من الشرع ومن ثم تكون الدولة ضده وإن كان قوياً.

164- وإذا كانت الدولة الإسلامية دولة قانونية، خاضعة لسلطان الإسلام فإنَّ معنى ذلك أن الحكم الحقيقي والسلطان الحقيقي لمشرِّع هذا الإسلام وهو الله جل جلاله وصدق الله العظيم إذ يقول ﴿إن الحكم إلا لله﴾.

المطلب الرابع - مقاصد الحكم في الإسلام

الحكم وسيلة لا غاية

165- الحكم في الإسلام وسيلة لا غاية، وسيلة فعالة إلى مقاصد معينة يستطيع الحكم تحقيقها لما للحاكم من سلطان يستطيع به تنفيذ ما يعجز عنه آحاد المسلمين، فيختصر الطريق ويبلغ الأهداف ويحقق المقاصد وهي بعض مقاصد الإسلام، فما هي مقاصد الحكم الإسلامي؟

مقاصد الحكم

166- يقول الفقهاء في تعريفهم للإمامة أي الخلافة "الامامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به"[50].

فهذا التعريف يؤكد على وظائف الخلافة أي مقاصد الحكم ويجملها في مقصدين كبيرين الأول: حراسة الدين، والثاني: سياسة الدنيا به.

فلا بد من الكلام عن كل مقصد على حدة وبيان ما يندرج تحته من مقاصد فرعية.

المقصد الأول: حراسة الدين

167- ويقصد بالدين هنا بداهة الإسلام، فهو الدين المطلوب حراسته بالحكم. وحراسته تعني شيئين: حفظه وتنفيذه. فما معنى الحفظ والتنفيذ في هذا المقام؟

168- أولاً: حفظه

وحفظ الإسلام يعني ابقاء حقائقه ومعانيه ونشرها بين الناس كما بلغها رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار عليها صحابته الكرام ونقلوها إلى الناس من بعده. وعلى هذا لا يجوز أي تبديل أو تحريف في هذه الحقائق والمعاني، لأن التحريف والتبديل يدخلان في نطاق الابتداع المذموم في دين الله. ولا يجوز التردد أبداً في منع التبديل والتحريف بحجة حق الفرد في ابداء الرأي وحرية الفكر والاجتهاد.. لأن الفرد ان كان مسلماً فليس من حقه أن يبدل دين الله، وإذا اختار لنفسه الضلالة ولعقيدته الفساد فليس من حقه أبداً أن يضل الآخرين أو يفسد عقائدهم. وإن كان الفرد غير مسلم فليس من حقه أبداً أن يخرج على نظام دار الإسلام ويشوه حقائق الإسلام وإلا كان ناقضاً لعقد الذمة. ومع هذا فقد يقع المسلم في زيغ أو شبهة أو خطأ، نتيجة فهم سقيم أو تضليل خبيث فيجب على ولي الأمر – الخليفة – أو نائبه، أن يعمل على كشف الشبهة واظهار الصواب بالدليل والبرهان حتى يظهر الحق وتقوم الحجة، فإن أصر المبطل على باطله وسعى ِإلى نشره في الناس منع من ذلك وأقيم عليه ما يوجبه الشرع. وقد أشار الفقهاء إلى ما ذكرناه فقد قالوا: إن على الامام "حفظ الدين على الأصول التي أجمع عليها سلف الأمة. فان زاغ ذو شبهة عنه بين له الحجة وأوضح له الصواب، وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود ليكون الدين محروساً من خلل والأمة ممنوعة من الزلل"[51].

169- ومن لوازم حفظ الدين "تحصين الثغور بالعدة المانعة والقوة الدافعة حتى لا تظهر الاعداء بغرة ينتهكون فيها محرماً ويسفكون فيها لمسلم أو معاهداً دماً"[52]. والحقيقة أن دفع الاعداء عن دار الإسلام ضروري لحفظ الدين وبقائه لأن استيلاء الكفرة على دار الإسلام ضياع للإسلام وطمس لحقائقه وفتنة عظيمة للمسلمين وزعزعة لعقائدهم بسبب حكم الكفرة له وما يبذلونه لصرف المسلمين عن دينهم الحق بالوعد والوعيد والتلبيس والخداع والتضليل. بل نستطيع القول أن من لوازم وتمام حفظ الدين إعلاءه واظهاره على جميع أنظمة الكفر حتى لا يبقى للباطل حكم قائم ولا راية مرفوعة، وهذا ما أشار اليه الماوردي إذ يقول، وهو يعدد واجبات الامام، "والسادس جهاد من عاند الإسلام بعد الدعوة حتى يسلم أو يدخل الذمة ليقام بحق الله تعالى في اظهاره على الدين كله"[53].

170- ثانياً: تنفيذه

وأما تنفيذ الدين، الإسلام، وهو المظهر الثاني لحراسته، فيتحقق في أمور منها: تطبيق أحكامه في سائر معاملات الناس وعلاقاتهم فيما بينهم، وفي علاقاتهم مع الدولة، وفي علاقة الدولة – دار الإسلام – مع غيرها من الدول. ومنها: حمل الناس على الوقوف عند حدود الله والطاعة لأوامره وترغيبهم في ذلك ومعاقبة المخالفين بالعقوبات الشرعية. ومنها إزالة المفاسد والمنكرات من المجتمع كما يقضي به الإسلام، إذ لا يمكن الادعاء بحفظ الدين مع ترك المفاسد والمنكرات بلا إنكار ولا إزالة مع توفر القدرة على ذلك. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المقصد من مقاصد الحكم الإسلامي، قال تعالى: ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾.

المقصد الثاني: سياسة الدنيا به

171- إن هذا المقصد يعني أن الدنيا داخلة في نطاق الدين، محكومة به، غير خارجة عنه.

والقول الجامع في سياسة الدنيا بالدين هو إدارة شؤون الدولة والرعية على وجه يحقق المصلحة ويدرأ المفسدة، وهذا يتم إذا كانت إدارة شؤون الحياة وفقاً لقواعد الشريعة ومبادئها وأحكامها المنصوص عليها أو المستنبطة منها وفقاً لقواعد الاجتهاد السليم. فهذه هي السياسة الشرعية لأمور الدنيا بالدين. ومن أوجه هذه السياسة التي يضطلع بها الحكم الإسلامي ويلتزم بها الحاكم المسلم، والتي أشار إليها الفقهاء ما يأتي:

أ‌) اقامة العدل بين الناس

172- أول مظهر لسياسة الدنيا بالدين، الالتزام التام بالعدل في إدارة شؤون الناس وعدم الحيدة عنه مطلقاً، لأنه هو الأساس الذي لا قيام لدولة بدونه ولا بقاء لأمة بفقده، ولهذا كان من صفة عقد البيعة للإمام أن يقال فيها "بايعناك بيعة رضى على إقامة العدل والانصاف والقيام بفروض الإمامة"[54].

والعدل يتضمن اعطاء كل انسان حقه وعدم ظلمه في شيء. فمن الظلم تكليفه بما لا يجب عليه شرعاً أو أخذ ماله بغير وجه حق أو منعه ما يستحق، وهذا ما أشار إليه الفقهاء، فالفقيه الماوردي يقول – وهو يعدد واجبات الامام – "وجباية الفيء والصدقات على ما أوجبه الشرع نصاً واجتهاداً من غير عسف وتقدير العطاء وما يستحق من بيت المال من غيرسرف ولا تقصير فيه ودفعه في وقت لا تقديم فيه ولا تأخير"[55]. والعلامة ابن خلدون يوضح الظلم الممنوع فيقول "ولا تحسبن الظلم انما هو أخذ المال أوالملك من يد مالكه من غير عوض ولا سبب، كما هو المشهور، بل الظلم أعم من ذلك. وكل من أخذ ملك أحد، أوغصبه في عمله أوطالبه بغير حق، أو فرض عليه حقاً لم يفرضه الشرع فقد ظلمه. فجباة الأموال بغير حق، والمنتهبون لها ظلمة، والمانعون لحقوق الناس ظملة. ووبال ذلك كله عائد على الدولة بخراب العمران"[56]. وعلى هذا يجب على الخليفة أن يقوم بما يلزم لتحقيق العدل ومنع الظلم، وأول ما يلزمه في هذا الباب اختيار الموظفين الأكفاء الأمناء، والثاني مراقبتهم.

173- أما اختيار الموظفين الاكفاء، فهذا شيء ضروري، لأن الخليفة لا يمكنه أن يباشر أمور الناس بنفسه لأن ذلك فوق طاقته بل ويستحيل عليه حتى لو أراده. وإنما يباشر أمور الناس بواسطة نوابه أي الموظفين الذين يختارهم، فعليه أن يتخير الكفء الأمين. ومرد الكفاءة إلى القدرة على ما يتولاه، ومرد الأمانة عدم التفريط بشؤون ما ولي عليه من أمور، وقد أشار القرآن الكريم إلى قانون تولي الأمور الواجب مراعاته من كل حاكم وولي أمر، قال تعالى: ﴿إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾. فإذا وفق الخليفة إلى حسن اختيار الموظفين الأكفاء الأمناء حكموا بالعدل وحفظوا حقوق الناس ومنعوا عنهم الظلم، وشعر الناس بالأمن والأمان والاطمئنان، وانكمش أولو الأطماع وأهل البغي، ولم يستطع قوي أن يعتدي على ضعيف لأن الدولة أقوى منه، ولم يخش الضعيف المحق من عدوان القوي لأن الدولة مع المحق وإن كان ضعيفاً. وهذا كله يؤدي إلى كسب قلوب الناس وربطهم لأنها في نظرهم كالبيت لهم وكالحارس لحقوقهم. أما إذا عين الخليفة الموظفين العاجزين والفاسدين والخائنين، فإنَّ الناس سيكتوون بنار فسادهم وخيانتهم، ويقعون تحت ظلمهم وبغيهم، مما يضعف صلتهم بالدولة والولاء لها، ويزهدهم في الدفاع عنها، "ووبال ذلك كله عائد على الدولة بخراب العمران" كما قال ابن خلدون. ولا يشفع للخليفة عند الناس كرهه لتصرفات ولاته الظلمة الفاسدين، لأن الناس يحملونه مسؤولية أعمالهم لأنه هو الذي ولاهم، ولهذا كله يجب الاهتمام الكامل باختيار الموظفين الأكفاء الأمناء وبدون ذلك يقع المحذور الذي أشرنا إليه، ولا يدفعه كون الخليفة نفسه صالحاً، وقد أشار الفقهاء الى واجب الخليفة في اختيار الموظفين الأكفاء، فقال الفقيه الماوردي عند تعداد واجبات الإمام "التاسع استكفاء الأمناء وتقليد النصحاء فيما يفوضه اليهم من الأعمال ويكله إليهم من الأموال لتكون الأعمال بالأكفاء مضبوطة والأموال بالأمناء محفوظة"[57].

174- ولا يكفي أن يعين الخليفة الأكفاء الأمناء، بل عليه أيضاً أن يراقبهم في أعمالهم فقد "يخون الأمين ويغش الصالح" كما يقول الفقهاء. وحتى إذا استبعدنا خيانتهم وغشهم، فلا يمكننا استبعاد خطئهم، وظلم الناس خطأ كظلم الناس عمداً من جهة لحوق الضرر بالمظلوم وكرهه للظلم، فلا بد من المراقبة المستمرة والمحاسبة الدائمة للموظفين حتى لا تقع خيانة ولا غش، ويقل الخطأ ويعرف الناس شدة حرص الخليفة على العدل ومنع الظلم، ويخرج هو من عهدة الخلافة ومسؤولية الحكم. وقد نبه الفقهاء رحمهم الله تعالى إلى هذا المعنى، فقال الفقيه أبو يعلى الحنبلي: على الخليفة "أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال ليهتم بسياسة الأمة وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض تشاغلاً بلذة أوعبادة. فقد يخون الأمين ويغش الناصح. وقد قال الله تعالى: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى﴾ فلم يقتصر سبحانه على التفويض دون المباشرة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"[58].

ب) إشاعة الأمن والاستقرار

175- ومن واجبات الخليفة المهمة، ومن واجبات الحكام المسلمين جميعاً إشاعة الأمن والاستقرار في دار الإسلام حتى يأمن الناس على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم ويتنقلوا في دار الإسلام آمنين مطمئنين. إن هذا المقصود يتحقق بصورة كاملة بتطبيق القانون الإسلامي الجنائي، أي بتطبيق العقوبات الشرعية على العابثين في الأمن، المعتدين على الناس، بشرط أن يكون التطبيق عادلا وعلى الجميع بلا محاباة ولا تردد. فإذا ما طبقت الأحكام الشرعية على المعتدين، أمن الناس وخاف المجرم، وتحقق الاطمئنان. وسنتكلم عن أهمية العقوبات الشرعية وأثرها الفعال في منع الاجرام وفي تحقيق الأمان للناس عند الكلام عن نظام الجرائم والعقوبات وقد أشار الفقهاء إلى هذا المقصد قالوا: وعلى الخليفة "إقامة الحدود لتصان محارم الله تعالى عن الانتهاك وتحفظ حقوق عباده من إتلاف واستهلاك"[59].

جـ) تهيئة ما يحتاجه الناس

176- ومن مظاهر سياسة الدنيا بالدين، قيام الحكم الإسلامي بتهيئة ما يحتاجه الناس من مختلف الصناعات والحرف والعلوم، فهذه من فروض الكفاية التي يجب وجودها في الأمة لسد حاجاتها، وقد أشار الفقهاء إلى ذلك، فقد قال العلامة ابن عابدين في حاشيته "رد المحتار" على "الدر المختار": ومن فروض الكفاية الصنائع المحتاج إليها[60]. ومن الواضح أن الصنائع المحتاج إليها تختلف باختلاف العصور والأزمان، فما كان الناس يحتاجونه في الأمس قد يحتاجون إلى غيره اليوم، فعلى الحكم الإسلامي ملاحظة ذلك وتهيئة وسائله. ويترتب على اعتبار تحصيل الصناعات والحرف المحتاج إليها من فروض الكفايات لحوق الاثم بالأمة وبالحكام إذا قصروا في تحصيلها، وثبوت حق الحكام في اجبار أصحاب الصناعات على القيام بها إذا امتنعوا عنها، وهذا ما صرح به الفقهاء، فقد قال الفقيه المشهور ابن قيم الجوزية في كتابه الطرق الحكمية: إن لولي الأمر اجبار اصحاب الحرف والصناعات على العمل بأجر المثل إذا امتنعوا عن القيام وكان في الناس حاجة إلى صناعاتهم[61].

د) استثمار خيرات البلاد

177- ومن مظاهر سياسة الدنيا بالدين، استثمار خيرات البلاد بما يحقق للرعية الرفاه الاقتصادي والعيش الكريم، وقد أشار الفقهاء إلى هذا الواجب، فقد قال الفقيه المشهور أبو يوسف في كتابه القيم "الخراج" الذي وجهه إلى الخليفة هارون الرشيد: إن على الخليفة أن يأمر بحفر الأنهار واجراء الماء فيها وتحميل بيت المال وحده نفقات ذلك وهذا نص كلامه: "فإذا اجتمعوا – أي أهل الخبرة – على أن في ذلك – أي في حفر الأنهار – صلاحاً وزيادة في الخراج أمرت بحفر تلك الأنهار وجعلت النفقة من بيت المال، ولا تحمل النفقة على أهل البلد. وكل ما فيه مصلحة لأهل الخراج في أرضهم وأنهارهم وطلبوا اصلاح ذلك لهم أجيبوا إليه، إذا لم يكن فيه ضرر على غيرهم"[62] وما ذكره أبو يوسف رحمه الله من ضرورة حفر الأنهار لأرض الخراج[63] هو من قبيل التمثيل لا الحصر، يدل على ذلك عبارته الأخيرة "وكل ما فيه مصلحة لأهل الخراج في أرضهم وأنهارهم وطلبوا إصلاح ذلك لهم أجيبوا اليه" كما يمكن القياس على ما ذكره أبو يوسف جميع الأعمال اللازمة لاستغلال ثروات البلاد وخيراتها على وجه يعود بالنفع العميم على الجميع فهذه يجب القيام بها، مثل تنظيم الري في البلاد وإقامة السدود وتحسين الزراعة واستخراج المعادن وإقامة المصانع وتعبيد الطرق التي تسهل نقل المحاصيل، وإيجاد سبل العمل الشريفة للمواطنين إلى غير ذلك من الأمور التي لا يمكن حصرها وعدها وتختلف باختلاف الزمان والمكان والظروف والأحوال.

[1] الأحكام السلطانية للماوردي ص 3.

[2] السياسة الشرعية لابن تيمية ص 138.

[3] منهاج السنة النبوية لابن تيمية ج 1 ص 137.

[4] السياسة الشرعية لابن تيمية ص 138.

[5] أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 210، وتفسير القرطبي ج 5 ص 259.

[6] الفروق للقرافي ج 1 ص 207 – 208.

[7] الأحكام السلطانية للماوردي ص 3. الأحكام السلطانية لابن يعلى الحنبلي ص 3.

[8] مقدمة ابن خلدون ص 191.

[9] الملل والنحل لابن حزم ج 4 ص 87.

[10] فتاوى ابن تيمية ج 28 ص 65، ومثل هذا ورد في كتابه السياسة الشرعية ص 129.

[11] السياسة الشرعية لابن تيمية ص 139.

[12] المغني لابن قدامة الحنبلي ج 8 ص 17.

[13] الأحكام السلطانية للماوردي ص 29.

[14] تفسير الرازي ج 27 ص 177.

[15] مقدمة ابن خلدون ص 193، وانظر الماوردي ص 4.

[16] الأحكام السلطانية للماوردي ص 4، وأبو يعلى الحنبلي ص 3-4.

[17] تفسير المنار ج 5 ص 181.

[18] من شروط العدالة الإسلام، فيشترط أن يكون الشخص مسلماً.

[19] الماوردي ص 4، وأبو يعلى ص 7.

[20] أبو يعلى ص 9.

[21] أبو يعلى ص 9.

[22] منهاج السنة لابن تيمية ج1 ص 140-143.

[23] الملل والنحل لابن حزم ج 4 ص 169.

[24] تيسير الوصول ج 2 ص 36.

[25] الماوردي ص 4، وأبو يعلى ص 4، ومقدمة ابن خلدون ص 193.

[26] الملل والنحل لابن حزم، والماوردي ص 4، وأبو يعلى ص 4.

[27] مقدمة ابن خلدون ص 195.

[28] مقدمة ابن خلدون ص 198، ويلاحظ هنا أن العصبية التي يتكلم عنها ابن خلدون ليست هي العصبية الجاهلية، وانما يعني بها ارتباط القوم بسبب النسب أو غيره وهذا الارتباط يجعلهم متعاونين أولي قوة لا يستطيع غيرهم منازعتهم في الامر.

[29] الملل والنحل لابن حزم ج 4 ص 102.

[30] المواقف للأيجي وشرحه نقلا عن كتاب النظريات السياسية الإسلامية للاستاذ ضياء الدين الريس ص 270.

[31] أبو يعلى ص 605.

[32] فتاوى ابن تيمية ج 28 ص 129.

[33] السياسة الشرعية لابن تيمية ص 169.

[34] تفسير الطبري ج 4 ص 94.

[35] تفسير الرازي ج 9 ص 66.

[36] امتاع الاسماع للمقريزي ص 219، وتفسير الرازي ج 9 ص 67.

[37] السياسة الشرعية لابن تيمية ص 169.

[38] تفسير القرطبي ج 4 ص 249.

[39] أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 40.

[40] امتاع الاسماع للمقريزي ص 116.

[41] امتاع الاسماع ص 429.

[42] امتاع الاسماع ص 236.

[43] تفسير القرطبي ج 4 ص 249 – 250.

[44] تفسير الطبري ج 5 ص 87، تفسير القرطبي ج 5 ص 261، تفسير الجصاص ج 2 ص 212.

[45] السياسة الشرعية لابن تيمية ص 170.

[46] تفسير القرطبي ج 4 ص 257.

[47] أبو بكر الصديق، تأليف الاستاذ علي الطنطاوي ص 162 – 163.

[48] المرجع السابق.

[49] الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 183.

[50] الماوردي ص 3، وابن خلدون في مقدمته، ذكر هذا التعريف أيضاً.

[51] أبو يعلى الحنبلي ص 11.

[52] الماوردي ص 14.

[53] الماوردي ص 14: وسنزيد هذه النقطة توضيحاً عند الكلام عن نظام الجهاد.

[54] أبو يعلى ص 9.

[55] الماوردي ص 12.

[56] مقدمة ابن خلدون ص 223.

[57] الماوردي ص 14.

[58] أبو يعلى الحنبلي ص 12.

[59] الماوردي ص 14.

[60] ابن عابدين ج 3 ص 32.

[61] الطرق الحكمية لابن القيم ص 222.

[62] الخراج لأبي يوسف ص 110.

[63] أرض الخراج، هي الأراضي التي فتحها المسلمون، مثل أرض العراق وتركوها بيد أهلها على أن يدفعوا عنها ضريبة معينة تسمى "الخراج".

الفصل الرابع - أنطِمَة الإسْلام - المبحث السادس - النظام الاقتِصَادي

تمهيد

379- من الحقائق الثابتة أن الانسان يبذل كثيراً من نشاطه وجهده للحصول على وسائل العيش من طعام ولباس وسكن وغير ذلك من الأمور الضرورية وغير الضرورية. ولا شك أن هذا الجهد المبذول من كل انسان ضروري لتوفير وسائل العيش للآخرين لأن الانسان لا يستطيع بمفرده توفير جميع ما يحتاجه لنفسه. إنَّ نشاط الانسان في هذا المجال وما يترتب عليه هو الذي يسمى بالنشاط الاقتصادي. ولما كان الانسان يعيش في المجتمع فلا يمكنه أن يتمتع بحرية مطلقة فيما يباشره من نشاط ومنه النشاط الاقتصادي، بل لا بد من تنظيمه على نحو يرتضيه المجتمع ويحقق الخير له وللفرد. والقواعد والأحكام التي تنظم النشاط الاقتصادي للأفراد في مجتمع ماهي إلاّ التي تكوّن النظام الاقتصادي فيه. وهذا النظام – على أي نحو كان – لا بد له من أساس يقوم عليه وأفكار معينة تشيع فيه تكوّن معالمه وخصائصه وتنسجم أحكامه وقواعده مع هذه المعالم والخصائص ومع ذلك الأساس الذي يقوم عليه.

380- ولما كان الشمول من خصائص الإسلام، فمن البديهي أن نجد في الإسلام تنظيماً للنشاط الاقتصادي للانسان بما وضعه له من قواعد وأحكام في ضوء أفكاره. وهذه القواعد والأحكام وما قامت عليه من أساس تكوّن النظام الاقتصادي الإسلامي.

381- ويقوم نظام الإسلام في الاقتصاد على أساس العقيدة الإسلامية ويتفرع منها. فهذه العقيدة إذن هي أساسه الفكري، وهويراعي الفطرة الانسانية ومعاني الاخلاق الفاضلة ويؤكد على ضرورة سد حاجات الأفراد اللازمة للعيش، وهذه هي خصائصه. وبناء على أساسه وخصائصه تنبثق جملة مبادئ عامة وتنظيمات جزئية، كما أنه يحدد موارد بيت المال ومصارفه لتستطيع الدولة توفير حاجات الأفراد ومصلحة المجتمع. وعلى هذا سنتكلم عن أساسه الفكري وخصائصه في مطلب أول، ثم عن مبادئه العامة في مطلب ثان، ثم عن بيت المال في مطلب ثالث.

المطلب الأول - الفرع الأول - الأساس الفكري للنظام الاقتصادي الإسلامي

382- العقيدة الاسلامية هي الأساس الفكري للنظام الاقتصادي الاسلامي، وهذه العقيدة، كما أشرنا من قبل، تبين علاقة الانسان بالكون وبخالق الكون وبالغاية التي من أجلها خلق الانسان، وتفصل وسائل تحقيق هذه الغاية. فالانسان – في ضوء هذه العقيدة الحقة – من مخلوقات الله، بل ومن أفضل هذه المخلوقات وأن الله سبحانه وتعالى خلقه لعبادته بمعناها الواسع. وأنه لا يبلغ هذه الغاية إلا بالخضوع الاختياري المطلق لله رب العالمين. ومظهر هذا الخضوع صياغة نفسه وسلوكه ونشاطه، ومنه النشاط الاقتصادي، على النحو الذي فصَّله وشرعه الله تعالى. وعلى هذا فإنَّ النظام الاقتصادي في الاسلام، يعمل مع غيره من أنظمه الاسلام، لتسهيل وتيسير السبل للإنسان لبلوغ الغاية التي خلق من أجلها وهي عبادة الله وحده. فإذا تيسرت هذه العبادة للإنسان زكت نفسه بالقدر المطلوب وصار أهلاً للظفر بالحياة الطيبة في الآخرة فضلاً عن ظفره بالسعادة في الدنيا.

إنَّ فقه هذا الاساس الفكري للنظام الاقتصادي في الاسلام من قبل المسلم ضروري جداً له لأنه بهذا الفقه واستحضاره في ذهنه سيعرف مركزه الحقيقي في الدنيا وعلاقته بها وغايته في الحياة، وبالتالي يتقبل بنفس رضية جميع الضوابط والتنظيمات التي جاء بها الشرع الاسلامي في مجال النشاط الاقتصادي، وسيندفع لتنفيذ هذه الضوابط والتنظيمات والتقيد بها، وبهذا تظهر ثمار النظام الاقتصادي في واقع الحياة ويسهم هذا النظام في تحقيق ما خلق الانسان من أجله.

383- ومن معاني العقيدة الاسلامية ولوازمها التي لها علاقة في موضوع النظام الاقتصادي ما يأتي:

384- أولاً: الملك لله وحده: أن الكون بكل ما فيه وبدون أي استثناء مملوك لله تعالى وحده على وجه الحقيقة والخلوص، فلا شريك لأحد معه في ذرة منه، لأن الله تعالى هو خالقه، قال ربنا في القرآن الكريم: { ولله ملك السموات والأرض وما بينهما}، {لله ملك السموات والأرض وما فيهن}، {ولم يكن له شريك في الملك}، {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك...}. ومن لوازم الملك التام التصرف التام في المملوك، ولهذا فإنَّ لله وحده حق التصرف المطلق في جميع مخلوقاته.

385- ثانياً: المال مال الله: والمال – وهوما يتموله الناس ويستفيدون منه ويمكن إحرازه – هو من جملة ما في الكون، فهو إذن لله وحده وان الله تعالى هو مالكه الحقيقي، قال تعالى: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم}.

386- ثالثاً: تسخير الله تعالى مخلوقاته لنفع الإنسان: الله تعالى بمحض فضله سخر للانسان ما خلقه في السموات والأرض لينتفع به، وهيأ له سبل هذا الانتفاع بما أودعه في الانسان من عقل وجوارح يستطيع بها الاهتداء إلى سبل الانتفاع بما خلقه الله تعالى. قال ربنا تبارك وتعالى: {وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه}، {ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة} وقال تعالى ممتناً على الإنسان بما أودعه فيه مما يستطيع به الاهتداء إلى سبل الانتفاع بما خلقه الله له {قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون}.

387- رابعاً: الملك المجازي للانسان: ومع أن الملك الحقيقي هو لله رب العالمين، فقد اذن الله تعالى – بمحض فضله – للانسان أن يختص بالانتفاع بالمال والتصرف فيه واضافته وتسميته مالكاً له. قال ربنا تبارك وتعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون}، {واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة}، {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار}. فهذه الآيات الكريمة تضيف المال للانسان اضافة ملك واختصاص. وفي الحديث الشريف "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه" فهذا الحديث الشريف يضيف المال للانسان على وجه الملك له ومع هذا فإن الملك الحقيقي يبقى لله رب العالمين لأنه يستحيل أن يشاركه أحد في ملك شيء من الكون فضلا عن أن يستأثر لوحده بملك شيء. ومعنى ذلك أن اضافة الملك للإنسان، هي من قبيل المجاز لا الحقيقة وان الإنسان فيما يملكه كالوكيل فيه عن مالكه الحقيقي. ويترتب على ذلك أن على الإنسان أن يخضع فيما يملكه إلى جميع القيود والتنظيمات التي شرعها المالك الحقيقي وهو الله تعالى، وانه لا يجوز للانسان أبداً أن يخرج عن هذه القيود، فإن خرج عنها كان عاصياً لأمر الله واستحق العقاب المقرر في الشرع، وقد ينزع منه الملك نهائياً أو مؤقتاً، كلياً أو جزئياً. وقد أدرك فقهاؤنا رحمهم الله تعالى هذه المعاني وأشاروا اليها، فقد قال الامام القرطبي في تفسيره، وهو يفسر قوله تعالى: {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} قال رحمه الله. وفي هذا دليل على أن أصل الملك لله سبحانه، وأن العبد ليس له فيه إلا التصرف الذي يرضي الله... ثم قال رحمه الله تعالى: وهذا دليل على أن الأموال ليست أموالكم في الحقيقة، وما أنتم فيها إلا بمنزلة النواب والوكلاء فاغتنموا الفرصة فيها قبل أن تزال عنكم الى من بعدكم[1]. أن فقه هذه الحقيقة تجعل المسلم مندفعاً الى تنفيذ شرع الله في المال الذي آل ليه، فلا يبخل به حيث يجب عليه بذله، لأنه وكيل عليه وليس بمالك حقيقي له، والشأن في الوكيل تنفيذ ما يريده الموكل فيما وكله فيه..

388- خامساً: استعمال المال في مرضاة الله: وكل ما يؤتاه المسلم من مال يجب أن يستعمله في مرضاة الله، لتحقيق الغاية التي خلق من أجلها وهي عبادة الله تعالى ليظفر بالحياة الطيبة في الأخرى قال تعالى: {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا}. ولكن هذا لا يعني حرمان نفسه من طيبات الدنيا ولا ارهاق جسده بحرمانه مما يحتاج إليه. قال ربنا {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق}.

389- سادساً: الدنيا وسيلة لا غاية: والدنيا بكل ما فيها من متاع وأموال ليست هي الغاية للانسان وانما هي وسيلة الى الغاية التي خلق من أجلها وهي اعداد نفسه للدار الآخرة بعبادة ربه، فلا يجوز أن ينسى هذه الغاية إذا ظفر بوسائل الدنيا ومتاعها، ولا يجعل الدنيا أو شيئاً منها هي غايته. ان الحذاء وظيفته أن يضع الانسان قدمه فيه، وإن الدابة وظيفتها أن يركبها الانسان ليبلغ المكان الذي يريده، فلا يجوز في فقه الاسلام ولا في ادراك العقل السليم أن يكون القصد من اقتناء الحذاء غاية في نفسه ولا الحصول على الدابة غاية في نفسها، وهكذا متاع الدنيا يميل اليه المسلم كوسيلة فقط تسهل له بلوغ الغاية التي خلق من أجلها، وانه سيفارق هذه الوسائل قطعاً ولا يبقى له إلا ما استفاده منها في عبادة ربه ومرضاته. ان ادراك هذه المعاني واستحضارها في الذهن من الأمور الضرورية لضبط النشاط الاقتصادي على النحو الذي يريده الإسلام، لأن الضوابط الحقيقية لنشاط الانسان هي التي تضبطه من داخله، تضبط ارادته وقصده ونظرته وميله، فاذا انضبط الداخل سهل ضبط الخارج أي النشاط الخارجي للانسان، وقد أشار القرآن الكريم الى هذه المعاني جميعاً في آيات كثيرة، منها:

{وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون}.

{إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا}.

{المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملا}.

الفرع الثاني - خصائص النظام الاقتصادي الاسلامي

390- قلنا فيما سبق: إن خصائص النظام الاقتصادي في الاسلام مراعاته للفطرة الانسانية ومعاني الاخلاق الفاضلة وتأكيده على سد حاجات الانسان الضرورية للحياة. ونذكر فيما يلي شيئاً عن كل خصيصة بإيجاز.

أولاً: مراعاة الفطرة الانسانية

391- فطر الله الانسان على جملة غرائز وميول ورغبات لا يمكن قلعها واستئصالها أبداً وان كان يمكن تقويمها وتهذيبها إذا ما انحرفت أو تكدرت. وعلى هذا فأي نظام يصادم الفطرة الانسانية ويناقضها لا يمكن أن يأتي بخير ولا تتيسر له فرص البقاء. ونظام الاقتصاد في الاسلام راعى جانب الفطرة الانسانية لأن الاسلام هو دين الفطرة، ومن مظاهر هذه المراعاة إقراره بحق الملكية للإنسان لأنه مفطور على ذلك، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك، قال تعالى: {وتحبون المال حباً جماً} وإقراره نظام الارث لأن الإنسان مفطور على حبه لابنائه، وقلقه عليهم اذا تركهم بدون مال، ومن ثم أقر الإسلام نظام الإرث لأنه ينسجم ويتفق مع هذه الفطرة. وقد أشار القرآن الكريم الى نوازع فطرة الإنسان نحو أبنائه وشفقته عليهم واهتمامه بهم وخوفه عليهم بعد موته، قال تعالى: {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً} وقال تعالى: {أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت، كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون}. كما أن الإسلام في نظامه الاقتصادي أقر للانسان بالتمتع بثمرات جهوده ونشاطه، لأن هذا مما يتفق وما فطر عليه كل إنسان، بل أن في أصل غريزة الإنسان رفضه أن يشاركه الغير في ثمرات جهوده، وانما قد يرضى بهذه المشاركة لمعنى آخر كالحصول على ثواب الله تعالى، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الغريزة الإنسانية، قال تعالى: {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون} قال القرطبي في تفسير هذه الآية: أي جعل الله منكم غنياً وفقيراً فما الذين فضلوا بالرزق برادي مما رزقوا شيئاً على رقيقهم حتى يستوي المملوك والمالك في المال[2]. وفي آية أخرى قال تعالى: {ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت ايمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء...} ويقول القرطبي في تفسير هذه الآية: من أنفسكم: "من" هنا للابتداء كأنه قال: أخذ مثلا وانتزعه من أقرب شيء منكم وهي أنفسكم. الى أن قال الإمام القرطبي، والمعنى: هل يرضى أحدكم أن يكون مملوكه في ماله ونفسه مثله، فإذا لم ترضوا بهذا لأنفسكم فكيف جعلتم لله شركاء[3].

وعلى أساس مراعاة الفطرة الانسانية قامت جملة مبادئ عامة في النظام الاقتصادي الاسلامي سنذكرها فيما بعد. ولكن مراعاة الفطرة الانسانية لا يعني السير وراءها كيفما سارت والى أية جهة اتجهت، لأن مراعاتها لا تقتضي ولا تستلزم هذه التبعية العمياء، وانما تعني مراعاة أصلها مع تهذيب لها ورقابة عليها إذا ما انحرفت أو تكدرت.

ثانياً: مراعاة معاني الاخلاق

392- ويراعي النظام الاقتصادي معاني الأخلاق الفاضلة فلا يجوز لإنسان أن يهدر هذه المعاني أو يتخطى حدودها في أي جانب من جوانب نشاطه الاقتصادي لأن المجتمع الاسلامي يقوم على معاني الأخلاق كالمحبة والتعاون النظيف قال تعالى: {وتعاونوا علىالبر والتقوى ولا تعاونوا علىالإثم والعدوان} فلا حسد ولا خصام ولا حقد ولا بغضاء ولا كذب ولا غش ولا خداع ولا غدر، واذا ما صار في يد الإنسان مال لم يجز أن ينفقه في الفحش والرذيلة ومتع الجسد المحرمة، بل عليه أن ينفقه في السبل الحلال وتنفيس الكرب عن المكروب والمحتاجين. وإذا أراد أن ينمي الإنسان أمواله فلا يجوز له أن ينميها بما يفسد الأخلاق ويقطع روابط المودة بين أبناء المجتمع كفتح حانات الخمور والفحش والاقراض بالربا. وهذه المراعاة لمعاني الأخلاق منها ما هو متروك لايمان الإنسان ووجدانه كالالتزام بالصدق والوفاء، ومنها ما تتدخل الدولة في الزام الأفراد به واجبارهم عليه مثل منعهم من الربا وفتح محلات الفحش والخمور.

ثالثاً: التأكيد على سد حاجات الأفراد

393- للإنسان حاجات مادية ضرورية لا يمكنه العيش بدونها كحاجته الى الطعام والشراب والسكن واللباس وما يلحق بهذه الأشياء وينزل منزلتها. ولا بد من توفير هذه الأشياء لكل انسان الى الحد الأدنى للعيش الكريم. وقد أكد النظام الاقتصادي الاسلامي على هذه الناحية أي لزوم سد هذه الحاجات الضرورية لكل انسان في المجتمع الإسلامي. وقد قرر لتحقيق هذا المطلب وسائل متعددة ومتدرجة إن لم تف الواحدة منها وجب الأخذ بالتي تليها حتى يتحقق المقصود ويجد كل فرد كفايته في المجتمع الإسلامي. وهذه الوسائل هي:

394- أولاًَ: الأصل أن كل انسان مكلف بسد حاجاته بنفسه أي بما يبذله من جهد ونشاط، ولهذا حث الإسلام على العمل والاكتساب، ومدح العاملين الكاسبين، قال تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله}. وفي الحديث الشريف "أن أفضل الكسب كسب الرجل من يده".

395- ثانيا: على الدولة أن تهيئ سبل العمل للقادرين عليه حتى ولو اقتضى الأمر اقراضهم من بيت المال ما يستطيعون به العمل والاكتساب، وقد أشار الفقيه الكبير أبو يوسف رحمه الله الى جواز اقراض المحتاج من بيت المال فقد قال الفقيه ابن عابدين رحمه الله: وعن أبي يوسف: يدفع للعاجز – أي العاجز عن زراعة أرضه الخراجية لفقره – كفايته من بيت المال قرضاً ليعمل ويستغل أرضه[4].

ويقاس على ما ذكره أبو يوسف اقراض المحتاجين – من غير أصحاب الأراضي الخراجية – من بيت المال ليستعينوا بذلك على الكسب الحلال.

396- ثالثاً: إذا عجز الفرد عن سد حاجاته بنفسه لعجزه أو شيخوخته أو مرضه أو عدم تيسر العمل له مع قدرته عليه، وجب على أفراد أسرته القيام بالانفاق عليه حسب القواعد المقررة في الفقه الاسلامي في باب النفقات الشرعية لأفراد الأسرة.

397- رابعاً: إذا لم يجد العاجز الفقير من ينفق عليه من أفراد أسرته لعدم وجودهم أو لفقرهم وجب اعطاؤه ما يكفيه من الزكاة وهي حق الفقراء في أموال الأغنياء، وحصيلة الزكاة من أوسع أبواب الضمان الاجتماعي العام للفقراء والمحتاجين.

398- خامساً: إذا لم تكف الزكاة وجب سد حاجات المحتاجين من موارد بيت المال الأخرى التي سنذكرها فيما بعد.

399- سادساً: إذا لم يوجد في بيت المال ما يسد حاجات المحتاجين وجب على الأغنياء سد حاجات الفقراء، وفي هذا يقول الفقيه المعروف ابن حزم "وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم ويجبرهم السلطان على ذلك ان لم تقم الزكاة بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك وبمسكن يكنهم من المطر والصيف والشمس وعيون المارة"[5]. ويؤيد ما ذهب اليه ابن حزم ان الزكاة ليست هي الحق الوحيد في أموال الأغنياء للفقراء، فقد روي عن السيدة عائشة ام المؤمنين وابن عمر رضي الله عنهم وغيرهما من الصحابة الكرام أنهم قالوا: "إن في المال حقاً سوى الزكاة"[6]، وقد ذكر القرطبي والرازي في قوله تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين...} قالا: إن الإيتاء هنا غير الزكاة وإنه من الواجبات لا التطوعات، وضرب الرازي لهذه الواجبات بعض الأمثلة منها اطعام المضطر. ثم قال القرطبي "واتفق العلماء على أنه اذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال اليها. قال مالك رحمه الله: يجب على الناس فداء أسراهم وان استغرق ذلك أموالهم وهذا اجماع أيضاً"[7].

400- وعلى هذا نرى جواز قيام ولي الأمر المسلم بتنظيم جباية المال اللازم من الاغنياء بفرض الضرائب العادلة في أموالهم بقدر ما يسد حاجات المحتاجين ويمكن الدولة الاسلامية من القيام بالوجائب المفروضة على المسلمين والتي تقوم بها الدولة نيابة عنهم مثل تحصين الثغور واعداد السلاح للدفاع عن دار الاسلام وهذا كله اذا لم يوجد في بيت المال ما يكفي للقيام بما ذكرنا من سد حاجات الفقراء وحاجات الدولة الضرورية. يؤيد ما نقول الحديث الشريف "كلكم راع ومسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عنهم... الخ" ويقول الامام النووي في شرح هذا الحديث: "قال العلماء: الراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه وما هو تحت نظره. ففيه أن كل من كان تحت نظره شيء فهو مطالب بالعدل فيه والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلقاته"[8]. والواقع أن المأمول من أغنياء المسلمين المسارعة الى الإنفاق على الفقراء والمحتاجين ومساعدة الدولة بأموالهم لتقوم بما هو ضروري لبقائها إذا لم يوجد في بيت المال ما يكفي لذلك، لأن الإسلام مدح المنفقين أموالهم في سبيل الله في آيات كثيرة في القرآن الكريم وذم البخل والبخلاء وحذر من الشح وكل هذا يدفع المسلم الى الانفاق والسخاء، وكذلك فعلت السنة النبوية في الحث على الانفاق في سبيل الله وتعددت الوصايا والأوامر في ذلك، ويكفينا هنا أن نذكر الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له. قال: فذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أن لا حق لأحد منا في فضل"[9]. فاذا لم يندفع الأغنياء من تلقاء أنفسهم بالانفاق المطلوب منهم جاز لولي الأمر أن يحملهم عليه بتنظيم الضرائب العادلة في أموالهم بقدر ما يكفي لسد حاجات الدولة والمحتاجين على النحو الذي ذكرناه.

المطلب الثاني - المبادئ العامة في النظام الاقتصادي الاسلامي

401- في النظام الاقتصادي الاسلامي جملة مبادئ عامة تقوم على أساس العقيدة الاسلامية والفطرة الانسانية والمصلحة العامة. وعن هذه المبادئ تتفرع جزئيات كثيرة تنظيمات مختلفة. ونذكر من هذه المبادئ العامة حرية العمل، وحق الملكية، وحق الارث.

الفرع الأول - حرية العمل

402- يحث الإسلام على العمل ويكره العجز والكسل. وأشرف الأعمال وأعظمها قدراً ما يقرب من الله تعالى كالعبادات الخالصة كالصلاة، والأعمال المباحة إذا اقترنت بها النية الصالحة كالزراعة والصناعة ونحو ذلك. وفي باب الكسب والنشاط الاقتصادي يحث الإسلام على العمل ويبارك العامل ويثني على جهده وكسبه الحلال، قال تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله}.

وقال تعالى: {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور}. وفي الحديث الشريف "ما أكل أحد طعاماً قط خير من أن يأكل من عمل يده". وفي حديث آخر "من بات كالا في طلب الحلال بات مغفوراً له". والحث على العمل وبذل النشاط الاقتصادي جاء عاماً مطلقاً غير مقصور على نوع معين وغير مقيد بشيء سوى الحل الشرعي. وعلى هذا فإنه يشمل جميع أنواع النشاط الاقتصادي ومختلف أنواع المعاملات والمكاسب مثل التجارة والزراعة والصناعة والشركة والمضاربة والاجارة وسائر ما يباشره الانسان من أوجه العمل والنشاط الاقتصادي لغرض الكسب الحلال. ولا تنقص فيمة الانسان في نظر الإسلام بمباشرة أي عمل حلال وان عدّه الناس عملا بسيطاً أو حقيراً، لأن قيمة الانسان في نظر الإسلام في دينه وتقواه لا في ماله وغناه ولا في عمله ومهنته، ولهذا وجدنا أكابر الأمة من علمائها وفقهائها يمتهنون مختلف المهن الحرة المباحة كما وجدنا بعض الصحابة الكرام يؤجرون أنفسهم لغيرهم للقيام ببعض الأعمال المباحة الحلال لقاء أجر معلوم.

403- ومن وسائل الحث على العمل والكسب غير المباشرة أن الإسلام حث على اعانة الفقير وجعل المعين خيراً من المعان من جهة نوال الأجر والثواب، ففي الحديث "اليد العليا خير من اليد السفلى" كما أن في الزكاة والحج وصنوف البر المختلفة والانفاق في سبيل الله ثواباً عظيماً، ولا يتأتى هذا الثواب إلا بالقيام بأسبابه من حج وزكاة وغيرها، وهذه لا تتأتى إلا بوجود المال عند المسلم، والأصل في تحصيل المال العمل وبذل الجهد، ومن هنا صار العمل وسيلة للحصول على ثواب الله تعالى لأنه وسيلة لتحصيل المال، وبذل المال وسيلة لمرضاة الله ونوال ثوابه، ولهذا جاء في الحديث الشريف "نعم المال الصالح للرجل الصالح" لأن العبد الصالح ينفق المال الحلال الذي صار في يده في السبل المرضية عند الله فينال ثوابه ورضوانه.

404- واختيار العمل المناسب للفرد متروك له ولتقديره، بمعنى أن الإسلام يمنح الفرد حرية العمل أي الحرية الاقتصادية، فله أن يباشر ما يشاء من أوجه النشاط الاقتصادي دون اكراه أو اجبار أو منع، وليس في نصوص الشريعة ما يدل على خلاف هذا الأصل: الحرية الاقتصادية، أو حرية العمل للافراد. والحقيقة أن تقرير هذا المبدأ يقوم على أساس من فطرة الانسان، وحفظ كرامته وآدميته، ومسؤوليته الفردية بما يصدر عنه، وملاحظة مصلحة الجماعة، وبيان ذلك أن فطرة كل انسان نزوع الى الحرية في رواحه ومجيئه وفي ما يأخذ ويترك، فلا يصح اهدار هذا الميل الفطري السليم الذي يحس به حتى الحيوان الأعجم. نعم قد تنحرف الفطرة فيختار الفرد ما يضر ولا ينفع وما يحرم ولا يحل فتحتاج في هذه الحالة الى التقويم والتقييد لتعود حريتها في دائرة الحلال الواسعة الفسيحة. وأيضاً فان في إقرار حرية العمل للانسان حفظاً أكيداً لكرامته آدميته لأن الانسان حر مختار يمتاز عن الحيوان في اختياره فلا يجوز أن يسوى بالحيوان الذي يسيره قائده كيفما يشاء. فلا يجوز اذن تقييد حريته في مجال العمل والنشاط الاقتصادي وغل يده عما يهوى ويريد بلا ضرورة تقضي بذلك، لأن في هذا التقييد اهداراً لآدميته، وهذا المعنى ملحوظ لدى فقهائنا العظام، حتى ان الامام أبا حنيفة رحمه الله تعالى لم يجز الحجر على السفيه بحجة أن في هذا الحجر اهداراً لآدميته وهو أشد ضرراً على السفيه من ضياع ماله. ولا يصح القول هنا بأن من المصلحة للفرد وللمجموع تقييد حرية الفرد واعطاء الدولة الحق في تعيين الأعمال لجميع الأفراد، لا يقال هذا القول لأن الانسان لا يحتاج فقط الى خبز يأكله ويملأ به معدته وإنما يحتاج أيضاً الى نسيم الحرية يملأ به روحه ووجدانه وكيانه الانساني، ومن ثم لا بد من تقرير مبدأ حرية العمل للانسان وجعله هو الأصل والأساس والتقييّد هو الاستثناء الذي لا يجوز إلا عند الضرورة.

وفي حرية العمل أيضاً انماء لمواهب الانسان وكفاءته وقدرته لأن كل انسان يختار من الأعمال ما يرغب فيه ويناسب ميوله وقدرته، فيندفع نحوه بشوق ورغبة، فيكثر انتاجه ويبارك في عمله وفي هذا خير عميم للمجتمع الذي يعيش فيه. وهذا بخلاف سلب الفرد حريته في العمل وتسليط الدولة عليه لتختار هي العمل له، فان هذا الاتجاه لا يوفر للافراد ما يناسبهم من أعمال فتموت مواهبهم ويقل نشاطهم ويقبلون على العمل متضجرين كارهين فتقل ثمرات أعمالهم ويقل الابداع فيها، ويعود ضرر ذلك عليهم وعلى المجتمع. وأخيراً فان الانسان في الإسلام مسؤول مسؤولية كاملة عن أعماله وعن اختياره وتركه، فمن العدل اعطاؤه الحرية الكافية لاختيار العمل الذي يريده.

ومع هذا الذي قلناه، يمكن عند الضرورة، وحيث يكون استعمال الناس لحريتهم الاقتصادية مضراً للمجموع، أو يكون وراء هذه الحرية سوء قصد وارادة الشر بالجماعة، ففي هذه الحالات وأمثالها يكون لولي الأمر الحق في التدخل في حرية الأفراد والزامهم بما يدفع الضرر عن الناس، وعلى هذا الاساس قال بعض الفقهاء بجواز تسعير المواد الضرورية إذا امتنع التجار عن بيعها بقيمتها المعتادة، وحمل أرباب الصناعات والحرف على العمل بأجر المثل إذا امتنعوا عن العمل وكان في الناس حاجة لصناعاتهم وأعمالهم"[10].

405- ومن النتائج الحتمية لتقرير مبدأ حرية العمل للأفراد، اقرار المنافسة الحرة بين الأفراد في مجال النشاط الاقتصادي في اطار من الأخلاق الاسلامية الفاضلة، فلكل فرد أن يضاعف نشاطه أو جهده ليبز غيره في مجال عمله، بشرط مراعاة معاني الاخلاق، فلا يجوز الغش والخداع والخصام وتنزيل الأسعار الى حد الخسارة بحجة المنافسة الحرة بينما القصد منها الاضرار بالآخرين واحتكار البيع في السوق من قبل فرد أو زمرة قليلة تتواطأ على هذا التنزيل والاضرار بالناس.

406- ومن النتائج أيضاً لتقرير مبدأ حرية العمل التفاوت في الأرباح وثمرات الأعمال نظراً لاختلاف المواهب والكفاءات ومقدار الجهد المبذول. والإسلام يقر هذا التفاوت الطبيعي ما دام ناتجاً عن أسباب مباحة مشروعة لأنه نتيجة لازمة لاختلاف الناس في مقدار ذكائهم ومعرفتهم ومواهبهم، قال تعالى: {نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ورحمة ربك خير مما يجمعون} فالله تعالى فاضل بين عباده في الرزق وفي الغنى والفقر ليسخر ويستعمل بعضهم بعضاً في أسباب المعايش المختلفة فتسد حاجاتهم جميعاً[11]، وهذا التفاوت الذي قدره الله تعالى إنما قدره بأسبابه وهي كثيرة جداً لا يمكن أن يحيط بها الإنسان، ومنها تفاوتهم في المواهب والكفاءات، ولا يمكن ازالة هذا التفاوت مطلقاً ما دام التفاوت في مواهب البشر قائماً لا يمكن إزالته، وإنما الممكن والمطلوب اعانة الضعيف من قبل الغني، وهذا ما أكده الإسلام ودعا إليه ووضع من الوسائل ما يحققه فعلا.

الفرع الثاني - حق الملكية الفردية

407- من البديهيات التي يعرفها صغار المطلعين على الشريعة الإسلامية، ان الإسلام أقر للأفراد بحق الملكية الفردية، وبهذا الاقرار أمكن للفرد أن يكون مالكاً. قال تعالى: {أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون} فأثبت الله تعالى للناس الملك لما خلقه الله سبحانه وتعالى وقال تعالى: {وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظلِمون ولا تُظلَمون} فأثبتت هذه الآية الملك للناس وأضافت المال اليهم اضافة ملك واختصاص. وقال تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده} وقال تعالى: {وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى} وقال تعالى: {ما أغنى عنه ماله وما كسب} فهذه الآيات الكريمة وأمثالها تضيف الملك للإنسان مما يدل دلالة قاطعة وواضحة على أن الإسلام يقر مبدأ الملكية الفردية، وفي السنة النبوية الشيء الكثير من الأحاديث الشريفة التي تقرر هذا المبدأ، منها "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه". وقد شرعت نظم في الإسلام تقوم أساساً على الاقرار بمبدأ حق الملكية الفردية، منها، الميراث، والزكاة، والمهور في النكاح، والنفقات وغير ذلك إذ بدون الاعتراف بحق الملكية لا يبقى معنى للميراث ولا يمكن تحقيق فرض الزكاة.. الخ.

408- والدلائل الشرعية الدالة على إقرار مبدأ حق الملكية الفردية لا تفرق بين مال ومال، فسواء كان المال المملوك منقولاً أو عقاراً، مأكولاً أوغير مأكول حيواناً أو نباتاً، وسائل انتاج أو وسائل استهلاك، فكل هذا الاختلاف في المال موضوع الملكية لا يهم، لأن المال المضاف الى الفرد إضافة ملك واختصاص الذي جاءت به النصوص الشرعية وذكرنا بعضها، لم تقيد المال بصفة معينة بل جاءت مطلقة من كل قيد، عدا ما عرف من نصوص أخرى من حرمة تملك بعض الأشياء كالخمر والخنزير، أو ما كان سبب ملكه حراماً وإن كان هو بنفسه يصلح أن يكون مملوكاً كالمغصوب والمسروق ونحو ذلك.

409- وقد رتب الإسلام على مبدأ حق الملكية الفردية التزاماً عاماً على الكافة باحترامه وعدم المساس به إلا بوجه حق، قال تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} وقال تعالى: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوباً كبيراً} وفي الحديث الشريف "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه". كما قرر الإسلام عقاباً لمن ينقض هذا الالتزام ويتجاوز على حق الملك للغير، فهناك عقوبة السرقة وقطع الطريق وخيانة الامانة والنهب ونحو ذلك سواء أكانت هذه العقوبات عقوبات حدود أم تعزيز.

410- ولكن اقرار الإسلام بحق الملكية الفردية لا يعني أنه حق مطلق من كل قيد وان موقف الإسلام منه هو موقف الحارس له فقط، فالحقيقة أن الإسلام مع اقراره بحق الملكية وحمايته له فإنه ينظمه ويقيده بجملة قيود منذ نشأته الى اندثاره، وبهذا يجمع الإسلام بين موقفين بالنسبة لحق الملكية الفردية: الأول: الاعتراف به الحماية له. والثاني: التقيد والتنظيم لهذا الحق، وهذا التقييد يظهر فيما يأتي.

411- أولاً: من حيث نشأة حق الملكية الفردية، يشترط الإسلام أن ينشأ عن سبب شرعي، فان نشأ عن سبب غير شرعي فإن الإسلام لا يعترف به ولا يحميه بل يأمر بنزعه عن يد حائزه ورده الى مالكه الأصلي، فإن لم يوجد، وضع في بيت المال. والأسباب الشرعية للملكية: (أ) الاستيلاء على المال المباح، ويندرج تحت هذا النوع الصيد، واحياء الأرض الموات، والاستيلاء على الكلأ والاجام، واستخراج المعادن والكنوز. وكل ذلك بشروط معينة[12]. (ب) العقود والتصرفات مثل البيع والهبة والوصية والاجارة والشركة والمضاربة، والمزارعة والمغارسة ونحو ذلك، بشرط أن تكون هذه العقود والتصرفات بالكيفية التي شرعها الإسلام. (جـ) الميراث، حيث يخلف الوارث المورث في ملكية تركته بأسباب وشروط معينة معروفة في باب الميراث في كتب الفقه الإسلامي.

هذه هي الأسباب الشرعية المنشئة لحق الملكية، فان نشأ هذ الحق بها اعتراف الإسلام به ولا يهم بعد ذلك كميتها ولا نوعيتها لأن المنظور اليه في الشرع في باب الملكية الفردية: الشرعية لا الكمية ولا النوعية، أي المنظور إليه السبب المنشئ للملكية فان كان مشروعاً كان الملك مشروعاً محمياً من قبل الإسلام، وإن لم يكن السبب مشروعاً لم يكن الملك مشروعاً ولا محمياً من قبل الإسلام. ولهذا فإن الإسلام يحمي الملك الكثير إذا كان سببه مشروعاً، ويرفض الاعتراف والحماية للملك القليل إذا كان سببه غير مشروع، انه يعترف بملك الأرض الواسعة ما دام ملكها نشأ عن سبب مشروع ويرفض الاعتراف بملكية شبر واحد مغصوب لأن الغصب ليس سبباً شرعياً للملكية.

412- ثانياً: أما قيود الملكية في بقائها ونمائها فتظهر فيما شرعه الإسلام من حقوق في مال الانسان ووجوب أداء هذه الحقوق مثل حق الزكاة والنفقات الشرعية كما تظهر هذه القيود في نماء الملك، فقد حدد الإسلام سبل تثمير المال وتنميته، ومنها التجارات والمزارعات والشركات ونحو ذلك، فلا يعترف الإسلام بالنماء الناتج عن سبب باطل حرام كالربا مثلاً أو بيع الخمور، أوفتح نوادي القمار. إن هذا النماء الناتج عن هذه الأسباب المحرمة في نظر الإسلام، كالورم الذي يصيب بدن المريض، يحسبه الجاهل سمنة وعافية وهو في نظر الحكيم العارف بلاء ومرض يجب التخلص منه.

413- ثالثاً: أما قيود استهلاك المال موضوع الملكية، فتظهر فيما قرره الإسلام من ضرورة الاعتدال في الانفاق قال تعالى: {كلوا واشربوا ولا تسرفوا} وقال تعالى: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا لم يقتروا وكان بين ذلك قواماً} وهذا الاعتدال المطلوب في الانفاق إنما هو في الانفاق على المباحات أو على حاجات الإنسان الضرورية كالأكل والشرب، أما الانفاق على المحرمات فممنوع قليله وكثيره، فلا يجوز الانفاق على الملذات المحرمة كالفحش والخمور والرقص وليس الذهب من قبل الرجال ونحو ذلك مما وقع فيه المترفون الذين لا يخشون الله تعالى، مما أدى الى شيوع الفاحشة في المجتمع وظهور فئات كثيرة منحرفة تقوم بهذه الأفعال المحرمة التي يهواها هؤلاء المترفون.

414- رابعاً: نزع الملكية عند الضرورة وللمصلحة العامة بعد تعويض صاحب الملك التعويض العادل، وقد ضرب الفقهاء بعض الأمثلة على ذلك منها جواز نزع الملك لتوسعة طريق عام، كما يجز بيع الملك جبراً على صاحبه تسديداً لدين حق عليه للآخرين.

الفرع الثالث - حق الارث

415- من المبادئ المقررة في الشرع الاسلامي حق الارث، فاذا مات الشخص وترك مالاً، ورثه اقرباؤه، الأقرب فالأقرب، ونال المتسحقون للميراث سهاماً معينة من تركة الميت إذا ما توفرت شروط الميراث وأسبابه وزالت موانعه حسب القواعد المقررة في الشرع الإسلامي.

وحق الارث يقوم على أساس من الفطرة والعدل واحترام ارادة المالك، ويدفع الى بذل المزيد من الجهد والنشاط ويحقق ضماناً اجتماعياً لأفراد الأسرة الواحدة، ويفتت الثروات ويمنع تكديسها، فهو لهذا كله مبدأ عظيم من مبادئ النظام الاقتصادي الإسلامي.

416- أما قيامه على أساس من الفطرة، فقد بينا فيما سبق أن من الفطرة في الإنسان اهتمامه بذريته وقلقه عليهم إذا أحس بتركهم بلا مال، ورغبته في أن يوفر لهم ما يستعينون به في حياته وبعد موته.

وأما قيامه على أساس من العدل، فان الانسان في حياته يعيل أولاده وبقية من هو مكلف باعالتهم كأمه وأبيه وزوجته. وقد يلزم بهذا الانفاق الزاماً عن طريق القضاء اذا امتنع عنه، والغالب عدم امتناعه، فمن العدل أن تكون أمواله بعد موته لأولئك الذين كان هو السبب في وجودهم، كأولاده، أو كانوا هم السبب في وجوده مثل أبويه، ليستعينوا بهذه الأموال بالانفاق منها على أنفسهم كما كان هو في حياته ينفق منها عليهم.

417- وأما قيام الميراث على أساس احترام إرادة المالك، فان الإنسان يرغب رغبة أكيدة أن تكون أمواله بعد موته لاقربائه لا لغيرهم، فيجب احترام ارادته هذه ودفع أمواله الى ورثته بعد موته، وقد فصل الشرع الإسلامي هذا فبين حصص هؤلاء الأقرباء من الميراث على نحو دقيق عادل. ولا شك أن المسلم يسره ويرضيه أن تصير أمواله الى ورثته من بعده وفقاً لهذا التقسيم الشرعي العادل.

418- وأما أن مبدأ الارث يدفع الى المزيد من بذل النشاط والجهد فأمر واضح لأن الانسان لا يعمل لنفسه فقط وإنما لمن يهمه شأنهم من أفراد أسرته أيضاً فهو يجهد نفسه ليسد حاجاتهم مع حاجات نفسه. وكما انه لا يعمل لتوفير حاجاتهم الحاضرة فكذلك يبذل جهداً آخر لتوفير ما يسد حاجاتهم في المستقبل فان بقي في قيد الحياة تولى الانفاق بنفسه عليهم وان مات تولوا هم بأنفسهم الانفاق من أمواله التي تركها لهم. وعلى هذا فاذا منع التوارث فان الانسان تضعف همته في العمل ويقلل نشاطه الاقتصادي لأنه يعلم بأن ثمرة جهوده لا ترجع إلى أفراد أسرته الذين يهتم بأمرهم. ولا شك أن المجتمع سيخسر كثيراً من فتور الناس عن العمل ومن ضعف دوفعهم على بذل كل ما يستطيعون من جهد ونشاط اقتصادي.

ومبدأ الميراث يحقق ضماناً اجتماعياً داخل الأسرة لما يوفره من أموال تعود الى الاحياء منهم إذا مات أحدهم وترك مالا، فلا يضيع الصغير واليتيم والأرملة، ولا يصيرون عالة على المجتمع، وفي هذا تخفيف عن كاهل الدولة في سد حاجات المحتاجين.

419- والميراث يفتت الثروات ويمنع من تكديسها في أيد قليلة لأن تركة الانسان بعد موته تفسم على عدد غير قليل من أقاربه، ولما كان الانسان غير مخلد في الدنيا، وعمره في الغالب قصير لا يتجاوز بضع عشرات من السنين فان الثروة التي قد يجمعها الانسان في حياته لا بد ان تتفتت بعد زمن قصير. وتفتيت الثروات الكبيرة مما يرغب فيه الإسلام ويسلك لتحقيقه سبلا كثيرة هادئة مريحة لا عنف فيها ولا اهتزاز، ومن هذه السبل تقرير مبدأ الميراث.

420- وأخيراً فان تنظيم الارث في الإسلام جاء على غاية في العدل والدقة مما لا نجد له نظيراً مطلقاً في أي شرع آخر، فقد لوحظ فيه مدى قرب الوارث من الميت، ومدى حاجته، وتكاليفه، واعانته للمورث، وفي ضوء ذلك وغيره جاءت حصص الورثة مختلفة، ومن أمثلة هذا الاختلاف أن نصيب الابن ضعف نصيب البنت قال تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين..} لأن حاجة الابن الى المال أكثر من حاجة البنت لكثرة التكاليف المالية عليه، فالرجل هوالذي يدفع المهر في النكاح دون المرأة، وهو المكلف بالانفاق على زوجته وعلى أولاده. فمن العدل اذن أن يكون نصيبه في الميراث ضعف نصيب اخته.

المطلب الثالث - بيت المال موارده ومصارفه

الفرع الأول - موارد بيت المال

تمهيد

421- من البديهي أن الدولة تحتاج الى نفقات كثيرة لسد حاجاتها المختلفة، وهذه النفقات تغطيها من مواردها المتعددة. وقد كانت الدولة الإسلامية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم قليلة التكاليف فلم يكن هناك موظفون لهم رواتب دائمة منظمة، وإنما كان يعطي من يقوم ببعض الأعمال أجراً على عمله، مثل جباة الزكاة فاذا انتهت الجباية انتهى الأجر. وفي القتال كان يستنفر المسلمين ويأتون بأسلحتهم ودوابهم ويقاتلون فان غنموا شيئاً قسمه عليهم. وحصيلة الزكاة إذا وردت قسمها الرسول صلى الله عليه وسلم على المستحقين، وهلى هذا لم تكن الحاجة قائمة لتنظيم واردات الدولة ومصارفها على النحو الذي حدث فيما بعد. وجاء أبو بكر الصديق رضي الله عنه وسار على النهج الأول فلم يضبط الواردات والا المصروفات لعدم ظهور الحاجة الى ذلك، ولأن أمد خلافته كان قصيراً. فلما جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه، واتسعت رقعة البلاد الإسلامية بما فتحه الله على المسلمين من بلاد الروم والفرس، وزادت واردات الدولة من الغنائم والفيء والجزية، فكر عمر بن الخطاب في طريقة تضبط هذه الأموال الكثيرة وتضبط صرفها، فأنشأ بيت المال لحفظ أموال المسلمين واحصاء دخل الدولة الإسلامية من مواردها المتعددة، واحصاء مصاريفها ومقدار هذه المصاريف مثل رواتب الجند والعمال والولاة ونحو ذلك من وجوه الصرف على المصالح العامة وحاجات الدولة، وما كان يبقى من أموال بعد الصرف يحفظ في بيت المال وينفق في حينه.

فبيت المال إذن يشبه الخزانة العامة في الوقت الحاضر، حيث كل ما يعود للدولة من حقوق مالية يضاف اليها باعتباره حقاً لها، وكل ما تحتاجه الدولة من نفقات وصرف تتحمله هذه الخزانة العامة ويضاف إليها باعتباره حقاً عليها.

422- وموارد الدولة الإسلامية أي موارد بيت المال هي الزكاة والخراج والجزية والعثور والفيء وخمس الغنائم وغير ذلك مما نذكره فيما يلي تباعاً.

أولاً: الزكاة[13]

423- الزكاة مأخوذة من النماء والزيادة، وهي في الشريعة حق يجب في المال، وهي من فروض الإسلام وأركانه قال تعالى: {وآتوا الزكاة} وفي الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً إلى اليمن وقال له "أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم" وأجمع المسلمون على وجوبها، واتفق الصحابة الكرام على قتال مانعيها. وعلى هذا فمن أنكر وجوبها كفر، ومن منعها معتقداً وجوبها وقدر الإمام على أخذها منه أخذها منه جبراً وعزره على امتناعه، وان كان خارجاً عن قبضة الامام قاتله كما فعل أبو بكر رضي الله عنه وقال قوله المشهور "لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه".

424- وهي تجب على كل مسلم ومسلمة، فاذا ملك نصاباً خالياً من دين فعليه زكاته عند تمام الحول سواء أكان كبيراً أو صغيراً عاقلاً أو مجنوناً، ولا زكاة في ما لا يحول عليه الحول، وهذا في الماشية والذهب والفضة وقيم عروض التجارة، أما في الزرع والثمار والمعدن فلا يشترط لها الحول. وتجب الزكاة في الذمة بحلول الحول حتى ولو تلف المال بتفريط من صاحبه أو عدم تفريط، وذهب أبوحنيفة إلى سقوط الزكاة بتلف النصاب على كل حال إلا أن يكون الامام قد طلبها فمنعها. ولا تسقط بالموت، وقال الحنفية بالسقوط إلا إذا أوصى بها فتجب من الثلث. والدولة الإسلامية تجبي زكاة الأموال الظاهرة وهي الماشية والزروع وتقسمها على مستحقيها، أم7ا الأموال الباطنة كالذهب والفضة وعروض التجارة فان أصحابها يخرجون زكاتها إلا إذا دفعوها الى الامام فإنه يقسمها على المستحقين، ويبدو لي جواز قيام الامام بجباية زكاة الأموال الباطنة ابتداء وتقسيمها على مستحقيها.

425- أما النصاب ومقدار الزكاة فيختلف باختلاف الأموال وأصنافها على النحو التالي[14].

426- أولاً: المواشي، وتشمل الابل والبقر والغنم على التفصيل التالي:

أ‌) نصاب الابل وزكاتها.

عدد الابل مقدار زكاتها
5 – 9 شاة جذعة من الضأن أو ثنية من المعز. والجذع من الغنم ما له ستة أشهر. والثني منها ما استكمل سنة.
10 – 14 شاتان.
15 – 19 ثلاث شياه.
20 – 24 أربع شياه.
25 – 35 ابنة مخاض من الابل وهي ما استكملت سنة، فان لم يجد ابنة مخاض فابن لبون ذكر.
36 – 45 ابنة لبون وهي ما استكملت سنتين
46 – 60 حِقّة وهي ما استكملت ثلاث سنين واستحقت الركوب وطرق الفحل.
61 – 75 جذعة وهي ما استكملت اربع سنين
76 – 90 بنتا لبون.
91 – 120 حقتان.
121 – 139 ثلاث بنات لبون.
140 – 149 حقتان وبنت لبون.
150 – 159 ثلاث حقاق.
160 – 169 أربع بنات لبون.
170 – 179 حقة وثلاث بنات لبون.
180 – 189 حقتان وبنتا لبون.
190 – 199 ثلاث حقاق وبنت لبون.
200 أربع حقاق أوخمس بنات لبون.

وعلى هذا القياس فيما زاد، في كل أربعين ابنة لبون وفي كل خمسين حقة. وذهب الحنفية والثوري والنخعي أن الابل اذا زادت على عشرين ومائة استؤنفت الفريضة فيكون في كل خمس من الابل شاة الى خمس وأربعين ومائة فيكون فيها حقتان وبنت مخاض الى خمسين ومائة وفيها ثلاث حقاق ثم تستأنف الفريضة بعد ذلك فيكون في كل خمس شاة.

هذا ويشترط لزكاة الابل مع تحقق النصاب ومرور الحول أن تكون سائمة أي ترعى الكلأ لتقل مؤونتها. وعن مالك رحمه الله: السوم ليس بشرط لزكاتها فتجب الزكاة في المعلوفة والعاملة هذا وليس فيما دون خمس من الابل زكاة.

427- ب) – نصاب البقر والجاموس

عددها زكاتها
30 – 39 تبيع ذكر، وهو ما سنة ودخل في الثانية فان أعطى تبيعة انثى قبلت.
40 – 59 مسنة انثى وهي التي لها سنتان، فان لم تكن في بقرة مسنة قبل منه المسن الذكر.
60 – 69 تبيعان.
70 – 79 مسنة وتبيع.
80 – 89 مسنتان.
90 – 99 ثلاثة اتبعة.
100 – 109 مسنة وتبيعان.
110 – 119 مسنتان وتبيع.
120 ثلاث مسنات أو أربعة أتباع.

ثم على هذا القياس فيما زاد: في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين مسنة. هذا ويشترط في البقر والجاموس مع النصاب ومرور الحول السوم، وعن مالك ليس هذا بشرط فتجب الزكاة في المعلوفة والعاملة كقوله في الابل. ويضم الجاموس الى البقر عند عد النصاب، وليس فيما دون الثلاثين زكاة.


428- ج)- الغنم، ويشمل الضأن والمعز، ونصابها وزكاتها كما يلي:


العدد الزكاة
40 – 120 جذعة أو ثنية من المعز إلا أن تكون كلها صغاراً دون الجذاع والثنايا فيؤخذ منها صغيرة دون الجذعة والثنية.
121 – 200 شاتان.
201 – 399 ثلاث شياه.
400 أربع شياه.

ما زاد على الـ 400 في كل مائة شاة.

هذا وإن المعز يضم الى الشياه عند عدّ النصاب. ويشترط في زكاة الغنم السوم أي أن تكون سائمة.

429- ثانياً: زكاة الزروع والثمار

كل ما أخرج الله عز وجل من الأرض مما ييبس ويبقى مما يكال ويبلغ خمسة أوسق فصاعداً ففيه العشر إن كان سقيه من السماء أوسيحاً، وان كان يسقى بآلة والدوالي والنواضح وما فيه الكلف فنصف العشر.

وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: تجب الزكاة في كل ما يقصد بزراعته نماء الأرض إلا الحطب والقصب والحشيش لقوله صلى الله عليه وسلم "فيما سقت السماء العشر" وهذا عام ولأن هذا يقصد بزراعته نماء الأرض فأشبه الحب، وانها تجب في القليل والكثير ولا تقيد بالخمسة أوسق، ولأنه لا يعتبر لزكاة الزروع مرور الحول فلا يعتبر لها نصاب. واحتج القائلون بأن الزكاة لا تجب فيما دون خمسة أوسق بالحديث الشريف "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" وهو حديث صحيح وهو خاص فيجب تقديمه على الحديث الذي احتجوا به لأنه عام لأن الخاص يخصص العام. أما اشتراط الحول فلأن الزرع يكمل نماؤه باستحصاده لا ببقائه، واعتبر الحول في غير الزرع لأن مرور الحول مظنة لكمال النماء والنصاب اعتبر ليبلغ المال حداً يحتمل أخذ الزكاة منه وهذا المعنى يلاحظ في الزروع وغيرها[15].

430- ثالثاً: زكاة الذهب والفضة، ويشترط في زكاتها النصاب ومرور الحول، ونصاب الفضة مائتا درهم وفيه خمسة دراهم، ونصاب الذهب عشرون مثقالا وفيه نصف مثقال. واذا اتجر بالدراهم والدنانير زكاها وربحها إذا حال عليها الحول وكانت نصاباً.

وليس في حلي المرأة زكاة إذا كان مما تلبسه عادة أو تعيره. وذهب بعض أهل العلم الى أن فيه زكاة.

431- رابعاً: زكاة المعادن

وهي من الأموال الظاهرة، وتجب الزكاة في جميع الخارج منها سواء اكانت من المعادن الصلبة كالذهب والفضة والحديد، أو المائعة كالقير والنفط أو كانت تشبه الحجر وتنكسر بالطرق كالجواهر. ويشترط لوجوب الزكاة فيها أن تبلغ نصاباً بعد السبك والتصفية، ومقدار النصاب عشرون مثقالا من الذهب ومائتا درهم من الفضة أو قيمة هذا النصاب من غير الذهب والفضة ولا يشترط مرور الحول لوجوب الزكاة، ومقدار الزكاة ربع العشر. وقال الامام أبو حنيفة رحمه الله تعالى يجب الخمس في قليل المعدن وكثيره من غير اعتبار نصاب بناء على أنه ركاز والركاز فيه الخمس، ولأنه لا يعتبر له حول فلم يعتبر له نصاب.

ولا زكاة في المستخرج من البحر كاللؤلؤ والمرجان، وعن الإمام أحمد بن حنبل أن فيه الزكاة لأنه خارج من معدن.

432- خامساً: الركاز

وهو كل مال وجد مدفوناً من ضرب الجاهلية (قبل الإسلام) في أرض موات أو طريق سابل يكون لواجده وعليه الخمس، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "وفي الركاز الخمس" ويجب هذا الخمس على واجده سواء أكان مسلماً أو ذمياً، صغيراً أو كبيراً عاقلاً أو مجنوناً لعموم هذا الحديث الشريف. ويعرف أنه من ضرب الجاهلية إذا كان عليه علامة تدل على ذلك كصورة صنم أو اسم ملك لهم أو تاريخ قديم قبل الإسلام. اما إذا كان من ضرب الإسلام بدلالة ما عليه من آية قرآنية أو تاريخ هجري فهو لقطة وتسري عليها أحكامها.

هذا وان الركاز إذا عثر عليه في أرض مملوكة فهو لمالك الأرض لا حقّ فيه لواجده، وعلى مالكه الخمس.

433- سادساً: عروض التجارة

والعروض جمع عرض وهو غير الأثمان من المال على اختلاف أنواعه من النبات والحيوان والعقار وسائر الأموال الأخرى التي يتجر بها صاحبها بقصد الربح. وتجب الزكاة في أموال التجارة إذا بلغت نصاباً بعد تقويمها بالذهب أو الفضة ومضى عليها حول ولا يلتفت الى زيادة النصاب أو نقصانه خلال الحول ما دام النصاب حاصلا في أول الحول وآخره. والنماء أي الربح تابع لأصل مال التجارة عند التقويم في نهاية الحول.

ثانياً: الجزية

434- الجزية هي المال المقدر المأخوذ من الذمي، فهي ضريبة على الرؤوس يلتزم غير المسلم بأدائها الى الدولة الإسلامية إذا ما دخل في الذمة أي صار ذمياً.

وهي ثابتة بالكتاب والسنة والاجماع، فمن الكتاب قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم والآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} وفي السنة، ان النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجذية من مجوس البحرين. وأجمع المسلمون على أخذ الجزية من غير المسلم[16].

435- ويشترط لوجوب الجزية العقل والبلوغ والذكورة فلا تجب على الصبيان والنساء والمجانين، كما يشترط لوجوبها السلامة من الزمانة والعمى والشيخوخة فلا تجب على زمن ولا أعمى ولا شيخ كبير. ولا تجب على الراهب وعند بعض الفقهاء تجب عليه مطلقاً وعند آخرين تجب عليه اذا خالط الناس أو كان قادراً على العمل.

436- وتجب الجزية في آخر كل سنة وتؤخذ في آخرها، وعند الحنفية تجب في أولها وتؤخذ في آخرها. ومقدارها (12) درهماً على الفقير المعتل، و (24) درهماً على المتوسط و (48) درهماً على الموسر، وعند بعض الفقهاء انها غير مقدرة وإنما يقدرها الإمام حسب اجتهاده ورأيه.

437- وتسقط الجزية بعد وجوبها إذا أسلم الذمي أو عجزت الدولة الإسلامية عن حماية الذميين، ولهذا ردّ أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه الجزية الى الذميين في بعض مدن الشام عندما عجز الجيش الإسلامي عن حمايتهم[17] وفي صلح خالد بن الوليد مع صلوبا بن نسطونا صاحب قس الناطف في منطقة الحيرة "فان منعناكم فلنا الجزية وإلا فلا حتى تمنعكم"[18].

ثالثاً: الخراج

438- الخراج ما ضرب على أراضي الكفار المغنومة عنوة التي تركت بيد أهلها[19] فهي ضريبة مالية على الأراضي المفتوحة التي تركها المسلمون بيد أهلها يزرعونها ويستغلونها. وأول من فعل ذلك الإمام الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إذ فرض على أرض العراق الخراج وتركها بيد أصحابها، بعد مشاورة منه للصحابة الكرام وموافقتهم على رأيه. والأرض التي تفرض عليها ضريبة الخراج تسمى بالأرض الخراجية.

439- والخراج نوعان: خراج وظيفة، وهو ما يفرض على الأرض بالنسبة الى مساحتها ونوع زراعتها. وخراج مقاسمة وهو أن يكون المفروض جزء من الخارج كالخمس والسدس ونحو ذلك. والفرق بين النوعين أن في خراج الوظيفة يكون الواجب شيئاً في الذمة يتعلق بالتمكن من الانتفاع بالأرض ويؤخذ مرة واحدة في السنة، أما في خراج المقاسمة فيكون الواجب متعلقاً بما يخرج من الأرض لا بالتمكن من زراعتها، حتى إذا عطل الأرض صاحبها مع التمكن من الانتفاع بها لم يجب عليه شيء. كما أن خراج المقاسمة يتكرر بتكرر الخارج من الأرض.

440- والمنظور إليه عند تقدير الخراج طاقة الأرض حتى لا يكون الخراج مرهقاً لصاحبها، وقد نص الفقهاء على بعض ما يسترشد به لمعرفة مدى طاقة الأرض لمقدار الخراج[20] فمن ذلك خصوبة الأرض ونوع ما يزرع فيها واثمانه وطريقة سقيها وقربها أو بعدها عن المدن والأسواق.

441- وإذا عجز صاحب الأرض عن استغلال أرضه، فقد ذهب الحنفية ان للإمام في هذه الحالة أن يعطيها لغيره، مزارعة أو أن يؤجرها أو أن يزرعها بمال بيت المال ويستوفي من جميع ذلك ضريبة الخراج ويمسك الباقي لصاحب الأرض. وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى يدفع للعاجز كفايته من بيت المال قرضاً ليعمل ويستغل أرضه. وعند الشافعية والحنابلة يؤمر صاحب الأرض بإيجارها أو رفع يده عنها ولا تترك بيده خراباً وان دفع خراجها لئلا تصير بالخراب أرضاً ميتة فيتضرر بيت المال ويقل الانتاج في الدولة الإسلامية وفي هذا ضرر عام.

والواقع ان الحلول التي ذكرها الفقهاء كلها سائغة ولولي الأمر أن يختار منها ما يراه أصلح من غيره[21].

رابعاً: العشور

442- ضريبة تجارية يخضع لها الذميون والمستأمنون. فهي بالنسبة الى الذمي تفرض على أمواله المعدة للتجارة إذا انتقل من بلد الى بلد داخل الدولة الإسلامية ومقدارها نصف العشر. وهي بالنسبة للمستأمن – وهو غير المسلم إذا دخل الى دار الإسلام بأمان – تفرض على ما يدخل به من مال للتجارة الى اقليم دار الإسلام، ومقدارها عشر ما يدخل به من مال كقاعدة عامة، وإن كان من الجائز أن يقل عن هذا المقدار أو يزيد تبعاً لقاعدة المعاملة بالمثل، بمعنى أن دولة المستأمن إذا أخذت من تجار دار الإسلام إذا دخلوا أراضيها ضريبة أكثر من العشر أو أقل فإن الدولة الإسلامية تعامل رعايا هذه الدولة بالمثل فتستوفي من أموالهم التجارية نفس هذه الضريبة.

443- ويشترط لوجوب هذه الضريبة في مال الذمي أن يبلغ نصاب الزكاة وهذا ما قاله الحنفية والزيدية وبعض الحنابلة[22] وقال الامام مالك: النصاب ليس بشرط لوجوب هذه الضريبة[23] وتستوفى هذه الضريبة في السنة مرة واحدة من الذمي والمستأمن إلا إذا رجع المستأمن بماله الى بلده ثم عاد بنفس ماله الى دار الإسلام فإنه تؤخذ منه الضريبة مرة أخرى على نفس المال.

خامساً: الغنائم

444- والغنيمة، كما يقول الامام ابن تيمية: هي المال المأخوذ من الكفار بالقتال وسماها الله تعالى أنفالا لأنها زيادة في أموال المسلمين[24].

والغنيمة أربعة أصناف: أسرى وسبي، وأرضون، وأموال منقولة، أما الأسرى، فهم الرجال المقاتلون من الكفار إذا ظفر بهم المسلمون وأسروهم والإمام مخير فيهم – إذا قاموا على كفرهم – في فعل الأصلح حسب اجتهاده، إما القتل وإما الاسترقاق وإما الفداء بمال أو أسرى، أو المن بغير فداء[25] ولكن إذا أسلم الأسير سقط القتل عنه وكان الامام على خياره فيه بين الرق والمن والفداء[26].

445- وأما السبي فهم النساء والأطفال وهؤلاء لا يجوز قتلهم ويكونون سبباً مسترقاً، يقسمون مع الغنائم "الأموال المنقولة" فإن فادى الإمام بالسبي على مال جاز ويكون مال فدائهم مغنوماً مكانهم، وان أراد الامام أن يفادي بهم عن أسرى المسلمين في أيدي العدو جاز ذلك وعوض الغانمين عنهم من سهم المصالح وان أراد ألمن عليهم لزم استطابة نفوس الغانمين عنهم إما بالعفو عن حقوقهم فيهم وإما بمال يعوضهم عنهم[27].

446- وأما الأرضون، فخلاصة القول فيها، على ما ذكره الإمام أبو عبيد في كتابه الأموال، والماوردي في كتابه الأحكام السلطانية[28]: ان الأرض التي يستولي عليها المسلمون ثلاثة أقسام:

القسم الأول – أرض أسلم عليها أهلها فهي لهم وتكون أرضاً عشرية أي يستوفى من زرعها الزكاة المقررة.

القسم الثاني – أرض فتحت صلحاً على خراج معلوم فهي على ما صولحوا عليه ولا يلزمهم أكثر منه وهي على نوعين: أحدهما يصالحهم الامام على أن ملك الأرض للمسلمين فتصير بهذا الصلح وقفاً من دار الإسلام ويكون الخارج أجرة لا يسقط عنهم باسلامهم. والنوع الثاني أن يصالحهم الامام على أن الارض لهم على أن يؤدوا خراجاً معلوماً ويجوز لهم التصرف بها بالبيع ونحوه بخلاف النوع الأول.

القسم الثالث – أرض فتحها المسلمون بالحرب واستولوا عليها عنوة، فهذه اختلف فيها الفقهاء فذهب الشافعي رحمه الله تعالى الى انها تكون غنيمة كالأموال المنقولة تقسم على الغانمين المسلمين بعد اخراج خمسها الى من ذكرهم الله تعالى، إلا إذا رغب الغانمون بتركها لبيت المال فتوقف على مصالح المسلمين، وقال الامام مالك رحمه الله تعالى تصير وقفاً على المسلمين ولا يجوز قسمتها على الغانمين. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: الامام فيها بالخيار بين قسمتها بين الغانمين فتصير أرضاً عشرية أو يعيدها الى أيدي المشركين أصحابها الأصليين بخراج يضربه عليها فتكون أرض خراج ويكون المشركون بها أهل ذمة، أو يقفها على كافة المسلمين وتصير هذه الأرض من اقليم دار الإسلام سواء سكنها المسلمون أو أعيد اليها المشركون لملك المسلمين لها ولا يجوز التنازل عنها للمشركين. ورجح الامام أبو عبيد أن الخيار للامام في الأرض المفتوحة عنوة، فله أن يقسمها على الغانمين بعد اخراج الخمس منها، كما له أن يجعلها موقوفة على المسلمين عامة. ورأي الحنفية يتضمن هذا الذي رجحه أبو عبيد وعلى هذا، نميل الى رأي الحنفية.

447- أما الأموال المنقولة فهي الغنائم المألوفة، ولا تقسم إلا بعد انجلاء الحرب وتحقق ظفر المسلمين، ويجوز بعد جمعها، قسمتها في دار الحرب، كما يجوز تأخير قسمتها بعد الرجوع الى دار الإسلام بحسب ما يراه الامير من المصلحة. فاذا أرادوا قسمتها بدأ بأسلاب القتلى فأعطى كل قاتل سلب قتيله. والسلب ما كان على المقتول من لباس يقيه وما كان معه من سلاح يقاتل به وما كان تحته من فرس يقاتل عليه. ثم يبدأ بعد اعطاء السلب لمستحقيه باخراج الخمس من جميع الغنمة، ويوزع الى مستحقيه على ما سنذكره في باب مصارف بيت المال ثم يرضخ بعد اخراج الخمس لأهل الرضخ وهم من لا سهم له ممن يكون مع الجيش الإسلامي كالنساء والصبيان وأهل الذمة فيرضخ لهم من الغنيمة بحسب ما قدموه من عون للمقاتلين ولا يبلغ برضخ أحدهم سهم فارس ولا راجل. وبعد الخراج الخمس والرضخ يقسم الباقي من الغنيمة على المقاتلين للراجل منهم سهم واحد وللفارس ثلاثة أسهم. ويجوز لأمير الجيش أن يزيد في سهام بعض المقاتلين إذا ظهرت منهم زيادة نكاية العدو، أو قاموا بأعمال سهلت نصر المسلمين، وهذه الزيادة المعطاة لهؤلاء يجوز أن تكون من الخمس كما يجوز أن تكون من أربعة الأخماس الباقية من الغنيمة.

سادساً: الفيء

448- الفيء هو كل مال أخذه المسلمون من الكفار بغير قتال وأدخل الفقهاء في مفهومه الجزية والخراج والعشور، والمال الذي يصالح عليه العدو، وما يتركه المشركون بعد هربهم أو جلائهم. وسمي فيئاً لأن الله تعالى أفاءه على المسلمين أي رده عليهم من الكفار، لأن الله تعالى خلق الخلق لعبادته وخلق المال للاستعانة به على عبادته، فالكافر لكفره أباح الله تعالى لعباده المؤمنين الذين يعبدونه نفس هذا الكافر وماله، لأنه لم يستعمل ماله في عبادة الله[29]، والأصل في الفيء قول الله تعالى في سورة الحشر {وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير.. } فالفيء هو المال الواصل للمسلمين من المشركين بلا قتال.

سابعاً: الموارد الأخرى

449- ومن موارد بيت المال الأموال التي ليس لها مالك معين مثل من مات من المسلمين وليس له وارث معين، وكالغصوب والعواري والودائع التي تعذر معرفة أصحابها، واللقطة التي لم يظهر صاحبها، في بعض الحالات[30].

ومن موارد بيت المال ما يكون للدولة من أراضي تستغلها أو تؤجرها فتكون الغلة أو الاجرة لبيت المال، ومن ذلك ما اصطفاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه – باستطابة نفوس الغانمين – من أرض السواد في العراق التي كانت لكسرى وأهل بيته وما هرب عنه أربابه أو هلكوا. والامام مخير بين استغلالها رأساً لمصلحة بيت المال، كما له أن يؤجرها لمصلحة بيت المال، وقد فعل بالأول عمر بن الخطاب وبالتالي عثمان بن عفان رضي الله عنهما[31].

ومن موارد بيت المال ما يفرضه الامام في أموال الأغنياء عند الضرورة لصرفه على شؤون الدولة والرعية الضرورية عند عدم وجود مال في بيت المال، مثل نفقات الجند وسد حاجات المحتاجين.

الفرع الثاني - مصارف بيت المال

450- أولاً: الزكاة

وتصرف لمن سماهم الله تعالى في كتابه في قوله تعالى: {انما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم} "والفقراء والمساكين" هم المحتاجون، "والعاملين عليها" هم جباة الزكاة، "والمؤلفة قلوبهم" نوعان: كافر ترجى بعطيته منفعة كاسلامه أو دفع مضرته. ومسلم يرجى حسن اسلامه أو اسلام نظيره[32]، "وفي الرقاب" يدخل فيه اعانة الارقاء الذين يكاتبون اسيادهم على مال يؤدونه اليهم حتى يعتقوا، وافتداء الاسرى وعتق الرقاب "والغارمين" هم الذين عليهم ديون في أمور مباحة ولا يجدون وفاءها فيعطون وفاء ديونهم، أما لو استدانوها في معصية الله فلا يعطون حتى يتوبوا[33] "وفي سبيل الله" وهم الغزاة فيعطون ما يغزون به او تمام ما يغزون به من خيل وسلاح ونفقة واجرة. "وابن السبيل" هو الغريب في البلد وليس عنده نفقة سفره ولا ما يوصله إلى بلده. ويجوز صرف الزكاة في أحد الأصناف الثمانية مع وجودهم. ولا يجوز دفعها إلى كافر ولا إلى ذوي القربى من بني هاشم وبني المطلب.

451- ثانياً: زكاة المعادن وخمس الركاز

ومصرف زكاة المعادن وخمس الركاز مصرف الزكاة المعتادة اي مصرف زكاة الماشية والزروع والثمار والذهب والفضة وعروض التجارة.

452- ثالثاً: الغنيمة

الواجب في الغنيمة لبيت المال خمسها، ويقسم هذا الخمس على من ذكرهم الله تعالى في سورة الأنفال، قال تعالى: {واعلموا انما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل..} سورة الأنفال آية 41. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف سهم الله وسهمه في مصالح الاسلام وأربعة أخماس الخمس في أهلها المستحقين لها مقدماً للاهم فالاهم والاحوج فالأحوج، دون أن يقسم بينهم أربعة أخماس الخمس السوية[34].

453- رابعاً: الفيء

ويقسم على من ذكرهم الله تعالى في سورة الحشر، قال تعالى: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب. للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون. والذين تبؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون. والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ للذين آمنوا ربنا انك رؤوف رحيم} سورة الحشر آية (7-8-9-10).

وقال الفقيه الماوردي: يؤخذ خمس الفيء، ويقسم على خمسة أسهم متساوية: سهم منها كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته ينفق منه على نفسه وأزواجه ومصالحه ومصالح المسلمين، وقد صار هذا السهم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم مصروفاً في مصالح المسلمين كأرزاق الجيش واعداد السلاح وبناء الحصون والقناطر واعطاء رواتب القضاة والموظفين وما جرى هذا المجرى من وجوه المصالح العامة. والسهم الثاني سهم ذوي القربى وهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب ابنا عبد مناف. والسهم الثالث لليتامى من ذوي الحاجات، واليتم موت الأب مع الصغر. والسهم الرابع للمساكين وهم الذين لا يجدون ما يكفيهم. والسهم الخامس لبني السبيل وهم المسافرون الذين لا يجدون ما ينفقون. واما أربعة أخماس الفيء ففيه قولان احدهما انه للجيش خاصة، والثاني انه مصروف في المصالح العامة، ومنها ارزاق الجيش وما يلزمه[35].

والواقع ان الآية الكريمة، كما يقول الفقيه المشهور ابن القيم: إن ما أفاء الله على رسوله بجملته لمن ذكر في هذه الآيات ولم يخص منه خمسة بالمذكورين بل عمم واطلق واستوعب فيصرف الفيء على المذكورين كلهم. أما ذكر اليتامى والمساكين ونحوهم فانما يفيد العناية بهم وضرورة ادخالهم في جملة المستحقين للفيء، وان كانوا يستحقون ايضاً من خمس الغنيمة ولا يفيد حصر الاستحقاق بهم. وعلى هذا فالفيء يستحقه هؤلاء المذكورون والمهاجرون والانصار الذين جاؤوا من بعدهم من المسلمين الذي يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذي سبقونا بالايمان.. الخ، ولا يدخل معهم من يلعنهم ويتبرأ منهم، وعلى هذا فيصرف الفيء في جميع مصالح المسلمين ومنها الانفاق على ذوي الحاجات ودفع الارزاق للجند والعلماء والقضاة وسائر موظفي الدولة، كما يعطى منه الى عموم المسلمين، وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين في سيرتهم وهديهم ولذلك قال عمر رضي الله عنه: "وليس أحد أحق بهذا المال من احد انما هو الرجل وسابقته، والرجل وغناؤه، والرجل وبلاؤه، والرجل وحاجته". فجعلهم عمر رضي الله عنه أربعة أقسام، الأول: ذوي السوابق الذين بسابقتهم اي باسلامهم حصل المال. والثاني: من يغني عن المسلمين في جلب المنافع لهم كولاة الأمور والعلماء الذين يجلبون لهم منافع الدنيا والآخرة. والثالث: من يبلي بلاء حسناً في دفع الضرر عنهم كالمجاهدين في سبيل الله من الأجناد والمرابطين ونحوهم. والرابع: ذوي الحاجات. كما روي عن عمر رضي الله عنه انه قال "والله لئن بقيت لهم ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو يرعى مكانه"[36]. ويفهم من هذا كله ان عموم المسلمين لهم نصيب من مال الفيء فيعطون منه بعد سد النفقات الضرورية للدولة كأرزاق الجند والولاة ونحوهم وهذا ما تدل عليه الآية الكريمة، ويقدم ذوو الحاجات على غيرهم من الفاضل بعد سد النفقات الضرورية للدولة.

ويلحق بالفيء ويكون مصرفه مصرف الفيء الأموال التي ليس لها مالك معين مثل من مات من المسلمين وليس له وارث معين، وكالغصوب والعواري والودائع وغير ذلك من أموال المسلمين التي تعذر معرفة أصحابها[37].

[1] تفسير القرطبي ج 7 ص 238.

[2] تفسير القرطبي ج 10 ص 141.

[3] تفسير القرطبي ج 14 ص 22-23.

[4] رد المحتار ج 3 ص 364.

[5] المحلى ج 6 ص 156.

[6] المحلى ج 6 ص 158.

[7] تفسير القرطبي ج 2 ص 241-242، تفسير الرازي ج 5 ص 24.

[8] اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان ج 2 ص 284.

[9] المحلى ج 6 ص 156- 157.

[10] الطرق الحكمية لابن قيم الجوزية ص 226، 240.

[11] تفسير القرطبي ج 16 ص 83.

[12] أنظر تفصيل ذلك في كتابنا المدخل لدراسعة الشريعة الإسلامية.

[13] المغني لابن قدامة ج 2 ص 572 وما بعدها.

[14] المغني ج 2 ص 580 وما بعدها. أبو يعلى الحنبلي ص 99 وما بعدها. الماوردي ص 109 وما بعدها.

[15] المغني ج 2 ص 696. والوسق يقدر بستين صاعا، والصاع يقرب من كيلو ونصف لأنه مقدر بأربع حفنات بيدي رجل.

[16] المغني ج 8 ص 496، والجصاص ج 3 ص 92 – 93، اختلاف الفقهاء للطبري ص 199.

[17] الخراج لأبي يوسف ص 139.

[18] تاريخ الطبري ج 4 ص 16.

[19] شرح الازهار ج 1 ص 571.

[20] الماوردي ص 143 – 144، أبو يعلى الحنبلي ص 151.

[21] كتابنا أحكام الذميين والمستأمنين ص 167.

[22] شرح السير الكبير للسرخسي ج 4 ص 284، وشرح الازهار ج 1 ص 577، المغني ج 8 ص 519.

[23] الاموال لابي عبيد ص 535 – 536.

[24] السياسة الشرعية لابن تيمية ص 30.

[25] أبو يعلى ص 125.

[26] الماوردي ص 126.

[27] الماوردي ص 126 – 127.

[28] الأموال لأبي عبيد ص 5، الماوردي ص 132 – 133.

[29] السياسة الشرعية لابن تيمية ص 36.

[30] أنظر بحثنا في أحكام اللقطة.

[31] الماوردي ص 185 – 186.

[32] السياسة الشرعية لابن تيمية ص 34، 48.

[33] المرجع السابق ص 34.

[34] زاد المعاد لابن القيم ج 3 ص 222.

[35] الماوردي ص 122 – 123.

[36] السياسة الشرعية لابن تيمية ص 44 – 46، زاد المعاد لابن القيم ج 3 ص 221 – 222.

[37] مجموع فتاوى ابن تيمية ج 8 ص 276 – 277.

الفصل الرابع - أنطِمَة الإسْلام - المبحث السابع - نِظام الجهَادِ

379- الجهاد في اللغة: بذل الانسان جهده وطاقته، وفي الاصطلاح الشرعي: بذل المسلم طاقته وجهده في نصرة الاسلام ابتغاء مرضاة الله، ولهذا قيد الجهاد في الاسلام بأنه في سبيل الله ليدل على هذا المعنى الضروري لتحقق الجهاد الشرعي، وبهذا جاءت الآيات القرآنية معلنة ان جهاد المسلمين ومنه القتال، انما هو جهاد في سبيل الله بخلاف الكافرين فان جهادهم وقتالهم في غير سبيل الله، اي في سبيل الشيطان، قال تعالى: {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت} سورة النساء الآية 76. وقد يعبر عن المعنى الذي بيناه بعبارة: القتال لتكون كلمة الله هي العليا، كما جاء في الحديث الشريف "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء، فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" لأن المقصود بكلمة الله الاسلام، وجعلها هي العليا اي هي النافذة الظاهرة، ولا شك ان اظهار دين الله مما يرضي الله تعالى.

380- والجهاد أنواع فهناك الجهاد باللسان ببيان شرائع الاسلام ودحض الاباطيل المفتراة عن الاسلام، والجهاد بالمال بإنفاقه في وجوه البر، لا سيما على الغزاة والمقاتلين في سبيل الله بشراء العتاد والسلاح والارزاق لهم، والجهاد بالنفس بمقاتلة اعداء الله، وإذا أطلق الجهاد فانه يراد به – غالباً – الجهاد بالنفس أي القتال كما أن الجهاد بالنفس يقرن غالباً بالجهاد بالمال، كما نلاحظ ذلك في آيات القرآن الكريم من ذلك قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكين طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين}.

381- والجهاد بالنفس بمقاتلة الاعداء من فروض الكفاية في الاحوال الاعتيادية إذا حصلت به الكفاية، ولكنه يصير فرض عين، إذا احتل الكفرة بلداً من بلاد الاسلام أو إذا استنفر الامام المسلمين، قال الامام ابن العربي المالكي "إذا كان النفير عاماً لغلبة العدو على الحوزة او استيلائه على الأسارى كان النفير عاماً ووجب الخروج خفافاً وثقالاً وركباناً ورجالاً عبيداً وأحراراً، من كان له أب من غير اذنه حتى يظهر دين الله وتحمى البيضة وتحفظ الحوزة، ويخزي الله العدو ويستنقذ الاسرى. ولا خلاف في هذا"[1].

382- ولما كان الجهاد من فروض الاسلام فقد عظمت به الوصية، وامر الله تعالى بأخذ العدة اللازمة له قال تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} سورة الأنفال الأية: 60، فكل ما به قوة وحاجة في القتال وجب تحصيله واعداده، وهذا يختلف باختلاف الازمان والاحوال، ولا شك ان من وسائل القوة المهمة في زماننا تعلم واتقان مختلف العلوم والفنون والصناعات اللازمة لاعداد القتال. وتعلم هذه الأمور من الفروض الكفائية في الأمة، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ومن المستحب لكل مسلم ان يتعلم ما يستطيعه من أمور القتال، كالرمي والطعن واستعمال السلاح مبتغياً بذلك وجه الله تعالى ويعلمه للآخرين، وقد أشار شيخ الاسلام ابن تيمية الى هذه الامور فقال رحمه الله: "وتعلم هذه الصناعة – أي صناعات الحرب وآلات القتال – هومن الأعمال الصالحة لمن يبتغي بذلك وجه الله عز وجل فمن علم غيره ذلك كان شريكه في كل جهاد يجاهد به لا ينقص أحدهما من الأجر شيئاً"، وكان سيدنا عمر رضي الله عنه يوصي المسلمين وولاتهم "أن علموا أولادكم الرمي والفروسية" وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم "... ومن تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا".

383- والواقع أن الجهاد ضروري لبقاء المسلمين امة قوية مرهوبة الجانب بعيدة عن أطماع الطامعين والحاقدين من الكافرين والمافقين، كما أن الجهاد بنفسه دليل قاطع على ايمان المسلم ومبادرته إلى ما يحبه الله تعالى وايثاره مرضاته وما عنده، ولهذا وبخ الله تعالى من يتقاعس عن الجهاد قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} سورة التوبة الآية: 38.

384- ولعظيم اثر الجهاد ودلالته على الايمان، قال الفقهاء: المقام في ثغور المسلمين أفضل من المجاورة في المساجد الثلاث: المسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى. وتعليل ذلك أن الرباط من جنس الجهاد، والمجاورة غايتها أن تكون من جنس الحج، وقال تعالى: {أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله} سورة التوبة الآية: 19، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم انه سئل عن أي الأعمال افضل؟ قال صلى الله عليه وسلم "إيمان بالله ورسوله. قيل: ثم ماذا؟ قال: ثم جهاد في سبيله. قيل: ثم ماذا؟ قال: ثم حج مبرور".

385- وترك الجهاد سبب للمذلة والهوان وضياع الديار وتسلط الكفرة على بلاد الاسلام، وهذا من العذاب الذي توعد به الله تعالى تاركي الجهاد، قال ربنا في القرآن الكريم {إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً والله على كل شيء قدير} سورة التوبة الآية: 39. قال الامام العربي المالكي في تفسيره: في هذه الآية تهديد شديد ووعيد مؤكد في ترك النفير والخروج الى الكفار لمقاتلتهم على أن تكون كلمة الله هي العليا. أما نوع العذاب، فقال عنه الامام ابن العربي: "هو الذي في الدنيا باستيلاء العدو على من يستولي عليه، وبالنار في الآخرة". ووقائع التاريخ القديمة والحديثة تؤيد ما ذكره ابن العربي، فما أصاب المسلمين من ذل وتسلط الكفرة عليهم الا بتركهم الجهاد المطلوب منهم.

386- وعلى ذكر الجهاد، والقتال في سبيل الله، يقول بعض الكتاب المحدثين: إن القتال في الاسلام، أو الجهاد في الاسلام، هو دفاعي لا هجومي، بمعنى أنه لا يجوز للدولة الاسلامية ان تهاجم دولة غير اسلامية إلا إذا هاجمتها هذه الأخيرة. والواقع ان هذا القول غير سديد وينقصه التحقيق والتدقيق، ولا تدل عليه دلائل الشريعة، ذلك ان القتال في الاسلام له أسباب منها: رد الاعتداء وفي هذا قال تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} سورة البقرة الآية: 190. ومنها: القتال لنصرة ضعفاء المسلمين الذين يتعرضون لظلم الكفرة قال تعالى: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها} سورة النساء الآية: 75. ومنها: أن يبدأ المسلمون قتال الكفرة إذا رفضوا الاسلام ومنعوا المسلمين من تولي الحكم والسلطان لاقامة شرع الله وتطبيقه في الأرض، وهذا هو الذي يجادل فيه البعض ويعتبره من قبيل القتال الذي يبدأ به المسلمون وغيرهم بلا مبرر. والحقيقة أن القرآن والسنة النبوية يدلان على هذا النوع من القتال، قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} سورة الأنفال الآية: 39، والفتنة معناها الكفر والشرك، قال الامام أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن في تفسير هذه الآية: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} يوجب فرض قتال الكفار حتى يتركوا الكفر قاله ابن عباس وقتادة ومجاهد والربيع... أما الدين فهو الانقياد لله بالطاعة.. والدين الشرعي هو الانقياد لله عز وجل والاستسلام له... ودين الله هو الاسلام لقوله تعالى: {ان الدين عند الله الاسلام} سورة آل عمران الآية: 19، فقول الامام الجصاص: حتى يتركوا الكفر، أي كفرهم المتعلق بتشريع الاحكام، لأن التشريع من حق الله وحده، فمن نازعه ذلك فقد كفر وأشرك، قال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} سورة الشورى الآية: 21.

ويؤيد ما قلناه أيضاً قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين اوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} سورة التوبة الآية: 21، قال الامام الشافعي: الصغار أن تؤخذ منهم الجزية وتجري عليهم احكام الإسلام[2]. فهذا صريح في ان قتال المسلمين انما هو لاظهار دين الله بتطبيق شرائعه بعد أن يتولى المسلمون الحكم والسلطان وليس المقصود قتل غير المسلمين أو اكراههم على الإسلام لانه لو كان هذا هو المقصود لما شرعت الجزية ولما أقر الكافر على كفره في دار الاسلام.

وفي السنة النبوية ما يؤيد ما قلناه، فقد وردت احاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيها يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم امراء الجند عند توجيههم الى المشركين ان يدعوهم الى الاسلام فان أبوا فالى الجزية أي الى الخضوع الى سلطان الدولة الاسلامية فان أبوا قاتلوهم حتى يخضعوهم قهراً لسلطان المسلمين[3].

387- والحقيقة ان بدء المسلمين لغيرهم بالقتال إذا رفضوا الاسلام أو الجزية، انما هو لمصلحة عموم المشركين الذين يخضعون لسلطان الكفر، لأن المسلمين يريدون بهذا القتال رفع هذا الحكم الكافر عنهم وإزالة شرائعه الباطلة، ورفع الحواجز عن عموم الناس لرؤية الاسلام وشرائعه، فمن شاء آمن ومن شاء بقي على كفره بشرط الولاء للدولة الاسلامية. وهذا كله من مصلحة المشركين الدنيوية والاخروية. اما الدنيوية فتظهر في تمتعهم بعدل الإسلام والحافظة على أموالهم وحقوقهم. وأما الأخروية فبتهيئة سبل رؤيتهم الإسلام واحتمال دخولهم فيه عن رضى واختيار لا عن جبر واكراه وفي هذا سعادتهم وفوزهم في الآخرة. والخلاصة فان المسلم لا ينفك عن الجهاد في سبيل الله أبداً فهو في جهاد دائم: يجاهد نفسه ليحملها على الطاعة وعلى بذل المال والنفس في سبيل مرضاة الله تعالى، ويجاهد بلسانه وقلمه ليبين معاني الإسلام ويرد على افتراءات المبطلين، ويجاهد في جميع أحواله، في الرخاء والشدة، وفي حالة الضعف والقوة، وفي حالة الفقر والغنى، وبهذا قال المفسرون في قوله تعالى: {انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} سورة التوبة الآية: 41. والأمر بالجهاد وذكر فضائلة وثوابه في الكتاب والسنة أكثر من أن يحصر، بل ولم يرد في ثواب الأعمال وفضلها – كما يقول ابن تيمية رحمه الله – مثل ما ورد فيه. وتعليل ذلك ان نفع الجهاد عام لفاعله ولغيره في الدين والدنيا، ويشتمل على جميع أنواع العبادات الباطنة والظاهرة مثل محبة الله والاخلاص له والصبر والزهد. وان القائم به بين احدى الحسنين دائماً، إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة[4].

[1] أحكام القرآن لابي العربي المالكي ج 2 ص 943.

[2] مختصر المزني ج 8 ص 277.

[3] صحيح مسلم ج 7 ص 310، الخراج لابي يوسف ص 190، زاد المعاد ج 2 ص 65.

[4] مجموع فتاوى شيخ الاسلام ابن تيمية ج 8 ص 353.


الفصل الرابع - أنطِمَة الإسْلام - المبحث الثامن - نِظام الجَريمَة والعقوبَة

تمهيد

379- في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم احكام كثيرة تبين الافعال والتروك المحرمة التي يعاقب مرتكبها. وهذه الاحكام وما ينبني عليها أو يتفرع منها تكون ما يمكن تسميته بنظام الجريمة والعقوبة في الاسلام أو بالقانون الجنائي الاسلامي. والقانون الجنائي الاسلامي في أصله قانون عالمي، لأنه جزء من الشريعة الاسلامية، وهي بطبيعتها شريعة عالمية لا اقليمية، أراد مشرعها – وهوالله جل جلاله – تطبيقها على كافة الناس في جميع بقاع الأرض، وهم مخاطبون بأحكامها، مطالبون بتنفيذها، ولكن لعدم ولاية دار الإسلام على ما سوى اقليمها فقد تعذر تطبيقها في خارج اقليمها، أما في داخل اقليم الاسلام، فيجب التطبيق، لأن الولاية فيها للمسلمين، وفي هذا المعنى يقول الامام ابو يوسف "ولان الشرائع هو العموم في حق الناس كافة إلا انه تعذر تنفيذها في دار الحرب لعدم الولاية وامكن في دار الاسلام فلزم التنفيذ فيها"[1] وعلى هذا فإن احكام القانون الجنائي الاسلامي تبطق على جميع الجرائم التي تقع في دار الاسلام بغض النظر عن جنسية مرتكبها أو ديانته، وهذه هي القاعدة العامة. إل أن في بعض جزئياتها اختلافاً قليلاً بين الفقهاء بالنسبة للذميين، واختلافاً أكثر بالنسبة للمستأمنين[2] فمن ذلك أن جمهور الفقهاء استثنوا الذميين والمستأمنين من عقوبة شرب الخمر باعتبار أنهم يعتقدون حلها. وعند الظاهرية تجب عليهم عقوبة شرب الخمر شأنهم في ذلك شأن المسلمين[3]. وبعد هذا التمهيد نتكلم عن الجريمة أولاً ثم عن العقوبة ثانياً، في فرعين متتاليين.

الفرع الأول - الجريمة

تعريف الجريمة

380- عرف فقهاء الشريعة الإسلامية الجرائم بأنها محظورات شرعية زجر الله تعالى عنها بحد او تعزير[4]، ويفهم من هذا التعريف ان الجريمة في الاصطلاح الفقهي يجب أن تتوفر فيها الأمور الآتية:

أ‌) أن تكون من المحظورات الشرعية، أي مما نهى عنه الشرع الإسلامي نهي تحريم لا نهي كراهة بدليل وجوب العقاب على مرتكب هذه المحظورات، والعقاب لا يجب إلا على ترك واجب أو فعل محرم، فيكون المقصود من المحظورات الشرعية: ترك واجب أو فعل محرم.

ب‌) أن يكون تحريم الفعل أو الترك من قبل الشريعة الاسلامية فان كان من غيرها فلا يعتبر المحظور جريمة.

ت‌) أن يكون للمحظور عقوبة من قبل الشرع الاسلامي سواء أكانت هذه العقوبة مقدرة وهي التي يسميها الفقهاء بـ "الحد"، أو كان تقديرها مفوضاً الى رأي القاضي وهي التي يسميها الفقهاء "التعزير"، فاذا خلا الفعل او الترك من عقوبة لم يكن جريمة.

أساس اعتبار الفعل او الترك جريمة

381- وأساس اعتبار الفعل أو الترك جريمة هو ما فيه من ضرر محقق للفرد وللجماعة، فكان من رحمة الله تعالى بعباده أن بين لهم لهم ما يفعلون وما يتركون لحفظ مصالحهم وتحقيق الخير والسعادة لهم في دنياهم وآخرتهم. واستقراء نصوص الشريعة الاسلامية يدل دلالة قاطعة على أن ما حرمه الاسلام من فعل وترك عاقب عليه يشتمل على اضرار محققة بالفرد والمجتمع، وتظهر هذه الاضرار بالمساس بالدين او بالعقل او بالنفس او بالعرض او بالمال، وما يترتب على ذلك من فساد واخلال في المجتمع.

أنواع الجرائم

382- الجرائم على اختلاف انواعها يجمعها جامع واحد هو أنها محظورات شرعية معاقب عليها. وقد قسمها الفقهاء الى ثلاثة انواع بالنظر الى نوع عقوبتها، وهي: جرائم الحدود وجرائم القصاص والديات، وجرائم التعزير.

جرائم الحدود

383- وهذه الجرائم هي الزنى والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، والحرابة – قطع الطريق – والردة، والبغي على خلاف فيه[5].

والحد في اللغة: المنع، وفي الشرع: عقوبة مقدرة وجبت حقاً لله تعالى[6]. وبعض الفقهاء يعرف الحد بأنه العقوبة المقدرة شرعاً، ولا يقيدها بكونها حقاً لله تعالى، فيسمى القصاص بهذا الاعتبار حداً أيضاً[7].

جرائم القصاص والديات

384- وهذه هي جرائم القتل والجروح وقطع الاطراف، ويسميها الفقهاء بالجنايات على النفس او ما دون النفس. وعقوبة هذه الجرائم القصاص إذا توافرت شروطه، او الدية إذا كانت الجريمة غير عمدية، او كانت عمداً ولم تتوافر شروط القصاص الاخرى. وقد تجب الكفارة أيضاً في جرائم القتل. والقصاص معناه أن يفعل بالجاني مثل فعله بالمجني عليه، فيقتل او يقطع طرفه. وأما الدية فهي المال الواجب في الجناية على النفس او على ما دون النفس بشروطها المقررة في الفقه الاسلامي. ولولي القتيل ان يعفو عن القصاص، كما له ان يعفو عن الدية لانها حقه. وفي جرائم الجراح ونحوها يجوز للمجني عليه ان يعفو عن الجاني. واما الكفارة فهي عقوبة فيها معنى العبادة وتكون بعتق رقبة مؤمنة او بالصيام.

جرائم التعزير

385- التعزير لغة: التأديب، وشرعاً: تأديب على معاص لم تشرع فيها عقوبات مقدرة[8] وجرائم التعزير هي المحظورات الشرعية التي ليس لها عقوبة مقدرة من الشرع الاسلامي، مثل الخلوة بأجنبية وأكل الربا وخيانة الامانة ونحو ذلك[9]، والامام او نائبه، هو الذي يقدر عقوبة التعزير، وهو في تقديره عقوبة التعزير لا يصدر عن الهوى وإنما يلاحظ جسامة الجريمة وظروفها ومقدار ضررها، وحال الجاني من كونه من ذوي المروءات، أو من ذوي السوابق والاجرام، وما يتم به انزجار الجاني وعدم عودته الى مثل فعله في المستقبل[10]. ويجب التعزير على كل بالغ عاقل إذا ارتكب شيئاً من جرائم التعزير سواء كان ذكراً أو أنثى، مسلماً كان أو كافراً، أما الصبي العاقل فيعزر تأديباً لا عقوبة[11].

الفرع الثاني - العقوبة

تمهيد

386- قلنا: إن الجزاء في الشريعة الاسلامية اخروي ودنيوي[12]، وان الاصل في الجزاء في الشريعة هو جزاء الآخرة ولكن مقتضيات الحياة وضرورة استقرار المجتمع وتنظيم علاقات الافراد على نحو واضح وضمان حقوقهم كل ذلك دعا الى أن يكون مع الجزاء الأخروي جزاء دنيوي، وهذا الجزاء هو العقوبة التي توقعها الدولة على من يرتكب محرماً او يترك واجباً، أي يرتكب جريمة، وبهذا العقاب تنزجر النفوس التي لم ينفعها الوعظ والتذكير. والحقيقة أن الشريعة الاسلامية تعنى بإصلاح الفرد اصلاحاً جذرياً عن طريق تربيته على معاني العقيدة الاسلامية، ومنها: مراقبته لله وخوفه منه واداء ما فترضه عليه من ضروب العبادات، وهذا كله سيجعل نفسه مطواعة لفعل الخير كارهة لفعل الشر بعيدة عن ارتكاب الجرائم، وفي هذا كله أكبر زاجر للنفوس. وبالاضافة الى ذلك فان الشريعة تهتم بطهارة المجتمع وإزالة مفاسده، ولهذا الزمت افراده بازالة المنكر. ولا شك ان المجتمع الطاهر العفيف سيساعد كثيراً على منع الاجرام وقمع المجرمين. وسيقوي جوانب الخير من النفوس ويسد منافذ الشر التي تطل منها النفوس الضعيفة، وفي هذا ضمان ايضاً لتقوية النفوس واعطائها مناعة ضد الاجرام.

ولكن مع هذا كله، فقد تسول للبعض نفوسهم ارتكاب الجرائم. فكان لا بد من عقوبة عاجلة توقعها الدولة الاسلامية عليهم زجراً لهم من العودة اليها وردعاً للآخرين الذين قد تسول لهم انفسهم ارتكاب الجريمة، وفي هذا استقرار للمجتمع واشاعة للطمأنينة فيه، كما أن في انزال العقاب بالمجرمين مصلحة لهم كما سنبين.

هذا وإن العقاب الدنيوي للمجرم لا يمنع العقاب الأخروي ما لم تقترن به التوبة النصوح، قال تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم} سورة المائدة الآية: 33. ومن تمام التوبة النصوح التحلل من حق الغير إن كان اجرامه مس هذا الحق. ويؤيد ما قلناه ايضاً الحديث الشريف "إن السارق إذا تاب سبقته يده الى الجنة، وان لم يتب سبقته يده الى النار"[13] فهذا السارق الذي قطعت يده تسبقه يده المقطوعة الى الجنة ان تاب وإلا سبقته الى النار.

تشريع العقاب من رحمة الله بعباده

387- وتشريع العقاب الدنيوي في الشريعة الاسلامية من مظاهر رحمة الله بعباده، لأنه يزجر الانسان عن ارتكاب الجريمة فيتخلص من الاثم. وإذا وقع في الجريمة، فان العقوبة في حقه بمنزلة الكي بالنسبة للمريض المحتاج إليه، وبمنزلة قطع العضو المتآكل، فان بهذا القطع وذلك الكي مصلحة له وابقاء لحياته، وايقافاً للمرض من السراية واهلاك الجسم كله، كما ان في هذا العقاب للمجرم مصلحة مؤكدة للمجتمع كما أشرنا من قبل لما يترتب عليه من اطمئنان الناس على حياتهم وأموالهم واخافة للمجرمين، وهذه المصلحة العامة يهون معها الضرر الذي يصيب المجرم بسبب ما جنت يداه.

الحزم في اقامة العقوبات الشرعية

388- والعقوبات الشرعية واجبة التطبيق والتنفيذ، لا يسع ولي الأمر التهاون فيها أو تعطيلها لأنها من شرع الله، وان تعطيلها يؤدي الى سخط الله تعالى كما يؤدي الى فساد المجتمع واضطراب احواله وسوء اوضاعه، لان تعطيل حدود الله من المعاصي الكبيرة القبيحة، وظهور المعاصي من أسباب نقص الرزق، والخوف من العدو، وضنك العيش. فاذا اقيمت الحدود الشرعية ظهرت طاعة الله ونقصت معصيته، وحصل الخير والنصر، فينبغي ان يكون ولاة الامور أشداء في اقامة حدود الله لا تأخذهم رأفة في الدين، وان يكون قصدهمه من اقامتها رحمة الخلق بكف الناس عن المنكرات الا إشفاء لغيظ نفوسهم ولا ارادة العلو والفساد، فيكون احدهم بمنزلة الوالد إذا أدب ولده، يؤدبه رحمة به واصلاحاً لحاله، مع أنه يود ويؤثر ان لا يحوجه الى التأديب، وبمنزلة الطبيب الذي يسقي المريض الدواء الكريه.

المساواة في اقامة العقوبات الشرعية وحرمة تعطيلها

389- والعقوبات الشرعية تقام على جميع من قامت فيهم أسبابها وشروطها، لا فرق بين شريف ووضيع، وقوي وضعيف، فان المحاباة في انزال العقوبات الشرعية سبب لهلاك الأمة جاء في الحديث الشريف ان امرأة من بني مخزوم سرقت فأهم قومها امرها فكلموا فيها اسامة بن زيد ليكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأنها فلما فعل ذلك غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال "انما أهلك الذين من قبلكم انهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف اقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"[14]. والواقع أن المساواة بين الرعية في اقامة العقوبات خير رادع للاقوياء الذين قد تسول لهم قوتهم الاجرام لما يظنونه من محاباة لهم بسبب قوتهم وعدم معاقبتهم، لانهم إذا رأوا هذه المساواة الصارمة في العقاب خنسوا ولم تعد توسوس لهم انفسهم بهذا الوسواس الباطل، لأن قوتهم، وقد رأوا حزم الدولة في معاقبتهم، لا تخلصهم من العقاب لأن قوة الدولة اكبر من قوتهم. كما ان الضعيف سيطمئن لان الدولة معه، فهو أقوى من أي فرد قوي، فلا يخشى اعتداءه.

ولما كان المطلوب من ولي الأمر المسلم الحزم في انزال العقاب والمساواة بين الرعية فيه فلا يجوز لأحد ان يشفع لمجرم لاسقاط العقاب عنه، جاء في الحديث الشريف "من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره" وهذه هي الشفاعة السيئة، وقد قال الله تعالى: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها} سورة النساء الآية: 85، ولا شك ان من يشفع لاسقاط الحد الشرعي عن المجرم يشفع شفاعة سيئة. وكما لا تجوز الشفاعة السيئة لاسقاط الحدود الشرعية لا يجوز لولي الأمر أن يأخذ من المجرم مالاً لتعطيل الحد الشرعي سواء كان هذا المال لبيت المال أو لغيره، لأنه مال خبيث وسحت.

ابتناء العقوبات الشرعية على العدل والردع

390- وجميع العقوبات الشرعية بنيت على اساسين كبيرين: الأول: العدل والثاني: الردع. ويظهر الاساس الاول – العدل – في أن العقوبة بقدر الجريمة، قال تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} سورة الشورى الآية: 40، فليس فيها زيادة على ما يستحقه المجرم، وان ظن بعض الجهلاء هذه الزيادة كما سنبينه بعد قليل. ويظهر الاساس الثاني – الردع – في مقدار الألم الذي تحدثه العقوبة في المجرم وما تسببه له من فقدان حريته او بعض أعضائه، ولا شك أن فقده هذه الأشياء يؤلمه ويخيفه فيمتنع من الاجرام بدافع من حب الذات والخوف من المؤذي المؤلم إذا ما سولت له نفسه الاجرام وزين له الشيطان مخالفة حدود الاسلام.

أنواع العقوبة

391- العقوبات في الشريعة الاسلامية رابعة أنواع: الحدود، والقصاص، والديات، والتعزير، وكنا قد أشرنا إليها من قبل عند كلامنا على تقسيم الجرائم، فلا بد من الكلام بايجاز شديد عن كل عقوبة من هذه العقوبات من حيث دليل مشروعيتها ومقدارها.

أ‌) الحدود

392- وهي العقوبات المقدرة لجرائم الحدود، وقد وجبت، كما قال الفقهاء حقاً لله تعالى، لأن نفعها للعامة لا اختصاص لأحد بها، وما كان نفعه عاماً، يعتبر من حق الله، ولهذا نسب الى رب الناس جميعاً لعظيم خطره وشمول نفعه[15]، ولأن هذه النسبة تشعر بلزوم العناية والاهتمام به وعدم التفريط فيه ولهذا لا يجوز اسقاط هذه العقوبات "الحدود" بعد ثبوت جرائمها امام القضاء حتى ولو رضي المجني عليه بهذا الاسقاط، لتعلق حق الله بهذه العقوبات.

وجرائم الحدود التي ثبت فيها هذا النوع من العقوبات هي: الزنى، والقذف، وشرب الخمر، والسرقة، والحرابة، والردة، والبغي.

393- أولاً: عقوبة الزنا

وهو كل وطء وقع على غير نكاح ولا شبهة نكاح ولا ملك يمين[16] وعقوبته الجلد أو الرجم، والتغريب.

أما الجلد فالأصل فيه قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} سورة النور الآية: 2، وجاءت السنة النبوية مقررة للجلد، من ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بجلد رجل أقر بزناه مائة جلدة وكان بكراً[17] ولا خلاف بين الفقهاء في وجوب الجلد على الزاني إذا لم يكن محصناً.

أما الرجم، فقد ثبت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجمع عليه الصحابة والمسلمون ولم يشذ عن هذا الاجماع إلا الخوارج[18]. والرجم معناه رجم الزاني بالحجارة أو ما يقوم مقامها حتى الموت. ولا يجب الرجم إلا على المحصن باجماع العلماء. ومن شروط الاحصان أن يكون الزاني قد وطئ وطءاً كاملاً في نكاح تام.

أما التغريب فمعناه نفي الزاني عن البلد الذي زنى فيه إلى بلد غيره، وقد اختلف العلماء في وجوبه مع الجلد. فعند الحنفية لا تغريب مع الجلد إلا إذا رأى الامام المصلحة فيه فيكون تعزيراً لا حداً، وهذا مذهب الزيدية أيضاً. وعند الحنابلة والشافعية لا بد من تغريب الزاني غير المحصن لمدة سنة مع جلده سواء كان ذكراً أو انثى. وقال مالك يغرب الرجل ولا تغرب المرأة وبه قال الإمام الاوزاعي[19].

394- واللواط يدخل في مفهوم الزنى عند الجمهور كالمالكية والشافعية والحنابلة وأبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة، فيكون عقابه عقاب الزنى[20]. ويقول الامام ابن تيمية " والصحيح الذي اتفقت عليه الصحابة: أن يقتل الاثنان الأعلى والأسفل – أي الفاعل والمفعول به – سواء كان محصنين أو غير محصنين، فان أهل السنن رووا عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به"[21].

395- ثانياً: عقوبة القذف

القذف شرعاً الاتهام بالزنى، أي نسبة الشخص الى الزنى بشروط معينة، كأن يقال: يا زاني، أو يا زانية. وعقوبته الجلد ثمانون جلدة، قال تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون} سورة النور الآية: 4. والنص وإن ورد في المحصنات لكن الحكم يثبت في المحصنين أيضاً وعليه اجماع الفقهاء[22]. ويشترط لوجوب عقوبة القذف شروط منها أن يكون القاذف بالغاً عاقلاً، وأن يكون المقذوف مصحناً رجلاً كان أو امرأة. وشرائط الاحصان هي العقل والبلوغ والحرية والعفة عن الزنى والاسلام وهذا عند جمهور الفقهاء، وعند الظاهرية ليس الاسلام شرطاً للاحصان، فمن قذف ذمية بالزنى وجب عليه الحد كما يجب لو قذف مسلمة وحجتهم قوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات} وهذا عموم يدخل فيه الكافرة والمسلمة[23].

396- وإذا قذف الزوج زوجته بالزنى، وعجز عن إثبات قذفه، وجب عليه اللعان، وإذا أثبت قذفه بالبيئة وجب على زوجته حد الزنى. والأصل في اللعان قوله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ويدرؤوا عنها العذاب أن تشهد أبع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين} سورة النور الآيات: 6-9 وإذا نكل الزوج القاذف ولم يلاعن حد في قول الجمهور حد القذف، وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يجد ويحبسه الحاكم حتى يلاعن أو يذب نفسه فيحد حد القذف، وإن نكلت الزوجة وجب الحد عليها في قول مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة تحبس حتى تلاعن. وعند الحنابلة إذا نكلت الزوجة لم تحد، وفي حبسها حتى تلاعن أو تقر روايتان[24].

397- ثالثاً: عقوبة الخمر

وحد الشرب ثابت بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واجماع المسلمين، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه ضرب في شرب الخمر بالجريد والنعال أربعين، وضرب أبو بكر رضي الله عنه أربعين، وضرب عمر في خلافته ثمانين. وكان علي رضي الله عنه يضرب مرة أربعين، ومرة ثمانين. فمن العلماء من يقول: يجب ضرب الثمانين، ومنهم من يقول: الواجب اربعون، والزيادة يفعلها الامام عند الحاجة، إذا أدمن الناس الخمر أو كان الشارب ممن لا يرتدع بدونها ونحو ذلك، فأما مقلة الشاربين وعدم اعتيادها من الشارب، فتكفي الاربعون[25]. والخمر، التي حرمها الله ورسوله وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بجلد شاربها، كل شراب مسكر من أي أصل كان سواء كان من الثمار أو الحبوب أو غيرها، وكذلك الحشيشة يجلد صاحبها كما يجلد شارب الخمر، لما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل مسكر حرام..." وفي حديث آخر "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام" وفي رواية اخرى "كل مسكر خمر وكل خمر حرام" وفي حديث آخر "ما أسكر كثيره فقليله حرام"[26].

وتحريم الخمر ثابت في القرآن الكريم كما هو ثابت بالسنة النبوية، قال تعالى: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} سورة المائدة الآية: 90.

398- رابعاً: عقوبة السرقة

السرقة اعتداء على مال الغير بأخذه خفية ظلماً بشروط معينة، منها: ان يكون محرزاً ولا تقل قيمته عن ربع دينار. وعقوبتها قطع اليد قال تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءاً بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم}[27] ومن صور الاعتداء على مال الغير التي لا تعتبر سرقة بالمعنى الاصطلاحي الفقهي وبالتالي لا يجب فيها قطع اليد وإنما يجب فيها التعزير، خيانة الامانة كجحد الوديعة العارية وغيرها من الامانات، وغصب المال وانتهابه وخطفه من يد صاحبه.

399- خامساً: عقوبة قطع الطريق

جريمة قطع الطريق، أوالحرابة، عند الفقهاء، الخروج على المارة لأخذ المال منهم مجاهرة بالقوة والقهر، مما يؤدي الى امتناع الناس عن المرور وانقطاع الطريق، سواء ارتكب هذه الجريمة فرد أو جماعة، بسلاح أوغيره، ويسمى مرتكب هذه الجريمة، بالمحارب[28].

والأصل في عقوبتهما قوله سبحانه وتعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أن ينفوا من الأرض، ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم. إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم} سورة المائدة الآية: 33 – 34.

وعقوبة قاطع الطريق أن يقتل أو يصلب إذا قتل وأخذ المال. ويقتل بلا صلب إذا قتل ولم يأخذ مالا. وتقطع يده ورجله من خلاف إذا أخذ المال ولم يقتل، وينفى من الأرض إذا أخاف السبيل فقط فلم يقتل ولم يأخذ مالا. وعند المالكية يقتل قاطع الطريق وجوباً إذا قتل المجني عليه، وإن لم يقتله ولكن أخذ ماله فقط، فإن الامام مخير فيه بين القتل والصلب والقطع من خلاف. وإذا أخاف السبيل فقط فالامام مخير فيه بين القتل والصلب من خلاف والنفي[29].

400- سادساً: عقوبة المرتد

المرتد لغة: الراجع مطلقاً: وشرعاً: الراجع عن دين الاسلام، والردة تكون بالالفاظ، أو الأفعال، أوالاعتقادات. فتكون باللفظ بأن يتكلم المسلم بكلمة الكفر كسب الله ورسوله، وبالأفعال، بأن يأتي المسلم عملاً يدل على استخفافه بالدين الاسلامي كالصلاة بلا وضوء عمداً على وجه الاستخفاف بالدين، وكالقاء القرآن الكريم في قذر عمداً. وبالاعتقادات بأن يعتقد المسلم اموراً باطلة مناقضة لما عرف من الاسلام بالضرورة، مثل انكار وجود الله، أو يوم القيامة، أو الملائكة أو الجن، أو يعتقد قدك العالم، أو كذب الرسول صلى الله عليه وسلم، أو حل الزنى، أو يعتقد أن القرآن ليس من عند الله أو أن محمداً صلى الله عليه وسلم ليس خاتم الأنبياء والرسل ونحو ذلك. ويشترط لوقوع الردة أن يكون المرتد عاقلاً مختاراً، فلا تعتبر ردة المجنون ولا الصبي الذي لا يعقل، ولا السكران الذي زال عقله بالسكر ولا المكره إذا كان قلبه مطمئناً بالايمان.وليست الذكورة شرطاً لوقوع الردة، وكذا البلوغ عند الحنفية خلافاً لغيرهم الذين يرون البلوغ شرطاً لها[30].

وعقوبة المرتد القتل لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "من بدل دينه فاقتلوه" وهذا الحكم يشمل المرتد والمرتدة عند الجمهور، وقال الحنفية: المرتدة لا تقتل وإنما تحبس حتى تتوب. أما امهال المرتد قبل قتله فقد قال الجمهور بوجوب امهاله ويعرض الاسلام عليه لعله يرجع عن ردته، فأن أبى، قتل. وقال الحنفية: الامهال ليس واجباً بل مستحباً[31].

401- سابعاً: عقوبة البغي

جريمة البغي هي خروج جماعة ذات قوة وشوكة على الامام بتأويل سائغ يريدون خلعه بالقوة والعنف، ويسميهم الفقهاء: البغاة. والأصل في هذه الجريمة وعقوبتها قول الله جلّ جلاله: {وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت احداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء الى أمر الله..} سورة الحجرات الآية: 9. وعقوبة البغاة قتالهم إذا أظهروا العصيان للامام وامتنعوا عن أداء ما عليهم من حقوق وجاهروا بذلك وتهيؤوا للقتال، سواء نصبوا علهيم اماماً أو لم ينصبوا. ولا يجوز قتالهم حتى يبعث إليهم الامام من يسألهم ويكشف لهم الصواب ويدفع ما يحتجون به وينذرهم ويخوفهم نتيجة بغيهم، وهذا هو ما فعله سيدنا علي رضي الله عنه مع الخوارج فقد أرسل إليهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما يدعوهم الى الطاعة والرجوع الى الجماعة. فإذا أبوا، قاتلهم. هذا ويجوز قتالهم وإن لم يبدؤوا بالقتال فعلاً، إذا ترجح للامام أنهم يماطلون ويسوفون ويريدون كسب الوقت وتجميع الأنصار استعداداً للقتال، وقد يكون، في هذه الحالة، من الحزم معاجلتهم قبل أن يستفحل شرهم وتقوى شوكتهم فيصعب القضاء عليهم. فاذا رجع البغاة الى الطاعة ولزوم الجماعة لم يجز قتالهم لأن المقصود حصل وهو رجوعهم الى طاعة الامام. هذا ولا شيء على من قاتلهم من إثم أو ضمان أو كفارة لأن الله تعالى أحلّ قتالهم. وكذلك لا ضمان في اتلاف أموالهم. وكذلك ليس على أهل البغي ضمان ما أتلفوه حال الحرب من نفس أو مال، وبهذا قال الحنابلة والحنفية والشافعي في أحد قوليه. والحجة لهذا القول: السوابق القديمة المحفوظة عن الصحابة الكرام، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، ولأن للبغاة تأويلاً سائغاً، وفي تضمينهم تنفير لهم عن الرجوع الى الطاعة ولزوم الجماعة، فلا يجوز[32].

أ‌) القصاص والديات

402- والنوع الثاني من أنواع العقوبة في الشريعة الإسلامية: القصاص والديات، وتجب هذه العقوبة في جرائم الاعتداء على النفس أو على ما دون النفس، أي في جرائم القتل والجروح وقطع الاطراف والاعضاء. وقد تجب الكفارة أيضاً في جرائم القتل، ونتكلم عن هذه العقوبات بايجاز فيما يلي:

القصاص في جريمة القتل: قتل الجاني. وهو حق لأولياء القتيل، وهم جميع الورثة من ذوي الانساب والاسباب عند أكثر الفقهاء. والاصل في وجوب القصاص في النفس، قوله سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى، الحر بالحر، والعبد بالعبد، والانثى بالانثى} سورة البقرة الآية: 178، ولوجوب القصاص شروط، منها: أن يكون القتل عمداً عدواناً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "العمد قود" وان يكون القتيل معصوم الدم مطلقاً أي غير مباح الدم، وان يكون كافئاً للقاتل بمعنى أن القاتل لا يزيد عليه بحرية أو اسلام، وهذا الشرط عند جمهور الفقهاء خلافاً للحنفية[33].

أما القصاص، في جرائم الاعتداء على ما دون النفس، فالأصل فيه قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص} سورة المائدة الآية: 45، وجاءت السنة النبوية أيضاً بوجوب القصاص فيما دون النفس كما في قصة الربيع بنت النضر التي كسرت ثنية جارية فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاقتصاص منها.

وشروط القصاص فيما دون النفس هي شروط القصاص في النفس مع وجوب توفر شرطين آخرين هما: أولاً: الممائلة بين محل الجريمة وبين ما يقابلها في الجاني المراد الاقتصاص منه في هذا المحل. الثاني: ان يكون المثل ممكن الاستيفاء[34].

403- الدية

الدية في الشرع في باب القتل: اسم للمال الذي يدفع لأهل القتيل من قبل من يجب عليه هذا المال، ويختلف مقدارها باختلاف المال الذي تجب فيه. فهي عند الحنفية، إذا كان القتيل ذكراً مسلماً، من الإبل مائة، ومن الذهب ألف دينار، ومن الفضة عشرة آلاف درهم، ومن الحلل مائتا حلة، كل ثوبان: ازار ورداء، ومن البقر مائتا بقرة، ومن الغنم ألف شاة، ودية الأنثى على النصف من دية الذكر، ودية الجنين عشر دية أمه.

وتجب الدية في القتل الخطأ وشبه العمد على عاقلة الجاني وهم العصبة النسبية أي أقارب القتيل الذكور من جهة الأب، وأضاف إليهم الحنابلة العصبة السببية المتأتية من ولاء العتاقة، وعند الحنفية عاقلة الرجل أهل ديوانه من المقاتلة فان لم يكن فقبيلته. وتدفع الدية أقساطاً في ثلاث سنوات، ويؤدي كل رجل من العاقلة، من الدية، المقدار الذي يطيقه. وتجب الدية أيضاً في القتل العمد إذا اختارها أولياء القتيل على رأي من يقول: إنهم يخيرون بين القصاص وبين الدية وتكون في هذه الحالة في مال الجاني فقط[35].

404- الكفارة

وهي عتق رقبة مؤمنة أو صيام شهرين متتابعين عند عدم القدرة على العتق. وتجب الكفارة في القتل الخطأ بلا خلاف بين العلماء. وتجب أيضاً في القتل شبه العمد عند كثير من الفقهاء كالحنفية والشافعية والحنابلة. أما في القتل العمد، فقد قال بوجوبها الشافعية والزيدية، ولم يقل بوجوبها الحنفية والظاهرية والحنابلة على المشهور في مذهبهم[36].

ب‌) التعزير

405- وثالث أنواع العقوبات التعزير، وقد عرفناه من قبل، وقلنا: إنه يجب في كل معصية – ترك واجب أو فعل محرم – لم يرد في الشرع تقدير لعقوبتها. مثل تقبيل الصبي الأمرد، أو أكل ما لا يحل كالدم والميتة أو قذف الناس بغير الزنى، أو السرقة من غير حرز، أو سرقة ما لا يبلغ نصاب حد السرقة، أو خيانة الامانة كالوكلاء والشركاء إذا خانوا، أو الغش في المعاملة، أو التطفيف في المكيال والميزان، أو شهادة الزور، أو الرشوة، أو التعزي بعزاء الجاهلية، الى غير ذلك من أنواع المحرمات. فمرتكبها يعاقب تعزيراً بقدر ما يراه ذوو الشأن مثل ولي الأمر أوالقاضي على حسب كثرة هذه المحرمات في الناس أو قلتها، فاذا كانت المعصية كثيرة الوقوع في الناس زاد في العقوبة بخلاف ما إذا كانت قليلة. وعلى حسب حال الجاني فاذا كان من ذوي السوابق والفجور زاد في عقوبته بخلاف المقل من ذلك. وعلى حسب كبر الجرم وصغره، فيعاقب من يتعرض لنساء الناس وأولادهم ويتكرر ذلك منه بما لا يعاقب به من لم يتعرض إلا لامرأة واحدة او لصبي واحد.

أنواع التعزير

406- التعزير يكون بكل ما فيه ايلام، من قول وفعل، وترك قول، وترك فعل، فقد يعزر الشخص بوعظه وتوبيخه والاغلاظ له، وقد يعزر بهجره وترك السلام عليه حتى يتوب أو يقلع عن معصيته، كما هجر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه {الثلاثة الذين خلفوا} وقد يعزر بعزله عن ولايته، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعزرون بذلك. وقد يكون التعزير بالنفي عن الوطن أو بالحبس، أو بالضرب، وقد يعزر بتسويد وجهه. وقد يكون بالعقوبات المالية كما دلت على ذلك سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أمر عليه الصلاة والسلام بكسر دنان الخمر وشق ظروفه، وأمره لهم يوم خيبر باكفاء القدور التي طبخت فيها لحوم الحمر واتلاف هذا اللحم، ومثل هدمه لمسجد الضرار. وكذلك فعل عمر وعلي رضي الله عنهما فقد أمرا بتحريق المكان الذي يباع فيه الخمر، ومثل أخذ شطر مال مانع الزكاة. ومثل اراقة عمر بن الخطاب رضي الله عنه اللبن المشوب بالماء المعد للبيع، وأخيراً قد يكون التعزير بالقتل مثل قتل الجاسوس المسلم إذا تجسس للعدو على المسلمين، وهذا مذهب الإمام مالك وبعض الحنابلة[37].

أكثر التعزير

407- اختلف العلماء في أكثر التعزير على أقوال: الأول: عشر أسواط، الثاني: دون أقل الحدود، إما تسعة وثلاثون سوطاً، وإما تسعة وسبعون سوطاً، الثالث: انه لا يقدر بذلك، ولكن إن كان التعزير فيما من حبسه مقدر لم يبلغ به ذلك المقدر وان زاد على حد جنس آخر مثل التعزير على سرقة دون النصاب لا يبلغ به قطع اليد وان ضرب السارق أكثر من حد القذف. والتعزير على فعل دون الزنى لا يبلغ حد الزنى وان جاز ضربه أكثر من حد القذف. وهذا القول، كما يقول ابن تيمية: أعدل الاقوال وعليه دلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم[38].

408- وهل يجوز التعزير بالقتل؟ ذهب الامام مالك الى الجواز ووافقه عليه طائفة من أصحاب أحمد بن حنبل والشافعي على ذلك من حيث الجملة وان اختلفوا في بعض الجزئيات. فعندهم يجوز قتل الداعية الى البدع المخالفة للكتاب والسنة أما قتل الجاسوس المسلم الذي أجازه مالك وبعض الحنابلة فقد منعه الشافعي. وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يجوز التعزير بالقتل في مواضع، منها: فيما يتكرر من الجرائم إذا كان جنسه يوجب القتل، كما يقتل من تكرر منه اللواط أو اغتيال النفوس لأخذ المال. ومن لم يندفع فساده في الأرض إلا بقتله، جاز قتله، مثل المفرق لجماعة المسلمين ويدل على هذا ما جاء في الحديث الشريف "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه"، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن لم ينته عن شرب الخمر، فقال: "من لم ينته عنها فاقتلوه" وهذا أيضاً يدل على جواز التعزير بالقتل[39].

اعتراضات ودفعها

409- اعترض أو يعترض البعض على نظام الجريمة والعقوبة في الشريعة الاسلامية باعتراضات يظنها مقبولة، ويخلص منها إلى أن العقوبات الشرعية لا يمكن تطبيقها في الوقت الحاضر أو لا يمكن تطبيق أكثر عقوبات الحدود على الأقل.

ويقوم هذا الاعتراض على أن عقوبات الحدود تتضمن اهدار آدمية الشخص بجلده في الزنى والقذف وشرب الخمر، والتدخل في الحرية الشخصية كما في الزنى وشرب الخمر، وقطع الأعضاء في عقوبة السرقة وقطع الطريق، والرجم في الزنى بالنسبة للمحصن والتدخل في حرية العقيدة وقتل المخالف كما في عقوبة الردة، واعطاء حق العقاب للفرد لا للمجتمع في عقوبة القصاص، وتحميل اقارب الجاني أو اشراكهم في دفع الدية خلافاً لمبدأ شخصية العقاب وعدم مسؤولية الانسان عن جرم غيره.

والواقع أن هذه الاعتراضات واهية وما قامت عليه أوهى منها، وان اغتر بها أصحابها وحسبوها حججاً قوية وأدلة دامغة تبرر اعتراضهم وتعذرهم في هجر العقوبات الشرعية. فلا بد من كشف بطلان هذه الاعتراضات بشيء من التوضيح والتفصيل.

410- قولهم: إن الجلد فيه اهدار لآدمية الشخص مردود، لأن الجاني هوالذي أهان نفسه ولم يكرمها، وعرضها للاهدار ولم يصنها، فان الزاني الذي أباح لنفسه أن يلغ في اناء غيره لم يعد ينفعه وعظ وتوبيخ وإنما يحتاج الى تذكير بالسوط وتحسيسه بالألم الجسدي لا المعنوي، واما رجمه ان كان محصناً فلانه لم يعد صالحاً للعيش في المجتمع الاسلامي الطاهر لانه ولغ في إناء الغير وعنده اناء يكفيه. وأما الجلد في القذف فانه السبيل لتبرئة المتهمة بالزنى، ورفع الشكوك عنها، إذ لا سبيل الى ذلك إلا باظهار كذب القاذف، بمعاقبته. وسر المسألة ان الاسلام يعنى بنظافة المجتمع وطهارته وسلامة الاعراض والاخلاق، فاذا كانت هذه الامور مطلوبة فوسائلها مطلوبة، وهذا ما يقرره الاسلام، وإذا كانت هذه الأمور: من العفة وسلامة العرض والخلق وطهارة المجتمع غير مرغوبة فوسائلها غير مرغوبة، وهذا ما يقرره ضمناً المعترضون على العقوبات الشرعية. فالخلاف إذن في المحافظة على هذه الاغراض، الاسلام يقول لا بد من المحافظة عليها ومن ثم أوجب التشدد على من يريد تلويث المجتمع وتفويت هذه الاغراض المهمة الشريفة عليه.

411- أما ادعاؤهم بأن هذه العقوبات تتضمن التدخل في الحرية الشخصية كما في الزنى وشرب الخمر، فمردود لأن الحرية الشخصية لا يجوز أن تؤدي الى الاضرار بالمجتمع، فالحرية الشخصية تقف حيث تكون اداة ضرر وهدم في المجتمع، ولا يمكن لمنصف أن يقول إن زنى الزاني نفع للمجتمع، فأضراره أوضح من أن نتكلم عنها في هذا المقام. أما بالنسبة لشرب الخمر، فان عقل الانسان جوهرة ثمينة لا يجوز تعطيلها اختياراً فيكفي الانسان تعطيل عقله اضطراراً في النوم، فضلاً عما في شرب الخمر من تسهيل سبل الاجرام للسكران كما هو واضح ومعروف، والدولة مسؤولة عن منع الاجرام في اقليمها وسد سبله.

412- أما ادعاؤهم بقسوة بعض العقوبات لما فيها من بتر وقطع بعض الاعضاء فانهم قد فاتهم مدى ترويع السارق وقاطع الطريق للآمنين، كان عليهم أن يتصوروا فعل السارق وهو يسير في جنح الظلام على رؤوس أقدامه فينقب الجدار ويكسر القفل ويدخل على الآمنين في بيوتهم من نساء وأطفال ورجال، وبيده السلاح يزهق روح من يقاومه، فيأخذ المتاع من البيت ويخرج، وربما يستيقظ أهل الدار فيحصل القتل أو الفزع والهلع. فهم لو تصوروا فظاعة جرم السارق لما أسفوا على قطع يده الآثمة الخبيثة. ومثل هذا يقال عن قطاع الطرق الذين يتربصون بالمارة ويهاجمونهم ويسلبونهم أموالهم وأرواحهم. ثم يقال: إن العقوبة يجب أن يكون فيها قدر كاف من الردع والزجر، ولا شك أن قطع يد السارق او المحارب فيه هذا المقدار، أما غيرهما من العقوبات الوضعية كالحبس والغرامات فلا تملك هذا القدر من الردع، ودليل ذلك الواقع فان جرائم السرقة بازدياد ولم تقللها عقوبة الحبس. بل إن السجن صار نزلا لاصحاب السوابق يترددون اليه ويعتبرونه مأوى أميناً لهم بل ومحلا للقائهم وتبادل خبراتهم في عالم السرقة والاجرام.

413- أما قولهم: إن عقوبة الردة بقتل المرتد تدخل في حرية العقيدة ومصادرة لها واكراه للانسان على اعتقاده ما لا يريد، فهذا القول مأخذه الجهل في طبيعة هذه العقوبة، ومعنى الردة، ومعنى الاكراه على تبديل الدين. فالردة كما قلنا الرجوع عن الاسلام، أي ان مسلماً يرجع عن اسلامه، فنحن اذن إزاء مسلم ارتكب جرماً معيناً يسمى "الردة" ولسنا أمام رجل يهودي أو نصراني نكرهه على تبديل عقيدته، ومبدأ لا اكراه في الدين مقرر في الشريعة الاسلامية وفي نص القرآن الكريم، ولا يجوز المساس به، بدليل واضح ان الاسلام شرع الجزية، والجزية اقرار لغير المسلم على دينه، فلو كان هناك اكراه على تبديل عقيدة غير المسلم وتحويله بالجبر عن عقيدته لما شرعت الجزية.

أما سبب عقوبة المرتد وجعلها القتل فيرجع الى أمرين خطيرين: الأول: ان المسلم بردته أخل بالتزامه، لأن المسلم باسلامه يكون قد التزم أحكام الاسلام وعقيدته فاذا ارتد كان ذلك منه اخلالاً خطيراً في اصل التزامه، ومن يخل بالتزامه عمداً يعاقب، وقد تبلغ عقوبته الاعدام، الا يرى ان من تعاقد مع الدولة لتوريد الطعام لافراد الجيش ثم أخل بالتزامه عمداً في حالة احتياج الجيش للارزاق أن جزاءه قد يصل الى الاعدام؟ الثاني: ان المرتد مع اخلاله بالتزامه يقوم بجريمة أخرى هي الاستهزاء بدين الدولة والاستخفاف بعقيدة سكانها المسلمين، وتجريء لغيره من المنافقين ليظهروا نفاقهم، وتشكيك لضعاف العقيدة في عقيدتهم، وهذه كلها جرائم خطيرة يستحق معها المرتد استئصال روحه وتخليص الناس من شره. وإنما قلنا: إن المرتد من يرتكب هذه الامور، لأنه لا يعرف ارتداده إلا بالتصريح وإلا لو اخفى ردته لما عرف. ومع هذا فقد قلنا: إنه يمهل ثلاثة أيام لاعطائه فرصة الرجوع عن ردته، وهذا الامهال واجب عند كثير من الفقهاء فهل يمكن بعد هذا ان يقال: عقوبة الردة قاسية أو أن فيها اكراهاً على تبديل العقيدة أو أن فيها تدخلا في حرية العقيدة؟

414- وأما قولهم: إن العقوبة في جريمة القتل، هي القصاص، اعتبرت حقاً لأولياء القتيل لا للمجتمع مع أن القتل يهم المجتمع ويعتبر اعتداء عليه فيكون العقاب حقه لا حق أولياء القتيل، فهذا القول هزيل وسطحي، فاولا ان للمجتمع حقه في هذه العقوبة، ولهذا إذا عفا أولياء القتيل عن القاتل جاز للقاضي أن يحكم عليه بعقوبة تعزيرية بالسجن أو بالضرب أو بهما. وفي هذا يقول ابن فرحون المالكي: "إذا عفي عن القاتل العمد على الدية فان على القاتل الدية ويستحب له الكفارة ويضرب مائة ويحبس سنة"[40] لأن حق اولياء القتيل في القصاص هو الغالب أي أغلب من حق المجتمع فيه، ومن ثم كان لهم العفو عنه، كما كان لهم طلبه، وإذا طلبوه لم يسع القاضي ان يعفو عنه بل ولا لرئيس الدولة أن يعفو عن القاتل ما دام يمكن لأحد ان يتصرف فيه بغير رضاهم. أما في القوانين الوضعية فالنظرة تختلف، لأن هذه القوانين تجعل عقوبة القاتل من حق المجتمع لا من حق أهل القتيل، وبالتالي فلا يترتب على عفوهم عنه اسقاط العقوبة، كما أن للمجتمع ممثلا برئيس الدولة أو غيره، ان يعفو عن القاتل، أو يبدل عقوبة الاعدام بغيرها. والنظرة الفاحصة في جريمة القتل العمد تبين ان ضرر هذه الجريمة يقع اولا وبصورة مباشرة على المجني عليه وأهله، فهم الذين اكتووا بنار هذه الجريمة ولحقهم الأذى والضرر المباشر بفقدهم عزيزهم، وان ضررهم هذا والمهم وأذاهم أشد وأكثر بكثير من تضرر المجتمع وأذاه وألمه، فمن الطبيعي والعدل ان يكون حقهم في القصاص من الجاني اغلب من حق المجتمع، ثم ان في تمكينهم من القصاص حسماً للجريمة واطفاء لنار الغضب وطلب الثأر في نفوسهم، وفي الحيلولة بينهم وبين ذلك ابقاء لجذور الجريمة فقد يندفع أهل القتيل لقتل الجاني بعد حبسه، كما يحدث هذا كثيراً، ويقال أيضاً: إن في القصاص من القاتل واعطاء حق القصاص لاهل القتيل ردعاً مؤثراً وزجراً كافياً لمن تسول له نفسه ازهاق روح البريء لأن الإنسان يحب ذاته ويحرص عليها ويخاف من فواتها، فينزجر عما يؤدي الى ذلك إذا ما علم أن القصاص من حق اولياء القتيل وأنه لا يمكن للقاضي، ولا رئيس الدولة العفو عنه إذا ما طلب أهل القتيل القصاص منه. ولهذا كله رأينا أن جرائم القتل قليلة يوم كان نظام القصاص الشرعي هو المطبق السائد في البلاد الاسلامية، وان جرائم القتل ازدادت ولا تزال في ازدياد عندما نحيت عقوبة القصاص الشرعية، فيكف بعد هذا يمكن لمنصف ان يعترض على عقوبة القصاص الشرعية، والنظر السديد يؤيدها والواقع يشهد بصحتها وبكفايتها للزجر والردع وأثرها في حفظ حياة الناس وصدق الله العظيم إذ يقول: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} سورة البقرة الآية: 179.

ولا بد هنا من الاشارة الى أن هذا الحجاج والمناقشة إنما يساقان على سبيل التنزل واسكات المعترض بنفس اعتراضه، وإلا فان المؤمن بالله وباليوم الآخر وبدين الاسلام لا يجوز له الاعتراض على شرع الله لأن الاعتراض عليه نوع من الارتداد عن دين الاسلام، وان من شرط الايمان الحكم بما شرعه الله والرضى به، قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً} سورة النساء الآية: 65.

415- وأما اعتراضهم في الدية وانها تحميل لغير الجاني وان هذا يناقض مبدأ قصر المسؤولية على من قام فيه سببها، فالجواب أن مبدأ قصر المسؤولية على من قام فيه سببها المستفاد من قوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} سورة فاطر الآية: 18، مبدأ قائم في الشريعة غير مسنوخ ولا معطل، وليس في تشريع الدية مناقضة له أصلا، لأن ايجاب الدية على العاقلة في القتل الخطأ، إنما كان بناء على التعاون والمواساة، لأن المخطئ من حقه أن يعان، وان أولى من يعينه أهله واقرباؤه من عصبته الذين يرثونه بعد موته، فمن باب الغنم بالغرم وجب عليهم مواساته والاشتراك معه في الدية، وفي هذا الاشتراك تسهيل على أهل المجني عليه الظفر بالدية لأن مبلغها كبير وامكان ادائها من الجاني ضعيف، في حين ان تحميل العاقلة بها سيجعل ما يصيب الواحد منهم مبلغاً يسيراً يسهل عليه اداؤه فيسهل على أهل القتيل الظفر به كما قلنا. وقد ذهب بعض الفقهاء الى تعليل آخر في وجوب الدية على العاقلة خلاصته أن عصبة القاتل خطأ مان عليهم أن يراقبوه ويوجهوه لئلا يقع في الرعونة والطيش فيقتل غيره خطأ، فاذا لم يفعلوا ذلك كان خطأ منهم وتقصيراً في واجبهم في مراقبة بعضهم بعضاً فيتحملون جزاء تقصيرهم بتحميلهم الدية مع الجاني.

الخلاصة

والخلاصة أن نظام الجزية والعقوبة نظام عادل قام على أسس متينة واحاطة تامة بما يصلح له أمر الناس، وبمراعاة غرائز الناس، مما يؤدي الى قمع أو تقليل الاجرام فيهم، مع عدالة تامة في تقدير العقوبة وجعلها بقدر الجريمة، وفي تطبيق العقوبة على الجميع. وقد رأينا تهافت اعتراضات المعترضين على الحدود والقصاص والديات، أما التعزير فاعتراضهم عليه قليل جداً، بل إن نظام التعزير مما انفردت به الشريعة الاسلامية، وهو احدث ما ينادي به في الوقت الحاضر علماء القانون الجنائي. وإذا علمنا ان نطاق العقوبات التعزيرية أوسع بكثير من نطاق الحدود والقصاص علمنا مدى متانة القانون الجنائي الاسلامي وامتيازه على ما سواه من القوانين الوضعية، ووفائه بحاجات الناس وقيامه بتوفير الأمن والاطمئنان لهم مما لا يجاريه في ذلك، ولا يقاربه فيه أي قانون وضعي، وهذا من بعض دلائل تنزل شرعة الاسلام من الله جل جلاله.

[1] بدائع الصنائع للكاساني ج 2 ص 311.

[2] الذميون، من رعايا الدولة الإسلامية، يحملون جنسيتها على أساس عقد الذمة وإن كانوا غير مسلمين. أما المستأمنون فهم غير مسلمين دخلوا دار الإسلام بإذن منها ليقيموا فيها مدة ويغادروها.

[3] الكاساني ج 7 ص 39، شرح الخرشي ج 8 ص 108، كشاف القناع ج 4 ص 55، مغني المحتاج ج 4 ص 187.

[4] الماوردي ص 211، أبو يعلى ص 241.

[5] الكاساني في بدائعه، وابن عابدين في حاشيته لم يذكر البغي مع جرائم الحدود، (الكاساني ج 7 ص 33، وحاشية ابن عابدين ج 3 ص 193).

[6] الهداية ج 4 ص 112، الكاساني ج 2 ص 56.

[7] فتح القدير ج 4 ص 113، الماوردي ص 213 – 215.

[8] الماوردي ص 227، تبصرة الحكام لابن فرحون المالكي ج 2 ص 258.

[9] السياسة الشرعية لابن تيمية ص 119 – 120، رد المحتار لابن عابدين ج 3 ص 251.

[10] تبصرة الحكام ج 2 ص 264، السياسة الشرعية لابن تيمية ص 120.

[11] الدر المختار ورد المحتار ج 3 ص 260.

[12] انظر الفقرة 102 من هذا الكتاب.

[13] مجموع فتاوى ابن تيمية ج 28 ص 299.

[14] تيسير الوصول الى جامع الاصول من حديث الرسول ج 2 ص 14.

[15] التلويح على التوضيح ج 2 ص 151.

[16] بداية المجتهد ج 2 ص 262.

[17] تيسير الوصول ج 2 ص 7.

[18] بداية المجتهد ج 2 ص 363، المغني ج 8 ص 157، المبسوط ج 9 ص 36.

[19] شرح الكنز للزيلعي ج 3 ص 173 – 174، المبسوط ج 9 ص 44 – 45، المغني ج 8 ص 167 – 168، بداية المجتهد ج 2 ص 364 – 365.

[20] الكاساني ج 7 ص 34، الشرح الصغير للدردير ج 2 ص 390 – 393، كشاف القناع ج 4.

[21] مجموع الفتاوى ابن تيمية ج 28 ص 334 – 335.

[22] تفسير القرطبي ج 12 ص 172.

[23] بداية المجتهد ج 2 ص 368، المغني ج 8 ص 216، الماوردي ص 221، المحلى ج 11 ص 268.

[24] بداية المجتهد ج 2 ص 99، الهداية وفتح القدير ج 3 ص 250 – 251، أبو يعلى الحنبلي ص 256.

[25] مجموع فتاوى ابن تيمية ج 28 ص 336 – 337.

[26] المرجع السابق ص 340 – 342.

[27] سورة المائدة الآية: 38، الكاساني ج 7 ص 91 – 92، شرح الخرشي ج 8 ص 104.

[28] السياسة الشرعية لابن تيمية ص 82 – 83، المغني ج 8 ص 288، فتح القدير ج 7 ص 268 وما بعدها، بداية المجتهد ج 2 ص 380، الكاساني ج 7 ص 93 ومعنى يصلبوا، أي يربطوا على خشبة ليشتهر أمرهم ويعرفهم الناس، وتقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أي تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، والمراد بالنفي هنا حبس الجاني في غير بلده.

[29] نفس مصادر رقم 279.

[30] بدائع الصنائع للكاساني ج 7 ص 134، رد المحتار ج 3 ص 392 – 394، الفتاوى الهندية ج 2 ص 253، المغني ج 8 ص 123، شرح الخرشي في فقه المالكية ج 8 ص 62، شرح الازهار في فقه الزيدية ج 4 ص 576.

[31] الفتاوى الهندية ج 2 ص 257، المغني ج 8 ص 123 – 125.

[32] أبو يعلى الحنبلي ص 38 – 39، الماوردي ص 55 – 56، الكاساني ج 7 ص 113، 140، الهداية وفتح القدير ج 4 ص 411، المغني ج 108 – 114، كشاف القنا ج 4 ص 99، مغني المحتاج ج 4 ص 128، المهذب للشيرازي ج 2 ص 437، شرح الازهار ج 4 ص 570.

[33] المغني ج 7 ص 643 وما بعدها، الكاساني ج 7 ص 232 وما بعدها، الماوردي ص 222 وما بعدها، بداية المجتهد ج 2 ص 332، شرح الخرشي ج 8 ص 4، مغني المحتاج ج 4 ص 16، شرح فتح القدير ج 8 ص 254.

[34] المغني ج 7 ص 702 – 707، تفسير القرطبي ج 6 ص 161، وما بعدها، الدر المختار ج 5 ص 485، الكاساني ج 7 ص 297.

[35] الدر المختار ورد المحتار ج 5 ص 504 – 517، الكاساني ج 7 ص 251 – 257، المغني ج 7 ص 759 وما بعدها، بداية المجتهد ج 2 ص 345، المحلى لابن حزم ج 11 ص 58، مختصر المزني ج 5 ص 141، مغني المحتاج ج 4 ص 55، شرح الازهار ج 4 ص 468.

[36] المغني ج 7 ص 651، وج 8 ص 96 – 97، الدر المختار ج 5 ص 467 – 468، الكاساني ج 7 ص 251، المحلى ج 10 ص 514، البحر الزخار ج 5 ص 222، متن المنهاج ومغني المحتاج ج 4 ص 107.

[37] مجموع الفتاوى ابن تيمية ج 28 ص 107 – 108، 344 – 345.

[38] مجموع فتاوى ابن تيمية ج 28 ص 108.

[39] المرجع السابق ص 345 – 347.

[40] تبصرة الحكام لابن فرحون المالكي ج 2 ص 259.

الفصل الخامس - مَقاصِدُ الإسْلام

تحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل

379- ان مقاصد الاسلام – التي دل استقراء نصوص الشريعة عليها – هي تحقيق مصالح العباد ودرء المفاسد والاضرار عنهم في العاجل والآجل، وبهذا كله تتحقق لهم السعادة الحقة في حياتهم هنا وحياتهم هناك. وبهذا صرح المحققون من علماء الاسلام، قال الامام العز بن عبد السلام "إن الشريعة كلها مصالح: إما درء مفاسد أو جلب مصالح"[1]. وقال شيخ الاسلام ابن تيمية "ان الشريعة الاسلامية جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها"[2] وقال تلميذه ابن قيم الجوزية "الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة ومصالح كلها وحكمة كلها"[3]. وقال الشاطبي في موافقاته: "انها – أي الشريعة – وضعت لمصالح العباد"[4].

والواقع أن ما ذكره هؤلاء الائمة الاعلام حق ووصف ثابت للاسلام تدل عليه نصوصه كما قلنا. ويكفي هنا أن نذكر نصاً في تعليل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم يتضمن ما قالوه، قال جل جلاله: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} وإنما كانت رسالته عليه الصلاة والسلام رحمة للعالمين لأنها تتضمن تحقيق المصالح للعباد في دنياهم وآخرتهم وتدرأ عنهم المفاسد والاضرار.

أنواع مصالح العباد

380- ومصالح العباد التي يعنى بها الاسلام ايجاداً وحفظاً، هي ثلاثة: المصالح الضرورية والحاجية والتحسينية، وقد شرع الإسلام من الاحكام ما يحقق هذه المصالح ويحفظها فيتحقق للناس سعادتهم في الدنيا والآخرة، وقد فصلنا القول في هذه المصالح فلا نعيده[5].

معيار المصلحة والمفسدة

381- معيار المصلحة والمفسدة هو الاسلام، فما شهد له الاسلام بالصلاح فهو المصلحة وما شهد له بالفساد فهو المفسدة، والخروج عن هذا المعيار معناه اتباع الهوى، والهوى باطل لا يصلح لتمييز الصلاح من الفساد، قال تعالى: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} سورة ص الآية: 26، فليس هناك إلا الحق والهوى، والحق هو ما أنزله الله وفيه بيان للمصلحة والمفسدة، وما عداه الهوى وهو باطل وفيه فساد للناس. فالمصلحة إذن في اتباع الحق المنزل من عند الله وهجر ما سواه.

عجز الانسان عن إدراك المصلحة والمفسدة

382- والانسان عاجز بطبيعته عن إدراك المصالح الحقيقية وطريق الوصول إليها في الدنيا والآخرة، وإذا أدرك بعضها في الدنيا فانه عاجز عن معرفة مصالحه في الآخرة وطريق الوصول اليها، وإنما يستطيع ذلك إذا سار خلف الشريعة واستنار بنورها ووقف عند حدودها ووزن الأمور بميزانها.

مصلحة الانسان الحقيقية في اتباع ما أنزل الله

383- ومصلحة الانسان الحقيقية في اتباعه ما أنزل الله وإقامة أمور الدنيا وفق النظام الاسلامي، لأن في ذلك تحقيقاً مؤكداً لمصالحه الحقيقية وسعادته في الدنيا. ومع هذه السعادة الدنيوية سعادة عظمى له في الآخرة بالظفر برضوان الله والدخول الى دار النعيم. وهذا من مزايا الاسلام العظيم، فان تطبيق أحكامه واتباع تعاليمه ومناهجه في الحياة لا يفوت على الانسان الحياة الطيبة في الدنيا – كما يظن بعض الجهال – بل يحققها له على وجه سليم خال من العثار والشطط، وإن هذه الحياة القائمة على معاني الإسلام تسهل له سلوك سبيل الآخرة بيسر وسلامة حتى توصله الى الله تعالى راضياً مرضياً، بخلاف المعاني غير الاسلامية فانها تكدر حياة الانسان وتشقيه في الدنيا وتقطع صلته بالله ولا توصله في الآخرة إلا إلى النار.

مصالح الدنيا معتبرة بمصالح الآخرة

384- يقول الفقيه الشاطبي: "المصالح المجتلبة شرعاً، والمفاسد المستدفعة انما تعتبر من حيث تمام الحياة الدنيا للحياة الاخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية او درء مفاسدها العادية"[6].

ومعنى هذا الكلام أن تقدير الاسلام لمصالح العباد وتشريعه الاحكام والمناهج لتحصيلها، إنما يقصد من ذلك كله تهيئتهم للظفر بسعادة الآخرة. فمصالح الدنيا، في الحقيقة، ليست مطلوبة لذاتها وإنما هي وسيلة لمصالح الآخرة. فأي شيء يعارض ظفره بسعادة الآخرة يجب أن يترك أو يؤخر، وأي شيء يؤدي الى سعادته في الآخرة يجب أن يؤخذ ويقدم، فلا يجوز التفريط بالآخرة من اجل الدنيا ومنافعها الزائلة، قال تعالى: {فاما من طغى وآثر الحياة الدنيا فان الجحيم هي المأوى، واما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فان الجنة هي المأوى} سورة النازعات الآية: 37. وفي هذا المعنى قال الامام الشاطبي في موافقاته "والمصالح والمفاسد الاخروية مقدمة في الاعتبار على المصالح والمقاصد الدنيوية باتفاق، إذ لا يصح اعتبار مصلحة دنيوية تخل بمصالح الآخرة، فمعلوم ان ما يخل بمصالح الآخرة غير موافق لمقصود الشارع فكان باطلا"[7]. فالممنوع إذن تقديم الدنيا على الآخرة، وليس الممنوع تحصيل الدنيا واستعمالها للآخرة، قال تعالى: {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا} سورة القصص الآية: 77، فالدنيا مزرعة الآخرة، ومتاعها وسيلة للوصول إليها، فلا يجوز تخريب المزرعة، ولا الخروج منها على وجه الفرار لأن الانسان جاء إليها ليعمل الخير ويتزود بزاد التقوى ويفني عمره في ذلك، ولكن عليه أن لا ينسى هذه المهمة فيجعل الدنيا مقصودة وغايته، وقد أرادها الله وسيلة للآخرة وخادمة لها لا مزاحمة لها، فاذت تعارضت مصلحته الدنيوية مع مصلحته الاخروية، قدم الثانية على الأولى غير آسف عليها، لأنه غير مغبون ولا خاسر في هذا التقديم، لأن المصلحة الكبرى تقدم على الصغرى في نظر الإسلام وفي نظر العقلاء، ومصلحة الآخرة أكبر قطعاً من مصلحة الدنيا، لأن تقييم المصلحة إنما يكون بقدر ما فيها من لذة وراحة ومنفعة من حيث الكم والكيف، وبقدر دوامها للانسان، ولا شك ان مصلحة الآخرة أعظم من مصلحة الدنيا من هاتين الناحيتين ذلك ان ما في الدنيا من لذائذ ومنافع وراحة لا يقاس بما في الآخرة كماً ولا كيفاً، فان لذائذ الدنيا مشوبة بالمنغصات وتافهة من حيث الكم والكيف، أما الآخرة، فلذائذها خالصة من المنغصات والمكدرات، وفريدة من حيث نوعها وكيفيتها، وفيها ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وفيها رضوان الله ورؤية وجهه الكريم والقرب منه في جنات النعيم، وكل هذه الأمور العظام لا يساوي اليسير منها كل نعيم الدنيا. واما من حيث الدوام فان سعادة الآخرة ولذائذها دائمة غير منقطعة، بينما نعيم الدنيا ولذائذها منقطعة قطعاً، فهي لا تتجاوز عمر الانسان، إذا فرضنا أن يتنعم في عمره كله، وأية نسبة بين سعادة مقدرة بعمر الانسان القصير المتناهي، وسعادة الآخرة الدائمة لمدى غير متناهية؟ فالمسلم العاقل لا يمكن أن يؤثر الدنيا على الآخرة أبداً، لأن الشرع يأمر بتقديم الآخرة، والحساب يقتضي هذا التقديم، ومصلحة الانسان تدعو الى هذا التقديم، وهذا هو الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال والجهل والخسران المبين.

[1] القواعد للعز بن عبد السلام ج 1 ص 9.

[2] منهاج السنة النبوية لابن تيمية ج 1 ص 147، ج 2 ص 240، ج 3 ص 118.

[3] اعلام الموقعين ج 3 ص1.

[4] الموافقات للشاطبي ج 2 ص 6.

[5] راجع الفقرة (75 – 84) من هذا الكتاب.

[6] الموافقات للشاطبي ج 2 ص 384.

[7] الوافقات ج 2 ص 387.

الباب الثاني - الــداعــي

تمهيد

379- الداعي هو المكلف شرعاً بالدعوة إلى الله، فلا بد من التعريف به وبيان أدلة تكليفه. والداعي وهو يقوم بهذا التكليف الشرعي يحتاج الى عدة تعينه على أداء ما كلف به وتسهل عليه هذه المهمة العظيمة. كما يحتاج الى نوع معين من الأخلاق الإسلامية أكثر مما يحتاجه غيره، وعلى هذا سنقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول:

الفصل الأول – التعريف بالداعي

الفصل الثاني – عدة الداعي

الفصل الثالث – اخلاق الداعي

الفصل الأول - التعريف بالداعي

الفصل الأول – التعريف بالداعي

الداعي الأول

379- الداعي الأول إلى الله تعالى، بعد أن أنعم الله علينا بالإسلام، هو رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً} سورة الأحزاب الآية: 45-46. وقد كرر القرآن الكريم الخطاب إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يأمره بالدعوة إلى الله والاستمرار عليها وعدم التحول عنها، فمن هذه الآيات الكريمة قوله تعالى: {وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم} سورة الحج الآية: 67، وقوله تعالى: {وادع الى ربك ولا تكونن من المشركين} سورة القصص الآية: 87، وقوله تعالى: {قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه المآب} سورة الرعد الآية: 36، وقد ظل صلى الله عليه وسلم يدعو إلى ربه تبارك وتعالى حتى أتاه اليقين من ربه وصار الى جواره الكريم راضياً مرضياً فجزاه الله على المسلمين خير الجزاء.

الدعوة الى الله وظيفة رسل الله

380- والواقع ان الدعوة إلى الله هي وظيفة رسل الله جميعاً، ومن أجلها بعثهم الله تعالى الى الناس، فكلهم بلا استثناء دعوا أقوامهم ومن أرسلوا اليهم إلى الإيمان بالله وإفراده بالعبادة على النحو الذي شرعه لهم، قال تعالى عن نوح عليه السلام: {لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} سورة الأعراف الآية: 59، وقال تعالى عن هود عليه السلام: {والى عاد أخاهم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} سورة هود الآية: 53، وعن صالح قال تعالى: {وإلى ثمود أخاهم صالحاً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} سورة الاعراف الآية: 73، وعن شعيب عليه السلام، قال تعالى: {وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره...} سورة الاعراف الآية: 85.

وهكذا جميع رسل الله دعوا إلى الله، الى عبادته وحده، والتبرؤِ من عبادة ما سواه، قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} سورة النحل الآية: 36، فرسل الله هم الدعاة إلى الله، وقد اختارهم الله لحمل دعوته وتبليغها الى الناس.

الأمة شريكة لرسولها في وظيفة الدعوة الى الله

381- ذكرنا في الفقرة السابقة أن الداعي الأول إلى الله تعالى هو رسولنا صلى الله عليه وسلم، وذكرنا الآيات الكريمة التي تأمره عليه الصلاة والسلام بالدعوة الى الله، وهذه الآيات يدخل فيها المسلمون جميعاً، لأن الأصل في خطاب الله لرسوله صلى الله عليه وسلم دخول أمته فيه إلا ما استثني، وليس من هذا المستثنى أمر الله تبارك وتعالى بالدعوة إليه، ومعنى ذلك أن الله تعالى أكرم هذه الأمة الاسلامية وشرفها أن أشركها مع رسوله الكريم في وظيفة الدعوة إليه. وهذا التشريف والتكريم لا يستفاد فقط من الخطابات الالهية لرسوله بالدعوة إليه كما ذكرنا وإنما هو صريح الآيات الكثيرة في القرآن، قال تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} سورة آل عمران الآية: 110، فهذه الأية الكريمة افادت معنيين: الاول خيرية هذه الأمة، والثاني أنها حازت هذه الخيرية لقيامها بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي وظيفة رسول الله ورسل الله جميعاً، وأول ما يدخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الدعوة الى الله وحده والبراءة من الشرك بأنواعه. بل إن القرآن الكريم جعل من صفات المؤمنين الدعوة إلى الله، بخلاف المنافقين الذين يصدون عن سبيل الله و يدعون الى غيره، قال تعالى: {والمنافقون والمنافقات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف..} سورة التوبة الآية: 67، ثم قال تعالى بعد ذلك: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} سورة التوبة الآية: 71. قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: (فجعل الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقا بين المؤمنين والمنافقين، فدل على أن أخص أوصاف المؤمنين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورأسها الدعاء إلى الاسلام)[1]. وأضيف الى ذلك أن الله تبارك وتعالى، بهذا الآية، وصف الأمة الإسلامية بما وصف به رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى عن رسوله: {يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} سورة الاعراف الآية: 157.

من هو المكلف بالدعوة الى الله

382- ومما ذكرنا يتضح بجلاء ان المكلف بالدعوة الى الله هو كل مسلم ومسلمة لأن الأمة الإسلامية تتكون منهم، فكل بالغ عاقل من الأمة الإسلامية – وهي المكلفة بالدعوة الى الله – مكلف بهذا الواجب، ذكراً كان أو أنثى، فلا يختص العلماء، أو كما يسميهم البعض رجال الدين، بأصل هذا الواجب، لأنه واجب على الجميع، وإنما يختصون بتبليغ تفاصيله وأحكامه ومعانيه نظراً لسعة علمهم به ومعرفتهم بجزئياته. ويزيد الأمر وضوحاً – وهو أن المكلف بالدعوة إلى الله تعالى هو كل مسلم ومسلمة – قول ربنا جل جلاله: {قل هذه سبيلي أدعو الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين} سورة يوسف الآية: 108. فأتباع الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمنون به، يدعون الى الله على بصيرة أي علم ويقين، كما كان رسولهم صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله على بصيرة ويقين. ومعنى ذلك أن من اللوازم الضرورية لايمان المسلم أن يدعو الى الله، فاذا تخلف عن الدعوة دل تخلفه على وجود نقص أو خلل في ايمانه، يجب تداركه بالقيام بهذا الواجب، واجب الدعوة الى الله. قال الامام ابن كثير في تفسير هذه الآية "يقول الله تعالى الى رسوله صلى الله عليه وسلم ان يخبر الناس أن هذه سبيله أي طريقته ومسلكه وسنته وهي الدعوة الى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك ويقين وبرهان، هو وكل من اتبعه يدعو الى ما دعا اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم على بصيرة ويقين وبرهان عقلي وشرعي"[2]. وفي الحديث الشريف الذي رواه الامام البخاري عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فليبلغ العلم الشاهد الغائب"[3] ويدخل في معنى الشاهد كل مسلم علم من أمر الإسلام شيئاً.

383- والدعوة إلى الله، وهي واجب على كل مسلم ومسلمة، كما قلنا، قد تؤدى بصروة فردية، وقد تؤدى بصورة جماعية، وإذا أردنا الدقة بالتعبير قلنا: إن هذا الواجب يؤدى على نحوين: الأول، نحو فردي بأن يقوم به المسلم بصفته فرداً مسلماً، والثاني، يؤدى هذا الواجب أو جانباً منه بصفته فرداً في جماعة تدعو الى الله تعالى. يدل على هذا كله قول الله تبارك وتعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} سورة آل عمران الآية: 104، قال الامام ابن كثير في تفسير هذه الآية "والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وان كان ذلك واجباً على كل فرد من الأمة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان". والواقع ان تجمع الدعاة للقيام بواجب الدعوة بصورة جماعية، يكون ضرورياً كلما كانت مهمة الدعوة جسيمة، كما لو أريد نشر الدعوة الى الله في المجتمعات الوثنية الجاهلية التي عشعش فيها الشيطان وبيض وصد أهلها عن سبيل الله وأركسهم في حمأة الشرك كما في الأقطار الوثنية في افريقيا ونحوها، فان مثل هذه الأقطار تحتاج الى جهود كبيرة جداً ومنظمة لنشر الدعوة الى الله وتعليمهم أمور الإسلام مما لا يقوى عليه جهد فرد ولا جهود مبعثرة لبعض الأفراد. ويؤيد هذا التبشير بالإسلام على شكل جمعي، ما جاء في السنة النبوية، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر من يسلم بالتحول الى دار الهجرة ليضم جهده الى جهود المسلمين وتوجيهها التوجيه السليم من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كما اننا نجد في قوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان} سورة المائدة الآية: 2، دليلا آخر على مشروعية التجمع والدعوة الجماعية، بل ووجوبها إذا كان البر لا يمكن تحصيله بدون ذلك. وقد اشار الامام أبو حنيفة، على ما رواه الجصاص عنه، الى ضرورة التجمع على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتوجيه الجهود الجماعية لتحقيق هذا المقصود.

شبهات واعتراضات

384- قد يتوهم البعض ان واجب الدعوة الى الله لا يلزمه، لأنه ليس من رجال الدين، وإن هذا الواجب واجب كفائي يجب على العلماء فقط لا على الجميع بدليل قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} سورة آل عمران الآية: 110.

والجواب على ذلك أن تفسير هذه الآية الكريمة، كما نقلناه عن ابن كثير، الفقرة السابقة "أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن وإن كان ذلك واجباً على كل فرد من الأمة بحسبه". وجاء في تفسير الرازي بصدد هذه الآية: في قوله تعالى: {منكم} قولان: أحدهما: أن "من" هاهنا ليست للتبعيض لدليلين: الأول: ان الله تعالى اوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل الأمة في قوله: {كنتم خير أمة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر}. الثاني: هو أنه لا مكلف الا ويجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إما بيده أو بلسانه أو بقلبه، ويجب على كل أحد دفع الضرر عن النفس. إذا ثبت هذا فنقول: معنى هذه الآية كونوا أمة دعاة الى الخير آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر، واما كلمة "من" فهي هنا للتبيين، لا للتبعيض كقوله تعالى: {فاجتنبوا الرجس من الاوثان} سورة الحج الآية: 30. ثم ذكر الرازي القول الثاني وهو ان "من" للتبعيض لأن "في القوم من لا يقدر على الدعوة ولا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" ثم قال عن أصحاب هذا القول: ان هذا التكليف مختص بالعلماء لأن الدعوة الى الخير مشروطة بالعلم بالخير وبالمعروف وبالمنكر، فثبت أن هذا التكليف متوجه على العلماء لا على الجهال، والعلماء بعض الأمة"[4]. وبنفس هذا المعنى وذكر القولين في هذه الآية، جاء تفسير القرطبي وتفسير الجصاص[5] والواقع أن القول الذي ذكره الرازي أصح لما استدل به أصحابه، وهو ما ذكره ابن كثير بعبارته الدقيقة التي ذكرناها، إذ جعل الوجوب على كل فرد، مع لزوم وجود فرقة متصدية لشأن الدعوة الى الخير. والحقيقة أن هناك شيئاً من الالتباس في فهم هذه المسألة بسبب كلمة (العلماء) التي فسر بها أصحاب القول الثاني كلمة "ولتكن منكم أمة" الواردة في الآية باعبتار أن الدعوة الى الخير مشروطة بالعلم. والسبب الثاني لهذا الالتباس متأتٍ من فهم الفرض الكفائي. فلا بد من توضيح هذين الأمرين، فنقول:

لا شك أن الدعوة الى الخير، وأعلاها الدعوة الى الله، مشروط لها العلم ولكن العلم ليس شيئاً واحداً لا يتجزأ ولا يتبعض وإنما هو بطبيعته يتجزأ ويتبعض، فمن علم مسألة وجهل أخرى فهو عالم بالأولى جاهل بالثانية، ومعنى ذلك أن يعد من جملة العلماء بالمسألة الأولى، وبالتالي يتوفر فيه شرط وجوب الدعوة الى ما علم دون ما جهل، ولا خلاف بين الفقهاء، ان من جهل شيئاً أو جهل حكمه أنه لا يدعو اليه، لأن العلم بصحة ما يدعو إليه الداعي شرط لصحة الدعوة. وعلى هذا فكل مسلم يدعو الى الله بالقدر الذي يعلمه كما سنبينه فيما بعد، ويكون هذا المعنى هو المقصود من قولهم: إن الدعوة تجب على العلماء لا على غيرهم، أي على من يعلم المسألة وحكمها التي يدعو اليها، سواء كان من عامة المسلمين أو ممن نال حظاً كبيراً من العلم. وبهذا يظهر فساد قول من قال: إن المقصود بالعلماء هم الذين نالوا حظاً كبيراً من العلم دون سواهم، وقد يسمونهم برجال الدين. لأن هذه التسمية تصدق على كل مسلم فهو من رجال الإسلام وليست مقصورة على فئة منهم. أما الأمر الثاني الذي يسببه حصل هذا اللبس، وهو معنى الفرض الكفائي، فالمقصود به انه اذا قام به البعض سقط التكليف عن البعض الآخر وان كان واجباً على الكل، قال الرازي: "ثم قالوا – أي أصحاب القول الأول القائلين بالوجوب على الكل، وان كلمة "من" للتبيين وليست للتبعيض – ان ذلك وان كان واجباً على الكل، إلا أنه متى قام قوم سقط التكليف عن الباقين، ونظيره قوله تعالى: {انفروا خفافاً وثقالاً} وقوله: {إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً} فالأمر عام، ثم اذا قامت به طائفة وقعت الكفاية وزال التكليف على الباقين"[6]. وقال الجصاص وهو يتكلم عن تفسير الآية: {ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير..} حوت هذه الآية معنيين، أحدهما: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والآخر انه فرض على الكفاية ليس بفرض على كل واحد في نفسه اذا قام به غيره"[7] فقوله: ليس بفرض على كل واحد في نفسه إذا قام به غيره، يبين المقصود من الفرض الكفائي وهو سقوطه إذا قام به الغير خلافاً للفرض العيني الذي لا يسقط إلا بالقيام به من كل فرد. وعلى هذا فالدعوة من صفات المؤمنين كما بينا، ولأن الحديث الشريف أمر كل مسلم ومسلمة بازالة المنكر حسب استطاعته، فاذا حصل المقصود بفرد أو افراد لم يطالب الآخرون باعادة المنكر لازالته، ولا يؤاخذون لأنهم لم يزيلوه. والشأن في المسلم المبادرة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون انتظار غيره فقد لا يقوم به الغير فيقع في الإثم. والمسلم يدعو الى الله باعتباره مسلماً مؤمناً بالله ورسوله، وقد ذكرنا، قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعوا الى الله على بصيرة انا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين} سورة يوسف الآية: 108، فلا بد للمسلم أن يدعو الى الله، ولكن لو قدر أنه لم يدع شخصاً معيناً الى الله أو لم يدع في وقت، وقام بالدعوة مسلم آخر، فإن الداعي يؤجر دون الأول، ولكن لو ترك المسلم الدعوة الى الله تركاً دائماً مستمراً متعمداً فإنه لا ينضوي تحت مفهوم قوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو الى الله...} لأن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم هم الذين يدعون الى الله.

هذا ومن معاني الفرض الكفائي، انه متوجه الى المسلمين جميعاً بأن يعملوا لتحقيق هذا الفرض، وعلى القادر فعلا أن يقوم بهذا الفرض مباشرة، فيكون معنى الآية: {ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} أن يقوم المسلمون باعداد هذه (الأمة) أي الجماعة المتصدية للدعوة الى الله وأن يعاونوهم بكل الوسائل ليتحقق المقصود من قيامهم وهو اقامة دين الله ونشر دعوته، فان لم يفعل المسلمون ذلك أثم الجميع، المتأهل للدعوة وغيره[8].

ويقال أيضاً: إن الدعوة الى الله حتى لو قلنا: إنها تجب على البعض دون البعض الآخر باعتبار انها من الفروض الكفائية، فان الشرط للخروج من عهدة الفرض الكفائي حصول الكفاية بمن يقوم به، ولما كانت الكفاية غير حاصلة، فيجب أن يقوم بهذا الواجب كلم مسلم حسب قدرته، لا سيما في زماننا حيث لا يزال الشرك والوثنية والجاهلية تغشى مجتمعات بشرية كثيرة في افريقيا وامريكا وغيرها من أقطار الأرض المختلفة، ونشر الدعوة الى الله في هذه المجتمعات الجاهلية يحتاج الى جهود جبارة يشترك فيها جميع المسلمين كل حسب استطاعته، بماله او تعليمه، أو بفكره أو بسلطانه.

385- وقد يتشبث البعض، توهماً منه، بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} سورة المائدة الآية: 105، ليتخلص من واجب الدعوة إلى الله ويبرر قعوده وتقاعسه، متوهماً أن هذه الآية الكريمة تعفيه من تكليف الدعوة إلى الله، ما دام هو في نفسه صالحاً مهتدياً. إن هذا الوهم تسرب الى البعض في زمن الصديق أبي بكر رضي الله عنه فخطب في الناس، وقال "يا أيها الناس انكم تقرؤون هذه الآية الكريمة وتضعونها في غير موضعها: {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم}، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم الله بعقاب"[9].

هذا، ويلاحظ أن في الآية نفسها ما يؤكد وجوب الدعوة الى الله تعالى على كل مسلم، وينفي الوهم الذي يتشبث به القاعدون، ذلك أن الله سبحانه وتعالى قال في الآية {إذا اهتديتم} والاهتداء كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية "إنما يتم باداء الوجب. فاذا قام المسلم بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قام بغيره من الواجبات لم يضره ضلال الضلال"[10].

386- وقد يتشبث البعض بشبهة أخرى، وهي أن الباطل انتشر في الأرض، ولم تعد الدعوة الى الله تنفع شيئاً، وعلى المسلم أن يهتم بنفسه ويدع أمر الخلق. والجواب على هذه الشبهة، كما سنوضحه فيما بعد، أن الواجب على المسلم هوالقيام بواجب الدعوة الى الله، سواء حصل المقصود واستجاب الناس أو لم يستجيبوا، وقد حصلت هذه الشبهة لأقوام سالفين قصّ الله لنا من أخبارهم، وكيف أن الدعاة الى الله ردوا عليهم شبهتهم، قال تعالى: {وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً؟ قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون. فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون} سورة الاعراف الآية: 164-165. والآية الكريمة تشير إلى أهل قرية صاروا ثلاث فرق: فرقة ارتكبت المعاصي، وفرقة أنكرت عليهم ووعظتهم، وفرقة سكتت عنهم فلم تفعل ولم تنه ولكنها قالت للمنكرة: {لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً} أي: لم تنهون هؤلاء وقد علمتم أنهم قد هلكوا واستحقوا العقوبة من الله فلا فائدة في نهيكم اياهم، فقالت الفرقة المنكرة، بالجواب الصحيح {معذرة إلى ربكم} أي: فيما أخذ علينا من واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فنحن نعتذر إلى ربنا لا نملك إلا أن ندعو هؤلاء العصاة للاقلاع عن معصيتهم والانابة الى ربهم {ولعلهم يتقون} أي: ولعل هذا الانكار عليه ودعوتنا إياهم للانابة الى ربهم والرجوع إليه يدعوهم الى الاستجابة[11]. وفي هذا اشارة الى أنه ما دام هناك احتمال قبول الدعوة فلا بد من استمرار الوعظ والإرشاد والدعوة إلى الله تعالى ليحيا من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة.

387- وقد يتشبث البعض بشبهة أخرى تقوم على فهم سقيم للآية الكريمة {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} سورة البقرة الآية: 286، فيتعلل بأن الدعوة إلى الله تسبب له تعباً ونصباً لا يستطيع تحمله، والواقع أن هذه حجة ضعاف الايمان رقيقي الدين، فان التعب المزعوم ينالهم في سعيهم للظفر بمآرب الدنيا التافهة كالحصول على ربح مادي زهيد مثلا، فأولى بهم أن يتحملوا شيئاً من التعب في الدعوة الى الله وفي هذا التعب أجر عظيم لهم. والحقيقة ان التعب المزعوم يسير وبسيط، فهل هناك تعب شديد في تعليم الجاهل أمور الإسلام، أو في عرض الإسلام على الكافر الذي لم يسمع بالإسلام؟ وهل يتعب إذا حرك لسانه بالكلام الطيب أو يتعب فكره إذا فكر في أمور الإسلام؟ وهل يتعب تعباً لا يطاق إذا تيسر له السفر الى المجتمعات الوثنية يدعوها الى الله؟ ألا ينظر الى رجال الكنيسة الذين يذهبون ويقضون السنين هناك؟ إن المسلم أولى منهم بالتبشير ونشر الدعوة الى الله بين اولئك الوثنيين، وإن عليه إذا وسوس له الشيطان بالتعب والإرهاق أن يتذكر قول الله تعالى: {إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون} سورة النساء الآية: 106. وعليه أن يتذكر أن أصحاب رسول الله تحملوا كثيراً في الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله، ونذكر على سبيل المثال شيئاً من أخبارهم وجهادهم في سبيل الله، فقد جاء في كتب السيرة، ان النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن رجع الى المدينة ومعه المسلمون بعد معركة أحد جاءه الخبر – أن أبا سفيان ومن معه من المشركين عزموا على الرجوع الى المدينة – لاستئصال من بقي من المسلمين. فلما صلى الرسول صلى الله عليه وسلم الصبح، أمر بلالاً فنادي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم لطلب عدوكم ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال أمس. فخرج معه سعد بن معاذ الى داره يأمر قومه بالمسير وكلهم جريح فقال: إن رسول الله يأمركم أن تطلبوا عدوكم. فقال أسيد بن حضير – وبه سبعه جراحات يريد أن يداويها – سمعاً وطاعة لله ولرسوله، وأخذ سلاحه ولم يعرج على دواء، ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم. وجاء سعد بن عبادة قومع، وجاء أبو قتادة الى طائفة فبادروا جميعاً، وخرج من بني سلمة أربعون جريحاً – بالطفيل بن النعمان ثلاثة عشر جرحاً، وبالحارث بن الصمة عشر جراحات – حتى وافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لما رآهم: "اللهم ارحم بني سلمة"[12]. وهكذا كان صحابة رسول الله وهذا نموذج من جهادهم في سبيل اعلاء كلمة الله، فهل يستكثر المسلم إذا أتعب نفسه قليلا في الدعوة الى الله ونشر محاسن الإسلام وتعليم الناس مكارم الأخلاق؟ الا يستحي من نفسه إذا استكثر الجهد البسيط الذي يبذله في الدعوة الى الله، وصحابة رسول الله يخرجون جرحى للقتال وهم يقولون: سمعاً وطاعة لله ولرسوله.

تعليل تكليف المسلم بالدعوة الى الله

388- ذكرنا في الفقرات السابقة الأدلة الشرعية على وجوب الدعوة الى الله على كل مسلم ومسلمة. ومعنى ذلك أن الإسلام لا يكتفي من المسلم بأن يكون في نفسه صالحاً مهتدياً، وإنما يريد منه أن يكون مصلحاً وهادياً لغيره، فما تعليل ذلك؟ تعليل ذلك من وجوه:

الوجه الأول – إن الله تعالى أرسل رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الناس جميعاً {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً} سورة الأعراف الآية: 158، ورسالته عليه الصلاة والسلام باقية إلى يوم الدين. ومقصدها هداية الخلق أجمعين ليفوزوا بالسعادة في الدارين، ولهذا كانت رسالته رحمة للعالمين {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} سورة الأنبياء الآية: 107، وقد بلّغ عليه الصلاة والسلام رسالة ربه ومضى إلى جواره الكريم راضياً مرضياً، فكان لا بد للمسلمين من النهوض من بعده وتبليغ دعوة الإسلام إلى أهل الأرض ليهدوهم بها ويخرجوهم من الظلمات إلى النور، قال تعالى: {الر. كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور باذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد} سورة ابراهيم الآية: 1.

فهم شهداء الله على خلقه ومبلغو رسالته إليهم بعد نبيهم {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً} سورة البقرة الآية: 143. إن قيام المسلم بالدعوة إلى الله يؤدي أعظم نفع وعون لعباد الله، لأنه يمد إليهم يدا كريمة تنقذهم مما هم فيه من رجس الشرك والوثنية، ويضعهم على صراط الله المستقيم، فيؤدون حق ربهم عليهم، ويحققون الغاية التي من أجلها خلقوا {وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون} سورة الذاريات الآية: 56.

الوجه الثاني – إن بقاء الشرك والكفر في الأرض يؤثر عاجلا أو آجلا على معاني الإسلام القائمة في أي جانب من جوانب الأرض، ولهذا يمنع الإسلام المسلم من البقاء في ديار الكفر ويأمره بالتحول الى ديار الإسلام لئلا يفتتن في دينه أو يمرض قلبه أو يسلب إيمانه، قال تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم؟ قالوا كنا مستضعفين في الأرض، قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها، فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا} سورة النساء الآية: 97. وقال أهل التفسير في هذه الآية: إنها نزلت "في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنا من اقامة الدين فهو ظالم لنفسه مرتكب حراماً بالاجماع"[13] وقال الامام مالك "تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهراً ولا يستتر فيها"[14]. وعلى هذا فقيام المسلم بدعوة أهل الشرك والكفر إلى الله وإلى دينه، يفيده ويقيه شرور الكفر.

الوجه الثالث – دفع الهلاك والعذاب عن المسلمين، قال تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب} سورة الأنفال الآية: 25. قال ابن عباس رضي الله عنهما: أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب أي يصيب الصالح والطالح. وفي مسلم عن زينب بنت جحش أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم إذا كثر الخبث"[15].

الدعوة الى الله بقدر حال الداعي وقدرته

389- وإذ تبين ان الدعوة إلى الله واجب على كل مسلم، فان هذا الواجب يتحدد بقدر حال الداعي وقدرته، لأن القدرة هي مناط الوجوب وقدره، فمن لا يقدر لا يجب عليه، ومن يقدر فالوجوب عليه بقدر قدرته، ويدخل في مفهوم القدرة العلم والسلطان. فيجب على العالم ما لا يجب على الجاهل، ويجب على ذي السلطان ما لا يجب على غيره من آحاد المسلمين. ولهذا فان الله سبحانه وتعالى خص بالانذار والوعيد أهل العلم وحذرهم من كتمان الحق الذي عرفوه. قال تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم} سورة البقرة الآيتان: 159 و 160. فأوجب الله تعالى على أهل العلم أن يبينوا للناس ما علموا من معاني الإسلام، وأن ينشروها بين الناس لينقذوهم من أوضار الشرك. وكل من عرف شيئاً من معاني الإسلام فهو عالم بهذا الشيء وعليه تبليغه إلى من يجهله فليس العلم شيئاً واحداً لا يتجزاً ولا يتبعض، وإنما هو قابل للتجزئة، وكل مسلم يعلم أنه لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله وان الحساب في يوم القيامة حق وان القرآن كلام الله حق، وان محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وان الصلاة والصيام والحج والزكاة من فرائض الاسلام، فعليه أن يبلغ ما علمه، أما يجهله فلا يكلف بتبليغه ولا تعليمه لأنه يجهله، وفاقد الشيء لا يعطيه.

والنوع الثاني من القدرة، وهو السلطان والتمكين في الأرض، فقد أشار القرآن الكريم إلى هذا النوع واوجب على اصحابه أن يستعملوا ما وهبه الله لهم من تمكين وسلطان في نشر الدعوة إلى الله تعالى واعمار الارض بفضائل الاعمال وبعبادة الله تبارك وتعالى، قال عز وجل {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور} سورة الحج الآية: 41، وقد قال أهل التفسير في المراد من أهل التمكين في الأرض: إنهم الولاة، ومنهم من أدخل فيهم العلماء[16]، والأول أظهر، وعلى هذا فمن اتاه الله تعالى الملك والسلطان فعليه أن يعمر الأرض بعبادة الله وعلى رأسها الصلاة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وعلى رأس المعروف الدعوة إلى الله، وعلى رأس النهي عن المنكر النهي عن الشرك بجميع أنواعه وأشكاله، وهذا هو مقصود الولاية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "انما نصب الإمام ليأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر وهذا هو مقصود الولاية"[17]. وقد فقه هذا المعنى ولاة الأمر في الماضي، فاستعملوا سلطانهم في اقامة دين الله والدعوة اليه. كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله في الاقاليم كتاباً جاء فيه "وان من طاعة الله التي أنزل في كتابه أن يدعو الناس إلى الإسلام كافة.. فادع إلى الإسلام وأمر به، فان الله تعالى قال: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين}[18]. والحقيقة أن قيام ولي الأمر بواجب الدعوة إلى الله يؤدي إلى نتائج كبيرة جداً ومؤثرة جداً لأنه يملك القوة والسلطان وبيده الأمر والنهي مما يجعله قادراً على التنفيذ أكثر من أي واحد من آحاد الرعية، ولهذا جاء في الأثر المشهور "أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن". وبقدر قدرة المسلم على الدعوة والتنفيذ يكون واجبة في الدعوة إلى الله ومسؤوليته عن ذلك.

الداعي يدعو إلى الله في كل وقت وفي جميع أحواله وظروفه

390- قلنا: إن الدعوة إلى الله واجب على المسلم فهو يؤديه بهذا الاعتبار... وواجب الدعوة إلى الله ليس له وقت محدد كالصلاة والصيام، ولهذا فان هذا الواجب يؤديه المسلم في جميع الاحوال والظروف وفي كل وقت يتيسر له فيد اداؤه، قال تعالى مخبراً عن نوح عليه السلام {قال ربي إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً... ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسراراً} سورة نوح الآية: 5، 9، وكذلك كان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم (يدعو قومه ليلا ونهاراً وسراً وجهاراً ولم يشغله شيء عن الدعوة إلى الله تعالى)[19]. والواقع أن الداعي إذا كان صادقاً في دعوته منشغلاً بها لا يفكر إلا فيها ولا يتحرك إلا من أجلها ولا يبخل عليها بشيء من جهده ووقته، لم يشغله عنها شاغل أبداً حتى في أحرج الساعات وأضيق الحالات وأدق الظروف، وهكذا كان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، فعندما هاجر الى المدينة ومعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه لقي في طريق بريدة بن الحصيب الاسلمي في ركب من قومه فيما بين مكة والمدينة، فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا[20]. وهذا يدل على انه عليه الصلاة والسلام لم يغفل عن الدعوة إلى الله حتى وهو في طريقه مهاجراً إلى المدينة والقوم يطلبونه. ويوسف عليه السلام عندما دخل السجن مظلوماً لم يشغله السجن وضيقه عن واجب الدعوة إلى الله ولهذا فقد اغتنم سؤال السجينين عن رؤيا رأياها، فقال لهما قبل أن يجيبهما ما أخبرنا الله به {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان، إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} سورة يوسف الآية: 39، 40. المطلوب من الداعي أن يدعو إلى الله وليس المطلوب منه أن يستجيب الناس.

391- المطلوب من الداعي أن يدعو إلى الله، وهذا هو الواجب عليه، وليس المطلوب منه أن يستجيب الناس، قال تعالى: {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} سورة العنكبوت الآية: 18، فاذا كان الرسول غير مكلف إلا بالتبليغ فغيره من احاد الأمة أولى أن لا يكلف بغير التبليغ. وتعليل ذلك من وجهين: الأول: أن القاعدة الأًصولية تقول: إن الإنسان لا يكلف بفعل غيره أي لا يكلف أن يفعل غيره فعلا معيناً أو يترك فعلاً معيناً، لأن هذا من قبيل تكليف ما لا يطاق، وانما يكلف الانسان أن يفعل هو فعلا معيناً يتعلق بغيره وقد يحمله على الفعل، كالدعوة إلى الله، وكالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالمسلم مطالب ومكلف بأن يأمر بالمعروف، وقد يستجيب المأمور فيكون أمر الآمر سبباً لفعل المأمور وقد لا يستجيب المأمور، ولهذا مدح الله تعالى أحد أنبيائه بأنه {وكان يأمر أهله بالصلاة} سورة مريم الآية: 55، فالذي يملكه المسلم ويكلف به أن يأمر غيره بالمعروف ويدعوه إلى عبادة الله ولا يكلف بأن يفعل الغير فعلا معيناً. الوجه الثاني: إن الاستجابة والهداية بيد الله وحده، فهو الهادي {كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء...} سورة المدثر الآية: 31، ولله الحجة على عباده، ولو شاء لهداهم أجمعين، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. أما هداية التبليغ والبيان والدعوة فهي للرسل ولسائر الدعاة، فهم المكلفون بها، قال تعالى لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم: {وانك لتهدي إلى صراط مستقيم} سورة الشورى الآية: 52، مع قوله في آية أخرى {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} سورة القصص الآية: 56.

الاستمرار على الدعوة إلى الله وان لم يستجب أحد

392- وإذا كان المطلوب من المسلم أن يدعو إلى الله وليس المطلوب منه أن يهدي الناس، فعليه أن يستمر على الدعوة بلا كلل ولا ملل ولا فتور لأن واجبه البلاغ والتبيين وهذا متعلق به فعليه أن يؤديه كما يؤدي سائر العبادات، وان لم يستجب له أحد، ألا ترى أن نوحاً عليه السلام لبث في قومه يدعوهم إلى الله الف سنة إلا خمسين عاماً؟

وهكذا كان رسل الله يدعون أقوامهم مدة حياتهم فمنهم من استجاب له قومه أو بعضهم ومنهم من لم يستجب له أحد. وقال الإمام النووي: "لا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه بل يجب عليه فعله فان الذكرى تنفع المؤمنين فإن الذي عليه الأمر والنهي لا القبول"[21] ووجه الدلالة بهذا القول ان الدعوة الى الله في رأس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيسري عليها معنى هذا القول. وبهذا المعنى قال السيوطي في اشباهه[22]. ومما يؤكد وجوب الاستمرار على الدعوة إلى الله حرمة اليأس، واحتمال الإجابة، لأن الامور بيد الله وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء فلا يستطيع الداعي أن يقطع بعدم الإجابة فيجب عليه الاستمرار بالدعوة والوعظ والارشاد حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

أجر الداعي على الله لا على العباد

393- الداعي إلى الله يؤدي واجباً ويقوم بعبادة امتثالا لأمر الله، والأجر على العبادة يناله العابد من الرب الجليل تفضلا منه واحساناً وعلى هذا فلا يطلب الداعي من أحد من الخلق أجراً على دعوته ولا مالا ولا ثناء ولا جاهاً ولا أي عوض من الاعواض المادية أو المعنوية قال تعالى مخبراً عن نوح عليه السلام: {فان توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين} سورة يونس الآية: 72، وقال عن نبينا صلى الله عليه وسلم {قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربي} سورة الشورى الآية: 23، أي الا أن ترعوا قرابتي معكم فتسمحوا لي بالدعوة إلى الله تعالى ولا تمنعوني منها ولا تصدوا الناس عنها. وهكذا شأن جميع رسل الله. يدعون الناس إلى الله ولا يبغون منهم جزاء ولا شكورا لأن أجرهم على الله الكريم، قال تعالى: {وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون} سورة ياسين الآية: 21.

مكانة الداعي في الإسلام

394- مكانة الداعي إلى الله في الإسلام مكانة عظيمة جداً. فقوله في الدعوة إلى الله أحسن الأقوال في ميزان الله وهو أصدق الموازين، قال تعالى: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين} سورة فصلت الآية: 33، وهذه الآية كما قال أهل التفسير، عامة فيمن دعا إلى الله وهو في نفسه مهتد يعمل الخير ويؤدي الفرائض ويجتنب المحارم[23]. ان كلمته في الدعوة إلى الله – لا سيما عند الجحود وشيوع التمرد على الله – هي أحسن كلمة تقال في الأرض وصاحبها بهذه الصفة من الصلاح في نفسه مع استسلامه لله رب العالمين. أما أجر الداعي إلى الله فأجر عظيم قال صلى الله عليه وسلم "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً" وفي حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه "فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحداً خير لك من حمر النعم" وفي حديث آخر "من دل على خير فله مثل أجر فاعله".

[1] تفسير القرطبي ج 4 ص 47.

[2] تفسير ابن كثير ج 2 ص 195 – 196.

[3] صحيح البخاري ج 1 ص 62 – 63.

[4] تفسير الرازي ج 7 ص 177 – 178.

[5] أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 29، وتفسير القرطبي ج 4 ص 165.

[6] الرازي ج 7 ص 177.

[7] الجصاص ج 2 ص 29.

[8] قال الشيخ عبدالله دراز بصدد تفسير هذه الآية: ومعنى توجه الطلب على الجميع أن ينهضوهم لذلك ويعدوهم له ويعاونوهم بكل الوسائل ليتحقق هذا المهم من المصلحة فان لم يحصل هذا المهم من المصلحة أثم جميع المتكلفين المتأهل وغيره، الموافقات للشاطبي ج1 ص 176.

[9] نيل المرام من تفسير آيات الأحكام للسيد محمد صديق حسن خان ص 251، الجصاص ج 2 ص 31.

[10] الحسبة لابن تيمية، في مجموعة رسائله، ص 275.

[11] تفسير ابن كثير ج 2 ص 257.

[12] امتاع الاسماع للمقريزي ص 167.

[13] تفسير ابن كثير ج 1 ص 542.

[14] تفسير القرطبي ج 2 ص 391.

[15] القرطبي ج 1 ص 390.

[16] القرطبي ج 12 ص 73.

[17] السياسة الشرعية لابن تيمية ص 77.

[18] سورة فصلت الآية: 33، عمر بن عبد العزيز تأليف عبدالله بن عبد الحكم ص 94.

[19] امتاع الاسماع للمقريزي ص 18.

[20] امتاع الأسماع ص 42.

[21] شرح صحيح مسلم للنووي ج 2 ص 22.

[22] الاشباه والنظائر للسيوطي ص 307.

[23] تفسير ابن كثير ج 4 ص 100.

الفصل الثاني - عُدّة الدّاعي - تمهيد

379- يحتاج الداعي إلى الله في اداء مهمته ووظيفته، التي هي في الأصل وظيفة رسل الله، إلى عدة قوية من الفهم الدقيق والايمان العميق والاتصال الوثيق بالله تعالى. هذه هي مقومات عدة الداعي وأركانها وإذا فقدها لم يغن عنها شيء آخر وإذا ضعفت معانيها في نفسه فعليه أن يقويها، فلا بد من الكلام عنها بما يبين المقصود منها في أبحاث متتالية.

الفصل الثاني - عُدّة الدّاعي - المبحث الأول - الفهم الدقيق

العلم قبل العمل

379- العلم قبل العمل قال تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك..} سورة محمد الآية: 19، فقدم العلم على العمل. والواقع أن تقديم العلم على أي عمل ضروري للعامل حتى يعلم ما يريد ليقصده ويعمل للوصول إليه. وإذا كان سبق العلم لأي عمل ضرورياً، فانه أشد ضرورة للداعي إلى الله، لأن ما يقوم به من الدين ومنسوب إلى رب العالمين. فيجب أن يكون الداعي على بصيرة وعلم بما يدعو إليه وبشرعية ما يقوله ويفعله ويتركه فاذا فقد العلم المطلوب واللازم له كان جاهلا بما يريده ووقع في الخبط والخلط والقول على الله ورسوله بغير علم فيكون ضرره أكثر من نفعه وافساده أكثر من اصلاحه، وقد يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف لجهله بما أحله الشرع وأوجبه وبما منعه وحرمه. فيجب إذن لكل داع إلى الله تعالى: العلم بشرع الله وبالحلال والحرام وبما يجوز وما لا يجوز وبما يسوغ فيه الاجتهاد وما لا يسوغ، وما يحتمل وجهين أو أكثر وما لا يحتمل. والعلم ما قام عليه الدليل الشرعي من كتاب الله أوسنة رسوله أو من أدلة الشرع الأخرى. وعلى المسلم أن يستزيد من هذا العلم الشرعي النافع ليعرف موضوع دعوته وليكون فيها على بصيرة وبينة فلا يأمر إلا بحق ولا ينهى إلا عن باطل.

فضل العلم

380- وفضل العلم وأهله معروف غير منكور نطق به القرآن الكريم ورفع شأنه وأكدته السنة النبوية وأمر الله بالتزود منه وطلب المزيد منه قال تعالى: {وقل ربي زدني علماً} سورة طه الآية: 114، {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} سورة المجادلة الآية: 11، وفي السنة النبوية "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين" واستشهد الله تعالى بأهل العلم على أجل مشهود به وهو توحيد الله وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة الملائكة وهذه تزكية لهم وتعديل وتوثيق لأن الله تعالى لا يستشهد بمجروح قال تعالى: {شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم} سورة آل عمران الآية: 18.

وأهل العلم لا ينفعون أنفسهم فقط وإنما ينفعون غيرهم بما يرشدونهم إليه ويدلونهم عليه يوصلونهم به إلى ربهم، فالناس كما قال الامام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب لأنهم يحتاجون اليهما في اليوم مرة أو مرتين، وحاجتهم إلى العلم بعدد أنفاسهم، ومن أجل هذا كله كان طلب العلم أفضل من صلاة النافلة، وبهذا قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك وغيرهم من أئمة المسلمين، وجاءت السنة النبوية بالبشارة لهم، ففيها: "ان العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، وان الله تعالى وملائكته يصلون على معلمي الناس الخير"[1] فعلى الداعي المسلم أن يحرص أن يكون دائماً من المتفقهين في الدين، العلماء بأحكامه المعلمين للناس الخير حتى يصيبه ما نطقت به هذه الآيات والأحاديث.

الفهم الدقيق

381- ومن العلم العزيز النادر الذي يغفل عنه الكثيرون مع دلالة القرآن عليه وتصريحه به والدعوة اليه، علم طريق الآخرة الذي يهيج القلب ويزعجه ويدفعه إلى سلوكه، ويشعر صاحبه بغربته في الدنيا وقرب رحيله عنها إلى سفر بعيد لا يرجع بعده إلى دنياه ولا ينفع فيه زاد إلا التقوى ولذلك فهو دائماً مشغول بإعداد هذا الزاد {وتزودوا فان خير الزاد التقوى} سورة البقرة الآية: 197، متطلعاً إلى ما هناك، إلى ما يؤول إليه أمره بعد سفره البعيد، أيكون مصيره إلى نار جهنم، وفي ذلك شقاؤه العظيم، أم يكون مصيره في دار النعيم بجوار الرب الكريم؟ انه لهذه العاقبة المجهولة، يكون دائماً بين الخوف والرجاء، ولكنه خوف العارف لا الجاهل ورجاء العامل لا الخامل... ان هذا العلم هو الذي قلّ وجوده بين الناس وبين طلاب العلم، وبدونه لا يعتبر العالم عالماً وان حفظ الشروح والمتون والأحكام وملأ رأسه منها ورددها على لسانه.. ان هذا العلم هو لب العلم وغايته وكل مسلم محتاج إليه والعالم أشد حاجة إليه، والداعي أحوج من الجميع إليه... ان هذا العلم هو الذي نسميه "الفهم الدقيق" وهو الذي فقهه الصحابة الكرام وأشربت به عقولهم وقلوبهم فضنوا بوقتهم أن يذهب سدى في غير طاعة الله ودعوة إليه، فنشطت جوارحهم في العبادة والجهاد في سبيل الله والدعوة إليه حتى أتاهم من ربهم اليقين.

الفهم الدقيق يقوم على تدبر معاني القرآن

382- ويقوم الفهم الدقيق على تدبر معاني القرآن وإطالة النظر فيها وترديدها والوقوف عندها والتغلغل في مراميها ومقاصدها، فان الله تعالى أنزل كتابه ليتدبر الناس آياته لا لمجرد أن يتلوه بلا فهم ولا تدبر. قال تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته ولتذكر أولوا الألباب} سورة ص الآية: 29، وقال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} سورة محمد الآية: 24، ان تلاوة القرآن بتدبر وامعان تعرف المسلم بالرب الذي يدعو إليه، وطريق الوصول إليه، وما للمستجيب من الكرامة إذا قدم عليه، وتعرفه في مقابل ذلك ثلاثة أخرى: ما يدعو إليه الشيطان وحزبه، والطريق الموصلة إليه، وما للمستجيب لدعوة الشيطان من الاهانة والعذاب. ان هذه المعرفة ضرورية للداعي إذ بها تجعله كأنه في الآخرة وان كان هو في الدنيا وتميز له بين الحق والباطل في كل ما اختلف فيه الناس فتريه الحق حقاً والباطل باطلاً وتعطيه فرقاناً ونوراً يفرق به بين الهدى والضلال والغي والرشاد وتعطيه قوة في قلبه وحياة وسعة وانشراحاً وبهجة وسروراً وتعلقاً بالآخرة وعزوفاً عن الدنيا، فيصير هو في شأن والناس في شأن آخر[2].

أركان الفهم الدقيق

383- معاني الفهم الدقيق التي تكون دعائمه وأركانه كثيرة، وأهمها في نظرنا اثنان: الأول: فهم الداعي غايته في الحياة ومركزه بين البشر. الثاني: تجافيه عن دار الغرور وتعلقه بالآخرة فلنبين المقصود من هذين الركنين.

معرفة الداعي غايته في الحياة ومركزه بين الناس

384- ما هي غاية الانسان في الحياة؟ وهل وراء هذه الغاية غاية أخرى؟

أجابنا القرآن الكريم على هذا التساؤل فجعل الناس صنفين: الصنف الأول: يجعلون غايتهم الأكل والشرب والتمتع بملاذ الجسد وليس وراء هذه الغاية عندهم غاية أخرى، فهم يهتبلون فرص العمر وايامه ليتمتعوا ما وسعهم التمتع، فما بعد هذه الحياة في نظرهم الكليل وقلوبهم الميتة إلا العدم والفناء وهؤلاء شر الخلق، واشقاهم، قال تعالى: {والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم} سورة محمد الآية:" 12، فهم صاروا كالدواب والبهائم لا يختلفون عنها إلا في الصورة والشكل وإلا في دخول النار. تلك هي غاية هذا الصنف اما مركزهم بين الناس، فهو مركز الاضلال والافساد ومآلهم جميعاً دخول النار قال تعالى: {أولئك يدعون إلى النار، والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون} سورة البقرة الآية: 221.

الصنف الثاني: وهم الذين عرفوا الحقيقة والغاية، عرفوا أنهم خلقوا لله لعبادته، وانهم إليه راجعون، قال تعالى: {وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون} سورة الذاريات الآية: 56، {يا أيها الانسان إنك كادح الى ربك كدحاً فملاقيه} سورة الانشقاق الآية: 6، فغايتهم عبادة الله وحده ومنها الجهاد في سبيله والدعوة إليه وعمارة الأرض بفعل الخير وهداية الحيارى إلى الحق وقيادتهم في دروب الحياة، تلك غايتهم في الحياة الدنيا، ووراؤها الغاية العظمى والعليا: وهي ابتغاء مرضاة الله وحده جل جلاله. قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون. وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم ابراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير} سورة الحج الآية: 77 – 78، هذه مهمة المسلم في الحياة وغايته فيها، عبادة الله وحده وجهاد في سبيله: يجاهد نفسه حتى يحملها على الطاعة ويبعدها عن المعصية، ويجاهد بقلمه ولسانه وماله ويده في سبيل الله حتى تعلو كلمةالله ويستنير البشر بنور الإسلام. وقد اختار الله تعالى المسلمين لهذه المهمة الخطيرة، مهمة هداية الناس وقيادتهم للحق واخراجهم من الظلمات إلى النور، فلا مجال للتخلي عن هذه المهمة الشريفة وهذه المكرمة العظيمة التي أكرم الله بها المسلمين، بل عليهم أن يقابلوها بالرضى والنهوض بها وشكر الله عليها.

التجافي عن دار الغرور والتعلق بالآخرة

385- لا شيء أفسد للقلب من التعلق بالدنيا والركون إِليها وإيثارها على الآخرة فان هذا الفساد يقعد للمسلم عن التطلع إلى الآخرة والعمل لها، وإتعاب الجسد في سبيل الله والدعوة إليه وهيهات لقلب فاسد مريض أن يقوى على مهام الدعوة إلى الله. إن الدنيا فيها قابلية الاغراء، ولهذا وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله "ان الدنيا حلوة خضرة وان الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقواالنساء" وحذرنا الله تعالى من الوقوع في شباكها والتعلق بها {يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا وال يغرنكم بالله الغرور} سورة فاطر الآية: 5. ووجه الاغراء في الدنيا والاغترار بها أن فيها مباهج وملذات يحس بها الانسان بجميع حواسه وتهواها نفسه بطبيعتها، وتؤثرها على ما سواها {كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة} سورة القيامة الآية: 20-21، فاذا تركت النفس وشأنها زاد تعلقها والتصاقها بها حتى تصبح هي كل غايتها ومنتهى أملها ومبلغ علمها {فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم} سورة النجم الآية: 29-30. وإذا ما وصلت النفس إلى هذا الحد فقدت حاسة القبول والاعتبار وعند ذاك لا يجدي معها وعظ ولا تذكير، وبالتالي وبالبداهة لا يصلح صاحب هذه النفس ان يكون داعياً إلى الله.

فما هو العلاج لتخليص القلب من اسر الدنيا وتعلقه بها؟ العلاج في ذلك تيقن زوال الدنيا ومفارقتها وتيقن لقاء الآخرة وبقاءها ثم يقارن بين الأمرين فيؤثر الآخرة على الدنيا. قال تعالى: {وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا} سورة القصص الآية: 60، وقال تعالى: {قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا} سورة النساء الآية: 77، {ما عندكم ينفد وما عند الله باق} سورة النحل الآية: 96، وان يحضر في ذهنه هذا الذي تيقنه. وهذه الغاية واستحضارها في الذهن لا تكفي وحدها بل لا بد من قطع التسويف وطول الامل حتى يحس بالغربة في هذه الدنيا، وانه قد يرحل عنها في أية ساعة، قال صلى الله عليه وسلم: "إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح.." وقال عليه الصلاة والسلام: "ما لي وللدنيا، ما أنا والدنيا إلى كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها".

وإذا وسوس له الشيطان والقى في روعه أنه شاب قوي موفور الصحة والعافية، فليطرد وسواسه باستحضار الشباب الذين رحلوا وهم الآن تحت الثرى، وإذا لج الشيطان في وسوسته فليخرج إلى المقابر ويستنطق الراقدين كم فيهم من الشباب الذين شربوا كأس الموت مبكرين، ثم ليرجع إلى محلته وليعد شيوخ وكهول بلده فسيجدهم أقل من عشر رجال بلده، ومعنى ذلك أن الموت في الشباب كثير لم ينج منهم إلا القليل وهم الكهول الحاضرون.

فاذا قصر أمله في الحياة انبعث إلى التجهز للآخرة بعمل الطاعات: إذ لا يدري متى ينادى عليه بالرحيل.

فاذا تخلص الداعي المسلم من التعلق بالدنيا وأفرغ ما في قلبه من سمومها واقبل على الآخرة أحس بغربة شديدة في الدنيا ولكن مع خفة في روحه واقبال شديد على مراضي ربه وعلى رأسها الدعوة إليه وهداية الحيارى من عباده، لا يعيقه عن ذلك تعب ولا نصب ولا ألم ولا سفر ولا سهر ولا بذل ولا تضحية، لأن ذلك كله من الزاد المؤكد نفعه وفائدته في سفره الطويل البعيد إلى الآخرة، بل انه سيجد في تعبه راحة، وفي ألمه لذة وفي بذله ربحاً وفي تضحيته عوضاً مضموناً. وليس فيما أقوله خيالاً أو مبالغة، فإن الغريب عن أهله الذي طالت غربته وازداد شوقه إليهم سيجد لذة وهو يعد أسباب سفره إليهم وإن كان في اعداد ذلك تعب لجسمه وسهر في ليله ومن جرب عرف...

[1] مدراج السالكين لابن قيم الجوزية ص 469 – 470.

[2] مدراج السالكين لابن القيم ج 1 ص 452.

الفصل الثاني - عُدّة الدّاعي - المبحث الثاني - الايمان العميق

حقيقة الايمان العميق

379- نريد بالايمان العميق، أن الداعي المسلم تيقن بأن الإسلام الذي هداه الله إليه وأمره بالدعوة إليه، حق خالص لأنه هدى الله وماعداه باطل وضلال قطعاً، قال تعالى: {قل إن هدى الله هوالهدى} سورة البقرة الآية: 120، {فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون} سورة يونس الآية: 32، وان هذا اليقين بأحقية الإسلام صار عند الداعي المسلم كالبدهية وكالواحد زائد واحد يساوي اثنين، ومن ثم لا تقبل هذه البدهية أي نقاش أوجدال أو شك أو مراجعة أوإعادة نظر. وتيقن أن أي تحول عن هذا اليقين وميل إلى غيره يعنى اتباع الاهواء الباطلة التي فيها الضلال وضياع الايمان قال تعالى: {قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين} سورة الأنعام الآية: 56، إن هذا الايمان العميق بأحقية الإسلام قائم على علم قطعي بيِّنة راسخة لا شك فيها، وان كذب بها المبطلون الضالون الذين لا يبصرون الحق المنزل من عند الله لا لخفائه ولكن لعمى أبصارهم وموت قلوبهم فلا يتصور ميل الداعي المسلم إلى باطلهم ولا يتصور منه الشك في دعوته، كما لا يتصور ارتياب البصير في بصره إذا وجد نفسه بين العميان، قال تعالى: {قل إني على بينة من ربي وكذبتم به، ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين} سورة الانعام الآية: 57، وان هذه البينة التي أقام عليها الداعي المسلم ايمانه العميق مستمدة من ذات الإسلام وطبيعته لا من شيء خارج عنه، ولهذا فان ايمانه العميق ينبض به كيانه كله ويسري فيه مسرى الدم ولا يمكن أن يتأثر أو يضعف أو يزول لأي سبب خارجي مهما كان نوع وطبيعة هذا السبب الخارجي فهو ليس من الذين قال الله فيهم {ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خيرٌ اطمأن به وإنْ أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين} سورة الحج الآية: 11، فهذا شأن المنافق أوضعيف الإيمان المرتاب كما قال عبد الرحمن بنزيد بن اسلم "هو المنافق ان صحلت له دنياه أقام على العبادة وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت انقلب فلا يقيم على العبادة إلا لما صلح من دنياه فإن اصابته فتنة أو شدة أو اختبار أو ضيق ترك دينه ورجع إلى الكفر"[1].

فايمان الداعي العميق ثابت لا يتزعزع مهما صادفته محنة أو شدة ومهما كانت حاله من ضعف وقلة، ومهما كان حال الكفرة من قوة ومنعة، حتى لو بقي وحده في الأرض، وهكذا كان ايمان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع أحوالهم يوم كانوا في مكة محاصرين يعذبهم الكفرة، ويوم هاجروا فارين بدينهم إلى الحبشة. ويوم هاجروا إلى المدينة ويوم انتصروا في بدر وانكسروا في أحد وحوصروا في الخندق، انهم في جميع تلك الاحوال التي تقلبوا فيها لم يتزعزع ايمانهم ولم يسترب إلى قلوبهم ذرة من الشك في كونهم على الحق وموصولين بالحق ويدعون الى الحق وان الكفرة في ضلال مبين قال تعالى: {له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} سورة الرعد الآية: 14، ولا يضعف إيمان الداعي انصراف الناس عنه وعدم اجابتهم له. فقد لبث نوح عليه السلام كما أخبرنا الله عنه {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً} سورة العنكبوت الآية: 14، ولم يؤمن له إلا القليل. كما لا يدل انصراف الناس عنه انه مقصر في دعوته ما دام قد أفرغ جهده فالتقصير يعرف – إن وجد – من قلة ما يقدمه الداعي للدعوة لا من عدم اجابة المدعو.

ضرورة هذا الايمان للداعي المسلم

380- إن مثل هذا الايمان العميق ضروري لكل مسلم، وهو للداعي أشد ضرورة في الوقت الحاضر الذي ضعفت فيه كلمة الإسلام وعلت فيه كلمة الكفر ونضب معين الايمان في النفوس، وازدادت محن المسلمين، وصال الكفرة عليهم وجالوا، وصارت لهم دول كبار تحميهم وتقذف بالباطل وتثير الشبهات والشكوك حول أحقية الإسلام. وزاد من هذه المحنة وجود ادعياء الإسلام وعلماء السوء، البائعين دينهم بدنياهم والمستترين وراء كلمة الإسلام يقولونها بألسنتهم ويخفون وراءها باطلاً كثيفاً، وضلالاً عظيماً. ومع هذا فان المسلم ولا سيما الداعي المسلم الصادق يجب أن لا تدهشه هذه المحن وهذه الاحوال بل يجعلها دافعاً للمزيد من بذل الجهد في سبيل اعلاء كلمة الله وتلمس الدواء والعلاج لما آل إليه أمر الإسلام، وان لا يبقى مفتوح العينين محدقاً بالكفرة اعجاباً بهم واكباراً لهم فانهم والله على ضلال مبين يحتاجون إلى تقويم وتهذيب وتأديب لا إلى تعظيم وتفخيم وليستحضر الداعي المسلم في ذهنه ما رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري، قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً حديثاً عن الدجال، فكان فيما حدثنا به انه قال: "يأتي الدجال وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة فينزل بعض السباخ[2] التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل، وهو خير الناس أو من خير الناس فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته، هل تشكون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيقتله ثم يحييه، فيول: والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني الآن، قال فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه"[3]. وفي هذا الحديث الشريف فوائد عظيمة جداً منها أن الدجال ادعى الالوهية والربوبية وفتن الناس بدعوته لما أوتيه من الخوارق ومنها انه يقتل الشخص ويحييه ويأمر الأرض بالانبات فتنبت ويأمر المطر بالنزول فينزل كما وردت بذلك الآثار ويتبعه دهماء الناس وجهلتهم الخالية قلوبهم من معاني الايمان وأنواره، ولكن ذلك المسلم الذي يخرج له لم يشك قط في أنه هو الدجال الكذاب، ولم تؤثر في ذلك المسلم خوارقه ولا كثرة اتباعه، ولا في اعتزازه هو بالإسلام لأن دعوة ذلك الدجال باطلة قطعاً لمخالفتها لمعاني الإسلام الحقة فلا يمكن أبداً أن ينقلب الباطل حقاً لأي سبب خارجي مقترن به ولو كان من خوراق العادات كما لا يمكن أبداً أن يصير الإسلام الحق باطلا بكون المؤمن به رجلا واحداً أعزل ولهذا ولما قتل الدجال ذلك المسلم ازداد يقيناً بأنه على الحق وان الدجال مبطل كذاب وان خوارقه تصديق لخبر الرسول صلى الله عليه وسلم وبالتالي يظل ذلك المسلم على ايمانه وان كان وحيداً لا حول له ولا قوة ولا ناصرا...

ثمرات هذا الايمان ولوازمه

381- ان لهذا الايمان العميق لوازم وثمرات لا بد منها ويستحيل تخلفها وإذا ما تخلفت أو ضعفت كان ذلك دليلا قاطعاً على عدم وجود هذا النوع من الايمان أو دليلاً على ضحالته وضعفه، فما هي هذه الثمرات واللوازم؟ الواقع انها كثيرة وهي مذكورة في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم في باب صفات المؤمنين فما على المسلم إلا أن يتلو تلك الآيات والأحاديث الشريفة ويقف عند كل صفة وردت فيها ويتمعن في معناها ويتأمل في مدلولها ثم يرجع إلى نفسه ويتفحصها ويسبر على مقدرا ما فيها من معاني تلك الصفة فان وجدها فيه فليحمد الله تعالى وان لم يجدها أو وجدها هزيلة فليتدارك ايمانه ويعيد النظر فيه ويقويه ويعمقه ويتعاهده ويغذيه بالغذاء الايماني الخاص، فانه سيثمر إن شاء الله تعالى الثمر المطلوب، وتنصبغ نفسه بصبغة أهل الإيمان العميق ويكفينا هنا أن نذكر بعض هذه الثمار الطيبة للايمان العميق وبعض لوازمه لأهميتها ونترك غيرها لمقام آخر إذا يسر الله تعالى ذلك.

أولاً: المحبة

382- محبة العبد لربه ومحبة الرب لعبده من ثمرات الايمان المنوه به في القرآن قال تعالى: {يحبهم ويحبونه} سورة المائدة الآية: 54، وهي من ثمرات الايمان العميق بل هي روح الايمان ولبه لأن الايمان يقوم على المعرفة اليقينية بالرب جل جلاله كما قلنا، ومن عرف ربه أحبه كما قال الحسن وكلما قويت المعرفة ازداد عمق الايمان وازدادت محبة العبد لربه. وقوة المعرفة إنما تكون بالفكر الصافي في صفات الرب وعظمته ونعمائه التي أعظمها هدايته للداعي المسلم إلى الإيمان به {وقالوا الحمد الله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} سورة الأعراف الآية: 43، وحب المسلم لربه تعالى يمتد إلى ما يحبه المحبوب جل جلاله ولهذا يحب المسلم نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم لأنه حبيب الله ورسوله إلى الناس ومبلغهم الإسلام وكذلك يحب المسلم القرآن وتعاليم الإسلام لأنها رسالة الله ويحب المؤمنين لأنهم عباد الله المطيعين الذين يقومون بعبادة مولاهم. وحب المسلم لله وما تعلق به يترك أثراً طيباً حلواً في نفس المسلم يحس بحلاوته وطيبه قال صلى الله عليه وسلم "ثلاثة من كن فيه وجد حلاوة الايمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وان يكره أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار وان يحب المرء لا يحبه إلا الله". فحب العبد لربه يستلزم هذه الأمور قطعاً ولا يمكن أن تتخلف عنه وقد يكون من المفيد أن أتبسط ولو قليلا في لوازم محبة المسلم لربه جل جلاله وأجعل هذه اللوازم في فقرات زيادة في ايضاحها وإظهارها لعظيم اهميتها، فأقول:

لوازم محبة العبد لربه

383- قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم} سورة المائدة الآية: 54، وقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله} سورة آل عمران الآية: 31، فلوازم محبة المسلم لربه في ضوء هاتين الآيتين الكريمتين هي:

أولاً: أذلة على المؤمنين، فالمسلم رقيق رحيم شفيق على اخيه المسلم والداعي وهو يدعو أخاه المسلم إلى ما يرضي الله، يستشعر هذه الشفقة والرحمة التي تصل إلى صورة الذلة المشروعة وسنتكلم عن هذه فيما بعد وهذه مثل قوله تعالى في صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه {رحماء بينهم} سورة الفتح الآية: 29.

ثانياً: أعزة على الكافرين، وهذا مثل قوله تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار...} سورة الفتح الآية: 29، لا يهين ولا يستكين ولا يشعر بصغار امامهم ولا في غيبتهم، لا في ظاهره ولا في باطنه، فهو قوي عليهم بقدر ما هو لين على المؤمنين.

ثالثاً: يجاهدون في سبيل الله، والجهاد في سبيل الله يعني جهاد النفس الدائم حتى تستقيم وتثبت وتستمر على طاعة الله وجهاد العدو حتى يخنس وينكف ضرره، وجهاد الدعوة إلى الله حتى يتم التبليغ والتبيين ويتيسر للناس سبل الهداية. وهذا الجهاد المبذول من الداعي المسلم في دعوته إلى الله تعالى يظهر ويتميز بالانشغال التام في أمور الدعوة والافتكار بها وتقليب وجوه الرأي في وسائلها والحرص على نجاحها، وإيثارها على الولد والمال والنفس والراحة وحطام الدنيا كلها قال تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم واخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهي القوم الفاسقين} سورة التوبة الآية: 24.

رابعاً: لا يخافون لومة لائم، أي لا يردهم عما هم فيه من طاعة الله والدعوة إليه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يردهم عن ذلك راد ولا يصدهم عن ذلك صاد ولا يمنعهم منه لوم اللائمين، ولا عذل العاذلين[4].

خامساً: متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في هديه في جميع أحواله بالاضافة إلى طاعة أمره والابتعاد عما نهى عنه {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} سورة الحشر الآية: 7، فهو قدوة الداعي إلى الله. يقتدي به في سيرته في دعوته إلى الله خطوة خطوة {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} سورة الأحزاب الآية: 21، وانفع شيء للداعي المسلم أن يتفقه في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته في الدعوة إلى الله منذ أن بعثه الله إلى أن اختاره إلى جواره الكريم، ووجه هذا النفع للداعي أن سيرة رسول الله عليه الصلاة والسلام هي ترجمة عملية للمنهج الرباني للدعوة إليه الذي جاءت به آيات الله في قرآنه وما من حالة قط يمر بها الداعي إلى الله إلا يجد مثيلها أو شبيهاً لها أو قريباً منها في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وكيف تصرف ازاءها سيد الدعاة إلى الله. إن التفقه في السيرة النبوية إذا انضم إلى التفقه في القرآن لا سيما فيما يخص الدعوة إلى الله، يجعل الداعي على نور من ربه وفرقان مبين يبين له الصواب في الأمور المشتبهة والدقيقة. والذي يعين على متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم استحضار شخصه الكريم في فكر الداعي ومصاحبته مصاحبة روحية وجدانية وتخيل مواقفه المختلفة واستحضار صفاته الكريمة وعظيم شفقته على الأمة، فان هذا ونحوه سيزيد من محبة المسلم لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وكلما ازدادت محبته له ازداد تعلقه به ومتابعته له.

384- ومن لوازم محبة الداعي المسلم لربه المستفادة من القرآن والسنة وطبيعة المحبة أمور أخرى منها:

أ) الولع بذكره تعالى في كل حين فلا يفتر عنه لسان الداعي ولا يخلو منه قلبه فمن أحب شيئاً أكثر بالضرورة من ذكره وذكر ما يتعلق به، ومن هنا كان من علامات المحبين، الاكثار من تلاوة كتابه جل جلاله، فهو ربيع قلوبهم وأنيسهم في وحدتهم والنور الذي ينير صدورهم، وكذلك ذكر الله في كل حين وفي كل مناسبة، ولهذا يستحب للداعي المسلم أن يأخذ نفسه بأوراد الذكر التي وردت بها السنة النبوية يتلوها بعد صلاة الصبح وعند النوم وعند الخروج والدخول والأكل والشرب واللباس والسفر والاقامة وفي الاسحار.

ب) يأنس بمناجاة الله بالخلوة فهو لا يستوحش منها ولا يضيق بها بل يستغلها فرصة لهذه المناجاة.

جـ) يتنعم بطاعته ولا يستثقلها فان المحب يتلذذ بخدمة محبوبه وينشط لها ولهذا كانت الصلاة قرة عين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وراحة لنفسه الكريمة من تعب الدنيا. قال الجنيد رحمه الله: علامة المحب دوام النشاط في طاعة الله.

د) لا يتأسف على ما يفوته مما سوى الله عز وجل ويعظم تأسفه على فوت كل ساعة خلت عن ذكر الله وعن القيام بخدمته وطاعته.

هـ) يؤثر ما يحبه الله على ما يحبه هو في ظاهره وباطنه، فان المحب الصادق يؤثر دائماً ما يحبه محبوبه، ولا يبالي بالمشاق والاتعاب في هذا الإيثار.

ز) يحب لقاء الله لأن المحب يحب لقاء الحبيب وبالتالي فهو لا يكره الموت إذا جاء لأنه مفتاح اللقاء وطريق الوصول إلى الله.

ح) الغيرة لله وعلامتها الغضب إذا انتهكت محارم الله وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغضب لنفسه وإنما يغضب لربه إذا انتهكت محارمه. ومع هذه الغيرة حزن يصيب المسلم إذا رأى مخالفة المسلمين لشرع الله، روي أن أحد الصحابة – وأظنه أبا الدرداء – دخل إلى بيته يبكي، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: دخلت المسجد فرأيت الناس لا يقيمون صلاتهم على النحو الذي شاهدته في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.

ثانياً: الخوف

385- ومن ثمرات الايمان العميق ولوازمه الخوف من الله. فإن رأس الحكمة مخافة الله. ومن عرف الله خافه من خاف الله لم يخف أحداً من الناس وخافه الناس. وبيان ذلك أن حقيقة الخوف عبارة عن تألم القلب بسبب توقع المؤلم في المستقبل. وسبب هذا الخوف العلم بالمفضي إلى وقوع هذا المؤلم في المستقبل فالخوف من الله علم المسلم بما يفضي إلى عقابه وهوعصيانه وعدم القيام بحقه تبارك وتعالى. ويزداد هذا الخوف كلما فقه المسلم عظم الجناية في مخالفة الرب تبارك وتعالى وانه جل جلاله لو أهلك العالمين لم يمنعه من ذلك مانع. وأعظم ما يقوي جانب الخوف في العبد تدبر آيات الوعيد في القرآن فانها حق وصدق، لا مبالغة فيها ولا تخييل، وان العباد مجزيون على أعمالهم حتى الذرة من الخير أوالشر يعملونها. فاذا حصل عنده هذا الايمان العميق بأثر الذنوب ودقة الحساب وتفرد الله بالحكم يوم الحساب ومجهولية الخاتمة، انبعثت في القلب الخشية من الرب جل جلاله، وابتعد المسلم عن مفضيات المكروه المؤلم. ثم لا تلبث هذه الخشية وحرقة الخوف أن تفيض من القلب على البدن، فلا يرى المؤمن إلا وجلا كالمصاب الحزين لا يمزح ولا يهزل ولا يضحك إلا تبسماً، فان الحزين الخائف المشدوه لا يجد فرصة للهزل وان وجدها لا يستطيعه ولا يقدر عليه. وللخوف أثره القطعي فان من خاف من شيء هرب منه وابتعد عنه وأخذ الوقاية منه ولهذا يفر من الاسد الهائج والنار المحرقة. والذنوب والمعاصي عقارب وحيات ومؤذيات ومحرقات، لا بد أن يفر منها كل خائف من الله ولا بد أن يغلبها بالطاعات.

إن الداعي المسلم إذا ما استشعر خوف الله، انكف وانزجر عن المخالفات واندفع إلى ما يقي نفسه من المؤذيات والمؤلمات في الآخرة، وعلى رأس الوقاية تقوى الله وفي مقدمة تقوى الله الجهاد في سبيل الله ومنه الدعوة إليه. وازداد بخشيته من ربه هدى ورحمة قال تعالى: {وهدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون} فالهدى والرحمة للخائف لا للآمن.

ثالثاً: الرجاء

386- ومن ثمرات الايمان العميق الرجاء، وعدم القنوط من رحمة الله. ذلك أن الله تعالى وعد عباده المؤمنين بما وعدهم به في كتابه المجيد ومنعهم من القنوط. والشأن في صاحب الايمان العميق أن يؤمن بهذا الوعد الصادق من الرب القادر الرحيم.

فيحمله هذا الرجاء على تحقيق أسبابه، وأسبابه هي طاعة الرب ومنها الدعوة إليه. لأن حقيقة الرجاء ارتياح القلب لانتظار ما هو محبوب للنفس عند حصول أكثر أسبابه، فان كان انتظاره مع فقد أسبابه كان حمقاً وغروراً، فرجاء رحمة الله وتأييده ورضوانه يكون بتحصيل أسباب ذلك التي أخبرنا الرب بها ووعد عليها الرحمة والتأييد والنصر والرضوان، فيندفع المسلم ذو الايمان العميق الى تحصيل هذه الاسباب جهد الإمكان بلا تسويف ولا تأخير راجياً من الله تعالى أن يوقفه الى تصحيح هذه الاسباب والاستمرار على تحصيلها وقبولها منه. إن حالته حالة الذي نثر البذر في الارض الخصبة الجيدة وأوصل اليها الماء والسماد وظل يتعهدها الى وقت الحصاد راجياً الله تعالى أن يحفظ زرعه ويدفع عنه الآفة. والداعي المسلم في رجاء دائم لا يقنط أبداً لأنه آمن بوعد الله للعاملين الداعين بالنصر والتأييد والثواب الجزيل فهو مضمون النصر والتأييد من الرب الجليل.

[1] تفسير ابن كثير ج 3 ص 209.

[2] نقاب المدينة أي طرقها وفجاجها، وهو جمع نقب وهو الطريق بين جبلين والسباخ جمع سبخة وهي أرض لا تنبت لملوحتها.

[3] صحيح البخاري ج 9 ص 109، صحيح مسلم ج 16 ص 71-72.

[4] تفسير ابن كثير ج 2 ص 70.

الفصل الثاني - عُدّة الدّاعي - المبحث الثالث - الاتصال الوثيق

379- معناه وآثاره

نريد بالاتصال الوثيق تعلق الداعي المسلم بربه وتوكله عليه في جميع أموره لتيقنه بأن الله تعالى هو المنفرد بالخلق والتدبير والضرر والنفع والمنع والعطاء وانه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وان الله تعالى يكفي من يتوكل عليه ويفوض الأمور إليه {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} لا سيما من يتوكل عليه في أمور الدعوة الى الله ونصره وإعلاء كلمته وجهاد اعدائه، قال تعالى حكاية عن موسى وهارون: {قالا ربنا إننا نخاف ان يفرط علينا أو أن يطغى، قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى} وهذه المعية النصر والتأييد غير مقصورة على أنبيائه ورسله المتوكلين عليه في تبليغ رسالاته، وانما هي شاملة لعباده المتقين لا سيما الدعاة منهم الى دينه. قال تعالى: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون}.

380- وحالة الداعي المسلم في توكله على الله وصلته به يجب أن تكون كحالة الطفل مع أمه لا يعرف غيرها ولا يتعلق إلا بها ولا يفزع إلا إليها ولا يعتمد إلا عليها وإذا نابه شيء لم يهتف إلا باسمها. ولكن هذه الحالة لا تعني ترك الاسباب وإنما تعني عدم التعلق بها والركون إليها لأن التعلق يكون بمسبب الاسباب الله جل جلاله القوي العزيز.

381- ويزداد هذا الاتصال بالرب جل جلاله إذا استحضر الداعي المسلم ما يعلمه ويؤمن به يقيناً وهو أن الخلق لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعاً ولا ضرّاً وان الامور كلها بلا استثناء بيد الله القوي العزيز فاذا استحضر الداعي هذه المعاني في قلبه فانه سيزهد حتماً في الاعتماد على أي مخلوق، ويتوجه بكليته الى خالقه ومولاه وناصره {بل الله مولاكم وهو خير الناصرين} {الله ولي الذين آمنوا}.

ومع اعتماد الداعي على الله في جميع أموره فانه يثق بربه ثقة كاملة بأنه يحفظه وينصره ويدفع عنه الشرور، قال تعالى: {إن الله يدافع عن الذين آمنوا} {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وان جندنا لهم الغالبون}.

382- ولكن لا يجوز للداعي المسلم أن يحدد لله وقتاً لانزال نصره واعانته على اعدائه ولا نوعاً معيناً أو كيفية معينة لهذا النصر أو العون قال تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "المراد بالنصر الانتصار لهم ممن آذاهم، وسواء كان ذلك بحضرتهم أو في غيبتهم أو بعد موتهم كما فعل بقتلة يحيى وزكريا وشعيبا: سلط عليهم من أعدائهم من أهانهم وسفك دماءهم، فسلط على اليهود الذين أرادوا قتل عيسى عليه السلام، سلط عليهم الروم فأهانوهم وأذلوهم وأظهرهم الله تعالى عليهم وقال السدي: لم يبعث الله عزّ وجل رسولا قط إلى قوم فيقتلونه أو قوماً من المؤمنين يدعون الى الحق فيقتلون فيذهب ذلك القرن حتى يبعث الله تبارك وتعالى لهم من ينصرهم فيطلب بدمائهم ممن فعل ذلك بهم في الدنيا، قال: فكانت الانبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا وهم منصورون فيها، وهكذا رسوله: أمره بالهجرة ثم رجع إليها فاتحاً منتصراً"[1].

383- وما دام الداعي المسلم ينصر الله أي ينصر دينه بالدعوة إليه، فان الله تعالى ناصره قال عز وجل {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز} فعلى الداعي أن يتيقن ذلك ولا يشك فيه أبداً. قال صلى الله عليه وسلم عند رجوعه من الطائف، وقد رده أهلها أسوأ رد، وكان معه زيد، قال عليه الصلاة والسلام لزيد: "إن الله جاعل لما ترى فرجاً ومخرجاً، وان الله تعالى ناصر دينه ومظهر نبيه"[2]، والداعي لا ييأس أبداً لأن اليأس حرام أن يتسرب الى القلب الموصول بالله، وإنما يدخل قلوب الكافرين المنقطعة صلتهم بالله، قال عز من قائل {ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}. إن هذا الاتصال بالرب جل جلاله ضروري جداً للداعي المسلم فيه تهون عليه الصعاب وتخف الآلام وتنتزع من قلبه الخشية من الناس {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل}. ويحس بعزة الايمان لانه موصول بالقوي العزيز {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون}. فلا يعظم في عينه باطل ولا مبطل لأن الباطل وأهله من التافه الحقير فلا يمكن أن يعظم في أعين المؤمنين.

[1] تفسير ابن كثير ج 4، ص 83 وقد ذكر القرطبي في تفسير هذه الآية قريباً مما ذكره ابن كثير، تفسير القرطبي ج 15، ص 322.

[2] امتاع الاسماع ص 28.

الفصل الثالث - أخلاَق الداعي

أخلاق الداعي هي أخلاق الإسلام

379- أخلاق الداعي المسلم هي أخلاق الإسلام التي بينها الله تعالى في قرآنه وفصلها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته، وانصبغ بها صحابته الكرام في سلوكهم. وهي لازمة لكل مسلم، وما عليه إلا أن يعرض نفسه عليها ليزن نفسه في ميزانه ليعلم ما عنده منها وما لم يصل إليه بعد وقد ذكرنا جملة من هذه الأخلاق في فصل سابق، فارجع إليه إن شئت ونريد هنا أن نذكر بعض تلك الأخلاق الإسلامية التي لها صلة وثيقة بعمل الداعي ويحتاج إليها حاجة ملحة تبلغ حد الضرورة إذا أراد النجاح في عمله الطيب المبرور.

أولاً: الصدق

380- في كتاب الله تعالى آيات كثيرة تتحدث عن الصدق وفضيلته وتأمر المؤمنين بأن يكونوا مع الصادقين {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} سورة التوبة الآية: 119، وأنه في يوم القيامة ينفع العبد وينجيه من سخط الله ويؤدي به إلى الجنان {هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم} سورة المائدة الآية: 119. وحقيقة الصدق حصول الشيء وتمامه وكمال قوته واجتماع أجزائه. هكذا قال ابن قيم الجوزية في مدارجه. ويكون في القصد والقول والعمل، ومعناه في القصد كمال العزم وقوة الارادة على السير إلى الله وتجاوز العوائق ويكون ذلك بالمبادرة الى أداء ما افترضه الله عليه وفي مقدمته الجهاد في سبيله ومنه الدعوة إلى الله، والصدود عن كل معوق أو مثبط والانصراف عنهم والنفرة منهم لأنهم أناس في غفلة يعيشون ولا يعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا، ذلك مبلغهم من العلم وهو في حقيقته الجهالة والهوى. والحقيقة أن قلب الصادق شديد الحساسية لا يحتمل هؤلاء المثبطين ولهذا فهو يضيق بهم ولا يستطيع مجاورتهم ولا مصاحبتهم ولا مجالستهم. انه ينشرح صدره ويهش لمن يشوقه الى الاسراع في سيره الى الله والدعوة إليه. أما صدق القول، فمعناه نطق اللسان بالحق والصواب فلا ينطق بالباطل اي باطل كان. ويكون الصدق في الاعمال بأن تكون وفق المناهج الشرعية والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا ما تحقق للمسلم الصدق في القول والقصد والعمل أدى به ذلك الى درجة أخرى في الصديقية وهي التي أمر الله عباده المؤمنين بطلبها، موجهاً جل جلاله الخطاب الى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم {وقل ربي ادخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً} ومعنى مدخل الصدق ومخرجه أن يكون دخول المسلم في أي شيء ومباشرته لأي عمل وخروجه منه وتركه له بالله ولله بمعنى أن أفعاله وتروكه موصولة بالله وموصلة إليه، مستعيناً على أدائها بالله ومقصوده مرضاه الله فغايته هي الله وحده {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} فاذا بلغ المسلم هذه الدرجة من الصديقية لم يعد في نظره غرض مقبول لرغبته في الحياة إلا إذا كان بقاؤه فيها وسيلة لمرضاة الله فاذا فاته هذا الغرض أو لم يستطع رغب عن الحياة وأحب الموت.

روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال "لولا ثلاث لما أحببت البقاء لولا أن أحمل على جياد الخيل في سبيل الله، ومكابدة الليل، ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما ينتقى أطايب التمر ويريد الإمام عمر بهذه الثلاث التي ذكرها: الجهاد والصلاة والعلم النافع. وكلها ترضي الرب عزّ وجل"[1].

381- والداعي المسلم الصادق يظهر أثر صدقه في وجهه وصوته فقد كان صلى الله عليه وسلم يتحدث الى من لا يعرفونه فيقولون: والله ما هو بوجه كذاب ولا صوت كذاب[2]. ولا شك أن ظهور أثر الصدق في وجه الداعي وصوته يؤثر في المخاطب ويحمله ذلك على قبول قوله واحترامه إلا إذا كان عمى القلب قد بلغ منه مبلغاً عظيماً. ومهما يكن من أمر فان الصدق والنفاق أساسه الكذب. فكيف يمكن أن يكون الداعي كذاباً؟ والكذب يهدي إلى الفجور كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف يمكن أن يكون الفاجر داعياً إلى الله؟

ثانياً: الصبر

382- الصبر من فروض الإسلام. وهو نصف الإيمان. وذكره القرآن الكريم في أكثر من ثمانين موضعاً أمر به {واستعينوا بالصبر والصلاة} ونهيا عن ضده {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم} ومحبة لأهله {والله يحب الصابرين} ومعيته تعالى لهم {إن الله مع الصابرين} وعاقبته خير {وان تصبروا خير لكم} وجزاؤه عظيم {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} وأهل الصبر هم المنتفعون بالآيات والعظات {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} وهو سبب لدخول الجنان {سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار} وبالصبر اليقين تنال الامامة في الدين {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} هذا بعض ما في القرآن الكريم عن الصبر. وفي السنة النبوية آحاديث كثيرة في الصبر، منها "ما أعطي أحد عطاء خيراً له واسع من الصبر" "عجباً لأمر المؤمن، ان أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ان أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن اصابته ضراء صبر فكان خيراً له".

383- والصبر لغة: الحبس والكف، وشرعاً: هو على ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على المصائب والبلاء.

أما الصبر على طاعة الله، فيكون بالمحافظة عليها دوماً والإخلاص فيها ووقوعها على مقتضى الشرع. ومما يعين على تحصيله المعرفة بالله وحقه على العباد، وحسن الجزاء للمطيعين. واما الصبر على المعصية فيكون بهجر السيئات والفرار من المعاصي والدوام على هذا الفرار وذلك الهجر ومما يعين على تحصيل هذا الصبر استحضار الخوف من عذاب الله، وأعلى من هذا استحضار الحياء من الله والمحبة له، مع استحضار ثمرة هذا الصبر وهي ابقاء الايمان وتقويته وإنماؤه لأن المعصية تنقص الإيمان أو تضعفه أو تكدره أو تذهب نوره وبهاءه.

أما الصبر على البلاء والمصائب، فيكون بترك التسخط واحتمال المؤلم المكروه وترك الشكوى للناس فإن الصبر الجميل ينافيه الشكوى للمخلوق أما الشكوى لله فلا ينافيه، قال تعالى عن يعقوب عليه السلام: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} وقال عن أيوب {ربِ إني مسنيَ الضر وأنت أرحم الراحمين} مع قوله تعالى عنه في آية أخرى {إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أواب} ومما يستدعي هذا الصبر استحضار نعم الله التي لا تعد ولا تحصى فتهون على المصاب مصيبته ويقل وقعها على نفسه ويكون مثله مثل من يعطى ألف دينار ويفقد فلساً واحداً. ومما يعين أيضاً على الصبر على البلاء تذكر الجزاء العظيم للصابرين.

الصبر بالله ولله

384- والصبر بأنواعه إنما هو بالله بمعنى أن المسلم يؤمن بأن صبره إنما يكون بعون الله، فالله هو المصبر له، قال تعالى: {واصبر وما صبرك إلا بالله} وصبر المسلم لله أي أن المسلم يصبر طاعة ومرضاة له فالباعث على صبره محبة الله وطلب مرضاته وهذا النوع من الصبر وهو يشمل الصبر على الطاعة وعن المعصية أكمل من الصبر على الابتلاء لأن في الأول اختياراً وإيثاراً ومحبة، أما الثاني فهو صبر ضرورة ولا اختيار للصابر.

حاجة الإنسان الى الصبر

385- الصبر من الصفات اللازمة لكل إنسان، إذ بدونه لا يستطيع بلوغ ما يريد لأن المراد لا ينال غالباً إلا بتحمل المكاره وحبس النفس عليها. وهذا مطرد في جميع أمور الحياة، فالطالب يحبس نفسه على المذاكرة والدرس وكف نفسه عما تهواه من لذة وراحة حتى يستوعب الدروس لينجح في الامتحان، وكذلك التاجر، وكذلك أي صاحب غرض يريد نواله. وما يقال عن الافراد يقال عن الأمم، فالأمة التي تريد بلوغ ما تصبو إليه تحتاج الى صبر عظيم وتحمل للمشاق، والانتصار في الحروب يكون بجانب الذي يملك أسبابه ومن أعظم أسبابه الصبر، فالصبر إذن ضروري لكل إنسان في الحياة وإلا صار هشاً سريع الانكسار أمام الأحداث وما أكثرها في الحياة، فإنها مملوءة بالمنغصات والمشقات والصعاب والمؤلمات، فاذا لم يقابلها بشيء من الصبر انكسر وتفتت وتمزقت شخصيته في دروب الحياة فتسحقه الاقدام وتلقيه بعيدا عن طريق المارين.

386- وإذا كان الصبر لأي انسان من لوازم بقائه وسيره في الحياة وبلوغ ما يريد، فان الصبر أشد ضرورة للمسلم من غيره، لأن المسلم مطلوب منه أن يحبس نفسه ويكفّها عن المعصية، وفي المعاصي لذة للنفس يصعب عليها فراقها، فيحتاج الى قدر كبير من ضبط النفس ومن الارادة القوية التي تكف النفس وتمنعها من مقارفة الخطيئة.

ومطلوب من المسلم أيضاً فعل الطاعات وهذا يقتضيه أن يحبس نفسه عليها وهو الصبر على الطاعة، وهو مطالب أيضاً بأن يصبر على المقدر ولا يجزع لئلا يتحمل اثماً ووزراً بالاضافة الى ضياع الأجر والثواب.

ضرورة الصبر الى المسلم

387- وإذا كان الصبر ضرورياً لأي انسان، لا سيما للمسلم، فإن الصبر للداعي المسلم أشد ضرورة له من غيره، لأنه يعمل في ميدانين ميدان نفسه، يجاهدها ويحملها على الطاعة ويمنعها من المعصية وميدان خارج نفسه، وهو ميدان الدعوة الى الله، ومخاطبة الناس في موضوعها، فيحتاج الى قدر كبير من الصبر في المجالين. مجال النفس ومجال الدعوة، حتى يستطيع تجاوز العقبات وتحمل الأذى، فان فقد الصبر قعد أوانسحب من الميدان وحق عليه الحساب وفاته الثواب.

388- الابتلاء لا بد منه

والابتلاء لا بد منه، فلا بد من الصبر لاجتياز الامتحان بنجاح. قال تعالى: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون؟ ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين}.

وقال تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} قال تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} فالإبتلاء من سنة الله في الحياة يبتلي عباده بمن يشاء ومتى يشاء وكيف يشاء ليظهر ما في نفوسهم من إيمان ونفاق وهذا الابتلاء يكون بأشياء كثيرة على رأسها التكاليف الشرعية فهي ابتلاء وامتحان وقد يكون في تزاحم محبوبات الرب مع محبوبات النفس، فإذا آثر محبوبات الله عزّ وجل على محبوبات النفس، اجتاز هذا الامتحان والا رسب وفشل، وقد يكون الابتلاء في المصائب والآلام التي يصاب بها كالمرض وفقد الأعزة وتلف الأموال، فإذا صبر وسلم واسترجع ولم يجزع أثابه الله ثواب الصابرين، وكان في هذا الامتحان من الناجحين، وإلا كان من الخاسرين.

ابتلاء الدعاة الى الله

389- وإذا كان الابتلاء مما قضت به سنة الله في الحياة، فإن ابتلاء الدعاة الى الله مما جرت به السنة الالهية أيضاً فهم يبتلون بأذى الكفرة والمارقين بالقول والكيد واليد. قال تعالى: {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك م نبأ المرسلين} سورة الأنعام الآية: 34، وقال تعالى: {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين. واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} سورة الحجر الآية: 97-99.

وقال تعالى: {فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون}. ومعنى يستخفنك[3]: يحملونك على الخفة والطيش بعدم الصبر، والدعاة إلى الله يكيد لهم أهل الباطل ويفترون عليهم الكذب ويؤذونهم بأنواع الأذى لانهم قوم يجهلون وضالون. وقد أوذي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في مكة أشد الأذى وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرهم بالصبر "صبراً آل ياسر إن موعدكم الجنة" فعلى الداعي المسلم أن يقابل الأذى الذي يلقاه بالصبر الجميل، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام ومن قبلهم رسل الله، فان هذا الصبر مما ينعقد عليه عزم المؤمنين وتتوجه إليه إرادتهم {واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} وقال تعالى: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً، وان تصبروا وتتقوا فان ذلك من عزم الأمور}.

استدعاء البلاء ودفعه

390- وإذا كان البلاء والابتلاء مما يصيب الدعاة إلى الله، وبهذا جرت سنة الله، فهل معنى ذلك أن على الداعي المسلم أن يستدعي البلاء ويعمل على وقوعه ولا يجوز له دفعه؟ في المسألة تفسير وتوضيح لأن هذه المسألة مما يقع فيها الاشتباه والخلط بسبب سوء الفهم لا بسبب سوء النية والقصد. ولتوضيح هذه المسألة أذكر ما يأتي:

أولاً: المطلوب من الداعي المسلم أن يدعوالى الله على بصيرة بالوسائل والكيفيات المشروعة التي بينها القرآن الكريم وطبقها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فاذا أدت هذه الوسائل الى أذى يصيب الداعي فعليه أن يتقبله بالصبر لا بالجزع، وبالثبات لا بالفرار.

ثانياً: إذا كان للداعي المسلم مندوحة من الأذى، أي يستطيع أن يتوقاه ولا يجب عليه ان يقابله، فله أو عليه أن يتوقاه حسب الظروف والأحوال، فقد يباح له الابتعاد عنه وعدم مباشرة ما يستدعيه وقد يجب عليه الابتعاد وعدم مباشرة ما يستدعيه لأن الابتلاء صعب على النفس فلا يجوز الحرص عليه ولا الرغبة فيه لأن فيه فتنة مجولة العاقبة. وقد يحس المسلم من نفسه القدرة على الثبات ومن ثم لا يبالي بالابتلاء بل ربما رغب فيه إما طمعاً بثواب الله، وإما لتدخل وسوسة الشيطان ليقال عنه: ما أثبته وما أصبره على البلاء، فاذا نزل البلاء، ضعف عن الاحتمال ووقع في الافتتان ورسب في الامتحان كما روي عن أحدهم انه قال: يا رب امتحني بما شئت فأنا راض بقدرك صابر على ابتلائك، فابتلاه الله باحتباس البول، فأخذ يصيح ويولول ويطوف على الاولاد ويقول لهم: ارموا عمكم الكذاب بالحجارة.

ثالثاً: لا ينبغي للمسلم أن يتعرض لما لا يطيقه من البلاء، فيرسب في الامتحان، جاء في الحديث الشريف "لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه قالوا وكيف يذل نفسه يا رسول الله؟ قال يتحمل من البلاء ما لا يطيق"[4].

رابعاً: من الادعية المأثورة أن يسأل المسلم ربه العفو والعافية.

والعافية يدخل فيها المعافاة من الابتلاء والمؤذيات وهذا يدل على أن التخلص والخلاص من أذى أهل الباطل ممدوح ومحود غير مذموم.

خامساً: وفي وصيته عليه الصلاة والسلام لأسامة بن زيد وقد جعله أميراً على الجيش لغزو الروم قبل وفاته عليه الصلاة والسلام بأيام، قال له "ولا تمنوا لقاء العدو فإنكم لا تدرون لعلكم تبتلون بهم، ولكن قولوا اللهم اكفناهم وأكفف بأسهم"[5].

وقال ربنا سبحانه وتعالى في القرآن الكريم: {وكفى الله المؤمنين القتال} وهذا يشعر بأن عدم احتياج المؤمنين للقتال لكفاية الله تعالى يعتبر من نعمة الله على المؤنين، والقتال فيه أذى ونصب وألم فلو كان تعريض المسلم نفسه للابتلاء والأذى مطلوباً لذاته لما كان عدم الاحتياج اليه مما يمن الله به على المؤمنين.

سادساً: ايذاء أهل الباطل للمؤمنين غير مطلوب قطعاً بل هو من سيئات أهل الباطل، لأنه ايذاء لأهل الحق، فكيف يسوغ تسليم المسلم نفسه للمبطل يؤذيه ويهينه ويذله؟ ألا يكون في هذا التسليم اعانة على وقوع ما يسخط الله تعالى، والقاء للنفس في التهلكة والمهانة والذلة؟ وكل هذا لا يجوز.

سابعاً: أذِن الله للمكره أن يقول كلمة الكفر تخليصاً لنفسه من الأذى والتلف وهذا يدل على إباحة دفع الأذى وأن للمسلم أن لا يساعد على وقوعه عليه.

ثامناً: عند انسحاب خالد بن الوليد بمن معه من جند المسلمين في معركة مؤتة ودخولهم المدينة المنورة، جعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون: يا فرار، فررتم في سبيل الله، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله تعالى" ووجه الدلالة في هذا الخبر أن خالد بن الوليد ومن معه من المسلمين انسحبوا من ملاقاة العدو تخلصاً من الأذى والضرر. فعابهم المسلمون في المدينة ووصفوهم بالفرار، ولكن سيد العارفين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم نظر إلى غير ما ينظرون ورأى في انسحابهم الناجح نوعاً من النصر لتخلصهم من القتل ومن أذى المشركين واحتمال أسرهم وأن انسحابهم كتحول الجند في ساحة المعركة من جهة أخرى. فدل ذلك على أن دفع البلا ء أمر مطلوب إذا أمكن المسلم دفعه وان تسليم المسلم نفسه للأذى والضرر حيث يمكنه الخلاص ليس بالأمر الممدوح بل ولا المشروع.

تاسعاً: هاجر المسلمون من مكة الى الحبشة فراراً بدينهم وتخلصاً من أذى قريش. فدل ذلك على جواز دفع البلاء والأذى وعدم الاستسلام له بحجة تحمل الأذى في سبيل الله. لأن نفس المسلم ليست ملكه وإنما هي ملك الله، فلا يجوز اتلافها بلا فائدة تعود الى الاسلام، وليس من الفائدة أن يقول الناس: ما أثبت هذا الداعي واجرأه على تحمل الأذى في سبيل الله. بل قد يكون تحمل الأذى بهذا الدافع ولهذا الغرض رياء وطلباً للسمعة والجاه عند الناس، وهذا لا يجوز.

عاشراً: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ير بأساً من عون عمه أبي طالب وكان على دين قومه في دفع ما يستطيعه من أذى قريش عنه ولما ماتت خديجة وعمه في عام واحد سماه "عام الحزن" وقال "ما نالت قريش مني شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب" لأنه لم يكن في عشريته وأعمامه حامٍ له، ولا ذاب عنه غيره[6].

وعندما رجع عليه الصلاة والسلام من الطائف وانتهى الى حراء بعث رجلا من خزاعة الى المطعم بن عدي ليجيره حتى يبلغ رسالة ربه، فأجاره، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فأقام بها وجعل يدعو الى الله[7].

وجه الدلالة في هذه الآثار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي بحماية عمه أبي طالب له ودفعه الأذى عنه. وكذلك دخوله عليه الصلاة والسلام بجوار المطعمِ، فدل ذلك على جواز دفع البلاء والأذى عن الداعي ولو عن طريق حماية المشرك وعدم استحباب تسليم المسلم نفسه لأهل الباطل. وكذلك فعل أصحاب رسول الله الذين هاجروا الى الحبشة فعندما رجعوا الى مكة "لم يدخل منهم أحد إلا بجوار أو متخفياً"[8]، ويجب أن يعلم هنا أن الداعي المسلم في رغبته وسعيه لدفع الأذى عن نفسه إنما يقصد التمكين وإيجاد الجو المناسب لدعوته الى الله، يوضح ذلك ما جاء في السيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج الى القبائل أيام الموسم ويدعوها الى الاسلام ويقول "من رجل يحملني الى قومه فيمنعني حتى أبلغ رسالة ربي، فانَ قريشاً قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي"[9].

خلاصة القول في استدعاء البلاء ودفعه

391- ومن هذا العرض الذي قدمته والنصوص التي ذكرتها من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، والسوابق القديمة في سيرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام وهم أفقه المسلمين بشريعة الاسلام، يتبين لنا بكل وضوح ما يأتي:

أولاً: الأذى أوالضرر الذي يلحق الداعي المسلم هو بمنزلة الأمراض والمصائب التي تنزل على الانسان، فكما انه لا يحبها ولا يرغب فيها ولا يريد ايقاعها على نفسه، ولا يقدح ذلك في ايمانه، فكذلك لا يقدح في ايمانه عدم محبته ولا رغبته في وقوع أذى أهل الباطل عليه وعدم استدعاء الضرر على نفسه.

ثانياً: إن احتمال وقوع الأذى والضرر به لا يقعد به عن دعوته الى الله، ولكن الداعي لا يستدعي الأذى لنفسه. بل يعمل على عدم وقوعه وإذا وقع عمل على دفعه بكل وسيلة مشروعة في ضوء ما جاء في القرآن والسنة.

ثالثاً: إذا وقع الضرر والأذى على الداعي المسلم بالرغم من التزامه بالسير المشروع في الدعوة الى الله فعليه أن يستعين بالله ويصبر الصبر الجميل وليعلم أن الأمور كلها بيد الله تعالى وإن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله.

ثالثاً: الرحمة

392- من اخلاق الداعي الضرورية: الرحمة، وقبل أن أبين أهميتها للداعي، أذكر ما ورد في السنة النبوية[10].

قال صلى الله عليه وسلم: "لا يُرحم من لا يرحم الناس" "لا تنزع الرحمة إلا من شقي" "الراحمون يرحمهم الله تعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" "قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي رضي الله عنهما وعنده الأقرع بن حابس. فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال من لا يَرحم لا يُرحم" "دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض".

393- ومن صفات وأخلاق المصطفى صلى الله عليه وسلم، رحمته وشفقته على أمته قال تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم}. ومن شفقته صلى الله عليه وسلم دلالته لأمته على ما يبعدهم عن النار وقد مثل ذلك بمثل بليغ، قال صلى الله عليه وسلم: "إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد ناراً فجعلت الدواب والفراش يقعن فيه، فأنا آخذ بحجزكم وانتم تقتحمون فيه"[11.

ضرورة الرحمة للداعي

394- إن الداعي لا بد أن يكون ذا قلب ينبض بالرحمة والشفقة على الناس وارادة الخير لهم والنصح لهم. ومن شفقته عليهم دعوتهم الى الاسلام، لأن في هذه الدعوة نجاتهم من النار وفوزهم برضوان الله تعالى. أن يحب لهم ما يحب لنفسه وأعظم ما يحبه لنفسه الإيمان والهدى، فهو يحب ذلك اليهم أيضاً. إن الوالد من شفقته على أولاده يحرص على إبعادهم عن الهلكة ويتعب نفسه في سبيل ذلك، وأية هلكة أعظم من الضلال والتمرد على الله؟ والداعي بدعوته إنما يسعى لتخليص المتمردين العصاة من الهلاك المحقق والخسران المبين.

إن الداعي الرحيم لا يكف عن دعوته ولا يسأم من الرد والاعراض لأنه يعلم خطورة عاقبة المعرضين العصاة، وان إعراضهم بسبب جهلهم، فهو لا ينفك عن اقناعهم وإرشادهم، وقد ذكرنا في شفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الذي ضربه لنفسه الكريمة مع أمته، وهكذا كان الانبياء رحماء بمن أرسلوا إليهم مشفقون عليهم من العذاب، قال تعالى حكاية عن نوح عليه السلام {لقد أرسلنا نوحاً الى قومه يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} سورة الأعراف الآية: 56 فقوله عليه السلام {إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} لا يصدر إلا عن قلب رحيم وشفقة ظاهرة عليهم وكذلك قوله عليه السلام، وقد رموه بالضلالة {يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين، أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم واعلم من الله ما لا تعلمون. أوعجبتم ان جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون} سورة الأعراف الآية: 61-63. فجواب نوح عليه السلام مشحون بالرحمة والشفقة عليهم واللطف في مخاطبتهم، ولم يغضبه كلامهم لأنهم قوم يجهلون ولأن الداعي الرحيم لا يغضب لنفسه قط. وهكذا كان خلق رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فما كان يغضب لنفسه، وإنما يغضب إذا انتهكت حرمات الله. ثم في جواب نوح أنه ينصح لهم، أي يخلص في القول النافع المفيد لهم، بالرغم من قولهم الباطل فيه ويبين لهم أنه رسول من رب العالمين ليعلموا أن ما يخبرهم به هو الحق الصريح الواجب قبوله، وفي قبوله رحمة بهم، دليل على ما كان في قلبه عليه السلام من عظيم الرحمة بقومه.

الرحمة تهون على الداعي على ما يلقاه من الجهلاء.

395- والرحمة تهون على الداعي ما يلقاه من أصحاب الغفلة والجهالة، لأنه ينظر اليهم من مستوى عالٍ رفيع أوصله إليه إيمانه وصلته بربه، ولذا فهو ينظر اليهم كصغار يعبثون والشأن في الصغار الاطفال العبث والجهل وعدم ادراك ما ينفعهم ولذلك لا يعجب الداعي من مقابلة نصحه لهم بالاعراض والصدود والأذى كما يفعل الطفل إذا نصحته أو أبعدته مثلا عن مس النار و الشيء المؤذي فانه يصيح ويغضب وربما آذاك. إن الداعي لا يعجب من صدودهم كما قلت، ولذلك فهو يعيد الكرة معهم، ويتحمل أذاهم ويدعو لهم بالهداية وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرر دعوته الى قريش ويتحمل أذاهم ويقول "اللهم أهد قومي فانهم لا يعلمون". إن الانسان ذا القلب الرحيم لا يستكثر على الصغير أن يصدر منه الصدود عن الناصح والأذى له لأنه جاهل ومن ثم يشفق عليه ذو القلب الرحيم ولا يؤاخذه على اساءته إليه، قال تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}.

الرحمة تثمر العفو والصفح

396- وما دام الداعي المسلم ينظر الى من يدعوهم نظرة الرحمة والشفقة عليهم فانه يعفو ويصفح عنهم في حق نفسه قال تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} وإذا كان هذا هو شأن الداعي المسلم بالنسبة لمن يدعوهم ويحتمل صدور الأذى منهم فان عفو الداعي وصفحه عن أصحابه أوسع قال تعالى: {فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر}.

الفظاظة تؤدي إلى انفضاض الناس

397- والداعي المحروم من الرحمة الغليظ القلب لا ينجح في عمله ولا يقبل الناس عليه وإن كان ما يقوله حقاً وصدقاً. هذه هي طبيعة الناس ينفرون من الغيظ الخشن القاسي ولا يقبلون قوله لأن قبول القول الناصح يستلزم إقبال قلب المنصوح إليه ولا يحصل هذا الإقبال مع خشونة الطبع وغلظة القلب قال تعالى: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك} فإذا كان هذا يمكن أن يقع بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لو حصل ما ذكرته الآية الكريمة، والرسول لا ينطق إلا بالحق ومؤيد بالحق، فكيف يمكن تصور تخلف الانفضاض عن الداعي إذا كان فظاً غليظ القلب؟

فليتق ربهم الدعاة الى الله، وليتكلفوا الرحمة والرفق إن لم يكونوا رحماء حتى يكتسبوها ويألفوها، ولا يكونوا منفردين عن الإسلام بسوء أخلاقهم وغلظة قلوبهم وخشونة طبعهم وبذاءة كلامهم، فان عجزوا عن اكتساب الرحمة وحمل نفوسهم على أخلاق الإسلام فمن الخير لهم وللدعوة ترك الدعوة والانصراف الى علاج نفوسهم.

رابعاً: التواضع

التكبر حماقة وجهل

398- التكبر حماقة وجهل ودليل قاطع على جهل المتكبر بربه وبنفسه، فلو عرف ربه لعلم أن الكبرياء لله وحده قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عزّ وجل "العز إزاري والكبرياء ردائي فمن ينازعني في واحد منهما فقد عذبته"[12] ولو عرف المتكبر نفسه وان أوله نطفة قذرة وآخره جيفة قذرة لخجل من نفسه ووقف عند حده قال محمد بن الحسين بن علي كما ذكر صاحب "الاحياء": ما دخل قلب امرئ شيء من التكبر قط إلا نقص من عقله بقدر ما دخل من ذلك قل أوكثر.

جزاء المتكبرين

399- من جزاء المتكبر حرمانه من الاتعاظ والانتفاع بآيات الله لأن تكبره يمنعه من الانصياع للحق، فيطبع الله على قلبه ويصرفه عن آياته، ونتيجته الخيبة والفشل وسخط الله تعالى، ودخول جهنم داخراً، وفقده ما يناله المتواضعون لربهم من نعيم الآخرة وبهذه المعاني نطق القرآن والسنة النبوية، قال تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق} {كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} {واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد} {إنه لا يحب المستكبرين} {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين}.

وفي السنة النبوية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين فيصيبه ما أصابهم" ومعنى يذهب بنفسه يرتفع ويتكبر. وقال عليه الصلاة والسلام "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر". ألا أخبركم بأهل النار: "كل عتلٍ جوّاظ مستكبر".

النهي عن الكبر

400- وما ذكرناه من نصوص كلها تتضمن النهي عن الكبر، وقد جاءت نصوص أخرى فيها النهي الصريح عن التكبر منها قوله تعالى: {ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور}.

حقيقة الكبر

401- جاء في الحديث الشريف الذي رواه مسلم في صحيحه "الكبر بطر الحق وغمط الناس" أي ردّ الحق واحتقار الناس. فحقيقة الكبر استعظام المتكبر نفسه واستصغار قدر غيره فيدفعه ذلك الى رذائل ومهلكات.

فالمتكبر يرد الحق ولا يقبله ولا يذعن إليه قال تعالى: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً}. ولا يعترف بخطئه ولا تقصيره ولا سوء عمله لأنه معجب بنفسه، وفي الحديث الشريف: "ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع واعجاب المرء بنفسه".

والمتكبر يحتقر الناس ولا يرى لهم قدراً ويستنكف أن يسألهم عما يجهله ولا يقبل تعليم من يعلمه، ولا يقبل نصيحة ناصح، لأنه لا يراه شيئاً ويرى أن على الناس أن يلهجوا بالثناء عليه. يأنف من مجالستهم ومحادثتهم، يرى أنه هو الناجي وهم الهلكى. إلى غير ذلك من آثار الكبر وافعال المتكبرين.

سبب الكبر

402- وسبب الكبر عجب الانسان بنفسه لعلمه أو ماله أو جاهه أوحسبه أو نسبه أو سلطانه وغير ذلك مما يدعو إلى الاعجاب بالنفس ناسياً هذا المعجب أن الله تعالى هو المنعم بهذه الأشياء وان لو شاء لسلبها منه، فيؤدي به هذا الاعجاب إلى استعظام نفسه ورؤية قدره فوق اقدار الناس فيحتقرهم ويزدريهم.

علاج الكبر

403- وعلاج هذا الداء العضال الصعب – الكبر – واكتساب حقيقة التواضع، يكون بالمعرفة اليقينية: معرفة المتكبر لربه ولنفسه. فيعرف أن الكبرياء هي لله وحده حصراً ولا يجوز مطلقاً لأي انسان أن يسمح لذرة من الكبر ان تتسرب إلى قلبه فانها جرثومة خطرة فتاكة كثيرة التوالد تطمس نور الإيمان وتكدر الأعمال وتحبطها. وان يعرف المتكبر قدر نفسه فهو نشأ من نطفة قذرة ثم يصير جيفة قذرة، وان كل ما عنده من علم ومال وجاه وسلطان هو محض عطاء الله له، وان لو شاء الله لسلبه ذلك كله، وان ليس له من نفسه إلا العدم. ثم يأتي المتكبر على أسباب اعجابه بنفسه ثم الى تكبره، سبباً سبباً، فينقضه. فالعلم الذي عنده قليل جداً بالنسبة إلى ما يجهله {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} وهناك من هو أعلم منه {وفوق كل ذي علم عليم} فلم العجب والكبرياء؟ وان العلم الحقيقي هو الذي يثمر المعرفة بالرب جل جلاله، ويحجز النفس عن الرذائل والحماقات مثل الكبر، ويروضها على الفضائل مثل التواضع. أما العبادة التي يقوم بها المتكبر والتقوى والورع فلا تصلح سبباً للاعجاب بالنفس والادلال بها على الله والتكبر على الخلق. فما يدري هذا المسكين أن عبادته مقبولة وانه من الصالحين عند الله وخاتمته مجهولة وتزكية النفس ممنوعة {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى}. والعبادة هي حق الله على العبد ولا يحق للعبد أن يمن بها على الله ولا أن يتكبر على الغير لقيامه بما هو حق الله عليه، والله هو الذي مكنه منها وهداه إليها {وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} وأي تقوى هذه التي لا تقي صاحبها من منازعة الله حقه الخالص في الكبرياء، ولا تعصم صاحبها من التمرغ في رذيلة أخرجت ابليس من ملكوت السماوات وجعلته طريداً ملعوناً إلى يوم الدين؟ يوم امتنع عن السجود لآدم تكبراً منه عليه واعجاباً بنفسه حيث قال {أنا خير منه}. وهكذا القول في المال والسلطان والجاه وقوة الانصار والاتباع والتعزز بالاحساب والانساب فكلها من الأباطيل وإيحاءات من الشيطان الرجيم. فالمال غاد ورائح، والسلطان لا يبقى فالايام دول والجاه مثله. وقوة الانصار والاتباع لا تغني من الله شيئاً {يوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً} والتعزز بالاحساب والانساب يعني تشبث وتعزز بعظام بالية ان بقيت العظام!! وما يغني الاباء الصالحون عن الابناء الطالحين {ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت خير الحاكمين. قال يا نوح إنه ليس من أهلك انه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم اني أعظك أن تكون من الجاهلين. قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وألا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين}.

التواضع

404- وإذ قد بينا الكبر وأسبابه وبعض عواقبه وآثاره، ظهرت لنا حقيقة التواضع، فهو ضد الكبر وهو ثمرة المعرفة بالله وبالنفس فلا يمكن أبداً أن يتكبر ولا يتواضع إنسان عرف ربه وعرف قدر نفسه، وعلى هذا فاذا كان المتكبر جاهلا بربه فالمتواضع عارف بربه، وإذا كان المتكبر محتقراً غيره يراهم كالذباب وكالعبيد فإن المتواضع يفقه جيداً قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه "لا يحتقرن أحد أحداً من المسلمين فان صغير المسلمين عند الله كبير". وإذا كان المتكبر يستنكف عن مجالسة الصالحين والفقراء والضعفاء بالرغم من أن أحدهم يعدل ملء الأرض من أمثاله فان المتواضع يفقه جيداً معنى قوله تعالى {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم} وقد قال المفسرون في أسباب نزولها ان قريشاً قالت للرسول صلى الله عليه وسلم: إنا لا نرضى أن نكون أتباعاً لهؤلاء من ضعفاء المسلمين مثل صهيب وعمار وبلال وخباب فاطردهم عنك ولا تبقهم في مجلسك إذا دخلنا عليك، فاذا فرغنا وخرجنا فادخلهم إن شئت. فأنزل تعالى هذه الآية واتبعها بآية عن اولئك المتكبرين المتعجرفين الذين طلبوا طرد الضعفاء من مجلس رسول الله فقال تعالى عنهم: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً}[13]. ويفقه المتواضع جيداً معنى قول الله تعالى: {واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} وإذا كان المتكبر يجحد الحق ويرده ولا يذعن له فان المسلم المتواضع يفقه جيداً معنى قول العارف المتواضع الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى وقد سئل عن التواضع فقال: التواضع أن تخضع للحق وتنقاد له ولو سمعته من أجهل الناس قبلته.

حاجة الداعي الى التواضع

405- والداعي الى الله أحوج من غيره الى خلق التواضع، فهو يخالط الناس ويدعوهم الى الحق والى أخلاق الإسلام فكيف يكون عارياً من التواضع، وهو من ركائز أخلاق الإسلام؟ ثم إن من طبيعة الناس التي جبلهم الله عليها انهم لا يقبلون قول من يستطيل عليهم ويحتقرهم ويستصغرهم ويتكبر عليهم، وان كان ما يقوله حقاً وصدقاً، هكذا جبلت طبائع الناس فانهم ينفرون عن المتكبر ويغلقون قلوبهم دون كلامه ووعظه وارشاده. فلا يصل اليها من قوله شيء بل قد يكون ذلك سبباً الى كرههم الحق منه ومن غيره. فعلى الداعي أن يفقه هذا الأمر جيداً وليتق الله ربه ولا يكون سبباً لنفرة الناس من الدعوة إلى الله. ونزيد هنا شيئاً آخر له علاقة بالموضوع وله أهميته البالغة ذلك أن من طبائع الناس أنهم لا يحبون من يكثر الحديث عن نفسه ويكثر الثناء عليها ويكثر من قول أنا، أنا، ولهذا فعلى الداعي أن يحذر ذلك وأن لا يدعي شيئاً يدل على تعاليه كأن ينسب الى نفسه المزيد من العلم أو الفصاحة أو المعرفة. إن على الداعي أن يعرف أن جميع ما عنده هو محض فضل الله عليه فليتحدث الى الناس وهو بهذا اليقين وبهذا الشعور يتحدث اليهم بفضل الله لا بفضل نفسه فاذا عرف الناس منه ذلك فتحوا له قلوبهم أو على الأقل لم يغلقوها دون كلامه فيقع فيها من معانيه الطيبة النافعة ما يشاء الله وقوعه، والله المستعان.

406- ومن التواضع العظيم الذي قد يغفل عنه الداعي وهو مهم وضروري طاعة من أمره الشرع بطاعته كالامير ومن يتولى شؤونه أو تعليمه، وأن لا يستنكف عن هذه الطاعة ولا يحس منها بغضاضة ولا يمنعه منها كبر خفي في نفسه فيرفضها ويستثقلها أو يتهرب منها بتأويلات فاسدة هي في حقيقتها من ايحاءات الشيطان كأن يقول: هذا الامير أو المعلم غير صالح ولا كفء أو صغير أو أنا أعلم منه وأكفأ أو هذا المعلم لا يصلح أو المعلم غير صالح ولا كفء أو صغير أو أنا أعلم منه وأكفأ أو هذا المعلم لا يصلح للتعليم ونحو ذلك، وليتذكر جيداً تأمير رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد وكان شاباً على جيش كان فيه سادات المهاجرين والانصار ومشايخهم وكبارهم، قال صاحب امتاع الاسماع في هذه الحادثة: "ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم – يوم الثلاثاء لثلاث بقين من صفر – أسامة بن زيد، قال: يا أسامة، سر على اسم الله وبركته حتى تنتهي الى موت أبيك فأوطئهم الخيل، وقد وليتك هذا الجيش... فلما كان يوم الاربعاء ابتدأ مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فصدع وحم. وعقد يوم الخميس لاسامة لواء بيده وقال: يا أسامة، اغز باسم الله في سبيل الله فقاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا تتمنوا لقاء العدو، فانكم لا تدرون لعلكم تبتلون بهم، ولكنكم قولوا اللهم اكفناهم، واكفف بأسهم عنا فان لقوكم قد أجلبوا وضجوا فعليكم بالسكينة والصمت ولا تنازعوا فتفشلوا فتذهب ريحكم، وقولوا اللهم إنا عبادك نواصينا ونواصيهم بيدك، وانما تغلبهم أنت واعلموا أن الجنة تحت البارقة"[14] ثم يذكر صاحب امتاع الاسماع أن بعض الناس تكلموا عن تأمير أسامة على الجيش باعتباره شاباً لا خبرة له وإن هذا الجيش يضم المهاجرين والانصار وان عمر بن الخطاب رد على هذا الكلام على من تكلم به وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الذي قاله البعض، وان رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب لذلك غضباً شديداً وأنه عليه الصلاة والسلام خرج وقد عصب على رأسه عصابة ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال"أما بعد أيها الناس، فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري اسامة؟ والله لئن قلتم في أمارته لقد قلتم في أمارة أبيه من قبله وأنه لخليق للامارة وان كان أبوه لخليقاً لها"[15]. وقد ذكرت معظم ما ورد في قصة تأمير أسامة لما في هذا من دلالات وعبر وعظات واحكام، وأخيراً فان الداعي الفقيه يزداد تواضعاً لله تعالى كلما وفق في دعوته ونجح في مساعيه ونصره الله على اعدائه. وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد دخل مكة فاتحاً وهو منكس الرأس تواضعاً لربه واعترافاً له بفضله.

خامساً: المخالطة والعزلة

أيهما أفضل المخالطة أم العزلة؟

407- أيهما أفضل للمسلم المخالطة مع الناس أم العزلة عنهم؟ قال بعضهم العزلة أفضل، وقال أكثرهم: المخالطة أفضل، والصواب أن يقال: الأفضل للمسلم أحبهما الى الله تعالى، فاذا كانت المخالطة أحب الى الله بالنسبة لهذا المسلم نظراً لظروف حاله ومكانه وزمانه، فهي أفضل في حقه، وإذا كانت العزلة بالنسبة إليه أحب الى الله لظروف حاله وزمانه ومكانه فالعزلة أفضل في حقه.

المخالطة لا بد منها

408- والمخالطة لا بد منها فان الانسان اجتماع